← Фикх шафии

Фикх шафии · id 16934

بحر المذهب للروياني

عَبْد الواحِد الرُّوْياني

Полный текст (7 151 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بحر المذهب في فروع مذهب الإمام الشافعي ﵁ تأليف الشيخ الإمام أبي المحاسن عبد الواحد بن إسماعيل الرُّوياني المتوفي سنة ٥٠٢ هـ تحقيق طارق فتحي السيد الجزء الأول دار الكتب العلمية بيروت - لبنان

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ صلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم الحمد لله الذي هدانا لدينه، وأكرمنا بشريعة نبيه محمد المصطفي ﷺ وجعلنا من المتمسكين، والمتبعين لها، والمتفقهين فيها، ونسأله أن ينفعنا بما علمنا منها، وأن يرزقنا العمل بها، والنصيحة للمسلمين فيها، وأن نصلي أولًا وأخرًا على عبده ورسوله وخيرته من بين خلقه، وعلى آله وأصحابه الراشدين. وبعد: لما كثر تصانيفي في الخلاف والمذهب مطولًا ومختصرًا، وجدت فوائد جمة عن الأئمة ﵃ أحببت أن أجمع كلامي في آخر عمري في كتاب واحد يسهل عليَّ معرفة ما قيد فيها، وأعتمد على الأصح منها وسميته: "بحر المذهب" راجيًا من الله تعالى الذكر الجميل، والثواب الجزيل، إنه نعم المولى ونعم النصير.

стр. 3

[المقدمة] فصل الأصل من فضل العلم والعلماء قوله تعالى: لنبيه ﷺ ﴿وَقُل رَّبَ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]، وقوله تعالى: ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائمًا بالقسط﴾ [آل عمران: ١٨]. وروى أبو الدرداء ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من سلك طريقًا يطلب به علمًا سلك الله به طريقًا من طرق الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضًا لطالب العلم، وإن العالم يستغفر له من في السموات ومن في الأرض حتى الحيتان في جوف الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، [٢ أ/ ١] وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافرِ ". ومعنى قوله: (لتضع أجنحتها) يعني: بالتواضع والخضوع تعظيمًا لحقه وتوقيرًا. وقوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ١٥]، وقوله تعالى ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ اَلذَُلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: ١٤]، وقيل: وضع الجناح هنا معناه الكف عن الطيران للنزول عنده. وقيل: معناه بسط الجناح وفرشه لطالب العلم لتحمله عليه فيبلغه حيث يقصده من البقاع في طلبه، ومعناه المعرفة وتيسير السعي له في طلب العلم. وأيضًا قال رسول الله ﷺ "يشفع يوم القيامة ثلاثة الأنبياء، ثم العلماء، ثم الشهداء". وأيضًا قال النبي ﷺ : "طلب العلم فريضة على كل مسلم". وقال فضيل بن عياض ﵀ في معناه: "كل عمل كان عليك فرضًا فطلب علمه عليه فرض، وما لم يكن العمل به عليك فرضًا فليس طلب علمه عليك بواجب". وقال ﷺ : "اطلبوا العلم ولو في الصين". وأيضًا روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم

стр. 4

قال: "من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة". وهذا في العلم الذي يلزمه تعليمه إياه ويتعين عليه فرضه. وأيضًا روي عن عبد الله بن عمرو أنه قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله ﷺ أريد حفظه فنهتني قريش، وقالوا: تكتب كل شيء ورسوله ﷺ بشر يتكلم في حال [٢ ب/ ١] الغضب والرضا، فأمسكت عن الكتابة، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فأومأ إلى فيه، فقال: "أكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلا حق". فإن قيل: روى المطلب بن عبد الله بن حنطب، أن زيد بن ثابت دخل على معاوية فسأله عن حديث، فأخبره، فأمر إنسانًا فكتبه، فقال له زيد بن ثابت: إن رسول الله ﷺ أمر أن لا نكتب شيئًا من حديثه فمحاه. قيل: يحتمل أن يكون النهي متقدمًا وآخر الأمرين الإباحة. وقيل: إنما نهى أن يكتب الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة لئلا يختلط به فيشتبه على القارئ وهذا لأن النبي ﷺ أمر أمته بالتبليغ، وقال: "ليبلغ الشاهد الغائب". وروى زيد بن ثابت أن النبي ﷺ قال: "نضر الله أمر أسمع منا حديثًا فحفظه حتى يبلغه، فرب حامل فقه ليس بفقيه". فإذا لم يقيدوا ما يسمعونه بالكتابة يتعذر التبليغ فلا يؤمن من ذهاب العلم، لأن النسيان من طبع أكثر البشر، وقد قال رسول الله ﷺ ، لرجل شكا إليه سوء الحفظ: "استعن بيمينك" وقوله: (نضر الله): معناه: الدعاء بالنضاره وهي النعمة والبهجة، ويقال: نضر الله بالتخفيف والتثقيل، وأجودهما [٣ أ/ ١] التخفيف، وفي هذا الخبر بيان أن الفقه هو الاستنباط، والاستدراك لمعاني الكلام، وفي ضمنه وجوب النفقة والحث على استنباط معاني الحديث. فإذا تقرر هذا، فاعلم أن العلم كبير والعمر قصير، فالأولى لمن طلب العلم بعد التوحيد أن يشتغل بالأحسن منه والأولى، وهو التفقه في الدين، لما روى أن النبي ﷺ قال: "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين". وروى أنه ﷺ قال: "لفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد".

стр. 5

ثم اعلم أن أفضل الفقهاء فقهًا وأحسنهم ترتيبًا ونظمًا الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي ﵁ حكي عنه أنه قال: رأيت رسول الله ﷺ في المنام قبل حُلمي، فقال له: "يا غلام" قلت: لبيك يا رسول الله، فقال: "من أنت"؟ قلت: من رهطك يا رسول الله، فقال: "ادنُ مني"، فدنوت فأخذ شيئًا من ريقه ففتحت فمي، فأمره على لساني وفمي وشفتي، فما أذكر أني لحنت بعد ذلك في حديث ولا شعر". وحكي عن تلميذه أبي إبراهيم المزني أنه قال: رأيت رسول الله ﷺ في المنام، فسألته عن الشافعي ﵀ فقال: من أراد محبتي وسنتي فعليه بمحمد بن إدريس الشافعي، فإنه قال: "الأئمة من قريش". وقال أيضًا ﷺ : "قدموا قريشًا ولا تقدموها، وتعلموا [٣ ب/ ١] منها ولا تعلموها". قال المزني: أي لا تفاخروها. وقال أيضًا ﷺ : "من رأى رجلًا من قريش أفضل ممن رأى رجلين من غيره". وقال أيضًا ﷺ : "لا تسبوا قريشًا، فإن عالمها يملأ طبق الأرض علمًا". وهذا متعين في الشافعي ﵀. وقال أيضًا ﷺ في هذا: "البيان تبع لقريشٍ فمسلمهم تبع لمسلمهم، وكافرهم تبع لكافرهم". ولم نجد في الأئمة المشهورين قرشيًا سارت منه الكتب في الأقطار، واستظهرها الكبار وأدوجها إلى الصغار غير الشافعي ﵁، فلهذا اتبعناه وسلكنا مذهبه، وأيضًا فإنه جمع من العلم ما لم يجمعه غيره من الأئمة، فإن مالكًا والأوزاعي والثوري وغيرهم لهم قدم في الآثار ومعناهم ضعيف. وأبو حنيفة والعراقيون لهم قدم في المعاني وأثرهم ضعيف. والشافعي جمع الآثار والمعاني، فإنه لما قدم العراق سمى ناصر السنة والحديث، ولا يقول بتخصيص العلة لقوة معانيه بخلاف غيره، وصنف في الأصول وبني عليها الفروع فتكون أحوط، وانفرد لمعرفة اللغة وأيام العرب، فإنه عربي الدار واللسان. وحكي عن بعضهم أنه قال: تلقى شيئًا من غرائب كلام الشافعي ﵀ على الرياشي شيء قدر ما كف بصره، فقال: هذا من كلام مَنْ؟ فقلنا: هذا من كلام الشافعي فقال: نعم، سمعت الأصمعي يقول: قرأت ديوان

стр. 6

الهذليين على فتى من قريش، يقال [٤ أ/ ١] له: محمد بن إدريس الشافعي. وأيضًا الشافعي ﵀ -أكثر احتياطًا في الطهارات، وشرائط العبادات، والأنكحة، والبياعات تمسكًا بالسنة، وذلك معروف في بيان مذهبه فكان أولى من غيره. وقال الربيع: سئل الشافعي ﵀ -عن مسألة، فقال: يروى فيها كذا وكذا عن رسول الله ﷺ فقال له السائل: يا أبا عبد الله، تقول به؟ فرأيت الشافعي أرعد وانتفض، فقال: يا هذا أي أرض تقلني وأي سماء تظلني إذا رويت عن رسول الله ﷺ حديثًا فلم يقل به نعم على السمع والبصر، نعم على السمع والبصر. وقال أحمد: كان الشافعي إذا ثبت عنه الخبر قلده. وأيضًا عن ابن عم رسول الله ﷺ فإنه أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف، فهو يجتمع مع رسول الله ﷺ في عبد مناف؛ لأن النبي ﷺ هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف. والمطلب هو أخو هاشم جد رسول الله ﷺ وله قربى برسول الله ﷺ من قبل جداته، فإن أم [٤ ب/ ١] عبد يزيد هي الشفاء بنت هاشم بن عبد مناف وأم السائب بن عبيد الشفاء بنت أرقم بن نضلة بن هاشم بن عبد مناف، وأمها خليدة بنت أسد بن هاشم، وكان لجده الأعلى وهو المطلب فضيلة بتربية عبد المطلب، وبذلك سمي عبد المطلب، وكان بنو المطلب مع بني هاشم متناصرين، فإن بقية عبد مناف وهم بنو عبد شمس وبنو نوفل انفردوا عنهم وأدخل النبي ﷺ بني المطلب مع بني هاشم في سهم ذوي القربى دون غيرهم. وقال: "نحن وبنو المطلب هكذا -وشبك بين أصابعه -إنهم لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام". وكان السائب جد الشافعي ﵀ -قد أسر يوم بدر، وكان صاحب راية بني هاشم ففدى نفسه ثم أسلم. وكان ابنه شافع لقي رسول الله ﷺ وهو مترعرع رئيل مراهق، وإليه نسب الشافعي ﵀ -وكانت أم الشافعي أزدية. واعلم أنه ولد بغزة قرية من قرى الشام قريبة من بيت المقدس، فمكث فيها سنتين ثم حمل إلى مكة فنشأ بها وتعلم العلم، ثم دخل العراق سنة سبع وسبعين ومائة، وأقام بها سنتين، وصنف كتابه القديم وسماء "كتاب الحجة"، ثم عاد فأقام بها مدة، ثم دخل بغداد فأقام هناك أشهرًا، ولم يصنف شيئًا، ثم خرج إلى مصر فأقام بها إلى أن تغمده الله برحمته، وصنف الكتب الجديدة هناك، ودفن بمصر، وكان له ابنان، اسم كل [٥ أ/ ١] واحد منهما محمد، مات أحدهما بمصر سنة إحدى وثلاثين ومائتين، ومات الآخر بالجزيرة وولي القضاء بها وكان مسنًا، يروي عن سفيان بن عينية، وكان مولده سنة خمسين ومائة، ومات ليلة الجمعة بعد العشاء الآخرة، وقد صلى المغرب ودفن يوم الجمعة آخر يوم من رجب سنة أربع ومائتين. قال الربيع: انصرفنا من جنازة الشافعي، فرأينا هلال شعبان، وكان عمره أربعًا

стр. 7

وخمسين سنة، وقيل: مات يوم الجمعة قبل الصلاة، ودفن في ذلك اليوم بعد العصر، والأول أصح. فرواة كتبة القديمة أحمد بن حنبل، والحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني والحسين الكرابيسي، وأبو ثور إبراهيم بن خالد الكلبي. قال الزعفراني: ما ذهبت إلى الشافعي مجلسًا قط إلا وجدت أحمد بن حنبل فيه. ورواة كتبه الجديدة أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيي المزني توفي بمصر ودفن يوم الخميس سلخ ربيع الأول من سنة أربع وستين ومائتين. وأبو محمد الربيع بن سليمان المرادي صاحب الأم. وأبو يعقوب يوسف بن يحيى البويطي. وأبو حفص حرملة بن يحيى. ويونس بن عبد الأعلى. والربيع بن سليمان الجيزي. وعبد الله بن الزبير الحميدي المكي. ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكيم المصري، ثم أحتسب المزني أفقه تلامذة الشافعي وأزهدهم وأحفظهم لكتبه وعلمه، بأن اختصر من علمه كتابًا سماه: "الجامع الكبير"، ثم اختصر منه "الجامع المختصر"، الذي [٥ ب/ ١] يتداوله أصحاب الشافعي ويتدارسونه، ولم يترك شيئًا من أصول مسائل الفقه وفروعها إلا وقد أتى عليه بحسن الاختصار والنظم، وربما يأتي في خطين أو ثلاثة ما أتى به الشافعي في أوراق، ومكث في جمع هذا الكتاب نيفًا وعشرين سنة، وما اعترض فيه باعتراض ولا اختار قولًا على غيره إلا بعد ما صلى ركعتين واستخار الله تعالى فيه. وقال الإمام القفال ﵀: من ضبط هذا المختصر حق ضبطه وتدبره لم يشذ عليه شيء من أصول مذهب الشافعي في الفقه، وقال ابن سريج ﵀: هذا المختصر. لم يقيض، وأنشد فيه: يضيق فؤادي منذ عشرين حجة وصيقل ذهني والمفرج عن همي عزيز على مثلي إعارة مثله لما فيه من علم لطيف ومن نظم جميع لأصناف العلوم بأسرها ... فأخلق به أن لا يفارق فصل في وجوه اعتراضات المعترض على أول كلامه فإن قال قائل: لِمَ ترك المزني -رحمه الله تعالى - حمد الله تعالى والثناء عليه في أول هذا الكتاب؟! وقد قال النبي ﷺ : "كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه بحمد الله فهو أبتر" وروى: "أقطع"، فإن كان ذا بال كان من حقه أن يحمد الله تعالى، وإن لم يكن ذا بال فحقه أن يترك ولا يشتغل به؟ قلنا عنه أجوبة: أحدهما: أنه ندب إلى حمد الله تعالى في ابتدائه بلسانه دون كتبه ببنانه، والظن بالمزني أنه قال ذلك لأنه كان يصلي ركعتين عند تصنيف كل باب، وقد قال ﷺ : [٦ أ/ ١]

стр. 8

"لا تظنوا بالمؤمن إلا خيرًا". والدليل على صحة هذا أنا نجد هذا الكتاب يتداوله العلماء وقبلوه، ولم يصر أبترًا ولا أقطعًا، يدل على أن المزني كان قد امتثل أمره ﷺ . الثاني: أن المراد بحمد الله ذكرًا لله تعالى، وقد روي: "لم يبدأ فيه بذكر الله فهو أبتر". رواه الأوزاعي. وقد ذكرا لله بأحسن الذكر، وهو قوله: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فإنها أفضل آيات القرآن. الثالث: القصد بالتحميد ذكر الله تعالى، ويقوم بعض الذكر مقام البعض كما قال صلى الله وعليه وسلم: "يقول الله تعالى: ﴿من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين﴾. فكذلك هاهنا تقوم التسمية مقامه. الرابع: المزني اقتدى برسول الله ﷺ في ذلك، وذلك أنه اكتفي في كتبه إلى الملوك ودعوته إياهم إلى الإسلام بالتسمية، وكذلك كتب الصلح التي كتبها هو ومن بعده من الصحابة لأهل البلاد، ولا التحميد. الخامس: أنه وجد له في بعض النسخ خطبة قال فيها: الحمد لله الذي لا شريك له في ملكه، ولا مثل له، الذي هو كما وصف نفسه، فوق ما يصف خلقه، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، فحذف ذلك بعض الناقلين. والسادس: أراد بالخبر الخطبة؛ لأن أعرابيًا خطب فترك التحميد، فقال النبي [٦ ب/ ١] ﷺ هذا، والذي يدل على هذا أن أول ما أنزل من كتاب الله تعالى قوله: ﴿اقْرَا بِاَسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١]، وقيل: ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١]، وليس في ابتدائها حمد الله تعالى. والسابع: أن المزني ناقل ما هو مبتدي، ورواة الحديث لا يؤاخذون بأن لا يذكروا حمدًا وثناء كلما بدأو بالزاوية. فإن قيل: فإذًا هذا السلوك يلزم الشافعي؛ لأنه صنف كتبًا لم يبدأ فيها بحمد الله. قيل: كتبه كلها كتاب واحد، وهو كتاب الفقه، وقد حمد الله تعالى في أول هذا الكتاب بأحسن تحميد، فقال: الحمد لله الذي خلق السموات والأرض، وجعل الظلمات والنور، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون الحمد لله الذي مؤدى بشكر نعمة من نعمه إلا بنعمة منه توجب على مؤدي شكر ما مضى نعمة بأدائه نعمة حادثة يجب عليه شكره بها، ولا يبلغ الواصفون عنه عظمته الذي هو كما وصف نفسه، وفوق ما يصفه به خلقه، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، إلى أن قال: وصلى الله على محمد عدد ما ذكر الذاكرون، وسها عن ذكره الغافلون. ورؤى الشافعي ﵀ في المنام

стр. 9

فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي بالصلاة التي صليتها على النبي ﷺ في أول كتاب "الرسالة". وقيل: الخبر موقوف على أبي هريرة ورفعه قرة بن عبد الرحمن وهو ضعيف [٧ أ/ ١]. فإن قيل: لِمَ قال اختصرت قبل أن يختصر؟ ومن قال فعلت ولم يفعل فهو كاذب. قلنا: يحتمل أنه صنف الكتاب ثم كتب هذا الفصل وصدره بهذا. والثاني: أنه قد يرد اللفظ على صيغة الماضي ويراد به المستقبل، كقوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ﴾ [الأعراف: ٤٤]، وقوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١] وقوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ [الكهف: ٩٩] ونحو ذلك، فمعنى قوله: (اختصرت) أي سأختصر. والثالث: يجوز أن يعبر به عن شروعه فيه كما يكتب الرجل في صدر كتابه كتبت، أي: افتتحت الكتاب، أو لعزمه على ذلك، ويجري ذلك مجرى العلم بوجوده، كقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠]. وقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف:٣٦]، ولكونه خبرًا عند وجود ما يختصره بلا خبرًا في حال الكتابة. فإن قيل: لم تمدح بالاختصار والأحسن بسط الكلام وشرحه، والاختصار مذموم؟ قيل: الاختصار محمود عادة وشرعًا، قال النبي ﷺ : "أوتيت جوامع الكلم واختصر العلم اختصارًا" وقد أعجز الله تعالى العرب بقوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]، فإن أقل لفظًا وأجمع معنى من قولهم: القتل أنفي للقتل. وقال في صفة الجنة: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ﴾ [الزخرف: ٧١] ويجوز ذلك. وقال علي بن أبي طالب، والحسن بن علي ﵄"خير الكلام ما قل ودلّ [٧ ب/ ١]، ولم يطل فيمل"، ويروى هذا مرفوعًا إلى النبي ﷺ وفيه نظر. وأما العادة فهي أن الكلام إذا طال مل الطالبون والسامعون، وإذا قل كثرة الرغبة وتاقت إليه النفوس. فإن قيل: لم شرط الاختصار ثم الحال في مواضع؟ قلنا: شرط اختصار كلام الشافعي، وإنما الحال كلام نفسه، ثم الحكم للأغلب، والأغلب منه مختصر، ولأن للإطالة موضعًا تحمد فيه، ولذلك لم يكن جميع كتاب الله مختصرًا. وقد قال الخليل بن أحمد: نختصر الكتاب ليحفظ، ونبسطه ليفهم. وأما معنى الاختصار فهو إيجاز اللفظ من غير إخلال بالمعنى، واشتقاقه من الجمع، ولهذا سمى المخصرة لاجتماع المتكئ عليها والحاضر لاجتماع البدن عليها، فكأنه يجمع معنى الكثير في القليل من اللفظ. وقيل: الاختصار هو ما دل قليلة على كثيرة

стр. 10

وقيل: هو رد الكثير إلى القليل، وفي القليل معنى الكثير. وقال المزني: هو إيجاز اللفظ مع إبقاء المعنى. وقيل: هو إيجاز من غير إخلال معنى بالمعنى. وقيل: هو تقليل المباني مع تكثير المعاني. وقيل: هو جمع المعنى الكثير تحت اللفظ القصير. وقيل: هو حذف الفضول مع استبقاء الأصول والأول أولى. فإن [٨ أ/ ١] قيل: لما قال هذا وهي كلمة يشار بها إلى حاضر، وهو لم يصنف الكتاب بعد؟ قيل: جوابه ما سبق، وأيضًا يجوز أن يشار إلى حاضر العين كما قال تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ لا يَنطِقُونَ: ٣٥﴾ [المرسلات: ٣٥]، وقوله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾ [الصافات: ٢١] الآية. فإن قيل: لِمَ قال: من علم الشافعي وعلم الرجل صفته، ولا يمكن اختصار الصفة كالسمع والبصر وغيره، هذا لو كان الشافعي حيًا فكيف بعد موته؟. قيل: أراد بالعلم المعلوم ومعلومه مسائله والاختصار فيها ممكن، ويجوز أن يسمى المعلوم علمًا، كما يقال: هذا الدرهم ضرب للأمير، أي مضروبة ويقال: هذا قدرة الله، أي مقدوره، وهذا قول الرسول ﷺ ويراد به مقوله: ويقال في الدعاء: اللهم اغفر علمك، أي معلومك والثاني: أنه أراد به من كتبه ومنصوصاته، ويجوز أن يعبر عن الكتاب بالعلم، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨] أي من كتاب. وقال ابن عباس، ﵁: من يشتري لي علمًا بدرهمين. فإن قيل: لم قال: ومن معنى قوله، والاختصار من المعنى لا يمكن إذ يصير الكلام به غير معقول، وإنما يمكن من الاختصار بالألفاظ مع توفير المعنى؟ قيل: أراد اختصرت من معاني، فقوله: واختصرت من عدة معاني على ذكر معنى واحد، ويجوز أن يراد بالمعنى المعاني، كما قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ إنَّ الإنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ١ - ٢]، أي الناس بدليل أنه قال: ﴿إلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [العصر: ٣]. والثاني: أراد اقتصرت [٨ ب/ ١] على ذكر معنى تعم مسائل كثيرة، وهذا اختصار المعنى في الحقيقة. والثالث: أنه أراد بالمعنى الدليل كما يقال: ما معناك في هذا وما دليلك عليه؟ وهذا قريب من الأول. والرابع: معناه على معنى قوله، أي خرجت المسائل في كتاب الحوالة والضمان وغيرهما على قياس مذهبه فيما لم أجد فيه نصًا، ويوضع من مكان عالي، قال الله تعالى: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا﴾ [الأنبياء: ٧٧]، أي على القوم الذين كذبوا. وقيل: أراد من قوله: ربما هو في معناه، وسماه معنى قوله لأنه مثله في المعنى. فإن قيل: لم قال: لأقربه على من أراده، وإنما يقال قربته منه وإليه، ومن أراد تقريب شيء إلى فهم يقول: قربت عليه، كما يقال سهلت عليه. ويقال

стр. 11

لمن أراد سفرًا: قرب الله عليك الخطا، أي: سهل، ومعناه غرض في هذا الاختصار للتسهيل على ما أراد هذا الكتاب، ويعبر عن التسهيل بالتقريب؛ لأن كل قريب سهل، ولك بعيد صعب. فإن قيل: قد قال مع إعلامية نهيه عن تقلده وهو كلام يحمل معنيين. أحدهما: مع إعلامي يريد الكتاب نهي الشافعي عن أن يقلدوا ويقلد غيره، فتكون التاء كناية عن اسم المزني، والهاء الأولى راجع إلى مريد الكتاب، والهاء الثانية راجع إلى الشافعي، ولم يبين المزني مراده، فكيف يدعي التقريب والتسهيل قلنا: إذا احتمل الكلام معنيين صحيحين لا يلزم البيان، بل يجوز تركه بحاله [٩ أ/ ١] لتكثير الفائدة، كما في ألفاظ القرآن، وكلا المعنيين صحيح هاهنا، وهو منه بسط لعذره في اعتراضات، اعترض بها على الشافعي في تضاعيف هذا الكتاب، فكأنه يقول: إن كنت اعترضت على الشافعي في تصانيف هذا الكتاب ورددت عليه شيئًا، فليس ذلك مني خلافًا له، بل هو الذي أمرني به، والمعنى الأول أصح. فإن قيل: لم قال: لينظر فيه لدينه ويحتاط لنفسه، والأولى والاحتياط في التقليد ليسلم المقلد عن مخاطرة الخطأ والصواب فيه؟ قيل: الأولى والاحتياط في الاجتهاد؛ لأن المجتهد يقدم على الأمر على علم، والمقلد يقدم عليه على جهل، قيل: هذا بيان للعلة في النهي عن التقليد، يعني إنما نهى عن التقليد ليستقصى طالب العلم في تعرف وجوه الأحكام ودلائلها، ثم ينظر فيها لدينه ويحتاط. وقوله: (وبالله التوفيق): بيان أن الأمور كلها تجري بمشيئة الله تعالى وقضائه وقدره. وقيل: التوفيق ضد الخذلان، وهو تسهيل طريق الخير وسد طريق الشر، يعن بعون الله بتيسير ما فصلت، ويتم ما نويت. وقيل: هو درك الأسباب مع موافقة الصواب. وقيل: هو الرجوع في الخبر من غير استعداد له. وقيل: توفيق المتعلم أربعة: ذكار القريحة، استواء الطبيعة، وشدة العناية، ومعلم ذو نصيحة. فصل التقليد: قبول قول الغير بلا حجة، واشتقاقه من التلاوة كأنك قلدته عهدة ذلك القول من صواب وخطأ [٩ ب/ ١] كالعلاقة في عنقه. والعلوم ضربان. أحدهما: ما لا يسوغ فيه التقليد، وهو الأحكام العقلية، من معرفة الله وتوحيده وتصديق رسله، ويلزم فيه الرجوع إلى الدليل، وقد ذم الله تعالى من قلد في ذلك، فقال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٠]، فبين أن من يجوز عليه الخطأ والضلال لا يجوز تقليده. وقال أيضًا حكاية عن الكفار: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢] ونحو ذلك. وكان طريق معرفة العقل والناس كلهم في العقل سواء، فلا

стр. 12

يجوز لأحد منهم تقليد غيره كالبصراء في القبلة، ولهذا خاطب الله تعالى جميع المكلفين وقال ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١]. وقال عبيد الله بن الحسن العنبري: يجوز فيه التقليد، ونسب هذا إلى أحمد بن حنبل، ولا يصح عنه عندي. وعلى هذا من العلوم ما أنفع فيه التقليد أصلًا، وهو ما ثبت في شرعنا بأخبار التواتر، كالصلاة والصيام والزكاة والحج، لأنه وقع العلم بها ضرورة بتواتر الأخبار. العلم الثاني: ما يسوغ فيه التقليد، وهو من أحكام الدين من الحلال والحرام، وقدر الزكاة، وأحكام الصلاة والصيام ونحو ذلك. والناس فيه ضربان: عالم، وعامي. فالعامي يجوز له تقليد العالم في كل هذا. وقال بعض المتكلمين: لا يجوز حتى يعرف علة الحكم، وهذا غلط؛ لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] ولأنا لو ألزمناه ذلك لشق [١٠ أ/ ١] واحتاج إلى الانقطاع عن المعيشة بتعلم ذلك، وهذا لا يجوز فأما العالم: فلا يخلو من أحد أمرين؛ إما أن يكون الوقت واسعًا أو ضيقًا فإن كان واسعًا لا يجوز التقليد بل عليه الاجتهاد. وقال مالك، وأحمد، وإسحاق: يجوز له التقليد. وقال محمد: يُقلد من هو أعلم منه ولا يقلد من هو مثله. وقال أبو حنيفة: يجوز قضاء العامي، ويجوز له أن يقلد غيره عند الحكم، ولذلك لو كان عالمًا ولكنه يتكاسل عن الاجتهاد والنظر، يقلد ويحكم، وهذا غلط؛ لأن معه آلة يتوصل بها إلى حكم الحادثة، فلا يجوز له التقليد كما في العقليات. والدليل على بطلان قول محمد خاصة، أن من لا يقلد من هو مثله لم يقلد من هو فوقه، كما في القبلة، وهذا لأنه يجوز أن يخطئ من يعتقد أنه أعلم في الدليل وهو يصيب ذلك. وإن كان الوقت ضيقًا فعامة أصحابنا على أنه لا يجوز له التقليد أيضًا، وهو ظاهر قول الشافعي فيؤدي تلك العبادة في الحال كلما أمكن، ثم يجتهد ويعيد. وقال ابن سريج: إذا نزلت نازلة وضاق زمنها وخقت فوت الواجب، عليَّ فيها أن أقلد من هو في مثل حالي، وهذا غلط، لأن الاجتهاد شرط في صحة هذه العبادة، كالطهارة شرط في صحة الصلاة، ولا يختلف ذلك بخوف فوتها وعدم الخوف كذلك هذا. فإن قيل: أليس قلد الشافعي زيد بن حارئة ﵄ في الفرائض [١٠ أب ١]، وقلد عثمان بن عفان ﵁ في بيع الحيوان بشرط البراءة وقال: تقليدًا لعثمان بن عفان ﵁ وقلد في قبول خبر الواحد؟ قلنا: وافق رأيه رأي زيد في الفرائض وما قلده، واستأنس بقول عثمان ﵁ في مسالة بيع الحيوان بشرط البراءة؛ لأنه ذكر الدليل، يقال: والحيوان يفارق ما سواه لأنه يفتدى بالصحة والسقم، وقلما يبرأ من عيب يخفي أو يظهر. ومن أصحابنا من قال: قام الدليل على وجوب قبول قول الصحابي فلا يسمى تقليدًا كقول الرسول ﷺ : إذا قبلناه لا يسمى تقليدًا؛ لأنه لا يتوهم الشرفيه. وقيل: يسمى تقليدًا، ولكنه تقليد جائز بل واجب، لكونه معصومًا وأما خبر الواحد: فيجوز تقليد المخبر به إذا كان ظاهر الصدق؛ لأنه لا

стр. 13

يقع التسليم لقوله ذلك، فعد الاجتهاد في عدالته، فصار قوله مقبولًا، وهذا اختيار ابن أبي هريرة، وهذا لا يصح؛ لأن عدالة المخبر لا تدل على صحة الخبر، كما لا يكون عدالة العالم دليلًا على صحة فتياه، وإنما الدليل ما اختص بالقول المقول لا ما اختص بالقائل من عدالة وصدق. فإذا تقرر هذا، نعني بالعالم هو الذي لا يجوز له التقليد من بلغ رتبة الاجتهاد، وهو من عرف الكتاب والسنة وأقاويل الصحابة وآثار السلف وإجماع الأمة [١١ أ/ ١] واختلافهم والعربية والاستنباط بالقياس، ونعني به أن يعرف من كل واحد من هذه العلوم معظمه، لا أن يأتي على جميعه؛ لأنه لا يمكن، ومن لم يبلغ هذه الرتبة لا يحل له أن يفتي، بل يحكي الحكاية فيقول: قال فلان كذا، أو يعرف فإنه يفتي على مذهب فلان، فحينئذ يجوز أن يطلق الجواب إطلاقًا. وقيل: من يجوز تقليده أربعة أصناف؛ النبي ﷺ ، لأن ما أمر به أو نهى عنه لا يسأل عن دليله، وهذه صفة الدليل، ويجب تقليده فيما أمر لقوله تعالى: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وهذا أصح من قول من قال: لا يسمى تقليدًا لقياس الدليل على صدقه. الثاني: المخبرون عن الرسول ﷺ على ما ذكرنا من تقليد أخبار الواحد. الثالث: المجمعون على حكم، فتقليدهم فيما أجمعوا يجب. الرابع: الصحابة، فتقليدهم يختلف على حسب اختلافهم فيما قالوه على ما سنذكر إن شاء الله. فرع اختلف أصحابنا في أن النبي ﷺ هل يأمر باجتهاد أم لا؟ على وجهين أحدها: يجوز له ذلك، لأن للاجتهاد فضيلة تقتضي الثواب، فجاز له ﷺ . والثاني: لا يجوز له لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤]. فرع أخر اختلف أصحابنا في أن لأهل الاجتهاد في عصر رسول الله ﷺ أن يجتهد، أو يلزمه [١١ ب/ ١] سؤاله على ثلاثة أوجه: أحدها: يجوز لقول معاذ ﵁: "أجتهد رأيي"، فلم ينكر عليه رسول الله ﷺ . والثاني: لا يجوز؛ لأن النص ممكن في عصره بسؤاله. والثالث: يجوز لمن بعد منه دون من قرب للتعذر على البعيد الرجوع إلى النص، ولا يتعذر ذلك على القريب. فرع آخر لو علم العامة حكم الحادثة ودليلها، وأراد أن يفتى به لغير ما فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يجوز لأنه وصل إلى العلم به بمثل وصول العالم إليه. والثاني: لا يجوز وهو الأصح؛ لأنه قد يكون هناك دلالة تعارضها هي أقوى منها.

стр. 14

والثالث: إن كان الدليل نصًا من كتاب أو سنة جاز، وإن كان نظرًا أو استنباطًا لم يجز. فرع آخر لا يجوز العمل بخر الواحد إلا بعد ثبوت عدالته، وقال أبو حنيفة إذا علم إسلامه جاز العمل بخبره وقبول شهادته من غير سؤال عن عدالته، وهذا غلط؛ لأنه كما لا يجوز خبر من جهل إسلامه لا يجوز خبر من جهل عدالته. فرع آخر لا يجوز للمخبر أن يروي إلا عن أحد أمرين؛ إما أن يسمع لفظ من أخبره، وإما أن يقرأه عليه فيتعرف به، فأما بالإجازة فلا يجوز أن يروي عنه، ومن أصحاب الحديث من أجاز الرواية بالإجازة، ومنهم من قال: إن كان الإجازة بشيء معين، وإن كانت عامة لا يجوز. وقيل: إن دفع المحدث الكتاب من يده، وقال: أجزت لك هذا، جاز أن يرويه وإلا فلا [١٢ أ/ ١] يجوز، وكل هذا عند الفقهاء غلط؛ لأن ما في الكتاب مجهول، ويكون فيه الصحيح الفاسد، ولو صحت الإجازة لبطلت الرحلة، ولا ستغني الناس عن معاناة السماع. فرع آخر إذا سمع على ما ذكرنا من الوجهين وكتبه جاز أن يرويه إذا كان قد وثق به وعرف خطه، إن لم يكن حافظًا لما يرويه ولا ذاكرًا له. وقال أبو حنيفة: لا يجوز أن يروي عن خطه وإن عرفه، إلا أن يذكره ويحفظه، كما لا يجوز أن يشهد بمعرفة خطه حتى يذكر ما شهد به، وهذا غلط؛ لأن المسلمين عملوا بكتاب رسول الله ﷺ ، منها كتابه إلى عمرو بن حزم، ومنها الصحفية التي أخذها أبو بكر الصديق من قراب سيف رسول الله ﷺ في نصب الزكوات. وروى أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: "قيدوا العلم بالكتاب". فلولا أن الرجوع إليه عند النسيان جائز لم يكن لتقيده بالخط فائدة، ولأنه لما جاز أن يروي عن سماع صوت المحدث وإن لم يره لزخمة أو ذهاب بصره بخلاف الشهادة، جاز أن يروي من خطه الموثوق به بخلاف الشهادة. فرع آخر إذا أراد العامي أن يقلد العالم هل عليه الاجتهاد في أعيان أهل العلم؟ قال ابن سريج: عليه ذلك؛ لأنه لا يشق فيطلب الأعلم والأوثق بقول الثقات والسؤال، فإن استويا قلد الاثنين؛ لأنه أقرب إلى الإصابة [١٢ ب/ ١] لطول الممارسة. وقال غيره من أصحابنا وهو الأصح: لا يلزمه ذلك، ويقلد من شاء من العلماء المشهورين بالعلم،

стр. 15

كما لا يلزمه الاجتهاد في طلب الدليل، ولأن كل واحد منهم هو من أهل الاجتهاد، فكان له إتباعه ولا يلزمه الأخذ بالأحوط، كما لا يلزمه الأخذ بما أجمعوا عليه، مثل أن يمتنع من بيع المكيل متفاضلًا. وقد قال الشافعي في الأعمى، كل من دله من المسلمين على القبلة ويتبعه إتباعه ولم يأمر بالاجتهاد وفي الأوثق، ولأن في خبر العسيف قال والد الزاني: فسألت رجلًا من أهل العلم وهناك رسول الله ﷺ هو أعلم الكل ولم ينكر عليه. فرع آخر استفتى عالمين فأفتياه بجواب متفق عمل عليه بلا إشكال، فإن أفتياه بجوابين مختلفين، فعلى قول ابن سريع يجتهد في الأوثق والأدين، وعلى قول غيره من أصحابنا فيه أوجه: أحدها: يعمل بقول من شاء منهما وهو الأصح؛ لأنه يجوز قبول قول كل واحد منهما على الانفراد. والثاني: يأخذ بأغلظ القولين احتياطًا، وهذا غلط؛ لقوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: ٦]. والثالث: يأخذ بالاثنين والأخف؛ لقوله ﷺ : "بعثت بالحنفية السمحة السهلة" وهذا أيضًا غلط؛ لأن هذا صفة لجهة الشريعة؛ لأن في أحكامها ما يشق على المحكوم عليه مثل ما يحتسبه المحرم، والغسل في شدة البرد، ومثل ذلك. [١٣ أ/ ١] والرابع: أن يتبع آمنهم عنده، فإن استويا قلد أيهما شاء، لأن الشافعي قال في القبلة: إن اختلفوا على الأعمى تبع آمنهم وأبصرهم ويفارق قبل السؤال حيث لا يلزمه الاجتهاد، بخلاف ما قاله ابن سريج، لأن في الاجتهاد في أعيانهم مشقة، وليس في الرجوع إلى الأوثق في نفسه مشقة بعد السؤال، ومن قال بالأول أجاب عن هذا، وقال: هذا يفارق استقبال القبلة؛ لأنه قد يكون له في إتباع أحدهما هاهنا غرض، ولا غرض في استقبال القبلة، ولا شك في القبلة في إتباع الأوثق. والخامس: أنه يأخذ بقول الأول لأنه لزمه حين سأله، وهذا أيضًا ضعيف. فرع آخر إذا قلد مرة في حادثة ثم نزلت مرة أخرى، فإن تيقن أنه أفتاه عن نص لا يحتمل التأويل لا يلزمه السؤال ثانيًا بلا إشكال، وإن لم يعلم هذا ففيه وجهان: أحدها: يلزمه السؤال لجواز تغير اجتهاده وهو الأصح، واختاره القفال. والثاني: لا يلزمه لأنه عرف حكم الحادثة، والظاهر بقاء رأي المفتى عليه، وهو كالوجهين فيمن صلى الظهر إلى جهة باجتهاده ثم حضرته العصر، هل يعمل على

стр. 16

اجتهاده الأول؟ وجهان. وهذا عندي إذا مضت مدة من الفتوى الأولى يجوز تغير الاجتهاد فيها غالبًا، فإن كان الوقت قريبًا لا يلزمه الاستفتاء ثانيًا. فرع آخر إذا أراد العامي أن يقلد مفتيًا كالشافعي وأبي حنيفة ومالك، ففيه وجهان. أحدهما: لا يجوز؛ لأنه [١٣ أ/ ١] الآن ليس هو من أهل الاجتهاد، كمن تجدد فسقه بعد عدالته لا يبقى حكم عدالته وهو القياس. والثاني: يجوز وهو اختيار كثير من أصحابنا؛ لأن الموثق لا يؤثر فيما قبله من شروط الاجتهاد، فلا يؤثر فيه، كما لو شهد بشهادة ثم مات، فإنه يحكم بشهادته. فرع آخر لو لم يعرف المستفتي لغة المفتي أجزأه ترجمان واحد، لأنه خبر، ولو بعث بمسألته رسولًا إلى فقيه فأفتاه مطلقًا، فنقل الرسول إليه الجواب وهو عدل، جاز له قبوله كما يجوزن فنزل خبر الرسول ﷺ من واحد، ولو بعث رفعه إليه فأجابه بالخط جاز له أن يعمل عليه أيضًا. فرع آخر لو استفتى العامي فقيهًا فلم تسكن نفسه إلى فتياه ففيه وجهان: أحدها: أنه يلزمه أن يسأل ثانيًا وثالثًا حتى يصير عددًا تسكن نفسه إلى فتياهم. والثاني: لا يلزمه، ويجوز له الاقتصار على قبوله؛ لأنه ليس نفور نفسه شبهة ولا سكونها حجة. فصل في الإجماع إذا قال علماء الصحابة قولًا فهو حجة مقطوع بها، وهكذا لو قال واحد مهم قولًا وانتشر في الباقين فصوبوه، ومن خالفه يكون كمن خالف نص الكتاب والسنة. وقال النظام والإمامية: لا تكون حجة ويجوز مخالفتهم، وهذا غلط لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ [النساء: ١١٥] الآية، فأوعد على ترك [١٤ أ/ ١] إتباع سبيل المؤمنين كما أوعد على مشاققة الرسول، فدل على أن إتباعهم واجب. وروي عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا تجتمع أمتي على الضلالة". وقال أيضًا ﷺ : "أنتم شهداء الله في الأرض، فما رأيتموه حسنًا فهو عند الله حسن". وهكذا إجماع سائر العلماء: في سائر الأعصار حجة لا تحل مخالفتهم، وإنما يعتبر إجماع من هو من أهل الحل والعقد لا من سمى عالمًا. وذكر بعض أصحابنا بخراسان أنه يعتبر إجماع معظمهم لا كلهم؛ ولأنه يشق وهذا لا يصح؛ لأن

стр. 17

عندنا خلاف الواحد يعد مخالفًان فربما يخالف ذلك الواحد ولا يشق ذلك؛ لأن الإمام يكتب إلى الأقطار وينقل من قولهم فيه. وقال داود: إجماع غير الصحابة لا يكون حجة، وهذا غلط؛ لأنه اتفاق أهل العصر من العلماء على حكم الحادثة، فكان حجة كإجماع الصحابة. فإذا تقرر هذا فلا ينعقد الإجماع إلا عن أصل من كتاب أو سنة، ولو انعقد عن قياس هل يكون حجة مقطوعة؟ قال عامة أصحابنا، وهو المذهب: أنه حجة مقطوعة. وقال داود، وابن جرير الطبري من أصحابنا: لا تكون حجة، وهذا غلط؛ لأن القياس دليل من دلائل الله تعالى منعقد عنه الإجماع، كالكتاب والسنة والإجماع المنعقد عن السنة مثل ما روي أن امرأة أتت عمر بن الخطاب ﵁ -تطلب ميراثها من دية زوجها فاستشار أصحابه، فقام حمل بن مالك من التابعة، وقال: أشهد أن رسول الله [١٤ ب/ ١] ﷺ ورث امرأة أشيم الضبائي في دية زوجها، فأجمعوا على ذلك، والإجماع المنعقد عن القياس مثل قول الصحابة في إمامة أبي بكر الصديق ﵁ -رضيه رسول الله ﷺ لديننا فنحن نرضاه لدنيانا، يعني الإمامة في الصلاة حين قدمه للصلاة. ثم أعلم أن الإجماع ضربان: أحدهما: ما علم من دين الرسول ﷺ ضرورة، كوجوب الصلاة والصيام وتحريم الربا ونحو ذلك، فيجب الانقياد له من غير اعتبار الإجماع فيه. والثاني: ما لا يعلم ضرورة، وذلك على ضربين: أحدها: ما استدل الخاصة والعامة في معرفة حكمه، كأعداد الركعات، ومواقيت الصلوات، وستر العورة، وتحريم بنت البنت، فهذا يعتبر فيه إجماع العلماء، وهل يعتبر إجماع العامة معهم فيه، ولولا وفائهم عليه ما بثت إجماعًا؟ فيه وجهان: أحدها: يعتبر، ولولاه ما ثبت إجماعهم لاشتراكهم والعلماء في العلم به. والثاني وهو صحيح: لا يعتبر، لأن الإجماع إنما يصح إذا وقع عن نظر واجتهاد، والعامة ليسوا من أهل الاجتهاد، فلم يكونوا من أهل الإجماع، وأيضًا خلافهم لا يؤثر فلا يعتبر إجماعهم. والضرب الثاني بما اختص العلماء بمعرفة حكمه دون العامة، كنصب الزكوات، وتحريم نكاح المرأة على عمتها وعلى خالتها، فيعتبر فيه إجماع العلماء من أهل الاجتهاد ومن العامة، وهل يراعى فيه إجماع غير الفقهاء من المتكلمين؟ وجهان [١٥ أ/ ١] أحدها: يراعى ويؤثر؛ لأن الفقهاء هم أقوم بمعرفة الأحكام وأكثر حفظًا للفروع، وأكثر ارتباطًا بالفقه. فرع لا يشترط انقراض العصر فيما ذكرنا من الإجماع، بل القصد الإجماع في الحال، فإن رجع أحدهم عنه لا يقبل رجوعه، بل يكون قوله الأول مع قول الآخرين حجة

стр. 18

عليه، كما هو حجة على غيره. ومن أصحابنا من قال: يشترط فيه انقراض العصر، وهذا غلط؛ لأن من كان قوله حجة لم يشترط موته في صحته، كالرسول ﷺ . فرع آخر إذا قال واحد من الصحابة قولًا وانتشر في الباقين، وهم من بني قائل به وساكت عن الخلاف فيه، فذلك ضربان: أحدها: أن يظهر الرضا من الساكت كما ظهر النطق من القائل، فهذا إجماع لا يجوز خلافه. والثاني: أن لا يظهر من الساكت الرضا ولا الكراهة، فهو حجة مقطوع بها، وهل يكون إجماعًا؟ فيه قولان وقيل وجهان: أحدهما: يكون إجماعًا، وهو قول الأكثرين؛ لأنهم لا يغضون عن المنكر، ولا يسكتون عليه، ولو كان فيهم مخالف لتبعته الدواعي على إظهار خلافه؛ لأنه لا يجوز كتم الشريعة. الثاني: لا يكون إجماعًا؛ لأن الشافعي ﵁ قال: "لا ننسب إلى ساكت قول". وهذا اختلاف في الأعم؛ لأنه لا خلاف أنه حجة يجب إتباعه ويحرم مخالفته قطعًا. وقال داود وجماعة من المتكلمين: [١٥ ب/ ١] لا يكون حجة، وهذا غلط؛ لأنه يؤدي إلى خلو العصر عن معرفة الحق في الحادثة بخطأ المتكلم وسكوت غيره، وهذا محال. فرع آخر يشترط في هذا الذي ذكرنا انقراض العصر عليه حتى يحكم بموته حجة قطعًا أو إجماعًا ما فإنه إن رجع أحدهم يصح رجوعه ويعد خلافه خلافًا. ومن أصحابنا من قال: لا يشترط فيه انقراض العصر كما في الإجماع السابق، وهذا لا يصح؛ لأنه لا يجوز أن يكون في التفكير والتروي، ويؤدي اجتهادهم إلى الخلاف، فإذا انقرضوا ولم يخالفوا انقطع هذا الوهم، وإن ظهر هذا القول من الإمام أو الحاكم، لا يفتات عليه ولا يجوز الاعتراض عليه، والأدب في السكوت عنهن وتفارق الفتيات؛ لأن إظهار الخلاف فيه ليس بافتيات، وهذا هو اختيار ابن أبي هريرة. وقال الأكثرون من أصحابنا بالعراق: لا فرق بين الإمام وغيره في ذلك، وقد نقل عنهم إظهار الخلاف على الإمام، فخالفوا أبا بكر ﵁ في الخبر، وعمر بن الخطاب ﵁ في المشركة وغير ذلك. وأظهر ابن عباس ﵄ الخلاف في القول بعد موت عمر، مع أنا اعتبرنا في هذا انقراض العصر، ومحاباة الإمام أو الحاكم يختص بمجلس حكمه دون غيره، وهذا أصح عندي، فعلى هذا القول يصير بمنزلة قوله وحده، هل يترك به القياس؟ قولان: قال أبو إسحاق بعكس هذا، فقال: إن كان قياس لم يكن إجماعًا، وإن كان حكمًا كان انتشاره [١٦ أ/ ١] منهم وسكوتهم عن الخلاف فيه دليل الإجماع أن الحكم لا يكون إلا من مشورة قطعًا ومطالعة، وبعد نظر ومباحثة.

стр. 19

فرع آخر إذا قال واحد من الصحابة قولًا لم ينشر في الباقين، أو انتشر في نفر منهم دون الكل، ولم ينقل عن أحد منهم خلافه لا يكون إجماعًا، وهل يكون حجة؟ فيه قولان: أحدهما: قاله في "القديم"، وهو قول مالك، وأبي حنيفة: أنه يكون حجة؛ لقوله ﷺ : "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم". والثاني: قاله في "الجديد": لا يكون حجة؛ لأنه يجوز عليه الخطأ في اجتهاده كالتابعي إذا قال قولًا ولم ينتشر في التابعين لا يكون حجة بالإجماع. وروي عن رسول الله ﷺ أنه قال: "ما جاء عن الله فهو الحق، وما جاء عني فهو السنة، وما جاء عن أصحابي فهو سعة" ولأن القياس حجة شرعية فيترك به قول الصحابة كالسنة. ومن أصحابنا من قال القولان: إذا لم يكن معه قياس أصلًا. فأما إذا كان مع قوله قياس ضعيف فقوله مقدم على القياس القوي، وهذا اختيار القفال وجماعة، وهو ضعيف عندي؛ لأنه لا يجب الرجوع إلى قول الصحابي بانفراده، ويجب الرجوع إلى القياس القوي والضعيف من التباس ساقط إذا خالفه القوي، فلا ينبغي إذا اجتمع ضعيفان أن يتناويا القوي، وهذا كالخبرين الضعيفين لا يعارضان خبر الواحد القوي. وحكي عن [١٦ ب/ ١] أبي الحسن الكرخي أنه قال: يكون حجة جارية مجرى القول المنتشر، وهو خطأ ظاهر. فإذا قلنا بقوله الجديد كان قوله كقول أحد الفقهاء، مثل الشافعي، وأبي حنيفة، ومالك فيجوز للشافعي مخالفته، ويترك له القياس، وهل يخص بقوله العموم؟ فيه وجهان: أحدهما: يخص لأنه إذا خص بالقياس فلأن يخص بقوله أولى. والثاني: لا يجوز، لأنه يترك قول نفسه بالعموم فلا يخص به العموم. وقال القفال: هل يخص به العموم؟ قولان بناء على القولين الأولين، والذي تقدم هو الأصح. فرع آخر إذا اختلفت الصحابة على قولين، فإن لم يكن فيهم إمام ينظر، فإن كانوا في العدد سواء فهما سواء، وإن اختلف العدد فهل يرجح العدد؟ فعلى قول الجديد لا يرجح ويعود إلى ما يوجبه الدليل ويقتضيه الاجتهاد. وعلى قوله القديم يرجح به كما في الأخبار يرجح بكثرة الرواة، وإن كان فيهم إمام. فإن كانوا في العدد سواء فالتي فيها الإمام هل تكون أولى؟ قولان: أحدها: يكون

стр. 20

أولى قاله في القديم. وقال في "الجديد": لا يكون أولى فإن اختلف العدد وكان الإمام مع الأقل فعلى كلا القولين هما سواء. فرع آخر لو اتفقت الفرقتان في العدد، وفي إحداهما أبو بكر وعمر ﵄ -وفي الآخرى عثمان وعلي ﵄، فعلى قوله القديم فيه وجهان: أحدهما: يرجح قول أبي بكر وعمر على غيرهما لقوله ﷺ : "اقتدوا باللذين [١٧ أ/ ١] من بعدي أبي بكر وعمر". والثاني: سواء لاستواء العدد وعدة الأئمة، وقد قال ﷺ : "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم". وذكر الشافعي في "القديم" أنه يقدم أبي بكر، وعمر، وعثمان ولم يذكر عليًا ﵁ -فمن أصحابنا من قال فيما ذكر تنبيه عليّ وهو الصحيح. ومنهم من قال: يرجح قول الثلاثة لأنهم كانوا في دار الهجرة والصحابة متوافرون عندهم فينشر القول بينهم، وعلي ﵁ انتقل إلى الكوفة وتفرق عنه كثير من الصحابة وهذا ليس بشيء. فرع آخر من عاصر الصحابة من التابعين وهو مجتهد يعتبر وفاته في صحة الإجماع ومن أصحابنا من قال: لا يعتبر، وهذا غلط؛ لأنه من أهل الاجتهاد وعند الحادثة، فيعتبر وفاته فيه كالواحد من الصحابة، ومن عاصر الصحابة وهو حبس عند إجماعهم، ويعقل عقل مثله، إلا أنه لم يبلغ رتبة الاجتهاد، ثم بلغ رتبة الاجتهاد فخالفهم هل يعد خلافه خلافًا للمذهب أنه لا يعد، لأن من لم يكن من أهل الاجتهادة فهو كالمعدوم والعامي. وقال القفال: فيه وجهان: أحدهما هذا. والثاني يعد خلافًا، لأن ابن عباس ﵁ -خالف الصحابة في القول، ويوم جرت مسألة القول كان قد بلغ رتبة الاجتهاد، فإنه قيل له: هلا قلت ذلك في زمان عمر؟ فقال: كان رجلًا مهيبًا فهبته. فرع آخر إذا اختلفت [١٧ ب/ ١] الصحابة على قولين، ثم أجمع التابعون على أحدهما هل يصير إجماعًا وقد يقع حكم الخلاف السابق؟ وجهان. قال أكثر أصحابنا وهو الصحيح: أنه لا يصير إجماعًا؛ لأن الموت لا يبطل القول، والتابعين لو كانوا موجودين في عصر الصحابة، وكانوا أحد القولين لم يضر الآخرين شيئًا، كذلك إذا

стр. 21

ماتوا. وقال ابن خيران، والقفال الشاشي وأكثر أصحاب أبي حيفة: يصير إجماعًا لأنه إجماع علماء أهل عصر، فكان حجة كإجماع الصحابة. فرع آخر إذا أجمعت الصحابة على قولين لم يجز للتابعين إحداث قول ثالث وقال بعض المتكلمين: يجوز، وبه قال أصحاب أبي حنيفة، وهذا غلط، لأن اختلافهم على القولين إجماع على إبطال كل قول سواهما. فرع آخر إذا قال الصحابة قولًا يخالف القياس لا يُحمل على التوفيق بالشك، ولهذا لا يصير حجة على من هو في زمانه من الصحابة بخلاف ما لو رفع إلى رسول الله ﷺ . فصل في الإشارة إلى الأدلة المذكورة في كتاب المزني وجملة ما ذكر فيه من الأدلة الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، والاستدلال، واستصحاب الحال، والاجتماع يكون بلفظ الكتاب والسنة وفحواهما نصًا كان ظاهرًا أو عامًا، فالنص كقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] الآية. والعموم كقوله [١٨ أ/ ١] تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] والظاهر كقوله تعالى: ﴿وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آَتَاكُمْ﴾ [النور: ٣٣]، ظاهرة الوجوب. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَاكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]، ظاهره كتحريم. ولو عارض النص عموم أو ظاهر قدم النص، ولذلك إن عارضه فقياس، وإن عارضه مثله كان المتأخر ناسخًا للمتقدم، فإن لم يعلم المتأخر طلب بينهما الترجيح، فيقدم الأرجح، والعموم والظاهر إذا عارضهما القياس خُص العموم وصرف الظاهر إلى المحتمل عند أكثر أصحابنا. وأما الفحوى فهو التنبيه ودليل الخطابن فالتنبيه كقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] نبه على نهيه عن الضرب، ودليل الخطاب كقوله ﷺ : "في سائمة الغنم زكاة". فدل على انه لا زكاة في المعلوفة. وأما القياس فيشتمل على أصل، وفرع، وعلة، وحكم، وذلك مثل قولنا في الرمان، إنه مطعوم جنس، فلا يجوز بيع بعضه ببعض متفاضلًا كالبر، والعلة قولنا: معلوم جنس، وهي ذات وصفين، وقد يكون أوصافها أكثر من ذلك أو أقل، والأصل البر؛ لأنه ثبت حكمه بنص النبي ﷺ ، والفرع الرمان، وهو المحكوم فيه، والحكم تحريم البيع متفاضلًا، والاستدلال يكون بوجوه كثيرة، منها أن يتبين فساد قول المخالفين،

стр. 22

فيستدل بذلك على صحة قوله، أو يكون مذهبه أشبه من مذهب خصمه من إلحاق العبد بالبهيمة في أحكام؛ لأنه بها أشبه. واستصحاب الحال [١٨ ب/ ١] يكون بأن الأصل بدله الذمة، ويكون باستصحاب حال الإجماع في قول بعض أصحابنا، مثل أن يحتج بأن المتيمم إذا رأى الماء في صلاته لم يخرج منها، ولا تبطل صلاته؛ لأن الإجماع حاصل قبل رؤية الماء أنها صحيحة، فمن ادعى بطلانها يحتاج إلى دليل ومنهم من أبى ذلك وقال: الإجماع قد زال برؤية الماء، فلا يستدل ببقاء حكمه.

стр. 23

كتاب الطهارة فإن قيل: لم بدأ بهذا الكتاب دون سائر الكتب؟ قلنا: هذا السؤال محال؛ لأنه ما من كتاب يبدأ به إلا ويتوجه عليه هذا السؤال. ثم أنه إنما بدأ به لأنه تأمل أحكام الشرع فوجدها قسمين، عبادات ومعاملات، فقدم العبادات لوجوبها على العباد من غيرها، ثم رتب العبادات على ما رتبها عليه رسول الله ﷺ ، وهو ما روى ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "بني الإسلام على خمس؛ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلًا". فكان أول الشرائع ذكرًا في هذا الخبر بعد ذكر الشهادتين هو الصلاة، غير أن الصلاة تفتقر إلى الطهارة لا تصح إلا بها، كما قال ﷺ : "مفتاح الصلاة الطهور". فلهذا افتتح بها بالطهارة وعقبها بالصلاة وغيرها من العبادات كما في [١٩ أ/ ١] الخبر. فإن قيل: لم قال باب الطهارة ولم يأت فيه بأحكام الطهارة، وهي الوضوء والغسل؟ قيل: إنه بين فيه الماء الذي يتطهر به، والماء الذي لا يتطهر به وهو من حكم الطهارة أيضًا، أو نقول: مراده كتاب الطهارة أو أبوب الطهارة، ويجوز أن يعبر عن الكتاب بالباب، لأن الفقه كله كالكتاب الواحد، وكل نوع منه كتاب وباب منه، ولأن الشافعي ذكر في تصنيفه كتاب الطهارة ثم ذكر باب ما تجزئ به الطهارة، ثم افتتح بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] الآية ثم قال: والغسل إنما يكون في العادة بالماء هو ما خلقه الله ثم ذكر قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨]، وهذا أحسن، ولكن قال المزني: اختصر على ما ذكر أخيرًا. فإن قيل: لم قال: قال الشافعي: قال الله تعالى والقولين لا يستدلان طريق صحبة التواتر والإجماع؟ قلنا: أراد أن الشافعي أحتج به، ولو لم يذكر الشافعي لظن أن المزني هو المحتج به. فإذا تقرر هذا، وذكر قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] قوله ﵊ في البحر: "هو الطهور ماؤه الحل ميته" والأصل في طهارة الماء

стр. 24

وتطهيره هذه الآية. وقوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: ١١] وأراد بالسماء السحاب، وسمي سماء لسموه وارتفاعه. والطهور يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: الطاهر لقوله تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١] [١٩ ب/ ١] يعني طاهرًا. والثاني: الطاهر في نفسه المطهر لغيره، فهو اسم متعدٍ، وهو المراد به هاهنا لقوله تعالى في آية أخرى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: ١١]. والثالث: ماء يتطهر به كالفطور ما يفطر به، والسحور ما يتسحر به. وقال أبو حنيفة، والأصم، وأبو بكر بن أبي داود: المراد به الطاهر، وهو اسم لازم غير معتد، وفائدة الخلاف أنه لا يجوز التطهير بغير الماء لرفع الحدث ولرفع الخبث عندنا، وعند أبي حنيفة يجوز رفع الخبث بغير الماء، وهذا غلط؛ لأنه لم سئل رسول الله ﷺ عن التوضأ بماء البحر، قال: "هو الطهور ماؤه" فنقلوا منه أنه يتطهر به لأنه طاهر، ولأن أهل اللغة يطلقون اسم الطهور على ما يوجد فيه التطهير، يقولون: ماء طهور، وتراب طهور، ولا يقولون خل طهور، ولا زيت طهور. فدل على ما قلناه. وقال مالك وأصحاب الظاهر: الطهور هو ما يتكرر منه الطهر، حتى لا يحكم لكما بالاستعمال، كما يقال: صبور شكور أي يتكرر منه الصبر والشكر. وأما الخبر الذي ذكره هو مختصر مما رواه الشافعي بإسناده عن أبي هريرة: أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ فقال: إن نركب أرماثًا لنا في البحر، ونحمل معنا القليل من الماء لشفاهنا، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال النبي [٢٠ أ/ ١] ﷺ "هو الطهور ماؤه الحل مييته" والأرماث: هي خشب يضم بعضها إلى بعض ويركب عليها في البحر. وفي رواية: "إن العركي قال: يا رسول الله، إنا نركب" والعركي: هو الصياد. وقال الشافعي: "هذا الحديث هو نصف علم الطهارة". فإن قيل: لو قال نعم كفاه، فما الفائدة في تطويل الكلام؟ قيل: لأنهم سألوه عن حال الضرورة، فلو قال: نعم لم يستفيدوا من ذلك حكمه في حال الرفاهية، فأخبر أنه طهور بكل حالٍ. فإن قيل: وكيف أجاب عن الميتة ولم يسئل عنها؟ قيل: إن رسول الله ﷺ هو ناصب الشرع، فله أن يبتدئ البيان من غير سؤال، غير أنه لما رآهم يجهلون أمر الماء مع الآية الظاهرة عرف أنهم ... بطهارة ميتة وحلها مع قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، أجهل، فأجاب عما سألوا، وعما عرف أنهم يجهلونه، وهذا كما روي أن أعرابيًا أساء الصلاة، فقال له النبي ﷺ : "توضأ كما أمرك الله"؟ ثم علمه

стр. 25

الصلاة، لأنه لما رآه بجهل أمر الصلاة مع أنها تقام ظاهرة يرى بعضهم صلاة بعض، عرف أنه الوضوء مع أن الناس يفعلونه في بيوتهم وخلواتهم أجهل. مسألة: قال "فَكُلُّ ماءٍ مِنْ بَحْرٍ عَذْبٍ أّوْ مَالِحٍ". الفصل وهذا كما قال، نقل المزني ثلاثة أقسام من المياه: الأول: ما يجوز التطهر به من غير كراهية. والثاني: ما يكره التطهر به من حيث الطب، وهو ماء الشمس، والثالث: ما لا يجوز التطهر [٢٠ ب/ ١] به وهو إذا خالطه ماء يغلبه، وبدأ في القسم الأول بماء البحر، فيجوز التوضأ به عند جمهور العلماء، وروي عن ابن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنهما منعا الوضوء به، وقالا: التيمم أحب إلينا منه. وروي أن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال لما سئل عنه: بحر ثم نار ثم بحر ثم نار، فذكر سبعة ماء بحر وسبعة أنوار. وقال سعيد بن المسيب: إن كان واجدًا لماء آخر لم يجز التوضأ به، وإن كان عادمًا جاز، وهذا غلط للآية التي ذكرناها. وماء البحر هو ما نزل من السماء أيام نوح ﷺ ، والخبر الذي ذكرناه. وروى أبو هريرة ﵁ -أن النبي ﷺ قال: "من لم يطهره البحر فلا طهره الله". وروى: "من لم يطهره ماء البحر". وأما ما ذكره ابن عمر وعبد الله بن عمرو فلا معنى تحته، وقد قال القفال: أجمعت الأمة على جواز التوضأ. فتأويلي ما روي عنهما أن المسافر المحوجة إلى التيمم هي أحب إلينا من ركوب البحر، ولم يصح عنهما المنع من التوضأ به وقيل: إنهما قالا: يكره ذلك، وعندنا لا يكره ذلك. وأما اللفظ الآخر: أراد من ركب البحر أعان على نفسه، وأراد به بحور جهنم، وأن بحور الدنيا تصير يوم القيامة نيرانًا، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦] أي ستسجر وتجعل نيرانًا. فإذا تقرر هذا، قال: "عَذْبٍ أَوْ مَالِحٍ" وهذا صحيح يجوز التوضأ بهما لقوله تعالى: ﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ [فاطر: ١٢] [٢١ أ/ ١] وقال ابن عباس ﵁ في تفسيره: هما بحران يتوضأ بأيهما شئت. يعني بالعذب أو المالح، ولأنهما صفتان خلقت الماء عليهما فلا يضر التطهر. فإن قيل: قوله: "مالح" خطأ؛ لأنه يقال: ماء مالح ولا يقال مالح إلا لما خرج الملح فيه، ولذلك لا يجوز التوضيء به، وقيل: قوله: "مالح" جائز في اللغة، قال عمر بن أبي ربيعة:

стр. 26

وَلَوْ تَفَلَتْ فِي الْبَحْرِ مَالحٌ ... لأَصْبَحَ مَاءُ الْبَحْرِ مِنْ رِيقَهَا عَذْبَا ثم قال: "أو بئر" وهذا لما روي أن النبي ﷺ "توضأ من بئر بضاعة"، ثم قال: "أو سماء" وأراد به ماء المطر، وسمي سماء لأنه يمطر من السماء وهو السحاب ثم قال: "أَوْ بَرَدٍ أَوْ ثَلْجٍ" قيل: فيه خلل؛ لأن الشافعي قال: "أَوْ ثَلْجِ أُذِيب"، ونقل المزني ذلك، وهذا لا يصح؛ لأن هذا معطوف على قوله: "فَكُلَّ مَاءٍ مِنْ بَرَدٍ أَوْ ثَلْجٍ". فإذا تقرر هذا، فلا شك في جواز التوضئ بالماء الذائب منها، لأنه ماء منعقد في الحقيقة، وكان رسول الله ﷺ يقول في دعائه: "اللهم اغسلني بالثلج والبرد". فرع لو أخذ الثلج أو البرد وأمره على وجهه على هيئته، فإن كان الهواء حرًا يذوب ويسيل عليه جاز، وأن لا يجري عليه لا يجوز. وقال الأوزاعي: يجوز، وهذا غلط؛ لأنه مأمور بالغسل وهذا ليس بغسل، ولو مسح به رأسه جاز لأنه يذوب منه شيء بحرارة الرأس وإن قل، يكفي ذلك. فرع آخر لو كان الثلج في إمراره على الأعضاء يذوب [٢١ ب/ ١] عليها، ثم يجري ماؤه عليها، ففيه وجهان: أحدها: يجوز والثاني: لا يجوز؛ لأنه بعد ملاقاة الأعضاء يصير جاريًا، والأول أظهر عندي. فرع آخر الماء الذي ينعقد منه الملح لجوهر في الماء دون التربة، كأعين الملح الذي ينبع ماء مائعًا ويصير لجوهره ملحًا جامدًا. قال جمهور أصحابنا، وهو المذهب: يجوز التوضئ به؛ لأنه ماء حقيقة، ولا يضر جموده كما يقول في الجليد والبرد. وقال بعض أصحابنا، وهو اختيار الإمام أبي سهل الصعلوكي: لا يجوز التوضأ به؛ لأنه جنس آخر غير الماء كالنفط والقير، ولأنه يخالف طبعه طبع الماء، فإن الماء يتجمد في الشتاء ويذوب في الصيف، وهذا الماء يتجمد في الصيف. ثم قال: "مُسَخَّنٍ وَغَيْرِ مُسَخَّنٍ فَسَوَاءٌ". وهذا صحيح عندنا لا يكره التوضئ بالماء المسخن. وحكي عن مجاهد أنه قال: يكره ذلك، وهذا غلط؛ لما روى ابن عباس- ﵁ أن النبي ﷺ دخل حمامًا بالجحفة وهو محرم. وروي عن شريك بن عبد الله أنه قال: أجنبت وأنا مع رسول الله ﷺ فجمعت حجارة وسخنت ماء وتغسلت، فأخبرت رسول الله ﷺ بذلك فلم ينكر علَّي.

стр. 27

وقال أنس ﵁: كان يسخن لرسول الله ﷺ الماء في القمقم ثم يتوضأ به للصلاة. وروي عن عمر- ﵁ أنه كان يغتسل بالماء الحميم. وروي عن زيد بن أسلم، أنه قال: كنا نسخن لعمر بن الخطاب [٢٢ أ/ ١]﵁ الماء في قمقم، وكان يغتسل منه ويتوضأ. وحكي عن أحمد أنه كان يكره الماء المسخن بالنجاسة؛ لأنه لا يؤمن حصول نجاسة فيه، وهذا غلط؛ لأن وجود النجاسة لا يوجب الكراهة كالماء في الصلاة. مسألة: قال: "وَلَا أَكْرَهُ المَاَء المُشَمَّسَ إِلَّا مِنْ جِهَةِ الطّبّ". الفصل وهذا كما قال ما أخذ المزني بالنقل، لأن لفظ الشافعي: "وَلَا أَكْرَهُ المَاَء المُشَمَّس" وقد كرهه كاره من جهة الطب، فميز بين الفقه والطب، ولفظ المزني: "إِلَّا مِنْ جِهَةِ الطّبّ" يخلط أحدهما بالآخر، فإذا تقرر هذا قال أصحابنا: الماء المشمس هو على ضربين: أحدها: ما قصد بالشمس، فإن لم يقصد كماء المصانع والغدران والأنهار والبحور لا يكدره التوضئ به، لأنه لا يمكن الإحتراز منه، ولا يؤثر فيه الشمس أيضًا لكثرته، ولأن النبي ﷺ والصحابة توضئوا من ماء الحياض بين مكة والمدينة وكان ماؤها مشمسًا وإن قصد بتشميسه في إناء أو نحوه فإنه يكره التوضئ به شرعًا خلافًا لأبي حنيفة وأحمد، فإنهما قالا: لا يكره ذلك، وهذا غلط؛ لما روى مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة- ﵂ أنها قالت: دخل علَّي رسول الله ﷺ وقد سخنت له ماءًا في الشمس فقال: "لا تفعلي هذا يا حميراء فإنه يورث البرص". وروى الضحاك عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "من اغتسل بماء مشمس فأصابه [٢٢ ب/ ١] وضح فلا يلومن إلا نفسه". وروى جابر أن عمر بن الخطاب كره ذلك، وقال: إنه يورث البرص. ومن أصحابنا من قال: لا يكره كما قال أبو حنيفة؛ لأن الشافعي قال: "لَا أَكْرَهُ" ثم

стр. 28

ذكر الطب على وجه الحكاية، والطب المذكور فيه غير صحيح، ومدار الخبر على وهب القرشي وهو ضعيف، وهذا الوجه ضعيف عند أصحابنا. فإن قيل: كيف يصح هذا الخبر، وقد قال رسول الله ﷺ : "لا عدوى"؟ قلنا: أراد العدوى من إنسان إلى إنسان، بأن يجالسه أو يخالطه، فأما الضرر المتولد من مأكول أو مشروب، أو استعمال شيء في يده، فليس هو من العدوى. فرع تأثير الشمس في مياه الأواني تارة يكون بالحر وتارة بزوال برده، والكراهة في الحالين سواء، وإن لم تؤثر الشمس فيه فإنه لا يكره. فرع آخر لا فرق في الآنيتين أن يقصد بشمسيه أولًا. قال بعض أصحابنا: المكروه هو ما قصد بشمسيه، وهذا غلط؛ لأنه معنى النهي وهو أنه يورث البرص لا يختص بالقصد وعدمه. فرع آخر لا فرق فيه بين بلاد تهامة والحجاز وبين سائر البلاد. وقال بعض أصحابنا بخراسان: هذا في البلاد الحارة إذا شمس في آنية الصفر فيعلوه شيء مثل الهب فذاك يضر، وفي غيره لا يكره، وهذا غلط لعموم الخبر. فرع آخر لو حمي بالشمس ثم برد ففيه وجهان: أحدها: أنه يكره لثبوت الحكم فيه قبل البرد [٢٣ أ/ ١]. والثاني: لا يكره؛ لأن معنى الكراهة هو الإبل الحما وقد زال. وفيه وجه ثالث أنه يدفع فيه إلى عدول الأطباء، فإن قالوا بعد برده أنه يورث البرص يكره كره، وإلا فلا يكره، وهذا لا وجه له؛ لأن الأحكام الشرعية لا تثبت بغير أهل الاجتهاد في الشرعية، ولأن من الأطباء من ينكر أنه يورث البرص، فلا يرجع إلى قولهم فيه. فرع آخر استعمال الماء المشمس فيما لا يلاقى الجسد من غسل ثوب أو إزالة نجاسة عن أرض لا يكره، ولو استعمله في طعام فإن كان يبقى مائعًا فيه كالمرق يكره، وإن كان لا يبقى مائعًا فيه كالدقيق المعجون به أو الأرز المطبوخ فيه لم يكره. فرع آخر لو توضأ به جاز مع الكراهة؛ لأن المنع ليس لمعنى في الماء، فهو كما لو توضأ من ماء في إناء ذهب يجوز. فرع آخر لا يكره الوضوء والغسل بماء زمزم، وقال أحمد في رواية: إنه يكره، واحتج بما روي ... قال: سمعت العباس بن عبد المطلب- ﵁ قائمًا عند زمزم يقول:

стр. 29

لا أحله لمغتسل ولكنه لشارب حل وبل. وهذا غلط لظاهر الآية، ولأن الناس كلهم يتوضؤون به في الأعصار، ولكونه نابعًا من عين شريفة لا يمنع الوضوء به كعين سُلْوَان. وأما قول العباس: يحتمل أنه قال لضيق الماء في وقته لعينه وكثرة الشاربين. فرع آخر قال بعض أصحابنا: يكره التوضؤ بالماء الحار الشديد والبارد المفرد؛ لأنه لا يمكنه إسباغ الوضوء به. مسألة: قال: "وَمَا عَدَا ذَلِكَ مِنْ مَاِء وَرْدٍ أَوْ شَجَرٍ". الفصل [٢٣ ب/ ١] وهذا كما قال: هذا هو القسم الثالث من مسائل الباب وقوله: "وَمَا عَدَا ذَلِكَ" أي وما جاوز ما ذكرنا من القسمين، ثم فسره بقوله: "مِنْ مَاِء وَرْدٍ" يريد به الماء المعتصر من الورد. وقوله: "أَوْ شَجَرٍ" أراد المعتصر من الشجر، أو ما ينزل عنها إذا قطعت رطبة. وقوله: "أَوْ عَرَقٍ" قرئ بثلاث قراءات، بفتح العين والراء وبكسر العين وتسكين الراء، وبفتح العين وتسكين الراء. فأما الأولى: فهو الرشح من الآدمي وغيره من الحيوانات لا يجوز التوضئ به، وقد يحصل من العرق ما يمكن التوضئ به بمكة في البيت الحرام عند اجتماع الناس في الموسم، بحيث لو كان هناك ميزاب يسيل منه، وهذا بعيد عندي. وأما القراءة الثانية: فهو الماء الذي يسيل من أصل الشجر إذا قطع، وهو في شجر الكرم والجوز، والخلاف في وقت الربيع. وقيل: هو عرق يكون على جنب البعير، وذلك أن العرب يعطشون البعير ثم يرونه بالماء عند الأسفار الشاسعة التي يخشى فيها إعواز الماء، فإذا ألحقهم العطش يقطعون ذلك العرق فيسيل منه الماء. وقال بعض أصحابنا: هذا لا يصح؛ لأن الشافعي لم يتعرض للماء النجس في هذا الباب وهذا ماء نجس. وأما القراءة الثالثة: فهو ماء الكروش، وذلك أن العرب كانت إذا أرادت قطع المفاوز عطشوا الإبل ثم أوردوها الماء، فتحمل الماء في كروشها فإذا عدموا الماء نحروها واعتصروا كروشها وشربوا وهذا أظهر، لأنها [٢٤ أ/ ١] الشجر تقدم ذكره. والشافعي قال في "الأم": "ولو اكتظ كرشًا فعصره لم يجز التوضئ به". والاقتظاظ: هو مشتق من غلظ الماء؛ لأن ماء الكرش يكون غليظًا، وذكر المحاملي- ﵀ في تصنيفه: أنه لا يجوز التوضئ به وإن كان طاهرًا، وهذا سهو منه؛ لأنه لا شك في نجاسته.

стр. 30

فرع قال بعض أصحابنا بخراسان: كل رشح الحيوان مثل الماء أو غيره من المائعات إذا أغليت فارتفع من غليانها بخارًا وتولد منها رشح، فظاهر لفظ الشافعي يقتضي أنه لا يجوز التطهر به، لأنه يسمى عرقًا، وهذا غير صحيح عندي في الماء؛ لأن الماء إذا غلى فرشحه يكون ماء حقيقة، وينقص منه بقدره، فهو ماء مطلق يجوز التطهر به. مسألة: قال: "أَوْ مَاِء زَعْفَرَاٍن، أَوْ عُصْفُرٍ، أَوْ نَبِيٍذ، أَوْ مَاِء بُلَّ فِيِه خُبْزٌ". الفصل إلى آخره، وهذا كما قال، قد تقدم الكلام في النبيذ، والمراد به الماء الذي ينبذ فيه التمر أو الزبيب حتى يتحرى فيه، فإن كان حلوًا غير مسكر فهو طاهر لا يجوز التطهر به. وقيل: إن تحرى فيه يجوز التطهر به، وإن كان مسكرًا فهو نجس لا يجوز شربه ولا التطهر به أصلًا، ويجب الحد بشربه وبه قال مالك، وأحمد، وأبو يوسف، وهو رواية عن أبي حنيفة إلا في النجاسة والحد وروي عن أبي حنيفة رواية أخرى أنه يتوضأ به ويتيمم معه، وبه قال محمد. وروي عنه رواية ثالثة وهي الأشهر، أنه [٢٤ ب/ ١] يجوز التوضأ به إذا طبخ واشتد عند عدم الماء في السفر، واحتج بخبر عبد الله بن مسعود- ﵁ أنه قال: كنت مع رسول الله ﷺ ليلة الجن، فقال له: يا عبد الله أمعك ماء؟ فقلت: لا، ولكن معي إداوة فيها نبيذ التمر، فأخذه وتوضأ به، وقال: "تمرة طيبة وماء طهور". قلنا: رواية مظعون، فإن صح نحمله على الماء الذي نبذ فيه التميرات لسلب ملوحة الماء على عادة العرب، ولم يتغير بعد بدليل أنه قال: "شجرة طيبة وماء طهور". فأفردهما بالذكر. فأما الماء الذي بل فيه خبز فإنه أراد به إذا تفتت فيه وتهرى. فإن قيل: ذلك لا بأس به وإن تغير به أدنى شيء. وقوله: "حَتَّى يُضَاَف إلى مَا خَالَطَهُ وَخَرَجَ مِنْهُ فَلَا يَجُوُز التَّطَهُّرُ بِهِ" وعلى هذا عامة النسخ. وفي بعضها: "أَوْ خَرَجَ مِنْهُ" بالألف، ومقتضى الكلام عند حذف الألف أن ماء الورد يجوز الوضوء به ما لم يخالطه زعفران أو غيره، وهذا من مواضع الإشكال، فمعناه حتى يضاف إلى ما خالطه إن كانت الإضافة إلى المخالطة، وحتى يضاف إلى ما خرج منه إن كان الإضافة إلى الأصل الذي يعتصر الماء منه، فتقدير الكلام إثبات الألف وإن لم تكن في عامة النسخ. فإذا تقرر هذا قال أصحابنا: الماء ضربان؛ مطلق ومضاف. فالمطلق هو ما استجمع أوصافه الثلاثة اللون، والطعم، والرائحة، يجوز التطهر به.

стр. 31

والمضاف على سبعة أضرب [٢٥ أ/ ١]: مضاف إلى صفة تزايله كالماء السخن ونحوه وقد ذكرناه. ومضاف إلى صفة لا تزايله كالماء المستعمل فهو طاهر غير طهور. ومضاف إلى وعائه كالكوز والجرة. ومضاف إلى قراره كماء البئر والنهر يجوز التطهر به. ومضاف إلى ما خرج منه كماء الورد لا يجوز التطهر به. ومضاف إلى ما جاوره من غير مخالطة كماء العود اليابس والعنبر، نص في "الأم" على جواز التوضئ به. وروى البويطي: وإن ظهرت رائحته، لأنه تغير مجاورة لا مخالطة، فصار كما لو تروح الماء بجيفة على شط نهر فإنه يجوز التوضئ به. وروى البويطي في مختصره: أنه لا يجوز التوضئ به، فقال: وإذا وقع في الماء الطاهر زعفران ومسك أو عنبر، أو عصفر، أو دهن فغلب لونها أو طعمها أو ريحها لا يتوضأ به. فقيل: في المسألة قولان، وقيل: المسألة على قول واحد. وتأويل ما ذكره البويطي إذا اختلط به ومضاف إلى ما خالطه، مثل الزعفران والعصفر والدقيق، فينظر فإن لم يغير له وصفًا فالتطهر به جائز، وإن غير له وصفًا من لون أو طعم أو ريح لا يجوز التطهر به كما في تغير النجاسة، وهو اختيار ابن سريج، وبه قال مالك وأحمد، وإسحاق. وقال بعض أصحابنا بخراسان: إنما لا يجوز التوضئ به لو أصاب الماء بحال تضاف إليه، فإن تهرى فيه وامتزج، فأما إذا ظهر لونه أو طعمه أو ريحه، ولا يضاف إليه الماء، فإنه يجوز التوضئ [٢٥ ب/ ١] به في المذهب المشهور، وهذا أصح. وحكي عن الشافعي أنه قال: "يعتبر ذهاب الأوصاف الثلاثة جميعًا، لأن القليل من ماء الورد يغير الرائحة، والقليل من الخل يغير طعم ولا يزيل إطلاق الاسم. وقيل: أصل المسألة أن الثوب إذا غسل من الخمر فبقي رائحتها هل يبقى حكم؟ قولان. وقال أبو حنيفة: يجوز التوضئ به بكل حال ما لم يسلب وقته، ووافقنا في ماء الباقلا المغلي أنه لا يجوز التوضئ به فيقيس عليه وحكي عن الزهري أنه قال: الماء الذي بل فيه خبز يجوز التوضئ به سواء غيره أم لم يغيره. وكان أبو بكر الرازي يقول: إذا وقع فيه زعفران أو عصفر وصار بحيث يصنع به الثوب لا يجوز التوضأ به. فرع لو طبخ الأرز أو الحمص بالماء، فإن انخَّل في الماء لا يجوز التطهر به، وإن لم ينحل ولا تغير به بالماء، فإنه يجوز التطهر به. وإن تغير به الماء من غير انحلال أجزائه فيه وجهان: أحدهما: يجوز التطهر به كما لو تغير بلا انحلال من غير طبخ. والثاني: لا يجوز؛ لأنه بالطبخ صار مرقًا ذكره في "الحاوي".

стр. 32

فرع لو تغير الماء بالشمع يجوز استعماله كما لو تغير بدهن، ولو تغير بشحم أذيب فيه بالنار، فيه وجهان: أحدها: يجوز استعماله، لأن الشحم دهن. والثاني: لا يجوز؛ لأن مخالطة الشحم للماء يحوله مرقًا. قال في "الحاوي": وعلى هذا المني إذا وقع في الماء كان طاهرًا، فلو غير الماء فيه وجهان: أحدها: لا يجوز استعماله [٢٦ أ/ ١] كما لو تغير بمائع غير المني. والثاني: يجوز استعماله لأنه لا يكاد ينماع في الماء كالدهن، وهذا تفريع بعيد. فرع آخر إذا وقع الكافور في الماء فتغير به، وهذا لأن الكثير يخالط الماء والقليل لا يخالط بالرائحة رائحة مجاورة. وقال أبو حامد: هذا لا يصح، والمذهب أنه لا يجوز التطهر به لأن الشافعي قال في "الأم": "ولو صب فيه مسكًا أو ذريرة أو شيئًا ينماع فيه فظهر فيه ريحه لا يتوضأ به" والكافور ينماع فيه، وهو في معنى المسك. وقيل: الكافور نوعان: نوع فيه دسومة فيتفتت فيه ولا ينماع ويرسب فتاته في الماء، فهذا لا يضر، ونوع ينماع فيه فإن كثر بحيث لو كان له نوع نظم عليه حتى يضاف إليه الماء لا يجوز التوضأ به. وهو اختيار القفال، والصحيح عندي الأول؛ لأن له رائحة زكية فالقليل تغير الماء الكثير مجاورة، ولهذا قال الشافعي في غسل الميت: "ويجعل في كل ماء قراح كافورًا" فدل أنه لا يضره. وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان بناء على ما لو بقي رائحة الخمر في الأرض بعد غسلها، هل تطهر؟ قولان فإن قلنا: لا حكم للرائحة هناك فلا يضر هنا. فرع آخر إذا وقع في الماء قطرات أو بان، فتغيرت رائحته، قال في "الأم": "لا يمنع التوضأ به" وقال بعده بقليل: "لا يجوز التوضأ به، لأن يخالطه". قال أصحابنا: ليست المسألة على قولين، وإنما هي على اختلاف حالين، والقطران على ضربين؛ ضرب لا يختلط [٢٦ ب/ ١] بالماء ويقف عليه، وهو نوع منه كالدهن يعلو الماء فلا يمنع التوضأ به؛ لأن به تغير المجاورة. وضرب يختلط بالماء فيمنع التوضأ به إذا غلبه. وقال القاضي الطبري: ننحى فيه قول البويطي فيكون فيه قولان. فرع آخر إذا وقع فيه أوراق الشجر فتغير بها قال الشافعي: "يجوز استعمال به" قال أبو إسحاق: لأنه

стр. 33

تغير بالمجاورة فلا يضره. وقال غيره: لا، لأنه يمكن حفظ الماء منها. وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه ثلاثة أوجه: أحدهما: لا يضر الماء وهو الأصح. والثاني: يضره. والثالث: إن كان خريفيًا لا يضره، وإن كان ربيعيًا فإنه يزيل طهوريته. والفرق من وجهين: أحدهما: أنه يخرج من الربيعي رطوبة تختلط بالماء بخلاف الخريفي، فإنها يابسة كالخشب. والثاني: أن الربيعي قلما يتأثر من الشجر فيمكن صون الماء عنه بخلاف الخريفي، ولو تغير بالثمار فإنه يزيلها لطهورته بلا خلاف. فرع آخر لو كان ورق الشجر مرقوقًا ناعمًا بغير الماء لم يجز استعماله؛ لأنه تغير مخالطة، وقال أبو حامد: يجوز استعماله كما لو كان صحيحًا، وهذا غلط؛ لأن تغيره مجاورة بخلاف هذا. ذكره صاحب "الحاوي". فرع آخر إذا تغير الماء بالملح وغلب عليه، لا يجوز التوضأ به؛ لأنه معدن وهذا هو المذهب، وقال بعض أصحابنا: فيه ثلاثة أوجه: أحدها: هذا. والثاني: لا يزيل الطهورية بحاٍل، وهو اختيار القفال؛ لأن الملح هو [٢٧ أ/ ١] ما في الأصل. والثالث: وهو اختيار أبي حامد: إن كان ملح حجر يزيل الطهورية، وإن كان ملح جمد مثل أن يرسل الماء في أرض محالة فتصير ملحًا لا يزيل الطهورية، لأن به ماء يتغير بمجاورة الأرض. فرع آخر لو قال: وقع في الماء ما لا يغيره كماء الورد المنقطع الرائحة، وماء الشجر، وعرق الآدمين، وهذا يبعد لأنه لابد من أن يتفرد عنه بطعم، فإن اتفق ذلك فمن أصحابنا من قال: يعتبر الغالب منها بالكثرة كما في الماء المستعمل، فإن كان الغالب الماء فإنه يجوز التطهر به، وإن كان الماء مغلوبًا فلا يجوز التطهر به. ومن أصحابنا من قال- وهو اختيار القفال- لا يراعى هذا، بل ينظر فإن خالطه قذر لو كان له رائحة أو لون غلب عليه وصيره مثل نفسه، فإنه يزيل طهوريته وإلا فلا يزيل، وهذا حسن. فإن قيل: الأشياء تختلف في ذلك فبأيها تعتبر؟ قيل: يعتبر بما هو للأشبه. فرع آخر لو خالطه التراب أو غيره، فإن صار نجسًا بطبعه فلا يجوز التطهر به وإن كان جاريًا بطبعه ولكن تغير طعمه ولونه يجوز التطهر به؛ لأنه قرار الماء والماء لا ينفك عنه غالبًا. وقيل: لأنه طهور في نفسه فلا يزيل الطهور به. والعلة الأولى هي أصح؛ لأنه

стр. 34

لو تغير بالأوراق والطحلب فإنه يجوز التطهر به. وإن لم يتغير فطهور. وقال في الحاوي. فيه قولان: أحدها: لا يجوز، لأنه [٢٧ ب/ ١] مذرور. وهذا بعيد عندي. وقال في حرملة: لو كان الماء يجري على حجر الكحل والنورة فتغير صفته منه يجوز التوضئ به؛ لأنه قراره. ولو أخذ حجر النورة فسحقه وطرحه فيه لا يجوز التوضئ به؛ لأن تغيره بصنعة آدم ويمكن الاحتراز منه وعلى قياس هذا لو جفف أوراق الشجر وسحقه وطرحه في الماء فغيره لا يجوز التوضئ به وقال: لو أخذ ترابًا فطرحه في الماء فكوره لا يمنع التوضئ به؛ لأن هذا لم يغير عن أصل خلقته، وهو يوافق الماء في الطهورية حتى لو غيره عن أصل خلقته. فإن طبخ الطين ودقه فطرحه في الماء لا يجوز التوضئ به. وقال شيخنا الإمام ناصر- ﵀: فيه وجهان؛ المنصوص ما ذكرنا، والوجهان غلط، ولو تغير الماء بطول المكث في المكان أو تغير لحيائه يجوز التوطئ به، نص عليه في البويطي و"الأم". فرع آخر لو كان معه من الماء ما لا يكفيه لطهارته، فكمله بمائع استهلك فيه كماء الورد والعرق، قال صاحب "الإفصاح": لا يجوز التوضئ به؛ لأنه يقطع أنه غسل بعض الأعضاء بغير ماء، وقال الشيخ أبو حامد: غلط فيه؛ لأنه استهلك فيه فسقط حكمه، إلا أنه لو كان معه من الماء وفق الكفاية مرة مرة فصب عليه رطلًا من ماء ورد فاستهلك فيه، فإنه يجوز التوضئ بكله، وإن كنا نقطع بأنه غسل بعض أعضاء الطهارة بغير الماء، ولأن صاحب "الإفصاح" قال: لو خالطه ولم [٢٨ أ/ ١] يغيره فتوضأ به ونفي منه بقدر المائع جاز؛ لأنه لم يتوضأ بغير الماء، وهذا لا يصح؛ لأن الذي استعمله بعضه ماء وبعضه مائع، والذي نفي كذلك. ولا يجوز أن يكون الذي نفي هو المائع خاصة. فرع آخر إذا أصاب أسفل الخف نجاسة فدلكه بالأرض، قال في "القديم" إذا لم يبق إلا الأثر الذي لا يخرجه إلا الماء صار معفوًا عنه، ويجوز له أن يصلي معه. وقال في "الجديد": لا يجزيه إلا أن يغسله، ولا شك أنه لا يطهر بذلك. وجه الأول وهو قول أبي حنيفة قوله ﷺ : "إذا أصاب خف أحدكم أذى فليدلكه بالأرض" وروى أبو هريرة- ﵁ أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: "إذا وطئ الرجل بخفه أو نعله نجاسة يطهره بالتراب". وجه القول الثاني: وهو الصحيح أنه لباس

стр. 35

نجس فلا يزول حكم نجاسته بالدلك كالثوب. فرع آخر لو أكلت الهرة فارة ثم ولغت في الماء القليل تنجس الماء؛ لأّنا تحققنا نجاسة فمها. ومن أصحابنا من قال: لا ينجس؛ لأن النبي صلي الله عليه وسلم قال: "إنها من الطوافين عليكم والطوافات". ولأن الاحتراز منه لا يمكن، وهذا خلاف النص، وإن غابت ثم عادت فشربت؟ فيه وجهان: أحدها: ينجس؛ لأن الأصل نجاسة فمها. والثاني: لا ينجس؛ لجواز أنها وافت في ماء كثبر، فطهر فمها، والأصل طهارة الماء، وهذا إن احتمل ذلك، وقد قال في مختصر البويطي: [٢٨ ب/ ١] لا بأس بفضل الهرة والسباع والدجاج والطيور، إلا أن يكون في مناقير الطيور وأفواه السباع نجاسة، ويكون الماء أقل من خمس قرب فلا يجوز الوضوء به، وهذا يدل على أن سؤرها لا يكره، وعند أبي حنيفة يكره سؤر الهرة وإن لم ينجس، وهذا غلط؛ لما روى داود بن صالح التمار عن أمه، قالت: أرسلتني مولاتي بهريسة إلى عائشة ﵂ فوجدتها تصلي، فأشارت إليَّ أن ضيعها، وعندها نسوة، فجاءت هرة فأكلت منها، فلما انصرفت عائشة قالت النساء: كلن وابقين موضع فم الهرة، ثم أكلت عائشة من حيث أكلت الهرة، ثم قالت: إن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: "إنها ليست بنجسة، إنها من الطوافين عليكم". وقد رأيت رسول الله صلي الله عليه وسلم يتوضأ بفضل الهرة. فرع آخر كل ما يدفع الحدث لا يجوز إزالة النجاسة به على ما ذكرنا خلافاً لأبي حنيفة. وبقولنا قال محمد، وأحمد، وإسحاق، ومحمد بن الحسن وروي عن أبي يوسف أنه قال: إن كانت النجاسة على البدن لا تجوز إلا بالماء، وإن كانت على غيره فإنها تجوز بغير الماء، وهذا غلط، لأنه لا فرق في القياس بينهما. واعلم أن الشافعي عبر في هذا الباب بعبارة التطهر به حولها، ومنعا لأنها عبادة جامعة للوضوء وإزالة النجاسة عن البدن والثوب وغيرهما. باب الآنية [٢٩ أ/ ١] مسألة: قال: (ويتوضأ في جلود الميتة إذ دبغت). وهذا كما قال: وروى في ترجمة هذا الباب: باب في الآنية، وروى باب الآنية وهو الأشهر. والقصد من هذا الباب بعد ذكر المياه التي يجوز التطهر بها والتي لا يجوز، ذكر الأواني الطاهرة التي يجوز منها التطهر، والتي لا يجوز؛ لأن الغالب من

стр. 36

المياه التي يتطهر بها أنها تكون في الأواني. وجملته: أن الأواني الطاهرة يجوز التطهر من الماء الذي فيها، ولا يجوز التطهر من الماء الذي في الأواني النجسة، ومن الأواني الطاهرة ما ينهى عن استعمالها مع جواز التطهر من مائها. فإذا تقرر هذا، فقوله: "ويتوضأ في جلود الميتة إذ دبغت" أراد به ميتة كانت طاهرة في حال الحياة، فنجست بالموت؛ لأن الحوت لا ينجس بالموت ولا يحتاج في جلده إلى الدباغ، والكلب نجس في حال الحياة فلا يؤثر في تطهير جلده الدباغ. وفيما نقله المزني خلل؛ لأن هذا لفظ عام وعطف عليه الخبر، وهو قوله ﷺ : "أيما إهاب دبغ فقد طهر". وهو عام، يدخل تحته السباع وغيرها. ثم عطف عليه فقال: " وَكَذَلِكَ جُلُودُ مَا لاَ يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنَ السَّبَاعِ". وهذا لا يحسن، ألا ترى أنه لو قال قائل: جميع الجلود تطهر بالدباغ، وكذلك جلود السباع كان لغوأً، وإنما ذكر الشافعي في أول الباب خبر شاة ميمونة وهو أنه صلي الله عليه وسلم [٢٩ ب/ ١] مر بشاة ميتة لميمونة، وروي لمولاة ميمونة، فقال: "هلا انتفعتم يإهابها؟ " فقيل: إنها ميتة، فقال: "أيما إهاب دبغ فقد طهر". وروي أنه قال: "أليس في الشب والقرظ ما يطهره". وروي أنه قال: "إنما حرم عن الميتة أكلها". ثم عطف عليه، فقال: " وَكَذَلِكَ جُلُودُ مَا لاَ يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنَ السَّبَاعِ " ويحسن عطف العام على الخاص كما فعل الشافعي ولا يحسن عطف الخاص على العام كما فعل المزني. وقوله: "ويتوضأ في جلود الميتة" ومعناه بالماء الذي في جلود الميتة. واعلم أن الميتات كلها نجسة إلا خمسة؛ الحوت، والجراد، والصيد إذا مات في يد المعلم من غير عقر في قول، والآدمي في قول، والجنين إذا خرج ميتاً بعد ذكاة أمه. واختلف الناس في جلود الميتات على سبعة مذاهب: فذهب الشافعي إلى أن جلود الميتات تنجس بالموت كما ينجس لحمها، إلا أنه يطهر بالدباغ جلد كل حيوان كان طاهراً في حياته ظاهراً وباطناً، ويجوز الصلاة معه وعليه، ويجوز استعماله في الأشياء الرطبة واليابسة، وكل حيوان نجس في حال حياته كالكلب والخنزير وما توالد منهما،

стр. 37

أو من أحدهما لا يطهر جلده بالدباغ أصلاً وبه قال علي، وابن مسعود ﵄ وذكر ابن القطان وجهان، الجلد لا ينجس بالموت، وإنما الزهومة فيه تصير نجسة فيؤمر بالدباغ لزوالها كما يغسل من النجاسة، وهذا [٣٠ أ/ ١] ليس بشيء؛ لأن كل جزء تحله الحياة تنجس بالموت. وأما جلد الآدمي هل ليطهر بالدباغ؟ فيه وجهان. إذا قلنا إنه ينجس بالموت في أضعف القولين، وقيل: إنه لا يتأتى فيه الدباغ، وقال أبو حنيفة: يظهر جلد الكل بالدباغ إلا جلد الخنزير والإنسان. ثم منهم من قال: عين الخنزير نجس في حال الحياة كمذهبنا. ومنهم من قال: عينيه طاهرة كعين الكلب، إلا أن جلده لا يقبل الدباغ؛ لأنه نبت الشعر في جلده من لحمه. وقال أبو يوسف: يطهر جلد الخنزير أيضاً، وبه قال داود. وروى هذا عن أبى حنيفة. وقال مالك: يطهر ظاهر الجلد دون باطنه فيجوز الصلاة عليه ولا يجوز الصلاة فيه، ويجوز استعماله في الأشياء اليابسة دون الرطبة، إلا الماء فإنه عنده لا ينجس الماء إلا بالتغير. وقال الأوزاعي، وأبو ثور، وإسحاق: يطهر جلد ما يؤكل لحمه بالدباغ دون ما لا يؤكل. وقال أحمد: لا يطهر جلد الميتة بحالٍ في رواية، وبه قال عمر وابن عمر، وعائشة ﵃، وروى هذا عن مالك أيضاً. وقال ابن المنذر: كان الزهري ينكر الدباغ، وقال: ينتفع بجلود الميتة على كل حال ما وسع الناس فيه قولا الزهري، ثم داود، ثم أبو حنيفة، ثم مالك، ثم الأوزاعي، ثم أحمد، والدليل على بطلان قول أبي حنيفة أن الكلب حيوان نجس العين فلا يطهر جلده بالدباغ كالخنزير. وقول الشافعي [٣٠ ب/ ١]: لأنهما نجسان وهما حيان إشارة إلى الدليل. وهو أن الدباغ معالجة فتزيل النجاسة العارضة دون الأصلية، ونجاسة الكلب هي أصلية فلا ترتفع بالدباغ كما لا ترتفع بالحياة. والدليل على بطلان قول أبي يوسف أن الحياة هي أقوى من الدباغ، والحياة لا تطهر جلد الخنزير فالدباغ أولى أن لا يطهره. والدليل على بطلان قول مالك ظاهر ما ذكرنا من الخبر. وروى عن سودة بنت زمعة ﵂ أنها قالت: ماتت شاة لنا، فأخذنا إهابها ودبغنا. وجعلنا منه قربة ننبذ فيها إلى أن صارت شناً. ومعنى ننبذ فيها: أي نطرح التميرات في الماء الذي فيها حتى نسكب ملوحته وتصير حلوى. وقال ابن عباس ﵄: توضأ رسول الله صلي الله عليه وسلم من قربة قيل له: إنها ميتة، فقال: "إن دباغها

стр. 38

يذهب رجسها أو نجسها وخبثها". ولأنه جلد يجوز الصلاة على قلبه ووجهيه، فيجوز الصلاة معه أصله جلد المزكي المأكول واحتج مالك أنه جامد نجس فلا ينقلب طاهراً. قلنا: يبطل بظاهر، ثم تأثير الدباغ في باطنه كهو في ظاهر فيستوي حكمها. والدليل على بطلان قول الأوزاعي عموم الخبر، والاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ولأنه حيوان طاهر العين فأشبه المأكول، واحتج بان الزكاة أقوى من الدباغ ولا تؤثر الزكاة إلا فيما يؤكل بالدباغ أولى، ولأنه حيوان لا يطهر [٣١ أ/ ١] جلده بالزكاة فلا يطهر بالدباغ كالكلب. قلنا: الدباغ أقوى؛ لأنه يرفع النجاسة المحققة والزكاة ترفع النجاسة، وإنما افترقا لأنه يقصد بالزكاة اللحم، فإذا لم ينج اللحم لا يطهر الجلد بالدباغ، يقصد الجلد لا غير فيرده إلى حالة الحياة من الطهارة. والدليل على بطلان قول أحمد الخبر الذي ذكرناه، واحتج بما روي عن عبد الله بن عكيم أنه قال: كتب إلينا رسول الله ﷺ قبل موته بشهران: "لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب". وروي: "لا تنتفعوا من الميتة بشيء". ولأنه جزء من الميتة فلا يظهر بالدباغ كاللحم، لأنه تنجس بالموت فلا يطهر بالدباغ كجلد الكلب. قلنا: أما الخبر فمضطرب مرسل، وخبرنا مسند أخرجه مسلم في الصحيح، ثم أراد به قبل الدباغ؛ لأنه يسمى إهاباً قبل الدباغ وبعده يسمى أديماً أو صوفاً. فإن قيل: خبرنا ورد قبل موته بشهر فهو متأخر؟ وأما اللحم فلا يؤثر فيه الدباغ ولا يغيره عن حالته، بل يفسده بخلاف الجلد. وأما الكلب فجلده لمنجس بالموت. بل كان نجساً قبله بخلاف هذا. والدليل على بطلان قول الزهري الخبر الذي ذكرنا؛ لأنه جعل الدباغ شرح في طهارة الجلد. وروت عائشة ﵂ "أن النبي ﷺ أمر أن يستمتع [٣١ ب/ ١] بجلود الميتة إذا دبغت". واحتج بخبر شاه ميمونة أن النبي ﷺ لم يذكر فيه الدباغ، وقال: "إنما حرم من الميتة أكلها". قيل: روينا لفظ الدباغ، وروي: "فدبغوه وانتفعوا به"والناس أولى، وقوله: "إنما

стр. 39

حرم أكلها": تحريماً لا يرتفع وتحريم الجلد يرتفع. قالوا: لو كان نجساً لم يطهر بالدباغ؟ قيل: يجوز أن يكون الشيء نجس العين وينقلب طاهراً كالخمر يصير خلاً. فإذا تقرر هذا فالكلام الآن في ثلاثة فصول: أحدها: فيما يدبغ به الجلد. والثاني: في جواز بيعه. والثالث: في جواز أكله. فأما ما يدبغ به الجلد: فيجوز أن يدبغ بما كانت العرب يدبغون به من القرظ والشب هكذا في الخبر. قال أصحابنا: والشب أفصح، وروي ذلك وهو شيء يشبه الزاج وقيل: الشت بثلاث نقط، هو شجر من الطعم لا يعلم هل يدبغ به أم لا؟ والقرظ: ورق شجرة تنبت بتهامة يدبغ به الجلد. ويجوز أيضاً بكل ما يقوم مقامها من العفص وقشور الرمان، وما أشبه ذلك مما ينشف الفضول ويزيل الرطوبة حتى لا يفسد بورود الماء عليه. وفي خبر ميمونة ﵂ ذكر القرظ والشب، وقال قي خبر آخر: "ويطهرها الماء والقرظ". فصار تنبيها على ما يقوم مقامها. ومن أصحابنا من قال: يعتبر فيه ثلاثة أوصاف؛ أن ينشف فضوله الظاهرة، ورطوبته الباطنة، وأن يطيب الرائحة [٣٢ أ/ ١]، وأن يبقي على حالته بعد الاستعمال. فلا يفسد بورود الماء عليه مدة. ومن أصحابنا عن زاد وصفاً رابعاً، فقال: وأن ينقل اسمه من الإهاب إلي الأديم والشت. وقال الشافعي: "ولا يجوز بالتراب ولا بالملح" وهذا صحيح؛ لأنه لا يصلحه على ما ذكرنا، وكذلك الشمس لا تطهره. وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: يطهرها التتريب والشمس؛ لأنها تجففه وتنشف فضوله، وهذا غلط؛ لأنه لا يأمن الفساد، ومتى لحقه بالماء عاد إلي حاله. وذكر بعض أصحاب أبي حنيفة أنه إنما يطهره ذلك إذا عملت فيه عمل الدباغ على ما ذكرنا. وقد قال أصحابنا: إن كان الرماد ونحوه يصلحه يجوز به الدباغ أيضاً، ثم إذا دبغ الجلد وأحكمه، قال أبو إسحاق: لا يطهر حتى يغسل بالماء القراح ليطهر ما جاوره من النجاسة؛ لأن ما لاقاه نجس به. وقال بعض أصحابنا: يطهر بالدباغ ولا يحتاج إلي الماء، وهو ظاهر السنة، ولأن العين انقلبت فصارت طاهرة كالخمر يصير خلاً. وبه قال صاحب "التلخيص" كل نجاسة لا يجزئ في تطهيرها إلا الماء إلا الاستنجاء والدباغ، والأول أصح وأقيس. فرع ما يتناثر من الجلد من أجزاء والدباغ هل يكون نجساً؟ فإن قلنا: يجب غسل الجلد وهو المذهب، فهو نجس، وإن قلنا: لا يجب غسل الجلد فتلك الأجزاء طاهرة؛ لأن نجاستها لنجاسة الجلد، فإذا زالت نجاسة الجلد حكم بطهارتها كما يحكم بطهارة المزر إذا انقلب خلاً.

стр. 40

فرع آخر [٣٢ ب/ ١] قال في "الأم": "لو دبغ وترك عليه شعر فيما بين الماء الشعرة نجس الماء، وإن كان الماء في باطنه والشعر على ظاهره لم ينجس الماء. قال صاحب "الإفصاح": وهذا يدل على أن جلد الميتة إذا دبغ بماء نجس طهر. وقال القاضي الطبري: هذا لا يجيء على مذهب الشافعي، وتأويله: أنه غسل باطنه بالماء القراح، ثم جعل فيه الماء، وإذا دبغ بشيء نجس يحتاج إلى الماء القراح بلا خلاف. وقال بعض أصحابنا: بخراسان: هل يطهر به؟ وجهان. وهذا لا وجه له؛ لأنه يؤدي إلى أن لا سبيل إلى تطهيره؛ لأنه لا يمكن رده غير مدبوغ، والصحيح أنه يطهر ويغسل بالماء بعده. فرع آخر جلد ميتة الغير ودبغة فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون ملكاً لربه. والثاني: يكون ملكاً لدابغه. والثالث: إن كان رب الجلد رفع يده، فإن ألقاه فأخذه الدابغ كان ملكاً للدابغ، وإن لم يكن قد رفع يده كان لربه. وأما الفصل الثاني: وهو الكلام في جواز بيعه: فلا خلاف أنه لا يجوز بيعه قبل الدباغ. وحكي عن أبي حنيفة أنه قال يجوز بيعه؛ لأنه يمكن تطهيره ولا يصح عنه، بل هو قول بعض السلف وهو ربيعة، وهو غلط؛ لقوله صلي الله عليه وسلم: "إن الله إذا حرم شيئاً حرم ثمنه". وهذا الجلد محرم قبل الدباغ. وقال: أصحابنا: يجوز استعماله في اليابسات ويجوز هبته على سبيل نقل اليد والوصية به أيضاً على سبيل [٣٣ أ/ ١] التمليك. وأما بيعه بعد الدباغ، قال في "القديم": لا يجوز، وبه قال مالك؛ لأن النبي ﷺ قال في شاة ميمونة: "هلا أخذتم إهابها فانتفعتم به". فخص الانتفاع فلا يحل ثمنه. وقال في "الجديد" وهو الصحيح، وبه قال كافة العلماء: يجوز بيعه؛ لأنه طاهر منتفع به ليس في بيعه إبطال حقه، فجاز بيعه كالزكاة، فأما ما ذكر فلا يصح؛ لأن بيعه من جملة الانتفاع به، وعلى هذا أصل هل يجوز إجارته؟ وجهان كالكلب. وقيل يجوز إجارته وهبته والوصية به قولاً واحداً، وإنما القولان في بيعه ورهنه. وأما الفصل الثالث وهو الكلام في جواز أكله: قال أصحابنا بالعراق: وإن كان جلد حيوان لا يؤكل لا يجوز أكله قولاً واحداً؟ لأنه لا يحل بالزكاة مع أنها أقوى، فلأن لا يحل بالدباغ أولى، وإن كان جلد حيوان يؤكل فيه قولان. قال في "القديم": لا يحل أكله وهو الصحيح؛ لأنه جلد طاهر من حيران مأكول، فأشبه المزكي وأما الخبر فقد روى: "إنما حرم من الميتة لحمها".
следующие страницы →