← Акыда

Акыда · id 16932

تسديد الإصابة فيما شجر بين الصحابة

ذياب الغامدي

Полный текст (194 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

مَوْقِعَةُ الجَمَلِ (١) لَقَدْ دَارَتْ رَحَى الحَرْبِ فِيْهَا بَيْنَ عَليٍّ ﵁ وَمَنْ مَعَهُ، وبَيْنَ أمِّ المُؤْمِنِيْنَ عائِشَةَ وطَلْحَةَ والزُّبَيْرِ ﵃ وَمَنْ مَعَهُم، وكَانَتْ سَنَةَ (٣٦). لمَّا وقَعَ قَتْلُ عُثْمَانَ ﵁ بَعْدَ أيَّامِ التَّشْرِيْقِ سَنَةَ (٣٥) كَانَ أزْوَاجُ النَّبيِّ ﷺ أُمَّهَاتُ المُؤْمِنِيْنَ قَدْ خَرَجْنَ إلى الحَجِّ في هذا العَامِ فِرَارًا مِنَ الفِتْنَةِ، فلَمَّا بَلَغَ النَّاسَ أنَّ عُثْمَانَ قَدْ قُتِلَ أقَمْنَ بِمَكَّةَ، وقَدْ تَجَمَّعَ بِمَكَّةَ خَلْقٌ كَثِيْرٌ وجَمٌّ غَفِيْرٌ مِنْ سَادَاتِ الصَّحَابَةِ، مِنْهُم طَلْحَةُ والزُّبِيْرُ حَيْثُ اسْتَأذَنَا عَلِيًّا في الاعْتِمَارِ فأذِنَ لَهُمَا، فَخَرَجَا إلى مَكَّةَ وتَبِعَهُمَا كَثِيْرٌ مِنَ النَّاسِ. * * * وكَذا قَدِمَ إلى مَكَّةَ ابنُ عُمَرَ، ومِنَ اليَمَنِ يَعْلَى ابنُ أُميَّةَ عَامِلُ عُثْمَانَ عَلَيْهَا، وعَبْدُ اللهِ بنُ عَامِرٍ عَامِلُهُ على البَصْرَةِ، ولَم

стр. 37

يَزَلِ النَّاسُ حِيْنَذَاكَ يَفِدُوْنَ على مَكَّةَ، ولمَّا كَثُرُوا فيها قامَتْ فِيْهِم أُمُّ المُؤْمِنِيْنَ عَائِشَةُ ﵂، فَحَثَّتْهُم على القِيَامِ بِطَلَبِ دَمِ عُثْمَانَ، وذَكَرَتْ ما افْتَاتَ بِهِ أُولَئِكَ مِنْ قَتْلِهِ في بَلَدٍ حَرَامٍ وشَهْرٍ حَرَامٍ، ولَم يَرْقُبُوا جَوَارَ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ وقَدْ سَفَكُوا الدِّمَاءَ وأخَذَوا الأمْوَالَ، فاسْتَجَابَ النَّاسُ لَهَا، وطَاوَعُوْهَا على مَا تَرَاهُ مِنَ الأمْرِ بالمَصْلَحَةِ، وقالُوا لها: حَيْثُمَا سِرْتِ سِرْنا مَعَكِ، وبَعْدَ أنْ تَعَدَّدَتْ آرَاؤُهُم في تَحْدِيْدِ الجِهَةِ الَّتي يَسِيْرُوْنَ إليْهَا أجْمَعُوا على الذَّهَابِ إلى البَصْرَةِ، فلَمَّا أتَوْا البَصْرَةَ مَنَعَهُم مِنْ دُخُوْلِهَا عُثْمَانُ بْنُ حَنِيْفٍ عَامِلُ عَليٍّ عَلَيْهَا حِيْنَذَاكَ، وجَرَتْ بَيْنَهُ وبَيْنَهُم مُرَاسَلَةٌ ومُحَاوَرَةٌ. * * * ثمَّ ما لَبِثُوا أن اصْطَلَحُوا بَعْدَ ذَلِكَ إلى أنْ يَقْدِمَ عَليٌّ ﵁؛ لأنَّهُ بَلَغَهُم أنَّهُ مُتَوَجِّهٌ إلَيْهِم ... فأخَذَ عَلِيٌّ ﵁ في الاتِّجَاهِ بَعْدَهُم في جَمْعٍ كَبِيْرٍ قَاصِدًا الشَّامَ، وهو يَرْجُو أنْ يُدْرِكَهُم قَبْلَ وُصُولِهِم إلى البَصْرَةِ، فلَمَّا عَلِمَ أنَّهُم قَدْ فَاتُوْهُ، اسْتَمَرَّ في طَرِيقِهِ إلَيْهِم قَاصِدًا البَصْرَةَ مِنْ أرْضِ العِرَاقِ (١).

стр. 38

كَمَا اسْتَنْفَرَ عَلِيٌّ ﵁ أهْلَ الكُوْفَةِ لِيَلْحَقُوا بِهِ، وقَدْ اسْتَجَابَ لِلْنَّفِيْرِ كَثِيْرٌ مِنَ النَّاسِ وعلى رأسِهِم الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ وعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ ... وقَدِمُوا عَلَى عَلِيٍّ ﵁ فَتَلَقَّاهُم بِذِي قَارٍ (١) إلى أثْنَاءِ الطَّرِيْقِ في جَمَاعَةٍ، مِنْهُم ابْنُ عَبَاسٍ فَرَحَّبَ بِهِم. وقال: يا أهْلَ الكُوْفَةِ أنْتُمْ لَقِيْتُمْ مُلُوْكَ العَجَمِ وفَضَضْتُمْ جُمُوْعَهُم، وقَدْ دَعَوْتُكُمْ لِتَشْهَدُوا مَعَنا إخْوَانَنَا مِنْ أهْلِ البَصْرَةِ. فإنْ يَرْجِعُوا فَذَاكَ الَّذِي نُرِيْدُهُ، وإنْ أبَوْا دَاوَيْنَاهُم بالرِّفْقِ حتى يَبْدَؤُنَا بالظُّلْمِ، ولَنْ نَدَعَ أمرًا فيه صَلاحٌ إلاَّ آثَرْنَاهُ عَلَى ما فِيْهِ الفَسَادُ إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالى (٢). وفي هذا تَوْضِيْحٌ لِمَقْصَدِ أمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ عَلِيٍّ ﵁، وأنَّ مَقْصَدَهُ الأوَّلَ والأخِيْرَ: هو طَلَبُ الإصْلاحِ، وأنَّ القِتَالَ كَانَ غَيْرَ مُحَبَّبٍ إلِيْهِ، لا سِيَّمَا مَعَ إخْوَانِهِ البَرَرَةِ أصْحَابِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ ، وهَكَذا كَان مَقْصَدُ أُمِّ المُؤْمِنِيْنِ عَائِشَةَ ﵂ وطَلْحَةَ والزُّبَيْرِ مِنْ

стр. 39

خُرُوْجِهِم مِنْ مَكَّةَ إلى البَصْرَةِ مِنْ أرْضِ العِرَاقِ: هو الْتِمَاسَ الإصْلاحِ بَيْنَ المُسْلِمِيْنَ بِأمْرٍ يَرْتَضِيْهِ طَرَفَا النِّزَاعِ، ويُحْسَمُ بِهِ الاخْتِلافُ، وتَجْتَمِعُ بِهِ كَلِمَةُ المُسْلِمِيْنَ، ولَمْ يَخْرُجُوا مُقَاتِلِيْنَ ولا دَاعِيْنَ لأحَدٍ مِنْهُم لِيُوَلُّوْهُ الخِلافَةَ، وهذا ما قَرَّرَهُ العُلَمَاءُ مِن أهْلِ السُّنَّةِ. * * * قَالَ ابنُ حَزْمٍ ﵀: «وأمَّا أُمُّ المُؤْمِنِيْنَ والزُّبَيْرُ وطَلْحَةُ ﵃، ومَنْ مَعَهُم فَمَا أبْطَلُوا قَطُّ إمَامَةَ عَلِيٍّ، ولا طَعَنُوا فِيْهَا، ولا ذَكَرُوْا فِيْهِ جَرْحَةً تَحُطُّهُ عَنِ الإمَامَةِ، ولا أحْدَثُوا إمَامَةً أُخْرَى، ولا حَدَّدُوا بَيْعَةً لِغَيْرِهِ هذا ما لا يَقْدِرُ أنْ يَدَّعِيْهِ أحَدٌ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوْهِ. بَلْ يَقْطَعُ كُلُّ ذِي عِلْمٍ على أنَّ كُلَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ، إذْ لا شَكَّ في كُلِّ هذا فَقَدْ صَحَّ صِحَّةً ضَرُوْرِيَةً لا إشْكَالَ فِيْهَا أنَّهُم لَمْ يَمْضُوا إلى البَصْرَةِ لِحَرْبِ عَلِيٍّ، ولا خِلافًا عَلَيْهِ، ولا نَقْضًا لِبَيْعَتِهِ، ولَوْ أرَادُوا ذَلِكَ لأحْدَثُوا بَيْعَةً غَيْرَ بَيْعَتِهِ، هذا ممَّا لا يَشُكُّ فِيْهِ أحَدٌ، ولا يُنْكِرُه أحَدٌ. فَصَحَّ أنَّهُم إنَّمَا نَهَضُوا إلى البَصْرَةِ لِسَدِّ الفَتْقِ الحَادِثِ في الإسْلامِ مِنْ قَتْلِ أمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ عُثْمَانَ ﵁ ظُلْمًا، وبُرْهَانُ ذَلِكَ أنَّهُم اجْتَمَعُوا ولَمْ يَقْتَتِلُوا ولا تَحَارَبُوا!، فَلَمَّا كان اللَّيْلُ عَرَفَ قَتَلَةُ عُثْمَانَ أنَّ الإرَاغَةَ (أي: الطَّلَبَ)، والتَّدْبِيْرَ عَلَيْهِم فَبَيَّتُوا عَسْكَرَ طَلْحَةَ والزُّبَيْرِ، وبَذَلُوا السَّيْفَ فِيْهِم فَدَفَعَ القَوْمُ عَنْ أنْفُسِهِمُ في دَعْوَى حَتَّى خَالَطُوا

стр. 40

عَسْكَرَ عَلِيٍّ فَدَفَعَ أهْلُهُ عَنْ أنْفُسِهِم، وكُلُّ طَائِفَةٍ تَظُنُّ ولا شَكَّ أنَّ الأخْرَى بُدِئَ بِهَا بالقِتَالِ، واخْتَلَطَ الأمْرُ اخْتِلاطًا لَمْ يَقْدِرْ أحَدٌ عَلى أكْثَرِ مِنَ الدِّفَاعِ عَنْ نَفْسِهِ، والفَسَقَةُ مِنْ قَتَلَةِ عُثْمَانَ لا يَفْتَرُونَ مِنْ شَنِّ الحَرْبِ وإضْرَامِهِ، فَكِلْتَا الطَّائِفَتَيْنِ مُصِيْبَةٌ في غَرَضِهَا ومَقْصَدِها مُدَافِعَةٌ عَنْ نَفْسِها» (١). * * * وكَذا يُقرِّرُ هذا المَقْصَدَ الَّذِي لأجْلِهِ خَرَجَتْ عَائِشَةُ وَمَنْ مَعَهَا مِنْ مَكَّةَ إلى البَصْرَةِ أبُو بَكْرٍ ابنُ العَرَبِيِّ ﵀ بقَوْلِهِ: «ويُمْكِنُ أنَّهُم خَرَجُوا في جَمْعِ طَوَائِفِ المُسْلِمِيْنَ، وضَمِّ نَشْرِهِم، ورَدِّهِم إلى قانُوْنٍ واحِدٍ حَتَّى لا يَضْطَرِبُوا فَيَقْتَتِلُوا، وهذا هو الصَّحِيْحُ لاشَيْءَ سِوَاهُ» (٢). وهَذَا ما يُؤَكِّدُهُ ابنُ حَجَرٍ ﵀ أنَّ عَائِشَةَ ﵂ مَا خَرَجَتْ إلاَّ لِلإصْلاحِ: «ويَدُلُّ لِذَلِكَ أنَّ أحَدًا لَمْ يَنْقُلْ أنَّ عَائِشَةَ وَمَنْ مَعَهَا نَازَعُوا عَلِيًّا في الخِلافَةِ، ولا دَعُوا إلى أحَدٍ مِنْهُم لِيُوَلُّوْهُ الخِلافَةَ» (٣).

стр. 41

وكَذا قَالَ شَيْخُ الإسْلامِ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَهَّابِ ﵀: «وبَلَغَ الخَبَرُ (مَقْتَلُ عُثْمَانَ) عَائِشَةَ، وهي حَاجَّةٌ ومَعَهَا طَلْحَةُ والزُّبَيْرُ، فَخَرَجُوا إلى البَصْرَةِ يُرِيْدُوْنَ الإصْلاحَ بَيْنَ النَّاسِ، واجْتِمَاعَ الكَلِمَةِ» (١). * * * فأهْلُ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ مُجْمِعُوْنَ على أنَّ أُمَّ المُؤْمِنِيْنَ عَائِشَةَ ﵂ ما قَصَدَتْ بِخُرُوْجِهَا إلى البَصْرَةِ إلاَّ الإصْلاحَ بَيْنَ بَنِيْهَا مِنَ المُسْلِمِيْنَ (٢)، وَبِهَذا ورَدَتْ أخْبَارٌ مِنْهَا: «أنَّ عَلِيًّا ﵁ لَمَّا نَزَلَ بِذِي قَارٍ دَعَا القَعْقَاعَ بْنَ عَمْرٍو، فأرْسَلَهُ إلى أهْلِ البَصْرَةِ، وقَال لَهُ: الْقِ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ (طَلْحَةَ والزُّبَيْرَ) يا ابْنَ الحنْظَليَّةِ فادْعُهُمَا إلى الأُلْفَةِ والجَمَاعَةِ، وعَظِّمَ الفُرْقَةَ .. فَخَرَجَ القَعْقَاعُ حَتى قَدِمَ البَصْرَةَ فَبَدَأ بِعَائِشَةَ ﵂ فَسَلَّمَ عَلَيْهَا، وقَالَ: أيْ أُمَّه ما أشْخَصَكِ وما أقْدَمَكِ هَذِهِ البَلْدَةَ؟

стр. 42

قَالَتْ: أيْ بُنَيَّ إصْلاحٌ بَيْنَ النَّاسِ، قال: فابْعَثِيْ إلى طَلْحَةَ والزُّبَيْرِ حتى تَسْمَعِي كلامِيْ وكلامَهُمَا، فَبَعَثَتْ إليْهِمَا فَجَاءا فقال: إنِّي سَألْتُ أُمَّ المُؤْمِنِيْنَ ما أشْخَصَها وأقْدَمَها هَذِه البِلادَ؟ فقَالَتْ: إصْلاحٌ بَيْنَ النَّاسِ، فَمَا تَقُولانِ أنْتُمَا؟ أمُتَابِعَانِ أم مُخَالِفَانِ؟ قَالا: مُتَابِعَانِ، قال: فأخْبِرَاني ما وَجُهْ هذا الإصْلاحِ؟ فَوَاللهِ لَئِنْ عَرَفْنَاهُ لَنُصْلِحَنَّ، ولإنْ أنْكَرْنَاهُ لا نُصْلِحُ. قالا: قَتَلَةُ عُثْمَانَ ﵁، فإنَّ هذا إنْ تُرِكَ كان تَرْكًا للقُرْآنِ» (١). * * * فلمَّا رَجَعَ القَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو إلى عَلِيٍّ ﵁ أخْبَرَهُ أنَّ أصْحَابَ الجَمَلِ اسْتَجَابُوا إلى ما بَعَثَهُ بِهِ إلَيْهِم ـ فأذْعَنَ عَلِيٌّ لِذَلِكَ وبَعَثَ إلى طَلْحَةَ والزُّبَيْرِ يَقُوْلُ: «إنْ كُنْتُمْ عَلَى ما فَارَقْتُمْ عَلَيْهِ القَعْقَاعَ ابْنَ عَمْرٍو فَكُفُّوا حتَّى نَنْزِلَ فَنَنْظُرَ في هذا الأمْرِ، فأرْسَلا إلَيْهِ: إنَّا على ما فارَقْنَا عَلَيْهِ القَعْقَاعَ بنَ عَمْرٍو مِنْ الصُّلْحِ بَيْنَ النَّاسِ» (٢).

стр. 43

فَفِي هَذِه الأخْبَارِ دَلِيْلٌ واضِحٌ على أنَّ أُمَّ المُؤْمِنِيْنَ عَائِشَةَ ﵂ ومَنْ مَعَهَا لَم يَقْصِدُوا بِخُرُوجِهِم تَفْرِيْقًا بَيْنَ المُسْلِمِيْنَ كَمَا يَزْعُمُ ذَلِكَ مُبْغِضُوا الصَّحَابَةِ مِنَ الرَّافِضَةِ، وإنَّمَا الغَرَضُ الَّذِي كانُوا يُرِيْدُوْنَهُ: هو الإصْلاحُ بَيْنَ النَّاسِ! * * * كَمَا أنَّ الَّذِيْنَ طَلَبُوْا الخُرُوْجَ مِنْ أُمِّ المُؤْمِنِيْنَ عَائِشَةَ، وهم طَلْحَةُ والزُّبَيْرُ ومَنْ مَعَهُمَا أنَّهُم كَانُوا يُعَلِّقُوْنَ آمالاً على خُرُوجِهَا في حَسْمِ الاخْتِلافِ، وجَمْعِ الكَلِمَةِ، ولَم يَخْطُرْ على بالِهِم قَتْلُ أحَدٍ؛ لأنَّهُم مَا أرَادُوا إلاَّ الإصْلاحَ ما اسْتَطَاعُوا! وعَلَى هَذَا يَقُوْلُ أبُوْ بَكْرٍ ابْنُ العَرَبِيِّ: «فَخَرَجَ طَلْحَةُ والزُّبَيْرُ وعَائِشَةُ أُمُّ المُؤْمِنِيْنَ ﵃ رَجَاءَ أنْ يَرْجِعَ النَّاسُ إلى أُمِّهِم، فَيُرَاعُوا حُرْمَةَ نَبِيِّهِم، واحْتَجُّوا عَلَيْهَا عِنْدَما حَاوَلَتْ الامْتِنَاعَ بِقَوْلِ اللهِ تَعَالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾، ثُمَّ قَالُوْا لَهَا: إنَّ النَبِيَّ ﷺ قَدْ خَرَجَ

стр. 44

في الصُّلْحِ وأرْسَلَ فِيْهِ، فَرَجَتِ المَثُوْبَةَ واغْتَنَمَتِ الفُرْصَةَ، وخَرَجَتْ حَتَّى بَلَغَتْ الأُقْضِيَةُ مَقَادِيْرَها» (١). * * * وكَذا قَالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: «فإنَّ عَائِشَةَ لَمْ تُقَاتِلْ، ولَمْ تَخْرُجْ لِقِتَالٍ، وإنَّمَا خَرَجَتْ بِقَصْدِ الإصْلاحِ بَيْنَ المُسْلِمِيْنَ ... لا قَاتَلَتْ، ولا أمَرَتْ بِقِتَالٍ هَكَذا ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ مِنْ أهْلِ المَعْرِفَةِ بالأخْبَارِ» (٢). * * * وقَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ مُبَيِّنًا القَصْدَ الَّذي خَرَجَتْ مِنْ أجْلِهِ عَائِشَةُ ﵂ هي ومَنْ مَعَهَا بِقَوْلِهِ: «والعُذْرُ في ذَلِكَ عَنْ عَائِشَةَ أنَّهَا كَانَتْ مُتَأوِّلَةً هي وطَلْحَةُ والزُّبَيْرُ، وكان مُرَادُهُم إيْقَاعَ الإصْلاحِ بَيْنَ النَّاسِ، وأخْذَ القَصَاصِ مِنْ قَتَلَةِ عُثْمَانَ ﵃ أجْمَعِيْنَ، وكَان رَأْيُ عَلِيٍّ: الاجْتِمَاعَ عَلَى الطَّاعَةِ، وطَلَبَ أولِيَاءِ المَقْتُولِ القَصَاصَ ممَّنْ يَثْبُتُ عَلَيْهِ القَتْلُ بِشُرُوطِهِ» (٣). * * *

стр. 45

فَلا مَقْصَدَ إذَنْ مِنْ خُرُوْجِ أُمِّ المُؤْمِنِيْنَ عَائِشَةَ ﵂ هي ومَنْ مَعَهَا مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْ مَكَّةَ إلى البَصْرَةِ: إلاَّ بُغْيَةَ الإصْلاحِ بَيْنَ المُسْلِمِيْنَ، ولم تَخْرُجْ لِقِتَالٍ، ولا أمَرَتْ بِهِ. ثُمَّ إنَّ إرَادَةَ الصُّلْحِ لم يَكُنْ مِنْ جَانِبِ عَائِشَةَ ﵂ هِيَ ومَنْ مَعَهَا فَحَسْبُ؛ بَلْ كَانَ أيْضًا إرَادَةَ عَلِيٍّ ﵁ ومَنْ مَعَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعَنَا قَرِيْبًا أنَّ عَلِيًّا ﵁ عِنْدَما بَعَثَ إلى طَلْحَةَ والزُّبَيْرِ يَقُوْلُ: «إنْ كُنْتُمْ عَلَى ما فَارَقْتُمْ عَلَيْهِ القَعْقَاعَ بْنَ عَمْرٍو فَكُفُّوا حَتى نَنْزِلَ فَنَنْظُرَ في هذا الأمْرِ، فأرْسَلا إلَيْهِ: إنَّا على ما فَارَقَنَا عَلَيْهِ القَعْقَاعَ بْنَ عَمْرٍو مِنَ الصُّلْحِ بَيْنَ النَّاسِ» (١). ولمَّا كَانَ جَوَابُهُم عَلَى عَلِيٍّ ﵁ بِهَذا «اطْمَأنَّتِ النُّفُوْسُ وسَكَنَتْ واجْتَمَعَ كُلُّ فَرِيْقٍ بأصْحَابِهِ مِنَ الجَيْشَيْنِ فَلَمَّا أمْسَوْا بَعَثَ عَلِيٌّ عَبْدَ اللهِ بنَ عَبَّاسٍ إلَيْهِم، وبَعَثُوا إلَيْهِ مُحَمَّدَ بنَ طَلْحَةَ السَّجَّادَ وعَوَّلُوا جَمِيْعًا على الصُّلْحِ وبَاتُوا بِخَيْرِ لَيْلَةٍ لم يَبِيْتُوا بِمِثْلِهَا لِلعَافِيَةِ» (٢). * * *

стр. 46

«ولمَّا أرْسَلَتْ أمُّ المُؤْمِنِيْنَ عَائِشَةُ ﵂ إلى عَلِيٍّ ﵁ تُعْلِمُهُ أنَّهَا إنَّمَا جَاءتْ لِلْصُّلْحِ فَرِحَ هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ لاتِّفَاقِهِم على رِأْيٍ واحِدٍ: وهو الصُّلْحُ، ولمَّا رَجَعَ القَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو مِنْ عِنْدِ أُمِّ المُؤْمِنِيْنَ وطَلْحَةَ والزُّبَيْرِ بِمِثْلِ رَأْيِهِم» جَمَعَ عَلِيٌّ النَّاسَ ثمَّ قَام خَطِيْبًا فِيْهِم: فَحَمِدَ اللهَ وأثْنَى عَلَيْهِ وصَلَّى عَلَى النَبِيِّ ﷺ وذَكَرَ الجَاهِلِيَّةَ وشَقَاءهَا، والإسْلامَ والسَّعَادَةَ وإنْعَامَ اللهِ على الأمَّةِ بالجَمَاعَةِ بالخَلِيْفَةِ بَعْدَ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ ، ثمَّ الَّذِي يَلِيْهِ، ثمَّ حَدَثَ هذا الحَدَثُ الَّذي جَرَّهُ على هَذِهِ الأمَّةِ أقْوَامٌ طَلَبُوا هذه الدُّنْيَا، حَسَدُوا مَنْ أفَاءهَا اللهُ عَلَيْهِ عَلَى الفَضِيْلَةِ، وأرَادُوا رَدَّ الأشْيَاءِ على أدْبَارِهَا، واللهُ بالِغٌ أمْرَهُ، ومُصِيْبٌ ما أرَادَ؛ ألا وإنِّي رَاحِلٌ غَدًا فارْتَحِلُوا، ألا ولا يَرْتَحِلَنَّ مَعِيَ أحَدٌ أعَانَ على قَتْلِ عُثْمَانَ في شَيْءٍ مِنْ أُمُوْرِ النَّاسِ» (١). * * * وهَكَذا بَاتَ الصُّلْحُ بَيْنَ الفَرِيْقَيْنِ مَحَلَّ اتِّفَاقٍ، وذَلِكَ في وُجُوْبِ إقَامَةِ الحَدِّ، وتَنْفِيْذِ القَصَاصِ في قَتَلَةِ عُثْمَانَ، ولم يَخْطُرِ القِتَالُ عَلَى بَالِ

стр. 47

أحَدٍ مِنْهُم، ولَكِنَّ المُفْسِدِيْنَ في الأرْضِ الَّذِيْنَ قَتَلُوا عُثْمَانَ ﵁ أصَابَهُم الغَمُّ وأدْرَكَهُم الحَزَنُ مِنِ اتِّفَاقِ الكَلِمَةِ، وجَمْعِ الشَّمْلِ، وأيْقَنُوا أنَّ الصُّلحَ هذا سَيَكْشِفَ أمْرَهُم، وسَيُسَلِّمَ رُؤوسَهُم إلى سَيْفِ الحَقِّ، وقَصَاصِ الخَلِيْفَةِ، فَبَاتُوا يُدبِّرُوْنَ أمْرَهُم بِلَيْلٍ، فَلَمْ يَجِدُوا سَبِيْلاً لِنَجَاتِهِم إلاَّ بِأنْ يَعْمَلُوا علَى إبْطَالِ الصُّلْحِ، وتَفْرِيْقِ صُفُوْفِ المُسْلِمِيْنَ! كَمَا قَضَّ مَضَجَعَهم قُوْلُ عَليٍّ ﵁ في خُطْبتِه الَّتِي ذَكَرْناها آنِفًا: «ألا وإنِّي رَاحِلٌ غَدًا فارْتَحِلُوا، ألا ولا يَرْتَحِلَنَّ مَعِي أحَدٌ أعَانَ على قَتْلِ عُثْمَانَ في شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ النَّاسِ». * * * «فلَمَّا قال هذا اجْتَمَعَ مِنْ رُؤُوْسِهِم جَمَاعَةٌ: كالأشْتَرِ النَّخَعِيِّ، وشُرَيْحِ بنِ أوْفَى، وعَبْدِ اللهِ بنِ سَبَأ (المَعْرُوْفُ بابْنِ السَّوْدَاءِ)، وسَالمِ بنِ ثَعَلَبَةَ، وعَلْيَاءَ بنِ الهَيْثَمِ وغَيْرِهِم في ألْفَيْنِ وخَمْسُمَائَةٍ، ولَيْسَ فِيْهِم صَحَابيٌّ (وللهِ الحَمْدُ) فَقَالُوا: ما هذا الرَأيُ؟ وعَلِيٌّ واللهِ أعْلَمُ بِكِتَابِ اللهِ ممَّنْ يَطْلُبُ قَتَلَةَ عُثْمَانَ، وأقْرَبُ إلى العَمَلِ بِذَلِكَ، وقدْ قَالَ مَا

стр. 48

سَمِعْتُمْ، غَدًا يَجْمَعُ عَلَيْكُمُ النَّاسَ، وإنَّمَا يُرِيْدُ القَوْمُ كُلُّهُم: أنْتُمْ فَكَيْفَ بِكُمْ وعَدَدُكُمْ قَلِيْلٌ في كَثْرَتِهِم؟ فَقَالَ الأشْتَرُ: قَدْ عَرَفْنَا رَأْيَ طَلْحَةَ والزُّبَيْرِ فِيْنَا، وأمَّا رَأْيُ عَلِيٍّ فَلَمْ نَعْرِفْهُ إلى اليَوْمِ؛ فإنْ كان اصْطَلَحَ مَعَهُم فإنِّمَا اصْطَلَحُوا عَلَى دِمَائِنَا، فإنْ كَانَ الأمْرُ هَكَذا ألْحَقْنَا عَلِيًّا بِعُثْمَانَ، فَرَضِيَ القَوْمُ مِنَّا بالسُّكُوْتِ. فَقَالَ ابنُ السَّوْدَاءِ: بِئْسَ ما رَأَيْتَ لَوْ قَتَلْنَاهُم قُتِلْنَا، فإنَّا يامَعْشَرَ قَتَلَةِ عُثْمَانَ في ألْفَيْنِ وخَمْسُمَائَةٍ، وطَلْحَةُ والزُّبَيْرُ وأصْحَابُهُمَا في خَمْسَةِ آلافٍ، لا طَاقَةَ لَكُمْ بِهِم، وهُم إنَّمَا يُرِيْدُونَكُمْ! فَقَالَ عَلْيَاءُ بْنُ الْهَيْثَمِ: دَعُوْهُم وأرْجِعُوا بِنَا حَتَّى نَتَعَلَّقَ بِبَعْضِ البِلادِ فنَمْتَنِعَ بِهَا، فَقَالَ: ابنُ السَّوْدَاءِ: بِئْسَ ما قُلْتَ، إذًا واللهِ كَان يَخْطَفُكُمُ النَّاسُ، ثمَّ قال ابنُ السَّوْدَاءِ: يا قَوْمُ إنَّ عِزَّكُم في خَلْطَةِ النَّاسِ، فإذا الْتَقَى النَّاسُ فأنْشِبُوا الحَرْبَ والقِتَالَ بَيْنَ النَّاسِ، ولا تَدَعُوْهُم يَجْتَمِعُوْنَ، فَمَنْ أنتم مَعَهُ لا يَجِدُ بُدًّا مِنْ أن يَمْتَنِعَ، ويَشْغُلَ اللهُ

стр. 49

طَلْحَةَ والزَّبَيْرَ ومَنْ مَعَهُمَا عَمَّا يُحِبُّوْنَ، ويأتِيْهِم ما يَكْرَهُوْنَ، فأبْصَرُوا الرَأْيَ وتَفَرَّقُوا عَلَيْهِ» (١). * * * فاجْتَمَعُوا عَلَى هَذَا الرَأْي الَّذي تَفَوَّهَ بِهِ الخَبِيْثُ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَبَأٍ اليَهُوْدِيُّ، «فَغَدَوْا مَعَ الغَلَسِ وما يَشْعُرُ بِهِم جِيْرَانُهُم، فَخَرَجُوا مُتَسَلِّلِيْنَ وعَلَيْهِم ظُلْمَةٌ، فَخَرَجَ مَضَرِيُّهُم إلى مَضَرِيِّهِم، ورَبِيْعُهُم إلى رَبِيْعِهِم، ويَمَانِيُّهُم إلى يَمَانِيِّهِم، فَوَضَعُوا فِيْهِمُ السِّلاحَ بَغْتَةً، فثَارَ أهْلُ البَصْرَةِ، وثَارَ كُلُّ قَوْمٍ في وُجُوْهِ أصْحَابِهِم الَّذِيْنَ أتَوْهُم، وبَلَغَ طَلْحَةَ والزُّبَيْرَ ما وَقَعَ مِنَ الاعْتِدَاءِ عَلَى أهْلِ البَصْرَةِ، فَقَالا: ما هذا؟ قالُوا: طَرَقَنَا أهْلُ الكُوْفَةِ لَيْلاً، وفي نَفْسِ الوَقْتِ حَسَبَ خِطَّةِ أُوْلَئِكَ المُفْسِدِيْنَ ذَهَبَتْ مِنْهُم فِرْقَةٌ أُخْرَى في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ فَفَاجَأَتْ مُعَسْكَرَ عَلِيٍّ بِوَضْعِ السَّيْفِ فِيْهِم، وَقَدْ وَضَعَتِ السَّبئِيَّةُ رَجُلاً قَرِيْبًا مِنْ عَلِيٍّ يُخْبِرُهُ بِمَا يُرِيْدُوْنَ فَلَمَّا سَمِعَ عَلِيٌّ الصَّوْتَ عِنْدَمَا هَجَمُوا عَلى مُعَسْكَرِهِ

стр. 50

قال: ما هذا؟ قال ذَلِكَ الرَّجُلُ: ما شَعَرْنا إلاَّ وَقَوْمٌ مِنْ أهْلِ البَصْرَةِ قَدْ بَيَّتُوْنا» (١). فَثَارَ كُلُّ فَرِيْقٍ إلى سِلاحِهِ، ولَبِسُوا اللأْمَةَ ورَكِبُوا الخُيُوْلَ، ولا يَشْعُرُ أحَدٌ مِنْهُم بِمَا وَقَعَ الأمْرُ عَلَيْهِ في نَفْسِ الأمْرِ، وكانَ أمْرُ اللهِ قَدَرًا مَقْدُوْرًا، وَقَامَتِ الحَرْبُ على قَدَمٍ وسَاقٍ، وتَبَارَزَ الفُرْسَانُ، وجَالَتِ الشُّجْعَانُ، فَنَشِبَتِ الحَرْبُ وتَوَافَقَ الفَرِيْقَانِ، وَقَدْ اجْتَمَعَ مَعَ عَلِيٍّ عُشْرُونَ ألْفًا، والْتَفَّ على عَائِشَةَ ومَنْ مَعَهَا نَحْوٌ مِنْ ثَلاثِيْنَ ألْفًا، فإنَّا للهِ وإنَّا إلَيْهِ رَاجِعُوْنَ، والسَبَئَيَّةُ أصْحَابُ ابْنِ السَّوْدَاءِ (قَبَّحَهُ اللهُ) لا يَفْتَرُوْنَ عَنِ القَتْلِ، ومُنَادِي عليٍّ يُنَادِي: ألا كُفُّوا، ألا كُفُّوا، فلا يَسْمَعُ أحَدٌ (٢)، فاشْتدَّتِ المَعْرَكَةُ وحَمِيَ الوَطِيْسُ، «وقَدْ كَان مِنْ سُنَّتِهِم في هذا اليَوْمِ أنَّهُ لا يُذَفَّفُ (لا يُجْهَزُ عَلَيْهِ) على جَرِيْحٍ، ولا يُتَّبَعُ مُدْبِرٌ، وقَدْ قُتِلَ من هذا خَلْقٌ كَثِيْرٌ جِدًّا» (٣) حَتَّى حَزِنَ عَلِيٌّ ﵁ أشَدَّ

стр. 51

الحُزْنِ، وجَعَلَ يَقُوْلُ لابْنِهِ الحَسَنِ: يا بُنَيَّ لَيْتَ أبَاكَ ماتَ مُنْذُ عِشْرِيْنَ سَنَةٍ، فَقَالَ لَهُ: يا أبَه، قَدْ كُنْتُ أنْهَاكَ عَنْ هَذَا، قال: يا بُنَيَّ إنِّي لَم أرَى أنَّ الأمْرَ يَبْلُغُ هذا!» (١). * * * ثمَّ نَزَلَ بِنَفْسِهِ إلى مَيْدَانِ المَعْرَكَةِ لإنْهَاءِ القِتَالِ، «وطَلَبَ طَلْحَةَ والزُّبَيْرَ لِيُكَلِّمَهُمَا فاجْتَمَعُوا حَتى الْتَقَتْ أعْنَاقُ خُيُولِهِمَا، فَذَكَّرَهُمَا بِمَا ذَكَّرَهُمَا بِهِ فانْتَهَى الأمْرُ بِرُجُوْعِ الزُّبَيْرِ يَوْمَ الجَمَلِ، وفي أثْنَاءِ رُجُوْعِهِ ﵁، نَزَلَ وادِيًا يُقَالُ لَهُ: وادِي السِّبَاعِ، فاتَّبَعَهُ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: عَمْرُو بْنُ جُرْمُوْزٍ، فَجَاءهُ وهو نَائِمٌ فَقَتَلَهُ غِيْلَةً» (٢). وأمَّا طَلْحَةُ ﵁ فإنَّهُ بَعْدَ «أنِ اجْتَمَعَ بِهِ عَلِيٌّ فَوَعَظَهُ تأخَّرَ فَوَقَفَ في بَعْضِ الصُّفُوْفِ فَجَاءهُ سَهْمٌ غَرْبٌ فَوَقَعَ في رُكْبَتِهِ (وَقِيْلَ في رَقَبَتِهِ والأوَّلُ أشْهَرُ)، فانْتَظَمَ السَّهْمُ رِجْلَه مَعَ فَرَسِهِ فَجَمَحَتْ بِهِ الفَرَسُ، وجَعَلَ يَقُوْلُ: إليَّ عِبَادَ اللهِ، إليَّ عِبَادَ اللهِ، فأدْرَكَهُ مَوْلىً لَهُ

стр. 52

فَرِكَبَ ورَاءهُ فأدْخَلَهُ البَصْرَةَ، فَمَاتَ بِدَارٍ فيها، ويُقَالُ: إنَّه مَاتَ بالمَعْرَكَةِ» (١). وأمَّا عَلِيٌّ ﵁ «أقَامَ بِظَاهِرَةِ البَصْرَةِ ثلاثًا، ثمَّ صَلَّى عَلَى القَتْلَى مِنَ الفَرِيْقَيْنِ ... ثمَّ جَمَعَ ما وَجَدَ لأصْحَابِ عَائِشَةَ في المُعَسْكَرِ، وأمَرَ بِهِ أنْ يُحْمَلَ إلى مَسْجِدِ البَصْرَةِ؛ فَمَنْ عَرَفَ شَيْئًا هُوَ لأهْلِهِم فلْيَأخُذَهُ، إلاَّ سِلاحًا كَانَ في الخَزَائِنِ عَلَيْهِ سِمَةُ السُّلْطَانِ» (٢). * * * «ولمَّا أرَادَتْ أمُّ المُؤْمِنِيْنَ عَائِشَةُ الخُرُوْجَ مِنَ البَصْرَةِ بَعَثَ إلَيْهَا عَلِيٌّ ﵁ بِكُلِّ ما يَنْبَغِي مِنْ مَرْكَبٍ وَزَادٍ ومَتَاعٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، وأذِنَ لِمَنْ نَجَا ممَّنْ جَاءَ في الجَيْشِ مَعَهَا أنْ يَرْجِعَ إلاَّ أنْ يُحِبَّ المُقَامَ، واخْتَارَ لَهَا أرْبَعِيْنَ امْرَأةً مِنْ نِسَاءِ أهْلِ البَصْرَةِ المَعْرُوْفَاتِ، وسَيَّرَ مَعَهَا أخَاهَا مُحَمَّدَ بْنَ أبي بَكْرٍ، فَلَمَّا كان اليَوْمُ الَّذِي ارْتَحَلَتْ فِيْهِ، جَاءَ عَلِيٌّ

стр. 53

فَوَقَفَ على البَابِ، وحَضَرَ النَّاسُ وخَرَجَتْ مِنَ الدَّارِ (١) في الهَوْدَجِ فَوَدَّعَتِ النَّاسَ، ودَعَتْ لَهُم، وقَالَتْ: يابَنِيَّ لا يَعْتَبْ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ إنَّهُ واللهِ ما كانَ بَيْنِي وبَيْنَ عَلِيٍّ في القَدِيْمِ إلاَّ ما يَكُوْنُ بَيْنَ المَرْأةِ وأحْمَائِهَا. فَقَال عَلِيٌّ: صَدَقَتْ واللهِ ما كان بَيْنِي وبَيْنَهَا إلاَّ ذَاكَ، وإنَّهَا لَزَوْجَةُ نَبِيِّكُمْ ﷺ في الدُّنْيَا والآخِرَةِ، وسَارَ عَلِيٌّ مَعَهَا مُوَدِّعًا ومُشَيِّعًا أمْيَالاً، وسَرَّحَ بَنِيْهِ مَعَهَا بَقِيَّةَ ذَلِكَ اليَوْمِ، وكان يَوْمَ السَّبْتِ مُسْتَهَلَّ رَجَبٍ سَنَةَ سِتٍّ وثَلاثِيْنَ، وقَصَدَتْ في مَسِيْرِهَا ذَلِكَ إلى مَكَّةَ، فأقَامَتْ بِهَا إلى أنْ حَجَّتْ عامَهَا ذَلِكَ ثمَّ رَجَعَتْ إلى المَدِيْنَةِ ﵂» (٢). * * * وممَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ بِشَأنِ مَوْقِعَةِ الجَمَلِ تَبَيَّنَ أنَّ القِتَالَ وَقَعَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ فِيْمَا بَيْنَهُم كان بِدُوْنِ قَصْدٍ مِنْهُم ولا اخْتِيَارٍ، وأنَّ حَقِيْقَةَ المُؤَامَرَةِ الَّتي قَامَ بِهَا قَتَلَةُ عُثْمَانَ خَفِيَتْ على كِلا الفَرِيْقَيْنِ حتَّى ظَنَّ كُلٌّ مِنْهُمَا أنَّ الفَرِيْقَ الآخَرَ قَصَدَهُ بالقِتَالِ.

стр. 54

وقَدْ وَضَّحَ حَقِيْقَةَ هَذِهِ المُؤَامَرَةِ العَلاَّمَةُ ابْنُ حَزْمٍ، وشَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُمَا اللهُ، وغَيْرُهُمَا مِنَ المُحَقِّقِيْنَ مِنْ أهْلِ العِلْمِ. * * * قَالَ أبُوْ مُحَمَّدٍ بْنُ حَزْمٍ ﵀: «وأمَّا أهْلُ الجَمَلَ فَمَا قَصَدُوا قَطُّ قِتَالَ عَلِيٍّ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ، ولا قَصَدَ عَلِيٌّ رِضْوَانُ اللهِ علَيْهِ قِتَالَهُم، وإنَّمَا اجْتَمَعُوا بالبَصْرَةِ لِلنَّظَرِ في قَتَلَةِ عُثْمَانَ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ، وإقَامَةِ حَقِّ اللهِ تعَالى فِيْهِم. وتَسَرَّعَ الخَائِفُوْنَ عَلَى أنفُسِهِم أخْذُ حَدِّ اللهِ تَعَالى مِنْهُم، وكَانُوْا أعْدَادًا عَظِيْمَةً يَقْرُبُوْنَ مِنَ الأُلُوْفِ، فأثَارُوا القِتَالَ خِفْيَةً حتَّى اضْطَرَّ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيْقَيْنِ إلى الدِّفَاعِ عَنْ أنْفُسِهِم إذْ رَأوْا السَّيْفَ قَدْ خَالَطَهُم» (١). * * * وقَالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابنُ تَيْمِيَّةَ ﵀: «لَم يَكُنْ يَوْمَ الجَمَلِ لِهَؤلاءِ (الصَّحَابَةِ) قَصْدٌ في القِتَالِ، ولَكِنْ وَقَعَ الاقْتِتَالُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِم، فإنَّهُ لمَّا تَرَاسَلَ عَلِيٌّ وطَلْحَةُ والزُّبَيْرُ وقَصَدُوا الاتِّفَاقَ على المَصْلَحَةِ، وأنَّهُم إذَا تَمَكَّنُوا طَلَبُوا قتَلَةَ عُثْمَانَ أهْلَ الفِتْنَةِ، وكان عَلِيٌّ غَيِرَ رَاضٍ بِقَتْلِ عُثْمَانَ، ولا مُعِيْنَ عَلَيْهِ كَمَا كاَنَ يَحْلِفُ، فَيَقُوْلُ: «واللهُ ما

стр. 55

قَتَلْتُ عُثْمَانَ، ولا مَالأْتُ على قَتْلِهِ» (١)، وهو الصَّادِقُ البَارُّ في يَمِيْنِهِ، فَخَشِيَ القَتَلَةُ أنْ يَتَّفِقَ عَلِيٌّ مَعَهُم عَلَى إمْسَاكِ القَتَلَةِ، فَحَمَلُوا دَفْعًا عَنْ أنْفُسِهِم فَظَنَّ عَلِيٌّ أنَّهُم حَمَلُوا عَلَيْهِ، فَحَمَلَ دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ، فَوَقَعَتِ الفِتْنَةُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِم» (٢). فَهَكَذا سَعَى قَتَلَةُ عُثْمَانَ ﵁ بإذْكَاءِ نَارِ الفِتْنَةِ، وأشْعَلُوا القِتَالَ بَيْنَ عَلِيٍّ ومَنْ مَعَهُ، وبَيْنَ عَائِشَةَ وطَلْحَةَ والزُّبَيْرِ ومَنْ مَعَهُم، دُوْنَ أنْ يَفْطَنَ لِذَلِكَ الصَّحَابَةُ ﵃ وأَرْضَاهُم.

стр. 56

خُلاصَةُ ما جَاءَ في مَوْقِعَةِ الجَمَلِ أوَّلاً: أنَّ ذَهَابَ عَائِشَةَ ومَنْ مَعَهَا إلى البَصْرَةِ كان لأجْلِ الإصْلاحِ بَيْنَ المُسْلِمِيْنَ، وَهُوَ أخْذُ القَصَاصِ مِنْ قَتَلَةِ عُثْمَانَ ﵁. ثَانيًا: أنَّ عَائِشَةَ وطَلْحَةَ والزُّبَيْرَ لم يَدَّعُوْا الخِلافَةَ لأحَدٍ مِنْهُم، ولم يُنَازِعُوْا عَلِيًّا في خِلافَتِه. ثَالثًا: أنَّ الصُّلْحَ حَصَلَ بَيْنَ الفَرِيْقَيْنِ، وهو أخِذُ القَصَاصِ مِنْ قَتَلَةِ عُثْمَانَ ﵁. رَابِعًا: أنَّ القِتَالَ دَارَ بَيْنَ عَلِيٍّ وَمَنْ مَعَهُ، وبَيْنَ عَائِشَةَ وطَلْحَةَ والزُّبَيْرِ دُوْنَ عِلْمٍ مِنْهُم جَمِيْعًا. خَامِسًا: أنَّ أصْحَابَ الفِتْنَةِ مِنَ الثُّوَّارِ والأعْرَابِ هُمُ الَّذِيْنَ أنْشَبُوا الحَرْبَ بَيْنَ الفَرِيْقَيْنِ، هُرُوْبًا مِنْ أخْذِ القَصَاصِ مِنْهُم. سَادِسًا: أنَّ القِتَالَ دَارَ بَيْنَ الفَرِيْقَيْنِ ظَنًّا مِنْهُمَا أنَّ الوَاحِدَ مِنْهُما يَدْفعُ عَنْهُ صَوْلَةَ الآخَرِ. سَابِعًا: أنَّ الصَّحَابَةَ جَمِيْعًا لم يُشَارِكْ أحَدٌ مِنْهُم في قِتَالِ الجَمَلِ البَتَّةَ.

стр. 57

ثَامنًا: أنَّ الحَرْبَ ابْتَدَأتْ وانْتَهَتْ وقُلُوْبُ الصَّحَابَةِ مُؤْتَلِفَةٌ مُتَحَابَّةٌ في اللهِ تَعَالى، مَتَرَاضِيَةٌ مُتَرَاحِمَةٌ فِيْمَا بَيْنَهَا.

стр. 58

مَوْقِعَةُ صِفِّيْنَ (١) صِفِّيْنُ: مَوْضِعٌ بِقُرْبِ الرِّقَةِ على شَاطِئِ الفُرَاتِ مِنَ الجَانِبِ الغَرْبِي بَيْنَ الرِّقَةِ وبالِسَ. وفِيْهِ كانَتْ مَوْقِعَةُ صِفِّيْنَ الَّتي دَارَتْ رَحَاها بَيْنَ أهْلِ العِرَاقِ مِنْ أصْحَابِ عَلِيٍّ ﵁، وبَيْنَ أهْلِ الشَّامِ مِنْ أصْحَابِ مُعَاوِيَةَ ﵁؛ في شَهْرِ صَفَرَ سَنَةَ (٣٧). * * * وذَلِكَ أنَّ عَلِيًّا ﵁ لمَّا فَرَغَ مِنْ وَقْعَةِ الجَمَلِ، ودَخَلَ البَصْرَةَ، وشَيَّعَ أُمَّ المُؤْمِنِيْنَ عَائِشَةَ ﵂ لمَّا أرَادَتِ الرُّجُوْعَ إلى مَكَّةَ، ثمَّ سَارَ مِنَ البَصْرَةِ إلى الكُوْفَةِ فَدَخَلَهَا، وكان في نِيَّتِهِ أنْ يَمْضِيَ لِيُرْغِمَ أهْلَ الشَّامِ على الدُّخُوْلِ في طَاعَتِهِ كَمَا كان في نِيَّةِ مُعَاوِيَةَ ألاَّ يُبَايِعَ حتَّى يُقَامَ الحَدُّ على قَتَلَةِ عُثْمَانَ ﵁، أو يُسَلَّمُوا إلَيْهِ

стр. 59

ليَقْتُلَهُم، ولمَّا دَخَلَ عَلِيٌّ ﵁ الكُوْفَةَ شَرَعَ في مُرَاسَلَةِ مُعَاوِيَةَ ابنِ أبي سُفْيَانَ ﵄، فَقَدْ بَعَثَ إلَيْهِ جَرِيْرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ البَجَلِيَّ، ومَعَهُ كِتَابٌ أعْلَمَهُ فِيْهِ باجْتِمَاعِ المُهَاجِرِيْنَ والأنْصَارِ على بَيْعَتِهِ، ودَعَاهُ فِيْهِ إلى الدُّخُوْلِ فِيْمَا دَخَلَ فِيْهِ النَّاسُ، فَلَمَّا انْتَهَى إلَيْهِ جَرِيْرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ أعْطَاهُ الكِتَابَ فَطَلَبَ مُعَاوِيَةُ عَمْرَو بْنَ العَاصِ ورُؤُوْسَ أهْلِ الشَّامِ، فاسْتَشَارَهُم فأبَوْا أنْ يُبَايِعُوا حتَّى يَقْتُلَ قَتَلَةَ عُثْمَانَ، أو أنْ يُسَلِّمَ إلَيْهِم قَتَلَةَ عُثْمَانَ ﵁ فَرَجَعَ جَرِيْرٌ إلى عَلِيٍّ فأخْبَرَهُ بِمَا قَالُوا. «ومَكَثَ عَلِيٌّ يَوْمَيْنِ لا يُكَاتِبُ مُعَاوِيَةَ، ولا يُكَاتِبُهُ مُعَاوِيَةُ، ثمَّ دَعَا عَلِيٌّ بَشِيْرَ بْنَ عَمْرٍو الأنْصَارِيَّ وسَعِيْدَ بْنَ قَيْسٍ الهَمْدَانِيَّ، وشَبْثَ بنَ رِبْعِيٍّ التَّمِيْمِيَّ فَقَالَ لَهُم: ائْتُوا هذا الرَّجُلَ (مُعَاوِيَةَ) فادْعُوْهُ إلى الطَّاعَةِ والجَمَاعَةِ، واسْمَعُوا ما يَقُوْلُ لَكُم: فَلَمَّا دَخَلُوا على مُعَاوِيَةَ جَرَى بَيْنَهُ وبَيْنَهُم حِوَارٌ لَمْ يُوصِلْهُم إلى نَتِيجَةٍ فَمَا كان مِنْ مُعَاوِيَةَ إلاَّ أنْ أخْبَرَهُم أنَّهُ مُصَمِّمٌ على القِيَامِ بِطَلَبِ دَمِ عُثْمَانَ الَّذِي قُتِلَ مَظْلُومًا» (١).

стр. 60

ولمَّا رَجَعَ أُوْلَئِكَ النَّفَرُ إلى عَلِيٍّ ﵁، وأخْبَرُوهُ بِجَوَابِ مُعَاوِيَةَ ﵁ لَهُم، وأنَّهُ لَنْ يُبَايِعَ حَتَّى يَقْتُلَ القَتَلَةَ، أو يُسْلِمَهُم، عِنْدَ ذَلِكَ نَشَبَتِ الحَرْبُ بَيْنَ الفَرِيْقَيْنِ ... فَعِنْدَ ذَلِكَ رَفَعَ أهْلُ الشَّامِ المَصَاحِفَ فَوْقَ الرِّمَاحِ، وقالُوا: هذا بَيْنَنَا وبَيْنَكُمْ، قَدْ فَنَى النَّاسُ فَمَنْ لِثُغُورِ أهْلِ الشَّامِ بَعْدَ أهْلِ الشَّامِ؟ ومَنْ لِثُغُوْرِ العِرَاقِ بَعْدَ أهْلِ العِرَاقِ؟ فَلَمَّا رَأَىَ النَّاسُ المَصَاحِفَ قَدْ رُفِعَتْ قالُوا: نُجِيْبُ إلى كِتَابِ اللهِ ، ونُنِيْبُ إلَيْهِ» (١)، ولمَّا رُفِعَتِ المَصَاحِفُ فَوْقَ الرِّمَاحِ تَوَقَّفَتِ الحَرْبُ ... فَتَمَّ الاتِّفَاقُ بَيْنَ الفَرِيْقَيْنِ على التَّحْكِيْمِ بَعْدَ انتِهَاءِ مَوْقِعَةِ صِفِّيْنَ، وهو أنْ يُحَكِّمَ كُلُّ واحِدٍ مِنْهُمَا رَجُلاً مِنْ جِهَتِهِ، ثمَّ يَتَّفِقَ الحَكَمَانِ على مَا فِيْهِ مَصْلَحَةُ المُسْلِمِيْنَ، فَوَكَّلَ مُعَاوِيَةُ عَمْرَو بنَ العَاصِ، ووكَّلَ عَلِيٌّ أبا مُوْسَى الأشْعَرِيَّ ﵃ جَمِيْعًا، ثمَّ أخَذَ الحَكَمَانِ مِنْ عَلِيٍّ ومُعَاوِيَةَ ومِنَ الجُنْدَيْنِ العُهُوْدَ والمَوَاثِيْقَ أنَّهُمَا آمِنَانِ على أنْفُسِهِمَا وأهْلِهِمَا، والأمَّةُ لَهُمَا أنْصَارٌ على الَّذِي يَتَقَاضَيَانِ عَلَيْهِ، وعلى المُؤْمِنِيْنِ والمُسْلِمِيْنَ مِنَ الطَائِفَتَيْنِ كِلَيْهِمَا عَهْدُ اللهِ، ومِيْثَاقُهُ

стр. 61

أنَّهُمَا على ما في ذَلِكَ الكِتَابِ، وأجَّلا القَضَاءَ إلى رَمَضَانَ، وإنْ أحَبَّا أنْ يُؤَخِّرَا ذَلِكَ فَعَلى تَرَاضٍ مِنْهُمَا (١). فَلَمَّا اجْتَمَعَ الحَكَمَانِ وتَرَاوَضَا على المَصْلَحَةِ لِلمُسْلِمِيْنَ، ونَظَرَا في تَقْدِيْرِ الأمُوْرِ، ثمَّ اتَّفَقَا على أنْ يَكُوْنَ الفَصْلُ في مَوْضُوْعِ النِّزَاعِ بَيْنَ عَلِيٍّ ومُعَاوِيَةَ يَكُوْنُ لأعْيَانِ الصَّحَابَةِ الَّذِيْنَ تَوَفَّى رَسُوْلُ اللهِ ﷺ وَهو رَاضٍ عَنْهُم، هَذا ما اتَّفَقَ عَلَيْهِ الحَكَمَانِ فِيْمَا بَيْنَهُمَا لا شَيْءَ سِوَاهُ (٢)! * * * قَالَ ابنُ كَثِيْرٍ: «والحَكَمَانِ كانَا مِنْ خَيَارِ الصَّحَابَةِ، وهُمَا: عَمْرُو بنُ العَاصِ السَّهْمِيُّ (مِنْ جِهَةِ أهْلِ الشَّامِ)، والثَّاني: أبُوْ مُوْسَى عَبْدُ اللهِ بْنُ قَيْسٍ الأشْعَرِيُّ (مِنْ جِهَةِ أهْلِ العِرَاقِ) وإنَّمَا نُصِّبَا لِيُصْلِحَا بَيْنَ النَّاسِ، ويَتَّفِقَا على أمْرٍ فِيْهِ رِفْقٌ بالمُسْلِمِيْنَ، وحَقْنٌ لِدِمَائِهِم وكَذَلِكَ وَقَعَ» (٣).

стр. 62

وإذَا كَانَ قَرَارُهُمَا الَّذي اتَّفَقَا عَلَيْهِ لم يَتِمَّ فَمَا في ذَلِكَ تَقْصِيْرٌ مِنْهُمَا؛ لأنَّهُمَا قَدْ قَامَا بِمُهِمَّتِهِمَا بِحَسَبِ ما أدَّاهُ إلَيْهِ اجْتِهَادُهُمَا واقْتِنَاعُهُمَا، ولَوْ لم تُكَلِّفْهُمَا الطَّائِفَتَانِ مَعًا بأدَاءِ هذه المُهِمَّةِ لمَا تَعَرَّضَا لَهَا ولا أبْدَيا رَأيًا فِيْهَا، فَرَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، وعَنْ بَقِيَّةَ الصَّحَابَةِ أجْمَعِيْنَ!

стр. 63

تَحْقِيْقُ قِصَّةِ الحَكَمَيْنِ ﵄ أمَّا مَا يَذْكُرُهُ المُؤَرِّخُوْنَ مِنْ أنَّ الحَكَمَيْنِ لمَّا اجْتَمَعَا بأذْرُحَ مِنْ دُوْمَةِ الجَنْدَلِ (١)، وتَفَاوَضَا على أنْ يَخْلَعَا الرَّجُلَيْنِ (عَلِيًّا، ومُعَاوِيَةَ)، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ العَاصِ لأبي مُوْسَى: اسْبِقْ بالقَوْلِ، فتَقَدَّمَ فقَالَ: إنِّي نَظَرْتُ فَخَلَعْتُ عَلِيًّا عَنِ الأمْرِ، ويَنْظُرُ المُسْلِمُوْنَ لأنْفُسِهِم كَمَا خَلَعْتُ سَيْفِي هذا مِنْ عُنُقِي، وأخْرَجُهُ مِنْ عُنُقِهِ فَوَضَعَهُ في الأرُضِ، وقَامَ عَمْرُو فَوَضَعَ سَيْفَهُ في الأرُضِ، وقَالَ: إنِّي نَظَرْتُ فأثْبَتُّ مُعَاوِيَةَ في الأمْرِ: كمَا أُثْبِتُ سَيْفِي هذا في عَاتِقِي وتَقَلَّدَهُ، فأنْكَرَ أبُوْ مُوْسَى، فقَالَ عَمْرٌو: كَذَلِكَ اتَّفَقْنَا، وتَفَرَّقَ الجَمْعُ على ذَلِكَ مِنَ الاخْتِلافِ (٢).

стр. 64

فَهَذِهِ الحِكَايَةُ وما يَشْبَهُهَا مِنَ اخْتِلاقِ أهْلِ الأهْوَاءِ والبِدَعِ الَّذِيْنَ لا يَعْرِفُوْنَ قَدْرَ أبي مُوْسَى وعَمْرو بْنِ العَاصِ ﵄، ومَنْزِلَتَهُمَا في الإسْلامِ! * * * قَالَ أبُو بَكْرٍ ابنُ العَرَبِيُّ مُبيِّنًا كَذِبَ هذه القِصَّةِ: «هذا كُلُّهُ كَذِبٌ صُرَاحٌ ما جَرَى مِنْهُ حَرْفٌ قَطُّ، وإنِّما هُوَ شَيْءٌ أخْبَرَ عَنْهُ المُبْتَدِعَةُ، ووضَعَتْهُ التَّارِيْخِيَّةُ (القَصَّاصُوْنَ) لِلْمُلُوكِ، فتَوَارَثَهُ أهْلُ المُجَانَةِ والجَهَارَةِ بِمَعَاصِي اللهِ والبِدَعِ» (١). ولم يَكْتَفِ الوَاضِعُوْنَ مِنْ أهْلِ التَّارِيْخِ بِهَذا؛ بَلْ وَسَمُوا الحَكَمَيْنِ بِصِفَاتٍ مَرْذُوْلَةٍ هَزِيْلَةٍ يتَّخِذُوْنَ مِنْهَا وَسِيْلَةً لِلتَّفَكُّهِ والتَّنَدُّرِ! فقَدْ وَصَفُوا عَمْرَو بْنَ العَاصِ ﵁: بأنَّهُ كان صَاحِبَ غَدْرٍ وخِدَاعٍ، ووصَفُوا أبا مُوْسَى ﵁ أنَّهُ كان أبْلَهًا، ضَعِيْفَ الرَّأيِ، مَخْدُوْعًا في القَوْلِ، كما وصَفُوْهُ بأنَّهُ كان على جَانِبٍ كَبِيْرٍ مِنَ الغَفْلَةِ (٢).

стр. 65

ونَخْتِمُ كلامَنَا بِمَا قَالَهُ الشَّيْخُ نَاصِرُ الشَّيْخُ: «وكُلُّ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في هذا المَبْحَثِ عَنْ مَوْقِعَتَيْ (الجَمَلِ وصِفِّيْنَ)، وقَضِيَّةِ التَّحَكِيْمِ: هو اللائِقُ بِمَقَامِ الصَّحَابَةِ فَهُوَ خَالٍ ممَّا دَسَّهُ الشِّيَعَةُ الرَّافِضَةُ وغَيْرُهُم على الصَّحَابَةِ في تِلْكَ المَوَاطِنِ مِنَ الحِكَايَاتِ المُخْتَلَقَةِ، والأحَادِيْثِ المَوْضُوْعَةِ وممَّا يَعْجَبُ لَهُ الإنْسَانُ أنَّ أعْدَاءَ الصَّحَابَةِ إذا دُعُوا إلى الحَقِّ أعْرَضُوا عَنْهُ، وقالُوا: لَنَا أخْبَارُنا ولَكُمْ أخْبَارُكُمْ، ونَحْنُ حِيْنَئِذٍ نَقُوْلُ لَهُم كَمَا قال تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾» (١). والحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِيْنَ

стр. 66

سَبَبُ القِتَالِ بَيْنَ عَلِيٍّ ومُعَاوِيَةَ ﵄ وقَبْلَ الخُرُوْجِ مِنْ مَوْقِعَةِ (صِفِّيْنَ) أحْبَبْنا أنْ نَرُدَّ على مَنْ سَاوَى بَيْنَ قِتَالِ عَلِيٍّ ﵁ لِلْخَوَارِجِ بِقِتَالِ مُعَاوِيَةَ ﵁ وَمَنْ مَعَهُ! * * * فَهَذَا ابنُ حَزْمٍ ﵀ يُبَيِّنُ لَنَا البَوْنَ الفَارِقَ بَيْنَ القِتَالَيْنِ بِقَولِهِ: «وأمَّا أمْرُ مُعَاوِيَةَ ﵁ فَبِخِلافِ ذَلِكَ، ولم يُقَاتِلْهُم عَلِيٌّ ﵁ لامْتِنَاعِهِ مِنْ بَيْعَتِهِ؛ لأنَّهُ كان يَسَعُهُ في ذَلِكَ ما وَسِعَ ابنَ عُمَرَ وَغَيْرَهُ (١)، لَكِنْ قاتَلَهُ لامْتِنَاعِهِ مِنْ إنْفَاذِ أوَامِرِهِ في جَمِيْعِ أرْضِ الشَّامِ، وهو الإمَامُ الوَاجِبُ طَاعَتُهُ، فَعَلِيٌّ المُصِيْبُ في هذا، ولم يُنْكِرْ مُعَاوِيَةُ قَطُّ فَضْلَ عَلِيٍّ واسْتِحْقاَقَهُ الخِلافَةَ، لَكِنَّ اجْتِهَادَهُ أدَّاهُ إلى أنْ

стр. 67

رَأى تَقْدِيْمَ أخْذِ القَوْدِ مِنْ قَتَلَةِ عُثْمَانَ ﵁ على البَيْعَةِ، ورَأى نَفْسَهُ أحَقَّ بِطَلَبِ دَمِ عُثْمَانَ» إلى أنْ قَالَ «فَلَمْ يَطْلُبْ مُعَاوِيَةُ إلاَّ ما كانَ لَهُ مِنَ الحَقِّ أنْ يَطْلُبَهُ، وأصَابَ في ذَلِكَ الأثَرِ الَّذِي ذَكَرْنا وإنَّمَا أخْطَأ في تَقْدِيْمِهِ ذَلِكَ على البَيْعَةِ فَقَطْ، فَلَهُ أجْرُ الاجْتِهَادِ في ذَلِكَ، ولا إثْمَ عَلَيْهِ فِيْمَا حُرِمَ مِنَ الإصَابَةِ كَسَائِرِ المُخْطِئِيْنَ في اجْتِهَادِهِم الَّذِيْنَ أخْبَرَ الرَّسُوْلُ ﷺ : أنَّ لَهُم أجْرًا واحِدًا، ولِلْمُصِيْبِ أجْرَانِ - إلى أنْ قَالَ - وقَدْ عَلِمْنا أنَّ مَنْ لَزِمَهُ حَقٌّ واجِبٌ وامْتَنَعَ مِنْ أدَائِهِ وقَاتَلَ دُوْنَهُ فإنَّهُ يَجِبُ على الإمَامِ أنْ يُقَاتِلَهُ، وإنْ كان مِنَّا، ولَيْسَ ذَلِكَ بِمُؤثِّرٍ في عَدَالَتِهِ وفَضْلِهِ، ولا بِمُوجِبٍ لَهُ فِسْقًا؛ بَلْ هُوَ مأجُوْرٌ لاجْتِهَادِهِ ونِيَّتِهِ في طَلَبِ الخَيْرِ، فبِهذا قَطَعْنَا على صَوَابِ عَلِيٍّ ﵁، وصِحَّةِ إمَامَتِهِ، وأنَّهُ صَاحِبُ الحَقِّ، وأنَّ لَهُ أجْرَيْنِ أجْرَ الاجْتِهَادِ، وأجْرَ الإصَابَةِ، وقَطَعْنا أنَّ مُعَاوِيَةَ ﵁ ومَنْ مَعَهُ مُخْطِئُوْنَ مُجْتَهِدُوْنَ مَأجُوْرُوْنَ أجْرًا واحِدًا» (١). * * *

стр. 68

فابنُ حَزْمٍ ﵀ يُقَرِّرُ في كَلامِهِ هذا أنَّ النِزَاعَ الَّذِي كان بَيْنَ عَلِيٍّ ومُعَاوِيَةَ إنَّمَا هو في شَأنِ قَتَلَةِ عُثْمَانَ، ولَيْسَ اخْتِلافًا على الخِلافَةِ، إذْ إنَّ مُعَاوِيَةَ ﵁ لم يُنْكِرْ فَضْلَ عَلِيٍّ واسْتِحْقَاقَهِ لِلْخِلافَةِ، وإنَّما امْتَنَعَ عَنِ البَيْعَةِ حَتى يُسَلِّمَهُ القَتَلَةَ، أو يَقْتُلَهُم، وكان عَلِيٌّ ﵁ يَسْتَمْهِلُهُ في الأمْرِ حَتى يَتَمَكَّنَ هو بأخْذِ قَتَلَةِ عُثْمَانَ ﵁. * * * ورَحِمَ اللهُ مُعَاوِيَةَ إذْ لم يَمْلِكُ عَيْنَهُ مِنَ البُكَاءِ؛ عِنْدَمَا جَاءهُ الخَبَرُ بِمَوْتِ عَلِيٍّ ﵁؛ فَقِيْلَ لَهُ في ذَلِكَ، فقال: «وَيْحَكُمْ إنَّمَا أبْكِي لِما فَقَدَ النَّاسُ مِنْ حِلْمِهِ، وعِلْمِهِ، وفَضْلِهِ، وسَوَابِقِهِ، وخَيْرِهِ» (١).

стр. 69

خُلاصَةُ ما جَاءَ في صِفِّيْنَ أوَّلاً: أنَّ مُعَاوِيَةَ بنَ أبي سُفْيَانَ ﵁ لم يُقَاتِلْ أو يُنَازِعْ عَلِيًّا ﵁ على خِلافَةٍ، أو أفْضَلِيَّةٍ قَطُّ. ثانيًا: أنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أبي سُفْيَانَ ﵁ لم يُعْطِ عَلِيًّا ﵁ البَيْعَةَ حتَّى يَقْتُلَ قَتَلَةَ عُثْمَانَ، أو يُسَلِّمَهُم إلَيْهِ. ثالثًا: أنَّ عَلِيًّا ﵁ لم يُقْدِمْ على القِتَالِ حَتَّى أمْهَلَ مُعَاوِيَةَ عَسَاهُ يَرْضَي بِتَقْدِيْمِ البَيْعَةِ أوَّلاً على أخْذِ الحَدِّ منَ القَتَلَةِ. رَابِعًا: أنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أبي سُفْيَانَ ﵁ اجْتَهَدَ في تَأْخِيْرِ البَيْعَةِ، وتَقْدِيْمِ أخْذِ القَصَاصِ مِنَ القَتَلَةِ ولِلْمُجْتَهِدِ أجْرُهُ، وحَسْبُنَا أنَّ مُعَاوِيَةَ مِنْ أهْلِ الاجْتِهَادِ، مَعَ ما عِنْدَهُ مِنْ صِدْقِ نِيَّةٍ، وبَذْلِ وُسْعٍ فِيْمَا أقْدَمَ عَلَيْهِ. خَامِسًا: أنَّ ما قِيْلَ في شَأنِ التَّحْكِيْمِ بِأنَّ عَمْرَو بْنَ العَاصِ مَكَرَ بأبي مُوْسَى الأشْعَرِيِّ ﵄، كُلُّهُ كَذِبٌ وإفْكٌ شَرْعًا وعَقْلاً، وَهُوَ مِنْ دَسَائِسِ الشِّيعَةِ الكَذَبَةِ، وغَفْلَةِ القَصَّاصِيْنَ!

стр. 70

الفَصْلُ الثَّاني عَدَدُ الصَّحَابَةِ الَّذِيْنَ حَضَرُوا الفِتْنَةَ أمَّا عَدَدُ الصَّحَابَةِ الذِيْنَ حَضَرُوا أيَّامَ الفِتْنَةِ (الجَمَلِ وصِفَّيْنَ) فَهُوَ قَلِيْلٌ جِدًّا، لا يَكَادُوْنَ يَتَجَاوَزُوْنَ الثَّلاثِيْنَ قَطْعًا، وهم أيْضًا مَعَ حُضُورِهِم هذا لم يُقَاتِلْ مِنْهُم أحَدٌ ابْتِدَاءً، أمَّا أكَابِرُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنِ الجَمِيْعِ فَلَمْ يَدْخُلُوا في فِتْنَةٍ قَطُّ (١)! وعَلى هَذَا؛ نَدْفَعُ كَثِيْرًا ممَّا هو مَوْجُوْدٌ في كُتُبِ التَّارِيْخِ المُعْتمَدِ منها أو المُنْتَقَدِ، أو ممَّا يَتَنَاقَلُهُ النَّاسُ على ألْسِنَتِهِم، أو في مَجَالِسِهِم: أنَّ القِتَالَ كان بَيْنَ جُمْهُوْرِ الصَّحَابَةِ! * * *

стр. 71

نَعَمْ؛ إنَّ أيَّامَ الفِتْنَةِ في الصَّدْرِ الأوَّلِ إذا أُطْلِقَتْ لا تَنْصَرِفُ إلاَّ لِلْصَّحَابَةِ، إلاَّ أنَّ هذِهِ النِّسْبَةَ إليْهِم خَرَجَتْ مِنْ بَابِ تَسْمِيَةِ المَعَارِكِ باسْمِ أُمَرَائِها وأشْرَافِهَا ... والصَّحَابَةُ وقْتَئِذٍ هُم أُمَرَاءُ النَّاسِ وأفَاضِلُهُم! * * * وقَدْ ذَكَرَ ابنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ في كِتَابِهِ العُجَابِ العُبَابِ (مِنْهَاجِ السُّنَّةِ النَبَوِيَّةِ) (١) بَعْضَ الآثَارِ السَّلَفِيَّةِ التي تَزِيْدُ المُسْلِمَ يَقِيْنًا على أنَّ أصَحَابَ رَسُوْلِ اللهِ (كَانُوا على السَّلامَةِ والمُسَالَمَةِ حَيَاةً ومَمَاتًا: «قال عَبْدُ اللهِ بنُ أحْمَدَ حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا إسْمَاعِيْلُ (يَعْنِي ابنَ عُلَيَّةَ)، حَدَثَّنَا

стр. 72

أيُّوْبُ السِّخْتِيَانيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بنِ سِيْرِيْنَ قال: «هَاجَتِ الفِتْنَةُ وأصْحَابُ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ عَشَرَةَ آلافٍ، فَمَا حَضَرَهَا مِنْهُم مائَةٌ؛ بَلْ لم يَبْلُغُوا ثَلاثِيْنَ». وهَذَا الإسْنَادُ قال عَنْهُ ابنُ تَيْمِيَّةَ ﵀: «مِنْ أصَحِّ الأسَانِيْدِ على وَجْهِ الأرْضِ، ومُحَمَّدُ بْنُ سِيْرِيْنَ مِنْ أوْرَعِ النَّاسِ، ومَرَاسِيْلُهُ مِنْ أصَحِّ المَرَاسِيْلِ!». وقَالَ الشَّعْبِيُّ ﵀: «لم يَشْهَدِ الجَمَلَ مِنْ أصْحَابِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ غَيْرُ عَلِيٍّ، وعَمَّارٍ، وطَلْحَةَ، والزُّبَيْرِ، فإنْ جَاءُوا بِخَامِسٍ فأنَا كَذَّابٌ». وقَدْ رَوَى ابنُ بَطَّةَ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الأشَجِّ قال: «أما إنَّ رِجَالاً مِنْ أهْلِ بَدْرٍ لَزِمُوا بُيُوْتَهُم بَعْدَ مَقْتَلِ عُثْمَانَ، فَلَمْ يَخْرُجُوا إلاَّ إلى قُبُوْرِهِم». قَالَ ابنُ تَيْمِيَّةَ: «وأمَّا الصَّحَابَةُ فَجُمْهُورُهُم، وجُمْهُوْرُ أفاضِلِهِم ما دَخَلُوا في فِتْنَةٍ» (١). فالْحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِيْنَ

стр. 73

البابُ الثَّالِثُ مُجْمَلُ ما دَارَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ ﵃ وذَلِكَ في ثَلاثَةِ أُمُوْرٍ الأمْرُ الأوَّلُ: تَحْدِيْدُ بِدَايَةِ التَّشَاجُرِ بَيْنَ الصَّحَابَةِ ﵃. الأمْرُ الثَّاني: الدَّافِعُ الَّذِي حَمَلَ الصَّحَابةَ ﵃ على التَّشَاجُرِ بَيْنَهُم. الأمْرُ الثَّالِثُ: وُجُوْبُ السُّكُوْتِ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ ﵃.

стр. 74

مُجْمَلُ ما دَارَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ ﵃ وذَلِكَ في ثَلاثَةِ أُمُوْرٍ ولَنَا أنْ نُجْمِلَ ما دَارَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ ﵃ في ثَلاثَةِ أُمُوْرٍ لا رَابِعَ لها كَمَا أجْمَعَتْ عَلَيْه كُتُبُ التَّوَارِيْخِ المَوْثُوْقةِ المَشْهُوْرَةِ، وهو ما عَلَيْه قَاطِبَةُ أهْلِ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ مِنَ السَّلَفِ والخَلَفِ، ومَنْ تأوَّلَ فِيْها غَيْرَ ذَلِكَ فَقَدْ أضَاعَ نَصِيْبَه، وتَكَلَّفَ ما لَيْسَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ، وقَالَ على الصَّحَابةِ ما هُم مِنْهُ بُرَاءٌ. * * * الأمْرُ الأوَّلُ: تَحْدِيْدُ بِدَايَةِ التَّشَاجُرِ بَيْنَ الصَّحَابَةِ ﵃ . لَقَدِ اتَّفَقَتْ كُتُبُ التَّارِيْخِ على أنَّ بِدَايَةَ التَّشَاجُرِ بَيْنَ خَيْرِ القُرُوْنِ كانَ بَعْدَ مَقْتَلِ ثَالِثِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِيْنَ ذِي النُّوْرَيْنِ عُثْمَانَ بنِ عَفَّانَ

стр. 75

رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وبِدَايَةِ خِلافَةِ رَابِعِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِيْنَ أبي الحَسَنِ عَلِيِّ بنِ أبي طَالِبٍ ﵁، وعَنِ الصَّحَابَةِ أجْمَعِيْنَ (١). وهَذَا فِيْهِ رَدٌّ على الشِّيْعةِ الغَالِيْنَ الَّذِيْنَ يَرَوْنَ أنَّ الخِلافَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ ﵃ كَانَ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبيِّ ﷺ (زَعَمُوا) وهُوَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قَدْ أوْصَى بالخِلافَةِ لعَلِيٍّ ﵁؛ إلاَّ أنَّ الصَّحَابَةَ خَالَفُوْا هَذِه الوَصِيَّةَ النَّبَوِيَّةَ وأخَذُوا الخِلافَةَ مِنْ عَليٍّ قَهْرًا وظُلْمًا في حِيْنَ أنَّ عَلِيًّا ﵁ احْتَمَلَ هَذَا الظُّلْمَ، وصَبَرَ مُنْذُ خِلافَةِ أبي بَكْرٍ ﵁ حَتَّى مَقْتَلَ عُثْمَانَ بنِ عَفَّانَ ﵁، وهَذَا وغَيْرُه لاشَكَّ أنَّه مِنْ خُرَافاتِهِم وسَخَافاتِهِم مِمَّا تَأبَاهُ العُقُوْلُ المُسْتَقِيْمَةُ، والفِطَرُ السَّلِيْمَةُ! لِذَا؛ لَنْ أتَكَلَّفَ الرَّدَّ على هَذا القَوْلِ؛ لأنَّ أصْحَابَهُ غَدَوْا: سُبَّةَ بَنِي آدَمَ، هَذا إذا عَلِمْتَ أنَّهُم: أكْذَبُ النَّاسِ في النَّقلِيَاتِ، وأجْهَلُهُم في العَقْليَّاتِ (٢)!
следующие страницы →