أخطاء تحيط بهم، والواجب عليهم نقدُها وتغييرها، والعاقل يقيس الأمور بنتائجها.
تلك بعض التفصيلات التي تخص (المصالح) و (المفاسد) التي تكتنف هذه العمليات على حسب محدودية معرفتي في هذا المجال، وعلى كل؛ فإن تفهم قناعات حملة الرأي الآخر بالتفصيل في هذا المحل (١) ، يقود إلى مزيد من الصواب ومزيد من النفع -إن شاء الله تعالى-.
ثالثاً: الكلام على هذه العمليات من حيث الأضرار والمصالح، حاصل مع ما يحيط بالأُمة من شرور وويلات، وإلا فالجهاد في سبيل الله هو السبيل الشرعي لإعادة المحتلّ من الديار، ولا يجوز أن تنشغل الأمة عما يوصل إليه، فهو باب لا يفتحه الله إلا إلى خاصة أوليائه، حتى يصطفي منهم، ويجتبي إليه من يشاء، فعلى الأمة أن تكون فيها (أئمة دين) ، ولا تنال هذه المرتبة إلا بـ (الصبر) و (اليقين) ، مصداقاً لقول رب العالمين: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ وَكَانُواْ بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤] ، والنبي ﷺ بعث مزكياً معلماً، وحددت له هاتان المهمتان قبل خلقه، بدعاء أبيه إبراهيم: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة: ١٢٩] ، فامتنّ الله على هذه الأمة بهذه الاستجابة، ... بقوله: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ (٢)
مُّبِينٍ﴾ ... [الجمعة: ٢] ،
стр. 72
ولا سبيل إلى حصول (التزكية) إلا بـ (التربية) ، ولا اليقين إلا بـ (التصفية (١)) ، وعند تحقق هذين الأمرين تسعد الأمة وتصعد، ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ. بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٤-٥] ، ولا بد من هذا الشرط (٢) ؛ حتى نبقى نسير في الاتجاه الصحيح الموصل إلى نصر الله .
رابعاً: أن لا يترتب على هذه العمليات محاذير شرعية، من قتل الأبرياء من المدنيين، نعم؛ دفع الكفار، وإيذاؤهم، وإلحاق الضرر بهم مشروع، ولكن ... لا يُقتل المدنيون، إلا إذا أعانوا على القتال بنفس أو رأي، أو لم يمكن التمييز حال اختلاطهم بالأعداء، على تفصيل تراه في كتب أهل العلم (٣) .
ونذكر هذا الشرط؛ لأننا بصدد التأصيل، والدراسة الشرعية لهذه العمليات باختلاف أزمنتها وأمكنتها وملابساتها.
стр. 73
خامساً: لا بد من (مراعاة الخلاف) (١) في بعض الصور، وبعض الملابسات، ويقضي هذا: الفصل (٢) بين (حكمها الشرعي) ومآل (القائمين) عليها، إذ مدار التقدير على الاجتهاد.
سادساً: جميع ما سبق، هو محاولة تأصيل لهذه (العمليات) على وفق قواعد الشرع ومقاصده، على ضوء ما قرره أهل العلم، والكلام هذا في (نازلة) جديدة لم تكن معروفة قديماً بجميع حيثياتها وتفصيلاتها، وأما تنزيل الأحكام على واقعة معينة، وإعمال تطبيقاتها وتحقيق المناط فيها، فإنه من عمل العلماء المعتبرين، وأهل الفتوى الراسخين، يخرجون كل واقعة بعينها على قواعدها، مراعين نتائجها وثمارها، بعد إحكام تصورها، ومعرفة واقعها، وبالاستعانة بتقرير أهل الخبرة والمعرفة من المجاهدين من حيث أضرارها ومفاسدها، والله المستعان، لا ربّ سواه.
* من كلمات العلماء السلفيين في قضية فلسطين
هذه كلمات مبثوثة في بطون الكتب والمجلات، جمعتُها من هنا وهناك، يلمس فيها قارؤها حقائق مريرة، وتومئ إلى قضايا خطيرة، وأفكار رئيسة، وهي بمثابة (الدبابيس) تارة، و (أحكام فقهية) تارة أخرى، وفي بعضها (ما يجب علينا) تجاهها، وفي بعضها الآخر (كلمات) في مؤتمرات، وفيها -أيضاً- (قواعد) لا تتغيّر بتغيّر الأحداث والزمان، عملت على جمعها ونشرها على حد الحكمة القائلة: (من كتم داءه قتله) ، وعلى الرغم من ذلك، فسنعمل على سردها دون شرح -ولو كان في بعضها جرح- وهي جميعاً لأئمة من العلماء السلفيين العاملين المتأخّرين، والله الموفّق للصالحات، والهادي إلى الخيرات.
стр. 74
* قال محمد البشير الإبراهيمي ﵀:
«إن فلسطين وديعة محمد ﷺ عندنا، وأمانة عمر في ذمتنا، وعهد الإسلام في أعناقنا، فلئن أخذها اليهود منا ونحن عصبة إنّا إذاً لخاسرون» (١) .
* وقال -أيضاً-:
«أيها العرب! إن قضية فلسطين محنة، امتحن الله بها ضمائركم وهممكم وأموالكم ووحدتكم، وليست فلسطين لعرب فلسطين وحدهم، وإنما هي للعرب كلهم، وليست حقوق العرب فيها تنال بأنها حق في نفسها، وليست تنال بالهوينا والضعف، وليست تنال بالشعريات والخطابيّات، وإنما تنال بالتصميم والحزم والاتحاد والقوة.
إن الصهيونية وأنصارَها مصممون، فقابلوا التصميم بتصميم أقوى منه، وقابلوا الاتحاد باتحاد أمتن به.
وكونوا حائطاً لا صدع فيه ... وصفّاً لا يُرقَّعُ بالكسالى» (٢)
* وقال -أيضاً-:
«يا بخس فلسطين! ... أيبيعها من لا يملكها، ويشتريها مَن لا يستحقها ... ؟ يا هوان فلسطين! ... يقولون: إن فلسطين منسك للأديان السماوية الثلاثة، وإنها قبلة لأهل تلك الأديان جميعاً، فإن كان ما يقولون حقاً -وهو حق في ذاته- فإن أحق الناس بالائتمان عليها العرب؛ لأنهم مسلمون، والإسلام يوجب احترام الكتب والكتابيين، ويوجب الإيمان بجميع الأنبياء والمرسلين، ويضمن إقامة الشعائر لليهود والمسيحيين، لا اليهود الذين كذّبوا الأنبياء وقتلوهم، وصلبوا -بزعمهم- المسيح الصادق، وشرّدوا حواريِّيه من
стр. 75
فلسطين، وكفروا بمحمد ﷺ بعد ما جاءهم بالبينات» (١) .
* وقال -أيضاً-
«ووالله -يميناً برَّة- لو أن القوى -روحيَّها وماديَّها- انطلقتْ من عُقُلها وتظافرت، وتوافتْ على فلسطين وتوافرت، لدفنت صهيون ومطامعه وأحلامَه إلى الأبد، ولأزعجتْ أنصارَه المصوتين إزعاجاً يطيّر صوابَهم، ويُحبط ثوابهم، ويطيل حماتهم، ويكبت أصواتهم، ولأحدثت في (العالم الغربي) تفسيراً جديداً لكلمة (عربي) » (٢) .
* وقال -أيضاً-:
«هل من الصحيح أن التفجيع والتوجّعَ والتظلّم والتألّم والأقوال تتعالى، والاحتجاجات تتوالى، هي كل ما لفلسطين علينا من حقّ؟ وهل من المعقول أن التفجّع وما عطف عليه -مجتمعات في زَمن، مقترِنات في قرن- تنفع حيفاً، أو تفلّ لظلم سيفاً، أو ترُدّ عادية عاد، أو تسفّه حلم صهيون في أرض الميعاد؟! لا ... والذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى» (٣) .
* وقال -أيضاً-:
«إن الواجب على العرب لفلسطين يتألّف من جزأين: المال والرجال، وإن حظوظهم من هذا الواجب متفاوتة بتفاوتهم في القرب والبعد، ودرجات الإمكان وحدود الاستطاعة ووجود المقتضيات وانتفاء الموانع، وإن الذي يستطيعه الشرق العربي هو الواجب كاملاً بجزأيْه؛ لقرب الصريخ، وتيسُّر الإمداد، فبين فلسطين ومصر غلوة رام، وبينها وبين أجزاء الجزيرة خطوط وهمية خطَّتها يدُ الاستعمار، وإذا لم تمحُها الجامعة فليس للجامعة معنى؟ وإذا
стр. 76
لم تهتبلْ لمحوها هنا اليوم فيوشك أن لا يجود الزمان عليها بيوم مثله» (١) .
الواجب الشرعي مع يهود الجهاد في سبيل الله (٢) -تعالى-، وما عداه من حلول (احتجاجات، مظاهرات، ... ) طرق غير شرعية، لا تنكأ عدواً، ولا تسرُّ صديقاً.
* كلمة موجزة في شأن فلسطين من الوجهة العلمية:
قال العلامة المحدث السلفي أحمد شاكر ﵀ تحت عنوان (تحية المؤتمر العربي في قضية فلسطين) ما نصه:
«يا حماة الحمى، وقادة الإسلام، وزعماء المسلمين!
لو كنت شاعراً لنظمت في تحية ضيوفنا العظماء الكرام قلائد الدرر، ولو كنت خطيباً لنثرت بين أيديهم بدائع الزهور، واعترافي بعجزي أبلغ الأعذار.
إنما مثلت أمامكم أداءً لغرض، وقياماً بواجب، وكم كنت أتمنى أن يقوم في مقامي هذا والدي الشيخ محمد شاكر وكيل الأزهر سابقاً، وما حبسه عن ذلك إلا المرض، فقد ألزمه الفراش منذ بضع سنين، ولولا هذا لسمعتم صوته يجلجل في أنحاء العالم الإسلامي؛ انتصاراً للمظلومين، ودفاعاً عن فلسطين.
وإني أتشرّف بأن أُرحّب بنواب الأُمم الإسلامية وممثليها باسمه واسم إخوانه الذين جاهدوا معه في الصفوف الأولى لهذه النهضة.
وما يكون لي أن أتحدث إليكم في السياسة وأنتم هداتها وأساطينها، ولو بدا لي هذا لأقعدني الخجل والعجز، ولكني أتحدث إليكم بكلمة موجزة في شأن قضية المسلمين من الوجهة العلمية الدينية.
لقد ألقى الإنكليز الحديد والنار على فلسطين، حماية لقضية خاسرة،
стр. 77
وانتصاراً لأمة لا تقوم لها قائمة، ولن تكون لها دولة.
كلكم مسلم أو عربي، والمسلم يؤمن بالله وبرسوله وبالقرآن الذي نزل على رسوله، والمسيحي (١) العربي يصدق بنبوة محمد، ويعرف أن البشائر التي في القرآن بشائر صدق، وأن آياته كلها حق.
والله -تعالى- يقول في شأن هؤلاء اليهود: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ﴾ [آل عمران: ١١٢] .
ويقول في شأنهم: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ [المائدة: ٦٤] .
ثم الله يحكم عليها حُكماً أبدياً: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ. وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَماً﴾ [الأعراف: ١٦٧-١٦٨] .
أيها السادة! هذه صواعق من الله تنصَبُّ على رؤوس أعدائكم، وعلى رؤوس حماتهم، هذا وعد الله لكم بنصركم عليهم، والله منجز وعده، وحسب أعدائكم عهد بلفور، وهو وقومه واليهود أعجز من أن يفوا بعهده، بل هم أعجز من أن يخلفوه؛ لأنّ الله هو الذي يتولّى إخلافه بأيديكم وأيدي أعدائكم.
﴿فَلاَ تَهِنُواْ وَتَدْعُواْ إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥] .
﴿وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٣٩] .
стр. 78
أيها السادة! قد أكون أصغر سناً من أكثركم، وأظنني أقلّكم جميعاً علماً ومعرفة، ولكني أطمع في تواضعكم إذا قمت في حضرتكم بواجب النصيحة للمسلمين؛ ليكون ذكرى، والذكرى تنفع المؤمنين.
إنكم تمثّلون أُمة الإسلام، أُمة واحدة عربية، لا تفرق بينَها فوارق الجنسية، الأعجمي المسلم عربي الدين واللسان، والعربي عربي مسلماً كان أو مسيحياً، وسِمة هذه الأمة عند الله العزة: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] ، وإنكم تناوئون أمة قد ضربها الله بالذل والصَّغار، وضمن لكم النصر عليهم وإن استنصروا بسائر أمم الأرض: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ ، فلا تعطوهم من أنفسكم ما لا مطمع لهم فيه وإن بلغوا أسباب السماء.
إن هؤلاء الأذلاء كتب الله عليهم الجلاء، فقد أجلاهم النبي s عن المدينة وأرباضها، ثم جلاهم الفاروق عن الحجاز، ثم سكت عنهم المسلمون، بل حموهم حين رأوهم مضطهدين مستضعفين، فلما عادوا سيرتهم من البغي والعدوان، أعادهم الله سيرتهم من الجلاء، فجلاهم الألمان والطليان عن بلادهم، وستكون عاقبة أمرهم -إن شاء الله- أن يجليهم المسلمون عن كل بلاد الإسلام.
إن أُوربة لم تتمكن من دول الإسلام في فترة ضعفهم إلا حين أرهبتهم بغُول التعصّب، حتى صار كل مسلم يتخاذل عن دينه وعن شريعته، خشية أن يُتَّهم بالتعصب، ثم ألقَتْ بينهم بدعة القوميات؛ لتفتنهم عن وحدتهم وقوّتهم.
وإني ليُلقى في روعي أن سيكون مؤتمركم هذا فاتحة لعشرات من أمثاله، تبنون فيه حصن الإسلام، وتذودون عن حوضه، حتى تعود هذه الأمة أُمة واحدة -كما أمرها الله-.
ولا تخافوا تهمة التعصب التي يريدون أن يصلوا من ورائها إلى ما
стр. 79
يسمونه (حقوق الأقليات) ؛ فما كان المسلمون يوماً معتدين ولا ظالمين، وإن كلمة (حقوق الأقليات) لها ما بعدها، من تغلغل النفوذ الأجنبي في كل شأن من شؤون المسلمين.
ولقد قال الزعيم الخطير صاحب المعالي محمد علي علوبة باشا، بالأمس بالمؤتمر، كلمة خالدة أرجو أن تكون على ذكر منا دائماً، قال:
«وليعلم اليهود أنهم إذا فرحوا اليوم بظفر يستند إلى حراب غيرهم، فإنهم سينهزمون لا محالة يوم تغيب هذه الحراب عنهم، وأحداث الدهر كثيرة، والفرص آتية لا ريب فيها، ومَن أنذر فقد أعذر» .
وإني أعتقد أن هذه الكلمة مما يلهم الله بعض عباده؛ فهي عبرة لمن شاء أن يعتبر، وهي نذير لمن شاء أن يتدبّر النذر، وأستغفر الله لي ولكم» (١) .
* وقال السيد محمد رشيد رضا ﵀:
«إن حكم الإسلام في عمل الإنكليز واليهود الصهيونيين في فلسطين، حكم قوم من أهل الحرب أغاروا على وطن من دار الإسلام، فاستولوا عليه بالقوة، واستبدّوا بأمر الملك فيه، وشرعوا في انتزاع رقبة أرضه من أهله بتدابير منظمة؛ ليسلبوهم المِلك (بكسر الميم) كما سلبوهم المُلك (بضمها) ، وحكم من يساعدهم على عملهم هذا (امتلاك الأرض) بأي نوع من أنواع المساعدة، وأية صورة من صورها الرسمية (كالبيع) ، وغير الرسمية (كالترغيب) ؛ حكم الخائن لأمته وملته، العدو لله ولرسوله وللمؤمنين، الموالي لأعدائهم وخصومهم في مِلكهم ومُلكهم، لا فرق بينه وبين المجاهد معهم للمسلمين بماله ونفسه، فالذي يبيع أرضه لليهود الصهيونيين في فلسطين، والذي يسعى في شراء أرض غيره لهم من سمسار وغيره؛ كالذي يساعد أي قوم من الأجانب على قومه فيما
стр. 80
يحاولون من فتح بلادهم بالسيف والنار، وامتلاك أوطانهم، بل أقول -ولا أخاف في الله لومة لائم، ولا إيذاء ظالم-: إن هذا النوع من فتح الأجنبي لدار الإسلام هو شر من كل ما سبقه من أمثاله من الفتوح الحربية السياسية والدينية على اختلاف أسمائها في هذا العصر؛ لأنه سلب لحق أهل الوطن في ملك بلادهم وحكمها، ولحقهم في ملك أرضها لأجل طردهم منها، ومن المعلوم بالبداهة أنه إذا بقي لنا ملك الأرض تيسر لنا إعادة ملك الحكم، وإلا فقدناهما معاً.
هذا وإن فقد فلسطين خطر على بلاد أمتنا المجاورة لهذا الوطن منها، فقد صار من المعلوم بالضرورة لأهل فلسطين والمجاورين لهم، ولكل العارفين بما يجري فيها، من عزم اليهود على تأسيس الوطن القومي الإسرائيلي، واستعادة ملك سليمان بقوة المال الذي هم أقطاب دولته الاقتصادية، وبقوة الدولة البريطانية الحربية، إن هذا الخطر سيسري إلى شرق الأردن وسورية والحجاز والعراق، بل هو خطر سينتقل من سيناء إلى مصر.
وجملة القول: أن الصهيونية البريطانية خطر على الأمة العربية في جميع أوطانها الآسيوية وفي دينها ودنياها، فلا يعقل أن يساعدهم عليه عربي غير خائن لقومه ووطنه، ولا مسلم يؤمن بالله -تعالى- وبكتابه العزيز وبرسوله محمد خاتم النبيين -صلوات الله عليه وعلى آله وأصحابه-، بل يجب على كل مسلم أن يبذل كل ما يستطيع من جهد في مقاومة هذا الفتح، ووجوبه آكد على الأقرب فالأقرب، وأهون أسباب المقاومة وطرقها: المقاومة السلبية، وأسهلها: الامتناع من بيع أرض الوطن لليهود، فإنه دون كل ما يجب من الجهاد بالمال والنفس الذي يبذلونه هم في سلب بلادنا وملكنا منا.
ومن المقرر في الشرع أنهم إن أخذوها وجب على المسلمين في جملتهم بذل أموالهم وأنفسهم في سبيل استعادتها، فهل يعقل أن يبيح لنا هذا الشرع تمهيد السبيل لامتلاكهم إياها بأخذ شيء من المال منهم وهو معلوم باليقين؛
стр. 81
لأجل أن يوجب علينا بذل أضعاف هذا المال مع الأنفس لأجل إعادتها لنا وهو مشكوك فيه؛ لأنه يتوقف على وحدة الأمة العربية وتجديد قوتها بالطرق العصرية، وأنى يكون ذلك لها وقلب بلادها وشرايين دم الحياة فيها في قبضة غيرها؟! فالذي يبيع أرضه لليهود في فلسطين أو في شرق الأردن يُعدّ جانياً على الأمة العربية كلها، لا على فلسطين وحدها.
ولا عذر لأحد بالفقر والحاجة للمال للنفقة على العيال، فإذا كان الشرع يبيح السؤال المحرم عند الحاجة الشديدة، ويبيح أكل الميتة والدم ولحم الخنزير للاضطرار، وقد يبيح الغصب والسرقة للرغيف الذي يسدّ الرمق ويقي الجائع من الموت بنية التعويض، فإن هذا الشرع لا يبيح لمسلم ببيع بلاده، وخيانة وطنه وملته لأجل النفقة على العيال، ولو وصل إلى درجة الاضطرار، إنْ فرضنا أن الاضطرار إلى القوت الذي يسدّ الرمق يصل إلى حيث لا يمكن إزالته إلا بالبيع لليهود وسائر أنواع الخيانة، فالاضطرار الذي يبيح أمثال ما ذكرنا من المحظورات أمر يعرض للشخص الذي أشرَفَ على الموت من الجوع وهو يزول برغيف واحد مثلاً، وله طرق ووسائل كثيرة.
وإنني أعتقد أن الذين باعوا أرضهم لهم لم يكونوا يعلمون أن بيعها خيانة لله ولرسوله ولدينه وللأمة كلها، كخيانة أهل الحرب مع الأعداء لتمليكهم دار الإسلام وإذلال أهلها، وهذا أشد أنواعها.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ. وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٢٧] » (١) .
стр. 82
* وقال -أيضاً-:
«إنّ مَن يبيع شيئاً من أرض فلسطين وما حولها لليهود أو للإنكليز؛ فهو كَمَن يبيع المسجد الأقصى، وكمن يبيع الوطنَ كلَّه؛ لأنّ ما يشترونه وسيلة إلى ذلك، وإلى جَعْل الحجاز على خطر، فرقبة الأرض في هذه البلاد هي كرقبة الإنسان من جسده، وهي بهذا تُعدّ شرعاً من المنافع الإسلامية العامة، لا من الأملاك الشخصية الخاصة، وتمليك الحربي لدار الإسلام باطل، وخيانة لله ولرسوله ولأمانة الإسلام، ولا أذكر هنا كل ما يستحقه مرتكب هذه الخيانة، وإنما أقترح على كل مَن يؤمن بالله وبكتابه وبرسوله خاتم النبيين أن يبثّ هذا الحكم الشرعي في البلاد، مع الدعوة إلى مقاطعة هؤلاء الخونة الذين يصرّون على خيانتهم في كل شيء، من المعاشرة والمعاملة والزواج والكلام حتى ردّ السلام» (١) .
وهذه الفتاوى مأخوذة من قواعد الشرع ومقاصده، وهي لا تتغيّر بتغيّر الزمان والمكان؛ فالحكم في بيع الأرض العربية والإسلامية ليهود وسماسرتهم خيانة لله ولرسوله وللمؤمنين. والله المستعان، وعليه التكلان، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
* التعريف بكتاب «النقد والبيان»
* اسم الكتاب والأصل المعتمد عليه في التحقيق
اعتمدتُ في تحقيق هذا الكتاب على طبعة ظهرت سنة ١٣٤٤هـ - ١٩٢٥م عن مطبعة الترقي بدمشق، وهي الطبعة الأولى (٢) للكتاب، طبعت
стр. 83
على نفقة مؤلِّفيها، وعنوانه «النقد والبيان في دفع أوهام خُزَيران» ، تأليف محمد كامل القصاب ومحمد عز الدين القسام (١) ، وصوَّرْتُه من مكتبة شيخنا إمام هذا العصر في الحديث الشيخ محمد ناصر الدين الألباني -رحمه الله تعالى-.
* التعريف بالأسماء الواردة في الكتاب
أ- ما أثبت على طرة الكتاب:
١- محمد كامل القصاب.
٢- محمد عز الدين القسام.
وهما المؤلّفان، وسأعمل (٢) على إثبات ترجمة مسهبة لهما -إن شاء الله تعالى-.
٣- خُزَيران، وسمَّياه في الكتاب (محمد صبحي خزيران) ، وعرفا به، بأنه «رئيس كتَّاب المحكمة الشرعية في ثَغْر عكاء» (٣) .
стр. 84
ب- أسماء ترددت كثيراً في الكتاب:
١- علي سرور الزّنكلوني، من علماء مصر، وسكّانها، ومن الحريصين على السنة، ونشرها، والإفتاء بها (١) .
٢- محمود خطاب السبكي، مؤسس جمعية أنصار السنة المحمدية (٢) .
٣- عبد الله الجزار، قاضي عكا ومفتيها، شيخ خُزَيران (٣) .
* موضوع الكتاب والباعث على تأليفه
كتابنا هذا هو رد على كتاب الشيخ محمد صبحي خُزيران -قاضي عكا- المسمى: «فصل الخطاب في الرد على الزنكلوني والقسام ... والقصَّاب» ، ألفه انتصاراً لأُستاذه الشيخ عبد الله الجزار، إذ قد أفتى أحد المؤلِّفَيْن (٤)
(القصاب أو
стр. 85
القسام) لما سئل عن حكم الصياح في التهليل والتكبير وغيرهما أمام الجنائز، بأنه مكروه تحريماً، وبدعة قبيحة، يجب على العلماء إنكارها، وعلى كل قادر إزالتها، وسأل المستفتي عن السؤال نفسه الجزار، فأفتاه بالجواز، فاضطر السائل إلى إرسال الجوابين إلى عالمين من كبار علماء الأزهر، وهما (محمود خطاب السبكي، وعلي سرور الزنكلوني (١)) ، فأفتيا بأنه بدعة منكرة، مؤيّدين فتوى أحد المؤلفين، فألَّف خزيران رسالته «فصل الخطاب» .
قال المؤلِّفان: «ولم يكتف مؤلّف الرسالة -أي: خزيران- برأيه في المسألة المتنازع فيها فقط، بل شطَّ قلمُه، وأسند إلينا ما لم نقل به، ولم نعتقده، ورمانا -عفا الله عنه- بالزيغ والضلال، لاتّباعنا السنة الموروثة عن النبي ﷺ
стр. 86
في الأقوال والأفعال» (١) .
وفي هذا الكتاب: بحوث علمية محررة عن البدعة؛ من حيث التأصيل والتنظير، ثم عن بعض مفرداتها، وتعرض مؤلّفاه -أصالةً- إلى بدعة الجهر بالذكر مع الجنازة، وذكرا (تحرير أقوال علماء المذاهب الأربعة في حكم رفع الصوت بالتهليل والتكبير وغيرهما أمام الجنائز) ، ثم تعرضا لصلاة التراويح، وحررا الكلام على مسألة (أيهما أفضل أداؤها في البيت أم في المسجد؟) ، و (عدد ركعاتها) ، ثم تكلما على بدع شائعة ذائعة في أيامهما -ولا زال لبعضها وجود في بلاد الشام، ولا قوة إلا بالله-؛ مثل: إحياء ليلة النصف من شعبان، التزام قراءة سورة الكهف يوم الجمعة على وجه المواظبة في المساجد، قراءة القرآن في المساجد جهراً، الأناشيد التي تقال في آخر جمعة من رمضان (التوحيش) ، قراءة قصة المولد النبوي، صلاة الظهر بعد صلاة الجمعة.
قال الزركلي في ترجمة (القصاب) في تعريف هذا الكتاب: «في البدع المنهي عنها، والرد على أحد القائلين بها» (٢) .
وأفصح المؤلفان عن باعث تأليفهما هذا الكتاب في أكثر من موطن منه، فاسمع إليهما، وهما يتحدّثان عن بدع انتشرت في زمانهما: «التي لا نَقْدر على إزالتها، ولا يسعنا السكوتُ عليها، ولا نجد من يساعدنا ممن يعدّون أنفسهم
стр. 87
من أهل العلم، على منع مرتكبيها» (١) .
ثم ذكرا رسالة خزيران، ووصفا صنيع مؤلفها بأنه «جمع مزيجاً من المسائل العلمية، كان فيها حاطبَ ليل، وحشرها إلى ذهنه، ثم نشرها قلمُه، كما شاء عقلُه وهواه، ليدهشَ بها العامة، ويساعد بها من اتَّخذ دينه متجراً، وجعل ذكر الله آلةً لسلب الأموال، ... » (٢)
إلى قوله: «وقد تطرَّف الرَّجلُ في الإيهام، وترويج ما أتى به إلى حدٍّ أظهر فيه خطراً محسوساً على الدِّين من نور تعاليمنا
стр. 88
المخالفة لنزعته ورغبته التي أراد أن يحمل الناس عليها ظلماً وعلواً، وهكذا جعل خاتمة رسالته الاستنجاد بالعلماء من أهل مصر والشام، وبرجال المجلس الإسلامي في القدس الشريف، أملاً بأن يتمَّ له ما تمنَّاه، وأجهد نفسه للوصول إليه، وهيهات! فإنَّ العلماء علماء لا يميلون مع الهوى، ولا ينظرون إلى السِّوى، وإن الحقَّ رائدُهم، ونصرة الحق بغيتهم، ولو أنه كلما خطر لإنسان خاطر يؤيدونه فيه ويجارونه على ما يرتضيه، لما بقي للحق أثر، ولعمَّت الفوضى، وزاد الخطر، كيف والعلماء ورثة الأنبياء؟ يحيون ما أمات الجاهلون من سنن الهدى، ويكشف الله بهم عن الأمة غياهب الرَّدى، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ويا حبذا لو يحكم العلماءُ في مسألة الجنازة، وبقية المسائل التي نازع فيها الخصم العنيد؛ ليظهر الحقُّ، ويزهق الباطل.
وأهمُّ شيء يجب انتباه علماء العصر إليه: أشباه تلك الواقعات، وتوضيح أحكام الشَّريعة فيها، ليعود للدِّين مجدُه، وللإسلام زهرتُه، وليقف المجازفون في الملَّة السَّمحة عند حدِّهم، ولا يطمعوا في إغواء غيرهم، ويكون في ذلك الأمن من استشراء داء المبشِّرين؛ لأنَّ المسلمين متى وقفوا على معالم الشرع الصَّحيحة، لا يمكن أن يلتفتوا إلى السَّفاسف، ولا أن يعتنوا بالزَّعانف، والله يعلم أننا ما قصّرنا في مقاومة التّيّارين، دون أن تأخذنا في الله لومة لائم، وإنَّ ذلك هو الذي هيَّج علينا خزيران وأضرابَه مِن جنود المتمسكين بالمحافظة على إرضاء العامة، ومناوأة الخاصة، وإنّا لهم لبالمرصاد، والله مِن ورائهم محيط، والحمد لله أولاً وآخراً، والصَّلاة والسَّلام على سيدنا محمد المعصوم مِن الخطأ والزلل، وعلى آله وأصحابه والتَّابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، ونستغفر الله العظيم مِمّا طغا به القلم» (١) .
فباعث المصنِّفين على التأليف نصرة الحق بالعدل، ورد أكاذيب راجت
стр. 89
حواليهما، ومحاربة بدع انتشرت في عصرهما وبلادهما، إحقاقاً للسُّنَّة، ورداً للبدعة (١) .
ومع هذا، فقد وجدا بعد التأليف هجمةً من المبتدعة، ومن الطرقيين وأهل الخرافة، حتى ذكر علي خلف أن الحاج خليل طه وأعوانه قاموا بشراء هذا الكتاب من الأسواق وحرقه (٢) .
* المنهج العلمي والأمانة في النقل وتأييد العلماء لما في الكتاب
إن من يقرأ كتابنا هذا يجد فيه حقائق علمية، موثّقة من مصادرها العلمية، مدلّلة بأدلتها التفصيلية من الكتاب والسنة وأقوال السلف، ونقولات العلماء وفهومهم للنصوص.
ويدل هذا الكتاب على تبحّر مؤلِّفيه في العلم، وتفننهما في سائر ضروبه وفنونه، واطلاعهما على علم الأصول والقواعد الفقهية، وتمكّنهما من اللغة العربية، ومعرفتهما بكتب الحديث والشروح والمصطلح، وتمييزهما للصحيح من الضعيف، والجيد من الرديء، والسليم من السقيم من الحديث النبوي، ودرايتهما بكتب التفسير، وأسباب النزول، ووقوفهما على الكتب المصنّفة في البدع: تأصيلاً وتمثيلاً، تقعيداً وتفريعاً، وذكرهما تأريخ البدع التي عالجاها بدقة ومعرفةٍ تفصيليةٍ، مدلّلة بالنصوص أو على قواعد أهل العلم المتّبعة، ومع هذا
стр. 90
كلّه، لم يقنع المؤلِّفان بهذه النقول التي يلمح منها أن الإجماع كاد أن يتحقق في المسائل من وجهة نظرهما في كتب الأقدمين، فعملا على مراسلة مجموعة من كبار علماء ذلك العصر على اختلاف بلدانهم، وتنوّع مشاربهم ومذاهبهم، وهم آنذاك في المحلّ الأعلى، والمكان الأسمى من العلم، وقدّما لهم كتابهما هذا، وأجابهم على طلبهما من التأييد والنصرة العلمية تسعة عشر عالماً، كتب كل منهم جواباً، وضعوه في آخر الرسالة، ومنهم: الحنفي، والمالكي، والشافعي، والحنبلي، وهم أعلام أقاليمهم: مصر، والعراق، وبيروت، ودمشق، وزاد هذا في قيمة كتابنا هذا.
وهذه أسماء العلماء مرتبين على بلدانهم:
علماء الشام: محمد بهجة البيطار، عضو المجمع العلمي وخطيب جامع الدّقاق ومدرّسه، وصالح نجم الدين التونسي، الإمام المالكي والمدرس بالجامع الأموي، وصالح الحمصي، وعبد القادر المغربي، ومحمد جميل الشطي، النائب الحنبلي بدمشق، ومحمد توفيق الغزي العامري، المفتي الشافعي بدمشق، وعبد الكريم الحمزاوي، خطيب جامع ابن عربي، ومحمود ياسين، مدير مدرسة التهذيب الإسلامي، ومحمد بن خليل عيد التاجي الحنفي، وعبد القادر بدران، ومصطفى الشطي، ومحمد سليم الجندي، وخالد النقشبندي، وسعيد الحمزاوي.
علماء العراق: محمد بهجة الأثري.
علماء لبنان: راغب القباني الحسيني البيروتي، خريج الأزهر.
علماء مصر: محمد بخيت المطيعي، مفتي الديار المصرية، عبد المعطي السّقا الشافعي، المدرس بالأزهر، محمد بن يوسف بن محمد المعروف بـ (الكافي) (١) .
стр. 91
وقد جاءت كلمات هؤلاء العلماء الأعلام (١) مؤيّدة للقصاب والقسام، وفي بعضها إسهاب ومتانة ورزانة، وحجة قوية، وبيان ناصع، وأسلوب ماتع.
* عملي في التحقيق
يتلخص عملي في هذه الطبعة بالأمور الآتية:
أولاً: اعتنيتُ بضبط متن الكتاب، فعملتُ على إثبات (جدول تصحيح الخطأ) المثبت بآخره (ص ١٣٩-١٤٠) في صلبه، وعرضتُ نقولاته على المصادر، ونبّهتُ على النقص والتحريف والخطأ، وأثبت الهوامش التي في أصله ووضعت أمامها (منهما) .
ثانياً: وثقتُ النقولات العلمية، وزدتُ عليها.
ثالثاً: خرجت الآيات والأحاديث والآثار على وفق الصنعة الحديثية.
رابعاً: أسهبتُ في المقدمة بالتدليل على أن القسام كان سلفياً، ثم عرجتُ على جهود السلفيين في قضية فلسطين، وعالجتُ فتوى شيخنا الألباني بشأن خروج أهل فلسطين منها، ثم فتوى العلماء في العمليات التي تسمى (الانتحارية) أو (الاستشهادية) (٢) ، ثم ذكرت نقولات متفرقات لعلماء سلفيين في قضية فلسطين.
خامساً: شرحتُ المسائل العلمية المبحوثة فيه على وجه فيه تحرير
стр. 92
وتدقيق، وعلقت على القواعد الفقهية ومظان وجودها بتوثيق.
سادساً: اعتنيت بذكر أسماء ما صنف من رسائل لعلمائنا الأقدمين في المسائل المبحوثة، وذكرتُها مع أماكن وجودها.
سابعاً: ترجمتُ للعلماء الذين ورد لهم ذكر في الرسالة، وكذا أسماء المؤيّدين لها، على حسب ما وقع لي، وما ظفرتُ به في المراجع.
وأخيراً ... هذا جهد المقلّ، لتوضيح حقائق علمية عن مسائل مهمة عملية -وهي حصة صلب الكتاب-، وحقائق تصوّريّة نظرية، تخص قضية فلسطين، وما يتفرع عنها من مسائل كَثُر الكلام عليها -وهي حصة مقدمته-، عسى أن أكون قد وفّقتُ في تقريرها، ونلتُ أجرين في تدوينها، وإلا؛ فأستغفر الله مِنْ زلل القلم، وما يقع به الإنسان من الخطأ والوهم، وصلّى الله على نبيّنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وكتب
أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان
٤/شعبان/١٤٢٢هـ
الأردن - عمان
стр. 93
ترجمة المؤلِّفَيْن
أولاً: ترجمة محمد كامل القصاب
(١٢٩٠-١٣٧٣هـ = ١٨٧٣-١٩٥٤م)
رئيس جمعية علماء الشام، أحد زعماء الحركة الوطنية، العالم المربي.
محمد كامل بن أحمد بن عبد الله آغا، القصّاب.
ولد بحي العقيبة بدمشق سنة ١٢٩٠هـ تقريباً، ويرجع أصله إلى حمص، استوطنت أسرته دمشق منذ أقل من قرنين، وعملت بالتجارة، نشأ يتيماً، توفي والده وهو في السابعة؛ فكفله جدّه لأمّه المشهور بأبي علي كريّم.
قرأ في بعض المكاتب (الكتاتيب) ، ثم حفظ القرآن الكريم وجوّده -ولَمّا يجاوز العشرين- على المقرئ الشيخ عبد الرحيم دبس وزيت، بعدئذ تاقت نفسه لطلب العلم؛ فتلقى مبادئ العلوم العربية والفقهية عن شيوخ عصره؛ فلازم الشيخ عبد الحكيم الأفغاني، قرأ عليه الفقه حتى برع فيه، وسمع الحديث من المحدث الشيخ بدر الدين الحسني وتضلع فيه، وأخذ عن الشيخ أمين الأرناؤوط وغيره علوم العربية بفروعها.
ولما بلغ الخامسة والعشرين سافر إلى مصر، فالتحق بالجامع الأزهر، وحصل على الشهادة العالمية، وخلال ذلك تلقى علم التفسير عن الشيخ محمد عبده، وتلقى عن الشيخ محمد بخيت مفتي مصر، وعن أمثالهما.
كان ذا عمل دؤوب، عُرف في حال صباه بالفتوة والمروءة والغيرة على أهل حيّه، مما يذكر له بالحمد والثناء، كريم الأخلاق، ناضج الرأي، برّاً بأصدقائه، معرضاً عن أعدائه، عزيز النفس جداً، لا يألو جهده فيما فيه صلاح
стр. 94
أمته، دائم التفكير بها، يحب العلماء.
أبرز ما في صفحاته نضاله في سبيل رفعة شأن الوطن، وسعيه في مجال نشر العلم والثقافة، فبعد عودته من الأزهر رأى الدولة العثمانية تنهار، فأسس مع عبد الغني العريسي وتوفيق البساط وعارف الشهابي ورشدي الشمعة وغيرهم من رجالات العرب (جمعية العربية الفتاة) السرية.
واشتغل بالتعليم في مدارس ابتدائية أهلية مدّة يسيرة، ثم أسس (المدرسة العثمانية) صارفاً عليها من ماله ووقته في سبيل إنشائها، وهي مدرسة أهلية في حي البزورية عرفت باسمه (المدرسة الكاملية) (١) ، وتولى إدارتها ما يقرب من ربع قرن، وتخرج بها رجال بارزون، وغدت مفخرة البلاد، وقدّرتها الدولة العثمانية كل التقدير؛ فقبلت من يحمل شهادتها في كليتي الطب والحقوق وغيرهما دون فحص ولا اختبار، وكان يختار لها أساتذة من الاختصاصيين في شتى العلوم، واشتهر بحزمه وجدّه في إدارته.
انتدبه الوطنيون للسفر إلى مصر والاجتماع بأقطاب اللامركزية كالشيخ رشيد رضا، ورفيق العظم، وغيرهما، فسافر إليهم، وسألهم عن الخطط التي وضعوها للسير عليها فيما انهار الاتحاديون في الدولة العثمانية، ولما رأى أنهم لم يضعوا تشكيلات لدولة عربية، عاد إلى دمشق من الإسكندرية على باخرة إيطالية مارة بسواحل فلسطين وبيروت وطرابلس، فمنع من النزول إلى البر السوري بأمر من جمال باشا السفّاح، فتوجه إلى مرسين، ومنها وصل إلى دمشق متنكراً عن طريق الأناضول، معرضاً نفسه للأخطار؛ ليبلّغ رفاقه في الجهاد
стр. 95
حقيقة الموقف في مصر.
وبعد وصوله إلى دمشق بشهر واحد قبض عليه الأتراك، وأرسلوه إلى عاليه حيث سجن أربعين يوماً، ومنع من مخالطة الناس، ثم حاكمه جمال باشا بنفسه بعد منتصف إحدى الليالي، واستطاع بجرأته وبلاغته إقناعه ببراءته من تهمة الاشتغال بالسياسة، وبأنّ سفره إلى مصر كان لأسباب ثقافية تتعلق بالمدرسة، فأطلق سراحه، وعاد إلى دمشق.
وعندما بطش الأتراك بالزعماء الوطنيين سافر إلى بلاد الحجاز، ونزل ضيفاً على الشريف حسين الذي أقبل عليه واهتم به، وولاه رئاسة مجلس المعارف مع إدارة مدرسة ثانوية، كانت مثال التعليم الصحيح والتربية العالية، وبقي هناك سنة ونصف السنة، ينتقل بين مكة المكرمة والوجه ووادي العيس مركز الجيوش العربية، وقد حكم عليه الأتراك بالإعدام غيابياً.
وبعد قيام الثورة العربية انتقل إلى مصر؛ لأنّ العمل السياسي فيها كان أرحب مجالاً من الحجاز، وأسس هناك (حزب الاتحاد السوري) ، وبقي حتى وضعت الحرب أوزارها يكافح من أجل القضية الوطنية.
وبعد الحرب عاد إلى دمشق، وأسس فيها (اللجنة الوطنية العليا) للدفاع عن حقوق البلاد، وكان من المؤيدين للعهد الفيصلي.
ولما دخل الفرنسيون سورية حكموا عليه بالإعدام غيابياً -كما حكم عليه الأتراك من قبل-، وكانوا همّوا باعتقاله، وشعر هو بحنقهم لما له من نشاط وخطب ثورية أزعجتهم، وبسبب تحريضه الناس وجمعهم للتوجه إلى ميسلون، فهرب إلى حيفا، ورحب به أهلها، فأقام بينهم، وأنشأ لهم مدرسة تشبه مدرسته بدمشق، وكان عمله فيها كعمله بمدرسة دمشق التي تركها وعليها ولداه يرعيان شؤونها. وخلال هذه الفترة، تنقّل بين فلسطين ومصر يعمل للقضية الوطنية، وسافر إلى اليمن، وقابل الإمام يحيى حميد الدين سنة ١٩٢٢م
стр. 96
لجمع كيان العرب، وفي سنة ١٩٢٥م استدعاه الملك عبد العزيز آل سعود إلى مكة المكرمة، وعهد إليه بمديرية معارف الحجاز، فأسس خلال سنة ونصف ما يقرب من ثلاثين مدرسة في أنحاء مختلفة من الحجاز، وهناك أصيب بالزحار وأشرف على الهلاك، فسافر إلى فلسطين للتداوي، وشفي من مرضه بعد علاج طويل دام عشر سنوات.
وفي سنة ١٣٥٦هـ - ١٩٣٧م عاد إلى دمشق بعد صدور العفو العام، ورأى مدرسته قد تضاءل شأنها، وقلّ طلابها؛ إذ مالوا إلى مدارس الحكومة التي قررت وزارة المعارف وقتئذ ألا تقبل سوى شهادتها لدخول الجامعة، فأحب أن يخدم البلاد عن طريق نهضة العلماء بعد أن فشلت مساعيه مع ساسة العرب، فأسس بطلب من أهل العلم (جمعية العلماء) التي نالت تصريحاً رسمياً من وزارة الداخلية في ٥ رمضان ١٣٥٦هـ - ٨ تشرين الثاني ١٩٣٧م، ومهمتها دفع ما تعرض له الإسلام من إلحاد وإفساد ومقاومة، وكانت تحت رئاسته.
بلغ عدد مؤسسي الجمعية واحداً وعشرين عضواً عهدوا لسبعة عشر منهم القيام بأعباء المجلس الإداري، وهو منهم، وعين رئيساً لمجلس الإدارة.
ووُضع للجمعية دستور بيَّن غايتها، وأموالها، ونظامها الداخلي المفصّل، ونصّ الدستور على أن غاية الجمعية الاهتمام بشؤون المسلمين ومؤسساتهم الدينية، ورفع مستوى العلماء والمتعلمين، وجمع كلمتهم، والدعوة إلى الله ... -تعالى- بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن لا دخل للجمعية بالسياسة، ووضّح الدستور كذلك عمل الأعضاء، وأعمال مجلس الإدارة، وسوى ذلك.
كان من أبرز أعمال الجمعية إنشاء المعهد العلمي الديني بدمشق، واختير له الأساتذة الأكفاء، ووضع له برنامج يجمع بين الثقافتين الدينية والعصرية.
ولقي المعهد تشجيعاً عظيماً، فتبرع أساتذة مختصون للتدريس فيه، وتبرع
стр. 97
كذلك خمسة عشر طبيباً من ألمع أطباء دمشق لمداواة مرضى المعهد، وتبرع كثيرون بالمال لتأمين نفقات الطلاب المحتاجين؛ من السكن، والطعام، والملبس، والأدوات المدرسية.
وكان له مشاركة ودور في مؤتمر العلماء الأول الذي عقد في دمشق بتاريخ ١١-١٣ رجب سنة ١٣٥٧هـ.
قال محمد أديب الحصني في «منتخبات التواريخ لدمشق» (ص ٩١٣) في ترجمته: «ومن الأُسر المعروفة التي اشتهر منها أحد جهابذة العلم والفضل في عصرنا اليوم الشيخ كامل القصاب مؤسس مدرسة الكاملية الهاشمية بدمشق، أتى والده تاجراً من حمص واستوطن في حي العقيبة بدمشق، ونبغ ولده بها، ودرس بجامعها، ورحل إلى مصر، وإلى الحجاز وصار ناظراً للمعارف بها في زمن الملك حسين والملك عبد العزيز آل السعود، ثم ترك الحجاز واختار الإقامة في مدينة حيفا، يشتغل في نشر العلم، ويجاهد في استقلال البلاد العربية، وحفظ قوميتها من أيدي العابثين بها، وفقه الله» .
قال عنه الشيخ علي الطنطاوي ﵀ في «رجال من التاريخ» (ص ٤١٠) : «أنشأ المدرسة الكاملية، وكانت تسمى حيناً المدرسة العثمانية، كما تسمى المدرسة التجارية بمدرسة الاتحاد والترقي، على اسم الجمعية التي كانت تحكم البلاد، وبلغت الكاملية مرتبة عالية بين المدارس، علَّم فيها أعلام من أهل الشام؛ كالدكتور عبد الرحمن شهبندر، والأستاذ خير الدين الزركلي، والدكتور أسعد الحكيم، وتخرّج منها جماعة من الأعلام؛ منهم: شيخنا الشيخ محمد بهجة البيطار، ومنهم أستاذ كل من قال في دمشق: أنا طبيب، الدكتور أحمد حمدي الخياط، الذي درّس في كلية الطب في الشام من سنة ١٩٢٠، وكان أحد الذين عربوا المصطلحات الطبية، وقاموا بذلك العمل العظيم، وأخرج مع زميله الدكتور مرشد خاطر «المعجم» ، الذي ينتقده ويعلق عليه من سنين في
стр. 98
مجلة مجمع اللغة العربية في دمشق الأستاذ العالم الدكتور حسني سبح، وهو زميل الدكتور الخياط، وسأتحدث عنه بالتفصيل -إن شاء الله-، ولكن أقول الآن: إني كنت مرة مع بعض الإخوان في إدارة «المقتطف» في مصر، وقد صدر العدد الجديد من «المقتطف» ، وفيه خبر شيء استحدث في عالم الطب، نسيت الآن ما هو، وكانوا يفخرون بالسبق إلى نشره، فقلت لهم: إن عندنا أستاذاً في المعهد الطبي (وكان ذلك اسم كلية الطب في دمشق) اطلع عليه ووصفه في الكتاب الذي يدرسه لطلابه من آخر السنة الماضية، فعجبوا.
وكان هذا الأستاذ هو الدكتور حسني سبح شيخ أطباء الشام، بل من كبار أطباء العرب، وهو الآن رئيس مجمع اللغة العربية في دمشق.
أَقْدم ذكرياتي عن الشيخ كامل، أنه كان قبل موقعة ميسلون يخطب في دمشق، في الطرق والساحات ومجتمعات الناس، يثيرهم ويحمّسهم، فلما كانت الهزيمة المتوقعة، التي كنا نستحقها؛ لأننا خالفنا عن أمر ربنا الذي قال لنا: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُم مِن قُوَّةٍ﴾ ، وقال: ﴿وَلاَ تَهِنُوا﴾ ، فسرّحنا الجيش، بعد أن قبلت الحكومة إنذار غورو، التي قالوا: إن حسن بك الحكيم الذي كان مدير البرق والبريد لم يرسلها، وسيأتي الكلام عن الوطني المجاهد النزيه حسن الحكيم.
لما كان ذلك وقضى الله علينا بأن يحتل الفرنسيون بلادنا، أصدروا قائمة بأسماء جماعة حكموا عليهم بالقتل، كان أول اسم في هذه القائمة اسم الشيخ كامل القصاب، فجاء المملكة، فجعله الملك عبد العزيز ﵀ مديراً للمعارف، ثم استقال وذهب إلى حيفا.
قابلته عند خالي محب الدين سنة ١٩٢٨ على ما أذكر، ولكن حبلي لم يتصل بحبله إلا سنة ١٩٣٧، لما عاد إلى الشام، وعدت في إجازة الصيف من بغداد، ولزمته وصرت من المترددين عليه، العاكفين على حضور مجالسه،
стр. 99
والمشاركين في أحاديث هذه المجالس، ولما أعاد افتتاح مدرسته، وجعلها مدرسة شرعية، فكانت نواة الكلية الشرعية، كلفني تدريس التاريخ والأدب، وكان من الطلاب جماعة صاروا اليوم من كبار الأساتذة، وصار منهم من هو أعلم مني، من هؤلاء الدكتور عبد الحميد الهاشمي، ثم كان منهم لما صارت كلية رسمية، الأستاذ محمد القاسمي، والدكتور أديب صالح، والأستاذ أحمد الأحمد، والأستاذان الجنادي والخطيب، وكان منهم حيناً الدكتور وهبي الزحيلي، وعبد الرحمن رأفت الباشا، وكان بين الطلاب طالب بلحية طويلة، علمت بعد أنه ليس من أهل السنة والجماعة، رأيته مرة يغش في الامتحان، فقلت له: إن عاقبتك العقوبة التي تستحقها منعتني لحيتك، وإن سكت عنك وكرمتك حجزتني سرقتك، فماذا أصنع لك؟
ومما وقع لي يوم الامتحان، أني كنت أراقب الطلاب، وما كانوا يحتاجون إلى مراقبة دقيقة، إذ كان عددهم قليلاً، وكان وقت الامتحان طويلاً، ووجدت أمامي «الكامل» للمبرد، فجعلت أقرأ فيه، وطال الوقت، وقرأت منه نحواً من ثلاثين صفحة.
فلما خرجت وانتهى الامتحان، دعاني الشيخ كامل لحضور امتحان الأدب، وكان في كتاب «الكامل» ، وكان الطلاب قد قرؤوا منه ما لا يزيد عما قرأته آنفاً، وكانت اللجنة مؤلفة من أستاذنا سليم الجندي، والأستاذ الشيخ عبد الحميد القنواتي، وأظن أن الثالث الأستاذ عز الدين التنوخي ﵏ جميعاً-، فكان الطالب يقرأ، فيمر بالأبيات فأسأله أو يسأله غيري عن تفسير كلمة فيها، أو شرح جملة، فإذا وقف، قلت له: أذكر أن هذا التفسير مر قبل صفحة أو صفحتين، أو سيمر الشرح بعد صفحة أو صفحتين، فلما طال ذلك مني، قالوا: عجباً، أتحفظ «الكامل» ؟ فلو قلت: نعم، أو سكت، لشهد لي هؤلاء الأساتذة الثلاثة الكبار بأني أحفظ «الكامل» .
فهل يمكن أن يكون بعض ما يروى عن حفظ الأولين -بعضه لا كله-
стр. 100
من هذا القبيل» ا. هـ كلام الطنطاوي.
وكان إلى جانب أعماله هذه تاجراً، أسس شركة تجارية في مصر تمارس تجارة مال القبّان (المواد الغذائية) ، جريئاً في المضاربة بأمواله، وله عقارات في حَيْفا استولى عليها الاحتلال.
ترك من المؤلفات كتابين:
- «ذكرى موقعة حطين» (١) (بالاشتراك) .
- «النقد والبيان في دفع أوهام خزيران» (بالاشتراك مع محمد عز الدين القسَّام) (كتابنا هذا) .
أصابه مرض في المثانة في أخريات حياته، فلزم داره مدّة طويلة، ثم شفي، وما لبث أن ألَمَّ به عارض في دماغه لم يمهله سوى ثلاثين ساعة، فتوفي يوم السبت ٢٣ جمادى الآخرة ١٣٧٣هـ، وكان قد أوصى أن تشيع جنازته بما يوافق الشريعة الإسلامية، وصادف يوم وفاته اضطرابات لعلع فيه الرصاص في سماء مدينة دمشق زمن الشيشكلي (٢) ، فصلَّى عليه بضعة أفراد في بيته،
стр. 101
وتسللوا بنعشه بين الأزقة، ودفنوه في قبر والده بمقبرة الباب الصغير بجوار مقام الصحابي الجليل بلال الحبشي.
* مصادر ترجمته:
١- «منتخبات التواريخ لدمشق» (٩١٣) .
٢- «أعلام الأدب والفن» (٢/٧٧-٧٨) .
٣- «ما رأيت وما سمعت» (١٤) .
٤- مجلة «التمدن الإسلامي» (٢٠/٣٥٥-٣٥٧) مقالة محمد جميل الشطي.
٥- «إتحاف ذوي العناية» (٤٩) .
٦- «الأعلام» (٧/١٣) .
٧- «معجم المؤلفين» (١١/١٥٧) .
٨- بيان «مؤتمر العلماء الأول» بدمشق، سنة ١٣٥٧هـ.
٩- دستور «جمعية العلماء» ، سنة ١٣٥٧هـ.
١٠- بيان «جمعية العلماء» بدمشق رقم (٧) ، سنة ١٣٥٧هـ (المعهد العلمي الديني) .
١١- نص الاحتجاج المرسل من «جمعية العلماء» رقم (٨) ، سنة ١٣٥٧هـ.
١٢- «ذكريات علي الطنطاوي» (١/٦٧، ٢٣٠، ٢٦٣، ٢٨٠ و٥/١٠٩، ٢٥٨ و٦/١٢٠، ١٢١ و٧/٧٢، ٧٥، ٧٦، ٨٩، ٩١، ١٥٥، ١٧٤، ١٧٥ و٨/٢٣٨) .
١٣- بيان «جمعية العلماء» بدمشق، رقم (٩) ، سنة ١٣٥٩هـ (بشأن
стр. 102
الأوقاف) .
١٤- «مصادر الدراسة الأدبية» (٣/١٠٣١-١٠٣٢) .
١٥- «معجم المؤلفين السوريين في القرن العشرين» (٤١٨) .
١٦- «تاريخ علماء دمشق في القرن الرابع عشر الهجري» (٢/٦٥٧ - فما بعد) .
١٧- «رجال من التاريخ» (ص ٤١٠) .
* * *
стр. 103
ثانياً: ترجمة محمد عز الدين بن عبد القادر القسام
(١٣٠٠-١٣٥٤هـ = ١٨٨٢-١٩٣٥م)
ولد سنة ١٣٠٠هـ الموافق ١٨٨٢م، وذكر بعض مترجميه أنه ولد سنة ١٨٧١م، وهذا خطأ، وأثبت ذلك علي حسين خلف في كتابه «عز الدين القسام» حيث قال (ص ٥) : «وضعف التاريخ المكتوب والشفوي لتلك المرحلة، لا يبرر للدارسين استسهال نقل المعلومات من مصدر واحد، دون تدقيق، وبإشكالية حولت القسام من شخصية حقيقية إلى شخصية احتمالية، فكل الذين نسبوا تاريخ ميلاده إلى عام ١٨٧١، استناداً إلى كتابات صبحي ياسين، خسروا، دون أن يدروا تتلمذه على يد الشيخ محمد عبده، إذ يكون القسام قد درس في الأزهر، قبل وجود الشيخ محمد عبده بعشر سنوات، وتخرج قبل مجيئه بسنتين! ولم يتطوع واحد من الباحثين بذكره ماهية هذا التتلمذ، دينياً وسياسياً» .
وكان مسقط رأسه في جبلة الأدهمية من أعمال اللاذقية في شمالي سوريا، نشأ في بلده في بيئة إسلامية، وهو من أسرة كريمة، ما أن بلغ الرابعة عشرة من عمره، حتى استطاع والده تأمين رحلة دراسية له إلى الأزهر الشريف، وتتلمذ فيه على يد الشيخ محمد عبده، فقد كان رئيس رواق الشام في الأزهر الشريف في عصره، وعندما عاد عز الدين القسام إلى قريته «جبلة» حاملاً شهادته الأهلية من الأزهر عام ١٩٠٣، حاول أبوه الشيخ عبد القادر أن يقنعه بضرورة أن يذهبا معاً إلى قصر الأفندي ديب، ليسلما عليه، فرفض الابن نصيحة أبيه قائلاً: أيسلم الوافد على المقيم؟! وكانت أول بادرة تكسر العُرف المقلوب، إرضاء لأسياد الأرض، وتسترد للمواطن حقه في عدم الإنحناء.
ثم عين الشيخ عز الدين القسام مدرساً للجامع الكبير في جبلة «جامع
стр. 104
إبراهيم بن أدهم» ، حيث لا يستطيع الاتحاد والترقي الذي كان مسيطراً على الدولة العثمانية في أواخر عهدها أن يمس الشيخ بسوء؛ لأنّ من صالحه المحافظة على الشكليات الدينية، إلا إذا هددت سلطته تهديداً مباشراً وفي الصميم.
وعند احتلال الفرنسيين لسوريا، قامت ثورات ضدها، وانضم الشيخ عزالدين القسام إلى ثورة عمر البيطار، ولكن هذه الثورة لم تطل؛ لفقر المصادر التموينية والسلاح والذخيرة وضعف التنظيم، وقضى القسام حوالي السنة متنقلاً بين غابات الفرلق وصلنفة وجرود جبال العلويين في سوريا، بعد أن حطت الثورة أثقالها، واستمرت مطاردة الفرنسيين له ولرفاقه، وصدر عليه حكم الإعدام من الديوان العرفي في اللاذقية، ثم فاوضوه أثناء مطاردته على إلغاء الحكم، وتحقيق كل ما تصبو إليه نفسه من مال ومركز، فرفض ذلك، ثم لم يجد بداً من الرحيل إلى فلسطين، وكان قد أجرى اتصالات مسبقة مع صديقه القديم -الذي شاركه في تأليف هذا الكتاب- وهو الشيخ كامل القصاب (١) ،
وهو من علماء فلسطين، ولعب دوراً في قضية فلسطين، فذهب هناك واستقر في ضاحية الياجور قرب حيفا، ومعه الشيخان محمد الحنفي والحاج عبيد،
стр. 105
وكانت حيفا سريعة النمو في عمرانها، فهي مرفأ فلسطين الأول، ولتحقيق أهدافه الجهادية ضد اليهود دخل الانتخابات في جمعية الشبان المسلمين، وانتخب رئيساً لها، ثم طلب أن يكون خطيباً ومدرساً، ولأنه كانت له قدرة فائقة على ذلك، أسندت إليه هذه المهمة في جامع الاستقلال، ثم طلب تعيينه مأذوناً شرعياً، فتم له ما أراد، وأخذ يخرج إلى القرى ويدرس نفسية الشعب، ويدعو للمحبة والوفاق، والعودة إلى مبادئ الدين الإسلامي الحنيف، ولاحظ أن حكومة الانتداب تسعى لتعميق الخلافات على طريقتها المعروفة (فرق تسد) ، فبدأ ثورته بتأليف القلوب، ونشر المحبة وإزالة الخصومات، وقام بتأسيس مدرسة ليلية لتعليم الأميين من العرب، فكانت مكاناً لتجميع الناس وبث فكرة الجهاد فيهم، واستمر على ذلك وأسس جمعية لذلك، وجمع التبرعات، ودرَّب من انضم إليه تدريباً عسكرياً بعد أن هيأه دينياً لذلك.
ثم وبعد أسبوعين من مهاجمة قوات البوليس الإنجليزي للمتظاهرين العرب في القدس، وفي ليلة ١٢ تشرين الثاني ١٩٣٥م، جمع القسام إخوانه في حيفا، وأبلغهم أنه قرر إعلان الجهاد المقدس، واختار أرض المعركة في المناطق الجبلية، فتوجه موكب المجاهدين إلى جبال جنين، وكان الاستعمار يراقب تحركات القسام بواسطة الخونة، وبعد يومين -أي: في ١٤ تشرين الثاني- ارتكب أحد مناضلي القسام خطأً كان سبباً في افتضاح أمر الثورة قبل إعلانها رسمياً.
وكانت خطة القسّام أن يتوزع رجاله على قرى المناطق الجبلية، حتى يضموا إليهم أكبر عدد من المناضلين، حتى إذا اكتمل العدد الذي يريد هاجم مدينة حيفا، واحتل دوائر الحكومة ومراكز الشرطة والميناء، وبعد أن يستتب له الأمر، يعلن قيام الحكومة العربية، ويكون أعوانه في المدن الأخرى قد قاموا بذات عملية الاحتلال، فينتهي بذلك مأساة تهويد فلسطين، التي لم تحل دونها حتى الآن جميع المفاوضات والاحتجاجات والمظاهرات.
стр. 106
ولكن الخطأ الذي ارتكبه أحد أعوانه عرَّض الخطة إلى الفشل، ففي ليلة ١٤ تشرين الثاني ١٩٣٥، كان المناضل محمود سالم المخزومي يقوم بالحراسة قرب قرية فقوعة، فشاهد دورية بوليس من الفرسان يقودها شاويش يهودي، وهي قادمة من مستعمرة عين حار ود، فدب الحماس في المناضل الحارس عندما وجد أنه يسيطر على موقع يستطيع منه التحكم في الدورية، فأطلق النار على الشاويش اليهودي فقتله، إلا أن زميله استطاع الهرب، فأبلغ مركز البوليس بالواقعة، وفي اليوم التالي قامت قوات كبيرة بتطويق جميع القرى المجاورة، ولما اقتربت من مواقع أعوان القسّام، اشتبكت معهم في قرية (البارد) ، ونشبت المعركة التي قتل خلالها المناضل الشيخ محمود الحلحولي، وقتل اثنان من البوليس الإنكليزي، وتطورت الأمور، فأيقنت حكومة الانتداب أن الثورة المسلحة قد أشرفت على القيام، وأن الجهاد الحاسم على وشك الاستنفار، عندئذ عقد اجتماع في مكتب المندوب السامي تقرر فيه ضرورة القضاء على هذه الثورة، وهي في مهدها مهما كلف الأمر قبل استفحال خطرها.
وأرسلت نجدات من رجال البوليس الإنكليزي من كافة المدن الفلسطينية إلى حيفا، تساندهم طائرات استكشافية، وفي صباح يوم ١٩ تشرين الثاني، زحفت قوات البوليس إلى جبال جنين، وطوقت منذ طلوع الفجر قرى: يعبد، واليامون، وبرقين، وكفر دان، وفقوعة، وكان الشيخ القسّام مع أحد عشر مناضلاً في أحراش قرية (يعبد) في خربة الطرم في الجهة الشمالية الشرقية من يعبد.
أما إخوانه فهم: الشيخ محمد الحنفي أحمد، والشيخ يوسف الزيباوي، والشيخ حسن الباير، والشيخ أحمد جابر، والشيخ أسعد كلش، والشيخ نمر السعدي، وعرابي البدوي، وتوفيق الزيري، وناجي أبو زيد، ومحمد يوسف، وداود خطاب.
стр. 107
وعرفت القوات الإنكليزية أنَّ الشيخ القسّام هو قائد الثورة، وأنه يقيم في أحراش يعبد، فأرسلت إليه خمس مئة جندي، فرضت عليه طوقاً بحيث لا يمكنه الانسحاب، كما لا يمكن للنجدات أن تصل إليه.
«وحين طلب منه أن يستسلم أجاب: إننا لن نستسلم، إن هذا جهاد في سبيل الله، والتفت إلى زملائه قائلاً: موتوا شهداء» .
ودارت معركة بين قوتين غير متكافئتين بالعدد والعدة، وكان كل مجاهد يقاتل أربعين جندياً، ونشبت المعركة في الفجر، واستمرت حتى الظهر، فانتهت بموت قائد الثورة الشيخ عز الدين القسام، والشيخ محمد الحنفي أحمد، رفيق جهاده في سوريا، والشيخ يوسف الزيباوي، كما جرح جميع إخوانه.
ووقع في الأسر الجرحى من المناضلين، وهم: أحمد جابر، وعرابي البدوي، ومحمد يوسف، وتمكن الآخرون من الإفلات من طوق الجنود، وقد قتل من الإنكليز عدد كبير، إلا أن البلاغ الرسمي لم يعترف إلا بمقتل ثلاثة جنود.
ثم أصدرت السلطات البريطانية بلاغاً نعتت فيه القسام وصحبه بالأشقياء، وجرت بعد ذلك محاكمات تاريخية للأسرى من الجرحى وغير الجرحى.
وبذلك تمكن الإنكليز من القضاء على قائد الثورة وعدد من إخوانه الأبرار، وفشلت الخطة المقررة لاحتلال دوائر الحكومة في حيفا، والاستيلاء على الأسلحة التي ستسلم إلى المجاهدين للقيام بأعمال ثورية واسعة، لمنع إقامة دولة يهودية في أي جزء من أرض فلسطين.
وبعد سقوط العالم القائد المجاهد الشيخ عز الدين القسام واثنين من إخوانه الأبرار في ساحات الشرف والكرامة، واعتقال خمسة منهم، اضطر الآخرون إلى الاختفاء في الجبال لإتمام رسالة القسّام الثورية المقدسة في الوقت
стр. 108
المناسب.
ولقد أكرم سكان مدينة حيفا البواسل الشهداء -فيما نحسب- الأبرار، وتحدوا السلطات الغاشمة، وجرت جنازة مهيبة، اشترك فيها عشرات الألوف من أبناء الشعب، وجرت مظاهرات وطنية أثناء تشييع جنازة الشهداء، حيث هاجم أبناء الشعب الثائر دوائر البوليس، والدوريات الإنكليزية بالحجارة (١) .
ونشرت تلك المظاهرات (٢) وعياً في صفوف الشعب الفلسطيني العربي المسلم، وأخذ كل فرد يفكر بالثورة المسلحة على الظلم والطغيان، وأخذ إخوان القسام من العلماء يحرضون الشعب على القتال، وكان للعالم الشيخ كامل القصاب وزملائه دور بارز في استلام زمام المبادرة بعد القسام.
وسار موكب الجنازة مجللاً بالأعلام العربية، حيث صُلي على الشهداء -نحسبهم على الله في المسجد الكبير، وشيع القسّام إلى قبره في قرية الياجور التي تبعد عن حيفا نحو عشرة كيلومترات، سارتها على الأقدام حاملة
стр. 109
نعشه ﵀.
وبذلك يكون المجاهد الشيخ عز الدين القسام أول من عمل عملاً مركزاً للثورة، وزرع بذور الحقد على الاستعمار البريطاني الغاشم وربيبته الصهيونية، وترك للأمة عشرات المخلصين قاموا بالدور الرئيسي البارز بالثورة الكبرى التي اندلعت في (١٥) نيسان سنة ١٩٣٦.
وقد أزعج القسام السلطة المنتدبة حتى بعد موته، فقد استدعى مدير المطبوعات أصحاب الصحف ورؤساء تحريرها، وحظر عليهم كتابة شيء عن القسام، وهدد بمحاكمتهم وتعطيل صحفهم.
ولقد ألقت ثورة القسام ظلاً كبيراً على المسرح السياسي الفلسطيني، وأصبحت كل محاولة لإقامة تقارب بين الفلسطينيين والسلطات الحكومية محكوماً عليها بالفشل.
وتعتبر اللجنة العربية العليا، وليدة ثورة الشعب التي أعلنها إخوان القسّام، واستجاب لها الشعب بتأليف لجان عديدة في البلاد.
وبموت الشيخ القسام انطوت صفحة مجيدة من صفحات البطولة والتنظيم والتخطيط الإسلامي في معارك فلسطين، إلا أن ثورة القسّام لم تمت بموته، بل بقيت منارة لأحرار فلسطين يؤمنون بأنه لا حياة لهم ولا كرامة بدون السير على خط ونهج القسام، الذي عمل على نهج النبي s في تعليم الناس دينهم، وتصحيح عقائدهم وعباداتهم، وجهد في محاربة (الخرافة) و (البدع) (١) ، والعمل بجد وإخلاص للجهاد في سبيل الله، لإعلاء كلمة الله فوق أرض الله
стр. 110
المقدسة.
ولم يفت الشعر الوطني أن يعبر عن حادثة استشهاد القسّام، فهذا الشاعر محمد صادق عرنوس يردد:
من شاء فليأخذ عن القسام ... أنموذج الجندي في الإسلام
وليتخذه إذا أراد تخلصاً ... من ذله الموروث خير إمام
ترك الكلام ورصفه لهواته ... وبضاعة الضعفاء محض كلام
أو ما ترى زعماءنا قد أتخموا ألـ ... آذان قولاً أيما إتخام
كنا نظن حقيقة ما حبروا ... فإذا به وهم من الأوهام
ويقول الشاعر فؤاد الخطيب في قصيدة له:
أولت عمامتك العمائم كلها ... شرف تقصر عنده التيجان
إن الزعامة والطريق مخوفة ... غير الزعامة والطريق أمان
ما كنت أحسب قبل شخصك أنه ... في بردتيه يضمها إنسان
يا رهط عز الدين حسبك نعمة ... في الخلد لا عنت ولا أحزان
شهداء بدر والبقيع تهللت ... فرحاً وهش مرحباً رضوان
* مصادر ترجمته:
١- «الأعلام الشرقية» (١/٣٤٩ رقم ٤٥٤) .
٢- «الأعلام» للزر كلي (٦/٢٦٧-٢٦٨) .
٣- «معجم المؤلفين» (١٠/٢٩٠-٢٩١) .
٤- «عز الدين القسام» لعلي حسين خلف.
٥- «عز الدين القسام منهجاً ورجالاً» لعوني جدّوع العُبيدي.