عليك وقد أرمت أي بليت (١)، إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة التي يفيد مجموعها العلم بأن موت الأنبياء صلوات اللَّه وسلامه عليهم ليس عدمًا محضًا كموت غيرهم بل هو انتقال من حال إلى أخرى وغيبوا عنا بحيث لا ندركهم وإن كانوا موجودين أحياء، وذلك كالحال في الملائكة فإنهم أحياء موجودون ولا يراهم أحد من نوعنا إلا من خصه اللَّه بكرامة من أوليائه.
بقي أن يقال: لاشك أن اللَّه تعالى قد توفاهم من الدنيا وذاقوا الموت كما قال أبو بكر ﵁ لنبينا ﷺ : أما الموتة التي كتب اللَّه عليك فقد ذقتها (٢).
فإذا كانوا أحياء قد أحياهم اللَّه بعد موتهم ذلك، فيلزم من ذلك أنهم يموتون موتة ثانية عند النفخ في الصور فيذوقون الموت أكثر من غيرهم.
وجواب هذا أنه إذا نفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض فلا شك أن صعق غير الأنبياء بالموت، وأما صعق الأنبياء فالظاهر أنه غشية وزوال استشعار لا موت كغيرهم لئلا يلزم أخهم يموتون مرتين، وهذا ما اختاره الإمام البيهقي والقرطبي وغيرهما أن صعقهم يومئذ ليس موتًا بل غشي أو نحوه، ويدل لصحته قوله ﷺ في الحديث المتقدم "فَلَا أَدْرِي أَكَانَ مِمَّنْ صَعِقَ فَأَفَاقَ قَبْلِي" ولم يقل "فحيى قبلي"، فإن هذا يقتضي أنه إذا نفخ النفخة الثالثة وهي نفخة البعث يفيق من كان مغشيًّا عليه ويحيى من كان ميتًا، والنبي ﷺ وكذلك غيره من الأنبياء لم يحصل لهم إلا الغشي فلذلك قال: "فَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيققُ".
والحاصل أن نبينا ﷺ محقق أنه أول من يفيق وأول من يخرج من قبره قبل الناس كلهم الأنبياء وغيرهم إلا موسى ﵊؛ فإنه حصل له تردد هل بعث قبله أو بقي على الحالة التي كان عليها قبل نفخة الصعق، وهذا الوجه أقوى ما يقرر
стр. 37
عليه هذا الحديث، وإن كان قد ذهل عنه جماعة من الأئمة الكبار فقد وفق اللَّه تعالى له من المحققين من نبه عليه وهو الذي لا يتجه غيره، واللَّه سبحانه أعلم.
وأما قوله ﷺ : "لَا تُفَضِّلُونِي عَلَى مُوسَى" فقد ذكر العلماء فيه وجوهًا كثيرة:
مِنْهَا: أن هذا كان قبل أن يعلمه اللَّه تعالى بأفضليته، فلما أعلمه اللَّه بذلك صرح به وقال: "أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ" (١) ﷺ .
وَمِنْهَا: أن المنهي عنه هو التفاضل بينهم في النبوة فإنها درجة واحدة لا تفاضل فيها.
وَمِنْهَا: أن هذا كان منه ﷺ من باب الأدب والتواضع.
وَفِي هَذِهِ الْوُجُوهِ نَظَرٌ، وَأَقْوَى مِنْهَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أنه ﷺ منع من ذلك؛ لأن التفاضل بين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يعطيه حقه إلا من يفرق بين الفاضل والأفضل والكامل والأكمل، وليس من الناس يعتقد في المفضول نقصًا بالنسبة إلى الفاضل، وفضل بعض الأنبياء على بعض إنما هو من باب الفاضل والأفضل، ولا نقص يلحق أحدًا منهم؛ فحمى النبي ﷺ من ذلك لئلا يؤدي إلى تنقص من مرتبتهم.
وَالثَّانِي: أن النبي ﷺ لم يمنع من اعتقاد ذلك، إنما منع من قول له وخوض فيه يؤدي إلى خصومة وفتنة كما في الحديث المتقدم من قصة المسلم واليهودي، واللَّه سبحانه أعلم.
أخبرنا سليمان بن حمزة وعيسى بن عبد الرحمن بقراءتي قالا: أنا جعفر بن علي المقرئ، أنا أحمد بن محمد الأصبهاني، أنا أحمد بن عبد الغفار الكاتب، أنا محمد بن علي الحافظ، أنا جعفر بن أحمد بن جعفر القطيعي، ثنا محمد بن يونس الكديمي، ثنا بشير بن عبيد اللَّه الدارسي، ثنا موسى بن سويد الراسبي، عن قتادة، عن سليمان بن قيس اليشكري، عن جابر بن عبد اللَّه ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ أَعْطَى
стр. 38
مُوسَى الْكَلَامَ، وَأَعْطَانِي الرُّؤْيَةَ، وَفَضَّلَنِي بِالْمَقَامِ الْمَحَمُّودِ وَالْحَوْضِ الْمَوْرُودِ" (١).
هذا حديث ضعيف جدًّا، فيه محمد بن يونس الكديمي وهو هالك، قال فيه ابن حبان: كان يضع الحديث على الثقات (٢)، وشيخه بشير بن عبيد اللَّه الدارسي (٣) قال فيه الأزدي: كذاب. وفي هذين كفاية.
وقد روى الحاكم في "المستدرك" من حديث إسماعيل بن زكريا، عن عاصم الأحول، عن عكرمة، عن ابن عباس مرفوعًا "إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى مُوسَى بِالْكَلَام وَإِبْرَاهِيمَ بِالْخُلَّةِ" (٤).
وهذا أيضًا قد رواه قتادة عن عكرمة موقوفًا على ابن عباس من قوله بزيادة:
أخبرناه القاسم بن مظفر بن محمود، عن محمود بن إبراهيم العبدي، أنا الحسن ابن العباس الفقيه، أنا عبد الوهاب بن محمد بن إسحاق، أنا أبي، أنا محمد بن يونس القرشي، ثنا الحسين بن محمد بن زياد، ثنا عمرو بن علي ومحمد بن بشار قالا: ثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم والكلام لموسى والرؤية لمحمد صلى اللَّه عليه وعليهم وسلم؟! (٥)
وهذا إسناد صحيح على شرط البخاري.
وكلام اللَّه تعالى لموسى بن عمران ﵊ مقطوع به، قال اللَّه تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (٦).
وسماع موسى لكلام اللَّه سبحانه جائز وإن كان كلامه منزهًا عن الحروف
стр. 39
والأصوات كما أن المؤمنين يرون اللَّه تعالى يوم القيامة وهو منزه عن الجهة والتحيز؛ فإذا ثبت وقوع ذلك بالخبر الصادق وجب اعتقاده والتصديق به، واللَّه أعلم.
أخبرنا إسماعيل بن يوسف بن مكتوم وعبد الأحد بن أبي القاسم الحراني، وعيسى بن عبد الرحمن بن معالي، وهدية بنت علي بن عسكر سماعًا عليهم، وأحمد ابن أبي طالب بقراءتي قالوا: أنا عبد اللَّه بن عمر العتابي، أنا عبد الأول بن عيسى، أنا عبد الرحمن بن المظفر، أنا عبد اللَّه بن حمويه، أنا عيسى بن عمر، أنا عبد اللَّه بن عبد الرحمن، أنا سهل بن حماد، ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ أنه قال: قدم النبي ﷺ المدينة واليهود يصومون يوم عاشوراء فسألهم فقالوا: هذا اليوم الذي ظهر فيه موسى على فرعون فقال رسول اللَّه ﷺ : "أَنْتُّم أَوْلَى بِمُوسَى فَصُومُوهُ".
أخرجه البخاري من حديث سفيان بن عيينة، عن أيوب السختياني، عن ابن لسعيد بن جبير، عن أبيه، ولفظه: فقال: "أَنا أَوْلَى بِمُوسَى مِنْهُمْ" فصامه وأمر بصيامه (١).
أخبرنا أبو عبد اللَّه محمد بن يعقوب بقراءتي، أنا عبد الرحمن بن مكي الحاسب، أنا أبو طاهر أحمد بن محمد السلفي الحافظ، أنا القاسم بن الفضل الثقفي، أنا علي بن محمد بن بشران، أنا محمد بن عمرو بن البحتري، ثنا أحمد بن عبد الجبار، ثنا محمد بن فضيل، عن محمد بن سعد الأنصاري، عن حبيب بن سالم، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إِنَّ مُوسَى ﵇ كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ اعْتَزَلَ وَحْدَهُ، فَقَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ أَوْ مَنْ قَالَ مِنْهُمْ: مَا يَفْعَلُ ذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ آدر؛ فَبَيْنَا هُوَ ذَاتَ يَوْمِ يَغتَسِلُ وَقَدْ وَضَعَ ثِيَابَهُ عَلَى حَجَرٍ فَجَمَحَ الْحَجَرُ بثِيَابِهِ فَاتبَعَهُ مُوسَى ﵇ وَهُوَ يَقُولُ: ثَوْبِي حَجَرُ ثَوْبِي حَجَرُ حَتَّى ضَرَبَهُ سِتَّ ضَربَاتٍ أَو سَبعًا فَإنَّهُنَّ لَبَادِيَاتِ في الْحَجَرِ، فَلَمَّا نَظَرَتْ إِلَيْهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ مُتَجَرِّدًا عَلِمُوا أَنَّهُ لَيْسَ كَمَا قَالُوا، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تعالى: ﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا
стр. 40
وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩] ".
اتفقا عليه من طرق عن أبي هريرة (١).
ولفظ البخاري فيه قال رسول اللَّه ﷺ : "إِنَّ مُوسَى ﵇ كَانَ رَجُلًا حَيِيًّا سِتِّيرًا لَا يُرَى مِن جِلْدِهِ شَيْءٌ اسْتِحْيَاءً مِنْهُ فَآذَاهُ مَنْ آذَاهُ مِن بَني إِسْرَائِيلَ فَقَالُوا: مَا يَسْتَتِرُ هَذَا التَّسَتُّرَ إِلَّا مِن عَيْبٍ بِجِلْدِهِ إِمَّا بَرَصٌ وَإِمَّا أُدْرَةٌ وَإِمَّا آفَةٌ، وَإِنَّ اللَّهَ تعالى أَرَادَ أَنْ يُبَرِّئَهُ مِمَّا قَالُوا، فَخَلَا يَوْمًا وَحْدَهُ فَوَضَعَ ثِيَابَهُ عَلَى الْحَجَرِ ثُمَّ اغْتَسَلَ فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ إِلَى ثِيَابِهِ لِيَأخُذَهَا، وَإِنَّ الْحَجَرَ عَدَا بِثَوْبِهِ فَأَخَذَ مُوسَى عَصَاهُ وَطَلَبَ الْحَجَرِ فَجَعَلَ يَقُولُ: ثَوْبِي حَجَرُ ثَوْبِي حَجَرُ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَلَإٍ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ فَرَأَوْهُ عُرْيَانًا أَحْسَنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ وَأَبْرَأَهُ مِمَّا يَقُولُونَ، وَقَامَ الْحَجَرُ وَأَخَذَ بثَوْبِهِ فَلَبِسَهُ وَطَفِقَ بِالْحَجَرِ ضَرْبًا بِعَصَاهُ، فَوَاللَّهِ إِنَّ بالْحَجَرِ لَنَدَبًا مِن أثَرِ ضَرْبِهِ ثَلَاثًا أَو أَرْبَعًا فَذَلِكَ قَوْلُهُ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩] ".
أخبرنا محمد بن أبي العز، وأحمد بن أبي طالب، ووزيرة بنت المنجا قالوا: أنا ابن الزبيدي بإسناده المتقدم إلى البخاري، ثنا إسحاق بن إبراهيم، ثنا روح بن عبادة، ثنا عوف، عن الحسن ومحمد وخلاس، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ :. . . فذكره.
وبه إلى البخاري: ثنا أبو الوليد، ثنا شعبة، عن الأعمش، سمعت أبا وائل قال: سمعت عبد اللَّه ﵁ قال: قسم النبي ﷺ قسمًا فقال رجل: إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه اللَّه، فأتيت النبي ﷺ فأخبرته فغضب حتى رأيت الغضب في وجهه، ثم قال: "يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسَى قَد أُوذِيَ بِأَكثَرَ مِن هَذَا فَصَبَرَ" (٢).
أخبرنا سليمان بن حمزة بن أحمد الحاكم، قاله: أنا علي بن أبي عبد اللَّه بن المقير وأنا حاضر، أخبرتنا شهدة بنت أحمد الكاتبة، أنا طراد بن محمد الزينبي، أنا علي بن
стр. 41
محمد المعدل، أنا إسماعيل بن محمد الصفار، ثنا أحمد بن منصور -يعني الرمادي- ثنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ قال: أرسل ملك الموت إلى موسى ﵊ فلما جاءه صكه ففقأ عينه فرجع إلى ربه فقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت.
قال: فرد اللَّه عليه عينه وقال: ارجع وقل له يضع يده على متن ثور فله ما غطت يده بكل شعرة سنة، فقال: أي رب ثم ماذا؟
قال: ثم الموت. قال: فالآن. قال: فسأل اللَّه أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية حجر.
فقال رسول اللَّه ﷺ : "فَلَوْ كُنْتُ ثَمَّ لَأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ تَحْتَ الْكَثِيبِ الأَحْمَرِ".
كذا وقع في رواية طاوس موقوفًا أول الحديث، وكذا أخرجه البخاري (١) عن يحيى بن موسى، ومسلم (٢) عن محمد بن رافع وعبد بن حميد ثلاثتهم، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن طاوس به.
وأخرجاه أيضًا من حديث همام بن منبه عن أبي هريرة.
وقد وقع لنا أعلى من هذه الطريق: أخبرناه يحيى بن محمد بن سعد، وعلي بن يحيى الشاطبي، وعبد اللَّه بن الحسن بن الحافظ الحاكم، وعلي بن أحمد بن عسكر القصيري بقراءتي، قالوا: أنا محمد بن سعد المقدسي والد الأول والثالث حاضر، أنا يحيى بن محمود الثقفي، أنا الحسن بن أحمد الحداد حضورًا، أنا أحمد بن عبد اللَّه الحافظ، ثنا سليمان بن أحمد الحافظ، ثنا إسحاق بن إبراهيم الدبري، ثنا عبد الرزاق.
(ح) وأخبرنا سليمان بن حمزة، أنا علي بن المقير، أخبرتنا شهدة، أنا طراد، أنا علي بن بشران، أنا إسماعيل الصفار، ثنا أحمد بن منصور، ثنا عبد الرزاق، عن
стр. 42
معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "أُرْسِلَ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى مُوسَى ﵇. . . " فذكر الحديث كما تقدم، وفي آخره: فقال رسول اللَّه ﷺ : "فَلَوْ كُنْتُ ثَمَّ لَأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إِلَى جَانِبِ طرِيقٍ بِجَنْبِ الْكَثِيبِ الأَحْمَرِ".
رواه البخاري (١) عن يحيى بن موسى، ومسلم (٢) عن محمد بن رافع كلاهما عن عبد الرزاق. فوقع بدلًا لهما عاليًا كالذي قبله.
اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي وَجهِ الْجَوَابِ عَن هَذَا الْحَدِيثِ، وَأَشْبَهُ مَا قِيلَ فِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أن موسى ﵇ لم يعرف أنه ملك الموت وإنما رأى رجلًا دخل منزله بغير إذنه يريد نفسه فدافع عن نفسه فلطمه ففقأ عينه، وهذا ذكره الإمام أبو بكر بن خزيمة، وارتضاه المازري والقاضي عياض.
وَالثَّانِي وهو الأقوى: أن موسى صلوات اللَّه عليه عرف ملك الموت، وأنه جاءه ليقبض روحه لكنه جاء برء الجازم بأنه قد أمر بقبض روحه من غير تخيير، وكان عند موسى مقررًا ما قد نص عليه نبينا ﷺ من أن اللَّه لا يقبض نبيًّا حتى يخيره، فلما جاءه ملك الموت على غير الوجه الذي علمه بادر بشهامته وقوة نفسه إلى أدب ملك الموت فلطمه ففقأ عينه إذ لم يصرح بالتخيير وعرف موسى أن أجله لم يكن دنا وكان هذا امتحانًا من اللَّه تعالى لملك الموت ﵇ وإقدارًا لموسى على ذلك وللَّه أن يفعل ما يشاء، ويدل على صحة هذا أنه لما جاءه ملك الموت ثانيًا فخيره بين الحياة والموت اختار الموت حينئذ واستسلم، وهذا الوجه حسن بالغ، وبه تندفع شبه الملحدين.
وقوله ﷺ : "فَسَأل اللَّهَ تعالى أَنْ يُدْنِيَهُ مِنَ الأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ" أي: مقدار رمية بحجر فهو منصوب على أنه ظرف مكان؛ وإنما سأل موسى صلوات اللَّه عليه ذلك تبركًا بالكون في تلك البقعة وليدفن مع من فيها من الأنبياء والأولياء.
وقوله ﷺ : "فَلَوْ كُنْتُ ثَمَّ لَأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ تَحْتَ أَو عِنْدَ الْكَثِيبِ
стр. 43
الأَحْمَرِ" المراد بهذه الطريق: الطريق التي سلكها ﷺ ليلة أسري به من مكة إلى بيت المقدس كلما أشار إليه ﷺ في الحديث المتقدم "مَرَرْتُ عَلَى مُوسَى لَيلَةَ أُسْرِيَ بِي وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ عِنْدَ الْكَثِيبِ الأَحْمَرِ".
قال الإمام أبو حاتم محمد بن حبان البستي الحافظ: إن اللَّه أحيا موسى في قبره حتى مر عليه المصطفى ﷺ ليلة أسري به، وذلك أن قبر موسى بمدين بين المدينة وبين بيت المقدس فرآه ﷺ في قبره يدعو إذ الصلاة دعاء.
قُلْتُ: حمله الصلاة على معناها اللغوي بعيد لا وجه له؛ لأن الأصل خطاب الشارع بحقائقه الشرعية، ويرجح هذا قوله ﷺ "وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ" فهذه قرينة أيضًا ترجح كونه مصليًا الصلاة المعهودة، وقد تقدم ما يتعلق بصلاتهم وحجهم.
وقال الحافظ ضياء الدين أبو عبد اللَّه محمد بن عبد الواحد بن أحمد المقدسي فيما وجدته بخطه: وأنباني به جماعة من شيوخنا عنه: قوله -يعني ابن حبان- قبره بمدين فيه نظر؛ وذلك أن موسى ﵇ سأل ربه أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية حجر، ومدين ليست قريبة من بيت المقدس ولا من الأرض المقدسة.
قال: وقد اشتهر أن قبرًا قريبًا من أريحا وهي من الأرض المقدسة يزار ويقال أنه قبر موسى وعنده كثيب أحمر وطريق وحدثنا عنه غير شخص ممن رآه، وحدثني الشيخ سالم التلي قال: ما رأيت استجابة الدعاء أسرع منها عند قبر هذا المذكور (١).
وحدثني الشيخ عبد اللَّه بن يونس المعروف بالأرموي أنه زار هذا القبر وأنه نام فرأى في منامه قبة في هذا الموضع ورأى فيها شخصًا أسمر فسلم عليه وقال: أنت موسى كليم اللَّه -أو قال: نبي اللَّه- قال: نعم، فقلت: قل لي شيئًا فأومأ إلي بأربع أصابع ووصف طولهن قال: فانتبهت فلم أدر ما قال فجئت إلى الشيخ ذيال
стр. 44
فأخبرته بذلك فقال: يولد لك أربعة أولاد، فقلت: قد تزوجت امرأة فلم أقربها فقال: يكون غير هذه، قال: فتزوجت أخرى فولد لي أربعة أولاد.
هذا آخر ما نقلته من خط الحافظ ضياء الدين المقدسي وكانت وفاته سنة ثلاث وأربعين وستمائة. والقبة المبنية على هذا القبر الشريف الآن بناها الملك الظاهر ﵀ بعد سنة ستين وستمائة قطعًا فقد رأى الشيخ عبد اللَّه الأرموي القبة على هذا المكان قبل بنائها بأكثر من عشرين سنة، واللَّه سبحانه أعلم.
ذكر الثعلبي وغيره أن عمر موسى صلوات اللَّه عليه وسلامه كان لما قبض مائة وعشرين سنة، وكذلك قال وهب بن منبه أنه لما قبض هارون كان لموسى مائة وسبع عشرة سنة وعاش بعده ثلاث سنين، ورواه عن وهب الحاكم في "المستدرك" (١).
آخره والحمد للَّه رب العالمين، وصلى اللَّه على سيدنا محمد وعلى سائر الأنبباء والمرسلين وآل كلٍّ وجميع الصالحين.
فرغ من تخريجه خليل بن كيكلدي العلائي الشافعي ببيت المقدس يوم الثلاثاء الثامن والعشرين من شهر جمادى الآخرة سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة.
وحسبنا اللَّه ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه العلي العظيم
زادت النسخة المساعدة هنا أبيات شعر:
وَأَنْشَدَ الْمُصَنِّف لِنَفْسِهِ:
يا طالبًا نهج الفلاة مؤملا ... دركًا تنال به الأمان مكملا
عرج على سفح الكثيب وعج به ... إن كنت تبغي أن تكون محصلا
واغضض هناك الطرف منك تخشعا ... والزم به الأدب الأتم الأكملا
موسى كليم اللَّه ذو الفضل الذي ... ما زال يتلى في الكتاب منزلا
ذو المعجزات الباهرات تعددًا ... الواضحات لذي البصائر في الملا
منها اليد البيضاء يلمع ضوؤها ... وكذا العصا تسعى شجاعًا هولا
стр. 45
وله انفلاق البحر أعجز آية ... تمشي الأنام به طريقًا أسهلا
والماء من حجر صغير نابع ... من ضربة بعصاه يجري منهلا
من خص بالتكليم حقًّا بينًا ... وكذلك الألواح حكما فصلا
وله علينا منة في رده الـ ... ـصلوات من خمسين فرضًا سهلا
ونبينا من أجلها متردد ... بإشارة منه إلى رب العلا
في ليلة كان النبي محمد ... فيها على الرسل الكرام مفضلا
خير الأنام ومن له الفضل الذي ... ما مثله وختامهم إذ أرسلا
فعليهما وعلى الجميع تحية ... من ربنا وصلاته لن تعطلا
ها يا كليم اللَّه يا من فضله ... ما زال للوراد عذبًا سلسلا
من توبة مع صحة وكفاية ... والأمن من كل المكاره مجملا
والعفو عما قد مضى وصلاح ما ... يأتي به قولًا يكون ومفعلا
والختم بالحسنى وتعجيل الدنى ... والفوز في العقبى بفضل أكملا
وسلامة من هول نار أججت ... عند الورود وخطبها قد أعضلا
صلى عليك اللَّه ثم سلامة ... أبدًا تدوم إلى جنابك مقبلا
وعلى النبي المصطفى خير الورى ... وأبيكما فهو الخليل المجتلا
وعلى جميع الأنبياء وحبهم ... فرض وقدرهم رفيع في العلا
تم الجزء بتخريج الحافظ صلاح الدين بن كيكلدي العلائي الشافعي.
سمع هذا الجزء الجماعة الفقيه الفاضل شمس الدين محمد بن حامد بن أحمد المقدسي، وبدر الدين أنس بن محمد بن إسماعيل الحسباني، وشمس الدين محمد بن علي بن عقبة، والشيخ موسى بن عميرة بن موسى المخزومي البيناوي، والشيخ محمد بن علي البلقيني الصعيدي. . . وآخرون في يوم الاثنين خامس شهر رجب سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة عند قبر موسى صلوات اللَّه عليه بالتبة بالقرب من أريحا، وأجزت لهم ما يروى عني بشرطه.
كتبه خليل بن كيكلدي بن عبد اللَّه العلائي الشافعي غفر اللَّه له.
ثم قرأته بالمكان المذكور مرة ثانية فسمعه القاضي شرف الدين أبو البقاء خالد
стр. 46
ابن القاضي الفاضل عماد الدين بن أبي الفداء إسماعيل بن محمد بن عبد اللَّه بن القيسراني أيده اللَّه، وشمس الدين محمد بن حامد المذكور أعلاه، وشهاب الدين أحمد بن عبد اللَّه بن أيبك، وشمس الدين محمد بن علي بن سلطان المصري الصوفي، وأحمد بن حسن الرباطي المؤذن بالقدس الشريف، والشيخ عبد اللَّه خادم مقام موسى ﵊، والصلاح محمد بن محمد بن محمود العجمي الأقباعي بخدمة القاضي شرف الدين بن القيسراني المذكور، وصح ذلك في يوم الأربعاء سادس عشر شهر رجب سنة أربع وثلاثين وسبعمائة، وأجزت لهم.
كتبه خليل بن كيكلدي بن العلائي الشافعي لطف اللَّه به.
* * *
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إن الحمد للَّه نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، إنه من يهده اللَّه فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢].
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١].
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١]
أَمَّا بَعْدُ:
فهذه رسالة للحافظ العلائي ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا﴾ شرح فيها الآية الكريمة شرحًا وافيًا فأبرز معانيها، وذكر أن الآية فيه رد على اليهود والنصارى في دعوى كل طائفة منهم أن إبراهيم ﵇ كان منهم، وأيضًا تكلم على الثلاث كذبات المنسوبة إليه وكلام العلماء فيها، إلى غير ذلك من الفوائد العظيمة التي ستظهر خلال الرسالة إن شاء اللَّه، ثم ختم الرسالة بقصيدة رائعة جدًّا في مدح سيدنا إبراهيم ﵇.
стр. 49
التوصيف العلمي للنسخة الخطية
اعتمدت في تحقيق هذه الرسالة على نسخة خطية فريدة لم أظفر بغير ذلك من النسخ الخطية:
هي نسخة خطية محفوظة بدار الكتب المصرية ضمن مجموع تحت رقم (٢١٢٠١) ب.
- اسم الناسخ: غير معروف.
- نوع النسخ: نسخ معتاد.
- عدد الأوراق: ٦ ورقات.
ثوثيق الكتاب
١ - وجد على طرة النسخة الخطية نسبة هذه الرسالة للإمام العلائي.
٢ - روى الحافظ العلائي أحاديث فيها بأسانيده المعروفة وعن شيوخه المعروفين، منهم:
- أبو الفضل سليمان بن حمزة.
- عيسى بن عبد الرحمن المقدسيان.
- إسحاق بن يحيى الأموي.
- أبو الربيع بن قدامة الحاكم.
وغيرهم.
стр. 50
الورقة الأولى
стр. 51
الورقة الأخيرة
стр. 52
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢) ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١).
قال الراغب: الأمة كل جماعة يجمعهم أمر ما إما دين واحد أو زمان واحد أو مكان واحد، سواء كان ذلك الأمر الجامع تسخيرًا أو اختيارًا (٢).
ثم قال بعد ذلك (٣): وقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ أي: قائمًا مقام جماعة في عبادة اللَّه نحو قولهم: فلان في نفسه قبيلة، وكما روي أنه يحشر زيد بن عمرو أمة وحده (٤).
وذكر صاحب "الكشاف" (٥) في معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ وجهين:
أَحَدُهُمَا: نحو الذي أشار إليه الراغب، أي: كان وحده أمة من الأمم لكماله في جميع صفات الخير كقول بعضهم:
وليس على اللَّه بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد
قال مجاهد: كان مؤمنًا وحده والناس كلهم كفار.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أن يكون أمة بمعنى مأموم، أي: يؤمه الناس ليأخذوا منه الخير، أو بمعنى مؤتم به كالراحلة وما أشبهها مما جاء من فعلة بمعنى مفعول، فيكون مثل
стр. 53
قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ (١).
وقال ابن مسعود عند ذكر معاذ ﵁: إن معاذًا كان أمة قانتًا للَّه.
ثم قال: الأمة: معلم الخير، والقانت: المطيع للَّه ورسوله (٢). وأصل القنوت: لزوم الطاعة والخضوع، وفسر بكل منهما قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (٣).
وَقِيلَ: القنوت القيام، وبه فسر قوله ﷺ لما سئل: أي الصلاة أفضل؟ قال: "طُولُ القُنُوتِ" (٤)، لكنه ليس مطلق القيام، بل القيام مع الخضوع فيكون هنا معنى القانت: القائم بما أمره اللَّه.
و"الحنيف": المائل إلى ملة الإسلام غير الزائل عنه.
و"الحنف": هو الميل عن الضلال إلى الاستقامة، وتحنف الرجل: إذا تحرى طريق الاستقامة.
وكان العرب تسمي كل من اختتن أو حج حنيفًا، تنبيهًا على أنه على دين إبراهيم ﵊، ومنه ما جاء في بعض روايات بدء الوحي: كان رسول اللَّه ﷺ يجاور في حراء في كل سنة شهرًا، وكان ذلك مما تحنف به قريش في الجاهلية.
والتحنف: التبرر، قال السهيلي: لأنه من الحنيفية دين إبراهيم ﵇ (٥).
ثم أكد ذلك بنفي الشرك عنه؛ ردًّا على قريش في زعمهم أنهم على ملة إبراهيم ﵇ وهم مشركون وهو ﵊ لم يكن مشركًا بل كان حنيفًا على دين الإسلام.
أخبرنا شيخنا أبو الفضل سليمان بن حمزة وعيسى بن عبد الرحمن المقدسيان بقراءتي على كل منهما قال: أنا جعفر بن علي المقرئ، أنا أبو طاهر أحمد بن محمد
стр. 54
الحافظ، أنا أحمد بن عبد الغفار بن أشتة، ثنا محمد بن علي الحافظ، أنا الإمام أبو بكر أحمد بن إبراهيم الفقيه، ثنا القاسم بن زكريا، ثنا محمد بن عبد الملك بن زنجويه وأحمد بن سفيان وفياض بن زهير قالوا: ثنا عبد الرزاق، أبنا معمر.
(ح) وأنا أعلى من هذا بدرجة الرباني أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الطبري بقراءتي عليه بمنى شرفها اللَّه تعالى، أنا علي بن هية اللَّه بن سلامة الفقيه، أخبرتنا الكاتبة شهدة بنت أحمد الإبري، أنا الحسين بن أحمد بن طلحة، أنا علي بن محمد بن بشران، أنا إسماعيل بن محمد الصفار، ثنا أحمد بن منصور الرمادي، ثنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄، أن النبي ﷺ لما رأى الصور في البيت -يعني الكعبة- لم يدخل حتى أمر بها فمحيت ورأى إبراهيم وإسماعيل بأيديهما الأزلام فقال: "قَاتَلَهُمُ اللَّه، وَاللَّهِ مَا اسْتَقْسَمَا بِالْأَزلَامِ قَطُّ".
هذا لفظ الرواية الثانية، وفي الرواية الأولى "قاَتلَهُمُ اللَّهُ، أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّهُمَا لَمْ يَسْتَقْسِمَا قَطُّ".
أخرجه البخاري في "صحيحه" (١) عن إبراهيم بن موسى، عن هشام بن يوسف، عن معمر به، ورواه أيضًا بنحوه (٢) من حديث كريب عن ابن عباس، وهو في "صحيح مسلم" من هذا الوجه.
وتحتمل الآية هنا الرد أيضًا على اليهود والنصارى في دعوى كل طائفة منهم أن إبراهيم ﵇ كان منهم كما في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٣)؛ لأن كلًّا من ملة اليهود والنصارى مشتملة على الشرك كما أخبر اللَّه سبحانه عنهم.
قال ابن عباس وقتادة والسدي وغيرهما من أهل التفسير: اجتمع يهود المدينة
стр. 55
ونصارى نجران عند رسول اللَّه ﷺ فتنازعوا في إبراهيم ﵇ فقالت اليهود: ما كان إلا يهوديًّا، وقالت النصارى: ما كان إلا نصرانيًّا، فأنزل اللَّه هذه الآية ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا﴾. . . (١) الآية.
وقوله تعالى: ﴿شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ﴾ الشكر: تصور النعمة وإظهارها، وقيل: هو مقلوب عن الكشر، أي: الكشف، والشكر يكون بالقلب: وهو تصور النعمة كما ذكرنا، وباللسان: وهو الثناء على المنعم، وبسائر الجوارح: وهو مكافاة النعمة بالطاعات، ومنه قوله ﷺ : "أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا" (٢) لما عذل في كثرة الصلاة.
قال بعض المفسرين: كان شكر إبراهيم ﵊ أنه كان لا يتغدى إلا مع ضيف فلم يجد ذات يوم ضيفًا فأخذ غداءه فإذا هو بفوج من الملائكة في صورة البشر فدعاهم إلى الطعام فتجملوا له وخيلوا له أن بهم جذامًا فقال: الآن وجبت مؤاكلتكم شكرًا للَّه على أن عافاني وابتلاكم.
أخبرنا أبو الربيع بن قدامة الحاكم، أنا جعفر الهمداني، أبنا أبو طاهر السلفي، أنا القاسم بن الفضل، أنا علي بن محمد السكري، أنا أحمد بن محمد الجوزي، ثنا عبد اللَّه بن محمد بن أبي الدنيا، ثنا محمد بن عبد اللَّه بن المبارك، ثنا أبو أسامة، ثنا محمد ابن عمرو، ثنا أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁، عن رسول اللَّه ﷺ قال: "كَانَ أَوَّلُ مَنْ ضَيَّفَ الضَّيْفَ إِبْرَاهِيمُ ﵊" (٣).
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وأخبرنا إسحاق بن يحيى الأموي، أنا يوسف بن خليل الحافظ، أنا خليل بن أبي الرجاء [الراراني] (٤) ومحمد بن أحمد الصيدلاني قال: أنا الحسن بن أحمد المقرئ
стр. 56
والثاني حاضر أنا أحمد بن عبد اللَّه الحافظ، ثنا محمد بن جعفر بن الهيثم، ثنا إبراهيم ابن إسحاق الحربي، ثنا ابن الأصبهاني، ثنا علي بن مسهر، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: كان إبراهيم ﵊ يأتيه اللَّه بالضيف ليأجره، قال: فاحتبس عليه الضيف ثلاثًا فقال لسارة: لقد احتبس عنا الضيف وما نراه احتبس عنا إلا لما يرى من شدتنا على خدمنا افعلوا وافعلوا، فإن جاء ضيف لا يخدمه غيري وغيرك (١).
وبه إلى الحربي ثنا محمد بن سهل، ثنا عبد الرزاق، ثنا أبي، أن عمر بن زيد أخبره عن عمرو بن دينار قال: لما تضيفه الملائكة إبراهيم ﵇ قدم العجل فقالوا: لا نأكل إلا بثمن، قال: فكلوه وأدوا ثمنه، قالوا: وما ثمنه؟
قال: تسمون للَّه إذا أكلتم وتمجدونه إذا فرغتم.
قال: فنظر بعضهم إلى بعض فقالوا: بهذا اتخذك اللَّه خليلًا (٢).
والاجتباء: أصطفاء اللَّه سبحانه إياه وتخصيصه بأنواع النعم من النبوة والرسالة والخلة وغير ذلك.
والهداية: الدلالة والإرشاد.
والمراد بالصراط المسقيم: ملة الإسلام.
واختلف في المراد بالحسنة من قوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾:
فَقِيلَ: البركة في الأموال والأولاد.
وَقِيلَ: هي الخلة التي اصطفاه اللَّه بها، قال اللَّه تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ (٣).
وقال قتادة: هي تنويه اللَّه بذكره حتى ليس من أهل دين إلا وهم يتولونه.
وَقِيلَ: هي صلاة اللَّه عليه، وهي المعنية يقول المصلي منا: "كما صَلَّيْتَ عَلَى
стр. 57
إِبْرَاهِيمَ" كما أخبرنا عبد القادر بن يوسف الخطيري ومحمد بن عبد الرحيم القرشي قال الأول: أنا عبد الوهاب بن ظافر، وقال الثاني: أنا يوسف الساوي قال: أنا أحمد ابن محمد الأصبهاني الحافظ، أنا نصر بن أحمد بن البطر، أنا عبد اللَّه بن عبيد اللَّه، ثنا الحسن بن إسماعيل، ثنا يوسف بن موسى، ثنا جرير ومحمد بن فضيل -واللفظ لجرير- قال: ثنا يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة ﵁ قال: لما نزلت ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾. . الآية [الأحزاب: ٥٦]، سألنا النبي ﷺ عن الصلاة قال: "قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ وَبَارِك عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَآل إِبْرَاهِيمَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ".
هذا حديث صحيح اتفقوا على إخراجه من طرق كثيرة بنحو هذا إلى عبد الرحمن ابن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة (١)، واتفقا أيضًا على إخراجه من رواية أبي حميد الساعدي (٢)، وانفرد به البخاري (٣) من حديث أبي سعيد الخدري، ومسلم (٤) من حديث أبي مسعود الأنصاري.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ يعني: من أهل الجنة.
أخبرنا يوسف بن محمد بن إبراهيم ومحمد بن أبي بكر بن مشرف بقراءتي عليهما قال الأول: أنا إسماعيل بن إبراهيم التنوخي، أنا بركات بن إبراهيم المقدسي، أنا عبد الكريم بن حمزة، أنا الحافظ أحمد بن علي الخطيب.
(ح) وقال شيخنا الثاني: أنبأنا علي بن عبد اللَّه البغدادي، عن الفضل بن سهل، عن الخطيب، أنا القاسم بن جعفر الهاشمي، أنا محمد بن أحمد اللؤلؤي، ثنا سليمان ابن الأشعث (٥) الحافظ، ثنا زياد بن أيوب، ثنا عبد اللَّه بن إدريس، عن مختار بن
стр. 58
فلفل، يذكر عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رجل لرسول اللَّه ﷺ : يا خير البرية، فقال رسول اللَّه ﷺ : "ذَاكَ إِبرَاهِيمُ ﵇".
أخرجه مسلم (١) والترمذي (٢) أيضًا من هذا الوجه وزاد "ذَاكَ إِبرْاهِيمُ خَلِيلُ اللَّهِ".
وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْر" (٣)، وطريق الجمع بينه وبين هذا الحديث من وجهين:
أَحَدُهُمَا: أنه ﷺ قال ذلك قبل أن يعلمه اللَّه بأنه أفضل من سائر الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، ثم لما أعلمه اللَّه بذلك بينه للناس.
وَالثَّانِي وهو الأقوى: أنه ﷺ قال ذلك على وجه التواضع والاحترام لإبراهيم ﷺ لخلته وأبوته، ولبيان ما يجب له من التوقير والاحترام، ولذلك لما قال ﷺ : "أنَّا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ" أتبعه بقوله: "وَلَا فَخْر" ليبين ﷺ أنه لم يقل ذلك على وجه الافتخار والتطاول على من تقدمه بل قاله بيانًا لما أمر ببيانه، واللَّه سبحانه أعلم.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾. . الآية، ثم في هذه الآية إعلام بتعظيم منزلة نبينا ﷺ وإجلال محله، والإيذان بأن من أشرف ما أوتي خليل اللَّه إبراهيم ﵊ اتباع نبينا ﷺ إياه واقتداؤه به، فهذا وجه تعلق المعطوف بالمعطوف عليه، وذكر بعض المفسرين أن أمر النبي ﷺ في هذه الآية باتباع إبراهيم ﵇ أريد به اتباعه إياه في مواقف الحج، وذكر في ذلك حديثًا في إسناده ضعف عن عبد اللَّه بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ قال: "جاء جبريل ﵇ إلى إبراهيم ﷺ فراح به إلى منى فذكر كيفية مناسك الحج. . . " وقال في آخره: "فأوحى اللَّه إلى محمد ﷺ أن اتبع ملة إبراهيم حنيفًا".
وهذا الحديث غير ثابت لما بينا من ضعف إسناده (٤).
стр. 59
والأقرب حمل الأمر هنا على العموم في اتباع إبراهبم ﵊ في كل شيء إلا ما نسخه اللَّه من ذلك؛ لأنه نقدم أن هذه الآيات بين اللَّه بها أن إبراهيم كان حنيفًا مسلمًا ولم يكن مشركًا ردًّا على المشركين في دعواهم أنهم على دين إبراهيم ﵊ وهم مشركون وهو صلوات اللَّه عليه لم يكن مشركًا، فناسب ذلك الأمر للنبي ﷺ باتباع ملة إبراهيم في دين الإسلام والتوحيد وأعماله، وتندرج أفعال الحج تحت ذلك، وحمل اللفظ على العموم مهما أمكن أولى، واللَّه أعلم.
أخبرنا أبو بكر بن إبراهيم بن عبد الدائم، أنا محمد بن إبراهيم الأربلي، أخبرتنا شهدة بنت أحمد الإبري.
(ح) وقرأت على محمد بن عبد الرحيم، أخبرك يوسف بن محمود الصوفي، أنا أبو طاهر أحمد بن محمد السلفي قال: أنا نصر بن البطر، أنا عبد اللَّه بن البيع، ثنا الحسين المحاملي، ثنا علي بن شعيب، ثنا سفيان بن عيينة قال: سمع عمرو يعني ابن دينار -عمرو بن عبد اللَّه بن صفوان يحدث، عن يزيد بن شيبان ﵁ قال: كنا وقوفًا بعرفة في مكان بعيد من الموقف يباعده عمرو؛ فأتانا ابن مربع الأنصاري ﵁ فقال: إني رسول رسول اللَّه إليكم يقول:"كُونُوا عَلَى مَشَاعِرِكمُ هذهِ فَإِنَّكُمْ عَلَى إِرْثِ إِبْرَاهِيمَ ﵇".
أخرجه أبو داود (١) عن عبد اللَّه بن محمد النفيلي، والترمذي (٢) والنسائي (٣)، عن قتيبة بن سعيد، وابن ماجه (٤) عن أبي بكر بن أبي شيبة، ثلاثتهم عن سفيان بن عيينة به فوقع بدلًا لهم عاليًا، وقال الترمذي: حديث حسن، وابن مربع اسمه يزيد بن مربع الأنصاري وإنما يعرف له هذا الحديث الواحد.
قلت: وذكر غيره أن اسم ابن مربع هذا زيد، وقيل: عبد اللَّه، وهو من
стр. 60
الأوس ﵁.
و"مربع" بكسر الميم ثم راء ساكنة ثم باء موحدة مفتوحة وعين مهملة.
أخبرنا علي بن محمد البندنيجي، أنا محمد بن علي البغدادي بها، أنا عبد العزيز بن الأخضر الحافظ، أنا عبد الملك بن أبي القاسم الكروخي.
(ح) قال شيخنا: وأنبأنا عبد الخالق بن أنجب، عن الكروخي هذا، أنا محمود ابن القاسم الأزدي وعبد العزيز بن محمد الترياقي وأحمد بن عبد الصمد الغورجي قالوا: أبنا عبد الجبار بن محمد الجراحي.
(ح) وقرأت على القاسم بن مظفر الدمشقي، أخبرك القاضي أبو نصر محمد بن هبة اللَّه بن مميل حضورًا، أنا نصر بن سيار كتابة، أنا أبو عامر الأزدي، أنا الجراحي، أنا محمد بن أحمد المحبوبي، ثنا محمد بن عيسى الحافظ، ثنا محمود بن غيلان، ثنا أبو أحمد -يعني الزبيري- ثنا سفيان، عن أبيه، عن أخبرنا الضحى، عن مسروق، عن عبد اللَّه -هو ابن مسعود- ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إِن لِكُلِّ نَبِيٍّ وُلَاةً مِنَ النَّبِيِّينَ وَإِنَّ وَلِيِّي أَبِي وَخَلِيلُ رَبِّي"، ثم قرأ ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٦٨].
هكذا أخرجه الترمذي في "جامعه" (١) ثم رواه من حديث أبى نعيم عن سفيان الثوري، ولم يذكر فيه مسروقًا وقال: هذا أصح.
أخبرنا العلامة أبو (إسحاق) (٢) العباس أحمد بن إبراهيم الفزاري الخطيب قراءة عليه وأنا أسمع سنة ٧٠٣، أنا العلامة أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن بن الصلاح، أنا المؤيد بن محمد الطوسي، أنا محمد بن الفضل الصاعدي أنا عبد الغافر ابن محمد الفارسي، أنا أحمد بن عمرويه، ثنا إبراهيم بن سفيان، ثنا مسلم بن الحجاج، ثنا قتيبة بن سعيد، ثنا الليث.
(ح) قال: وثنا محمد بن رمح، أنا الليث، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁ أن
стр. 61
رسول اللَّه ﷺ قاله: "عُرِضَ عَلَيَّ الأَنْبِيَاءُ ﵈ فإذَا مُوسَى ضَرْبٌ مِنَ الرِّجَالِ كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ، وَرَأَيتُ إِبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِذَا أَقرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهًا صَاحِبُكُمْ" يعني نفسه صلى اللَّه عليهما وسلم. . . وذكر بقية الحديث.
كذا أخرجه مسلم في "الصحيح" (١).
ورواه أيضًا من حديث أبي هريرة: أخبرناه أبو محمد بن أبي غالب العساكري سماعًا عليه، عن أخبرنا الوفاء محمود بن إبراهيم العبدي، أنا الحسن بن العباس الرستمي، أنا عبد الوهاب بن محمد بن إسحاق بن منده، أنا أبي، أنا محمد بن الحسين بن الحسن، ثنا أحمد بن يوسف السلمي.
(ح) قال: وأنا علي بن العباس، ثنا محمد بن حماد قال: ثنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري، أخبرني سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي
ﷺ :"حِينَ أُسرِيَ بِي لَقِيتُ مُوسَى ﵊. . . فَنَعَتَهُ -فَإِذَا رَجُلٌ حَسِبْتُهُ قَالَ: مُضْطَربٌ- رَجِلُ الرَّأْسِ كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ، وَلَقِيتُ عِيسَى ﵊ قَالَ: رَبْعَةٌ أَحْمَرُ كَأَنَّمَا خَرَجَ مِنْ دِيمَاسٍ، قَالَ: وَرَأَيْتُ إِبْرَاهِيمَ ﵊ وَأَنَا أَشْبَهُ وَلَدِهِ بِهِ".
أخرجه البخاري (٢) عن محمود، ومسلم (٣) عن محمد بن رافع وعبد بن حميد، والترمذي (٤) عن محمود بن غيلان، كلهم عن عبد الرزاق به على البدلية.
أخبرنا أبو عبد اللَّه محمد بن أبي العز بن بيان وآخرون قالوا: أنا الحسين بن المبارك، أنا عبد الأول بن عيسى، أنا عبد الرحمن بن محمد، أنا عبد اللَّه بن أحمد، أنا محمد بن يوسف، ثنا الإمام محمد بن إسماعيل، ثنا مؤمل، ثنا إسماعيل، ثنا عوف، ثنا أبو رجاء، ثنا سمرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتِيَانِ فَأَتَيْنَا عَلَى
стр. 62
رَجُلٍ طَوِيلٍ لَا أَكَادُ أَرَى رَأْسَهُ طُولًا وَإِنَّهُ إِبْرَاهِيمُ ﵊".
كذا رواه مختصرا (١).
وبهذا الإسناد إلى الإمام البخاري (٢) قال: ثنا قتيبة ين سعيد، ثنا مغيرة بن عبد الرحمن القرشي، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيمُ ﵊ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِينَ سَنَةً بِالْقَدومِ".
وبه (٣) قال: ثنا أبو اليمان، أنا شعيب، ثنا أبو الزناد به، وقال "بِالْقَدُوم" مخففة، كذا وقع في "صحيح البخاري" بالروايتين، ورواة "صحيح مسلم" متفقون على رواية هذا الحديث فيه "بِالْقَدُومِ" مخففا.
وهذه اللفظة تحتمل أن تكون الآلة التي للنجار فيكون إبراهيم صلوات اللَّه عليه اختتن بها، ويحتمل أن يكون موضعًا اختتن به، قالوا: وهو مكان بالشام، ويقال له: قدوم بالتشديد والتخفيف، وأما آلة النجار فيقال بالتخفيف لا غير، وجمهور الرواة على التخفيف، والأكثرون على أن المراد به الآلة، واللَّه أعلم.
والختان هذا من جملة الكلمات التي أخبر اللَّه سبحانه عنها بقوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾. . . (٤) الآية في قول جمهور المفسرين، والمعنى: وإذا ابتلى إبراهيم ربه بإقامة كلمات أو بتوفية كلمات.
قال ابن عباس ﵄: أوحى اللَّه تعالى إلى إبراهيم: يا خليلي تطهر، فتمضمض، فأوحى اللَّه إليه أن تطهر، فاستاك، فأوحى اللَّه إليه أن تطهر، فأخذ من شاربه، فأوحى إليه أن تطهر، ففرق شعره، فأوحى إليه أن تطهر فحلق عانته، فأوحى إليه أن تطهر فنتف إبطيه، فأوحى إليه أن تطهر فقلم أظفاره، فأوحى إليه أن تطهر، فأقبل بوجهه على جسده ينظر ماذا يصنع فاختتن وهو ابن عشرين ومائة
стр. 63
سنة.
أخبرنا سليمان بن حمزة الحاكم وعيسى بن إبراهيم وأحمد بن أبي طالب بقراءتي على كل منهم قالوا: أنا عبد اللَّه بن عمر الحريمي، أنا مسعود بن محمد بن عبد الواحد، أنا الحسين بن محمد السراج ومحمد بن محمد العطار قالا: أنا الحسن بن أحمد ابن شاذان، أنا علي بن محمد بن الزبير، ثنا الحسن بن علي بن عفان، ثنا جعفر بن عون، ثنا يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁ قال: اختتن إبراهيم خليل اللَّه ﵊ وهو ابن عشرين ومائة سنة، ثم عاش بعد ذلك ثمانين سنة.
قال سعيد بن المسيب: وكان إبراهيم ﵊ أول من اختتن وأول من رأى الشيب، قال: فقال: يا رب ما هذا؟
قال: فقيل له: وقار، قال: رب زدني وقارًا، وأول من أضاف الضيف، وأول من قص أظافيره وأول من جز شاربه، وأول من استحد.
كذا وقع في هذه الرواية أنه اختتن وهو ابن مائة وعشرين سنة.
وكذلك رواه مالك في "الموطأ" (١) عن يحيى بن سعيد كما رويناه وهو موقوف أيضا، والصحيح ما تقدم مرفوعًا في "الصحيحين" أنه ﵇ اختتن وهو ابن ثمانين سنة، واللَّه أعلم.
أخبرنا سليمان بن حمزة الحاكم ومحمد بن محمد بن الشيرازي ويحيى بن محمد بن سعد قالوا: أنبانا الحسن بن يحيى بن صباح، وقال الأول أيضًا: أنبأنا محمد بن عمار الحراني قال: أنا عبد اللَّه بن رفاعة السعدي، أنا علي بن الحسن الخلعي، أنا عبد الرحمن بن عمر بن النحاس.
(ح) وأنا القاسم بن مظفر وأبو نصر محمد بن محمد المري، كلاهما عن محمود ابن إبراهيم بن منده، أنا الحسن بن العباس الفقيه، أنا أبو عمرو عبد الوهاب، أنا أبي الحافظ محمد بن إسحاق قال: ثنا أبو طاهر أحمد بن عمرو المديني.
стр. 64
(ح) وأنا أبو الربيع بن قدامة الحنبلي وأبو نصر بن مميل وأبو محمد بن أبي غالب الدمشقيان قالوا: أنبانا محمد بن عبد الواحد المديني، أنا محمد بن أحمد الباغبان، أنا إبراهيم بن محمد الطيان، أنا إبراهيم بن عبد اللَّه التاجر، ثنا الإمام أبو بكر عبد اللَّه ابن زياد النيسابوري قال: ثنا يونس بن عبد الأعلى، ثنا ابن وهب، أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وسعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول اللَّه ﷺ قال: "نَحْنُ أَحَقُّ بالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠].
قال: "وَيَرْحَمُ اللَّهُ لُوطًا لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ، وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ طُولَ لَبْثِ يُوسُفَ لَأَجَبْتُ الدَّاعِيَ" لفظهم واحد.
هذا حديث صحيح، أخرجه البخاري (١) عن أحمد بن صالح، ومسلم (٢) عن حرملة بن يحيى، كلاهما عن ابن وهب فوقع بدلًا لهما عاليًا.
ورواه ابن ماجه (٣) عن يونس بن عبد الأعلى به فوافقناه بعلو.
قال الإمام أبو إبراهيم المزني وجماعة من العلماء: هذا الحديث يدل على نفي الشك في إحياء الموتى عن إبراهيم واستحالته في حقه، ومعناه أنه لو كان الشك في إحياء الموتى متطرفًا إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لكنت أنا أحق به من إبراهيم وقد علمتم أني لم أشك فاعلموا أن إبراهيم ﵇ لم يشك، ويكون قال ﷺ هذا إما على وجه الأدب كما تقدم في حديث: "يَا خَيْرَ الْبَريَّةِ" أو أراد أمته الذين يجوز عليهم الشك، وذكر في الحديث وجهان آخران:
أَحَدُهُمَا: أنه خرج مخرج العادة في الخطاب من غير تصور شك من أحد منهما كما يقول من يريد المدافعة عن إنسان لم يقصده: ما كنت قائلًا لفلان أو فاعلًا معه من مكروه فقله لي أو افعله معي، ومقصوده أن لا يقع شيء له ولا لذاك.
стр. 65
والْوَجْهُ الثَّانِي: أن هذا الذي يظنونه شكًّا أنا أولى به؛ فإنه ليس بشك ولكنه طلب لمزيد اليقين، وهذا على أحد التأويلات المذكورة في قول إبراهيم ﵇: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ (١).
قالوا: فسأل زيادة اليقين وقوة الطمانينة كان لم يكن في الأول شك؛ إذ العلوم النظرية والضرورية قد تتفاضل في قوتها فأراد الانتقال من النظر إلى المشاهدة والترقي من علم اليقين إلى عين اليقين فليس الخبر كالمعاينة، قال سهل بن عبد اللَّه التستري ﵀: سأل كشف غطاء العيان ليزداد بنور اليقين تمكنًا في حاله.
وَفِي الآيَةِ وُجُوهٌ أُخَر لِأَهْلِ التَّفْسِيرِ:
مِنْهَا وَهُوَ أَظْهَرُهَا: أنه ﵇ أراد الطمانينة بعلم كيفية الإحياء مشاهدة بعد العلم بها استدلالًا، فإن علم الاستدلال قد تتطرق إليه الشكوك بخلاف علم المعاينة فإنه ضروري ويكون معنى قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ استفهام الإيجاب كقول جرير:
*ألستم خير من ركب المطايا*
يعني: أنتم كذلك.
وَمِنْهَا: ما روي عن ابن عباس ﵄ وسعيد بن جبير والسدي أن ملك الموت ﵇ استأذن ربه أن يأتي إبراهيم ﵇ فيبشره بأن اللَّه اتخذه خليلًا فأتاه وبشره بذلك فحمد اللَّه وقال: ما علامة ذلك؟
قال: أنه يجيب دعاءك ويحيي الموتى بسؤالك، فقال إبراهيم ﵊ بعد ذلك: رب أرني كيف تحيي الموتى، وأراد بذلك زيادة الطمانينة في أنه هو الخليل.
ويكون معنى قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ أي: ألم تصدق بعظم منزلتك عندي واصطفائك وخلتك.
وفيه أيضًا وجوه أخر غير ذلك، واللَّه سبحانه أعلم.
أخبرنا محمد بن أبى الهيجاء بقراءتي عليه، أنا الحسن بن محمد بن محمد بن
стр. 66
البكري، أنا عبد المعز بن محمد الهروي، أنا تميم بن أبي سعيد الجرجاني، أنا علي بن محمد البحاثي، أنا محمد بن أحمد الزوزني، أنا محمد بن حبان الحافظ، أنا الحسن بن سفيان والحسين بن عبد اللَّه القطان وابن قتيبة قالوا: ثنا إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني، ثنا أبي، عن جدي، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ذر ﵁ قال: دخلت المسجد فإذا رسول اللَّه ﷺ جالس وحده. . . فذكر الحديث بطوله، وفيه: قلت: يا رسول اللَّه كم كتاب أنزل اللَّه؟
قال: "مائة كتاب وأربعة كتب، أنزل على شيث خمسين صحيفة، وأنزل على اخنوخ ثلاثين صحيفة، وأنزل على إبراهيم ﵇ عشر صحائف، وأنزل التوراة والإنجيل والزبور والفرقان".
قال: قلت: يا رسول اللَّه ما كانت صحف إبراهيم؟
قال: "كانت أمثالًا كلها أيها الملك المسلط المبتلى المغرور إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض، ولكني بعثتك لترد عني دعوة المظلوم فإني لا أردها ولو كانت من كافر، وعلى العاقل ما لم يكن مغلوبًا على عقله أن تكون له ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يتفكر فيها في صنع اللَّه، وساعة يخلو فيها لحاجة من المطعم والمشرب، وعلى العاقل أن لا يكون ظاعنًا إلا لثلاث: تزودٍ لمعاد، أو مرمة لمعاش، أو لذة في غير محرم، وعلى العاقل أن يكون بصيرًا بزمانه مقبلًا على شانه حافظًا للسانه، ومن حسب كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه".
قلت: يا رسول اللَّه فما كانت صحف موسى؟
قال: "كانت عبرًا كلها: عجيب لمن أيقن بالموت ثم هو يفرح، عجيب لمن أيقن بالنار ثم هو يضحك، عجيب لمن أيقن بالقدر ثم هو ينصب، عجيب لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها ثم هو يطمئن إليها، وعجيب لمن أيقن بالحساب غدًا ثم لا يعمل. . . " وذكر بقية الحديث بطوله.
كذا أخرجه ابن حبان في "صحيحه" (١) بتمامه.
стр. 67
أخبرنا شيخنا أبو الفضل سليمان بن حمزة وعيسى بن معالي وعبد الأحد بن أبي القاسم الحنبليون بقراءتي قالوا: أنا عبد اللَّه بن اللتي، أنا سعيد بن أحمد بن البنا حضورًا، أنا محمد بن محمد الزينبي، أنا محمد بن عمر بن زنبور، ثنا عبد اللَّه بن سليمان الحافظ، ثنا علي بن محمد بن أبي الخصيب، ثنا وكيع، عن مسعر، عن المغيرة بن النعمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: قام فينا رسول اللَّه ﷺ بالموعظة فقال: "إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ عُرَاةً غُرْلًا، فَأَوَّلُ الخَلَائِقِ يُكْسَى إِبْرَاهِيمُ ﵇ يُجَاءُ بِرِجَالٍ مِنْكُمْ فَيُؤْخَذُ بهِم ذَاتَ الشِّمَالِ فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أَصْحَابي، فَيُقَالُ: إنَّكَ لَا تَدْرى مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾. . . [المائدة: ١١٧] الآيتين".
رواه البخاري في "الصحيح" (١) عن محمد بن كثير، عن سفيان الثوري، عن المغيرة بن النعمان به.
والمراد بهؤلاء الذين ذكروا في هذا الحديث هم أهل الردة الذين ارتدوا بعد وفاة النبي ﷺ ، واللَّه أعلم.
وأخبرنا محمد بن مشرف التاجر وأحمد بن أبي طالب المعمر ووزيرة بنت عمر ابن أسعد قالوا: أنا الحسين بن أبي بكر الربعي، أنا أبو الوقت عبد الأول، أنا عبد الرحمن بن المظفر، ثنا عبد اللَّه بن حمويه، أنا محمد بن يوسف، ثنا الإمام محمد بن إسماعيل، ثنا إسماعيل بن عبد اللَّه، أخبرني أخي عبد الحميد، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "يَلْقَى إِبْرَاهِيمُ؛ أَبَاهُ آزَرَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَعَلَى وَجْهِهِ أثَرُ قَتَرَةٍ وَغَبَرَةٍ، فَيَقُولُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ لَا تعْصِنِي، فَيَقُولُ أَبُوهُ: فَالْيَوْمَ لَا أَعْصِيكَ، فَيَقُولُ إِبْرَاهِيمُ ﵇: يَا رَبِّ إِنَّكَ وَعَدْتَني أَنْ لَا تُخْزنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ فَأيُّ خِزْيٍ أَخْزَى مِنْ أَبِي الأَبْعَدِ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ: إِنِّي حَرَّمْتُ الْجَنَّةَ عَلَى الكَافِرِينَ ثُمَّ يُقَالُ: مَا تَحْتَ رِجْلَيْكَ؟
فَيَنْظُرُ فَإِذَا هُوَ بِذِيخٍ مُتَلَطِّخٍ فَيُؤْخَذُ بِقَوَائِمِهِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ".
стр. 68
كذا رواه البخاري (١).
و"الذيخ" بكسر الذال المعجمة وإسكان الياء آخر الحروف وبعدها خاء معجمة وهو ذكر الضباع، والأنثى منه ذيخة.
ومعنى الحديث أن اللَّه تعالى يغير صورة أبي إبراهيم ﵇ على هيئة ضبع ذكر متلطخ إما برجيعه أو بالطين، كما جاء في رواية في الحديث في غير "الصحيح": "بِذِيخِ أَمْدَر" أي: متلطخ بالمدر فيزول عنه ما عده من عذاب اللَّه، واللَّه سبحانه أعلم.
وبه إلى البخاري (٢): ثنا عبيد اللَّه بن موسى أو ابن سلام عنه، أنا ابن جريج، عن عبد الحميد بن جبير، عن سعيد بن المسيب، عن أم شريك ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ أمر بقتل الوزغ وقمال: "كَانَ يَنْفُخُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﵇" يعني: لما ألقي في النار.
وبه ثنا أحمد بن يونس، ثنا أبو بكر، عن أبي حصين، عن أبي الضحى، عن ابن عباس ﵁ قال: "حسبنا اللَّه ونعم الوكيل" قالها إبراهيم ﵊ حين ألقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين قالوا: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم (٣).
وبه ثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل، ثنا إسرائيل، عن أبي حصين، عن أبي الضحى، عن ابن عباس ﵄ قال: كان آخر قول إبراهيم ﷺ حين ألقي في النار: حسبنا اللَّه ونعم الوكيل (٤).
أخبرنا القاسم بن مظفر الدمشقي، عن محمود بن إبراهيم الأصبهاني قالا: أنا الإمام أبو عبد اللَّه الرستمي، أنا أبو عمرو بن منده، أنا أبي الحافظ أبو عبد اللَّه، أنا محمد بن يونس، ثنا الحسين بن محمد بن زياد، ثنا عمرو بن علي ومحمد بن بشار قالا: ثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قتادة، عن ابن عباس ﵄ قال: أتعجبون أن
стр. 69
تكون الخلة لإبراهيم، والكلام لموسى، والرؤية لمحمد ﷺ (١).
وبه إلى أبي عبد اللَّه بن منده: أنا محمد بن يعقوب، ثنا محمد بن إسحاق الصغاني، ثنا عبدة بن عبد اللَّه، ثنا محمد بن بشر، حدثني أبو حيان التيمي، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة ﵁ قال: أتي رسول اللَّه ﷺ يومًا بلحم فرفع إليه الذراع فكان يعجبه (٢) فنهش منها نهشة فقال: "أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ هَلْ تَدْرُونَ لِمَ ذَلِكَ؟
يَجْمَعُ اللَّهُ تعالى يَوْمَ الْقِيَامَةِ الأَوَّلينَ وَالآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَيُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي وَيَنْفُذُهُمُ الْبَصَرُ وَتَدْنُو الشَّمْسُ مِنْهُمْ فَيَبْلُغُ النَّاسَ مِنَ الْكَرْبِ والْغَمِّ مَا لَا يُطِيقُونَ وَلَا يَحْتَمِلُونَ، فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ: ألَا تَرَوْنَ مَا أَنْتُمْ فِيهِ؟ أَلَا تَرَوْنَ إِلَى مَا قَدْ بَلَغَكُمْ؟ أَلَا تَنْظُرُونَ إِلَى مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ. . . " فذكر الحديث، وفيه: "فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ ﵇ فَيَقُولُونَ: يَا إِبْرَاهِيمُ أَنْتَ نَبِيُّ اللَّهِ وَخَلِيلُهُ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ فَاشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ -وَذَكَرَ كَذبَاتَهُ- نَفْسِي نَفْسِي. . . " وذكر بقية الحديث.
وهو متفق عليه من هذا الوجه بتمامه (٣).
وكذباته التي أشار إليها ﷺ ليست كذبات على الحقيقة؛ وإنما هي كما أخبرنا محمد بن مشرف ومن معه ذكر بسندهم المتقدم إلى البخاري: ثنا محمد بن محبوب، ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد -يعني ابن سيرين- عن أبي هريرة ﵁ قال: لم يكذب إبراهيم ﵇ إلا ثلاث كذبات ثنتين منهم في ذات اللَّه، قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾، وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾، قال: وبينا هو ذات يوم وسارة إذ أتى على جبار من الجبابرة فقيل له: إن ها هنا رجلًا معه امرأة من أحسن الناس فأرسل إليه فسأله عنها فقال: من هذه؟
стр. 70
قال: أختي، فأتى سارة فقال: يا سارة ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك وإن هذا سألني فأخبرته أنك أختي فلا تكذبيني، فأرسل اليها فلما دخلت عليه ذهب يتناولها بيده فأخذ، فقال: ادعي اللَّه لي ولا أضرك، قال: فدعت اللَّه فأطلق، ثم تناولها الثانية فأخذ مثلها أو أشد فقال: ادعي اللَّه لي ولا أضرك فأطلق، فدعا بعض حجبته فقال: لم تأتني بإنسان إنما أتيتني بشيطان، فأخدمها هاجر فأتته وهو قائم يصلي فأوما بيده مهيا؟
قالت: رد اللَّه كيد الكافر أو الفاجر في نحره وأخدم هاجر.
قال أبو هريرة ﵁: فتلك أمكم يا بني ماء السماء (١).
كذا أخرجه موقوفًا، ورواه قبل ذلك مختصرًا عن سعيد بن تليد، عن ابن وهب، عن جرير بن حازم، عن أيوب، عن محمد، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ ﵇ إِلَّا ثَلَاثًا" (٢).
قال العلماء ﵏: هذه الثلاث كلها خارجة عن الكذب لا في القصد ولا في غيره وهي داخلة في باب المعاريض التي فيها مندوحة عن الكذب:
أما قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ (٣) فقصد به أنه سقيم القلب مما شاهده من كفرهم وعنادهم.
وَقِيلَ: بل كانت الحمى تأخذه عند طلوع نجم معلوم فلما رآه اعتذر بعادته.
وَقِيلَ: بل سقيم بما قدر علي من الموت، وكل هذا ليس فيه كذب بل هو صدق صحيح.
وأما قوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ (٤) فإنه علق خبره بشرط نطقه كأنه قال: إن كان ينطق فهو فعله على طريق التبكيت لقومه، وهذا صدق أيضًا ولا خلف فيه.
стр. 71
وأما قوله: "أختي" فقد بين في الحديث وقال: إنك أختي في الإسلام وهو صدق أيضًا.
وأما قوله ﷺ في حديث الشفاعة: "وَيَذْكُرُ كَذَبَاتِهِ"، وقوله: "لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ إِلَّا ثَلَاثًا" فمعناه أنه لم يتكلم بكلام صورته سورة الكذب وإن كان حقًّا في الباطن إلا هذه الكلمات، ولما كان مفهوم ظاهرها خلاف باطنها أشفق إبراهيم ﵊ منها أن يؤاخذ بها لعلي مقامه.
وأما قوله ﷺ : "ثنتين منها في ذات اللَّه" فلأن المتعلق بسارة [. . .] (١) بفعاله وخطأ وإلا فهي في ذات اللَّه أيضًا؛ لأنها تسبب بها عن دفع كافر عن مواقعة فاحشة عظيمة.
وعند الترمذي (٢) في حديث الشفاعة من رواية أبي سعيد الخدري ﵁: فيقول إبراهيم: إني كذبت ثلاث كذبات، ثم قال رسول اللَّه ﷺ : "مَا مِنْهَا كَذِبَةٌ إِلَّا مَا حَلَ بِها عَنْ دِينِ اللَّهِ"، فبين النبي ﷺ أن هذه الكذبات ليست داخلة في مطلق الكذب المفهوم، بل لو لم يكن لها وجه كانت جائزة لما تتضمنه من إعلاء كلمة اللَّه ودفع المفسدة عن سارة ﵁، واللَّه سبحانه أعلم.
أخبرنا أبو الفضل سليمان بن حمزة وعيسى بن عبد الرحمن المقدسيان قالا: أنا جعفر بن علي المقرئ، أنا أحمد بن محمد السلفي الحافظ، أنا أحمد بن عبد الغفار بن أشتة، ثنا محمد بن علي النقاش الحافظ، أنا الحسين بن محمد التستري، ثنا عبد اللَّه بن محمد بن زياد، ثنا أحمد بن حفص، حدثني أبي، حدثني إبراهيم بن طهمان، عن عباد بن إسحاق، عن محمد بن عبد اللَّه، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: كان إبراهيم ﵊ يزور إسماعيل ﵇ على البراق وهي دابة جبريل تضع حافرها حيث ينتهي طرفها، وهي الدابة التي ركبها رسول اللَّه ﷺ ليلة أسري به (٣).
стр. 72
روي عن ابن عباس ﵄ أن إبراهيم ﵊ ولد بغوطة دمشق بقرية يقال لها برزة (١).
قال الحافظ أبو القاسم ابن عساكر: الصحيح أنه ولد بكوثى من إقليم بابل بالعراق؛ وإنما نسب إليه هذا المقام الذي ببرزة؛ لأنه صلى فيه إذ جاء معينًا للوط ﵇ (٢).
وَقِيلَ: كان آزر أبو إبراهيم من حران.
وتقدم عن سعيد بن المسيب أن إبراهيم ﵇ عاش مائتي سنة.
وذكر كعب الأحبار وغيره أن سبب وفاة إبراهيم صلوات اللَّه عليه أنه أتاه ملك في سورة شيخ كبير فتضيفه وكان يأكل ويسيل طعامه ولعابه على لحيته وصدره، فقال إبراهيم: يا عبد اللَّه ما هذا؟
قال -ولعابه على لحيته وصدره: بلغت الكبر الذي يكون صاحبه هكذا قال: وكلم أتى عليك؟
قال: مائتا سنة -ولإبراهيم ﵊ يومئذ مائتا سنة- فكره الحياة لئلا يصير إلى هذه الحال فمات بلا مرض.
وكذلك قال أبو السكن الهجري: توفي إبراهيم وداود وسليمان صلى اللَّه عليهم وسلم فجأة، وكذلك الصالحون، وهو تخفيف على المؤمنين ورحمة في حق المراقبين.
وقد وقع لنا حديث متصل السند إلى إبراهيم الخليل صلوات اللَّه عليه وسلامه من رواية سيدنا رسول اللَّه ﷺ عنه: أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن ممدود الصوفي، أنا محمد بن علي بن الهني ببغداد سنة ٦٤٩، أنا عبد العزيز بن محمود بن الأخفر، أنا عبد الملك بن أبي القاسم الكروخي.
(ح) قال شيخنا: وأنبأنا عبد الخالق بن أنجب بن المعمر، عن الكروخي هذا
стр. 73
قال: أنا محمود بن القاسم الأزدي وأحمد بن عبد الصمد الغورجي وعبد العزيز بن أبي نصر الترياقي قالوا: أنا عبد الجبار بن محمد الجراحي، أنا محمد بن أحمد المحبوبي، ثنا محمد بن عيسى الترمذي، ثنا عبد اللَّه بن أبي زياد، ثنا سيار، ثنا عبد الواحد بن زياد، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لَقِيتُ إِبْرَاهِيمَ ﵊ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَقْرِئ أُمَّتَكَ السَّلَامَ وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ الْجَنَّةَ طَيِّبَةُ التُّرْبَةِ عَذْبَةُ المَاءِ، وَأَنَّهَا قِيعَانٌ، وَأَنَّ غِرَاسَهَا: سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ"، وفيه قال الترمذي: هذا حديث حسن (١).
وَقُلْتُ أَمْدَحُ الْخَلِيلَ ﵊:
عرج هديت على المقام معظما ... إن كنت تبغي أن تحوز المغنما
والثم بأبواب الخليل ترابها ... وقل السلام عليك يا مولى سما
يا من له في المكرمات مفاخر ... ليست تعد وكيف تحصى الأنجما
يا سيدًا يحمي النزيل بجاهه ... يا أوحدًا يعطي الجزيل تكرما
يا من له الكرم العميم على المدى ... يقري الضيوف ولا يخاف المغرما
يا أمة في الناس فردًا قانتًا ... للَّه برًّا شاكرًا من أنعما
يا من له النار العظيمة أطفئت ... من بعد ما كانت بهول قد ظما
مذ حزت في التفويض صدق توكل ... أصبحت من ذاك الجحيم مسلما
لم تلتفت إلا لربك وحده .... هذا الفخار فمن يروم تقدما
يا من له الصبر الذي ما مثله ... في ذبحه مهجة قلبه إذ أسلما
ففداه رب العرش بالكبش الذي ... وافاه جبريل به قد عظما
يا باني البيت الحرام ورافعا ... منه القواعد داعيًا رب السما
ومؤذنًا في الناس بالحج الذي ... فيه الذنوب تحط عمن أجرما
يا أولًا في الناس يكسى حلة ... يوم القيامة سابقًا ومكرما
стр. 74
يا من له شرع الختان مطهرا ... من كل عيب لا يزال مؤثما
وله خصال الفطرة العشر التي ... كان الختان لنا ختامًا تمما
وله الطيور حيين وهو مشاهد ... لما دعاها بعد موت عمما
لم يطلب الإحياء من شك به ... لكن إلى عين اليقين قد ارتمى
لك يا خليل اللَّه كل فضيلة ... قد حزت أجمعها حنيفًا مسلما
يكفيك أن الأنبياء جميعهم ... من تأخر بعثه وتقدما
ونظامهم بختامهم مولى الورى ... مولى الجدى علم الهدى شافي العمى
خير الأنام محمد من قدره ... فوق البرية كلهم فضلا سما
ذي المعجزات الباهرات ومن له ... يوم المعاد شفاعة تروي الظما
من حاز بالإسراء فضلًا باهرًا ... ورآك ليلة ذاك في أعلى سما
ولقيته بالبشر والترحيب إذ ... وافاك صحبة جبريل مسلما
ودعوته ولدًا نبيًا صالحًا ... فلك الهناء بمثله متقدما
وروى لأمته الذي أوصيته ... فغدا الحديث بذاك عنك مترجما
أصبحت والده وكنت وليه ... من بين كل الرسل نحوك يمما
ولقد غدا من بين ولدك كلهم ... لك مشبهًا في خلقه إذ كرما
وكذاك في أخلاقك الطهر التي ... أوحى إليه اللَّه فيها معلما
ودعوت رب الخلق في إرساله ... للحق يتلو والكتاب معلما
فأجبت في هذا الدعاء فأنتما ... أجر الذين هدوا بذلك حزتما
فعليكما مني السلام تحية ... ما أظهرت شمس الظهيرة مبسما
وصلاة رب العرش ترى دائما ... تهدي سنا البركات منه إليكما
بكما ملاذي في الورى وتوسلي ... ومعولي في النائبات عليكما (١)
وإليكما دون الأنام توجهي ... أبغي الشفاعة عند ربي منكما
стр. 75
ها يا خليل اللَّه دعوة خادم ... لك نازل بحماك يرجو الأنعما
لا يخشى ريب الزمان وجوره ... مذ حل في هذا الحمى مستعصما
ولقد أتته بشارة من صادق ... رؤيا منام كان أمرًا محكما
إني وقفت ببابك الرجب الذي ... أرقى به نحو المعالي سلما
ولقيت منك مبرة وكرامة ... وصيانة أحرزت منها مغنما
فلي الهناء بذاك إن نلت المنى ... منه بتأويل يريك المبهما
ولذا أتيت إلى جنابك مسرعا ... متخضعًا وجعلته لي منسما
وقصدت بابك سائلًا مستجديًا ... متأسفًا متلهفًا متندما
فكن الشفيع إلى إلهك عله ... يعفو ويولي الصفح عمن أجرما
واسأله إصلاحًا لحالي دائمًا ... واللطف بي فيما قضي فتحكما
واسأله علمًا نافعَا أحيى به ... يبقى وإن أبلى التراب الأعظما
صلى عليك اللَّه كل عشية ... وكذا الملائكة الكرام وسلما
وعلى الذين ولدتهم من مجتبى ... برسالة ونبوة قد أكرما
وسقى معاهد بلدة جاورتها ... من غير إفساد [. . .]
وأنالها ربي الأمان وكليف لا ... وبجاهك المامول قد أضحت حما
تمت وصلى اللَّه على سيدنا محمد وآله وسلم.