← Джавами‘

Джавами‘ · id 16928

مجموع رسائل الحافظ العلائي جـ 1

صلاح الدين العلائي

Полный текст (342 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

بعده؛ إذ الغالب على الظن أن التابعي الكبير إنما يروي عن الصحابة دون التابعي الصغير فيقوى الحكم بكون ذلك الرجل صحابيًّا. وقد وقع للقاضي أبي بكر بن العربي في أثناء كلامه في كتابه "القبس في شرح الموطأ" أنه قال: اتفقت الأمة على أن مجهول العين تجوز الرواية عنه إذا قال -يعني الراوي عنه من التابعين-: حدثنا رجل من أصحاب النبي ﷺ ؛ لوجوب العدالة لهم، ولا يجوز ذلك في غيرهم لعدم العدالة فيهم. وفي هذا النقل من الإجماع نظر ظاهر يعرف مما تقدم. وقد حكى ابن القطان الخلاف في ذلك مع تسمية المذكور بأنه صحابي فهو جار في قوله: رجل، بطريق الأولى. وقد حكى بعض الفضلاء عن ابن حزم أنه قال في كتابه "النبذ الكافية" له: كل من روى عن صاحب لم يسمه فإن كان ذلك الراوي ممن لا يجهل صحة قول من يدعي الصحبة من بطلانه فهو خبر مسند تقوم به الحجة؛ لأن جميع الصحابة ﵃ عدول. قال: وإن كان الراوي ممن يمكن أن يجهل صحة قول مدعي الصحبة فهو حديث مرسل لا تقوم به الحجة؛ إذ لا يؤمن من فاسق من الناس أن يدعي الصحبة عند من لا يعرف كذبه من صدقه. وأما إذا روى الراوي الثقة عن بعض أزواج النبي ﷺ خبرًا ولم يسمها فهو حجة قاطعة؛ لأنه لا يمكن أن تخفى أمهات المؤمنين على أحد من أهل التمييز في ذلك الوقت (١). هذا ما نقله عن ابن حزم وهو تفصيل حسن بالغ، ومقتضاه أن ما قال فيه أحد علماء التابعين وأهل الخبرة منهم: حدثني رجل من الصحابة عن النبي ﷺ بكذا؛ أنه يكون مقبولًا؛ لأن الظاهر أنه لا يطلق ذلك إلا بعد ثبوت صحبته عنده، وحينئذ لا تضر الجهالة باسمه لما سنقرره إن شاء اللَّه تعالى من عدالة جميعهم.

стр. 247

وأما إذا لم يكن من علماء التابعين ففيه الاحتمال الذي قاله ابن حزم، والتوقف فيه قوي. هذا إذا وصفه التابعي بأنه صحابي، فأما إذا قال: حدثني رجل عن النبي ﷺ ولم يكن فيه ما يقتضي اللقاء فقد تقدم الكلام فيه وأن الأقوى التفرقة بين كبار التابعين وصغارهم. ويلتحق بما ذكره ابن حزم من الرواية عن بعض أزواج النبي ﷺ مبهمة: ما إذا قال التابعي الثقة: حدثني رجل من أهل بدر أو من أهل بيعة الرضوان ونحو ذلك مما لا يخفى بطلان دعوى من يدعي ذلك لنفسه إذا كان كاذبًا على أهل ذلك الزمن؛ لأن المتصفين بمثل هذه الصفات كانوا حينئذ مشهورين مميزين عند كل أحد بخلاف دعوى مطلق الصحبة فإن فيهم الأعراب ونزاع القبائل ممن لا يعرف حاله أصلًا؛ ولهذا نجد كثيرًا منهم اختلف أئمة الحديث في إثبات الصحبة له، فأثبتها بعضهم ونفاها آخرون، ولم يختلفوا فيمن شهد بدرًا والحديبية إلا في النادر منهم. وقد تحصل من مجموع ما تقدم أن ما ثبت به الصفة المقتضية للصحبة على مراتب: أولها وهو أعلاها: التواتر المفيد للعلم القطعي بصحبته، وهذا لا يختص بالعشرة المشهود لهم بالجنة وأمثالهم، بل يدخل فيه أيضًا كل من تواترت الرواية عنه من الصحابة المكثرين الذين بلغ الرواة عنهم العدد المفيد للتواتر كأبي سعيد الخدري وجابر وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص وأمثالهم، وكذلك من اتفقت الأمة على صحة حديثه وتلقته بالقبول وإن لم تكثر الرواية عنه كأبي قتادة وأبي مسعود البدري ونحوهما فإن من لوازم ذلك اتفاقهم على كونه صحابيًّا، ويندرج في هذا عدد كثير من الصحابة المتفق على صحة أحاديثهم. وثانيها: أن تكون صحبته ثابتة بالاشتهار القاصر عن رتبة التواتر وهو يفيد العلم النظري عند كثير من العلماء، ويلتحق بهذه الرتبة من اتفقت كتب السير والمغازي والتواريخ على ذكره في الصحابة وتسميته في عدد من الغزوات ولم يوجد أحد خالف في ذلك ولا أهمل ذكره في ذلك، ويندرج في هذا النوع خلق كثير من الصحابة ﵃، وإن كان فيهم من ليس له إلا الحديث الواحد أو الاثنان. وثالثها: من لم يشتهر من جهة الرواية عنه، ولكنه تضمنه كثير من كتب السير

стр. 248

بالذكر، إما بالوفادة على النبي ﷺ ، أو باللقاء اليسير، أو في أثناء قصة أو غزوة له ذكر ونحو ذلك، فهذه مرتبة دون التي قبلها. ورابعها: من روى عنه أحد أئمة التابعين الذين لا يخفى عنهم مدعي الصحبة ممن هو متحقق بها وأثبت له ذلك التابعي الصحبة أو اللقاء، أو جزم بالرواية عنه عن النبي ﷺ غير معترض على ذلك لما يلزم في روايته عنه على هذا الوجه من تصديقه فيما ذكر من الصحبة والرواية سواء سماه في روايته عنه أو لم يسمه بل قاله: رجل، إذا كان التابعي كما وصفنا بحيث لا يخفى عنه ذلك، ولا فرق بين الحالتين والتابعي كذلك؛ إذ لا تضر الجهالة بعين الصحابي بعد ثبوت صحبته. وخامسها: أن يقول من عرف بالعدالة والأمانة: سمعت رسول اللَّه ﷺ ، أو رأيته يفعل كذا، ونحو ذلك، ويكون سنه يحتمل ذلك، والسند إليه صحيح؛ فهذا مقبول القول على الراجح، وفيه ما تقدم من الاحتمال، ونظيره أن يروي أحد متقدمي التابعين عن رجل لم يسمه شيئًا يقتضى له صحبة؛ فإن القرائن هنا قائمة بصدقه: منها: ندرة كذب مثل ذلك في ذلك العصر الأول. ومنها: أن الظاهر من التابعي الكبير أنه لا يروي إلا عن صحابي؛ فإن انضم إلى ذلك وصفه بصفة خاصة كرجل من أهل بدر أو من أهل بيعة الرضوان فهو أعلى من هذه المرتبة لما تقدم أن مثل هؤلاء كان مشهورا، فإذا وصفه التابعي الثقة بذلك كان كالتصريح باسمه وهو معروف، فتكون هذه الحالة حينئذ من المرتبة الرابعة. وسادسها: أن يصح السند إلى رجل مستور لم تتحقق عدالته الباطنة ولا ظهر فيها ما يقتضي جرحه فيروي حديثًا يتضمن أنه صحابي إما بسماعه ذلك أو بمشاهدته شيئًا من أفعاله ﷺ ونحو ذلك، أو برواية مجردة إذا اكتفينا بها في إثبات الصحبة، فهذا يتخرج على قبول رواية المستور فمن قبله كان ذلك هنا بطريق الأولى لقرينة صدق مثل هذا وأنه لم يوجد في ذلك القرن من يدعي ذلك كذبًا إلا نادرًا جدًّا، ولعله لا يصح السند إليه، ومن لم يقبل رواية المستور في التابعين فمن بعدهم قد يقبل مثل هذا، وهو الذي عليه عمل ابن منده وابن عبد البر وغيرهما ممن صنف في الصحابة لعدهم هذا الصنف فيهم من غير توقف فيهم، ومن العلماء من توقف

стр. 249

في حديثهم وإثبات الصحبة لهم كما تقدم. وسابعها: أن يروي بعض صغار التابعين ومن ليس من أهل التمييز منهم عن رجل مبهم ما يقتضي له صحبة وهي أضعف المراتب وإن كان جماعة من الأئمة قبلوا مثل ذلك وأثبتوا حديثهم في مسانيد الصحابة والرواة عنهم كما وصفت، وكان ذلك -واللَّه أعلم- لقرينة صدق ذلك الجيل الذي هو خير القرون، وأن مثل هذه المرتبة الشريفة لم يدعها أحد في ذلك العصر كذبًا بخلاف الأعصار المتأخرة؛ فقد رويت أحاديث عن جماعة ادعوا أنهم عمروا وأن لهم صحبة كما قد أولع كثير في هذه الأزمان بحديث رتن الهندي الذي ادعى الصحبة وأنه عاش إلى نحو الستمائة والخمسين ولعله لا وجود له البتة ووضعت عليه هذه الأحاديث، وإن كان له وجود وقد ادعى مثل ذلك فهو كذاب قطعا لا يستريب أحد من علماء أهل الأثر في ذلك، وليس هذا موضع بسط الكلام فيه. فأما في ذلك العصر الأول فيعز وجود من يدعي صحبة وهو فيها كاذب. فهذا تقسيم بالغ في تحقيق مراتب ما تثبت به الصحبة، من اللَّه به وله الحمد والمنة، ولم أر أحدًا بسط الكلام في هذه المسألة مع قوة الحاجة الداعية إليها، واللَّه الموفق للصواب وله الحمد كثيرًا لا نحصى ثناءً عليه. المسألة الثالثة: فى تقرير عدالة الصحابة ﵃ - والذي ذهب إليه جمهور السلف والخلف أن العدالة ثابتة لجميع الصحابة ﵃ وهي الأصل المستصحب فيهم إلى أن يثبت بطريق قاطع ارتكاب واحد منهم لما يوجب الفسق مع علمه، وذلك مما لم يثبت صريحًا عن أحد منهم -بحمد اللَّه- فلا حاجة إلى البحث عن عدالة من ثبتت له الصحبة ولا الفحص عنها بخلاف من بعدهم، وهذه المسألة عظيمة الجدوى والحاجة إليها ماسة في أصول الدين وأصول الفقه جميعا: أما في أصول الدين فبالنظر إلى الإمامة وشرائطها وبماذا تنعقد، ومن يصح أن يكون إمامًا، ومن الذي يعتبر قوله في الحل والعقد. وأما في أصول الفقه؛ فلأن الصحابة نقلة الشريعة ولم تصل إلى الأمة إلا من جميعهم، فمتى تطرق الطعن إلى أحد منهم حصل التشويش في أصول الشريعة ولم

стр. 250

يبق بأيدينا -والعياذ باللَّه- متمسك بشيء منها، وتوجهت المطاعن لأهل الزيغ والشبه في الدين وأدى ذلك إلى الانحلال بالكلية كما سيأتي بيانه إن شاء اللَّه، ولا محذور أصعب من هذا؛ ولذلك لا تجد المخالفين في هذه المسألة إلا شذوذًا لا يعتد بهم من أهل البدع ومن في قلبه مرض: فمنهم من زعم أن حكمهم -أعني الصحابة- في العدالة كحكم غيرهم يجب البحث عنها ومعرفة ما في حق كل واحد منهم. ومنهم من زعم أن الأصل في كل واحد منهم العدالة لكن في أول الأمر، فأما بعدما ظهرت بينهم الفتن فلا، بل حالهم فيما بعد ظهور الفتن كحال غيرهم؛ لأن الفاسق منهم غير متعين. وذهب جمهور المعتزلة إلى أن من قاتل عليًّا ﵁ فهو فاسق مردود الرواية والشهادة لخروجه على الإمام الحق. ومنهم من زعم أنه لا تقبل رواية كل من الفريقين ولا شهادته؛ لأنا لا نقطع بفسق أحد الفريقين وهو غير متعين فلا يتميز العدل عن الفاسق فيتعذر القبول. ومنهم من قال: إذا انفرد أحد الفريقين بالرواية أو الشهادة كان مقبولًا؛ لأن أصل العدالة ثابتة له، وقد شككنا في زوالها فلا تزال بالشك كما في المياه، فأما إذا شاركه في ذلك مخالفه حيث لا يثبت إلا بهما فلا يثبت بهما شيء؛ لأن فسق أحد الفريقين معلوم قطعًا من غير تعيين، فيعارض ذلك تعين العدالة المستصحب كما في الإناءين إذا تيقن نجاسة أحدهما، وهذا مذهب واصل بن عطاء. ومنهم من شك في فسق عثمان وقتلته ﵁، وقال بعض المصنفين: أما قتلة عثمان ﵁ فلا شك في فسقهم لعدم التأويل الحامل لهم على ذلك، وهذا لا يحتاج إليه فيما نحن فيه بحمد اللَّه؛ لأنه ليس في قتلة عثمان ﵁ من ثبتت له الصحبة أصلا، ولا من يذكر فيهم سوى محمد بن أبي بكر وهو لا صحبة له ولا رؤية أيضًا؛ لأنه ولد قبل وفاة النبي ﷺ بثلاثة أشهر. وجميع ما تقدم من هذه الأقوال الشاذة باطلة، والحق ما ذهب إليه الجمهور الأعظم من القول المتقدم أولًا، إلا أن الإمام المازري لم يعم به جميع الصحابة بل قال: لسنا نعني به كل من رآه اتفاقًا أو زاره لمامًا، أو ألم به لغرض وانصرف عن

стр. 251

قريب، لكن إنما نريد به الصحابة الذين لازموه وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه، وأولئك هم المفلحون. وهذا قول غريب يخرج كثيرًا من المشهورين بالصحبة والرواية عن الحكم لهم بالعدالة أصلًا كوائل بن جر ومالك بن الحويرث وعثمان بن أبي العاص وأشباههم ممن وفد عليه ﷺ ولم يقم إلا أيامًا قلائل ثم انصرف، وكذلك من لم يعرف إلا برواية الحديث الواحد أو الاثنين ولم يدر مقدار صحبته من أعراب القبائل، فالقول بالتعميم هو الذي عليه الجمهور وإن كان بعض الأدلة التي نذكرها يظهر اختصاصها بالذين أشار إليهم المازري، فغيرها يقتضي تعميم الحكم للجميع ومجموعها يرجع إلى وجوه: أحدها: ثناء اللَّه عليهم ومدحه إياهم ووصفه لهم بكل جميل، قال اللَّه تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾. . . الآية (١). والمراد بالذين اتبعوهم بإحسان: من جاء بعد السابقين الأولين من الصحابة ﵃، قاله جماعة من المفسرين، قالوا: وهم من أسلم بعد الحديبية وبيعة الرضوان إلى آخر زمنه ﷺ . ويؤيد ذلك أن الآيات كلها فيما يتعلق بالمتخلفين عن النبي ﷺ من المنافقين في غزوة تبوك؛ فأتبع اللَّه تعالى ذلك بفضيلة الصحابة الذين غزوا معه ﷺ وقسمهم إلى السابقين الأولين ومن بعدهم ثم أتبع ذلك بذكر الأعراب وأهل البوادي الذين في قلوبهم نفاق أو لم يرسخوا في الإسلام فقال تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ﴾ الآية (٢) فدل على أن المراد بالذين اتبعوهم بإحسان هم بقية الصحابة الذين تأخر إسلامهم فشملت الآية جميع الصحابة، وقد أخبر اللَّه أنه رضي عنهم ورضوا عنه فمن ادعى بعد ذلك في أحد منهم أنه قد سخط عليه لزمه

стр. 252

بيان ذلك بدليل قاطع عن اللَّه تعالى ولا سبيل إلى ذلك. وقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (١) إلى آخر الآية وهي أيضًا شاملة لجميع الصحابة ﵃؛ لأن كل من أقام معه ﷺ ساعة ثبت اتصافه بأنه ممن معه فكان المدح في الآية شاملًا للكل ﵃. وقال تعالى في وصف المهاجرين: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ إلى قوله ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (٢). ثم مدح الأنصار بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾. . . (٣) الآية إلى آخرها. ثم ذكر من أسلم بعدهم بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا﴾. . . (٤) الآية، والظاهر أن المراد بها من تأخر إسلامه وصحبته منهم كما في الآية المتقدمة بدليل قوله: ﴿جَاءُوا﴾ بلفظ الماضي فهو أولى من حمله على التابعين لما فيه من التجوز بلفظ الماضي عن الاستقبال. وقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾. . . (٥) الآية، وهي خاصة بأهل بيعة الرضوان منهم بخلاف الآيات المتقدمة فإنها تعم جميع الصحابة ﵃ ولكنها أعني هذه الآية مفيدة التمسك بها في حق من لابس الفتن من أهل الحديبية فقد تقدم فيهم الخلاف مطلقا واللَّه سبحانه أخبر أنه قد رضي عمن بايع تحت الشجرة فيستصحب هذا الحكم فيهم إلى أن يتبين خلافه عن اللَّه تعالى كما تقدم قريبا. واحتج جماعة من المصنفين بقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا

стр. 253

شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾. . . (١) الآية، وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "الوسط العدل" (٢)، وبقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾. . . (٣) الآية. واعترض بعضهم على ذلك بأن المراد بالآيتين جميع الأمة إلى قيام الساعة فلا يتخصص بها بعضهم؛ لما يلزم في ذلك من استعمال اللفظ في معنيين مختلفين وهو المجموع من حيث هو مجموع الأمة وعصر الصحابة دون غيرهم. ويمكن الجواب عنه بوجهين: أحدهما: التزام جواز استعمال اللفظ في المعنيين بناءً على جواز التمسك به في الحقيقة والمجاز جميعًا وهو مذهب الشافعي كما في حمل اللفظ المشترك على كلا المعنيين. وثانيهما: أن دلالة الآيتين وإن كان شاملا لجميع الأمة فهي متضمنة الثناء عليهم بأنهم خير أمة، ووصفهم بالعدالة في الآية الأولى وقد خرج من هذا الوصف من بعد الصحابة بالإجماع على أنه لابد من معرفة ذلك فيهم بالبحث عن أحوالهم فبقي في الصحابة على مقتفى الآية، وإذا كانت الآية الأخرى متضمنة وصف الأمة كلهم بأنهم خير أمة أخرجت للناس فلا ريب في أن الصحابة ﵃ أولى الناس بالاتصاف بذلك وأعلاهم رتبة فيه فلا أعدل ممن ارتضاه اللَّه سبحانه لصحبة نبيه ﷺ ونصرته والسبق إليه ولا تزكية أفضل من ذلك ولا تعديل أكمل منه. الوَجْهُ الثانِي مِنَ الأَدِلَّةِ ثناء النبي ﷺ عليهم وإخباره بما منحهم اللَّه تعالى من كونهم خير القرون من أمته وأفضلها وأن أحدًا ممن يأتي بعدهم لا يبلغ أدنى جزء من شأنهم ولو أنفق ملء الأرض ذهبًا في سبيل اللَّه. ففي "الصحيحين" من طريق عبيدة السلماني عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال:

стр. 254

قال رسول اللَّه ﷺ : "خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ" (١). ومن حديث زهدم الجرمي عن عمران بن حصين ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ" قال عمران: فلا أدري أذكر رسول اللَّه ﷺ بعد قرنه قرنين أو ثلاثة. متفق عليه أيضًا (٢). ورواه الترمذي من حديث الأعمش، عن علي بن مدرك، عن هلال بن يساف، عن عمران ﵁ (٣). وأخرج مسلم أيضًا من حديث عبد اللَّه بن شقيق، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "خَيْرُكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ" قال: فلا أدري ذكر مرتين أو ثلاثًا. . . الحديث (٤). وفي "مسند أحمد بن حنبل" من طريق عاصم بن أبي النجود، عن خيثمة والشعبي، عن النعمان بن بشير ﵁ عن النبي ﷺ قال: "خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ. . . " الحديث (٥). وإسناده صحيح. وروينا من حديث أبي مسهر عبد الأعلى بن مسهر الغساني، ثنا صدقة بن خالد، ثنا عمرو بن شراحيل، عن بلال بن سعد، عن أبيه ﵁ قال: قلنا: يا رسول اللَّه أي أمتك خير؟ قال: "أَنَا وَأَقرَانِي". قال: ثم ماذا؟

стр. 255

قال: "ثُمَّ الْقَرْنُ الثَّانِي". قال: ثم ماذا؟ قال: "ثُمَّ الْقَرْنُ الثالث" (١). وسعد هذا هو ابن تميم مشهور من الصحابة، وابنه بلال من فضلاء التابعين، وعمرو بن شراحيل وثقه ابن حبان (٢) ولم يتكلم فيه أحد، وصدقة بن خالد احتج به البخاري، وأبو مسهر مشهور من رجال "الصحيحين". وقد رواه معلى بن منصور، عن صدقة بن خالد أيضًا ولفظه: قيل: يا رسول اللَّه أي التابعين خير؟ قال: أنا وأصحابي. . . وذكر بقيته. وهذا يؤيد ما تقدم من أن المراد بالتابعين الصحابة الذين تبعوه في الإسلام دون المعنى الاصطلاحي فإنه متأخر. وروى أبو نعيم الفضل بن دكين وغيره، عن داود بن يزيد الأودي، عن أبيه، عن جعدة بن هبيرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي الَّذِين أَنَا فِيهِمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الذِينَ يَلُونَهُمْ" (٣). وجعدة بن هبيرة ﵁: هو ابن أم هانئ أخت علي بن أبي طالب ﵁ أثبت له ابن عبد البر وجماعة الصحبة (٤)، وقال يحيى بن معين: لم يسمع من النبي ﷺ شيئًا، والأول أظهر.

стр. 256

وثبت عن عمر بن الخطاب ﵁ من وجوه عديدة أنه قام بالجابية خطيبًا فقال: إن رسول اللَّه ﷺ قام في مثل مقامي هذا فقال: "أَكْرِمُوا أَصْحَابِي؛ فَإِنَّهُمْ خِيَارُكُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ. . . " وذكر الحديث (١). فهذا الحديث مستفيض عن النبي ﷺ ، وفي بعض ما تقدم من ألفاظه ما يقتضي دخول جميع من رآه ﷺ في أنه متصف بهذه الخيرية. وقد روى الوليد بن مسلم، عن عبد اللَّه بن العلاء بن زبر، عن عبد اللَّه بن عامر اليحصبي، أنه سمع واثلة بن الأسقع ﵁ يقول: سمعت النبي ﷺ يقول: "لَا تَزَالُونَ بِخَيْرٍ مَا دَامَ فِيكُمْ مَنْ رَآنِي وَصَاحَبَنِي" الحديث (٢). وإسناده صحيح. وقال ﷺ : "لا تَسُبُّوا أَصْحَابِي؛ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذهبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِم وَلَا نَصِيْفَهُ". متفق عليه (٣). وفي حديث عبد الرحمن بن سالم بن عويم بن ساعدة، (عن أبيه) (٤)، عن جده ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إِنَّ اللَّهَ اخْتَارَنِي وَاخْتَارَ لِي أَصْحَابًا وَجَعَلَ لِي مِنْهُمْ وُزَرَاءَ وَأَنْصَارًا وَأَصْهَارًا؛ فَمَنْ سَبَّهُمْ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ" (٥). وقال عبد اللَّه بن مسعود ﵁: إن اللَّه نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد ﷺ خير قلوب العباد فاصطفاه وبعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب

стр. 257

محمد ﷺ فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه ﷺ يقاتلون عن دينه (١). وروى السدي عن أبي مالك عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ قال: هم أصحاب محمد ﷺ (٢). وروى سنيد المصيصي، ثنا حجاج، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: لما نزلت ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ قرأها رسول اللَّه ﷺ على الناس وقال: "النَّاسُ خَيْرٌ وَأَنَا وَأَصْحَابِي خَيْرٌ" وصدق أبا سعيد عليه زيد بن ثابت ورافع بن خديج ﵄ (٣). وفي "مسند البزار" بسند غريب عن جابر رفعه إلى النبي ﷺ أنه قال: "إِنَّ اللَّهَ اخْتَارَ أَصْحَابِي عَلَى الْعَالَمِينَ سِوَى النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ. . . " الحديث. والآثار في هذا المعنى كثيرة. والخير هنا اسم جنس مضاف أو صيغة أفعل مضافة فتعم جميع أنواع الخير فمتى جعل أحد من الصحابة في التعديل كمن بعده حتى ينظر في عدالته ويبحث عنها لم يكن خيرًا ممن بعده مطلقًا. فإن قيل: هذه الأحاديث معارضة بما روي في حق (آخر هذه) (٤) الأمة من الفضل كقوله ووم: "وَدِدْتُ أَنْ قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا". قالوا: يا رسول اللَّه أولسنا إخوانك؟ قَالَ: "أَنْتُمْ أَصْحَابِي وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ". أخرجه مسلم وروى معناه من عدة طرق (٥).

стр. 258

وفي "معجم الطبراني" من حديث الأوزاعي، حدثني أسيد بن عبد الرحمن، حدثني صالح بن جبير، حدثني أبو جمعة ﵁ قال: تغدينا مع رسول اللَّه ﷺ ومعنا أبو عبيدة بن الجراح ﵁ فقلنا: يا رسول اللَّه أحد خير منا، أسلمنا معك وجاهدنا معك؟ قال: "نَعَمْ، قَوْمٌ يَكُونُونَ مِنْ بَعْدِكُمْ يُؤْمِنُونَ بِي وَلَمْ يَرَوْنِي" (١). وصالح بن جبير وثقه ابن معين وغيره، وقد رواه عنه أيضا معاوية بن صالح ولفظه: قلنا: يا رسول اللَّه هل من قوم أعظم منا أجرًا. . . وذكر بقيته كما تقدم. وفي حديث لأبي ثعلبة الخشني ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أيَّامَ الصَّبْرِ، لِلْعَامِلِ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ أَجْرُ خَمْسِينَ رَجُلًا". قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَجْرُ خَمْسِينَ رَجُلًا مِنَّا أَوْ مِنْهُمْ؟ قَالَ: "لَا بَلْ أَجْرُ خَمْسِينَ رَجُلًا مِنْكُمْ". رواه أبو داود والترمذي، وإسناده حسن (٢). وروى الترمذي أيضًا من حديث حماد بن يحيى الأبح، عن ثابت البناني، عن أنس ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أُمَّتِي كَالْمَطَرِ لَا يُدْرَى أَوَّلُهُ خَيْرٌ أَوْ آخِرُهُ" (٣). وحماد بن يحيى وثقه ابن معين. قلنا: ذهب بعضهم إلى أنه لا يلزم من تفضيل مجموع القرن الأول على من بعده تفضيل كل فرد فرد من القرن الأول على كل فرد فرد ممن بعدهم، ورأوا أن في آخر الزمان من يكون أفضل من بعض آحاد الصحابة ﵃، وهذا اختيار ابن عبد البر والقرطبي للجمع بين هذه الاْحاديث، واستثنى ابن عبد البر أهل بدر والحديبية للتنصيص على فضلهم على كل هذه الأمة. والحق الذي ذهب إليه الأكثرون أن فضيلة صحبة النبي ﷺ والفوز برؤيته لا

стр. 259

يعدل بعمل، وأن من منحه اللَّه تعالى ذلك فهو أفضل ممن جاء بعده على الإطلاق لوجوه: أحدها: مشاهدة النبي ﷺ وثانيها: فضيلة السبق إلى الإسلام. وثالثها: فضيلة الذب عن حضرته ﷺ . ورابعها: فضيلة الهجرة معه أو إليه أو النصرة له. وخامسها: ضبطهم الشريعة وحفظهم عن رسول اللَّه ﷺ . وسادسها: تبليغهم إياها إلى من بعدهم. وَسَابِعُهَا: السبق بالنفقة في أول الإسلام. وَثَامِنُهَا: أن كل فضل وخير وعلم وجهاد ومعروف عمل في هذه الشريعة إلى يوم القيامة فحظهم منه أجل ونوالهم منه أجزل؛ لأنهم سنوا سنن الخير وفتحوا أبوابه ونقلوا معالم الدين وتفاصيل الشريعة إلى من بعدهم. وقد قال ﷺ : "مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً كَانَ لَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" (١). وقال ﷺ : "مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنْ الْأُجُورِ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ تَبَعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا" (٢). فهم مساهمون لجميع هذه الأمة في كل أجر يحصل لها إلى يوم القيامة مع ما اختصوا به مما تقدم ذكره. وأما الأحاديث التي ذكرت: فحديث: "وددت أني رأيت إخواني" لا يلزم منه أن يكونوا أفضل من أصحابه كيف والأخوة العامة كانت حاصلة أيضًا للصحابة ﵃ بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (٣)، وأيضًا فالصحبة فيها قدر زائد على الأخوة لما يوجد غالبًا بين

стр. 260

الإخوة من العداوة بخلاف الصحبة. وأما قوله ﷺ : "للعامل منهم أجر خمسين رجلًا منكم" فلا حجة فيه؛ لأنه لا يلزم من ثبوت زيادة الأجر في بعض الأعمال ثبوت الفضيلة المطلقة، وأيضًا فالأجر إنما يكون تفاضله بالنسبة إلى ما يماثله في ذلك العمل الذي ترتب الأجر عليه لا في غيره من الأعمال، فيكون عمل المؤمن في آخر الزمان من قيامه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحو ذلك أرجح مما يترتب على مثل ذلك العمل من الصدر الأول. وأما الذي فاز به الصحابة ﵃ من صحبة النبي ﷺ والجهاد بين يديه ونقل السنن عنه فإنه لا يتفق مثله لأحد ممن بعدهم قطعًا فلا يقع التفاضل فيه فيبقى لهم من غير مشاركة لهم في مثله وبه استقرت الفضيلة لهم على من بعدهم فهذا أسد ما يجاب عن هذا الحديث به. وحديث أبي جمعة لم تتفق الروايات فيه على لفظ: "هل أحد خير منا" بل قد تقدم رواية معاوية بن صالح له: "هل من قومٍ أعظم منا أجرًا" ومعاوية بن صالح أحفظ من أسيد بن عبد الرحمن فروايته أرجح، ويتأول الحديث على ما ذكرناه آنفا بالنسبة إلى بعض الأعمال التي يمكن وقوعها من الطائفتين دون ما اختص به الصدر الأول من الصحبة. وأما حديث: "أمتي كالمطر" فحماد بن يحيى الأبح وإن وثقه ابن معين فقد قال فيه أبو زرعة: ليس بالقوي (١). وذكره البخاري في باب الضعفاء وقال: يهم في الشيء بعد الشيء (٢). وقال الجوزجاني: روى عن الزهري حديثًا معضلًا. وقال ابن عدي (٣): بعض حديثه لا يتابع عليه، وذكر من جملة حديثه حديث

стр. 261

أنس هذا، وهو شاذ أو منكر لتفرد حماد بن يحيي به دون أصحاب ثاتب البناني ولا يحتمل منه مثل هذا التفرد. ثم على تقدير صحته فهو مأول على أن المؤمنين في آخر الزمان إذا أقاموا الدين وتمسكوا به وصبروا على طاعة ربهم في حين ظهور الشر والفتن والهرج وكثرة المعاصي؛ كانوا في ذلك غرباء فزكت أعمالهم في ذاك الزمان كما زكت أعمال أوائل الصحابة عند كثرة المشركين وصبرهم على أذاهم وتمسكهم بدينهم، أو يكون ذلك إشارة إلى أيام نزول عيسى ابن مريم ﵇ ومقامه بالأرض حيث تظهر البركات وينتشر العدل ويذهب الفساد في تلك الأيام وهي من أواخر أزمان هذه الأمة فلا يكون في ذلك تفضيل أهل ذلك العصر على الصدر الأول ولا مساواتهم بالنسبة إلى ما ذكرناه كيف والأحاديث الثابتة في تفضيل الصحابة على من بعدهم صريحة لا تحتمل التأويل وهي أصح وأكثر من هذه الأحاديث المحتملة، فلا تكون معارضة لها وباللَّه التوفيق. الْوَجْهُ الثَّالِث: الإجماع على ذلك ممن يعتدُّ به على أحد وجهين: إما على أنه لا اعتداد بأهل البدع في الإجماع والخلاف؛ فإنه لم يخالف في عدالة الصحابة ﵃ حيث الجملة أحد من أهل السنة؛ وإنما الخلاف عن المعتزلة والخوارج وأمثالهم. وإما على أن ندرة المخالف مع كثرة المجمعين لا يمنع انعقاد الإجماع إن ثبت أن أحدًا من (غير) (١) أهل البدع خالف في ذلك والطريق الأولى أقوى ولا فرق بين من لابس الفتن من الصحابة ومن لم يلابسها. قال ابن الصلاح: أجمع العلماء الذين يعتد بهم في الإجماع على عدالتهم أيضًا إحسانًا للظن بهم ونظرًا إلى ما تمهد لهم من المآثر وكأن اللَّه تعالى أتاح الإجماع على

стр. 262

ذلك لكونهم نقلة الشريعة (١). فهذا الوجه وحده كاف في رد قول المخالفين، واللَّه أعلم. الْوَجْهُ الرَّابِع: إنما يكتفى في التعديل بإخبار الواحد منا وتزكيته مع أنه لا يعلم إلا بعض الظواهر ومع عدم عصمته عن الكذب فكيف لا يكتفى بتزكية علام الغيوب الذي لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، وقد أحاط علمه بما سيقع منهم من الفتن والحروب وأنزل مدحهم والثناء عليهم قرآنًا يتلى مستمرًا ما بقيت الدنيا وذلك يقتضي أن الثناء عليهم ومدحهم وتعديلهم مستمرًّا لا يتغير، وكذلك أطلع نبيه ﷺ على ما يقع بينهم وأخبر بذلك: إما على وجه الأجماك كقوله ﷺ : "أَرَى مَوَاقِعَ الْفِتَنِ بَيْنَ بُيُوتِكُمْ كَمَوَاقِعِ الْقَطْرِ" (٢) ونحو ذلك. أو تفصيلًا في بعض القضايا كمن أسر إليه ذلك كحذيفة ﵁، ولم يكن ذلك مانعًا له ﷺ من الثناء على جميع الصحابة ووصفهم بأنهم خير القرون ونحو ذلك مما تقدم، هذا مع عصمته ﷺ عن وقوع الكذب في إخباره وبراءته عن المداهنة لأحد منهم، فكل هذا يقتضي أن ما وقع بينهم بعده ﷺ لم يحط من رتبتهم شيئًا البتة. فأما قوله ﷺ في حديث الحوض: "لَيُخْتَلَجُنَّ رِجَالٌ مِنْ دُونِي أَعْرِفْهُمْ فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ فَأَقُولُ: أَصْحَابِي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، فأَقُولُ سُحقًا"، وفي رواية: "فأقول كما قال العبد الصالح ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧] الآية (٣)؛ فإنه محمول على من ارتد بعده ﷺ ثم مات على ذلك بدليل قوله: "فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ"وكذلك في الرواية الأخرى: "إِنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذْ فَارَقْتَهُمْ" الحديث وإلا فالنبي ﷺ قد شهد للعشرة

стр. 263

-﵃ بأنهم من أهل الجنة وقال: "لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ مِمَّنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ النَّارَ" (١)، ولما قال له [عبد] (٢) حاطب وقد شكاه: ليدخلن حاطب النار، قال له النبي ﷺ : "كَذَبْتَ إِنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ" (٣). وقد علم القتال الواقع بين علي وطلحة والزبير ﵃ وأن كثيرًا من أهل بدر وبيعة الرضوان شهدوا الحروب في تلك الفتن مع قطع النبي ﷺ لهم بأنهم لا يدخلون النار وشهادته للعشرة بأنهم في الجنة، وقد أخبر الزبير بما سيقع بينه وبين علي ﵄ من القتال، فتعين أن يكون المراد بالذين يختلجون دونه أهل الردة. الْوَجْهُ الْخَامِس: أن من اشتهر بالإمامة في العلم والدين كمالك والسفيانين والشافعي والبخاري ومسلم وأمثالهم لا يحتاج إلى التعديل ولا البحث عن حاله بالاتفاق وهو عمل مستمر لا نزاع فيه؛ فالصحابة ﵃ أولى بذلك لما تواتر عنهم واشتهر من حالهم في الهجرة والجهاد وبذل المهج والأولاد وقتل الأباء والأولاد والأقرباء والأهل ومفارقة الأوطان والأموال كل ذلك في موالاة النبي ﷺ ونصرته للَّه خالصًا، ثم ما كانوا عليه دائمًا من اشتدادهم في أمور الدين بحيث لا يأخذهم فيه لومة لائم ومواظبتهم على نشر العلم وفتح البلاد وتدويخ الأمصار، فياللَّه العجب كيف يداني أحدًا من هؤلاء من بعدهم فضلًا عن مساواتهم حتى إنه يحتاج الواحد منهم إلي الكشف عن حاله وتزكيته، أو يكون ما صدر عنه عن اجتهاد أو تأويل قادحًا في عدالته وحاطًّا له عن علو مرتبته العلية أن هذا القول الأعمى في البصيرة وتوصلًا إلى الطعن في الشريعة والقدح في الدين وإلقاء الشبه فيه ولذلك رد اللَّه تعالى كلام من

стр. 264

تكلم فيهم على القادحين فكان ذلك سببًا لحط مرتبتهم ومقتضيًا لجرحهم وفسقهم، وللَّه الحمد والمنة. فهذه الأوجه الخمسة كل منها مقتضيى للقطع بعدالة الصحابة ﵃ والأخير مختص بمن أكثر صحبته ﷺ وأقام معه مدة وهاجر معه أو إليه بخلاف الوجه الثاني؛ فإن من أحاديثه ما هو عام لكل من رآه ولو لحظة جيث يعد من الصحابة، بل ربما يقال بأنه شامل لكل من كان في عصره من المسلمين وإن لم تثبت له صحبة ولا رؤية، ولكن خرج هؤلاء بالإجماع على أنه لابد من معرفة عدالتهم بطريقها كمن بعدهم فتبقى فيمن تثبت له الصحبة أو الرؤية على عمومه، وباللَّه التوفيق. وأما المخالفون في هذا المقام فقد تعلقوا بقصص كثيرة مما طعن فيه بعض الصحابة على بعض ونقل منها بعض المصنفين قطعة كبيرة وهي منقسمة إلى: ما لايصح عنهم أصلًا. وإلى ما قد صح وله محامل صحيحة وتأويلات سائغة: كقول عائشة في زيد بن أرقم ﵄: أبلغوا زيدًا أنه قد أحبط جهاده مع رسول اللَّه ﷺ إلا أن يتوب. وقول عبادة بن الصامت ﵁ وقد قيل له: إن أبا محمد يزعم أن الوتر واجب، فقال: كذب أبو محمد. . . الحديث، وأبو محمد هذا من الصحابة ﵃. ونحو ذلك. فالأمر فيه بين والخطب هين؛ لسهولة تأويلها وأنها لا تعارض نصوص الكتاب والسنة المشهورة. وأما الذي أولع به أكثر أهل البدع وهو الفتن والحروب التي كانت بينهم فقطعوا على كل من قاتل عليًا ﵁ من أهل الجمل وصفين بالفسق، واستثنى بعضهم من ذلك عائشة وطلحة والزبير ﵃ قال: لأنهم تابوا من ذلك دون معاوية ومن كان معه، ولهم في ذلك أقوال كثيرة تقدم بعضها ويقشعر القلب من سماعها، ثم يعضدون ذلك بما ثبت عن النبي ﷺ من تحريم الدماء وذكر ما يترتب على سفكها. ولأهل السنة عن ذلك أجوبة كثيرة مجملة ومفصلة، وحاصل الإجمالية يرجع إلى وجهين:

стр. 265

أحدهما: إن ذلك كان من كل منهم بناء على الاجتهاد منه ني ذلك والتأويل المسوغ له للإقدام عليه ومع هذا فلا يكون شيء من ذلك قادحًا في عدالتهم؛ لأن جميع تلك الوقائع إن كانت مما يسوغ فيه الاجتهاد فظاهر لأنه حينئذ إن قلنا: إن كل مجتهد مصيب؛ فلا يتوجه تخطيئه إلى أحد من الفريقين، وإن قلنا: المصيب واحد والثاني مخطئ فالمخطئ في اجتهاده معذور غير آثم؛ فلا يخرجه خطؤه عن العدالة، وإن لم يكن ذلك مما يسوغ فيه الاجتهاد فالمخطئ كان متأولًا فيما فعله وإن كان تأوله خطأ فلا يخرج بذلك عن العدالة كيف وإن عدالته ثابتة بما تقدم من الأدلة القطعية فيستصحب ولا يزال بالشك والوهم لاسيما مع ما تقدم من ثناء اللَّه تعالى عليهم ورسوله ﷺ مع العلم بما يصدر منهم. ومما يؤيد أن ذلك من المجتهد فيه: قعود جماعة من الصحابة ﵃ عن الكون مع أحد الفريقين كسعد بن أبي وقاص وعبد اللَّه بن عمر ومحمد بن مسلمة وغيرهم؛ لأنه خفي عليهم الأمر، وروي أن عليًا ﵁ دعا سعد بن أبي وقاص إلى أن يكون معه فقال له: أعطني سيفًا يعرف الحق من الباطل أو قال: المحق من المبطل. وكان علي ﵁ مع أن الحق معه يغبط سعدًا ﵁ بذلك فكان يقول: للَّه در منزل نزله سعد بن مالك إن كان ذنبًا فذنب صغير وإن كان أجرًا فأجر عظيم. وقال علي ﵁ أيضًا غير ما مرة: إني لأرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير يوم القيامة ممن قال اللَّه تعالى فيهم: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ (١). والآثار في ذلك كثيرة معروفة في كتب أهل التاريخ. الوجه الثاني: إن كل ما قدح به المبتدعة في الصحابة الذين أسقطوا عدالتهم يتصور عليهم مثله في الصحابة الذين لم يقدحوا في عدالتهم؛ فإن تأولوا أفعال من وافقوا على عدالته وحسنوا لهم المخارج في أمورهم كانوا مقابلين بمثله فيمن خالفونا في عدالته ولا يجدون فارقًا قاطعًا بين الطائفتين بالنسبة إلى انقداح التأويل

стр. 266

وإحسان الظن بهم وانسداد ذلك في حق الجميع، وحينئذ يؤدي إلى أحد أمرين لابد منهما: إما التأويل وإحسان الظن في حق الجميع وهو المطلوب. وإما إسقاط عدالة الجميع وذلك أمر عظيم خارق للإجماع القطعي؛ فإن الأمة كلها ممن يعتبر بأقوالهم أجمعوا على أنه لا يصح إسقاط عدالة جميع الصحابة كيف وإن ذلك يؤدي إلى هدم الدين وإزالة ما بأيدينا من أمور الشريعة معاذ اللَّه من ذلك. وأما من تقدمت الحكاية عنه بأن كل من لابس الفتن فهو ساقط العدالة فهو قول باطل ممن لا يعتد به ونظيره إكفار الخوارج كل الفئتين فلا يرجع هذا القول إلا على قائله ونسأل اللَّه السلامة من الأهواء المضلة. فإن قيل: وإن أنتم تأولتم فإن تأويلكم لا يزيح الشك في أفعالهم، والشك في أفعالهم يلزم منه الشك في عدالتهم. قلنا: الإجماع الذي حكيناه من إمتناع إسقاط عدالة جميع الصحابة حجة قاطعة في أن هذا الشك غير مؤثر، فإذا انضم ذلك إلى ما تقدم من الأدلة الدالة على عدالتهم واستصحبنا ذلك في كل فرد منهم كان هذا الشك مندفعًا كيف ونحن إنما نتأول تأويلًا في كل قصة هو الظاهر المستفاد ظهوره منها كما سيأتي بيان بعضه إن شاء اللَّه تعالى قريبًا وهذا أمر معمول به أعني استصحاب العدالة وأنها لا ترتفع بالشك في حق من تثبت عدالته بشاهدين وشهادتهما لم تفد إلا الظن المجرد بجريان ذلك في حق من هو مقطوع بعدالته بتعديل اللَّه تعالى ورسوله ﷺ بطريق الأولى وبهذا يتبين أنه ليس المعني بعدالة كل واحد من الصحابة ﵃ أن العصمة له ثابتة والمعصية عليه مستحيلة ولكن المعني بهذا أن روايته مقبولة وقوله مصدق ولا يحتاج إلى تزكية كما يحتاج غيره إليها لأن استصحاب الحال لا يفيد إلا ذلك. هذا ما يتعلق بالطريق الإجمالي. وأما التفصيلي فلأئمتنا المتقدمين فيه مصنفات مستقلة ويطول الكلام به هنا إن تعرضنا للجميع ولكن نشير إلى فصل موجز يتعلق بوقعة الجمل لندفع به الطعن عن مثل طلحة والزبير وعائشة ﵃ ويكون ذلك مثالًا لغيره: وهو أن المصيبة بعثمان ﵁ كانت عظيمة ولم يكن خطر ببال علي ولا غيره من

стр. 267

الصحابة ﵃ أنه يقتل ولكن ظنوا أن الخوارج الذين حاصروه أعتبوه في شيء وأن الأمر يؤدي إلى تسكين وسلامة، فلما وقع قتله بغتة كان منكرًا مهولًا ولم يكن في قتلته بحمد اللَّه أحد ممن تثبت الصحبة له كما تقدم فأعجل الأمر الصحابة ﵃ عن القيام على قاتليه بغتة لشوكتهم حينئذ ورأوا المبادرة إلى نصب إمام يجمع الكلمة أولى ولم يكن بدٌّ من مبايعة علي ﵁ لأنه حينئذ كان أفضل الموجودين بالاتفاق وأحقهم بالإمامة لسابقته وفضله وشجاعته وغير ذلك، فاجتمعوا عليه وبايعوه وتخلف عنه أهل الشام فلم تجتمع الكلمة عليه ولا انتظم الأمر انتظامًا تامًا يتمكن به علي ﵁ من الإقادة بدم عثمان ﵁ من قاتليه وقد انضموا إليه فلو أقاد من أحدهم لنفرت بذلك قبائلهم كلها وكثرت الفتن وزاد الهرج، فرأى علي ﵁ أن يؤخر ذلك إلى أن تجتمع الكلمة ويتمكن من إقامة الحق من غير فتنة، ورأى طلحة والزبير ومن قام معهما أنهم قد وقعوا في أمر عظيم من خذلان عثمان ﵁ والسكوت عنه إلى أن قتل وأن ذلك لا يمحوه إلا القيام على قاتليه وطلب الإقادة منهم ولم يكن عندهم ما رآه علي ﵁ من خوف زيادة الفتنة من قبائلهم مانعًا من المبادرة إلى الطلب بدم عثمان، فوقع ما قدره اللَّه تعالى مع اجتهاد كل من الطائفتين ليقضى اللَّه أمرًا كان مفعولًا قدر وقوعه في الأزل وإن كان اجتهاد علي ﵁ أقرب إلى الحق وأن أكثر من قام مع طلحة والزبير ممن ليست له صحبة لم يكن مقصده باطنًا الاجتهاد الذي هو ماخذ طلحة والزبير بدليل أن مروان بن الحكم كان من جملة من معهما وهو الذي باشر قتل طلحة ﵁. فالمقصود أن الصحابة ﵃ إنما قاموا مجتهدين فيما فعلوه والإثم منحط عن المجتهد إذا استفرغ جهده لا فرق فيه بين الدماء وغيرها وذلك يرفع سمة النقص والغض عن أكابر الصحابة ﵃. وبسط الكلام يطول به المقام ويخرج عن المقصود وفي جميع ما تقدم كفاية لمن نور اللَّه قلبه ولم يمل به الهوى إلى الانحراف، وباللَّه التوفيق. وأما معاوية ﵁ وإن كانت فئته باغية على علي ﵁ بنص النبي ﷺ إذ قال:

стр. 268

"تَقْتُلُ عَمَّارًا الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ" (١)؛ فقد علم النبي ﷺ بما أطلعه اللَّه عليه أن معاوية سيملك وقال له: "إِنْ مَلَكْتَ فَاعْدِلْ" (٢)، وعلم أيضًا ببغيه في قتال علي ﵁ ومع ذلك دعا له في الحديث الذي رواه يونس بن سيف، عن الحارث بن زياد، عن أبي رهم السمعي، عن العرباض بن سارية ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "اللَّهُمَّ عَلِّمْ مُعَاوِيَةَ الْكِتَابَ وَالْحِسَابَ، وَقِهِ الْعَذَابَ" (٣). وقد ثبت عن ابن عباس ﵄ أنه صدق معاوية في الوتر بركعة واحدة وقال: أصاب إنه فقيه (٤). وروي عنه أنه قصر عن النبي ﷺ بمشقص (٥). وكذلك روى أيضًا عن معاوية: جرير بن عبد اللَّه البجلي، وأبو سعيد الخدري، وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص، وعبد اللَّه بن الزبير، ومعاوية بن خديج، والسائب ابن يزيد، وجماعة غيرهم من الصحابة ﵃، وكل ذلك بعد ما وقع منه من قتال علي ﵁. واتفق أئمة التابعين بعدهم على الرواية عنه وقبول ما رواه هو وعمرو بن العاص وكل من قام معهما في الفتنة فكان ذلك إجماعًا سابقًا على قول من قدح فيهم، حتى إن جعفر بن محمد بن علي روى عن القاسم بن محمد عن معاوية حديثًا وقال محمد بن سيرين: كان معاوية ﵁ لا يتهم في الحديث عن النبي ﷺ . قال الإمام أبو بكر البيهقي: كل من روى عن النبي ﷺ ممن صحبه أو لقيه فهو ثقة لم يتهمه أحد ممن يحسن علم الرواية فيما روى.

стр. 269

ومما يتصل بذلك أيضًا الكلام في سمرة بن جندب ﵁ فقد تعرض إليه بعضهم لما روي أن النبي ﷺ قال له ولأبي هريرة وآخر كان معهما في بيت: "آخركم موتًا في النار" وكان آخرهم موتًا سمرة؛ ولأنه ولي البصرة لزياد بن أمية ثم لمعاوية أيضًا وكان يكثر القتل. وقد روى شعبة عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة ﵁ أنه قال: حفظت عن رسول اللَّه ﷺ سكتتين في الصلاة. . . الحديث، وأن عمران بن حصين أنكر ذلك فكتبوا في ذلك إلي أبي بن كعب فكتب بصدق سمرة ويقول: إن سمرة حفظ الحديث عن رسول اللَّه ﷺ (١). وروى عاصم بن سليمان، عن محمد بن سيرين؛ أن ابن عباس ﵄ أمر الناس بزكاة الفطر فأنكروا ذلك عليه فأرسل إلي سمرة بن حندب فقال: أما علمت أن رسول اللَّه ﷺ أمر بها؟ قال: بلى. قال: فما منعك أن تعلم أهل البلدة. فلو لم يكن سمرة عند ابن عباس بالمحل الأعلى لما سأله واستشهد به. وقال عبد اللَّه بن صبيح، عن محمد بن سيرين قال: كان سمرة فيما علمت عظيم الأمانة، صدوق الحديث، يحب الإسلام وأهله. وأما حديث: "آخِرُكُمْ مَوْتًا فِي النَّارِ" فقد وقع مصداقه بأن سمرة ﵁ أصابه في آخر عمره كزاز فكان يعالج منه بأن يغلى له قدر مملوء ماءً حارًّا يقعد عليها يستدفئ ببخارها فسقط فيها وهي أشد ما تكون حرارة فمات؛ فلم يكن مراده ﷺ إلا نار الدنيا. وأما قتله الناس فإنما كان يقتل الخوارج المارقين الذين أكفروا الصحابة وقاتلوا الناس ولم يكن يقتل أحدًا منهم إذا ظفر به ﵁. وقد ذكر جماعة من أئمة الأصول في هذا الموضع قصة أبي بكرة ومن جلده عمر

стр. 270

-﵁ معه في قذف المغيرة بن شعبة، وأن ذلك لم يقدح في عدالتهم؛ لأنهم إنما أخرجوا ذلك مخرج الشهادة ولم يخرجوا مخرج القذف، وجلدهم عمر ﵁ باجتهاده؛ فلا يجوز رد أخبارهم بل هي كغيرها من أخبار بقية الصحابة ﵃. فَصْلٌ والذي نختم به الكتاب في هذا المعنى أمر مهم أولع به الحنفية في كتبهم ومناظراتهم يفضي إلى خلل عظيم في الإسلام وذلك يتعلق بأمرين: أحدهما: في حق أبي هريرة ﵁ على الخصوص وأن التهمة تطرقت إلى رواياته لكثرة ما روى، ولأنه أنكر عليه جماعة من الصحابة. والثاني: فيما يتعلق بأخبار من ليس من فقهاء الصحابة وإنما يقدم عليها القياس عند المعارضة ويكون التأويل (١) متطرقًا إليها بخلاف أخبار الفقهاء منهم، وجعلوا هذين الأمرين عمدة لهم في رد كثير من الأحاديث التي صحت على خلاف مذهبهم، واللَّه الموعد، كما ثبت هذا اللفظ عن أبي هريرة ﵁ لما قيل له: إنه يكثر الأحاديث عن رسول اللَّه ﷺ . وقد بالغ بعضهم حتى حكى أبو الحسين بن القطان من أصحابنا عن عيسى بن أبان أنه نقل عن علي بن أبي طالب ﵁، عن النبي ﷺ قال: "يخرج من أمتي ثلاثون دجالًا. . . " الحديث. وأن عليًّا قال: أنا أشهد أن أبا هريرة منهم، ونقله عن ابن أبان جماعة من غلاة الحنفية ولكن أبو بكر الرازي منهم أنكر هذا عن عيسى بن أبان وقال: هو كذب على عيسى ووضعه من لا يرجع إلى دين ولا مروءة ولا يتحاشى من الكذب في التثبت. والذي نقله الرازي عن ابن أبان أنه قال: يقبل من حديث أبي هريرة ما لم يرده القياس ولم يخالف نظائره من السنة المعروفة إلا أن يكون شيء من ذلك قبله الصحابة والتابعون؛ وذلك لكثرة ما أنكر الناس من حديثه وشكهم في أشياء من روايته.

стр. 271

قال إبراهيم النخعي: كانوا لا يأخذون من حديث أبي هريرة إلا ما كان في ذكر الجنة والنار، ولم يقبل ابن عباس روايته في الوضوء مما مسمت النار وقال: أنتوضأ بالحميم وقد أغلي على النار؟ فقال له أبو هريرة: يا ابن أخي إذا جاءك الحديث عن النبي ﷺ فلا تضرب له الأمثال (١). قال عيسى بن أبان: فلم يرد ابن عباس رواية أبي هريرة لمعارض لها عنده -يعني نسخ الوضوء مما مست النار- وإنما ردها بالقياس. وكانت عائشة ﵂ تمشي في الخف الواحد وتقول: لأخشن أبا هريرة، يعني في روايته المنع من ذلك. وأنكرت عليه أيضًا حديث: "وَلَدُ الزِّنَا شَرُّ الثَّلَاثَةِ" (٢)، وعارضته بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾. وقالت لابن أخيها: لا تعجب من هذا وكثرة حديثه إن رسول اللَّه ﷺ كان يحدث حديثًا لو عده العاد لأحصاه (٣). قال: وقد أنكر ابن عمرو وغيره من الصحابة عليه كثرة حديثه ولم يأخذوا بكثير من رواياته حتى يسألوا غيره. وقال أبو بكر الرازي بعد سياقه هذا الكلام. لم يظهر من الصحابة من التثبت في حديث غير أبي هريرة مثل ما ظهر منهم في حديثه؛ فدل ذلك على أنه متى غلط الراوي وظهر من السلف التثبت في روايته كان ذلك مسوغًا للاجتهاد في مقابلته بالقياس وشواهد الأصول، ثم ذكر أن عمر ﵁ قال لأبي هريرة لما بلغه أنه يروي عن رسول اللَّه ﷺ أشياء لا تعرف: لئن لم تكف عن هذا لألحقنك بجبال دوس. ثم ذكر الرازي حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "مَنْ يَبْسُطُ رِدَاءَهُ

стр. 272

حَتَّى أَقْضِيَ مَقَالَتِي، ثُمَّ يَقْبِضَهُ إِلَيْهِ، فَلَا يَنْسَى شَيْئًا سَمِعَهُ مِنِّي؟ ". قال أبو هريرة: فبسطت نمرة كانت علي حتى قضى رسول اللَّه ﷺ مقالته فما نسيت شيئًا سمعته منه (١). وأجاب عن ذلك بأن هذا لو كان كذلك لكانت هذه فضيلة اختص بها من بين الصحابة ولعرفوا له ذلك واشتهر بها حتى كانوا يرجعون إليه ويقدمون روايته على رواية غيره، ولم يقع ذلك، بل كانوا ينكرون كثرة روايته. وأيضًا كيف يكون ذلك وقد روى حديث: "لا عَدْوَى وَلا طِيَرَةَ" (٢) ثم نسيه، وروى حديث "لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ" (٣) وأنكر أن يكون حديثًا بالخبر الأول. قال: على أنه لو صح الحديث في بسطه النمرة لكان محمولًا على ما سمعه في ذلك المجلس خاصة دون غيره، ثم ذكر بعد ذلك توقي من توقى من الصحابة ﵃ في الرواية وتقليلهم منها. قال: وهذا يدل على أن كثيرًا من الصحابة ﵃ أشفقوا على حديث النبي ﷺ من أن يدخله خلل أو وهم، وإذا كان السهو والغلط جائزين على الرواة ثم ظهر من السلف إنكار لكثرة الرواية على بعضهم كان ذلك سببًا لاستعمال الرأي والاجتهاد فيما يرويه وعرضه على الأصول والنظائر. وهذا الفصل كما تراه ظاهر الضعف مقتض لرد كثير من السنة الثابتة لمجرد الظن الفاسد، وليس في شيء مما ذكروه ما يقتضي توقفًا في حديث أبي هريرة ﵁ ولا تطرق تهمة إليه، معاذ اللَّه من ذلك، أنى وقد شهد له النبي ﷺ بالحرص على الحديث لما قال له: من أسعد الناس بشفاعتك؟ فقال ﷺ : "لَقَدْ ظَنَنْتُ أَنْ لَا يَسْأَلُنِي عَنْ هَذَا أَحَدٌ قَبْلَكَ لَمَا رَأَيْتُ مِنَ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ، أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ".

стр. 273

أخرجه البخاري (١). وروى في كتاب "التاريخ" له من طريق محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم التيمي عن مالك بن أبي عامر قال: كنت عند طلحة بن عبيد اللَّه ﵁ فدخل عليه رجل فقال: يا أبا محمد واللَّه ما ندري أهذا اليماني يعني أبا هريرة -أعلم برسول منكم أو هو يقول على النبي ﷺ ما لم يقل؟ فقال: واللَّه ما نشك أنه قد سمع من رسول اللَّه ﷺ ما لم نسمع وعلم ما لم نعلم، إنا كنا أغنياء لنا بيوتات وأهلون وكنا نأتي رسول اللَّه ﷺ طرفي النهار ثم نرجع وكان مسكينا لا مال له ولا أهل، يده مع يد رسول اللَّه ﷺ فكان يدور معه حيثما دار فما نشك أنه قد علم ما لم نعلم وسمع ما لم نسمع، ولن نجد أحدًا فيه خير يقول على رسول اللَّه ﷺ ما لم يقل (٢). وروى حفص بن غياث، عن أشعث، عن مولى لطلحة قال: كان أبو هريرة جالسًا في مسجد الكوفة فمر رجل بطلحة ﵁ فقال: قد أكثر أبو هريرة. فقال طلحة: قد سمعنا كما سمع ولكنه حفظ ونسينا. وفي "تاريخ البخاري" أيضًا من طريق إسماعيل بن أمية، عن محمد بن قيس بن مخرمة، عن أبيه، أن رجلًا جاء إلى زيد بن ثابت ﵁ فسأله عن شيء فقال: عليك بأبي هريرة فإنا بتنا أنا وأبو هريرة وفلان في المسجد فخرج علينا رسول اللَّه ﷺ ونحن ندعوا اللَّه فجلس إلينا فسكتنا فقال: "عودوا للذي كنتم فيه". قال: فدعوت أنا وصاحبي قبل أبي هريرة فجعل رسول اللَّه ﷺ يؤمن على دعائنا ثم دعا أبو هريرة فقال: اللهم إني أسألك ما سألك صاحباي هذان وأسألك علما لا ينسى. فقال النبي ﷺ : "آمين"، فقلنا: يا رسول اللَّه ونحن نسألك علما لا ينسى، قال: "سبقكما بها الغلام الدوسي".

стр. 274

وروى هشيم، عن يعلى بن عطاء، عن الوليد بن عبد الرحمن، عن ابن عمر، أنه مر بأبي هريرة ﵁ وهو يحدث عن النبي ﷺ حديث من تبع جنازة فقال: أنشدك اللَّه يا أبا هريرة أسمعت رسول اللَّه ﷺ يقول هذا؟ قال: اللهم نعم، لم يكن يشغلني عن رسول اللَّه ﷺ غرس الودي ولا صفق بالأسواق لقد كنت أطلب من رسول اللَّه ﷺ كلمة يعلمنيها أو أكلة يطعمنيها. فقال ابن عمر: يا أبا هريرة قد كنت ألزمنا لرسول اللَّه ﷺ وأعلمنا بحديثه (١). وهذا إسناد صحيح، وأصل القصة في "صحيح مسلم" (٢)، وفيه أن ابن عمر قال حينئذ: لقد فرطنا في قراريط كثيرة. وقال ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن محمد بن عمارة بن عمرو بن حزم، أنه قعد في مجلس فيه أبو هريرة وفيه مشيخة من أصحاب رسول اللَّه ﷺ كثير بضعة عشر رجلًا فجعل أبو هريرة يحدثهم عن النبي ﷺ الحديث فلا يعرفه بعضهم ثم يتراجعون فيه فيعرفه بعضهم، ثم يحدثهم الحديث فلا يعرفه بعضهم ثم يعرفه، حتى فعل ذلك مرارا. قال: فعرفت يومئذ أن أبا هريرة أحفظ الناس عن رسول اللَّه ﷺ . رواه البخاري في "تاريخه" (٣) أيضًا. وقال شعبة، عن أشعث بن سليم، عن أبيه قال: قدمت المدينة فإذا أبو أيوب يحدث عن أبي هريرة، فقلت: تحدث عن رجل وقد كنت مع النبي ﷺ ؟ فقال: إنه قد سمع؛ ولأن أحدث عنه أحب إلي من أن أحدث عن النبي ﷺ . قلت: وممن روى عنه أيضًا من الصحابة: عبد اللَّه بن عباس، وعبد اللَّه بن عمر، وجابر بن عبد اللَّه، وأنس بن مالك، وواثلة بن الأسقع، وأبو أمامة سهل بن حنيف.

стр. 275

قال البخاري: روى عنه نحو ثمانمائة نفس من صاحب وتابع من أهل العلم. وهذا يقتضي إجماع الأمة كلها على قبول روايته وعدم التوقف فيها. قال أبو صالح: كان أبو هريرة ﵁ من أحفظ أصحاب النبي ﷺ ولم يكن بأفضلهم. وقال حماد بن زيد: ثنا عمرو بن عبيد الأنصاري قال: ثنا أبو الزعيزعة كاتب مروان بن الحكم، أن مروان بن الحكم دعا أبا هريرة فأقعدني خلف السرير فجعل يسأله وجعلت أكتب حتى إذا كان عند رأس الحول دعا به فأقعده وراء الحجاب فجعل يسأله عن ذلك الكتاب فما زاد ولا نقص ولا قدم ولا أخر (١). قلت: وهذا كله نتيجة بسط ردائه الذي أشار إليه أبو بكر الرازي وفي كلامه ما يقتضي تضعيفه وليس كما ذكر؛ لأنه ثابت في "الصحيحين"، وفي بعض طرقه الثابتة قال: حضرت من النبي ﷺ مجلسًا فقال: "مَنْ يَبْسُطْ رِدَاءَهُ حَتَّى أَقْضِيَ مَقَالَتِي ثُمَّ يَقْبِضْهُ إِلَيْهِ فَلَنْ يَنْسَى شَيْئًا سَمِعَهُ مِنِّي". فبسطت بردة علي حتى قضى حديثه ثم قبضتها إلي، فوالذي نفسي بيده ما نسيت شيئًا بعده سمعته منه. أخرجاه في "الصحيحين" (٢) من طريق ابن عيينة عن الزهري عن الأعرج عن أبي هريرة، ورواه البخاري أيضًا من طريق ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁ قال: قلت: يا رسول اللَّه إني أسمع منك حديثًا كثيرًا فأنساه. قال: "ابسط رداءك" فبسطته فغرف بيديه، ثم قال: "ضمه"، فضممته فما نسيت حديثًا قط (٣). فهاتان الروايتان مصرحة بأن عدم نسيانه لم يكن مختصًّا بما قاله النبي ﷺ في ذلك المجلس بل هو شامل لجميع ما سمعه منه في ذلك المجلس وغيره.

стр. 276

وقول الرازي: لو كان كذلك لاشتهر به بين سائر الصحابة ولم يتثبت في حديثه، يقال عليه أنه غير لازم؛ لأن القضية لم تكن بحضور جمع يسمع الحديث منهم ولم يعرف ذلك إلا من جهته، وقد شهدوا له بالحفظ كما تقدم عن جماعة منهم ولم يتثبت أحد منهم في حديثه، ولو وقع في بعض ذلك شيء من واحد منهم كان على وجه الاحتياط كما فى قصة أبي بكر ﵁ مع المغيرة فى ميراث الجدة. وقصة عمر ﵁ مع أبي موسى في الاستئذان ثلاثًا ولا يلزم من ذلك تطرق ريبة اليهما، وكذلك فعل ابن عمر في حديث أبي هريرة في اتباع الجنازة وقد سلم له أنه كان يلزم رسول اللَّه ﷺ ويغيبون في أشغالهم. وأما قول عمر ﵁: لألحقنك بجبال دوس، فلم يثبت عنه. وقد ولاه عمر ﵁ البحرين مع عدم مداهنته. وقال له عثمان ﵁: حفظ اللَّه عليك دينك كما حفظت علينا ديننا. وإنما عمر ﵁ كان يحب إقلال الرواية عن النبي ﵁ ويوصي بذلك كثيرًا من الصحابة أخذًا بالتوقي والاحتياط وحذرًا من زيادة أو نقصان يقعان من الراوي وهو لا يشعر، والروايات عنه بذلك ثابتة، فلم يكن ذلك مختصًّا بأبي هريرة دون غيره. وأما نقض الرازي ذلك بنسيانه حديث: "لا عدوى" فلا يلزم؛ لأنه لم يصرح بأنه نسيه، وربما كتمه في ذلك الوقت لمصلحة رآها في الحاضرين يومئذ، ولو سلم أنه نسيه فلا يلزم منه دوام نسيانه بل ربما تذكره بعد ذلك. وفي إجماع العلماء كافة على قبول قول أبي هريرة وتلقيه منه غنية ورد على ابن أبان ومن تبعه في رأيه، واللَّه ولي التوفيق. وأما الكلام في أفراد الصحابة الذين لم يشتهروا بالعلم وأن حديثهم لا يقبل منه إلا ما وافق القياس فهو كما تقدم في الضعف، وعلى خلاف ما كان عليه الصحابة ﵃. فقد ثبت عن ابن عباس أن عمر ﵁ سأل عن إملاص المرأة فقام حمل بن مالك بن النابغة فقال: كنت بين امرأتين فضربت إحداهما الأخرى بمسطح فقتلتها وجنينها فقضى رسول اللَّه ﷺ في جنينها بغرة. . . الحديث.

стр. 277

رواه أبو داود والنسائي، وصححه الحاكم (١). وأخرجوا أيضًا (٢) بسند صحيح أن عمر ﵁ كان يقول: الدية للعاقلة ولا ترث المرأة من دية زوجها شيئًا، حتى قال له الضحاك بن سفيان أن النبي ﷺ كتب إليه أن ورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها، فرجع عمر ﵁ إليه. وصححه ابن حبان أيضا. ولما أفتى ابن مسعود ﵁ باجتهاده أن المفوضة إذا مات عنها زوجها قبل الدخول لها مهر المثل والميراث، وقام معقل بن سنان الأشجعي ﵁ فأخبره أن النبي ﷺ بمثل ذلك في بروع بنت واشق؛ فرح به ابن مسعود كثيرًا ولولا قبول روايته لم يفرض به. وكل هذه الأمور على خلاف القياس، والصحابة الرواة لها لم يشتهروا بالقصة بل ولا بطول الصحبة فليس لما قالوه وجه مع قبول الصحابة ﵃ ذلك. وأيضًا إذا كان الصحابي عدلًا مأمونًا فلا فرق فيما رواه بين ما يوافق القياس وما يخالفه، وإن كانت التهمة تتطرق إليه فيما يخالف القياس فهي متطرقة إلى ما يوافقه أيضًا ويكون حكمه حكم سائر الرواة من غير الصحابة ممن يتهم بسوء الحفظ وقلة الأتقان، معاذ اللَّه من ذلك. ولا ريب في أن فتح هذا الباب في الصحابة يشوش الشريعة، ويدخل الشك في السنن، ويطرق أهل البدع كالرافضة وغيرهم إلى القدح في الدين والتشكيك فيه والتلبيس على ضعفاء المؤمنين، وكل مقالة أدت إلى هذه المفاسد فهي فاسدة، لاسيما والإجماع العملي منعقد قبل قائلها وهي غنية عن الإطالة في ردها، واللَّه ولي التوفيق.

стр. 278

رَفْعُ الْإِشْكَالِ عَنْ حَدِيثِ صِيَامِ سِتَّةِ أَيَّامٍ مِنْ شَوَّال

стр. 279

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد للَّه رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الأمين المبعوث رحمةً للعالمين، صلى اللَّه عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. وبعد: فهذه رسالة للحافظ العلائي ﵀ في الكلام عن حديث صيام الست من شوال، والذي دفعه للكلام عليه وتصنيف هذه الرسالة ما وقف عليه من تضعيف أبي الخطاب بن دحية ﵀ لهذا الحديث، قال العلائي في مقدمة رسالته: فقد وقفت على كلام ذكره الحافظ أبو الخطاب عمر بن دحية ﵀ في كتابه المسمى بـ "العلم المشهور في فضائل الأيام والشهور" يتضمن الطعن في حديث: "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَأَتبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّال" بتضعيف طرقه كلها وأنه لا يصح منها شيء إلى رسول اللَّه ﷺ فاستعنت باللَّه تعالى وذكرت في هذه الأوراق ما قدر لي ذكره من الكلام على طرق هذا الحديث والجواب عن كلام أبي الخطاب بن دحية رحمه اللَّه تعالى واللَّه تعالى الموفق للصواب. وقد حوت هذه الرسالة فوائد كثيرة منها: رده على كلام ابن دحية وبيان وهمه في ذلك، وأيضًا فقد جمع الحافظ العلائي طرق الحديث وتكلم عليها، كما أنه تكلم عن الرجال جرحًا وتعديلًا وذكر كلام أهل الشأن في ذلك، إلى غير ذلك من الفوائد التي حوتها هذه الرسالة، واللَّه الموفق للصواب.

стр. 280

وصف النسخة الخطية اعتمدت في تحقيق هذه الرسالة على نسخة خطية لم أظفر بغيرها: وهي النسخة الخطية المحفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم (١٣٥) مجاميع، وهي نسخة جيدة بها بعض التحريف والتصحيف لم أعلق على ما بعضه. - اسم الناسخ: غير معروف. - نوع النسخ: نسخ معتاد. - عدد الأوراق: ١٣ ورقة. توثيق الكتاب: وُجِدَ على طرة النسخة الخطية نسبة هذه الرسالة للإمام العلائي. نسبها له صاحب "هدية العارفين" (١/ ١٨٥).

стр. 281

طرة النسخة الخطية

стр. 282

الورقة الأولى من النسخة الخطية

стр. 283

الورقة الأخيرة من النسخة الخطية

стр. 284

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وما توفيقي إلا باللَّه عليه توكلت الحمد للَّه رب العالمين وصلى اللَّه على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: فقد وقفت على كلام ذكره الحافظ أبو الخطاب عمر بن دحية ﵀ في كتابه المسمى بـ "العلم المشهور في فضائل الأيام والشهور" يتضمن الطعن في حديث: "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَأَتْبَعَهُ سِتًّا من شَوَّالٍ" بتضعيف طرقه كلها وأنه لا يصح منها شيء إلى رسول اللَّه ﷺ فاستعنت باللَّه تعالى وذكرت في هذه الأوراق ما قدر لي ذكره من الكلام على طرق هذا الحديث والجواب عن كلام أبي الخطاب بن دحية رحمه اللَّه تعالى واللَّه تعالى الموفق للصواب. وقد روي هذا الحديث من رواية أبي أيوب الأنصاري خالد بن زيد، وثوبان مولى رسول اللَّه ﷺ ، وشداد بن أوس، وأبي هريرة، وجابر بن عبد اللَّه ﵃ عن النبي ﷺ . أما حديث أبي أيوب فرواه سعد بن سعيد بن قيس الأنصاري، عن عمر بن ثابت الخزرجي، عن أبي أيوب ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ". وهذا الحديث هو أصح ما في الباب، أخرجه مسلم في "صحيحه" (١) من حديث إسماعيل بن جعفر وعبد اللَّه بن المبارك الإمام وعبد اللَّه بن نمير، ثلاثتهم عن سعد بن سعيد به. وأخرجه الأئمة الأربعة أصحاب السنن من حديث عبد العزيز بن محمد الدراوردي، وأبي معاوية الضرير، وورقاء بن عمر اليشكري، ومحمد بن

стр. 285

عمرو بن علقمة، كلهم عن سعد بن سعيد به (١). وكذلك رواه عبد الملك بن جريج (٢)، وسفيان الثوري (٣) , وعمرو بن الحارث (٤)، ومحاضر بن المورع (٥)، وداود بن قيس الفراء (٦)، وروح بن القاسم (٧)، وقرة بن عبد الرحمن (٨)، وعمر بن علي المقدمي (٩)، كلهم عن سعد بن سعيد. فهؤلاء خمسة عشرة نفسًا من الثقات رووه عن سعد بن سعيد. قال أبو الخطاب بن دحية ﵀: هذا حديث لا يصح عن رسول اللَّه ﷺ ؛ لأنه يدور على سعد بن سعيد وهو ضعيف جدًّا تركه مالك وأنكر عليه هذا الحديث وأخذ عن أخويه الإمامين يحيى بن سعيد القاضي وعبد ربه بن سعيد. . . ثم ذكر ما نقل عن مالك في "الموطأ" من ترك العمل بالحديث (١٠). وقال الترمذي: تكلموا فيه من قبل حفظه (١١).
следующие страницы →