← Акыда

Акыда · id 16932

تسديد الإصابة فيما شجر بين الصحابة

ذياب الغامدي

Полный текст (194 стр.). Показаны 176–194 · переход к 181.

стр. 176

وقَدْ يَكُوْنَانِ جَمِيْعًا مُخْطِئَيْنِ مَغْفُوْرًا لَهُمَا، كَمَا ذَكَرْنَا نَظِيْرَ ذَلِكَ مِمَّا كَانَ يَجْرِي بَيْنَ الصَّحَابَةِ. ولِهَذَا يُنْهَى عَمَّا شَجَرَ بَيْنَ هَؤُلاءِ سَوَاءٌ كَانُوا مِنَ الصَّحَابَةِ أو مِمَّنْ بَعْدَهُم، فَإذَا تَشَاجَرَ مُسْلِمَانِ في قَضِيَّةٍ، ومَضَتْ ولا تَعَلُّقَ للنَّاسِ بِها، ولا يَعْرِفُونَ حَقْيِقَتَها، كَانَ كَلامُهُم فِيْها كَلامًا بِلا عِلْمٍ ولا عَدْلٍ يَتَضَمَّنُ أذَاهُما بِغْيرِ حَقٍّ، ولَوْ عَرَفُوا أَنَّهُما مُذْنِبانِ مُخْطِئَانِ، لكَانَ ذِكْرُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ مَصْلَحَةٍ رَاجِحَةٍ مِنْ بَابِ الغِيْبةِ المَذْمُومةِ! لكِنَّ الصَّحَابَةَ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِم أجْمَعِيْنَ أعْظَمُ حُرْمَةً، وأجَلُّ قَدْرًا، وأنْزَهُ أعَرْاضًا، وقَدْ ثَبَتَ مِنْ فَضَائِلِهِم خُصُوْصًا وعُمُومًا ما لَمْ يَثْبُتْ لِغَيْرِهِم، فلِهَذَا كَانَ الكَلامُ الذَّي فِيْهِ ذَمُّهُم على ما شَجَرَ بَيْنَهُم أعْظَمَ إثْمًا مِنَ الكَلامِ في غَيْرِهِم» (١). وَقَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀: «إِذَا رَأيْتَ أحَدًا يَذْكُرُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِسُوْءٍ فَاتَّهِمْهُ عَلَى الإِسْلامِ!» (٢). * * *

стр. 177

الإيْرَادُ الثَّانِي: لَعَلَّ قَائِلاً يَقُوْلُ: إنَّنَا نَجِدُ كَثِيْرًا مِنْ كُتُبِ التَّارِيْخِ المَشْهُورَةِ المرْضِيَّةِ عِنْدَ عَامَّةِ المُسْلِمْيِنَ قَدْ ذَكَرَتْ ما جَرَى، وحَصَلَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ ﵃ بِكُلِّ تَفْصِيْلٍ وتَحْلِيْلٍ، فَلَنَا فِيْهِم أُسْوَةٌ حَسَنةٌ فَيَسَعُنا ما يَسَعُهُم؟! أقُوْلُ: إنَّ هَذَا القَوْلَ حَقٌّ لا شَكَّ فِيْهِ، فَقَدْ ذَكَرَتْ كُتُبُ التَّارِيْخِ بِعَامَّةٍ ما شَجَرَ بَيْنَ الصَّحَابةِ ﵃، بَيْدَ أنَّها لَمْ تَذْكُرْ ذَلِكَ للاسْتِئْناسِ والتَّشَوُّفِ لأخْبَارِهِم والتَّفَكُّهِ بِحُرُوْبِهِم وقِتَالِهِم ونَحْوِ ذَلِكَ؛ فَحَاشَاهُم رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالى، فَهُم أبْعَدُ النَّاسِ عَنْ ذَلِكَ! كَمَا لا نَنْسَ (أيْضاً) أنَّه كَمَا ثَبَتَ في كُتُبِهِم ما شَجَرَ بَيْنَ الصَّحَابةِ ﵃؛ فَكَذَا قَدْ ثَبَتَ تَقْرِيرُهُم لِمُعْتَقَدِ السَّلَفِ عَنِ الكَفِّ وَالإمْسَاكِ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَهُم. وهَذَا لَمْ يَكُنْ مِنْهُم مَحْضُ التَّنَاقُضِ كَمَا يَزْعُمُه مَنْ لَيْسَ لَهُ أدْنى عِلْمٍ بِحَالِهِم، فَهَؤُلاءِ الأئِمَّةُ قَدْ ذَكَرُوا ذَلِكَ وسَطَّرُوْهُ في كُتُبِهِم لأُمُوْرٍ مَهِمَّةٍ مِنْها: الأمْرُ الأوَّلُ: إبْرَاءً للذِّمَّةِ، فَكَانَ مِنَ الأمَانَةِ العِلْمِيَّةِ أنْ يَذْكُرُوْا ذَلِكَ حِفْظًا لِلتَّارِيْخِ الإسْلامِيِّ مِنْ عَادِيَةِ المُحَرِّفِيْنَ أهْلِ البِدَعِ والأهْوَاءِ؛

стр. 178

كَيْ لا يَدْخُلُ فِيْهِ ما لَيْسَ مِنْهُ، أو إخْرَاجُ ما هُوَ مِنْهُ، لِذَا جَعَلُوا مِنْ أَنْفُسِهِم حُرَّاسًا على تَارِيْخِ الأُمَّةِ الإسْلاَمِيَّةِ. * * * الأمْرُ الثَّانِي: كَانَ هَذَا مِنْهُم إتْمَامًا لِلتَّارِيْخِ الإِسْلامِيِّ، فَكَمَا بَدَءوا بِكَتْبِ أوَّلِهِ، فَكَذَا سَارُوا إلى آخِرِهِ دُوْنَ نَقْصٍ أو ثَلْبٍ؛ مِمَّا قَدْ يُجْعَلُ لِلطَّاعِنْيِنَ عَلَيْنَا سَبِيْلاً؛ لِذَا كَانَ في جَمْعِ ما وَرَدَ مِنْ رِوَاياتٍ وأخْبارٍ حَوْلَ الصَّحَابَةِ ﵃ جُنَّةً يَتَصَدَّى بِهَا السَّلَفيُّ في وَجْهِ كُلِّ مُبْتَدِعٍ، وخَنْجَرًا في نَحْرِ كُلِّ ضَالٍّ، كَمَا يَقُولُ ابنُ تَيْمِيَّةَ ﵀: «لَكِنْ إذَا ظَهَرَ مُبْتَدِعٌ يَقْدحُ فِيْهُم (في الصَّحَابةِ) بِالبَاطِلِ، فَلاَ بُدَّ مِنَ الذَّبِّ عَنْهُم، وذِكْرِ ما يُبْطِلُ حُجَّتَهُ بِعِلْمٍ وعَدْلٍ» (١). فَهَذِه الأُمَمُ أجْمَعُ لا تَعْتَزُّ إلاَّ بِعِزِّ تَارِيْخِها، ولا تُذَلُّ إلاَّ بِضَيَاعِ تَارِيْخِها أو بَعْضِهِ؛ فَتَأمَّلْ يا رَعَاكَ اللهُ! * * * الأمْرُ الثَّالِثُ: كَذَلِكَ أرَادُوا مِنْ ذِكْرِ وحِفْظِ أخْبَارِهِم ﵃ العِبْرَةَ والعِظَةَ لِمَنْ بَعْدِهِم، كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ أبُو الفَرَجِ ابنِ

стр. 179

الجَوْزِيُّ ﵀ بِقَوْلِهِ: «واعْلَمْ أنَّ في ذِكْرِ السِّيَرِ والتَّوَارِيْخِ فَوَائِدَ كَثِيْرَةً؛ أهَمُّهَا فَائِدَتَانِ: أحَدُهُمَا: أنَّه إنْ ذُكِرَتْ سِيْرَةُ حَازِمٍ، ووُصِفَتْ عَاقِبَةُ حَالِهِ عَلِمْتَ حُسْنَ التَّدْبِيْرِ واسْتِعْمَالَ الحَزْمِ، وإنْ ذُكِرَتْ سِيْرَةُ مُفَرِّطٍ ووُصِفَتْ عَاقِبَتُهُ خِفْتَ مِنْ التَّفرِيْطِ ... ويَتَضَمَّنُ ذَلِكَ شَحْذَ صَوَارِمِ العُقُوْلِ، ويَكُونُ رَوْضَةً لِلْمُتَنَزِّهِ في المَنْقُوْلِ. الثَّانِيَةُ: أنْ يَطَّلِعَ بِذَلِكَ على عَجَائِبِ الأُمُوْرِ، وتَقَلُّبَاتِ الزَّمَانِ، وتَصَارِيْفِ القَدَرِ، والنَّفْسُ تَجِدُ رَاحَةً بِسَمَاعِ الأخْبَارِ» (١). وبِهَذَا نَعْلَمُ أنَّ بَعْضَ الأحْكَامِ الشَّرعِيَّةِ قَدْ تَبيَّنَتْ مِنْ خِلالِ ما حَصَلَ بَيْنَ الصَّحَابةِ ﵃؛ فَمِنْ ذَلِكَ: أحْكَامُ قِتَالِ أهْلِ البَغْي كَمَا قَرَّرَ ذَلِكَ عَليٌّ ﵁ مَعَ المُخَالِفِيْنَ، وهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ ومُهِمٌّ؛ ولَوْلا ما حَصَلَ بَيْنَهُم مِنْ قِتَالٍ لمَا عُلِمَ ذَلِكَ، واللهُ أعْلَمُ (٢). * * *

стр. 180

الأمْرُ الرَّابِعُ: كَذَلِكَ نَجِدُهُم لَمْ يَذْكُرُوا أخْبَارَ وحَوَادِثَ هَذَهِ الفِتْنَةِ سَرْدًا بِلا زِمامٍ أو خِطَامٍ؛ بَلْ أسْنَدُوْها إبْرَاءً لِلذِّمَّةِ، في حِيْنَ نَرَاهُم لَمْ يُغْفِلُوا هَذَا الجَانِبَ رَأسًا؛ بَلْ لَهُم عِنَايةٌ بنَقْدِ كَثِيْرٍ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ والأخْبَارِ مَعَ بَيَانِ صَحِيْحِها مِنْ سَقِيْمِها، وتَوْجِيْهِ ما أمْكَنَ تَوْجِيْهُهُ. وهَذا ما قَرَّرَهُ ابنُ جَرِيْرٍ ﵀ في مُقدِّمةِ كِتَابِه (تَارِيْخِ الأُمُمِ والمُلُوْكِ): «... فَمَا يَكُنْ في كَتابِي هَذَا مِنْ خَبَرٍ ذَكَرْنَاهُ عَنْ بَعْضِ المَاضِيْنَ مِمَّا يَسْتَنْكِرُهُ قَارِئُه، أو يَسْتَشْنِعُهُ سَامِعُهُ، مِنْ أجْلِ أنَّه لَمْ يَعْرِفْ لَهُ وَجْهًا في الصِّحَّةِ، ولا مَعْنىً في الحَقِيْقَةِ، فلْيَعْلَمْ أنَّه لَمْ يُؤتَ في ذَلِكَ مِنْ قِبَلِنَا، وإنَّمَا أُتِيَ مِنْ قِبَلِ بَعْضِ نَاقِلِيْهِ إلَيْنا، وأنَّا إنِّما أدَّيْنا ذَلِكَ على نَحْوِ ما أُدِّيَ إلَيْنا» (١). * * * الأمْرُ الخَامِسُ: كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ قَصْدُهُم مِنْ ذِكْرِ وكِتَابةِ ما شَجَرَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ ﵃ نَشْرَها وتَرْوِيْجَها بَيْنَ الخَاصَّةِ والعَامَّةِ مِنَ المُسْلِمِيْنَ كَلاَّ (ما هَذَا أرَادُوهُ)؛ بَلْ غَايَةُ عِلْمِهِم أنَّ الَّذِي سَيَقِفُ

стр. 181

مُسْتَفِيْدًا مِنْ كُتُبِهِم هُمُ العُلَمَاءُ خَاصَّةً دُوْنَ عَامَّةِ المُسْلِمِيْنَ كَمَا هُوَ مَألُوْفٌ لَدَى الجَمِيْعِ. * * * ومِنْ نَفَائِسِ الكَلامِ ودُرَرِهِ، مِمَّا هُوَ جَدِيرٌ بطَالِبِ العِلْمِ (في زَمَانِنِا!) أنْ يُنْعِمَ النَّظَرَ فِيْهِ؛ هُوَ ما قَالَهُ السُّبْكِيُّ ﵀ (٧٧١) في كِتَابِه (طَبَقَاتِ الشَّافِعِيَّةِ الكُبْرَى): «لا يَزَالُ طَالِبُ العِلْمِ عِنْدِي نَبِيْلاً حَتَّى يَخُوضَ فِيْمَا جَرَى بَيْنَ السَّلَفِ المَاضِيْنَ، ويَقْضِي لِبَعْضِهِم على بَعْضٍ» (١). * * * وبَعْدَ هَذَا: هَاكَ أخِي المُسْلمُ الكرِيْمُ ما قَالَهُ الإمَامُ المُحَدِّثُ أبُو بَكْرٍ الآجُرِّيُّ ﵀ (٣٦٠) كَيْ تَقَرَّ عَيْنُكَ، ويَطْمَئِنَّ قَلْبُكَ لِمَا سَطَّرنا لَكَ آنِفًا حَيْثُ نَرَاهُ يَرُدُّ على بَعْضِ الاعْتِرَاضَاتِ وَالإيْرَادَاتِ نَحْوِ ما شَجَرَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ ﵃: قَالَ ﵀ بِاخْتِصَارٍ: يَنْبَغِي لِمَنْ تَدَبَّرَ ما رَسَمْنَا مِنْ فَضَائِلِ أصْحَابِ رَسُولِ اللهُ ﷺ ، وفَضَائِلِ أهْلِ بَيْتِهِ رَضِيَ اللهُ

стр. 182

عَنْهُم أجْمَعَيِنَ أنْ يُحِبَّهُم، ويتَرَحَّمَ عَلَيْهِم، ويَسْتَغْفِرَ لَهُم، ويُثْنيَ عَلَيْهِم ويَشْكُرَ اللهَ العَظِيْمَ إذْ وَفَّقَهُ لِهَذَا، ولا يَذْكُرُ ما شَجَرَ بَيْنَهُم، ولا يُنَقِّرُ عَنْهُم، ولا يَبْحَثُ. فإذَا عَارَضَنا جَاهِلٌ مَفْتُوْنٌ قَدْ خُطِيَ بِهِ عَنْ طَرِيْقِ الرَّشَادِ، فَقَالَ: لِمَ قَاتَلَ فُلانٌ لفُلانٍ؟ ولِمَ قَتَلَ فُلانٌ لفُلانٍ وفُلانٍ؟! قِيْلَ لَهُ: ما بِنَا وبِكَ إلى ذِكْرِ هَذا حَاجَةٌ تَنْفَعُنَا، ولا اضْطَرَرْنا إلى عِلْمِها. فإنْ قَالَ قَائِلٌ: ولِمَ؟ قِيْلَ: لأنَّها فِتَنٌ شَاهَدَها الصَّحَابَةُ ﵃، فكَانُوا فِيْها على حَسَبِ ما أرَاهُمُ العِلْمُ بِها، وكانُوا أعْلَمَ بتَأْوِيْلِها مِنْ غَيْرِهِم، وكانُوا أهْدَى سَبِيْلاً مِمَّنَ جَاءَ بَعْدَهُم. لأنَّهُم أهْلُ الجَنَّةِ، عَلَيْهِمُ نَزَلَ القُرْآنُ، وشَاهَدُوْا الرَّسُوْلَ ﷺ ، وجَاهَدُوا مَعَهُ، وشَهِدَ اللهُ لَهُم بالرِّضْوَانِ، والمَغْفِرَةِ، والأجْرِ العَظِيْمِ، وشَهِدَ لَهُمُ الرَّسُوْلُ ﷺ أنَّهُم خَيْرُ قَرْنٍ. فكَانُوْا باللهِ أعْرَفَ، وبرسُوْلِهِ ﷺ ، وبالقُرْآنِ وبالسُّنَّةِ، ومِنْهُم يُؤْخَذُ العِلْمُ، وفي قَوْلِهِم نَعِيْشُ، وبأحْكامِهِم نَحْكُمُ، وبأدَبِهِم نَتَأدَّبُ، ولَهُم نَتَّبِعُ، وبِهَذَا أُمِرْنا.

стр. 183

فإنْ قَالَ قَائِلٌ: وأَيْشٍ الَّذِي يَضُرُّنا مِنْ مَعْرِفَتِنا لِمَا جَرَى بَيْنَهُم، والبَحْثِ عَنْهُ؟ قِيْلَ لَهُ: لاشَكَّ فِيْهِ، وذَلِكَ أنَّ عُقُوْلَ القَوْمِ كَانَتْ أكْبَرَ مِنْ عُقُوْلِنا، وعُقُولُنا أنْقَصُ بكَثِيْرٍ، ولا نَأمَنُ أنْ نَبْحَثَ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَهُم، فَنَزِلُّ عَنْ طَرِيْقِ الحَقِّ، ونَتَخَلَّفُ عَمَّا أُمِرْنا فِيْهِم. فإنْ قَالَ قَائِلٌ: وبِمَ أُمِرْنا فِيْهِم؟ قِيْلَ: أُمِرْنا بالاسْتِغْفَارِ لَهُم، والتَّرَحُّمِ عَلَيْهِم، والمَحَبَّةِ لَهُم، والاتِّباعِ لَهُم ... إلخ. فإنْ قَالَ قَائِلٌ: إنَّما مُرَادِي مِنْ ذَلِكَ لأنْ أكُوْنَ عَالِمًا بِمَا جَرَى بَيْنَهُم فأكُوْنُ لَمْ يَذْهَبْ عَلَيَّ ما كَانُوا فِيْهِ لأنِّي أُحِبُّ ذَلِكَ ولا أجْهَلُهُ. قِيْلَ لَهُ: أنْتَ طَالِبُ فِتْنَةٍ؛ لأنَّكَ تَبْحَثُ عَمَّا يَضُرُّكَ ولا يَنْفَعُكَ، ولَوْ اشْتَغلْتَ بإصْلاحِ ما للهِ عَلَيْكَ فِيْما تَعَبَّدَك بِهِ مِنْ أدَاءِ فَرَائِضِهِ، واجْتِنابِ مَحَارِمِهِ كَانَ أوْلَى بِكَ. وقِيْلَ لَهُ: ولاسِيَّما في زَمَانِنا هَذَا مَعَ قُبْحِ ما قَدْ ظَهَرَ فِيْهِ مِنَ الأهْوَاءِ الضَّالةِ (١).

стр. 184

وقِيْلَ لَهُ: اشْتِغالُكَ بِمَطْعَمِكَ، ومَلْبَسِكَ مِنْ أيْنَ هُوَ أوْلَى بِكَ، وتَمَسُّكُكَ بِدِرْهَمِكَ مِنْ أيْنَ هُوَ، وفِيْمَ تُنْفِقُهُ أوْلَى بِكَ؟ وقِيْلَ: لا نَأمَنُ أنْ تَكُوْنَ بِتَنْقِيرِكَ وبَحْثِكَ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَ القَوْمِ إلى أنْ يَمِيْلَ قلبُكَ فَتَهْوَى ما لا يَصْلُحُ لَكَ أنْ تَهْوَاهُ، ويَلْعَبُ بِكَ الشَّيطانُ فَتَسُبَّ، وتُبْغِضَ مَنْ أمَرَكَ اللهُ بِمَحَبَّتِهِ، والاسْتِغْفَارِ لَهُ وباتِّباعِهِ، فَتَزِلَّ عَنْ طَرِيْقِ الحَقِّ، وتَسْلُكَ طَرِيْقَ البَاطِلِ ... إلخ (١).

стр. 185

البَابُ الثَّامِنُ خُلاصَةُ البَحْثِ

стр. 186

البَابُ الثَّامِنُ خُلاصَةُ البَحْثِ هَذِهِ خُلاصَةٌ جَمَعْنَاها بَيْنَ يَدَيْ القَارِئ بَعْدَ انْتِقَاءٍ مُحَرَّرٍ، فِيْها إجْمَالُ ما حَوَتْهُ الأبْوَابُ والفُصُوْلُ، بَعْدَ بَحْثٍ وتَحْقِيْقٍ تَأخُذُ بِيَدِ القَارِئ إلى رِيَاضِ الحَقِّ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الكِتَابُ، والسُّنَّةُ، والإجْمَاعُ، وأقْوَالُ السَّلَفِ نَحْوُ: أصْحَابِ الرَّسُوْلِ ﷺ ، فَهِيَ إجْمَاعَاتٌ واتِّفاقَاتٌ يَأخُذُ بَعْضُها برِقَابِ بَعْضٍ وللهِ الحَمْدُ، فَهَاكَهَا في نُقَاطٍ ثَمَانٍ: الأوْلى: أجْمَعَ أهْلُ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ على أنَّ أُمَّ المُؤْمِنِيْنَ عَائِشَةَ وطَلْحَةَ والزُّبَيْرَ ﵃ لَمْ يَقْصُدُوا بِخُرُوْجِهِم إلى البَصْرةِ إلاَّ الإصْلاحَ بَيْنَ المُسْلِمِيْنَ. الثَّانِيَةُ: وأجْمَعُوا (أيْضًا) على أنَّ عَائِشَةَ وطَلْحَةَ والزُّبَيْرَ لَمْ يَدَّعُوْا الخِلافَةَ لأحَدٍ مِنْهُم، ولَمْ يُنازِعُوا عَلِيًّا في خِلافَتِهِ. وأنَّ الصُّلْحَ قَدْ حَصَلَ بَيْنَهُم، وهُوَ أخْذُ القَصَاصِ مِنْ قَتَلَةِ عُثْمَانَ ﵁.

стр. 187

الثَّالِثَةُ: أنَّ ما وَقَعَ في (الجَمَلِ) مِنْ قِتَالٍ بَيْنَ عَليٍّ، وبَيْنَ عَائِشَةَ وطَلْحَةَ والزُّبَيْرِ كَانَ دُوْنَ عِلْمٍ مِنْهُم؛ بَلْ أصْحَابُ الفِتْنَةِ مِنَ الثُّوَّارِ والأعْرَابِ هُمُ الَّذِيْنَ انْشَبُوْا الحَرْبَ بَيْنَ الفَرِيْقَيْنِ مَكْرًا وزُوْرًا، فَعِنْدَئِذٍ وَقَعَ القِتَالُ بَيْنَ الفَرِيْقَيْنِ ظَنًّا مِنْهُما أنَّ الوَاحِدَ مِنْهُم يَدْفعُ عَنْهُ صَوْلَةَ الآخَرِ. الرَّابِعَةُ: أنَّ مُعَاوِيَةَ بنَ أبي سُفْيَانَ ﵁ لَمْ يُقَاتِلْ أو يُنَازِعْ عَليًّا ﵁ على خِلافَةٍ، أو أفْضَلِيَّةٍ قَطُّ، اللَّهُمَّ أنَّه لَمْ يُعْطِ عَليًّا البَيْعَةَ حَتَّى يَقْتُلَ قَتَلَةَ عُثْمَانَ، أو يُسَلِّمَهُم إلَيْه، كَمَا أنَّ عَليًّا ﵁ لَمْ يُقْدِمْ عَلَى القِتَالِ حَتَّى أمْهَلَ مُعَاوِيَةَ عَسَاهُ يَرْضَى بتَقْدِيْمِ البَيْعَةِ أوَّلاً. الخَامِسَةُ: أنَّ مُعَاوِيَةَ بنَ أبي سُفْيَانَ ﵁ اجْتَهَدَ في تَأخِيْرِ البَيْعَةِ، وتَقْدِيْمِ أخْذِ القَصَاصِ مِنَ القَتَلةِ وللمُجْتَهِدِ أجْرُهُ، وحَسْبُنا أنَّ مُعَاوِيَةَ مِنْ أهْلِ الاجْتِهَادِ، مَعَ ما عِنْدَهُ مِنْ صِدْقِ نِيَّةٍ، وبَذْلِ وُسْعٍ فِيْمَا أقْدَمَ عَلَيْه، عِلْمًا أنَّ دَعْوَاهُما حَقٌّ، إلاَّ أنَّ عَلِيًّا كَانَ أقْرَبَ إلى الحَقِّ مِنْ مُعَاوِيَةَ ﵄. السَّادِسَةُ: أنَّ عَدَدَ الصَّحَابَةِ الَّذِيْنَ حَضَرَوْا أيَّامَ الفِتْنَةِ (الجَمَلَ وصِفَّيْنَ) قَلِيْلٌ جِدًّا، لا يَكَادُوْنَ يَتَجَاوَزُونَ الثَّلاثِيْنَ قَطْعًا،

стр. 188

وهُمْ أيْضًا مَعَ حُضُوْرِهِم هَذا لَمْ يُقَاتِلْ مِنْهُم أحَدٌ، أمَّا أكَابِرُ الصَّحَابةِ رَضِيَ اللهُ عَنِ الجَمِيْعِ فَلَمْ يَدْخُلُوْا في فِتْنَةٍ قَطُّ! السَّابِعَةُ: أجْمَعَ أهْلُ السُّنَّةِ قَاطِبَةً على وُجُوْبِ مَحَبَّةِ الصَّحَابَةِ ﵃، والدُّعَاءِ لَهُم، وأنَّهُم كُلَّهم عُدُوْلٌ بلا اسْتِثْنَاءٍ سَوَاءٌ مَنْ لابَسَ الفِتْنَةَ مِنْهُم أو لا، وأنَّ سَبَّهُم زَنْدَقَةٌ ورِدَّةٌ، وأنَّ مُعَاوِيَةَ ﵁ أفْضَلُ مُلُوكِ المُسْلِمِيْنَ قَاطِبَةً بَعْدَ الخُلَفَاءِ الأرْبَعَةِ (أبي بَكْرٍ، وعُمَرَ، وعُثْمَانَ، وعَليٍّ)، وأنَّ مُلْكَهُ مُلْكُ رَحْمَةٍ. الثَّامِنَةُ: أجْمَعَ أهْلُ السُّنَّةِ على الكَفِّ والإمْسَاكِ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ ﵃، والسُّكُوْتِ عَمَّا حَصَلَ بَيْنَهُم مِنْ قِتَالٍ وحُرُوْبٍ. وعَدَمِ البَحْثِ والتَّنْقِيْرِ عَنْ أخْبارِهِم أو نَشْرِها بَيْنَ المُسْلِمِيْنَ لِمَا لَهَا أثَرٌ سَيْئٌ في إثَارَةِ الفِتْنَةِ والضَّغائِنِ، وإيْغَارِ الصُّدُوْرِ عَلَيْهِم، وسُوْءِ الظَّنِّ بِهِم مِمَّا يُقَلِّلُ الثِّقَةَ بِهِم ... ! * * * وأخِيْرًا: هَذا ما أحْبَبْتُ رَسْمُه في كِتَابِي: (تَسْدِيْدِ الإصَابَةِ فِيْمَا شَجَرَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ) مِنْ خِلالِ ثَمانِيَةِ أبْوَابٍ، والثَّمانِيَةُ أيْضًا في ثَمَانِ نُقَاطٍ عَسَى أنْ تَكُوْنَ سَبَبًا لدُخُوْلِي مِنْ أيِّ أبْوَابِ الجَنَّةِ الثَّمانِيَةِ، اللَّهُمَّ أمِيْنَ!

стр. 189

واللهَ أسْألُ أنْ يُرِيَنا الحَقَّ حَقًّا ويَرْزُقَنا اتِّبَاعَهُ، والباطِلَ بَاطِلاً ويَرْزُقَنا اجْتِنَابَهُ آمِيْنَ! والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَى عَبْدِهِ ورَسُولِهِ الأمِيْنِ، وعلى آلِهِ وصَحْبِهِ المَيَامِيْنِ! وكَتَبَهُ ذِيابِ بنِ سَعْدٍ آلِ حَمْدَانَ الغَامِدِيِّ

стр. 190

ثبت المراجع القُرْآنُ الكَرِيْمُ. ١. ... أحْكَامُ القْرَآنِ. للقُرْطُبِيِّ. ٢. ... أصُوْلُ السَّرْخَسِي. للسَّرْخَسِيِّ. ٣. ... الإحْكَامُ في أصُوْلِ الأحْكَامِ. لابنِ حَزْمٍ. ٤. ... الإصَابَةُ في تمِيَيْزِ الصَّحَابَةِ. لابنِ حَجَرٍ. ٥. ... الإعْلانُ بالتَّوْبِيْخِ لمنْ ذَمَّ التَّارِيْخِ. للسَّخَاوِيِّ. ٦. ... الإمَامَةُ. لأبي نُعَيْمٍ الأصْبَهانيِّ. ٧. ... الاسْتِيْعَابُ. لابنِ عَبْدِ البَرِّ. ٨. ... البِدَايَةُ والنِّهَايَةُ. لابنِ كَثِيْرٍ. ٩. ... الجَامِعُ لأحْكَامِ القُرْآنِ. للقُرْطُبيِّ. ١٠. الدُّرُّ المَنْثُورُ. للسِّيُوطِيِّ. ١١. السِّلْسِلَةُ الصَّحِيْحَةُ. للألْبَانيِّ.

стр. 191

١٢. السُّنَّةُ. لعَبْدِ اللِه بنِ أحمَدَ. ١٣. السُّنَّةُ. للخَلالِ. ١٤. السُّنَنُ الأرْبَعَةُ. ١٥. الشَّرْحُ والإبَانَةُ الصُّغْرَى. لابنِ بَطَّةَ. ١٦. الشَّرِيْعَةُ. للآجُرِّيِّ. ١٧. الشِّفَاءُ. للقَاضِي عِيَاضٍ. ١٨. الصَّارِمُ المسْلُوْلُ. لابنِ تَيْمِيَّةَ. ١٩. العَوَاصِمُ مِنَ القَوَاصِمِ. لابنِ العَربيِّ. ٢٠. الفِصَلُ في الأهْوَاءِ والنِّحَلِ. لابنِ حَزْمٍ. ٢١. الكَامِلُ. لابنِ الأثِيْرِ. ٢٢. المُحَلَّى. لابنِ حَزْمٍ. ٢٣. المُسْتَدْرَكُ. للحَاكِمِ. ٢٤. المُغْنِي. لابنِ قُدَامَةَ. ٢٥. المُنْتَظَمُ. لابنِ الجَوْزِيِّ. ٢٦. النَّاهِيَةُ. للفِرْهَارُوِيِّ. ٢٧. تَارِيْخُ ابنِ خُلْدُوْنٍ. لابنِ خُلْدُوْنٍ. ٢٨. تَارِيْخُ الأمَمِ والمُلُوْكِ. لابنِ جَرِيْرٍ الطَّبرِيِّ.

стр. 192

٢٩. تَارِيْخُ اليَعْقُوبيِّ. لليَعْقُوبيِّ. ٣٠. تَارِيْخُ خَلِيْفَةَ. لخَلِيْفَةَ. ٣١. تَارِيْخُ دِمِشْقَ. لابنِ عَسَاكِرَ. ٣٢. تَبْيِيْنُ المُفْتَرِي. لابنِ عَسَاكِرَ. ٣٣. تَحْقِيْقُ مَوَاقِفِ الصَّحَابَةِ في الفِتْنَةِ. لمُحَمَّدٍ أمحْزوْن. ٣٤. تَفْسِيْرُ القُرْآنِ العَظِيْمِ. لابنِ كَثِيْرٍ. ٣٥. تَنْزِيْهُ خَالِ المُؤمِنِيْنَ. لأبي يَعْلَى الحَنْبَليِّ. ٣٦. جَامِعُ البَيَانِ. لابنِ جَرِيْرٍ الطَّبرِيِّ. ٣٧. جَامِعُ بَيَانِ العِلْمِ وفَضْلِه. لابنِ عَبْدِ البَرِّ. ٣٨. حِلْيَةُ الأوْلِيَاءِ. لأبي نُعَيْمٍ الأصْفَهَانيِّ. ٣٩. زَادُ المَسِيْرِ. لابنِ الجَوْزِيِّ. ٤٠. زَادُ المَعَادِ. لابنِ القَيِّمِ. ٤١. سِيَرُ أعْلامِ النُّبَلاءِ. للذَّهَبيِّ. ٤٢. شَرْحُ أصُوْلِ اعْتِقَادِ أهْلِ السُّنَّةِ. للالَكَائيِّ. ٤٣. شَرْحُ العَقِيْدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ. لابنِ أبي العِزِّ. ٤٤. شَرْحُ العَقِيْدَةِ الوَاسِطِيَّةِ. لمُحَمَّدٍ الهَرَّاسِ. ٤٥. شَرْحُ مُسْلِمٍ. للنَّوَوِيِّ.

стр. 193

٤٦. صَحِيْحُ البُخَارِيُّ. ٤٧. صَحِيْحُ التَّرْغِيْبِ. للألْبَانيِّ. ٤٨. صَحِيْحُ الجَامِعِ الصَّغِيْرِ. للألْبَانيِّ. ٤٩. صَحِيْحُ السُّنَنِ الأرْبَعَةِ. للألْبَانيِّ. ٥٠. صَحِيْحُ مُسْلِمٍ. ٥١. طَبَقَاتُ الشَّافِعِيَّةِ الكُبْرَى. للسُّبْكِيِّ. ٥٢. عَقِيْدَةُ أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ في الصَّحَابَةِ. لنَاصِرٍ الشَّيْخِ. ٥٣. عُلُوْمُ الحَدِيْثِ. لابنِ الصَّلاحِ. ٥٤. فَتْحُ البَارِي. لابنِ حَجَرٍ. ٥٥. فَتْحُ القَدِيْرِ. للشَّوكَانيِّ. ٥٦. لِسَانُ العَرَبِ. لابنِ مَنْظُوْرٍ. ٥٧. لَوَامِعُ الأنْوارِ البَهِيَّةِ. للسَّفَّارِيْنِيِّ. ٥٨. مَجْمُوْعُ الفَتَاوَى. لابنِ تَيْمِيَّةَ. ٥٩. مُختَصَرُ الجِنَانِ واللِّسَانِ. لابنِ حَجَرٍ الهَيْتَمِيِّ. ٦٠. مُرُوْجُ الذَّهَبِ. للمَسْعُوْدِيِّ. ٦١. مُسْنَدُ أحمَدَ.

стр. 194

٦٢. مَعَاجِمُ الطَّبَرانيِّ الثَّلاثَةِ. ٦٣. مُعْجَمُ البُلْدَانِ. للحَمَويِّ. ٦٤. مِنْهَاجُ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ. لابنِ تَيْمِيَّةِ. ٦٥. مَنْهَجُ كِتَابَةِ التَّارِيْخِ الإسْلامِيِّ. لمُحَمَّدٍ السُّلَمِيِّ.