فرع آخر
قال بعض أهل خراسان: الإبل المخرج هل هو بدل عن الواجب أم أصل؟ وجهان:
إحداهما: أنه بدل، ولكنه يجوز للنص.
والثاني: أنه أصل، وهو الصحيح
فرع آخر
لو أخرج كبشاً هل يجزئه؟ قال أبو إسحاق: يجزئه، لأن هذه الشاة لا تتعلق بعين المال ... (١) الذكر والأنثى كالأضحية، وهو الصحيح. وقال بعض أصحابنا: لا يجوز، إلا الأنثى، لأن فرائض الإبل كلها إناث. وفيه وجه ثالث: أنه كانت الإبل إناثاً لا يجوز إلا أنثى، وإن كانت ذكوراً [٢٤ ب/٤] يجوز الذكر والأنثى اعتباراً لصفة المال، وعلى هذا لو أخرج الذكر في الجبران، هل يجوز؟ فيه وجهان أيضاً.
فرع آخر
سن هذه الشاة إن كانت ضأناً فجذعة، وإن كانت معزاً فثنية، وأما صفتها فمن نوع غنم البلد، فإن كانت ضأناً فضأنا، وأن كانت معزاً فمعزاً، وإن كانت منهما، فمن أيهما شاء، ولا فرق بين أن يكون إحداهما أغلب من الآخر، أو يكون سواء. وقال مالك: الاعتبار بأغلب غنم البلد في النوع، كما في الجنس، فإن كان غالب غنم البلد الضأن، لم يجز أخذ المعز، وإن كان الغالب المعز، لم يجز أخذ الضأن، وهذا غلط، لأن الشرع ورد بتجديد؟ النوع والتسوية بين جميع الأنواع، فلم يحتج مع ورود الشرع به إلى اختيار أهل البلد، والأغلب فيها، بخلاف الجنس المطلق، ذكره في الشرع، فاعتر فيه الأغلب، وقد قال الشافعي في "الكتاب". ولا أنظر إلى الأغلب في البلد، وعلل الشافعي لإبطال قوله نقله، أخل المزني بنقلها حيث نقل فقال: لأنه إنما قيل: إن عليه شاة من شياه بلده، أي: لم تقيد تلك الشاة في الخبرة بشاة من أغلب عنهم بلده، فإذا أعطاه شاة من شياه بلده جاز، فاستأنف هذا الكلام من جهة نفسه، لا إدراجاً له في متن الخبر كما أوهم المزني، وأما جنسها قال [٢٥ أ/٤] الشافعي في "الأم" (٢): إن كان في بلده جنس من الغنم فجاء بجنس آخر، نظر، فإن كان مثله في القيمة، أو خيراً منه أجزأه، وإن كان دونه لم يجزه، فعلى هذا، إذا كان بمكة، فأخرج شاة مكية أجزأته، وأن أخرج من غيرها، وكان دونها في القيمة، لم يجز، وإن كان مثلها جاز ولو كانت له أربعون شاة مكية ببغداد، فأخرج من غنم بلدة شاة، لم يجز، ولا يعتبر فيها غنم البلد، لأن الشاة الواجبة من الأربعين هي مستحقة من جنس النصاب، فلم يجز إخراجها من غير جنسه إلا أن يكون خيراً من جنسه أو مثله فيجزئه، وليس كذلك في الشاة المأخوذة من خمس من الإبل، لأنها ليست من جنس النصاب، فاعتبرتا بغنم
стр. 1087
البلد، وإذا أراد أن يعدل عن جنس غنم البلد فهو بمنزلة عدولة عن جنس النصاب في الأربعين.
فرع
إذا ملك نصاباً من الضأن فأراد أن يخرج ماعزاً أو على العكس، قال القاضي: فيه وجهان:
إحداهما: يؤخذ كما لو كانت بعضها ضأناً، وبعضها ماعزا، فإنه يأخذ من الكل الضأن أو المعز.
والثاني: يؤخذ الضأن من المعز، ولا يؤخذ المعز من الضأن، لأن الضأن خير النوعين، وإذا قلنا: يؤخذ المعز من الضأن، لا يؤخذ إلا ثنية، وإذا قلنا: يجوز [٢٥ ب/٤] إخراج الضأن من المعز، فإن أخرج ثنية فقد زاد، وإن أراد أن يخرج جذعة بدل ثنية من المعز فيه وجهان، إحداهما: يجوز لأنها تجوز عن نصاب من الضأن.
والثاني: لا يجوز لأنها ناقصة السن كما لو أخرج حقة سمينة بدل جذعة لا يجوز.
مسألة: قال (١): وإذا كانت إبِلُهُ كِراماً لم يأَخُذْ منهُ الصَّدَقَةَ دُونَهَا.
الفصل
وهذا كما قال قيل: الكرام من صفي الناس، وإنما يقال في الإبل كرائم ولا يقال كرام، إلا أن الشافعي ﵀ استعمله في الإبل وقوله حجة في اللغة وجملته أنه إذا كانت إبلة كراماً من حيث الجنس مثل أن يكون معه خمسة وعشرون بختياً فعليه أن يخرج بنت مخاض بختية، ولو أعطى من العراب لا يجوز، وكذلك لو كانت إبلة مهرية أو مجيدية لم يجز إخراج الفرض من جنس دونه وهذا للعدل بين رب المال وأهل السهمان، وإن كانت إبلة كراماً من جهة السن مثل أن يكون كلها ثنايا أو بُزلاً أو جذاعاً لا نكلفه أن يعطي بعيراً منها بل نطالبه ببنت مخاض من جنسها والفرق بين كرم الجنس وكرم السن من وجهين:
إحداهما: أن سن الفرض منصوصة مبنية بياناً لا يحتمل التأويل، حتى قال ﷺ : "فمن سئل فوقها فلا [٢٦ أ/٤] يعطه" وليس كذلك جنس الفرض فإنه غير منصوص عليه فاعتبر بالجنس النصاب الذي وجب الفرض منه.
والثاني: أن الزيادة في السن تجري مجرى الزيادة في العدد، ألا ترى أن فرائض الإبل تارة بالسن وتارة بالعدد فلما لم يجز أن يزاد في عدد الفرض لم يجز أن يزاد في السن لئلا يؤدي إلى الأخذ من القليل مثل الأخذ من الكثير، فإنه لو أخذ من خمس وعشرين جذعة مثلاً جذعة فقد أخذنا في إحدى وستين وهو محال وهناك لا يؤدي إلى هذا المعنى فافترقا، وعلى هذا لو كانت له إحدى وستون حوامل لا يكلف
стр. 1088
حاملاً لأن الحامل اثنان ولو كانت معه خمس وعشرون من الإبل سماناً أو أربعون شاة أكولة وجبت سمينة مثل ماله كما يؤخذ من الهازيل مهزولة.
مسألة: قال (١): وإذا عَدَّ عليهِ السَّاعي فَلَمْ يأخُذْ منهُ شيئاً حتَّى نَقَصَتْ.
الفصل
وهذا كما قال هذه المسألة مبنية على أن الإمكان من شرائط الوجوب، أو من شرائط الضمان، وإن قلنا: من شرائط الوجوب وهو ظاهر المذهب فعد عليه الساعي ماشيته بعد حولان الحول فلم يأخذ منه شيئاً حتى نقصت عن النصاب فلا شيء عليه وعلى القول الآخر عليه بحصة ما بقي واختلف قول الشافعي [٢٦ ب/٤] رحمة الله عليه في كيفية الإمكان فقال في الجديد: الإمكان هو الوصول إلى الساعي أو إلى أهل السهمان سواء كان ماله من الأموال الظاهرة كالمواشي أو كان من الأموال الباطنة، كالذهب والفضة، ومن أصحابنا من قال: لو أخرها على هذه القول عن أهل السهمان ليوصلها إلى الإمام لا يضمن، لأن له غرضاً صحيحاً في الدفع إلى الإمام لدفع الخلاف، وهذا خلاف النص، وقال في "القديم": إن كان من الأموال الباطنة فهو الوصول إلى الساعي أو إلى أهل السهمان وأن كان من الأموال الظاهرة فهو الوصول إلى الساعي دون أهل السهمان، وتجب الزكاة على الفور عند الإمكان، وبه قال الكرخي من أصحاب أبي حنيفة، وقال أبو بكر الداري: على التراخي لأنها لو هلكت عند أبي حنيفة لا يضمن .... (٢) على ..... (٣) وإذا وجد الإمكان على ما بيناه فلم يخرج الزكاة حتى تلف المال فإنه يلزمه ضمان الزكاة، وقال أبو حنيفة لا يضمنها وإن أخرها سنين لا يطالبه إلا بمطالبة الإمام وهذا غلط، لأنها أمانة حصلت في يده بغير اختيار من له الحق فيضمن بالإمكان كما لو ألقت الريح ثوباً في داره ضمن بالإمكان.
مسألة: قال (٤): وما هَلَكَ أو نَقَصَ في يدَيَ [٢٧ أ/٤] السَّاعي.
فلم يفرقها حتى تلفت في يده سقط الفرض عن رب المال بقبض الساعي منه فإن كان الساعي لم يمكنه أن يفرقها بين أهل السهمان حتى تلفت فلا ضمان على الساعي وإن أمكنه ذلك فإن آخر تفريقها لعذر مثل إن كان مشغولاً بتثبيت أسمائهم وإحصائهم وتعرف أحوالهم أو انتظار مال آخر من الصدقات، يحمل إليه فيضيفه إلى ما تحصل عنده ليعم الجميع به فلا ضمان عليه وإن أخرها لغير عذر، فإنه مفرط ويلزمه الضمان فإن قيل: إذا وكل رجلاً في قبض ماله من رجل فقبضه وأمكنه أن يدفع إليه فلم يدفع حتى تلف لا يلزمه الضمان، فما الفرق؟ قلنا: الفرق هو أن الزكاة مستحقها غير متعين فلم يجعل سكوت مستحقها رضي فتركها في يده فتعلق الضمان بالإمكان، وهاهنا المال الذي في يد الوكيل مستحقة متعين فجعل سكوته عن المطالبة بتسليمه إليه رضي منه.
стр. 1089
بكونه في يده، وتعلق الضمان بمطالبه وامتناعه.
فرع
لو أوصى إلى رجل بتفرقة ثلاثة على الفقراء ومات الموصي وأمكنه تفريقه عليهم فلم يفعل حتى تلف ضمن لأن المستحق غير معين كالزكاة سواء، ولو وجد لقطة فأخذها وهو يعرف صاحبها لزمه إعلامه [٢٧ ب/٤] بها فإن أخر الإعلام مع الإمكان ضمن لأن مستحقة متعين ولذلك لو هبت الريح بثوب في داره.
فرع
لو قال له: سلم هذا المال إلى رجل فأخذه ... (١) التسليم فلم يسلمه حتى تلف هل يضمن وجهان:
إحداهما: أنه يضمن كالزكاة.
والثاني: لا يضمن لأنه لا يلزمه أمره بخلاف أمر الشرع وهذا هو اختيار كثير من أصحابنا، والصحيح عندي القول الأول لأنه ألتزمه باختياره فلزمه الوفاء به.
باب زكاة البقر السائمة
قال: أخبرنا مالك عن حميد، وذكر الخبر.
وهذا كما قال: الأصل في زكاة البقر الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣]، وأما السنة: فما رواه الشافعي أن النبي ﷺ : "أمر معاذاً أن يأخذ من كل ثلاثين تبيعاً ومن كل أربعين مسنة" ثم روى فعل معاذ موافقاً لهذا فقد روى طاوس أن معاذاً أخذ من ثلاثين بقرة تبيعاً ومن أربعين مسنة (٢)، وروى في خبر علي ﵁ عن النبي ﷺ مثل ذلك، وأما الإجماع: فما قال الشافعي لا أعلم فيه من أحد من أهل العلم لقيته خلافاٌ (٣). فإذا تقرر [٢٨ أ/٤] هذا فقبل أن يشرع في حكم زكاتها يقدم ذكر أسنانها، فإذا ولدت البقرة فهو عجل وعجول، فإذا استكمل سنة ودخل في الثانية فهو جذع، وجذعة، فإذا استكمل سنتين ودخل في الثالثة فهو ثني وثنية، فإذا استكمل ثلاثاً ووجد في الرابعة، فهو رباع ورباعية، فإذا استكمل خمساً ودخل في السادسة، فهو صالغ، ثم لا اسم له بعد هذا إلا صالغ (٤) عام وصالغ عامين.
وأما التبيع فقال أبو عبيد: لا يدل على سن، وقال غيره: يسمى تبيعاً لأنه يتبع أمه في الرعي، وقال الأزهري (٥): التبيع هو الذي أتى عليه حول ولا شك أنه المراد
стр. 1090
بالخبر، وقيل: إنما سمي تبيعاً لأن قرنه يتبع لونه حتى صارا سواء، وأما المسنة: فجمعها سنات ومسنات، وهي الثنية.
وقال الإمام أبو الحسن الماوردي في تصنيفه "الحاوي" (١): من غير خلاف التبيع ما له ستة أشهر فصاعداً وسمي تبيعاً لأنه قوي على إتباع أمه، والمسنة هي التي لها سنة كاملة ودخلت في الثانية، وهذا غريب فإذا تقرر هذا فلا صحت الزكاة في البقر حتى تبلغ ثلاثين، فإذا بلغتا، ففيها تبيع، وهو قول كافة العلماء، وقال سعيد بن المسيب والزهري وجابر بن زيد وابن شبرمة، تجب في كل خمس منها شاة إلى ثلاثين لأن البقرة تجزي عن سبعة كالإبل، وقال [٢٨ ب/٤] أبو قلابة: في كل خمس شاة إلى عشرين ففيها أربع شياه ثم لا شيء فيها حتى تبلغ ثلاثين فيكون فيها تبيع، حكى عن سعيد بن المسيب أنه قال: نصها كالإبل في كل خمس شاة وفي خمس وعشرين بقرة بدلاً من ابنة مخاض ثم لا شيء فيها حتى تبلغ ستاً وسبعين فيكون فيها بقرتان بدلاً من بنتي لبون، وهذا غلط لما روى الحكم عن طاوس عن ابن عباس ﵁ قال: لما بعث رسول الله ﷺ معاذاً إلى اليمن أمره أن يأخذ من كل ثلاثين من البقر تسعاً أو سبعة جذعاً ومن كل أربعين مسنة فقالوا: الأوقاص، فقال: ما أمرني فيها بشيء وسأسأل رسول الله ﷺ إذا قدمت عليه فلما قدم على رسول الله ﷺ سأله عن الأوقاص فقال: "ليس فيها شيء" وروي أنه توفي رسول الله ﷺ قبل أن يقدم معاذ، وروى الشافعي أن معاذ أتى بوقس البقر أو وقص البقر فقال: لم يأمرني فيه رسول الله ﷺ بشيء وفسر الشافعي ﵀ الوقس فقال: والوقس ما لم يبلغ الفريضة أي: ما دون النصاب.
ثم قال: فبهذا كله نأخذ أي: لا يوجب إلا فيما أوجبه رسول الله ﷺ [٢٩ أ/٤] لأن المقادير لا تؤخذ توفيقاً وكذلك امتنع معاذ من الأخذ فيما لم يأمره النبي ﷺ فيه بشيء، وأيضاً الواجب في الزكاة الإناث فلما استفتحت فريضة البقر بالذكر دل أن ما قبلها لا يحتمل واجباً، فإذا تقرر هذا فلا شيء في زيارتها حتى تبلغ أربعين فإذا بلغتها ففيها مسنة وهي التي تجزي في الأضحية، ثم لا شيء في زيادتها حتى تبلغ ستين فإذا بلغتها ففيها تبيعان ويستقر النصاب بعد ذلك فيكون النصاب عشرة عشرة والوقص تسعة تسعة والفرض في كل ثلاثين تبيع وفي كل أربعين مسنة والوقص يحرم إيقاف عند الفقهاء، وقال بعض أهل اللغة هو بتحريك القاف كالشنق، وأما الشنق بتحريك النون، فروى البويطي عن الشافعي ﵀ أنه قال: هو ما بين الستين من الإبل والبقر والغنم وأراد به ما بين الفريضتين، ولكنه يختص بالإبل والوقص يختص بالبقر، وقال أبو حنيفة في إحدى الروايات مثل مذهبنا والرواية الثانية عنه أنه قال في خمسين مسنة وربع مسنة والرواية الثالث: عنه أنه قال يجب فيما زاد على أربعين جزء من مسنة، وإن
стр. 1091
كانت الزيادة واحدة وهذا غلط، ظاهر لأنه يؤدي إلي إيجاب جزء من الجبران ابتدأ في الزكاة وهذا [٢٩ ب/٤] لا نظير له في الأصول، وفي هذا احتراز من ثلاث مسائل علي أصلنا يجب فيها الجزء إحداها: الخلطة، والثانية: إذا هلك البعض بعد حلول الحول قبل الإمكان، والثالثة: المستفاد ثم إذا بلغت مائه وعشرين اجتمع أربع ثلاثينات وثلاث أربعينات فيجب أخذ الفرضين، إما ثلاث مسنات أو أربعة أتبعه، وشرح هذا الفصل كما ذكرنا في الإبل، إلا أنه لا يجوز الصعود فيها ولا النزول مع الجبران وتفارق الإبل من وجهين، إحداهما: أن الجبران تقويم الشرع فيجب قصره علي الموضوع الذي ورد فيه الشرع، والثاني: أن في الإبل يجوز العدول من جنسها إلي غير جنسها في الابتداء للرفق بصاحبها فجاز إلي غير جنسها في الجبران للتخفيف والرفق بخلاف البقر، وبقولنا قال مالك وأحمد وأبو يوسف ومحمد.
فرع
لو كانت له ثلاثون من البقر ووجب فيها تبيع فأعطانا تبيعته كانت أفضل، لأن الأنثى أفضل من الذكر ولو أعطي مسنة بدل التبيع قبلنا لأنه اكبر من غير نقصان ولكن لا يجبر عليه بخلاف ابن لبون مكان بنت مخاض، لأن التبيع الواجب ذكره أيضاُ، ولو كانت له أربعون من البقر ووجبت عليه مسنة فأعطى تسعين أخذناها لأنه يجوز أخذهما في [٣٠ أ/٤] الستين ففيما دونهما أولي.
باب صدقة الغنم السائمة
مسألة: قال (١): ثابت عن رسول الله صلي الله عليه وسلم في صدقة الغنم معني ما اذكره إن شاء الله.
الفصل
وهذا كما قال: الأول في زكاة الغنم الكتاب، والسنة، والإجماع، أما الكتاب: فما تقدم. وأما السنة: فما روى أبو ذر ﵁ أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: "في الغنم صدقتها" الخبر، وأما الإجماع: فلا خلاف فيه وإنما قال الشافعي ﵀: ثابت عن رسول الله صلي الله عليه وسلم ولم ينقل لفظ الخبر لأنه لم يحفظ اللفظ فنقل المعني واحتاط بذكر الاستثناء، وهو قوله: إن الله، وقيل: إن لفظه وافق لفظ الخبر إلا في موضع واحد وهو أنه قال: حتى يبلغ مائتين وشاه، فإذا بلغت ففيها ثلاث شياه إلي ثلاثمائة ثم في كل مائة شاه فإذا تقرر هذا فلا صدقه في الغنم حتى تبلغ أربعين، فإذا بلغتها ففيها شاه وقد ورد النص في هذا وهو ما روي أن النبي صلي الله عليه وسلم قال:" إذا نقصت سائمة الرجل من الأربعين شاه فلا شيء فيها" ثم ليس في زيادتها شيء حتى تبلغ مائة وإحدى
стр. 1092
وعشرين، فإذا بلغتها ففيها شاتان، ثم لا شيء في زيادتها حتى تبلغ [٣٠ ب/٤] مائتي شاة وشاة، فإذا بلغتها ففيها أربع شياه ثم في كل مائه شاة وما نقص عن مائه فلا شيء فيه، هكذا نقله المزني والربيع، وروى البويطي عنه أنه قال: في مائتي شاة وشاة ثلاث شياه إلي ثلاثمائة ثم زاد بعد ذلك ففي كل مائه شاة فجعل الوقص إلي ثلاثمائة، ثم استأنف بعده اعتبار نصاب مستقر علي عدد واحد فقال: ثم في كل مائه شاة وهذا لفظ السنة المروية فيها والذي تقدم روي في بعض الألفاظ، فقدمناه لموافقة الأصول إياه، وذلك أنه يؤدي إلي الموالاة بين الوقصين وهو خلاف الأصول.
وقال الحسن بن صالح بن حي والنخعي: إذا زادت علي ثلاثمائة واحدة ففيها أربع شياه، وحكي القاضي الإمام أبو الحسن الماوردي (١) عنهما أنهما قالا: في مائتي شاة هذا بذكر أسنان الغنم قبل الشروع في المسائل فأول ما تلد الشاه يقال سلخة ذكراً كان أو أنثى والمعز والضأن في هذا سواء، ثم يقال: للكل ثم إذا أربعة أشهر يقال للمعز جفر وجفرة، وجمعها جفار، ويقال للضأن: حمل ثم [٣١ أ/٤] يقال بعد هذا للمعز عريض وعتود، ويقال له جدي وغياق إلي هذا الوقت من حين الولادة ثم إذا استكمل سنه يقال له: عنز وتيس، فإذا دخل في الثانية، يقال له: جذع وجذعة، فإذا دخل في الثالثة، فهو ثني وثنية، فإذا دخل في الرابعة، فهو رباع ورباعية، فإذا دخل في الخامسة، فهو سديس وسدس، فإذا دخل في السادسة، فهو صالغ ثم يقال صالغ عام وصالغ عامين، وفي الضأن، إذا بلغ سبعة أشهر إن كان من بين شاتين فهو جذع، وإنما قيل جذع لأن له نزواً وضراباً، وإن كان من بين هرمين، فلا يقال جذع حتى يكمل له ثمانية أشهر ثم هو جذع حتى يدخل في الثالثة فيقال ثنى وثنية والمعز لا ينزو حتى يصير ثنياً بخلاف الضأن ثم علي ما ذكرناه في المعز، وقيل: الجذعة من الضأن ما له ستة أشهر ودخل في السابع والثنية من المعز هي التي استكملت سنة ودخلت في الثانية، وهذا هو اختيار صاحب الحاوي (٢)
وحكي الأزهري (٣) عن ابن الأعرابي انه إن كان من هرمين فعلي ما ذكرنا، وإن كان من شاتين فهو جذع لستة أشهر إلي سبعة أشهر، وحكي عن الأصمعي أنه قال: الجذع من الضأن هو لثمانية أشهر، ومن المعز لسنة، وقال ابن فارس: الجذع من [٣١ ب/٤] الضأن هو ما أتي عليه حول، والثني ما ذكرنا وهذا اختيار بعض أصحابنا، وهو الاحتياط.
مسألة: قال (٤): ويَعُدَّ علَيهِمْ بالسَّخْلَةِ.
стр. 1093
الفصل
وهذا كما قال: إذا ملك نصاباً من الغنم فتوالدت في أثناء الحول تحي صارت نصابين فإنه يجب فيها شاتان، وكذلك إذا بلغت ثلاثة نصب يجب ثلاث شياه، وتضم السخال إلي الكبار ويعد معها في حولها وكن لا بد من ثلاثة شرائط، أحدها: أن تكون متولدة منها. والثانية: أن تكون الأمهات نصاباً. والثالثة: أن تكون الدلالة في الحول، فأما إذا كانت من غيرها فلا يضم إليها، وعند أبي حنيفة يضم المستفاد إلي ما عنده من النصاب إذا كان من جنسه، وإن كان غير هذا من الأموال الزكاتية، وبه قال عنده من النصاب إذا كان من جنسه، وإن كان غير هذا من الأموال الزكاتية، وبه قال مالك وهذا غلطـ، لأنه النبي صلي الله عليه وسلم قال: "من استفاد مالاً فلا زكاة فيه حتى يحول عليه الحول"، وأما إذا كانت الأمهات أقل من البنات فولدت وتمت بالسخال نصاباً استأنف الحول من حين تمت نصاباً، وقال مالك: وهي رواية عن احمد يضم إليها وتجب شاة عند الحول واحتج بأنه لو ملك مائة درهم أحد عشرا شهراً ثم وجد مائة درهم ركازاً فزكاهم لأنهما نصاب، وهذا غلط لقوله صلي الله عليه وسلم: "لا زكاة في [٣٢ أ/٤] مال حتى يحول عليه الحول" ونقيس علي ما لو استفاد من غيرها سخالاً فإن عنده يستأنف الحول إذا تمت نصابا به، وأما مسألة الركاز ففيها وجهان، إحداهما: أنه يجب في المائة الركاز دون غيرها لأنه يعتبر فيها النصاب دون الحول، وفي المائة الأخرى يعتبر النصاب، والحول فلا يجب فيها لعقد الحول. والثاني: زكتهما واجبة لأن النصاب فيهما موجود، والحول فيما يعتبر فيه الحول موجود فوجد شرط الإيجاب فيمها وهذا إذا مضي شهر آخر علي هذه الثانية، وأما إذا كانت الولادة بعد الحول والإمكان فلا يضم إليها في زكاة الحول الماضي قولاً واحداً، لأن الأمهات جارية في زكاة الحول والثاني، وفي حكم الزكاة الثانية: فلا يجوز أن يضم إليها في جميع زكاة الحول الأول، ولو جاز هذا لوجب إذا آخر زكاة سنين أن يضمها إليها في جميع ما عليها من زكوات الأمهات، ونوجب في السخال زكوات سنين وهذا خلاف الإجماع، وإن كانت الولادة بعد الحول قبل الإمكان فيه طريقان إحداهما: أنه يبني علي القولين فإن قلنا: إمكان الأداء من شرائط الوجوب يضم الأولاد إليها لان زكاة الحول الماضي لم تجب بعد فيزكي الكل بعد الإمكان، وإن قلنا الإمكان [٣٢ ب/٤] من شرائط الضمان، وهو قوله الجديد لا يضم إليها إلا في الحول الثاني، لأنه حصلت الأولاد بعد الوجوب وهي جارية في الحول الثاني، والطريق الثاني: في المسألة قولان من غير بناء علي القولين إحداهما: يضم إليها لقول عمر رضي اله عنه اعتد عليهم بالسخلة التي يروح بها الراعي علي يديه، والسخلة التي يروح بها الراعي علي يديه لاتكون إلا بعد الحول، لأن ما تولد قبل الحول يمشى بعد الحول بنفسه، والثاني: وهو الصحيح لا يضم إلي ما عنده لأن الزكاة قد وجت في الأمهات والزكاة لا تسرى إلي الولد لأنها لو سرت بعد الوجوب لسرت بعد الإمكان، لأن الوجوب في مستقر وحال استقرار الوجوب هو آكد من حال الوجوب فلما لم تسر الزكاة إليه في حال الاستقرار فلأن لا تسري قبله
стр. 1094
أولى، وقال الحسن البصري والنخعي وداود: إنه يستأنف الحول أبداً، وهذا غلط لخبر عمر ﵁، وتمامه ما روى ان سفيان ساعي عمر بن الخطاب ﵁ رجع إليه فقال: إن هؤلاء يعنى أرباب المواشي يزعمون أنا نظلمهم نعد بالسخلة عليهم ولا نأخذها منهم فقال له عمر ﵁ مبيناً: إنه ليس بظلم بل هو عدل اعتد بالسخلة يروح بها [٣٣ أ/٤] الراعي أي: وإن كانت السخلة في الصغر بحيث لا تقوى علي المشي فيحملها الراعي فيروح بها، ثم قال: ولا يأخذها ولا يأكل الأكولة ولا الربي ولا المخاض ولا فحل الغنم، وخذ الجذعة والثنية (١).وذلك عدل بين غدي المال وخياره والغدي جمع الغدي وهو الصغير، ومعناه انك ما لا تأخذ السخلة وتعدها، كذلك تعد عليهم النفيس من الأكول والربي والماخض ولا تأخذها، وإنما تأخذ الجذعة والثنية فإذا ليس بظلم بل هو عدل عن الصغار والكبار والنفيس والخسيس، ثم فسر الشافعي ﵀ الربي والماخض والأكولة فقال: الربي هي التي يتبعها ولدها، وهي قريبة العهد بالولادة ما بينها وبين خمسة عشرة ليلة، فقال: هي في ربابها كما يقال في المرأة هي: في نفاسها، وقيل: جمع الربي رباب، وإنما قيل ذلك لأنها تربي ولدها وقيل ذلك إلي خمسين يوماً، ولا تؤخذ هذه لفضلها لأنها ذات الذر الغزير في هذه الأيام في أخذها إضرار بالسخلة فإن تبرع بها صاحبها أخذناها، ومن أصحابنا من قال: لا يؤخذ لنقصها لأنها في هذا الوقت تكون مهزولة وهو خلاف النص، وأما الأكولة: هي التي تعلف وتسمن للذبح وليست بسائمة [٣٣ ب/٤] والماخض: الحامل والشافع، والماخض والمخاض رجع الولادة، قال الله تعالي: ﴿فَأَجَاءَهَا المَخَاضُ إلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم:٣٢] وقيل: هي التي في بطنها ولد وخلفها ولد آخر ولا تؤخذ هاتان لفضلهما، فإن تطوع قبلنا.
وأما فحل الغنم: فهو الذي يعد في القطيع للضراب والكفاح ينظر في الغنم فإن كانت كلها ذكوراً لا يؤخذ لفضله فإن تبرع به أخذناه، وإن كانت لكنها أناثاً أو بعضها ذكوراً وبعضها إناثاَ لا يجوز أخذه لنقصانه بالذكورة، ثم اعلم أن الجذعة عندنا إنما تؤخذ إذا كانت الغنم ضانية ولا تؤخذ إذا كانت الغنم ما عزة، وإنما يؤخذ من المعز الثنية، وبه قال أحمد وقال أبو حنيفة: لا يقبل فيها إلا الثنية، وروى الحسن بن زياد عنه مثل مذهبنا، وقال مالك: تجوز الجذعة فيهما واحتج الشافعي ﵀ باحتجاج حسن، فقال: ولما لم يختلف أهل العلم فيما علمت مع ما وصفت يريد بقوله: فيما علمت فيما بلغني من الاختلاف مع ما رويت في حديث عمر ﵁ من اخذ الجذعة والثنية، ولا مخالفة له في أن لا يؤخذ أي فرض الغنم أقل من جذعه أو ثنية أي: لا يؤخذ دون هذه السن إذا كانت في غنمه أي: إذا كانت [٣٤ أ/٤] هذه السن موجودة في غنمه أو اعلي منها أي: إذا كانت الأعلى منها موجودة لم يؤخذ دون هذا
стр. 1095
السن دل علي أنهم أرادوا يجوز أضحية يريد به أنه لا خلاف أن الجذع من الضأن يجوز أضحية، والجذع من الماعز لا تجوز أضحية، وما دون الجذع من الضأن وما دون الثنية من الماعز لا تجوز أضحية، دل ذلك علي أن المطلوب في فرض الغنم سن تجوز أضحية وهو ما قلناه وتحرير هذا علي مالك أن يعلل للجذعة الماعز فنقول هذه سن لا تجوز أضحية فلا تجوز في صدقة الغنم كما دونها ونعلل علي أبي حنيفة للجذعة الضأنية فنقول: هذه سن تجوز أضحية كالثنية.
مسألة: قال (١): ولا يُؤخَذُ أعلى إلاَّ أنْ يتَطَوعَ ويختارَ السَّاعي السَّنَّ التَّي وَجَبَتْ.
الفصل
وهذا كما قال: إذا ثبت أن الواجب إحدى هاتين السنين فلا يخلو الغنم من أربعة أحوال، إما أن يكون دون السن المأخوذة، أو كلها فوق السن المأخوذة، أو بعضها من السن المأخوذة، وبعضها من غيرها فإن كانت دون السن المأخوذة وهي أن تكون سخالاً دون الجذعة أخذت الزكاة منها ويتصور ذلك إذا ماتت الأمهات وبقيت السخال، وإن كانت كلها نفس السن المأخوذة جذاعاً إن كانت ضأناً أو ثنايا [٣٤ ب/٤] إن كانت معزى وصفتها متقاربة لا يكون بعضها أكرم من بعض اختار الساعي منها أية واحدة إن شاء والخيار إليه كما إذا وجبت عليه حقه والجميع حقاق، يأخذ أية حقه شاء منها، قال في "الأم": ولا يفرق فرقتين ولا ثلاث فرق وقصد به رداً علي الزهري حيث قال: يفرق ثلاث فرق فرقه لرب المال وفرقتان يختار الساعي منهما، وروى عن عمر ﵁ هذا، وقال عطاء وسفيان الثوري: يفرق فرقتين فرقه لرب المال وفرقه يختار منها الساعي ماشاء، وهذا غلط، لأنه ربما يؤدي إلي إخراج الدون الذي فيه ضرر بالمساكين وقد قال تعالي ﴿ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ [البقرة:٢٦٧] الآية، وإن كان بعضها أكرم من بعض لا يجوز له أن يأخذ من الكرام ولكنه يترك الأدنى والأعلى، ويأخذ من الأوسط نص عليه في "الأم) (٢)، وقال أبو إسحاق في"الشرح": إذا وجبت عليه حقه وفي ماله حقاق جيدة ووسط وروى يأخذ الوسط، فإن قيل: أليس قلتم في المائتين يختار الساعي ماهو الأفضل من خمس بنات لبون، وأربع حقاق فما الفرق بين المسألتين، قلنا: الفرق إنا إذا تركنا الخبر هاهنا فقد تركنا بإزائه الردى فجاز وهناك لو أخذنا الحقاق [٣٥ أ/٤] وفيها بنات لبون خير من الحقاق فلم نأخذ من بنات اللبون شيئاً وتركنا جنسا مما يؤخذ في الزكاة ولم نأخذ منها شيئاً فيكون داخلاً في معني من تيمم الخبيث من ماله، وذلك لا يجوز، وإن كانت كلها فوق السن المأخوذة مثل أن تكون أكبر من الجذاع والثنايا نقول لرب المال: الذي يجب عليك جذعه من الضأن، إن كانت غنمك ضأنا أو ثنيه إن كانت غنمك معزى وأنت بالخيار إن شئت أعطنا الفرض من غيرها، وإن شئت طوعت بواحدة منها، فإن قيل هلا كلفتموه
стр. 1096
واحدة منها لأن غنمه إن كانت صغاراً أخذتم منها صغيرة، فإذا كانت كباراً وجب أن يأخذ منها كبيرة قيل: نحن نأخذ من الصغار صغيرة رفقاً برب المال، ولا نكلفه في الكبار كبيرة، وإنما نأخذ قدر الفرض رفقًا برب المال فيلحق الرفق به في زيادة السن ونقصانها كما تقول في العدد وهو إذا كانت غنمه اقل من النصاب لا يؤخذ منه شيء، وإذا كانت أكثر من النصاب لا يؤخذ من الزيادة شيء فيلحق به الرفق فيما نقص عن النصاب وفيما زاد عليه كذلك هاهنا فإذا تقرر هذا فإن أعطانا الفرض من غيرها أخذناه وهو الذي وجب عليه، وإن تطوع بواحدة منها أخذناها إذا لم يكن بها عيب يمنع [٣٥ ب/٤] جوازها في الأضحية فلا يقبلها، وإن كانت قيمتها أكثر من قيمة الفرض الجائز في الأضحية، وقال بعض أصحابنا بخراسان: أراد ملا يجوز أضحية وتنقص القيمة بسبب ذلك الغيب، فأما إذا لم تنقص القيمة والمنفعة مثل قطع بعض الإذن أو الأسنان لا يضر، وإن كان مثله لا يجوز في الأضحية وهذا غريب، فإن قيل: هلا قبلتموها وجعلتم زيادة قيمتها في مقابلة نقصها بالعيب، قيل: لأن الفرض لما لم يجز تركه جنساً إلي جنس آخر، وإن كان أكثر قيمة منه ألا ترى منه، فكذلك لا يجوز ترك صفته إلي صفة غيره، وإن كان أكثر قيمة من إلا ترى أن الغرة لما لم يجبر الولي علي أخذ غير العبد والأمة، وإن كان أكثر قيمة لم يجبر علي أخذ الخصى أو المعيب، وإن كان أكثر قيمة، وإن كان بعضها بعد السن المأخوذ وبعضها اكبر وأدون يأخذ الواجب فإذا تقرر هذا قال الشافعي: إلا أن تكون تيساً يعين فوق السن الواجبة ذكراً من المعز فلا يقبل بحال لأنه ليس في فرض الغنم ذكور وقصد به الرد علي أبي حنيفة فإنه قال: يقبل الذكر في فرض الغنم وجملته أن الحيوان ثلاثة إضراب:
أحدها: الغنم ولا يخلو من ثلاثة أحوال، إما ان يكون كلها [٣٦ أ/٤] ذكوراً أو كلها إناثاً أو بعضها إناثاً وبعضها ذكوراً فإن كان كلها ذكوراً جاز اخذ الذكر منها، فإن أعطانا تيساً أخذناه إذا كان ثنيا فما فوقه ولا يقبل ما دونه إلا أن يكون الغنم دون الثنايا فأعطانا تيساً منها قبلناه، وهذا لأن التيس من خيال المال نص عليه الشافعي في"الأم" (١) فقال: ولا يؤخذ التيس لنقصه وهو أنه لا ضرار له ولا نزو وهذا خلاف النص، وإن كانت كلها إناثاً أو بعضها إناثا وجب أخذ الأنثى منها ولا يجوز أخذ الذكر نص عليه في"الأم" (٢).
والثاني: في البقر فكل موضوع وجب الفرض من التبيع فيؤخذ ذكر سواء كانت البقر ذكوراً أو إناثاً للنص فيه وكل موضع وجبت فيه السنة، فإن كانت البقر إناثاً أو ذكوراً وإناثاً لم يجز إلا الأنثى، وإن كانت كلها ذكوراً ففيه وجهان، قال أبو إسحاق: لا يجوز إلا الأنثى لأن الفرائض كلها إناث إلا في موضع النص ولا نص هاهنا فعلي هذا يقوم النصاب من الإناث والفرض الذي فيها ثم يقوم النصاب من الذكور ويؤخذ أنثى
стр. 1097
بالقسط حتى لا يؤدي إلي التسوية بين الذكور والإناث، وقال أبو علي بن خيران: يجوز أخذ الذكر هاهنا وهو المنصوص في"الأم" لأن الزكاة وضعت علي الرفق والمواساة فلو أوجبنا [٣٦ ب/٤] الإناث من الذكور أجحفنا برب المال.
والثالث: الإبل إذا وجب الفرض من جنسها فإن كانت إناثاً كلها أو ذكوراً وإناثاً وجب الفرض أنثى، وإن كانت كلها ذكوراً قال أبو إسحاق: لا يجوز إلا الأنثى، قال وهو مذهب الشافعي، وقد بينه في "الأم"، وإنما انغلق كلام المزني لشدة اختصاره، قال: والفرق بينه وبين الغنم أنا إذا قلنا: أنه يأخذ الذكر هاهنا لأدى إلي أن يؤخذ من القليل ما يؤخذ من الكثير لأن النبي صلي الله عليه وسلم أوجب في خمس وعشرين بنت مخاض فإن لم يكن فابن لبون وهذا يؤخذ من ست وثلاثين أيضاً إذا قلنا: يؤخذ الذكر في هذا الموضع، وفي الغنم لا يؤدى إلي هذا المعني.
قال: والفرق بين الغنم والبقر أن في البقر يتفاوت النصاب الذي يتعلق به الذكر والذي تتعلق به الأنثى، ففي اخذ الذكر مكان الأنثى تسوية بين النصابين في البقر بخلاف الغنم، وقال ابن خيران: يجوز أخذ اذكر هاهنا أيضاً لأن المزني نقل عن الشافعي أنه قال: في الإبل بهذا المعني لا يؤخذ ذكراً مكان الأنثى إلا أن تكون ماشيته كلها ذكوراً وهذا نص وقيل: إنه منصوص في "الأم" (١) من غير إشكال وعلي هذا يؤخذ علي قدر المال حتى لا يؤدى [٣٧ أ/٤] إلي ما قله أبو إسحاق فيقال: كم قيمة خمس وعشرين جملاً فيقال خمسمائة ثم يقال كم قيمة ابن مخاض منها؟ فيقال خمسون فيؤخذ هاهنا ابن لبون قيمة خمسون ولا يؤخذ ابن مخاض، وذا كانت ستاً وثلاثين يؤخذ ابن لبون بقيمة ست وثلاثين حتى يكون عدلاً وعلي هذا القياس أبداً.
وحكي بعض أصحابنا عن ابن خيران انه قال: ها هنا لا يؤخذ ابن لبون ولا ابن مخاض فتؤخذ ابنه مخاض عنه خمس وعشرين جملاً كما قال أبو إسحاق وهذه مناقضة لأن ابن لبون إنما أقيم مقام بنت مخاض في الإناث، فإذا كانت كلها ذكوراً يجب أن يجوز ابن مخاض وإلا لزمنه المناقصة وهذا غير صحيح عن ابن خيران، وعلي قول أبي إسحاق يؤخذ بالقيمة أيضاً ليكون المأخوذ من الذكر أقل قيمة من المأخوذ من الإناث فقال: لو كانت الست والثلاثون إناثاً كم كانت قيمتها؟ فيقال: مائة دينار فيقال: وكم قيمة بنت لبون منها فيقال: عشرة دنانير فيقال: ولو كانت كلها ذكوراً كم قيمتها فيقال: خمسون ديناراً فيلزم ابنه لبون قيمتها خمسة دنانير وعلي هذا أبدا، وهذا اقرب إلي الصواب إن شاء الله [٣٧ ب/٤].
مسألة: قال (٢): ولا يُعَتَدٌ بالسَّخلَةِ علي رَبِّ الماشية إلاَّ بأنْ يكونُ السَّخْلُ من غَنَمِه.
الفصل
إلي قوله: والقول في ذلك قول رب الماشية وهذا كما قال: قد ذكرنا أن السخال
стр. 1098
إنما تضم إلي الأمهات بثلاث شرائط، فو اختلف رب المال والساعي في هذه الشرائط فقال رب المال: اشتريت السخال ولم تتولد من الكبار التي عندي، أو قال: توالدت ولم تكن الأمهات نصاباً، أو قال: توالدت بعد الحول، قال الشافعي، القول قول رب المال، ولا يمين عليه لأنه مؤتمن علي ما في يده وما يجب عليه من زكاته، فان قيل: أليست الوديعة أمانه في يد المودع؟ ثم يلزمه اليمين عند الخصومة في التلف، فما الفرق؟ قلنا: الفرق هو أن حكم الزكاة أخف وأسهل من الوديعة لان الزكاة مواساة من جهته بخلاف الوديعة، ولأن الزكاة المغلب فيها حق الله تعالي دون حق العباد، وحق الله تعالي مبني علي المسامحة والمتساهلة بخلاف حق الآدمي، وهكذا لو اختلفنا فقال رب المال: لم يخل عليه الحول، وقال الساعي: بل حال عليه الحول فالقول قوله، فلا يمين فإن اتهمه في هذه المسائل عرض عليه اليمين لإزالة الريبة عن قلبه، لا علي طرق الوجوب بأن لم يحلف لا يلزمه شيء وقد [٣٨ أ/٤] قال في "الأم" (١):وإن كذبه احلفه بالله تعالي وأراد ما ذكرنا، وأما إذا شهد شاهدان أن له هذه الغنم بأعيانها من أول السنة إلي آخرها، وهذه الشهادة تجوز قبل الاستشهاد لأنها تتعلق بحق الله تعالي، فقال المشهود عليه: بعتها في وسط الحول ثم اشتريتها من غير علم الشاهد، أو قال: أديت زكاتها إلي ساع غيرك، أو أديت زكاتها في بلد آخر، فقلنا: يجوز نقل الصدقة فهل يلزمه اليمين؟ وجهان ذكرهما أبو إسحاق.
إحداهما: لا تلزمه اليمين كما في المسائل الأربع.
والثاني: تلزمه اليمين لأن الظاهر ها هنا وجوب الزكاة وهو يدعي سقوطها فلا يسقط من غير يمين، الأول اصح وأشبه بكلام الشافعي في "الأم" لأنه لو كانت اليمين واجبة إذا كانت الدعوي تخالف الباطن وجبت وإن كانت تخالف الظاهر كما في المودع، وهكذا الخلاف لو وجد في يده أربعين شاه فقال رب المال: لي ببلد آخر أربعون أخرى فلا أؤدي إلا نصف شاة ها هنا صدقة، فإن اتهمه هل تلزمه اليمين؟ وجهان، ولو قال: هي كانت في يدي من أو السنة إلي آخرها ولكنها وديعة في يدي أو ضوال فلا زكاة علي فيها، اختلف أصحابنا فيه منهم من قال: هاتان المسألتان من جنس المسائل الأربع [٣٨ ب/٤] المتقدمة فلا يجب اليمين وجهاً واحداً، ومن أصحابنا من قال في هاتين المسألتين وجهان كما في المسائل الثلاث، لأن الظاهر من اليد الملك فالأصل وجوب الزكاة عليه وهذا لا يصح لأن الشافعي جمع في الأم بين قوله لم يحل عليه الحول، وبين قوله: هي وديعة أو ضوال، أو قال: صدقه، وأنه مع إنكاره لا اعتبار بيده، فإذا قلنا: إن اليمين واجبة فإن حلف برئ، وإن نكل لم ترد اليمين علي الساعي لأنه وكيل الفقراء، والوكيل لا يجوز أن يحلف عن الموكل وهل ترد اليمين علي الفقراء؟ قال ابن خيران في "الإفصاح": إن كان الفقراء معينين ردت
стр. 1099
عليهم اليمين، وإن لم يكونوا بمعينين لا ترد عليهم ويحكم عليه بالزكاة، فإن قيل: حكمتهم بالنكول ها هنا وهو خلاف أصلكم قلنا: من أصحابنا من قال القضاء بالنكول يجوز في حقوق الله تعالي والصحيح ان يقال: إن هذا ليس هو حكماً بالنكول ولكن الزكاة وجبت عليه في الظاهر، وللمدعي إسقاطها والتخلص منها باليمين، فإذا لم يحلف ألزمناه بالظاهر كما نقول في الزوج القاذف إذا نكل عن اللعان نقيم عليه الحد بالقذف ..... (١) ومن أصحابنا من قال إن قلنا: إن نقل الصدقة يجوز لا ترد اليمين [٣٩ أ/٤] نصاً واحداً، وإن قلنا: لا يجوز النقل هل ترد اليمين عليهم؟ وجهان، ومن أصحابنا من قال: إذا قال: هي وديعة في يدي ينظر، فإن اخبر عن مالكها ووقع في قلب الساعي صدقة لم يحلف، وإن ارتاب احلفه استظهاراً وجهاً واحداً لأنه أمين استند قوله إلي ظاهر ولو امتنع من الأخبار عن مالكها فيه وجهان، والأصح انه لا يجب اليمين أيضاً.
فرع
لو شهد فقيران من أهل الصدقة أن له هذا المال من أول الحول إلي آخره، فإن كانا من جبران المال لا تقبل التهمة، وإن كان بعيدين عن تلك البلدة فيها وجهان:
إحداهما: تقبل شهادتهما لأنهما لا يجران لأنفسهما نفعاً.
والثاني: لا يقبل خوفا من التهمة بأن تؤول الصدقة إليهما، وقال القفال: الأصح أن تصور رب المال بصورة المدعي فإن قال: أديب إلي ساعٍ آخر أو بعت المال ثم اشتريت تؤخذ منه الزكاة إذا نكل بظاهر الوجوب، وإن تصور بصورة المدعي عليه بأن قال: هي وديعة إذ لم يحل الحول يقضي بالنكول، لأن الأصل براءة الذمة وهذا حسن ولكنه خلاف النص.
مسألة: قال (٢): ولو كانتْ لهُ أربعونَ فأَمكَنهُ أنْ يُصدَّقَهَا.
الفصل
وهذا كما قال: إذا أمكن إخراج الزكاة عن أربعين شاة [٣٩ ب/٤] بعد الحول فلم يخرج حتى تلف الكل ضمن الزكاة علي ما ذكرنا، وإن لم تكن حتى ماتت منها شاة فالأربعة في الباقي هكذا ذكر في "المختصر" وأجاب علي القول الذي يقول: إن الإمكان من شرائط الوجوب فإن قلنا: إنه من شرائط الضمان فيجب فيما بقي بحصته ثم ذكر أنه لو أخرجها وعزل زكاة ماله فلم يمكنه دفعها حتى تلف الذي عزله لرجع إلي ما تفرق له فإن كان أولي من النصاب فلا يلزمه شيء وهذا إذا قلنا إن الإمكان من شرائط الوجوب فإن قلنا: من شرائط الضمان يجب فيما بقي ....... (٣) أنه لو ......... (٤) عن مالك وابن شبرمه إنهما قالا: لا يجوز ما عزل وتلف عن
стр. 1100
الزكاة ...... (١) تلف في .......... (٢) وهذا غلط لأن الساعي هو نائب المساكين .... (٣) ورب المال وإن كان ما بقي نصاباً ....... (٤) معه احدي وأربعون شاه فعزل منها بعد الحول شاه فلم يمكنه دفعها إلي الفقراء والمساكين ولا إلي الساعي حتى تلفت هذه الواحدة منها فإن قلنا: الوقص ليس بعفو والوجوب تعلق بالكل، فإن قلنا: إن الإمكان من شرائط الوجوب فعله شاه ها هنا وبه أجاب [٤٠ أ/٤] ها هنا، وإن قلنا: إنه من شرائط الضمان لا يلزم عليه جزء من أحد وأربعين جزئ من شاة ويلزم الباقي.
مسألة: قال (٥): وكل فائدة من غير نتاجها لحولها.
وهذا كما قال: قد ذكرنا ان المستفاد من الأموال بشراء أو هبة أو ميراث لا يضم إلي ما عنده في حولها خلافاً لأبي حنيفة ويفارق مال التجارة إذا باع العرض بدراهم فإنه يبني حولها علي حول العرف، لأن الدراهم متولدة من العرض ضرباً من التولد والحول فيه يتعلق برأس المال، وهو الدراهم والدنانير، إلا أنها تخفي مرة وتظهر أخرى فتكون قيمة تارة زيادة عيناً بخلاف ذاك، فلهذا افترقا.
فروع
لو كانت له ثلاثون من البقر فأمسكها احد عشر شهراً ملك عشراً من البقر بشراء أو هبة أو إرث فإنه يخرج إذا تم الحول عن الثلاثين من البقر تبيعاً ثم إذا تم حول العشر من حين ملكها فإن كان قد اخرج التبيع منها لا يجب في العشر بشئ، لأن جملتها أقل من أربعين، فلم يتم النصاب الثاني، وإن أخرجه من غيرها فإن قلنا: تجب الزكاة في العين فكذلك لأن مقدار الزكاة صار مستحقاً للمساكين، وإن قلنا: يجب في الذمة فعليه في العشر بع مسنة لان العشر هي مضمونه إلي ...... (٦) في [٤٠ ب/٤] النصاب فيتم بها النصاب الثاني، ومن أصحابنا من ذكر وجهاً انه لا يضم المستفاد إلي ما عنده في النصاب كما لا يضم اله في الحول، ذكره ابن سريج والطيبي من أصحابنا، وهذا غلط، لان النصاب للكثرة واحتمال المواساة وهو موجود في المستفاد والحول للاستمناء ولم تحصل القدرة علي الاستمناء في المستفاد، ثم إذا تم حول الثلاثين ثانياً تلزمه ثلاثة أرباع مسنة لان العشر قد اجتمعت مع الثلاثين في الحول الثاني من أوله إلي آخره، فلزمه أن يخرج بحصتها من فرض الأربعين، وليس كذلك في السنة الأولي، لأن الثلاثين قد انفردت عن العشر في بعض الحول فثبت لها حول التبيع لانفرادها عن الشعر فإذا تم الحول لم يجب فيها غير التبيع.
فرع آخر
لو كانت معه أربعون شاة مدة ثم ملك أربعين شاة ثانية بعدها ثم ملك بعده مدة
стр. 1101
أربعين شاة ثالثة فصار جميعها مائة وعشرين فيه قولان, قال في القديم: يجب قي الكل شاة في كل أربعين ثلثها بحولها لأن كل واحدة من الأربعينات مخالطة للثمانين في حال الوجوب فكانت حصتها ثلاث شياه, وقال في الجديد: يجب في الأربعين الأول شاة لأنه ثبت لها حكم الانفراد في شهر ثم في الثانية وجهان, إحداهما: يجب في شاة [٤١ أ/٤] لأن الأولى لم ترتفق بخلطتها فلم ترتفق هي وهو اختيار ابن سريج, والثاني: يجب فيها نصف شاة لأنها خليطة الأربعين من حين ملكها, وفي الثالثة وجهان, إحداهما: تجب لأن الأولى والثانية لم يرتفقا بخلطتهما فلم ترتفق والثاني يجب ثلث شاة فيها لأنها خليطة الثمانين من حين ملكها فكانت حصتها ثلث شاة, ومن أصحابنا من قال: في الأربعين الأولى شاة ولا شيء في الثانية والثالثة ويكونان تبعًا لأنهما لم يبلغا نصابًا ثانيًا فلا تنفردان بالزكاة, وذكر بعض المحققين من أصحابنا: أن هذا هو الصحيح من المذهب, ومن أصحابنا من ذكر وجهًا ضعيفًا: أنه إن أخلط الجميع وأسامة في مرعى واحد كانت تبعًا, وإن فرقها فلكل واحدة حكم نفسها, فإذا قلنا: يجب في الأربعين الثانية نصف شاة فإنما يكون ذلك إذا أخرج الزكاة عن الأربعين الأولى وهي شاة من غير الأربعين, وقلنا: الزكاة في الذمة فأما إذا أخرجها منها أو أخرجها من غيرها, وقلنا: إن الزكاة استحقاق جزء من العين فعليه أربعون جزءًا من تسعة وسبعين جزءًا من شاةٍ, وكذلك إذا قلنا: يجب في الأربعين الثالثة ثلث شاة فإنما هو إذا أخرج الزكاة الواجبة من غيرها [٤١ ب/٤] وقلنا: الزكاة في العين فعليه أربعون جزءًا من مائة وثمانية عشر جزءًا ونصف جزء من شاة, ثم يستوي الحساب فعند انقضاء كل حول على الأربعين يلزم ثلث شاة إذا لم ينقص بإخراج الزكاة وعلى ما ذكرنا, لو ملك ستًا وثلاثين من الإبل ثم ملك بعد ستة أشهر عشرًا من الإبل ثم تم الحول الأول يجب ابنة لبون, ثم إذا تم حول المستفاد فإنه يؤدى عشرة أجزاء من حقه من ستة وأربعين جزءًا على المذهب الصحيح.
مسألة: قال (١): ولو نَتَجَتْ أربعينَ قَبْلَ الحَولِ ثُمَّ ماتَتِ الأمَّهَاتُ.
الفصل
وهذا كما قال: جملة هذا الفصل أنه لو كانت عنده خمسون شاة ستة أشهر فتوالدت أربعين سخلة كان حولها الأمهات, فإن هلك من الأمهات عشر فالحول بحاله قولاً واحدًا, وإن هلك أكثر فالمذهب أن الحول بحاله, وإن لم يبق من الأمهات شيء تجب فيها الزكاة إذا تم حول الأمهات, وبه قال أبو يوسف ومحمد وزفر ومالك, وقال أبو القاسم الانماطي من أصحابنا: إذا تلفت من أربعين أمهات واحدة بطل حول السخال لأن السخال تجري في حول الأمهات بشرط أن تكون الأمهات نصابًا, وقد زال هذا
стр. 1102
الشرط فوجب أن [٤٢ أ/٤] ينقطع الحول وهذا غلط, لأنها جملة جارية في الحول هلك بعضها ولم ينقص الباقي عن النصاب فلم يقطع الحول كما لو بقي نصاب من الامهات, وقال أبو حنيفة: إن بقي من الأمهات واحدة وجبت الزكاة في السخال وإلا فلا زكاة فيها, وقول الأنماطي هو أقيس من هذا وهذا أيضًا غلط, لأن ما صلح للوصل في حكم الزكاة صلح للأصل كالكبار, وحكي أن أبا حنيفة أجاب عن هذه المسألة بثلاثة أجوبة في مجلس واحد, فقال: أولاً: في أربعين سخلة سخلة فقال السائل أليس قد أوجب رسول الله ﷺ الشاة في أربعين شاة, وأنت توجب سخلة؟ فقال: فيها شاة, فقال السائل: إنما أوجب رسول الله ﷺ الشاة في أربعين شاة لا في أربعين سخلة؟ فقال: لا شيء فيها, وهكذا الخلاف فيما لو ملك أربعين جديًا يتم الحول وهي جدًا لم تزول سن الزكاة فقد تجب الزكاة عندنا خلافًا أبي حنيفة ولا يتصور هذا في الضأن عندنا, لأن الضأن تجذع في أقل من حول فإذا تقرر هذا أخذنا من الأربعين سخلة سخلة ومن مائة وإحدى وعشرين سخلة سخلتين, ومن مائتين وسخلة ثلاث سخال, ومن أربعمائة سخلة أربع سخال [٤٢ ب/٤] وعلى هذا قال مالك وزفر: تؤخذ الكبيرة ولا تؤخذ السخلة بحال, وقال بعض أهل خراسان: هذا هو قول الشافعي في القديم ولم يذكره أهل العراق, وأما الفصيل والعجول قال أصحابنا: فيه ثلاثة أوجه, أحدها: وهو اختيار ابن سريج وأبي إسحاق وجماعة: يلزم في خمسة وعشرين فصيًلا ابنة مخاض وهي ستة وثلاثين ابنة لبون وعلى هذا سواء كان الفرض يتعين بالسنين أو بالعدد, فعلى هذا يأخذ بالقسط, فيقال لو كانت الخمسة والعشرون كبارًا كم قيمتها فيقال مائة فيقال وكم الفرض المأخوذ منها وهو بنت مخاض؟ فيقال: عشرة وهذه الصغار التي هي خمسة وعشرون كم قيمتها؟ فيقال: خمسون فيقال أعطنا ابنة مخاض قيمتها خمسة فيكون قد أخذنا الفرض على ما يشبه ماله ولم نسويه بين فرض الصغار وبين فرش الكبار, ومن أصحابنا من قال: إن كان يتعين الفرض فيه بالسن يؤخذ الفرض المنصوص لأنه يؤدي إلى أن يؤخذ من القليل ما يؤخذ من الكثير, وإن كان مما يتغير الفرض فيه لا بالعدد يؤخذ الفصيل فمن ستة وسبعين يؤخذ فصيلان لأنه لا يؤدي إلى أن يؤخذ من القليل ما يؤخذ من الكثير فأشبه صغار الغنم وهذا [٤٣ أ/٤] غلط, لأنه يؤدي إلى هذا فإنه يؤخذ من أحد وتسعين فصيلاً فصيلان أيضًا, كما يؤخذ من ستة وسبعين على سواء, وأيضًا ما قلناه لا يؤدي إلى ما قاله هذا القائل للتقسيط الذي ذكرنا, ومن أصحابنا من قال: تؤخذ الفصال كما في الأغنام ولا يكلف الكبيرة فيها كما لا يكلف الصحيح في المريض.
قال القاضي أبو علي البندنيجي: هذا هو المذهب, وهذا غلط, والمذهب الأول والفرق بينه وبين الغنم أنه يؤدي إلى التسوية بين النصابين بخلاف الغنم, وهكذا الفرق في البقر إذا كان ثلاثون وأربعون عجلاً ومن اختا هذا القول أجاب عن هذا بأني أعتبر العدل فيجتهد الساعي حتى يأخذ من أحد وستين فصيلاً
стр. 1103
فصيلًا خيرًا مما يأخذ من خمسة وعشرين فصيلاً فلا يؤدي إلى التسوية بين النصابين, فإذا تقرر هذا رجعنا إلى تفسير ألفاظ المزني فنقول أراد بالجدي أولاد المعز وبالبهيمة أولاد الضأن, وقوله أو بين جدي وبهيمة أي: بعضها أولاد معز وبعضها أولاد ضأن, والفصال جمع الفصيل وهو ولد الناقة إذا فصل عن أمه يقال له فصيل بمعنى مفصول, كقولهم قتيل بمعنى مقتول, والعجول بالتشديد هو العجل والعجل ولد البقر.
ثم قال: أخذ من كل [٤٣ ب/٤] صنف من هذا أي: لا يبطل حكمها في حول بتلف الأمهات خلاف قول أبي حنيفة ولا يكلف الكبيرة كما قال مالك, ثم بين أنه وإن كان يؤخذ الصغير يراعى صفة الذكورة والأنوثة كما في الكبار فقال: وأخذ من الإبل والغنم أنثى ومن البقر ذكرًا إذا كانت ثلاثين من بين أنه إذا لم يؤخذ الذكر من البقر ماذا يفعل؟ فقال: قيل له: إن شئت فأت بذكر مثل أخذها يعني صغيرة, وإن شئت أعطيت منها أنثى تطوعًا ثم احتج بعد ذلك عليهما بفصيل واحد ولم يميز أحد الكلامين من الآخر, فقال: لما لم يبطل عن الصغار الصدقة أي: حول الصدقة لأن حكمها حكم الأمهات في هذا الكلام تقديم وتأخير, فكأنه قال: لما لم يبطل عن الصغار حول الصدقة مع الأمهات أي: مع بقاء الأمهات فكذلك إذا حال عليها حول الأمهات, أي: بعد تلف كل الأمهات وجب أن لا يبطل أيضًا, ثم احتج على مالك فقال: ولم نكلفه كبيرة من قبل أنه لم لي دع الربى والماخض وخذ الجذعة والثنية, فقلت: إنه قيل لي دع له خيرًا مما تأخذ إذا كان عنده خير منه ودونه, أي: إذا كان عنده النفيس والخسيس والوسط فدع الخير والدون وخذ العدل من الصغير والكبير [٤٤ أ/٤] وما يشبه عشر ماله وهذا في أربعين من الغنم أو البقر لأن الواجب فيهما واحد, وهو ربع العشر وليس على الإطلاق, فإذا كانت عنده أربعون تسوي عشرين وكلفته شاةً تسوي عشرين درهمًا فلم آخذ عدلاً بل أخذت قيمة ماله كله ثم توجه له سؤال وهو أنه لو بقيت واحدة من الأمهات لم تؤخذ صغيره ويطالب الكبيرة فهذا لا يكون عدلاً أيضًا؟ فأجاب الشافعي ﵁ عن هذا فقال: لا آخذ صغيرًا وعنده كبير فإن لم يكن إلا صغير يعني أن الكل صغارًا أخذ الصغير وشبه هذا بزكاة التمر فقال: كما آخذ الوسط من التمر ولا آخذ الجعرور فإن لم يكن إلا جعرور أخذت منه الجعرور, وهو التمر الرديء, ثم بين وجه الاستدلال فقال: ولم ينقص من عدد الكيل ولكنا نقصنا الجودة لما لم نجد الجيد أي: أخذنا الرديء لما لم نجد الجيد لذلك نقصنا من السن إذا لم نجدها, وأخذنا الصغير ولم تنقص من العدد وفي الجملة نحن وإن طالبناه بالكبيرة مع بقاء بعض الأمهات نأخذ كبيرة تشبه عشر ماله ولم نكلفه أكثر منها, ثم قال بعض أصحابنا بخراسان: إن لم توجد كبيرة بهذه القيمة أخذنا منه القيمة للضرورة.
فرع
لو توالدت أربعون من الغنم أربعين سخلة [٤٤ ب/٤] ثم ماتت الأمهات بعد الحول فإن قلنا: إن الإمكان من شرائط الوجوب وجبت سخلة وإن قلنا: لنه من شرائط
стр. 1104
الضمان قال أبو حامد: تجب الكبيرة, وقال بعض أصحابنا: تجب صغيرة لأن الكبار إذا تلفت قبل الإمكان لم يضمن زكاتها, فإذا سقط جميع زكاتها بتلفها وإن وجبت بالحول فكذلك يسقط وجوب الكبيرة إلى الصغيرة لبقاء نصاب الصغار وتصير كأن كلها صغار عند الحول.
مسألة: قال (١): ولو كانتْ ضَأنًا ومَعِزًا كانتْ سواءً.
الفصل
وهذا كما قال: إذا كان له أربعون من الغنم بعضها ضأن وبعضها معز يضم إحداهما إلى الآخر لأن الجنس واحد كما تضم الكرام إلى اللئام, ثم ينظر فإن كان إحداهما أكثر من الآخر قال في الأم: فيه قولان, إحداهما: نخرج الفرض من الأكثر اعتبارًا بالغالب, والثاني: يؤخذ بقدر حصته وطريقه إن كان الضأن ثلاثين والمعز عشرة أن يقال: كم قيمة جذعة من الضأن فيقال: ثمانية فتؤخذ ثلاثة أربعاها وهي ستة ثم يقال: كم ثنية معز فيقال: ستة فيؤخذ ربعها وهو درهم ونصف فيضم إلى الستة فتكون سبعة ونصفًا فيقال له: أعطنا جذعة من الضأن أو ثنية من المعز تساوي سبعة دراهم ونصفًا, ومن أصحابنا من [٤٥ أ/٤] قال: يؤخذ بالحصة, ولكن يكون الفرض منن أعلى الأنواع كما قلنا في المراض والصحاح, نأخذ بالحصة ولكن من الصحاح ذكره في "الشامل": وإن كان عددهما سواء.
وقال في "الأم" (٢): يأخذ المصدق من أيهما شاء, ووجهه أنهما إذا تساويا فقد استوى الفرضان الجذعة والثنية فكان الخيار إلى الساعي كما قلنا في أربع حقاق وخمس بنات لبون, قال أصحابنا ويجيء فيه وجه آخر: أنه يؤخذ من كل منهما واحد بقدره كالتمر إذا كان نوعين سواء فإنه يؤخذ من كل نوع بقدره, وذكر أبو إسحاق في الشرح: أنه يعطى رب المال من أيهما شاء, ولا وجه له مذهب الشافعي ﵀, ولو كانت له أربعمائة من الغنم مائتان من الضأن, أخذ الساعي جذعتين من الضأن وثيتين من المعز بلا خلاف, ولو كانت له أنواع مختلفة من الإبل والبقر والغنم بعضها أجود من بعض كالأغنام العربية والمكية واللأزية والبلدية في ناحية طبرستان, والإبل المهرية والأرحبية والعيدية وهي المنسوبة إلى بلدان اليمن وقيل النجدية بدل العيدية والعقيلية ويقال نجابتها تعيسة بحيث يبلغ عن الواحد ثلاثين دينارًا إلى مائة دينار والقرملية وهي إبل الترك وقيل: المهرية منسوبة [٤٥ ب/٤] إلى قوم وأعظمها أجسامًا, والدربانية هي التي تنقل الأحمال عليها, والعرابية جرد ملس حسان الألوان كرام فيضم بعضها إلى بعض بلا إشكال, ثم كيف يؤخذ الفرض؟ ذكر الشافعي فيه أقاويل.
стр. 1105
قال في"الأم": فيه قولان, إحداهما: يؤخذ من النوع الأكثر, والثاني: يؤخذ من كل نوع بقدر حصته, وقال في موضع آخر من"الأم" (١): إذا اختلفت غنم الرجل فكان منها أجناس بعضها أرفع من بعض أخذ من وسط أجناسها لا من أعلاها ولا من أسفلها, فحصل ثلاثة أقاويل: فإذا قلنا: يؤخذ من كل بقدر حصته وهو الصحيح لأن الوجوب يتعلق بكل واحد من الأنواع, فكان لكل نوع مدخل في أخذ الزكاة منه وأيضًا هذا يكون أعدل من الأكثر, والأوسط يقول: يقوم الفرض من كل نوع منها ثم يؤخذ من قيمته مقدار ما اجتمع منها من أي نوع كان وبيان ما ذكره الشافعي هاهنا فقال: كان إبله خمسًا وعشرية عشر مهرية وعشر أرحبية وخمس عيدية فتؤخذ بنت مخاض بقيمة خمس مهرية وخمس أرحبية وخمس عيدية, لأن كل عشر [٤٦ أ/٤] من خمس وعشرين خمساها والخمس خمسها فتكون قيمة المهرية عشرة وقيمة الأرحبية عشرة وقيمة العيدية خمسة عشر فيجمع بين خمسي قيمة المهرية وهو أربعة وخمسي الأرحبية وهو أربعة فذلك ثمانية وخمس عيدية وهو ثلثه فلذلك أحد عشر فنطالبه ببنت مخاض, إما من المهرية وإما من الأرحبية وإما من العيدية قيمتها أحد عشر درهمًا, وعلى هذا القياس أبدًا, فإذا قلنا: إنه يؤخذ من الأكثر بأي نوع كان أكثر منه فإن لم نجد في الأكثر السن الواجب كلفنا رب المال تحصيلها ولا تنخفض ولا ترتفع هكذا نص الشافعي, وأراد أنه لا يجوز أن يأخذ من النوع الأدنى مع الجيران أو من الأعلى مع دفع الجبران إليه, ولكن لو أخذ من السن الأكثر أو الأدنى مع الجبران فإنه يجوز بلا إشكال, وإن قلنا: يؤخذ من الوسط فإن لم يجد في الأوسط السن التي وجبت قال لرب المال: إن تطوعت بالأعلى منها أخذتها, وإن لم تتطوع كلفتك أن تأتي بمثل شاة وسط ولا تأخذ من الآخر فإن استوت الأعداد في المقدار يجيء فيه قولان ويسقط القول الثالث.
مسألة: قال (٢): ولو أدَّى في أحدِ البَلَدَينِ عنْ أربعينَ شاةً مُتفرِّقةً كَرِهتُ ذلكَ.
الفصل
وهذا كما قال: [٤٦ ب/٤] إذا كانت له أربعون شاة عشرون منها في بلد آخر فأخرج منها شاة في أحد البلدين نص هنا أنه يجوز واختلف أصحابنا في هذا, فمنهم من قال: هذا على القول الذي نقول: يجوز نقل الصدقة من بلد إلى بلد, فأما على القول الآخر: فعليه أن يخرج نصف شاة في البلد الآخر, ومن أصحابنا من قال: يجوز هاهنا قولاً واحدًا, لأن على رب المال مشقة في إخراج نصف الشاة, فإنه يؤدي إلى اشتراك الأيدي في الشاة الواحدة وفيه ضرر عليه وعلى أهل السهمان وهذه الطريقة اختارها القفال ﵀, والصحيح الطريقة الأولى, لأنه قال: كرهت ذلك وأجزاه فدل على أنه أحد القولين, ولو كان قولاً واحدًا لم يقل كرهت, وقال القفال: إذا جوزنا اختلف أصحابنا في العلة فمنهم من قال: هي المشقة فعلى هذا لو كان له في بلد مائة
стр. 1106
وفي بلد مائة فأدى شاتين في بلد لا يجوز, وإن أدى في كل واحد من البلدين شاة يجوز, لأنه لا مشقة هاهنا, ومن أصحابنا من قال: العلة هي أن البلدين جعلا في حقه كالبلد الواحد في الحكم بدليل أنه ضم أحد ماليه إلى الأخرى في استكمال النصاب, فكذلك في حق إخراج الزكاة كالقريتين من بلدة واحدة فعلى [٤٧ أ/٤] هذا الوادي شاتين في بلد واحد في هذه المسألة فإنه يجوز, فإذا تقرر هذا فأتاه الساعي في أحد القولين وطالبه بزكاة هذا المال أخرجتها في البلد الآخر فإن قلنا: لا يعتد به أخذ منه نصف شاة ولا يلتفت إلى قوله, وإن قلنا: يعتد به القول قول رب المال, وهل تجب عليه اليمين أم يستحب ذكرنا وجهين.
مسألة: قال (١): ولو مرَّتْ به سَنَةٌ وهيَ أربعونَ فنَتَجَتْ شاة.
الفصل
وهذا كما قال: إذا كان لرجل أربعون شاة فأمسكها ثلاثة أحوال لم يخرج زكاتها فإن كانت تنتج في أول كل سنة شاة فعليه فيها ثلاث شياه قولاً واحدًا, لأنها لم تنقص عن النصاب في الأحوال الثلاثة, وإن لم تنتج فهذه المسألة مبنية على أصلين, إحداهما: أن الزكاة كيف تجب في المال؟ قال في القديم: تجب في الذمة والعين مرتهنة بما في الذمة فكان جميع المال رهن ما وجب من الزكاة في ذمته, وقال في الجديد: إن كانت الزكاة من جنس المال فقد استحق منه مقدار الزكاة, وإن كانت الزكاة من غير جنسه ففيه قولان, إحداهما: تجب في الذمة, والثاني: يستحق منه مقدار الزكاة وهذا أصح لأنه حق يتعلق بالمال سقط بهلاكه قبل الإمكان بعد [٤٧ أ/٤] الحول بلا خلاف يتعلق لعينه كحق الضارب والأصل, والثاني: إذا كان له مال وعليه مثله دين فالدين هل يمنع وجوب الزكاة؟ قولان: فإذا تقرر هذان الأصلان رجعنا إلى المسألة فإن قلنا بقوله القديم: إن الزكاة في الذمة ووجهه أنها لو تعلقت بالعين لم يقدر رب المال على إخراجها من غير هذا المال فتلزمه شاة للسنة الأولى, وهل عليه شاة لما بعدها من الحولين؟ يبنى على القولين الآخرين, فإن قلنا: الدين الذي لا يمنع وجوبها وهو المذهب فيلزمه لكل حول شاة حتى لو بقيت عنده أربعون شاة أربعين سنة وجبت أربعون شاة, وإن قلنا: الدين يمنع وجوب الزكاة فإن لم يكن له مال غيرها فيجب في السنة الأولى شاة واحدة ولا يجب فيما بعدها, وإذا قلنا بقوله الجديد: لا يلزمه لما بعد السنة الأولى شيء لأن النصاب قد انتقص, ومن أصحابنا من جمع وقال: في هذه المسألة أربعة أقاويل, أحدها: يلزمه زكاة سنة, والثاني: يلزمه زكاة ثلاث سنين, والثالث: إن أخرج الزكاة منها وجبت عليه زكاة سنة, وإن أخرجها من غيرها وجبت عليه زكاة السنين الثلاث, وإن كان معسرًا بغيرها فإنه يجب زكاة سنة واحدة؛ لأن [٤٨ أ/٤] الذين يمنع وجوب الزكاة.
стр. 1107
وفرّع الشافعي ﵀ على هذا ثلاث مسائل في"الأم", إحداها: إذا كانت لرجل خمس وعشرون من الإبل فحالت عليها ثلاثة أحوال ولم يخرج ولم يخرج منها فإنه يلزمه في السنة الأولى ابنة مخاض, وفي السنة الثانية أربع شياه, وكذلك في السنة الثالثة والثانية إذا كانت له إحدى وتسعون من الإبل أمسكها ثلاثة أحوال يلزمه في السنة الأولى حقتان, وفي السنة الثانية بنتا لبون, وفي الثالثة بنتا لبون, والثالثة: إذا كانت له مائتان وشاة فله ثلاثة أحوال يلزمه في السنة الأولى ثلاث شياه, وفي الثانية شاتان, وفي الثالثة شاتان, وعلى قوله القديم: إن قلنا: إن الدين يمنع وجوب الزكاة فعلى ما ذكرنا, وإن قلنا: لا يمنع فعليه في المسألة الأولى ثلاث بنات مخاض, وفي الثانية ست حقاق, وفي الثالثة تسع شياه.
مسألة: قال: ولو ضَلَّتْ أو غَصَبَهَا أحوالاً فوَجَدَهَا زّكَّاها لأحوَالِهَا.
وهذا كما قال: إذا كان له مال من النقد فضاع أو غصب عليه أو جحده المودع أو سرق أو وقع في بحر أو دفنه في موضع ونسي موضعه لا يجب عليه إخراج الزكاة عنه قولاً واحدًا, لأنه لا يجوز أن يكلف [٤٨ ب/٤] إخراج مال حاضر مقدور عليه عن مال هو يحول دونه ولا يتمكن منه وهل تجب فيه الزكاة أم لا؟ فيه قولان: قال في "الجديد": يجب وبه قال أحمد في رواية وهي الصحيح, لأنه من جنس الأموال النامية فتجب الزكاة فيه, وإن لم يحصل النماء لذكر المواشي, وقال في"القديم": لا تجب لأنه لا نماء والزكاة تجب بمعنى النماء ولأنه ناقص التصرف فيه فلا زكاة فيه كمال المكاتب, وبه قال أبو حنيفة, إلا أنه قال: إذا دفنه ونسي موضعه يلزمه الزكاة لأنه مفرط, وقال القاضي أبو حامد: هذا أشبه القولين: ومن أصحابنا من قال: يلزم الزكاة في المدفون إذا نسي موضعه قولاً واحدًا, لأنه منسوب إلى التفريط في غفلته وإليه يميل ابن أبي هريرة, ومن: بهذا هل يلزمه إخراج زكاته قبل وجدانه؟ فيه وجهان, والصحيح أنه لا يلزمه ذلك لأنه في حكم المغصوب ولا اعتبار بالتفريط كما في البضائع والتائه مفرط أيضًا على هذا الوجه, ومن أصحابنا من قال: يجب قولاً واحدًا وهو الذي نص هاهنا, وإنما قال في "القديم": في المال الضال لا يجوز إلا واحدًا من قولين على ما نقل المزني بعد هذا ردًا [٤٩ أ/٤] على مالك حيث قال: تجب للعام الأول دون ما بعده من الأعوام فقال الشافعي: القياس ما قلت أو ما قال أبو حنيفة, وقول مالك لا وجه له وهذا على أصله صحيح لأنه يقول: الوجوب هو بحلول الحول, وإمكان الأداء ولا يبتدي الحول الثاني إلا من يوم إمكان الأداء, وهاهنا لم يحصل إمكان الأداء إلا بعد الأحوال فلم تجب الزكاة إلا مرة.
وذكر القاضي الإمام علي الزجاجي الطبري في"زيادة المفتاح" هذا القول لنا وجعل في المسألة ثلاثة أقوال وانفرد هو بهذا فإذا قلنا: لا تجب زكاته خرج من ملكه فمتى عاد إليه استأنف الحول, وإذا قلنا: يجب فالحول بحاله فمتى عاد إليه أخرج الزكاة بجميع ما مضى, وإن كان في أثناء الحول زكى المال بعد تمام الحول ومن أصحابنا من قال: على القول الأول إذا عاد إليه لا يستأنف الحول بل يبنى فلو مضت
стр. 1108
ستة أشهر أخرى يلزمه الزكاة, وهذا هو أقرب عندي, لأن ملكه في الحقيقة لم يزل وإن [٤٩ ب/٤] كان ماله ماشيًة فضاعت أو غصبها غاصب حتى تم الحول ثم رجعت إليه فإن رجعت من دون نمائها فالحكم على ما ذكرنا, وإن رجعت بتمامها من الذر والنسل قال ابن سريج: يلزمه زكاة ما مضي قولاً واحدًا، لأنها سقطت في أحد القولين لعدم النماء وهاهنا حصل له النماء وترفه بسقوط مؤنها عنه مدة, وقال أبو علي بن أبي هريرة: فيه قولان أيضًا, وهو الصحيح لأن نقصان الملك بالخروج عن تصرفه ويده قد وجدوا بالرجوع لم يعد ذلك فأشبه مال المكاتب إذا رجع إلى الولي بالعجز من الأرباح لا زكاة فيه, وإن غصبها أحوالاً فالزكاة في السنة الأولى على ما ذكرنا, وفي السنة الثانية والثالثة لا يجب على قوله الجديد والقديم, أما على قوله الجديد فلأن الزكاة تجب في العين فينقص المال عن النصاب.
وأما على قوله القديم فلأن المال كان محولاً دونه وأراد بما في الكتاب هاهنا إذا وجدها بتمامها زكاها أحوالها وهذا إذا أسامها ربها وأسامها الغاصب, فأما إذا أسامها المالك ثم غصبها وعلفها بقية السنة ففيه طريقان, إحداهما: لا زكاة قولاً واحدًا, وهو الصحيح, لأن شرط الزكاة عدم فيها وهو السوم فأشبه إذا [٥٠ أ/٤] ذبح شاة منها ونقص عن النصاب ومن أصحابنا من قال: فيه قولان, إحداهما: هذا والثاني: لا تسقط الزكاة بعلف الغاصب كما لو غصب دراهم فصاغها حليًا لم تسقط الزكاة عنها بصياغته وهذا غلط, والفرق أن صياغة الغاصب محرمة فلا يتعلق بها سقوط الزكاة كما لو صاغها المالك صياغة محرمة لا تسقط الزكاة, والعلف مباح بل واجب وإنما إمساكها محرم فصار كعلف المالك فسقط الزكاة ولو علفها المالك وأسامها الغاصب اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: لا زكاة فيها, لأن حكم السوم لا يثبت إلا بقصد المالك واختباره, ومنهم من قال: فيه قولان, إحداهما: هذا, والثاني: يثبت حكمه وتجب الزكاة فيه كما لو غصب طعامًا وزرعه في أرضه فالعلة لصاحب الطعام وجيب علي فيها العشر كما لو زرعه صاحبه باختياره, فإن قيل: يلزمكم إذا رعت الغنم بنفسها من غير قصد صاحبها واختياره تجب الزكاة فيها, قيل: لو جاز أن يدوم سنة هكذا لم يبعد أن يجب على قول هذا القائل ذكرها الإمام أبو الطيب الطبري, وقال الشيخ أبو حامد: لا تجب هاهنا قولاً واحدًا وقول هذا القائل غلط لهذا السؤال وحصل الفرق [٥٠ ب/٤] بين السوم والزرع وهل فيه وجهان؟!
فرع
لو غصب ماشية ثم تاب فسلمها ثم تاب فسلمها إلى الإمام فأسامها حولاً وجبت الزكاة.
فرع آخر
إذا قلنا: يلزم الزكاة على المالك بإسامة الغاصب, قال بعض أصحابنا: لا خلاف على المذهب إن قرار الضمان على الغاصب لأنه أوقعه فيها.
стр. 1109
فرع آخر
هل للمالك أن يطالب الغاصب بإخراجها؟ وجهان, بناء على أصل وهو أن الحلال إذا حلق شعر محرم وهو نائم فقرار ضمان الجزاء على الحلال وهل يؤمر الحلال بالإخراج فيه خلاف.
فرع آخر
لو كانت له أربعون من الغنم فضاعت واحدة منها ثم وجدها قبل الحول على القول القديم يستأنف الحول وعلى القول الجديد: يبني وإن وجدها بعد حلول الحول وباقي المال سالمًا فقد ذكرناه, وإن وجدها بعد الحول وتلف باقي المال بعد الإمكان فعلى القول القديم لا شيء وعلى قوله الجديد لم ينقطع حكم الحول, وقد يمكن أداء الزكاة فعليه شاة, قال الشافعي: إن شاء أخرج هذه وإن شاء أخرج غيرها.
فرع
لو كان له عبد فأبق أو غصب ثم أهل شوال, نص الشافعي رحمة الله عليه أن يخرج زكاة الفطر عنه فمن أصحابنا من قال: هذا على قول واحد والفرق أن هذا الزكاة تجب بمجرد الملك لا بمعنى النماء [٥١ أ/٤] بخلاف الزكاة الأخرى, ومن أصحابنا من قال: فيه قولان أيضًا, لأنه ناقص التصرف فيه, وبه قال أبو حنيفة.
فرع آخر
لو أسر الرجل عن ماله ثم أطلق فالمذهب أن عليه الزكاة لما مضى قولاً واحدًا, والفرق بين هذا وبين غصب المال أن من غصب ماله يصير ممنوعًا من التصرف فيه لأنه لو باعه ممن يقدر عليه أو وكل وكيلاً بالبيع وهو في الأسر فإنه يجوز, ومن أصحابنا من خرج فيه قولين لأن الحيلولة موجودة بينه وبين ماله.
فرع
لو كانت له أربعون شاة فماتت واحدة وولدت واحدة ففيها ثلاث مسائل, إن ولدت واحدة ثم ماتت واحدة ثم حال الحول فإنه تجب شاة, لأن الحول حال على نصاب, وإن ماتت واحدة أولاً ثم ولدت واحدة ثم حال الحول فلا شيء, وإن حصل الموت والولادة في حال واحدة فال الحول تجب شاة, لأن المال لم ينقص عن النصاب بحال, ولو خرج بعد الولادة ثم ماتت واحدة ثم انفصل الباقي فلا زكاة أيضًا, لأنه لا حكم له ما لم ينفصل الكل.
مسألة: قال (١): وكذلكَ الإبِلُ التي فَرِيضَتُهَا منَ الغَنَمِ.
الفصل
وهذا كما قال: نقل المزني مسألة الأربعين من [٥١ ب/٤] الغنم يحول عليها ثلاثة
стр. 1110
أحوال وتزيد في الحول الأول والثاني, وقال فيها ثلاث شياه ثم عطف عليها مسألة الضال والغصب ثم عطف عليها هذا فقال: وكذلك الإبل التي فريضتها من الغنم فيها قولان, وقد أفسد ترتيب كلام الشافعي ﵀ وراث أشكالاً بليغًا والشافعي حين ذكر مسألة الأربعين وفرغ منها قال: ولو حال عليها ثلاثة أحوال ولم تزد بالنتاج ففيه قولان, ثم قال: وكذلك الإبل التي فرضيتها من الغنم ففيها قولان, ومسألة الإبل لا تنعطف إلا على هذا المسألة التي فيها زيادة المال مع تكرار الأحوال, وأسقط المزني هذه المسألة وأدخل مسألة الضال والغصب بين المسألتين, ومن قال في رواية محمد بن إسحاق بن خزيمة: والإبل التي فريضتها من الغنم ولم ينقل وكذلك وإنما ذاك في رواية ابن عيدان وهذا أصح, لأن الشافعي ذكر هذه المسألة عقيب مسألة الغنم إذا مرت بها أحوال ولم يخرج زكاتها ولم تزد في عينها ففيها على القول الذي نقول تتعلق الزكاة بالعين شاة قولاً واحدًا بلا معنى لما نقل ابن عيدان, وكذلك الإبل لأن هذا إنما يصح [٥٢ أ/٤] أن لو كان أجاب في الإبل بمثل جوابه في الغنم, فأما فرق بينهما في الجواب نقطع في الغنم بقول واحد هاهنا, وإن كان فيها قول آخر ونص في الإبل التي فريضتها من الغنم على القولين فلا وجه لقوله, وكذلك فإذا تقرر هذا جعنا إلى المسألة, فإذا حال ثلاثة أحوال على خمس من الإبل ولم يؤد زكاتها ففي الحول الأول تلزمه شاة, ثم إن قلنا: إن الزكاة تتعلق بالذمة وكان له مال سواها أو لم يكن, وقلنا: إن الدين لا يمنع الزكاة تجب في كل حول شاة, وإن قلنا: إنها تتعلق بالذمة ولم يكن له مال سواها, وقلنا الدين يمنع الزكاة لا شيء عليه للحول الثاني والثالث, وإن قلنا: إنه استحقاق جزء من العين فيه قولان منصوصان, إحداهما: تجب الشاة في عين الإبل فلا تجب للحول الثاني والثالث بشيء لانتقاض الخمس من الإبل بوجوب الشاة الأولى, ولهذا علل يقال لأن الشاة التي فيها رقابها يباع منها إن لم يأت بها واختار الشافعي هذا القول, وقال: وهذا أشبه القولين يعني أشبه بالصواب, والثاني: أنها تجب الشاة في الذمة لا في عينها فتجب ثلاث شياه لأن الواجب ليس هو من جنس [٥٢ ب/٤] المال حتى ينتقص بوجوبه النصاب بخلاف مسألة الغنم.
وقال القفال: إذا قلنا: إن الزكاة تتعلق بالعين ففيه قولان, إحداهما: يتعلق فيها كتعلق الجناية برقبة العبد وبه قال أبو حنيفة, والثاني: يتعلق بها على معنى الشركة فكان السكاكين ملكوا جزءًا منه غير أن هذه الشركة لا تتحقق من جهة أن له يؤدي الزكاة من مال آخر, فإن قلنا: على معنى الشركة تجب في كل حول شاة هاهنا لأن الشركة في الجنس لا في غيره, وإن قلنا: على معنى الجناية فحكم الإبل والغنم سواء, ثم إن المزني اختار القول الذي اختاره الشافعي أيضًا, فقال: الأول أولى به أي: بالشافعي, وعلل بأن الشافعي قال في خمس من الإبل لا يستوي واحدها شاه لعيوبها إن سلم واحدًا منها فليس عليه شاة وهذه هي إشارة من المزني إلى المسألة التي مضت ووجه استدلال المزني منها هو ان الشاة أقيمت في هذا الموضع مقام جزء من بعير,
стр. 1111
ولهذا جاز أن يسلم رب المال بعيرًا منها مكان شاة فثبت بهذا أن النصاب قد انتقض بوجوب الزكاة في السنة الأولى فلا تجب فيها بعد ذلك شيء ما لم يتخير النقصان بالزيادة فإن كان عنده من الإبل فحال أحوال يجب في كل حول شاة [٥٣ أ/٤] بكل حال لأنه يؤدي إلى نقصان المال عن النصاب.
مسألة: قال (١): ولو ارتَدَّ فحالَ الحَوْلُ على غَنَمِهِ.
الفصل
وهذا كما قال: إذا ارتد رب المال فإن كان بعد وجوب الزكاة لا يسقط عنه بردته, وقال أبو حنيفة: يسقط بناء على أصله أن الزيادة بنفسها تحبط العبادة وتجعل بالردة كالكافر الأصلي, وإذا أسلم لا يلزمه قضاء العبادات كما لا يلزم الكافر الأصلي إذا المتلفات فإذا تقرر هذا فيؤخذ من ماله قدر الزكاة ويصرف إلى أهل السهمان قتل أو مات, وإن كانت الردة وجوب الزكاة فتم الحول وهو مرتد اختلف أصحابنا فيه, قال أبو إسحاق: في ملكه ثلاثة أقاويل: وحكم الزكاة مبني عليه أحدها: أنه موقوف فإن قتل تبينًا أن ملكه قد زال بالردة ولا تجب الزكاة وهذا أصح, والثاني: أنه زال الملك بنفس الردة فإن قتل أو مات فلا شيء, وإن تاب استأنف الحول والملك, والثالث: أن الملك لا يزول إلا بالموت وقبل ذلك هو على ملكه وتؤخذ الزكاة منه كل سنة.
وقال ابن سريج: ليس في الملك إلا قولان, إحداهما: أنه موقوف, والثاني: [٥٣ ب/٤] أنه لا يزول إلا بالموت وكذلك في الزكاة قولان, إحداهما: أنها واجبة, والثاني: موقوفة وهذا لأن مذهب الشافعي لا يختلف أن أروش جنايات المرتد ونفقات من تلزمه نفقاته تؤخذ من ماله فلو كان ملكه يزول بالردة لوجب أن لا يؤخذ ذلك, قال هذا القائل ومعنى قول الشافعي في كتاب المرتد: لأن ماله خارج منه أي: من تصرفه فإنه يصير محجورًا عليه في ماله بردته لتعلق حق أهل الفيء, قال الإمام: ظاهر كلام الطبري هذا أصح, ونص الشافعي على هذين القولين في باب صدقة الورق كان القول الثالث ثابتًا لا يشبه أن يكون قد ذكره في موضع خاصة, والشافعي قال في كتاب المرتد: وهذا أسند الأقاويل فدل أن المراد به أنه خارج من تصرفه دون ملكه ومن أصحابنا من قال: أصل الاختلاف في الملك مأخوذ من تصرفه, وفي تصرفه نص الشافعي على ثلاثة أقوال لو دبر عبده فيه ثلاثة أقوال فقال أبو إسحاق: الملك والتصرف سواء, وقال ابن سريج: في الملك قولان, وفي التصرف ثلاثة أقوال.
مسألة: قال: ولو غَلَّ صَدَقَتَهُ عُذِّرَ إنْ كانَ الإمامُ عَدْلاً.
стр. 1112
الفصل
وهذا كما قال: إذا غل صدقته بأن [٥٤ أ/٤] يكتم المال الظاهر من الساعي ثم علم الساعي بغلوله فإن كان الساعي والإمام عارفين يسألانه عن غلوله وتغيب ماله عنه, فإن قال: لم أعلم وكان عندي أن ذلك جائز نظر في حاله فإن كان قريب العهد بالإسلام أو نشأ في بادية نائية عن المسلمين فإنه يعذر فيما يدعيه من الجهل ويعرف وجوب الزكاة ووجوب دفعها إلى الأمام عند المطالبة, وإن كان بعيد العهد بالإسلام وقد نشأ بين المسلمين فلا يقبل منه ذلك ويعزره على الغلول, وكذلك إن قال: تعمدت ذلك ولم يذكر عذرًا يعزر ويأخذ صدقته ولا يأخذ شطر ماله وقد قال الشافعي في "القديم": إن صح حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قلب به ولكن بهز بن حكيم ضعيف ولفظ الحديث قوله ﷺ : "إلا من منع فإنا آخذوها وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا ليس لآل محمد فيها شيء" (١) فقيل فيه قولان, والصحيح أنه على قول واحد لقوله ﷺ "ليس في المال حق سوى الزكاة" ولأنها عبادة فلا تجب بالامتناع منها أخذ شطر ماله كسائر العبادات وبظاهر هذا الخبر قال مالك وأحمد: وأما عندنا فإن [٥٤ ب/٤] هذا الخبر منسوخ إن صح, وكان ذلك حين كانت العقوبات في المال ونسخ ذلك وكيف يقال هذا ولو دفع ثم سرق لم يغرم شطر ماله, فإذا منع أولى وإن كان الإمام فاسقًا لا يعزر قولاً واحدًا, لأن له شبهة في الغلول بأن تقول: أردت أن أقسم بنفسي فأوصل إلى المستحقين في علمي ولو أخذ الفاسق زكاته قال بعض أصحابنا: سقط عنه الفرض لأن الشافعي نص فقال: وإذا غلبت الخوارج على بلد وأخذوا صدقات أهلها سقط فرضها عنهم, ومن أصحابنا من قال: إذا جار الإمام وفسق خرج من الإمامة ولا يجيء على أصل الشافعي غير هذا, وإنما ذاك قول أحمد وعامة أصحاب الحديث, ذكره القاضي أبو علب البندنيجي وجماعة وهذا أقيس ولكن الأول أصح.
مسألة: قال (٢): ولو ضُرِبَتْ غَنَمُهُ فحُوِّلَ الظِّباء لم يكنْ حُكْمُ أولادِهَا حُكْم الغَنَم.
وهذا كما قال الأولاد المتولدة من بين الظباء والغنم لا زكاة فيها سواء كانت الأمهات من الغنم والفحل من الظباء ويسمى هذا المتولد رقلة ًوجمعها رقال: وقال مالك وأبو حنيفة: إن كانت الأمهات من الغنم حكمها حكم الغنم في جميع الأحكام وإلا فلا, وقال أحمد: يجب بك حال, وإن كانت الأمهات من [٥٥ أ/٤] الظباء, وقال في رواية: يجب في بقر الوحش لأنه يسمى بقرًا وهذا لا يصح لأنه يقيد فيقال بقر الوحش, واحتج الشافعي عليه بسهم فقال: لا يكون للبغل سهم من الغنيمة وإن كان متولدًا من خيل والحمار ولم يعتبر الأم في الاستحقاق السهم فكذلك في
стр. 1113
الزكاة لا يكون حكمه حكم الأم فإن قيل: أليس في الولد الخارج من بين الوحش والأهلي يلزم الجزاء إذا قتله المحرم تغليبًا للإيجاب فما الفرق؟ قيل: لأن في الزكاة مغلب الإسقاط, ألا ترى أنه لو اجتمع السوم والعلف في المواشي أو الملك وعد الملم في بعض السنة غلب إسقاط الزكاة وفي الجزاء إذا اجتمع ما يوجب ويسقط فغلب الإيجاب, ألا ترى أن الصيد الواقف بين الحل والحرم إذا قتله قاتل فإنه يلزمه الجزاء بقتله وعلى ما ذكرنا لا يجوز أن يضحي بالرقلة ولا يجوز للمحرم أن يزكيه نص عليه في الأم, وأما المتولد بين السائمة والمعلوفة إذا كانت سائمة يلزم الزكاة فيها بلا إشكال.
باب صدقة الخلطاء
قال الشافعي ﵀: جاء الحديث "لا يجمع بين مفترق" الخبر. وهذا كما قال: أعلم أن الخلطاء جمع [٥٥ ب/٤] خليط والخليط والمختلط وقد يقع هذا الاسم على الشركة لأنها حقيقة الخلطة وهي اختلاط الملكين أو الأملاك بحيث لا يتميز إلا بالقسمة وقد يقع هذا الاسم على خلطة المجاورة وهي اجتماع ماشية الاثنين والثلاثة في موضع واحد, ومرافقهما واحدة والأصل في معرفة حكم الخلطاء في الزكاة ما صدر به الشافعي هذا الباب فقال: جاء الحديث "لا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية" (١)، وروي سعد بن أبي وقاص ﵁ فيه زيادة وهي أنه قال: "والخليطان ما اجتمعا في الفحل والراعي والحوض", فإذا تقرر هذا فإذا كان بين رجلين نصاب من الماشية إذا كثر إما خلطة الملك أو خلطة المجاورة, فإنهما يزكيان زكاة المال الواحد سواء اختلف نصيبهما في الكثرة والقلة أو استويا وبه قال عطاء والاوزاعي والليث بن سعد وأحمد وإسحاق, وقال أبو حنيفة وسفيان الثوري: لا تؤثر الخلطة في الزكاة بحال وحكمها حكم المنفرد ووافقنا أن خلطة الأعيان تؤثر في جواز الأخذ حتى يأخذ الساعي الزكاة الواجبة في المال من الوسط ثم يرجع صاحب الأقل على صاحب الأكثر بالزيادة [٥٦ أ/٤] وقال مالك: إن كان كل واحد منهما يملك نصابًا كاملاً زكيًا زكاة الانفراد, وإن كان كل واحد منهما يملك دون النصاب لا تؤثر الخلطة كما قال أبو حنيفة.
مسألة: قال: والذي لا أشك فيه أن الشريكين ما لم يقتسما الماشية خليطان.
الفصل
وهذا كما قال: هذا هو إشارة إلى ما ذكرنا أن حقيقة الخلطة إنما هي الشركة وتسمى هذه خلطة الأعيان ثم بين بعد ذلك أن الخلطة من جهة المجاورة تدخل تحت
стр. 1114
ذلك أيضًا في الحكم وهي التي تسمى خلطة الأوصاف فيكون مال كل واحد منهما معلومًا والخلطة في أوصافه بأن يريحان معًا على ما نذكر فقال: وقد يكون الخليطان الرجلين يتخالطان بماشيتهما, وإن عرف كل واحد منهما ماشيته وهذا صحيح على ما قال, ومن أصحابنا من قال في الخبر وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية وهذا يتبين بذكر المذهب, فاختلف قول الشافعي في الخلطة المطلقة ما هي؟
قال في"الأم" (١): المطلقة هي خلطة الأعيان, وهي التي ذكر هاهنا, وقال في "القديم": المطلقة خلطة الأوصاف لأنه ذكر الخبر ثم قال: والخليطان أن يعرف كل واحد عين ماشيته ويريحا, وذكر الفصل ولا خلاف أن الاسم يقع عليهما وأن [٥٦ ب/٤] اختلاف القولين لمعرفة المراد بالتراجع المذكور في الخبر لا بحكم آخر يتغير به, فإذا قلنا بقوله القديم: فالتراجع واضح, فإذا أخذ الساعي من مال إحداهما شاة أو أكثر بالحق رجع على شريكه بقدر ما أدى, وإذا قلنا بقوله الجديد: ففي أربعين شاة مشتركة إذا أخذ شاة فلا تراجع, وهكذا في أكثر وإنما يتصور التراجع في خمس من الإبل بينهما فأخذ من إحداهما شاة من ماله فإنه يرجع بنصف المأخوذ على شريكه, وكذلك إذا لم يكن عين الفريضة في المال المشترك مثل إن وجبت بنت مخاض أو بنت لبون وليست في المال فأخذها من أحد الشريكين يرجع بنصفهما, فإذا تقرر هذا قال (٢): ولا إلى عشر شرائط.
إحداها: أن يكون مسرحهما واحدًا وهو المرعى فيكون مرتعهًا واحدًا.
والثانية: أن يكون مراحهما واحدًا, وهو المبيت فيردان عشاء إلى مراح واحد.
والثالثة: أن يكون السقي واحدًا وهو أن يكون موضعهما أو منهليهما واحدًا فلا يميزان عند السقي, وقال بعض أصحابنا: هذا إذا كان بين المنهلين أو الحوضين مسافة فإن لم يكن بينهما مسافة فيهما كالحوض الواحد.
والرابعة: أن يكون [٥٧ أ/٤] راعيهما واحدًا.
والخامسة: أن يكون فحولهما مختلطة وهو أن يكون الفحل الذي يطرق عنهما واحدًا, إما أن يكون مشتركًا أو ملكًا لإحداهما أو مستعارًا, ولكن لا يحص به إحداهما بحيث لا يرسله إلا في أغنامه.
والسادسة: أن يكون مال الخلطة نصابًا.
والسابعة: أن يكون كل واحد من الخليطين من أهل الزكاة حتى لو كان إحداهما ذميًا أو مكاتباً وكان الآخر حرًا مسلمًا لا يؤثر الخلطة في مالهما فهذه سبع شرائط لا خلاف فيها بين جمهور أصحابنا, وفي ثلاث شرائط منها خلاف, إحداهما: الحلاب نقل المزني وعليًا معًا ولم يذكر الشافعي في "الأم" فمن أصحابنا من غلط المزني في
стр. 1115
نقله, وقال: لا يصح هذا الاعتبار ولأنه يؤدي إلى الربا فإنهما إذا خلطا اللبن ثم اقتسما فإنه يؤدي إلى الربا لأنه لا يجوز أن يكون لبن إحدى الماشيتين أغرز من الأخرى.
وقال أبو إسحاق: ما نقله المزني فهو صحيح ونقل حرملة مثله ومعناه: أن الماشيتين لا يفرق بينهما للحلب كما لا يفرق بينهما للسقي فيحلبان في موضع واحد, وإن كان لكل واحد محلب على حدة يحلب فيه ماشيته خاصة ولم يرد به أنهما يحلبان في إناء واحد, ومن أصحابنا من قال: يشترط أن يكون الحالب والمحلب [٥٧ ب/٤] واحد فيحلبان في إناء واحد ولا يتميز إناء إحدى الماشيتين عن الأخرى, ولكن لا يجمع بين اللبنين ولا يخلط إحداهما بالآخر, ومن أصحابنا من قال: يشترط أن يكون الحالب والمحلب واحد فيحلبان في إناء واحد ثم يقتسمان على قدر الماشية ويجوز ذلك عن طريق المسامحة لما يجوز أن يخلط الرفقة في السفر أزوداهم ويأكلون معًا, وإن كان إحداهما أكثر أكلاً والآخر أقل أكلاً فحصل من هذا أن أصل الحلاب هل يشترط؟ وجهان, إحداهما: لا يشترط فكل واحد منهما يحلب ماشيته فكيف شاء لأن الأخلاط تعتبر في الأصل لا في النماء كما لا يعتبر في جز الصوف, والثاني: يشترط ذلك ليحصل رفق الخلطة فإذا قلنا بهذا ففي كيفيته ثلاثة أوجه, أحدها: أن يكون الحلاب على موضع واحد فقط, والثاني: أن يكون المحلب واحدًا ولا يشترط أن يكون الحالب واحدًا ولا خلط اللبن, والثالث: يشترط أن يكون الحالب والمحلب واحدًا ويخلطان اللبن وهذا هو أضعف الوجوه, ومن أصحابنا من ذكر وجهًا رابعًا فقال: لا خلاف أن خلط اللبن لا يشترط ومن اشترطه فقد سها ولكن يشترط أن يكون الحالب والمحلب واحدًا, ومن أصحابنا بخراسان من قال: [٥٨ أ/٤] الصحيح في الفحل أنه لا يشترط أن يكون واحدًا مشتركًا بل يشترط فيه من ذكرنا في الحلاب وهو ان يكون الأنزاء في موضع واحد. وإن كان لكل واحد فحل على حدة ينزيه على ماشيته خاصة, وهذا غريب والشرط الثاني من الشرائط الثلاث فيه الخلطة فهل يعتبر ذلك وجهان كما قلنا في نية السوم إحداهما: أنه شرط كما يشرط النية في أصل الزكاة, والثاني: لا يشترط وهو المذهب لأن المقصود حقه المؤنة ويجعل ذلك من دون النية, والثالثة: وجود هذه الشرائط في جميع السنة, قال الشافعي في الحديث: يعتبر من أول السنة وليس هذا بمشهور, ومن أصحابنا من قال: لا يشترط أن يكون الراعي واحدًا ويكفي أن يكون المرعى واحدًا وادعى أن هذا هو المذهب وهو غلط, لأن تخفيف الخلطة إنما يحصل بأن لا ينفرد الراعيان في التعهد والمراعاة ولا تكثر المؤنة باتخاذ كل واحد منهما راعيًا على حدته ويجوز أن يكون الراعي عشرة نفر وأكثر بعد أن يكونوا على الاشتراك في العمل, فإذا تقرر هذا رجعنا إلى سواد المختصر وبيانه قال: ويكونان خليطين أي: لا يثبت لهما في الزكاة حكم الخلطة حتى توجد الشرائط ثم ذكر [٥٨ ب/٤] بعض الشرائط, قال: فإذا كانا فإنهما يصدقان صدقة الواحد
стр. 1116
أي: يؤخذ منهما كما يؤخذ من المالك الواحد سواء, وقوله: بكل حال أي: سواء استويا في عدد الماشيتين أو ... (١) فيه بقليل أو كثير ثم ذكر شرطين بعد ذلك فقال: ولا يكونان خليطين حتى يحول الحول على ما ذكر وأراد أنهما إذا خلطا في خلال الحول ثم تم الحول زكيًا الآن زكاة الانفراد لأنهما كانا في أول هذا الحول الذي وجبت فيه الزكاة منفردين, ثم إذا مضى حول آخر بعد ذلك وهما خليطان حينئذٍ زكيا زكاة الواحد ثم بين انه فقد شرط من هذه الشرائط بطل حكم الخلطة في حق الزكاة.
فقال: فإن تفرقا في مراح. الفصل إلى أن قال: فليس بخليطين.
أي: في حكم الزكاة ويُصدّقان صدقة الاثنين ثم قال: وهكذا إذا كانا شريكين وأراد, وهكذا إذا كانا شريكين فاقتسما قبل الحول وتفرقا في شيء مما ذكرنا بطل حكم الخلطة فإن لم يقتسما فلا يضر تفريق الماشية ولا يؤثر في حكم الزكاة, وقال مالك: شرائط الخلطة ثلاث الرعي والفحول والسعي فقط فإن فقد واحد منهما صحت الخلطة وإن فقد شرطان لا تصح الخلطة [٥٩ أ/٤] وهذا غلط, لأن تخفيف المؤنة يحصل بما عداهما على ما ذكرنا ثم بعد هذا احتج على مالك فقال: ولما لم أعلم مخالفًا يعني من أهل المدينة إذا كان ثلاثة خلطاء لو كانت لهم مائة وعشرون شاة, أي: لكل واحد منهم نصاب كامل وهو أربعون أخذت منهم واحدة أي: كما لو كانت في ملك رجل واحد وصدقوا صدقة الواحد فنقصوا أي: أهل المدينة نقصوا في هذه المسألة المساكين شاتين من مال الخلطاء الثلاثة الذين لو تفرق مالهم كانت فيه ثلاث شياه لم يجز إلا أن يقولوا: بإزاء هذه المسألة إذا كانت أربعون شاة بين ثلاثة كانت عليهم شاة حتى تنفع الخلطة المساكين في هذا المسألة بإزاء ما ضرهم في تلك المسألة, ثم ذكر المعنى الجامع فقال: لأنهم صدقوا الخلطاء صدقة الواحد يعني أن الخلطة تصير الأملاك في حكم الملك الواحد في حق الزكاة قياسيًا لهذه المسألة على تلك المسألة.
فرع
لو تفرقت الماشيتان في المرعى بأنفسهما من غير قصد المالكين أو إحداهما إن كان لأغنام كل واحد منهما هادٍ قد ألفته الأغنام فافترقا وتبعتهما الأغنام فإن علم الملاك وسكنوا انقطعت الخلطة, وإن لم يعلموا حتى المواشي بعده فإن [٥٩ ب/٤] لم يكن امتد الزمان لا تنقطع الخلطة, وإن امتد الزمان فالحكم كما لو فرق الراعي أو اجتبى بغير إذن المالك وفيه وجهان, إحداهما: لا تنقطع الخلطة بعدم قصد المالكين, والثاني: ينقطع لافتراق مالهما بناء على أن الغاصب إذا أسام المواشي المعلوفة أو علف السائمة ففي المسألة وجهان.
стр. 1117
مسألة: قال (١): وبهذا أقولُ في الماشيةِ كُلِّهَا والزَّرعِ والحَائطِ.
وهذا هو كما قال اختلف قول الشافعي في الخلطة فيما عدا المواشي من الأموال التي يجب فيها الزكاة من الحبوب والثمار والنقد هل يثبت فيها حكمها؟ قال في القديم: لا يثبت وبه قال مالك والفرق بينهما وبين النعم هو أن النعم أوقصًا متفاوتة ومتفقة فالخلطة تارة تنفع رب المال وتارة تضر ولا وقص فيما عداها فإثبات الخلطة فيها إضرار برب المال ولا يحصل في مقابلة الضرر منفعة وتخفيف من وجه آخر فلهذا لا يثبت حكمها فيها, والثاني: يثبت حكم الخلطة فيها نص عليه هاهنا, وفي الجديد: وهو الصحيح قياسًا على المواشي, وقد اختلفت الرواية عن أحمد وهذا لأن الخلطة إنما في المواشي لما فيها من تخفيف المؤنة والإرفاق برب المال, وهذا موجود في غيرها [٦٠ أ/٤] لأن في الزروع يقتصران على ناطور واحد وهو الحافظ ونهر واحد وساق واحد, وفي النقد يقتصر على صندوق واحد وخازن والميزان والوزان المنادي والمتقاضي والنقد واحد, وفي النخيل العامل والملقح والجذاذ واحد, فإذا قلنا: بهذا القول اختلف أصاحبنا فيه على ثلاثة أوجه, أحدها: يثبت فيها خلطة الاشتراك دون خلطة المجاورة, والثاني: يثبت كلتا الخلطتين وهو الصحيح المذهب وعليه أكثر أصحابنا, والثالث: ذكره أبو إسحاق أنها تثبت في الثمار والزروع كلا الوجهين ولا يثبت في الدراهم والدنانير إلا خلطة الاشتراك والفرق أن الارتفاق بالخليط لا يتحقق في الدراهم والدنانير إذا كانت مجاورة لأن دراهم كل واحد منهما هي في كيس منفرد عن كيس صاحبه يتصرف كل واحد منهما بانفراده كيف شاء, لو أراد ولا يمكن إحداهما أن يتصرف في مال صاحبه, ولكن يتحقق الارتفاق في الثمار والزروع بما ذكرنا من الأسباب, فاقترقا وهو اختيار القفال.
فرع
لو وقف بستانًا على قوم فإن كان على قوم غير معينين فلا عشر عليهم في ثماره كمال بيت المال, وكذلك إذا أخذ الساعي الصدقات ولم يقسما حتى [٦٠ ب/٤] حال عليها الحول لم تجب فيها الزكاة, وإن كان على قوم معينين فإن كان يبلغ نصيب كل واحد منهم نصابًا يجب العشر عليهم, وإن كان جميعها نصابًا وينقص نصيب كل واحد عن النصاب فإن قلنا: لا تثبت فيما عدا المواشي فلا عشر عليهم وإن قلنا: تثبت فيجب العشر عليهم ولو وقفه على المسجد أو القنطرة لا يجب العشر في ثماره وزرعه لأن ليس له ملك معين.
فرع آخر
لو وقف أربعين شاة أو خمسًا من الإبل فإن كان على عير معينين لا يلزم الزكاة فيها
стр. 1118
قولاً واحدًا, وإن كان على معينين فإن قلنا: ملك الموقوف لله تعالى فلا زكاة فيها, وإن قلنا: الملك للموقوف عليهم فهل تجب الزكاة فيه وجهان, إحداهما: تجب الزكاة لأنها ملكه, والثاني: لا تجب لأن ملكهم ناقص إذ لا يجوز لهم أن يتصرفوا فيه على الإطلاق فأشبه مال المكاتب وهذا أصح وعلى كلا الوجهين لا يخرج الزكاة من عينها لأنها وقف فلا يعطي المساكين, وإذا تقرر هذا فقد ذكر في المختصر فصلاً بعد هذا فقال: أرأيت لو أن حائطًا صدقته مجزأة يريد موقوفة على مائة إنسان ليس فيه إلا عشرة أوسق, أما كانت فيه صدقة الواحد وأراد بهذا أن مالكًا سلم في هذا المسألة [٦١ أ/٤] أن عليهم صدقة الواحد, وإن كان حصة كل واحد منهم لم تبلغ نصابًا, فكذلك في المواشي وجب أن يلزم ذلك واعتذر محمد بن سلمة المالكي عن هذه فقال: تلك الثمرة باقية على ملك الواقف لا تدخل, وفي ملك الموقوف عليهم إلا بالقسمة فلهذا أوجب فيها الصدقة, لأن الملك لواحد وهو تمام النصاب, وهذا خطأ لأن الواقف قد زال ملكه عنه, وقد يكون وقت وجوب الصدقة ميتًا أو على صفة تجب في ملكه الزكاة فدل أنها وجبت على الموقوف عليهم لا على الواقف, ويؤكده أنه إن أمكن أن يقال هذا في الأصل فلا يمكن أن يقال إن الثمار ملك الواقف وهي لم تكن في جبانة, وحديث حين كان ترابًا في القبر وقيل قصد بهذا الكلام الرد على مالك من وجه آخر, وهو أنه قال: لا خلطة فيما عدا المواشي أصلاً. ثم قال في هذه المسألة: أن عليهم الزكاة وقيل: قصد به الرد على أبي يوسف ومحمد, لأنهما منعا الخلطة, وقالا بالتوسيق وأوجبا العشر هاهنا, وهذه متناقضة ثم قال الشافعي: وما قلت في الخلطاء معنى الحديث نفسه ثم هو قول عطاء وغيره, فاستأنس بقولهم قال: ويروى عن ابن جريج أنه قال: سألت عطاء عن الاثنين أو النفر كأنه شك في هذين اللفظين [٦١ ب/٤] يكون لهم أربعون شاة, قال: عليهم شاة والشك من الشافعي ثم جاء الشافعي إلى بيان أو الحديث فقال: ومعنى قوله: لا يفرق بين مجتمع ولا بجمع بين مفترق خشية الصدقة لا يفرق بين ثلاثة خلطاء في عشرين ومائة شاة وإنما عليهم شاة واحدة, فغنها إذا افترقت تجب ثلاث شياه وليس للساعي أن يفرقهما خشية نقصان الصدقة بل يقررها على الخلطة ولا يجمع بين مفترق, رجل له مائة شاة وشاة ورجل له مائة شاة فإذا تركا متفرقتين فكليهما شاتان, وإذا جمعتا يلزم ثلاث شياه فليس للساعي أن يجمع لتكثر الصدقة, ولا لرب المال أن يفرق لتفك الصدقة, ثم قال: فالخشية خشيتان خشية الساعي أن تقل الصدقة وخشية رب المال أن يكثر الصدقة فأمر أن يقر كل على حاله وعلى هذا لو كانت منهما أربعون شاة مشتركة فرب المال لا يفرقها حتى تسقط الصدفة, وإذا كانت مائتان وشاة مشتركة فليس له أن يفرقها حتى تجب شاتاتن وهذا كثير فإن فعل فبعد الحول لا يؤثر وقبل الحول إن قصد به نقص الزكاة فيكره, وإن لم يقصد نقصها فلا يكره.
مسألة: قال: ولو وَجَبتْ عليهِمَا شاةٌ وعدَّتُهُما سواءٌ, فظَلَمَ السَّاعي فأَخَذَ منْ غَنَمِ إحداهما عنْ [٦٢ أ/٤] غَنَمِهِ وعنْ غَنَمِ الآخرِ شَاةُ رَبِّي.
стр. 1119
الفصل
وهذا كما قال: هذا تفريغ على تراجعهما بالسوية والخلطة خلطتان خلطة أوصاف وخلطة أعيان, ففي خلطة الأعيان, لا يثبت التراجع إلا في التراجع إلا في موضعين على ما ذكرنا, والساعي يأخذ المشترك في الزكاة, وأما خلطة الأوصاف, فالكلام فيها في فصلين, إحداهما: في جواز الأخذ, والثاني في التراجع, فأما جواز الأخذ إذا جاء الساعي هل يجوز له أن يأخذ جميع الصدقة من نصيب إحداهما مثل أن يكون بينهما أربعمائة شاة لكل واحد مائتان فوجب على كل واحد منهما شاتين, وإن لم يمكن ذلك بأن يكون بينهما أربعون شاة لكل واحد منهما عشرون يأخذ شاة من نصيب أيهما شاء, لأنه يتعذر عليه أن يأخذ نصف شاة من كل واحد منهما, وهكذا إذا كانت بينهما أربعمائة إلا أن الفرض موجود في نصيب إحداهما, ونصيب الآخر أعلى سنًا من الواجب يأخذ من النصيب الذي وجد فيه الفرض ولو كانت بينهما ثلاثمائة شاة فإنه يجب ثلاث شياه على كل واحد شاة ونصف فيأخذ من نصيب كل واحد شاة والشاة الأخرى يأخذ من نصيب من شاء منهما ثم يرجع من يؤخذ من نصيبه على صاحبه بقيمة نصفها, وقال ابن أبي [٦٢ ب/٤] هريرة يجوز للساعي أن يأخذ الفرض من نصيب أيهما شاء بكل حال, لأن الخلطة تجعل المالين بمنزلة المال الواحد وهذا هو المذهب الصحيح, وعليه يدل كلام الشافعي في"الأم" فإذا تقرر هذا فإذا كانت بينهما أربعون شاة فجاء الساعي وأخذ من نصيب إحداهما فإن أخذ مقدار الفرض رجع المأخوذ من نصيبه على صاحبه بقيمة نصفها وجازت الزكاة عنهما ولا يرجع بنصف شاة فإن قيل: أليس لو أتلف مال الزكاة لزمته الزكاة من جنس المال لا قيمتها فما الفرق؟ قيل: الفرق هو أن ما دفع إحداهما وقع موقع الزكاة عن الدافع وعن شريكه وصاحبه لا يؤدي الزكاة, بل يغرم لصاحبه ما أدى من قبله كما لو أمر رجلاً ليخرج عنه الزكاة ففعل فإنه يكون الرجوع بالقيمة إذا كان المؤدي من غير ذوات الأمثال كذلك هاهنا, وهناك يريد أن يؤدي الزكاة فيلزمه جنس مال الزكاة وعلى ما ذكرنا, لو كانت بينهما ستون شاة لإحداهما عشرون والأخر أربعون فثلثاها على صاحب الأربعين وثلثها على صاحب العشرين فإن أخذها من صاحب العشرين رجع على صاحب الأربعين بثلثيها, ولو أخذ من صاحب الأربعين رجع على صاحب العشرين بثلثها ولو [٦٣ أ/٤] كانت ثلاثمائة شاة بين اثنين ثلثاها لواحد وثلثاها لآخر فأخذ ثلاث شياه من صاحب المائتين لا يرجع صاحب المائتين على صاحب المائة بقيمة شاة بل يرجع بثلث قيمة الشاة الثلاث لأنها قد تفاوتت وقد حصل الكل مأخوذًا من الجملة على الشيوع, وإن أخذ ذلك من صاحب المائة رجع على صاحبه بثلثي قيمة الشياه الثلاث لا بقيمة شاتين من جملة الثلاث وعلى هذا القياس أبدًا, وإن أخذ الساعي من إحداهما أعلى من الفرض فإن كان قد أخذه بتأويل شائع مثل أن يكون مالكيًا يرى أخذ الكبار من الصغار يحتسب به ويرجع على صاحبه بنصف قيمته لأن الساعي كالحاكم, فإذا اجتهد في مسألة فيها خلاف, وحكم بقول
стр. 1120
بعض الفقهاء لم يجز أن ينقض حكمه, وإن أخذ فوق الثنية أو أخذ الماخض أو الربى أو ذات الذر أو شاتين بدل شاة لم يكن له أن يرجع على صاحبه إلا بنصف قيمة الفرض ولا يرجع بالزيادة على صاحبه, لأنها ظلم لحقه من جهة الساعي فلا يرجع بالظلم إلا على الظالم وهذا دليل على أن الإمام لم ينعزل بالجور, وإن كان الساعي [٦٣ ب/٤] يذهب مذهب أبي حنيفة في جواز أخذ الغنم فأخذ من إحداهما قيمة الشاة, قال أبو إسحاق: لا يجوز لأنه خلاف النص الوارد فيه ولا يرجع على شريكه بشيء, لأنه جور وظلم بحقه والمنصوص فيه وهو المذهب أنه يجوز ويرجع على خليطه بحصته من القيمة لأنها مسألة اجتهاد, فإذا حكم فيها بالاجتهاد لا يجوز نقض حكمه.
فرع
لو أخذ من غنم إحداهما شاة وغنمهما سواء في العدد فتداعيا في قيمة الشاة فالقول قول من يؤخذ منه القيمة نص عليه في "الأم", لأنه هو الغارم فأشبه الغاصب والمتلف, وإن كان مع المأخوذ منه بينة فالبينة أولى.
فرع آخر
لو وجدهما مفترقين فقال الساعي: افتراقهما بعد الحول ووجوب الزكاة, وقالا: كان ذلك قبل الحول فالقول قولهما في الوقت الذي افترقا فيه.
فرع آخر
لو كان لإحداهما أربعون من البقر والآخر ثلاثون فجاء الساعي فأخذ من صاحب الأربعين مسنة ومن صاحب الثلاثين تبيع لا نقول أعطى كل واحد ما عليه فلا تراجع بل كل واحد أدى ما أدى عن نفسه وشريكه فيرجع صاحب الأربعين على صاحبه بثلاثة أسباع مسنة وصاحبه يرجع عليه بأربعة أسباع تبيع وعلى عكس هذا لو اخذ من صاحب الأربعين تبيعًا [٦٤ أ/٤] ومن صاحب الثلاثين مسنة رجع صاحب الأربعين على صاحبه بثلاثة أسباع تبيع وصاحبه يرجع عليه بأربعة أسباع مسنة, وكذلك لو كانت لواحد مائة من الإبل وللآخر ثمانون وهما خليطُا فأخذ من صاحب المائة حقتين ومن صاحب الثمانين بنتي لبون رجع صاحب المائة على صاحبه بأربعة أتساع حقتين ورجع صاحب الثمانين عليه بخمسة أتساع بنتي لبون.
مسألة: قال (١): ولو كانتْ لهُ أربَعُونَ شاةَ فأقامَتْ في يدِهِ شهرًا ثم باعَ نِصفَهَا ثمَّ حالَ الحَوْلُ عليهَا أخَذَ منْ نصيبِ الأوَّلِ نِصْفَ شاةٍ.
الفصل
وهذا كما قال: إذا كانت له أربعون شاة فأقامت في يده ستة أشهر ثم باع نصفها مشاعًا فإن الحول قد بطل في النصف الذي لم يبعه فالمذهب أنه لا يبطل, وقال ابن
стр. 1121
خيران: فيه قولان, إحداهما: هذا, والثاني: أنه يبطل الحول كما لو اتلف نصفها, وإذا بطل الحول في النصف التالف بطل في النصف الباقي, قال: وهذا مخرج مما قال الشافعي في رجلين لكل واحد منهما أربعون من الغنم ستة أشهر ثم خلطاها وحال الحول هل يزكيان زكاة الخليطين أم زكاة الانفراد؟ فيه قولان: هناك يزكيان زكاة الانفراد انقطع [٦٤ ب/٤] الحول هاهنا لأنه لا يمكن بناء حول الخلطة على حول الانفراد وهذا ليس بشيء, لأن النصف الذي لم يبع انتقل من خلطة إلى خلطة, فإن كان خليطًا يملك نفسه بما صار خليطًا لملك غيره فلم ينفك طول السنة من نصاب كامل فلم يسقط حوله وهذا التخريج فاسد, لأن الشافعي خرج ذلك على القول الذي ذكره في الجديد, والشافعي نص في الجديد في"الأم" في هذه المسألة: أن حول البائع لا ينقطع فكيف يخرج في الجديد ما نص في الجديد على خلافه, فإذا تقرر هذا فإذا مضت ستة أشهر من حين باع فقد تم الحول على النصف الذي لم يبع فعليه نصف شاة, ثم إذا حال الحول على العشرين التي في يد المشتري من حين ملكه ينظر فإن كان البائع قد أخرج النصف من عين المال فلا يلزمه شيء, لأن مال الخلطة نقص عن النصاب, وإن كان قد أخرجه من غيرها فإن قلنا: إن الزكاة تجب في الذمة فيلزمه نصف شاة في حصته, وإن قلنا: يجب في العين لا يلزمه شيء لأن نصف شاة قد صار للفقراء, وانتقض مال الخلطة عن النصاب, ولا يجوز أن يقال [٦٥ أ/٤] الفقراء إذا ملكوا النصف صار المال خلطة بينهما وبين الفقراء, لأن الفقراء غير معينين فلا تلزمهم الزكاة ومن زكاة عليه لا يثبت حكم الخلطة معه, وقال أبو إسحاق: تلزمه الزكاة في قول لأنه إذا أخرجها من غيرها تبينًا أن الزكاة لم تتعلق بالعين, ولهذا قال الشافعي: إذا باع مال الزكاة ثم أخرج الزكاة من غيره صح البيع وهذا غلط, ولا يعرف للشافعي ما قاله ولم يحكه سائر أصحابنا, وكلهم قالوا: إذا أخرج الزكاة من غيره عاد ملكه إليه بعد الزوال وعلى هذا لو نتجت واحدة مع حول البائع أو قبله فالحول بحاله في حقهما بلا إشكال, لن النصاب لم ينتقص وإن باع نصفها مفرزًا وأخرجها من المراح يبطل حولها جميعًا, فإن ردها بعد ذلك إلى المراح كان استئناف للخلطة فيعتبر الحول من حين اختلطتا, وإن لم يخرجها من المراح, ولكن أفرزها من الجملة نقل أصحابنا فيه فمنهم من قال: هو اختيار ابن أبي هريرة أنه لا تبطل الخلطة وهو المذهب لأنه لم يزل الاختلاط فلم يزل حكمه كما لو باعها مشاعة, ومنهم من قال تبطل الخلطة [٦٥ ب/٤] وهو المذهب لأنه لم يزل الاختلاط فلم يزل حكمه كما لو باعها مشاعة, ومنهم من قال: تبطل الخلطة بالتفرقة بينهما وبه قال أبو إسحاق, ومن أصحابنا من قال: لو فرز منها عشرين ثم باعها منه ثم سلمها مفرزة ثم خلطها في الحال هل ينقطع الحول؟ وجهان, لأن زمان الانفراد كان يسيرًا فلا يضر, وإن أعلم علتها ولم يفرزها من الجملة لم يبطل حكم الخلطة بلا إشكال, ومن أصحابنا من ذكر وجهًا هاهنا أنه يبطل لزوال الملك على الانفراد وهو غلط.
стр. 1122
فرع
لو كان لكل واحد منهما عشرون شاة مختلطة من أول الحول ثم نصف الحول جاء ثالث بعشرين وخالطهما ثم أخذ الشريكين السابقين ميز ماله من الجملة فالذي بقي وكان خليطًا من أوله يلزمه عند تمام حوله نصف شاة, لأن الخلطة له حصلت في جميع الحول, إلا أن في بعض الحول كان خليطًا لزيد وفي بعضه كان خليطًا لعمرو.
فرع آخر
لو كانت له أربعون شاة في بلد وأربعون في بلد آخر فلما مضت ستة أشهر باع نصف إحدى الأربعين مشاعًا ثم حال حول البائع [٦٦ أ/٤] من حين ملك فما الذي يجب؟ قولان, إحداهما: يجب ثلاثة أرباع شاة لأنه في أول الحول خليط نفسه وفي باقيه خليط غيره, ثم إذا تم حول المشتري يلزمه ربع شاة, والثاني: على البائع شاة, لأنه إذا باع نصف الأربعين انقطع حول الأربعين وصار كأنه لا يملك إلا الأربعين الأخرى, ثم إذا حال حول المشتري على العشرين فإنه يلزمه نصف شاة نص عليه في باب افتراق الماشية (١)، قال القاضي أبو علي البندنيجي قال: ومن هاهنا خرج ابن خيران ذلك القول وثبت القولان.
مسألة: قال (٢): ولو كانتْ لهُ غَنَمٌ يَجِبُ فيها الزَّكاةُ فخَالَطَهُ رَجُلٌ بغَنَمٍ يَجِبُ فيها الزَّكَاةُ.
الفصل
وهذا كما قال: إذا ملك رجل أربعين شاة في أول المحرم وملك آخر أربعين في أول المحرم وأمسكا ستة أشهر ثم خلطا فعلى قوله الجديد: لا خلطة بينهما في السنة الأولى ويخرج كل واحد منهما شاة كاملة عن ماشيته, وقال في القديم: تعتبر الخلطة في آخر السنة وهو مذهب مالك وهذا غلط, لأن ماشيتهما قد انفردتا في بعض السنة فوجب عليهما أن يزكيا زكاة الانفراد, كما لو كانتا مختلطتين في أول السنة منفردتين [٦٦ ب/٤] في آخرها, وأيضًا وجدت في هذه السنة حالة الاختلاط وحالة الانفراد فاعتبار حالة الانفراد أولى لأنها مجمع على حكمها وحكم الخلطة مختلف فيه ولأنها اليقين, فكان اعتبارها أولى, وأما في السنة الثانية: يزكيان زكاة الخلطة لأن الخلطة حصلت في السنة الثانية فيها من أولها إلى آخرها, وقول الشافعي ولم يكونا تبايعًا زكيت ماشية كل واحد منهما على حولها دليل على أنهما لو تابعيًا استأنف كل واحد منهما الحول على ما ملك من ماشية صاحبه ثم لا يخلو إذا تبايعا, إما أن يتبايعا الكل بالكل أو البعض بالبعض, فإن تبايعا الكل بالكل بأن قال بعتك غنمي هذه بغنمك هذه يستأنفان الحول من حين التبايع, فإن خلطا حين تبايعا زكيا زكاة الخليطين, ولو مضت
стр. 1123
مدة ثم اختلطا زكيا الزكاة المنفرد ويجيء فيه قوله القديم, وإن تبايعا البعض بالبعض مثل أن باع إحداهما نصف غنمه بنصف غنم صاحبه فإنه يصح مشاعًا ومفرزًا فالمشاع أن يقول: بعتك نصف غنمي هذه بنصف غنمك هذه والمفرز هو أن يعلم على كل واحد [٧٦ أ/٤] من العشرين علامة, ويقول: بعتك المعلم من غنمي بالمعلم من غنمك فإذا فعلاً هكذا حول المبيع على الطريقين, فإذا قلنا: لا ينقطع فحال الحول على غير المبيع وهو أربعون بينهما فعليهما فيها شاة, لأنه قد ثبت لهما حكم الانفراد في أول الحول, وكان خليط نفسه فيها وخليط غيره في باقيها وعلى قوله القديم: يجب عليهما نصف شاة لأنهما خليطان حال الوجوب بثمانين, ثم إذا حال حول المبيع هل تجب الزكاة؟ فيه وجهان: فإذا قلنا: لا يجب فلا كلام, وإذا قلنا: يجب فما تلك الزكاة؟ فيه وجهان, إحداهما: شاة كاملة عليهما كالأربعين غير المبيعة, لأن كل واحد منهما لم يرتفق على التمام بالخلطة, والثاني: نصف شاة عليهما على كل واحد ربعها لأنها أربعون خلطها مع أربعين طول الحول هذا على قوله الجديد, وعلى قوله القديم: تجب نصف شاة عليهما.
فرع
لو كان لكل واحد ثمانون فتبايعا فإن تبايعا الكل بالكل استأنفا الحول, وإن تبايعا البعض بالبعض مشاعًا أو مفرزًا على ما ذكرنا انقطع الحول في المبيع, والمبيع ثمانون لكل [٦٧ ب/٤] واحد أربعون, وفي غير المبيع لا ينقطع قولاً واحدًا, وبه قال ابن خيران, لأن الباقي نصاب بعد البيع في حق كل واحد منهما, ولكن إذا حال حول غير المبيع فعلى قول ابن خيران يزكي كل واحد منهما زكاة الانفراد فعليه في ملكه شاة, لأن عنده خلطة آخر الحول لا يسقط حكم الانفراد, وعلى قول الشافعي: عليهما شاة على كل واحد منهما نصف شاة لأن ماله ما انفك عن الخلطة طول الحول في أوله خليط نفسه وما فيه خليط غيره, ثم إذا حال حول المبيع ففيه الزكاة قولاً واحدًا, لأنا إن اعتبرنا الانفراد فهي كالأولى زكاتها شاة, وإن اعتبرنا الخلطة فهي ثمانون إلى ثمانين ففيها شاة.
فرع آخر
لو باع مال الزكاة من آخره وتأخر القبض عن وقت العقد زمانًا ثم حصل القبض هل يحتسب بذلك الزمان من حول المشتري؟ اختلف أصحابنا فيه منهم من قال: لا يحتسب لعدم تصرفه, وأن الملك لا يتم إلا بعد قبضه, ومنهم من قال: يحتسب لثبوت ملكه عليه في ذلك الزمان وهو الأقرب.
مسألة: قال (١): ولو كانتْ ماشيتِهُما سواء [٦٨ أ/٤] وحَوْلُ إحداهما: في المُحَرَّمِ وحَوْلُ الآخَرِ في صَفَرِ.
стр. 1124
الفصل
وهذا كما قال: إذا اشترى رجل أربعين في المحرم واشترى آخر أربعين في صفر وأمسكاهما متفرقين فلما كان أول الربيع خلطا المال فإنهما يزكيان في السنة الأولى زكاة الانفراد, إلا أن حول صاحب المحرم أسبق, فإذا تم حوله أخرج شاة, وإذا جاء صفر فقد تم حول الثاني فيخرج شاة, وأما في السنة الثانية فإنهما خليطان من أولها إلى آخرها فيخرج نصف شاة من المحرم ويخرج الآخر نصف شاة في صفر وهو مراد الشافعي هاهنا بقوله: أخذ منهما نصف شاة من المحرم ونصف شاة في الصفر, وفي قوله القديم: يثبت هذا الحكم أيضًا في الحول الأول, لأنهما خليطان حال الوجوب, وقال ابن سريج: إذا اختلف حولهما لا يثبت حكم الخلطة أبدًا فتجب في الحول الثاني عليهما ما يجب في الحول الأول, وهذا غلط, لأن الخلطة وجدت من أول الحول إلى آخره فيها فيجب أن تكون زكاة هذا الحول زكاة الخلطة.
فرع
لو ملك أربعين شاة من أول المحرم وملك آخر أربعين شاة [٦٨ ب/٤] من أول صفر (١) ... ملك ولم يثبت للثاني حكم الانفراد فإن .... (٢) خرج في السنة الأولى شاة, لأنه ثبت له حكم الانفراد, وأما صاحب صفر إذا دخل صفر فيه وجهان, إحداهما: يزكي زكاة الانفراد شاة كاملة لأنه لما لم يرتفق صاحبه بخلطته لم يرتفق هو أيضًا بخلطة صاحبه, والثاني: عليه نصف شاة وهو الصحيح لأنه كان خليطًا من أول الحول ولا يصح اعتبار الرفق لأن في هذه المسألة يؤخذ في الحول الثاني .... (٣) الأول نصف شاة ولو تفرقا واقتسما المال قبل ان يتم حول الثاني لزمته شاة كاملة فارتفق الأول بالثاني, ولم يرتفق الثاني بالأول وهذا كله على القول الجديد وفي قوله القديم: يجب على الأول نصف شاة في السنة الأولى وعلى الثاني نصف شاة إذا حال حوله.
فرع آخر
لو ملك أربعين في المحرم ثم ملك إحدى وثمانين في صفر فحال حول الأولى يلزمه زكاة الانفراد شاة, ثم إذا تم حول الثانية تلزمه شاة أخرى بلا خلاف, لأن الكل مائة وإحدى وعشرون وقد أخرج شاة فبقيت عليه شاة [٦٩ أ/٤] أخرى فإن قيل: أليس المستفاد لا يضم إلى ما عنده عندكم فكيف ضممتم هاهنا؟ قيل: نحن تعبر حولها بنفسها ولا تضم إلى ما سبق في الحول, ولكن يضم في اعتبار النصاب وهذا مذهبنا.
مسألة: قال (٤): ولو كانُ بَيْنَ رَجُلَينِ أربَعُونَ شاةٌ ولإحداهما ببلدٍ آخَرَ أربعونَ شاةً.
стр. 1125
الفصل
وهذا كما قال: إذا كان بين رجلين أربعون شاة ولإحداهما في بلد آخر أربعون شاة كانت عليهما شاة ربعها على صاحب العشرين وثلاثة أرباعها على صاحب الستين لأن ملك الرجل يجب ضم بعضه إلى بعض, وإن كان متفرقًا في مكان فيضم الأربعون الغائبة إلى العشرين التي له في الخلطة فيصير كأن مال الخلطة ثمانون لإحداهما وعشرون للآخر, وهذا هو المذهب المنصوص في كتبه, وقال ابن أبي هريرة: يجب على صاحب العشرين نصف شاة وعلى صاحب الستين ثلاثة أرباع شاة لأنه يضم ماله الغائب إلى ماله الحاضر في حقه دون حق صاحبه لأنا إنما نضم بعضها إلى بعض بالملك دون الخلطة ثمانون منها ستون له ويصير في حق صاحب العشرين كأن [٦٩ ب/٤] مال الخلطة أربعون له نصفها فيلزم الأول ثلاثة أرباع شاة بحساب الثمانين, وعلى الثاني نصفها بحساب الأربعين (١)، وهذا لا يعرف للشافعي ﵀.
وقال بعض أصحابنا: وهو اختيار الشيخ أبي زيد المرزوي يلزم صاحب الستين شاة إلا نصف سدس شاة ويلزم صاحب العشرين نصف شاة لأن لصاحب الستين أربعين منفردة فيزكي زكاة الانفراد, فكأنه منفرد بستين شاة عليه فيها شاة فتخص الأربعين منها ثلثا شاة وله عشرون مختلطة فيزكي زكاة الخلطة فكان جميع الثمانين مختلط فيخص العشرين منها ربع شاة فتكون شاة إلا نصف سدس شاة, وأقل عدد يخرج منه ربع وثلثان منها ثمانية والربع منها ثلاثة فلذلك أحد عشر سهمًا فيجب عليه أحد عشر سهمًا من اثني عشر سهمًا من شاة, ويجب على صاحب العشرين نصف شاةٍ لأن الخلطة ثبتت في حقه في الأربعين الحاضرة, قال بعض أصحابنا: ونسب إلى ابن سريج يلزم على صاحب العشرين نصف شاة وعلى صاحب الستين شاة وسدس شاة وهذا لأن في الأربعين ثلثي شاة لما ذكرنا من العلة [٧٠ أ/٤] وفي العشرين نصف شاة لوجوب نصفها على شريكه إذ لا تجوز المخالفة بين الشريكين, وهذا ضعيف.
وقال بعض أصحابنا: وهو اختيار الإمام أبي بكر الأردني يجب على صاحب الستين شاة وعلى صاحب العشرين نصف شاة, لأنه اجتمع في ملكه الاختلاط والانفراد فصار كما لو كان في بعض الحول منفردًا, وفي بعضه مختلطًا فيغلب حكم الانفراد, فأما صاحب العشرين فمخالط لعشرين فيلزمه نصف شاة فحصلت خمسة أوجه, وقال القفال: حكم المسألة مبني على القولين, أن الخلطة خلطة ملك أ, خلطة عين ومعنى هذا أن من خالط بعض ماله بمال رجل هل يجعل كأنه خالط جميع ماله أم لا حكم للخلطة إلا في القدر الذي خالط؟ فأحد القولين أنها خلطة ملك وبه أجاب هاهنا لا يختلف أصحابنا فيه, وإذا قلنا: هي خلطة عين تجب على صاحب العشرين نصف شاة بلا خلاف, وفي صاحب الستين أربعة أوجه, إحداهما: يلزم شاة إلا نصف سدس شاة,