← Джавами‘

Джавами‘ · id 16928

مجموع رسائل الحافظ العلائي جـ 1

صلاح الدين العلائي

Полный текст (342 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مجموع رسائل الحافظ العلائي تأليف الإمام الحافظ الفقيه الأصولي صلاح الدين خليل بن كيكلدي عبد الله أبي سعيد العلائي (٦٩٤ - ٧٦١ هـ) تحقيق وائل محمد بكر زهران الفاروق الحديثة للطباعة والنشر

стр. 2

فهرسة أثناء النشر إعداد الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية إدارة الشئون الفنية العلائي، خليل بن كيكلدى بن عبد الله، ١٢٩٤ - ١٣٥٩ مجموع رسائل الحافظ العلائي صلاح الدين خليل بن كيكلدى بن عبد الله أبي بن عيد العلائي؛ تحقيق وائل محمد بكر زهران ٠ - ط ٠١ - القاهرة: الفاروق الحديثة للطباعة والنشر، ٢٠٠٧ مج ١؛ ١٧ سم تدمك ٤ - ٠٨٤ - ٣٧٠ - ٩٧٧ ١ - الفقه الإسلامي ... ٢٥٠ أ - زهران، وائل محمد بكر (محقق) ب - العنوان جميع حقوق الطبع محفوظة للناشر لا يجوز نشر هذا الكتاب أو أي جزء منه أو تصويره أو تخزينه أو تسجيله بأي وسيلة علمية مستحدثة أو نشره عبر الإنترنت سواء أكان ذلك لأغراض تجارية أو غير ذلك بدون موافقه خطية من الناشر الطبعة الأولى ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م رقم الإيداع ٢٧٢٤٤/ ٢٠٠٧ الترقيم الدولى ٤ - ٠٨٤ - ٣٧٠ - ٩٧٧ الفاروق الحديثة للطباعة والنشر ٣ درب شريف - خلف رقم ٦٠ ش راتب باشا - حدائق شبرا - القاهرة هاتف: ٢٤٣٠٧٥٢٦ (٠٠٢٠٢) فاكس: ٢٢٠٥٥٦٨٨ (٠٠٢٠٢)

стр. 3

مجموعُ رَسَائِل الْحَافِظِ الْعَلائِيِّ

стр. 4

إهداء إلى والدي ﵀ أسأل اللَّه أن يتقبل مني هذا الكتاب وأن يجعله في ميزان حسناته وأن يدخله الفردوس الأعلى كما رباني صغيرًا آمين

стр. 5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إن الحمد للَّه نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، إنه من يهده اللَّه فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. [آل عمران: ١٠٢]. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١]. أَمَّا بَعْدُ: فإن من أعظم حقوق علمائنا السابقين علينا أن ننشر كتبهم بعد ضبطها ضبطًا صحيحًا، فإنهم ورثة الأنبياء، وكتبهم هي ميراثهم الذي ورثوه، ولنجتهد في ضبطها حسب الجهد والطاقة، فإن لم نستطع السداد فلنقارب؛ فإنهم قد بذلوا الغالي والنفيس في سبيل نشر هذا العلم الشريف، جزاهم اللَّه خير الجزاء، ونفع اللَّه بكتبهم، وأعاننا على أداء حقوقهم علينا. وبعد: فإن الإمام الحافظ الفقيه الأصولي صلاح الدين خليل بن كيكلدي العلائي ﵀ يُعَدُّ من المكثرين في التأليف؛ فقد ألَفَ عشرات الكتب في علومٍ عديدةٍ؛ من تفسير وفقه وحديث وأصول وغيرها. ولما كانت مؤلفات الحافظ العلائي -مع عظم نفعها- مبددة لا تكاد تجتمع في

стр. 6

مكان واحد، ولا يزال كثير منها مخطوطًا لم يطبع بعد، فقد استعنت باللَّه على جمع رسائله الصغيرة خاصة، ونظمها معًا؛ لتكون كاللؤلؤ المنضود. والذي حفزني لذلك العمل المبارك -وهو مجموع رسائل الحافظ العلائي- أنه قد سبق لأخي الفاضل أبي مصعب طلعت فؤاد أن قام بتحقيق مجموع رسائل الحافظ ابن رجب، وكذلك قام شيخنا أبو عبد اللَّه حسين عكاشة بتحقيق رسائل ابن عبد الهادي، وقد لاقى العمل القبول من طلبة العلم، والحمد للَّه على ذلك، ولكثرة رسائل الحافظ العلائي وتفرق مخطوطاتها في بلدان العالم، رأيت أن أخرجها على أجزاء حسب ما اتفق لي منها؛ لذا فقد أخرجت هذا المجلد الأول من مجموع رسائل الحافظ العلائي، ويحوي الرسائل التالية: ١ - جزء في ذكر كليم اللَّه موسى. ٢ - رسالة في ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾. ٣ - رسالة في تفسير ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾. ٤ - رسالة في تفسير ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾. ٥ - العدة عند الكرب والشدة. ٦ - تحرير المقال في تحريم الحلال. ٧ - مسألة في مضاعفة الثواب في المساجد الثلاثة التي يشد الرحال إليها. وكلها تُطبع لأول مرة -حسب علمي- بالإضافة إلى رسالتين طبعتا قبل ذلك، وهما: ١ - تحقيق منيف الرتبة لمن ثبت له شريف الصحبة. ٢ - رفع الإشكال عن حديث صيام الست من شوال. وقد اكتفيت بترجمة يسيرة للحافظ العلائي ﵀ على أن أكتب له ترجمة موسعة

стр. 7

في آخر أجزاء هذا المجموع المبارك -إن شاء اللَّه تعالى. وكذلك اكتفيت بفهرس الموضوعات، على أن تكون الفهارس العلمية المفصلة في نهاية هذا المجموع المبارك -إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه أسأل أن ينفع بهذه الرسائل مؤلفها ومحققها وقارئها وكل من أعان على إتمامها ونشرها وسائر المسلمين، آمين. والحمد للَّه رب العالمين. وأتقدم بالشكر إلى أخي وصديقي أبي إسراء أحمد نسيرة الباحث بالمكنز الاسلامي على إخراجه للكتاب في هذه الصورة الطيبة. كما أشكر الأستاذ الفاضل أحمد حسني؛ فقد أحضر لي مخطوط العدة عند الكرب والشدة، نسخة برلين، فجزاه اللَّه خيرًا. وكتبه أبو بكر وائل محمد بكر زهران شنشور - أشمون - المنوفية

стр. 8

ترجمة الحافظ العلائي (١) أولًا: اسمه ونسبه: هو الشيخ الإمام العلامة الحافظ العمدة الحجة الأوحد البارع صلاح الدين أبو سعيد خليل بن كيكلدي بن عبد اللَّه العلائي الدمشقي الشافعي سبط البرهان الذهبي. الملقب بحافظ بيت المقدس، لقبه بذلك العلماء. ثانيًا: مولده: ولد بدمشق في ربيع الأول سنة أربع وتسعين وستمائة. ودرس بدمشق بالأسدية وبحلقة صاحب حمص، وحفظ القرآن، وتعلم الفقه والنحو والأصول، وبرع في الحديث ومعرفة الرجال والمتون والعلل، وخرج وصنف وأفاد. ثالثًا: شيوخه: أخذ الإمام العلائي رحمه اللَّه تعالى العلم عن كثير من العلماء الأجلاء، وقد بلغ عدد شيوخه بالسماع نحو السبعمائة أقدمهم وفاة الخطيب شرف الدين الفزاري،

стр. 9

ومن أشهر شيوخه: ١ - الإمام الحافظ المزي: هو يوسف بن عبد الرحمن بن يوسف بن عبد الملك بن يوسف بن علي الإمام العلامة الحافظ الكبير شيخ المحدثين عمدة الحفاظ أعجوبة الزمان جمال الدين أبو الحجاج بن الزكي أبي محمد القضاعي الكلبي الحلبي ثم الدمشقي المزي. صاحب تهذيب الكمال، وتحفة الأشراف. مولده في ربيع الآخر سنة أربع وخمسين. ٢ - شيخ الإسلام ابن تيمية: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني. كان إمامًا عالمًا فقيهًا حافظًا زاهدًا ورعًا، صاحب المصنفات العظيمة الدامغة لأهل البدع. ٣ - ابن الزملكاني: هو الشيخ الإمام العلامة قاضي القضاة كمال الدين أبو المعالي محمد بن علي بن عبد الواحد بن عبد الكريم بن خلف بن نبهان المعروف بابن الزملكاني. ولد في شوال سنة سبع وستين وستمائة، وتوفي سنة سبع وعشرين وسبعمائة. ٤ - برهان الدين الفزاري: هو الشيخ العلامة شيخ الإسلام برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الرحمن ابن إبراهيم بن سباع بن ضياء الفزاري البدري، ابن الشيخ العلامة فقيه الشام تاج الدين أبي محمد بن الشيخ المقرئ برهان الدين أبي إسحاق المصري الأصل الدمشقي. ولد في شهر ربيع الأول سنة ستين وستمائة، وتوفي سنة تسع وعشرين وسبعمائة. وسمع الكثير من ابن عبد الدائم وابن أبي اليسر وعدة، وله مشيخة خرجها العلائي.

стр. 10

رابعًا: تلامذته: تخرج على الإمام العلائي ﵀ علماء كثيرون، نذكر منهم: ١ - ابن الملقن: هو الحافظ عمر بن علي بن أحمد ابن الملقن المتوفى سنة ٨٠٤ هـ. صاحب المصنفات البديعة التي لم يسبق إلى مثلها، منها البدر المنير في تخريج أحاديث الشرح الكبير، وشرح مختصر التبريزي في الفقه وقد قمت بتحقيقه ونشرته دار الفلاح. ٢ - ابن سند: هو الإمام العالم الحافظ شمس الدين محمد بن موسى بن محمد بن سند بن تميم، أبو العباس اللخمي المصري الأصل الدمشقي المعروف بابن سند. مولده سنة تسع وعشرين وسبعمائة، وتوفي سنة اثنتين وتسعين وسبعمائة. ٣ - الحافظ ابن كثير إسماعيل بن عمر: الإمام الفقيه العلامة المفسر صاحب التفسير الذي وضع له القبول بين عامة المسلمين وغيره من التصانيف المفيدة. ٤ - الفيروزآبادي: هو محمد بن يعقوب بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن أبي بكر بن إدريس ابن فضل اللَّه الشيرازي الفيروزآبادي القاضي مجد الدين أبو الطاهر إمام عصره في اللغة. ٥ - الشيخ الإمام العلامة شيخ القدس محمد بن إسماعيل بن علي شمس الدين أبو عبد اللَّه بن الشيخ العلامة شيخ الشافعية بالقدس تقي الدين القلقشندي. ولد سنة خمس وأربعين وسبعمائة، وتوفي سنة تسع وثمانمائة بالقدس. خامسًا: الوظائف التي شغلها . ١ - ولي تدريس الحديث بالناصرية سنة ثمان عشر وسبعمائة. ٢ - ثم ولي التدريس بالأسدية سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة. ٣ - ثم بحلقة صاحب حمص سنة ثمان وعشرين وسبعمائة، وكان قد نزل له عنها شيخه الحافظ أبو الحجاج المزي. ٤ - ثم تولى الصلاحية بالقدس -وهي التي ألقى فيها هذه الرسالة- سنة إحدى

стр. 11

وثلاثين وسبعمائة. ٥ - وأيضًا أضيف إليه درس الحديث بالتنكزية بالقدس. سادسًا: مصنفاته: كان ﵀ من المكثرين في التصنيف والتأليف، فألف كتبًا كثيرة نافعة متقنة محررة جيدة انتشرت بين عامة المسلمين وعلمائهم، وشهد لها أهل العلم، وقد ألف ﵀ في سائر العلوم، في التفسير والحديث والفقه وأصوله واللغة وغير ذلك. ومن مصنفانه: - إتمام الفوائد المحصولة في الأدوات الموصولة (١). - إثارة الفوائد المجموعة في الإشارة إلى الفرائد المسموعة. - إجمال الإصابة في أقوال الصحابة. - إحكام العنوان لأحكام الدان (٢). - الأربعون الإلهية من رواية خير البرية (ثلاثة أجزاء) (٣). - الأربعون المغنية (١٢ جزء) (٤). - الأربعون في أعمال المتقين (في ستة وأربعين جزءًا) (٥). - الأربعون المعنعنة (في اثني عشر جزءًا). - الأشباه والنظائر في الفروع (٦).

стр. 12

- إنافة الحظوة في قاعدة مد عجوة (١). - برهان التيسير في عنوان التفسير (٢). - بغية الملتمس في سباعيات حديث الإمام مالك بن أنس (٣). - تحرير غاية المدة في تفسير آية العدة (٤). - تحرير المقال في تحريم الحلال (ضمن المجلد الأول من المجموع). - تحفة الرائض بعلوم آيات الفرائض (٥). - تحقيق الكلام في نية الصيام (٦). - تحقيق المراد في أن النهي يقتضي الفساد (٧). - تحقيق منيف الرتبة لمن ثبت له شريف الصحبة (ضمن المجلد الأول من المجموع). - تفصيل الإجمال في تعارض بعض الأقوال والأفعال (ضمن المجلد الثاني من المجموع). - تلخيص كتاب المسكت للزبيدي. - تلقيح الفهوم في تنقيح صيغ العموم (ضمن المجلد الثاني من المجموع). - تهذيب الأصول إلى مختصر جامع الأصول (٨).

стр. 13

- توفية الكيل لمن حرم لحوم الخيل (ضمن المجلد الثاني من المجموع). - تيسير حصول السعادة في تقرير شمول الإرادة (١). - جامع التحصيل في أحكام المراسيل (وهو أشهر كتبه) (٢). - جزء في تصحيح حديث القلتين والكلام على أسانيده (ضمن المجلد الأول من المجموع). - جزء في تفسير (الباقيات الصالحات وفضلها). - جزء في ذكر كليم اللَّه موسى (ضمن المجلد الأول من المجموع). - جزء فيه أحاديث منتقاة من جزء أبي مسعود بن الفرات (٣). - جزء فيه مائة حديث منتقاة من جامع الترمذي (٤). - جزء فيه مائة حديث منتقاة من صحيح مسلم (٥). - جزء فيه مائة حديث منتقاة من مشيخة الفخر ابن البخاري وهي من مسند أحمد (٦). - جزء فيه من عوالي أبي بكر أحمد بن عبد الدائم. - جزء فيه منتقى من مشيختي أبي نصر الشيرازي وأبي محمد القاسم بن عساكر (٧). - جمع الأحاديث الواردة في زيارة قبر النبي ﷺ (٨). - حديث: "قطع في مجن" وما يتعلق به.

стр. 14

- الدرة السنية في مولد خير البرية (١). - رسالة في تفسير قوله تعالى ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا﴾ (ضمن المجلد الأول من المجموع). - رسالة في تفسير قوله تعالى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (ضمن المجلد الأول من المجموع). - رسالة في تفسير ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ (ضمن المجلد الأول من المجموع). - رسالة في هل يقال: ما أعظم اللَّه ونحو ذلك. - رفع الإشكال عن حديث صيام الست من شوال (ضمن المجلد الأول من المجموع). - رفع الاشتباه عن أحكام الإكراه (٢). - رفع الالتباس عن مسائل البناء والغراس (٣). - سلوان التعزي بالحافظ المزي (٤). - شفاء المسترشدين في حكم اختلاف المجتهدين (٥). - العدة عند الكرب والشدة (ضمن المجلد الأول من المجموع). - عقيلة المطالب في ذكر أشرف الصفات والمناقب (٦). - عوالي مالك السباعيات (ستة أجزاء). - الفتاوى المستغربة.

стр. 15

- فصل القضاء في أحكام الأداء والقضاء (١). - الفصول المفيدة في الواو المزيدة (ضمن المجلد الثاني من المجموع). - كتاب في المدلسين (٢). - كشف النقاب عما روى الشيخان للأصحاب. - الكلام في بيع الفضولي. - المباحث المختارة في تفسير آية الدية والكفارة (٣). - المجالس المبتكرة (عشرة أجزاء) (٤). - المجموع المذهب في قواعد المذهب (وهو من أشهر كتبه) (٥). - المختلطون. - مسألة في مضاعفة الثواب في المساجد الثلاثة (ضمن المجلد الأول من المجموع). - المسلسلات (ثلاثة أجزاء) (٦). - المعاني العارضة عن الخافضة (٧). - مقدمة كتاب نهاية الأحكام في دراية الأحكام (خمسة عشر جزءًا) (٨). - منتقى الذخائر في الأعمال الكبائر (٩).

стр. 16

- نزهة النظرة في تفسير خواتم سورة البقرة (١). - نظم الفوائد لما تضمنه حديث ذي اليدين من الفوائد. - النفحات القدسية (أربعون مجلدًا) (٢). - النقد الصحيح لما اعترض عليه من أحاديث المصابيح. - الوشي المعلم في ذكر من روى عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ (ستة عشر جزءًا) (٣). وغير ذلك من الأجزاء المفردة في معان متعددة، ووقف أجزاءه بالخانقاه السميساطية واللَّه يغفر له. سابعًا: ثناء العلماء عليه: قال الإمام الذهبي: حافظ يستحضر الرجال والعلل، وتقدم في هذا الشأن مع صحة الذهن وسرعة الفهم. وقال الحافظ ابن حجر: كان ممتعًا في كل باب فتح، ويحفظ تراجم أهل العصر ومن قبلهم، وكان له ذوق في الأدب ونظم حسن مع الكرم وطلاقة الوجه. وقال الحسيني: كان إمامًا في الفقه والأصول والنحو، مفننًا في علوم الحديث ومعرفة الرجال، علامة في معرفة المتون والأسانيد، بقية الحفاظ، درس وأفتى وناظر، ولم يخلف بعده مثله. وقال الإسنوي: كان حافظ زمانه إمامًا في الفقه والأصول وغيرهما ذكيًّا نظارًا، فصيحًا كريمًا ذا رئاسة وحشمة، وصنف في الحديث تصانيفَ نافعة وفي النظائر الفقهية كتابًا نفيسًا. وقال السبكي: كان حافظًا ثبتًا ثقة عارفًا بأسماء الرجال والعلل والمتون، فقيهًا متكلمًا أديبًا شاعرًا ناظمًا ناثرًا متقنًا لم يخلف بعده مثله، أما الحديث فلم يكن في

стр. 17

عصره من يدانيه فيه، وأما بقية العلوم من فقه ونحو وتفسير وكلام فكان في كل واحد منها حسن المشاركة. وقال الحافظ زين الدين العراقي: درس وأفتى وجمع بين العلم والدين، والكرم والمروءة، ولم يخلف بعده مثله. وقال ابن رافع في "معجمه": سمع الحديث وأخذ عن غالب الموجودين، وأتقن الفقه الفن وتفقه وناظر وله ذوق في معرفة الرجال، وذكاء فهم. وقال ابن قاضي شهبة: الإمام البارع المحقق بقية الحفاظ. وقال النعيمي في "الدارس": كان إمامًا في الفقه والنحو والأصول مفننًا في علوم الحديث ومعرفة الحديث، علامة في المتون والأسانيد، ومصنفاته تنبئ عن إمامته في كل فن. وقال البهنسي في "الكافي" بتحقيقي: كان حافظ زمانه إمامًا في الفقه والأصول وغيرها ذكيًّا فصيحًا ذا رئاسة وحشمة. وقال رضي الدين الغزي في "بهجة الناظرين": الإمام العلامة الحافظ المدقق المحقق الأصولي المفنن في سائر العلوم، عالم بيت المقدس في زمنه، صنف كتابه المشهور بـ "القواعد" وهو كتاب نفيس جليل يدل على فضل كبير واطلاع كثير، وما طالعته إلا وأزداد فيه محبة. ثامنًا: مذهبه: كان رحمه اللَّه تعالى شافعي الفروع أشعري الأصول، يظهر ذلك من خلال كلامه في رسائل التفسير. تاسعًا: وفاته: توفي الإمام العلامة رحمه اللَّه تعالى وأسكنه الفردوس الأعلى في الثالث أو الخامس من شهر المحرم سنة إحدى وستين وسبعمائة. * * *

стр. 18

منهج تحقيق الرسائل ١ - نسخت مخطوطات الرسائل نسخًا جيدًا مراعيًا علامات الترقيم مع تنسيق فقرات الكتاب. ٢ - قابلت الرسائل على أصولها الخطية مقابلة تامة. ٣ - عزوت الآيات إلى مواضعها من المصحف. ٤ - عزوت الأحاديث والآثار إلى أصولها من كتب الصحاح والسنن والمسانيد وغيرها حسبما ذكر الحافظ العلائي، فإن لم يذكر ذلك اكتفيت بالصحيحين أو أحدهما إن كان الحديث عندهما أو السنن وصحيح ابن خزيمة وابن حبان والحاكم مع ذكر كلام أهل العلم المعتبر في التصحيح والتضعيف؛ حتى تتم الفائدة، ولم أتوسع إلا عند الحاجة. ٥ - ربما علقت على بعض المواضع بذكر فائدة؛ كضبط الأسماء والكنى والألقاب والأنساب، أو شرح كلمة غريبة، أو عزو الحديث لمصدر أعلى، وغير ذلك مما سيظهر خلال مطالعة الكتاب إن شاء اللَّه تعالى. ٦ - عزوت الأقوال الفقهية إلى مصادرها من كتب الفقه، وكذا نقولات الحافظ العلائي عن الأئمة، كابن الصلاح والحافظ الضياء وغيرهما حسب ما توفر لي من المصادر العلمية. ٧ - كتبت مقدمة لهذا المجموع عرفت فيها بالمؤلف الحافظ العلائي باختصار، على أن أقوم بعمل ترجمة علمية موسعة له، وذلك بعد الانتهاء من تحقيق الرسائل، أبرز فيها شخصية ومكانة الحافظ العلائي، وذلك للاستفادة من جميع مصنفاته في ذلك. ٨ - قمت بعمل فهرس مختصر لهذا المجلد على أن تكون الفهارس العلمية المفصلة في نهاية المجموع المبارك، وسوف تشتمل على ما يلي: ١ - فهرس الآيات القرآنية. ٢ - فهرس الأحاديث والآثار.

стр. 19

٣ - فهرس الرواة المتكلم فيهم جرحًا وتعديلًا. ٤ - فهرس الأحاديث التي تكلم عليها الحافظ العلائي تصحيحًا وتضعيفًا في جميع مصنفاته. ٥ - فهرس الموضوعات. * * *

стр. 20

جزء في ذكر كليم اللَّه موسى بن عمران صلوات اللَّه وسلامه عليه وما يتعلق بقبره تخريج كاتبه خليل بن كيكلدي العلائي الشافعي

стр. 21

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إن الحمد للَّه نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، إنه من يهده اللَّه فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. [آل عمران: ١٠٢]. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١]. أَمَّا بَعْدُ: فهذه رسالة للحافظ العلائي ﵀ في ذكر كليم اللَّه موسى ﷺ تكلم فيها الحافظ العلائي ﵀ عن سيدنا موسى ﵇ عن اسمه ونسبه وصفته ومحنته، وروى أحاديث بأسانيده عن شيوخه في ذلك، وتكلم على تلك الأحاديث وشرح ما أشكل منها، وتكلم فيها عن مسألة التفضيل بين الأنبياء صلوات اللَّه عليهم، وتكلم عن حياة الأنبياء بعد الموت وصفتها وذكر مذاهب العلماء في ذلك، إلى غير ذلك من الفوائد الجليلة، ثم ختم الرسالة بقصيدة في مدح سيدنا موسى ﵇.

стр. 22

التوصيف العلمي للنسخة الخطية اعتمدت في تحقيق هذه الرسالة على نسختين خطيتين إحداهما بخط المؤلف ﵀ لم أظفر بغير ذلك من النسخ الخطية: نسخة المؤلف وهي عبارة عن النسخة الخطية المحفوظة بدار الكتب المصرية ضمن مجموع تحت رقم (١٣٥) مجاميع بخط المؤلف ﵀، وعليها سماعات كثيرة. النسخة المساعدة وهي نسخة خطية محفوظة بدار الكتب المصرية ضمن مجموع تحت رقم (٢١٢٠١) ب. - اسم الناسخ: غير معروف. - تاريخ النسخ: غير معروف. - عدد الأوراق: ٥ ورقات. توثيق الكتاب لاشك في صحة نسب هذه الرسالة إلى الحافظ العلائي ﵀ ويكفي أن النسخة الخطية بخطه ﵀ وعليها سماعات كثيرة في أوقات مختلفة كتبها كتبها العلائي بخطه، والنسخة الثانية تقوي هذه النسبة وتؤيدها؛ فلسنا بحاجة بعد ذلك إلى مزيد بيان، كما أن الحافظ العلائي روى بأسانيده المعروفة عن شيوخه المعروفين، واللَّه أعلم. وقد وجد في نهاية النسخة المساعدة قصيدة في مدح سيدنا موسى ﵇، ولم تذكر في نسخة الأصل، فالظاهر أنه ﵀ أملاها بعدُ في أحد مجالسه، واللَّه أعلم.

стр. 23

الورقة الأولى من نسخة المؤلف

стр. 24

الورقة الأولى من النسخة المساعدة

стр. 25

الورقة الأخيرة من النسخة المساعدة

стр. 26

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وما توفيقي إلا باللَّه قال اللَّه تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥١) وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢) وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ (١). وقال تعالى: ﴿يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ (٤). قال جماعة من العلماء: هو موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل اللَّه عليهم الصلاة والسلام. قال أهل التاريخ: لما مات الريان بن الوليد -وهو فرعون مصر الذي كان على زمن يوسف وولاه على خزائن الأرض- وكان قد أسلم على يد يوسف ﵊، وجاء بعده جبار فلم يسلم ثم جبار آخر، وأقامت بنو إسرائيل بعد يوسف ﵇ بمصر حتى كثروا ونشأت لهم ذرية تحت أيدي العمالقة وهم على بقايا من دينهم الذي كان عليه يوسف وآباؤه عليهم الصلاة والسلام متمسكين به، حتى كان فرعون موسى الذي بعثه اللَّه تعالى إليه ولم يكن في الفراعنة أعتى منه ولا أقسى قلبًا ولا أطول منه عمرًا في الملك ولا أسوأ ملكة لبني إسرائيل وكان يعذبهم ويستعبدهم، وجعلهم خدمًا وخولًا وعاش فيهم أربعمائة سنة، فبعث اللَّه تعالى إليه موسى بن

стр. 27

عمران صلوات اللَّه عليه وجرى له ما قصه اللَّه تعالى في كتابه في غير موضع مبسوطًا، وليس في القرآن قصة تكررت كثيرًا كقصة موسى، ولم يذكر نبي باسمه في القرآن كما ذكر ﵊. أخبرنا أبو عبد اللَّه محمد بن أحمد بن أبي العز الدمشقي، ووزيرة بنت عمر بن المنجا، وأحمد بن أبي طالب بن أبي النعم قالوا: أنا الحسين بن المبارك الربعي، أنا عبد الأول بن عيسى الصوفي، أنا عبد الرحمن بن محمد بن المظفر، أنا عبد اللَّه بن أحمد بن حمويه، أنا محمد بن يوسف بن مطر، أنا الإمام محمد بن إسماعيل، ثنا إبراهيم بن موسى، ثنا هشام بن يوسف، أنا معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي رَأَيْتُ مُوسَى فَإذَا هُوَ رَجُلٌ ضَرْبٌ كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ وَرَأَيتُ عِيسَى فَإِذَا هُوَ رَجُلٌ رَبْعَةٌ أَحْمَرُ كَأَنَّمَا خَرَجَ مِن دِيمَاسٍ، وَأَنَا أَشْبَهُ وَلَدِ إِبْرَاهِيمَ بِه صلى اللَّه عليهم وسلم". كذا رواه البخاري في "صحيحه" (١). وقد روي من حديث جابر بن عبد اللَّه وابن عباس أيضًا وغيرهما ﵃: أخبرناه إسماعيل بن يوسف بن مكتوم، وعيسى بن عبد الرحمن بن معالي، وأحمد بن أبي طالب قالوا: أنا عبد اللَّه بن عمر بن علي اللتي، أنا أبو الوقت عبد الأول، أنا أبو الحسن عبد الرحمن الداودي، أنا أبو محمد عبد اللَّه السرخسي، أنا إبراهيم بن خزيم، ثنا عبد بن حميد الحافظ، ثنا أحمد بن يونس، ثنا ليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁، عن النبي ﷺ قال: "عُرِضَ عَلَيَّ الْأَنْبِيَاءُ فَإِذَا مُوسَى رَجُلٌ ضَرْبٌ مِنَ الرِّجَالِ كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ، وَرَأَيْتُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهًا عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ، وَرَأَيْتُ إبْرَاهِيمَ فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهًا صَاحِبُكُمْ -يَعْنِي نَفْسَهُ صلى اللَّه عليه وعليهم وسلم- وَرَأَيْتُ جِبْرِيلَ فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهًا دَحْيَةُ".

стр. 28

أخرجه مسلم في "صحيحه" (١) عن قتيبة، عن الليث بن سعد به، وروى الأول عن عبد ومحمد بن رافع، عن عبد الرزاق (٢). وأخبرنا القاسم بن مظفر بن محمود سماعًا عليه، عن أبي الوفاء محمود بن إبراهيم بن منده إذنًا، أنا الإمام أبو عبد اللَّه الحسن بن العباس الرستمي، أنا عبد الوهاب بن محمد بن إسحاق، أنا أبي الحافظ أبو عبد اللَّه بن منده، أنا أحمد بن إسحاق بن أيوب، ثنا علي بن عبد العزيز، ثنا محمد بن عبد اللَّه الرقاشي، ثنا يزيد بن زريع، ثنا سعيد، عن قتادة، عن أبي العالية، قال حدثتا ابن عم نبيكم عبد اللَّه بن عباس ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "رَأَيتُ لَيلَةَ أُسْرِيَّ بِي مُوسَى ابْنِ عِمْرَانَ رَجُلٌ آدَم طُوَالٌ جَعْدٌ كَأنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ، وَرَأَيْتُ عِيسَى رَجُلٌ مَرْبُوعٌ إِلَى الْحُمْرَةِ وَالْبَيَاضِ سَبِطَ الرَّأسِ، وَرَأَيْتُ مَالِكًا خَازِنَ النَّارِ، وَرَأَيْتُ الدَّجَالَ في آيَاتٍ أَرَانِيهِنَّ اللَّهُ ". صحيح أخرجه مسلم أيضًا من طرق عن قتادة (٣). و"الْآدَمُ": الأسمر. فَقِيلَ: هو الشديد السمرة. وَقِيلَ: بل لما كان دون ذلك مأخوذ من أدمة الأرض وهو لونها، ومنه سمي آدم ﵇. والضَّرْبُ من الرجال قيل: هو الذي له جسم بين جسمين ليس بالضخم ولا الضئيل. وقال ابن الأثير في "النهاية" (٤): الضرب: الخفيف اللحم الممشوق المستدق، وجاء في رواية في هذا الحديث "مضطرب" وهو مفتعل من الضرب والطاء بدل من

стр. 29

تاء الافتعال لاقترانها بحرف الضاد وهو حرف مستعل، فقلبت طاءً لاستعلائها. وأما "الْجَعْدُ" فإنه يكون في الصفات مدحًا ويجيء ذمًّا أيضًا، فالمدح معناه: أن يكون شديد الأسر والخلق، أو يكون جعد الشعر وهو ضد السبط؛ لأن السبوطة أكثرها في شعور العجم؛ وأما الذم: فهو القصير المتردد الخلق، وليس مرادًا هنا قطعًا؛ لوصفه إياه صلى اللَّه عليهما وسلم بالطول في قوله: "طُوَالٌ"، وهو بضم الطاء وتخفيف الواو لغة في طويل وربما تضمن مبالغة في ذلك. وأما قوله ﷺ : "كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ" فهي قبيلة معروفة من العرب اليمانيين سموا بذلك لأنهم كانوا يتباعدون عن الأنجاس يقال: رجل فيه شَنُوءَةٌ بفتح الشين وضم النون وهمزة مفتوحة بعد الواو: إذا كان فيه تقزز وتباعد عن الأقذار، حكاه الجوهري. وَقِيلَ: سموا بذلك لأنهم تشانئوا، أي: تباغضوا وتباعدوا، والنسبة إلى أزد شنوءة: شنائي بالهمز، ومنهم من لم يهمز شنوءة فيقول في النسبة شنوي. وجاء عن النبي ﷺ رؤيته لموسى ﵊ مرة أخرى في الحديث الذي أخبرناه القاسم بن مظفر، عن محمود بن منده، أنا الحسن بن العباس الفقيه، أنا أبو عمرو عبد الوهاب، أنا أبي الحافظ أبو عبد اللَّه، أنا عبد الرحمن بن يحيى، ثنا أبو مسعود -يعني أحمد بن الفرات- أنا عمرو بن عون، ثنا هشيم، أنا داود بن أبي هند، عن أبي العالية، عن ابن عباس ﵄، أن رسول اللَّه ﷺ مر بوادي الأزرق فقال: "كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مُوسَى ﵇ وَهُوَ هَابِطٌ مِنَ الثَّنِيَّةِ وَلَهُ جُؤَارٌ إِلَى اللَّهِ بِالتَّلْبِيَةِ، ثُمَّ أَتَى عَلَى ثَنِيَّةِ هَرْشَى فَقَالَ: أَيُّ ثَنِيَّةِ هَذِهِ"؟ قالوا: ثنية هرشى. فَقَالَ: "كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى يُونُسَ بْنِ مَتَّى عَلَى نَاقَةٍ حَمْرَاءَ جَعْدَةِ عَلَيْهِ جُبَّةٌ مِن صُوفٍ خِطَامُ نَاقَتِهِ خُلْبَةٌ" يعني ليفًا. وبه قال ابن منده: وأنا محمد بن يعقوب الشيباني، ثنا يحيى بن محمد بن يحيى، ومحمد بن إبراهيم بن سعيد قالا: ثنا أحمد بن حنبل. (ح) وأخبرنا حسان بن محمد، ثنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار، ثنا سريج بن يونس قالا: ثنا هشيم. . . فذكره.

стр. 30

رواه مسلم عن أحمد بن حنبل وسريج بن يونس على الموافقة (١). وأخرجه أيضًا (٢) من حديث ابن أبي عدي عن داود بن أي هند: أخبرناه القاسم ابن مظفر بإسناده هذا إلى ابن منده قال: أنا محمد بن إبراهيم بن مروان، ثنا زكريا بن يحيى بن إياس، ثنا محمد بن مثنى. (ح) وأخبرني أبي، حدثني أبي، ثنا محمد بن بشار قالا: ثنا محمد بن إبراهيم بن أبي عدي، عن داود بن أبي هند، عن أبي العالية، عن ابن عباس ﵄ قال: سرنا مع رسول اللَّه ﷺ بواد فقال: "أَيُّ وَادٍ هَذَا"؟ قالوا: وادي الأزرق. قال: "كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مُوسَى. . . " فذكر من لونه وشعره شيئًا لم يحفظه داود "وَاضِعًا إِصْبَعَيهِ فِي أُذُنَيهِ لَهُ جُؤَارٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالتَّلْبِيَةِ مَارًا بِهَذَا الوَادِي. . . " وذكر بقية الحديث. رواه مسلم عن محمد بن مثنى به (٣). "الجُؤَارُ": بضم الجيم وبالهمزة: رفع الصوت. وَقَدْ اختَلَفَ الْعُلَمَاءُ في هَذِهِ الرُّؤْيَةِ الَّتي رَآهَا نبينا ﷺ لِلأَنْبِيَاءِ عليهم الصلاة والسلام: فَقِيلَ: إن ذلك كان في المنام بدليل ما جاء في بعض الروايات في الصحيح (٤) عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي أَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ. . . " وذكر في الحديث قصة رؤيته عيسى ابن مريم ﵇. وَقَالَ كَثِيرٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ: إن ذلك رؤيا عين لا منام كما رآهم ليلة الإسراء رؤيا عين لا منام على الصحيح، وهذا هو القول الراجح.

стр. 31

وعلى هذا فاختلفوا في معنى هذا الحديث الأخير الذي ذكر فيه كَيْفِيَّةِ حَجِّ موسى ﵊ فذكر فيه وجوه: أَحَدُهَا: أن هذا على ظاهره؛ فإن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أحياء بعد موتهم كالشهداء بل أفضل، واذا كانوا أحياء فلا يستبعد أن يحجوا ويصلوا ويتقربوا إلى اللَّه تعالى بما استطاعوا؛ لأنهم وان كانوا قد توفوا فهم في هذه الدنيا التي هي دار العمل حتى إذا فنيت مدتها ويعقبها الدار الآخرة التي هي دار الجزاء انقطع العمل. وقد يقال أيضًا: إن هذه الأعمال تحبب إليهم فيتعبدون بما يجدون من دواعي أنفسهم لا بما يلزمون كما يحمده ويسبحه أهل الجنة، كما جاء في الحديث أنهم يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس (١)، وهو معنى قوله تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾ (٢) وإن كانت دار الجنة ليست بدار تكليف ولكن يكون ذلك على الوجه الذي ذكرنا، فكذلك حج الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وصلواتهم. وَثَانِيهَا: أنه ﷺ أري حالهم التي كانت في حياتهم ومثلوا له في حال حياتهم كيف كانوا وكيف حجهم وتلبيتهم. وَثَالِثُهَا: أن يكون النبي ﷺ أخبر عما أوحي إليه من أمرهم وما كان منهم وإن لم يرهم، لكن جاء به في هذا النسق لقوة اليقين بصدق ذلك إذ كان عن وحي. والقول الأول هو الأصح الذي تقتضيه الأحاديث الصحيحة من أنهم صلوات اللَّه عليهم أحياء في قبورهم (٣):

стр. 32

كما أخبرنا أبو الفضل سليمان بن حمزة بن أحمد المقدسي سماعًا عليه، قال أنا جعفر بن علي بن هبة اللَّه، أنا الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد السلفىِ، أنا علي بن أحمد بن بيان، أنا طلحة بن علي بن الصقر، ثنا أبو بكر محمد بن عبد اللَّه الشافعي، ثنا موسى بن الحسن النسائي، ثنا عفان، ثنا حماد بن سلمة، ثنا ثابت وسليمان التيمي، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "رَأَيتُ مُوسَى يُصَلِّي في قَبْرِهِ عِنْدَ الْكَثِيبِ الأَحْمَرِ". أخرجه مسلم عن هدبة بن خالد وشيبان بن فروخ كلاهما عن حماد بن سلمة به، ولفظه: "مَرَرْتُ عَلَى مُوسَى لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عِنْدَ الْكَثِيبِ الأَحْمَرِ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ" (١). فهذه الرواية ظاهرة في حياة موسى ﵊ في قبره، ويدل لذلك أيضًا حديث المعراج وترديده النبي ﷺ ، وقد تقدم أن الراجح أن الإسراء كان بجسده ﷺ : أخبرنا الإمام أبو العباس أحمد بن إبراهيم الفزاري قراءة عليه وأنا أسمع سنة

стр. 33

ثلاث وسبعمائة وابن أخيه شيخنا العلامة أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الرحمن والعلامة أبو الحسن علي بن محمد بن أبي القاسم الحنفي الحاكم بقراءتي عليهما في جماعة كثيرين قالوا كلهم: أنا أحمد بن عبد الدائم المقدسي. وقال شيخنا الأول: أنا العلامة أبو عمرو عثمان بن عبذ الرحمن الشافعي ومحمد بن علي بن العسقلاني في آخرين. قال ابن عبد الدائم: أنا أحمد بن علي بن صدقة. وقال أبو عمرو: أنا المؤيد ابن محمد الطوسي، وقال العسقلاني: أنا منصور بن عبد المنعم الفراوي قالوا: أنا محمد بن الفضل الفقيه، أنا عبد الغافر بن الحسين، أنا محمد بن عمرويه، أنا إبراهيم ابن محمد بن سفيان، ثنا مسلم بن الحجاج الإمام، ثنا شيبان بن فروخ، ثنا حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن أنس ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "أُتِيتُ بِالْبُرَاقِ. . . " فذكر قصة الإسراء وفيها: "ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ ﵇، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ، فَفُتِحَ لنَا فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى ﵊ فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيرٍ. . . " وذكر الحديث، وفيه "فَفَرَضَ عَلَيَّ خَمْسِينَ صَلَاةَ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَنَزَلْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ: مَاذَا فَرَضَ رَبُّكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ فَقُلْتُ: خَمْسِينَ صَلَاةً. قَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا يُطِيقُونَ ذَلِكَ فَإِنِّي قَدْ بَلَوْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَخَبَرْتُهُمْ. قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي فَقُلْتُ: يَا رَبِّ خَفِّفْ عَلَى أُمَّتِي فَحَطَّ عَنِّي خَمْسًا فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى صلوات اللَّه عليه فَقُلْتُ: حَطَّ عَنِّي خَمْسًا. قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لَا يُطِيقُونَ ذَلِكَ فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ قَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ. قَالَ: فَلَمْ أَزَل أَرْجِعُ بَيْنَ رَبِّي ﵎ وَبَيْنَ مُوسَى ﵊ حَتَّى

стр. 34

قَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّهُنَّ خَمْسُ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمِ وَلَيلَةِ لِكُلِّ صَلَاةٍ عَشْرٌ فَذَلِكَ خَمْسُونَ صَلَاةً. قَالَ: فَنَزَلْتُ حَتَّى انْتَهَيتُ إِلَى مُوسَى صلوات اللَّه عليه فَأَخبَرْتُهُ فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبّكَ فَاسْالْهُ التَّخْفِيفَ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فقلت: قَد رَجَعْتُ إِلَى رَبِّي حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ" (١). وبهذا الإسناد إلى محمد بن عمرويه، قال: ثنا أبو العباس الماسرجسي، ثنا شيبان ابن فروخ، ثنا حماد بن سلمة بهذا. ومما يدل على ذلك أيضًا ما أخبرنا المشايخ الجلة أبو الفضل، سليمان ابن حمزة المقدسي، ومحمد بن أبي العز بن مشرف، وأبو بكر بن أحمد بن عبد الدائم، وأحمد بن أبي طالب بن نعمة المعمر، وعيسى بن عبد الرحمن بن معالي، وفاطمة بنت عبد الرحمن بن الفراء الصالحيون بقراءتي عليهم سوى ابن مشرف فسماعًا عليه قالوا: أنا الحسين بن المبارك الربعي، أنا عبد الأول بن عيسى، أنا عبد الرحمن بن محمد، أنا عبد اللَّه بن أحمد، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل الإمام، ثنا أبو اليمان، أنا شعيب، عن الزهري قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن وسعيد ابن المسيب، أن أبا هريرة ﵁ قال: استب رجل من المسلمين ورجل من اليهود، فقال المسلم: والذي اصطفى محمدًا ﷺ على العالمين في قسم يقسم به، فقال اليهودي: والذي اصطفى موسى على العالمين، فرفع المسلم عند ذلك يده فلطم اليهودي، فذهب اليهودي إلى النبي ﷺ فأخبره الذي كان من أمره وأمر المسلم فقال: "لَا تُخيِّرُونِي عَلَى مُوسَى فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ فَإِذَا مُوسَى بَاطِشٌ بِجَانِبِ الْعَرْشِ فَلَا أَدْرِي أَكَانَ فِيمَنْ صَعِقَ فَأَفَاقَ قَبْلِي أَوْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثنَى اللَّهُ ". كذا أخرجه البخاري في "صحيحه" (٢)، ورواه مسلم (٣) عن عبد اللَّه الدارمي

стр. 35

وأبي بكر بن إسحاق كلاهما عن أبي اليمان فوقع لنا بدلًا عاليًا. ورواه مسلم (١) أيضًا من حديث عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة. وأخرجاه جميعًا من حديث أبي سعيد الخدري: أخبرناه أبو الربيع بن قدامة الحاكم وأبو محمد بن معالي المطعم قالا: أنا جعفر ابن علي الهمداني، أنا أبو طاهر أحمد بن محمد الحافظ، أنا أحمد بن عبد الغفار بن أشتة، ثنا محمد بن علي النقاش، أنا سليمان بن أحمد بن أيوب، ثنا عبد اللَّه بن محمد ابن أبي مريم، ثنا محمد بن يوسف الفريابي، ثنا سفيان -يعني الثوري- عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد ﵁، عن النبي ﷺ قال: "النَّاسُ يَصْعَقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى ﵇ آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِن قَوَائِمِ العَرْشِ فَلَا أَدْرِي أَفَاقَ قَبْلي أَمْ جُزِيَ بِصَعْقَتِهِ". أخرجه البخاري (٢) عن محمد بن يوسف الفريابي به على الموافقة، ورواه مسلم عن عمرو الناقد، عن أبي أحمد الزبيري، عن سفيان الثوري، ولفظه: "فَلَا أَدْرِي أَكَانَ مِمَّنْ صَعِقَ فَأَفَاقَ قَبْلي أَوِ اكْتَفَى بِصَعْقَةِ الطُّورِ" (٣). فهذا الحديث دليل ظاهر قوي في حياة موسى ﵊ وحياة نبينا ﷺ وغيره من الأنبياء صلوات اللَّه عليهم وسلامه، ووجه ذلك أن وفاة موسى ﵊ من المعلوم قطعًا، وإذا كان كذلك فالصعق عند النفخ في الصور إنما يكون لمن هو حي يومئذ في الدنيا فأما من مات قبل ذلك فلا يصعق؛ لأن تحصيل الحاصل محال وإنما يصح ذلك في حق موسى ﵇ إذا كان حيًّا، فيتحصل من هذا أنه حي كالشهداء بل أفضل وأولى بهذه الكرامة، وينضم إلى ذلك رؤية نبينا ﷺ له قائمًا في قبره يصلي واجتماعه به في السماوات ليلة الإسراء، وقوله ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الأَنْبِيَاءِ" لما قيل له: كيف تعرض صلاتنا

стр. 36

عليك وقد أرمت أي بليت (١)، إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة التي يفيد مجموعها العلم بأن موت الأنبياء صلوات اللَّه وسلامه عليهم ليس عدمًا محضًا كموت غيرهم بل هو انتقال من حال إلى أخرى وغيبوا عنا بحيث لا ندركهم وإن كانوا موجودين أحياء، وذلك كالحال في الملائكة فإنهم أحياء موجودون ولا يراهم أحد من نوعنا إلا من خصه اللَّه بكرامة من أوليائه. بقي أن يقال: لاشك أن اللَّه تعالى قد توفاهم من الدنيا وذاقوا الموت كما قال أبو بكر ﵁ لنبينا ﷺ : أما الموتة التي كتب اللَّه عليك فقد ذقتها (٢). فإذا كانوا أحياء قد أحياهم اللَّه بعد موتهم ذلك، فيلزم من ذلك أنهم يموتون موتة ثانية عند النفخ في الصور فيذوقون الموت أكثر من غيرهم. وجواب هذا أنه إذا نفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض فلا شك أن صعق غير الأنبياء بالموت، وأما صعق الأنبياء فالظاهر أنه غشية وزوال استشعار لا موت كغيرهم لئلا يلزم أخهم يموتون مرتين، وهذا ما اختاره الإمام البيهقي والقرطبي وغيرهما أن صعقهم يومئذ ليس موتًا بل غشي أو نحوه، ويدل لصحته قوله ﷺ في الحديث المتقدم "فَلَا أَدْرِي أَكَانَ مِمَّنْ صَعِقَ فَأَفَاقَ قَبْلِي" ولم يقل "فحيى قبلي"، فإن هذا يقتضي أنه إذا نفخ النفخة الثالثة وهي نفخة البعث يفيق من كان مغشيًّا عليه ويحيى من كان ميتًا، والنبي ﷺ وكذلك غيره من الأنبياء لم يحصل لهم إلا الغشي فلذلك قال: "فَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيققُ". والحاصل أن نبينا ﷺ محقق أنه أول من يفيق وأول من يخرج من قبره قبل الناس كلهم الأنبياء وغيرهم إلا موسى ﵊؛ فإنه حصل له تردد هل بعث قبله أو بقي على الحالة التي كان عليها قبل نفخة الصعق، وهذا الوجه أقوى ما يقرر

стр. 37

عليه هذا الحديث، وإن كان قد ذهل عنه جماعة من الأئمة الكبار فقد وفق اللَّه تعالى له من المحققين من نبه عليه وهو الذي لا يتجه غيره، واللَّه سبحانه أعلم. وأما قوله ﷺ : "لَا تُفَضِّلُونِي عَلَى مُوسَى" فقد ذكر العلماء فيه وجوهًا كثيرة: مِنْهَا: أن هذا كان قبل أن يعلمه اللَّه تعالى بأفضليته، فلما أعلمه اللَّه بذلك صرح به وقال: "أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ" (١) ﷺ . وَمِنْهَا: أن المنهي عنه هو التفاضل بينهم في النبوة فإنها درجة واحدة لا تفاضل فيها. وَمِنْهَا: أن هذا كان منه ﷺ من باب الأدب والتواضع. وَفِي هَذِهِ الْوُجُوهِ نَظَرٌ، وَأَقْوَى مِنْهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أنه ﷺ منع من ذلك؛ لأن التفاضل بين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يعطيه حقه إلا من يفرق بين الفاضل والأفضل والكامل والأكمل، وليس من الناس يعتقد في المفضول نقصًا بالنسبة إلى الفاضل، وفضل بعض الأنبياء على بعض إنما هو من باب الفاضل والأفضل، ولا نقص يلحق أحدًا منهم؛ فحمى النبي ﷺ من ذلك لئلا يؤدي إلى تنقص من مرتبتهم. وَالثَّانِي: أن النبي ﷺ لم يمنع من اعتقاد ذلك، إنما منع من قول له وخوض فيه يؤدي إلى خصومة وفتنة كما في الحديث المتقدم من قصة المسلم واليهودي، واللَّه سبحانه أعلم. أخبرنا سليمان بن حمزة وعيسى بن عبد الرحمن بقراءتي قالا: أنا جعفر بن علي المقرئ، أنا أحمد بن محمد الأصبهاني، أنا أحمد بن عبد الغفار الكاتب، أنا محمد بن علي الحافظ، أنا جعفر بن أحمد بن جعفر القطيعي، ثنا محمد بن يونس الكديمي، ثنا بشير بن عبيد اللَّه الدارسي، ثنا موسى بن سويد الراسبي، عن قتادة، عن سليمان بن قيس اليشكري، عن جابر بن عبد اللَّه ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ أَعْطَى

стр. 38

مُوسَى الْكَلَامَ، وَأَعْطَانِي الرُّؤْيَةَ، وَفَضَّلَنِي بِالْمَقَامِ الْمَحَمُّودِ وَالْحَوْضِ الْمَوْرُودِ" (١). هذا حديث ضعيف جدًّا، فيه محمد بن يونس الكديمي وهو هالك، قال فيه ابن حبان: كان يضع الحديث على الثقات (٢)، وشيخه بشير بن عبيد اللَّه الدارسي (٣) قال فيه الأزدي: كذاب. وفي هذين كفاية. وقد روى الحاكم في "المستدرك" من حديث إسماعيل بن زكريا، عن عاصم الأحول، عن عكرمة، عن ابن عباس مرفوعًا "إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى مُوسَى بِالْكَلَام وَإِبْرَاهِيمَ بِالْخُلَّةِ" (٤). وهذا أيضًا قد رواه قتادة عن عكرمة موقوفًا على ابن عباس من قوله بزيادة: أخبرناه القاسم بن مظفر بن محمود، عن محمود بن إبراهيم العبدي، أنا الحسن ابن العباس الفقيه، أنا عبد الوهاب بن محمد بن إسحاق، أنا أبي، أنا محمد بن يونس القرشي، ثنا الحسين بن محمد بن زياد، ثنا عمرو بن علي ومحمد بن بشار قالا: ثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم والكلام لموسى والرؤية لمحمد صلى اللَّه عليه وعليهم وسلم؟! (٥) وهذا إسناد صحيح على شرط البخاري. وكلام اللَّه تعالى لموسى بن عمران ﵊ مقطوع به، قال اللَّه تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (٦). وسماع موسى لكلام اللَّه سبحانه جائز وإن كان كلامه منزهًا عن الحروف

стр. 39

والأصوات كما أن المؤمنين يرون اللَّه تعالى يوم القيامة وهو منزه عن الجهة والتحيز؛ فإذا ثبت وقوع ذلك بالخبر الصادق وجب اعتقاده والتصديق به، واللَّه أعلم. أخبرنا إسماعيل بن يوسف بن مكتوم وعبد الأحد بن أبي القاسم الحراني، وعيسى بن عبد الرحمن بن معالي، وهدية بنت علي بن عسكر سماعًا عليهم، وأحمد ابن أبي طالب بقراءتي قالوا: أنا عبد اللَّه بن عمر العتابي، أنا عبد الأول بن عيسى، أنا عبد الرحمن بن المظفر، أنا عبد اللَّه بن حمويه، أنا عيسى بن عمر، أنا عبد اللَّه بن عبد الرحمن، أنا سهل بن حماد، ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ أنه قال: قدم النبي ﷺ المدينة واليهود يصومون يوم عاشوراء فسألهم فقالوا: هذا اليوم الذي ظهر فيه موسى على فرعون فقال رسول اللَّه ﷺ : "أَنْتُّم أَوْلَى بِمُوسَى فَصُومُوهُ". أخرجه البخاري من حديث سفيان بن عيينة، عن أيوب السختياني، عن ابن لسعيد بن جبير، عن أبيه، ولفظه: فقال: "أَنا أَوْلَى بِمُوسَى مِنْهُمْ" فصامه وأمر بصيامه (١). أخبرنا أبو عبد اللَّه محمد بن يعقوب بقراءتي، أنا عبد الرحمن بن مكي الحاسب، أنا أبو طاهر أحمد بن محمد السلفي الحافظ، أنا القاسم بن الفضل الثقفي، أنا علي بن محمد بن بشران، أنا محمد بن عمرو بن البحتري، ثنا أحمد بن عبد الجبار، ثنا محمد بن فضيل، عن محمد بن سعد الأنصاري، عن حبيب بن سالم، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إِنَّ مُوسَى ﵇ كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ اعْتَزَلَ وَحْدَهُ، فَقَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ أَوْ مَنْ قَالَ مِنْهُمْ: مَا يَفْعَلُ ذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ آدر؛ فَبَيْنَا هُوَ ذَاتَ يَوْمِ يَغتَسِلُ وَقَدْ وَضَعَ ثِيَابَهُ عَلَى حَجَرٍ فَجَمَحَ الْحَجَرُ بثِيَابِهِ فَاتبَعَهُ مُوسَى ﵇ وَهُوَ يَقُولُ: ثَوْبِي حَجَرُ ثَوْبِي حَجَرُ حَتَّى ضَرَبَهُ سِتَّ ضَربَاتٍ أَو سَبعًا فَإنَّهُنَّ لَبَادِيَاتِ في الْحَجَرِ، فَلَمَّا نَظَرَتْ إِلَيْهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ مُتَجَرِّدًا عَلِمُوا أَنَّهُ لَيْسَ كَمَا قَالُوا، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تعالى: ﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا

стр. 40

وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩] ". اتفقا عليه من طرق عن أبي هريرة (١). ولفظ البخاري فيه قال رسول اللَّه ﷺ : "إِنَّ مُوسَى ﵇ كَانَ رَجُلًا حَيِيًّا سِتِّيرًا لَا يُرَى مِن جِلْدِهِ شَيْءٌ اسْتِحْيَاءً مِنْهُ فَآذَاهُ مَنْ آذَاهُ مِن بَني إِسْرَائِيلَ فَقَالُوا: مَا يَسْتَتِرُ هَذَا التَّسَتُّرَ إِلَّا مِن عَيْبٍ بِجِلْدِهِ إِمَّا بَرَصٌ وَإِمَّا أُدْرَةٌ وَإِمَّا آفَةٌ، وَإِنَّ اللَّهَ تعالى أَرَادَ أَنْ يُبَرِّئَهُ مِمَّا قَالُوا، فَخَلَا يَوْمًا وَحْدَهُ فَوَضَعَ ثِيَابَهُ عَلَى الْحَجَرِ ثُمَّ اغْتَسَلَ فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ إِلَى ثِيَابِهِ لِيَأخُذَهَا، وَإِنَّ الْحَجَرَ عَدَا بِثَوْبِهِ فَأَخَذَ مُوسَى عَصَاهُ وَطَلَبَ الْحَجَرِ فَجَعَلَ يَقُولُ: ثَوْبِي حَجَرُ ثَوْبِي حَجَرُ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَلَإٍ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ فَرَأَوْهُ عُرْيَانًا أَحْسَنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ وَأَبْرَأَهُ مِمَّا يَقُولُونَ، وَقَامَ الْحَجَرُ وَأَخَذَ بثَوْبِهِ فَلَبِسَهُ وَطَفِقَ بِالْحَجَرِ ضَرْبًا بِعَصَاهُ، فَوَاللَّهِ إِنَّ بالْحَجَرِ لَنَدَبًا مِن أثَرِ ضَرْبِهِ ثَلَاثًا أَو أَرْبَعًا فَذَلِكَ قَوْلُهُ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩] ". أخبرنا محمد بن أبي العز، وأحمد بن أبي طالب، ووزيرة بنت المنجا قالوا: أنا ابن الزبيدي بإسناده المتقدم إلى البخاري، ثنا إسحاق بن إبراهيم، ثنا روح بن عبادة، ثنا عوف، عن الحسن ومحمد وخلاس، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ :. . . فذكره. وبه إلى البخاري: ثنا أبو الوليد، ثنا شعبة، عن الأعمش، سمعت أبا وائل قال: سمعت عبد اللَّه ﵁ قال: قسم النبي ﷺ قسمًا فقال رجل: إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه اللَّه، فأتيت النبي ﷺ فأخبرته فغضب حتى رأيت الغضب في وجهه، ثم قال: "يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسَى قَد أُوذِيَ بِأَكثَرَ مِن هَذَا فَصَبَرَ" (٢). أخبرنا سليمان بن حمزة بن أحمد الحاكم، قاله: أنا علي بن أبي عبد اللَّه بن المقير وأنا حاضر، أخبرتنا شهدة بنت أحمد الكاتبة، أنا طراد بن محمد الزينبي، أنا علي بن
следующие страницы →