← Акыда

Акыда · id 16932

تسديد الإصابة فيما شجر بين الصحابة

ذياب الغامدي

Полный текст (194 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الشُّبهُ الَّتِي قِيْلَتْ حَوْلَ مُعَاوِيَةَ، والرَّدُّ عَلَيْهَا أمَّا ما دَارَ حَوْلَ مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللهُ مِنْ شُبَهٍ وأقْوَالٍ مُحَرَّفَةٍ على غَيْرِ وجْهِهَا فَكَثِيْرٌ لا كَثَّرَهَا اللهُ، قَدْ أفْرَزَها أهْلُ الأهْوَاءِ والبِدَعِ بِدَافِعِ عَقَائِدَ فَاسِدَةٍ، وآرَاءَ باطِلَةٍ ما كَانَ لَهَا أنْ تأخُذَ حَيِّزًا مِنْ عَقَائِدِ المُسْلِمِيْنَ؛ إلاَّ مَعَ وُجُوْدِ انْتِشَارِ الجَهْلِ ودُعَاتِهِ، وقِلَّةِ العِلْمِ ودُعَاتِهِ! ومَهْمَا يَكُنْ مِنْ أمْرٍ؛ فَلَنْ تَقُومَ لِلْبَاطِلِ دَوْلَةٌ؛ اللَّهُمَّ صَوْلَةٌ وجَوْلَةٌ ثمَّ يُزْهِقُهُ اللهُ ويَدْمَغُهُ بالحَقِّ، فالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِيْنَ. * * * لِذَا؛ رَأيْتُ أنْ أقِفَ مَعَ بَعْضِ ما قِيْلَ حَوْلَ مُعَاوِيَةَ مِنْ شُبَهٍ مَشْبُوْهَةٍ لا سِيَّمَا ما كَانَ مِنْهَا مُسْتَنَدُهُ الدَّلِيْلُ الصَّحِيْحُ، أو التَّعْلِيْلُ القَوِيُّ (١)!

стр. 142

الشُبْهَةُ الأوْلَى: ما رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أنَّهُ كان يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ؛ فَجَاءَهُ النَّبِيُّ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ فهَرَبَ وتَوَارَى مِنْهُ، فَجَاءَ لَهُ فَضَرَبَهُ ضَرْبَةً بَيْنَ كَتِفَيْهِ؛ ثمَّ قَالَ: «اذْهَبْ فادْعُ لي مُعَاوِيَةَ» قَالَ: فَجِئْتُ فَقُلْتُ: هُوَ يأكُلْ. ثمَّ قَالَ: «اذْهَبْ فادْعُ لي مُعَاوِيَةَ» قَالَ: فَجِئْتُ فَقُلْتُ: هُوَ يأكُلْ؛ فَقَالَ: «لا أشْبَعَ اللهُ بَطْنَهُ» (١) مُسْلِمٌ. * * * قُلْتُ: لا نَقْصَ على مُعَاوِيَةَ بِهَذا الحَدِيْثِ لأمُوْرٍ، مِنْهَا: الأوَّلُ: لَيْسَ فِيْهِ أنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ لِمُعَاوِيَةِ: رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدْعُوْكَ فَتَبَطَّأ، وإنَّمَا يَحْتَمِلُ أنَّ ابنَ عَبَّاسٍ لمَّا رَآهُ يَأْكُلُ اسْتَحْيَ أنْ يَدْعُوَهُ فَجَاءَ وأخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ بأنَّهُ يَأْكُلُ، وكَذَا في المَرَّةِ الثَّانِيَةِ. الثَّاني: فَيَحْتَمِلُ أنَّ هذا الدُّعَاءَ جَرَى على لِسَانِهِ ﷺ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ، كَمَا قَالَ لِبَعْضِ أصْحَابِهِ: «تَرِبَتْ يَمِيْنُكَ»، ولِبَعْضِ أمَّهَاتِ المُؤْمِنِيْنَ: «عَقْرَى حَلْقَى» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، ونَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الألْفَاظِ الَّتِي تَجْرِي على ألْسِنَتِهِم بِطَرِيْقِ العَادَةِ مِنْ غَيْرِ أنْ يقْصِدُوا حَقِيْقَتَها.

стр. 143

الثَّالِثُ: ما أشَارَ إلَيْهِ الإمَامُ مُسْلِمٌ ﵀، أنَّ مُعَاوِيَةَ ﵁ لم يَكُنْ أهْلاً لِهَذا الدُّعَاءِ؛ وذَلِكَ حِيْنَمَا أوْرَدَ تَحْتَ بَابِ (فَضَائِلِ مُعَاوِيَةَ) حَدِيْثَ: «اللَّهُمَّ إنِّي أغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ البَشَرُ، فَمَنْ سَبَبْتُهُ، أو لَعَنْتُهُ، أو دَعَوْتُ عَلَيْهِ ولَيْسَ أهْلاً لِذَلِكَ فاجْعَلِ اللَّهُمَّ ذَلِكَ لَهُ زَكَاةً، وأجْرًا، وَرَحْمَةً» (١) مُسْلِمٌ، ثمَّ أتْبَعَهُ بِحَدِيْثِ: «لا أشْبَعَ اللهُ بَطْنَهُ ...». وبِهَذا التَّوْجِيْهِ ذَهَبَ كَثِيْرٌ مِنْ أهْلِ العِلْمِ. * * * الشُّبْهَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ بَعْضَهُم زَعَمَ أنَّهُ لم يَصِحْ في فَضَائِلِ مُعَاوِيَةَ ﵁ شَيْئًا؛ مُحْتَجًا بِقَوْلِ إسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ، حَيْثُ قَالَ: «لا يَصِحُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في فَضْلِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أبي سُفْيَانَ شَيْءٌ» (٢). قُلْتُ: أمَّا مَا أُثرَ عَنِ ابْنِ رَاهَوَيْهِ؛ فَهُوَ أثَرٌ لا يَصِحُّ؛ سَنَدًا ومَتْنًا: فأمَّا سَنَدًا: فَفِيْهِ رَجُلٌ مَجْهُوْلُ الحَالِ.

стр. 144

أمَّا مَتْنًا: فَقَدْ وَرَدَتْ أحَادِيْثُ صَحِيْحَةٌ، وآثارٌ ثَابِتَةٌ في فَضْلِ مُعَاوِيَةَ، ممَّا يُقْطَعُ بِرَدِّ ما جَاءَ عنِ إسْحَاقَ بنِ رَاهَوَيْهِ ﵀، وقَدْ مَرَّ بَعْضُها آنِفًا! * * * الشُّبْهَةُ الثَّالِثَةُ: وكَذَا احْتَجُّوا بِصَنِيْعِ البُخَارِيِّ ﵀ في صَحِيْحِهِ حَيْثُ قَالَ: (بَابُ ذِكْرِ مُعَاوِيَة)، ولم يَقُلْ: (فَضَائِلُ أو مَنَاقِبُ مُعَاوِيَةَ)! قُلْتُ: أمَّا قَوْلُ تَصَرُّفِ البُخَارِيِّ في صَحِيْحِهِ فَلَيْسَ فِيْهِ حُجَّةٌ لَهُم؛ بَلْ هُوَ حُجَّةٌ عَلَيْهِم، كَمَا يَلي: أوَّلاً: أنَّ هَذَا تَفنُّنٌ مِنَ البُخَارِيِّ ﵀ لا غَيْرَ؛ وهَذِهِ عَادَتُهُ في صَحِيْحِهِ هذا لِمَنْ سَبَرَ عِلْمَ البُخَارِيِّ في صَحِيْحِهِ مِنْ تَرَاجِمَ، وتَبْوِيْبٍ، وتَعْلِيْقٍ، وتَقْطِيْعٍ لِلأحَادِيْثِ ... وهَكَذَا. ثَانِيًا: نَجِدُ البُخَارِيَّ نَفْسَهُ ﵀ صَنَعَ مِثْلَ هَذَا التَّبْوِيْبِ في بَعْضِ الصَّحَابَةِ مِثْلِ: أسَامَةَ بنِ زَيْدٍ، وعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ، وجُبَيْرِ بنِ

стр. 145

مُطْعِمِ بنِ عَبْدِ اللهِ؛ وهَؤُلاءِ لا يَشُكُّ أحَدٌ في فَضَائِلِهِم، في حِيْنِ أنَّهُ ﵀ ذَكَرَ لَهُم فَضَائِلَ جَلِيْلَةً (١). ثَالِثًا: أنَّ البُخَارِيَّ لَهُ شَرْطُهُ الخَاصُّ في ذِكْرِ الحَدِيْثِ في (صَحِيْحِهِ)، ومِنْهُ لم يُدْخِلْ البُخَارِيُّ شَيْئًا مِنْ فَضَائِلِ مُعَاوِيَةَ في كِتَابِهِ لأنَّهَا لَيْسَتْ على شَرْطِهِ، ولَيْسَ مَعْنَى هَذَا نَفْيُ الصِّحَّةِ مُطْلَقًا، وكَمْ حَدِيْثٍ قَالَ عَنْهُ البُخَارِيُّ صَحِيْحٌ إلاَّ أنَّهُ لم يُدْخِلْهُ في (صَحِيْحِهِ). وأدَلُّ شَيْءٍ على هذا صَنِيْعُ التِّرْمِذِيِّ في (سُنَنِهِ) حَيْثُ يَقُوْلُ:

стр. 146

سَألْتُ أبا عَبْدِ اللهِ البُخَارِيَّ عَنْ هذا الحَدِيْثِ، فَقَالَ: صَحِيْحٌ، وعلى هَذَا لا نَجِدُهُ في (صَحِيْحِهِ) لأنَّهُ لَيْسَ على شَرْطِهِ (١)! * * * الشُّبْهَةُ الرَابِعَةُ: قَوْلُهُم: إنَّ الَّذِيْنَ قَاتَلُوا عَلِيًّا ﵁، كَانُوا بُغَاةً بِنَصِّ حَدِيْثِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ عَنْ عَمَّارٍ: «وَيْحَ عَمَّارٍ، تَقْتُلُه الفِئَةُ البَاغِيَةُ، يَدْعُوْهُم إلى الجَنَّةِ، ويَدْعُوْنَهُ إلى النَّارِ» (٢) البُخَارِيُّ. * * * قُلْتُ: نَعَمْ؛ إنَّ هذا الحَدِيْثَ صَرِيْحٌ بأنَّ الَّذِيْنَ قَتَلُوا عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ ﵁ هُمُ الَّذِيْنَ كَانُوا في عَسْكَرِ مُعَاوِيَةَ ﵁؛ إلاَّ أنَّ لِلْحَدِيْثِ تَوْجِيْهَاتٍ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ تَرُدُّ ما يَدَّعِيْهِ أهْلُ الأهْوَاءِ والبِدَعِ، ومِنْ ذَلِكَ: أوَّلاً: هَلْ لَفْظُ «البَغْي» في الحَدِيْثِ عَامٌ أمْ خَاصٌ؟ فإن كَانَ خَاصًا؛ فَمَنِ المَقْصُوْدُ بِهِ هُنَا؟ مُعَاوِيَةُ أمْ قَاتِلُ عَمَّارٍ؟ فَمَنْ قَالَ: إنَّ مُعَاوِيَةَ ﵁ هُوَ المَقْصُوْدُ بِهِ، فَهُوَ مَرْدُوْدٌ مِنْ وُجُوْهٍ:

стр. 147

١ ـ أنَّ مُعَاوِيَةَ ﵁ لا يَشُكُ أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِيْنَ أنَّهُ لم يَقْتُلْ عَمَّارًا؛ بَلْ لم يَثْبُتْ مُطْلَقًا أنَّ أحَدًا مِنَ الصَّحَابَةِ قَتَلَ صَحَابِيًا مِثْلَهُ! ٢ ـ لا نَعْلَمُ أحَدًا مِنْ أهْلِ السُّنَّةِ: وَصَفَ مُعَاوِيَةَ ﵁ بالبَغْي والضَّلالِ! وإنْ كَانَ المَقْصُوْدُ بِهِ قَاتِلَ عَمَّارٍ؛ فَهَذا ممَّا لاشَكَّ فِيْهِ، وعَلَيْهِ فَلا إشْكَالَ حِيْنَئِذٍ. * * * ومَنْ قَالَ: إنَّ اللَّفْظَ عَامٌ يَشْمَلُ مُعَاوِيَةَ ومَنْ مَعَهُ، فَهَذا هُوَ مَحَلُّ خِلافِ وتَوْجِيْهِ أهْلِ العِلْمِ كَمَا هُوَ الآتي. ثَانِيًا: هَلْ كَلِمَةُ «البَغْي» الوَارِدَةِ في الحَدِيْثِ شَرْعِيَّةٌ أمْ لا؟ والجَوَابُ أنَّهَا شَرْعِيَّةٌ ولا شَكَّ، فَعِنْدَئِذٍ كَانَ حَمْلُ هَذِهِ الكَلِمَةِ على الوَجْهِ الشَّرْعِيِّ ثُبُوتًا ومَنْعًا كَمَا قَالَ تَعَالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩)﴾ [الحجرات: ٩].

стр. 148

لِذَا نَجِدُ أكْثَرَ عُلَمَاءِ السَّلَفِ وأهْلَ العِلْمِ كَأبي حَنِيْفَةَ، ومَالِكٍ، وأحْمَدَ وغَيْرِهِم يَقُوْلُوْنَ: لم يُوْجَدْ شَرْطُ قِتَالِ الطَّائِفَةِ البَاغِيَةِ؛ فإنَّ اللهَ لم يَأمُرْ بِقِتَالِهَا ابْتِدَاءً؛ بَلْ أمَرَ إذا اقْتَتَلَتْ طَائِفَتَانِ أنْ يُصْلِحَ بَيْنَهُما، ثمَّ إنْ بَغَتْ إحْدَاهُمَا على الأخْرَى قُوْتِلَتِ الَّتِي تَبْغِي، وهَؤُلاءِ (عَسْكَرُ مُعَاوِيَةَ) قُوْتِلُوا ابْتِدَاءً قَبْلَ أنْ يَبْدَؤُوا بِقِتَالٍ، ولِهَذا كان القِتَالُ عِنْدَ مَالِكٍ، وأحْمَدَ وغَيْرِهِمَا: قِتَالَ فِتْنَةٍ (١). * * * ثَالِثًا: البُغَاةُ لا يَخْرُجُوْنَ عَنْ ثَلاثِ حَالاتٍ: ١ ـ أنْ يَكُوْنُوا مُتَأوِّلِيْنَ بِشُبْهَةٍ، وهُوَ ما عَلَيْهِ أهْلُ العِلْمِ والدِّيْنِ الَّذِيْنَ اجْتَهَدُوا، واعْتَقَدَ بَعْضُهُم حِلَّ أُمُوْرٍ، واعْتَقَدَ الآخَرُ تَحْرِيْمَها ... فَقَدْ جَرَى ذَلِكَ وأمْثَالُهُ مِنْ خِيَارِ السَّلَفِ، فَهَؤُلاءِ المُتَأوِّلُوْنَ المُجْتَهِدُوْنَ غَايَتُهُم أنَّهُم مُخْطِئُوْنَ، وقَدْ قَالَ تَعَالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].

стр. 149

ومِنْ خِلالِ هذا يَكُونُ صَاحِبُ هذا القِسْمِ مِنَ المُجْتَهِدِيْنَ المُتَأوِّلِيْنَ؛ لأنَّهُ اعْتَقَدَ أنَّهُ مُحِقٌّ، وإنْ قُلْنَا: إنَّهُ مُخْطِئٌ في اجْتِهَادِهِ لم تَكُنْ تَسْمِيَتُهُ «باغِيًا» مُوْجِبَةً لإثْمِهِ، أو فِسْقِهِ، وهَذَا مَا حَصَلَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ ﵃ (١). ٢ ـ أنْ يَكُوْنُوا مُتَأوِّلِيْنَ بِشَهْوَةٍ، وهذا ما عَلَيْهِ أهْلُ الفَسَادِ. ٣ ـ أنْ يَكُوْنُوا مُتَأوِّلِيْنَ بِشُبْهَةٍ وشَهْوَةٍ مَعًا. * * * رَابِعًا: ولَو قُلْنَا أيْضًا: إنَّ كُلَّ مَنْ قَاتَلَ عَلِيًّا باغٍ، فَلَيْسَ كُلُّ ذَلِكَ بِمُخْرِجِهِ مِنَ الإيْمَانِ، ولا بِمُوجِبٍ لَهُ النِّيْرَانَ، ولا مَانِعٍ لَهُ مِنَ الجِنَانِ؛ فإنَّ البَغْيَ إذا كَانَ بِتَأوْيِلٍ كَانَ صَاحِبُهُ مُجْتَهِدًا، ولِهَذا اتَّفَقَ أهْلُ السُّنَّةِ على أنَّهُ لم تَفْسُقْ واحِدَةٌ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ، وإنْ قَالُوا في إحْدَاهُمَا: إنَّهُم كَانُوا بُغَاةً لأنَّهُم كَانُوا مُتَأوَّلِيْنَ مُجْتَهِدِيْنَ، والمُجْتَهِدُ المُخْطِئُ لا يُكَفَّرُ ولا يُفَسَّقُ (٢). * * * يَقُوْلُ ابنُ تَيْمِيَةَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩]، «فَقَدْ جَعَلَهُم مَعَ وُجُوْدِ

стр. 150

الاقْتِتَالِ والبَغْي مُؤْمِنِيْنَ إخْوَةً؛ بَلْ مَعَ أمْرِهِ بِقِتَالِ الفِئَةِ البَاغِيَةِ جَعَلَهُم مُؤْمِنِيْنَ، ولَيْسَ كُلُّ ما كَان بَغْيًا وظُلْمًا، أو عُدْوَانًا يُخْرِجُ عُمُوْمَ النَّاسِ عَنِ الإيْمَانِ، ولا يُوْجِبُ لعْنَتَهُم؛ فَكَيْفَ يُخْرِجُ ذَلِكَ مَنْ كَانَ مِنْ خَيْرِ القُرُوْنِ! وكُلُّ مَنْ كَانَ بَاغِيًا، أو ظَالِمًا، أو مُعْتَدِيًا، أو مُرْتَكِبًا ما هُوَ ذَنْبٌ فَهُوَ قِسْمَانِ: مُتَأوِّلٌ، وغَيْرُ مُتَأوِّلٍ ... أمَّا إذا كَانَ البَاغِي مُجْتَهِدًا ومُتَأوِّلاً، ولم يَتَبَيَّنْ لَهُ أنَّهُ بَاغٍ؛ بَلْ اعْتَقَدَ أنَّهُ على الحَقِّ وإنْ كَانَ مُخْطِئًا في اعْتِقَادِهِ: لم تَكُنْ تَسْمِيَتُهُ «بَاغِيًا» مُوْجَبَةً لإثْمِهِ؛ فَضْلاً عَنْ أنْ تُوجِبَ فِسْقَهُ» (١). ويَدَلُّ على ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ عَنِ الحَسَنِ كَمَا مَرَّ مَعَنَا: «إنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، ولَعَلَّ اللهَ أنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِيْنَ» (٢) البُخَارِيُّ. لِذَا كَانَ يَقُوْلُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ﵀: «قَوْلُهُ: (فِئَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِيْنَ، يُعْجِبُنَا جِدًّا)، قَالَ البَيْهَقِيُّ: «وإنَّمَا أعَجَبَهُم لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمَّاهُمَا مُسْلِمِيْنَ، وهذا خَبَرٌ مِنْ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله

стр. 151

عليه وسلم - بِمَا كَانَ مِنَ الحَسَنِ بنِ عَلِيٍّ بَعْدَ وَفَاةِ عَلِيٍّ في تَسْلِيْمِهِ الأمْرَ إلى مُعَاوِيَةَ ابنِ أبي سُفْيَانَ» (١). * * * خَامِسًا: هُنَاكَ مِنْ أهْلِ العِلْمِ مَنْ طَعَنَ في الحَدِيْثِ. ومِنْهُم مَنْ تأوَّلَهُ: على أنَّ المُرَادَ بالبَاغِيَةِ هُنَا هُمُ الفِئَةُ الَّتِي تَبْغِي أخْذَ الثَّأرِ بِدَمِ عُثْمَانَ، كَمَا قَالُوا: نَبْغِي ابنَ عَفَّانَ بأطْرَافِ الأسَلِ. ومِنْهُم مَنْ قَالَ: إنَّ البَاغِيَةَ هِيَ الَّتِي جَاءَتْ بِعَمَّارٍ لِلْقَتْلِ لا القَاتِلَةُ ... وكُلُّها ضَعِيْفَةٌ، والثَّالِثُ أضْعَفُهَا تَأوِيْلاً! سَادِسًا: مِنْ أهْلِ العِلْمِ مَنْ قَالَ: إنَّ هذا الحَدِيْثَ لَيْسَ نَصًّا في عَسْكَرِ مُعَاوِيَةَ ومَنْ مَعَهُ؛ بَلْ يُمْكِنُ أنَّهُ أُرِيْدَ بِهِ تِلْكَ العِصَابَةُ الَّتِي حَمَلَتْ علَى عَمَّارٍ ﵁ فَقَتَلَتْهُ، وهِيَ طَائِفَةٌ مِنَ العَسْكَرِ، ومَنْ رَضِيَ بِقَتْلِ عَمَّارٍ كَانَ حُكْمُهُ حُكْمُهَا، ومِنَ المَعْلُوْمِ أنَّ أحَدًا مِنَ الصَّحَابَةِ لم يَرْضَ بِقَتْلِ عَمَّارٍ لا مُعَاوِيَةُ

стр. 152

ولا عَمْرٌو ولا غَيْرُهُمَا رَضِيَ اللهُ عَنِ الجَمِيْعِ؛ بَلْ أكْثَرُ النَّاسِ كَانُوا مُنْكِرِيْنَ قَتْلَهُ ﵁، وهذا ما ذَهَبَ إلَيْهِ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَةَ (١). * * * وأخِيْرًا؛ أُعِيْذُكَ باللهِ أخِي المُسْلِمَ أنْ تَتَفَوَّهَ بِشَيءٍ فِيْهِ غَمْزٌ أو لَمْزٌ بأصْحَابِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ ، لاسِيَّمَا كَاتِبُ رَسُوْلِ اللهِ وأمِيْنُهُ على وَحْي رَبِّهِ: وهُوَ مُعَاوِيَةُ بنُ أبي سُفْيَانَ ﵁ وأرْضَاهُ، وجَعَلَ جَنَّةَ الفِرْدَوْسِ مَأوَاهُ، وطَيَّبَ بالرَّحْمَةِ ثَرَاهُ ... آمِيْنَ! والحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِيْنَ، ولا عُدْوَانَ إلاَّ على الظَّالِمِيْنَ

стр. 153

البَابُ الخَامِسُ أقْوَالُ السَّلَفِ في وُجُوبِ السُّكُوْتِ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ ﵃

стр. 154

البَابُ الخَامِسُ أقْوَالُ السَّلَفِ في وُجُوبِ السُّكُوْتِ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ ﵃ لمَّا عَلِمَ عُلَمَاءُ المُسْلِمِيْنَ أنَّ الحَدِيْثَ والكَلامَ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ ﵃ سَبَبٌ لِلْفِتْنَةِ، والتَّنَقُّصِ، والنَّيْلِ مِنْهُم ممَّا يُخَالِفُ النُّصُوْصَ الشَّرْعِيَّةَ، والآثَارَ السَّلَفِيَّةَ، قَامُوا مُجْتَهِدِيْنَ على قَدَمٍ وسَاقٍ إلى قَفْلِ هذا البَابِ، وسَدِّ ثُغُوْرِهِ ما أمْكَنَ إلى ذَلِكَ سَبِيْلاً؛ حَتَّى يَسْلَمَ لِلْمُسْلِمِ دِيْنُهُ، وسَلامَةُ صَدْرِهِ، وحِفْظُ لِسَانِهِ؛ لِذَا نَرَاهُم قَدْ أجْمَعُوا قَاطِبَةً على: (السُّكُوْتِ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ ﵃! فَكَانَ الوَاجِبُ على المُسْلِمِ أنْ يَسْلُكَ في اعْتِقَادِهِ فِيْمَا حَصَلَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ الكِرَامِ ﵃ مَسْلَكَ الفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ أهْلِ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ، وهُوَ الإمْسَاكُ عَمَّا حَصَلَ بَيْنَهُم.

стр. 155

وكُتُبُ أهْلِ السُّنَّةِ مَمْلُوْءَةٌ بِبَيَانِ عَقِيْدَتِهِم الصَّافِيَةِ في حَقِّ الصَّحَابَةِ الكِرَامِ ﵃، وقَدْ حَدَّدُوا مَوْقِفَهُم مِنْ تِلْكَ الفِتْنَةِ الَّتِي وَقَعَتْ بَيْنَهُم في أقْوَالِهِمُ الصَّرِيْحَةِ الحَسَنَةِ الَّتِي مِنْهَا: قَالَ الإمَامُ عَبْدُ اللهِ بْنُ المُبَارَكِ ﵀: «مَنِ اسْتَخَفَّ بالعُلَمَاءِ ذَهَبَتْ آخِرَتُهُ» (١). وقَالَ الإمَامُ الطَحَاوِيُّ: «وعُلَمَاءُ السَّلَفِ مِنَ السَّابِقِيْنَ ومَنْ بَعْدَهُم مِنَ التَّابِعِيْنَ أهْلُ الخَيْرِ والأثَرِ، وأهْلُ الفِقْهِ والنَّظَرِ ـ لا يُذْكَرُوْنَ إلاَّ بالجَمِيْلِ، ومَنْ ذَكَرَهُم بِسُوْءٍ فَهُوَ على غَيْرِ سَبِيْلٍ» (٢). * * * وقَالَ الحَافِظُ ابنُ عَسَاكِرَ: «واعْلَمْ يا أخِي وفَّقَنَا اللهُ وإيَّاكَ لِمَرْضَاتِهِ وجَعَلَنَا ممَّنْ يَخْشَاهُ ويَتَّقِيْهِ حَقَّ تُقَاتِهِ: أنَّ لُحُوْمَ العُلَمَاءِ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِم مَسْمُوْمَةٌ، وعَادَةَ اللهِ في هَتْكِ أسْتَارِ مُنَتَقِصِيْهِم مَعْلُوْمَةٌ؛ لأنَّ الوَقِيْعَةَ فِيْهِم بِمَا هُمْ مِنْهُ بَرَاءٌ أمْرٌ عَظِيْمٌ، والتَّنَاوُلَ لأعْرَاضِهِم بالزُّوْرِ والافْتِرَاءِ مَرْتَعٌ وَخِيمٌ، والاخْتِلاقَ على مَنِ اخْتَارَ اللهُ مِنْهُم لِنَعْشِ العِلْمِ خُلُقٌ ذَمِيْمٌ» (٣).

стр. 156

وأكْبَرُ ظُلْمًا وأسْوَأُ حَالاً مِنْ هَذِهِ البَلِيَّةِ العَظِيْمَةِ احْتِرَافُ هَذِهِ الظَّاهِرَةِ في الصَّحَابَةِ ﵃، وإطْلاقُ العَنَانِ لِلِّسَانِ يَفْرِي في أعْرَاضِهِم وعَدَالَتِهِم، والتَّنْقِيْبُ عَنْ مَسَاوِئِهِم، وبَثِّها بَيْنَ النَّاسِ! وقَدْ عَدَّ أهْلُ العِلْمِ الطَّعْنَ في الصَّحَابَةِ زَنْدَقَةٌ مَفْضُوْحَةٌ، وقَرَّرُوا أنَّهُ: «لا يَبْسُطُ لِسَانَهُ فِيْهِم إلاَّ مَنْ سَاءَتْ طَوِيَّتُهُ في النَّبِيِّ ﷺ ، وصَحَابَتِهِ، والإسْلامِ، والمُسْلِمِيْنَ» (١). * * * وهَذَا قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيْزِ ﵀ حِيْنَ سُئِلَ عَنِ القِتَالِ الَّذي حَصَلَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ فَقَالَ: «تِلْكَ دِمَاءٌ طَهَّرَ الله يَدِي مِنْهَا؛ أفَلا أُطَهِّرُ مِنْهَا لِسَانِي؟ مَثَلُ أصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَثَلُ العُيُوْنِ، ودَوَاءُ العُيُوْنِ تَرْكُ مَسِّهَا» (٢). وقَالَ بِنَحْوِهِ أيْضًا: «تِلْكَ دِمَاءٌ طَهَّرَ اللهُ مِنْهَا يَدِي، فَلا أُحِبُّ أنْ أُخَضِّبَ بِهَا لِسَانِي». وقَالَ آخَرُ: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ

стр. 157

خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٤)﴾ [البقرة: ١٣٤]» (١). وسُئِلَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ ﵀ عَمَّا حَصَلَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ فَقَالَ: «قِتَالٌ شَهِدَهُ أصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ وغِبْنَا، وعَلِمُوا وجَهِلْنَا، واجْتَمَعُوا فاتَّبَعْنا، واخْتَلَفُوا فَوَقَفْنا» (٢). ومَعْنَى كَلامِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ هَذَا: «أنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا أعْلَمَ بِمَا دَخَلُوا فِيْهِ مِنَّا، وما عَلَيْنَا إلاَّ أنْ نَتَّبعَهُم فِيْمَا اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ، ونَقِفَ عِنْدَ ما اخْتَلَفُوا فِيْهِ، ولا نَبْتَدِعُ رَأيًا مِنَّا، ونَعْلَمُ أنَّهُم اجْتَهَدُوا وأرَادُوا اللهَ إذْ كَانُوا غَيْرَ مُتَّهَمِيْنَ في الدِّيْنِ» (٣). * * * وقَالَ الإمَامُ أحْمَدُ ﵀ بَعْدَ أنْ قِيْلَ لَهُ: ما تَقُوْلُ فِيْمَا كَانَ بَيْنَ عَلِيٍّ ومُعَاوِيَةَ؟ قَالَ: «ما أقُولُ فِيْهِم إلاَّ الحُسْنَى» (٤). وقَالَ ابنُ أبي زَيْدٍ القَيْرَوَانِيُّ في صَدَدِ بَيَانِ ما يَجِبُ أنْ يَعْتَقِدَهُ المُسْلِمُ في أصْحَابِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ وما يَنْبَغِي أن يُذْكَرُوا بِهِ فَقَالَ:

стр. 158

«وأنْ لا يُذْكَرَ أحَدٌ مِنْ صَحَابَةِ الرَّسُوْلِ إلاَّ بأحْسَنِ ذِكْرٍ، والإمْسَاكِ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَهُم، وأنَّهُم أحَقُّ النَّاسِ أنْ يُلْتَمَسَ لَهُم أحْسَنَ المَخَارِجِ، ويُظَنُّ بِهِم أحْسَنَ المَذَاهِبِ» (١). وقَالَ أبُو عَبْدِ اللهِ بنُ بَطَّةَ ﵀ عِنْدَ عَرْضِهِ لِعَقِيْدَةِ أهْلِ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ: «ومِنْ بَعْدِ ذَلِكَ نَكُفُّ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَ أصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وقَدْ شَهِدُوا المَشَاهِدَ مَعَهُ، وسَبَقُوا النَّاسَ بالفَضْلِ فَقَدْ غَفَرَ اللهُ لَهُم، وأمَرَكَ بالاسْتِغْفَارِ لَهُم، والتَّقَرُّبِ إلَيْهِ بِمَحبَّتِهِم، وفَرَضَ ذَلِكَ على لِسَانِ نَبِيِّهِ وهُوَ يَعْلَمُ ما سَيَكُونُ مِنْهُم أنَّهُم سَيَقْتَتِلُوْنَ، وإنِّمَا فُضِّلُوا على سَائِرِ الخَلْقِ لأنَّ الخَطَأ العَمْدَ قَدْ وُضِعَ عَنْهُم، وكُلُّ ما شَجَرَ بَيْنَهُم مَغْفُوْرٌ لَهُم» (٢). وقَالَ أبُو عُثَمَانَ الصَّابُوْنِيُّ في صَدَدِ بَيَانِ عَقِيْدَةِ السَّلَفِ وأصْحَابِ الحَدِيْثِ: «ويَرَوْنَ الكَفَّ عمَّا شَجَرَ بَيْنَ أصْحَابِ رَسُوْلِ اللهِ

стр. 159

- ﷺ ، وتَطْهِيْرَ الألْسِنَةِ عَنْ ذِكْرِ مَا يَتَضَمَّنُ عَيْبًا لَهُم ونَقْصًا فِيْهِم، ويَرَوْنَ التَّرَحُّمَ على جَمِيْعِهِم، والمُوَالاةَ لِكَافَّتِهِم» (١). وقَالَ أبُو عَبْدِ اللهِ القُرْطُبِيُّ ﵀: «لا يَجُوزُ أنْ يُنْسَبَ إلى أحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ خَطأٌ مَقْطُوعٌ بِهِ؛ إذْ كَانُوا كُلُّهُم اجْتَهَدُوا فِيْما فَعَلُوْهُ، وأرَادُوا اللهَ ، وهُم كُلُّهُم لَنَا أئِمَّةٌ. وقَدْ تُعِبِّدْنا بالكَفِّ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَهُم، وألاَّ نَذْكُرُهُم إلاَّ بأحْسَنِ الذِّكْرِ لِحُرْمَةِ الصُّحْبَةِ، ولِنَهْي النَّبِيِّ ﷺ عَنْ سَبِّهِم، وأنَّ اللهَ غَفَرَ لَهُم، وأخْبَرَ بالرِّضَى عَنْهُم ...» (٢). * * * قَالَ يَحْيَ بنُ أبي بَكْرٍ العَامِرِيُّ ﵀ (٨٩٣): «ويَنْبَغِي لِكُلِّ صَيِّنٍ مُتَدَيِّنٍ مُسَامَحَةُ الصَّحَابَةِ فِيْمَا شَجَرَ بَيْنَهُم مِنَ التَّشَاجُرِ، والاعْتِذَارُ عَنْ مُخْطِئِهِم، وطَلَبُ المَخَارِجِ الحَسَنةِ لَهُم، وتَسْلِيْمُ صِحَّةِ إجْمَاعِ ما أجْمَعُوا عَلَيْهِ على ما عَلِمُوْهُ فَهُمْ أعْلَمُ بالْحَالِ، والحَاضِرُ يَرَى ما لا يَرَى الغَائِبُ، وطَرِيْقَةُ العَارِفِيْنَ الاعْتِذَارُ عَنِ المَعَائِبِ، وطَرِيْقَةُ المُنَافِقِيْنَ تَتَبُّعُ المَثَالِبِ. وإذَا كَانَ اللاَّزِمُ مِنْ طَرِيْقَةِ الدِّيْنِ سِتْرَ عَوْرَاتِ عَامَّةِ المُسْلِمِيْنَ، فَكَيْفَ الظَنُّ بِصَحَابَةِ خَاتَمِ

стр. 160

النَّبِيِّيِنَ؟! مَعَ اعْتِبَارِ قَوْلِهِ ﷺ : «لا تَسُبُّوا أحَدًا مِنْ أصْحَابِي» (١)، وقَوْلِهِ: «مِنْ حُسْنِ إسْلامِ المَرْءِ تَرْكُهُ ما لا يَعْنِيْهِ» هَذِهِ طَرِيْقَةُ صُلَحَاءِ السَّلَفِ، وما سِوَاهَا مَهَاوٍ وتَلَفٌ» (٢). * * * وقَالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابنُ تَيْمِيَةَ ﵀ في عَرْضِهِ لِعَقِيْدَةِ أهْلِ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ فِيْمَا شَجَرَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ ﵃: «ويُمْسِكُوْنَ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ، ويَقُوْلُوْنَ: إنَّ هَذِهِ الآثَارَ المَرْوِيَّةَ في مَسَاوِيْهِم مِنْهَا ما هُوَ كَذِبٌ، ومِنْهَا ما قَدْ زِيْدَ فِيْهِ ونُقِصَ وغُيِّرَ عَن وَجْهِهِ، والصَّحِيْحُ مِنْهُ هُمْ فِيْهِ مَعْذُوْرُوْنَ، إمَّا مُجْتَهِدُوْنَ مُصِيْبُوْنَ، وإمَّا مُجْتَهِدُونَ مُخْطِئُوْنَ» (٣). وقَالَ ابنُ تَيْمِيَةَ أيْضًا: «وإذَا كَانَ كَذَلِكَ فَنَقُوْلُ: ما عُلِمَ بالكِتَابِ والسُّنَّةِ والنَّقْلِ المُتَوَاتِرِ، مِنْ مَحَاسِنِ الصَّحَابَةِ وفَضَائِلِهِم، لا يَجُوْزُ أنْ يُدْفَعَ بِنُقُوْلٍ بَعْضُهَا مُنْقَطِعٌ، وبَعْضُهَا مُحَرَّفٌ، وبَعْضُهَا لا يَقْدَحُ فِيْمَا عُلِمَ، فإنَّ اليَقِيْنَ لا يَزُوْلُ بالشَّكِّ، ونَحْنُ قَدْ تَيَقَنَّا مَا دَلَّ عَلَيْهِ الكِتَابُ والسُّنَّةُ

стр. 161

وإجْمَاعُ السَّلَفِ قَبْلَنَا، وما يُصَدِّقُ ذَلِكَ مِنَ المنْقُوْلاتِ المُتَوَاتِرَةِ مِنْ أدِلَّةِ العَقْلِ، مِنْ أنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ أفْضَلُ الخَلْقِ بَعْدَ الأنْبِيَاءِ، فَلا يَقْدَحُ في هَذَا أُمُوْرٌ مَشْكُوْكٌ فِيْهَا، فَكَيْفَ إذا عُلِمَ بُطْلانُهَا؟!» (١). * * * وقَدُ شَرَحَ شَيْخُنَا ابنُ عُثَيْمِيْنَ ﵀ كَلامَ ابنَ تَيْمِيَةَ هَذَا بِقَوُلِهِ: «وهَذَا الَّذِي حَصَلَ ـ أي بَيْنَ الصَّحَابَةِ ـ مَوْقِفُنَا نَحْنُ مِنْهُ لَهُ جِهَتَانِ: الجِهَةُ الأوْلَى: الحُكْمُ على الفَاعِلِ. والجِهَةُ الثَّانِيَةُ: مَوْقِفُنَا مِنْ الفَاعِلِ. أمَّا الحُكْمُ على الفَاعِلِ فَقَدْ سَبَقَ، و (هُوَ) أنَّ مَا نَدِيْنُ اللهَ بِهِ، أنَّ ما جَرَى بَيْنَهُم فَهُوَ صَادِرٌ عَنِ اجْتِهَادٍ، والاجْتِهَادُ إذَا وَقَعَ فِيْهِ الخَطَأُ فَصَاحِبُهُ مَعْذُوْرٌ مَغْفُوْرٌ لَهُ. وأمَّا مَوْقِفُنَا مِنَ الفَاعِلِ، فالوَاجِبُ عَلَيْنَا الإمْسَاكُ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَهُم، لِمَاذَا نَتَّخِذُ مِنْ فِعْلِ هَؤُلاءِ مَجَالاً لِلْسَّبِ والشَّتْمِ والوَقِيْعَةِ فِيْهِم، والبَغْضَاءِ بَيْنَنَا؟ ونَحْنُ في فِعْلِنَا هَذَا إمَّا آثِمُوْنَ، وإمَّا سَالِمُوْنَ، ولَسْنَا غَانِمِيْنَ أبَدًا.

стр. 162

فالوَاجِبُ عَلَيْنَا تُجَاهَ هَذِهِ الأمُوْرِ أنْ نَسْكُتَ عَمَّا جَرَى بَيْنَ الصَّحَابَةِ، وأنْ لا نُطَالِعَ الأخْبَارَ أوِ التَّارِيْخَ في هَذِهِ الأمُوْرِ؛ إلاَّ المُرَاجَعَةَ لِلْضَّرُوْرَةِ» (١). وانْظُرْ ما ذَكَرَهُ شَيْخُنَا عَبْدُ اللهِ الجَبْرِيْنُ عِنْدَ شَرْحِهِ لِكَلامِ ابنِ تَيْمِيَةَ هذا في كِتَابِهِ (التَعْلِيْقَاتِ الزَّكِيَّةِ) (٢). ونَقَلَ ابنُ حَجَرٍ عَنْ أبِي المُظَفَّرِ السَّمْعَانِيِّ ﵀ (٤٨٩) أنَّهُ قَالَ في كِتَابِهِ (الاصْطِلامِ): «التَّعُرُّضُ إلى جَانِبِ الصَّحَابَةِ عَلامَةٌ على خُذْلانِ فَاعِلِهِ؛ بَلْ هُوَ بِدْعَةٌ وضَلالَةٌ» (٣). * * * فَهَذِهِ طَائِفَةٌ مُخْتَصَرَةٌ مِنْ كَلامِ أكَابِرِ عُلَمَاءِ الإسْلامِ مِنْ سَلَفِ هَذِهِ الأمَّةِ وخَلَفِهَا؛ تَبَيَّنَ لَنَا مِنْ خِلالِهَا: المَوْقِفُ الوَاجِبُ على المُسْلِمِ أنْ يَقِفَهُ تُجَاهَ ما حَصَلَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ ﵃ أجْمَعِيْنَ مِنْ شِجَارٍ وخِلافٍ، خَاصَّةً في حَرْبِ (الجَمَلِ وصِفِّيْنَ)، وهُوَ: صِيَانَةُ القَلَمِ واللِّسَانِ عَنْ ذِكْرِ ما لا يَلِيْقُ بِهِم، وإحْسَانُ الظَّنِّ بِهِم، والتَّرَضِّي عَنْهُم

стр. 163

أجْمَعِيْنَ، ومَعْرِفَةُ حَقِّهِم ومَنْزِلَتِهِم، والْتِمَاسُ أحْسَنِ المَخَارِجِ لِمَا ثَبَتَ صُدُوْرُهُ مِنْ بَعْضِهِم، والاعْتِقَادُ بأنَّهُم مُجْتَهِدُوْنَ، والمُجْتَهِدُ مَغْفُوْرٌ لَهُ خَطَؤُهُ إنْ أخْطَأ. وإنَّ الأخْبَارَ المَرْوِيَّةَ في ذَلِكَ مِنْهَا ما هُوَ كَذِبٌ، ومِنْهَا ما قَدْ زِيْدَ فِيْهَ، أو نُقِصَ مِنْهُ حَتَّى تَحَرَّفَ عَنْ أصْلِهِ وتَشَوَّهَ، كَمَا تَبَيَّنَ مِنْ هَذِهِ النُّقُوْلِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا أنَّ عَقِيْدَةَ الفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ أهْلِ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ فِيْمَا شَجَرَ بَيْنَهُم هُوَ: الإمْسَاكُ عَنْهُ لَفْظًا وخَطًّا. * * * فإذا تَبَيَّنَ لَنَا أنَّ الإجْمَاعَ قَدْ وَقَعَ مِنْ عُلَمَاءِ المُسْلِمِيْنَ على السُّكُوْتِ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ، وعَدَمِ التَّنْقِيْبِ أو التَّنْقِيْرِ عَمَّا حَصَل بَيْنَهُم مِنْ حُرُوْبٍ وقِتَالٍ؛ ولَو حَسُنَتْ نِيَّةُ المُتَكَلِّمِ أو السَّامِعِ ـ كَانَ مِنَ المُنَاسِبِ أنْ نَعْرِفَ مَعْنَى السُّكُوْتِ نَحْوَهُم. السُّكُوْتِ: أمَّا مَعْنَى السُّكُوْتِ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ ﵃: فَهُوَ عَدَمُ الخَوْضِ فِيْمَا وَقَعَ بَيْنَهُم مِنَ الحُرُوبِ والخِلافَاتِ على سَبِيْلِ التَّوَسُّعِ وتَتَبُّعِ التَّفْصِيْلاتِ، ونَشْرِهَا بَيْنَ العَامَّةِ بِطَرِيْقٍ أوْ آخَرَ (١).

стр. 164

وفِيْهِ قَالَ النَبِيُّ ﷺ : «إذا ذُكِرَ أصْحَابِي فأمْسِكُوا، وإذَا ذُكِرَتِ النُّجُوْمُ فأمْسِكُوا، وإذَا ذُكِرَ القَّدَرُ فأمْسِكُوا» (١) الطَبَرَانِيُّ. ولِلْحَدِيْثِ هَذَا مَعْنَيَانِ (بَاطِلٌ، وحَقٌّ): الأوَّلُ: هُوَ عَدَمُ ذِكْرِ فَضَائِلِهِم، ومَحَاسِنِهِم، وسِيَرِهِم ... وهذا المَعْنَى غَيْرُ مُرَادٍ قَطْعًا؛ بَلْ هُوَ مُخَالِفٌ لإجْمَاعِ الأمَّةِ القَاطِعِ بِذِكْرِ فَضَائِلِهِم ومَحَاسِنِهِم. الثَّانِي: هُوَ عَدَمُ ذِكْرِ ما شَجَرَ بَيْنَهُم، أوِ التَّنْقِيْبِ عَنْ مَسَاوِئِهِم ... وهَذَا المَعْنَى مُرَادٌ قَطْعًا، كَمَا وَقَعَ عَلَيْهِ إجْمَاعُ السَّلَفِ والخَلَفِ! * * * وهَذَا الإمَامُ الحَافِظُ الذَّهَبِيُّ ﵀ يُحَقِّقُ لَنَا مَعْنَى السُّكُوْتِ قَائِلاً: «... بأنَّ كَثِيْرًا ممَّا حَدَثَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ مِنْ شِجَارٍ وخِلافٍ يَنْبَغِي طَيَّهُ وإخْفَاؤُهُ؛ بَلْ إعْدَامُهُ، وأنَّ كِتْمَانَ ذَلِكَ مُتَعيِّنٌ على العَامَّةِ؛ بَلْ آحَادِ العُلَمَاءِ، وقَدْ يُرَخَّصُ في مُطَالَعَةِ ذَلِكَ خَلْوَةً لِلْعَالِمِ المُنْصِفِ العَرِيِّ مِنَ الهَوَى، بِشَرْطِ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُم كَمَا عَلَّمَنَا اللهُ تَعَالى حَيْثُ يَقُوْلُ:

стр. 165

﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ فالْقَوْمُ لَهُم سَوَابِقُ وأعْمَالٌ مُكَفِّرَةٌ لِمَا وَقَعَ مِنْهُم، وجِهَادٌ مَحَّاءٌ، وعِبَادَةٌ مُمَحِّصَةٌ» (٢). وهذا الكَلامُ مِنَ الحَافِظِ الذَّهَبِيِّ؛ هُوَ واللهِ الكَلامُ القَوِيْمُ، والسَّبِيْلُ المُسْتَقِيْمُ؛ فَدْونَكَ إيَّاهُ أخِي المُسْلِمُ! والحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِيْنَ

стр. 166

البَابُ السَّادِسُ الآثَارُ السِّلْبِيَّةُ مِنْ نَشْرِ ما حَصَلَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ

стр. 167

البَابُ السَّادِسُ الآثَارُ السِّلْبِيَّةُ مِنْ نَشْرِ ما حَصَلَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ قَدْ أنْكَرَ الإمَامُ أحْمَدُ ﵀ على مَنْ جَمَعَ الأخْبَارَ الَّتِي فِيْهَا طَعْنٌ على بَعْضِ أصْحَابِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ ، وغَضِبَ لِذَلِكَ غَضَبًا شَدِيْدًا وقَالَ: «لَوْ كَانَ هَذَا في أفْنَاءِ النَّاسِ لأنْكَرْتُهُ، فَكَيْفَ في أصْحَابِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ ». وقَالَ: «أنَا لَمْ أكْتُبْ هَذِهِ الأحَادِيْثَ!». * * * قَال المَرْوَزِيُّ: «قُلْتُ لأبي عَبْدِ اللهِ: فَمَنْ عَرَفْتُهُ يَكْتُبُ هَذِهِ الأحَادِيْثَ الرَّدِيْئَةَ ويَجْمَعُهَا أيُهْجَرُ؟ قَالَ: نَعَمْ، يَسْتَأهِلُ صَاحِبُ هَذِهِ الأحَادِيْثِ الرَّدِيْئَةِ الرَّجْمُ!» (١). لا شَكَّ أنَّ نَشْرَ وذِكْرَ ما حَصَلَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ ﵃ مِنْ شِجَارٍ وخِلافٍ لَهُو الشَّرُّ المُسْتَطِيْرُ، والفَسَادُ الكَبِيْرُ! * * *

стр. 168

نَعَم؛ إنَّ لَها مِنَ الآثَارِ السَّلْبِيَّةِ الَّتِي لا يُحْمَدُ عُقْبَاهَا ـ ما تَنُوْءُ بِهِ أُلُوا القُّوَّةِ ـ فَمِنْ ذَلِكَ: ـ أنَّها تُوْقِفُ المُسْلِمِيْنَ على ما لا يَنْبَغِي لَهُم أنْ يَقِفُوا عَلَيْهِ شَرْعًا. ـ أنَّ بَثَّهَا والحَدِيْثَ عَنْهَا عِنْدَ عَامَّةِ النَّاسِ مُخَالِفَةٌ لِمَا عَلَيْهِ السَّلَفُ الصَّالِحُ. ـ أنَّهَا تُفْسِدُ على المُسْلِمِيْن سَلامَةَ صُدُوْرِهِم، وصَفَاءَ قُلُوْبِهِم على الصَّحَابَةِ ﵃، ولا يُخَالِفُ في ذَلِكَ إلا مُكَابِرٌ أو جَاهِلٌ! ـ أنَّها تُثِيْرُ بَيْنَ النَّاسِ الشُّبُهَاتِ، وتُضَاعِفُ لَدِيْهِمُ الأوْهَامَ حَوْلَ الصَّحَابَةِ الكِرَامِ ﵃؛ ومِنْهُ تُزَعْزَعُ الثِّقَةُ بالصَّحَابَةِ عِنْدَ كَثِيْرٍ مِنَ النَّاسِ. ـ أنَّ في نَشْرِهَا بَيْنَ عَامَّةِ المُسْلِمِيْنَ خِلافًا لِلْحِكْمَةِ الدَّعَوِيَّةِ، والطُّرُقِ التَّعْلِيْمِيَّةِ. كَمَا قَالَ عَلِيٌّ ﵁: «حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُوْنَ أَتُحِبُّوْنَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ؟!» (١). [وكَذَا قُوْلُ عَبْدِ اللهِ بنِ مَسْعُوْدٍ ﵁: «مَا أنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ إلاَّ كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً» مُسْلِمٌ.] (*)

стр. 169

البَابُ السَّابِعُ الإِيْرَادَاتُ

стр. 170

البَابُ السَّابِعُ الإِيْرَادَاتُ وقَبْلُ الانْتِهَاءِ وَالخُرُوْجِ مِمَّا أرَدْتُ بَيَانَهُ، كَانَ مِنَ الوَاجِبِ أنْ أُجِيْبَ عَلى بَعْضِ الأَسْئِلَةِ التَّي هي في حُكْمِ الإِيرَادَاتِ وَالشُّبُهاتِ حَوْلَ هذا المَوْضُوعِ. * * * الإِيْرَادُ الأَوَّلُ: لَعَلَّ قَائِلاً يَقُوْلُ: قَدْ سَلَّمْناَ لَكُم بِمَا ذَكَرْتُمُوْهُ وقرَّرْتُمُوْهُ آنِفًا، وهو: السُّكُوْتُ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ؛ لَكِنْ هَذَا مَحْمُولٌ عَلى مَنْ أرَادَ ذِكْرَ مَا شَجَرَ بَيْنَ الصَّحَاَبةِ ﵃ على وَجْهِ التَّنْقِيْصِ وَالبُغْضِ، وَسُوْءِ الظَّنِّ بِهِم ونَحْوِهِ مِمَّا هو مَثَارَةٌ للفِتْنَةِ عَيَاذًا باللهِ! أَمَّا مَنْ أرَادَ ذِكْرَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ المَحَبَّةِ لِلجَمِيْعِ مَعَ سَلاَمةِ الصَّدْرِ، والتَّرَحُّمِ عَلَيْهِم، وَحُسْنِ الظَّنِّ بِهِم فَهَذا لَيْسَ مَحَلَّ نِزَاعِنَا! أقُوْلُ: نَحْنُ لا نُسَلِّمُ لَكَ مَا قُلْتَه لِعِدَّةِ مُخَالفَاتٍ شَرْعِيَّةٍ؛ مِنْهَا:

стр. 171

أوَّلاً: أنَّ هَذَا القَوْلَ خِلافُ الأصْلِ المُقَرَّرِ عِنْدَ عَامَّةِ السَّلفِ وَالخَلَفِ، وهُو السُّكُوْتُ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ ﵃، سَوَاءٌ كَانَ الحَدِيْثُ عَنْهُم عَنْ حُسْنِ ظَنٍّ، أوَ سُوْءِ ظَنٍّ لِمَا في ذَلِكَ مِنْ دَرْءٍ للمَفْسَدَةِ الحَاصِلَةِ، وَسَدٍّ للذَّرِيْعَةِ المُفْضِيَةِ للشُّبَهِ وَالفِتَنِ كَمَا هُوَ مَعْلومٌ مِنَ الوَاقِعِ بالضَّرورَةِ. * * * فَهَذَا العَوَّامُ بنُ حَوْشَبٍ ﵀ (١٤٨) يُقَرِّرُ هَذَا الأصْلَ قَائِلاً: «أدْرَكْتُ مَنْ أدْرَكْتُ مِنْ صَدْرِ هَذِهِ الأمَّةِ بَعْضُهُم يَقُوْلُ لبَعْضٍ: اذْكُرُوا مَحَاسِنَ أصْحَابِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ لَتِأتَلِفَ عَلَيْها القُلُوْبُ، ولا تَذْكُرُوا ما شَجَرَ بَيْنَهم فَتُحَرِّشُوْا (١) النَّاسَ عَلَيْهِم» (٢)، وَبِلَفْظٍ آخَرَ قَالَ: «فَتُجَسِّرُوا (٣) النَّاسَ عَلَيْهِم» (٤).

стр. 172

ثانيًا: وكَذَلِكَ هُوَ (أيْضًا) خِلافٌ للأصْلِ المُحَقَّقِ، وَهُوَ الوُقُوعُ في الفِتْنَةِ، لِهَذا لا يَجُوْزُ لَكَ أنْ تُخَالِفَ أصْلاً مُحَقَّقًا رَجَاءَ سَلامَةِ صَدْرٍ مَظْنُونَةٍ! فَقَدْ قَاَل رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : «الحَلاَلُ بَيِّنٌ وَالحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُما مُشَبَّهَاتٌ لا يَعْلَمُهَا كَثِيْرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى المُشَبَّهاتِ اسْتَبْرَأ لِدِيْنِهِ وعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ في الشُّبُهاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى يُوْشِكُ أنْ يُوَاقِعَهُ، ألا وإنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى. ألا إنَّ حِمَى اللهِ في أرْضِهِ مَحَارِمُهُ، ألا وإنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ ألا وَهِي القَلْبُ» (١) مُتَّفَقٌ عَلَيْه. وعَنِ الحَسَنِ بنِ عَليٍّ ﵁ قَالَ: حَفِظْتُ مِنْ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ : «دَعْ ما يُرِيبُكَ إلى ما لا يُرِيْبُكَ» (٢) أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ. ثالثًا: أَيْضًا فِي ذِكْرِ ما حَصَلَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ ﵃ مَعَ ادِّعَاءِ أمْنِ الفِتْنَةِ وَسَلامَةِ الصَّدْرِ؛ أمْنٌ مِنْ مَكْرِ الله تَعَالى عِيَاذًا باللهِ!

стр. 173

قَالَ اللهُ تَعَالى فِي سُورَةِ الأعْرَافِ: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (٩٩)﴾ [الأعراف: ٩٩]. وَكَذَلِكَ فِيْهِ تَعَرُّضٌ للفِتَنِ الَّتي طَالَمَا اسْتَعَاذَ مِنْهَا النَبِيُّ ﷺ ، فَعَنِ المِقْدَادِ بنِ الأسْوَدِ ﵁ قَالَ: أيْمُ اللهِ لَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُوْلُ: «إنَّ السَّعِيْدَ لَمَنْ جُنِّبَ الفِتَنَ، إنَّ السَّعِيْدَ لَمَنْ جُنِّبَ الفِتَنَ، إنَّ السَّعِيْدَ لَمَنْ جُنِّبَ الفِتَنَ، ولِمَنِ ابْتُلِيَ فَصَبَرَ فَوَاهًا» (١) أبُو دَاوُدَ. رابعًا: لَوْ سَلَّمْنَا أنَّ أَحَدًا خَاضَ فِيْمَا شَجَرَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ ﵃؛ ثمَّ خَرَجَ مِنْ ذَلِكَ بسَلامةِ صَدْرٍ، وَصَفَاءِ قَلْبٍ؛ لَكَانَ هَذَا تَحْصِيْلَ حَاصِلٍ، ونَوْعَ عَبَثٍ، وَمُخَالَفْةً لمَنْهجِ السَّلَفِ الصَّالِحَ تُجَاهَ هَذِهِ الِفتْنَةِ؛ بَلْ هُوَ في الحَقِيْقَةِ ضَرْبٌ مِنَ الخَيَالِ، وَخِلاَفُ الوَاقِعِ المألُوْفِ. خامسًا: ثمَّ إذَا كَانَ الأمْرُ كَذَلِكَ (كَمَا ذَكَرَ المُعْتَرِضُ)، فَهَذا يَكُوْنُ إنْ كَانَ ولا بُدَّ لآحَادِ العُلَمَاءِ خَاصَّةً لا عَامَّتِهِم، كَمَا ذَكَرَهُ الإمَامُ الذَّهَبِيُّ

стр. 174

رَحِمَهُ اللهُ آنِفًا: «بأنَّ كَثْيِرًا ممَّا حَدَثَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ مِنْ شِجَارٍ وخِلافٍ يَنْبَغِي طَيُّهُ وإخْفَاؤُهُ؛ بَلْ إعْدَامُهُ، وأنَّ كِتْمَانَ ذَلِكَ مُتَعَيِّنٌ على العَامَّةِ؛ بَلْ آحَادِ العُلَمَاءِ» (١). «لأنَّهُ لا مَصْلَحَةَ شَرْعِيَّةَ ولا عِلْمِيَّةَ مِنْ وَرَاءِ هذا النَّشْرِ، وبالأُسْلُوْبِ أو الطَّرِيْقَةِ التَّي ذَكَرْنا، أمَّا في ظِلِّ المَوَازِيْنِ العِلْمِيَّةِ المُسْتَقِيْمَةِ المُهْتَدِيَّةِ بالنُّصُوصِ الشَّرعِيَّةِ فَإنَّ البَحْثَ في هَذَا المَوْضُوْعِ لا يُمْتَنَعُ إذَا قُصِدَ بِهِ بَيَانُ الأحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وما كَانَ ذِكْرُ العُلَمَاءِ المُعْتَبَرِيْنَ للحْرَوْبِ والخِلافَاتِ الَّتي وقَعَتْ بَيْنَ الصَّحَابَةِ ﵃ إلاَّ على هَذَا السَّبِيْلِ، أو لِبَيَانِ المَوَاقِفِ الصَّحِيْحَةِ، وتَصْحِيْحِ الأغَالِيْطِ التَّارِيْخِيَّةِ التَّي أُثِيْرَتْ حَوْلَ مَوَاقِفِهِم في تِلْكَ الحُرُوْبِ» (٢). ومَعَ ذَلِكَ فَقَدِ انْتَقَدَ بعض العلماء طَرِيْقَةَ ابنِ عَبْدِ البرِّ في كِتَابِهِ «الاسْتِيْعَابِ في مَعْرِفَةِ الأصْحَابِ» لِذِكْرِهِ ما شَجَرَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ ﵃ مِنْ خِلافٍ (٣).

стр. 175

قَالَ ابنُ تَيْمِيَّةَ ﵀: «ولِهَذَا كَانَ مِنْ مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ الإمْسَاكُ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ، فإنَّهُ قَدْ ثَبَتَتْ فَضَائِلُهُم، ووَجَبَتْ مُوَالاتُهُم، ومَحَبَّتُهُم، وما وَقَعَ مِنْهُ ما يَكُوْنُ لَهُم فِيْهِ عُذْرٌ يَخْفَى على الإنْسَانِ، ومِنْهُ ما تَابَ صَاحِبُهُ مِنْهُ، ومِنْهُ ما يَكُوْنُ مَغْفُوْرًا، فالخَوْضُ فِيْمَا شَجَرَ يُوْقِعُ في نُفُوْسِ كَثِيْرٍ مِنَ النَّاسِ بُغْضًا وَذَمًّا، ويَكُوْنُ هُوَ في ذَلِكَ مُخْطِئًا؛ بَلْ عَاصِيًا، فيَضُرَّ نَفْسَهُ، ومَنْ خَاضَ مَعَهُ في ذَلِكَ، كَمَا جَرَى لأكْثَرِ مَنْ تَكَلَّمَ في ذَلِكَ؛ فَإنَّهُم تَكَلَّمُوْا فِيْمَا لا يُحِبُّهُ اللهُ ولا رَسُولُهُ: إمَّا مِنْ ذَمِّ مَنْ لا يَسْتَحِقُّ الذَّمَ، وإمَّا مِنْ مَدْحِ أُمُورٍ لا تَسْتَحِقُّ المَدْحَ، ولِهَذَا كَانَ الإمْسَاكُ طَرِيْقَةَ أفَاضِلِ السَّلَفِ» (١). وقَالَ أَيْضًا: «وحُكْمُ المُتَكَلِّمِ باجْتِهَادِهِ في العِلْمِ والدِّيْنِ حُكْمُ أمْثَالِهِ مِنَ المُجْتَهِدِيْنَ، ثُمَّ قَدْ يَكُونُ مُجْتَهِدًا مُخْطِئًا أو مُصِيْبًا، وقَدْ يَكُونُ كُلٌّ مِنَ الرَّجُلَيْنِ المُخْتَلِفَيْنِ باللِّسَانِ أو اليَدِّ مُجْتَهِدًا يَعْتَقِدُ الصَّوَابَ مَعَهُ،

стр. 176

وقَدْ يَكُوْنَانِ جَمِيْعًا مُخْطِئَيْنِ مَغْفُوْرًا لَهُمَا، كَمَا ذَكَرْنَا نَظِيْرَ ذَلِكَ مِمَّا كَانَ يَجْرِي بَيْنَ الصَّحَابَةِ. ولِهَذَا يُنْهَى عَمَّا شَجَرَ بَيْنَ هَؤُلاءِ سَوَاءٌ كَانُوا مِنَ الصَّحَابَةِ أو مِمَّنْ بَعْدَهُم، فَإذَا تَشَاجَرَ مُسْلِمَانِ في قَضِيَّةٍ، ومَضَتْ ولا تَعَلُّقَ للنَّاسِ بِها، ولا يَعْرِفُونَ حَقْيِقَتَها، كَانَ كَلامُهُم فِيْها كَلامًا بِلا عِلْمٍ ولا عَدْلٍ يَتَضَمَّنُ أذَاهُما بِغْيرِ حَقٍّ، ولَوْ عَرَفُوا أَنَّهُما مُذْنِبانِ مُخْطِئَانِ، لكَانَ ذِكْرُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ مَصْلَحَةٍ رَاجِحَةٍ مِنْ بَابِ الغِيْبةِ المَذْمُومةِ! لكِنَّ الصَّحَابَةَ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِم أجْمَعِيْنَ أعْظَمُ حُرْمَةً، وأجَلُّ قَدْرًا، وأنْزَهُ أعَرْاضًا، وقَدْ ثَبَتَ مِنْ فَضَائِلِهِم خُصُوْصًا وعُمُومًا ما لَمْ يَثْبُتْ لِغَيْرِهِم، فلِهَذَا كَانَ الكَلامُ الذَّي فِيْهِ ذَمُّهُم على ما شَجَرَ بَيْنَهُم أعْظَمَ إثْمًا مِنَ الكَلامِ في غَيْرِهِم» (١). وَقَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀: «إِذَا رَأيْتَ أحَدًا يَذْكُرُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِسُوْءٍ فَاتَّهِمْهُ عَلَى الإِسْلامِ!» (٢). * * *

стр. 177

الإيْرَادُ الثَّانِي: لَعَلَّ قَائِلاً يَقُوْلُ: إنَّنَا نَجِدُ كَثِيْرًا مِنْ كُتُبِ التَّارِيْخِ المَشْهُورَةِ المرْضِيَّةِ عِنْدَ عَامَّةِ المُسْلِمْيِنَ قَدْ ذَكَرَتْ ما جَرَى، وحَصَلَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ ﵃ بِكُلِّ تَفْصِيْلٍ وتَحْلِيْلٍ، فَلَنَا فِيْهِم أُسْوَةٌ حَسَنةٌ فَيَسَعُنا ما يَسَعُهُم؟! أقُوْلُ: إنَّ هَذَا القَوْلَ حَقٌّ لا شَكَّ فِيْهِ، فَقَدْ ذَكَرَتْ كُتُبُ التَّارِيْخِ بِعَامَّةٍ ما شَجَرَ بَيْنَ الصَّحَابةِ ﵃، بَيْدَ أنَّها لَمْ تَذْكُرْ ذَلِكَ للاسْتِئْناسِ والتَّشَوُّفِ لأخْبَارِهِم والتَّفَكُّهِ بِحُرُوْبِهِم وقِتَالِهِم ونَحْوِ ذَلِكَ؛ فَحَاشَاهُم رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالى، فَهُم أبْعَدُ النَّاسِ عَنْ ذَلِكَ! كَمَا لا نَنْسَ (أيْضاً) أنَّه كَمَا ثَبَتَ في كُتُبِهِم ما شَجَرَ بَيْنَ الصَّحَابةِ ﵃؛ فَكَذَا قَدْ ثَبَتَ تَقْرِيرُهُم لِمُعْتَقَدِ السَّلَفِ عَنِ الكَفِّ وَالإمْسَاكِ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَهُم. وهَذَا لَمْ يَكُنْ مِنْهُم مَحْضُ التَّنَاقُضِ كَمَا يَزْعُمُه مَنْ لَيْسَ لَهُ أدْنى عِلْمٍ بِحَالِهِم، فَهَؤُلاءِ الأئِمَّةُ قَدْ ذَكَرُوا ذَلِكَ وسَطَّرُوْهُ في كُتُبِهِم لأُمُوْرٍ مَهِمَّةٍ مِنْها: الأمْرُ الأوَّلُ: إبْرَاءً للذِّمَّةِ، فَكَانَ مِنَ الأمَانَةِ العِلْمِيَّةِ أنْ يَذْكُرُوْا ذَلِكَ حِفْظًا لِلتَّارِيْخِ الإسْلامِيِّ مِنْ عَادِيَةِ المُحَرِّفِيْنَ أهْلِ البِدَعِ والأهْوَاءِ؛

стр. 178

كَيْ لا يَدْخُلُ فِيْهِ ما لَيْسَ مِنْهُ، أو إخْرَاجُ ما هُوَ مِنْهُ، لِذَا جَعَلُوا مِنْ أَنْفُسِهِم حُرَّاسًا على تَارِيْخِ الأُمَّةِ الإسْلاَمِيَّةِ. * * * الأمْرُ الثَّانِي: كَانَ هَذَا مِنْهُم إتْمَامًا لِلتَّارِيْخِ الإِسْلامِيِّ، فَكَمَا بَدَءوا بِكَتْبِ أوَّلِهِ، فَكَذَا سَارُوا إلى آخِرِهِ دُوْنَ نَقْصٍ أو ثَلْبٍ؛ مِمَّا قَدْ يُجْعَلُ لِلطَّاعِنْيِنَ عَلَيْنَا سَبِيْلاً؛ لِذَا كَانَ في جَمْعِ ما وَرَدَ مِنْ رِوَاياتٍ وأخْبارٍ حَوْلَ الصَّحَابَةِ ﵃ جُنَّةً يَتَصَدَّى بِهَا السَّلَفيُّ في وَجْهِ كُلِّ مُبْتَدِعٍ، وخَنْجَرًا في نَحْرِ كُلِّ ضَالٍّ، كَمَا يَقُولُ ابنُ تَيْمِيَّةَ ﵀: «لَكِنْ إذَا ظَهَرَ مُبْتَدِعٌ يَقْدحُ فِيْهُم (في الصَّحَابةِ) بِالبَاطِلِ، فَلاَ بُدَّ مِنَ الذَّبِّ عَنْهُم، وذِكْرِ ما يُبْطِلُ حُجَّتَهُ بِعِلْمٍ وعَدْلٍ» (١). فَهَذِه الأُمَمُ أجْمَعُ لا تَعْتَزُّ إلاَّ بِعِزِّ تَارِيْخِها، ولا تُذَلُّ إلاَّ بِضَيَاعِ تَارِيْخِها أو بَعْضِهِ؛ فَتَأمَّلْ يا رَعَاكَ اللهُ! * * * الأمْرُ الثَّالِثُ: كَذَلِكَ أرَادُوا مِنْ ذِكْرِ وحِفْظِ أخْبَارِهِم ﵃ العِبْرَةَ والعِظَةَ لِمَنْ بَعْدِهِم، كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ أبُو الفَرَجِ ابنِ

стр. 179

الجَوْزِيُّ ﵀ بِقَوْلِهِ: «واعْلَمْ أنَّ في ذِكْرِ السِّيَرِ والتَّوَارِيْخِ فَوَائِدَ كَثِيْرَةً؛ أهَمُّهَا فَائِدَتَانِ: أحَدُهُمَا: أنَّه إنْ ذُكِرَتْ سِيْرَةُ حَازِمٍ، ووُصِفَتْ عَاقِبَةُ حَالِهِ عَلِمْتَ حُسْنَ التَّدْبِيْرِ واسْتِعْمَالَ الحَزْمِ، وإنْ ذُكِرَتْ سِيْرَةُ مُفَرِّطٍ ووُصِفَتْ عَاقِبَتُهُ خِفْتَ مِنْ التَّفرِيْطِ ... ويَتَضَمَّنُ ذَلِكَ شَحْذَ صَوَارِمِ العُقُوْلِ، ويَكُونُ رَوْضَةً لِلْمُتَنَزِّهِ في المَنْقُوْلِ. الثَّانِيَةُ: أنْ يَطَّلِعَ بِذَلِكَ على عَجَائِبِ الأُمُوْرِ، وتَقَلُّبَاتِ الزَّمَانِ، وتَصَارِيْفِ القَدَرِ، والنَّفْسُ تَجِدُ رَاحَةً بِسَمَاعِ الأخْبَارِ» (١). وبِهَذَا نَعْلَمُ أنَّ بَعْضَ الأحْكَامِ الشَّرعِيَّةِ قَدْ تَبيَّنَتْ مِنْ خِلالِ ما حَصَلَ بَيْنَ الصَّحَابةِ ﵃؛ فَمِنْ ذَلِكَ: أحْكَامُ قِتَالِ أهْلِ البَغْي كَمَا قَرَّرَ ذَلِكَ عَليٌّ ﵁ مَعَ المُخَالِفِيْنَ، وهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ ومُهِمٌّ؛ ولَوْلا ما حَصَلَ بَيْنَهُم مِنْ قِتَالٍ لمَا عُلِمَ ذَلِكَ، واللهُ أعْلَمُ (٢). * * *

стр. 180

الأمْرُ الرَّابِعُ: كَذَلِكَ نَجِدُهُم لَمْ يَذْكُرُوا أخْبَارَ وحَوَادِثَ هَذَهِ الفِتْنَةِ سَرْدًا بِلا زِمامٍ أو خِطَامٍ؛ بَلْ أسْنَدُوْها إبْرَاءً لِلذِّمَّةِ، في حِيْنَ نَرَاهُم لَمْ يُغْفِلُوا هَذَا الجَانِبَ رَأسًا؛ بَلْ لَهُم عِنَايةٌ بنَقْدِ كَثِيْرٍ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ والأخْبَارِ مَعَ بَيَانِ صَحِيْحِها مِنْ سَقِيْمِها، وتَوْجِيْهِ ما أمْكَنَ تَوْجِيْهُهُ. وهَذا ما قَرَّرَهُ ابنُ جَرِيْرٍ ﵀ في مُقدِّمةِ كِتَابِه (تَارِيْخِ الأُمُمِ والمُلُوْكِ): «... فَمَا يَكُنْ في كَتابِي هَذَا مِنْ خَبَرٍ ذَكَرْنَاهُ عَنْ بَعْضِ المَاضِيْنَ مِمَّا يَسْتَنْكِرُهُ قَارِئُه، أو يَسْتَشْنِعُهُ سَامِعُهُ، مِنْ أجْلِ أنَّه لَمْ يَعْرِفْ لَهُ وَجْهًا في الصِّحَّةِ، ولا مَعْنىً في الحَقِيْقَةِ، فلْيَعْلَمْ أنَّه لَمْ يُؤتَ في ذَلِكَ مِنْ قِبَلِنَا، وإنَّمَا أُتِيَ مِنْ قِبَلِ بَعْضِ نَاقِلِيْهِ إلَيْنا، وأنَّا إنِّما أدَّيْنا ذَلِكَ على نَحْوِ ما أُدِّيَ إلَيْنا» (١). * * * الأمْرُ الخَامِسُ: كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ قَصْدُهُم مِنْ ذِكْرِ وكِتَابةِ ما شَجَرَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ ﵃ نَشْرَها وتَرْوِيْجَها بَيْنَ الخَاصَّةِ والعَامَّةِ مِنَ المُسْلِمِيْنَ كَلاَّ (ما هَذَا أرَادُوهُ)؛ بَلْ غَايَةُ عِلْمِهِم أنَّ الَّذِي سَيَقِفُ
следующие страницы →