وأما قوله: "أختي" فقد بين في الحديث وقال: إنك أختي في الإسلام وهو صدق أيضًا.
وأما قوله ﷺ في حديث الشفاعة: "وَيَذْكُرُ كَذَبَاتِهِ"، وقوله: "لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ إِلَّا ثَلَاثًا" فمعناه أنه لم يتكلم بكلام صورته سورة الكذب وإن كان حقًّا في الباطن إلا هذه الكلمات، ولما كان مفهوم ظاهرها خلاف باطنها أشفق إبراهيم ﵊ منها أن يؤاخذ بها لعلي مقامه.
وأما قوله ﷺ : "ثنتين منها في ذات اللَّه" فلأن المتعلق بسارة [. . .] (١) بفعاله وخطأ وإلا فهي في ذات اللَّه أيضًا؛ لأنها تسبب بها عن دفع كافر عن مواقعة فاحشة عظيمة.
وعند الترمذي (٢) في حديث الشفاعة من رواية أبي سعيد الخدري ﵁: فيقول إبراهيم: إني كذبت ثلاث كذبات، ثم قال رسول اللَّه ﷺ : "مَا مِنْهَا كَذِبَةٌ إِلَّا مَا حَلَ بِها عَنْ دِينِ اللَّهِ"، فبين النبي ﷺ أن هذه الكذبات ليست داخلة في مطلق الكذب المفهوم، بل لو لم يكن لها وجه كانت جائزة لما تتضمنه من إعلاء كلمة اللَّه ودفع المفسدة عن سارة ﵁، واللَّه سبحانه أعلم.
أخبرنا أبو الفضل سليمان بن حمزة وعيسى بن عبد الرحمن المقدسيان قالا: أنا جعفر بن علي المقرئ، أنا أحمد بن محمد السلفي الحافظ، أنا أحمد بن عبد الغفار بن أشتة، ثنا محمد بن علي النقاش الحافظ، أنا الحسين بن محمد التستري، ثنا عبد اللَّه بن محمد بن زياد، ثنا أحمد بن حفص، حدثني أبي، حدثني إبراهيم بن طهمان، عن عباد بن إسحاق، عن محمد بن عبد اللَّه، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: كان إبراهيم ﵊ يزور إسماعيل ﵇ على البراق وهي دابة جبريل تضع حافرها حيث ينتهي طرفها، وهي الدابة التي ركبها رسول اللَّه ﷺ ليلة أسري به (٣).
стр. 72
روي عن ابن عباس ﵄ أن إبراهيم ﵊ ولد بغوطة دمشق بقرية يقال لها برزة (١).
قال الحافظ أبو القاسم ابن عساكر: الصحيح أنه ولد بكوثى من إقليم بابل بالعراق؛ وإنما نسب إليه هذا المقام الذي ببرزة؛ لأنه صلى فيه إذ جاء معينًا للوط ﵇ (٢).
وَقِيلَ: كان آزر أبو إبراهيم من حران.
وتقدم عن سعيد بن المسيب أن إبراهيم ﵇ عاش مائتي سنة.
وذكر كعب الأحبار وغيره أن سبب وفاة إبراهيم صلوات اللَّه عليه أنه أتاه ملك في سورة شيخ كبير فتضيفه وكان يأكل ويسيل طعامه ولعابه على لحيته وصدره، فقال إبراهيم: يا عبد اللَّه ما هذا؟
قال -ولعابه على لحيته وصدره: بلغت الكبر الذي يكون صاحبه هكذا قال: وكلم أتى عليك؟
قال: مائتا سنة -ولإبراهيم ﵊ يومئذ مائتا سنة- فكره الحياة لئلا يصير إلى هذه الحال فمات بلا مرض.
وكذلك قال أبو السكن الهجري: توفي إبراهيم وداود وسليمان صلى اللَّه عليهم وسلم فجأة، وكذلك الصالحون، وهو تخفيف على المؤمنين ورحمة في حق المراقبين.
وقد وقع لنا حديث متصل السند إلى إبراهيم الخليل صلوات اللَّه عليه وسلامه من رواية سيدنا رسول اللَّه ﷺ عنه: أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن ممدود الصوفي، أنا محمد بن علي بن الهني ببغداد سنة ٦٤٩، أنا عبد العزيز بن محمود بن الأخفر، أنا عبد الملك بن أبي القاسم الكروخي.
(ح) قال شيخنا: وأنبأنا عبد الخالق بن أنجب بن المعمر، عن الكروخي هذا
стр. 73
قال: أنا محمود بن القاسم الأزدي وأحمد بن عبد الصمد الغورجي وعبد العزيز بن أبي نصر الترياقي قالوا: أنا عبد الجبار بن محمد الجراحي، أنا محمد بن أحمد المحبوبي، ثنا محمد بن عيسى الترمذي، ثنا عبد اللَّه بن أبي زياد، ثنا سيار، ثنا عبد الواحد بن زياد، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لَقِيتُ إِبْرَاهِيمَ ﵊ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَقْرِئ أُمَّتَكَ السَّلَامَ وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ الْجَنَّةَ طَيِّبَةُ التُّرْبَةِ عَذْبَةُ المَاءِ، وَأَنَّهَا قِيعَانٌ، وَأَنَّ غِرَاسَهَا: سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ"، وفيه قال الترمذي: هذا حديث حسن (١).
وَقُلْتُ أَمْدَحُ الْخَلِيلَ ﵊:
عرج هديت على المقام معظما ... إن كنت تبغي أن تحوز المغنما
والثم بأبواب الخليل ترابها ... وقل السلام عليك يا مولى سما
يا من له في المكرمات مفاخر ... ليست تعد وكيف تحصى الأنجما
يا سيدًا يحمي النزيل بجاهه ... يا أوحدًا يعطي الجزيل تكرما
يا من له الكرم العميم على المدى ... يقري الضيوف ولا يخاف المغرما
يا أمة في الناس فردًا قانتًا ... للَّه برًّا شاكرًا من أنعما
يا من له النار العظيمة أطفئت ... من بعد ما كانت بهول قد ظما
مذ حزت في التفويض صدق توكل ... أصبحت من ذاك الجحيم مسلما
لم تلتفت إلا لربك وحده .... هذا الفخار فمن يروم تقدما
يا من له الصبر الذي ما مثله ... في ذبحه مهجة قلبه إذ أسلما
ففداه رب العرش بالكبش الذي ... وافاه جبريل به قد عظما
يا باني البيت الحرام ورافعا ... منه القواعد داعيًا رب السما
ومؤذنًا في الناس بالحج الذي ... فيه الذنوب تحط عمن أجرما
يا أولًا في الناس يكسى حلة ... يوم القيامة سابقًا ومكرما
стр. 74
يا من له شرع الختان مطهرا ... من كل عيب لا يزال مؤثما
وله خصال الفطرة العشر التي ... كان الختان لنا ختامًا تمما
وله الطيور حيين وهو مشاهد ... لما دعاها بعد موت عمما
لم يطلب الإحياء من شك به ... لكن إلى عين اليقين قد ارتمى
لك يا خليل اللَّه كل فضيلة ... قد حزت أجمعها حنيفًا مسلما
يكفيك أن الأنبياء جميعهم ... من تأخر بعثه وتقدما
ونظامهم بختامهم مولى الورى ... مولى الجدى علم الهدى شافي العمى
خير الأنام محمد من قدره ... فوق البرية كلهم فضلا سما
ذي المعجزات الباهرات ومن له ... يوم المعاد شفاعة تروي الظما
من حاز بالإسراء فضلًا باهرًا ... ورآك ليلة ذاك في أعلى سما
ولقيته بالبشر والترحيب إذ ... وافاك صحبة جبريل مسلما
ودعوته ولدًا نبيًا صالحًا ... فلك الهناء بمثله متقدما
وروى لأمته الذي أوصيته ... فغدا الحديث بذاك عنك مترجما
أصبحت والده وكنت وليه ... من بين كل الرسل نحوك يمما
ولقد غدا من بين ولدك كلهم ... لك مشبهًا في خلقه إذ كرما
وكذاك في أخلاقك الطهر التي ... أوحى إليه اللَّه فيها معلما
ودعوت رب الخلق في إرساله ... للحق يتلو والكتاب معلما
فأجبت في هذا الدعاء فأنتما ... أجر الذين هدوا بذلك حزتما
فعليكما مني السلام تحية ... ما أظهرت شمس الظهيرة مبسما
وصلاة رب العرش ترى دائما ... تهدي سنا البركات منه إليكما
بكما ملاذي في الورى وتوسلي ... ومعولي في النائبات عليكما (١)
وإليكما دون الأنام توجهي ... أبغي الشفاعة عند ربي منكما
стр. 75
ها يا خليل اللَّه دعوة خادم ... لك نازل بحماك يرجو الأنعما
لا يخشى ريب الزمان وجوره ... مذ حل في هذا الحمى مستعصما
ولقد أتته بشارة من صادق ... رؤيا منام كان أمرًا محكما
إني وقفت ببابك الرجب الذي ... أرقى به نحو المعالي سلما
ولقيت منك مبرة وكرامة ... وصيانة أحرزت منها مغنما
فلي الهناء بذاك إن نلت المنى ... منه بتأويل يريك المبهما
ولذا أتيت إلى جنابك مسرعا ... متخضعًا وجعلته لي منسما
وقصدت بابك سائلًا مستجديًا ... متأسفًا متلهفًا متندما
فكن الشفيع إلى إلهك عله ... يعفو ويولي الصفح عمن أجرما
واسأله إصلاحًا لحالي دائمًا ... واللطف بي فيما قضي فتحكما
واسأله علمًا نافعَا أحيى به ... يبقى وإن أبلى التراب الأعظما
صلى عليك اللَّه كل عشية ... وكذا الملائكة الكرام وسلما
وعلى الذين ولدتهم من مجتبى ... برسالة ونبوة قد أكرما
وسقى معاهد بلدة جاورتها ... من غير إفساد [. . .]
وأنالها ربي الأمان وكليف لا ... وبجاهك المامول قد أضحت حما
تمت وصلى اللَّه على سيدنا محمد وآله وسلم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد للَّه الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم، يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب اللَّه الموتى، ويبصرون بنور اللَّه أهل العمى، وينقذون بسنة رسول اللَّه ﷺ الغرقى، وينجون بهدي السلف رضوان اللَّه عليهم الهلكلى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضال شقي قد هدوه، وكم من تائه حيران قد دلوه، وكم من غريق في ظلمات المعاصي قد أنقذوه، وكم من بئيس شقى قد أسعدوه، وكم من أفاك أثيم قد أخرصوه، وكم من مبتدع في الدين إلى السنة ردوه، فما أحسن أثرهم على الناس، وأقبح أثر الناس عليهم؛ ينفون عن كتاب اللَّه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، الذين عقدوا ألوية البدعة، وأطلقوا بألسنتهم عنان الفتنة، فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، مجمعون على مفارقة الكتاب، يقولون على اللَّه وفي اللَّه وفي كتاب اللَّه بغير علم، يتكلمون في المتشابه من الكتاب، ويخدعون بسطاء الناس بما يشبهون عليهم من التأويلات الفاسدة والتفسيرات الباطلة؛ نعوذ باللَّه من شبه المبطلين، ولكن اللَّه تعالى بين أن دين الإسلام مبني على أصلين هما التوحيد والاتباع، وليس الهوى والابتداع:
أَمَّا الأَصْلُ الأَوَّلُ فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ (١) ألا وهو تجريد التوحيد للَّه .
وَأَمَّا الأَصْلُ الثَّانِي فَقدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٢) ألا وهو تجريد المتابعة للنبي ﷺ .
وقال عن أهل الأهواء والابتداع: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ
стр. 78
فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١).
وتوعد اللَّه أقومًا قالوا على اللَّه بغير علم، فقال تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (٢).
وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ (٣) كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ (٣).
وأخبر النبي ﷺ فيما صح عنه بطريق التواتر اللفظي: "مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعمَّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ" (٤).
ثمّ أَمَّا بَعْد:
لقد بعث اللَّه نبينا ﷺ إلى عباده رحمة لهم ونورًا يمشون على هداه، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٥)، وأمره اللَّه أن يكون رحيمًا بنا وهكذا كان النبي ﷺ مع أمته، قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (٦).
ودلت السنة الكريمة على حسن خلق النبي ﷺ مع المسلمين وغيرهم، وأنه لم يكن متعنتًا بل كان خلقه القرآن كما قالت أم المؤمنين ﵂، وكان يعلم أصحابه ذلك ويحثهم على التمسك به وعلى التوسط في الأمور وعدم المغالاة في المعاملات كلها، قال ﷺ : "إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ" (٧).
وقد روى أحمد من حديث أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ :
стр. 79
"إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الأَخْلَاقِ" (١).
ونحن اليوم في أمس الحاجة إلى التعامل بخلق النبي ﷺ ؛ لما يوجد من بعض المسلمين من الغلو في الدين والتعنت والتكلف في المعاملات، وإهمال وسطية أهل السنة والجماعة.
وقد فضل اللَّه هذه الأمة على غيرها من الأمم، فقال : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ فأمة الإسلام وسط بين طرفي الإفراط والتفريط بتشريف من اللَّه تعالى.
وهذه رسالة للحافظ العلائي ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾، وفسر الحافظ فيها الآية تفسيرًا علميًّا دقيقًا شاملًا، وقسم شرحه لهذه الآية إلى سبعة أوجه، فبين معاني مفرداتها وإعرابها وأوضح ما فيها من غريب وتكلم على ما يتعلق بها من فقه وأصول وغير ذلك من الفوائد الجليلة التي سنطالعها، فجزاه اللَّه خيرًا.
стр. 80
التوصيف العلمى للنسخة الخطية
اعتمدت في تحقيق هذه الرسالة على نسخة خطية فريدة لم أظفر بغير ذلك من النسخ الخطية إلا أنها نسخة بخط المؤلف ولذلك فهي نسخة متقنة جدًّا لولا ما اعتراها من الطمس نتيجة لعوامل الرطوبة، وهي درس للحافظ العلائي كان قد ألقاه بالمدرسة الصلاحية:
وهي النسخة الخطية المحفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم (٦٢٣) تفسير.
- اسم الناسخ: بخط المؤلف.
- تاريخ النسخ: حدود القرن السابع.
- نوع النسخ: نسخ معتاد.
- عدد الأوراق: ٢٨ ورقة.
توثيق الكتاب:
يكفي لإثبات نسبة هذه الرسالة للإمام الحافظ العلائي أنها بخطه، وأيضًا:
١ - وجد على طرة النسخة الخطية نسبة هذه الرسالة لكمام العلائي وأيضًا في مقدمة الرسالة، وفي آخرها أيضًا.
٢ - روى الحافظ العلائي أحاديث فيها بأسانيده المعروفة وعن شيوخه المعروفين، منهم:
- أبو الفضل سليمان بن حمزة بن أحمد بن عمر المقدسي.
- أبو الفداء إسماعيل بن يوسف بن مكتوم القيسي.
- أبو محمد عيسى بن عبد الرحمن بن معالي الصالحي.
- أبو البركات عبد الأحد بن أبي القاسم بن عبد الغني الحراني.
- محمد بن أبي العز بن مشرف.
- وزيرة بنت عمر التنوخية.
стр. 81
طرة النسخة الخطية
стр. 82
الورقة الأولى
стр. 83
الورقة الأخيرة
стр. 84
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال الشيخ الإمام العالم العلامة الحافظ الحجة البحر الفهامة شيخ المحدثين عمدة الفقهاء والأصوليين:
صَلَاحُ الدِّينِ خَلِيلُ بْنِ كَيْكِلْدِي الْعَلَائِيّ تَغَمَّدَهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ وَأَسْكَنَهُ فَسِيحَ جَنَّتِهِ:
الحمد للَّه الذي نصب العلماء أعلامًا، وجعلهم كنجوم السماء علوًّا وإنارة وهداية وتعاقبًا وانتظامًا، ووزن مدادهم بدم الشهداء، وكيف لا وهؤلاء يعملون في الجهاد أسنة وسيوفًا، وهؤلاء في الجدال ألسنة وأقلامًا، وفضلهم على أبرار أوليائه حتى فضَّ لهم عن أسرار أنبائه ختاما، أحمده على أن جعل لإقدامنا على السعي في طلب العلم أقدامًا، ويسر [. . .] (١) بما شرعه من كتابه العظيم وسنة نبيه الكريم أحكامًا، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له شهادة تعلي لعاملها في الجنة مقامًا، وتكون لمن مثل بها في الآخرة جنة واعتصامًا، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الذي جعله للمسلمين إمامًا، ومزق به من دياجي الكفر [. . .] (٢) وأحسن لعباده المؤمنين مستقرًّا ومقامًا، صلى اللَّه عليه وعلى آله الطيبين وصحبه الطاهرين و [أتباعهم] (٣) تحية وسلامًا:
أَمَّا بَعْدُ:
فإن العلم هو [المطلب] (٤) الأسنى، وصاحبه مخصوص بالمرتبة الحسنى من اللَّه تعالى، شرفه على غيره في محكم الكتاب بقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٥).
стр. 85
وجعل شهادة أهله بالوحدانية تلو (١) شهادة ملائكته الكرام فرتب حكمه على هذه الشهادة ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (٢) واختصهم بخشيته بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (٣) وناهيك بها مزية ورتبة، وأوجب لهم الخلود في جنات عدن ورضاه بقوله سبحانه: ﴿جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ (٤).
وكنت ممن أنفق حاصل عمره في تحصيله، وتنوع في تفريعه، وتفنن في تأصيله، والحمد للَّه على ذلك حمدًا نستدر به إخلاف المذاهب، ونتنزل به أصناف الرغائب، وله الحمد على ما قدر من الانتقال إلى هذه الأرض التي بارك فيها وحولها، حمدًا يشتمل أنواع الشكر. . . (٥) فإنها أفضل بقاع الشام، ومواطن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. . . (٦) ومجالس غايات ومساجد صلوات ومساكن. . . (٧) ومواكب عبرات وتضاعف حسنات وترادف خيرات. . . (٨) الأنبياء وتواترت من اللَّه الأنباء وتفجرت النبوة. . . (٩) ومسجدها الذي اتفقت الأمم على تفضيله، وأسرى اللَّه تعالى إليه برسوله، وهو ثاني المساجد التي تشد الرحال إليها، وثانيها في البناء، كما جاءت به الآثار المتفق عليها؛ ففي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، والْمَسْجِدِ
стр. 86
الأَقْصَى" (١).
وعن أبي ذر ﵁ قال: قلت: يا رسول اللَّه، أي مسجد وضع في الأرض أول؟
قال: "الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ".
قلت: ثم أي؟
قال: "ثُمَّ الْمَسْجِدُ الأَقْصَى".
قلت: كم بينهما؟
قال: "أَرْبَعُونَ سَنَّةً" (٢).
وروى أبو داود عن ميمونة ﵄ قالت: قلت: يا رسول اللَّه، أفتنا في بيت المقدس؟
قال: "ائْتُوهُ فَصَلُّوا فِيهِ".
قلت: والروم إذ ذاك فيه.
قال: "فَابْعَثُوا بِزَيْتٍ يُسْرَجُ فِي قَنَادِيلِهِ" (٣).
وأخرج النسائي (٤) وابن ماجه (٥) من حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لَمَّا فَرَغَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ عليهما الصلاة والسلام مِنْ بِنَاءِ مَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سَأَلَ اللَّهَ [ثَلَاثًا] (٦) حُكْمًا يُصَادِفُ حُكْمَهُ، وَمُلْكًا لَا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَلَّا يَأْتِيَ هَذَا الْمَسْجِدَ أَحَدٌ لَا يُرِيدُ إِلَّا الصَّلَاةَ فِيهِ إِلَّا خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ". قال رسول اللَّه ﷺ : "فَأَمَّا اثْنَتَانِ فَقَدْ أُعْطِيَهُمَا، وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدْ أُعْطِيَ الثَّالِثَةَ".
стр. 87
وصححه الحاكم في "المستدرك" (١).
ويكفي شاهدًا على المزية في سكنى هذه الأرض لمن حمد وشكر سؤال موسى ﵇ اللَّه تعالى عند موته أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر (٢).
ولما قدر اللَّه تعالى سكنى هذه البقاع الشريفة ومباشرة هذه المدرسة التي هي بكل خير منيفة -تغمد اللَّه واقفها بالرحمة والرضوان، وجزاه على جهاده واجتهاده غرف الجنان- بنيت في التدريس على ما كنت وصلت بدمشق إليه، وفوضت أمري إلى اللَّه، وجعلت توكلي عليه فهو المرغوب فيما عنده ولديه.
أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم:
قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾. . . الآية (٣).
الكلام على هذه الآية الكريمة من سبعة أوجه:
الوجه الأول: في انتظامها مع ما قبلها.
والثاني: في تحقيق بعض مفرداتها.
والثالث: في إعرابها وما يتعلق بها من علمي المعاني والبيان.
والرابع: في شيء من تفسيرها ويتصل به درس في الحديث والكلام عليه.
والخامس: فيما يتعلق بها من علم أصول الدين.
والسادس: فيما يتعلق بها من علم أصول الفقه.
والسابع: ما يتعلق بها من علم الفقه ومسائل الخلاف.
الوجه الأول: في انتظامها مع ما قبلها.
وذلك. . . (٤) من معرفة المشبه به في قول تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً
стр. 88
وَسَطًا﴾ وفيه أقوال:
أحدها: أنه راجع إلى الهداية المتقدمة في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (١) فتقدير الكلام كما أنعمنا عليكم بالهداية إلى الصراط المستقيم كذلك أنعمنا عليكم بأن جعلناكم أمةً وسطًا.
والثاني: أنه راجع إلى تحويل القبلة؛ فتقديره: وكما هديناكم إلى قبلة هي خير القبل كذلك جعلناكم أمةً وسطًا.
والثالث: أنه عائد على قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (٢) ويكون معناه على هذا الوجه أن هذه الجهات مع استوائها في كونها ملك للَّه خص بعضها بمزيد الشرف بأن جعله قبلة حالة التقرب إليه، فكذلك الخلق لما اشتركوا في كونهم عباده خص هذه الأمة دون سائر الأمم بأن جعلهم أمةً وسطًا فضلًا منه وكرمًا.
الوجه الثاني: في تحقيق بعض مفرداتها
"جعل": لفظ عام في الأفعال كلها، وهو أعم من فعل وصنع وسائر أخواتها، ويستعمل لازمًا ومتعديًا إلى مفعول واحد وإلى مفعولين؛ فإذا استعمل بمعنى طفق نحو: جعل زيد يقول كذا وكذا؛ كان لازمًا، وإذا استعمل بمعنى أوجد تعدى إلى مفعول واحد، كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ (٣).
وكذلك إذا كان بمعنى شرع وحكم كقوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ﴾ (٤) ومنه قوله تعالى في هذه الآية: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ على أحد التأويلات، كما سيأتي بيانه.
стр. 89
وإذا كان بمعنى يصير الشيء على حال بعد أخرى تعدى إلى مفعولين، كقوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾ (١) و ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا﴾ (٢) ومنه قوله تعالى هنا: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾.
ووسط الشيء: ما له طرفان، قال الأزهري: كل ما يبين بعضه من بعض كوسط الصف والقلادة والمسبحة وحلقة الناس فهو بالتسكين، وما كان مصمتًا لا يبين بعضه من بعض كالدار والساحة فهو وسَط بالفتح قال: وقد أجازوا في الساكن الفتح، ولم يجيزوا في المفتوح الإسكان (٣).
والوسط هنا صفة للأمة، ولذلك استوى فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث.
وقد اختلف في معناه هنا، فالصحيح الذي لا يجوز غيره ما ثبت عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ قال: "عدلًا" رواه الترمذي هكذا، وقال: حسن صحيح (٤). وأخرجه البخاري أطول من هذا، وسيأتي، وحكى هذا القول الجوهري عن الخليل والأخفش وقطرب، وقد قال غيره:
همُ وسط يرضى الأنام بحكمهم ... إذا نزلت إحدى الليالي العظائم
وقيل: الوسط: الخيار، واختاره صاحب "الكشاف" (٥) قال: لأنه يستعمل في الجمادات فيقال: سطة الدنانير أي: خيارها، فكانت أوساط الشيء، وهي الخيار، لكونها سالمة مما يصل إلى الأطراف من الخلل والإعواز قال الطائي:
كانت هي الوسط المحمي فاكتنفت ... بها الحوادث حتى أصبحت طرفَا
وتقول العرب: انزل وسط الوادي، أي: خير موضع منه.
стр. 90
والمعني متقارب فيهن، ومرد القولين إلى معنى واحد، وهو أن العدل: هو التوسط بين طرفي الإفراط والتفريط فكان خيارًا لكونه كذلك، مع أنه لا يعارض ما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ .
والشهادة ما صدر عن علم وتحقق إما بالشعور. . . (١) وإما بالبصيرة كقوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ الآية والقبلة في الأصل. . . (٢) ثم صار اسمًا للمكان المقابل للأوجه. . . (٣) وقوله تعالى ﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ (٤) ثم استعمل الكبيرة فيما. . . (٥) كما في قوله تعالى: ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ (٦).
والفرق بين الرأفة والرحمة مع أن كلًّا منهما متضمن معنى الإحسان أن الرأفة هي مبالغة في الإحسان الخاص وهو دفع المكروه وإزالة الأذى كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ (٧) أي: لا ترأفوا بهما فتسقطوا الحد عنهما، والرحمة أعم من ذلك وهي اسم جامع يدخل فيه سائر وجوه الإحسان والإفضال فيكون ذلك من باب ذكر العام بعد الخاص.
وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر عنه ﴿لرؤف﴾ مهموز غير مشبع على وزن رعف، وقرأ الباقون ﴿لَرَءُوفٌ﴾ بالإشباع والمد (٨)، واحتجوا بأن فعولًا أكثر مجيئًا في الصفات ولم يجئ فعل إلا في القليل نحو. . . (٩)
стр. 91
وحذر وعجل ويقظ وليس ذلك كمجيء غفور وشكور وصبرر فإنه أكثر فكان أولى، وقال الشاعر:
نطيع نبينا ونطيع ربًّا ... هو الرحمن كان بنا رءوفا
وأما من قرأ "رؤف" فقال: إن ذلك هو الغالب على أهل الحجاز ومنه قول الوليد بن عقبة لمعاوية بن أبي سفيان ﵄:
وشر الطالبين فلا تكنه ... يقاتل عمه الرؤف الرحيم
الوجه الثالث: في إعراب هذه الآية الكريمة وما يتصل بها من علمي المعاني والبيان.
الكاف في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ﴾ في محل النصب نعت لمصدر محذوف تقديره أنعمنا عليكم بأن جعلناكم أمة وسطًا إنعامًا كما أنعمنا عليكم بالهداية.
و ﴿الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ محله النصب لكن اختلف في تقدير ناصبه بحسب الاختلاف في "جعل" معناها وما أريد بالقبلة:
فقيل: إن "جعل" هنا يعني: شرع، فيكون معنى الكلام وما شرعنا القبلة التي كنت عليها يعني بيت المقدس إلا ابتلاءً وامتحانًا؛ لأن اللَّه تعالى علم أنه يرجعهم بعد ذلك إلى الكعبة.
وقال بعضهم: إن اللَّه تعالى تعبد نبيه ﷺ أولًا بالصلاة إلى بيت المقدس؛ لأن العرب كانت تحب الكعبة ويشق عليهم استقبال غيرها فكانت الصلاة إليها أولًا امتحانًا ليظهر به إيمان المؤمن عند صبره على التوجه إلى غير الكعبة ونفاق المنافق عند مخالفته، وعلى هذا القول الموصول وصلته صفة للقبلة أو عطف بيان.
وقيل: بل المعني بالقبلة هاهنا الكعبة، و"كنت" بمعنى صرت كما قيل في قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (١) أي: صريح، فيكون تقدير الكلام وما شرعنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه، والتي
стр. 92
كنت عليها هي موضع الصلاة القبلة المتقدم.
وقيل إن "جعل" هنا بمعنى. . . (١) كان على بابها في المعنى ويكون في الكلام إضمار تقديره وما جعلنا القبلة التي كنت عليها. . . (٢) ﷺ أن يصلي بمكة إلى الكعبة ثم أمر بالصلاة إلى بيت المقدس بعد الهجرة تألفًا لليهود ثم حول إلى الكعبة ثانيًا فيكون معنى الكلام: وما جعلنا القبلة الجهة التي تحب أن تستقبلها الكعبة التي كنت عليها أولًا بمكة، وعلى هذا التقدير لا يحتاج الكلام إلى إضمار وتكون "كان" على بابها في المعنى ولكن هذا على قول أن النبي ﷺ كان فرضه بمكة أولًا الصلاة إلى الكعبة وأن القبلة نسخت مرتين، وفي هذا قولان للعلماء: أحدهما هذا واختاره الإمام أبو عمر بن عبد البر وقال: هو الصحيح، واحتج له بحديث البراء بن عازب ﵄ قال: لما قدم النبي ﷺ المدينة صلى نحو بيت المقدس ستهَ عشر شهرًا. . . الحديث (٣).
قال (٤): الظاهر يدل على أنه لما قدم المدينة صلى إلى بيت الممَدس لا قبل ذلك.
وبحديث علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ قال: كان أول ما نسخ اللَّه من القرآن القبلة وذلك أن رسول اللَّه ﷺ لما هاجر إلى المدينة كان أكثر أهلها اليهود أمره اللَّه أن يستقبل بيت المقدس ففرحت اليهود بذلك فاستقبلها رسول اللَّه ﷺ بضعة عشر شهرًا وكان رسول اللَّه ﷺ يحب قبلة إبراهيم فأنزل اللَّه ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٤٣] (٥).
وهذا الحديث منقطع، فإن علي بن أبي طلحة لم يلق ابن عباس، إنما سمع من أصحابه، مع أنه أيضًا متكلم فيه، وإن كان مسلم قد روى له، فقد قال فيه أحمد بن
стр. 93
حنبل: له أشياء منكرات (١).
وأما الحديث الأول فليس بالصريح في الذي قاله لا يمنع أن يكون النبي ﷺ كان بمكة يستقبل بيت المقدس وإنما خص المدينة بالذكر لما بعد الهجرة إليها؛ لأن ذاك هو الذي شاهده البراء ﵁ دون مكة.
والقول الثاني: أنه ﷺ كان فرضه الصلاة إلى بيت المقدس ولكنه كان إذا صلى وهو بمكة يجعل الكعبة بين يديه ولا يستدبرها، فلما قدم المدينة لم يمكنه عند استقبال بيت المقدس إلا أن يستدبر الكعبة فإنما ظهر الفرق بين صلاته في البلدين، وهذا القول أقوى من حيث الدليل وهو اختيار أبي القاسم السهيلي وغيره، والحجة له ما روى أبو عوانة عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس ﵄ قال: كان رسول اللَّه ﷺ يصلي نحو بيت المقدس وهو بمكة والكعبة بين يديه وبعدما هاجر إلى المدينة ستة عشر شهرًا ثم صرف إلى الكعبة (٢).
ورواه أبو داود في كتاب "الناسخ والمنسوخ" عن محمد بن المثنى عن يحيى بن حماد عن أبي عوانة وهذا إسناد صحيح جيد.
ويشهد لذلك أيضًا قصة البراء بن معرور ﵁ وهي مشهورة في السيرة أنه أول من توجه إلى الكعبة قبل أن يقدم النبي ﷺ وكان ذلك عند مسير الأنصار إلى مكة من أجل بيعة العقبة فقال البراء: لقد رأيت أن لا أجعل هذه القبلة مني بظهر يعني الكعبة. فقالت الأنصار: ما بلغنا أن نبينا يتوجه إلى بيت المقدس فخالفهم وتوجه إلى الكعبة في صلاته، فلما قدموا على النبي ﷺ سأله البراء بن معرور ﵁ عن صنيعه ذلك، فقال له النبي ﷺ : "لَقَدْ كُنْتَ عَلَى قِبلَةٍ لَوْ صَبَرْتَ عَلَيهَا" (٣).
ففي هذا أيضًا دليل صريح على أن التوجه قبل الهجرة إنما كان إلى بيت المقدس. فهذا ما يتعلق بالإعراب الذي أشار إليه صاحب "الكشاف".
стр. 94
وقوله تعالى: ﴿عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ في محل النصب على الحال من الضمير المستكن في ﴿يَنْقَلِبُ﴾ أي: راجعًا.
و"إن" في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ هي المخففة من الثقيلة التي تلزمها اللام الفارقة، واسمها محذوف، هذا مذهب أهل البصرة، وقال الكوفيون: هي يعني واللام بمعنى إلا، وعلى هذا القولين هي لتأكيد المعنى، وإنما لزمها هذه اللام على رأى البصريين ليفرق بينها وبين أن التي للحجة، كالتي في قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ (١).
و"كبيرة" خبر واسمها محذوف، دل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ﴾ فتقديره وإن كانت التحويلة أو الجعلة أو الصلاة إلى بيت المقدس لكبيرة، وروي في غير المشهور: "وإن كانت لكبيرة" بالرفع على أن "كان" زائدة، كما في قول الشاعر:
*وجيران لنا كانوا أكارم*
وخبر "كان" في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ يحتمل أن يكون "ليضيع" أي: ما كان ذلك إضاعة لإيمانكم، وأن يكون محذوفًا، وما كان اللَّه يريد أن يضيع.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ جمع فيه بين التأكيدين: "إن" و"اللام"؛ لأن القضية مستبعده عند المخاطبين، حيث قالوا: كيف بمن مات منَّا وهو يصلي إلى ست المقدس؟ فبين اللَّه أنه غير مضيع عمل عامل منهم، لرأفته ورحمته بعباده ، وإن كان الخطاب للمنافقين أو اليهود الذين عابوا على المسلمين توجههم إلى الكعبة، وقالوا للمسلمين: إن عملكم كان باطلًا، فالحاجة إلى التأكيد أقوى، فلهذا جمع بين تأكيدين، وتأكيد القضية يكون بحسب استبعادها عند المخاطب؛ فإن قصد المخبر بخبره إفادة المخاطب إما نفس الحكم وإما لازمه، فمتى كان المخاطب خالي الذهن من الحكم بأحد طرفي الخبر على. . . (٢)
стр. 95
ومن التردد فيه أو الشك أو الإنكار استغني حينئذ عن مؤكدات الحكم؛ فإن كان متصورًا لطرفي الحكم مترددًا في إسناد أحدهما إلى الأخر حسن تقويته حينئذ بالمؤكد؛ فإن جاء بخلافه قوي التأكيد بحسب إنكاره وجمع حينئذ بين "إن" و"اللام" وشاهد هذه القاعدة في كلام العرب كثير لا ينحصر، ومنه في القرآن العظيم مواضع مشهورة منها قول الرسل ﵈ في قصة "يس": ﴿إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ (١) فردوا عليهم بقولهم: ﴿مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾ (٢) فأجابوهم ثانيًا بقولهم: ﴿رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ (٣).
وقد أورد على هذه القاعدة قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ (٤) فأكد الموت الذي لا ينكر أحد وقوعه بـ "إن" و"اللام"، ولم يؤكد البعث إلا بـ "إن" فقط مع أنه ينكره كثيرون وخصوصًا في زمن النبوة؟
وأجيب بأن الخطاب في هذه الآية الظاهر للمعترفين بالبعث حال غفلتهم عن الموت وتشاغلهم عنه بأمور الدنيا؛ فكأنهم لغفلتهم عنه بمنزلة من لا يعرف به، فأكدت القضية بـ "إن" و"اللام"، وهذا يسمى إخراج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر، ثم لما ذكروا بالموت ذكروا البعث، وكانوا معترفين به فلم يحتج إلى تأكيده باللام.
فهذه ثلاثة من علم المعاني والبيان تتعلق بهذه الآية، وسيأتي إن شاء اللَّه تعالى في الوجه الذي بعد هذا ثلاثة منه أخرى.
الوجه الرابع: فيما يتعلق بمعاني بعض هذه الآية:
قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ قد تقدم أن الوسط يفسر على قولين:
أحدهما: العدل.
стр. 96
والثاني: الخيار.
والأظهر أنه العدل؛ لأنه السواء الذي لا يميل إلى طرفي الإفراط والتفريط، وهو أيضًا خيار بهذا الاعتبار؛ فامتن اللَّه تعالى على هذه الأمة بعد الهداية بأن جعلها أمة وسطا، ومن استقرى أحوال الدينية وجدها كذلك تتوسط بين طرفي الإفراط والتفريط، وبيانه أن الأحوال التي كلف بها العبد إما اعتقادات أو أعمال، وهي في كلها كذلك.
أما الاعتقادات فنبين ذلك بأمثلة:
أحدها: التوحيد؛ فإن من الناس من عطل الإلهية تعطيلًا محضًا؛ ففرط، ومنهم من أثبت أكثر من الإله الواحد؛ فأفرط، والعدل التوسط، وهو إثبات الاله وتوحيده.
وثانيها:. . . (١)؛ لأن من الناس من بالغ في إثبات الإله الواحد حتى جعله جسمًا أو جوهرًا أو مركبًا أو مختصًّا بجهة أو محلًّا للحوادث؛ فشبهه بالموجودات الحادثة تعالى اللَّه عن ذلك.
ومنهم من نفى حتى لم يثبت إلا الوجود المحض، وعطل صفات الإلاهية.
وَالْعَدْلُ: التَّوَسُّطُ بإثبات الوجود وخواص الإلاهية ونفي ما يوجب النقص والحدوث من الجوهرية والتركيب ونحوها.
وَثَالِثُهَا: مذهبهم في الصفات الزائدة على الذات؛ فإن أهل السنة توسطوا بين طرفي التفريط بنفيها وتعطيلها، والإفراط بإثباتها متغيرة متنقلة حادثة.
وَرَابِعُهَا: قول أهل السنة أيضًا في مسألة خلق الأعمال؛ فإنهم توسطوا بين الجبر المحض والقَدَر المحض؛ فلم يسلبوا اختيار العبد وقدرته، ولم يجعلوه خالقًا لأفعاله مضاهيًا للَّه سبحانه في مقدوره.
وَخَامِسُهَا: قولهم في النبوات؛ فإنهم أثبتوها من عند اللَّه باختصاصه من يشاء من البشر واصطفائه إياه؛ فتوسطوا بين قول من يعطلها ويحيلها، وقول من
стр. 97
يثبتها بالاكتساب واعتدال المزاج.
وَسَادِسُهَا: اعتقادهم في الرسل عليهم الصلاة والسلام؛ فإنهم أنزلوهم المنزلة التي جعلها اللَّه لهم ولم يغلوا فيهم غلو النصارى في عيسى ﵊، ولا قصروا في حقهم تقصير اليهود حتى وصلوا إلى القتل وغيره.
وَسَابِعُهَا: قولهم في المعاد؛ فإن من الناس من يعطله بالكلية، ومنهم من يثبته بالأحوال النجومية والدورات الفلكية، وهم قد أثبتوه على الوجه الأتم الأكمل الذي جاءت به الشرائع واقتضته الحكمة الإلاهية.
وَثَامِنُهَا: قولهم في السمعيات وأحوال القيامة، فقالوا بإثبات الثواب والعقاب على وجه ليس فيه إفراط ولا تفريط؛ فإن المُرْجِئَةَ تزعم أنه لا يعاقب العبد المؤمن أبدًا بشيء من الذنوب، وَالمُعْتَزِلَةَ تقول بإيجاب الخلود في النار بفعل الكبيرة إذا مات فاعلها عن غير توبة، وَأَهْل السُّنَّةِ متوسطون بين هذين القولين، وكذلك أيضًا توسطوا في بقية السمعيات والإمامة ونحوها، وهذا كله سرّ قوله ﷺ : "إِنَّ بَني إِسْرَائِيل تَفَرَّقَت عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةٍ، وَسَتَفْتَرِقُ هَذِهِ الأُمَّةُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةٍ" (١) ووجه ذلك زيادة هذه الفرقة المتوسطة بين الفرق كلها وهي الفرقة الناجية.
وأما الأعمال فقد جعل اللَّه تعالى هذه الأمة فيها أيضًا وسطًا بين طرفي الإفراط والتفريط، وبيانه مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: من الناس من يقول: ليس على العبد تكليف أصلًا، ولا يجب عليه أن يشتغل بشيء من الطاعات وهم نفاة التكليف، وأوجب براهمة الهند وأمثالهم من المانوية على العبد المبالغة في تعذيب نفسه وكدها والاحتراز عن الطيبات من المآكل والمناكح حتى إن منهم من يرمي نفسه في النار أو من شاهق.
стр. 98
وَالْعَدْلُ ما عليه هذه الأمة من التوسط بين هذين الأمرين من الوقوف عند أوامر الشرع ونواهيه وتناول مباحاته.
وَثَانِيهَا: أن التشديدات والتكاليف الشاقة في دين موسى ﵇ كثيرة جدًّا، والمساهلة كثيرة في دين عيسى ﵇، وهذه الأمة متوسطة بين الأمرين، ولذلك أمثلة:
مِنْهَا: أن في شرع موسى ﵇ يحتم استيفاء القصاص في القتل العمد، وفي شرع عيسى ﵇ إيجاب العفو فقط، وفي شرع هذه الأمة التخيير بين القصاص والعفو.
وَمِنْهَا: أن في شرع موسى اجتناب المرأة في حالة الحيض حتى عن المؤاكلة وسائر وجوه المخالطة، وفي شرع عيسى حلّ كل شيء حتى الوطء، وهذه الأمة وسط بين ذلك في حل المخالطة وتحريم الجماع.
إلى غير ذلك من الأمثلة التي يطول بذكرها الكلام.
وإذا تأملت قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ (١).
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ (٢).
وقوله تعالى: ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ (٣) مع قوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ (٤)؛ علمت أن تكاليف هذه الأمة كلها وسط بين طرفي الإفراط والتفريط فكانت عدلًا وخيارًا لكونها كذلك.
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ في قوله تعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (٥) على أقوال:
أَحَدُهَا: أن المراد به شهادة هذه الأمة للأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالتبليغ عند جحد أممهم ذلك وإنكارهم أنهم بلغوهم، وحجة ذلك ما روى البخاري في
стр. 99
"صحيحه" (١) عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يَجِيءُ نُوحٌ وَأُمَّتُهُ فَيقَولُ اللَّهُ لَهُ: هَل بَلَّغتَ؟
فَيَقُولُ: نَعَمْ أَيْ رَبِّ.
فَيَقُولُ لِأُمَّتِهِ: هَلْ بَلَّغَكُمْ؟
فَيَقُولُونَ: لَا، مَا جَاءَنَا مِنْ نَبِيٍّ.
فَيَقُولُ لِنُوحٍ ﵇: مَنْ يَشْهَدُ لَكَ؟
فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ فَنَشْهَدُ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ وَهْوَ قَوْلُهُ تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾.
ورواه النسائي بإسناد الصحيح، وزاد في آخره: "وَالوَسَطُ الْعَدْلُ" (٢).
فهذا القول أولى ما قيل به في تفسير هذه الآية؛ لصحة الحديث في ذلك.
فَإِنْ قِيلَ: ما الحكمة في هذه الشهادة من الأمة؛ فإن شهادة الأمة وشهادة الرسول مستندة في الآخرة إلى شهادة اللَّه تعالى على صدق الأنبياء، فلم لم يصدق اللَّه نبيه نوحًا ﵇ ابتداءً؟!
فَالْجَوَابُ: أن الحكمة في ذلك تمييز هذه الأمة في الفضل على سائر الأمم بمبادرتهم إلى تصديق اللَّه تعالى وتصديق جميع الأنبياء، وليست هذه المزية لغيرهم من الأمم فهم العدول يوم القيامة على سائر الخلائق.
وَالْقُوْلَ الثَّانِي: أن المراد به شهادة بعضهم على بعض بأعمالهم من الخير والشر بعد الموت، ويدل عليه الحديث الصحيح؛ أن النبي ﷺ مر عليه بجنازة فأثني عليها خيرًا؛ فقال: "وَجَبَتْ وَجَبَتْ" ثم مر عليه بجنازة أخرى فأثني عليها شرًّا؛ فقال: "وَجَبَتْ وَجَبَتْ" ثم قال: "أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ في الأَرْضِ" (٣).
وأما شهادة الرسول ﷺ على هذين القولين فبمعنى أنه يشهد لهم بالإيمان يوم
стр. 100
القيامة وبالتبليغ.
فَإِنْ قِيلَ: فهلا قال: "ويكون الرسول لكم شهيدًا" لأن شهادته لهم لا عليهم؟
قِيلَ: لما كان الشهيد كالرقيب والمهيمن جيء فيه بكلمة الاستعلاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (١).
فَإِنْ قِيلَ: فلم أخرت صلة الشهادة أولًا وقدمت ثانيًا؟
قُلْنَا: لأن الغرض في الجملة الأولى إثبات المنة على هذه الأمة بجعلهم شهداء على الناس مع قطع النظر عن اختصاصهم بذلك فلم يقدم الجار والمجرور المشعر تقديمه بالحصر؛ بل قال: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (٢).
وأما في شهادة الرسول عليهم؛ فلأن المنة فيها عليهم باختصاصهم بكون الرسول ﷺ شهيدًا لهم مزكيًّا لأعمالهم؛ فقدمت صلة الشهادة لتفيد اختصاصهم بذلك دون بقية الناس، وهذه هي الثلاثة التي سبق الوعد بها من علم البيان؛ فإن القاعدة المستقرة فيه أن تقديم المفعول والجار والمجرور يقتضي قصر الحكم بأحد أنواعه: إما قصر الأفراد أو قصر القلب أو غيرهما، ومن أحسن أمثلته الموافقة لهذه الآية: قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾ (٣) فإن الإيمان لما لم يكن منحصرًا في الإيمان باللَّه بل لا بد معه من الإيمان بملائكته وكتبه ورسله والبعث والحساب وغير ذلك أخر الجار والمجرور فقال: ﴿آمَنَّا بِهِ﴾ بخلاف التوكل فإنه لا يكون إلا على اللَّه وحده فقدم الجار والمجرور ليفيد إنحصار التوكل في كونه على اللَّه وحده؛ إذ لا يتوكل على غيره.
وَالقَوْلُ الثَّالِثُ: أن هذه الشهادة إنما هي في الدنيا بمعنى الحجة على من بعدهم كما كان الرسول ﵊ حجة على من بعده من الأمة، واستدل جماعة من هذه الآية على هذا القول على أن الإجماع حجة، وقيده بعض الأئمة بما حاصله
стр. 101
أن الشهادة إذا أريد بها الشهادة على الأعمال المشاهدة أضيفت إلى من يشاهد ذلك منه كما في قوله تعالى: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ (١) فخص ذلك بالموجودين من أمته في زمنه، وكذلك قوله تعالى عن عيسى ﵇: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ (٢) فبين أن شهادته على أعمالهم مختصة بحال حياته فيهم؛ فأما قوله تعالى: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (٣) فإن هذا ليس خطابًا للموجودين حينئذ فقط؛ بل لكل الأمة إلى قيام الساعة فيكون النبي ﷺ حجة على كل أمته كما كان مبعوثًا إليهم إلى قيام الساعة.
وإذا ثبت أن المراد بقوله تعالى: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (٤) كونه حجة عليهم، فكذلك قوله تعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (٥) بمعنى الحجة عليهم فيكون العصر الأول من الأمة إذا أجمعوا على شيء كان قولهم حجة على من بعدهم إلى قيام الساعة كما كان النبي ﷺ حجة، ولأن حجة اللَّه إذا ثبتت في وقت فهي ثابتة أبدًا، ومن حيث دلت الآية على صحة إجماع الصدر الأول دلت على صحة إجماع الأعصار التي بعدهم؛ إذ الخطاب لكل الأمة ولم تخصص الآية أهل عصر دون أهل عصر.
ولا يقال: الخطاب ليس لكل الأمة؛ لأنه لا يتناول المعدوم لأنا نقول: لا فرق بين هذا وبين قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (٦) وسائر نظائره؛ فإن هذا يتناول الأمة ولا يختص بالموجودين في ذلك الوقت، وكذلك جميع تكاليف اللَّه تعالى وأوامره ونواهيه خطاب لجميع الأمة.
стр. 102
فَإِنْ قِيلَ: فلو كان الأمر كذلك من أن هذا الخطاب لكل من يوجد إلى قيام الساعة فإنما حكم لجماعتهم بالعدالة، فمن أين حكم لأهل كل عصر بمفردهم حتى يكون قولهم حجة على من بعدهم؟
قِيلَ: إنه تعالى لما جعلهم شهداء على النَّاس فلو اعتبرنا في ذلك كل الأمة من أولها إلى آخرها لؤالت الفائدة من ذلك؛ إذ لم يبق من يكون قول الأمة حجة عليه، فلم يبق إلا العمل به في كل عصر بمفرده، فثبت كون إجماعهم حجة على من بعدهم، وهذا خلاصة ما قرره المشار إليه، وفيه نظر لا يخفى على المتأمل.
ثم إن هذه الأقوال الثلاثة في معنى الشهادة يمكن ردها إلى معنى واحد؛ لما تقرر من أن الوسط هو العدل، فيكون فيه إثبات العدالة لهذه الأمة في الدنيا المقتضية لكون إجماعهم حجة، وإثبات العدالة لهم في الآخرة في كونهم شهداء بعضهم على بعض في الأعمال وكونهم شهداء على الأمم السالفة بالتبليغ، فلا منافاة حينئذ بين الأقوال، وهذا يدل على نهاية كرامة اللَّه تعالى لهذه الأمة وما خصها به من مزيد الشرف، وَقَدْ دلَّتِ السُّنَّةُ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا بِأَحَادِيثَ كَثِيرةٍ منْهَا مَا:
أَخْبَرَنَا قاضي القضاة أبو الفضل سليمان بن حمزة بن أحمد بن عمر المقدسي، وأبو الفداء إسماعيل بن يوسف بن مكتوم القيسي، وأبو محمد عيسى بن عبد الرحمن ابن معالي الصالحين، وأبو البركات عبد الأحد بن أبي القاسم بن عبد الغني الحراني بقراءتي على كل منهم، قالوا: أنا أبو المنجا عبد اللَّه بن عمر بن علي البغدادي، أنا أبو الوقت عبد الأول بن عيسى الصوفي، أنا أبو عاصم الفضيل بن يحيى الفضيلي، أنا أبو محمد عبد الركن بن أحمد بن أبي شريح، ثنا أحمد بن سعيد، ثنا أحمد بن علي، ثنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن ابن طاوس, عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "نَحْنُ الآخِرُونَ الأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، نَحْنُ أَوَّلُ النَّاسِ دُخُولًا الْجَنَّةِ بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا وَأُوتِينَاهُ من بَعْدِهِمْ، فَهَدَانَا اللَّهُ تَعَالَى لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ وَهَذَا الَّذِي اخْتَلَفَ فِيهِ النَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ غَدًا لِلْيَهُودِ وَبَعْدَ غَدٍ لِلنَّصَارَى يَعْنِي وَلَنَا الْجُمُعَةَ قَبْلَهُمْ وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ ".
وَأَخبَرَنَاهُ أَيضًا شيخنا شيخ الإِسلام إمام الأئمة الأعلام أبو المعالي محمد بن علي
стр. 103
ابن عبد الواحد بن عبد الكريم بن خلف بن نبهان الأَنْصَارِيّ السماكي نضَّر اللَّه وجهه بقراءتي عليه، قال: أنا العلامة أبو العباس أحمد بن إبراهيم بن عمر الخطيب، أنا محمد بن سعيد بن علي بن الخازن. ح.
وَأَخْبَرَتنَا عاليًا أم محمد وزيرة بنت عمر بن أسعد التنوخي سماعًا عليها، قالت: أنا الحسين بن المبارك بن محمد الربعي سماعًا، قالا: أنا أبو زرعة طاهر بن محمد بن طاهر المقدسي، أنا أبو الحسن مكي بن منصور الكرخي، أنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الاسم، أبنا الربيع بن سليمان المرادي، أنا الإِمام أبو عبد اللَّه محمد بن إدريس الشافعي، أنا ابن عيينة -يعني سفيان- عن عبد اللَّه بن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁. ح.
وَأَخْبَرَنَا أبو عبد اللَّه محمد بن أحمد بن أبي الهيجاء الصالحي بقراءتي قال: نا أبو علي الحسن بن محمد بن محمد بن البكري، أنا أبو روح عبد المعز بن محمد الهروي، أنا أبو القاسم زاهر بن طاهر الشحامي، أنا أبو سعد محمد بن عبد الرحمن الكنجروذي، أنا أبو طاهر محمد بن الفضل بن محمد، أنا جدي الإِمام أبو بكر محمد ابن إسحاق بن خزيمة، ثنا عبد الجبار بن العلاء وسعيد بن عبد الرحمن المخزومي، قالا: ثنا سفيان، ثنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة. ح.
وسفيان، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة. ح.
قال ابن خزيمة: وثنا يونس بن عبد الأعلى، ثنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "نَحْنُ الآخِرُونَ وَنَحْنُ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبلِنَا وَأُوتِينَاهُ من بَعْدِهِمْ، ثم هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ".
وفي حديث مالك: "هَذَا يَوْمُهُم الَّذِي فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ فَهَدَانَا اللَّهُ لَهُ يَعْنِي يَوْم الْجُمُعَة، النَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ الْيَهُودُ غَدًا وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ".
وَأَخْبَرَنَاهُ أَيضًا محمد بن أبي العز بن مشرف سماعًا وآخرون، قالوا: أنا الحسين ابن المبارك البغدادي، أنا عبد الأول بن عيسى الهروي، أنا عبد الرحمن بن محمد بن المظفر، أنا عبد اللَّه بن أحمد بن حمويه، أنا محمد بن يوسف، ثنا الإِمام محمد بن إسماعيل، ثنا أبو اليمان، أنا شعيب، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة
стр. 104
-﵁ بنحوه.
وَأَخْبَرَنَا العلامة أبو العباس أحمد بن إبراهيم بن سباع الخطيب قراءة عليه وأنا أسمع وابن أخيه شيخنا الرباني العلامة أبو إسحاق إبراهيم بن شيخ الإِسلام تاج الدين عبد الرحمن -قدس اللَّه روحه- وأبو الحسن علي بن محمد بن ممدود البندنيجي، وأبو عبد اللَّه محمد بن عمر بن خواجا إمام، ومحمد بن أبي بكر بن طرخان، وأحمد بن حمود بن عمر الحراني بقراءتي عليهم.
قال شيخنا الأول: أنا العلامة أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن بن الصلاح الشافعي، وعتيق بن أبي الفضل البيلماني، ومحمد بن علي بن محمود العسقلاني، ومحمد بن أحمد بن علي القرطبي.
وقال ابن ممدود: أنا أحمد بن عمر الباذبيني.
وقال ابن خواجا إمام: أنا إبراهيم بن عمر بن مضر الواسطي.
وقال الباقون: أنا أحمد بن عبد الدايم المقدسي.
قال عتيق: أنا الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن الدمشقي.
وقال ابن الصلاح والباذبيني: أنا المؤيد بن محمد الطوسي.
وقال العسقلاني والواسطي: أنا منصور بن عبد المنعم الفراوي.
وقال القرطبي وابن عبد الدايم: أنا محمد بن علي بن صدقة.
قالوا: أنا محمد بن الفضل بن أحمد الفقيه، أنا عبد الغافر بن محمد الفارسي، أنا أحمد بن محمد بن عمرويه، أنا إبراهيم بن محمد الزاهد، ثنا الإِمام مسلم بن الحجاج، ثنا محمد بن رافع، ثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن همام بن منبه، قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة ﵁، عن النبي ﷺ . . . فذكره.
وَأَخْبَرَنَا محمد بن أحمد بن الزراد، أنا محمد بن أبي بكر بن خلفه أنبأنا الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد السلفي، أنا مرشد بن يحيى المديني، أنا علي بن محمد الفارسي، أنا عبد اللَّه بن محمد بن الناصح، ثنا أحمد بن علي المروزي، ثنا هدبة بن خالد، ثنا همام، ثنا قتادة، عن عبد الرحمن مولى أم برثن، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْجُمُعَةَ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَنَا فَاخْتَلَفُوا فِيهَا فَهَدَانَا اللَّهُ لَهَا، فَالنَّاسُ لَنَا فِيهَا تَبَعٌ فَالْيَوْمَ لَنَا وَغَدًا لِلْيَهُودِ وَبَعْدَ غَدٍ لِلنَّصَارَى".
стр. 105
وَأَخْبَرَنَاهُ أعلى من هذه الروايات كلها أبو محمد القاسم بن مظفر بن محمود الدمشقي بها، عن أبي الوفاء محمود بن إبراهيم بن منده الأصبهاني أدنى منها، أنا أبو الخير محمد بن أحمد الباغبان، أنا عبد الوهاب بن محمد بن إسحاق العبدي، أنا أبي الحافظ أبو عبد اللَّه بن منده، أنا محمد بن عمر بن حفص، ثنا إسحاق بن إبراهيم شاذان، ثنا سعد بن الصلت، عن الأَعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁, عن النبي ﷺ قال: "نَحْنُ الآخِرُونَ الأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَنَحْنُ أَوَّلُ النَّاسِ دُخُولًا الْجَنَّة بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ، فَهَدَانَا اللَّهُ لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ، فَهَذَا الْيَومُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ الْجُمُعَة فَهُوَ لنَا وَلِلْيَهُودِ السَّبت وَلِلنَّصَارَى الأَحَد".
هذا حديث صحيح ثابت متفق عليه من حديث حافظ الصحابة أبي هريرة الدوسي ﵁، وقد اختلف في اسمه واسم أبيه اختلافًا كثيرًا يتحصل منه ثلاثون قولًا لا فائدة في الإطالة بذكرها والمشهور أن اسمه عبد الرحمن بن صخر. وقال هشام بن محمد الكلبي وخليفة بن خياط: اسمه عمير بن عامر بن عبد ذي الشرى بن طريف ابن عتاب بن أبي صعب بن منبه بن سعد بن ثعلبة بن سليم بن فهم بن غنم بن دوس -وهو الذي تنسب إليه القبيلة- بن عدثان بن عبد اللَّه بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن مالك بن نصر بن الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان.
جماع اليمن، أسلم أيام خيبر وكانت في أوائل سنة سبع من الهجرة ولزم من حينئذ رسول اللَّه ﷺ رغبة في العلم إلى أن توفي ﷺ ، وهو أكثر الصحابة حديثًا، روي له عن النبي ﷺ خمسة آلاف وثلاثمائة وأربعة وسبعون حديثًا، اتفق البخاري ومسلم منها على ثلاثمائة وخمسة وعشرين حديثًا، وانفرد البخاري بثلاثة وتسعين حديثًا، ومسلم بمائة وتسعة وثمانين حديثًا.
قال البخاري: روى عن أبي هريرة فوق ثمانمائة رجل أو أكثر من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين، وأخرج في "صحيحه" عنه أنه قال: ما أحد أكثر
стр. 106
حديثًا عن رسول اللَّه ﷺ مني إلا ما كان من عبد اللَّه بن عمرو فإنه كان يكتب وكنت لا أكتب (١).
وفي "الصحيح" أيضًا عنه أنه قال: إن إخواني من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وإن إخواني من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم، وكنت امرءًا مسكينًا ألزم رسول اللَّه ﷺ على ملء بطني؛ فأشهد إذا غابوا وأحفظ إذا نسوا، وقد قال رسول اللَّه ﷺ في حديث يحدثه: "إِنَّهُ لَنْ يَبْسُطَ أحَدٌ ثَوْبَهُ حتَّى أَقْضِيَ مَقَالَتي هَذِهِ ثُمَّ يَجْمَعَ إِلَيهِ ثَوْبَهُ إِلَّا وَعَى مَا أَقُولُ".
قال: فبسطت نمرة كانت عليَّ حتى إذا قضى رسول اللَّه ﷺ مقالته جمعتها إلى صدري فما نسيت من مقالة رسول اللَّه ﷺ تلك من شيء (٢).
وفي "صحيح مسلم" أن النبي ﷺ قال: "اللَّهُمَّ حَبِّبْ أَبَا هُرَيْرَةَ إِلَى عِبَادِكَ الْمُؤمِنينَ". قال أبو هريرة ﵁: فلا يسمع بي مؤمن إلا أحبني (٣).
وَفَضَائِلُهُ كَثِيرَةٌ.
توفي في قصره بالعقيق على أميال من المدينة سنة ثمان وخمسين في قول الأكثرين -وقيل: سنة سبع، وقيل: سنة تسع- وحمل إلى المدينة فدفن بها، وكان سِنُّه يوم مات ثمانيًا وسبعين سنة ﵁.
اتفق البخاري ومسلم على إخراج هذا الحديث من عدة طرق:
فأَمَّا طَرِيقُ طَاوُسٍ: فرواها البخاري عن موسى بن إسماعيل، عن وهيب (٤). وأخرجها مسلم عن محمد بن يحيى بن أبي عمر، عن سفيان بن عيينة (٥). وعن محمد ابن حاتم، عن بهز بن أسد، عن وهيب بن خالد، كلاهما عن عبد اللَّه بن طاوس،
стр. 107
عن أبيه به (١). ورواها النسائي عن خشيش بن أصرم، عن عبد الرزاق كما رويناه أولا فوقع بدلًا له عاليًا (٢).
وَطَرِيقُ الأَعْرَجِ: رواها البخاري عن أبي اليمان، عن شعيب كما رويناه عنه (٣). ومسلم عن ابن أبي عمر، عن سفيان بن عيينة كما رويناه أَيضًا (٤).
وَأَمَّا طَرِيقُ أَبِي صَالِحٍ، عن أبي هريرة فانفرد بها مسلم فرواها عن قتيبة بن سعيد وزهير بن حرب، كلاهما عن جرير بن عبد الحميد، عن الأَعمش، عن أبي صالح -واسمه ذكوان- عنه (٥).
وكذلك انفرد مسلم أَيضًا بطريق همام بن منبه، عن أبي هريرة كما سقناه من حديثه (٦).
وأخرجه أَيضًا من حديث أبي حازم سلمان مولى عزة الأشجعية، عن أبي هريرة، ومن حديث ربعي بن حراش، عن حذيفة بن اليمان ﵁، عن النبي ﷺ (٧)، وقد وقع لنا عاليًا من هذا الوجه أَيضًا:
أَخْبَرَنَاهُ أبو العباس أحمد بن أبي بكر بن حامد الأرموي وأبو عبد اللَّه محمد بن منصور الحلبي وأبو العباس أحمد بن أبي العز إبراهيم بن أبي عمر وأبو محمد حمزة بن عبد اللَّه بن حمزة ومحمد بن إبراهيم بن مرى ومحمد بن عبد اللَّه بن أحمد الصالحيون وجماعة آخرون.
قال الأولان: أنا أحمد بن علي بن يوسف الدمشقي.
وقال الأول أَيضًا: أنا إسماعيل بن عبد القوي الأنصاري.
стр. 108
وقال الثاني أَيضًا: أنا عبد اللَّه بن عبد الواحد المصري.
وقال الباقون: أنا محمد بن إسماعيل المقدسي، قالوا: أنا هبة اللَّه بن علي البوصيري، أنا مرشد بن يحيى المديني، أنا محمد بن الحسين النيسابوري، أنا محمد ابن عبد اللَّه بن حيويه، ثنا أحمد بن شعيب النسائي الحافظ، أنا واصل بن عبد الأعلى، ثنا ابن فضيل، عن أبي مالك الأَشجعي. ح.
وَأَخْبَرَنَا القاسم بن مظفر الدمشقي بقراءتي، عن الأنجب بن أبي السعادات وعبد اللطيف بن محمد البغداديين، قالا: أنا طاهر بن محمد المقدسي، أنا محمد بن مكي ابن الهيثم، أنا القاسم بن أبي المنذر الخطيب، أنا علي بن إبراهيم بن سلمة، ثنا محمد ابن ماجه الحافظ، ثنا علي بن المنذر، ثنا ابن فضيل، ثنا أبو مالك الأَشجعي، عن أبي حازم، عن أبي هريرة.
وعن ربعي بن حراش، عن حذيفة ﵄ قالا: قال رسول اللَّه ﷺ : "أَضَلَّ اللَّهُ عَنِ الْجُمُعَةِ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا، فكَانَ لِلْيَهُودِ يَوْمُ السَّبتِ وَكَانَ لِلنَّصَارَى يَوْمُ الأَحَدِ، فَجَاءَ اللَّهُ بِنَا فَهَدَانَا لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ فَجَعَلَ الْجُمُعَةَ وَالسَّبْتَ وَالأَحَدَ وَكَذَلِكَ هُمْ تَبَعٌ لَنَا يَوْم الْقِيَامَةِ وَنَحْنُ الآخِرُونَ مِنْ أَهْلِ الدُّنيَا الأَوَّلُونَ يَوْم الْقِيَامَةِ الْمقْضِي لَهُمْ قَبْلَ الْخَلَائقِ".
هذا لفظ رواية النسائي (١)، ورواية ابن ماجه (٢) مختصرة عن هذا بمعناه.
أخرجه مسلم (٣) عن واصل بن عبد الأعلى كما رويناه فوافقناه فيه بعلو، وقد رواه عن أبي هريرة أيضًا: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف فيما:
أَخْبَرَتْنَا وزيرة بنت عمر التنوخية، أنا الحسين بن المبارك، أنا طاهر بن محمد، أنا مكي بن علان، أنا أحمد بن الحسن، أنا محمد بن يعقوب، أنا الربيع بن سليمان، أنا الإمام محمد بن إدريس، أنا إبراهيم بن محمد، حدثني محمد بن عمرو بن علقمة،
стр. 109
عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْم الْقِيَامَةِ. . . " فذكره كما تقدم.
فهؤلاء سبعة رووه عن أبي هريرة ﵁ فهو مشهور عنه وهو عزيز عن النبي ﷺ بمتابعة حذيفة بن اليمان لأبي هريرة ﵃.
وَالْمَبَاحِثُ المُتَعلِّقَةُ بِهَذَا السَّنَدِ مِنْ عُلُومِ الْحَدِيثِ كَثيرَةٌ لَكِنْ نُشِيرُ إِلَى شَيْءٍ مِنْهَا عَلَى وَجْهِ الاخْتِصَارِ:
وهو أنه قد تقرر أن الخبر على قسمين: مُتَوَاتِرٌ وَآحَادٌ، وأن المتواتر خبر الجماعة المفيد بنفسه العلم بصدق ذلك الخبر، وشرطه استواء الطرفين والواسطة، والبحث فيه مع من ينكر إفادته العلم مشهور فلا فائدة في ذكره وكذلك الكلام في اشتراط عدد المخبرين، والصحيح أنه لا يشترط فيه عدد.
وأما خبر الواحد فهو ما لم ينته إلى التواتر وهو على ضربين: مستفيض وغيره، والأول هو المسمى عند أهل الحديث بالمشهور: وهو ما زادت نقلته على ثلاثة، وينقسم إلى:
- مشهور بين أهل الحديث وغيرهم كحديث: "الْمُسْلِمُ مَن سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ" (١).
- وإلى مشهور بين أهل الحديث خاصة وهو الكثير، وينقسم أَيضًا إلى:
• مشهور صحيح كهذا الحديث عن أبي هريرة.
• وإلى مشهور ضعيف كحديث: "طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ" (٢).
وغير المشهور ما نقص عن هذه الدرجة، وكل منها مفيد للظن القاصر عن العلم عند الجمهور من أئمة الأصول والفقه، لكن الظن الحاصل من الخير المشهور أقوى منه من غيره وتظهر فائدة ذلك عند التعارض والترجيح، وذهب جمهور أهل
стр. 110
الحديث إلى أن الخبر المشهور الذي تعددت طرقه وكثرت مخارجه وهي صحيحة كلها تفيد العلم النظري لا الضروري، وهذا اختيار الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني (١) وأبي بكر بن فورك (٢) والإمام أبي منصور التميمي (٣)، وفي كلام إمام الحرمين (٤) ما يقتضي الميل إليه، وكذلك القاضي الماوردي (٥) كما سنحكيه عنه، وعلى هذا ينبغي أن يتنزل قول الإمام أحمد أن خبر الواحد يفيد العلم لا مطلقًا فإنه بعيد أن يقول به، والصحيح أن مثل هذا وإن أفاد العلم فلا يفيده لكل أحد ولا