← Фикх шафии

Фикх шафии · id 16934

بحر المذهب للروياني

عَبْد الواحِد الرُّوْياني

Полный текст (7 151 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

باب التعزية مسألة: قال: وأحبُّ تعزيةَ أهلِ الميتِ رجاءَ الأجرِ بتعزيتهمْ. وهذا كما قال. معنى التعزية هو ترغيب المصاب في الصبر وحثه عليه، والعزاء هو الصبر، والتعزية: هي التصبر، وهي سنة لأهل المصيبة، والأصل في ذلك ما روي أنه قبض رسول الله ﷺ جاءت التعزية، فسمعوا صوتاً من ناحية البيت وهو يقول: السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته إن في الله عزاء من كل مصيبة، وخلفاً من كل هالك، ودركاً من كل فائت، فبالله ثقوا، وإياه فارجو، فإن المصاب من حرم الثواب، ويقال: إنه كان الخضر ﷺ جاء يعزي زوجات الرسول ﷺ وأهل قرابته، فسمعوا صوته ولم يروا شخصه يعزي الناس بعضهم بعضاً. قال الشافعي: فأحب أن يقول: قائل هذا، ويترحم على الميت يدعو له ولمن خلفه، ثم الكلام فيها ثلاثة فصول: في وقتها وفي المعزي وفي لفظ التعزية. فأما وقتها: فإنه من حين الموت في المنزل والمسجد وطريق القبر وبعد الدفن ومتى عزى فحسن. قال: وإذا [٣٥٢/ ٣] شهد الجنازة أحببت أن يؤخر التعزية إلى أن يدفن الميت؛ لأن بعد الدفن يكون الجزع أعظم والحزن أشد، فهو أولى بالتعزية. قال بعض أصحابنا: التعزية ثلاث إلا أن يكون صاحب المصيبة غائباً، واتفق رجوعه بعد الثلاث، فلا بأس بالتعزية، وذكر بعض أصحابنا: أنه إذا دفن انقطعت التعزية، وأن الشافعي قال: وأكره التعزية بعد الدفن. وأراد به التعود للعزاء اليوم واليومين على ما عليه الناس اليوم، وأما عقيب الدفن فلا يكره، وليس هذا بخلاف، قال سفيان الثوري: لا يعزى بعد الدفن بحال لأن الدفن خاتمة أمره، وهذا غلط لقوله ﷺ : "من عزى مصاباً فله مثل أجره". رواه ابن مسعود ولم يفصل؛ ولأن الخوف عقيب الدفن أشد فكان بالتعزية أولى، وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "من عزى ثكلى كُسِي برداً في الجنة" وهذا خبر غريب أورده أبو عيسى. وأما من يعزي: قال: ويعزي الصغير والكبير والمرأة، إلا أن تكون شابة فلا أحب مخاطبتها، وتعزي الشابة [٣٥٣ أ/٣] محارمها، وينبغي أن يخص بها من الأهل من كان أضعف قلباً، وأضعفهم عن حمل المصيبة كيلا يتكلم بما يحبط أجره، ويعزي الأفاضل منهم والمنظور إليه فإنه إذا تعزى تبعه من دونه. قال في "الأم": وأحب مسح رأس اليتيم وتدهينه وإكرامه وأن لا ينهر ولا يقهر فإن الله تعالى قد أوصى به، وسئل رسول الله ﷺ عن التصافح في التعزية فقال: "هو سكن للمؤمن ومن عزى مصابا فله مثل أجره".

стр. 1052

وأما لفظ التعزية: قال: إذا عزى مسلم مسلماً قال له: أعظم الله أجرك، وأحسن عزاءك وغفر لميتك وخلف عليك، يعني صار لك خليفة عنه. وإن عزي مسلماً بنصراني قال: أعظم الله أجرم وأحسن عزالك وأخلف عليك، وإن عزي نصرانياً بنصراني قال: أخلف الله عليك ولا نقص عددك، وينوي كثرة عدده لتكثر الجزية، وإن عزي نصرانياً بمسلم قال: غفر الله لميتك وأحسن عزاءك وأخلف عليك بالخير، أو جبر مصيبتك فخرج من هذا أربع مسائل: إحداها: أن يكون الميت والمعزي مسلمين فيدعو للمعزى بالأجر وللميت بالمغفرة. والثانية: أن يكونا كافرين فلا يجوز [٣٥٣ ب/٣] أن يدعو للمعزى بالأجر ولا للميت بالمغفرة؛ لأنه لا يجو زالدعاء للكافر بالمغفرة. قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣] الآية. والثالثة: أن يكون المعزي مسلماً والميت كافراً فيدعو له بالأجر والإخلاف عليه، ولا يدهو للميت. والرابعة: على عكس هذا، فيدعو للميت بالمغفرة وللمعزى بجبر المصيبة والإخلاف عليه. قلت: ويستحب إذا كان الميت طفلًا أن يقول عند التعزية: وجعله فرطاً لك. وروى ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من كان له فرطان من أمتي أدخله الله بهما الجنة"، فقالت عائشة ﵂: فمن كان له فرط من أمتك؟ قال: "ومن كان له فرط يا موفقة" قالت: فمن لم يكن له فرط من أمتك قال: "فأنا فرط أمتي لم يصابوا بمثلي" وروى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لايموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد فتمسه النار إلا تحلة القسم". مسألة: قال: وأحب لقرابة الميت وجيرانه أن يعملوا لأهل الميت في يومهم وليلتهم طعاما. الفصل وهذا كما قال. أراد أن يتخذ في [٣٥٤ أ/٣] الوقت الذي مات فيه ميتهم طعاماً لتبعهم فإنه سنة، وهو فعل أهل الخير، وأراد بالسنة ما روي في قصة عروة في موته، لما قتل جعفر بن أبي طالب، وبلغ النعي أهل جعفر، دخل النبي ﷺ على أهله فقال: "اصنعوا لآل جعفر طعاماً، فقد نزل بهم ما يشغلهم" يعني عن الطعام. قال: وهو من فعل الخير. وهذا لأنه من باب الجود والإفضال والإعانة على نوائب الحق، فإن أهل الميت لا يتفرغون لاتخاذ الطعام لأنفسهم في الغالب، ويعيرون لو اشتغلوا به

стр. 1053

فكان إنفاذ الطعام إليهم من باب الخير والتعاون على البر والمعروف، وأراد الشافعي بقرابة أهل الميت الأبعدين منهم، وأما إصلاح أهل الميت طعاما وجمع الناس غليه كما يفعل في جبال طبرستان فلم ينقل فيه ش ئ وهو بدعة غير مستحب. باب البكاء على الميت مسألة: قال: وأرخصُ في البكاء بلا ندبٍ. الفصل وهكذا كما قال: جملته أنه يكره البكاء بالنوح والندب والتعديد، ونشر الشعور، وخمش الوجوه وتخريق الثياب، وهذه الكراهة هي [٣٥٤ ب/٣] كراهة تحريم. قال الشافعي لما في النوح من تجديد الحزن ومنع الصبر وعظيم الإثم، وهذا يدل على أن قوله: وأكره النياحة هي كراهية تحريم. وروي أن النبي ﷺ قال: "أنها كم عن صوتين فاجرين صوت مزمار عند نغمة، وصوت عند حادث مصيبة"، وقالت أم عطية: أخذ علينا رسول الله ﷺ مع البيعة أن لا ننوح، فما وفت منا امرأة إلا خمس منهن أم سليم وأم العلا، وابنة أبي سبرة، وامرأة معاذ وقالت: أيضاً لما نزل قوله تعالى: ﴿إذَا جَاءَكَ المُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ إلى قوله: ﴿ولا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ [الممتحنة:١٢] قال رسول الله ﷺ فلا بد لي من أن أسعدهم، فقال رسول الله ﷺ إلا آل فلان. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "أربع في أمتي من أمر الجاهلية لن يدعهن الناس: النياحة والطعن في الأنساب، والعدوى أجرب بعير فأجرب مائة بعير من أجرب البعير الأول [٣٥٥ أ/٣] والأنواء مطرنا بنوء كذا". وروى أبو مالك الأشعري أن النبي ﷺ قال: "النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران" وروي عن علي بن ربيعة الأسدي قال: مات رجل من الأنصار يقال له: قرظة بن كعب، فنيح عليه، فجاء المغيرة بن شعبة فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال: ما بال النوح في الإسلام أما إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من نيح عليه عذب ما نيح عليه". وروى عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ليس منا من شق الجيوب وضرب الخدود ودعا بدعوى الجاهلية". وقال أيضاً: "ليس منا من حلق

стр. 1054

أو سلق" والسلق: النياحة لقوله تعالى: ﴿سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ [الأحزاب: ١٩] ويقال: خطيب مسلق. وروى أبو سعيد الخدري أن النبي ﷺ : "لعن النائحة والمستمعة". وأما البكاء المجرد يجوز ويباح لما روي أن النبي ﷺ لما مات ابنه إبراهيم أخذه في حجره وهو يدمع فقال: "تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط الرب وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون". وروى أسامة بن زيد أن بنت رسول [٣٥٥ ب/٣] الله ﷺ أرسلت إليه أن ابني أو بنتي قد حضر فاشهد فأرسل يقرأ السلام. وقال: لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل ش ئ عنده إلى أجل مسمى، فمرها فلتصبر ولتحتسب. فعاد الرسول فقال ذلك: فأرسلت ثانياً تقسم عليه ليأتينها فقام رسول الله ﷺ وقام معه سعد بن عبادة. ومعاذ بن جبل فأتاها فوضع الصبي في حجره ونفسه تقعقع ففاضت عيناه فقال له سعد بن عبادة: نا هذا يا رسول الله؟ فقال: "هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده وإنما يرحم الله من عباده الرحماء". وروي عن عبد الله بن عمر ﵁ قال: شكا سعد بن عبادة شكوى له فأتى رسول الله ﷺ يعوده مع عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود فلما دخل عليه وجده في غشيته فقال: قد مضى قالوا: لا يا رسول الله فبكى رسول الله ﷺ فلما رأي القوم بكاء رسول الله ﷺ بكوا فقال: "ألا تسمعون أن الله لا يعذب بأدمع الغير ولا بحزن القلب ولكن يعذب بهذا - وأشار إلى لسانه - أو يرحم". قال الشافعي: ويكره المأتم [٣٥٦ أ/٣] وهو الذي يجتمع فيه النساء والرجال، وإن لم يكن بكاء، وإنما كرهناه، لما جاء فيه من الإثم وتكلف المؤنة وتجديد الحزن، وقال في "الأم": فإذا مات أمسكن فاستحب قطع البكاء بعد الموت. وروي أن النبي ﷺ جاء يعود عبد الله بن ثابت فوجده قد غلب، فصاح به فسلم لحينه، فاسترجع رسول الله ﷺ وقال: "غلبنا عليم يا أبا الربيع" فصاح النسوة يبكين فجعل ابن عتيك يسكتهن، فقال رسول الله ﷺ : "دعهن فإذا وجبت فلا تبكين باكية" قالوا: وما الوجوب يا رسول الله فقال: "الموت". قال أصحابنا: والفرق بين ال حالين هو أن الذي شارف الموت إذا كان يرى علامات الموت على نفسه، ورأى فيمن حوله لا يبكون فربما ساءه ذلك، وإذا مات زال هذا المعنى، فإن علبه الدمع فذلم مما لا يملكه البشر، فلا يدخل تحت النهي، كما روي في خبر إبراهيم ابن النبي ﷺ وهكذا تنفس الصعداء وحزن القلب. وانكسار النفس لا بد منه بل ضد ذلك قسوة في القلب. وروي

стр. 1055

عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا أصاب أحدكم مصيبة فليقل: إنا لله وإنا إليه راجعون [٣٥٦ ب/٣] اللهم عندك أحتسب مصيبتي فاجرني عليها وأبدلني بها خيراً منها". والندب: قول النسوة: وافلاناه واسيداه واجبلاه ونحو هذا من تعداد فضائل الميت على وجه التأسف عليه، والنياحة: هي كلمات منظومة تشبه الشعر. وروي أن خالد بن الوليد لما أشرف على الموت ندبه بعض من حضره يقول: واكفهاه واجبلاه واسنداه، وكان يعشى عليه ويفيق فأفاق فقال: ما ندبتموني بش ئ إلا خوفت به، وقيل لي: أنت هكذا. فإذا تقرر هذا، فقد ذكر الشافعي بعد هذا ما جاء في التشديد في البكاء على الميت، وروى حديث عمر أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه"، وقال: "حسبكم القرآن"، وهذا إشارة إلى قصة وهو أنه لما طعن عمر ﵁ خرج أمعاؤه في مواضع كان يغشى عليه ويفيق، فأقبل صهيب ﵁ وهو يتأوى ويندبه فيقول: واجبلاه واكهفاه واسنداه وأميراه، فأفاق عمر فسمع صوته فقال له: أتبكي علي وقد سمعت رسول الله ﷺ : "إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه" فسمع ابن عباس فحفظه فلما توفي عمر ومضى زمان فتوفي بعض آل عمر وكان عبد الله بن [٣٥٧ أ/٣] عم روابن عباس ﵄ جالسين على باب حجرة عائشة ينتظران تلك الجنازة، فلما أقبلوا بالجنازة كان النساء يبكين، فقال ابن عباس لابن عمر: هلا نهيتهن فإني سمعت أباك قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه" فسمعت عائشة ذلك من وراء الستر فقالت: رحم الله عمر والله ما قال رسول الله ﷺ هذا وإنما قال: "إن الله يزيد الكافر عذاباً ببكاء أهله عليه ثم قالت حسبكم القرآن قال الله تعالى: ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] أي: لا يؤاخذ أحد بذنب غيره، ثم قال ابن عباس: عند ذلك تصديقاً لقول الله: ﴿هُوَ أَضْحَكَ وأَبْكَى﴾ [النجم: ٤٣] أي ما ذنب الميت في بكاء أهله عليه. هذا شرح القصة مع أن الشافعي مال إلى ما قالت عائشة ورجح روايتها على رواية عمر. قال: ما روت عائشة أشبه بدلالة الكتاب ثم السنة، ثم فسر دلالة الكتاب بما ذكرت عائشة من قول الله تعالى ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] وزاد عليها فقال: وقال تعالى: ﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ [طه: ١٥] وقال: ﴿وأَن لَّيْسَ لِلإنسَانِ إلاَّ مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] ثم فسر دلالة السنة فقال قال النبي [٣٥٧ ب/٣] ﷺ لرجل في ابنه "أما أنه لا يجني عليم ولا تجني عليه" وتمام هذا الخبر هو أن رجلين دخلا على النبي ﷺ فأقبل رسول الله ﷺ على أكبرهما سناً فقال: ما هذا منك؟ فقال: هذا ابني فقال: "أما أنه لا

стр. 1056

يجني عليك ولا تجني عليه" أي لا يؤاخذ أحدكما بذنب الآخر، فهذا هو وجه ترجيح رواية عائشة على رواية عمر ﵄، ثم اعلم أنه لا بد من تأويل حديث عائشة أيضاً، فإن فيه بعض ما في حديث عمر وذلك أنه كما لا يجوز أن يعذب المسلم ببكاء أهله عليه لا يجوز أن يزيد في عذاب الكافر ببكاء أهله عليه؛ لأنه كما لا يظلم المسلم لا يظلم الكافر مثقال ذرة. فأول الشافعي هذا القدر تأويلًا مجملًا فقال: وما يزيد في عذاب الكافر فباستجابه أي باستحقاقه لا بذنب غيره، وهذا يحتاج إلى بيان فبيانه ما ذكره المزني فقال: بلغني أنهم كانوا يوصون بالبكاء أو بالنياحة عليهم أو بهما وهي معصية، وإذا أمر بها وعملت بعده كانت له ذنباً، فيجوز أن يزداد بذنبه [٣٥٨ أ/٣] عذاباً كما قال الشافعي لا بذنب غيره، ولا فرق بين أن هذه الوصية من مسلم أو كافر، وهذا موجود في أشعارهم: إذا مت فانعوني بما أنا أهله وشقي عليَّ الجَيْبَ يا أم معبد ومن أصحابنا من قال الصحيح من رواية عائشة أن النبي ﷺ قال: "إن الميت ليعذب وأهله يبكون عليه"، وذكر مسلم في صحيحه عن عائشة أنه ذكر لها هذا الخبر، عن ابن عمر ﵄ فقالت: "رحم الله أبا عبد الرحمن سمع شيئاً فلم يحفظه إنما مرت على رسول الله ﷺ جنازة يهودي، وهم يبكون عليه فقال: "إنهم يبكون وإنه ليعذب" وقالت أيضا: إنما قال رسول الله ﷺ "إنه ليعذب بخطيئته أو بذنبه، وإن أهله ليبكون عليه الآن"، وقالت: إنما مر رسول الله ﷺ على يهودية يبكي عليها فقال: "إنهم ليبكون عليها وإنها لتعذب في فبرها" ومن أصحابنا من قال معناه: أن بكاءهم عليه يكون سبباً لمؤاخذة الله هذا الكافر أو العاصي بذنب نفسه، وأنه كان في [٣٥٨ ب/٣] معلومه أنهم لو لم يبكوا عليه لكان لا يؤاخذه بذنبه وقيل: معناه أن الميت ليعذب عند بكاء أهله كما يقال: عتق المكاتب بالأداء - أي عند الأداء بالقول السابق - وقيل: إنهم كانوا ينوحون عليه ويعددون أفعالهم التي هي قيل .... والغارات، فأراد أنهم يعذبون بما يبكون به عليهم. ويكره مرثية الميت بذكر أيامه وفضائله وأفعاله، والأولى الاستغفار له، لما روى ابن أبي أوفى سمع نسوته يرثين ميتاً فنهاهن وقال: سمعت رسول الله ﷺ : "ينهي عن المراثي". فرع يستحب زيارة القبور للرجال، لما روى أبو سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ولا تقولوا هجرا" وروي أنه ﷺ قال: "زوروا القبور فإنها تذكر الموت"، وروى بريدة أن النبي ﷺ قال: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور

стр. 1057

فقد أذن لمحمد في زيارة قبر أمه فزوروها فإنها تذكر الآخرة"، وقال في "الأم": لا بأس بزيارة القبور، فإنك إذا زرت القبور تستغفر للميت [٣٥٩ أ/٣] ويرق قلبك" وتذكر أمر الآخرة فهذا مما أحبه، وبهذا قال ابن المبارك وأحمد وإسحاق. فَرْعٌ آخرُ قال أصحابنا: يكره زيارة القبور للنساء لما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ "لعن زوارات القبور" وروى ابن عباس أن النبي ﷺ "لعن زائرات القبور أو المتخذين عليها المساجد والسرح". قال القاضي الطبري: لا أعرف هذا للشافعي. قلت: قال في بعض أصحابنا: يحتمل أنه كره لهن ذلك لعلة صبرهن وكثرة جزعهن. وقيل: كان هذا قبل أن يرخص النبي ﷺ في زيارة القبور فلما رخص دخل في رخصته الرجال والنساء، وهذا أصح عندي إذا أمنت الافتتان والتعدي عما فيه رضي الله تعالى. فَرْعٌ آخرُ قلت: يكره لها اتباع الجنازة والخروج إلى المقبرة مع النساء لما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قبرنا مع رسول الله ﷺ يوماً ميتاً فلما فرغنا انصرف رسول الله ﷺ وانصرفنا معه فلما جاؤوا بابه وقف فإذا نحن بامرأة مقبلة فعرفها فكانت فاطمة رضي [٣٥٩ ب/٣] الله عنها فقال لها: ما أخرجك يا فاطمة من بيتك؟ قالت: أتيت يا رسول الله أهل هذا الميت فرحمت إليهم ميتهم أو عزيتهم به، فقال لها رسول الله ﷺ : فلعلك بلغت معهم الكدى قالت: معاذ الله وقد سمعتك تذكر فيها ما تذكر قال: "لو بلغت معهم الكدى" وذكر تشديداً. والكدى: هي القبور قاله ربيعة: وقيل الكدى جمع الكدية: وهي القطعة الصلبة من الأرض والقبور إنما تحفر في المواضع الصلبة لئلا تنهار. فَرْعٌ آخرُ يستحب إذا اجتاز بالمقبرة أن يسلم على أهلها فيقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون. قال الشافعي: يقول: اللهم اغفر لنا ولهم يدعو بعد هذا بما يريد، وقالت عائشة: "كان رسول الله ﷺ كلما كانت ليلتي منه يخرج من آخر الليل إلى البقيع يقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين وأتاكم ما توعدون غداً مؤجلون وإنا إن شاء الله بكم لاحقون اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد" وقالت أيضا للجماعة: "ألا أحدثكم عني وعن رسول الله ﷺ فيها عندي انقلب فوضع رداءه وخلع نعليه فوضعهما عند رجليه وبسط طرف إزاره على فراشه فاضطجه فلم يلبث إلا ريثما ظن أني قد رقدت فأخذ رداءه رويداً وانتقل رويداً أو فتح الباب وخرج، ثم أجافه رويداً وجعلت درعي في رأسي واختمرت وتقنعت إزاري، ثم انطلقت على أثره حتى جاء البقيع فقام فطال القيام ثم

стр. 1058

رفع يديه ثلاث مرات، ثم انحرف فانحرفت فأسرع فأسرعت، فهرول فهرولت، فأحضر فاحتضرت فسبقته فدخلت، فليس إلا أن اضطجعت فدخل فقال: ما لك يا عائشة؟ قلت: لا ش ئ فقال: لتخبريني أو ليخبرني اللطيف الخبير: قلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي فأخبرته قال: فأنت السواد الذي رأيت أمامي؟ قلت: نعم فلهدني في صدري لهدة أوجعتني ثم قال: "أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله" قلت: مهما يكتمه الناس يعلمه الله. قال: نعم، قال: فإن جبريل أتاني حتى رأيته فناداني فاخفاه منك فأجبته فأخفيته منك، ولم يكن يدخل عليك، وقد وضعت ثيابك وظننت أنك قد رقدت فكرهت أن أوقظك [٣٦٠ ب/٣] وخشيت أن تستوحشي فقال: إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم فقلت: كيف أقول يا رسول الله؟ قال قولي: "السلام على أهل الديار من المؤمنين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين وإنا إن شاء الله للاحقون"، وروي أنه ﷺ مر بقبور أهل المدينة فقال: "السلام عليكم يا أهل القبور يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن بالأثر" وروي في خبر آخر أنه قال: "أنتم لنا فرط وإنا بكم لاحقون، اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم نسأل الله لنا ولكم العافية" وقوله: إن شاء الله بكم لاحقون ليس على معنى الاستثناء للشك والارتياب، ولكنه لتحسين الكلام كما يقول القائل: إن أحسنت إلى شكرتك إن شاء الله، وقيل: كان معه قوم يظن بهم النفاق فاستناده ينصرف إليهم، ومعناه: اللحوق بهم في الإيمان وقبل الاستثناء إنما وقع في استصحاب الإيمان إلى الموت لا في نفس الوقت. فَرْعٌ آخرُ قلت: يجوز له زيارة قبر الوالدين والأقارب وإن كانوا مشركين، لما روى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم [٣٦١ أ/٣] يأذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي"، وروي أنه زار قبر أمه فبكى من حوله فقال: "استأذنت ربي أن أستغفر لكم فلم يأذن لي واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي". فَرْعٌ آخرُ قلت: يستحب الثناء الحسن على الميت لما روى أنس بن مالك قال: مر بجنازة فأثنى عليها خيراً، فقال النبي ﷺ : "وجبت وجبت وجبت". فقال عمر ﵁: قداك أبي وأمي ما معناه؟ فقال: "من أثنيتم عليه خيرا وجبت له الجنة ومن أثنيتم عليه شرا وجبت له النار أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض"، وقال أبو الأسود الدؤلي: قدمت المدينة فجلست إلى عمر بن الخطاب ﵁ فمروا بجنازة فأثنوا عليها خيراً فقال عمر: وجبت فقلت لعمر: ما وجبت؟ قال: أقول كما قال رسول الله ﷺ : "ما من مسلم يشهد له ثلاثة إلا

стр. 1059

وجبت له الجنة" قلنا: واثنان قال: واثنان قال: ولم نسأل رسول الله ﷺ عن الواحد، وقال: أيضا "اذكروا محاسن موتاكم وكفوا عن مساوئهم". فَرْعٌ آخرُ قلت: قال الله تعالى: ﴿وبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٥ و ١٥٦] [٣٦١ ب/٣] الآية والصبر عند الصدمة حتى يستحق ما وعد الله تعالى، وروى أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ أتى على امرأة تبكي على صبي لها فقال: اتق الله واصبري، فقالت: وما تبالي بمصيبتي فلما ذهب قيل لها: إنه رسول الله ﷺ قالت: فأخذها مثل الموت فأتت بابه فلم تجد على بابه بوابين، فقالت: يا رسول الله لم أعرفك، فقال: "إنما الصبر عند الصدمة الأولى" أو قال عند أول صدمة. عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "من قدم ثلاثة لم بيلغوا الحنث كانوا له حصنا حصيناً" قال أبو ذر: قدمت اثنين قال: واثنين قال أبي بن كعب سيد القراء قدمت واحداً قال: وواحداً، لكن إنما ذاك عند الصدمة الأولى، وروى أبو موسى الأشعري أن النبي ﷺ قال: "إذا مات ولد العبد قال الله تعالى لملائكته: قبضتم ولد عبدي، فيقولون: نعم فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده، فيقولون: نعم فيقول: ماذا قال عبدي فيقولون: حمدك واسترجه فيقول الله تعالى: "ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسموه [٣٦٢ أ/٣] بيت الحمد". فرع قلت: يستحب له أن يقصد جنازة الشهداء وزيارتهم إذا دفنوا أكثر مما يكون في غيرهم، وقد روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "الشهداء خمسة المطعون والمبطون والغريق وصاحب الهدم والشهيد في سبيل الله"، وروي أنه قال لأصحابه: "ما تعدون الشهادة؟ قال: القتل في سبيل الله، فقال: الشهادة سبع سوى القتل في سبيل الله المطعون شهيد، والغريق شهيد وصاحب ذات الجنب شهيد، والمبطون شهيد، وصاحب الحريق شهيد، والذي يموت تحت الهدم شهيد والمرأة تموت بجمع شهيدة" وهي أن تموت وفي بطنها ولد. وروي أن رسول الله ﷺ قال: "من قتله بطنه لم يعذب في قبره".

стр. 1060

فَرْعٌ آخرُ قلت: يكره الفرار من الطاعون لما روى أسامة بن زيد أن النبي ﷺ ذكر الطاعون فقال: "بقية رجز أو عذاب أرسل على طائفة من بني إسرائيل فإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا، وإذا وفع بأرض ولستم بها فلا تهبطوا فيها". وقال عبد الرحمن بن عوف: سمعت رسول الله ﷺ [٣٦٢ ب/٣] يقول: "إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً" وقوله: "لا تقدموا عليه" إثبات الحذر والنهي عن التعرض للتلف، وقوله: "ولا تخرجوا فراراً منه" فيه إثبات التوكل والتسليم لأمر الله تعالى وقضائه، فأحد الأمرين تأديب وتعليم والآخر تفويض. فَرْعٌ آخرُ قلت: يستحب إذا مات في ليلة الجمعة أو يوم الجمعة أو في يوم عاشوراء أو يوم في يوم عرفة أن يتفاءل له خيراً ويرغب في حضور جنازته، لما روى عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ قال: "ما من مسلم يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة إلا وقاه الله وحشة القبر". فَرْعٌ آخرُ قلت: يستحب إذا نزل به آيات الموت أنه لا يجزع من الموت، ولا بأس أن يجزع من الذنوب، وروى عبادة بن الصامت أن النبي ﷺ قال: "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه"، وروي أن النبي ﷺ لما قال ذلك، قالت عائشة: يا نبي الله كلنا نكره الموت فقال: "ليس كذلك ولكن المؤمن إذا [٣٦٣ أ/٣] بشر برحمة الله ورضوانه وجنته أحب لقاء الله وأحب الله لقاءه، والكافر إذ بشر بعذاب الله وسخطه كره لقاء الله وكره الله لقاءه". وقال عبد الله بن مسعود: "إذا جاء ملك الموت يقبض روح المؤمن قال: ربك يقرئك السلام، فمن كان حاله هذا ينبغي أن يستأثر الموت ويختاره، اللهم ارزقنا هذا برحمتك". فَرْعٌ آخرُ قلت: يستحب إذا أراد أن يسأل من الله تعالى حاجة أن يفعل ما قال رسول الله ﷺ في رواية عبد الله بن أبي أوفى ﵁: "من كانت له حاجة إلى الله تعالى أو إلى أحد من بني آدم فليتوضأ وليجسن الوضوء، ثم ليصل ركعتين، ثم ليثنين على الله تعالى وليصل على النبي ﷺ ، ثم ليقل: لا إله إلا الله الحليم الكريم سبحان الله رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين، أسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك والعافية من كل بر، والسلامة من كل إثم، ثم لا تدع لي ذنباً إلا غفرته ولا هماً إلا فرجته، ولا حاجة هي لك

стр. 1061

رضى إلا قضيتها يا أرحم الراحمين" قلت: ويتحرى غداة يوم السبت لقوله ﷺ : "من عدا [٣٦٣ ب/٣] غداة يوم السبت في حاجة عمل طلبها فأنا ضامن لقضائها". فَرْعٌ آخرُ يستحب إذا أراد أن يبتدئ أن يقدم صلاة الاستخارة وهي ما روى جابر ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن يقول: إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل: اللهم إني استخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب. اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني، ومعيشتي، وعاقبة أمري، فيسره لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني، ومعيشتي، وعافبة أمري، فاصرفه عني، واصرفني عنه واقدر لي الخير كان، ثم أرضني، ويسمي حاجته". فصل اعلم أن الخبر ورد بصلاة التسابيح وهي صلاة مرغوب فيها ويستحب أن يعتادها كل حين ولا يتغافل عنها وهكذا قال ابن المبارك وجماعة العلماء وقال ابن وهب: سألت عبد الله بن المبارك عن صلاة التسابيح فقال: يكبر ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله [٣٦٤ أ/٣] غيرك ثم يقول خمس عشرة مرة: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ثم يتعوذ ويقرأ بسم الله الرحمن الرحيم وفاتحة الكتاب وسورة ثم يقول عشر مرات: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ثم يركع فيقولها: عشراً، ثم يرفع فيقولها: عشراً ثم يسجد فيقولها: عشراً ثم يرفع رأسه فيقولها: عشراً ثم يسجد الثانية فيقولها: عشراً، يصلي أربع ركعات على هذا فذلك خمس وسبعون تسبيحة في كل ركعة يبدأ في كل ركعة بخمس عشرة تسبيحة ثم يقرأ ثم يسبح عشراً، وقال: يبدأ في الركوع سبحان ربي العظيم وفي السجود سبحان ربي الأعلى ثلاثا اسبح التسبيحات وقيل لعبد الله بن المبارك: إن سهى فيها يسبح عشر عشراً قال لا إنما هي تسبيحة والله أعلم. تم الجزء الثاني من كتاب بحر المذهب حسب تقسيم المحقق ويتلوه في الجزء الثالث إن شاء الله تعالى كتاب الزكاة

стр. 1062

بَحْرُ المَّذْهَبِ في فرُوع المذْهَب الشّافعي تأليف القاضي العلاّمة فخر الإسلام شيخ الشافعية الإمام أبي المحاسن عبد الواحد بن إسماعيل الرّوُيَاني المتوفي ٥٠٢ تحقيق طارق فتحي السيد الجزء الثالث يحتوي على الكتب التالية: الزكاة- زكاة الفطر- الصيام- الاعتكاف- الحج

стр. 1063

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم كتاب الزكاة اعلم أن الزكاة الصدقة من [مال مخصوص] هو ما يخرجه من ماله, أي: المختار إلى المحتاجين تطهيرًا لماله وتنمية له, ثم قد يكون فرضًا, وقد يكون تطوعًا. والزكاة ركن من أركان الدين, والأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فقوله تعالى في غير موضع: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (البقرة: ٤٣) وقوله تعالى: ﴿ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [التوبة: ٧١] , وقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] وقوله: ﴿الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والْفِضَّةَ ولا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤] الآية. وقد قال ﷺ : "كلُّ مال لم تؤدَّ زكاته فهو كنز وإن كان ظاهرًا على وجه الأرض" (١). فقوله ﷺ : "إذا جارت الولاة قحطت السماء, وإذا منعت الزكاة هلكت المواشي, وإذا ظهر الزنا ظهر الفقر والمسكنة, وإذا أخفرت الذمة أديل الكفر" (٢). وقال ﷺ : "ما خالطت الزكاة مالاً إلا أهلكته" (٣)، وقال ﷺ : "مانع الزكاة في النار" (٤). وروي أن رجلًا قال يا رسول الله ما الإسلام؟ فقال: أن تعبد الله ورسوله ولا تشرك به شيئًا, وتقيم الصلاة المكتوبة, وتؤدي الزكاة المفروضة, وتصوم شهر رمضان". ثم أدبر الرجل فقال رسول الله ﷺ : [٢ أ/ ٤] "ردوا علي الرجل" فلم يروا أحدًا, فقال رسول الله ﷺ : "هذا جبريل جاء ليعلِّم الناس دينهم" (٥). وأما الإجماع, فلا خلاف بين المسلمين في وجوبها. واعلم بأن معنى الزكاة في اللغة: النماء والزيادة, يقال: زكاة الزرع, إذا نما وزاد.

стр. 1064

وقد قال ﷺ : "ما نقص مال من صدقة" (١) , وقال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِندَ الله وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ الله فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ﴾ [الروم: ٣٩] , فالشرع وافق مقتضى اللغة. واختلف أصحابنا في قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [النور: ٥٦] ونحوه من الآيات, هل هي مجملة أو عامة على وجهين. . . . (٢) كقوله تعالى: ﴿والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا﴾ [المائدة: ٣٨] فيكون حجة في كل مختلف إلا ما أخرجه الدليل. والثاني: هي مجملة, وهو للمذهب, كقوله تعالى: ﴿. . . .﴾ (٣) لأنه. . . . (٤) إلى. . . . (٥). . . . (٦) المراد به بخلاف آية السرقة, فعلى هذا الزكاة المفروضة زكاتان: زكاة الأموال, وزكاة الأبدان. فأما زكاة الأبدان فهي زكاة الفطر ويجيء بيانها إن شاء الله تعالى, وأما زكاة الأموال فهي تجب في عين الأموال وأكثرها نماء وأعظمها منفعة, وهي ثلاثة أجناس الماشية والزرع. . . . (٧). . . . . . . (٨) ومنها الأجل [٢ ب/ ٤]. . . . . (٩) وفي الزرع والثمار, يجب في أعظمها منفعة, وهي: القوت, وفي الجواهر في النقدين: الذهب والفضة, ولا يجب فيما عداهما إلا بالتجارة, وهذا لأن الله تعالى أوجبها على طريق المساواة, وهذا اعتبر فيه النصاب والحول. ثم اعلم أن الناس في الزكاة على ثلاثة أضرب: ضرب يعتقد وجوبها ويؤديها, فهو المشكور والمدعو له على ذلك. قال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وتُزَكِّيهِم بِهَا وصَلِّ عَلَيْهِمْ إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] أي: ادع لهم. وضرب يعتقد وجوبها ولا يؤديها, فهذا مسلم فاسق, فيطالبه الإمام بأدائها أو الأخذ من ماله كرهًا, فإن كان ربّ المال في منعه لا يقدر عليه كان للإمام قتاله, وعلى الرعية معاونته حتى يؤديها. وضرب لا يعتقد وجوبها بعد استقرارها, فإن كان جاهلاً بالوجوب لقرب عهده بالإسلام, عرف حكمها, وعلم فرضها, ليعلم أنها من أركان الإسلام, وإن كان عالمًا بالوجوب فإن نشأ في دار الإسلام بين المسلمين, فقد كفر ويقتل لردته؛ لأنه خلاف إجماع الخاصة والعامة, وفيه تكذيب الله تعالى, وتكذيب رسوله ﷺ , فإن قيل: أليس القوم الذين قاتلهم أبو بكر الصديق ﵁ على منع الزكاة, لم يكفر, فكيف كفَّرتهم هؤلاء؟ [٣ أ/ ٤] قلنا: الزكاة في ذلك الوقت لم يستقر وجوبها؛ بل كانت عليها أدلة ظاهرة يمكن تأويلها, ثم استقر فرضها بالإجماع, فكفر من جحدها بعد ذلك, وهذا كما أن عمرو بن معد يكرب وقدامة بن مظعون اعتقدا أن الخمر مباحة, فكانا يقولان: ما قطع الله بتحريمها لأنه قال: ﴿فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] ولم يقل: بلى, ولا نعم عند الاستفهام. وقال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ

стр. 1065

جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣] الآية, فنحن نعمل الصالحات لله تعالى وقطع ما نريد. فقال لهم الصحابة: ذلك فيما طعموا قبل الإسلام لأن الله تعال لما أنزل تحريمها قالت الصحابة فأنزل الله تعالى هذه الآية, فلم يكفرا لأنهما قالاه لقرب من التأويل, ولم يكن انعقد الإجماع فيه, ثم رجعا, وصار بعد ذلك إجماع الخاصة والعامة, فمن أباحها بعد ذلك كفر, فهي كالزكاة سواء. باب الإبل السائمة مسألة: قال (١): أخبرنا القاسم بن محمد, وذكر الخبر. وهذا كما قال. بدأ الشافعي رحمة الله عليه بزكاة الإبل اتباعًا للخير, وذلك لأنها أجلُّ الأموال وأنفسها عند العرب, وقيّد بالإبل السائمة لأن الزكاة لا تجب في المعلوفة منها. وقيل بيان زكاتها نتكلم على أسبابها [٣ ب/ ٤] حتى يكون أسهل لمعرفة زكاتها, فإذا ولدت الناقة وانفصل عنها فهو فصيل, ويقال له: فإذا استكمل السنة ودخل في الثانية فهو ابن مخاض, والأنثى بنت مخاض, وإنما سميت بنت مخاض لأن أمها حامل في الغالب, ويسمى بهذا, وإن لم تكن أمها حاملًا اعتبارًا بالأغلب, والمخاض اسم جنس لا واحد له من لفظه, وإنما الواحد منها خلفة, فإذا استكمل سنتين ودخل في الثالثة فهو ابن لبون, وإنما سميت بهذا الاسم لكون أمها لبون أو ذاك, فإذا استكمل ثلاث سنين ودخل في الرابعة فهو حق, والأنثى حقة, لأن من حقها بهذا جاء الخبر, وقيل: سميت حقة؛ لأن من حقها أن يحمل عليها أو تركب. فإذا استكمل أربعًا ودخل في الخامسة فهو جذع -بفتح الذال- والأنثى جذعة, وسميت جذعة لتكامل أسنانها, وقيل: لنبات سن لها في هذه الحالة, وهو قريب من الأول, وقيل: لسقوط مقدم أسنانها, وهذا آخر أسنان فرائض الإبل, ولا يجب فيها أكبر من الجذعة. فإذا استكمل خمسًا, وذلك في السادسة, فهو ثني, والأنثى نية, وهما يجزيان في الأضحية, فإذا استكمل ستًا ودخل في السابعة فهو رباع, والأنثى رباعيّة, فإذا استكمل سبعًا ودخل في الثامنة فهو سديس, وسدس لغتان, واللفظ (٤ أ/ ٤) في الذكر والأنثى واحد, فإذا استكمل ثمانيًا ودخل في التاسعة فهو بازل, لظهور نابه, ثم بعد هذا يقال: بازل عام, وبازل عامين, ويسمى بهذا الاسم وإن كانت أنثى؛ لطلوع بازله, وهو الناب. فإذا تقرر هذا فلا شيء فيها حتى تبلغ خمسًا, فإذا بلغتها ففيها شاة, ثم لا شيء في زيادتها حتى تبلغ عشرًا, فإذا بلغتها ففيها شاتان, ثم لا شيء في زيادتها حتى تبلغ عشرين, فإذا بلغتها ففيها أربع شياه, فالواجب إلى العشرين من غير جنسها, ثم

стр. 1066

الواجب من بعد هذا جنسها, فلا شيء في زيادتها حتى تبلغ خمسًا وعشرين, فإذا بلغتها ففيها بنت مخاض. وروي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: فيها خمس شياه, وفي ست وعشرين بنت مخاض, فاتبع أحد النصابين الآخر من غير وقص بينهما, ولم يتابعه أحد على هذا, وقيل: إنه رجع عنه. ثم لا شيء في زيادتها حتى تبلغ ستًا وثلاثين, فإذا بلغتها ففيها بنت لبون, ثم لا شيء في زيادتها حتى تبلغ ستًا وأربعين, فإذا بلغتها ففيها حقة, ثم لا شيء في زيادتها حتى تبلغ إحدى وستين, فإذا بلغتها ففيها جذعة, وقد انتهت الزيادة في السن, فلا يجب سن أكبر منها وإن كان كلها أكبر منها, فأكبر سن الفريضة الجذعة, وأصغرها بنت مخاض, ولا يعودان بعد الانتقال [٤ ب/ ٤] عنهما, ويكون الواجب حقاقًا وبنات لبون, فتكون الزيادة تارة في السن, وتارة بالعدد, ثم لا شيء في زيادتها حتى تبلغ مائة وإحدى وعشرين, فإذا بلغتها ففيها ثلاث بنات لبون, وقد استقرت الفريضة فيكون في كل أربعين بنت لبون, وفي كل خمسين حقة, ويتغير الفرض بكل .... (١) لو زاد على مائة وعشرين جزءًا من بعير, فإنه لا يتغير الفرض به, وقال أبو سعيد الإصطخري: يتغير ويجب فيها ثلاث بنات لبون؛ لأن النبي ﷺ قال: "إذا زادت الإبل على عشرين ومائه واحدة, ففيها ثلاث بنات لبون" (٢)، ولأن الوقص إذا انتهى لا يتغير الفرض إلا بزيادة واحجة كما في سائر الوقاص, ثم إن هذه الواحدة الزائدة على مائة وعشرين هل لها قسط من الفريضة, أو عفو؟ اختلف أصحابنا فيه, المذهب - وهو قول الأكثرين- لها قسط منها لأنه لا يجوز تغيير الفرض بما لا قسط له منه. وقال بعض أصحابنا, وهو اختيار الإصطخري: إنه [٥ أ/ ٤] لا قسط لها منها, لأنه يؤدي إلى إيجاب بنت لبون في أربعين وثلث وتظهر فائدة هذا الخلاف فيما لو تلفت هذه الواحدة بعد الحول قبل إمكان الأداء هل يسقط شيء من الواجب أم لا؟ ثم إذا اجتمعت بنات لبون في عدد, فاجعل بعد هذا مكان كل بنت لبون حقة, وإذا اجتمعت الحقاق وانتقلت عنها, فاجعل بعددها بنات لبون وزد واحدة, وهذا يجزي ولا ينكر فيكون في مائة وإحدى وعشرين ثلاث بنات لبون, ثم في مائة وثلاثين بنتًا لبون وحقة, ثم في مائة وأربعين حقتان وبنت لبون, ثم في مائة وسبعين حقة وثلاث بنات لبون, ثم في مائة وثمانين حقتان وبنت لبون, ثم في مائة وتسعين ثلاث حقاق وبنت لبون, ثم في مائتين اجتمع أربع خمسينات وخمس أربعينات, فتأخذ ما هو الأفضل من خمس

стр. 1067

بنات لبون وأربع حقاق, وبه قال الأوزاعي وإسحاق والخرقي عن أحمد, ووافقنا مالك إلا في فصل وهو أنه قال: يجب في إحدى وتسعين إلى مائة وثلاثين حقتان, ثم تستقر الفريضة بعده على ما ذكرنا, وبه قال أحمد في رواية, وأبو عبيد. وروي عن مالك: إذا زادت واحدة يتغير الفرض إلى تخيير الساعي بين ثلاث بنات لبون, وبين الحقتين. وقال حماد والحكم: لا شيء في الزيادة (٥ ب/ ٤) على مائة وحتى تبلغ خمسا, (فتبلغ مائة وخمسًا وعشرين) ثم يلزم حقتان في مائة، وابنه مخاض في خمس وعشرين. وقال أبو حنيفة والنخعي والثوري: وروي ذلك عن علي وعبد الله، ولكن قال ابن المنذر: لا يثبت عنهما إذا زادت الإبل على مائة وعشرين, فإذا بلغت مائة وخمسًا وأربعين ففيها بنت المخاض مع الحقتين, فإذا بلغت مائة وخمسين ففيها حقاق, فترقى بنت المخاض إلى الحقة, خلاف الأصول أيضًا, ثم يستأنف الفريضة, ففي كل خمس شاة إلى مائة وخمس وسبعين, فيلزم بنت لبون مع ثلاث حقاق إلى مائة وست وثمانين, فيلزم بنت لبون مع ثلاث حقاق إلى مائة وست وتسعين, وفيها أربع حقاق, وفي المائتين أربع حقاق أيضًا, ثم يستأنف هكذا في كل خمسين. وقال ابن جرير الطبري: إن الساعي بالخيار بين أن يأخذ بما قال الشافعي, وبين أن يأخذ بما قال أبو حنيفة, وينسب هذا القول إلى ابن خيران, وهو غلط عندي, وهذا خطأ فاحش؛ لأنا أسقطنا ما رواه أبو حنيفة, وأسقط أبو حنيفة ما رويناه, وأسقط ابن جرير الخبرين معًا, والأصل الذي اعتمد عليه الشافعي في هذا الباب الخبر الذي بدأ به ورواه عن المثنى بن أنس أو ابن فلان ابن أنس, شك الشافعي فيه, فقال: أنا شككت عن أنس بن مالك [٦ أ/ ٤] وروى الشافعي هذا الخبر من طريقة أخرى هذا الخبر, قال (١): أخبرني عدد من الرجال الثقات حماد بن سلمة عن ثمامة بن عبد الله بن أنس عن أنس, وهو معنى قول الشافعي في آخر هذا الجزء؛ وحديث أنس ثابت من جهة حمّاد بن سلمة وغيره دفعًا للوهم بما شك الإسناد الأول, أي: هو غير مشكوك فيه من هذه الجهة, وإن كنت شككت فيه من جهة غيره, ثم قال: هذه الصدقة, كأنه أشار إلى نسخة كتاب فيه بيان الصدقة, فقال (٢): هذه الصدقة, ثم قرأها باسم الله الرحمن الرحيم, هذه فريضة للصدقة التي فرضها رسول الله ﷺ على المسلمين, التي أمر الله بها, يريد به قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] الآية. وقيل: معناه هذا تقدير

стр. 1068

الصدقة التي قدرها رسول الله ﷺ وبينها, التي أمر الله بها أي: أوجبها الله, فأضاف الإيجاب إلى الله تعالى [٦ ب/ ٤] والبيان والتقدير إلى نفسه؛ لأن الله تعالى أمر بالزكاة في القرآن مجملا غير مبين ولا مقدر, ثم بينها على لسان رسوله ﷺ , وهذا أصح. ثم قال (١): فمن سألها على وجهها فليعطها, أي: فمن سئل هذه الصدقة على ما ورد به الشرع فليعطها ولا يمنعها, ومن سئل فوقها, فلا يعطه, أي: من سئل فوق الواجب فلا يعطي ما زاد على الواجب. ومن أصحابنا من قال: معناه فلا يعطه شيئًا أصلاً؛ لأنه صار معتديًا, بطلت الزيادة, وبطلت أمانته كالحاكم, والصحيح الأول لأن الوالي لا ينعزل بالجور على الصحيح من المذهب وإن كان القياس أنه منعزل, ولأن المراد به الإعطاء إلى الساعي, والساعي وكيل أهل السهمان, والوكالة لا تبطل بطلب الزيادة, والهاء في قوله: فلا يعطه, هي كناية عن الفرق في قوله: فمن سئل فوقها, وليس بكناية الساعي الطالب للصدقة, لأنه لم يؤنث, وقال: فلا يعطه, ثم قال (٢): فإذا بلغت خمسًا وعشرين إلى خمس وثلاثين, ففيها بنت مخاض, فإن لم يكن فيها بنت مخاض فابن لبون ذكر, تأكيدًا للكلام كما قال النبي ﷺ : "ما أبقت الفرائض فالأولى رجل ذكر" (٣)، وقيل: إنما بالذكر لئلا تؤخذ الخنثى, لأنه يقال له: ابن لبون أيضاً, ولا يقال: ذكر [٧ أ/ ٤] وقيل: ليس في شيء من الحيوانات خنثى إلا في الآدمي والإبل. ثم قال (٤): فإذا بلغت ستًا وثلاثين إلى خمس وأربعين, ففيها بنت لبون أنثى, وإنما قيد بالأنثى للتأكيد, كما يقال رأيت بعيني, وسمعت بأذني, ونحو ذلك, فإذا بلغت ستًا وأربعين إلى ستين, ففيها حقة طروقة الحمل, ويقرأ طروقة الجمل -بالجيم- وقد روي طروقة الفحل, أي: استحقت أن يركب ويحمل عليها, والأول أصح, فإذا بلغت إحدى وستين إلى خمس وسبعين, ففيها جذعة, فإذا بلغت ستًا وسبعين إلى تسعين, ففيها بنتا لبون. وإنما كان كذلك لأن هذا العدد هو ضعف نصاب بنت لبون واحدة, وليس وراء الجذعة سن يؤخذ فأوجب بنتي لبون. ثم قال: فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة, ففيها حقتان طروقتا الحمل, وهذا لأن العدد هو ضعف نصاب حقة واحدة ثن قال: فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون, وفي كل خمسين حقة. واعلم أن نصيب الإبل إلى هاهنا كانت مختلفة, وكانت في الابتداء حين كان الواجب الغنم خمسًا خمسًا, فلما صار الواجب من جنسها في خمس وعشرين بعد ذلك عشرًا عشرًا, ثم ثلاثة أوقاص بعد ذلك خمسة عشر, ثم الوقص بعد ذلك بلبون

стр. 1069

وهو وقص الحقتين إلى أن ينتهي إلى (٧ ب/ ٤) عشرين ومائة, ثم يطرد إلى أوقاص بالعشرات, ثم قال: ومن بلغت صدقته جذعة, وليست عنده جذعة, وعنده حقة, فإنها تقبل منه, ويجعل معها شاتين, يعني: رب المنزل يعطي مع الحقة شاتين إن استيسرتا ما عليه, أو عشرين درهمًا, يعني: أن هذا حيران لما بين السنتين الواجبتين عليه, والتي يعطيها. ثم قال: ومن بلغت صدقته جذعة, وليست عنده جذعة, وعنده حقة, فإنها تقبل منه الجذعة, ويعطيه المصدق عشرين درهمًا أو شاتين. وقال مالك: إذا لم يكن في ماله السن الواجب, يلزمه الحيران بشاتين أو عشرة دراهم, لأن قيمة كل شاة في الزكاة بنصاب الدراهم خمسة دراهم, وبه قال حمّاد والثوري وأبو عبيد, وإحدى الروايتين عن إسحاق, وهذا غير صحيح, لما ذكرنا من النص الصريح. ثم قال الشافعي: وحديث أنس ثابت من جهة حمّاد وغيره, أراد بقوله: وغيره, محمد بن عبيد الأنصاري, يرويه عن ثمامة بن عبد الله بن أنس, بل شك على ما ذكرنا, ثم أيّده بحديث آخر رواه عن ابن عمر أن: هذه نسخة كتاب عمر في الصدقة التي كان يأخذ عليها, ثم قرأها, فحكي هذا المعنى, يعني حديث أنس من أوله إلى قوله: ففي كل أربعين بنت لبون (٨ أ/ ٤) وفي كل خمسين حقة, يعني وليس في حديث ابن عمر ذكر الجيران كما كان في حديث أنس, ولكن في حديث أنس, ولكن في حديث ابن عمر زيادة ليست في حديث أنس, ولم ينقلها المزني, وهي أنه قال: ولا يؤخذ في الصدقة هَررِمة ولا ذات عُوار, ولا يتبين إلا ما شاء المصدق, ولا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسويّة, ثم قال الشافعي: وبهذا كله نأخذ, أي: بكل ما جاء في حديث أنس, وحديث ابن عمر نأخذ, وبه نعمل. مسألة: قال: (١): "ولا تَجِبُ الزَّكاةُ إلاَّ بالحَولِ". وهذا كما قال: الأموال هي على ثلاثة أضرب: مال لا ينمى هو مرصد النماء, كالثياب, فلا زكاة فيها إلا بالتجارة وحولان الحول من يوم التجارة. ومال هو نماء في نفسه كالثمار والزروع والذهب والفضة المستخرجين من المعدن, فلا يعتبر فيه الحول في وجوب الزكاة فيه. ومال ليس ينمي في نفسه, ولكنه مرصد لطلب النماء منه كالإبل والبقر والغنم والنقدين: الذهب والفضة, إذا ملكها ببيع أو ميراث فلا زكاة فيه إلا بحلول الحول عليه. وقال ابن عبّاس: تلزم الزكاة في المستفاد بهبة أو إرثٍ أو عطاءٍ من غير حول. وقال ابن مسعود ﵁: تلزم في العطاء وحده دون غيره من غير حول, وكان إذا قبض العطاء أخرج زكاته في الحال, وهذا غلط [٨ ب/ ٤] لقوله

стр. 1070

صلى الله عليه وسلم: "لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول" (١) , فإذا تقرر هذا, فهل الإمكان من شرائط الوجوب أو من شرائط الضمان؟ قولان. وقال في "الأم" (٢) و"القديم": ثم تجب بالنصاب والحول والإمكان, فيكون شرائط الوجوب ثلاثًا, وبإمكان الأداء يتعلق الوجوب والضمان معًا, وبه قال مالك, وهو ظاهر المختصر, ووجهه أنه لو هلك المال قبل الإمكان لم يضمن زكاته, فلا تكون الزكاة واجبة قبله. وقال في "الإملاء": لا تجب الزكاة إلا بالنصاب والحول, والإمكان شرط في الضمان, وبه قال أبو حنيفة, وهو القياس, فعلى هذا الشرط الوجوب اثنان, ثم إذا وجبت فهي أمانة في يده حتى يمكنه الأداء, فإذا أمكنه الأداء ولم يؤدها ضمنها, كما لو تعدى في الوديعة, ووجه أنه لو كانت الزكاة غير واجبة لَمَا ضمنها بالإتلاف كما قبل الحول. وقد قال الإمام أبو الطيب ﵀: هذا القول ضعيف لهذا السؤال, ويمكن أن يجاب عنه بأنه إذا لم يبق من شرائط الوجوب .... (٣) فأتلفه قصد منع حصول .... (٤) بفعله, فلم يعذر فيه, وأما قبل الحول فهي من شرائط الوجوب غير الإمكان, فلهذا لا يضمنها بهذا الإتلاف, ولا خلاف أن ابتداء الحول الثاني من يوم تمام الحول لا من يوم الإمكان. مسألة: قال (٥): وليسَ فيما دونَ خمسٍ [٩ أ/ ٤] منَ الإبِلِ, ولا فيما بينَ الفريضَتَينِ شيءٍ. وهذا كما قال: أما فيما دون خمسٍ فلا زكاة بلا خلاف. وقد قال ﷺ : "ليس فيما دون خمس ذود من الإبل دقة" (٦)، وأما فيما بين الفريضتين, وهو الوقص, وقيل: الوقس - بالسين- والأول أشهر, فلا خلاف أنه لا يتعلق به زيادة واجب لا يجب في النصاب, ولكن الواجب في النصاب هل يقتصر عليه أم يتعلق به وبما زاد عليه؟ فيه قولان: إحداهما: يتعلق بالنصاب وما زاد عفو, وهو المشهور من المذهب, ذكره في كتبه الجديدة والقديمة, وبه قال أبو حنيفة والمزني وابن سريج. والثاني: قال في الإملاء والبويطي, وبه قال محمد: الفرض يتعلق بالكل, والمأخوذ مأخوذ عن الجميع

стр. 1071

وجه الأول أنه وقص قبل النصاب كالأربعة الأول، ووجه الثاني: أنه حق الله تعالى يتعلق بالنصاب، فيتعلق بما زاد عليه، كالقطع في السرقة، فإذا تقرر القولان فإذا ملك تسعًا من الإبل فحال عليها الحول، ثم تلف منها أربع قبل إمكان الأداء وبقيت في يدع خمس، اختلف أصحابنا فيه، قال أبو إسحاق: يجب عليه شاة على كلا القولين، لأن الوقص هو تابع للنصاب بلا خلاف، فإذا كان المتبوع باقيًا لم يسقط من الفرض شيء بتلف التابع، ولأن في خمس من الإبل شاة، وبزيادة الأربعة لا يزيد الواجب، فلا ينقص أيضًا [٩ ب/٤] بتلفها. وقال سائر أصحابنا: الجواب في هذه المسألة ونظائرها يبني على الأصلين الذين أصحابنا: الجواب في هذه المسألة ونظائرها ينبني على الأصلين الذين تقدم ذكرهما: إحداهما: أن الإمكان من شرائط الوجوب أو من شرائط الضمان. والثاني: هذا يتعلق الفرض بالوقص أم هو عفو. فإن قلنا: إن الإمكان من شرائط الوجوب فعليه في الخمسة الباقية شاة، لأن الأربع تلفت قبل تعلق الواجب بها، وحصلت شرائط الوجوب وفي يده خمس من الإبل فيلزمه شاة، وإن قلنا: الإمكان من شرائط الضمان، فإن قلنا: إن الفرض يتعلق بالنصاب والوقص وعفو، فعليه أيضًا شاة، لأنه لم يتعلق الفرض بالتالف. وإن قلنا: الفرض يتعلق بالكل فعليه خمسة اتساع شاة، لأن تعلقت بجميع التسع، وانقسمت على أجزائها فقابل خمسًا منها خمسة اتساعها. وإن كانت المسألة بحالها إلا أن التالف منها خمس والباقي أربع، فإن قلنا: الإمكان من شرائط الوجوب فلا زكاة، لأنها نقصت عن النصاب قبل وجوب الزكاة فيها، وإن قلنا: من شرائط الضمان، وقلنا: الفرض يتعلق بالنصاب دون الوقص، فعليه أربعة أخماس شاه، لأن الشاة تعلقت بالخمس وانقسمت على أجزائها فقابل أربعًا منها أربعة أخماسها. وإن قلنا: الفرض يتعلق بالكل فإنه يلزم فيها أربعة اتساع شاة. فرع [١٠ أ/٤] لو كانت له خمس وثلاثون من الإبل، فتلف منها بعد الحول وقبل إمكان الأداء خمس عشرة وهي عشرون، فإن قلنا: الإمكان من شرائط الوجوب فعليه أربعة شياه، وإن قلنا: من شرائط الضمان، فإن قلنا: الوقص عفو، فعليه أربعة أخماس بنت مخاض. فرع لو كانت له خمس وعشرون من الإبل، فتلفت منها خمس بعد الحول قبل إمكان الأداء، فإن قلنا: إنه من شرائط الوجوب فيلزمه أربع شياة، وإن قلنا: من شرائط الضمان، يلزمه أربعة أخماس بنت مخاض، ولا شيء على الأصل الآخر، لأنه ليس فيها وقص.

стр. 1072

فرع آخر لو كانت له ثمانون شاه فتلف منها أربعون بعد الحول قبل إمكان الأداء، فإن قلنا: أنه من شرائط الوجوب، فيلزمه شاة، وإن قلنا: إنه من شرائط الضمان، فإن قلنا: الوقص عفو، فيلزمه شاة، وإن قلنا: الفرض يتعلق بالكل، فيلزمه نصف شاة، ولو كانت المسألة بحالها، فتلفت منها إحدى وأربعون، فإن فيها الإمكان من شرائط الوجوب، فلا زكاة، وإن قلنا: إنه من شرائط الضمان، فإن قلنا: الوقص عفو، فيلزمه تسعة وثلاثون جزءًا من أربعين جزءًا من شاه، وإن قلنا: إن الفرض يتعلق بالكل، فيلزمه تسعة وثلاثون جزءًا من ثمانين جزءًا من شاه. مسألة: قال (١): وإن وجبت عليه بنت مخاض فلم [١٠ ب/٤] تكن عنده فابن لبون ذكر. وهذا كما قال: أراد به إذا لم تصل يده إلى بنت مخاض، ليدفعها إلى الساعي، يؤخذ منه ابن لبون، ولا يكلف شراء بنت مخاض، للخبر الذي ذكرنا، وهذا لأن في بنت المخاض فضيلة الأنوثة، لما فيها من الذر والنسل، وفي أثر اللبون فضيلة زيادة سن، فتقابلت الفضيلتان، وجعل هذا عوضًا عنها، ولا تعتبر فيه القيمة عندنا. قال أبو حنيفة: لا يوجد ابن اللبون إلا بقيمة بنت مخاض، وهذا غلط، لأن النبي ﷺ قص عليه من غير اعتبار القيمة، وكان الوقت وقت الحاجة إلى البيان، ولو جاء بابن لبون وعنده مخاض، لا يجوز أخذه، وإن كان أكثر قيمة منها. وقال أبو حنيفة: يجوز هذا بالقيمة، وهذا غلط للخبر، ولو أعطى نصف ابن لبون سمين بقيمة بنت مخاض لا يجوز قبوله، خلافًا لأبي خنيفة، ولو قدر على شراء بنت مخاض لا يلزمه شراؤها، فإن قيل: أليس في الكفارة يلزمه شراء الرقبة إذا ..... (٢) العدول عنها إلى الصوم، وكذلك يلزمه الوضوء بالماء، ولا يجوز العدول عنه إلى التيمم، فما الفرق؟ فإن قلنا: الشرع هنا اعتبر القدرة، لأنه تعالى قال: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ﴾ [النساء: ٩٢] وقال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣] ومن وجد الثمن فإنه يسمى واجدًا، وهاهنا اعتبر الشرع أن لا يكون في ملكه، لأنه قال: فإن لم يكن [١١ أ/٤] فيها بنت مخاض فابن لبون، فإذا وجد الثمن لا تكون بنت مخاض في ملكه، وأيضًا لما جاوز العدول إلى ابن لبون مع القدرة على خمس وعشرين من الإبل، وتعلم ضرورة أنه يقدر على تحصيلها بواحدة منها أو ببعضها، علمنا ضرورة أنه لم يرد بحجره على تحصيلها بخلاف الكفارة. فرع لو لم يكن في إبله بنت مخاض ولا ابن لبون، فإن شاء اشترى بنت مخاض، وإن شاء

стр. 1073

اشترى ابن لبون. وقال مالك: يلزمه شراء بنت مخاض، فإن اشترى ابن لبون لم يوجد منه، وبه قال صاحب التقريب، لأنهما تساويا فصار كما لو كانا في ماله، وهذا غلط، لأنه بعد ما اشتراه ليست في ماله بنت مخاض، وعنده ابن لبون، فيؤخذ لظاهر الخبر. فرع آخر إذا أراد الساعي مطالبته بالواجب في هذه المسألة، ففيه وجهان: إحداهما: خيره في المطالبة بين بنت مخاض وبين ابن لبون، لأنه يتخير في تحصيلها. والثاني: يطالبه بابنه مخاض، لأنها الأصل، ثم إن جاء بابن لبون أخذ منه. فرع آخر لو جاء بحق مكان ابن لبون أخذناه، وهو الأولى، لأن ابن اللبون إذا جاز فالحق أولى بالجواز، لأنه أكبر منه سنة، كما لو وجبت عليه بنت مخاض، فجاء بابنة لبون، أخذناها، وفيه وجه ضعيف لا يؤخذ [١١ ب/٤] لأنه لا مدخل له في الزكاة، فإن قيل: فهل يجوز أخذه مع الجبران؟ قلنا: لا يجوز لأن بنت لبون جعلت بدلًا من بنت مخاض، والجبران يدخل في الأصل دون البدل. فرع آخر لو لم يرد شراء واحد منهما، بل أراد العدول إلى بنت لبون، ويأخذ الجبران، فيه وجهان: المذهب أنه لا يجوز لأنه قادر على الأقرب المنصوص. والثاني: يجوز. فرع عنده ابن لبون، فاشترى بنت مخاض أو ورثها بعد الحول، عليه إذا بنت مخاض وإن لم تكن موجودة عنده يوم الوجوب، لأنها في ملكه عند إخراج الزكاة. وفيه وجه آخر حكاه والدي ﵀: يجوز لجوازه في حالة الوجوب، وهو ضعيف. فرع آخر لو أخرج ابنتي لبون بدل حقة، وفيه وجهان: إحداهما: يجوز. قال بعض أصحابنا: وهذا ظاهر المذهب، لأنه يجوز ذلك عن ست وسبعين، فلأن يجوز عن ست وأربعين أولى. والثاني: لا يجوز، لأن في الحقة معنى لا يوجد في ابنتي لبون، فاعتبرنا إخراج ما ورد به النص، بخلاف ما أراد به النص، بخلاف ما إذا أخرج حقة بدل بنت لبون، وهذا ظاهر المذهب عندي. فرع آخر لو كانت له خمس وعشرون من الإبل مهازيل، وفيها بنت مخاض سمينة، وابن لبون مهزول، قال أكثر أهل العراق [١٢ أ/٤] المنصوص أنه يجوز إخراج ابن لبون، لأنه لا يلزم إخراج بنت مخاض هذه، فوجودها كعدمها. ومن أصحابنا من قال: لا يجوز ذلك، وهو المذهب، لان بنت مخاص موجودة في ماله، وإنما جوز إخراج ابن لبون

стр. 1074

بشرط عدم بنت مخاض، وعلى هذا لا يجوز أن يطالب بنت مخاض التي في ماله، لأنها كريمة ماله. وقال ﷺ : "إياك وكرائم أموالهم" (١) فيقول رب المال: أنت بالخيار بين أن تعطي بنت لبون بشبه مالك، أو تتبرع بهذه التي في مالك وملك، فإن قال: أعطى بنت لبون، وآخذ الجبران، فالذي يقتضي المذهب أنه يجوز، لأنه قال في "الأم": وإذا ضرب الفحل السن التي وجبت فلم يدر أحالب أم لقحت، قيل له: لا يأخذها منك، فأت بغيرها من تلك السن أن شئت، أو أدفع السفلى، ورد علينا، أو العليا ونرد عليك، فأجاز أخذ الأسفل منها هاهنا مخافة الحمل، وهو لا يتحقق ذلك فلأن يجوز هاهنا ويتحقق الثمن أولى. وأعلم بأن من ذكر النص في الوجه الأول، استنبطه من هذا الموضع، فقال: جعل الشافعي المشكوك في حملها كالمعدومة والانتقال إلى سن أخرى، فيجب أن يجعل السمينة كالمعدومة في جواز الانتقال إلى ابن لبون، والجواب [١٢ ب/٤] عن هذا أن نقول: الانتقال إلى ابن لبون أغلظ حكمًا، وأضيق طريقًا، لأنه يترك الفرض إلى ما لا مدخل له في فرائض الإبل، وهو الذكر، وليس كذلك في الصعود والنزول، فإنه يصعد وينزل إلى أنثى لها مدخل في فرائض الإبل، فكان حكمه أسهل، ولهذا لو أعطانا حقًا بدل لبون، وطلب الجبران، لا يدفع الجبران، فدل هذا على صحة الفرق، وبطلت دعوى النص في الوجه الأول. فرع آخر لو كانت في إبله ابنة مخاض معيبة وسائر الإبل صحاح، يجوز أن يؤخذ ابن لبون صحيح، لأن المعيبة بمنزلة المعدومة، فإن قيل: جعلتم المعيبة كالمعدومة، فاجعلوا السمينة كالمعدومة، قلنا: الفرق أن السمينة تجزئ في الفرض، فكان وجودها مانعًا من إخراج ابن لبون لأنه لو تبرع بها أخذناها، والمعيبة لا تجزئ في الفرض بحال، فكان وجودها وعدمها سواء في جواز ابن لبون. فرع آخر لو كانت معه ست وثلاثون من الإبل، ففيها بنت لبون، فإن لم يكن في ماله بنت لبون، فجاء بحق لم يجز أخذه، وقيل: فيه وجه آخر، أنه يجوز، وهو خطأ، ويفارق ابن اللبون من وجهين: إحداهما أن بنت مخاض فاضلة من [١٣ أ/٤] جهة الأنوثة ناقصة من جهة الصغر، فإنها لا تقوى على الرعي من الأشجار، ولا تتمكن من الشرب من الأنهار لكونها قصيرة العنق، ولا يمتنع من صغار السباع، وابن اللبون ناقص بالذكورة فاضل بالقوة والكبر، فقوبلت فضيلة إحداهما بفضيلة الآخر، وليست كذلك بنت لبون، فإنها فاضلة من وجهين: فضل الأنوثة، وفضل القوة، والحق فاضل بالقوة

стр. 1075

ناقص فلا يجوز أن يقام الحق مقام بنت لبون. والثاني: أن للمتصدق في بنت لبون خيارين بالنزول مع دفع الجبران، أو بالصعود مع أخذ الجبران، فغلا يجوز إثبات خيار ثالث: بإخراج الحق، وها هنا ليس فيها إلا خيار واحد، وهو الصعود مع أخذ الجبران، وليس له النزول إلى أصغر من بنت مخاض، فجعل له إخراج ابن لبون مكان بنت مخاض ليحصل له خياران قياسًا على ذلك، فإن قيل: يبطل هذا بما لو وجبت عليه جذعة وهو لا يملكها، وهو يملك الشيء، لا يجوز إخراج الشيء مكانها، وإن لم يكن له إلا خيار واحد في بابها، وهو النزول دون الصعود، قيل: لا شك أنه لا يجوز إخراج الشيء مكانها، وأما هل له الصعود إلى الثنية مع أخذ الجبران كما له النزول وبذل [١٣ ب/٤] الجبران؟ اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: لا يجوز، لأن الثنية لا مدخل لها في زكاة الإبل، فلم يجز قبولها مع الجبران، كما لو أعطى حقًا مكان ابن لبون في خمس وعشرين من الإبل، وطلب الجبران، لا يجوز، وهذا هو اختيار القفال. ومنهم من قال: يجوز، وهو الصحيح، وقد نص عليه الشافعي، فقال: ومن وجبت عليه جذعة وليست معه إلا ما خض، فإن تطوع بها قبلناها، وإلا نزلنا وأخذنا، أو صعدنا وبذلنا، حكاة أهل العراق. ووجهه أن الثنية في صفة الجذعة وأكبر منها بسنة، فهي مع الجذعة بمنزلة الحقة مع بنت لبون، وبنت لبون مع بنت مخاض، ويخلف الحق مكان ابن لبون، لأن الذكر لا مدخل له في زكاة الإبل إلا في موضع الضرورة، ولم يرد به الشرع، فإذا بذل الحق مكان ابن اللبون، وطلب الجبران، لا يدفع الجبران، ومن قال بالأول أجاب عن هذا فإن الثنية ليست في صفة الجذعة بل هي أنقص، لأن كل ما في الثنية من الذر والنسل والحمل موجود في الجذعة، وفي الجذعة ما ليس في الثنية، وهي الحداثة والطراوة، لأن الجذعة هي .... (١) ولهذا لم يجز إخراج الشيء بلد جوزت في الضحية، وعلى هذا قال القفال: لو دفع مكان بنت لبون ثنية، فيه وجهان: إحداهما: لا يلزم الجبران أصلًا، لأنها ليست من السن المفروضة. والثاني: وهو الأصح، أنه يلزم جبران سنين، لأن لهما مدخلًا، وهو متبرع بزيادة سن واحدة. فرع آخر لو وجبت عليه ابنة لبون وليست عنده، فأعطى ابن لبون مع الجبران، فيه وجهان: إحداهما: يجوز، لأن ابن اللبون في حكم ابنة المخاض عند عدمها. والثاني: لا يجوز، لأن ابن اللبون أقيم مقام ابنة المخاض إذا كانت هي الفرض، والفرض هاهنا ابنة لبون، فلم يجز أن يؤخذ مكانها ذكر وجبران، وهذا أقرب.

стр. 1076

فرع آخر لو كانت لديه إحدى وستين ابنة مخاض، فأعطى واحدة منها، وهي ابنة مخاض، ففيه وجهان: إحداهما: تؤخذ ولا يكلف غيرها جبرانًا، لما فيه من الإجحاف. والثاني: لا يؤخذ لأنها فرض بعض هذه الجملة، إلا أن يعطي جبران من الجذعة، فيؤخذ حينئذ مع الجبران. فرع آخر لو كانت معه ست وثلاثون من الإبل ذكور، فإن قلنا: في خمسة وعشرين ذكرًا يطالب الأنثى، فهاهنا يطالب، وإن قلنا: هناك يخرج ابن مخاض ذكر، فهاهنا وجهان: إحداهما: لا يجوز ابن لبون ذكر، لأنه يجوز عن خمسة [١٤ ب/ب] وعشرين، فيؤدي إلى التسوية، لأن هناك فيؤدي ابن لبون عن الإناث، وها هنا فيؤدي عن الذكور. مسألة: قال (١): وإبانَةُ في كلِّ أربعينَ بنتُ لبونٍ، وفي كل خمسين حقه إلى قوله: فإذا بلغت مئتين. الفصل وهذا كما قال: أراد وأبانة النبي ﷺ ، حيث قال في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة، إن الأمر على ما في الزيادة على مائة وإحدى وعشرين إلى أن تبلغ مائتين، فإذا بلغتها يخير الساعي بين أربع حقاق وخمس بنات لبون، وعلى الساعي أن يختار لأهل السهمان، ولا يحل له غير ذلك، وقال في القديم: يجب فيها أربع حقاق. وأطلق بعض أصحابنا المسألة على قول واحد، كما ذكر هاهنا، والذي قال في القديم، لأن الأفضل الحقاق عنده، وعلى الساعي أن يأخذ الأفضل. ومن أصحابنا من قال: فيه قولان: إحداهما: يأخذ الحقاق فقط، لأنه إذا أمكن الزيادة بالسن، فلا يزداد بالعدد، كما في سائر المواضع. والثاني: وهو الأصح، أنه يتخير لظاهر الخبر، وقد وجهه هاهنا الأربعينيات والخمسينات يتعلق بهما كلا الفرضين، فإذا قلنا بقوله القديم، فإن كانت موجودة أخذناها، وإلا فهو بالخيار بين الصعود والنزول مع الجبران، فإذا قلنا بقول الجديد ولم يكن [١٥ أ/٤] في ماله إلا أخذ الفرضين، تعين ذلك، لأن من خير بين شيئين فتذعر إحداهما يعين الثاني، وإن كان الفرضان موجودين، فالمنصوص أن الخيار إلى الساعي. وقال ابن سريج: الخيار إلى رب المال، كما قال الشافعي في الشاتين والعشرين

стр. 1077

وزيهما في الجبران إلى رب المال، وقال: وقول الشافعي الخيار إلى الساعي، أراد به إذا خير رب المال، وهذا غلط، والمعروف بينهما أنه لما كان الخيار إلى المعطي في أصل الجبران، كان الخيار إليه في جنسه، وها هنا لا خيار له في أصل الفرض، فلا خيار له في جنسه. فرع لو كان في يد ولي اليتيم بيان في الإبل لليتيم، فحال الحول عليها، وجاء المصدق، وفي المال الفرضان جميعًا، فعند الشافعي يأخذ الساعي أجود الفرضين. وعلى قول ابن سريج: لا يجوز للولي أن يدفع إلا أدون الفرضين، لأنه لا يجوز له أن يفعل إلا ما هو الأحظ لليتيم. مسألة: قال (١): "فإن أخذ منْ ربَّ المال الصِّنْفَ الأدنَى، كانَ حَقًّا عليهِ أنْ يُخْرجَ". الفصل وهذا كما قال هذا التفريغ على قول الشافعي في الجديد، وفيه ثلاث مسائل، إحداها: أن يكون كاملين، أو إحداهما كاملًا والآخر ناقصا، أو كلاهما ناقصين، فإن كان كاملين، فإن كان كلاهما سواء [١٥ ب/٤] أخذ الساعي ما شاء من الفرضين، وإن كان إحداهما أفضل يلزمه أخذه، فإن أخذه فلا كلام، وإن أخذ الأدون. قال الشافعي: كان حقًا على رب المال أن يخرج الأفضل. واختلف أصحابنا في معنى هذه المسألة، فقال أصحابنا: فمنهم من قال: معناها أن يأخذ الساعي أحد الصنفين باجتهاده، ويعلم رب المال أنه أدونهما، فإن الصدقة تقع موقعها، لأنه مجتهد فيه، فلو قلنا: لا يجوز، نقضنا الاجتهاد بالاجتهاد، وذلك لا يجوز، فإن أخذ من غير اجتهاد، أو كتم رب المال الصنف الأجود، لا يجزئه، وعليه رده إلى رب المال إن كان قائمًا أو قيمته أن كان تالفًا، وعلى رب المال أن يخرج الصنف الأجود. ومن أصحابنا من قال: هذا الضمان يجب في مال المساكين، لأنه بخس بحق المساكين، فضمنه في مالهم، كالإمام يخطئ في قضائه فيضمن في بيت المال. ومن أصحابنا من قال: يجزئه كيف ما أخذه المصدق، لأن كل واحد في الفرضين منصوص عليه، وأخذ الفضل وجب من طريق الاجتهاد، فلا يبطل به المنصوص، والأول أصح. فإذا قلنا: يجزئه، فإخراج الأفضل هل هو واجب أم مستحب؟ اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: هو مستحب، لأن المأخوذ أجزأه وسقط به الفرض، وإنما استحب الشافعي ذلك الاحتياط خاصة إذا [١٦ أ/٤] اجتهد الإمام، فإنه لو اجتهد وأخذ منه القيمة في الزكاة، وقع الموقع، ولا يلزمه شيء آخر. ومنهم من قال - وهو الأصح -: أنه يلزمه إخراج الفضل، لأن الشافعي قال: كان حقًا عليه، وهذه العبارة لا تستعمل إلا في الواجب،

стр. 1078

وهذا لأن ما بين السنين من الفضل من الواجب عليه، فإذا تركه لزمه إخراجه، ثم إذا وجب إخراج الفضل، إن كان يسيرًا لا يمكنه أن يشتري به جزءًا من الفرض يجزئه، أو يتصدق به من الدراهم والدنانير، ويجوز هذا للضرورة، وإن كان كثيرًا يمكنه أن يشتري به جزءًا من الفرض، فهل يلزمه أن يشتري به؟ فيه وجهان: إحداهما: يلزمه، ولا تجوز القيمة، لأنه يمكنه إخراج أصل الفرض. والثاني: لا يلزمه ذلك، وتجوز القيمة، لأنا لو كلفناه ذلك أدى إلى المشقة، فجوز العدول إلى غيره للضرورة، كما جوز أخذ الشاة في خمس من الإبل للضرورة، وإن لم يكن من جنس الفرض، ولأن هذا تلافي النقص، وليس بقيمة، فعلى هذا لا يجوز أن يعدل عن النقص إلى العروض، ولكن لو عدل إلى الجبران يجوز بلا خلاف، فإذا قلنا بالأول ينبغي أن يعرف القيمة ليعرف الأفضل، فإن كان قيمة الحقاق مثلًا خمسمائة وقيمة بنات اللبون أربعمائة وخمسين [١٦ ب/٤] يلزمه أن يخرج بقدر خمسين من حقه لابن بنت لبون، وذلك خمسًا حقة، أو قيمة كل حقة مائة وخمسة وعشرون. ومن أصحابنا من قال: إن شاء صرفه إلى شاة أو بعير أو جزء منه. وكان الشيخ أبو الحسن الماسرجسي يقول: إن قدر على أن يشتري به ابنة مخاض يلزمه ذلك، لأنها من الفرائض، فهي أقرب إلى الفرض الواجب في المائتين من التقدير. ومن أصحابنا من قال في أصل المسألة: إن فرق الساعي على أهل السهمان يلزمه إخراج الفضل، لأنه لا يمكن استرجاعه سواء كان بالاجتهاد أو بغير الاجتهاد، وإن لم يكن فرق يسترد ما أخذ ودفع الأفضل، وهذا ضعيف، وإن كان إحداهما ناقصًا والآخر كاملًا فإن كانت عنده ثلاث حقاق وخمس بنات لبون. فالفرض بنات اللبون، فلو قال هاهنا: خذ مني ثلاث حقاق وبنت لبون مع الجبران، لم يقبل منه، لأنه يعدل عن المنصوص، وإن كانا ناقصين بأن يكون عنده أربع بنات لبون وثلاث حقاق، فإن أعطى أربع بنات لبون وحقة وطلب الجبران، كان له، وإن أعطى ثلاث حقاق وبنت لبون معها الجبران، أخذنا أيضًا، ولو قال: خذوا حقة وثلاث بنات لبون مع كل واحدة جبرانها حتى تتم أربعة حقاق هل يجوز؟ فيه وجهان: إحداهما: يجوز، كما يجوز الذي [١٧ أ/ب] قبله. والثاني: - وهو المذهب - أنه لا يجوز، لأنه يترك ابنة لبون في ماله، ولا يجوز أن يترك ابنة لبون في ماله، وهي من جنس الفرض، إلى الجبران، ولأنه يمكن أن يعطي ثلاث حقاق وبنت لبون وجبرانًا واحدًا، فلا يجوز جبرانان، ولو كان في ماله أحد الصنفين لا نكلفه شراء الصنف الآخر، ولو كان أنفع، لأن في تكليفه مشقة عليه. ثم قال المزني: ولا نفرق الفريضة ونقل الربيع، ولا نفارق الفريضة، فمعنى التفريق أنه لو وجد نصف أحد الصنفين وكل الصنف الآخر، مثل حقتين وخمس بنات لبون، فقال الساعي أريد أن آخذ الحقتين وبنتي لبون ونصفًا، ليس له ذلك، وإن كان ذلك جبرًا

стр. 1079

لأهل السهمان، بل عليه أخذ الصنف الموجود بكمالة، وأما مفارقة الفريضة هي أن يدع الصنف الموجود ويأخذ الجبران، فليس له ذلك، لأنه مفارقة للفريضة الموجودة فصار كما لو كانا معًا موجودين يفارقهما إلى سن أعلى إذا سفل. ومن أصحابنا من غلط المزني في هذا النقل وقال: افتتح المسألة في مفارقة الفريضة، وختمها بلفظ التفريق والمفارقة والتفريق مفترقان، فإن المفارقة أن يجد أحدى السنين دون الأخرى فيعرض عنها ويصعد أو يترك، والتفريق أن ببعض المأخوذ على [١٧ ب/٤] ما ذكرنا والشافعي ﵀ فرق في "الكبير" مسألة: الفارقة عن مسألة التفريق. فضرب المزني إحداهما في الأخرى، وهذا ظلم من أصحابنا على المزني، لأنه نقل المسألتين بلفظ مختصر، فقال: وإن وجد أحد الصنفين دون الآخر، أخذ الذي وجد، فهذا مفارقة الفريضة. ثم استأنف الكلام بحرف العطف فقال: ولا يفرق الفريضة، فأفرد مسألة التفريق عن مسألة المفارقة فتفهم. فرع لو كانت له أربعمائة من الإبل، فأراد الساعي أن يأخذ منها خمس بنات لبون وأربع حقاق، فإنه يجوز، وهو المذهب. وقال أبو سعيد الإصطخري: لا يجوز، لأن الفرض إذا أمكن أخذه من جنس واحد لم يجز أخذه من جنسين كما في المائتين، وهذا غلط، لأن أربعمائة جملتان، لو انفردت كل واحدة منها جاز أن يأخذ منها كل واحد من الجنسين، إما خمس بنات لبون، وإما أربع حقاق، فإذا جتمعتا جاز أن يأخذ فرضها من جنسين مختلفين، وليس كذلك المائتان، فإنهما حملة واحدة فيهما فرض واحد، لأنهما إذا جعلتا نصفين لم يجز أن يؤخذ من كل نصف منهما كل واحد من الجنسين، كما يقول في كفارة يمينين يجوز التفريق، ولا يجوز في كفارة واحدة. مسألة: قال: وإنْ كانَ الفَرْضَانِ مَعِيبينِ [١٨ أ/٤] بمَرَضٍ أو هُيامٍ أو جَرَبٍ. الفصل وهذا كما قال: الهيام - بضم الهاء-: داء يعتري الإبل في أجوافها، فلا تزال تكرع الماء عطشًا حتى تموت، يقال: جمل أهيم، وناقة هيماء وإبل هيم لأنها حينئذ في معنى المفقودين، إذ لا يجوز أخذهما، فيقال له: أنت بالخيار بين أن تصعد في السن أو تترك مع الجبران، لأن كون الفرض معيبًا بمنزلة عدمه، فإن أعطانا أربع جذاع بدل أربع حقاق، أخذناها ورددنا عليه لكل جزعة شاتين أو عشرين درهمًا، وإن أعطانا خمس بنات مخاض بدل خمس بنات لبون أخذناها، وأخذنا مع كل واحد منها شايتن أو عشرين درهمًا، فإن قال: خذوا مني خمس جذاع بدل خمس بنات لبون وردوا على لكل جذعة أربع شياه أو أربعين درهمًا، لم يأخذها، لأنا إذا أمكننا أن نصعد من الفرض الأعلى وهو الحقاق، لم يجز أن يصعد من الفرض الأدنى وهم خمس بنات لبون. ولو قال رب المال: أنا أشتري [١٨ ب/٤] لكم خمس بنات لبون أو أربع حقاق

стр. 1080

ولا أعطيكم شيئًا أعلى من الفرض ولا دون الفرض، كان ذلك له، وكان ذلك يجب عليه أن يأتي بالفرض على ما يشبه بماله بالقيمة، وطريق معرفته أن يقال: لو كانت المائتان مراضًا كم كانت قيمة خمس بنات لبون منها؟ فيقال: عشرة دنانير، ولو كانت كلها صحاحًا كم كانت قيمة همس بنات لبون منها؟ فيقال: عشرون دينارًا،/ ثم يقول كم المراض من المائتين؟ وكم الصحاح؟ فإن قيل: نصفان أخذنا نصف قيمة العشر ونصف قيمة العشرين، فتكون خمسة عشر دينارًا، فنقول لرب المال: ائت بخمس بنات لبون تساوي خمسة عشر دينارًا، وإن قيل: ثلث المائتين مراض، وثلثاها صحاح، أخذنا ثلث العشرة وثلثي العشرين، وعلى هذا الحساب إذا قل عدد المراض من المال وكثر عدد الصحاح، أو كان على العكس. فرع الجبار في موضع الجبران هو إلى المعطي، فإن كان المعطي رب المال فالخيار إليه، إن شاء أعطى شاتين وإن شاء أعطى عشرين قال في "الأم": والاحتياط لرب المال أن يعطي ما هو الأحظ لأهل السهمان منهما. وقال الثوري: الجبران شاتان أو عشرة دراهم، وروي ذلك عن على ﵁، لأن قيمة الشاة في الشرع [١٩ أ/٤] خمسة دراهم، لأن نصاب الغنم أربعون، وهذا غلط، لأنه لا تقوم الإبل أربعة دنانير على هذا القياس، فكذلك فيما ذكرتم. ومن أصحابنا من قال: قال في "الإملاء": الخيار إلى الساعي، ففيه قولان، وهذا غلط، والذي قال في "الإملاء"، أراد إذا كان الساعي هو المعطي، ولا شك هاهنا أن الخيار إليه، ولا يجوز له أن يختار إلا ما هو خير لأهل السهمان كما قلنا في فرض المائتين، وهذا لأنه وكيل لهم، فلا يفعل إلا ما فيه حظهم. فرع آخر لو كان مع الساعي أغنام وليست معه دراهم، والشاتان أكثر قيمة من العشرين الدراهم، فإنه يبيع من الشاتين بقدر عشرين درهمًا، ويدفع إلى رب المال، وإن كانت العشرون درهمًا أكثر من الشاتين، دفع الشاتين. فرع آخر لو نزل سنين أو صعد سنين، فإن كانت السن التي تلي الفرض معدومة، جاز النزول بسنين ويجعل جبرانين، بكل سن جبرانًا واحدًا، فتكون أربع شياه أو أربعين درهمًا، وإن كان ثلاثة أسنان، يلزم ثلاث جبرانات، ست شياه أو ستون درهمًا، وإن كان السن التي تلي الفرض موجودة، فذكرنا أنه لا يجوز النزول منها، وهو المذهب، وفيه وجه آخر أنه يجوز، لأن النبي ﷺ "قدر جبران كل سن بشاتين أو عشرين [١٩ ب/٤] درهمًا"، فيجوز أخذه هاهنا عن سنين، وهو ضعيف. وهكذا الخلاف لو وجد سنًا أعلى منه بسنة وسنًا أعلى منه بسنتين. وقال ابن المنذر: لا يجوز النزول إلا إلى سن واحدة لأن الشرع لم يرد الجبران إلا في سن واحدة، وهذا غلط لأن فيها ذكر سنها على ما ذكرنا.

стр. 1081

فرع آخر لو وجبت ابنة لبون وعنده ابنة مخاض وجذعة، هل له إخراج الجذعة؟ وجهان: إحداهما: لا يجوز بل عليه إخراج بنت مخاض، لأنها أقرب إلى الواجب. والثاني: وهو الأصح، ما هذا يجوز له ذلك، لأنها استويا في القرب، هذا من طريق الانخفاض وذلك من طريق الارتقاء، لأنه ليس في إبله ما قبل الجذعة، ولم تجب عليه إخراج حقة، لكونها معدومة في ماله. فرع آخر إذا وقع الجبران لسن واحدة فليس له أن يبعض فيعطي شاة وعشر دراهم، وإذا دفع جبران سنين، له أن يبعض فيدفع شاتين وعشرين درهماً، كما قلنا في الكفارتين والكفارة الواحدة. فرع آخر لو لم يكن في ماله الفرض وفي ماله سن دونه وسن فوقه فاختلفا، فقال رب المال: أنزل وأعطى الجبران، وقال الساعي: أصعد وأعطى الجبران، أو كان على العكس، قال الشافعي في "الأم" (١): الخيار في ذلك إلى الساعي لأن السن الأعلى [٢٠ أ/٤] والسن الأسفل صارتا بمنزلة الفرضين عند عدم الفرض في ماله، ولو وجد الفرضان كان الخيار إلى الساعي، فكذلك هاهنا. قال الشافعي: فإن لم يقل المصدق الخير لهم، كان عى رب المال أن يخرج فضل ما بين ما أخذ المصدق لهم وبين الخير، ثم يعطيه أهل السهمان. وعند ابن سريج الخيار في هذا إلى رب المال كما قال في الفرضين. ومن أصحابنا من قال: الخيار هاهنا إلى رب المال، بخلاف الفرضين، والفرق أن له تركهما وتحصيل الواجب، بخلاف الفرضين في المائتين، وهذا خلاف النص الذي ذكرناه، فإن قيل: ما الفرق بين هذا وبين الخيار في الشاتين أو العشرين فإنه إلى رب المال إذا كان هو المعطي؟ قلنا: الفرق أن ذلك جعل جبراناً على سبيل التخفيف، فكان ذلك إلى المعطي، وهذا التخفيف في الفرض، فكان إلى الساعي. وقال أبو حنيفة: يجوز كل ذلك باعتبار القيمة، ويجوز حقه بتثمينه بقيمة الجذعة من دون الجبران، ولا يتقدر الجبران في موضع الحاجة بعشرين درهما أو شاتين بل يراعي القيمة، وهذا غلط الذي ذكرنا. فرع آخر لو أعطى بين سنين ابنة مخاض بدل شاتين، قال بعض أصحابنا: يجوز، وهو غلط مسألة: قال (٢): ولا يأخذ [٢٠ ب/٤] مريضاً وفي الإبل عد صحيح.

стр. 1082

وهذه كما قال. ومعنى المسألة: إذا كانت إبله مراضاً، وعدد الفرض منها صحاحاً، وهذه المسألة هي مخالفة للمسألة المتقدمة، لأن هناك الفرضين معيبان، وهذا الفرض صحيح، وسائر الإبل مراض، والجواب فيهما واحد إلا في الصعود والنزول، فإنا لا نجوز هاهنا أن يصعد إلى فرض مريض، ولا أن ينزل إلى فرض مريض، ويترك في مالك فرضاً صحيحاً، بل يقول له: إن تبرعت بالفرض الصحيح الموجود في مالك، وإلا فائتنا بفرض يشبه مالك بالقيمة، وطريق التقويم على ما تقدم بيانه. وقال في "الأم" (١): ولا يأخذ مريضاً وفي الإبل عدد صحيح من دون الهاء، وأراد إذا كان في جملتها صحاح مراض، لم تؤخذ المريضة، بل تؤخذ الصحيحة على ما ذكرنا لأنا لو أخذنا المريضة وقع الأخذ شائعاً فتكون قد أخذنا المريضة عن الصحيحة، وهذا لا يجوز. مسألة: قال (٢): فإن كانتْ كُلَّها مَعِيبةً لمْ يُكَلِّفْهُ صَحيحةً من غَيرِهَا، ويأخذُ جَبْرَ المعُيبِ. وهذا كما قال: إذا كانت ماشيته مراضاً كلها، تؤخذ الزكاة منها، ولا يطالب بالصحيح، وهذا غلط، لقوله ﷺ لما "إياك وكرائم أموالهم" (٣) ولأنه مال تجب الزكاة فيه من جنسه، فلا يكلف الجيد من الرديء كالحبوب، فإذا تقرر هذا [٢١ أ/٤] نقل المزني ويأخذ خير المعيب، واختلف أصحابنا في هذا، فمنهم من قال: أراد أنه يأخذ خير الفرضين المعيبين، وهو الصحيح، وعليه يدل ظاهر كلام الشافعي ﵀ عليه في "الأم" (٤)، لأنه قال: ويأخذ جبر المعيب من السن التي وجبت له. ومن أصحابنا من قال: أراد من المال إذا خيره رب المال وأذن له أن يأخذ خيره. ومن أصحابنا من قال: أراد بالخير الوسط ويعبر عن الخير بالوسط. قال تعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، وقال: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران: ١١٠] وأراد وسطاً. ومن قال بهذا اختلفوا، فمنهم من قال: أراد الوسط بالقيمة على ما تقدم بيانه، ومنهم من قال: أراد بالوسط من عدد العيوب، فيترك ما فيه عيب واحد وما فيه ثلاثة عيوب، ويؤخذ ما فيه عيبان. فرع آخر لو كانت له ست وثلاثون من الإبل مراض، وفيها بنت لبون صحيحة، فإن تبرع بها أخذناها، وإن امتنع منها نقول له: الذي يجب عليك بنت لبون صحيحة تشبه مالك، وطريق ذلك التقويم على ما تقدم بيانه، وعلى هذا لو لزمته شاتان وإحداهما صحيحة في ماله، والأخرى مريضة وباقي مريضة كلفناه واحدة صحيحة، وقبلنا الأخرى مريضة، ولا تتعين هذه الصحيحة بل يأتي بشاة أخرى على ما يليق بماله أو [٢١ ب/٤]

стр. 1083

يعطي الموجودة. ولو قال: أنزلوا إلى سن دونها، أو إلى سن فوقها مع الجبران في المسألة الأولى، لم يجز، لأن سائر الأسنان مريضة ولا يجوز أخذ المريضة وفي المال صحيحة. فرع آخر لو كانت له ستة وثلاثون من الإبل مراض، وليست فيها بنت لبون، فإن قال: أعطي بنت مخاض مريضة معها الجبران أخذناها، لأنه زيادة، وإن قال: أعطي حقة وردوا على الجبران شاتين، لا يجاب إليه، لأنه هذا جبران ما بين السنين الصحيحتين، فلا يجوز أن يجعل جبران ما بين السنين المريضتين، لأنه يؤدي إلى الإضرار بالفقراء، ولا يجوز للساعي أن يفعل إلا ما هو الاحتياط لهم، ولا يجوز أن ينقص الجبران كما قدره الشرع. مسألة: قال (١): وإذا وَجَبتْ عليه جَذَعَةٌ لم يَجُزْ لنا أن نأخذُ منهُ ماخِضاً. وهذا كما قال: إذا كانت له إحدى وستون من الإبل، يلزمه جذعة حائل، فإن كانت جذعة ما خض أي: حامل، لم يجز للساعي مطالبته بها، وإنما قيد الشافعي ﵀ بالجذعة، لأن ما دونها لا يحمل فإن تطوع رب المال بها، أخذناها، فإن قيل: أليس لو جاء الجاني بغرة حامل لا يؤخذ. فما الفرق؟ قلنا: الفرق هو أن الحمل في بنات آدم نقص، وهو في البهيمة زيادة [٢٢ أ/٤] ولهذا لو اشترى بهيمة فوجدها حاملاً، لم يكن له ردها، ولو اشترى جارية فوجدها حاملاً كان له ردها. وحكي عن داود أنه قال: لا يجوز أخذ الحامل، لأن الحمل عيب، ولا السن الأعلى عن الأداء، واحتج بنهيه عن أخذ الشافع في الزكاة، وأراد به الحامل، وهذا غلط، لقوله ﷺ : "ففيها جذعة" ولم يفصل بين الحامل والحابل، ولأن الحمل زيادة، بدليل أنه غلط الدية بالحمل، فصار كما لو أخرج السمينة بدل المهزولة، والدليل على أن الأعلى يقبل إذا تطوع به، ما روى أبي بن كعب أنه قال: بعثني رسول الله ﷺ مصدقاً، فمررت برجل فجمع إلى ماله، فوجدته تجب عليه ابنه مخاض، فقلت: يجب عليك بنت مخاض، فقال: إنه لا ذر لها ولا ظهر، وهذه ناقة سمينة عظيمة فخذها، فقلت: لا آخذ مات لم أومر، وهذا رسول الله ﷺ قريب منا، فإذا أردت أن نأتيه فنعرضها عليه، فإن أخذها أخذتها، وأن ردها رددتها، فخرج إليه وذكر له، فقال: "ذاك هو الواجب فإن تطوعت بخير منه قبلنا منك" (٢)، فقبلها، فقبلتها منه. فرع لو ضرب الفحل فلم يدر، أحملت أم لا؟، لا يأخذها جبراً على ما تقدم بيانه ولو

стр. 1084

جاء الجاني [٢٢/ب ٤] بغرة وطيب قبلناها، لأن الغالب في البهائم من الضراب الحمل، بخلاف بنات آدم. مسألة: قال (١): وإنْ كانتْ إبِلُةُ مَعِيبة فَريضَتُها شاةً. الفصل وهذا كما قال: إذا كانت له خمس من الإبل مراضاً أو معيبة، نقول له: أنت بالخيار بين أن تعطينا منها بعيراً، فإن أعطانا شاة لا نقبل المعيبة والمريضة. ومن أصحابنا من قال: في خمس من الإبل شاة، ما يطلق عليه اسم الشاة، وهذا غلط، لأن مطلق الاسم في الشرع يتناول ما قيد وصفه في الضحايا. وروي عن سويد بن غفلة أنه قال: أتانا مصدق رسول الله صلى عليه وسلم فقال: نهينا عن الأخذ من راضع لبن، وإنما حقنا في الجذعة والثنية وقال ابن خيران: يؤخذ منه شاة صحيحة، يجوز في الأضحية بالقيمة فيقال: خمس من الإبل الصحاح كم تساوي؟ فيقال: ألف درهم، فيقال: وكم تساوي شاة يجوز أخذها منك؟ فيقال: عشرون، ثم يقال: لو كانت مراضاً كم كانت قيمتها؟ فيقال: خمسمائة، فيقال: ائتنا بشة صحيحة تجوز في الأضحية تسوي عشرة دراهم، فإن لم تؤخذ قسم العشرة على الفقراء وأجزأته الضرورة، والأول ظاهر مذهب الشافعي، لأن الشاة هي أقل الواجب فيها، فلا يجوز أن ينقص عنها، كما نقول [٢٣ أ/٤] في شاتي الجبران إذا كانت الإبل مراضاً، ولم يكن فيها الفرض لا يجوز أخذ الأدنى مع شاتين مريضتين فيها الفرض، لأن ذلك أقل الجبران بالشرع، كذلك هاهنا، ولأنه لا تعتبر فيه صفة المال، فلم يختلف بصحة المال ومرضه كالأضحية، ولو قال: أعطيك بعيراً منها أخذناه وأجزأه، وهكذا إذا كانت معه خمس من الإبل الصحاح، فأعطانا بعيراً منها أجزأه، لأن الأصل في الفرض إخراج الجنس من ماله, وإنما عدل إلى الشاة هاهنا رخصة ورفقاً برب المال، فإذا اختار الأصل كان له، كما لو اختار غسل الرجل بدل المسح على الخف كان أولى. فرع إذا أخرج الإبل هاهنا، فيه وجهان: إحداهما: وهو الأظهر، الكل فرضه فيكون في الخمس من الإبل فرضان: أعلى، وأدنى، فالأعلى هو البعير، والأدنى هو الشاة، وصاحبها بالخيار، وإن شاء أسقط الفرض بالأعلى، وإن شاء أسقط الفرض بالأدنى، كما تقول في أنواع كفارة اليمين. والثاني: أن الفرض منه خمسة والباقي تطوع، لأن أقل ما يجب فيه الإبل خمسة وعشرون من الإبل، فتكون في مقابلة كل خمس بعير، ونظير هذا التمتع إذا نحر بدنة، فهل جميعها فرض أم لا؟ وجهان:

стр. 1085

إحداهما: الجميع فرضه. والثاني: السبع منها فرضه، والباقي تطوع. [٢٣ ب/٤] فرع آخر لو أعطانا بعيراً منها أكثرها عيوباً، قبلناه، نص عليه في "الأم" (١)، فإن قيل: أليس قال الشافعي: ويأخذ خير المعيب؟ قلنا: أراد به إذاً الفرض من جنسها، لان المعيب لا يكون أكثر من الواجب، وهاهنا الفرض من غير جنسها، فأي شيء أعطانا من الجنس فهو أكثر من الواجب، فافترقا. فرع آخر قال القفال: لو أعطى بعيراً عن خمس من الإبل الصحاح، ولا تساوي هذه الإبل شاة، لا يجوز، ولو أعطى من الإبل المراض يجوز، وإن كان أقل قيمة من قيمة شاة، نص عليه الشافعي (٢)، والفرق أن في الصحاح إذا أعطى إبلاً فهو غاية التطوع، وأقل ما في التطوع أن لا ينقص عن الواجب، وفي المراض، إذا أعطى إبلاً فهو غير متطوع، وإنما نعطيه للضرورة، فلا حاجة إلى اعتبار القيمة وأعلم أن هذا النص غريب لم يذكره أهل العراق. وقال بعض أهل خراسان: لم يوجد هذا للشافعي ﵀، وقد ذكر الإمام أبو محمد الجويني عن الشافعي ﵀ أنه قال: لو أعطى ثوراً من ثلاثين ثوراً، وهو خير من تبيع قبلنا، قال: وقوله وهو خير، إنما اشترط، لأن هذه المنزلة هي منزلة تبرع، فلا ينبغي أن ينقص التبرع عن درجة الواجب، والواجب يتبع .... (٣) التبرع [٢٤ أ/٤] أن يكون زائداً على الفرض ..... (٤) أن الإمام القفال ذكر ذلك النص تخريجاً من هذا الموضع. وقال مالك: لا يجوز البعير عن الخمس إلا أن تسوي شاة بكل حال، وهو قول أبي حنيفة. وقال داود: لا يجوز البعير أصلاً، ويروي هذا عن مالك أيضاً في المعيب، ذكر في "الحاوي" (٥)، وقد ذكرنا الدليل على بطلانه. فرع آخر لو كانت عنده عشر من الإبل، هل يرضي منه ببعير واحد أم يحتاج إلى بعيرين؟ فيه وجهان: إحداهما: يكفي واحد، لأنه يجوز عن خمس وعشرين، فلا يجوز عن عشر أولى، ولا يجوز أن يؤخذ خمس بعير، ولا همساه بدل شاة، وإن كان فيه ثنية، لأن التبعيض عيب. والثاني: لابد من بعيرين مكان شاتين.

стр. 1086

فرع آخر قال بعض أهل خراسان: الإبل المخرج هل هو بدل عن الواجب أم أصل؟ وجهان: إحداهما: أنه بدل، ولكنه يجوز للنص. والثاني: أنه أصل، وهو الصحيح فرع آخر لو أخرج كبشاً هل يجزئه؟ قال أبو إسحاق: يجزئه، لأن هذه الشاة لا تتعلق بعين المال ... (١) الذكر والأنثى كالأضحية، وهو الصحيح. وقال بعض أصحابنا: لا يجوز، إلا الأنثى، لأن فرائض الإبل كلها إناث. وفيه وجه ثالث: أنه كانت الإبل إناثاً لا يجوز إلا أنثى، وإن كانت ذكوراً [٢٤ ب/٤] يجوز الذكر والأنثى اعتباراً لصفة المال، وعلى هذا لو أخرج الذكر في الجبران، هل يجوز؟ فيه وجهان أيضاً. فرع آخر سن هذه الشاة إن كانت ضأناً فجذعة، وإن كانت معزاً فثنية، وأما صفتها فمن نوع غنم البلد، فإن كانت ضأناً فضأنا، وأن كانت معزاً فمعزاً، وإن كانت منهما، فمن أيهما شاء، ولا فرق بين أن يكون إحداهما أغلب من الآخر، أو يكون سواء. وقال مالك: الاعتبار بأغلب غنم البلد في النوع، كما في الجنس، فإن كان غالب غنم البلد الضأن، لم يجز أخذ المعز، وإن كان الغالب المعز، لم يجز أخذ الضأن، وهذا غلط، لأن الشرع ورد بتجديد؟ النوع والتسوية بين جميع الأنواع، فلم يحتج مع ورود الشرع به إلى اختيار أهل البلد، والأغلب فيها، بخلاف الجنس المطلق، ذكره في الشرع، فاعتر فيه الأغلب، وقد قال الشافعي في "الكتاب". ولا أنظر إلى الأغلب في البلد، وعلل الشافعي لإبطال قوله نقله، أخل المزني بنقلها حيث نقل فقال: لأنه إنما قيل: إن عليه شاة من شياه بلده، أي: لم تقيد تلك الشاة في الخبرة بشاة من أغلب عنهم بلده، فإذا أعطاه شاة من شياه بلده جاز، فاستأنف هذا الكلام من جهة نفسه، لا إدراجاً له في متن الخبر كما أوهم المزني، وأما جنسها قال [٢٥ أ/٤] الشافعي في "الأم" (٢): إن كان في بلده جنس من الغنم فجاء بجنس آخر، نظر، فإن كان مثله في القيمة، أو خيراً منه أجزأه، وإن كان دونه لم يجزه، فعلى هذا، إذا كان بمكة، فأخرج شاة مكية أجزأته، وأن أخرج من غيرها، وكان دونها في القيمة، لم يجز، وإن كان مثلها جاز ولو كانت له أربعون شاة مكية ببغداد، فأخرج من غنم بلدة شاة، لم يجز، ولا يعتبر فيها غنم البلد، لأن الشاة الواجبة من الأربعين هي مستحقة من جنس النصاب، فلم يجز إخراجها من غير جنسه إلا أن يكون خيراً من جنسه أو مثله فيجزئه، وليس كذلك في الشاة المأخوذة من خمس من الإبل، لأنها ليست من جنس النصاب، فاعتبرتا بغنم

стр. 1087

البلد، وإذا أراد أن يعدل عن جنس غنم البلد فهو بمنزلة عدولة عن جنس النصاب في الأربعين. فرع إذا ملك نصاباً من الضأن فأراد أن يخرج ماعزاً أو على العكس، قال القاضي: فيه وجهان: إحداهما: يؤخذ كما لو كانت بعضها ضأناً، وبعضها ماعزا، فإنه يأخذ من الكل الضأن أو المعز. والثاني: يؤخذ الضأن من المعز، ولا يؤخذ المعز من الضأن، لأن الضأن خير النوعين، وإذا قلنا: يؤخذ المعز من الضأن، لا يؤخذ إلا ثنية، وإذا قلنا: يجوز [٢٥ ب/٤] إخراج الضأن من المعز، فإن أخرج ثنية فقد زاد، وإن أراد أن يخرج جذعة بدل ثنية من المعز فيه وجهان، إحداهما: يجوز لأنها تجوز عن نصاب من الضأن. والثاني: لا يجوز لأنها ناقصة السن كما لو أخرج حقة سمينة بدل جذعة لا يجوز. مسألة: قال (١): وإذا كانت إبِلُهُ كِراماً لم يأَخُذْ منهُ الصَّدَقَةَ دُونَهَا. الفصل وهذا كما قال قيل: الكرام من صفي الناس، وإنما يقال في الإبل كرائم ولا يقال كرام، إلا أن الشافعي ﵀ استعمله في الإبل وقوله حجة في اللغة وجملته أنه إذا كانت إبلة كراماً من حيث الجنس مثل أن يكون معه خمسة وعشرون بختياً فعليه أن يخرج بنت مخاض بختية، ولو أعطى من العراب لا يجوز، وكذلك لو كانت إبلة مهرية أو مجيدية لم يجز إخراج الفرض من جنس دونه وهذا للعدل بين رب المال وأهل السهمان، وإن كانت إبلة كراماً من جهة السن مثل أن يكون كلها ثنايا أو بُزلاً أو جذاعاً لا نكلفه أن يعطي بعيراً منها بل نطالبه ببنت مخاض من جنسها والفرق بين كرم الجنس وكرم السن من وجهين: إحداهما: أن سن الفرض منصوصة مبنية بياناً لا يحتمل التأويل، حتى قال ﷺ : "فمن سئل فوقها فلا [٢٦ أ/٤] يعطه" وليس كذلك جنس الفرض فإنه غير منصوص عليه فاعتبر بالجنس النصاب الذي وجب الفرض منه. والثاني: أن الزيادة في السن تجري مجرى الزيادة في العدد، ألا ترى أن فرائض الإبل تارة بالسن وتارة بالعدد فلما لم يجز أن يزاد في عدد الفرض لم يجز أن يزاد في السن لئلا يؤدي إلى الأخذ من القليل مثل الأخذ من الكثير، فإنه لو أخذ من خمس وعشرين جذعة مثلاً جذعة فقد أخذنا في إحدى وستين وهو محال وهناك لا يؤدي إلى هذا المعنى فافترقا، وعلى هذا لو كانت له إحدى وستون حوامل لا يكلف

стр. 1088

حاملاً لأن الحامل اثنان ولو كانت معه خمس وعشرون من الإبل سماناً أو أربعون شاة أكولة وجبت سمينة مثل ماله كما يؤخذ من الهازيل مهزولة. مسألة: قال (١): وإذا عَدَّ عليهِ السَّاعي فَلَمْ يأخُذْ منهُ شيئاً حتَّى نَقَصَتْ. الفصل وهذا كما قال هذه المسألة مبنية على أن الإمكان من شرائط الوجوب، أو من شرائط الضمان، وإن قلنا: من شرائط الوجوب وهو ظاهر المذهب فعد عليه الساعي ماشيته بعد حولان الحول فلم يأخذ منه شيئاً حتى نقصت عن النصاب فلا شيء عليه وعلى القول الآخر عليه بحصة ما بقي واختلف قول الشافعي [٢٦ ب/٤] رحمة الله عليه في كيفية الإمكان فقال في الجديد: الإمكان هو الوصول إلى الساعي أو إلى أهل السهمان سواء كان ماله من الأموال الظاهرة كالمواشي أو كان من الأموال الباطنة، كالذهب والفضة، ومن أصحابنا من قال: لو أخرها على هذه القول عن أهل السهمان ليوصلها إلى الإمام لا يضمن، لأن له غرضاً صحيحاً في الدفع إلى الإمام لدفع الخلاف، وهذا خلاف النص، وقال في "القديم": إن كان من الأموال الباطنة فهو الوصول إلى الساعي أو إلى أهل السهمان وأن كان من الأموال الظاهرة فهو الوصول إلى الساعي دون أهل السهمان، وتجب الزكاة على الفور عند الإمكان، وبه قال الكرخي من أصحاب أبي حنيفة، وقال أبو بكر الداري: على التراخي لأنها لو هلكت عند أبي حنيفة لا يضمن .... (٢) على ..... (٣) وإذا وجد الإمكان على ما بيناه فلم يخرج الزكاة حتى تلف المال فإنه يلزمه ضمان الزكاة، وقال أبو حنيفة لا يضمنها وإن أخرها سنين لا يطالبه إلا بمطالبة الإمام وهذا غلط، لأنها أمانة حصلت في يده بغير اختيار من له الحق فيضمن بالإمكان كما لو ألقت الريح ثوباً في داره ضمن بالإمكان. مسألة: قال (٤): وما هَلَكَ أو نَقَصَ في يدَيَ [٢٧ أ/٤] السَّاعي. فلم يفرقها حتى تلفت في يده سقط الفرض عن رب المال بقبض الساعي منه فإن كان الساعي لم يمكنه أن يفرقها بين أهل السهمان حتى تلفت فلا ضمان على الساعي وإن أمكنه ذلك فإن آخر تفريقها لعذر مثل إن كان مشغولاً بتثبيت أسمائهم وإحصائهم وتعرف أحوالهم أو انتظار مال آخر من الصدقات، يحمل إليه فيضيفه إلى ما تحصل عنده ليعم الجميع به فلا ضمان عليه وإن أخرها لغير عذر، فإنه مفرط ويلزمه الضمان فإن قيل: إذا وكل رجلاً في قبض ماله من رجل فقبضه وأمكنه أن يدفع إليه فلم يدفع حتى تلف لا يلزمه الضمان، فما الفرق؟ قلنا: الفرق هو أن الزكاة مستحقها غير متعين فلم يجعل سكوت مستحقها رضي فتركها في يده فتعلق الضمان بالإمكان، وهاهنا المال الذي في يد الوكيل مستحقة متعين فجعل سكوته عن المطالبة بتسليمه إليه رضي منه.

стр. 1089

بكونه في يده، وتعلق الضمان بمطالبه وامتناعه. فرع لو أوصى إلى رجل بتفرقة ثلاثة على الفقراء ومات الموصي وأمكنه تفريقه عليهم فلم يفعل حتى تلف ضمن لأن المستحق غير معين كالزكاة سواء، ولو وجد لقطة فأخذها وهو يعرف صاحبها لزمه إعلامه [٢٧ ب/٤] بها فإن أخر الإعلام مع الإمكان ضمن لأن مستحقة متعين ولذلك لو هبت الريح بثوب في داره. فرع لو قال له: سلم هذا المال إلى رجل فأخذه ... (١) التسليم فلم يسلمه حتى تلف هل يضمن وجهان: إحداهما: أنه يضمن كالزكاة. والثاني: لا يضمن لأنه لا يلزمه أمره بخلاف أمر الشرع وهذا هو اختيار كثير من أصحابنا، والصحيح عندي القول الأول لأنه ألتزمه باختياره فلزمه الوفاء به. باب زكاة البقر السائمة قال: أخبرنا مالك عن حميد، وذكر الخبر. وهذا كما قال: الأصل في زكاة البقر الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣]، وأما السنة: فما رواه الشافعي أن النبي ﷺ : "أمر معاذاً أن يأخذ من كل ثلاثين تبيعاً ومن كل أربعين مسنة" ثم روى فعل معاذ موافقاً لهذا فقد روى طاوس أن معاذاً أخذ من ثلاثين بقرة تبيعاً ومن أربعين مسنة (٢)، وروى في خبر علي ﵁ عن النبي ﷺ مثل ذلك، وأما الإجماع: فما قال الشافعي لا أعلم فيه من أحد من أهل العلم لقيته خلافاٌ (٣). فإذا تقرر [٢٨ أ/٤] هذا فقبل أن يشرع في حكم زكاتها يقدم ذكر أسنانها، فإذا ولدت البقرة فهو عجل وعجول، فإذا استكمل سنة ودخل في الثانية فهو جذع، وجذعة، فإذا استكمل سنتين ودخل في الثالثة فهو ثني وثنية، فإذا استكمل ثلاثاً ووجد في الرابعة، فهو رباع ورباعية، فإذا استكمل خمساً ودخل في السادسة، فهو صالغ، ثم لا اسم له بعد هذا إلا صالغ (٤) عام وصالغ عامين. وأما التبيع فقال أبو عبيد: لا يدل على سن، وقال غيره: يسمى تبيعاً لأنه يتبع أمه في الرعي، وقال الأزهري (٥): التبيع هو الذي أتى عليه حول ولا شك أنه المراد

стр. 1090

بالخبر، وقيل: إنما سمي تبيعاً لأن قرنه يتبع لونه حتى صارا سواء، وأما المسنة: فجمعها سنات ومسنات، وهي الثنية. وقال الإمام أبو الحسن الماوردي في تصنيفه "الحاوي" (١): من غير خلاف التبيع ما له ستة أشهر فصاعداً وسمي تبيعاً لأنه قوي على إتباع أمه، والمسنة هي التي لها سنة كاملة ودخلت في الثانية، وهذا غريب فإذا تقرر هذا فلا صحت الزكاة في البقر حتى تبلغ ثلاثين، فإذا بلغتا، ففيها تبيع، وهو قول كافة العلماء، وقال سعيد بن المسيب والزهري وجابر بن زيد وابن شبرمة، تجب في كل خمس منها شاة إلى ثلاثين لأن البقرة تجزي عن سبعة كالإبل، وقال [٢٨ ب/٤] أبو قلابة: في كل خمس شاة إلى عشرين ففيها أربع شياه ثم لا شيء فيها حتى تبلغ ثلاثين فيكون فيها تبيع، حكى عن سعيد بن المسيب أنه قال: نصها كالإبل في كل خمس شاة وفي خمس وعشرين بقرة بدلاً من ابنة مخاض ثم لا شيء فيها حتى تبلغ ستاً وسبعين فيكون فيها بقرتان بدلاً من بنتي لبون، وهذا غلط لما روى الحكم عن طاوس عن ابن عباس ﵁ قال: لما بعث رسول الله ﷺ معاذاً إلى اليمن أمره أن يأخذ من كل ثلاثين من البقر تسعاً أو سبعة جذعاً ومن كل أربعين مسنة فقالوا: الأوقاص، فقال: ما أمرني فيها بشيء وسأسأل رسول الله ﷺ إذا قدمت عليه فلما قدم على رسول الله ﷺ سأله عن الأوقاص فقال: "ليس فيها شيء" وروي أنه توفي رسول الله ﷺ قبل أن يقدم معاذ، وروى الشافعي أن معاذ أتى بوقس البقر أو وقص البقر فقال: لم يأمرني فيه رسول الله ﷺ بشيء وفسر الشافعي ﵀ الوقس فقال: والوقس ما لم يبلغ الفريضة أي: ما دون النصاب. ثم قال: فبهذا كله نأخذ أي: لا يوجب إلا فيما أوجبه رسول الله ﷺ [٢٩ أ/٤] لأن المقادير لا تؤخذ توفيقاً وكذلك امتنع معاذ من الأخذ فيما لم يأمره النبي ﷺ فيه بشيء، وأيضاً الواجب في الزكاة الإناث فلما استفتحت فريضة البقر بالذكر دل أن ما قبلها لا يحتمل واجباً، فإذا تقرر هذا فلا شيء في زيارتها حتى تبلغ أربعين فإذا بلغتها ففيها مسنة وهي التي تجزي في الأضحية، ثم لا شيء في زيادتها حتى تبلغ ستين فإذا بلغتها ففيها تبيعان ويستقر النصاب بعد ذلك فيكون النصاب عشرة عشرة والوقص تسعة تسعة والفرض في كل ثلاثين تبيع وفي كل أربعين مسنة والوقص يحرم إيقاف عند الفقهاء، وقال بعض أهل اللغة هو بتحريك القاف كالشنق، وأما الشنق بتحريك النون، فروى البويطي عن الشافعي ﵀ أنه قال: هو ما بين الستين من الإبل والبقر والغنم وأراد به ما بين الفريضتين، ولكنه يختص بالإبل والوقص يختص بالبقر، وقال أبو حنيفة في إحدى الروايات مثل مذهبنا والرواية الثانية عنه أنه قال في خمسين مسنة وربع مسنة والرواية الثالث: عنه أنه قال يجب فيما زاد على أربعين جزء من مسنة، وإن
следующие страницы →