← Джавами‘

Джавами‘ · id 16928

مجموع رسائل الحافظ العلائي جـ 1

صلاح الدين العلائي

Полный текст (342 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

مَسْجِدَ الْكَعْبَةِ". قال الشيخ محيي الدين ﵀: اختلف العلماء في المراد بهذا الاستثناء على حسب اختلافهم في مكة والمدينة أيهما أفضل؛ فذهب الشافعي ﵀ وجماهير العلماء إلى أن مكة أفضل من المدينة وأن مسجد مكة أفضل من مسجد المدينة، وعكسه مالك وطائفة، فعند الشافعي والجمهور معناه: إلا المسجد الحرام فإن الصلاة فيه أفضل من الصلاة في مسجدي، وعند مالك وموافقيه: إلا المسجد الحرام فإن الصلاة تفضله بدون الألف (١). وقال أبو العباس القرطبي في تقرير قول مالك: لا شك أن المسجد الحرام مستثنى من قوله "مِنَ المَسَاجِدِ" وهي بالاتفاق مفضولة والمستثنى من المفضول مفضول إذا سكت عليه فالمسجد الحرام مفضول لكن لا يقال أنه مفضول بألف لأنه قد استثناه منها فلابد أن يكون له مزية على غيره من المساجد لكن ما هي ولم يعينها الشرع فلابد أن يكون له مزية على غيره فيتوقف فيها. وقال الإمام الحافظ أبو عمر بن عبد البر: قال عبد اللَّه بن نافع الزبيري صاحب مالك: معنى هذا الحديث أن الصلاة في مسجد النبي ﷺ أفضل من الصلاة في سائر المساجد بألف صلاة إلا المسجد الحرام؛ فإن الصلاة في مسجد النبي ﷺ أفضل من الصلاة [فيه] (٢) بدون الألف. ثم قال: وهذا التأويل على بعده ومخالفة أهل العلم له لا حظ له في اللسان العربي، وقد قال عامة أهل الأثر: الصلاة في المسجد الحرام أفضل من الصلاة في مسجد النبي ﷺ بمائة صلاة، ومن الصلاة في سائر المساجد بمائة ألف صلاة. ثم روى ابن عبد البر هذا القول عن سفيان بن عيينة وقتادة وعن ابن الزبير من الصحابة ﵃ ابن وهب وأصبغ بن الفرج أنهما كانا يذهبان إلى تفضيل الصلاة في المسجد الحرام على الصلاة في مسجد النبي ﷺ .

стр. 212

قال: فهؤلاء أصحاب مالك قد اختلفوا، وقد روينا عن عمر بن الخطاب وعلي ابن أبي طالب وعبد اللَّه بن مسعود وأبي الدرداء وجابر بن عبد اللَّه ﵃ أنهم كانوا يفضلون مكة ومسجدها وإذا لم يكن بدٌّ من التقليد فهم أولى أن يقلدوا من غيرهم الذين جاءوا من بعدهم هذا كله قول ابن عبد البر ﵀ في كتاب "الاستذكار" (١). وقال فيه أيضًا قبل ذلك: وأحسن حديث روي في ذلك ما رواه حماد بن زيد وغيره عن حبيب المعلم عن عطاء بن أبي رباح عن عبد اللَّه بن الزبير ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : في صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَسَاجِدِ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنَ الْصَّلَاةِ في مَسجِدِي هَذَا بِمِائَةِ صَلَاةٍ". ثم قال: قال ابن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين يقول: حبيب المعلم ثقة ما أصح حديثه. وسئل أبو زرعة الرازي عن حبيب المعلم فقال: بصري ثقة. قال أبو عمر: وسائر الإسناد لا يحتاج إلى القول فيه، وقد روي أيضًا من حديث ابن عمر، وحديث جابر ﵁ عن النبي ﷺ مثل حديث ابن الزبير ﵁ (٢). قُلْتُ: حديث ابن الزبير هذا صححه أيضًا الحاكم في "المستدرك" (٣)، وأخرجه ابن حبان في "صحيحه" (٤). ثم قال ابن عبد البر (٥) وذكر البزار قال: حدثنا إبراهيم بن حميد قال: حدثنا محمد ابن يزيد بن شداد، ثنا سعيد بن سالم القداح، ثنا سعيد بن بشير، عن إسماعيل بن عبيد اللَّه، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "فَضْلُ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عَلَى غَيْرِهِ مِائَة أَلْفِ صَلَاةٍ، وَفِي مَسْجِدِي أَلْف صَلَاةٍ، وَفِي

стр. 213

[مَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ] (١) خَمْسِمِائَة صَلاةٍ". قال أبو بكر البزار: هذا حديث حسن. قُلْتُ: هذا الحديث من أجود ما روي في مضاعفة الصلوات بالمسجد الأقصى: فإسماعيل بن عبيد اللَّه اتفقا على الاحتجاج به ويعرف بابن أبي المهاجر (٢). وسعيد بن بشير وإن كان بعضهم تكلم فيه: قال فيه شعبة: كان صدوق اللسان. وقال ابن عيينة: كان حافظا. ووثقه ابن دحيم وقال: كان مشايخنا يوثقونه (٣). وقال ابن أبي حاتم: رأيت أبي ينكر على من أدخله في كتاب الضعفاء، وقال: محله الصدق (٤). وقال فيه ابن عدي: الغالب على كلامه الاستقامة (٥). وسعيد بن سالم القداح قال فيه ابن معين: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: محله الصدق (٦). وقال فيه أبو داود (٧): صدوق. وشيخ البزار فيه وشيخ شيخه لم يتكلم فيهما. وقد رواه محمد بن إسحاق الصغاني أيضًا عن محمد بن يزيد بن شداد الآدمي،

стр. 214

أخرجه من طريقه القاسم بن عساكر في كتابه "المستقصى"، وقد حسنه البزار كما تقدم، فالحديث جيد، وهو في "مسند" الإمام أحمد بن حنبل من هذا الوجه أيضًا (١)، وأخرجه ابن ماجه في "سننه" (٢) بلفظ آخر من حديث أنس بن مالك بإسناد ضعيف، وكذلك أيضًا روي من طرق أخر ضعيفة، وفي هذا الإسناد كفاية وباللَّه التوفيق. قال القرطبي: اختلفوا في قوله ﷺ : "صَلَاةً فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيْمَا سِوَاهُ" هل المراد بالصلاة هنا الفرض أو هو عام في الفرض والنفل؟ وإلى الأول ذهب الطحاوي، وإلى الثاني ذهب مطرف من أصحابنا. وقال الشيخ محيي الدين ﵀ في "شرح مسلم" اعلم أن مذهبنا لا يختص هذا التفضيل بالصلاة في هذين المسجدين بالفريضة، بل يعم الفرض والنقل جميعًا، وبه قال مطرف من أصحاب مالك، وقال الطحاوي: يختص بالفرض وهذا مخالف لإطلاق هذه الأحاديث الصحيحة، واللَّه أعلم (٣). وقال أيضًا في كتابه هذا في باب استحباب صلاة النافلة في بيته: قوله ﷺ : "خَيْرُ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ" (٤) هذا عام في جميع النوافل المترتبة مع الفرائض والمطلقة إلا في النوافل التي هي من شعائر الإسلام وهي العيد والكسوف والاستسقاء، وكذا التراويح على الأصح فإنها مشروعة في جماعة المسجد، والاستسقاء في الصحراء وكذا العيد إذا ضاق المسجد واللَّه أعلم (٥). وقال أيضًا في صدر هذا الباب: وكذا ما لا يتأتى في غير المسجد كتحية المسجد ويندب كونه في المسجد وهو ركعتا الطواف (٦). فظاهر هذا أنه لا فرق بين المساجد الثلاثة وبين غيرها في ترجيح فعل النوافل في

стр. 215

البيت فيها؛ لأنه استثنى ركعتي الطواف وهما يفعلان ندبًا في المسجد الحرام خلف المقام؛ فبينه وبين كلامه الأول الذي اختار فيه تعميم المضاعفة في الفرض والنفل ما لا يخفى من التنافي اللهم إلا أن يقال: إن النافلة في أحد المساجد الثلاثة تكون أفضل من ألف مثلها في غير مسجد المدينة مثلًا ويكون فعل هذه النافلة في البيت الذي في تلك البلدة أفضل من فعلها في ذلك المسجد، وهذا فيه نظر أيضًا؛ لأن هذه المضاعفة المخصوصة بهذه المساجد الثلاثة لو لم يختص كل مسجد بما جعله الشارع ﷺ له من المضاعفة لم يبق لذلك المسجد مزية على غيره، فإذا كانت النافلة في البيت تحصل المضاعفة فيها أكثر من ذلك المسجد زالت تلك الخصوصية، وأيضًا يلزم من ذلك استواء المساجد الثلاثة مع ما ليس بمسجد أفضل وفيه ما فيه. وقال الشيخ محيي الدين أيضًا في "شرح المهذب" (١): قال أصحابنا: إن كانت الصلاة مما يتنفل بعدها فالسنة أن يرجع إلى بيته لفعل النافلة؛ لأن فعلها في البيت أفضل لقوله ﷺ : "صَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ فَإِنَّ أَفْضَلَ الصَّلَاةِ صَلَاةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ" رواه البخاري (٢) ومسلم (٣) وذكر أحاديث أخر وكلامًا، ثم قال: قال أصحابنا: فإن صلى النافلة في المسجد جاز وإن كان خلاف الأفضل؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: صليت مع النبي ﷺ سجدتين قبل الظهر، وسجدتين بعدها، وسجدتين بعد المغرب، وسجدتين بعد العشاء، وسجدتين بعد الجمعة، فأما المغرب والعشاء ففي بيته. رواه البخاري (٤) ومسلم (٥). قال: فظاهره أن الباقي صلاها في المسجد لبيان الجواز في بعض الأوقات وواظب على الأفضل في معظم الأوقات وهو صلاة النافلة في البيت.

стр. 216

وفي "الصحيحين" (١) أن النبي ﷺ صلى ليالي في رمضان في المسجد غير المكتوبات. انتهى كلام الشيخ محيي الدين (٢) ﵀ وهو ظاهر في ترجيح فعل النافلة في البيت على فعلها في المسجد وإن كان أحد المساجد الثلاثة. وقال أيضًا في باب صلاة التطوع من "شرح المهذب": قال أصحابنا وغيرهم من العلماء فعل ما لا تسن له الجماعة من التطوع في بيته أفضل منه في المسجد وغيره سواء في ذلك تطوع الليل والنهار سواء الرواتب مع الفرائض وغيرها، وعجب من المصنف ﵀ يعني في "المهذب" (٣) في تخصيصه بتطوع النهار، وكان ينبغي أن يقول: ويفعل التطوع في البيت أفضل كما قاله في "التنبيه" وكما قاله الأصحاب وسائر العلماء، فظاهر هذا الكلام التعميم بالنسبة إلى المساجد من غير استثناء المساجد الثلاثة من غيرها. وقال فيه أيضًا في باب استقبال القبلة: قال أصحابنا: النفل في الكعبة أفضل من خارجها وكذا الفرض إن لم ترج جماعة أو أمكن الجماعة الحاضرين الصلاة فيها، فإن لم يمكن فخارجها، ثم احتج لذلك بنص الشافعي ﵁ فإنه قال في "الأم" (٤): قضاء الفريضة الفائتة في الكعبة أحب إلي من قضائها خارجها. قال (٥): وكلما قرب منها كان أحب إلي مما بعد، وكذا المنذورة في الكعبة أفضل من خارجها. قال الشافعي: ولا موضع أفضل ولا أطهر للصلاة من الكعبة. وهذا الكلام من الشيخ محيي الدين ﵀ يقتضي ترجيح النفل في الكعبة على غيره وربما فيه منافاة للقولين اللذين تقدم نقلهما آنفًا، اللهم إلا أن يقال: إن مراده

стр. 217

أن صلاة النفل داخل الكعبة أفضل منه خارجها وإن كان فعلها في البيت أفضل. وأما احتجاجه لذلك بما ذكر من نص الشافعي ﵁ ففيه نظر؛ لأن كلام الإمام الشافعي إنما هو في الفائتة والمنذورة، ولا يلزم من أفضليتهما في الكعبة أفضلية النفل لدلالة الأحاديث الآتي ذكرها على أن فعل النافلة في البيت أفضل، وقد أشار الشافعي ﵁ إلى ذلك كما سيأتي إن شاء اللَّه تعالى على أن ترجيح الصلاة داخل الكعبة على خارجها نظرًا لوجود الخلاف في صحة ذلك، وليس هذا موضع بسط الكلام في ذلك. وقال الشيخ محيي الدين أيضًا في "شرح المهذب" في باب صفة الحج: اختلف العلماء في التطوع في المسجد الحرام بالصلاة والطواف أيهما أفضل: فقال صاحب "الحاوي": الطواف أفضل وظاهر إطلاق المصنف في قوله في باب صلاة التطوع: "أفضل عبادات البدن الصلاة" أن الصلاة أفضل. وقال ابن عباس وعطاء وسعيد بن جبير ومجاهد: الصلاة لأهل مكة أفضل والطواف للغرباء أفضل (١). وهذا الخلاف يقتضي أن يكون التطوع في المسجد الحرام أفضل منه في البيت؛ إذ لا يصح التفاضل بين الطواف الذي لا يصح فعله إلا في المسجد وبين الصلاة التي هي مفضولة بالنسبة إلي فعلها في البيوت واللَّه سبحانه أعلم. فتحصل من هذا كله اضطراب النقل في النوافل هل فعلها في المساجد الثلاثة أفضل أو في البيوت؟ والذي تقتضيه الأحاديث عند المحققين أن فعلها في البيوت أفضل إلا ما شرع له الجماعة كالعيد والكسوف والاستسقاء وكذا التراويح على الأصح، وكذا ركعتي الطواف اتباعًا لفعله ﷺ لهما خلف المقام، وكذلك تحية المسجد لاختصاصها بالمسجد، وما عدا ذلك ففعله في البيت أفضل لدخوله تحت قوله ﷺ : "أَفْضَلُ صَلَاةُ الْمَرءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الْمَكتُوبَةَ" (٢) وعدم ما يدل على إخراجه من هذا العموم وهذا الذي

стр. 218

اختاره الإمام أبو عمر بن عبد البر ونقله عن جماعة من الصحابة، وحكاه أيضًا عن نص الشافعي كما سيأتي إن شاء اللَّه تعالى. فأما الأحاديث الدالة على ذلك ففي "الصحيحين" (١) عن زيد بن ثابت ﵁ قال: احتجر النبي ﷺ حجيرة مخصفة أو حصيرًا في المسجد -وفي رواية: رمضان- فخرج رسول اللَّه ﷺ يصلي فيها قال: فتتبع إليه رجال وجاءوا يصلون بصلاته قال: ثم جاءوا ليلة فحضروا وأبطأ رسول اللَّه ﷺ عنهم فلم يخرج إليهم فرفعوا أصواتهم وحصبوا الباب، فخرج إليهم رسول اللَّه ﷺ مغضبًا فقال لهم: "مَا زَالَ بِكُمْ صَنِيعُكُمْ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُكْتَبُ عَلَيْكُمْ، فَعَلَيْكُمْ بِالصَّلَاةِ فِي بُيُوتِكُمْ، فَإِنَّ خَيْرَ صَلَاةِ الْمَرْءِ في بَيْتِهِ إِلَّا الصَّلَاةَ الْمَكتُوبَةَ". وهذا لفظ مسلم. ورواه الدارقطني في "مسنده" بإسناد الصحيح ولفظه: "فَإنَّ خَيْرَ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الْجَمَاعَةَ" (٢)، وأخرجه [الترمذي] (٣) مختصرًا بلفظ: "أَفْضَلُ صَلَاتِكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ" (٤). ثم قال: وفي الباب عن عمر بن الخطاب، وجابر بن عبد اللَّه، وأبي سعيد، وأبي هريرة، وعائشة، وعبد اللَّه بن سعد، وزيد بن خالد الجهني (٥). قُلْتُ: حديث أبي سعيد أخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" من حديث جابر عن أبي سعيد ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إِذَا قَضَى أَحَدُكُمْ صَلاتَهُ فِي الْمَسْجِدِ فَلْيَجْعَل لِبَيْتِهِ نَصِيبًا مِنْ صَلاتِهِ، فَإنَّ اللَّهَ جَاعِلٌ فِي بَيْتِهِ مِنْ صَلاتِهِ خَيْرًا" (٦) ثم رواه عن جابر عن النبي ﷺ من غير ذكر أبي سعيد.

стр. 219

وحديث عبد اللَّه بن سعد رواه الترمذي والنسائي في "سننهما" (١) وابن خزيمة في "صحيحه" (٢) عن عبد اللَّه بن سعد قال: سألت رسول اللَّه ﷺ عن الصلاة في بيتي والصلاة في المسجد، فقال ﷺ : "قَدْ تَرَى مَا أَقْرَبَ بَيْتِي مِنَ الْمَسْجِدِ وَلأَنْ أُصَلِّيَ فِي بَيْتِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُصَلِّيَ فِي الْمَسْجِدِ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ" وهذا لفظ ابن خزيمة في "صحيحه". وروى فيه أيضًا (٣) عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة، عن أبيه، عن جده ﵁ قال: صلى النبي ﷺ صلاة المغرب في مسجد بني عبد الأشهل، فلما صلى قام ناس يتنفلون، فقال النبي ﷺ : "عَلَيْكُمْ بِهَذِهِ الصَّلاةِ فِي الْبُيُوتِ" ورواه النسائي أيضا (٤). وعن محمود بن لبيد ﵁ قال: أتى رسول اللَّه ﷺ بني عبد الأشهل فصلى بهم المغرب، فلما سلم قال لهم: "ارْكَعُوا هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ فِي بُيُوتِكُمْ". قال عاصم بن عمر بن قتادة: فلقد رأيت محمود بن لبيد وهو إمام قومه يصلي بهم المغرب ثم يخرج فيجلس بفناء المسجد حتى يقوم قبيل العتمة فيدخل البيت فيصليهما. أخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" (٥) أيضا. فهذه الأحاديث كلها دالة دلالة قوية ظاهرة على ترجيح فعل النافلة في البيوت على فعلها وإن كان أحد المساجد الثلاثة كما دل عليه حديث عبد اللَّه بن سعد المقدم ذكره؛ لأن النبي ﷺ رجح الصلاة في بيته على الصلاة في مسجده الذي هو أحدها فهو صريح في المقصود ومثله ورواية أبي داود لحديث ابن ثابت الآتي ذكره إن شاء اللَّه تعالى، وهذا أولى بالترجيح من طريق الجمع بينهما؛ لأنه قد يقال: إن

стр. 220

قوله ﷺ "صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه" وكذلك بقية الأحاديث التي تشبهه عام في جميع الصلوات كما تقدم من اختيار الشيخ محيي الدين ﵀ في شموله الفرض والنفل فلم يدخله تخصيص شيء، وقوله ﷺ "أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة" وإن كان عامًا فقد اختص بأشياء منها ما شرعت فيها الجماعة وكذلك تحية المسجد وركعتي الطواف وغير ذلك، وإذا تعارض عامين وأحدهما قد خص والآخر باق على عمومه قدم الباقي على عمومه على الذي دخله التخصيص. وجواب هذا: أولًا: يمنع العموم في قوله ﷺ : "صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه" وأمثاله من الأحاديث فإنها نكرة في سياق الإثبات ولا عموم لها على الراجح بل هو مطلق في كل الصلوات، والمطلق لا عموم له إلا على جهة البدل، فأما عموم الشمول فلا. وثانيهما: أنه على تقدير تسليم العموم فيه فليس هذا من باب العامين المتعارضين، بل الأحاديث الدالة على ترجيح فعل النافلة في البيوت أخص بالنسبة إلى الصلوات وإن كان قد خرج منها بعض النافلة فهي خاصة من حيث اعتبار النفل والفرض وتناولها للنفل فقط وإن كانت عامة في جميع صلوات النفل وقد خرج بعضها بدليل فلا ينافي ذلك كونها خاصة بالنسبة إلى جميع أنواع الصلوات، فصلاة النفل نوع بالنسبة إلى مطلق الصلاة جنس بالنسبة إلى أفرادها من الرواتب وغيرها وما شرع فيه الجماعة [. . .] (١) ثم هي متناولة لمحل النزاع وهو الصلاة في مسجد النبي ﷺ الذي هو أحد المساجد الثلاثة بطريق التنصيص، وذلك في حديث عبد اللَّه ابن سعد الذي تقدم ذكره والتنبيه عليه، وفيما أخرجه أبو داود في "سننه" (٢) قال: حدثنا أحمد بن صالح، ثنا عبد اللَّه بن وهب، أخبرني سليمان بن بلال، عن إبراهيم

стр. 221

ابن أبي النضر [عن أبيه] (١)، عن بسر بن سعيد، عن زيد بن ثابت ﵁ أن النبي ﷺ قال: "صَلَاةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهِ فِي مَسْجِدِي هَذَا إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ". وهذا الإسناد على شرط البخاري سوى إبراهيم بن أبي النضر فقد احتج بهم كلهم سواه، وإبراهيم هذا وثقه محمد بن سعد وأبو حاتم بن حبان ولم يضعفه أحد (٢)، وقد ثبته الإمام أبو عمر بن عبد البر واحتج به فقال في كتاب "الاستذكار": اختلفوا في الأفضل في القيام مع الناس أو الانفراد في شهر رمضان: فقال مالك والشافعي: المنفرد في بيته في رمضان أفضل. وقال مالك: وكان ربيعة وغير واحد من علمائنا ينصرفون ولا يقومون مع الناس. قال مالك: وأنا أفعل ذلك وما قام رسول اللَّه إلا في بيته. قال: واحتج الشافعي بحديث زيد بن ثابت ﵁ أن النبي ﷺ قال في قيام رمضان: "أيها الناس صلوا في بيوتكم فإن أفضل صلاة المرء في بيته الا المكتوبة" قال الشافعي: ولا سيما مع رسول اللَّه ﷺ وفي مسجده وما في ذلك من الفضل (٣). فلت: فهذا نص من الشافعي ﵁ على ترجيح النافلة في البيوت على فعلها في مسجد النبي ﷺ لدلالة القصة والأحاديث عليه. ثم قال ابن عبد البر: وروينا عن ابن عمر ﵁ وسالم والقاسم وإبراهيم ونافع أنهم كانوا ينصرفون ولا يقومون مع الناس، وجاء عن عمر وعلي ﵁ أنهما كانا يأمران من يقوم للناس في المسجد ولم يجئ عنهما أنهما كانا يقومان معهم (٤). ثم ذكر عن الليث بن سعد وأحمد بن حنبل والمزني والمتأخرين من أصحاب أبي حنيفة والشافعي أنهم اختاروا قيام شهر رمضان في المسجد وما احتجوا به، ثم

стр. 222

قال: وقد احتج أهل الظاهر في ذلك بقول رسول اللَّه ﷺ : "صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة" (١)، ويروى "بسبع وعشرين درجة" (٢) ولم يخص فرضًا من نافلة. قال: وهذا عند أكثر أهل العلم في الفريضة والحجة لهم قوله ﷺ في حديث زيد ابن ثابت ﵁: صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا إلا المكتوبة" (٣). قال: وهذا الحديث وإن كان موقوفًا في "الموطأ" على زيد بن ثابت فإنه قد رفعه جماعة ثقات (٤). فإذا كانت النافلة في البيت أفضل منها في مسجد النبي ﷺ والصلاة فيه بألف صلاة فأي فضل أبين من هذا؟ ولهذا كان مالك والشافعي رحمهما اللَّه ومن سلك سبيلهما يرون الانفراد في البيت أفضل في كل نافلة، فإذا قامت الصلاة في المسجد في رمضان ولو بأقل عدد فالصلاة حينئذ في البيت أفضل. انتهى كلام ابن عبد البر (٥). وقال أيضًا في موضع آخر من هذا الكتاب: وفيه أيضًا -يعني حديث زيد بن ثابت المذكور- دليل على أن الانفراد بكل ما يعمله المؤمن من أعمال البر ويسره ويخفيه أفضل، ولذلك قال بعض الحكماء: إخفاء العلم هلكة، وإخفاء العمل نجاة، قال اللَّه : ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ وإذا كانت النافلة في البيوت أفضل منها في مسجد رسول اللَّه ﷺ فما ظنك بها في غير ذلك الموضع إلى ما في صلاة المرء في بيته من اقتداء أهله به من بنين وعيال،

стр. 223

والصلاة في البيت نور (١). وقال القاضي الماوردي في كتابه "الحاوي": قال الشافعي ﵁: وأما قيام شهر رمضان فصلاة المنفرد أحب إليه منه، وفيه تأويلان لأصحابنا: أحدهما: أنه أراد بذلك أن قيام شهر رمضان وإن كان في جماعة ففي النوافل التي تفعل فرادى ما هو أوكد منه، وذلك الوتر وركعتا الفجر، وهذا قول أبي العباس بن سريج. والتأويل الثاني: أن صلاة المنفرد في قيام شهر رمضان أفضل إذا لم يكن في انفراده تعطيل الجماعة، وهو قول أكثر أهل العلم؛ وإنما كان ذلك لرواية زيد بن ثابت ﵁ أن النبي ﷺ قال: "صلوا في بيوتكم فإن صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في المسجد إلا المكتوبة" فأما إن تعطلت الجماعة بانفراده فصلاته في الجماعة أفضل لما في تعطيلها من إطفاء نور المساجد وترك السنة المأثورة، وهذا منه اختيار للوجه الثالث المقابل بالتفضيل في صلاة التراويح وهو أنه إن كانت الجماعة تتعطل بغيبته أو كان إذا خلا في بيته يغلبه النوم أو الكسل فلا يصلي؛ ففعلها في الجماعة أفضل وإلا فالانفراد بها أفضل، وما اختاره من تأويل نص الشافعي فهو أظهر من التأويل الذي قبله، ومن الأصحاب من قال بترجيح الانفراد بها مطلقًا، ومنهم من اختار فعلها في الجماعة مطلقًا، وهو الذي رجحه الشيخ محيي الدين كما سبق، وليس ذلك لترجيح فعل النافلة في المساجد على فعلها في البيوت بل لمشروعية الجماعة في قيام رمضان، وما شرعت فيه الجماعة فإظهاره وفعله خارج البيوت أفضل، وأما ما لم يشرع فيه الجماعة ولم يكن له اختصاص بالمسجد كتحية المسجد ولا ورد الشرع بعمله فيه كركعتي الطواف ففعله في البيوت أفضل وإن كان في أحد المساجد الثلاثة كما سبق تقريره، واللَّه سبحانه أعلم. آخره والحمد للَّه رب العالمين وصلواته على محمد وسلامه

стр. 224

تَحْقِيقُ مَنِيفِ الرُّتْبَةِ لِمَنْ ثَبَتَ لَهُ شَرِيفُ الصُّحْبَةِ

стр. 225

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إن الحمد للَّه نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، إنه من يهده اللَّه فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢]. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١]. أما بعد: الحمد للَّه حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا على نعمة الإسلام فهي نعمة عظيمة لا تعدلها نعمة، وصلوات اللَّه وتسليمه على نبينا محمد صلى اللَّه عليه وعلى آله الطيبين وصحبه أجمعين، الذين حملوا الدين وتلقوه منه ﷺ وجاهدوا من أجل نشره ﵃ أجمعين. وهذه رسالة للحافظ العلائي ﵀ تكلم فيها عن أصحاب النبي ﷺ ، قال ﵀: وهذا الكتاب يشتمل على تحقيق من يتصف بهذه الرتبة التي هي الصحبة الشريفة، وبماذا تثبت من الطرق حتى يحكم للواحد منهم بالرتبة المنيفة، ثم إثبات العدالة لجميعهم ﵃، وأنه لا يشذ عن هذه المرتبة أحد منهم، وذكر المذاهب الشاذة في ذلك، وبيان ما يعتمد من قويم المسالك. وقسم كتابه هذا إلى ثلاث مسائل: الْمَسْأَلَةُ الأُولَى: فِيمَا يَثْبُتُ بِهِ اسْمُ الصُّحْبَةِ حَتَّى يَنْطَلِقَ عَلَى مَنْ قَامَ بِهِ اسْمُ الصَّحَابِيّ.

стр. 226

المسألة الثانية: فيما ثبت به الطرق المتقدمة (أي التي قدمها المؤلف). المسألة الثالثة: في تقرير عدالة الصحابة ﵃ فجاءت رسالة نافعة غزيرة الفوائد، أسأل اللَّه أن ينفع بها المسلمين، آمين.

стр. 227

وصف النسخة الخطية اعتمدت في تحقيق هذه الرسالة على نسختين خطيتين لم أظفر بغير ذلك من النسخ الخطية: النسخة الأولى: وهي النسخة الخطية المحفوظة بدار الكتب تحت رقم ١٠٧ مصطلح حديث تيمور، وتقع في عشرين ورقة. وهي نسخة متقنة ومحررة إلا أنها ناقصة. النسخة الثانية: وهي النسخة الخطية المحفوظة بمكتبة الإسكندرية عن الاسكوريال تحت رقم ١٦١٢ ضمن مجموع، وهي نسخة خطية جيدة متقنة كاملة. توثيق الكتاب: - عزاه له صاحب "عون المعبود شرح سنن أبي داود" (١٣/ ٢٣٨) فقال: قال الحافظ صلاح الدين العلائي في كتابه (تحقيق منيف الرتبة لمن ثبت له شريف الصحبة": وائل بن حجر ومعاوية بن الحكم السلمي وخلق كثير ممن أسلم سنة تسع وبعدها وقدم على رسول اللَّه ﷺ فأقام عنده أياما ثم رجع إلى قومه وروى عنه أحاديث انتهى. وهو هنا بتمامه ضمن القول الخامس من المسألة الأولى. -كما نسبه له أيضًا الكتاني في "فهرس الفهارس" (٢/ ٧٩٠) إلا أنه جاء فيه "تحقيق منصب"، وهو خطأ مطبعي، واللَّه أعلم. -كما وجد على طرة النسختين الخطيتين نسبة الكتاب للحافظ العلائي ﵀.

стр. 228

طرة النسخة الخطية

стр. 229

الورقة الأولى

стр. 230

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ أَمَّا بَعْدُ: حمدًا للَّه الذي وسع كل شيء رحمة وعلمًا، وفضل من اجتباه بما أتاه من جميل الرغائب وجزيل النعمى (ويسر للخير من هداه إليه فكان للسابقين المزية العظمى) (١) والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث (برحمة) (٢) ورحمى، المنعوت بأشرف الصفات حكمة وحكما، الذي فتح به قلوبًا غلفًا وعيونًا عميًا وآذانًا صمًّا، وعلى آله وصحبه الحائزين به نعمًا جمًّا، الفائزين لما خصوا به من صحبته بالمحل الأسمى. فإن اللَّه اختص نبيه ﷺ بصحابة جعلهم خير أمته، والسابقين إلى تصديقه وتبعيته، والمجاهدين بين يديه، والباذلين نفوسهم تقربًا إليه، (والناقلين لسننه وقضاياه، والمقتدين به في أفعاله ومزاياه) (٣)، فلا خير إلا وقد سبقوا إليه من بعدهم، ولا فضل إلا وقد استفرغوا فيه جهدهم، فجميع هذا الدين راجع إلى نقلهم وتعليمهم، ومتلقى من جهتهم بإبلاغهم وتفهيمهم، فلهم مثل أجور كل من اهتدى بشيء من ذلك على مر الأزمان، وذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء بالطول والإحسان. وهذا الكتاب يشتمل على تحقيق من يتصف بهذه الرتبة التي هي الصحبة الشريفة، وبماذا تثبت من الطرق حتى يحكم للواحد منهم بالرتبة المنيفة، ثم إثبات العدالة لجميعهم ﵃، وأنه لا يشذ (ص ٣) عن هذه المرتبة أحد منهم، وذكر المذاهب الشاذة (في ذلك) (٤)، وبيان ما يعتمد من قويم المسالك، وباللَّه تعالى

стр. 231

التوفيق وإياه نسأل الهداية إلى أقصد الطريق، إنه بالإجابة جدير وهو على ما يشاء قدير. وَالكَلَامُ فِيمَا قَصَدنَا لَهُ يَنحَصِرُ في ثَلَاثِ مَسَائِل: الْمَسْأَلَةُ الأُولَى: فِيمَا يَثْبُتُ بِهِ اسْمُ الصُّحْبَةِ حَتَّى يَنْطَلِقَ عَلَى مَنْ قَامَ بِهِ اسْمُ الصَّحَابِيّ . وَفِي ذَلِكَ مَذَاهِبٌ مُتبايِنةٌ: الأَوَّلُ- وهو الذي عليه جمهور أهل الحديث: أن كل مسلم رآه النبي ﷺ ولو لحظة وعقل منه شيئًا فهو صحابي سواءً كان ذلك قليلًا أو كثيرًا. وهذا ما حكاه القاضي عياض وغيره عن أحمد بن حنبل ﵀، ورواه عبدوس ابن مالك قال: سمعت أبا عبد اللَّه يعني أحمد بن حنبل ﵀ يقول: كل من صحبه سنة أو شهرًا أو ساعة أو رآه فهو من أصحابه (١). وقال البخاري في "صحيحه": من صحب النبي ﷺ أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه (٢). وأخرج أبو داود في "سننه" حديث طارق بن شهاب أن النبي ﷺ قال: "الْجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ. . . " الحديث، ثم قال أبو داود عقيبه: طارق بن شهاب قد رأى النبي ﷺ ولم يسمع منه شيئا (٣). فدل إخراجه الحديث في "سننه" على أنه مسند، ولولا أن طارقًا يعد من الصحابة لمجرد الرؤية وإلا كان تابعيًا فيكون الحديث مرسلًا. قال الشيخ أبو عمرو ابن الصلاح ﵀: المعروف في طريقة أهل الحديث أن

стр. 232

كل مسلم رأى رسول اللَّه ﷺ فهو من الصحابة. قال: وبلغنا عن أبي المظفر بن السمعاني المروزي أنه قال: أصحاب الحديث يطلقون اسم الصحابة على كل من روى عنه حديثًا أو كلمة، ويتوسعون حتى يعدون من رآه رؤية من الصحابة؛ وهذا لشرف منزلة النبي ﷺ أعطوا كل من رآه حكم الصحبة (١). والقول الثاني- وهو أضيق من القول الأول قليلًا: أنه لا يكتفى بمجرد الرؤية لكن لابد مما ينطلق عليه اسم الصحبة ولو ساعة لطيفة، حكاه بعض أئمة الحديث المتأخرين عن الواقدي أنه قال: ورأيت أهل العلم يقولون: كل من رأى رسول اللَّه ﷺ وقد أدرك الحلم فأسلم وعقل أمر الدين ورضيه فهو عندنا ممن صحب النبي ﷺ ولو ساعة من النهار، وهكذا قال الآمدي في "الإحكام" ناقلًا له عن أكثر أصحابنا أن الصحابي من رأى النبي ﷺ وصحبه ولو ساعة وإن لم يختص به اختصاص المصحوب ولا روى عنه ولا طالت مدة صحبته (٢). وعبارة الشيخ صفي الدين الأرموي في "نهاية الوصول" نحو هذا وهي أعم من قول الواقدي المتقدم آنفًا من جهة أن ذاك اشترط فيه البلوغ ولم يقيد الآمدي والأرموي كلامهما بذلك بل يدخل فيه أيضًا الصبي المميز كمحمود بن الربيع الذي عقل عن النبي ﷺ مجة مجها في وجهه وهو ابن خمس سنين (٣)، وعده البخاري وغيره من الصحابة لذلك فيمكن لذلك أن يجعل الكلامان قولين متباينين. فأما ابن الحاجب فإنه اختار في مختصريه القول الذي نقلناه أولًا عن أحمد بن حنبل والجمهور من الاكتفاء بمجرد الرؤية. والقول الثالث: إن الصحابي إنما ينطلق على من رأى النبي ﷺ واختص به اختصاص المصحوب وطالت مدة صحبته وإن لم يرو عنه، حكاه هكذا الآمدي

стр. 233

والأرموي عن جماعة ولم يسموهم (١)، ونقله ابن الصلاح عن أبي المظفر بن السمعاني أنه ذكر أن اسم الصحابي من حيث اللغة والظاهر إنما يقع على من طالت صحبته للنبي ﷺ وكثرت مجالسته له على طريق التتبع له والأخذ عنه. قال: وهذا طريق الأصوليين (٢). والقول الرابع: إن هذا الاسم إنما يسمى به من طالت صحبته للنبي ﷺ وأخذ عنه العلم، حكاه الآمدي هكذا عن عمر بن يحيى (٣). وعبر غيره عن هذا القول بأن يجمع بين الصحبة الطويلة والرواية عنه ﷺ ، وهذا أقرب لأنه من المعلوم أن من طالت صحبته للنبي ﷺ فلابد وأن يتحمل عنه شيئًا ما ولو من أفعاله التي شاهدها، لكن يرد على هذا القائل (هذا القول) (٤) أنه لا يعرف خلاف بين العلماء في أن من طالت صحبته ولم يحدث عنه ﷺ بشيء أنه معدود من الصحابة، لكن وقوع مثل ذلك نادر جدًّا؛ إذ لا يلزم من عدم وصول رواية عن ذلك الصاحب إلينا أن لا يكون روى شيئًا عن النبي ﷺ مما سمعه أو شاهده. والقول الخامس- وهو أضيق المذاهب: ما حكاه ابن الصلاح وغيره عن سعيد ابن المسيب أنه قال: لا يعد الصحابي إلا من أقام مع النبي ﷺ سنة أو سنتين وغزا معه غزوة أو غزوتين. قال الشيخ أبو عمرو ابن الصلاح: وكان المراد بهذا إن صح عنه راجع إلى المحكي عن الأصوليين، ولكن في عبارته ضيق يوجب أن لا يعد في الصحابة جرير ابن عبد اللَّه ﵁ ومن شاركه في فقد ظاهر ما اشترطه فيهم ممن لا نعرف خلافًا في عده من الصحابة (٥).

стр. 234

قلت: مثل وائل بن حجر، ومعاوية بن الحكم السلمي، وخلق كثير ممن أسلم سنة تسع وبعدها وقدم عليه ﷺ فأقام عند ثم أياما ثم رجع إلى قومه وروى عنه أحاديث، اللهم إلا أن يئول كلام سعيد بن المسيب على من يعطى كمال الصحبة المقتضي للعدالة على ما اختاره الإمام المازري كما سيأتي إن شاء اللَّه من قوله أن العدالة المطلقة إنما تحكم لأمثال هؤلاء وهو قول مرجوح أيضًا كما سنبينه إن شاء اللَّه تعالى. والقول السادس وهو أوسع المذاهب: ما حكاه القاضي عياض قال: ذهب أبو عمر ابن عبد البر في آخرين إلى أن اسم الصحبة (وفضلها) (١) حاصلة لكل من رآه وأسلم في حياته أو ولد وإن لم يره وإذا كان ذلك قبل وفاته بساعة ولكن كان معهم في زمن واحد وجمعه وإياه عصر مخصوص. قلت: إن كان هذا أخذه القاضي عياض من تصريح ابن عبد البر وغيره بذلك ففيه من الإشكال ما سيأتي، وإن كان مأخوذًا من إدخالهم أمثال هؤلاء في (كتب) (٢) الصحابة التي صنفوها، فقد صرح ابن عبد البر بأنه إنما أدخل مثل الأحنف بن قيس والصنابحي وأولاد الصحابة الذين ولدوا في حياته ﷺ ولا يثبت لأحد منهم رؤية لموته ﷺ وهم صغار جدَّا؛ (ليكمل) (٣) بذكرهم القرن الذي أشار إليه النبي ﷺ بأنه خير القرون يعني لا لأنهم من الصحابة؛ فقد حكم على روايتهم عن النبي ﷺ بالإرسال في غير موضع من كتبه فعرف مقصده بذكرهم في كتاب الصحابة. هذا حاصل المذاهب التي وقفت عليها في هذه المسألة، ويتعلق بها مباحثات: الأولى: أن الصحبة لها اعتباران: أحدهما: من حيث الوضع. والآخر: من حيث العرف.

стр. 235

فهي من حيث الوضع اللغوي تنطلق على القليل والكثير سواء كان في مجالسة أو مماشاة ولو ساعة يسيرة. وقد روى سعيد بن منصور عن إبراهيم النخعي عن علقمة أنه خرج مع عبد اللَّه ابن مسعود رديفًا له فصحبه دهقان في الطريق من القنطرة فانشعبت له طريق فأخذ فيها، قال: فقال عبد اللَّه: أين أخذ الرجل؟ فقلت: انشعبت له طريق، فلما رآه قال: السلام عليكم. فقلت: يا أبا عبد الرحمن أليس يكره أن يبدأ بالسلام؟ قال: بلى، ولكن هذا حق الصحبة (١). فأطلق ابن مسعود ﵁ اسم الصحبة على السير معه شيئًا يسيرًا. وأما من حيث العرف فإنه لا ينطلق إلا على الصحبة الطويلة أو الكثيرة، صرح بذلك ابن سيده والراغب (٢) وغيرهما، لكن لا حد لتلك الكثرة كما أنه لم يحد الاعتبار اللغوي من حيث القلة إلا بما ينطلق عليه الاسم. وقد استدل ابن الحاجب لقول الجمهور الذي اعتبره أن اسم الصحابي يقع على من له مجرد الرؤية فأكثر من ذلك بأن اسم الصحبة يعم القليل والكثير بدليل أنه يصح تقسيمها إلى ذلك ويقبل التقييد بكل منهما فيكون للقدر المشترك بينهما؛ لأن مورد التقسيم يجب أن يكون مشتركًا، ولذلك لو حلف حالف أنه لا يصحب فلانًا حنث بصحبته لحظة، واستدل غيره أيضًا بصحة الاستفهام فإن القائل إذا قال: صحبت فلانًا؛ حسن أن يقال: صحبته يومًا أو شهرًا أو ساعة يسيرة ونحو ذلك، فلولا أنه موضوع للكل لما حسن الاستفهام منه. واعترض عليه بشيئين: أحدهما: أنه -أعني ابن الحاجب- صدر المسألة بما اختاره من قول الجمهور

стр. 236

بأن اسم الصحبة يقع على من له مجرد الرؤية كما تقدم، وهذا الدليل لا يطابق المدعى؛ لأن من رأى شخصًا من بعيد ولم يكلمه ولا صحبه لحظة لا يقال له أنه صحبه لا من حيث الوضع ولا من حيث العرف قطعًا، فلا يستقيم الدليل إلا لمن قال بالقول الثاني أنه لا يكتفى بمجرد اللقاء بل لابد مما ينطلق عليه اسم الصحبة من ملابسة ما إما بكلام أو مماشاة ونحو ذلك دون من رآه من بعيد وقتًا ما كأبي الطفل وأمثاله. الثاني: إن هذا التقسيم والاستفهام إنما يجيئان في مطلق اسم الصحبة التي هي المصدر وكذلك الفعل، فأما اسم الفاعل الذي هو الصاحب فلا ينطلق إلا على الملازم الذي كثرت منه الصحبة كما يقال: المزني والربيع صاحبا الشافعي، وأبو يوسف ومحمد صاحبا أبي حنيفة، ونحو ذلك، صرح بذلك الراغب وغيره (١). فلا يلزم من كون الصحبة للقدر المشترك بين القليل والكثير أن يكون الصاحب كذلك، ولا يحسن الاستفهام عند إطلاق لفظ الصاحب كما يحسن عند إطلاق الفعل أو المصدر، وكذلك الحنث في اليمين أيضًا؛ فإنه إذا حلف أن لا يكون صاحبًا لفلان لم يحنث بصحبته ساعة لطيفة، وهذا هو المأخذ الذي اعتبره المازري في تحصيص الحكم بالعدالة لمن اشتهر من الصحابة دون من قلت صحبته أو كان له مجرد الرؤية، فلا يبقى في إدراج من كان له مجرد الرؤية في عداد الصحابة إلا لشرف المنزلة أعطي من رآه حكم الصحبة. وقد روى شعبة، عن موسى السبلاني وأثنى عليه خيرًا، قال: أتيت أنس بن مالك ﵁ فقلت: هل بقي من أصحاب رسول اللَّه ﷺ أحد غيرك؟ قال: بقي ناس من الأعراب قد رأوه، فأما من صحبه فلا. قال ابن الصلاح: إسناده جيد، حدث به مسلم بحضرة أبي زرعة (٢). قلت: وهو يقتضي التفرقة بين الرائي ومن يطلق عليه اسم الصاحب.

стр. 237

والحاصل أن تسمية الجميع باسم الصحابي له اعتبارات: إحداها: من يصدق عليه الاستعمال العرفي قطعًا، وهؤلاء هم جمهور الصحابة من المهاجرين والأنصار الذين كانوا معه ﷺ ومن هاجر إليه من القبائل وغزا معه، ولا ريب في أمثال هؤلاء. والثاني: من يقرب من هؤلاء كالذين هاجروا إليه وأقاموا عنده أيامًا قلائل ورجعوا إلى أماكنهم كوفد عبد القيس ووفد ثقيف وأمثالهم وكمثل وائل بن حجر ومعاوية بن الحكم السلمي وجرير بن عبد اللَّه البجلي ومن لم يصحبه إلا مدة يسيرة الأيام والليالي ولكن حفظ عنه وتعلم منه وروى عنه عدة أحاديث، فهؤلاء أيضًا وأمثالهم ينطلق عليهم اسم (الصحبة) (١) حقيقة عرفية وإن كانت مدة صحبتهم ليست طويلة لتحقق الاسم فيهم وصدق الاتصاف بالصحبة لهم. والثالث: من لقيه ﷺ بمجالسة يسيرة أو مبايعة أو مماشاة، وكان مسلمًا إما بالغًا أو مميزًا، وعقل من النبي ﷺ شيئًا ما بأن أجلسه في حجره أو مج في وجهه ماء أو غير ذلك؛ فلا ريب في أن الإطلاق العرفي منتف عن مثل هؤلاء؛ وأما الإطلاق اللغوي فهو قريب وقد ينازع فيه لأنه يصح نفي الصحبة عن أمثال هؤلاء فيقال: ما صحبه ولكن بايعه أو كلمه يسيرًا أو جلس في حجره صغيرًا ونحو ذلك، وصحة النفي من علامات المجاز فلا يكون إطلاق اسم الصحبة عليهم بطريق الحقيقة لكن الاتفاق واقع من أئمة الحديث في كل عصر على تسمية هؤلاء من جملة الصحابة وإخراج ما حكوه من تلك الوقائع في مسانيد الصحابة والاحتجاج بما فيها من الأحكام إذا صح السند إليهم من غير توقف في ذلك، فاسم الصحبة في أمثال هؤلاء قريب من الحقيقة اللغوية قربًا قويًّا وإن كان الاستعمال العرفي معدومًا في حقهم ومن هؤلاء طارق بن عبد اللَّه المحاربي حيث أخبر أنه رأى النبي ﷺ بالمدينة فقال: "هل معكم من شيءٍ تبيعونه؟ " قلنا: نعم، هذا البعير.

стр. 238

قال: "بكم؟ " قلنا: بكذا وكذا وسقًا من تمر. قال: فأخذ بخطامه وسار إلى المدينة، فقلنا: بعنا من رجل لا ندري من هو ومعنا ظعينة فقالت: أنا ضامنة لكم ثمن البعير؛ رأيت وجه رجل مثل القمر ليلة البدر لا يخيس (١) بكم، فأصبحنا فجاء رجل فقال: أنا رسول رسول اللَّه ﷺ إليكم يأمركم أن تأكلوا من هذا التمر حتى تشبعوا وتكتالوا حتى تستوفوا. قال: ففعلنا (٢). رواه عنه جامع بن شداد وربعي بن حراش، وعداد طارق هذا في أهل الكوفة. والرابع: من لم يجتمع به ﷺ أصلًا وإنما رآه من بعيد وحكى شيئًا من أفعاله، أو لم يحك شيئًا مثل أبي الطفيل عامر بن واثلة وغيره ممن ليس له إلا مجرد الرؤية إما في حجة الوداع أو غزوة الفتح أو غزوة حنين وغير ذلك، أو كان مع أبيه فأراه النبي ﷺ من بعد؛ فلا ريب في أن الإطلاق اللغوي منتف عن هؤلاء قطعًا فضلًا عن الاستعمال العرفي؛ وإنما أعطي هؤلاء حكم الصحبة لشرف ما حصل لهم من الرؤية له ﷺ ولدخولهم في القرن الذي أثبت رسول اللَّه ﷺ أنهم خير القرون من أمته فكان ذلك على وجه التوسع المجازي لا بالحقيقة، واللَّه أعلم. الثانية: أما ما بعد هذه المراتب من إلحاق من عاصر النبي ﷺ ولم يره أصلًا بالصحابة إذا كان قد أسلم في زمنه كالأحنف بن قيس وأبي عبد اللَّه الصنابحي وأشباههما فلا ريب في أنه بعيد جدًّا؛ لأن الصحبة منتفية عن هؤلاء قطعًا بالاعتبار اللغوي والمعنى الاصطلاحي ولا رؤية حصل لهم بها شرف المنزلة فلا وجه لعدهم في جملة الصحابة إلا على ما تقدم ذكره من استيفاء ذكر أهل القرن الأول الذي عاصره النبي ﷺ ، وكذلك من ولد في حياته ﷺ من أبناء الصحابة، ومات النبي ﷺ

стр. 239

وهو ابن سنة ونحو ذلك، فلا يطلق على أحد من هؤلاء اسم الصحبة لا بطريق الحقيقة ولا بطريق المجاز، لكن هؤلاء المعاصرون على قسمين: أحدهما: من لم يكن بينه وبين النبي ﷺ مكاتبة أصلًا ولا قرأ كتابه كأبي رجاء العطاردي واسمه عمران بن ملحان، وأمثاله ممن لا عداد له إلا في التابعين. الثاني: من كتب إليه النبي ﷺ أو راسله كالنجاشي واسمه أصحمة بن بحر، أو قرأ كتاب النبي ﷺ كعبد اللَّه بن عكيم الجهني، فهؤلاء أقرب من القسم الأول بناء على أن المكاتبة أحد أنواع التحمل التي تصح بها الرواية فهم مرتفعون عن أن يعدوا في قسم التابعين، ولابد لما بينهم وبين النبي ﷺ من الاتصال فيكون ذلك علامة مجوزة لإطلاق اسم الصحبة عليهم بطريق المجاز، وأما الحقيقة فمنتفية قطعًا. ومقابل هذا في التوسع -أعني عد هذين القسمين من جملة الصحابة- قول من ضيق الأمر جدًّا ولم يجعل الصحابي إلا من صحب النبي ﷺ سنة أو سنتين وغزا معه غزوة أو غزوتين، وهو المحكي عن سعيد بن المسيب إن ثبت عنه. والإجماع منعقد في كل عصر على عدم اعتبار هذا الشرط في اسم الصحاب، كيف والمسلمون في سنة تسع وما بعدها من الصحابة آلاف كثيرة، وكذلك من أسلم زمن الفتح من قريش وغيرها ولم يصحب النبي ﷺ إلا زمنًا يسيرًا، واتفق العلماء على أفهم من جملة الصحابة. وأما اشتراط الجمع بين الصحبة والرواية فضعيف؛ لأن الرواية لم تتصل إلا عن عدد يسير من الصحابة بالنسبة لجميعهم ﵃. فقد جاء عن أبي زرعة الرازي أنه سئل عن عدد من روى عن النبي ﷺ فقال: شهد مع النبي ﷺ حجة الوداع أربعون ألفًا، وشهد معه تبوك سبعون ألفًا. وعن أبي زرعة أيضًا أنه قال: قبض رسول اللَّه ﷺ عن مائة ألف وأربعة عشر ألفًا من الصحابة ممن روى عنه وسمع منه -وفي رواية: ممن رآه وسمع منه. فقيل له: يا أبا زرعة هؤلاء أين كانوا وأين سمعوا منه؟ فقال: أهل المدينة وأهل مكة ومن بينهما من الأعراب ومن شهد معه حجة

стр. 240

الوداع كل رآه وسمع منه فعرفه (١). قلت: وكذلك من شهد معه فتح مكة وغزوة حنين فإنهم كانوا يوم حنين اثني عشر ألفًا، ومن وفد عليه من القبائل، ومع هذا كله فأكبر الكتب المصنفة في مسانيد الصحابة وأكثرها حديثًا مسند الإمام أبي عبد اللَّه أحمد بن حنبل ﵀، وجميع ما فيه لمن سمي من الصحابة من الرجال والنساء نحو سبعمائة وثلاثين نفسًا، ومن المبهمين الذين لم يسموا من الصنفين نيف وثلاثمائة، فيسقط من هؤلاء من جملة الصحابة مع المعرفة بهم وعدهم في أهل بدر وأحد والحديبية ونحوها. وقد تقدم أنه لا يلزم من عدم اتصال رواية عن أحد منهم أن لا يكون روى شيئًا بالكلية، واللَّه أعلم. الثالث: ذكر الآمدي وابن الحاجب وغيرهما من أئمة الأصول أن الخلاف في هذه المسألة يرجع إلى نزاع لفظي في مسمى الصحابي على ما ينطلق. وهذا فيه نظر من جهة أن مراد المصنفين غالبًا بالنزاع اللفظي: ما لا يترتب عليه حكم شرعي، ولا ريب في أن هذا الخلاف يترتب عليه أحكام شرعية: منها: العدالة الآتي تقريرها للصحابة ﵃ فإن من لا يعد الرائي من جملة الصحابة يتطلب تعديله بالتنصيص على ذلك كما في سائر الرواة من التابعين فمن بعدهم، ومن ثبتت له خصيصة الصحبة بمجرد اللقاء أو بالصحبة اليسيرة لا يحتاج إلى ذلك بل يكتفي بشرف الصحبة تعديلًا. ومنها: الحكم على ما رواه عن النبي ﷺ بكونه مرسل صحابي أم لا، فإن الجمهور على قبول مراسيل الصحابة ولم يخالف فيها إلا الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني. فإذا ثبت لمن له مجرد الرؤية كونه صحابيًا التحق مرسله بمثل ما روي عن ابن عباس والنعمان بن بشير وأمثالهما عن النبي ﷺ -في القبول على رأي الجمهور، وإن لم نعطه اسم الصحبة كان حديثه عن النبي ﷺ كمرسل سائر التابعين يجيء فيه

стр. 241

الخلاف المشهور. ومنها أن من كان منهم مجتهدًا أو نقلت عنه فتيا وحكمة هل يلتحق ذلك بكونه قول صحاب حتى يكون حجة على رأي كثير من أهل العلم أو لا يكون كذلك يعني أيضا على إعطائه رتبة الصحبة أم لا. فتبين أن الخلاف في هذه المسألة ينبني عليه أحكام مهمة عظيمة الجدوى فكيف يكون لفظيًّا؟ وما صرح به بعضهم أن الخلاف اللفظي قد يترتب عليه حكم شرعي فهو بعيد عن المعروف من اصطلاحهم، واللَّه أعلم. الرابعة: تقدم في عبارة الإمام البخاري وغيره تقييد من رآه ﷺ أو كلمه أو ماشاه بكونه مسلمًا في تلك الحالة حتى يثبت له اسم الصحبة، وكذلك قال الآمدي وغيره. وهذا هو الحق وإن كانت المسألة قل من صرح بها؛ فإن الصحبة رتبة شريفة اختص بها من صحب النبي ﷺ أو كلمه أو مشى معه أو رآه على القول بذلك؛ وإنما تثبت هذه الخصيصة ويصح الاتصاف بها بشرطها وهو الإيمان به ﷺ حتى يصح انتسابه إليه، فمن ليس كذلك لا يصح انتسابه إلى صحبته؛ ولهذا منع اللَّه تعالى نسبة المنافقين إلى صحبته ﷺ وأن يروى عن أحد منهم شيء أصلًا، ولا يوجد لأحد منهم ذكر في شيء من كتب الصحابة. وكذلك أيضًا لم يذكر أحد أيضا عبد اللَّه بن صياد في الصحابة وقد كلمه النبي ﷺ ووقف معه في قصته المشهورة وأسلم بعد وفاة النبي ﷺ وحج ولم يعتدوا بذلك اللقاء والكلام في حال كفره، واللَّه أعلم بما آل إليه أمره بعد إسلامه، وقد ذكر هذه المسألة بعض المتأخرين من فضلاء المغاربة وقال: لعلها لم تقع، أي: أن يلقى النبي ﷺ رجل على كفره ويكلمه ثم يسلم بعد وفاته. وغفل عن ابن صياد هذا. ومما يستغرب ذكره هنا شيئان: أحدهما: ما رواه أبو داود في "سننه" من حديث عبد اللَّه بن شقيق، عن أبيه، عن عبد اللَّه بن أبي الحمساء قال: بايعت النبي ﷺ ببيع قبل أن يبعث وبقيت له بقية فوعدته أن آتيه بها في مكانه ونسيت، ثم ذكرت بعد ثلاث فجئت فإذا هو في مكانه

стр. 242

فقال: "يَا فَتًى لَقَدْ شَقَقْتَ عَلَيَّ، أَنَا هَاهُنَا مُنْذُ ثَلَاثٍ أَنْتَظِرُكَ" (١). فهذه القصة كانت قبل النبوة ولم يكن أسلم عبد اللَّه بن أبي الحمساء يومئذ قطعًا، ثم إنه لم يذكر له بعد ذلك صحبة مع النبي ﷺ ولا يعرف له إلا هذا الحديث الواحد، ولكن الظاهر أن له صحبة وإسلامًا مع النبي ﷺ ، فقد ذكره جماعة ممن سكن البصرة من الصحابة، وعده بعضهم في المكيين. فلو فرض في مثل هذا أنه أسلم في زمن النبي ﷺ ولم يلقه بعد إسلامه، هل يكتفى بذلك اللقاء الأول مع إسلامه في زمنه ويعد صحابيًا بذلك؟ هذا مما فيه نظر واحتمال منقدح بخلاف من لم يسلم إلا بعد وفاته ﷺ . ومن هذا النوع أيضًا سعيد بن حيوة الباهلي، رأى النبي ﷺ في الجاهلية وهو صغير في حياة جده عبد المطلب وهو يتطلبه لما أبطأ عنه في قصة رويتاها من طريق داود بن أبي هند، عن العباس بن عبد الرحمن، عن كندير بن سعيد، عن أبيه. قال ابن عبد البر: لا يعرف سعيد إلا بهذا الحديث (٢). قلت: ولم يذكر أحد له لقاء بالنبي ﷺ بعد المبعث، واللَّه أعلم. الثاني: أن الصحابي إذا لقي النبي ﷺ صحبه ثم ارتد بعد وفاته ثم رجع إلى الإسلام هل تحبط ردته ما ثبت له من شريف الصحبة حتى أنه لا يعد فيهم أو لا لأنه رجع إلى الإسلام بعد ذلك؟ وهذا مما فيه نظر، ولا يبعد على أصل الحنفية القائلين بأن هذا إسلام جديد يجب عليه فيه الحج وإن كان قد حج أولًا فقد حبط ذلك الحج أن يقال بأن صحبته للنبي ﷺ بطل حكمها وبقي كمن لم يسلم إلا بعد وفاته. وأما على أصول أصحابنا فلا يجيء ذلك؛ لأن الحبوط مشروط بالوفاة على الردة فلما رجع هذا إلى الإسلام بقي حكم الصحبة في حقه مستمرًّا؛ ولهذا ذكروا الأشعث ابن قيس من جملة الصحابة وعدوا أحاديثه من المسندات، وكان ممن ارتد بعد

стр. 243

النبي ﷺ ثم رجع إلى الاصملام بين يدي أبي بكر ﵁ وزوجه أخته، واللَّه أعلم. الخامسة: إذا قيل بأن من له مجرد الرؤية من الصحابة فهل يلتحق بذلك من لم ير النبي ﷺ إلا بعد وفاته وقبل دفنه ﷺ وقد كان مسلمًا في حال حياته؟ لم أر أحدًا تعرض لهذه الصورة، وهي محتملة وليست مجرد فرض، بل قد وقعت لأبى ذؤيب الهذلي الشاعر، وقيل اسمه خويلد بن خالد في قصته المشهورة لما أخبر بمرض النبي ﷺ فسافر نحوه فقبض ﷺ قبل وصوله إلى المدينة بيسير وحضر سقيفة بني ساعدة وبيعة أبي بكر ﵁ ثم حضر الصلاة على النبي ﷺ ورآه مسجى، وشهد دفنه، ولم تتقدم له رؤية قبل ذلك لكنه كان مسلمًا في حياة النبي ﷺ . ولا يبعد أن يعطى هذا حكم الصحبة لشرف ما حصل له من رؤيته ﷺ قبل دفنه وصلاته عليه، وهو أقرب من عد المعاصر الذي لم يره أصلًا فيهم، أو الصغير الذي ولد في حياته، واللَّه أعلم. المسألة الثانية: فيما تثبت به الطرق المتقدمة قال الشيخ أبو عمرو ابن الصلاح: ثم إن كون الواحد منهم صحابيًّا يعرف تارة بالتواتر، وتارة بالاستفاضة القاصرة عن التواتر، وتارة بأن يروى عن آحاد الصحابة أنه صحابي، وتارة بقوله وإخباره عن نفسه بعد ثبوت عدالته أنه صحابي (١). وقال الآمدي في "الإحكام": لو قال من عاصر النبي ﷺ أنا صحابي مع إسلامه وعدالته فالظاهر صدقه، ويحتمل أن لا يصدق في ذلك لكونه متهمًا بدعوى رتبة يثبتها لنفسه كما لو قال: أنا عدل أو شهد لنفسه بحق (٢). قلت: وقد بنى بعض المصنفين هذا على أن مجرد الرؤية أو الصحبة اليسيرة هل يثبت فيها مسمى الصحابي أم لا؟ فإن قلنا: يكون بذلك صحابيًّا؛ فذلك مما يتعذر فيه إثباته بالنقل دائمًا؛ إذ ربما لا يحضره حالة اجتماعه بالنبي ﷺ أحد أو حال رؤيته إياه أو حضر ذلك واحد أو

стр. 244

اثنان ولم ينقل ذلك فلو لم يثبت ذلك بقوله لتعذر إثباته، بخلاف ما إذا ادعى طول الصحبة وكثرة التردد في السفر والحضر؛ فإن مثل ذلك يشاهده أقوام كثيرون فينقل ويشتهر فلا يثبت بقوله، ونظير هذا النوع: المودع والوكيل إذا ادعيا الهلاك بسبب ظاهر؛ فإنه لا يقبل قولهما إلا ببينة لإمكان ذلك بخلاف ما إذا ادعيا مطلق الهلاك أو أسنداه إلى سبب خفي؛ فإنه يقبل قولهما فيه من غير بينة. ثم إن قول من تقدم أنه يقبل قوله: "أنا صحابي" بعد ثبوت عدالته يشمل صورتين: إحداهما: أن يكون ثابت العدالة قبل دعواه أنه صحابي. والثاني: أن يقول ذلك ولم يعلم حاله ثم تظهر عدالته بالاختبار بعد ذلك، وهذا ظاهر في القسمين. ووراء هذا قسم آخر: وهو أن يذكر لقاءه النبي ﷺ واجتماعه به، أو يروي شيئًا يذكر أنه سمعه منه أو شاهده يفعله ولا يعرف ذلك إلا من جهته ولا يعلم حاله قبل ولا بعد، غير أنه لم يظهر فيه ما يقتضي جرحًا. وقد ذكر الإمام أبو الحسين بن القطان في أثناء كلام له أن الناس اختلفوا في تصحيح أحاديث هذا الصنف، فقبلها قوم وردها بعض أهل الظاهر، وفي كلامه ما يقتضي ترجيح الثاني؛ لأنهم لو ادعوا لأنفسهم أنهم ثقات لم يسمع منهم فكيف يقبل منهم ادعاء مرتبة الصحبة؟! والذي ذهب إليه أبو عمر بن عبد البر قبول قول أمثال هؤلاء وتصحيح أحاديثهم بناء على ظاهر سلامتهم عن الكذب والفسق، وهذا هو الذي يقتضيه عمل أئمة الحديث؛ فإنهم خرجوا في مسانيدهم ومعاجمهم المصنفة على أسماء الصحابة حديث جماعة كثيرين من هذا الصنف، وكذلك كل من صنف في الصحابة يذكر هؤلاء فيهم من غير توقف، ولكن يبين الطريق إلى ذلك وأنها غريبة وأنه لا يعرف صحبته إلا بها؛ لأن هذا شأن مصنفه، بخلاف أصحاب المسانيد والمعاجم فإنهم يخرجون أحاديثهم ويسكتون عنها غالبًا، والاحتمال في هذه الصورة أقوى منه فيما تقدم إذا كانت عدالة المخبر بذلك معلومة، وهذا كله فيمن لم تتضمنه كتب التواريخ والسير بأنه صحابي، فأما إذا شهد له بالصحبة مثل البخاري أو مسلم أو

стр. 245

ابن أبي حاتم أو ابن أبي خيثمة في كتبهم المصنفة وأمثالهم فإن صحبته تثبت بذلك وإن كان سند حديثه غريبًا أو فردًا ولا يعرف بغيره، كما أن من لم يرو عنه إلا راو واحد فهو محكوم عليه بالجهالة إلا أن يكون بعض أئمة الحديث قد وثقه فإنه لا تلازم بين الجهالة وبين انفراد الراوي عن الشيخ، فقد يكون معروفًا بالثقة والأمانة ولم يتفق أن يروي عنه إلا واحد، كذلك هذا يكون معروف اللقاء والصحبة اليسيرة بين أهل المغازي والسير وإن لم يرو ذلك إلا من جهة واحدة بإخباره عن نفسه، فأما إذا أخبر التابعي أنه صحابي حالة الرواية فهذا على أضرب: أحدها: أن يقول أخبرني فلان أنه سمع النبي ﷺ يقول كذا مقتصرًا على مثل ذلك، فهذا حكمه ما تقدم في مدعي الصحبة. وثانيهما: أن شبت صحبته حال الرواية عنه ويسميه باسمه، فإن كان مذكورًا بذلك في كتب المغازي والسير فحكمه ما تقدم، وأما إذا لم يكن معروفًا بالصحبة إلا من هذه الطريق؛ فالظاهر الاعتماد على قول التابعي إذا كان ممن يعتمد قوله في مثل ذلك، على أنه يجوز أن يكون التابعي بنى ذلك على تصديقه في دعواه الصحبة وأن المسلمين محمولون على العدالة إلا في من ظهر منه ما يوجب الفسق فاكتفي فيه بذلك ولكنه احتمال بعيد، والأول أظهر منه؛ لأن مثل هذه الرتبة لا يثبتها التابعي العارف المعتمد إلا بعد تثبت وغلبة الظن بأن هذا صحابي. ثالثها: أن لا يسميه، بل يقول: أخبرني رجل أنه سمع النبي ﷺ يقول كذا، أو رآه يفعل كذا، ونحو ذلك، ولا يزيد عليه، فهذا يقرب من الضرب الأول، فلو قال: أخبرني عن النبي ﷺ بكذا ولم يصرح بلقائه وقلنا بالراجح أن "عن" تقتضي الاتصال إلا من المدلس فلا ريب في أن هذه الصورة يترجح فيها احتمال الوقف إلا أن تثبت صحبة ذلك الرجل بأحد الطرق المتقدمة؛ لأن التدليس وإن كان لم يثبت في حق هذا الرجل الذي قال: عن النبي ﷺ ، فالإرسال غير منتف عنه، وكم من تابعي يرسل حديثًا بهذا اللفظ عن النبي ﷺ ونحن إنما نثبت الاتصال بلفظ "عنه" إذا ثبت لقاء المعنعن عنه على الراجح أو يكتفى بمجرد إمكان اللقاء على قول مسلم، وليس في قول التابعي: أخبرني رجل عن النبي ﷺ ما يقتضي ثبوت لقائه إياه ولا إمكان ذلك، نعم قد يفرق في مثل هذا بين التابعي الكبير المتقدم وبين من

стр. 246

بعده؛ إذ الغالب على الظن أن التابعي الكبير إنما يروي عن الصحابة دون التابعي الصغير فيقوى الحكم بكون ذلك الرجل صحابيًّا. وقد وقع للقاضي أبي بكر بن العربي في أثناء كلامه في كتابه "القبس في شرح الموطأ" أنه قال: اتفقت الأمة على أن مجهول العين تجوز الرواية عنه إذا قال -يعني الراوي عنه من التابعين-: حدثنا رجل من أصحاب النبي ﷺ ؛ لوجوب العدالة لهم، ولا يجوز ذلك في غيرهم لعدم العدالة فيهم. وفي هذا النقل من الإجماع نظر ظاهر يعرف مما تقدم. وقد حكى ابن القطان الخلاف في ذلك مع تسمية المذكور بأنه صحابي فهو جار في قوله: رجل، بطريق الأولى. وقد حكى بعض الفضلاء عن ابن حزم أنه قال في كتابه "النبذ الكافية" له: كل من روى عن صاحب لم يسمه فإن كان ذلك الراوي ممن لا يجهل صحة قول من يدعي الصحبة من بطلانه فهو خبر مسند تقوم به الحجة؛ لأن جميع الصحابة ﵃ عدول. قال: وإن كان الراوي ممن يمكن أن يجهل صحة قول مدعي الصحبة فهو حديث مرسل لا تقوم به الحجة؛ إذ لا يؤمن من فاسق من الناس أن يدعي الصحبة عند من لا يعرف كذبه من صدقه. وأما إذا روى الراوي الثقة عن بعض أزواج النبي ﷺ خبرًا ولم يسمها فهو حجة قاطعة؛ لأنه لا يمكن أن تخفى أمهات المؤمنين على أحد من أهل التمييز في ذلك الوقت (١). هذا ما نقله عن ابن حزم وهو تفصيل حسن بالغ، ومقتضاه أن ما قال فيه أحد علماء التابعين وأهل الخبرة منهم: حدثني رجل من الصحابة عن النبي ﷺ بكذا؛ أنه يكون مقبولًا؛ لأن الظاهر أنه لا يطلق ذلك إلا بعد ثبوت صحبته عنده، وحينئذ لا تضر الجهالة باسمه لما سنقرره إن شاء اللَّه تعالى من عدالة جميعهم.

стр. 247

وأما إذا لم يكن من علماء التابعين ففيه الاحتمال الذي قاله ابن حزم، والتوقف فيه قوي. هذا إذا وصفه التابعي بأنه صحابي، فأما إذا قال: حدثني رجل عن النبي ﷺ ولم يكن فيه ما يقتضي اللقاء فقد تقدم الكلام فيه وأن الأقوى التفرقة بين كبار التابعين وصغارهم. ويلتحق بما ذكره ابن حزم من الرواية عن بعض أزواج النبي ﷺ مبهمة: ما إذا قال التابعي الثقة: حدثني رجل من أهل بدر أو من أهل بيعة الرضوان ونحو ذلك مما لا يخفى بطلان دعوى من يدعي ذلك لنفسه إذا كان كاذبًا على أهل ذلك الزمن؛ لأن المتصفين بمثل هذه الصفات كانوا حينئذ مشهورين مميزين عند كل أحد بخلاف دعوى مطلق الصحبة فإن فيهم الأعراب ونزاع القبائل ممن لا يعرف حاله أصلًا؛ ولهذا نجد كثيرًا منهم اختلف أئمة الحديث في إثبات الصحبة له، فأثبتها بعضهم ونفاها آخرون، ولم يختلفوا فيمن شهد بدرًا والحديبية إلا في النادر منهم. وقد تحصل من مجموع ما تقدم أن ما ثبت به الصفة المقتضية للصحبة على مراتب: أولها وهو أعلاها: التواتر المفيد للعلم القطعي بصحبته، وهذا لا يختص بالعشرة المشهود لهم بالجنة وأمثالهم، بل يدخل فيه أيضًا كل من تواترت الرواية عنه من الصحابة المكثرين الذين بلغ الرواة عنهم العدد المفيد للتواتر كأبي سعيد الخدري وجابر وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص وأمثالهم، وكذلك من اتفقت الأمة على صحة حديثه وتلقته بالقبول وإن لم تكثر الرواية عنه كأبي قتادة وأبي مسعود البدري ونحوهما فإن من لوازم ذلك اتفاقهم على كونه صحابيًّا، ويندرج في هذا عدد كثير من الصحابة المتفق على صحة أحاديثهم. وثانيها: أن تكون صحبته ثابتة بالاشتهار القاصر عن رتبة التواتر وهو يفيد العلم النظري عند كثير من العلماء، ويلتحق بهذه الرتبة من اتفقت كتب السير والمغازي والتواريخ على ذكره في الصحابة وتسميته في عدد من الغزوات ولم يوجد أحد خالف في ذلك ولا أهمل ذكره في ذلك، ويندرج في هذا النوع خلق كثير من الصحابة ﵃، وإن كان فيهم من ليس له إلا الحديث الواحد أو الاثنان. وثالثها: من لم يشتهر من جهة الرواية عنه، ولكنه تضمنه كثير من كتب السير

стр. 248

بالذكر، إما بالوفادة على النبي ﷺ ، أو باللقاء اليسير، أو في أثناء قصة أو غزوة له ذكر ونحو ذلك، فهذه مرتبة دون التي قبلها. ورابعها: من روى عنه أحد أئمة التابعين الذين لا يخفى عنهم مدعي الصحبة ممن هو متحقق بها وأثبت له ذلك التابعي الصحبة أو اللقاء، أو جزم بالرواية عنه عن النبي ﷺ غير معترض على ذلك لما يلزم في روايته عنه على هذا الوجه من تصديقه فيما ذكر من الصحبة والرواية سواء سماه في روايته عنه أو لم يسمه بل قاله: رجل، إذا كان التابعي كما وصفنا بحيث لا يخفى عنه ذلك، ولا فرق بين الحالتين والتابعي كذلك؛ إذ لا تضر الجهالة بعين الصحابي بعد ثبوت صحبته. وخامسها: أن يقول من عرف بالعدالة والأمانة: سمعت رسول اللَّه ﷺ ، أو رأيته يفعل كذا، ونحو ذلك، ويكون سنه يحتمل ذلك، والسند إليه صحيح؛ فهذا مقبول القول على الراجح، وفيه ما تقدم من الاحتمال، ونظيره أن يروي أحد متقدمي التابعين عن رجل لم يسمه شيئًا يقتضى له صحبة؛ فإن القرائن هنا قائمة بصدقه: منها: ندرة كذب مثل ذلك في ذلك العصر الأول. ومنها: أن الظاهر من التابعي الكبير أنه لا يروي إلا عن صحابي؛ فإن انضم إلى ذلك وصفه بصفة خاصة كرجل من أهل بدر أو من أهل بيعة الرضوان فهو أعلى من هذه المرتبة لما تقدم أن مثل هؤلاء كان مشهورا، فإذا وصفه التابعي الثقة بذلك كان كالتصريح باسمه وهو معروف، فتكون هذه الحالة حينئذ من المرتبة الرابعة. وسادسها: أن يصح السند إلى رجل مستور لم تتحقق عدالته الباطنة ولا ظهر فيها ما يقتضي جرحه فيروي حديثًا يتضمن أنه صحابي إما بسماعه ذلك أو بمشاهدته شيئًا من أفعاله ﷺ ونحو ذلك، أو برواية مجردة إذا اكتفينا بها في إثبات الصحبة، فهذا يتخرج على قبول رواية المستور فمن قبله كان ذلك هنا بطريق الأولى لقرينة صدق مثل هذا وأنه لم يوجد في ذلك القرن من يدعي ذلك كذبًا إلا نادرًا جدًّا، ولعله لا يصح السند إليه، ومن لم يقبل رواية المستور في التابعين فمن بعدهم قد يقبل مثل هذا، وهو الذي عليه عمل ابن منده وابن عبد البر وغيرهما ممن صنف في الصحابة لعدهم هذا الصنف فيهم من غير توقف فيهم، ومن العلماء من توقف

стр. 249

في حديثهم وإثبات الصحبة لهم كما تقدم. وسابعها: أن يروي بعض صغار التابعين ومن ليس من أهل التمييز منهم عن رجل مبهم ما يقتضي له صحبة وهي أضعف المراتب وإن كان جماعة من الأئمة قبلوا مثل ذلك وأثبتوا حديثهم في مسانيد الصحابة والرواة عنهم كما وصفت، وكان ذلك -واللَّه أعلم- لقرينة صدق ذلك الجيل الذي هو خير القرون، وأن مثل هذه المرتبة الشريفة لم يدعها أحد في ذلك العصر كذبًا بخلاف الأعصار المتأخرة؛ فقد رويت أحاديث عن جماعة ادعوا أنهم عمروا وأن لهم صحبة كما قد أولع كثير في هذه الأزمان بحديث رتن الهندي الذي ادعى الصحبة وأنه عاش إلى نحو الستمائة والخمسين ولعله لا وجود له البتة ووضعت عليه هذه الأحاديث، وإن كان له وجود وقد ادعى مثل ذلك فهو كذاب قطعا لا يستريب أحد من علماء أهل الأثر في ذلك، وليس هذا موضع بسط الكلام فيه. فأما في ذلك العصر الأول فيعز وجود من يدعي صحبة وهو فيها كاذب. فهذا تقسيم بالغ في تحقيق مراتب ما تثبت به الصحبة، من اللَّه به وله الحمد والمنة، ولم أر أحدًا بسط الكلام في هذه المسألة مع قوة الحاجة الداعية إليها، واللَّه الموفق للصواب وله الحمد كثيرًا لا نحصى ثناءً عليه. المسألة الثالثة: فى تقرير عدالة الصحابة ﵃ - والذي ذهب إليه جمهور السلف والخلف أن العدالة ثابتة لجميع الصحابة ﵃ وهي الأصل المستصحب فيهم إلى أن يثبت بطريق قاطع ارتكاب واحد منهم لما يوجب الفسق مع علمه، وذلك مما لم يثبت صريحًا عن أحد منهم -بحمد اللَّه- فلا حاجة إلى البحث عن عدالة من ثبتت له الصحبة ولا الفحص عنها بخلاف من بعدهم، وهذه المسألة عظيمة الجدوى والحاجة إليها ماسة في أصول الدين وأصول الفقه جميعا: أما في أصول الدين فبالنظر إلى الإمامة وشرائطها وبماذا تنعقد، ومن يصح أن يكون إمامًا، ومن الذي يعتبر قوله في الحل والعقد. وأما في أصول الفقه؛ فلأن الصحابة نقلة الشريعة ولم تصل إلى الأمة إلا من جميعهم، فمتى تطرق الطعن إلى أحد منهم حصل التشويش في أصول الشريعة ولم

стр. 250

يبق بأيدينا -والعياذ باللَّه- متمسك بشيء منها، وتوجهت المطاعن لأهل الزيغ والشبه في الدين وأدى ذلك إلى الانحلال بالكلية كما سيأتي بيانه إن شاء اللَّه، ولا محذور أصعب من هذا؛ ولذلك لا تجد المخالفين في هذه المسألة إلا شذوذًا لا يعتد بهم من أهل البدع ومن في قلبه مرض: فمنهم من زعم أن حكمهم -أعني الصحابة- في العدالة كحكم غيرهم يجب البحث عنها ومعرفة ما في حق كل واحد منهم. ومنهم من زعم أن الأصل في كل واحد منهم العدالة لكن في أول الأمر، فأما بعدما ظهرت بينهم الفتن فلا، بل حالهم فيما بعد ظهور الفتن كحال غيرهم؛ لأن الفاسق منهم غير متعين. وذهب جمهور المعتزلة إلى أن من قاتل عليًّا ﵁ فهو فاسق مردود الرواية والشهادة لخروجه على الإمام الحق. ومنهم من زعم أنه لا تقبل رواية كل من الفريقين ولا شهادته؛ لأنا لا نقطع بفسق أحد الفريقين وهو غير متعين فلا يتميز العدل عن الفاسق فيتعذر القبول. ومنهم من قال: إذا انفرد أحد الفريقين بالرواية أو الشهادة كان مقبولًا؛ لأن أصل العدالة ثابتة له، وقد شككنا في زوالها فلا تزال بالشك كما في المياه، فأما إذا شاركه في ذلك مخالفه حيث لا يثبت إلا بهما فلا يثبت بهما شيء؛ لأن فسق أحد الفريقين معلوم قطعًا من غير تعيين، فيعارض ذلك تعين العدالة المستصحب كما في الإناءين إذا تيقن نجاسة أحدهما، وهذا مذهب واصل بن عطاء. ومنهم من شك في فسق عثمان وقتلته ﵁، وقال بعض المصنفين: أما قتلة عثمان ﵁ فلا شك في فسقهم لعدم التأويل الحامل لهم على ذلك، وهذا لا يحتاج إليه فيما نحن فيه بحمد اللَّه؛ لأنه ليس في قتلة عثمان ﵁ من ثبتت له الصحبة أصلا، ولا من يذكر فيهم سوى محمد بن أبي بكر وهو لا صحبة له ولا رؤية أيضًا؛ لأنه ولد قبل وفاة النبي ﷺ بثلاثة أشهر. وجميع ما تقدم من هذه الأقوال الشاذة باطلة، والحق ما ذهب إليه الجمهور الأعظم من القول المتقدم أولًا، إلا أن الإمام المازري لم يعم به جميع الصحابة بل قال: لسنا نعني به كل من رآه اتفاقًا أو زاره لمامًا، أو ألم به لغرض وانصرف عن
следующие страницы →