← Акыда

Акыда · id 16932

تسديد الإصابة فيما شجر بين الصحابة

ذياب الغامدي

Полный текст (194 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالميْنَ، وأُصَلِّي وأسَلِّمِ عَلى أفْضَلِ خَلْقِه أجْمَعِيْنَ، نَبِيِّنا مُحمَّدٍ الأمِيْنِ، وعَلى آلِه، وأصْحَابِه أجْمَعِينَ، ومَنْ تَبِعَهُم بإحْسَانٍ إلى يَوْمِ الدِّيْنِ. أمَّا بَعْدُ: فَقَدِ اطَّلَعْتُ عَلى هَذِا السِّفْرِ اللَّطِيْفِ الَّذِي ألَّفَهُ فَضِيْلَةُ الشَّيْخِ / ذِيَابِ ابنِ سَعْدِ آل حَمْدَانَ الغَامِدِيِّ، وسَمَّاهُ: «تَسْدِيْدَ الإصَابَةِ فِيْمَا شَجَرَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ»، وتَصَفَّحْتُه، وقَرَأتُ مَوَاضِعَ مِنْه، فألْفَيْتُه مُفِيْدًا في بَابِه؛ حَيْثُ أثْنَى عَلى صَحَابَةِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ ، وذَكَرَ مَا وَرَدَ في فَضْلِهِم، ووُجُوْبَ مَحَبَّتِهِم، ثُمَّ اسْتَعْرَضَ بَعْضَ مَا وَقَعَ بَيْنَهُم مِنْ تِلْكَ الفِتَنِ الَّتِي سَجَّلَها التَّارِيْخُ. وهَذَا البَحْثُ، وإنْ كُنَّا قَدْ نُهِيْنا عَنِ التَّوَسُّعِ فِيْه، وأمِرْنَا بالكَفِّ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَهُم، لأنَّ ذَلِكَ صَدَرَ عَنِ اجْتِهَادٍ مِنْهُم وتَحَرِّي للحَقِّ، إلاَّ أنَّه لمَّا تَعَرَّضَ بَعْضُ المُغْرِضِيْنَ للنَّيْلِ مِنْ كَرَامَتِهم، رَأى فَضِيْلَتُه لُزُوْمَ الرَّدِّ عَلَيْهِم، وتَبْرِئَةِ سَاحَةِ صَحَابَةِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ . وذَكَرَ مَنَاقِبَهُم، ومَا وَرَدَ في فَضلِهِم، مِثْلَ قَوْلِه تَعَالى: ... الآية، (الفتح: ٢٩). وقَوْلِه تَعَالى: ... الآية. وحَدِيْثِ: «خَيْرُ القُرُوْنِ قَرْنِيَ، ثُمَّ الَّذِيْنَ يَلُوْنَهُم، ثُمَّ الَّذِيْنَ يَلُوْنَهُم ...»، وغَيْرِهَا مِنَ النُّصُوْصِ الوَارِدَةِ في فَضْلِهِم. ثُمَّ سَاقَ المُؤلِّفُ بَعْضَ مَا وَرَدَ مِنْ تِلْكَ الفِتَنِ ابْتِدَاءً بقَتْلِ أمِيْرِ المُؤمِنِيْنَ عُثْمَانَ بنِ عَفَّانَ ﵁، وأسْبَابِهَا ومَا اقْتَرَفَه ذَلِكَ المُجْرِمُ الخَبِيْثُ عَبْدُ اللهِ بنُ سَبَأ اليَهُوْدِيُّ، الَّذِي ادَّعَى الإسْلامَ، ومَا تَلا ذَلِكَ مِنْ وَقْعَةِ الجَمَلِ وصِفِّيْنَ. * * * فَجَاءَ كِتَابُهُ مُخْتَصَرًا جَامِعًا وَسَطًا، مَعَ لُزُوْمِ الأدَبِ في التَّعْبِيْرِ، وعَدَمِ المُبَالَغَةِ في ذَلِكَ، واسْتَشْهَدَ بِكَلامِ بَعْضِ المُحَقِّقِيْنَ مِنْ عُلَمَاءِ أهْلِ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ، ومِنْ أبْلَغِهِم شَيْخُ الإسْلامِ ابنُ تَيْمِيَّةَ ﵀، في كِتَابِه: «مِنْهَاجِ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ» المَطْبُوْعِ في عَشَرَةَ مُجَلَّدَاتٍ، فإنَّه مِنْ أفْضَلِ المَرَاجِعِ في هَذَا الصَّدَدِ، وكُلُّ مَنْ جَاءَ بَعْدَه، فَهُم عِيَالٌ عَلَيْه. قَالَ ذَلِكَ الفَقِيْرُ عَبْدُ اللهِ بنُ عَبْدِ العَزِيْزِ بنِ عَقِيْلٍ رَئِيْسُ الهَيْئَةِ الدَّائِمَةِ بمَجْلِسِ القَضَاءِ الأعْلى سَابِقًا حَامِدًا للهِ مُصلِّيًا ومُسَلِّمًا عَلَى نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ، وآلِهِ، وصَحْبِه وسَلَّمَ (٤/ ٤/١٤٢٦)

стр. 2

تَسْدِيْدُ الإِصَابَةِ فِيْمَا شَجَرَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ راجَعَه وقَرَّظَه فَضِيْلَةُ الشَّيْخِ العَلامَةِ: صَالِح بنِ فَوْزانَ الفَوْزان تَألِيْفُ ذِيابِ بنِ سَعْدٍ آلِ حَمْدَانَ الغَامِدِيِّ

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 4

أقْوَالٌ مَأثُوْرَةٌ ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ «خَيْرُكُمْ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُم ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُم» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ «تِلَكَ دِمَاءٌ طَهَّرَ اللهُ يَدِي مِنْها؛ أفَلا أُطَهِّرُ مِنْها لِسَانِي؟ مَثَلُ أصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَثَلُ العُيُوْنِ، ودَوَاءُ العُيُونِ تَرْكُ مَسِّها» عُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزِيْزِ. «ما أقُوْلُ فِيْهِم إلاَّ الحُسْنَى» أحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ. «أدْرَكْتُ مَنْ أدْرَكْتُ مِنْ صَدْرِ هَذِه الأمَّةِ بَعْضُهُم يَقُوْلُ لبَعْضٍ: اذْكُرُوْا مَحَاسِنَ أصْحَابِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ لتَأتَلِفَ عَلَيْها القُلُوْبُ، ولا تَذْكُرُوْا ما شَجَرَ بَيْنَهُم فَتُجَسِّرُوْا النَّاسَ عَلَيْهِم» العَوَّامُ بنُ حَوْشَبٍ. «لا يَزَالُ طَالِبُ العِلْمِ عِنْدِي نَبِيْلاً حتَّى يَخُوْضَ فِيْمَا جَرَى بَيْنَ السَّلَفِ المَاضِيْنَ، ويَقْضِي لبَعْضِهِم عَلَى بَعْضٍ» تاجُ الدِّينِ السُّبْكِيُّ.

стр. 5

الطَّبْعَةُ الثَّالِثَةُ مَزِيْدَةٌ ومُنَقَّحَةٌ حُقُوقُ الطَّبْعِ مَحْفُوظَةٌ للمُؤلِّفِ إلاَّ لمَنْ أرَادَ طَبْعَه وتَوزِيْعَه مَجَّانًا

стр. 6

تقريظ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِيْنَ، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وعَلَى آلِهِ، وأصْحَابِهِ، والتَّابِعِيْنَ لَهُم بإحْسَانٍ إلى يَوْمِ الدِّيْنِ، أمَّا بَعْدُ: فإنَّ اللهَ فَضَّلَ صَحَابَةَ رَسُوْلِهِ عَلَى سَائِرِ الأمَّةِ، وأخْبَرَ أنَّه رَضِيَ عَنْهُم وأرْضَاهُم، وشَرَعَ اتِّبَاعَهُم بإحْسَانٍ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. وأثْنَى عَلَى الَّذِيْنَ يَتَوَلَّوْنَهُم ويَسْتَغْفِرُوْنَ لَهُم فَقَالَ: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ [الحشر: ١٠].

стр. 7

وقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لا تَسُبُّوْا أصْحَابِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِه لَوْ أنْفَقَ أحَدُكُم مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا؛ مَا بَلَغَ مُدَّ أحَدِهِم ولا نَصِيْفَه»، ولِهَذا كَانَ مَذْهَبُ أهْلِ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ مُوَالاةَ أصْحَابِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ ، والتَّرَضِّي عَنْهُم، والاقْتِدَاءَ بِهِم، والكَفَّ عَنِ الخَوْضِ فِيْمَا شَجَرَ بَيْنَهُم؛ لأنَّهُم فِيْه مُجْتَهِدُوْنَ، إمَّا مُصِيْبُوْنَ فَلَهُم أجْرَانِ، وإمَّا مُخْطِئُوْنَ فَلَهُم أجْرٌ وَاحِدٌ، والخَطَأ مَغْفُوْرٌ. ولَكِنْ تَأبَى فِئَاتُ الحَاقِدِيْنَ عَلَى الإسْلامِ والمُسْلِمِيْنَ مِنَ اليَهُوْدِ، والنَّصَارَى، والمَجُوْسِ إلاَّ أنْ تُظْهِرَ مَا فِي نُفُوْسِها مِنَ الحِقْدِ عَلَى صَحَابَةِ رَسُوْلِ الله ﷺ مِنْ فَجْرِ التَّارِيْخِ حِيْنَ ظَهَرَ اليَهُوْدِيُّ الحَاقِدُ: عَبْدُ اللهِ بنُ سَبَأ اليَهُوْدِيُّ الَّذِي ادَّعَى الإسْلامَ مَكْرًا وخِدَاعًا، وصَارَ يَتَكَلَّمُ فِي الخَلِيْفَةِ الرَّاشِدِ عُثْمَانَ بنِ عَفَّانَ ﵁ وأرْضَاهُ. وصَارَ يَنْفُثُ سُمُوْمَه بَيْنَ المُسْلِمِيْنَ حَتَّى الْتَفَّ إلَيْه جَمَاعَةٌ مِنَ الأوْبَاشِ والحَاقِدِيْنَ وهَجَمُوْا عَلَى عُثْمَانَ فِي بَيْتِه فَقَتَلُوْهُ شَهِيْدًا صَابِرًا مُحْتَسِبًا، ومِنْ وَقْتِها حَصَلَتِ الفِتْنَةُ العَظِيْمَةُ بَيْنَ المُسْلِمِيْنَ إلى أنْ حُسِمَتْ بِتَنَازُلِ الحَسَنِ بنِ عَلِيٍّ ﵄ لِمُعَاوِيَةَ بنِ أبِي سُفْيَانَ ﵁، وسُمِّيَ ذَلِكَ العَامُ عَامَ الجَمَاعَةِ، وتَحَقَّقَ بِذَلِكَ

стр. 8

قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ فِي الحَسَنِ: «إنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وسَيُصْلِحُ اللهُ بِه بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيْمَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِيْنَ»، ولَكِنَّ الشَّيْعَةَ اليَهُوْدِيَّةَ، والمَجُوْسِيَّةَ لا تَزَالُ عَلَى مَنْهَجِ ابنِ سَبأ تَسُبُّ الصَّحَابَةَ، وتُوْقِدُ الفِتْنَةَ، وتَأثَّرَ بِهِم بَعْضُ الكُتَّابِ الجُهَّالِ فَصَارُوا يتَكَلَّمُوْنَ فِيْمَا شَجَرَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ مُخَالِفِيْنَ بِذَلِكَ مَنْهَجَ أهْلِ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ مِنَ الكَفِّ عَنْ ذَلِكَ. فَقَيَّضَ اللهُ مَنْ قَامَ بالرَّدِّ عَلَيْهم، والذَّبِّ عَنْ أعْرَاضِ صَحَابَةِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ ، ومِنْ هَؤُلاءِ أخُوْنا فَضِيْلَةُ الشَّيْخِ: ذِيَابِ بنِ سَعْدٍ آلِ حَمْدَانَ الغَامِدِي، فِي كِتَابِه: (تَسْدِيْدِ الإصَابَةِ فِيْمَا شَجَرَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ) سَالِكًا مَنْهَجَ أهْلِ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ فِي ذَلِكَ، فَجَاءَ كِتَابُه هَذَا وَافِيًا بالمَقْصُوْدِ، وَاضِحًا فِي مَبَاحِثِه ومَضَامِيْنِه، فَجَزَاهُ اللهُ خَيْرَ الجَزَاءِ عَمَّا وَضَّحَ وبَيَّنَ، ونَفَعَ اللهُ بِجُهُوْدِه وبَارَكَ فِيْه! وصَلَّى اللهُ وسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وآلِهِ وصَحْبِه كَتَبَه صَالِحُ بنُ فَوْزَانَ بنِ عَبْدِ اللهِ الفَوْزَانُ عُضْوُ هَيْئَةِ كِبَارِ العُلَمَاءِ (١٥/ ٦/١٤٢٣ هـ)

стр. 9

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِيْنَ، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَى عَبْدِهِ ورَسُوْلِهِ الأمِيْنِ، وعَلَى آلِهِ، وزَوْجَاتِهِ أُمَّهَاتِ المُؤمِنِيْنَ، وعَلَى أصْحَابِهِ الغُرِّ المَيَامِيْنِ، ومَنْ تَبِعَهُم بإحْسَانٍ إلى يَوْمِ الدِّيْنِ. أمَّا بَعْدُ: فإنَّ كَمَالَ الشَّيءِ مَرْهُونٌ بحقيقةِ لَفْظِهِ ومَعْنَاه، لا أَحَدُهُما دُوْنَ سِوَاهُ، فَإذَا عُلِمَ هَذا عَلَى قَصْدِهِ ومُبْتَغَاهُ، ظَهَر لِكُلِّ ذِي عَيْنٍ وبَصِيْرَةٍ أنَّ دِيْنَ الإسْلامِ قَدْ حَازَ التَّمَامَ والكَمَالَ فِي عُلُومِهِ وفُنُونِهِ، وشَرْعِهِ وشُؤُونِهِ؛ حَيْثُ أَخَذَ مِنَ التَّمَامِ أَعْلاهُ، ومِنَ الكَمَالِ مُنْتَهاهُ، فَقَدْ اتَّسَقَ اتِّسَاقَ القَمَرِ، واكْتَمَلَ اكْتِمالَ البَدْرِ، وانْتَظَمَ انْتِظَامَ العِقْدِ، فَهَذِه أُصُولُه قَدْ أُحْكِمَتْ، وهَذِهِ فُرُوْعُه قَدْ رُتِّبَتْ. * * * حتَّى إنَّكَ إذَا أرَدْتَ مَسْألةً جَلِيْلَةً أو دَقِيْقَةً مِنْ مَسَائِلِهِ لَمْ تَجِدْها شَرِيْدَةً هُنَا أو هُنَاكَ، أو مُبَعْثَرَةً فِي كِتَابٍ طَالَمَا أَغْوَاكَ؛ بَلْ تَرَاهَا قَدْ رُتِّبتْ تَحْتَ مَسَائِلَ، والمَسَائِلُ تَحْتَ فُصُولٍ، والفُصُولُ تَحْتَ أَبْوَابٍ، والكُلُّ يَجْمَعُهُ كِتَابٌ؛ فَهَذا كِتَابُ «المُغْنِي»، وذَاكَ كِتَابُ «التَّوْحِيْدِ»، وهَكَذا كِتَابُ ... إلَخْ. فَلَيْتَ شِعْرِي؛ هَلْ وَجَدْتَ دِيْنًا كهَذَا، أو عِلْمًا بِهَذَا، أو مَسْألةً مِنْ هَذَا؟؛ كَلاَّ والَّذِي فَلَقَ الحبَّةَ، وبَرَأَ النَّسَمَةَ! * * *

стр. 10

ومِنْ تِلْكُمُ المَسَائِلِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِ البَحْثِ عَنْها والحَدِيْثِ فِيْها؛ مَسْألةُ: «الفِتْنَةِ» الَّتِي وَقَعَتْ بَيْنَ الصَّحَابَةِ ﵃، وبَعْدَ النَّظَرِ والتَّتبُّعِ إذْ بِنَا نَجِدُها قَدْ تَنَازَعَتْها ثَلاثَةُ فُنُوْنٍ مِنَ العُلُوْمِ الشَّرْعيَّةِ: (عِلْمُ العَقِيْدَةِ، وعِلْمُ التَّارِيْخِ، وعِلْمُ الحديثِ). فأمَّا كُتُبُ العَقِيْدَةِ؛ فَقَلَّمَا يَخْلُوْ كِتَابٌ مِنْ ذِكْرِهَا؛ إلاَّ أنَّهَا في الغَالِبِ الأعمِّ لَمْ تُعْنَ بِتَفْصِيْلِ مَجْرَيَاتِهَا، أو تَهْتَمْ بِطُوْلِ أحْدَاثِها؛ اللَّهُمَّ ما كانَ مِن الحَدِيْثِ عَمَّا يَجِبُ أَنْ يَعْتَقِدَهُ المُسْلِمُ تُجَاهَهَا، والنَّظَرِ حَيَالَهَا ... وهُوَ: (السُّكُوْتُ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَهُم)! أمَّا كُتُبُ التَّارِيْخِ؛ فَقَلَّمَا يَخْلُو كِتَابٌ مِنْ ذِكْرِ هَذِهِ الفِتْنَةِ عَلَى التَّفْصِيْلِ، والتَّحْلِيْلِ، مِنْ أحْدَاثٍ، وَأخْبَارٍ ... ! أمَّا عِلْمُ الحَدِيْثِ فَهُوَ المِيْزَانُ العِلْمِيُّ، والنَّاقِدُ المُعْتَمَدُ، والحُجَّةُ القَاطِعَةُ في الفَصْلِ بَيْنَ صَحِيْحِ الأخْبَارِ وضَعِيْفِهَا، ومَقْبُولِهَا ومَرْدُودِهَا! فَهُوَ المُهَيْمِنُ (بَعْدَ القُرْآنِ) عَلَى جَمِيْعِ عُلُومِ الشَّرِيْعَةِ الإسْلامِيَّةِ؛ ابْتِدَاءً بالعَقِيْدَةِ، والفِقْهِ، وانْتِهَاءً بالتَّفْسِيْرِ، والتَّارِيْخِ ... إلَخْ. لِذَا مَنْ أرَادَ أنْ يَأْخُذَ حَظَّهُ مِنَ النَّظَرِ في هَذِهِ المَسْأَلَةِ (الفِتْنَةِ) فَلا بُدَّ لَهُ مِنْ أَخْذِ أزِمَّةِ كُتُبِ العَقِيْدَةِ والتَّاريخِ والحَدِيْثِ جَنْبًا بِجَنْبٍ؛ كَي تَثْبُتَ قَدَمُهُ عَلَى طَرِيْقِ اليَقِيْنِ وَدَرَجَةِ التَّسْلِيْمِ؛ لأنَّ هَذِهِ المَسْألَةَ مِنْ

стр. 11

مَسَائِلِ الأُصُوْلِ العِظَامِ؛ هَذَا إذَا عَلِمْنَا أنَّ جَمْهَرَةً كَبِيْرَةً مِنْ أهْلِ الفِرَقِ الإسْلامِيَّةِ قَدْ افْتَرَقَتْ عِنْدَهَا افْتِرَاقًا كَبِيْرًا مَا بَيْنَ غَالٍ كَالرَّافِضَةِ، وَجَافٍ كالخَوَارِجِ، ووَسَطٍ كَأهْلِ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ؛ لِذَا كَانَتْ مَسْألَتُنَا هَذِهِ لا تَنْفَكُّ بِحَالٍ عَنْ هَذِهِ العُلُوْمِ الثَّلاثَةِ: (العَقِيْدَةِ، والتَّأرِيْخِ، والحَدِيْثِ) واللهُ تَعَالى أعْلَمُ. * * * لِذَا أحْبَبْتُ أنْ أقِفَ مَعَ هَذِهِ المَسْألَةِ بِشَيْءٍ مِنَ التَّفْصِيْلِ القَرِيْبِ لا التَّطْوِيْلِ الغَرِيْبِ، وَمَا هَذَا إلاَّ لأهَمِّيَتِهَا؛ لا سِيَّما إذَا عَلِمْنَا أنَّ هُنَاكَ مِنَ الدُّعَاةِ (في أيَّامِنَا هَذِهِ) مَنْ أثَارَ هَذِهِ المَسْألَةَ، وَتَكَلَّمَ عَنْهَا بالنَّظَرِ إلى كُتُبِ التَّارِيْخِ فَقَطْ، دُوْنَ اعْتِبَارٍ لِمَا لِغَيْرِهِ مِنَ العُلُوْمِ، وَكَذَا مَعَ قِلَّةِ العِلْمِ، وانْتِشَارِ الجَهْلِ بَيْنَ كَثِيْرٍ مِنَ المُسْلِمِيْنَ! كَمَا لا نَنْسَ أيْضًا أنَّ هُنَالِكَ مِنْ أهْلِ الأهْوَاءِ والبِدَعِ مَنْ يَسْعَى حَثِيْثًا إلى نَشْرِ مَا حَصَلَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ؛ لا سِيَّما الرَّافِضَةُ، والخَوَارِجُ، والعِلْمَانِيُّوْنَ وغَيْرُهُم؛ بُغْيَةَ قَذْفِ المُتَشَابِهَاتِ في قُلُوْبِ المُسْلِمِيْنَ حَتَّى تَتَزَعْزَعَ عَقَائِدُهُم بِعَامَّةٍ، وبالصَّحَابَةِ خَاصَّةً، واللهُ المُسْتَعَانُ عَلَى مَا يَصِفُوْنَ! * * *

стр. 12

فَلأجْلِ هَذَا وَغَيْرِهِ؛ قُمْتُ وللهِ الحَمْدُ بِكِتَابَةِ مَا أُرَاهُ سَيَخْدِمُ هَذَا المَوْضُوْعَ «الفِتْنَةَ» تَأصِيْلاً وتَدْلِيْلاً، وتَقْرِيْرًا ورَدًّا تَحْتَ عُنْوَانِ: «تَسْدِيْدِ الإصَابَةِ فِيْمَا شَجَرَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ» (١). وقَدْ شَاءَ اللهُ تَعَالى نَفَاذَ الطَّبْعَةِ الثَّانِيَةِ؛ فَكانَ مِنِّي أنْ رَاجَعْتُ الكِتَابَ في طَبْعَتِهِ الثَّالِثَةِ، مَعَ بَعْضِ الزِّيَادَاتِ الَّتِي فَرَضَها التَّحْقِيْقُ العِلْمِيُّ إنْ شَاءَ الله. * * * وقَدْ نَظَّمْتُ خُطَّةَ رِسَالَتِي في ثَمَانِيَة أَبْوَابٍ، وفي كُلِّ بَابٍ فُصُوْلٌ، كَمَا يَلِي: البَابُ الأوَّلُ: وَفِيْهِ ثَلاثَةُ فُصُوْلٍ. الفَصْلُ الأوَّلُ: التَّعْرِيْفُ بالتَّارِيْخِ. الفَصْلُ الثَّاني: أهَمِيَّةُ التَّارِيْخِ. الفَصْلُ الثَّالِثُ: خُطُوْرَةُ الكَلامِ في التَّارِيْخِ دُوْنَ عِلْمٍ. البَابُ الثَّاني: وفِيْه فَصْلانِ. الفَصْلُ الأوَّلُ: مَوْضُوْعُ الفِتْنَةِ، ومَوْقِعَةُ (الجَمَلِ، وصِفِّيْنَ)، وذَلِكَ مِنْ خِلالِ خَطَأيْنِ: الخَطَأُ الأوَّلُ: مايَتَعَلَّقُ بالأخْبَارِ والآثَارِ مِنْ حَيْثُ الرَّدِّ والقَبُوْلِ.

стр. 13

الخَطَأُ الثَّاني: ما يَتَعَلَّقُ بِذِكْرِ أَصْلِ المَوْضُوْعِ (ما حَصَلَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ ﵃. الفَصْلُ الثَّاني: عَدَدُ الصَّحَابَةِ الذِيْنَ حَضَرُوا الفِتْنَةَ. البَابُ الثَّالِثُ: مُجْمَلُ ما دَارَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ ﵃، وذَلِكَ في ثَلاثَةِ أُمُوْرٍ. الأمْرُ الأوَّلُ: تَحْدِيْدُ بِدَايَةِ التَّشَاجُرِ بَيْنَ الصَّحَابَةِ ﵃. الأمْرُ الثَّاني: الدَّافِعُ الذِيْ حَمَلَ الصَّحَابَةَ عَلَى التَّشَاجُرِ بَيْنَهُم. الأمْرُ الثَّالِثُ: وُجُوْبُ السُّكُوْتِ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ. البَابُ الرَّابِعُ: فَضَائِلُ الصَّحَابَةِ ﵃، وفِيْهِ سِتَّةُ فُصُوْلٍ. الفَصْلُ الأوَّلُ: فَضَائِلُ الصَّحَابَةِ ﵃. الفَصْلُ الثَّاني: وُجُوْبُ مَحَبَّةِ الصَّحَابَةِ ﵃. الفَصْلُ الثَّالِثَ: وُجُوْبُ الدُّعَاءِ والإسْتِغْفَارِ للصَّحَابَةِ. الفَصْلُ الرَّابِعُ: عَدَالَةُ الصَّحَابَةِ ﵃. الفَصْلُ الخَامِسُ: حُكْمُ مَنْ سَبَّ الصَّحَابَةِ ﵃. الفَصْلُ السَّادِسُ: فَضَائِلُ مُعَاوِيَةَ ﵁.

стр. 14

البَابُ الخَامِسُ: أقْوَالُ السَّلَفِ في وُجُوْبِ السُّكُوْتِ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ ﵃. البَابُ السَّادِسُ: الآثارُ السِّلْبِيَّةِ مِنْ نَشْرِ ما حَصَلَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ ﵃ لَدَى عَامَةِ المُسْلِمِيْنَ. البَابُ السَّابِعُ: الإيْرَادَاتُ، وذَلِكَ مِنْ خِلالِ إيْرَادَيْنِ. الإيْرَادُ الأوَّلُ: حُكْمُ مَنْ أرَادَ أنْ يَذْكُرَ ما شَجَرَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ عَلَى وَجْهِ المَحَبَّةِ، وسَلامَةِ الصَّدْرِ، وحُسْنِ الظَّنِّ بِهِم؟ الإيْرَادُ الثَّاني: حُكْمُ مَنْ أرَادَ أنْ يَذْكُرَ ما شَجَرَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُم أُسْوَةً بِمَا هُوَ مَوْجُودٌ في كُتُبِ التَّارِيْخِ المَشْهُوْرَةِ؟ البَابُ الثَّامِنُ: خُلاصَةُ البَحْثِ. الفَهَارِسُ العَامَّةِ: وَكَتَبَهُ ذِيابِ بنِ سَعْدٍ آلِ حَمْدَانَ الغَامِدِيِّ (١/ ١/١٤٢٣) الطَّائِفُ

стр. 15

البَابُ الأوَّل الفَصْلُ الأوَّلُ: التَّعْرِيْفُ بالتَّارِيْخِ الفَصْلُ الثَّانِي: أهَمِيَّةُ التَّارِيْخِ الفَصْلُ الثَّالِثُ: خُطُوْرَةُ الكَلامِ في التَّارِيْخِ دُوْنَ عِلْمٍ

стр. 16

الفَصْلُ الأوَّلُ التَّعْرِيْفُ بالتَّارِيْخِ إنَّ فَنَّ التَّارِيْخِ مِنْ الفُنُوْنِ الَّتي تَتَدَاوَلُهَا الأُمَمُ والأجْيَالُ، وتُشَدُّ إلَيْهِ الرَّكَائِبُ والرِّحَالُ، وتَسْمُوْ إلى مَعْرِفَتِهِ السَّوَقَةُ والأغْفَالُ، وتَتَنَافَسُ فِيْهِ المُلُوْكُ والأقْيَالُ، ويَتَسَاوَى في فَهْمِهِ العُلَمَاءُ والجُهَّالُ. لِهَذَا نَجِدُ النُّفُوْسَ تَشْرَئِبُّ إلى مَعْرِفَةِ بِدَاياتِ الأشْيَاءِ، وتُحِبُّ سمَاعَ أخْبَارِ الأنْبِيَاءِ، وتَحِنُّ إلى مُطَالَعَةِ سِيَرِ المُلُوْكِ والحُكَمَاءِ، وتَرْتَاحُ إلى ذِكْرِ ما جَرَى لِلْقُدَمَاءِ (١). * * * «إلاَّ أنَّ التَّارِيْخَ الإسْلامِيَّ تَارِيْخُ دِيْنٍ وعَقِيْدَةٍ قَبْلَ أنْ يَكُوْنَ تَارِيْخَ دُوَلٍ، ومَعَارِكَ، ونُظُمٍ سِيَاسِيَّةٍ؛ لأنَّ العَقِيْدَةَ هِيَ الَّتي أنْشَأتْ هَذِهِ الكَيَانَاتِ مِنْ الدُّوَلِ والمُجْتَمَعَاتِ بِنُظُمِهَا السَّيَاسِيَّةِ، والإدَارِيَّةِ، والتَّعْلِيْمِيَّةِ، والاقْتِصَادِيَّةِ وغَيْرِهَا ... !

стр. 17

ولِذَلِكَ فإنَّ المُسْلِمَ عِنْدَمَا يُدَوِّنُ واقِعَاتِ التَّارِيْخِ وأحْدَاثَهُ، وعِنْدَمَا يَدْرُسُهَا يَنْبَغِيْ أنْ لا يَكُوْنَ تَدْوِينُهُ ودِرَاسَتُهُ بِدُوْنِ غَايَةٍ واضِحَةٍ، وهَدَفٍ يَخْدِمُ عَقِيْدَتَهُ، وتَصَوُّرَهُ الإيْمَانِيِّ. وأنَّهُ لا بُدَّ أنْ يَرْبُطَ عَمَلَهُ التَّارِيْخِيَّ بِعَقِيْدَتِهِ ومَنْهَجِهِ لِكَيْ يَسْتَفِيْدَ مِنَ الأحْدَاثِ التَّارِيْخِيَّةِ دُرُوْسًا وتَوْجِيْهَاتٍ مُثْمِرَةً، وَلِكَيْ يُدْرِكَ مِنْ خِلالِ الوَقَائِعِ سُنَنَ اللهِ، وقَدَرَهُ وهَيْمَنَتَهُ عَلَى الكَوْنِ، ومِثْلُ هَذِهِ المَعْرِفَةِ والإدْرَاكِ تَزِيْدُ مِنْ إيْمَانِهِ وطَاعَتِهِ للهِ، وتُتِيْحُ لَهُ الحُصُولَ عَلَى الثَّمَرَاتِ الَّتي يَرْجُوْهَا المُسْلِمُ مِنْ دِرَاسَةِ تَارِيْخِهِ. فَالْتِزَامُ البَاحِثِ بِمَنْهَجِ العَقِيْدَةِ؛ يَرْسُمُ لَهُ طَرِيْقَةَ التَّعَامُلِ مَعَ الحَدَثِ، وكَيْفِيَّةَ مُعَالجَتِهِ ودَرْسِهِ، وأَخْذَ العِظَةِ مِنْهُ» (١). * * * فَلَمَّا كَانَ هَذَا شَأنُ التَّارِيْخِ بِعَامَّةٍ؛ أرَدْنَا أنْ نَقِفَ مَعَ تَعْرِيْفِهِ كَيْ يَتَسَنَّى لنَا فَهْمُهُ وتَصَوُّرُهُ. * * *

стр. 18

فالتَّارِيْخُ في اللُّغَةِ: الإعْلامُ بالوَقْتِ، يُقَالُ أرَّخْتُ الكِتَابَ ووَرَّخْتُهُ بِمَعْنى، أي بَيَّنِتُ وَقَتَ كِتَابَتِهِ. قَالَ الجَوْهَرِيُّ: التَّأرِيْخُ تَعْرِيْفُ الوَقْتِ، والتَّوْرِيْخُ مِثْلُهُ، يُقَالُ: أَرَّخْتُ ووَرَّخْتُ، وقِيْلَ اشْتِقَاقُهُ مِنَ الأَرْخِ؛ يَعْنِي بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وكَسْرِهَا، وَهُوَ صِغَارُ الأُنْثَى مِنْ بَقَرِ الوَحْشِ؛ لأنَّهُ شَيْءٌ حَدَثَ كَمَا يَحْدُثُ الوَلَدُ ... (١). * * * وفي الاصْطِلاحِ: «فَقَدِ اخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُ العُلَمَاءِ في تَحْدِيْدِ تَعْرِيْفٍ لَهْ، ولَعَلَّ ذَلِكَ رَاجِعٌ إلى كَثْرَةِ المَوْضُوْعَاتِ الَّتي تَدْخُلُ في مَفْهُوْمِ التَّارِيْخِ. ومِنَ المُلاحَظِ أنَّ المُؤَرِّخِيْنَ في القُرُوْنِ الثَّلاثَةِ الأوْلى مِنَ الهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ لَمْ يُدَوِّنُوا تَعْرِيْفًا كامِلاً لِعِلْمِ التَّارِيْخِ، وإنَّمَا كانُوا يَكْتَفُوْنَ بِذِكْرِ

стр. 19

فَوَائِدِهِ وأغْرَاضِهِ، وَمِنَ المَعْلُوْمِ أنَّ العِلْمَ قَدْ يُعرَّفُ بِبَعْضِ أنْوَاعِهِ، أو أمْثِلَتِهِ، أوْ بِذِكْرِ غَايَاتِهِ» (١). إلاَّ أنَّنا مَعَ هَذَا الخِلافِ، والنَّظَرِ في جُمْلَةِ التَّعَارِيْفِ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ نَسْتَطِيْعُ أنْ نَخْرُجَ بتَعْرِيْفٍ جَامِعٍ للتَّارِيْخِ: وهُوَ مَعْرِفةُ أحْوَالِ الطَّوَائِفِ وبُلْدَانِهِم، ورُسُومِهِم وعَادَاتِهِم، وصَنَائِعِ أشْخَاصِهِم وأنْسَابِهِم، ووَفَياتِهِم إلى غَيْرِ ذَلِكَ (٢).

стр. 20

الفَصْلُ الثَّانِي أهَمِيَّةُ التَّارِيْخِ ومِنْ خِلالِ هَذَا التَّعْرِيْفِ الجَامِعِ لعِلْمِ التَّارِيْخِ تَبَيَّنَ لدَيْنا أنَّ فَنَّ التَّارِيْخِ فَنٌّ عَزِيْزُ المَذْهَبِ، جَمُّ الفَوَائِدِ، شَرِيْفُ الغَايَةِ؛ إذْ هُوَ يُوْقِفُنا عَلَى أحْوَالِ المَاضِيْنَ مِنَ الأُمَمِ في أخْلاقِهِم، والأنْبِيَاءِ في سِيَرِهِم، والمُلُوْكِ في دُوَلِهِم وسِيَاسَتِهِم، حَتَّى تَتِمَّ فَائِدَةُ الإقْتِدَاءِ في ذَلِكَ لِمَنْ يَرُوْمُهُ في أحْوَالِ الدِّيْنِ والدُّنْيا (١). * * * لِذَا نَجِدُ التَّارِيْخَ الإسْلامِيَّ قَدْ أخَذَ مَكَانَةً عَظِيْمَةً عِنْدَ عُلَمَاءِ المُسْلِمِيْنَ حَيْثُ اعْتَنَوْا بِه عِنَايَةً فَائِقَةً، لِهَذا نَجِدُهُم قَدْ دَوَّنُوْهُ وأكْثَرُوْا، وجَمَعُوا تَوَارِيْخَ الأُمَمِ والمُلُوْكِ والدُّوَلِ في العَالَمِ وسَطَّرُوْا؛ إلاَّ أنَّ الَّذِيْنَ ذَهَبُوْا مِنْهُم بِفَضْلِ الشُّهْرَةِ والأمَانَةِ المُعْتَبَرَةِ قَلِيْلُوْنَ لا يَكَادُوْنَ يَتَجَاوَزَوْنَ عَدَدَ الأنَامِلِ. مِثْلُ: ابنِ إسْحَاقَ المَطْلَبِيِّ (١٥١)، وابنِ

стр. 21

جَرِيْرٍ الطَّبَرِيِّ (٣١٠)، وابنِ الجَوْزِيِّ (٥٩٧)، وابنِ الأثِيْرِ (٦٣٠)، وابنِ كَثِيْرٍ (٧٧٤)، وابنِ خُلْدُوْنٍ (٨٠٨)، وغَيْرِهِم. ومِنْهُم مَنِ اسْتَوْعَبَ ما قَبْلَ المِلَّةِ مِنَ الدُّوَلِ والأُمَمِ، والأمَرِ العَمَمِ، كالمَسْعُودِيِّ (٣٤٦) ومَنْ نَحَا مَنْحَاهُ! ومِنْهُم مَنْ عَدَلَ عَنِ الإطْلاقِ إلى التَّقْيِيْدِ، ووَقَفَ في العُمُوْمِ والإحَاطَةِ عَنِ الشَّأْوِ البَعِيْدِ، فقيَّدَ شَوَارِدَ عَصْرِهِ، واسْتَوعَبَ أخْبَارَ أُفُقِهِ وقُطْرِهِ، واقْتَصَرَ عَلَى أحَادِيْثِ دَوْلتِهِ ومِصْرِهِ، كالخَطِيْبِ البَغْدَادِيِّ (٤٦٣)، وابنِ عَسَاكِرَ (٥٧١) وغَيْرِهِما. وهَكَذا دَوَالَيْكَ تَتَابَعَ العُلَمَاءُ عَلَى كِتَابَةِ التَّارِيْخِ الإسْلامِيِّ وتَخْلِيْصِهِ مِنْ شَوائِبِهِ وغَرَائِبِهِ، وكُلٌ عَلَى قَدْرِ جُهْدِهِ واجْتِهَادِهِ. * * * وفي الوَقْتِ نَفْسِهِ نَجِدُ للدُّعَاةِ والخُطَبَاءِ (هَذِه الأيَّامَ) صَوْتًا جَهْوَرِيًّا، وحَدِيْثًا ذَا شُجُونٍ حَوْلَ التَّارِيْخِ الإسْلامِيِّ؛ وكُلُّ ذَلِكَ مِنْهُم رَغْبةً في عَوْدَةِ الأُمَّةِ الإسْلاميَّةِ عَوْدَةً صَادِقَةً إلى تارِيْخِها التَّلِيْدِ وعِزِّها العَرَيْقِ! وهُوَ كَذَلِكَ؛ لأنَّ الدَّعْوَةَ إلى اللهِ تَعَالى حَقٌّ مُشَاعٌ بَيْنَ المُسْلِمِيْنَ «يَقُوْمُ بذِمَّتِهِم أدْنَاهُم»؛ ولكِنْ بِشَرْطِهِ، وهُوَ أنْ تَكُوْنَ الدَّعْوَةُ إلى اللهِ

стр. 22

تَعَالى: بِعِلْمٍ؛ لِذَا كَانَ على كُلِّ مُسْلِمٍ أن يَدْعُوَ عَلَى قَدْرِ عِلْمِه، كَمَا عَلَيْه أنْ يَحْذَرَ الشَّهْوَةَ الخَفِيَّةَ! فإنَّا ما نَخْشَاهُ ونَخَافُهُ (هَذِه الأيَّامَ): أنْ تُسَلَّطَ الأضْوَاءُ وتَشْرَئِبَّ الأبْصَارُ إلى بَعْضِ الدُّعَاةِ المُشَارِكِيْنَ في الدَّعْوَةِ ... حَتَّى تَسِيْرَ بهِم عَجَلَةُ الشُّهْرَةِ إلى التَّصَدُّرِ للفَتْوَى، والتَّنْظِيْرِ والتَّرْشِيْدِ للمُسْلِمِيْنَ بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَلْيَحْذَرْ هَؤلاءِ مِنْ طَرْقِ هَذِه السَّبِيْلِ، فإنَّها هُلْكَةٌ لَهُ، ومَهْلَكَةٌ للأمَّةِ مَعًا!

стр. 23

الفَصْلُ الثَّالِثُ خُطُوْرَةُ الكَلامِ في التَّارِيْخِ دُوْنَ عِلْمٍ لاشَكَّ أنَّ الشُّرُوْعَ في بُحُوْرِ التَّارِيْخِ، أو الخَوْضَ فِيْهِ (سَوَاءٌ كَانَ تألِيْفًا أو تَحْدِيْثًا) لَيْسَ مِنَ السَّهْلِ بِمَكَانٍ، ومَا كَانَ (يَوْمًا) مَرْتعًا خَصْبًا لكُلِّ أحَدٍ؛ كَلاَّ! فَهَذا العَلاَّمَةُ ابنُ خُلْدُوْنٍ ﵀ (٨٠٨)، يُشِيْرُ إلى نَحْوِ هَذَا الكَلامِ ـ بَعْدَ أنْ تَكَلَّمَ عَنْ أهَمِيَّةِ التَّارِيْخِ ـ قَائِلاً: «... فَهُوَ (التَّارِيْخُ) مُحْتَاجٌ إلى مَآخِذَ مُتَعَدِّدَةٍ ومَعَارِفَ مُتَنَوِّعَةٍ، وحُسْنِ نَظَرٍ وتَثَبُّتٍ يَفْضِيَانِ بصَاحِبِهِما إلى الحَقِّ ويُنَكِّبَانِ بِهِ عَنِ المَزَلاَّتِ والمَغَالِطِ؛ لأنَّ الأخْبَارَ إذا اعتُمِدَ فِيْها على مُجَرَّدِ النَّقْلِ، ولَمْ تُحْكَمْ أُصُولُ العَادَّةِ، وقَوَاعِدُ السِّيَاسَةِ، وطَبِيْعَةُ العُمْرَانِ، والأحْوَالُ في الاجْتِمَاعِ الإنْسَانِيِّ، ولا قِيْسَ الغَائِبُ مِنْها بالشَّاهِدِ، والحَاضِرُ بالذَّاهِبِ؛ فَربَّما لَمْ يُؤمَنْ فِيْهَا مِنَ العُثُوْرِ، ومَزَلَّةِ القَدَمِ، والحَيْدِ عَنْ جَادَّةِ الصِّدْقِ.

стр. 24

وكَثِيْرٌ مَا وَقَعَ للمُؤرِّخِيْنَ والمُفَسِّرِيْنَ وأئِمَّةِ النَّقْلِ المَغَالِطُ في الحِكَايَاتِ والوَقَائِعِ، لاعْتِمَادِهِم فِيْها على مُجَرَّدِ النَّقْلِ غَثًا أو سَمِيْنًا، لَمْ يَعْرِضُوْها على أُصُوْلِها، ولا قاسُوْها بأشْبَاهِها، ولا سَبَرُوْها بمِعْيَارِ الحِكْمَةِ، والوُقُوْفِ على طَبَائِعِ الكَائِنَاتِ، وتَحْكِيْمِ النَّظَرِ والبَصِيْرةِ في الأخْبَارِ، فَضَلُّوْا عَنِ الحَقِّ وتَاهُوْا في بَيْدَاءِ الوَهْمِ والغَلَطِ. ولاسِيَّمَا في إحْصَاءِ الأعْدَادِ مِنَ الأمْوَالِ والعَسَاكِرِ إذا عُرِضَتْ في الحِكَايَاتِ إذْ هِيَ مَظِنَّةُ الكَذِبِ ومَطيَّةُ الهَذَرِ، ولا بُدَّ مِنْ رَدِّها إلى الأُصُولِ وعَرْضِها على القَوَاعِدِ» (١). فإذا عُلِمَ هَذَا؛ كان مِنَ الخطأ أنْ نَجْعَلَ مِنَ التَّارِيْخِ مَادَّةً سَهْلةً، ومَرْتعًا خَصْباً لِكُلِّ مَنْ هَبَّ ودَبَّ! * * * فَعِنْدَئِذٍ؛ نَسْتَطِيْعُ أنْ نُجْمِلَ التَّعَامُلَ مَعَ الأحَادِيْثِ والآثارِ الَّتي في كُتُبِ التَّارِيْخِ وغَيْرِها في قِسْمَيْنِ: القِسْمُ الأوَّلُ: ما كانَ مِنْهَا ضَعِيْفًا، وهَذا القِسْمُ لا يَخْلُ مِنْ حَالَتَيْنِ:

стр. 25

الأُوْلى: أنْ يَكُوْنَ مَغْمُوْرًا سَاقِطًا لَيْسَ مُتَدَاوَلاً على الألْسِنَةِ، فَمِثْلُ هذا لا يُلْتَفَتُ إليْهِ بِحَالٍ ولا مَقَالٍ غَالبًا. الثَّانِيَةُ: أنْ يَكُوْنَ مَشْهُوْرًا على ألْسِنَةِ النَّاسِ، مَنْشُوْرًا في الكُتُبِ الإسْلامِيَّةِ، وهذا أيْضًا لا يّخْلُ مِنْ ثَلاثَةِ أنْوَاعٍ. النَّوْعُ الأوَّلُ: أنْ يَكُوْنَ مُخَالِفًا للحَقِّ (القُرْآنِ، والسُّنَّةِ، والقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ)، فَهَذا يَجِبُ رَدُّهُ، وكَشْفُ عَوَارِهِ. النَّوْعُ الثَّاني: أنْ يَكُوْنَ مُوَافِقًا للحَقِّ (القُرْآنِ، والسُّنَّةِ، والقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ)، فَهذا كانَ الأوْلى تَرْكَهُ واطِّرَاحَهُ، والاكْتِفَاءَ بِمَا صَحَّ مِنْ أدِلَّةِ الحَقِّ. عِلْمًا أنَّ في ذِكْرِ هذا النَّوْعِ خِلافًا بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ، وإنْ كَانَ الرَّاجِحُ تَرْكَهُ، والاكْتِفَاءَ بِمَا صَحَّ مِنْ غَيْرِهِ. النَّوْعُ الثَّالِثُ: أنْ يَكُوْنَ سِلْمًا لا مُوَافِقًا ولا مُخَالِفًا لِشَيْءٍ مِنَ الحَقِّ، فَذِكْرُ مِثْلَ هذا النَّوْعِ مَحَلُّ خِلافٍ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ ما بَيْنَ: مُبِيْحٍ، ومَانِعٍ (١). * * *

стр. 26

القِسْمُ الثَّاني: ما كانَ مِنْهَا صَحِيْحًا ثابِتًا، وهذا القِسْمُ لا يَخْلُ أيْضًا مِنْ حَالَتَيْنِ: الحَالَةُ الأوْلى: أنْ يَكُوْنَ مُوَافِقًا لِلْحَقِّ ظَاهِرًا وبَاطِنًا، فَهَذِهِ الحَالَةُ حَقٌّ لا شِيَةَ فِيْهَا، فَلازِمُ الحَقِّ حَقٌّ. الحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أنْ يَكُوْنَ ظَاهِرُهُ يُخَالِفُ الكِتَابَ، أوِ السُّنَّةَ، أوِ القَوَاعِدَ الشَّرْعِيَّةَ، فَهذِهِ الحَالَةُ مَيْدَانُ الرَّاسِخِيْنَ مِنْ أهْلِ العِلْمِ في تَوْجِيْهِهَا، والجَمْعِ بَيْنَهَا، وبَيَانِ ناسِخِهَا ... إلخ، ومِنْ هذِهِ المَسَائِلِ: الفِتْنَةُ! * * * وَقَدْ رَسَمَ السُّبْكِيُّ (٧٧١)، وكَذَا السَّخَاوِيُّ (٩٠٢) رَحِمَهُما اللهُ مَنْهَجًا عِلْمِيًّا، ومَعَالِمَ مُهِمَّةً كانَ على صَاحِبِ التَّارِيْخِ أنْ يَتَقيَّدَ بِهَا (كِتَابَةً أوْ إلْقَاءً)، وَقَدْ جَمَعَهَا الشَّيْخُ مُحَمَّدُ السُّلَمِي، وزَادَ عَلَيْهَا مَعَ التَّرْتِيْبِ والتَّهْذِيْبِ أَشْيَاءَ، فَبَلَغَتْ عَشْرَ نُقَاطٍ كَمَا يَلِي: أوَّلاً: اسْتِعْمَالُ الدَّلِيْلِ والوَثِيْقَةِ بَعْدَ التَّأكُّدِ مِنْ صِحَّتِهَا. ثَانيًا: حُسْنُ الإسْتِدْلالِ باتِّبَاعِ التَّنْظِيْمِ والتَّرْتِيْبِ المُلائِمِ لِلأدِلَّةِ، مَعَ حُسْنِ العَرْضِ، وتَحْرِيْرِ المَسَائِلِ.

стр. 27

ثَالِثًا: الإيْمَانُ بِكُلِّ ما دَلَّ عَلَيْهِ الكِتَابُ والسُّنَّةُ، ومِنْ ذَلِكَ الإِيْمَانُ بالغَيْبِ، وبالجَزَاءِ، والحِسَابِ، والقَضَاءِ والقَدَرِ، وَرَدُّ كُلِّ ما خَالَفَهَا. رَابِعًا: الأمَانَةُ في اسْتِقْصَاءِ الأدِلَّةِ وإيْرَادِهَا، مَعَ الجَمْعِ والتَّرْجِيْحِ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ المُخْتَلِفَةِ وُفْقًا لِلْقَوَاعِدِ المُقَرَّرَةِ. خَامِسًا: بَيَانُ المَصَادِرِ والمَرَاجِعِ الَّتي أخَذَ عَنْهَا. سَادِسًا: الإعْتِمَادُ على النُّصُوْصِ الشَّرْعِيَّةِ، والحَقَائِقِ العِلْمَيَّةِ، وعَدَمُ الارْتِبَاطِ بالأوْهَامِ والطِّلْسِمَاتِ والظُّنُوْنِ. سَابِعًا: التَّجُرُّدُ مِنَ الهَوَى والمَيْلِ الذَّاتِيَيْنِ. ثَامِنًا: تَحْكِيْمُ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، والإلْتِزَامُ بِقَوَاعِدِها وبِدَلالَةِ الألْفَاظِ؛ فلا يَؤُوْلُ اللَّفْظُ، ولا يُخْرجُ عَنْ دَلالَتِهِ دُوْنَ قَرِيْنَةٍ صَارِفَةٍ صَحِيْحَةٍ (١). تَاسِعًا: عَدَمُ قَبُوْلِ المُتَنَاقِضَاتِ، أيْ: لا يُسَلِّمُ لِمَا يُنْقَلُ عَنِ المَشَايِخِ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلدِّيْنِ. وإنْ وُجِدَ مِثْلُ هذا؛ فَهُوَ لا يَخْلُ مِنْ أمْرَيْنِ، إمَّا كَذِبٌ، أو غَلَطٌ.

стр. 28

عَاشِرًا: حُسْنُ الأدَبِ مَعَ كَلامِ اللهِ ، ومَعَ الأنْبِيَاءِ والعُلَمَاءِ، والابْتِعَادُ عَنِ التَّجْرِيْحِ الشَّخْصِيِّ. والاقْتِصَارُ في النَّقْدِ على بَيَانِ الأخْطَاءِ، مَعَ الاعْتِذَارِ لَهُم، وحَمْلِ كَلامِهِم على أحْسَنِ الوُجُوْهِ ما أمْكَنَ. * * * فَهَذِهِ هِيَ أُصُوْلُ وقَوَاعِدُ البَحْثِ العِلْمِيِّ عِنْدَ المُسْلِمِيْنَ (١). وهذِهِ المَعَالِمُ والقَوَاعِدُ وإنْ كَانَتْ مِنَ الأهَمِيَّةِ بِمَكَانٍ؛ إلاَّ أنَّ الأهَمِيَّةَ تَزْدَادُ وتَعْظُمُ في تَتَبُّعِ وتَقَصِّي تَارِيْخَ الفِتْنَةِ الَّتي وَقَعَتْ بَيْنَ الصَّحَابَةِ ﵃، وبِهَذا الصَّدَدِ يَقُوْلُ الشَّيْخُ السُّلَميُّ: «وكَان ما دُوِّنَ مِنْ مِثْلِ هَذِه الأخْبَارِ عَوْنًا لِلْمُسْتَشْرِقِينَ والحَاقِدِيْنَ على الإسْلامِ وعُلَمَائِهِ، فِيْمَا نَشَرُوْهُ مِنْ دِرَاسَاتٍ عَنْ التَّارِيْخِ الإسْلامِيِّ، حَتَّى أَخْفَوْا مُعَالِمَهُ الأسَاسِيَّةَ، وأظْهَرُوْهُ في صُوْرَةٍ قَاتِمَةٍ شَوْهَاءَ لا تَزِيْدُ على كَوْنِهَا صِرَاعًا على السُّلْطَةِ، وتَكَالُبًا على الشَّهَوَاتِ، وفَسَّرُوا التَّارِيْخَ الإسْلامِيَّ كَمَا يَحْلُوا لَهُم تَفْسِيْرًا مَادِيًّا، أوْ قَوْمِيًّا عِلْمَانِيًّا» (٢).

стр. 29

البَابُ الثَّاني الفَصْلُ الأوَّلُ: مَوْضُوْعُ الفِتْنَةِ، وَمَوْقِعَةُ (الجَمَلِ، وصِفِّيْنَ) الفَصْلُ الثَّاني: عَدَدُ الصَّحَابَةِ الَّذِيْنَ حَضَرُوا الفِتْنَةَ

стр. 30

الفَصْلُ الأوَّلُ مَوْضُوْعُ الفِتْنَةِ، وَمَوْقِعَةُ (الجَمَلِ، وصِفِّيْنَ) كَانَ مِنَ المُنَاسِبِ أنْ أكْشِفَ لِلْقَارِئِ الكَرِيْمِ (بَادِئَ ذِيْ بَدْءٍ) حَقِيْقَةَ المَوْضُوْعِ الَّذِيْ دَارَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ ﵃. أقُوْلُ: إنَّ المَوْضُوْعَ الَّذِي جَرَى بَيْنَ الصَّحَابَةِ ﵃؛ في مَوْقِعَةِ الجَمَلِ، وصِفِّيْنَ مِنْ تَشَاجُرٍ وتَنَاحُرٍ وقِتَالٍ؛ هو ما يُسَمَّى عِنْدَ أهْلِ التَّارِيْخِ: بأيَّامِ الفِتْنَةِ! * * * نَعَمْ؛ فَقَدْ حَصَلَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ بَعْضُ التَّنَازُعِ والتَّشَاجُرِ مِمَّا أدَّى إلى القِتَالِ في مَوْقِعَتَيْ: الجَمَلِ، وصِفِّيْنَ. فَعِنْدَ ذَلِكَ كَانْتْ لِهَاتَيْنِ المَوْقِعَتَيْنِ أثَرٌ كَبِيْرٌ في التَّارِيْخِ الإسْلامِيِّ، ومِنْهُ كَانَتْ هذه المَرْحَلَةُ التَّارِيْخِيَّةُ مِنْ أخْطَرِ المَرَاحِلِ تَحْقِيْقًا وتَدْقِيْقًا، تَحْرِيْرًا وتَنْظِيْرًا. وعَلَى هَذَا؛ لا نَسْتِغْرِبُ ولا نَعْجَبُ إذا عَلِمْنَا أنَّ مُعْظَمَ أهْلِ الأهْوَاءِ والبِدَعِ لَمْ تُطِلَّ بِرَأسِها، ولَم تَنْطَلِقْ في نَشْرِ ضَلالِهَا إلاَّ إبَّانَ هذه الفَتْرَةِ التَّارِيْخِيَّةِ (١). * * *

стр. 31

كَمَا أنَّ هَذِه الفَتْرَةَ لِلأسَفِ لَمْ تَقْتَصِرْ على أهْلِ البَاطِلِ؛ بَلْ امْتَدَّتْ إلى بَعْضِ (الدُّعَاةِ) يَوْمَ خَاضُوا غِمَارَها دُوْنَ تَفْتِيْشٍ وتَحْقِيْقٍ لأخْبَارِها؛ اللَّهُمَّ سَرْدُ الأخْبَارِ والآثَارِ مِنْ هُنَا وهُنَاكَ. حَتَّى وقَعُوا في تَنَاقُضَاتٍ ومُخَالَفَاتٍ ما كَانَ لَها أنْ تَنَالَ شَيْئًا مِنْ أقْلامِهِم أوْ ألْسِنَتِهِم إلاَّ أنَّهُم لَمْ يَكُوْنُوا مِنْ أهْلِ التَّحْقِيْقِ والنَّظَرِ! وَهُم مَعَ اجْتِهَادِهِم وحِرْصِهِم في الجَمْعِ والتَّوفِيْقِ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ والأخْبَارِ لَم يَسْلَمُوا مِنَ الخَطأ والزَّلَلِ، وذَلِكَ يَكْمُنُ في خَطَأيْنِ مُعْتَبَرَيْنِ لا يَسَعُ السُّكُوْتُ عَنْهُمَا: الخَطَأ الأوَّلُ: مَا يَتَعَلَّقُ بالأخْبَارِ والآثَارِ مِنْ حَيْثُ القَبُولِ والرَّدِّ.

стр. 32

عِلْمًا أنَّ ذِكْرَ هذه الأخْبَارِ والآثَارِ الَّتي رُوِيَتْ في هذه الحُقْبَةِ الزَّمَنِيَّةِ مِنْ الأهَمِيَّةِ بِمَكَانِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ؛ بَلْ كَانَ مِنَ الوَاجِبِ الاعْتِنَاءُ بِهَا أكْثَرَ ما يَكُوْنُ مِنْ غَيْرِها، لاسِيَّمَا وأنَّ التَّارِيْخَ الإسْلامِيَّ لَمْ تَعْلَقْ بِهِ الشُّبُهَاتُ، ويَسْرِ فِيْهِ التَّشْوِيْهُ إلاَّ مُنْذُ هَذِهِ الفَتْرَةِ الخَطِيْرَةِ حَيْثُ وَجَدَ أعَدَاءُ الإسْلامِ في مِثْلِ هذه الفِتَنِ مَرْتعًا خَصْبًا ووَقْتًا مُناسِبًا في تَحْرِيْفِ الحقَائِقِ التَّارِيْخِيَّةِ، وتَرْوِيْجِ باطِلِهِم على اخْتِلافِ مَشَارِبِهِم ونِحَلِهِم؛ وهو كَذَلِكَ لِمَنْ تَدَبَّرَ التَّارِيْخَ الإسْلامِيَّ (١). بَلْ إخَالُكَ تَعْلَمُ أنَّ هذا المُنْعطَفَ التَّارِيْخِيَّ لَمْ يأخُذْ في ظُهُوْرِهِ واتِّسَاعِهِ إلاَّ إبَّانَ هذه الحُقْبَةِ الخَطِيْرَةِ. لِذَا نَجِدُ الجَهَابِذَةَ مِنَ العُلَمَاءِ الَّذِيْنَ هُم صَيَارِفَةُ الحَدِيْثِ والأخْبَارِ قَدْ خَافُوا مِنَ الخَوْضِ والوُلُوْجِ في ذِكْرِ ما حَصَلَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ ﵃ لِمَا في ذَلِكَ مِنْ مَزَلَّةِ أقْدَامٍ، ومَضَلَّةِ أفْهَامٍ إلاَّ لِمَا لا بُدَّ مِنْهُ، والضَّرُوْرَةُ تُقَدَّرُ بِقَدَرِها.

стр. 33

لِهَذَا كَانَ مِنَ الوَاجِبِ العِلْمِيِّ التَّرَيُّثُ والتَّأنِّي في ذِكْرِ مَا ذُكِرَ، وكَذَلِكَ الخَوْضُ في نَبْشِ ما كان حَقَّهُ السُّكُوْتُ. * * * الخَطَأ الثَّاني: ما يَتَعَلَّقُ بِذِكْرِ أصْلِ المَوْضُوْعِ، وهو ما حَصَلَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ ﵃ مِنْ تَشَاجُرٍ وقِتَالٍ ونَحْوِهِ. فهذا بَيْتُ القَصِيْدِ مِنْ ذِكْرِ وكِتَابَةِ هذه الرِّسَالَةِ، إذْ هو مِنَ الخَطَأ بِمَكَانٍ لِتَعَلُّقِهِ بالعَقِيْدَةِ السَّلَفِيَّةِ، فهو لَيْسَ كَسَابِقِهِ مِمَّا لَهُ تَعَلُّقٌ بالأخْبَارِ ومُنَاقَشَةِ أسَانِيْدِها كَلاَّ؛ بَلْ هو فَوْقَ ذَلِكَ! لِذَا سَوْفَ أذْكُرُ بَعْضَ ما يُسْعِفُنِي ذِكْرُهُ تُجُاهَ هذا المُوْضُوْعِ اسْتِجْلاءً للحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، وَلَسْتُ هنا أنْتَزِعُ حُكْمًا، أو أُصْدِرُ رَأيًا بِقَدْرِ ما أسْتَخْلِصُهُ مِنْ أحْكَامٍ وفَوَائِدَ مِنْ كِتَابِ اللهِ تَعَالى، وسُنَّةِ رَسُولِهِ (، وكَلامِ أهْلِ العِلْمِ إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالى. ومِنْ خِلالِ هَذَا أحْبَبْتُ أنْ أقِفَ بالمُسْلِمِ على تَحْرِيْرِ مَوْقِعَتَيْ (الجَمَلِ وصِفِّيْنَ) تَحْرِيْرًا مُخْتَصَرًا بَعْدَ التَّنْقِيْحِ والتَّرْجِيْحِ لأخْبَارِهِمَا، مُسْتَعِيْنًا باللهِ تَعَالى ثُمَّ بِتَحْرِيْرَاتِ وتَحْقِيْقَاتِ أهْلِ العِلْمِ المُحَقِّقِيْنَ ابْتِدَاءً بِشَيْخِ المُفَسِّرِيْنَ: مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيْرٍ الطَبَرِيِّ (٣١٠)، وانْتِهَاءً بِشَيْخِ

стр. 34

الإسْلامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ (٧٢٨)، ومَنْ بَعْدَهُما مِنْ أهْلِ العِلْمِ والرُّسُوْخِ، كُلُّ هذا لأهَمِيَّةِ هذه الفَتْرَةِ التَّارِيْخِيَّةِ كَمَا أسْلَفْتُ آنِفًا (١). * * * وممَّا شَجَّعَنِي أيْضًا على ذِكْرِ وتَحْرِيْرِ هَاتَيْنِ المَوْقِعَتَيْنِ أنَّ بَعْضَ شُدَاةِ العِلْمِ مِنْ أهْلِ السُّنَّةِ كُلَّمَا مَرَّوْا بِهذه (الفِتْنَةِ) في كُتُبِ التَّارِيْخِ يَقَعُوْنَ في حَرَجٍ ولَبْسٍ في تَحْرِيْرِ بَعْضِ الأخْبَارِ والآثَارِ؛ مَعَ ما تُبْقِيْهِ مِنْ سُؤَالاتٍ ومَحَارَاتٍ تَفْتَقِرُ عِنْدَهُم إلى إجَابَاتٍ وإحَالاتٍ! كَمَا أنَّنِي هنا لَم أكُنْ (ابنُ جَلا وطَلاَّعُ الثَّنَايا) في تَحْرِيْرِ هذه الفَتْرَةِ؛ اللهُمَّ ناقِلٌ مَعَ بَعْضِ التَّقْدِيْمِ والتَّأخِيْرِ، والتَّنْقِيْحِ والتَّرْجِيْحِ على قَوَاعِدِ أهْلِ السُّنَّةِ والجَمِاعَةِ.

стр. 35

وأخِيْرًا؛ دُوْنَكَ أخِي المُسْلِمُ هَاتَيْنِ المَوْقِعَتَيْنِ (الجَمَلَ، وصِفِّيْنَ) بَعْدَ تَحْرِيْرٍ واخْتِصَارٍ، واللهَ أسْألُ أنْ أكُوْنَ قَدْ قَرَّبْتُ لَكَ الطَّرِيْقَ، وذَلَّلْتُ لَكَ السَّبِيْلَ، فإلى المَوْعُوْدِ.

стр. 36

مَوْقِعَةُ الجَمَلِ (١) لَقَدْ دَارَتْ رَحَى الحَرْبِ فِيْهَا بَيْنَ عَليٍّ ﵁ وَمَنْ مَعَهُ، وبَيْنَ أمِّ المُؤْمِنِيْنَ عائِشَةَ وطَلْحَةَ والزُّبَيْرِ ﵃ وَمَنْ مَعَهُم، وكَانَتْ سَنَةَ (٣٦). لمَّا وقَعَ قَتْلُ عُثْمَانَ ﵁ بَعْدَ أيَّامِ التَّشْرِيْقِ سَنَةَ (٣٥) كَانَ أزْوَاجُ النَّبيِّ ﷺ أُمَّهَاتُ المُؤْمِنِيْنَ قَدْ خَرَجْنَ إلى الحَجِّ في هذا العَامِ فِرَارًا مِنَ الفِتْنَةِ، فلَمَّا بَلَغَ النَّاسَ أنَّ عُثْمَانَ قَدْ قُتِلَ أقَمْنَ بِمَكَّةَ، وقَدْ تَجَمَّعَ بِمَكَّةَ خَلْقٌ كَثِيْرٌ وجَمٌّ غَفِيْرٌ مِنْ سَادَاتِ الصَّحَابَةِ، مِنْهُم طَلْحَةُ والزُّبِيْرُ حَيْثُ اسْتَأذَنَا عَلِيًّا في الاعْتِمَارِ فأذِنَ لَهُمَا، فَخَرَجَا إلى مَكَّةَ وتَبِعَهُمَا كَثِيْرٌ مِنَ النَّاسِ. * * * وكَذا قَدِمَ إلى مَكَّةَ ابنُ عُمَرَ، ومِنَ اليَمَنِ يَعْلَى ابنُ أُميَّةَ عَامِلُ عُثْمَانَ عَلَيْهَا، وعَبْدُ اللهِ بنُ عَامِرٍ عَامِلُهُ على البَصْرَةِ، ولَم

стр. 37

يَزَلِ النَّاسُ حِيْنَذَاكَ يَفِدُوْنَ على مَكَّةَ، ولمَّا كَثُرُوا فيها قامَتْ فِيْهِم أُمُّ المُؤْمِنِيْنَ عَائِشَةُ ﵂، فَحَثَّتْهُم على القِيَامِ بِطَلَبِ دَمِ عُثْمَانَ، وذَكَرَتْ ما افْتَاتَ بِهِ أُولَئِكَ مِنْ قَتْلِهِ في بَلَدٍ حَرَامٍ وشَهْرٍ حَرَامٍ، ولَم يَرْقُبُوا جَوَارَ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ وقَدْ سَفَكُوا الدِّمَاءَ وأخَذَوا الأمْوَالَ، فاسْتَجَابَ النَّاسُ لَهَا، وطَاوَعُوْهَا على مَا تَرَاهُ مِنَ الأمْرِ بالمَصْلَحَةِ، وقالُوا لها: حَيْثُمَا سِرْتِ سِرْنا مَعَكِ، وبَعْدَ أنْ تَعَدَّدَتْ آرَاؤُهُم في تَحْدِيْدِ الجِهَةِ الَّتي يَسِيْرُوْنَ إليْهَا أجْمَعُوا على الذَّهَابِ إلى البَصْرَةِ، فلَمَّا أتَوْا البَصْرَةَ مَنَعَهُم مِنْ دُخُوْلِهَا عُثْمَانُ بْنُ حَنِيْفٍ عَامِلُ عَليٍّ عَلَيْهَا حِيْنَذَاكَ، وجَرَتْ بَيْنَهُ وبَيْنَهُم مُرَاسَلَةٌ ومُحَاوَرَةٌ. * * * ثمَّ ما لَبِثُوا أن اصْطَلَحُوا بَعْدَ ذَلِكَ إلى أنْ يَقْدِمَ عَليٌّ ﵁؛ لأنَّهُ بَلَغَهُم أنَّهُ مُتَوَجِّهٌ إلَيْهِم ... فأخَذَ عَلِيٌّ ﵁ في الاتِّجَاهِ بَعْدَهُم في جَمْعٍ كَبِيْرٍ قَاصِدًا الشَّامَ، وهو يَرْجُو أنْ يُدْرِكَهُم قَبْلَ وُصُولِهِم إلى البَصْرَةِ، فلَمَّا عَلِمَ أنَّهُم قَدْ فَاتُوْهُ، اسْتَمَرَّ في طَرِيقِهِ إلَيْهِم قَاصِدًا البَصْرَةَ مِنْ أرْضِ العِرَاقِ (١).

стр. 38

كَمَا اسْتَنْفَرَ عَلِيٌّ ﵁ أهْلَ الكُوْفَةِ لِيَلْحَقُوا بِهِ، وقَدْ اسْتَجَابَ لِلْنَّفِيْرِ كَثِيْرٌ مِنَ النَّاسِ وعلى رأسِهِم الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ وعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ ... وقَدِمُوا عَلَى عَلِيٍّ ﵁ فَتَلَقَّاهُم بِذِي قَارٍ (١) إلى أثْنَاءِ الطَّرِيْقِ في جَمَاعَةٍ، مِنْهُم ابْنُ عَبَاسٍ فَرَحَّبَ بِهِم. وقال: يا أهْلَ الكُوْفَةِ أنْتُمْ لَقِيْتُمْ مُلُوْكَ العَجَمِ وفَضَضْتُمْ جُمُوْعَهُم، وقَدْ دَعَوْتُكُمْ لِتَشْهَدُوا مَعَنا إخْوَانَنَا مِنْ أهْلِ البَصْرَةِ. فإنْ يَرْجِعُوا فَذَاكَ الَّذِي نُرِيْدُهُ، وإنْ أبَوْا دَاوَيْنَاهُم بالرِّفْقِ حتى يَبْدَؤُنَا بالظُّلْمِ، ولَنْ نَدَعَ أمرًا فيه صَلاحٌ إلاَّ آثَرْنَاهُ عَلَى ما فِيْهِ الفَسَادُ إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالى (٢). وفي هذا تَوْضِيْحٌ لِمَقْصَدِ أمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ عَلِيٍّ ﵁، وأنَّ مَقْصَدَهُ الأوَّلَ والأخِيْرَ: هو طَلَبُ الإصْلاحِ، وأنَّ القِتَالَ كَانَ غَيْرَ مُحَبَّبٍ إلِيْهِ، لا سِيَّمَا مَعَ إخْوَانِهِ البَرَرَةِ أصْحَابِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ ، وهَكَذا كَان مَقْصَدُ أُمِّ المُؤْمِنِيْنِ عَائِشَةَ ﵂ وطَلْحَةَ والزُّبَيْرِ مِنْ

стр. 39

خُرُوْجِهِم مِنْ مَكَّةَ إلى البَصْرَةِ مِنْ أرْضِ العِرَاقِ: هو الْتِمَاسَ الإصْلاحِ بَيْنَ المُسْلِمِيْنَ بِأمْرٍ يَرْتَضِيْهِ طَرَفَا النِّزَاعِ، ويُحْسَمُ بِهِ الاخْتِلافُ، وتَجْتَمِعُ بِهِ كَلِمَةُ المُسْلِمِيْنَ، ولَمْ يَخْرُجُوا مُقَاتِلِيْنَ ولا دَاعِيْنَ لأحَدٍ مِنْهُم لِيُوَلُّوْهُ الخِلافَةَ، وهذا ما قَرَّرَهُ العُلَمَاءُ مِن أهْلِ السُّنَّةِ. * * * قَالَ ابنُ حَزْمٍ ﵀: «وأمَّا أُمُّ المُؤْمِنِيْنَ والزُّبَيْرُ وطَلْحَةُ ﵃، ومَنْ مَعَهُم فَمَا أبْطَلُوا قَطُّ إمَامَةَ عَلِيٍّ، ولا طَعَنُوا فِيْهَا، ولا ذَكَرُوْا فِيْهِ جَرْحَةً تَحُطُّهُ عَنِ الإمَامَةِ، ولا أحْدَثُوا إمَامَةً أُخْرَى، ولا حَدَّدُوا بَيْعَةً لِغَيْرِهِ هذا ما لا يَقْدِرُ أنْ يَدَّعِيْهِ أحَدٌ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوْهِ. بَلْ يَقْطَعُ كُلُّ ذِي عِلْمٍ على أنَّ كُلَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ، إذْ لا شَكَّ في كُلِّ هذا فَقَدْ صَحَّ صِحَّةً ضَرُوْرِيَةً لا إشْكَالَ فِيْهَا أنَّهُم لَمْ يَمْضُوا إلى البَصْرَةِ لِحَرْبِ عَلِيٍّ، ولا خِلافًا عَلَيْهِ، ولا نَقْضًا لِبَيْعَتِهِ، ولَوْ أرَادُوا ذَلِكَ لأحْدَثُوا بَيْعَةً غَيْرَ بَيْعَتِهِ، هذا ممَّا لا يَشُكُّ فِيْهِ أحَدٌ، ولا يُنْكِرُه أحَدٌ. فَصَحَّ أنَّهُم إنَّمَا نَهَضُوا إلى البَصْرَةِ لِسَدِّ الفَتْقِ الحَادِثِ في الإسْلامِ مِنْ قَتْلِ أمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ عُثْمَانَ ﵁ ظُلْمًا، وبُرْهَانُ ذَلِكَ أنَّهُم اجْتَمَعُوا ولَمْ يَقْتَتِلُوا ولا تَحَارَبُوا!، فَلَمَّا كان اللَّيْلُ عَرَفَ قَتَلَةُ عُثْمَانَ أنَّ الإرَاغَةَ (أي: الطَّلَبَ)، والتَّدْبِيْرَ عَلَيْهِم فَبَيَّتُوا عَسْكَرَ طَلْحَةَ والزُّبَيْرِ، وبَذَلُوا السَّيْفَ فِيْهِم فَدَفَعَ القَوْمُ عَنْ أنْفُسِهِمُ في دَعْوَى حَتَّى خَالَطُوا

стр. 40

عَسْكَرَ عَلِيٍّ فَدَفَعَ أهْلُهُ عَنْ أنْفُسِهِم، وكُلُّ طَائِفَةٍ تَظُنُّ ولا شَكَّ أنَّ الأخْرَى بُدِئَ بِهَا بالقِتَالِ، واخْتَلَطَ الأمْرُ اخْتِلاطًا لَمْ يَقْدِرْ أحَدٌ عَلى أكْثَرِ مِنَ الدِّفَاعِ عَنْ نَفْسِهِ، والفَسَقَةُ مِنْ قَتَلَةِ عُثْمَانَ لا يَفْتَرُونَ مِنْ شَنِّ الحَرْبِ وإضْرَامِهِ، فَكِلْتَا الطَّائِفَتَيْنِ مُصِيْبَةٌ في غَرَضِهَا ومَقْصَدِها مُدَافِعَةٌ عَنْ نَفْسِها» (١). * * * وكَذا يُقرِّرُ هذا المَقْصَدَ الَّذِي لأجْلِهِ خَرَجَتْ عَائِشَةُ وَمَنْ مَعَهَا مِنْ مَكَّةَ إلى البَصْرَةِ أبُو بَكْرٍ ابنُ العَرَبِيِّ ﵀ بقَوْلِهِ: «ويُمْكِنُ أنَّهُم خَرَجُوا في جَمْعِ طَوَائِفِ المُسْلِمِيْنَ، وضَمِّ نَشْرِهِم، ورَدِّهِم إلى قانُوْنٍ واحِدٍ حَتَّى لا يَضْطَرِبُوا فَيَقْتَتِلُوا، وهذا هو الصَّحِيْحُ لاشَيْءَ سِوَاهُ» (٢). وهَذَا ما يُؤَكِّدُهُ ابنُ حَجَرٍ ﵀ أنَّ عَائِشَةَ ﵂ مَا خَرَجَتْ إلاَّ لِلإصْلاحِ: «ويَدُلُّ لِذَلِكَ أنَّ أحَدًا لَمْ يَنْقُلْ أنَّ عَائِشَةَ وَمَنْ مَعَهَا نَازَعُوا عَلِيًّا في الخِلافَةِ، ولا دَعُوا إلى أحَدٍ مِنْهُم لِيُوَلُّوْهُ الخِلافَةَ» (٣).
следующие страницы →