Полный текст (7 151 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
عباس- ﵁ أن النبي (صلي الله عليه وسلم) قال:" الوضوء مما يخرج لا مما يدخل" وأما خبرهم: قلنا نحمله على غسل اليد وهو ظاهر لأن الوضوء إذا أضيف إلى الطعام اقتضى غسل اليد لما روى أن النبي (صلي الله عليه وسلم) "كان يأمر بالوضوء قبل الطعام وبعده". وروى أنه قال (صلي الله عليه وسلم) " الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر ويعده ينفي اللحم". وإنما فرق بين لحم الغنم، ولحم الإبل؛ لأنه يندب إلى غسل اليد من لحم الجزور أكثر مما يندب إليه من لحم الغنم لثقل رائحته وزهومته. وقال أصحابنا: المأكول على ثلاثة أضرب: طاهر لا ريح له كالخبر والتمر واللبن، إن شاء غسل اليد منه وإن شاء [١٩٩ أ/ ١] لم يغسل، وطاهر له رائحة كالبصل والثوم واللحم يستحب أن يغسل يده منه كالمسكر والميتة إذا أكلها عند الضرورة فيجب غسل اليد منه، وكل موضع أصابه من جده فإن صلى قبله غسله أعاد الصلاة.
مسألة: قال:" وَكُلَ مَا أأَوْجَبَ الْوُضًوءَ فَهُوَ بالْعَمْدِ وَالْسَّهْوِ سَوَاءٌ".
وهذا كما قال: كل ماء ينقض الوضوء فعمده وسهوه سواء، قصد به الرد على مالك في اللمس والمس من غير قصد، والأصل في ذلك ما روى أن النبي (صلي الله عليه والسلام) أوجب الوضوء من المدّى، وهو بخرج من غير قصد، ولأنه لو احتلم يلزمه الغسل وهو بغير قصد واختيار، فدل على أنه لا يعتبر فيه الفصل.
مسألة: قال:" وَمَنْ اسْتَيْقَنَ الطَّهَارَةَ ثُمَّ شَكَّ في الْحَدَثِ".
الفصل
وهكذا كما قال: إذا تيقن الطهر ثم شك في الحدث، أو تيقن الحدث ثم شك في الطهر بنى على اليقين، سواء لحقه الشك بعد الدخول في الصلاة أو بعد الدخول فيها، وأصله ما روى أن النبي (صلي الله عليه وسلم) قال:" إن الشيطان يأتي أحدكم وهو في صلاته فينفخ بين إليتيه
ويقول: أحدثت، فلا تنصرني حتى تسمع صوتًا أو تشم ريحًا". وقال مالك: يلزمه الوضوء بكل حال. وقال الحسن: إن كان الشك في الصلاة مضي في صلاته، وإن كان الشك قبل صلاته فإنه يلزمه الوضوء. قيل: هو قول مالك ولا يصح، وهذا غلط؛ لأنه يبقى حالة [١٩٩ ب/ ١] فلا يزيلها الشك إلى ضدها، كما لو تيقن الحدث ثم شك في الطهر، ونفيس على ما لو كان الشك في بناء الصلاة. واحتج بأن هذا الشك يرجع إلى جواز صلاته، فكأنه شك أن إحرام صلاته هل صح أم لا؟ قيل: اليقين السابق أولي من هذا الشك، كما لو شك في طهارة الماء فإنه ببني على أصل الطهارة.
стр. 142
فرع
قال صاحب" التلخيص" لا يزول اليقين بالشك في الطهارة إلا في مسألة، وهي أن يقول: توضأت وأحدثت ولا أدري أيهما قد مت؟ فقال له: قدم وهمك على الأمرين، فإن كنت محدثًا قبل هذين الأمرين فأنت الآن متطهر، وإن كنت متطهر فأنت الآن محدث. وهذا في الخشفة بناء على اليقين أيضًا لا على الشك، ووجهه أنه إذا كان قبل هذين الأمرين محدثًا بعد عرف أن طهره رفع أن طهره رفع ذلك الحدث، ثم شك هل وجد حدثًا؟ رفع ذلك الطهر أم لا والأصل عدمه. وفي عكسه إذا كان قبل هذين الأمرين متطهر فقد عرف إن حدثه رفع طهره، ثم شك هل وجد طهر رفع ذلك الحدث أم لا؟ والأصل عدمه، وهذا كما لو أقام رجل البينة أن فلانا استوفي منه جميع حقه وأبرأه، ثم أقام المشهود عليه بالقبض. بينة أن المشهود له أقر له بألف، لم يثبت عليه لجواز أن يكون ذلك قبل الاستيفاء. ومن أصحابنا من قال: يتعارض هذان العارضان ويرجع إلى الأصل المتقدم [١٢٠/ ١]، فإن] كان] قبل هذين الأمرين طاهرًا فهو الآن طاهر، وإن كان محدثًا فهو الآن محدث. ومن أصحابنا من قال: عليه الوضوء هاهنا احتياطًا للصلاة. وهذا اختيار أبي حامد وجماعة، وهذا لأنه لم يتيقنهما وشك في السابق منهما استوت حالتهما، فصار الوضوء مشكوكًا فيه، ولا يجوز أن يصلي بطهارة مشكوكًا فيها، وما ذكره القائل الأول لا يقوى ظن الطهارة؛ لأنه قد تيقن حصول حدث بعد ذلك الحدث الأول، وشك في أن الطهارة تأخرت عنه بإزالته أم لا، فصارت الطهارة مشكوكًا فيها، فإن قال: عرفت قبل هاتين الحالين حدثًا وطهارة، ولا أدري أيهما كان أولًا؟ اعتبرنا ما كان مستقبل هاتين الحالتين الأوليتين، فإن عرق الطهارة من نفسه قبلهما جاز له أن يصلي الآن، وإن عرف الحدث قبلهما لم يكن له أن يصلي الآن ما
لم يتطهر، فجواب هذه المسألة هو بعكس ما ذكرنا، وهما سواء في المعنى إذا تأملت. وهذا هو على قول ابن أبي أحمد، فإن قيل: ترك الشافعي الأصل المتيقن في مسائل منها: ما قال: لو كان له عبد غائب لا يعرف حياته فأعتقه عن الكفارة لم يجز، والأمل بقاؤه وجواز عتقه عنها. ونال في الجمعة: إذا شك هل خرج الوقت أم لا لم تجز الجمعة، والأصل بقاء الوقت. وقال: لو شك في انضاء مدة المسح لا يجوز المسح، والأصل بقاء المدة [١٢٠ ب/ ١]. وقال: لو رأى أن ظبيًا بال في غدير، ثم عاد إلى ذلك الغدير فوجد ماء متغيرًا، ولا يدري أبنفسه تغير أم ببوله لا يجوز التوضيء به، والأصل الطهارة. قلنا: أما الأول فقد تقابل هناك أصلان حساب العبد واشتغال ذمته بالكفارة، فلا تبرأ ذمته إلا باليقين. وأما الثاني: فالأصل في الفرض الظهر والجمعة عارض يجوز بشرائط، فإذا شككنا في شرطه بنينا على أصل الفرض وهو الطهر. وعلى هذا قال يعض أصحابنا: إذا رفع الشك في ذهاب وقت الجمعة في أثناء الصلاة لا يتمها جمعة على قياس المذهب.
وأما الثالث: فالأصل وجوب غسل الرجلين والمسح جوز رخصة شرط فلا بد من
стр. 143
وجود شرطه باليقين. وأما الرابع بعد تيقن النجاسة فيه، والظاهر أن التغير منها، فلهذا لا يجوز به الطهر.
باب ما يوجب الغسل
قال: أَخْيَرَنَا الْثَّقَةُ وَذَكَرَ الْخَبر. وهذا كما قال: الغُسل بضم الغين هو الاغتسال، وهو غسل جميع البدن. والأشياء التي توجبا الغسل هي أربعة. شيئان منهما تختص بهما النساء: الطهر من الحيض، والطهر من النفاس، وشيئان تشترك فيهما الرجال والنساء وهو الموت يوجب غسل بدن الميت. والمخاطب به [١٢١ أ/ ١] من علم من الأحياء والثاني: الجنابة. وقيل ما يوجب الغسل خمسة: التقاء الختانين، وخروج المني، ودم الحيض، والنفاس، وخروج الولد. وقيل: أربعة: دم الحيض والنفاس واحد، وخروج المني والولد واحد، لأن المرأة يلزمها الغسل بخروج الولد، لأنه مخلوق من مائها ومائه فيكون بخروجه خروج مائها، وهذا أشبه مما تقدم. وقيل: ستة، والسادس: الموت. والأول أحسن لأن في قولنا: والجنابة يدخل التقاء الختانين، وخروج المني، وخروج الولد، فإذا تقرر هذا فالتقاء الختانين هو عبارة عن تغييب الحشفة في الفرج سواء كان الفرج قبلًا أو دبرًا، وإذا لم يتصور التقاء الختانين إلا في القبلة. وختان الرجل: هو الموضع الذي يقطع منه جلدة القلقة، وختان المرأة يقطع نواتها والتقاء الختانين أن يتحاذيا وأن يتضاما، وإنما يتحاذيان إذا غلب حشفته في فرجها لأن شفرتها محيطات بثلاثة أشياء: ثقبة في أسفل الفرج وهي مدخل الذكر
ومخرج الحيض والولد، وثقبة أخرى فوق هذه مثل إحليل الذكر وهو مخرج البول لا غير. والثالثة فوق ثقبة البول موضع ختانها، وهناك جلدة رقيقة قائمة مثل عرف الديك، فقطع هذه الجلدة هو ختانها. فإذا [١٢١ ب/١] قطعت شوهد موضع قطع تلك الجلدة كالنوا ة، فإذا غابت الحشفة حاذى ختانه ختانها وهو مراد الشافعي بما ذكر. وزاد المزني لهذا بيانا في آخر الباب، وفي بعض النسخ لم يكتب ذلك أصلًا، لأن في بيان الشافعي. ما يغني عنه فلا فائدة فيه؟
فإذا تقرر هذا، فمتى حصل ذلك يجب الغسل أنزل أو لم ينزل، صغيرة كانت أو كبيرة حية كانت أو ميتة، متلذذًا كان أو غير متلذذ, وكذلك إن كانت هي التي أدخلت ذلك منه في فرجها باختياره أو بغير اختياره، قائمًا كان أو غير قائم.
وفرج البهيمة ودبرها في ذلك كفرج الآدمية ودبرها، وفيما عدا هذا من المباشرة لا يجب الغسل، مثل إن. ألصق ختانه بختانها إذا أولج في فيها، أو بين فخذيها، أو غيب تصف الحشفة، أو استمنى ولم ينزل. قال في (الأم) لأن الكف ليس بفرج. وبهذا قال جمهور الصحابة والفقهاء.
стр. 144
وروى عن زيد بن ثابت، وأبي سعيد الخدري، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن أرقم أنهم قالوا: لا يجب الغسل به حتى ينزل، وقيل إنهم رجعوا عن ذلك حين روى عن عمر - رض الله عنه - أنه قال: من خالف في ذلك جعلته نكالًا. وقال داود: لا يجب الغسل به. واحتج بقوله ﷺ ((الماء من الماء)). أي صب الماء] ١٢٢ ب/١] على البدن لا يجب إلا بإنزال الماء.
وروى عن رسول الله ﷺ أنه قال: "ومن جامع ولم يمن فلا غسل عليه"
روا أبو سعيد الخدري، وروي عن عثمان ﵁ أنه قال: كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا جامعنا ولم ننزل أن نجدد الوضوء
وروى عن أبي بن كعب ﵁ أنه قال: مر رسول الله ﷺ وبباب رجل من الأنصار. فدعاه فخرج بعد ساعة ورأسه تقطر ماء فقال له: لعلنا أعجلناك قال: نعم، فقال:
إذا جامعت فأقحطت - يعني لم تنزل- فعليك تجديد الوضوء. وهذا مأخوذ من القحط وهو انقطاع المطر؛ ولأنها. مباشرة خلت عن الإنزال فأشبهت المباشرة فيما دون الفرج، وهذا غلط لما روي الشافعي عن عائشة ﵂ من رسول الله ﷺ فعلًا وقولًا أما الفعل فتمام الخبر ما روى عن أبي موس الأشعري ﵁ أنه قال: اشتد على اختلاف أصحاب رسول الله ﷺ في هذه المسالة فأتيت باب عائشة فاستأذنت عليها فأذنت لي فقلت؛ يا أم المؤمنين لقد اشتد على اختلاف أصحاب رسول الله ﷺ في مسألة استحي أن أسئلك عنها فقالت: ما لا تستحي من أمك غسلا تستحي [ب ١٢٢/ ١] مني فإني أمكم فقلت: بم يجب الغسل فقالت: ((إذا التقى الختانان وجب الغسل فعلته أنا رسول الله ﷺ فاغتسلنا)).
وأما القول فما روى القاسم بن محمد بإسناده عن عائشة آن النبي ﷺ قال: ((إذا التقى الختانان وجب الغسل)). وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: ((إذا قعد بين شعبها الأربع وألصق الختان بالختان فقد وجب الغسل أنزل أو لم ينزل)).
قال الأزهري: أراد شعبتا شفريها، ولأن الله تعالى قال (وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا)] النساء:٤٣]. قال الشافعي: والجنابة عند العرب هي الجماع وإن لم يكن معها الماء الدافق، ولأنه حكم يتعلق بالجماع فلا يقف على الإنزال لوجوب الحد وكمال المهر.
وأما خبرهم قال ابن عباس ﵁ وإنما قال ﷺ ((الماء من الماء)) في
стр. 145
الاحتلام. وقيل: كان هذا في ابتداء الإسلام. ثم فسخ بدليل ما روى عن سهل بن سعيد أنه قال: حدثني أبي بن كعب أن ذلك رخصة رخص فيها رسول الله ﷺ في أول الإسلام، ثم أمر بالاغتسال بعدها، أو يقول: منطوقه لم ينسخ ومفهومه نسخ؛ لأنه وجوب الغسل فإنزال الماء باقي. وأما قياسه على ما دون الفرج لا يصح؛ لأنه لا يتعلق به شيء من الأحكام
[١٢٣ أ/١]، وها هنا يتعلق أبه الحد والكفارة، والتحليل الرفع; الأول والإحصان، رفاد العبادات. إ
وقال أبو حنيفة: إذا أتى بهيمة أو ميتة فلا غسل مالم ينزل، وهذا غلط؛ لأنه إيلاج فرج في فرج فأشبه فرج الأدمية الحية، وعلى هذا قال أصحابنا في بحر البصرة سمكة لها فرج كفرج النساء يولج فيها سفهاء الملاحين، فإن كان هكذا فيلزم الغسل بالإيلاج فيها
فرع
إذا وطئ ميتة قد ذكرنا أنه يلزمه الغسل، وتفسد به العبادات، وتجب به الكفارة، ولا يلزم به المهر إن كان شبهه م ولا حد إن كانت زوجته للشبهة، وإن كانت أجنبيه هل يلزمه الحد لأنه بمحض تحريمه وهل يعاد غسلها؟
قال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان والصحيج عندي أنه يعاد.
فرع آخر
إذا جامع المجبوب امرأة أن تغيب مقدار الحشفة يلزمه المغسل إلا بلا غسل عليه.
فرع
لو أولج في دبر. خنثى مشكل يلزمه الغسل، وإن أولج. في فرجه فلا غسل، ولا وضوء
عليه، لجواز أن يكون خلقة زائدة من الرجل، وإن. أولج خنثى في دبر خنثى فلا غسل على: واحد منهما؛ لأنا لا نعلم أن الواطئ رجل، وعلى المولج فيه الوضوء بخروج الخارج منه.
فرع
لو لف على ذكره خرقة وأولج فيه ففيه وجهان: أحدها: يلزمه الغسل كما لو كان الذكر [١٢٣ ب/١] مستورا بالجلدة. والثان: وهو الصحيح واختاره الإمام الحناطي لا يلزمه الغسل؛ لأنه يصير مولجًا في خرقة، ولأن ذلك. مانع من وصول اللذة. وقال أبو الفياض من أصحابنا: وهو اختيار القاضي الإمام الحسن ﵀ إن كانت الخرقة رقيقة لينة لا تمنع اللذة، فإنه يلزمه الغسل، وعنى هذا الخلاف هل يفسد به الحج أم لا؟
فرع آخر
لو استدخلت ذكرا مقطوعًا هل يلزمها الغسل؟ وجهان بناء على الوجهين في مس الذكر المقطوع، ويجب عليها الغسل باستدخال ذكر الميت والبهيمة بلا خلاف بين أصحابنا
стр. 146
مسألة [قال]: ((وإن أنزل الماء الدافق معتمدًا أو نائمًا))
الفصل
وهذا كما قال: الغسل يجب على الرجل بخروج المني منه سواء كان في حال نومه، أو في حال يقظته، عامدًا أو غير عامد؛ بشهوة أو بغير شهوة للخبر الذي ذكرنا، وكذلك يجب الغسل على المرأة به، لما روي أن أم سليم أم أنس بن مالك ﵄ قالت: يا رسول الله هل على إحدانا غسل إذا هي احتلمت؟ فقالت أم سلمة: فضحك رسول الله، فضحكت النساء أو تحتلم المرأة؟ فقال النبي ﷺ ((تربت يمينك فيم يشبه الرجل أخواله إذا ثم قالت: إذا غلب ماء الرجل ماء المرأة كان الشبه للأعمام، وإذا غلب ماء المرأة ماء الرجل كان الشبه للأخوال. ثم قال لأم سليم: ((نعم إذا رأت الماء)) [١٢٤ أ/١ [.
وقال أبو حنيفة: إذا خرج من غير شهوة لمرضى أو برد لا يلزمه الغسل وبه قال مالك، وأحمد، وهذا غلط لظاهر الخبر، ولأنه مني خرج من مخرجه المعتاد فاشبه إذا خرج شهوة.
فإذا تقرر هذا فإن صفة ماء الرجل ثخين أبيض له رائحة كرائحة الطلع، أو عجين الدقيق، رطبا ورائحة الييض يابسًا، وقد يتغير لعلة فيخرج رقيقًا أصفر، أو يجهد نفه قي الجماع فيتلون إلى حمرة كماء اللحم، نعرف بالرائحة أبدًا، وبأنه يورث اللذة عند خروجه، نعقبه فترة الأول، وهذا أظهر دلائله.
وماء المرأة أصفر رقيق ورائحته مثل رائحة مني الرجل، وقيل: الماء يشبه رائحته رائحة الطلع، لأن النخلة خلقت من طينة فضلت من التربة التي خلق منها آدم ﵇ ولهذا قال: ((أكرموا عماتكم)) وهي النخيل. والمني مشدد لا غير، وإنما سمى منيًا لأنه يمني - أي يراق، وسمى منيًا بهذا الاسم لما يراق بها من الدماء. يقال: مني الرجل وأمنى، والمذي يشدد يخفف والتخفيف أكثر، يقال: مذي وأمذى.
وروى أن النبي ﷺ قال: ((في السوعاء الوضوء)) قال الإمام أبو سليمان الخطابي في غريب الحديث أراد به المذى، والودي مخفف يقال: ودى الرجل ولا يقال: أودى.
فرع
لو أنزلت المرأة المنى إلى فرجها، فإن كانت بكرًا فلا غسل، وإن كانت ثيبًا. يلزمها الغسل [(١٢٤) ب/]؛ لأنه يلزمها تطهير داخله في الاستنجاء فجرى مجرى عضو الظاهر
стр. 147
ذكره في ((الحاوي)).
الفرع
لو انكسر صلب رجل فخرج منه المني دون الذكر، ففيه وجهان، وهذا إذا: كان منيًا مستحكمًا.
فرع
لو استدخلت مني الرجل ثم ألقته من فرجها فإنه لا يلزمها الغسل.
وقال الحسن البصري: يلزمها الغسل كما لو أنزلت ماء نفسها. قال القفال: وهو وجه لأصحابنا، وهذا غلط؛ لأنه ليس من مائها فأشبه إذا استدخلت دواء فألقته.
فرع
إذا جامعها فاغتسلت ثم خرج مني الرجل من فرجها. قال أصحابنا: يلزمها الوضوء ولا غسل، وصورته أن تكون صغيرة. لا ماء لها، أو علمت المرأة أنها لم تنزل، فإن أنزلت عقيب الإيلاج وفارقها، فإن كان, الزمان امتد فالغالب أن منيها اختلط بمني الرجل فيلزمه الغسل ثانيًا.
فرع آخر
إذا انتقل المني عن ظهره وثم يطهر لا يلزمه الغسل. وقال أحمد: يلزمه الغسل؛ لان الشهوة قد حصلت، وهذا غلط لما روى عن رسول الله ﷺ أنه قال لعلي- ﵁ ((إذا أفضحت الماء فاغتسل))، والفضح: ظهوره. ولا ما تتعلق به الطهارة يعتبر طهوره
كالبول ونحوه، وما ذكره من الشهوة لا نسلم اعتبارها، ثم الشهوة لا تعلم إلا بخروجه.
فرع آخر
إذا أمذى لا يجب عليه الوضوء [١٢٥ أ/١] وغسل موضع المذي.
وقال أحمد: يلزمه غسل الذكر والأنثيين، وحكى عن مالك أنه يلزمه غسل الذكر لما روى في خبر علي ﵁ حين سأل المقداد رسول الله ﷺ عن المذي فقال: ((يغسل ذكره وأنثييه ويتوضأ)). وهذا غلط لما روينا أنه قال: ينضح على فرجه ويتوضأ، ولأن هذا خارج لا يوجب غسل جمع البدن فلا يوجب غسل مالم يصبه من الذكر كالبول.
وأما خبرهم فإنه تفرد بروايته هشام بن عروة نحمله على الاستحباب.
فرع آخر
لو رأى في النوم أنه يحتلم ولم ير في ثوبه آثره فلا غسل عليه، نص عليه في
стр. 148
((الأم)) فقال فيه: فإن وجد في ثوبه منيًا ولا يعلم أنه منه أو من غيره فلا غسل عليه. قال أصحابنا: وهذا مثل أن ينام في الثوب هو وغيره ممن يمني أو ينام إلى جنبه من يمني، وإن كان الثوب لا ينام فيه غيره فوجد فهو منه يقينًا فعليه الغسل، ويقضي الصلاة لأقرب نومة نامها، والاحتياط أن يقضي الصلوات من الوقت، الذي لا يشك أن الاحتلام كان بعده. وقال الشافعي في المسألة الأولى، يستحب له أن يغتسل، وهذا حكم من رأى بثوبه نجاسة ولا يدري متى أصابته.
فرع آخر
لو شك مما خرج منه فلا يدري انه مني أو مذي، فإن كان توضأ وصلى في ثوب آخر
ولم يغتسل [١٢٥ ب/١] جازت صلاته، وإن اغتسل وصلى في هذا الثوب ولم يغسل ثوبه جاز أيضًا لاحتمال أنه مني، فإن غسل الثوب وتوضأ وصلى فيه يجوز أيضًا لاحتمال أنه كان مذيًا.
قال القفال: وهل يجب الترتيب في هذا الوضوء؟ وجهان. وكان يقول: لو أدخل خنثى ذكره في دبر رجل فعلى المفعول به أحد أمرين، إما وضوء مرتب أو غسل، فلا يجب الترتيب في هذا الوضوء؛ لأنه مشكوك فيه، ثم رجع عن هذا فالذهب وجوب الترتيب، فإن
لم يغتسل وصلى في هذا الثوب قبل غسله بعدما توضا لا تجوز صلاته؛ لأنه ترك يقين الطهارة من غسل أو غسل ذلك الثوب هكذا ذكر عامة أصحابنا. وهذا لأنه مخير بين أن يجعله منيًا فيجب الغسل منه فقط، أو يجعله مذيًا فيجب الوضوء منه وغسل الثوب منه لاحتمال الأمرين احتمالًا واحدا- وقال بعض أصحابنا: يلزمه الوضوء فقط فلا غسل للشك، ولا يلزمه غسل الثوب بجواز, أن يكون منيًا، ففيه شك أيضا ذكره في ((الحاوي)) وقطع بهذا.
وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، ﵀: عندي أنه يجب أن يتوضأ مرتبًا ويغسل سائر بدنه ويغسل الثوب منه؛ لأنا إن جعلناه منيا أو جنبًا غسل ما زاد على أعضاء الوضوء بالشك والأصل عدمه، وإن جعلناه مذيًا أو جنيًا غسل الثوب والترتيب] ١٢٦ أ/١] في الوضوء بالشك، والأصل أعدمه وليس أحد الأصلين أولى من الأخر، ولا سبيل إلى إسقاط حكمها؛ لأن الذمة قد اشتغلت بغرض الطهارة والصلاة والتخيير لا يجوز؛ لأنه إذا جعله مذيًا لم يأمن، أو يكون منيًا فلم يغتسل له، فإن حوله منيًا لم يأمن أن يكون مذيًا ولم يغسل الثوب منه ولم يرتب الوضوء منه، فوجب أن يجمع بينهما لسقط الفرض بيقين وهذا أحسن، ولكن الأصح عندي الأول، وذلك أنه إذا اختار أحد الأمرين وفعل فقد صار الثاني مشكوكًا في وجوبه، والأصل أن لا وجوب فلا يكلف ذلك اعتبارًا لليقين لا يزال بالشك.
стр. 149
فرع أخر
قال في ((البويطي)): يكره للجنب أن ينام حتى يتوضأ لما روى أن عمر ﵁ قال: يا رسول الله أيرقد أحدنا وهو جنب؟ قال: ((نعم إذا توضأ أحدكم فليرقد)
وروى: ((اغسل ذكرك وتوضأ ثم نم)) وقال صاحب الإفصاح: إذا أراد أن يأكل أو يشرب أو يطأ يتوضأ أيضًا لانه يستحب هذا للحائض لأن الوضوء لا يؤثر في حدثها ويؤثر في حدث الجنابة لأنه تحققه إيزيله عن أعضاء الوضوء وهو نظر ما. روى أن النبي ﷺ لرد السلام)) مع وجود الماء.
فرع أخر
ذات الجفاف هل يلزمها الغسل؟ وهي أن تلد ولا ترى الدم فد ذكرنا أنه يجب، وبه قال مالك، وقيل: فيه وجهان:
أحدهما: لا يجب الغسل وهو قول [(١٢٦) ب/ [أبي حنيفة؛ لأنه جامد كالحصاة.
والثاني: يجب وهو الصحيح، فإن خرج منها ولد فاغتسلت ثم ولدت آخر أعادت الغسل للولد الثاني، فعلى هذا هل تغتسل حال وضعها أو بعد مضي ساعة وجهان بناء على أن أول النفاس محدود بساعة أم لا؟ وعلى هذا لو كانت الولادة في رمضان هل يبطل صومها؟ فإن قلنا: لا غسل عليها فهي على صومها، وإن قلنا: يلزمها الغسل بطل صومها، ذكره صاحب ((الحاوي)) وعندي أنه لا يبطل صومها بكل حال قال: لأنها مغلوب عليها كالأخت لأم. وقيل: يجب الغسل على الرجل بشيئين وعلى المرأة بخمسة أشياء التقاء الختاتين وإنزال الماء وخروج دم الحيض والنفاس والولد.
قال: ((وقبل البول وبعده سواء)) وهذا كما قال قصد به الرد على مالك، لأنه قال: إذا اغتسل الرجل عند خروج المني مرة ثم خرج منه المني مرة أخرى، فإن كان ذلك قبل البول فهو من بقية المني الأول في قضيبه فلا غسل عليه ثانيًا، فإن كان بعد البول فهو مني جديد يلزمه الغسل ثانيًا.
وقال صاحب ((الحاوي)) هذا مذهب الأوزاعي وعند مالك والثوري لا يلزمه إعادة
الغسل بعد الإنزال الثانى قبل البول وبعده؛ لأنه بقية المنى الأول الذي اغتسل له وسببهما واحد. وبه قال أبو يوسف وأحمد وإسحاق، وقال أبو حنيفة: إن كان [١٢٧ أ/١] قبل البول يلزمه الغسل؛ لأنه بقية ما خرج بشهوة وبعد البول إذا خرج فلا غسل عليه؛ لأنه خرج بغير شهوة. وحكى هذا عن الأوزاعي، وعندنا يلزمه الغسل بكل
стр. 150
حال؛ لأن موجب الغسل الإنزال وهو ظهور المني وقد وجد ذلك.
فرع
قال في ((الأم)): ((وإذا أسلم الكافر أحببت له أن يغتسل ويحلق شعره، فإن لم يفعل
ولم يكن جنبًا أجزأه أن يتوضأ ويصلي)) وإن كان قد أجنب واغتسل ثم أسلم فعليه أن يغتسل، وغسله في حال شركه لا يجزيه؛ لأن من شرطه النية، والكافر لا نية له، ومن أصحابنا من قال: يصح غسله في حال كفره ولا تجب عليه الإعادة؛ لأن الشافعي ﵀ نص على أن الذمية إذا اغتسلت من الحيض يحل للزوج وطئها. وقد تقدم الكلام فيه.
وقال مالك وأحمد، وأبو ثور، وابن المنذر،: يلزم الغسل بإسلامه وأن لم يكن جنبا.
واحتجوا بما روى: أن كافرا اسلم فقال له رسول الله ﷺ : "الق عنك شعر الكفر واغتسل". وروى أن قيس بن عاصم، وثمامه بن اثال: اسلما فأمرهما رسول الله ﷺ بالغسل وهذا غلط لان العدد الكثير من الكفار اسلموا ولم يأمرهم بالغسل ولو أمر لنقل نقلا ظاهرا، ويحمل الأمر لجماعه معدودين على الاستحباب؛ ولأن الإسلام عباده ليس من شرطها الغسل، فلا يجب لها [١٢٧/ ب [الغسل كالجمعة.
فرع أخر
لو توضأ أو تيمم ثم ارتد عن الإسلام ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: ببطلان وبه قال أحمد؛ لان الردة إذا صادفت عباده أبطلتها وكل عباده تبطل بالحدث تبطل بالردة الصلاة.
والثاني: لا يبطلان؛ لأن الطهارة لا تبطل بالحدث، والردة ليست بحدث، ولأن غسلها من الحيض لا يبطل بردتها، بدليل أن لو أسلمت لا يحرو وطئها حتى يغتسل فكذلك هذا، وجب أن لا يبطل، وهذا أقيس، وتفارق الصلاة لأنها لا تبطل بعد الفراغ منها بالردة، وتبطل بالردة فيها لبطلان النية. فان قيل: أليس الوضوء يبطل بعد الفراغ منه بالحدث فينبغي أن يبطل بالردة في هذه الحالة. وقلنا: لا نقول الوضوء بطل ويفسد بما يحدث، بل يقول: صار محدثا فيحتاج إلى طهارة لهذا الحدث، بدليل أن الجنب إذا تيمم ثم احدث وجب عليه التيمم فلا يحرم عليه قراءه القران، فلو بطل تيممه السابق تحرم عليه القراءة. والوجه الثالث: وهو ظاهر المذهب أنه يبطل التيمم دون الوضوء؛ لأن الوضوء يرفع الحدث فلا يبطل إلا بالحدث، وبالتيمم تستباح الصلاة والردة تمنع استباحتها فبطل بها.
стр. 151
مسألة [قال]: "وتغتسل الحائض إذا طهرت والنفساء إذا ارتفع دمها ".
وهذا كما قال قد قيل لا معنى لتغييره العادة في الحائض والنفساء، إلا النجسين وقيل هو [١٢٨ أ / ١ [إشارة إلى أن دم النفاس لا يتقدر أوله بمنى ارتفع بعد الولادة، وأن قيل يلزمها الغسل، وفي الحائض إذا ارتفع قبل تمام يوم لا يكون حيضا ولا يلزمها به الغسل
حتى تطهر بعد تمام أقل المدة، ومع هذا لو قال: تغتسل الحائض والنفساء إذا طهرتا صح
أيضًا، فإذا تقرر هذا فالغسل من الحيض يجب بخروجه، وفعل الغسل يجب بانقطاعه كظهور البول، فإنه موجب الوضوء وانقطاعه موجب فعله. وقيل: فيه وجهان:
أحدهما: يجب بخروجه وهو المذهب.
والثاني: يجب بانقطاعه وهو اختيار كثير من مشايخ خراسان والصحيح ما ذكرنا.
فرع
لو أصابتها جناية ثم حاضت قبل الاغتسال فلا غسل عليها وهي حائض، فإذا انقطع أجزأها غسل واحد لهما، وكذلك لو احتلمت وهى حائض.
ومن أصحابنا من قال: إذا قلنا: إن للحائض قراءة القرآن تغتسل هي للقراءة وهذا ليس شيء.
باب غسل الجنابة
مسألة: قال الشافعي: ((يبدأ الجنب فيغسل يديه ثلاثًا قبل إدخالهما في الإناء))
الفصل
وهذا كما قال الكلام في غسل الجناية في شيئين، أحدها: في الأفضل. والثاني: في الواجب.
فأما الأفضل فالمستحب أنه يبدأ فيسمى الله تعالى وينوي، ولم يذكر الشافعي هذا ها هنا اكتفاء بما ذكر في الوضوء، ثم يغسل يديه قبل إدخالهما الإناء ثلاثًا، ثم يصب الماء بيمينه] ١٢٨ ب/١] على شماله فيغسل أسافله من الأذى في موضع الاستنجاء وغيره، ثم يتمضمض ويستنشق ثلاثًا ثلاثًا، ويتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يدخل أصابعه العشر في الإناء ويأخذ الماء بها فيشرب أصول شعره من رأسه ولحيته، ثم يحثو على رأسه ثلاث حثيات من ماء، وهو أن يأخذ الماء بكفيه ويحثيه على رأسه مرة ثم مرة ثم مرة، حتى ينحدر كل مرة إلى جسده، ثم أفاض الماء على جسده وأمر يده على جسده حتى يصل الماء إلى شعره وبشره.
قال أصحابنا: ويفيض الماء على شقه الأيمن أولًا، ثم على شقه الأيسر وهذا أحسن،
وقيل كماله في عشرة أشياء: النية واستدامتها إلى إفاضة الماء على جسده,
стр. 152
والثاني: التسمية, والثالث: غسل كفيه قبل إدخالهما في الإناء, والرابع: غسل ما به من النجاسة فالأذى. أراد بالنجاسة. المذي وبالأذى: المني, والخامس: يتوضأ كامًلا. والسادس: يخلل بيد أصابعه أصول شعر رأسه ولحيته, والسابع: بحثي على رأسه ثلاث حثيات من ماء, والثامن: يبدأ بإفاضة الماء على شقه الأيمن ثم الأيسر والتاسع: الدلك, والعاشر: إيصال الماء إلى جميع شعره وبشره.
فظاهر ما قال في " الجديد": أنه يقدم غسل الرجلين على إفاضة لماء على رأسه وهو رواية عائشة, عن النبي ﷺ أنه فعل هكذا, وهذا هو المذهب. وقال في "البويطي" [١٢٩ أ/ ١]: يؤخر غسل الرجلين وينجي عن المكان ثم يغسل رجليه في الآخر. وبه قال أبو حنيفة وهو رواية ابن عباس عن خالته ميمونة أن النبي ﷺ : "اغتسل في بيتها هكذا, قالت: ثم تحول عن مكانه فغسل قدميه وكلاهما جائز بلا أشكال. وأما الواجب: فشيئان: النية, وإيصال الماء إلى جميع البشرة والشعر.
قال في "الأم": "وعليه أن يغسل أذنيه ظاهرهما وباطنهما ويدخل الماء فيما ظهر من الصماخ وليس عليه أن يدخل الماء فيما بطن منه" وليس عليه إدخال الماء في العينين لأنهما باطنان بالجفون, فأعلم أن ههنا شيئان آخران يختلفان باختلاف الحال:
أحدهما: غسل النجاسة, فإن كانت يجب غسلها وإلا لا يجب.
والثاني: وضوءه للصلاة, فإن لم يكن أحدث, مثل أن ابتدأ الإنزال بالنظر أو الاستنجاء فلا يلزمه الوضوء, وكان مسنونًا في غسله لا فرضًا, وإن كان أحدث قبل الجنابة فيه ثلاثة أوجه معروفة. فإذا قلنا بين الوضوء والغسل فالأولى أن يقدم الوضوء على الغسل, ولو ترك شعرة لم يصبها الماء لا يجوز غسله. وحكى عن أبي حنيفة أنه يجوز غسله. ذكره صاحب"الحاوي" وهذا غلط لقوله ﷺ :"تحت كل شعرة جنابة فبلوا الشعر وأنقوا البشرة" والسنة في الغسل: سنة التسمية وغسل الكفين وتخليل الشعر [١٢٩ ب/ ١]
وإفاضة الماء على الرأس ثلاثًا والبداية الميامن في الدلك.
مسألة: قال: "فإن ترك إمرار يديه على جسده فلا يضره".
وهذا كما قال: قصد به الرد على مالك فإنه يقول: يجب إسرار اليد إلى حيث ينال, وبه قال المزني, واحتج بأنه لا يقال: اغتسل إلا لمن دلك نفسه. وهذا غلط لما روى أن النبي ﷺ قال لأم سلمة. وقد سألت عن غسل الجناية: "إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات من ماء ثم تفيضي الماء على سائر جسدك فإذًا أنت قد طهرت"
стр. 153
ولم يأمر بالدلك. وقال الشافعي:"وفي إفاضة النبي صلى الله عليه وسلمعلى جلده دليل أنه إن لم يدلكه أجزأه". وهذا إشارة إلى الخبر الذي روى أنه ﷺ سئل ن الاغتسال من الجنابة. فقال: "أما أنا فأحثي على رأسي ثلاث حثيات, من ماء, فإذا أنا قد طهرت" ولميذكر الدلك. واحتج الشافعي أيضًا بقوله ﷺ للمتيمم:"إذا وجدت الماء فأمسسه جلدك" ولم يأمر بالدلك.
وتمام الخبر ما روي أن النبي ﷺ كان في بعض الأسفار فصلى جماعة, ثم رأى رجلاً معزولاً عن القوم لم يصل معهم, فقال له: ما لك لم تصل معنا؟ فقال: أصابتني جنابة ولم أجد ماء فقال النبي ﷺ [١٣٠ أ/ ١] " التراب كافيك ولو لم تجد الماء عشر حجج, فإذا وجدت الماء فأمسسه جلدك" ثم بعد ذلك وجد الماء فدعاه النبي ﷺ وقال له: "خذ الماء فاغتسل" ولم يأمره بالوضوء ولا بالدلك وأما قوله: أنه لا يقال: اغتسل إلا لمن دلك, فلنا: لا نسلم ويقال: غسل الإناء من ولوغ الكلب, وغسل يده وإن لم تمر يده فكذلك هذا.
وفي هذا الخبر الذي ذكرنا دليل على أن الوضوء فيه لا يجب خلافًا لأبي ثور وداود, وهو معنى قوله: وفي أمره الجنب المتيممم إذا وجد الماء اغتسل ولم يأمره بوضوء دليل على أن الوضوء ليس بفرض.
مسألة: قال: "فإن ترك الوضوء للجنابة والمضمضة والاستنشاق" فقد أساء ويجزيه ويستأنف المضمضة والاستنشاق.
وهذا كما قال. وقصد به الرد على أبي حنيفة وأبي ثور, وقد ذكرنا مذهبهما, ثم أنه قال: ويستأنف المضمضة والاستنشاق" ولم يقل ويستأنف الوضوء لأمرين:
أحدهما: أن الشافعي عرف الخلاف في وجوب المضمضة والاستنشاق, فندب إليهما الاحتياط في الخروج من الخلاف, ولم يعرف مثل ذلك في الوضوء؛ لأن أبا ثور إنما ظهر مذهبه بعد الشافعي.
والثاني: أن سائر الأعضاء سوى الفم والأنف صارت مغسولة في جملة الاغتسال, فلا معنى لاستئناف غسلها بعد الفراغ بخلاف الفم والأنف, ولأنهما عضوان يتغيران عند طول العهد بالماء فأمر باستئنافها لهذا المعنى, ثم احتج على أبي حنيفة خاصة فقال: "وقد فرض الله غسل الوجه من الحدث كما فرض غسله مع سائر البدن من الجنابة" فإذا لم تجب [١٣٠ ب/ ١] المضمضة والاستنشاق في
стр. 154
الوضوء كذلك في الجنابة, وهذا قياس الغسل على الوجه بعلة أنه طهارة فرض فيها غسل الوجه من الحدث.
مسألة: قال: "والمرأة في غسلها كالرجل".
وهذا كما قال. ذكر الشافعي بعد غسل الرجل غسل المرأة وذكر في غسلها زيادة, وهب أنها تحتاج من غمر ضفائرها أكثر ما يحتاج الرجل. أعني الرجل الذي لا ضفائر له. فأما إذا كان له ضفائر أو لحية طويلة كثيفة فحكمه حكمها, ولابد من اتصال الماء في الجنابة إلى أصول شعرهما. والضفائر والدواب واحد, وهو أن تضفر شعر رأسها- والصفر: هو الفتل-ثم فيه ثلاثة مسائل:-
إحداهما: أن يكون الشعر خفيفًا والضفر سهلاً لا يمنع وصول الماء إلى كل الشعر والبشرة التي تحنه, فلا يحتاج إلى نقض ضفائرها ويجزيها أن تغمرها بقدر ما ترى أن قد وصل الماء إليها. وحكى عن النخعي أنه قال: يلزم نقضها على كل حال. وهذا غلط لما روى عن أم سلمة- ﵂ أنها قالت: يا رسول الله إني امرأة أشد ضفر رأسي أفأنفضه للغسل من الجنابة فقال: "لا يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات" الخبر.
والثانية: أن يكون كثيفًا والضفائر قوية ملبدة لا يصل الماء إلى باطنها إلا بنقضها, فإنه يلزمها نقضها وغسلها.
وحكى عن مالك أنه قال: "لا يلزمها ذلك [١٣١ أ/ ١] ويجوز غسلها, وإن لم يصل الماء إلى داخل الضفائر. واحتج بما روى جابر أن النبي ﷺ قال: "لا يضر المرأة الجنب ولا الحائض أن لا تنقض شعرها إذا أصاب الماء شؤون الرأس" وروى شؤن الرأس الشك من الراوي وشؤن الرأس أعلاه وأيضًا خبر أم سلمة الذي ذكرنا قلنا: إنما ذكر ذلك على غالب الحال أنه يصل الماء إليها دون النقص بدليل قوله ﷺ "تحت كل شعرة جنابة" الخبر والثالثة: أن يكون الشعر محشوًا فتكون كالضفائر, فإن كان ثخينًا يمنع وصول الماء فعليه إزالته وتسريحه حتى يزول الحائل ثم يصل الماء إليها, وإن كان الحشو رقيقًا مثل الدهن ونحوه, فإن ذلك لا يمنع وصول الماء إليه فلا يلزمه نقضه وتسريحه, وإن كان الشعر طويلاً فعليه لطوله نص عليه في"الأم".
وحكي عن أحمد أنه قال: "الحائض تنفض شعرها بخلاف الجنب لما روى أن
стр. 155
النبي ﷺ قال للحائض: "خذي ماءك وسدرك وأمشطي" وقال لأم سلمة: "أفيضي الماء" وهذا غلط لأنه موضع من البدن فاستوي فيه غسل الحائض والجنب كسائر الأعضاء, وليس بين الخبرين اختلاف؛ لأن ذلك على الاستحباب بدليل أن السدر والمشط لا يجب, وأم سلمة سألته عن الجواز [١٣١ ب/].
فرع
لو كان في شعرها عقد كان جدي- ﵀ يفتي أنه لا يجوز الغسل حتى تقطع تلك العقد وتغسل. وإن كان قد صلى يلزمه إعادة الصلاة ورأيت في تصنيف الإمام أن أبي محمد الحويني أنه لا يلزمه قطعها ويجوز الغسل, وهو الأصح عندي؛ لأن تلك العقدة لا يتوهم انحلالها, فهي كالتصاق الأصبع بالأصبع والتحامه, ولأن الماء يتخلل الشعر عند إصابة الماء.
فرع آخر
إذا كان مقطوع الأذن والشفتين هل يجب غسل ما ظهر بالقطع في الجنابة والوضوء؟ وجهان:
أحدهما: لا يجب لأن إيصال الماء إلى بعض الموضع كان ممكنًا قبل القطع, ولم يوجب لكونه باطنًا بأصل الخلقة فلم يجب بعد القطع أيضًا.
والثاني: يجب, لأن الموضع تغير عما كان وصار ظاهرًا, وعندي هذا هو المذهب والوجه الأول خطأ.
فرع آخر
إذا لم يكن مجنونًا هل يلزم إيصال الماء في الجنابة إلى ما تحت القلفة وجهان: أحدهما: يجب لأن تلك الجلدة هي مستحقة الإزالة.
والثاني: لا يجب لأن الجلدة هي في حكم الغسل لم يجعلها كالمعدوم, ولهذا لو غسل الباطن وترك الظاهر لا يجزيه, فإذا تعلق الغسل بظاهرها فما تحتها باطن بأصل الخلقة فلم يجب إيصال الماء إليه. والأول أصح عندي.
فرع آخر
قال بعض أصحابنا: يجب على الثيب غسل الباطن [١٣٢ أ/ ١] الفرج في غسل الحيض, لأن الدم نجاسة أجنبية يمكن إزالتها, وأما في غسل الجنابة إن قلنا رطوبة الفرج نجسة فلا يجب, لأن الغسل لا يفيد فائدة.
وإن قلنا: الرطوبة طاهرة ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجب لأن الموضع باطن بأصل الخلقة.
والثاني: يجب لأن الموضع تغير عما كان وصار ظاهرًا, وعلى هذا يلزمها أن تغسل
стр. 156
القذر الذي يظهر من باطن فرجها إذا قعدت على رجليها, مثل ما تقعد لقضاء الحاجة, وما زاد لا يجب لأنه بقي باطنًا كما كان.
فرع آخر
هل يجب على السيد أن يشتري الماء للوضوء والغسل من الحيض والجنابة؟ وجهان أحدهما: تجب لزكاة الفطر, والثاني: لا يجب لأن له بدلاً وهو التيمم, وفي الزوجة قيل
حكمها حكم المملوك وقيل: لا تلزمه لغسل الحيض والنفاس, لأنه من مؤنة التسليم, أو لا يمكنها التسليم إلا بذلك. والتسليم واجب عليها فيلزمها مؤنته [١٣٢ ب/ ١].
مسألة: قال: ولما أمرها رسول الله ﷺ بالغسل من الحيض قال:"خذي فرصة من مسكٍ.
الفصل
وهذا كما قال تمام الخبر [أن] امرأة سألت رسول الله ﷺ عن الغسل من الحيض فعلمها ثم قال في الآخر: "خذي فرصة من مسك فتطهري بها" فقالت: كيف أتطهر بها فاستحيي منها رسول الله ﷺ فأعرض عنها وقال: "سبحان الله, تطهري بها". وروى: "ويلك تطهري بها" قالت عائشة: فاجتذبتها وعرفتها الذي أراد فقلت: تتبعي بها أثر الدم.
قال الشافعي: هذا زيادة في غسلها من الحيض على الغسل من الجنابة, وهو مستحب لإزالة الرائحة الكريهة, وإنما توصل هذا إلى الموضع الذي يجب عليها إيصال الماء إليه من باطن فرجها ولا يجب ذلك.
وروى: "فرصة ممسكة": يريد قطنة ملطخة بالمسك مطيبة بها.
وروي: "جدي فرصة فتمسكي بما" يعني تطيبي بها من المسك. والفرصة هي القطعة من كل شيء. وقيل: هو التمسك باليد. وقال أبو عمرو: فرصة أبو عمرو: فرصة من مسك: هي المسك المعجون بالمسك يكون عند نساء المدينة, فإذا كان فيها مسك سميت فرصة بالفاء مكسورة, وإن لم يكن فيها مسك سميت سكيكة. وقال أبو عبيدة: إنما هو فرصة من مسك بالقاف مضمومة [١٣٣ أ/ ١] وفتح الميم: أي قطعة من جلد لتنقي آثار الدم والرواية المشهورة ما ذكرنا. فإن كانت رواية أبي عبيدة صحيحة لم يمتنع أن يجمع بين الأمرين, فيكون الجلد لتتبع الدم وإبقاء آثاره, والمقصود من المسك أن به رائحة الدم فتعمل لذة الدفع, وقيل: المقصود أنه يسرع إلى علوق الولد, فإن عدمت المسك فمن قال بالأول قال: يستعمل خلقة في طيب الرائحة, ومن قال بالثاني قال: يستعمل ما يقوم في إسراع العلوق من القسط والأظفار, وهل هو قبل الغسل أو بعده, من
стр. 157
قال بالأول قال بعده, ومن قال بالثاني أمر فبله, ثم قال في"المختصر" قال الشافعي: فإن لم يجد مسكًا وطيبًا أي غيره من الطيب.
وقيل: قرئ فطينًا- يعني أن لم يكن مسك ولا غيره من الطيب فيستعمل الطين فإن لم يجد فالماء كاف أي يكفي في التطهير ولا حاجة إلى غيره.
قال أصحابنا: ونظيره الصائم يفطر بالتمر استحبابًا, فإن لم يجد فبحلاوة سوى التمر, فإن لم يجد فالماء كافٍ. وقيل: الطين بالنون لا يصح؛ لأن الشافعي بينه في "الأم" فقال: " فإن لم يكن مسك فطيب ما كان إتباعًا للسنة ولم يذكر الطين ولو لم يفعل ما ذكرنا وانغمست في ماء برأ وأتى الماء على شعرها وبشرتها أجزأها.
فرع
قال في "البويطي": وأكره للجنب أن يغتسل [١٣٣ ب/ ١] في البئر معينة كانت أو دائمة, وفي الماء الراكد قليلاً أو كثيرًا والبول فيه, لما روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا يبولن أحدكم في الماء الراكد ثم يغتسل فيه" ولو وقف تحت مطر حتى أتى الماء على شعره وبشره أجزأه, وإن كان ذا غضون في رأسه أو جسده فعليه أن يغلغل الماء في غضونه حتى يدخلها.
مسألة: قال: "وما بدأ به الرجل والمرأة في الغسل أجزأهما".
وهذا كما قال: أراد به أنه لا ترتيب في الغسل بخلاف الوضوء لأنه جملة واحدة بخلاف الوضوء.
وقال بعض أصحابنا: إنما يستحق أن يبدأ برأسه. وقال إسحاق: تجب البدأة في الغسل بأعلاه البدن.
مسألة: قال: وإن أدخل الجنب أو الحائض أيديهما في الإناء ولا نجاسة فيهما لم يضره".
وهذا كما قال أعضاء المحدث والجنب والحائض هي طاهرة, لما روى أن النبي ﷺ قال لعائشة- ﵂ "أنا وليني الخمرة من المسجد" فقالت: أنا حائض فقال: "ليست حيضتك في يدك". وروى أنها كانت تغسل رأس رسول الله صلى عليه وسلم وهي حائض.
وروي عن أبي ذر- ﵁ قال: لقيني رسول الله ﷺ وأنا جنب فسلم علي
стр. 158
وأراد أن يصافحني فقبضت عنه يدي وذهبت فاغتسلت [١٣٤ أ/ ١] ثم أتيته فقلت: يا رسول الله ما منعني من مصافحتك إلا إني كنت جنبًا. فقال: "ليست الجنابة في اليد أما علمت أن المؤمنين إذا تصافحا تحاتت ذنوبهما كما يتحات ورق الشجر".
وهذا إذا أدخل يده ليعرف حرارة الماء وبرودته, فإن أدخلها فيه بنية الغسل الواجب وأخرج, فإنه يصير الماء مستعملاً لا يصلح الطهور.
وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: إن أدخل رجله في ماء قليل نجس الماء, وكذلك في ماء ثان, فإن أدخلهما في ثالث لم ينجس, ولو أدخل يده لم ينجس لأنه يحتاج إلى إدخال يده دون رجله. وحكي هذا عن أبي يوسف وهو الأصح, وهو غلط؛ لأنه لا فرق بين اليد والرجل في حكم النجاسة.
فرع
لو نجس بدون الجنب كله فاغتسل غسلاً واحدًا طهر من نجاسته, وهل يطهر من جنابته؟ وجهان:
أحدهما: طهر لأن الماء لاقاهما في حالة واحدة, وليس ارتفاع أحدهما أولى من الآخر.
والثاني: لا يطهر حتى يغتسل ثانيًا لأن ماء الغسل الأول صار بملاقاة النجاسة مستعملاً فيها, وما استعمل في النجاسة لم يرتفع بع حدث الجنابة.
فرع
لو قلب الجنب الماء على رأسه وظهره نجاسة فأزالها. فإن قلنا: إن الماء المستعمل في الحدث يصلح لإزالة النجاسة نحكم بطهارة المحل, ولكن لابد [١٣٤ ب/ ١] من غسل ذلك الموضع كرة أخرى للجنابة في أحد الوجهين؛ لأنهما فرضان مختلفان. وإن قلنا: الماء المستعمل في الحدث لا يصلح لإزالة النجاسة فهل نحكم بطهارة الموضع؟ وجهان:
أحدهما: نحكم به لأن الماء قائم على المحل, وإنما يثبت له صفة الاستعمال بعد الانفصال.
والثاني: لا نحكم به, لأنا لا نجعل الماء مستعملاً في حكم الجنابة للحاجة, فإنا لو قلنا بخلافه لاحتاج كل جزء من بدنه إلى ماء جديد, وهذه طهارة أخرى, فيكون الماء مستعملاً في حكمها, فعلى هذا لابد وأن يغسل الموضع عن النجاسة ثم يغسلها مرة أخرى عن الجنابة؛ لأن بقاء النجاسة على الموضع يمنع ارتفاع الجنابة عنه بالماء الأول.
فرع آخر
لو أدخل يده في إناء بنية الغسل من الجنابة ليقلب الماء على رأسه, فالمذهب أن الجنابة ترتفع عن يده ويصير الماء في الإناء مستعملاً, والذي على اليد
стр. 159
غير مستعمل, فإن قلب على رأسه لم ترتفع الجنابة؛ لأنه انفصل عن اليد فصار مستعملاً, وفيه وجه آخر أنه لا يصير الماء مستعملاً لأنه لا يقصد بإدخال اليد فيه غسل اليد من طريق العادة, بل يجعل يده آلة لنقل الماء على رأسه فيصير كمن أدخل يمينه في الإناء قاصدًا أن يكون يمينه آلة يقلب الماء بها على رأسه, لا يصير الماء مستعملاً فعلى هذا لا تصير اليد [١٣٥ أ/ ١] مغسولة إلا أن بمفردها أو يمر عليها الذي قلب منه على رأسه, وهكذا الحكم في الحدث إذا أدخل يده في الإناء بعد غسل الوجه.
باب فضل الجنب وغيره
قال: أخبرنا مالك وذكر الخبر. وهذا كما قال: اعلم أن هذا الباب يشتمل على مسألتين:
إحداها: جواز التوضئ بفضل وضوء الغير, وهو على ضربين؛ مستعمل, وغير مستعمل فالمستعمل له باب يأتي, وأما ما فضل في الإناء فهو طاهر يجوز التوضئ به, سواء فضل عن الرجل أو عن المرأة, ويجوز لكل واحد منهما أن يتوضأ بفضل صاحبه, ولا فرق بين فضل الوضوء وبين فضل الغسل. وروي عن أحمد أنه قال: "لا يجوز أن يتوضأ الرجل بفضل وضوء المرأة إذا خلت به" وبه قال إسحاق, وعنه رواية أخرى أنه يكره ذلك, وذكر أصحابنا بخراسان عنه أنه قال: يجوز لكل واحد منهما استعمال ما فضل في الحالة التي تستعمله, حتى لو أن جنبيين يغتسلان من إناء واحد جاز. فأما إذا استعملت وبقي البعض لا يجوز للرجل استعماله بعد ذلك, وروى الكراهة عن الحسن, وسعيد بن المسيب, وروى عن ابن عمر- ﵄ أنه قال: لا يكره فضل وضوءهما إلا أن تكون جنبًا
أو حائضًا, فإنها إذا [١٣٥ ب/ ١] خلت به قال: لا تقر به.
وحكي عن الشعبي والنخعي أنهما قالا: لا يجوز استعماله بحال, واحتج أحمد بما روى الحكم بن عمرو, أن النبي ﷺ نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة. وهذا غلط لما روى ابن عباس عن ميمونة قالت: أجنبت فاغتسلت في جفنة, ففضلت فيها فضلة, فجاء النبي ﷺ يغتسل منه, فقلت: إني اغتسلت منه, فقال: "الماء ليس عليه جنابة" واغتسل منه. وروي عن ابن عمر- ﵄ أنه قال: كان الرجال والنساء يتوضؤون في زمان رسول الله ﷺ من إناء واحد. وأراد ما روى أنه كان إذ على ذاك على رأس المنبر حجر محفور مثل المهراس يجعل فيه الماء ويتطهر منه الرجال والنساء قبل نزول آية الحجاب. وروي من الجنابة كان يقول: "ابقي لي وأنا أقول:
стр. 160
أبقي لي" وكان صورة الحال أنه كان بينهما سترة وتصل يد كل واحد منهما إلى الإناء.
واحتج الشافعي في أول هذا الباب بحديث أنس بن مالك وتمامة أنه قال أذن بلال يومًا, فرجع رجال إلى دورهم وبقي رجال في المسجد لا يأوون إلى أهل, فأتي رسول الله ﷺ بوضوء يعني [١٣٦ أ/ ١] إناء فجعلوا يشربون إليه فقال: "ما لهم" فقيل: لا ماء معهم, فوضع يده في الإناء حتى رأيته يثني أصابعه من ضيق الإناء, وقال لهم: "هلموا إلى الوضوء المبارك" فرأيت الماء ينبع من تحت أصابع رسول الله ﷺ حتى توضأ الناس من عند آخرهم فقيل له: كم كانوا؟ فقالوا: ما بين السبعين إلى ثمانين. ومعلوم أنهم توضئوا واحدًا بعد واحد, فحصل وضوء بعضهم من فضل بعض.
وأما الخبر الذي احتج به, قال محمد بن إسماعيل البخاري: هذا الخبر لا يصح وهو موقوف, ومن رفعه فقد أخطأ, ثم يحتمل أنه كان فسخ بخبرنا بدليل أن ميمونة قالت: فقلت: "إني قد اغتسلت منه" وهذا يدل على مقدم النهي, أو يحمل على ما استعملته,
وسأل عن أعضائها, ثم ذكر الشافعي الأخبار الدالة على أن بدن الحائض طاهر, فلا يجوز أن يصير الماء الفاضل عنها مهجورًا.
والمسألة الثانية: أنه لا حد لأقل ما يجوز التوضئ به والغسل من الماء. وقال في"الأم": أقل ما يكفي فيما أمر بغسله أن يأخذ الماء ثم يجزيه عليه والمستحب أن لا ينقص في غسله عن صاع, وفي وضوئه عن مد, فإن أمكن بدون ذلك جاز فقد يرفق بالقليل فيكفي ويخرق بالقليل فلا يكفي ويختلف ذلك باختلاف الأبدان".وروى عن النبي ﷺ أنه كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع.
وروي عن [١٣٦ ب/ ١] جابر- ﵁ أنه سئل عن الغسل فقال: يكفيك صاع. فقال رجل: ما يكفيني, فقال جابر: قد كان يكفي من كان خيرًا منك وأوفر منك شعرًا.
وروي البخاري عن عائشة ﵂ أنها قالت: "كنت اغتسل أنا ورسوله الله ﷺ من إناء واحد من قدح يقال له الفرق". قال الشافعي في "الأم" والفرق ثلاثة آصع [يكون ستة عشر رطلاً، وحكي عن محمد أنه قال: لا يمكن المغتسل أن يعم
стр. 161
جميع بدنه بما] قل عن صاع, ولا المتوضئ أن يسبغ أعضاء وضوءه بأقل من مد. ويحكى هذا عن أبي حنيفة. وهذا غلط لما روى عن عبد الله بن زيد أن النبي ﷺ توضأ بثلثي مد وقالت أم عمار: أتى رسول الله ﷺ بإناء فيه ثلثا مد فتوضأ به. وروى أنه كان يتوضأ بما لا يبل الثري من تحته، وهذا إشارة إلى رفقه واستغلاله. وروى أبو أمامة أن النبي ﷺ توضأ بنصف مد. وروى عن عبد الرحمن بن أبي لبيئة سمع سعيد بن المسيب, ورجل من أهل العراق يسأله عما يكفي الإنسان من غسل الجنابة, فقال سعيد: إن لي نورًا يسع مدين
من ماء أو نحو ذلك, فأغتسل به فيكفيني مني فضل, فقال الرجل: إني لأستنثر أتمضمض بمدين من الماء, فقال له سعيد: فما تأمرني إن [١٣٧ أ/ ١] كان الشيطان يلعب بك؟ فقال الرجل: فكم يكفيني؟ فإني رجل كما ترى عظيم, فقال له سعيد: ثلاثة أمداد. فقال: إن ثلاثة أمداد قليل, فقال له سعيد: فصاع, فقل سعيد: إن لي لركوة وقدحًا ما يسع إلا نصف مد أو نحوه, ثم أبول فأتوضأ منه وأفضل فضلاً, فقال عبد الرحمن: فذكرت هذا الحديث الذي سمعته من سعيد بن المسيب لسليمان بن يسار فقال لي سليمان: وأنا مثل ذلك, فذكرت ذلك لأبي عبيدة بن عمار وياسر فقالوا: هكذا سمعنا من أصحاب رسول الله ﷺ وقال بعض أصحابنا: صاع الجنابة ثمانية أرطال وثلث, والمد رطل وثلث.
باب التيمم
قال: قال الله تعالى: ﴿وإن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء:٤٣] الآية.
وهذا كما قال, وجملة ذلك أن التيمم في اللغة: هو القصد فقال: تيممت ثلاثًا: أي قصدته, وكان ابن مسعود- ﵁ يقرأ فأتوا صعيدًا طيبًا.
وقال الشافعي: في "الأم": ولا ينفع اسم الصعيد إلا على تراب ذي غبار.
وقال بعض المفسرين: يقع على التراب وعلى وجه الأرض, وعلى الطريق, والأول أشبه؛ لأن أهل التفسير قالوا في قوله تعالى: ﴿فتصبح صعيدًا [١٣٧ ب/ ١] زلقًا﴾ [الكهف: ٤٠] أي ترابًا أملس وقوله: ﴿طيبًا﴾ أي طاهرًا, وقال سفيان: أراد حلالاً, والأول أشبه, والأصل في التيمم ما روى عن عائشة- ﵂ قالت: كنت مع رسول الله ﷺ في سفر فافتقدت عقدًا لي من جزع ظفار, فسألت رسول الله ﷺ أن يحتبس على ليلته لأطلب عقدي, فاحتبس فأصبح الناس على غير ماء وليس معهم ماء, فأتوا أبا بكر يشكونني فدخل علي ابو بكر ورسول الله ﷺ نائم ورأسه في حجر فقال: يا لكاع حبست رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 162
فأوحى إليه فلما سرى عنه الوحي تلا هذه الآية قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وجُوهَكُمْ﴾ إلى قوله ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء:٤٣] الآية فخرج يقرأ على الناس: فتيمموا وصلوا. وجعلوا يهنون أبا بكر, ويقولون: ما أعظم بركتكم يا آل أبي بكر ما نزلت بكم نازلة إلا كان للمسلمين فيها فسحة. واعلم أن التيمم في الشرع: هو عبارة
عما جعل بدلاً عن الوضوء, والغسل وهو مسح الوجه واليدين بالتراب, وسمي تيممًا لأن القصد فيه إلى التراب شرط، ولا خلاف بين الأمة في جواز التيمم في الجملة, وأنه [١٣٨ أ/ ١] يستوي فيه الجنب والمحدث, وأنه على الوجه واليدين وحدهما, إلا أنهم اختلفوا في مقدار ما يلزمه من مسح اليدين, فقال مالك: تمسح اليدين إلى الكوعين. وبه قال ابن مسعود, وابن عباس, وعكرمة, ومكحول, والأوزاعي, وأحمد, وإسحاق, وداود, وابن جرير الطبري.
ورواه أصحابنا عن علي- ﵁ وقالوا: لا يصح عن مالك هذا المذهب. وحكي عن الشافعي أنه قال في "القديم" رواه أبو ثور, وقال أصابنا: منصوصة في:"القديم كله" خلاف هذا, ولا يصح هذا غير الشافعي فالمسألة على قول واحد, وقيل فيه قولان وليس بشيء. وقال الزعفراني: جعله الشافعي في "القديم" موقوفًا على صحة حديث عمار, وهو أنه قال له رسول الله ﷺ "إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك على الأرض فتمسح بهما وجهك وكفيك". وقد روى عنه خلافه ويديه إلى المرفقين والزيادة أولى. وقال الزهري: يمسح يديه إلى الإبطين والمنكبين وقال ابن سيرين: يضرب ثلاثة ضربات ضربة لوجهه, وضربة لكفيه, وضربة لذراعيه.
وروى عن الأوزاعي, وسعيد بن المسيب, وأحمد، وإسحاق: يضرب ضربة واحدة لوجهه, وكفيه. وعندنا يضرب ضربة لوجهه, وضربة لليدين إلى المرفقين وبه قال عمرو ابن عمر, وجابر, وعلي في رواية- ﵃ والحسن [١٣٨ ب/ ١] ولبشعبي, والليث, والثوري, وأبو حنيفة, وأصحابه. والدليل عليه ما روى أبو أمامة الباهلي- ﵁ أن النبي ﷺ قال: "التيمم ضربتان للوجه, وضربة لليدين إلى المرفقين". وروي أنه ﷺ تيمم فمسح وجهه وذراعيه. ولأنه طهارة عن حدث فيتقدر فرض اليدين فيها إلى المرفقين, كالوضوء, أو عضو له مدخل في التيمم
стр. 163
فيؤتى به على ما يؤتى في الوضوء ظاهرًا كالوجه. وقال الشافعي: ومعقول إذا كان بدًلا من الوضوء على الوجه واليدين, أن يؤتى بالتيمم على ما يؤتى بالوضوء عليه, أي: هو بدل على محل الفرص من الوجه واليدين, بخلاف المسح على الخفين فإنه على سائر المحل, لا على نفس المحل. واحتجوا بما روى
أن النبي ﷺ "تيمم فمسح وجهه وكفيه" ولأن مطلق اليد منصرف إلى الكوع, بدليل قوله تعالي: ﴿فاقطعوا أيديهما﴾ [المائدة:٣٨] وقوله ﷺ : "في اليدين الدية" فأراد إلى الكوع. قلنا: أراد به اليدين إلى المرفقين, والعرب تسمى الشيء باسم بعضه.
وأما القياس فلا يصح لأن ها هنا, تقدم ذكر المرفقين في الوضوء, وأطلق في التيمم, فيحمل المطلق على المقيد, أو بين رسول الله ﷺ مقداره هنا وفي السرقة قدر بالكوع, وفي الدية الحكم للأصابع والكف تابع بخلاف هذا, [١٣٩ أ/ ١] ثم قياس العبادة على العبادة, والطهارة على الطهارة أولى لأنها أقرب وأحوط.
واحتج الزهري بما روى عن عمار بن ياسر أنه لما نزلت آية التيمم ضربوا أيديهم في أرض ومسحوا وجوههم وأيديهم إلى المناكب. وهذا لا يصح لأن هذا فعلهم وخبرنا قول النبي ﷺ , فكان أولي أو صار ذلك منسوخًا بخبرنا.
مسألة: قال: "والتيمم أن يضرب بيديه على الصعيد".
الفصل
وهذا كما قال. والكلام الآية في الممسوح به وما يجوز به التيمم, واختلف الناس فيه على ستة مذاهب, فقال الشافعي: لا يجوز التيمم إلا بالتراب. فأما بغيره من النورة والزرنيخ والكحل والرمل الذي هو دقاق الحجر لا يجوز. وبه قال أحمد, وداود.
وقال أبو حنيفة: يجوز التيمم بكل ما هو من جنس الأرض من التراب والكحل والزرنيخ والصعيد وجه الأرض, ولا يجوز بسحالة الذهب والفضة والنحاس.
قال: وليس من شرط التيمم أن تعلق باليد شيء حتى لو ضرب يده على صخرة صماء فإنه يجوز, وبه قال مالك, وخالفه في ذلك أبو يوسف, ومحمد, وعندنا لابد وأن تعلق باليد منه غبار, وقال مالك: يجوز التيمم بالأرض وبكل ما يتصل بها سواء كان من جنسها أو من غير جنسها, حتى أنه يجوز بالذريرة ونحو ذلك, هكذا روى عنه أبو حامد, وروي عنه مثل قول أبي حنيفة [١٣٩ أ/ ١] إلا أنه زاد فقال: يجوز بالثلج, وقال الثوري,
والأوزاعي: يجوز التيمم بالأرض وبكل ما عليها سواء كان متصلاً بها أو غير متصل كالبلح ونحوه.
وقال أبو يوسف: يجوز بالتراب والرمل خاصة. وقال ابن عباس- ﵁ "لا يجوز إلا بالتراب العذب تراب الحرث" وبه قال إسحاق ابن راهوية وهذا كله غلط لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "جعلت لي الأرض مسجدًا وترابها طهورًا " فخص
стр. 164
التراب, ولأنه ليس بأصل خلقة البشر فأشبه سحالة الذهب, والدليل على إسحاق أن النبي ﷺ : "تيمم من أرض المدينة وهي أرض سبخة".
واحتجوا بما روي أبو هريرة- ﵁ أن رجلاً أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إنا نكون بأرض الرمل, فتصيبنا الجنابة والحيض والنفاس, ولا نجد أربعة أشهر أو خمسة أشهر, فقال النبي ﷺ "عليكم بالأرض" قلنا: رواه المثنى من صباح وهو ضعيف ثم يحمله على رمل يخالطه تراب؛ لأن العرب لا يقيمون في أرض لا نبات فيها, والرمل لا ينب إلا ومعه التراب. فإذا تقرر هذا, فقد ذكر الشافعي أنواع التراب التي يجوز التيمم بها.
فقال: " من كل أرض سبخها ومدرها وبطحائها" والسبخ أرض ملح لا تنبت. والمدر: هو ما جف من طين التراب طيب منبت, والبطحاء: السهل [١٤٠ أ/ ١] من الأرض من مجاري وسيول. وهذا إذا كان هناك تراب تعلق باليد غباره, فإنه لم يكن دق ذلك المكان بشيء حتى يصير ترابًا تعلق باليد غباره. وقال في "الأم": "والبطحاء الغليظة والدقيقة لا يجوز التيمم" بها وأراد به الصلبة التي لا تراب فيها.
وأما الدليل: قال في"الأم": "والكثيب الغليظ لا يقع عليه اسم الصعيد فإن تيمم به جاز" فمن أصحابنا من قال في جواز التيمم بالرمل قولان. قال ابن أحمد, ومنهم من قال وهو الصحيح: لا يجوز التيمم به قةلاً واحدًا كما قال في "الأم". وأراد بما قال في "القديم": إذا خالطه تراب ولم يكن دقاق الحجر خالصًا, ويجوز بتراب الحمأة, والحمأة: المتغيرة الرائحة, وهي طين خلق منتنًا, فإذا جفت وسحقت فإنه يصير ترابًا, ولا يجوز
بالطين الرطب لعدم غباره.
وحكي ابن وهب عن مالك أنه يجوز بناء على أن استعمال التراب في العضو لا يشترط عنده, وربنا يوافقه أبو حنيفة. قال الشافعي في "الأم": ولا يتيمم بالسبخة الثرية وهي الندية بالماء, وهي بالثاء المثلثة, تقول العرب: التقى الثريان إذا التقاء ماء السماء, وماء الأرض.
وقال الشيخ أبو حامد في المدرس التربة أو الندية, وهو مصحف وهذا لأنها كالطين لا غبار لها, فإن لم يجد غيره استجفه على بعض أداته وجسده, فإذا جف حثه ثم تيمم به, فإن خاف فوت الوقت. قال الشافعي: صلى, ثم [١٤٠ ب/ ١] إذا جف الطين تيمم وأعاد الصلاة, ولا يعتد بصلاة صلاها بلا وضوء ولا تيمم وروى عكرمة, عن ابن عباس- ﵁ أنه سئل عن رجل في طين لا يستطيع أن يخرج منه فقال: يأخذ من الطين فيطلى به بعض جسده فإذا جف تيمم به.
стр. 165
فرع
قال في "الأم": وإذا أحال التراب لصنعه فقلبه عن أن يقع عليه اسم صعيد فتيمم به لم يجز, مثل الفضة يريد بها النورة, أو يجعل أجرًا أو فخارًا فيدق ونحو هذا, ولو خرط المرمر حتى يكون غبارًا لم يجز التيمم به, وكذلك القوارير تسحق واللؤلؤ وغيره, والمسك والكافور كذلك, فإن دق الكذان فتيمم به لم يجز, وهو حجر رجو يصير بالدق كالتراب.
فرع آخر
الجص إن كان محرقًا لم يجز التيمم بترابه؛ لأن النار غيرته, وإن لم يكن محرقًا فإنه يجوز, وكذلك الاسفيداج إذا كان له غبار, إلا أن يكون معدنًا في الأرض وليس منها, فلا يجوز, ولا يجوز بالرخام والملح بحال ذكره في "الحاوي".
فرع آخر
الطين الأرمني الصلب الذي يؤكل للدواء يتيمم بترابه جاز.
قال بعض أصحابنا: أراد به إذا لم يطبخ, فإن كان مطبوخًا لا يجوز, وكذلك الطين الذي يحمل من خراسان ويؤكل تسفهًا إن لم يكن مطبوخًا يجوز التيمم بترابه, وإن كان مطبوخًا, قال بعض أصحابنا: لا يجوز التيمم [١٤١ أ/ ١] بترابه؛ لأنه دخلته الصنعة فهو كالأجر. وقال المحققون من أصحابنا: يجوز التيمم بترابه وإن كان مطبوخًا, لأن اسم
الطين والتراب لم يزل عنه, وهذا هو الصحيح. وقطع القاضي الطبري به, ويجوز التيمم من الأرض الأحمر, والأسود والأصفر, والأبيض.
فرع آخر
لو ضرب يده على بعض ثيابه فعلق منه غبار جاز تيممه, ولا فرق بين الأرض والثوب في ذلك. وقال أبو يوسف: لا يجوز. وحكى هذا عن مالك, وهو وجه بعض أصحابنا. وهذا غلط لما روى أن النبي ﷺ ضرب بيده على حائط من حيطان المدينة وتيمم. فدل أنه لا يشترط ضربه على الأرض, ولأن المقصود: هو التراب الذي تعلق بيده, وقد حصل.
فرع آخر
لو وضع وجهه على التراب ومعكه فيه ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز, لأنه مأمور بالمسح. والمسح يكون باليد.
والثاني: يجوز, لأن القصد وجد والآلة لا يعتبر, وهذا أصح عندي ونص عليه فيه الآية.
стр. 166
فرع آخر
لو أخذ الغبار من مهب الريح ومسح به وجهه ففيه وجهان:
أحدهما: يجوز لأن القصد وجد, والتعبد في الأخذ والاستعمال لا في المحل الذي يؤخذ منه التراب.
والثاني: لا يجوز لأنه لو جاز بالتراب الذي يأخذه من الهواء لكان إذا وصل إليه بالوقوف مع النية من مهب الريح يكفي, والأول أصح عندي.
فرع
لو ضرب بيده على ظهر حيوان [١٤١ ب/ ١] فإن كان طاهر العين يجوز, وإن كان كلبَا فإن علم أنه أصابه وهو يابس يجوز, وإن كان علم أنه كان رطبًا لا يجوز, وإن لم يعلم الحال, وفيه وجهان:
أحدهما: يجوز, لأن الأصل طهارة التراب.
والثاني: لا يجوز, لأن الظاهر إن ما صحبه نجس, والأول أصح عندي.
فرع آخر
لو ضرب على بشرة امرأة، فإن كان التراب كثيرًا يمنع وصول يده إلى بشرتها جاز, وإن كان قليلاً فأخذ التراب لوجهه صح, ثم أخذ التراب ليديه بطل مسح الوجه؛ لأن لمسها حدث, وإن حصل في الأول اصطكاك البشرتين لا يجوز التيمم أصلاً؛ لأن الحدث طرئ بعد القصد إلى التراب فلا يصح التيمم به.
فرع
لا يجوز التيمم بتراب نجس, ولا فرق بين أن يكون النجس كثيرًا والتراب يسيرًا, أو النجس يسيرًا والتراب كثيرًا, وليس كالماء الكثير, لأن للماء قوة في دفع النجاسة. وحكي عن داود أنه قال: إن غير رائحة الماء لم يجز, وإن لم يغير جاز, واعتبره بالماء وهذا غلط لقوله تعالى: ﴿فتيمموا صعيدًا طيبًا﴾ [النساء: ٤٣] ولم يرد به ما يستطاب لأنه لا يستطاب, فثبت أنه أراد الطاهر الحلال.
فرع آخر
قال في "الأم": "ولا يتيمم بتراب المقابر لاختلاطه بصديد الموتى ولحومهم" وجملة هذا أن المقبرة, إن كانت منبوشة قد يكرر نبشها فلا يجوز التيمم بترابها لما ذكر من العلة, وإن لم [١٤٢ أ/ ١] يكن تكرر نبشها فإنه يجوز التيمم بترابها, إن شك فيها ففيه وجهان بناء على القولين في الصلاة فيها إذا كانت مشكوكًا فيها: أحدها: لا يجوز لأن الظاهر نبشها, والثاني: يجوز, لأن الأصل الطهارة.
стр. 167
فرع آخر
قال في "الأم": لو أصابته نجاسة ذائبة فطهارته بأن يصب عليه الماء حتى يغمره وظاهر هذا أنه لا يطهر بالشمس ومرور الزمان, وقد ذكرنا فيما تقدم قوًلا آخر, فمن أصحابنا من قال فيه قولان, ومنهم من قال: إنه لا يطهر قولاً واحدًا, وتأويل ما قال في "الإملاء" أنه إذا مضت السنون وجاءت الأمطار عليها, وهذا لأن قوله لا يختلف في النار أنها لا تطهر, فكيف الشمس وهذا التأويل لا يساعد لفظ الإملاء. وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: فتطهر فيصلي عليها ولا يتيمم بترابها وهذه مناقضة.
فرع
لو اختلط بالتراب دقيق أو رماد أو غير ذلك من الطاهرات, فإن كان كثيرًا غلب على التراب وغير لونه أو طعمه أو ريحه فلا يجوز التيمم به, وإن كان مغلوبًا ولم تغير من التراب شيئًا. قال عامة أصحابنا: لا يجوز التيمم به, وهو ظاهر نصه. وقال أبو إسحاق: يجوز التيمم به كالماء إذا خالطه طاهر ولم يغيره, وهذا لا يصح, والفرق أن الدقيق إذا أصاب موضعًا يمنع وصول التراب إليه, والمانع غير الماء إذا أصاب موضعًا لا يمنع [١٤٢ ب/ ١] وصول الماء إليه فافترقا, ولهذا لا ينجس الماء الكثير بوقوع النجاسة فيه بخلاف التراب.
فرع آخر
لو اختلط التراب بماء الورد فتغيرت رائحته به ثم جف يجوز التيمم به, لأن بالجفاف عدم ماء الورد ونفي رائحة المجاورة. ذكره القاضي الطبري وهو على ما قاله صحيح.
فرع آخر
التيمم بتراب مستعمل, هل يجوز, قال أصحابنا: ينظر فيه, فإن تيمم من بقعة واحدة هو وغيره يجوز بلا إشكال, لأن ما أبقى لم يزل يتيمم به فهو كبقية الماء في الإناء. وأما ما يسقط فهو من أعضاؤه ويتناثر منه, فالمنصوص في "الأم" أنه مستعمل وهو اختيار القفال وجماعة. وقال بعض أصحابنا: هذا غير مستعمل فيجوز التيمم به, لأن المستعمل هو الباقي على العضو. وأما الساقط فإنه لم يلاق العضو, وإنما لاقى ما لاقى العضو, وقيل: فيه وجهان ولا معنى له مع النص الذي ذكرنا, ولفظه في "الأم", وإن علق بيديه شيء كثير فمسح به وجهه لم يجز أن يأخذ ما على وجهه فيمسح به ذراعيه. وقال أصحاب أبي حنيفة: يجوز استعمال المستعمل من التراب؛ لأنه لا يرفع الحدث. بخلاف الماء. وهذا غلط, لأنه ارتفع به المنع من الصلاة, فأدى به فرض الطهارة, فلا يجوز أداء الفرض به ثانيًا.
стр. 168
فرع آخر
قال في "الأم": "ولو أخذ التراب من رأسه أو غير ذلك من بدنه فأمره على وجهه جاز؛ لأنه غير [١٤٣ أ/ ١] مستعمل كما لو أخذ من ثوبه.
مسألة: قال: " وينوي بالتيمم الفريضة".
وهذا كما قال النية هي شرط صحة التيمم, وينوي استباحة الصلاة على ذكرنا, ثم إن نوى استباحة النوافل يصلي ما شاء منهما بخلاف الفرائض؛ لأن الفرائض محصورة, فالأمر بالتيمم لكل واحدة منها لا يؤدي إلى المشقة, والنوافل غير محصورة بالأمر التيمم لكل واحدة منها يؤدي إلى المشقة, وإلى أن يترك الناس النوافل. وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قول مخرج أنه لا يصح التيمم لاستباحة النفل أصلاً؛ لأنه لا ضرورة إليه, وقال الشافعي: "وينوي بالتيمم الفريضة" ومعناه فريضة الصلاة, وهذا هو نظير المغصوب إذا استأجر رجلاً لحجة التطوع, هل يجوز؟ فيه قولان, ولا يجوز له أداء شيء من الفرائص به؛ لأن النوافل لا تستبيح الفريضة قولاً واحدًا. وقال أصحابنا بخراسان: فيه قولان أحدهما: هذا, والثاني: نص عليه في الإملاء يجوز له أداء الفريضة به, ذكره أبو يعقوب الأبيوردي, ولم يذكر أصحابنا بالعراق هذا النص أصلاً.
فرع
لو نوى به أداء صلاة فريضة وعينها يجوز له أن يؤديها, وما شاء من النوافل، وفيه وجه أنه لا يجوز أداء النوافل بها وليس بشيء.
فرع آخر
هل له أن ينتفل قبل أداء الفريضة. قال في " الأم" له ذلك وقال في "البويطي" [١٤٣ ب/ ١]: لا يتنفل قبلها ويتنفل بعدها, وبه قال مالك وأحمد, لأن التابع لا يسبق المتبوع, كالعصر لا تسبق الظهر عند الجميع في وقت الظهر, وهذا غلط, لأنها تتبعها في الاستبحة لا في الفعل, ولو كانت تتبع في الفعل لوجب أن يكون عقيب الفريضة خاصة, ولأن ركعتي الفجر تسبق صلاة الصبح وهي تابعة؛ فانتفض ما قاله: ولو نوى به أداء الفريضة والنافلة يجوز له أن يتنفل قبل الفريضة وبعدها قولاً واحدًا.
فرع آخر
لو نوى به رفع الحدث أو الطهارة عن الحدث فيه وجهان:
أحدهما: لا يصح؛ لأنه يرفع الحدث وهو الأظهر.
والثاني: يصح, لأن نية رفع الحدث تتضمن استباحة والتيمم مبيح الصلاة, وإن لم يرفع الحدث.
стр. 169
وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: التيمم يرفع الحدث كالوضوء فتجوز هذه النية.
فرع آخر
لو نوى به استباحة الصلاة مطلقًا فإنه يستبيح النوافل، ويستبيح به أيضًا المصحف، وقراءة القرآن، ووطء الحائض؛ لأن النافلة هي أكد من كلها. وبه قال مالك، وأحمد، ومن أصحابنا من قال هذا إذا قلنا يصح التيمم لصلاة النفل، فإن قلنا لا يصح التيمم لها، فيه وجهان بناء على ما لو نذر أن يصلي كم يلزمه من الصلاة؟ فيه قولان: أحدها: يلزمه ركعتان لأنه أقل من الفرض. والثاني: [١٤٤ أ/ ١] يلزمه ركعة، لأنه أقل ما يتقرب به، فإن حملنا على ركعتين يصح تيممه، وإن حملنا على ركعة لا يصح تيممه، لأنا حملناه على التطوع وذلك لا يصح ههنا، ولو نوى مس المصحف، أو نوى به الجنب قراءة القرآن يصلي به فرضًا، لأنه لم يقصره، وهل يجوز له أن يصلي به النفل؟ فيه وجهان: أحدها: يجزيه، لأن النفل لا يفتقر إلى تعيين النية له.
الثاني: لا يجزيه، لأن نفل الصلاة هو أوكد بما يتيمم له، فلا يستبحه بالتيمم لما هو أخف منه ويستبيح به ما نوى. ومن أصحابنا من قال: التيمم لمس المصحف وحمله يجوز إن كان محتاجًا إليه، فإن لم يكن معه في السفر من يحمله، وإن لم يكن محتاجًا إليه، هل يجوز؟ فيه وجهان والمشهور جوازه. وعند أبي حنيفة: إذا تيمم بنية الصلاة مطلقًا أو مس المصحف يجوز له أن يصلي به الفرض أيضًا، وهو قول مخرج لنا.
فرع آخر
لو نوى به أداء صلاة فريضة ولم يعينها، نص الشافعي أنه يجوز، لأنه قال: "وينوي بالتيمم الفريضة "ولم يشترط التعيين. وقال في "البويطي ": لو تيمم ونوى لمكتوبتين لم تجز إلا الصلاة واحدة، فلو كان التعيين شرطًا لم يجزه لواحدة منهما لأنها لا تتعين. وقال في "الأم " [١٤٤ ب/ ١]: لو تيمم لصلاتي فرضي وصلاهما صحت الأولى دون الثانية. ومن أصحابنا من قال: يلزمه التعيين وهو اختيار أبي إسحاق؛ لأنه لما وجب نية الفرض وجب التعيين كالصلاة، وهذا غلط لأن الأحداث الموجبة للطهارة لا تحتاج إلى تعيينها، لأن الجنب لو نسى الجنابة فتيمم للحدث يجوز، فلم يفتقر إلى تعيين المستباح أيضًا، ويخالف الصلاة لأنها تحتاج إلى تعيين الفرض من النزر، فاحتاجت إلى تعيين الفعل، فعلى هذا إذا نوى صلاة. بعينها له أن يصلي غيرها.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا تيمم لمكتوبتين لا يجوز التيمم أصلًا لشيء منها وجهًا واحدًا، وهو خلاف النص الذي ذكرنا وليس بشيء.
فرع آخر
لو نوى تيممه تيممًا فرضًا هل يصح تيممه؟ قال القفال: فيه وجهان:
стр. 170
أحدهما: يجوز لظاهر قوله: وينوي بالتيمم الفريضة.
والثاني: لا يجوز وتأويل اللفظ: وينوي بالتيمم الصلاة المفروضة. وقيل: لم يقل الشافعي ذه اللفظة، وإنما قالها المزني. فإذا قلنا: يجوز فكأنه لم يزد على استباحة أقل الأمرين، وهو النفل، وهل يصلي به الفرض على ما ذكرنا.
فرع آخر
قال ابن الحداد: لو تيمم للفائتة فلم يصلها حتى دخل وقت الفريضة له أن يصلي صلاة الوقت به، وهذا إذا قلنا: لا يجب تعيين النية. ومن أصحابنا من قال: لا يجوز؛ لأنه يؤدي إلى [١٤٥ أ/ ١] التيمم للفريضة قبل دخول وقتها، وعندنا لا يجوز ذلك، ويمكن أن يجاب، فإنه تيمم للفريضة قبل دخول وقتها فقد تيمم وهو مستغن عن التيمم لها فلا يجوز، وههنا كان محتاجًا إلى التيمم للفريضة الفائتة، فجاز أداء فريضة أخرى به.
فرع آخر
قال ابن الحداد: ولو تيمم لصلاة الفريضة بعد دخول وقتها ثم تذكرنا فائتة، فأراد أن يؤديها به فإنه يجوز أيضًا. قال القفال: هذا صحيح والصحيح في الفرع الذي تقدمه ما قال ابن الحداد أيضًا، ولا معنى للوجه الآخر، ولا يصح الفرق بين المسألتين؛ لأن الفائتة قبل التذكر كصلاة الوقت قبل دخول الوقت، بدليل أنه لا يجوز التيمم للفائتة قبل التذكر، كما لا يجوز التيمم مثل دخول الوقت لصلاة الوقت، فكما جاز أداء الفائتة إذا تذكرها بتيمم نوى به فريضة الوقت، جاز أداء صلاة الوقت بتيمم نوى به صلاة الفائتة قبل وقت الحاضرة ولا فرق.
فرع آخر
لو تيمم للفريضة بعد دخول وقتها ثم نذر الصلاة ففي جواز أدائها بذلك التيمم بدلًا من المنوية وجهان:
أحدهما: لا يجوز لأنه سبق وقت النذر.
والثاني: يجوز وأصله ما ذكر أصحابنا فيمن تيمم لصلاة الفائتة فقبل أن يصليها دخل وقت الحاضرة، هل له أداؤها بذلك التيمم؟ وجهان.
فرع آخر
لو ضرب يده على التراب ليمسح به [١٤٥ ب/ ١] وجهه، فقبل أن يصلي إلى وجهه أحدث، ثم مسح وجهه بذلك التراب لا يصح، لأن القصد إلى التراب هو كالنية، فلا يجوز أن يتقدمه بخلاف ما لو أخذها من الماء ليغسل به وجهه، ثم أحدث، ثم غسل به وجهه جاز، لأن القصد إلى الماء لا يجب، ذكره الإمام الحسين ﵀.
فرع آخر
لو كانت يده ملطخة بالدم وجف ذلك على يده، فضرب يده على التراب ومسح به
стр. 171
وجهه جاز، لأن التراب (طاهر) لم يخلطه بنجاسة.
فرع آخر
نية الجنب، والمحدث، والحائض، والنفساء في التيمم سواء، ولو تيمم قبل البلوغ ينوي به صلاة الفريضة، ثم بلغ هل يصلي به الفريضة؟ قال أهل العراق: لا يجوز له أن يصلي به الفريضة؛ لأنه غير ملتزم الفرض قبل بلوغه، وقال القفال: فيه وجهان.
مسألة: قال: "وَالتَّيمُّم أَنْ يَضْرِبَ بِيَدَيْهِ عَلَى التُّرَابِ ".
الفصل
وهذا كما قال. الكلام الآن في كيفية التيمم، وفيه فصلان:
أحدهما: في الجائز. والثاني: في الأفضل.
فأما الجائز فهو أن يمر التراب على موضع الغسل من وجهه ويديه إلى المرفقين إلا البشرة التي هي تحت الشعر، فإنه لا يجب إمرار التراب عليها، ويجزيه إمرار التراب على ذلك الشعر بخلاف الوضوء، لأن ذلك يشق، والمامور في المسح لا الغسل، ولا فرق في بين الضربة والضربتين والثلاث، ولا بين أن يضرب [١٤٦ أ/ ١] بإحدى يديه أو بإحدى رجليه مثلًا، أو بغير ذلك من بدنه أو يدني وجهه من الأرض، لأن الواجب هو إيصال الطهور إلى مواضعه نص عليه في "الأم ". قال أصحابنا: وعلى هذا لو أخذ التراب بخشبة وأمرها على العضوين يجوز ولو يممه غيره نص في "الأم "أنه يجوز. وقال ابن أبي أحمد في. "التخليص": لا يجوز تحريجًا، وهذا غلط لأنه يجوز أن يوضئه غيره فكذلك التيمم.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قولان وهو غلط، ولو كان أقطع اليدين فلم يجد من ييممه، فإن قدر على أن يلوث خديه بالتراب، أو يأخذ برجله ويمسح به وجهه فعل وأجزأه، فإن لم يقدر عليه لوث منه ما قدر وصلى، وأعاد متى قدر على وضوء أو تيمم؛ لأنه عذر نادر. وأما لأفضل فالمستحب بعد النية والتسمية أن يضرب ضربتين، ضربة للوجه وضربة لليدين، ويستحب أن لا يزيد على ضربتين، ووصف الشافعي كيف يمكن مسح الوجه واليدين بضربتين في "الأم "وفيما نقله المزني، فالذي قال في "الأم "هو أن يضرب ضربة ويمسح بها وجهه، ثم يضرب ضربة أخرى ويضع ظهر كفه اليمنى في بطن كفه اليسرى فيمرها على ظهور أصابع يده اليمنى والإبهام معرض، فإذا انتهى إلى الكوع قبض بأصابعه وبطن كفه على ظهر الذراع، وبإبهامه على بطن الذراع فيمرها على هيئتها على أن يدخل المرفق في المسح، فإن [١٤٦ ب/ ١] بقي شيء من يده لم يمر عليه لغلظ ساعد أو غير ذلك أمر يده عليه قبل أن ينفصل إحدى اليدين عن
стр. 172
الأخرى، ليكون استعماله واحدًا، ثم يصنع بالأخرى مثل ما صنع باليمنى ويجزيه، والذي نقله المزني وهو الصحيح أن يضرب على التراب ضربة للوجه، ثم يضرب ضربة ويمسح ذراعه اليمنى واليسرى، فيضع كفه اليسرى على ظهر كفه اليمنى وأصابعها، وإنا قال: يضع كفه اليسرى ولم يقل يضع كفه اليمنى؛ لأن اليسرى هي العاملة في اليمنى، وأصحابنا يقولون: يضع ظهور أصابعه اليمنى على بطون أصابعه اليسرى والإبهام، وهو مراد الشافعي، وإنما يضع بطون أصابع كفه اليسرى على ظهور أصابع كفه اليمنى، لأنه يحتاج إلى التراب الذي على باطن راحته اليسرى لبطن ذراعه اليمنى، ثم يمرها على ظهر ذراعه اليمنى إلى مرفقه، ثم يدير كفه إلى باطن الذراع، ثم يقبل بها إلى كوعه وبطن غبهامه اليسرى بحاله، ثم يمره على شيء فيمره على ظاهر إبهامه، فإن بقي موضع لم يمر التراب عليه أمر يده عليه قبل أن يفصل عن يده اليمنى، فإذا فعل ذلك فقط سقط فرض يده اليمنى وفرض بطن كفه اليسرى، ثم يصنع بيده اليسرى ما صنعه باليمنى ويسمح إحدى الراحتين بالأخرى، ويخلل أصابعهما حتى إن بقي موضع لم يصل إليه التراب أو وصل [١٤٧ أ/ ١] إليه. الكوع: هو العظم الناتئ الذي يلي الإبهام. والكرسوع: هو العظم الناتئ الذي يلي الجانب الآخر الذي فيه الخنصر. ومن أصحابنا من قال: يبدأ في التيمم بأسفل وجهه ثم يستعلى لأن الماء في الوضوء إذا استعلى به تحدر بطبعه، فعم جميع وجهه، والتراب لا يجري على الوجه إلا بإمراره باليد، فيبدأ بأسفل وجهه ليقل ما يحصل في أعلاه من الغبار ليكون أحمد وأسلم لعينه، وعامة الأصحاب لم يفرقوا هكذا، وإنما لم يؤمر بمسح الرأس والرجلين فيه؛ لأن في مسح الرأس بالتراب مضاهاة لأرباب المصائب، والرجلان لا تخلوا التراب منما في السفر غالبًا.
فرع
مسح إحدى الراحتين بالأخرى هل يجب أو يستحب؟ اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: يستحب ولا يجب؛ لأنه حين ضرب يديه على الأرض في المرة الثانية وصل الطهور إلى محله بقصده، والنية موجودة، والوقت وقت أداء فرضه لفراغه عما قبله، فلا وجه لأن لا يسقط فرضه، إلا أنا أبحنا أن نمسح بذلك التراب ذراعه الأخرى للحاجة، ولم يجعله مستعملًا أو لا يمكنه أن يمسح الذراع من يد بكف اليد بخلاف الماء، فإنه يمكنه أن يقلب من كفه على ذراع تلك اليد، فقلنا: لا يجوز أن يستعمل ما رفع الحدث عن كفه في اليد الأخرى، ومنهم من قال: يجب لأنه حين ضرب يده [١٤٧ ب/ ١] على الأرض لم يؤد به فرض الكف، إذ لو أدى لصار التراب مستعملًا، فلا يصلح لاستعماله في يده الأخرى، لأنه لابد من انفصال الغبار عن اليد، والطهور إذا وصل إلى العضو وسقط به الفرض والفضل كان مستعملًا لا محالة، فحكمنا ببقاء فرض الكف حتى لا يكون التراب مستعملًا حين يمسح به ذراعه، وبمسح الذارع لا يسقط الفرض في الكف؛ لأنه آلة في العمل فيمسح إحدى الراحتين في الأخرى بعد الفراغ
стр. 173
من مسح (الذراعين) ببقية الغبرة الباقية عليها وسقط الفرض. وعلل القفال مهنا فقال: يجب لأنه مسح بهما غيرهما. فأما مسحهما فإنه لم يقصده، فالآن يمسح كل واحد منهما بصاحبه ليحصل القصد، وقيل في تعليله: الماء الحار بطبعه فيصل إذا جرى إلى جميع العضو، والتراب جامد لا يكاد يصل إلى تكاسير العضو إلا بإمراره، والأول أصح، وعلى هذا إذا وصل التراب إلى ما بين الأصابع هل يستحب التخليل أو يجب على هذين الوجهين. فإن قيل: أليس قلتم أنه إذا وضع يده على الأرض سقط عنهما بذلك الفرض، فصار ما في يديه من التراب مستعملًا، فكيف بمسح بإحداهما الأخرى وعندكم نقل الماء من إحدى اليدين إلى الأخرة لا يجوز؟ قلنا: كما ذكرنا من الضرورة فصار النقل ها هنا من إحدى اليدين إلى الأخرى بمنزلة [١٤٨ أ/ ١] نقل الماء في العضو الواحد من بعضه إلى بعض، أو يقول عندنا: إن اليدان تجريان مجرى العضو الواحد، وإنما لم يجز نقل الماء في الوضوء لأجل انفصاله، وها هنا لا يوجد الإنفصال، والعلة الأولى هي أصح.
فرع آخر
قال في "الأم ": وإذا كان التراب دفعًا فعلق بيده شيء كثير فلا بأس أن ينفض يده.
قال أصحابنا: والأصل في ذلك ما روى أسلع- ﵁ قال: قلت لرسول الله ﷺ أنا جنب، فنزلت آية التيمم فقال: "يكفيك هذا "فضرب بكفيه الأرض ثم
نفضهما ثم مسح بهما وجهه، ثم أمر على لحيته، ثم أعادهما إلى الأرض فمسح بهما الأرض، ثم دلك إحداهما بالأخرى، ثم مسح ذراعيه ظاهرهما وباطنهما.
فرع آخر
لا يجب إيصال التراب إلى ما تحت الحاجبين والعذارين والشارب
ومن أصحابنا من قال: يجب ذلك، وهذا غلط لأن النبي ﷺ اقتصر على ضربة للوجه، وبذلك لا يمكن إيصال التراب إلى باطن هذه الشعور.
فرع آخر
قال الشافعي ها هنا: يضرب يديه على الأرض. وقال في موضع آخر: يضع يده، وليست المسألة على قولين، فالذي قال: يضرب إذا كان التراب خشنا لا يعلق باليد بالوضع، والذي قال: يضع وإذا علق التراب به.
فرع آخر
لو وقف في مهب الريح وأحضر النية وعمد الريح فسفت عليه [١٤٨ ب/ ١] التراب.
стр. 174
اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: لا يجوز تيممه لأن الشافعي قال في "الأم ": ولو سفت الريح عليه ترابًا فعمه فأمرها على وجهه لم يجزه لأنه لم يأخذه لوجهه، وإن أخذ من رأسه فمسح به وجهه جاز لأنه أخذ التراب لوجهه. وقال بعض أصحابنا: يجوز ذلك إذا أمر يده على وجهه. قاله القاضي أبو حامد وما ذكر الشافعي إذ لم يقصد الريح ولم ينو فحصل للتراب عليه ثم أمر يده، فأما إذا قصد الوقوف أو نوى وأمر يده فقد حصل المقصود فيجوز، وعامة الأصحاب على أنه لا يجوز، وهو اختيار صاحب الإفصاح، وابن أبي أحمد، وحملوا كلام الشافعي على ظاهره، ولو لم تمر يده عليه ولكنه نوى وتحقق أنه عمه، ظاهر المذهب أنه لا يجوز، ومن أصحابنا من قال: فيه وجهان: أحدها: يجوز وهو اختيار الإمام الحليمي، والقاضي الطبري؛ لأنه أوصل غيره الراب إلى وجهه مع حضور نيته، فجاز كما لو يممه غيره، وكما نقول في الضوء: إذا وقف تحت المطر حتى جرى الماء على أعضائه يجوز، وهذا هو الصحيح عندي. ورأيت بعض أصحابنا حكى هذا عن الشافعي أنه قال في "القديم ": ومن قال بالقول علل بأنه يتقرر إيصال التراب إلى تمامه من غير مسح بخلاف الماء؛ لأنه يجري. وعلل أيضًا بأنه إذا لم تمر اليد لا يسمى مسحًا، والأمر ورد بالمسح، وهذا [١٤٩ أ/ ١] لا يصح؛ لأن جوابنا هذا إذا تيقن وصول التراب إلى كل محل
الفرص، وقد يعلم الإنسان من نفسه ضرورة واسم المسح لا يراعى، ألا ترى أن الله تعالى قال: ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] ولو قطر عليه من المطر يجوز، ولم يوجد اسم المسح فدل على أن المعتبر وصول الطهور إلى محل الفرض، وقد وجد ذلك فيجوز.
فرع
قال بعض أصحابنا بخراسان: لو أخذ التراب من الوجه ثم أعاده إلى الوجه ومسحه به مع النية وجهان، وكذلك لو نقل التراب من يده إلى وجهه فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز لأنه نقل من محل الفرض. والثاني: يجوز لأنه حصل القصد والنية، وهذا أصح. والوجه الأول ليس بشيء. فإذا تقرر، هذا قال بعض أصحابنا بخراسان: هذا التدقيق والترتيب الذي ذكره المزني عن الشافعي في وصف التيمم لا يجب ولا يبين، فإنه لو أخذ بكفه ترابًا فمسح يده به أو بعضها، ثم أخذ كفًا آخر فمسح الباقي جاز، ولكن ذكره جوابًا لما قال مالك أنه ورد الخبر ضربة للوجه وضربة لليدين، وبالضربة الواحدة لا يمكن المسح إلى المرفقين، فدل أنه لليدين إلى الكوعين، فأراد الشافعي أن يبين كيف يمكنه بضربة واحدة مسح اليدين إلى المرفقين. وقال أيضًا: إنما أمر يوضع كفه اليسرى على ظهر كفه اليمنى ولم يأمر بوضع كفه اليمنى على بطن كفه اليسرى [١٤٩ ب/ ١]؛ لأنه يحتاج في التيمم إلى نقل التراب إلى المحل الممسوح، ولا يجوز
стр. 175
على ظاهر المذهب نقل الموضع الممسوح إلى التراب، بخلاف الوضوء فإنه يجري فيه كل واحد منهما؛ لأنه لم يؤمر فيه مع النية بالقصد بخلاف التيمم، والقصد نقل التراب إلى المحل الممسوح، وهذا خلاف ما ذكرنا في النص، وهو غير صحيح؛ لأن القصد يوجد في كلا الموضعين من غير إشكال فلا يتعين بهذا الفرق. وقد بينا لماذا أمر بوضع كفه اليسرى على ظهر كفه اليمنى.
وقال القفال: نقل المزني في الضربة الأولى: ويفرق أصابعه وصوبه على ذلك جميع أصحابنا، وعندي أنه غلط في النقل، ولم يذكر الشافعي ذلك في المرة الأولى بل ذكره في المرة الثانية؛ لأنه بها يخلل بين أصابعه ولا يحتاج إليه في الضربة الأولى. قال: ولو فرقه في الضربة الأولى لم يجز تيممه؛ لأن الغبار الأول تعلق بما بين الأصابع، ويمنع وصول الثاني إلى ما بين الأصابع في المرة الثانية، فإذا خلل أصابعه يصير ما بينهما ممسوحًا بغبار أخذه في الضربة الأولى، ومن شرط الغبار الذي تمسح به اليد أن يقصد أخذه بعد الفراغ من مسح الوجه.
وقال غيره من أصحابنا: لو فرق أصابعه في الضربة الأولى لم يضره؛ لأنه إذا مسح وجهه بالضربة الأولى تبقى بين أصابعه تراب غير مستعمل، فإذا مسح [١٥٠ أ/ ١] به جاز،
وهذا هو القياس. وقيل: فيه وجهان، ولا يجوز هذا الإطلاق عندي.
مسألة: قال: "وَإنْ أَبْقَى شَيْئََا مَمَّاَ كَانَّ يَمُرُّ عَلَيهِ فِي الْوُضُوءِ حَتَّى ضَلَّى أعاد ".
وهذا كما قال: إذا تيمم وصلى، ثم علم أنه ترك موضعًا من ظاهر وجهه أو يديه لم يمر عليه التراب، فصلاته باطلة قليلًا كان أو كثيرًا، فإن كان المتروك من الوجه، فإن مسح اليدين لا يعتد به، فإن كان الوقت قريبًا أمر التراب على الموضع المتروك من الوجه ومسح اليدين وأعاد الصلاة، وإن تطاول هل يستأنف التيمم أو يبنى؟ على ما ذكرنا من القولين، وإن كان من اليدين فإن كان قريبًا أمر التراب على الموضع المتروك وإن تطاول فعلى ما ذكرنا. وهذا لأن الترتيب فيه شرط، ولو بدأ فمسح يديه، ثم مسح وجهه لم يجز مسح اليدين، ومسح الوجه يجوز إن لم يكن عرفت نيته عند مسح الوجه. وروى الحسن بن زياد، عن أبي حنيفة أنه قال: إذا مسح أكثر الوجه لأنه يشق استيعاب الوجه بضربة واحدةن وربما يقولون: إن كان قدر الربع جاز، وربما يقدرون بقدر درهم، وهذا غلط؛ لأن أكثر اوضوء لا يقوم مقام الكل كما في الوضوء، وإن قدم يسرى يديه على اليمنى أجزأه كما ذكرنا في الوضوء، وإن كان أقطع اليدين ففيه المسائل التي ذكرناها في الوضوء. ويستحب أن يمر [١٥٠ ب/ ١] التراب على المنكبين إذا كان أقطع من المنكبيين، وعلى العضدين إذا كان أقطع من فوق المرفقين كما قلنا في الوضوء.
стр. 176
فرع
تجديد التيمم لا يستحب ويتصور ذلك في موضعين:
أحدهما: أن يتيمم ويصلي فريضة ولم يبرح عن موضعه وقلنا: لا يجب الطلب في التيمم الثاني، فأراد أن يحدد كصلاة النقل فلا يستحب؛ لأن في تشويه للخلقة. فأما إذا قلنا: إن الطلب واجب للتيمم الثاني بطل تيممه الأول، ثم أراد تجديد التيمم لصلاة النقل لا يستحب ذلك.
فرع آخر
تطويل الغرة فيه والتحجيل لم يرد به الخبر. وقد قال أصحابنا: يستحب فيه تطويل التحجيل لأن عند الزهري يجب مسح اليد إلى الإبط فيخرج به عن الخلاف.
مسألة: قال: "فَلَوْ نَسِيَ الْجَنَابَةَ فَتَيَّمَم للْحَدَثِ أَجْزَأَهُ".
وهذا كما قال: يجوز للجنب إذا عدم الماء أن يتيمم. وبه قال جماعة من الصحابة والفقهاء، وقال عمر، وابن مسعود- ﵄: لا يجوز التيمم وتؤخر الصلاة حتى يغتسل ويقضي. وبه قال النخعي. وقد روى رجوعهما عنه، وهو الصحيح، والدليل على هذا ما روى أن النبي ﷺ قال لأبي ذر "الصعيد الطيب وضوء المسلم ولو لم يجد الماء عشر حجج ".
وروى عن عمار- ﵁ أنه قال: أجنبت أنا وعمر بن الخطابن فتمعكت [١٥١ أ/ ١] أنا في التراب وصليت، وعمر- ﵁ لم يصل، فرجعنا إلى رسول الله ﷺ فقال: "إنما يكفيك هكذا" وعلم التيمم ولو كان جنبًا من الجماع، فظاهر المذهب أن ذكره نجس ويلزمه أن يغسل ذكره بالماء، فإن لم يكن معه هذا القدر من الماء تيمم وصلى وأعاد الصلاة.
وقد قال الشافعي في "الأم "والرجل المسافر الذي لا ماء معه والمعزب في الإبل أن يجامع أهله ويجزيه التيمم إذا غسل ما أصاب ذكره، وغسلت المرأة ما أصاب فرجها، وهذا نص فيما ذكرنا. والمعزب: هو المنفرد برعيها. ومن أصحابنا من قال: ذكره طاهر ورطوبة فرج المرأة طاهرة.
وذكر في الحاوي أن الشافعي قال في بعض كتبه: أنها طاهرة كالمنى ورأيت بعض أصحابنا احتج على طهارتها لما روي عن عائشة- ﵂ أنها قالت: "كنت أفرك المني من ثوب رسول الله ﷺ وهو في الصلاة " ومنيه كان من الجماع في الغالب؛ لأنه لا يجوز عليه الاحتلام وهذا حسن، والمشهور ما تقدم.
ومن أصحابنا من قال: "إن الرطوبة وإن كانت طاهرة كالعادة أن يخرج منه المذي أو
стр. 177
لا إذا ابتدأ بالوطئ فتنجس به وهذا عندي ضعيف.
فإذا تقرر هذا رجعنا إلى المسألة فنقول: إنه [١٥١ ب/ ١] إذا نسي الجنابة وتيمم للفريضة معتقدًا أنه محدث ثم تذكر الجنابة صح تيممه؛ لأن التيمم من الحدث ومن الجنابة واحد، وهو على الوجه واليدين، وكل شيئين طهارتهما واحدة، فالخطأ من أحدهما إلى
الآخر لا يمنع صحة الطهارة، كما لو توضأ وهو يعتقد أن حدثه بولًا فكان ريحًا، أو اغتسلت من جنابة وكانت فساء يجوز بالإجماع، ويخالف هذا إذا أعتق رقبة عن الظهار وكان عليه رقبة عن الجماع في صوم رمضان لا يجوز، وعليه أن يعتق رقبة أخرى عن الجماع في صوم رمضان؛ لأنهما مقصودان بأنفسهما فلا يعذر في بالخطأ. وقيل: ما ذكره المزني من العلة لم يقلها الشافعي؛ لأنه لو صحت هذه العلة لوجب أن يقال: إذا قضى العصى ثم بان أن فاتته الظهر فإنه يجوز؛ لأنه لو تذكر الظهر لم يكن عليه أكثر من أربع ركعات، ولا يجوز أن يقال ذلك، وكذلك في مسألة العتق وجب أن يجوز، والعلة عند الشافعي هي أن التيمم لا يرفع الحدث فلا معنى لنية الحدث الذي يتيمم عنه فيه، وإنما يحتاج أن ينوي استباحة الصلاة، فإذا نواها صح ولا يضره الغلط فيما يتيمم عنه؛ لأن أكثر ما فيه أن يجعل ما غلط فيه، كأنه لم ينوه، فتبقى معه نية استباحة الصلاة وهي كافية له، وبهذا فارق ما لم نوى المقتدي [١٥٢ أ/ ١] بالإمام الإقتداء بزيد، ثم بان أن إمامه عمر، ولم يجز لأن عليه نية الإقتداء جملة، فإذا غلط جعل كأنه لم ينو الإقتداء بهذا الإمام، وكذلك لو غلط في نية الصلاة على الجنازة، فنوى أن الميت رجل فإذا هو امرأة أو امرأة فإذا هو رجل لا يجوز؛ لأن عليه نية الصلاة على الميت جملة، فإذا أخطأ صار كأنه لم ينو، وههنا ليس عليه فيه الحدث الذي يتيمم عنه أصلًا فلا يضره الغلط فيه، كما لا يضر الغلط في النوم في الصلاة.
وأما الوضوء والغسل يرفعان الحدث فيجوز فيهما نية رفع الحدث دون استباحة الصلاة، وفيه استباحة الصلاة، وقد رفع الحدث وإحدى النيتين تتضمن الأخرى فيصير بنية إحداهما ناويًا للأخرى لا محالة، فلا يضر الغلط فيما نواه من الحدث.
فإذا تقرر هذا ذكر المزني فصلين مشكلين، ونحن نفصل أحدهما عن الآخر، فالأول قوله: ليس على المحدث عندي معرفة أي الأحداث كان منه، وإنما عليه أن يتطهر للحدث.
قصد به الرد على ربيعة أستاذ مالك، حيث قال: لو أخطأ في الجنس الواحد من نوع إلى نوع جاز، كالحائض تنوي غسل الجنابة، والبائل ينوي حدث الغائط؛ لأن الغسل هو الواجب في الموضعين، أو الوضوء. فقال المزني: كما لا يضر الخطأ من النوع [١٥٢ ب/ ١] إلى النوع وجب أن لا يضرب الخطأ من الجنس إلى الجنس، ونهاية هذا الفصل إلى قوله: ولا يقول بهذا أحد نعلمه. ثم ابتدأ الفصل الثاني فقال: ولو كان الوضوء يحتاج إلى النية كما يتوضأ له قصد به الرد على مالك حيث قال: تعيين الحدث شرط في صحة الوضوء من غير غلط يقع فيه، حتى لو نوى الوضوء عن البول وحدثه ريح لم يجز.
стр. 178
قال المزني: لو توضأ لصلاة الجنازة أو الناقلة جاز أداء الفريضة بها, وإن لم يعينها فكذلك التعيين في الطرف الثاني لا يلزم فاعتبر, ما يتوضأ عنه ما يتوضأ له. هكذا حكى أصحابنا بخراسان عن مالك. وقيل: مذهب اختيار الربيع والبويطي. وقال أصحابنا بالعراق: مذهب مالك وأحمد مثل ما ذكرنا عن ربيعة. وذكر بعض أصحابه أنه لو وافقنا عند النسيان وإنما الخلاف إذا ذكر الجنابة والحدث فنوى استباحة لأجل الحدث ففيه عن مالك روايتان, وقيل قول المزني في أثناء الكلام وإنما عليه أن يتطهر للحدث يحتمل أنه أراد أن التيمم يرفع الحدث وهذا يخالف قول الشافعي, وإن لم يكن هذا مراده لا يكون مخالفًا وقوله: إنما عليه أن يتطهر من الحدث أن أراد في الوضوء فهو مصيب في الجواب فخطئ في الاستدلال, وإن أراد في التيمم [١٣٥ أ/١] فهو مخطئ في الجواب والاستدلال؛ لأنه لا يجوز في التيمم أن ينوي رفع الحدث, وإن جاز ذلك في الوضوء.
مسألة: قال: "وإذا وجد الماء بعد التيمم اغتسل".
الفصل
وهذا كما قال: إذا تيمم ثم وجد الماء يلزمه استعماله, ويجوز له أن يصلي بذلك التيمم. وروى هذا عن أبي موسى الأشعري- ﵁, واحتجوا بأنه وجد المبدل بعد الفراغ من البدل فلا يؤثر, كما لو وجد العتق بعد الصوم في الكفارة, وهذا غلط لقوله ﷺ للجنب المتيمم"إذا وجدت الماء فأمسه جلدك" ولأن التيمم لا يراد لنفسه, بل يراد للصلاة, وهو بدل فإذا قدر على الأصل قبل الشروع في المقصود لزمه العود إلى الأصل, وبهذا فارق ما قاس عليه, ولو وجد الماء بعد الشروع في تكبيرة الافتتاح قبل فراغه منها بطل تيممه أيضًا, ويلزمه العود إلى الماء, ولو فرغ من الصلاة ثم وجد الماء لا يلومه إعادة الصلاة التي صلاها بالتيمم في الوقت, وفي غير الوقت. وقال طاووس وحده: يلزمه الإعادة. وروى عنه أنه قال: لا يعيب في الوقت, وهذا غلط لما روى أن رجلين كانا في سفر, فعندما الماء وتيممًا وصليًا, ثم وجدوا أحدهما الصلاة ولم يعد الآخر, ثم قدما على رسول الله ﷺ وذكرا له [١٥٣ ب/١] , فقال للذي لم يعد: "أصبت السنة أجزأتك صلاتك" وقال للذي أعاد لك أجران". وروى عن ابن عمر-﵁ أنه تيمم
بالمربد وصلى العصر, ثم دخل المدينة والشمس مرتفعة بعد ولم يعد الصلاة. ولأنه فرغ من المقصود بالبدل ثم وجد الأصل فلا إعادة. كالمرأة تفرغ من العدة بالشهور ثم ترك الأقراء, أو يقيس على ما بعد خروج الوقت. قال أصحابنا: ولا يستحب له الإعادة في هذه المسألة أيضًا,
стр. 179
كما لا يجب, ولو وجد الماء بعد الشروع في الصلاة قبل الخروج منها بنى على صلاته, ولا يلزمه الخروج, وبه قال مالك, وأحمد في رواية, وأبو ثور وداود, وقال أبو حنيفة والثوري, وهي رواية عن أحمد: تبطل صلاته, وهو اختيار المزني وابن سريج, إلا أن أبا حنيفة يقول: لو كان في صلاة الجنازة أو العيدين, أو كان سؤر الحمار لا تبطل صلاته, ولم يوافقه غيره من الأئمة في هذا. وقال الأوزاعي: يمضي في صلاته وتكون نافلة, ثم يتوضأ ويعيدها. واحتج المزني بما جملته يرجع إلى فعلين: أحدهما: أنه قاس وجود الماء للتيمم على الحدث.
والثاني: قاس على وجود الحيض في المعتدة بالشهور قبل تمام العدة بالشهور. وأشار في أثناء كلامه إلى القياس على ما لو وجد الماء قبل الشروع في الصلاة, [١٥٤ أ/١] وأشار في آخر كلامه إلى أن هذا المذهب تخريج مستقيم على قول الشافعي, ويساعده ابن سريج فخرج قولاً على مذهب الشافعي مثل أبي حنيفة, وأصل تخريجه أن الشافعي قال في المستحاضة ينقطع دمها في خلال صلاتها: أنها تخرج وتتطهر ولا تبنى فجعل المسألتين على قولين نقلاً وتخريجًا, والجواب أن يقول: أما الحدث فالفرق أنه ينقض الطهر بكل حال. وأما وجود الماء فليس هو تناقض لتطهر بكل حال, ألا ترى أنه يجد ماء مودعًا عنده ولم يؤذن له باستعماله ولا يبطل تيممه, ولذلك إذا احتاج العطش فكذلك هاهنا لا يبطل لئلا يبطل عليه ما مضى من الصلاة, فإنه يلزم مراعاة حرمة الصلاة, وبهذا فارق قبل الشروع في الصلاة.
وأما العدة قلنا: هناك لا نقول تبطل بل يحتسب بما مضى قرأ, ثم تؤمر بإتمام العدة, ولأن وزان العدة أن ترى الدم بعد الفراغ من الشهور قبل أن تنكح, ووزان العدة من مسألتنا أن لو زالت الماء قبل الشروع في الصلاة.
وأما مسألة المستحاضة فالفرق على الصحيح من المذهب أنها أحدثت أحداثًا, غير أنها مقدرة لاتصال دمها, فإذا انقطع الدم قدرت على إزالة حدثها فلا تجوز صلاتها, وهذا التيمم لم يحدث [١٥٤ ب/١] في صلاته حدثًا جديدًا, وليس فيه أكثر من أنه وجد الماء فيجعل كأنه لم يجد الماء لمانع الصلاة كما قلنا في سائر الموانع. فإذا تقرر هذا قال أصحابنا: الأفضل أن يخرج منها ويتوضأ للخروج من الخلاف. ولأن الشافعي نص على أنه إذا وجد الرقبة في الكفارة في أثناء الصوم والأفضل له أن يعتق فكذلك هاهنا الأفضل أن
يرجع إلى الأصل, ومن أصحابنا من قال: يلزمه المضي فيها ولا يجوز له قطعها أي يكره, وهذا اختيار القفال, وتعلق هذا القائل بما قال في "البويطي": إذا رأى الماء في صلاته فليمض على صلاته ولا إعادة عليه. وهذا لا يصح لأن الشافعي استحب لمن دخل في الصلاة منفردًا ثم رأى جماعة أن يخرج منها ويصلي مع الجماعة, استحب لمن دخل في الصلاة منفردًا ثم رأى جماعة أن يخرج منها ويصلى مع الجماعة, فالخروج هاهنا للطهارة أولى, وما قال في "البويطي": أراد يجوز ذلك, وقد نص في "الأم" فقال: كان له أن يتمها وليس عليه أن يقطع الصلاة فلم يوجب ذلك عليه.
وقال القاضي الحسين- ﵀:- لا يجوز له إبطال الصلاة وجهًا واحدًا, وهل
стр. 180
يستحب له أن يجعل صلاته فعلاً فيسلم عن ركعتين؟ وجهان:
أحدهما: أنه يستحب ذلك: كرجل افتتح الصلاة منفردًا ثم أدرك جماعة, فإنه يسلم عن ركعتين ويكون نفلاً.
والثاني: لا يستحب لأنها انعقدت [١٥٥ أ/١] فرضًا فلا يجوز له ترك صفة الفرضية, ويخالف هذا مسألة الجماعة؛ لأن هناك لو فرغ منفردًا ثم أدرك الجماعة يستحب له الإعادة ولو فرغ من الصلاة بالتيمم ثم وجد الماء لا يستحب له الإعادة.
فرع
إذا رأى الماء في المكتوبة ومضى في صلاته وسلم لا يجوز له أن يتنفل بذلك التيمم؛ لأن وجود الماء في الصلاة منع حكم التيمم فيما عدا الصلاة التي هو فيها, فإذا خرج منها لم يكن ليتممه حكم, فإن كان الماء باقيًا استعمله, وإن كان قد تلف إلى أن فرغ من الصلاة أعاد التيمم, ولا يجوز له افتتاح بعد رؤية الماء, هكذا ذكر جماعة أهل العلم من العراق, وهو اختيار القاضي الطبري. وفرع والدي الإمام على هذا, وقال: إذا أراد أن يسلم لا يسلم تسليمتين بل يقتصر على تسليمة واحدة؛ لأنه عاد إلى حكم الحدث بعد الخروج منها, ولو أحدث بعد التسليمة الأولى لا يأتي بالتسليمة الثانية, وليس على أصلنا مسألة يقتصر فيها على تسليمة واحدة غير هذه, ولو كان عليه سجود السهو فنسي لا يسجد, وإن كان الوقت قريبًا.
وهذا عندي حسن, ولكن يمكن أن يقال: وإن سلم تسليمة ثانية فلا يأس؛ لأنها من تتمة الصلاة, وإنما يخاطب بهذا في الافتتاح. والله أعلم. وقال القفال وجماعة [١٥٥ ب/١] إن علم بتلف الماء قبل فراغه من الصلاة فهو كما لم يجد أصلاً, فله أن يصلي النوافل, وإن لم يعلم بتبلغه حتى خرج من الصلاة, ثم علم فإنه لا يصلي بذلك التيمم صلاة النفل, كما لو تلف الماء بعد الفراغ من الصلاة. وهذا أقيس وأصح, وهذا لأن هذا الماء لم يلزمه
استعماله لهذه الصلاة, ولا قدر على استعماله لغيرها, فينبغي أن لا يبطل تيممه, ولهذا لو مر به ركب في الصلاة, ففرغ منها وقد ذهب الركب, فإنه يجوز له أن يصلي النافلة, وإن كان توجه الطلب يمنع ابتداء الصلاة بالتيمم, وإن منع القائل الأول منع بعيد والله علم.
فرع آخر
لو رأى الماء في صلاة النافلة, فإن كان نوى أن يصلي عددًا معلومًا كان له إتمامها, وإن كان أحرم مطلقًا. قال الشافعي في "الأم": كان عليه أن يصلي ركعتين ولا يزيد عليها لأن إحرامه المطلق يضمن ركعتين. قال أصحابنا: وعلى قوله القديم: فيمن نذر صلاة مطلقًا يكفيه ركعة لا يزيدها على ركعة.
следующие страницы →