← Фикх шафии

Фикх шафии · id 16934

بحر المذهب للروياني

عَبْد الواحِد الرُّوْياني

Полный текст (7 151 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

فرع تجديد التيمم لا يستحب ويتصور ذلك في موضعين: أحدهما: أن يتيمم ويصلي فريضة ولم يبرح عن موضعه وقلنا: لا يجب الطلب في التيمم الثاني، فأراد أن يحدد كصلاة النقل فلا يستحب؛ لأن في تشويه للخلقة. فأما إذا قلنا: إن الطلب واجب للتيمم الثاني بطل تيممه الأول، ثم أراد تجديد التيمم لصلاة النقل لا يستحب ذلك. فرع آخر تطويل الغرة فيه والتحجيل لم يرد به الخبر. وقد قال أصحابنا: يستحب فيه تطويل التحجيل لأن عند الزهري يجب مسح اليد إلى الإبط فيخرج به عن الخلاف. مسألة: قال: "فَلَوْ نَسِيَ الْجَنَابَةَ فَتَيَّمَم للْحَدَثِ أَجْزَأَهُ". وهذا كما قال: يجوز للجنب إذا عدم الماء أن يتيمم. وبه قال جماعة من الصحابة والفقهاء، وقال عمر، وابن مسعود- ﵄: لا يجوز التيمم وتؤخر الصلاة حتى يغتسل ويقضي. وبه قال النخعي. وقد روى رجوعهما عنه، وهو الصحيح، والدليل على هذا ما روى أن النبي ﷺ قال لأبي ذر "الصعيد الطيب وضوء المسلم ولو لم يجد الماء عشر حجج ". وروى عن عمار- ﵁ أنه قال: أجنبت أنا وعمر بن الخطابن فتمعكت [١٥١ أ/ ١] أنا في التراب وصليت، وعمر- ﵁ لم يصل، فرجعنا إلى رسول الله ﷺ فقال: "إنما يكفيك هكذا" وعلم التيمم ولو كان جنبًا من الجماع، فظاهر المذهب أن ذكره نجس ويلزمه أن يغسل ذكره بالماء، فإن لم يكن معه هذا القدر من الماء تيمم وصلى وأعاد الصلاة. وقد قال الشافعي في "الأم "والرجل المسافر الذي لا ماء معه والمعزب في الإبل أن يجامع أهله ويجزيه التيمم إذا غسل ما أصاب ذكره، وغسلت المرأة ما أصاب فرجها، وهذا نص فيما ذكرنا. والمعزب: هو المنفرد برعيها. ومن أصحابنا من قال: ذكره طاهر ورطوبة فرج المرأة طاهرة. وذكر في الحاوي أن الشافعي قال في بعض كتبه: أنها طاهرة كالمنى ورأيت بعض أصحابنا احتج على طهارتها لما روي عن عائشة- ﵂ أنها قالت: "كنت أفرك المني من ثوب رسول الله ﷺ وهو في الصلاة " ومنيه كان من الجماع في الغالب؛ لأنه لا يجوز عليه الاحتلام وهذا حسن، والمشهور ما تقدم. ومن أصحابنا من قال: "إن الرطوبة وإن كانت طاهرة كالعادة أن يخرج منه المذي أو

стр. 177

لا إذا ابتدأ بالوطئ فتنجس به وهذا عندي ضعيف. فإذا تقرر هذا رجعنا إلى المسألة فنقول: إنه [١٥١ ب/ ١] إذا نسي الجنابة وتيمم للفريضة معتقدًا أنه محدث ثم تذكر الجنابة صح تيممه؛ لأن التيمم من الحدث ومن الجنابة واحد، وهو على الوجه واليدين، وكل شيئين طهارتهما واحدة، فالخطأ من أحدهما إلى الآخر لا يمنع صحة الطهارة، كما لو توضأ وهو يعتقد أن حدثه بولًا فكان ريحًا، أو اغتسلت من جنابة وكانت فساء يجوز بالإجماع، ويخالف هذا إذا أعتق رقبة عن الظهار وكان عليه رقبة عن الجماع في صوم رمضان لا يجوز، وعليه أن يعتق رقبة أخرى عن الجماع في صوم رمضان؛ لأنهما مقصودان بأنفسهما فلا يعذر في بالخطأ. وقيل: ما ذكره المزني من العلة لم يقلها الشافعي؛ لأنه لو صحت هذه العلة لوجب أن يقال: إذا قضى العصى ثم بان أن فاتته الظهر فإنه يجوز؛ لأنه لو تذكر الظهر لم يكن عليه أكثر من أربع ركعات، ولا يجوز أن يقال ذلك، وكذلك في مسألة العتق وجب أن يجوز، والعلة عند الشافعي هي أن التيمم لا يرفع الحدث فلا معنى لنية الحدث الذي يتيمم عنه فيه، وإنما يحتاج أن ينوي استباحة الصلاة، فإذا نواها صح ولا يضره الغلط فيما يتيمم عنه؛ لأن أكثر ما فيه أن يجعل ما غلط فيه، كأنه لم ينوه، فتبقى معه نية استباحة الصلاة وهي كافية له، وبهذا فارق ما لم نوى المقتدي [١٥٢ أ/ ١] بالإمام الإقتداء بزيد، ثم بان أن إمامه عمر، ولم يجز لأن عليه نية الإقتداء جملة، فإذا غلط جعل كأنه لم ينو الإقتداء بهذا الإمام، وكذلك لو غلط في نية الصلاة على الجنازة، فنوى أن الميت رجل فإذا هو امرأة أو امرأة فإذا هو رجل لا يجوز؛ لأن عليه نية الصلاة على الميت جملة، فإذا أخطأ صار كأنه لم ينو، وههنا ليس عليه فيه الحدث الذي يتيمم عنه أصلًا فلا يضره الغلط فيه، كما لا يضر الغلط في النوم في الصلاة. وأما الوضوء والغسل يرفعان الحدث فيجوز فيهما نية رفع الحدث دون استباحة الصلاة، وفيه استباحة الصلاة، وقد رفع الحدث وإحدى النيتين تتضمن الأخرى فيصير بنية إحداهما ناويًا للأخرى لا محالة، فلا يضر الغلط فيما نواه من الحدث. فإذا تقرر هذا ذكر المزني فصلين مشكلين، ونحن نفصل أحدهما عن الآخر، فالأول قوله: ليس على المحدث عندي معرفة أي الأحداث كان منه، وإنما عليه أن يتطهر للحدث. قصد به الرد على ربيعة أستاذ مالك، حيث قال: لو أخطأ في الجنس الواحد من نوع إلى نوع جاز، كالحائض تنوي غسل الجنابة، والبائل ينوي حدث الغائط؛ لأن الغسل هو الواجب في الموضعين، أو الوضوء. فقال المزني: كما لا يضر الخطأ من النوع [١٥٢ ب/ ١] إلى النوع وجب أن لا يضرب الخطأ من الجنس إلى الجنس، ونهاية هذا الفصل إلى قوله: ولا يقول بهذا أحد نعلمه. ثم ابتدأ الفصل الثاني فقال: ولو كان الوضوء يحتاج إلى النية كما يتوضأ له قصد به الرد على مالك حيث قال: تعيين الحدث شرط في صحة الوضوء من غير غلط يقع فيه، حتى لو نوى الوضوء عن البول وحدثه ريح لم يجز.

стр. 178

قال المزني: لو توضأ لصلاة الجنازة أو الناقلة جاز أداء الفريضة بها, وإن لم يعينها فكذلك التعيين في الطرف الثاني لا يلزم فاعتبر, ما يتوضأ عنه ما يتوضأ له. هكذا حكى أصحابنا بخراسان عن مالك. وقيل: مذهب اختيار الربيع والبويطي. وقال أصحابنا بالعراق: مذهب مالك وأحمد مثل ما ذكرنا عن ربيعة. وذكر بعض أصحابه أنه لو وافقنا عند النسيان وإنما الخلاف إذا ذكر الجنابة والحدث فنوى استباحة لأجل الحدث ففيه عن مالك روايتان, وقيل قول المزني في أثناء الكلام وإنما عليه أن يتطهر للحدث يحتمل أنه أراد أن التيمم يرفع الحدث وهذا يخالف قول الشافعي, وإن لم يكن هذا مراده لا يكون مخالفًا وقوله: إنما عليه أن يتطهر من الحدث أن أراد في الوضوء فهو مصيب في الجواب فخطئ في الاستدلال, وإن أراد في التيمم [١٣٥ أ/١] فهو مخطئ في الجواب والاستدلال؛ لأنه لا يجوز في التيمم أن ينوي رفع الحدث, وإن جاز ذلك في الوضوء. مسألة: قال: "وإذا وجد الماء بعد التيمم اغتسل". الفصل وهذا كما قال: إذا تيمم ثم وجد الماء يلزمه استعماله, ويجوز له أن يصلي بذلك التيمم. وروى هذا عن أبي موسى الأشعري- ﵁, واحتجوا بأنه وجد المبدل بعد الفراغ من البدل فلا يؤثر, كما لو وجد العتق بعد الصوم في الكفارة, وهذا غلط لقوله ﷺ للجنب المتيمم"إذا وجدت الماء فأمسه جلدك" ولأن التيمم لا يراد لنفسه, بل يراد للصلاة, وهو بدل فإذا قدر على الأصل قبل الشروع في المقصود لزمه العود إلى الأصل, وبهذا فارق ما قاس عليه, ولو وجد الماء بعد الشروع في تكبيرة الافتتاح قبل فراغه منها بطل تيممه أيضًا, ويلزمه العود إلى الماء, ولو فرغ من الصلاة ثم وجد الماء لا يلومه إعادة الصلاة التي صلاها بالتيمم في الوقت, وفي غير الوقت. وقال طاووس وحده: يلزمه الإعادة. وروى عنه أنه قال: لا يعيب في الوقت, وهذا غلط لما روى أن رجلين كانا في سفر, فعندما الماء وتيممًا وصليًا, ثم وجدوا أحدهما الصلاة ولم يعد الآخر, ثم قدما على رسول الله ﷺ وذكرا له [١٥٣ ب/١] , فقال للذي لم يعد: "أصبت السنة أجزأتك صلاتك" وقال للذي أعاد لك أجران". وروى عن ابن عمر-﵁ أنه تيمم بالمربد وصلى العصر, ثم دخل المدينة والشمس مرتفعة بعد ولم يعد الصلاة. ولأنه فرغ من المقصود بالبدل ثم وجد الأصل فلا إعادة. كالمرأة تفرغ من العدة بالشهور ثم ترك الأقراء, أو يقيس على ما بعد خروج الوقت. قال أصحابنا: ولا يستحب له الإعادة في هذه المسألة أيضًا,

стр. 179

كما لا يجب, ولو وجد الماء بعد الشروع في الصلاة قبل الخروج منها بنى على صلاته, ولا يلزمه الخروج, وبه قال مالك, وأحمد في رواية, وأبو ثور وداود, وقال أبو حنيفة والثوري, وهي رواية عن أحمد: تبطل صلاته, وهو اختيار المزني وابن سريج, إلا أن أبا حنيفة يقول: لو كان في صلاة الجنازة أو العيدين, أو كان سؤر الحمار لا تبطل صلاته, ولم يوافقه غيره من الأئمة في هذا. وقال الأوزاعي: يمضي في صلاته وتكون نافلة, ثم يتوضأ ويعيدها. واحتج المزني بما جملته يرجع إلى فعلين: أحدهما: أنه قاس وجود الماء للتيمم على الحدث. والثاني: قاس على وجود الحيض في المعتدة بالشهور قبل تمام العدة بالشهور. وأشار في أثناء كلامه إلى القياس على ما لو وجد الماء قبل الشروع في الصلاة, [١٥٤ أ/١] وأشار في آخر كلامه إلى أن هذا المذهب تخريج مستقيم على قول الشافعي, ويساعده ابن سريج فخرج قولاً على مذهب الشافعي مثل أبي حنيفة, وأصل تخريجه أن الشافعي قال في المستحاضة ينقطع دمها في خلال صلاتها: أنها تخرج وتتطهر ولا تبنى فجعل المسألتين على قولين نقلاً وتخريجًا, والجواب أن يقول: أما الحدث فالفرق أنه ينقض الطهر بكل حال. وأما وجود الماء فليس هو تناقض لتطهر بكل حال, ألا ترى أنه يجد ماء مودعًا عنده ولم يؤذن له باستعماله ولا يبطل تيممه, ولذلك إذا احتاج العطش فكذلك هاهنا لا يبطل لئلا يبطل عليه ما مضى من الصلاة, فإنه يلزم مراعاة حرمة الصلاة, وبهذا فارق قبل الشروع في الصلاة. وأما العدة قلنا: هناك لا نقول تبطل بل يحتسب بما مضى قرأ, ثم تؤمر بإتمام العدة, ولأن وزان العدة أن ترى الدم بعد الفراغ من الشهور قبل أن تنكح, ووزان العدة من مسألتنا أن لو زالت الماء قبل الشروع في الصلاة. وأما مسألة المستحاضة فالفرق على الصحيح من المذهب أنها أحدثت أحداثًا, غير أنها مقدرة لاتصال دمها, فإذا انقطع الدم قدرت على إزالة حدثها فلا تجوز صلاتها, وهذا التيمم لم يحدث [١٥٤ ب/١] في صلاته حدثًا جديدًا, وليس فيه أكثر من أنه وجد الماء فيجعل كأنه لم يجد الماء لمانع الصلاة كما قلنا في سائر الموانع. فإذا تقرر هذا قال أصحابنا: الأفضل أن يخرج منها ويتوضأ للخروج من الخلاف. ولأن الشافعي نص على أنه إذا وجد الرقبة في الكفارة في أثناء الصوم والأفضل له أن يعتق فكذلك هاهنا الأفضل أن يرجع إلى الأصل, ومن أصحابنا من قال: يلزمه المضي فيها ولا يجوز له قطعها أي يكره, وهذا اختيار القفال, وتعلق هذا القائل بما قال في "البويطي": إذا رأى الماء في صلاته فليمض على صلاته ولا إعادة عليه. وهذا لا يصح لأن الشافعي استحب لمن دخل في الصلاة منفردًا ثم رأى جماعة أن يخرج منها ويصلي مع الجماعة, استحب لمن دخل في الصلاة منفردًا ثم رأى جماعة أن يخرج منها ويصلى مع الجماعة, فالخروج هاهنا للطهارة أولى, وما قال في "البويطي": أراد يجوز ذلك, وقد نص في "الأم" فقال: كان له أن يتمها وليس عليه أن يقطع الصلاة فلم يوجب ذلك عليه. وقال القاضي الحسين- ﵀:- لا يجوز له إبطال الصلاة وجهًا واحدًا, وهل

стр. 180

يستحب له أن يجعل صلاته فعلاً فيسلم عن ركعتين؟ وجهان: أحدهما: أنه يستحب ذلك: كرجل افتتح الصلاة منفردًا ثم أدرك جماعة, فإنه يسلم عن ركعتين ويكون نفلاً. والثاني: لا يستحب لأنها انعقدت [١٥٥ أ/١] فرضًا فلا يجوز له ترك صفة الفرضية, ويخالف هذا مسألة الجماعة؛ لأن هناك لو فرغ منفردًا ثم أدرك الجماعة يستحب له الإعادة ولو فرغ من الصلاة بالتيمم ثم وجد الماء لا يستحب له الإعادة. فرع إذا رأى الماء في المكتوبة ومضى في صلاته وسلم لا يجوز له أن يتنفل بذلك التيمم؛ لأن وجود الماء في الصلاة منع حكم التيمم فيما عدا الصلاة التي هو فيها, فإذا خرج منها لم يكن ليتممه حكم, فإن كان الماء باقيًا استعمله, وإن كان قد تلف إلى أن فرغ من الصلاة أعاد التيمم, ولا يجوز له افتتاح بعد رؤية الماء, هكذا ذكر جماعة أهل العلم من العراق, وهو اختيار القاضي الطبري. وفرع والدي الإمام على هذا, وقال: إذا أراد أن يسلم لا يسلم تسليمتين بل يقتصر على تسليمة واحدة؛ لأنه عاد إلى حكم الحدث بعد الخروج منها, ولو أحدث بعد التسليمة الأولى لا يأتي بالتسليمة الثانية, وليس على أصلنا مسألة يقتصر فيها على تسليمة واحدة غير هذه, ولو كان عليه سجود السهو فنسي لا يسجد, وإن كان الوقت قريبًا. وهذا عندي حسن, ولكن يمكن أن يقال: وإن سلم تسليمة ثانية فلا يأس؛ لأنها من تتمة الصلاة, وإنما يخاطب بهذا في الافتتاح. والله أعلم. وقال القفال وجماعة [١٥٥ ب/١] إن علم بتلف الماء قبل فراغه من الصلاة فهو كما لم يجد أصلاً, فله أن يصلي النوافل, وإن لم يعلم بتبلغه حتى خرج من الصلاة, ثم علم فإنه لا يصلي بذلك التيمم صلاة النفل, كما لو تلف الماء بعد الفراغ من الصلاة. وهذا أقيس وأصح, وهذا لأن هذا الماء لم يلزمه استعماله لهذه الصلاة, ولا قدر على استعماله لغيرها, فينبغي أن لا يبطل تيممه, ولهذا لو مر به ركب في الصلاة, ففرغ منها وقد ذهب الركب, فإنه يجوز له أن يصلي النافلة, وإن كان توجه الطلب يمنع ابتداء الصلاة بالتيمم, وإن منع القائل الأول منع بعيد والله علم. فرع آخر لو رأى الماء في صلاة النافلة, فإن كان نوى أن يصلي عددًا معلومًا كان له إتمامها, وإن كان أحرم مطلقًا. قال الشافعي في "الأم": كان عليه أن يصلي ركعتين ولا يزيد عليها لأن إحرامه المطلق يضمن ركعتين. قال أصحابنا: وعلى قوله القديم: فيمن نذر صلاة مطلقًا يكفيه ركعة لا يزيدها على ركعة.

стр. 181

فرع آخر قال أصحابنا: لو تيمم في الحضر لعدم الماء ثم رأى الماء بطل سهمه وصلاته؛ لأنه يلزمه الإعادة بوجود الماء, وقد وجد الماء فيلزمه الاشتغال بالإعادة. وكذلك لو تيمم وعليه نجاسة, ثم رأى الماء في الصلاة بطلت صلاته؛ لأنه لا يعتد بها, وتلزمه الإعادة, وفيه [١٥٦ أ/١] وجه آخر: لا إعادة ولا يلزمه الخروج منها برؤية الماء. فرع آخر قال بعض أصحابنا بخراسان: لو وجد الماء في خلال الطواف إن قلنا: لا يجوز تفريقه, وإن قلنا: يجوز تفريقه توضأ, وبن وقل ما يتصور هذا؛ لأن الطواف يكون في الحضر, وقل ما يعدم فيه الماء, وهذا ليس بشيء, ويلزمه العود إلى الماء والاستئناف؛ لأنه لا يحتسب ما مضى بالتيمم وتلزمه الإعادة بكل حال. فرع آخر لو كان في سفر معصية فعدم الماء فلزمه أن يقيم ويصلي, فإذا صلى هل تلزمه الإعادة؟ فيه وجهان: أحدهما: تلزمه الإعادة لأن سقوط الفرض بالتيمم هي رخصة تتعلق بالسفر, والسفر معصية فلا يجوز أن يتعلق به رخصة. والثاني: لا تلزمه الإعادة, لأنا لما أوجبنا عليه ذلك صار عزيمة فلا إعادة عليه والأول أصح, وعلى هذا لو رأى في صلاته يلزمه الخروج منها لا يعتد بها. فرع آخر إذا دخل في صلاة النقل بنية مطلقة, وقد صلى ركعتين, وقام إلى الثالثة ثم رأى الماء. قال القاضي الطبري: عندي يتمم هذه الركعة ويسلم؛ لأن الركعة الواحدة لا تتبعض وهو على ما قال. فرع آخر قال في "التلخيص": لو وجد الماء في صلاته المقصورة, ثم نوى الإتمام أو المقام بطلت صلاته وتيممه؛ لأن تيممه صح لركعتين من غير زيادة, والآن زادت [١٥٦ ب/١] بهذه النية. وقال بعض أصحابنا: تتم صلاته ولا تبطل, لأن تيممه صحيح لأدائها تامة ومقصورة ذكره في"الحاوي". ولو نوى المقام فيها أو الإتمام ثم وجد الماء مضى في صلاته وأتمها بلا خلاف. ومن أصحابنا من قال: إذا افتتحها بالتيمم ثم نوى الإقامة يمضي في صلاته ويعيد؛ لأن الإقامة لو قاربت ابتداء الصلاة منعت للاحتساب بها في حق المتيمم, فكذلك إذا طرأت؛ لأن الصلاة لم يتبعض حكمها.

стр. 182

فرع لو رعف في صلاته بطلت صلاته بالرعاف , ويلزمه أن يطلب الماء, ويغسل الدم, فإن طلب ولم يجده أو وجد قدر ما يغسله فقط. قال الشافعي في"الأم": استأنف التيمم؛ لأن فرض الطلب المتوجه أبطل التيمم. وكذلك لو تيمم ثم رفقة أو ركبًا ظن أن معهم ماء, أو رأى بئرًا أن فيها ماء, فلما تأمل لم يجد الماء فإنه يلزمه إعادة التيمم. وقال أبو حنيفة: لا يلزمه ذلك بناء على أصله أن طلب الماء غير واجب, وعلى هذا قال القفال: لو رأى الماء ودونه سبع, فإن رآهما معًا أو عرف مكان السبع قبل رؤية الماء فتيممه باق, وإن رأى الماء أولاً ثم عرف السبع والحائل بطل تيممه؛ لأن الطلب قد توجه عليه, وكذلك لو رأى ماء في قعر بئر ولا رشاد معه ولا دلو, فإن علم به وهو عالم بأنه لا آلة معه [١٥٧ أ/١] لا يبطل تيممه, وإن رآه وعنده أي آلة النزح فلم يكن أعاد التيمم. مسألة: قال: "ولا يجمع بالتيمم بين صلاتي فرضٍ". وهذا كما قال عندنا لا يجوز أن يصلي بتيمم واحد صلاتي فرض, بل يجب التيمم بكل فريضة, وطلب الماء أيضًا, فيطلب الماء أولاً ثم إذا عدمه تيمم ويصلي, ثم يطلب الماء فإذا عدمه يتيمم ويصلي, ثم يطلب الماء فإذا عدمه يتيمم ويصلي الصلاة الثانية, ولا فرق بين أن يكونا مؤقتتين أو فائتتين أو مؤقتة وفاتنة, وكذلك لا فرق بين أن يكونا منذورتين أو شرعيتين, أو إحداهما منذورة والأخرى شرعية, ولا فرق بين أن يريد الجمع بينهما في وقت إحداهما أو لا يريد الجمع, وبه قال علي, وابن عمر, وابن عباس, والنخعي, وقتادة , وربيعة, ومالك, والأوزاعي, والليث- ﵃ قال أبو حنيفة: يجوز أداء الفرائض به إلى أن يحدث, وبه قال الحسن, وسعيد بن المسيب, والثوري, وداود, والمزني, وابن المنذر. وقال أبو ثور: يؤدي الفرائض في وقت الصلاة التي تيمم لها, ولا يؤدي في وقت آخر. وقال أحمد: يجمع بين الفوائت بتيمم واحد, ولا يجمع بين ما أتى وقتين. وهو قريب من قول أبي ثور. وهذا كله غلط لما روى مجاهد عن ابن عباس أنه قال: من السنة ألا تصلي بالتيمم [١٥٧ ب/١] إلا صلاة واحدة, ثم يتيمم للأخرى. وهذا يقتضي سنة الرسول ﷺ وقال علي- ﵁ "التيمم عند كل صلاة" فإذا تقرر هذا قال أبو إسحاق: لا يجوز الجمع بين الصلاتين بجنس التيمم أصلاً لظاهر قول الشافعي, ولا يجمع بالتيمم بين صلاتي فرض, وهذا لأنه تفتقر الصلاة الثانية إلى تيمم ثانٍ, ويفتقر التيمم الثاني إلى طلب ثان, والطلب يقطع الجمع؛ لأن من شرطه الموالاة, ولم يذكر في كتاب "الحاوي" غير هذا. وقال عامة أصحابنا: يجوز الجمع

стр. 183

بينهما بجنس التيمم, وقد نص عليه في "الأم" وهو الصحيح, وقصد الشافعي لا يؤدي بهما تيمم واحد. كما قال أبو حنيفة: ولا يؤدي إلى قطع الموالاة لأنا لا نأمره في الصلاة الثانية بالاستقصاء في الطلب كما نأمره في الأولى, بل يكفيه من الطلب أن ينظر يمنة ويسرة هل يرى أحدًا أو أثرًا, ثم يتيمم بضربتين. وهذا كما نأمره بالإقامة للصلاة الثانية ولا يقع بها الفصل والتراخي, وهذا لأن كل هذا من مصلحة الجمع فلا يؤثر فيه, فإن قيل: هلا سقط فرض الطلب الثاني ولا يطع في الماء؟ قلنا: قال في"الأم": لا ييئس منه بكل حال, فقد يطلع الركب والسبيل. وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل يجب الطلب الثاني؟ وجهان: أحدهما: لا يجب لأنه [١٥٨ أ/١] لا يفيد, والثاني: يجب تعبدًا, وهكذا لو كان في بادية لا يوجد الماء في مثلها غالبًا, هل يجب الطلب؟ وجهان, وهذا خلاف المنصوص, وعندي أنه إذا تحقق ذلك تبينًا لا يلزمه الطلب, لأنه عبث, وقد يتحقق عدمه بأن يخبره جماعة عدول: أنا طلبنا الماء فلم نجده, وقيل: لو أمر غيره. حتى طلب له الماء فلم يجد, هل يباح له التيمم؟ وجهان مبنيان على ما لو أمر غيره أن ييممه هل يجوز؟ وجهان. وكذلك لو طلب الماء فلم يجب فتيمم وصلى, ثم دخل عليه وقت فريضة أخرى وهو في موضعه, ولم تحدث الأمارة تدل على الماء, هل يجب الطلب؟ وجهان. وقال القفال: هل يجوز الجمع بين صلاة منذورة وصلاة شرعية؟ قولان بناء على القولين في المنذورة, هل يسلك بها مسلك ما ورد به الشرع أو يسلك بها مسلك النوافل؟ ففيه قولان: وهل تجوز المنذورة قاعدًا مع القدرة على القيام؟ قولان مخرجان. وأصل القولين أنه يجب. بمطلق النذر أقل ما هو واجب بأصل الشرع, أو ما يقع عليه اسم الصلاة, قولان. وكذلك لو نذر عتق رقبة هل يجوز الذمة فيه؟ قولان. وكذلك الحج المنذور هل يخرج من رأس المال أو من الثلث إذا أوصى به؟ قولان. فإذا تقرر هذا ففي لفظ المزني إشكال, وذلك أنه قال: [١٥٨ ب/١] ويحدث لكل فريضة طلبًا للماء وتيمًا بعد الطلب الأول, وفيه تقديم وتأخير, أي ويحدث بكل فريضة طلبًا للماء بعد الطلب الأول ويتمها فيعقب كل بطلب, وكل طلب بتيمم. واحتج الشافعي على أبي حنيفة بظاهر الآية, وهو أن الله ﵎ أمر كل قائم إلى الصلاة بالتيمم, فإن قيل: لا يصح هذا الاستدلال لأنه رتب التيمم على الوضوء, ولا يلزمه الوضوء لكل صلاة. قيل: ظاهر الآية يوجب ذلك في الوضوء أيضًا, إلا أنه روى عن رسول الله ﷺ أنه كان يتوضأ لكل صلاة إلى يوم حنين, فجمع يومئذ بين صلوات بوضوء واحد, فسأله عمر- ﵁ عن ذلك متعجبًا فقال ﷺ : "عمدًا فعلت يا عمر" أي ليعلموا أنه يجوز, فبهذا تركنا ظاهره, واحتج بقول ابن عباس على ما

стр. 184

ذكرنا وهو أعرف بمعنى الآية من غيره. فرع الجمع بين طوافين مفروضين بتيمم واحد لا يجوز, وكذلك بين طواف فرض, وصلاة فرض, ويتصور ذلك في المريض والجريح, وهل يجوز الجمع بين صلاة الفريضة, وركعتي الطواف بتيمم واحد؟ قولان بناء على أن ركعتي الطواف فريضة أم لا؟ وفيه قولان. فرع لو نسي صلاة واحدة من صلوات يوم وليلة ولا يعرف عنها, يلزمه أن يعيد خمس صلوات [١٥٩ أ/١] حتى يؤدي المنسية بيقين, وهل يلزمه أن يتيمم لكل واحدة منها؟ اختلف أصحابنا فيه, فقال عامتهم: يجزيه تيمم واحد وهو الصحيح؛ لأن الواجب منها واحدة في الحقيقة, فإذا فرغ من كلها سقط عنه الفرض بواحدة منها. ومن أصحابنا من قال: يلزمه أن يتيمم لكل واحدة منها؛ لأن كلها صارت فرضًا عليه, ويحتاج أن ينوي في كل واحدة أنها فريضة, وهو اختيار أبي عبد الله الخضري, وعلى هذا لو كان محبوسًا أو مربوطًا على خشبة فصلى بالتيمم, ثم خلى نأمره بالقضاء, فهب يعيد التيمم؟ وفيه وجهان. وكذلك لو صلى في بيته منفردًا بالتيمم ثم أدرك الجماعة فأراد الإعادة, ففي قول بعض أصحابنا بخراسان يعيد بنية السنة, وعلى هذا يعيد التيمم الأول, وفي قول يعيد بنية الفرض ففي جوازه بالتيمم الأول وجهان. فرع لو نسي صلاتين من صلوات يوم وليلة ولا يعرف عينهما, فإن قلنا بالوجه الضعيف يلزمه أن يتيمم لكل صلاة منها فهاهنا أولى, وإن قلنا بالوجه الصحيح هاهنا بالخيار إن شاء صلى خمس صلوات ويتيمم لكل واحدة منها, وإن شاء يتمم فصلى به الصبح والظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة وأيهما فعل, فقد أدى الصلاتين المتروكتين بتيممين, في الأول قلد الصلاة وكثرة التيمم, وفي الثاني [١٥٩ ب/١] كثرة الصلاة وقلة التيمم, فالأول ذكره صاحب التلخيص والثاني والثاني ذكره ابن الحداد. وأدى بالتيمم الأول الظهر والعصر والمغرب والعشاء ثم تيمم فصلى الصبح والظهر والعصر والمغرب لم يجز, لاحتمال أن عليه العشاء مع إحدى الصلوات الثلاث التي بين الصبح والعشاء, فأدى بالتيمم الأول إحدى الثلاث فلم يجزه العشاء به, وبالتيمم الثاني لم يعد العشاء, فإن أراد أن يجوز فليصل العشاء بهذا التيمم الثاني, وعلى هذا لو بدأ فأدى العشاء ثم المغرب, ثم العصر, ثم الظهر, ثم تيمم فصلى المغرب, ثم العصر ثم الظهر, ثم الصبح جاز, وإن بدأ بالمغرب إلى الصبح ثم تيمم وصلى العشاء إلى الظهر لم يجز, إلا أن يعيد الصبح بهذا التيمم كما ذكرنا في العشاء.

стр. 185

فرع آخر لو نسي صلاتين من صلوات يومين وليلتين ولا يعلم عينهما فإن كانا مختلفتين فهي: بالوجه الضعيف يلزمه أن يصلي عشر صلوات بعشر تيممات, وإن قلنا: بالآخر يصلي خمس صلوات بتيمم واحد, ثم يصلي خمس صلوات بتيمم, فيكون مؤديًا إحداهما بالتيمم الأول ومؤديًا للثانية بالتيمم الثاني. قال القفال: فإن قال: أريد ان أصلي صلاتين بكل تيمم فكيف أصنع؟ [١٦٠ أ/١] قلنا: إن أديت بينهم ظهرين وتيمم عصرين هكذا لم يجز, لكن إن خالفت فأديت بتيمم ظهرًا وعصرًا, ثم يتيمم عصرًا ومغربًا, ثم يتيمم مغربًا وعشاء, ثم يتيمم عشاء وصبحًا. ثميتيمم صبحًا وظهرًا جاز, إلا أنه تطويل الأمر على تعاينه, إذ يكفيه عشر صلوات تيمم, والآن يؤديها بخمس تيممات, وإن تيقن أن عليه صلاتين ولا يعلم هل هما مختلفتان أو متفقتان, يلزمه أن يأخذ بأسوأ الحالين وأغلظهما, وهو أن يكونا متفقتين على ما بيناه. فرع لو اشتبه الأمر على حاج, فلم يدر أن أترك صلاة فرض؟ أو طواف فرض, إن كان عليه يأتي بالطواف وبالخمس صلوات بتيمم واحد, وهذا على الوجه الصحيح, وعلى الوجه الآخر بتيمم ست تيممات. مسألة: قال: "ويصلي بعد الفريضة النوافل وعلى الجانئز ويقرأ في المصحف". الفصل وهذا كما قال به. ذكرنا أنه يصلي بتيمم واحد مع الفريضة ما شاء من النوافل, ومن أصحابنا من قال: إنما يجوز أن يتنفل به ما دام وقت الفريضة باقيًا, فإذا خرج الوقت لا يجوز أداء النوافل به, وهذا غير صحيح, وهكذا يجوز أن يقرأ في المصحف, ويستحب سجود القرآن, لأنه نافلة وأما إذا أراد أن يصلي به صلاة الجنازة. قال أصحابنا: إن لن يتعين عليه فهي بمنزلة النوافل يجوز أدائها [١٦٠ ب/١] به وأن تعينت عليه, قال أبو إسحاق لا يلزمه تجديد التيمم لها؛ لأنها ليست من فرائض الأعيان وهو المذهب الشافعي, ومن أصحابنا من قال: يلزمه تجديد التيمم لها, لأنها لما تعينت عليه صارت من فرائض الأعيان, وهذا أقيس. وقول الشافعي محمول على الغالب, وهو أنها لم تتعين عليه, وهذا اختيار الشيخ أبي حامد, والأول أصح لأنه ليس لها مرتبة فرائض الأعيان, ولا يصير بمنزلتها, وإن تعينت عليه لأنها, وإن لم تتعين فبالفعل تتعين وتقع فرضًا, ينبغي أن لا يجوز أداؤها به أصلاً لهذا المعنى.

стр. 186

فرع لو حضرت جنازتان في سفر وليس هناك من يسقط الفرض غيره فعدم الماء يصلي عليهما بتيمم واحد على قول أبي إسحاق, وعلى قول غيره يحتاج إلى التيممين فلا يجوز أن يصلي عليهما دفعة واحدة, ولا يجوز أن يتيمم تيممين, ثم يصلي عليهما صلاة واحدة , لأنه يكون بمنزلة التيمم الواحد بل يتيمم ويصلي على إحداهما ثم يتيمم ويصلي على الأخرى. فرع هل يجوز الصلاة على الجنازة قاعدًا مع القدرة على القيام؟ ومن أصحابنا من قال: فيه قولان بناءًا على هذا الذي ذكرنا فيما تقدم, ومن أصحابنا من قال: لا يجوز قولاً واحدًا. وينص عليه الشافعي. وكذلك لا يجوز أداؤها على الراحلة؛ لأن معظم [١٦١ أ/١] الركن فيها القيام, فإذا ترك القيام لم يبق شيء بخلاف ما لو أداها بالتيمم الأول. فرع لو تيمم لجنازة تعينت عليه وصلى عليها, لم يجز أن يصلي به مكتوبة قولاً واحدًا. وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن قلنا: إذا تيمم للنفل يؤدي به الفريضة فما هذا أولى, وإن قلنا: لا يؤدي به الفريضة فهاهنا وجهان, والفرق أن صلاة الجنازة من جنس الفرائض فكان حكمها أوقى بخلاف النافلة, ولو تيمم لنافلة قال في"البويطي" له أن يصاي على الجنازة وهذا على ما ذكرنا من الاختلاف. فرع آخر التيمم لا يرفع الحدث, وحكي عن داود وبعض أصحاب مالك أنه يرفع الحدث, وهذا غلط لأن الجنب إذا تيمم ثم وجد الماء يغتسل ويتوضأ فثبت بقاء الحدث الأول. فرع آخر يجوز للمتيمم أن يصلي بالمتوضئ. وقال محمد: لا يجوز, وروى هذا عن علي ﵁ وهذا غلط لأن من جاز أن يكون إمامًا للمتيمم جاز أن يكون إمامًا للمتوضئ كالمنصوص. مسألة: قال: "فإن تيمم بزرنيخ أو بنورة". الفصل وهذا كما قال قصد به الرد على أبي حنيفة، وقد ذكرنا ما قيل فيه، ووافقنا أبو حنيفة في الذريرة أنه لا يجوز التيمم بها.

стр. 187

باب جامع المتيمم والعذر فيه مسألة: قال: ((ويسن للمسافر أن لا يتيمم إلا بعد دخول [١٦١ ب/ ١] وقت الصلاة)). الفصل وهذا كما يقال: لا يجوز التيمم إلا بوجود خمس شرائط متفق عليها، وسادس مختلف فيه بين أصحابنا. فأما المتفق عليها فدخول الوقت، وطلب الماء بعد الدخول، ووجود العذر من سفر أو مرض أو غيرهما، والنية للمكتوبة. وأما المختلف فيه فتعيين النية. وقال ابن أبي أحمد: فرض التيمم ستة: طلب الماء، والنية للمكتوبة، والقصد إلى التراب، ومسح الوجه واليدين، والترتيب. وعندي كلاهما غير صحيح، لأنه يخلط الشرائط بالأركان، والأولى أن يقال شرائط التيمم هي أربعة: دخول الوقت، وطلب الماء، وإعوازه بعد الطلب، ووجود العذر على ما ذكرنا، وإن كان التيمم ... النذر على الوصف الذي ذكرنا، ومسح الوجه واليدين، والترتيب، والقصد إلى التراب، وقيل هي خمسة ويدل القصد إلى التراب، التراب الظاهر ذكره في الحاوي، وفي ((القديم)): زاد الموالاة فيكون ستة، وأما سنة التيمم قال أصحابنا: شيئان التسمية والبدأة باليمين، وعندي أنها ثلاث، والثالثة: تخليل الأصابع ومسح إحدى الراحتين على الأخرى على ما تقدم بيانه، ويكره فيه التكرار، فإذا تقرر هذا فاعلم أنه لا يجوز التيمم لفريضة الوقت قبل دخول وقتها، وبه قال مالك، وأحمد، وداود، وقال الزهري: لا يجوز التيمم لها حتى يخاف فوت الوقت [١٦٢ أ/ ١] ولا يصلي به حتى يتضيق وقتها ويخاف الفوت أيضاً. وقال أبو حنيفة: يجوز التيمم لها قبل الوقت كالوضوء. واحتج الشافعي عليه بظاهر قوله تعالى: ﴿إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وجُوهَكُمْ﴾ إلى قوله ﴿لَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا﴾ [المائدة: ٦] والقيام إلى الصلاة إنما يكون بعد دخول الوقت. فرع قال بعض أصحابنا بخراسان: وقت التيمم لصلاة الخسوف عند الخسوف، ولصلاة الاستسقاء عند خروج الناس إلى الصحراء، ولصلاة الجنازة إذا غسل الميت، ولتحية المسجد بعد دخول المسجد، وقيل: عند دخول المسجد، ولصلاة العيدين عند الدخول فيها وللسنن الراتبة، بعد حضورها، وقيل: هل يجوز لصلاة بعد الموت قبل غسله؟ وجهان: أحدها: يجوز لأنها قد وجبت بالموت. والثاني: لا يجوز لأنه لا يستبيح فعلها قبل الغسل، وفي هذا عندي نظر، لأنه إذا تيمم لصلاة النافلة مطلقاً يجوز أن يؤدي هذه الصلوات إلا صلاة الجنازة، فإن فيها كلاماً يشترط في صحة أدائها بالتيمم قبل دخول وقتها.

стр. 188

فرع قال في ((البويطي)): لو تمم لنافلة في الوقت الذي نهي عن الصلاة فيه لم يجزه ذلك، ولا إعادة عليه، وأراد به أنه إذا تيمم في الوقت المنهي عن صلاة النفل فيه، ثم صلى به النفل بعد ذلك الوقت لا يجزيه، وذلك لأنه يجري مجرى التيمم للفريضة قبل دخول [١٦٢ ب/ ١] وقتها، وهذا إذا كانت النافلة لا سبب لها، وفيها وجهان، وهذا غلط. فرع آخر لو تيمم للنفل في غير وقت الكراهية لا يبطل تيممه لأن التيمم صح والوقت في الجملة قابل للصلاة. فرع آخر لو لم يتذكر الفائتة فقال: أتيمم لفائتة إن تذكرها؟ أصلها به لا يجوز أداؤها به إذا ذكرها على ما ذكرنا، أن وقتها عند التذكر لقوله ﷺ ((من نسي صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها)). فرع آخر لو تيمم في أول الوقت، ثم صلى في آخر الوقت نص في ((البويطي)) أنه يجوز، لأنه تيمم في وقت لكنه فعل الصلاة به. وهكذا لو ذهب الوقت فصلاها قضاء به يجوز، لأن التيم قد صح فلا يزول حكمه إلا بحدث أو فعل الصلاة. قال أصحابنا: فإن سار بعد تيممه إلى موضع آخر، أو حدث ركب يجوز أن يكون معهم ماء احتاج إلى موضع آخر، أو حدث ركب يجوز أن يكون معهم ماء احتاج إلى تجديد الطلب وإعادة التيمم. وقال بعض أصحابنا، وهو اختيار ابن سريج، والأصطخري: يلزمه أن لا يؤخر الصلاة بعد التيمم إلا بقدر الأذان والإقامة ومستويات فريضته، فإن أخرها عن ذلك حتى تراخى به الزمان بطل تيممه، كطهارة المستحاضة يلزمها تعجيل الصلاة عقيب طهارتها، والأول أصح وهو المنصوص على ما ذكرنا، وتفارق المستحاضة، لأن حدثها يتوارى عقيب طهارتها. بخلاف المتيمم [١٦٣ أ/ ١]. وأما طلب الماء فلابد منه ولا يصح تيممه إلا بعد طلبه. وقال أبو حنيفة: لا يحتاج إلى الطلب، ويجوز تيممه، لأنه غير عالم بوجود الماء بحضرته، وهذا غلط لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة] ولا يقال لم يجد إلا بعد الطلب والعدم. فرع لا يصح طلب الماء إلا بعد دخول وقت الصلاة، فإن طلب قبل دخول وقتها لم يعتد

стр. 189

به، وعليه استئناف الطلب بعد دخول وقتها، إلا أن يكون على ثقة من أن الأمر على ما شاهده ولم يتغير ولم يطرأ من يسئله عن الماء، فلا يلزمه العود عليه، لأنه بعد دخول الوقت عالم بعدم الماء حواليه فلم يحتج إلى طلبه، ذكره القاضي الطبري. وهذا يؤكد اختياري مما تقدم من المسألة. وقال بعض أصحابنا: هذا إنما يكون إذا كان ناظراً إلى مواضع الطلب ولم يتجدد فيها شيء، فأما إذا غابت مواضع الطلب عنه يجوز أن يكون تجدد فيها حدوث الماء، فيحتاج إلى الطلب، فإن قيل: إذا طلب بعد دخول وقت الصلاة، ولم يتيمم عقيبه جاز أن يتيمم بعد ذلك، ولا يلزمه إعادة الطلب، وإن كان التجدد مجوزاً قلنا: إذا طلب في وقت الطلب لم يلزمه إعادة الطلب إلا أن يعلم تجدد أمر، لأنا لو كلفناه ذلك أدى إلى [١٦٣ ب/ ١] المشقة، وإذا طلب قبل وفيه كلف إعادته لتفريطه في تقديم الطلب على الحاجة، وهذا أحسن والأقيس ما ذكرت. فرع اعلم أن الطلب يكون بوجهين: أحدها: بالمسألة والاستخبار عمن يظن أن عنده علماً بمياه ذلك الموضع، أو عنده ماء يبذله له. والثاني: بالتفتيش والنظر، فيبدأ بتفتيش رحله إن لم يكن عنده علم بأنه لا ماء فيه، ثم ينظر يميناً وشمالاً ووراءه وأمامه إن لم يكن دون نظره حائل من جبل أو غيره، وإن كان دون نظره حائل من جبل أو غيره سار إلى ذلك الموضع حتى يزول عنه الحائل، ثم نظر حواليه على ما بينا. فرع لو ظهرت قافلة كبيرة إلى متى تطلب الماء؟ فيه وجهان: أحدها: إلى أن يبقى من الوقت مقدار الفعل. والثاني: إلى أن يبقى قدر ما يصلى ركعة، لأن الصلاة لا تكون قضاء، ولا يأثم بتأخيره في هذا القدر. فرع آخر لو سأل رفيقه فدله على ماء قريب يلزمه قصده بثلاث شرائط، أحدها: أن لا ينقطع عن أصحابه. والثاني: أن لا يخاف منه القصد على نفسه ولا على رحلة في القافلة. والثالث: أن لا يخاف فوت وقت الصلاة، فإن خاف على نفسه أو رحله في القافلة. والثالث: أن لا يخاف فوت وقت الصلاة، فإن خاف على نفسه أو رحله أو خاف خروج الوقت، أو كان أصحابه أن لا ينتظرونه [١٦٤ أ/ ١] فله أن يتيمم في الحال. فرع آخر لو كان هناك بئر ولكن لا جبل معه، فإن أمكنه أن يوصل إلى الماء ثيابا يشد بعضها إلى بعض لزمه ذلك، لأنه يصل إليه من غير مشقة، وإن كان الماء بعيداً، وفي قصده مشقة لا يلزمه قصده، وإنما يلزمه قصده إذا كان قريباً في العادة، وقال في ((البويطي)) تؤخر الصلاة إلى آخر الوقت، فإن صلى في أوله، ثم وجد ماء يوصله إلى الماء من

стр. 190

الرشا ونحوه في آخر الوقت أحببت أن يعيد الصلاة. فرع آخر لو كان يقدر على نزول البئر بأمر ليس عليه فيه خوف نزلها، فإن خاف على نفسه من ذلك تيمم، وكذلك إن قدر عليه بحفر ذراع أو ذراعين من غير تعب شديد فإنه يلزمه. فرع لو كان لا يقدر على ماء البئر إلا ببل ثوب توكس قيمته إن بله، فإن نقص من ثمنه تعديله بقدر ثمن الماء لزمه أن يبله فيه، وإن نقص أكثر لم يلزمه، ومن أصحابنا من قال: إن كان النقص بقدر أجرة الدلو والحبل يلزمه، وإلا فلا يلزمه، وهكذا لو كان معه عمامة يحتاج إلى شقها بنصفين ليصل إلى الماء. فرع آخر لو لم يصل إلى الماء لعذر أو سبع كان هذا بمنزلة عدمه، ولو ركب البحر ولا ماء في المركب [١٦٤ ب/ ١] ولا يقدر على الاستقاء لاضطرابه، أو ليس معه حبل يأخذ به الماء منه تيمم وصلى ولا يعيد، لأنه غير قادر نص عليه في ((الأم)). فرع آخر لو وصل المسافر إلى جب ماء في الطريق لا يتوضأ منه، لأن صاحبه وضعه للشرب لا للوضوء منه ذكره أصحابنا. فرع آخر لو كان هناك مسلم أو ذمي أو بهيمة تحتاج إلى الماء، فإنه يترك الماء له ويتيمم، لأنه محرم، ولو كان هناك مرتد، أو حربي، أو كان عقور لا يترك الماء له بل يتوضأ به، لأنه مباح للإهلال. فرع آخر لو كان يعلم أنه يحتاج إلى الماء غداً لا يلزمه استعماله في وضوءه، وإن كان يرجو وجود الماء في غده ولا يتحقق وجهان: أحدهما: لا يلزمه استعماله لأن الأصل عدم وقدم لا يجده، ويحتاج إلى الماء ليشربه فحاجته مقدمة على العبادة. والثاني: يلزمه استعماله لأن الظاهر وجود الماء في مكان تعهد فيه الماء، ولو كان معه ماء يحتاج إلى بيعه للنفقة، فإنه يبيعه ويتيمم. وأما إعواز الماء بعد الطلب يشترط بلا إشكال، وإعوازه عدمه ويعزوه، ويقال: رجل معوز إذا لم يكن له شيء، وأما العذر

стр. 191

فلا بد منه، والعذر عذران سفر ومرض، فالمرض يأتي حكمه. وأما السفر فيجوز التيمم فيه [١٦٥ أ/ ١] طويلاً كان أو قصيراً، حتى لو خرج إلى بعض السواد إلى صنيعة له فعدم الماء في الطريق فله التيمم والصلاة، ولا إعادة عليه، وذكر هذا في ((البويطي)) ثم قال: وقد قيل: إنه لا يتيمم إلا في سفر تقصر فيه الصلاة، فمن أصحابنا من قال: أراد به قول بعض الناس، وليس هذا بقول آخر للشافعي، ومنهم من قال: فيه قولان، والصحيح الأول، لأنه يعدم الماء في مثل هذا الموضع غالباً فأشبه السفر الطويل، وليس كالفطر والقصر، لأنه يراعى فيهما المشقة وهي في السفر الطويل دون القصير غالباً بخلاف هذا. واحتج الشافعي فيه بظاهر القرآن وبابن عمر. وأما ظاهر القرآن فمعلوم وهو قوله تعالى: ﴿وإن كُنتُم مَّرضي أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ إلى قوله ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣] ولم يفصل. وأما ابن عمر- ﵁ فتمام الخبر ما روي أنه انصرف من قرية يقال لها حرف قريب من المدينة فبلغ موضعاً مشرفاً على المدينة يقال له: مربد، فدخل وقت العصر فطلب الماء للوضوء فلم يجد، فجعل يتيمم، فقال له نافع مولاه: أتيمم وهو ذي تنظر إليك جدران المدينة فقال: أو .... حتى أبلغها، وتيمم وصلى، ثم دخل المدينة والشمس حية بيضاء فلم يعد الصلاة، وقال القفال: في الحقيقة لا يتعلق التيمم [١٦٥ ب/ ١] بالسفر، بل يتعلق بعدم الماء في الموضع الذي يعدم فيه غالباً، فإن الرجل لو أقام في مفازة يعدم الماء فيها غالباً وطالت إقامته له التيم ولا يعيد، وفي مثله ورد الخبر، وهو ما روي عن أبي ذر- ﵁ قال: كنت بالربذة، فكنت أفقد الماء أياماً، فقلت: هلك أبو ذر، فأتيت رسول الله ﷺ فذكرت له فقال: ((التراب كافيك ولو لم تجد الماء عشر سنين)) وفي مسنده لو بلغ المسافر مصراً فنفذ فيه الماء فتيمم وصلى تلزمه الإعادة، وهذا صحيح كما ذكره، ولكن يجوز أن يحال به على السفر على حكم العادة الغالبة. وقال والدي الإمام- ﵀: يحتمل وجهاً آخر أن يقال: لا تلزم الإعادة على هذا المسافر في المصر، لأن حكمه حكم من هو في المفازة في القصر والفطر، ورأيت بعض أصحابنا يقول فيه وجهان، وقيل: جملة الأحكام المتعلقة بالسفر هي ثلاثة أضرب، ضرب يجوز في السفر الطويل والقصير وهو التيمم، والصلاة على الراحلة، وأكل الميتة عند الضرورة. وضرب لا يجوز إلا في السفر الطويل وهو الفطر، والقصر، والمستبيح ثلاثة أيام. وضرب فيه قولان وهو الجمع بين الصلاتين. وذكر بعد أصحابنا بخراسان: أن الصحيح من القولين في الصلاة على الراحلة أنه لا يجوز إلا في السفر الطويل، [١٦٦ أ/ ١] وهذا غلط والمشهور خلافه. فرع لو عدم الماء في الموضع الذي لا يعدم في مثله غالباً كالمصر، مثل أن يحبس فلا

стр. 192

يصل إلى الماء، أو غار عينها وانقطع الماء فدخل عليه وقت الصلاة يتيمم ويصلي، فإذا قدر على الماء توضأ به وأعاد. وبه قال محمد، وحكاه الطحاوي، عن أبي حنيفة، وأبي يوسف وقال زفر: لا يصلي أصلاً، وهو رواية عن أبي حنيفة، وقال مالك: يتيمم ويصلي ولا إعادة عليه، وبه قال الثوري، والأوزاعي، والمزني، واختاره الطحاوي. وقيل: إنه قول مخرج، والدليل على أنه يتيمم ويصلي أنه لا يمكنه استعمال الماء مع احتمال الضرر. وأما الإعادة إنما وجبت لأنه يندر فلا تشق الإعادة بخلاف المرض فإنه يعم، فشق الإعادة فاسقطناها، فإن قيل: الخائف من سبع إذا صلى مومئاً لا تلزمه الإعادة عندكم، وهذا غدر نادر لا يدوم. قيل: هذا خائف وحبس الخوف عام فلهذا أسقطنا الإعادة. فرع آخر لو عدم الماء والتراب، فإن يكون محبوساً في موضع لا يجدهما أو كان يجد تراباً نجساً، فإن أمكن أن ينفض رجله وثيابه ويجمع منه التراب الطاهر فعل، وإن لم يمكن فإنه يصلي على حسب حاله ويعيد. نص عليه في الجديد، وبه قال أبو يوسف، ومحمد، والليث، وأحمد، وقال في القديم: يعجبني أن يصلي حتى لا يخلى [١٦٦ ب/ ١] الوقت من فعل الصلاة فلم يقطع القول فيه. قال أصحابنا: فيه قولان لأن أحدها: ما ذكرنا. والثاني: لا يصلي ويحرم عليه ذلك ويقضي إذا قدر على الطهارة. وبه قال أبو حنيفة، والثوري، والأوزاعي. وقال بعض أصحابنا: يأمره أن يصلي قولاً واحداً، وهل يستحب القضاء أو يستحق؟ قولان، وقال مالك: لا تجب عليه الصلاة فلا يصلي ولا يقضي، كالحائض. وبه قال داود، وقال أحمد: يلزمه أن يصلي ولا إعادة عليه، وذكر بعض أصحابنا بخراسان: أن هذا قول مخرج للشافعي وهو غلط، والدليل على أنه يصلي ما روي أن النبي ﷺ بعث أسيد بن حضر وأناساً معه لطلب قلادة أصابتها عائشة- ﵂ فحضرت الصلاة، فصلوا بغير وضوء، فأتوا النبي ﷺ يذكروا له ذلك، فنزلت آية التيمم، ولم ينكر ﷺ ذلك، فإن قيل: فلم يأمره بالإعادة؟ قلنا: الإعادة على التراخي، ولم تدع الحاجة أغلى بيانها ويجوز تأخير البيان إلى وقت الحاجة، واحتج مالك: بأنه غير مأمور بها مع حدثه في وقتها فلا قضاء عليه كالحائض، قلنا: الحيض هو عذر عام فأسقط للقضاء كالإغماء، وهو عذر نادر فأشبه الحيض في حق [١٦٧ أ/ ١] الصوم لا يسقط القضاء، ويقيس على فقد السترة فإنه لا يمنع وجوب الصلاة. فرع لو وجد الماء وخاف الهلاك من البرد لو اغتسل، فإن أمكنه تسخين الماء لم يجز له التيمم، وإن لم يمكنه لعدم النار، أو لأن الرفقة لا ينتظرونه، فإن كان معه خرق وقطن يمكن أن يغسل عضواً ويدثره ويدفيه فعل، وإن لم يمكنه ذلك يتيمم ويصلي، فإن كان

стр. 193

ذلك في الحضر أعاد الصلاة وإن كان في السفر قال في ((الأم)): يعيد لأنه نادر، وقال في ((البويطي)): قد قيل لا يعيد، لأن عذر البرد يقع عاماً في السفر، فحصل قولان في السفر. وقال أبو حنيفة: لا يعيد بحال سواء كان في الحضر أو في السفر، واحتج بما روى عمرو بن العاص قال: احتملت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك فتيممت وصليت بأصحابي الصبح، فذكتر ذلك للنبي ﷺ فقال: ((يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب)) فقلت: إن سمعت الله تعالى يقول: ﴿ولا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩] فضحك النبي ﷺ ولم يقل لي شيئاً. فدل أنه لا يجب القضاء، لأنه لم يأمره به، وهذا غلط لما ذكرنا أنه نادر، ولا حجة في الخبر، لأنه يحتمل أنه [١٦٧ ب/ ١] أخر بيان القضاء إلى وقت الحاجة، فإنه ليس على الفور، ويحتمل أنه علم علمه بوجوب القضاء فلم يذكر ذلك. مسألة: قال: ((ولا يتيمم من مرض في شتاء ولا صيف إلا من به فرح له غور)). الفصل وهذا كما قال: المرض هو العذر الثاني في إباحة التيمم لقوله تعالى: ﴿وإن كُنتُم مَّرضي أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [النساء: ٤٣] إلى قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [النساء: ٤٣] فأجاز التيمم للمرض. قال أصحابنا: الأمراض على ثلاثة أضرب، ضرب يخاف منه التلف إما على نفسه، أو على العضو الذي كانت العلة به، أو يخاف منه المرض المخوف كالجراحات والجدري، فيجوز له التيمم قولاً واحداً. وحكي عن طاوس، وعطاء أنهما قالا: لا يجوز له التيمم بل عليه استعمال الماء، وهذا غلط روي عن جابر- ﵁ قال: كنا في سفر فأصاب رجلان منا حجر [في رأسه] فشجه فاحتلم، فسأل الناس هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: لا رخصة مع وجود الماء، فاغتسل فمات، وروي: فكن من البرد ومات، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: ((قتلوه قتلهم الله، هلا سألوا أو لم يعلموا، بإنما شفاء العي السؤال، كان يكفيه أن يتيمم ويعصب رأسه بخرقة ويمسح عليها ويغسل باقي جسده)) والمرض الثاني [١٦٨ أ/ ١] أن لا يخاف التلف ولا الضرر منه باستعمال الماء

стр. 194

كالصداع والحمى فلا يجوز له التيمم بسببه. وحكي عن مالك، وداود أنهما لا يجوز التيمم لكل مرض لظاهر قوله تعالى: ﴿وإن كُنتُم مَّرضي﴾ [النساء: ٤٣] الآية ولم يفصل، وهذا غلط لقوله ﷺ : ((لا يقبل الله صلاة أمرئ حتى يضع الطهور مواضعه)) الخبر فهذا عموم يعارض عمومه، لأن النبي ﷺ قال: ((الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء فجعل شفاء الحمى الماء، فلا يكون ذلك عذراً في قول استعماله، ولأنه واجد للماء ولا يخاف الضرر من استعماله، فلا يجوز له التيمم، كما لو كان به وجع السن والمرض الثالث: أن لا يخاف منه التلف، ولكنه يخاف للزيادة في العلة أو تباطؤ البرء، قال في ((الإملاء)) و ((البويطي)) و ((القديم)): يجوز له التيمم، فظاهر ما قاله في ((الأم)) أنه لا يجوز له التيمم إلا أن يخاف التلف، فاختلف أصحابنا فيه على طرق أحدها: يجوز له التيمم قولاً واحداً، لأنه يلحقه الضرر البين باستعمال الماء، ويخاف من زيادة العلة زيادة الوجع المؤدي إلى التلف، وهذا اختيار ابن سريج، والأصطخري، وهو الصحيح عندي، ونصه في ((الأم)) متأول على أنه أراج بالمرض المخوف خوف الزيادة. والطريق الثاني: وهو الذي عليه عامة أصحابنا، واختاره أبو إسحاق المسألة على قولين: أحدها: [١٦٨ ب/ ١] لا يتيمم له، وبه قال عطاء، والحسن، وأحمد، لأن ابن عباس- ﵁ قال في تفسير الآية: إذا كانت بالرجل جراحة في سبيل الله أو قرح أو جدري فيجنب، ويخاف أن يقتل فيموت بينهم بالصعيد. والثاني: يتيمم له، وبه قال أبو حنيفة، ومالك لقوله تعالى: ﴿وإن كُنتُم مَّرضي﴾ [النساء: ٤٣] فعم ولم يخص، وما ذكر عن ابن عباس فليس بتفسير، بدليل أن من كان به جرح في غير سبيل الله- جاز له التيمم بالإجماع، ولأن في ترك الصوم والقيام في الصلاة لا يشترط خوف التلف فكذلك ها هنا. والطريق الثالث: لا يجوز له التيم قولاً واحداً، وما قال في الإملاء، أراد به إذا يخاف زيادة يتولد منها التلف، وقد صرح في ((الأم)) فقال: لا لشين ولا لإبطاء برء، هذا لا أنه لا يجوز له التيمم للعطش إلا عند خوف التلف، كذلك ههنا، وهذا لا يصح، لأن بعض أصحابنا قولوا: إذا لم يحف التلف من التعطش بل خاف الألم والضر الشديد به فإنه يجوز له التيم في أحد الوجهين. فرع لو خاف منه الشين والشلل، قد قيل: فيه قولان، وقيل: لا يتيمم له قولاً واحداً، وقال ابن سريج، والأصطخري: يتيمم له قولاً واحداً، لأن ضرر هذا متأبد وهو

стр. 195

الصحيح عندي، وقال أبو الفياض، يتيم في الشلل دون الشين، لأن في الشلل [١٦٩ أ/ ١] إبطال العضو، وفي الشين فتحه، ويحتمل أن يقال في الشلل قول وحد يتيم له، وفي الشين قولان، وهذا إذا كان الشين كثيراً مثل أن يسود أكثر وجهه وتشوه خلقته، فإن كان يسيراً مثل أثر الجدري وأثر الجراحة اليسيرة فلا يجوز له ترك الماء قولاً واحداً. وقال بعض أصحابنا بخرسان: إن خاف الشين على مكان الجراحة لا يترك الماء قولاً واحداً. والقولان إذا خاف الشين في غير مكان الجراحة، والصحيح أنه لا فرق. فرع آخر لو خاف شدة الضنى، والضنى هو المرض المدنف الذي يلزم صاحبه الفراس ويضنيه. قيل: فيه قولان، قال في ((الجديد)) لا يتيمم له. وقال في ((القديم)) يتيمم له. وهذا أقيس وأصح عندي. وقيل: قول واحد أنه لا يتيمم له، والذي قال ((القديم)): أراد به الضنى المؤدي إلى التلف. فرع آخر لو لم يعلم هل يستضر من استعمال الماء أم لا؟ رجع إلى قول العدل، ولا يحتاج إلى شاهدين، لأن طريقة الخبر إذا تعذر الرجوع ليس له التيمم ذكره أبو علي السنجي. فرع آخر لو كان الطبيب فاسقاً فقال: هذا المرض مخوف يباح له التيمم مع وجود الماء، هل يقبل قوله؟ ظاهر مذهب الشافعي أنه لا يقبل قوله. وقال بعض أصحابنا: فيه وجهان: أحدها: يعتمد على قوله، لأن هذا هو من [١٦٩ ب/ ١] جنس المعاملات وقول الفاسق مقبول فيه، كالقصاب الفاسق إذا قال: هذا اللحم مذكى، أو هذا المال لفلان، أو أنا وكيله في البيع، فإنه يعتمد على قوله، والثاني: لا يعتمد على قوله فرع لو كان الطبيب صبياً مراهقاً، ظاهر المذهب أنه لا يعتمد على قوله. وقال بعض أصحابنا: فيه وجهان على نه هل تقبل دلالته على القبلة، وفيه قولان وهذا غير مشهور. فرع لو تيمم ثم ظن أن جرحه برء فلما رفع الساتر لم يبرأ لم يلزمه إعادة التيمم، وليس كمن لزمه طلب الماء، ثم لم يجد فإنه يلزمه إعادة التيمم، لأن طلب الماء شرط وطلب البرء غير واجب. وله أن يتيمم إلى أن يعرف البرء، وقيل: فيه وجهان، وكذلك لو توهم الاندمال فيه وجهان، ذكره بعض أصحابنا بخراسان وهو ضعيف.

стр. 196

مسألة: قال: "وَإِنْ كَانَ فِي بَعضَ جَسَدِهِ دُونَ بَعْضِ غُسْل مَا لاَ ضَرَرَ عَلَيْهِ وَتَيَمٌمَ". الفصل وهذا كما قال: إذا كان جراحات وأصابته جناية ولم يتمكن من الغسل التام، أو كان محدثاً على بعض أعضائه طهارته جراحات لا يتمكن من غسلها، فالمنصوص أنه يغسل الصحيح ويتيمم عن الجريح على الوجه واليدين. وبه قال عامة أصحابنا. وقال أبو إسحاق: يحتمل ن يخرج هذا [١٧٠ أ/١] على القولين اللذين ذكرهما الشافعي فيمن وجد من الماء ما يكفيه لبعض أعضائه، هل يلزمه استعماله؟ قولان لأنه لا يقوى الفرق بينهما. هكذا ذكره القاضي أبو حامد. وقال سائر أصحابنا: لم يذكر الشافعي في مسألتنا إلا قولاً واحداً، فلا يجوز إثبات قول آخر، والفرق أن ههنا هو واجد لما يرفع حدثه، وإذا عدم بعض الماء لا يجد ما يرفع حدثه، ولأن هناك العجز في الآلة لا في بدنه فتجعل القدرة على البعض كالا قدرة، وها هنا العجز، وهو في المحل دون الآلة، فيؤمر بالقدر الذي يمكن، كمقطوع اليد من لكوع بغسل الباقي، وهذا كالخير إذا لم يجد في كفارة اليمين بعض الطعام انتقل إلى الصوم وليس عليه إلا طعام، وإن كان بعضه رقيقاً، وبعضه حراً وهو مالك لجميع ما يلزمه من الطعام، لم يجز له الانتقال إلى الصوم فكذلك ها هنا. وقال أبو حنيفة: إن كان أكثر البدن صحيحاً يلزمه غسل الصحيح ولا يلزمه التيمم، وإن كان أكثره جريحاً يتيمم ولا يغسل منه شيئاً ولا يجمع بين الغسل والتيمم بحالٍ. فإذا تقرر هذا ترتيب عليه في التيمم وغسل ما قدر عليه، فإن شاء قدم التيمم وإن شاء آخرة، فإذا ٍ [١٧٠ ب/١] وجد من الماء ما لا يكفيه وقلنا: يلزمه استعماله، فإن يلزمه تقديم استعماله ليصير عادماً للماء ثم يتيمم، والفرق ن ذلك التيمم لعدم الماء فمما لم يعدم الماء لا يجوز له التيمم، وهذا التيمم للعجز والعجز موجود قبل غسل الصحيح، فجاز قبل غسله. وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان أحدها: يلزم الترتيب فيهما. والثاني: ما ذكرنا من الفرق وهذا ليس بشيء. فإذا تقرر هذا، فإن كان جنباً فهو بالخيار في تقديم ما شاء منهما لأنه لا ترتيب في الغسل من الجنابة، وإن كان محدثاً نظر إلى موضوع الجرح، فإن كان في غير أعضاء الوضوء يعرضه الوضوء، ولا حاجة معه إلى التراب، وإن كان في أعضاء الوضوء وجب الترتيب، كما لو قدر على غسل الكل لا ينتقل إلى عضو قبل إسقاط فرض ما قبله فعليه استعمال الماء في الصحيح والتراب في القريح، فإن كان في الوجه مثلاً قدم

стр. 197

مسحه بالتراب مع اليد، ثم غسل ما بعده بالماء، وإنما بدأ الشافعي بالتيمم ها هنا ليزيل بعد الغسل التراب عن وجهه، وإن كان في اليدين قدم غسل الوجه، ثم إذا فرغ تيمم على الوجه واليدين لليدين، ثم يغسل ما قدر من اليدين، لأنه لا يجوز المسح على الرأس قبل إسقاط فرض اليدين، ولو كان الجرح على رأسه ورجليه ولا يمكن [١٧١ أ/١] مسح جزء من رأسه يغسل وجهه ويديه، ثم يتيمم في وجهه ويديه للرأس والرجلين، ولا يجوز أن يقدم التيمم لمراعاة الترتيب، وبهذا قال جمهور أصحابنا، وهو المذهب، ومن أصحابنا من قال: فيه وجهان: أحدهما: هذا والثاني: له أن يؤخر التيمم إن شاء، وأن يقدم إن شاء، وأن يأتي به في حلال المغسول إن شاء، لأنه فرض بنفسه ينفرد عن الوضوء، وإنما يراعى الترتيب في عبادة واحدة، فأما في عبادتين فلا يراعى كما لو فاتته صلاتان يرتب كل واحدة منهما ولا يرتب إحداهما على الأخرى. وهذا هو اختيار أبي على الستجي- رحمة الله - ولم يساعده سائر أصحابنا على هذا، وقال جدي- ﵀: يغسل وجهه ويممه ولا يلزمه كمال التيمم، وكذلك في اليد، وعلل بأن كل عضو منفرد بنفسه واختار هذا، وعندي أنه لا وجه لهذا الاختيار. فإذا تقرر هذا، فلو أمكنه أن يغسل رأسه ولا يصيب القرح الذي في وجهه، بأن يستلقى أو يقنع رأسه فإنه يلزمه غسله، لأنه يقدر على غسله من غير ضرر يلحقه، وإن قدر على غسل ما حوالي القرحة فإنه يلزمه غسلها، وإن خاف إذا صب الماء عليه أن يتفش إلى القرح. قال في "الأم": أمسه الماء إمساساً [١٧١ ب/١] لا يفيض وأجزاء. فأقام المسح مقام الغسل، وحكم بجوازه للعذر، قال أصحابنا: حكم بجوازه مع التيمم، لأن التيمم ينوب عن جميع الغسل إذا تعذر، فالآن ينوب عن صفة الغسل وهي إفاضة الماء أولى إذا عجز عنها وقدر على المسح، وإن كان القروح في ظهره ولا يضبطه. قال في "الأم": إن كان من يضبطه برؤيته أمره بغسل الصحيح، وكذلك إن كان عمى ولا يضبط هذا في شاء من بدنه يلزمه أن بغسل الصحيح من بدنه، فإن لم يكن هناك أحد يصليان بالتيمم بعد غسل ما قدر عليه، والتيمم على الوجه واليدين، ثم يعيدان عند القدرة كما قلنا في الأقطع، وكذلك المريض إذا لم يقدر على من يوضئه وهناك ماء، ولو كانت له أفواه مفتحة على موضوع التيمم أمر التراب على ما انفتح منها لأنه لا ضرر عليها من التراب. وقد صار ظاهراً. فرع لو توضأ وتيمم للجرح ثم برأ الجرح حقيقة يغسل ما برأ، ثم يعيد غسل ما بعده على الترتيب، لأن جواز ذلك كان للعذر، وقد ارتفع العذر. وقال بعض أصحابنا: هل يلزمه الاستئناف أو يكفي غسل ذلك الموضوع؟ قولان بناء على ما لو نزع الخف هل يعيد الوضوء أو يكفيه غسل الرجلين؟ قولان، وهذا لا يصح لأن هناك لا يؤدي إلى ترك [١٧٢ أ/١] الترتيب. بخلاف ها هنا فلا معنى فيه للقولين.

стр. 198

فرع آخر لو كان الجرح على وجهه ويديه ورأسه بحيث لا يقدر على مسح شيء منه أصلاً ورجله يغسل ما قدر من وجهه ويتيمم لباقيه، ثم يغسل ما قدر من يديه ويتيمم للباقي، ثم يتيمم لمسح الرأس، ثم يغسل ما قدر من رجليه، ويتيمم لما بقي فيحتاج إلى أربع تيممات كما ذكرنا من مراعاة الترتيب، ثم إذا دخل وقت صلاة أخرى عاد حكم الحدث في حق الفريضة الثانية فيعيد التيممات ويراعى الترتيب، ولا يلزمه إعادة ما غسل من الوجه، ويلزم إعادة ما بعده. فإن قيل: أليس التيمم يقع على جميع الأعضاء الأربعة ويسقط به الفرض دفعة واحدة من غير مراعاة الترتيب، .... ويكفيه تيمم واحد. كما قال أبو علي- ﵀، قيل: إذا وقع عن جملة الوضوء كان الحكم له دون أعضاء الوضوء، وههنا ينوب عن بعضها، ويفعل بعضها فعتبر فيما يفعل من ذلك الترتيب. مسألة: قال: "وَإِنْ كَانَ عَلَى قُرْحِهِ دًمُ يَخَافُ غُسْلَهُ تَيَمٌمَ وَصَلَ وَأَعَادَ" وفي نسخة: "وإن كان على قروحه". وهذا كما قال: إذا كان على قرحه دم يخاف عسله وهو جنب ومحدث، ولكن الجرح كان على بعض أعضاء وضوءه، ولولا الخوف لم تجزه الصلاة دون غسله ذلك يتيمم [١٧٢ ب/١]، لترك غسل بعض أعضاء الطهارة للعذر، ثم عليه إعادة الصلاة، لأنه صلاها مع نجاسة لا يعفى عن غسل مثلها. والتيمم إنما يكون بدلاً عن الغسل في طهارة الحدث لا في طهارة النجس. وقال أبو حنيفة: يصلي بالتيمم ولا يعيد. وبه قال المزني، وقد قال ابن خيران: للشافعي قول في القديم أنه يلزمه الإعادة. وسائر أصحابنا قالوا: هذا قول الربيع والمزني، فالمسألة على قول واحد أنه يعيد لأنه عذر نادر لا يدوم. فرع لو كان عليه نجاسة ولا ماء معه لا يتيمم لأجل النجاسة، وروى عن أحمد أنه قال: يتيمم لها، لأن إزالة النجاسة إحدى الطهارتين فينوب عنها التيمم كالطهارة من الحدث، وهذا غلط لأن التراب لو ناب عن الماء لكان يقع في محله كالاستنجاء، والوضوء. فرع آخر لو كان محدثاً وعلى بدنه نجاسة ومعه ما يكفيه لأحدهما يقدم إزالة النجاسة. قال أحمد: يقدم إزالة الحدث، وهذه ول مسألة خالف فيها أبو حنيفة أستاذه حماداً، وهو

стр. 199

غلط، لأن الماء إذا استعمله في إزالة النجاسة ثم تيمم يصلي طاهراً من النجاسة بالماء، ومتيمماً عن الحدث ولا يلزمه إعادة الصلاة، وإذا استعمله في الحدث يصلي مع النجاسة ولا ينوب عنها التيمم وتلزمه الإعادة، فكل ما قلناه [١٧٣ أ/١] أولى. فرع آخر هل يجوز أن يتيمم لحدثه قبل استعمال الماء في نجاسته؟ وجهان: أحدهما: يجوز، لأنهما طهارتان مختلفتان عن شيئين فلا تكون إحداهما بالتقديم أولى، وهذا أصح. والثاني: لا يجوز، لأن التيمم إذا لم يستبح به الصلاة كان باطلاً، وإذا تقدم مع بقاء النجاسة لا تستباح به الصلاة، وهذا غلط، لأن المقروح يقدم التيمم على الماء، وإن كان لا يستبيح به الصلاة. مسألة:)) وَإِذًا كَانَ في الْمِصْرِ في خًشً، أَو مَوْضَعٍ نَجِسٍ، أًوْ كَانَ مَرْبٌوطاً عَلَى خَشَبَةٍ صًلَّى يُومِاءُ وًيًعُيدُ إِذَا قَدَرَ)) وهذا كما قال الحش: هو البستان من النخيل كان الناس يأتونه للغائط والبول، فلما حدثت هذه الكنف استعاروا هذا الاسم، وحملته أنه إذا حبس الإنسان في موضع نجس وهو متطهر فدخل عليه وقت الصلاة ومعه ما يستر به عورته، يستر عورته ويحرم بالصلاة ويأتي بالقيام والقراءة والركوع، فإذا أراد أن يسجد فإنه يدنى رأسه من الأرض إلى أقصى ما يقدر عليه ولا يضع جبهته وأنفه ولا يديه ولا ركبتيه على الموضع النجس، فإذا بلغ التشهد فإنه يتشهد قائماَ، ولا يجوز له أن يجلس للتشهد على الموضع النجس. وقد روى عبد الله بن مسعود- ﵁ أن النبي ﷺ [١٧٣ ب/١] قال: ((إذا لم يقدر أحدكم على الأرض، وإذا كنتم في طين وقصب أو مؤوا إيمان)). وروي ن النبي ﷺ سئل عن الصلاة في الرداغ والقصبا فقال: ((إذا لم يستطيع أحدكم أن يسجد فليوماء إيماء)). ومن أصحابنا من قال: يكون على رجليه عند التشهد بحيث لا يكون على الأرض منه إلا رجلاه، ةهذا هو أصوب عندي. ومن أصحابنا من قال: إنه يسجد على الموضع النجس كما يسجد على الموضع الطاهر، وقول الشافعي: صلى يوماء يرجع إلى مسألة المربوط؛ لأنه لا يقدر على أكثر من الإيماء. فأما المحبوس في الحش فلا، وهذا لأن السجود ركن من أركان الصلاة، والطهارة شرط من شرائطها، فلا يجوز له ترك الركن المقدور لعدم الشرط، وهذا خلاف ظاهر النص، ألا ووجهه أن فرض الصلاة قد يسقط مع ترك السجود والركوع إلى الإيماء، ولا يسقط مع مباشرة النجاسة.

стр. 200

وذكر بعض أصحابنا ما يدل على أنه يضع أعضاء السجود على النجاسة ويدنى جبهته إلى الأرض، وهذا أيضاً غلط. وحكى الطحاوي، عن أبي حنيفة أنه لا يصلي صلاً، وقال صاحب ((الحاوي)): عندنا هل يصلي واجباً أو استحباباً؟ قولان: أحدهما: قال في ((القديم)) وإملاء)): يصلي استحباباً [١٤٧ أ/١]. والثاني: قاله في ((الجديد)). وفي ((الأم)): يصلي واجباً ولا شك أنه يحل له أن يصلي بحرمة الوقت وهذا غريب. فرع إذا صلى هكذا، قال بعض أصحابنا: هل يلزمه إعادة الصلاة؟ قولان. قال في ((القديم)): لا تلزمه الإعادة. ومن أصحابنا من قال: يلزمه إعادتها قولاً واحداً خلافاً للمزني، ولا يصح القول الآخر عن القديم، وهذا لأنه نادر لا يدم فلا تسقط الإعادة. فرع آخر إذا أعادها. ماذا يكون فرضه؟ قال في ((الأم)) الثانية فرضه لأنه لا يعتد بالأولى، وإنما أمرته بها لأنه يقدر على الصلاة بحال فلا أدري ن يمر به وقت الصلاة ولا يصلي كيف أمكنه. وقال في ((الإملاء)): كلتاهما فرضه لأنه لا يعتد بالأولى وإنما أقرته بها لأنه يقدر على الصلاة بحال فلا أرى أن يمر به وقت صلاة ولا يصلي كيف أمكنه وقال في الإملاء: كلتاهما فرضه لأنه أتي ببعض الأفعال في الأولى وباقيها في الثانية، والله تعالى يحتسب له بهما؛ لأن فعلهما كان فرضاً متوجهاً عليه. وهذا اختيار بعض مشايخنا. وقال في ((القدم)): الأولى في فرضه، والثاني سنة، وهذا هو غير قول المزني، وخرج أبو إسحاق قولاً رابعاً أن الله تعالى يحتسب له بأيهما شاء، وإنما خرجه من قول الشافعي في ((القديم)) إذا صلى من [١٧٤ ب/١] لا عذر له الظهر يوم الجمعة، ثم حضر الجامع وصلى الجمعة يحتسب الله تعالى له بأيتها شاء فحصل أرعة أقوال، والمشهور الأول، ومن بصر قول الإملاء قال: هذا الذي خرجه أبو إسحاق لا يصح؛ لأنه وجب عليه أن يسقط فرضه بالجمعة ولم يأمره بهما، وها هنا أمر بهما فيجب ن يكونا فرضين. فرع آخر لو قدر على شيء طاهر يبسطه على الموضع النحس سوى ما يستر به عورته يلزمه أن يبسطه، ويصلي عليه حتى لو قدر على أن يفرش تراباً طاهراً يلزمه أن يفرشه ويصلي عليه ولا إعادة. وقال بعض أصحابنا بخراسان لو كان على بدنه ثوب طاهر يستر العورة فإنه ينزعه ويبسطه، ويصلي عارياً لتكون صلاته على موضع طاهر في أحد الوجهتين. وهذا هو

стр. 201

خلاف المذهب المشهور. وأما المربوط على خشية. فإنه يأتي بما قدر عليه ويوماء بما لا يقدر عليه، والذي يقدر عليه التكبير والقراءة والتشهد ويلزمه الإعادة، وهكذا الأسير يمنع والمستكره، ومن حيل بينه وبين تأدية الصلاة صلى كما قدر جالساً ومومئاً وأعادها إذا قدر. نص عليه في ((الأم))، وقال القفال: إن كان المربوط مستقبل القبلة لا إعادة، وإن كان إلى غير القبلة فإنه تلزمه [١٧٥ أ/١] الإعادة، وهكذا الغريق يتعلق بعود ويصلي بالإيماء، وذكره ابن أبي أحمد في ((التلخيص)) وهو خلاف النص المشهور، وقيل: هل يعيد الغريق؟ قولان على الإطلاق، وفي المريض إذا لم يجد من يوجهه إلى القبلة صلى كيف قدر وهل يعيد؟ قولان كالغريق، وقيل: قول واحد أنه يعيد؛ لأنه يندر في حقة ذلك في الغالب. مسألة: قال: ((وَلَوْ أَلْصَقَ عَلَى مَوْضِع التَّيمٌمِ لُصُوقاً نَزَعَ اللٌصُوقَ وَأَعَادَ)). وهذا كما قال. اختلف أصحابنا في صورة هذه المسألة فمنهم من قال: صورتها ألا يكون القرح على موضع التيمم فألصق عليه لصوقاً يمنع إيصال التراب إلى البشرة، مثل الكاغد أو القطنة، ولا يخاف من نزعه الضرر ولكن يخاف من إمرار المء على ما تحته؛ ولا يخاف من إمرار التراب عليه إذ لاضرر منه، يلزمه غسل ما قدر عليه ويتيمم على الوجه واليدين، وبنزع اللصوق وهو التراب عليه ويصلى ولا يعيد الصلاة. وقوله: وأعاد: أراد إعادة اللصوق على موضعه. ومن أصحابنا من قال: صورتها أنه يخاف من نزعه الضرر لإيصال الغبار إلى ما تحته يتيمم فوق اللصوق، ويكون حكمه حكم الجبيره يمسح عليه ويعيد الصلاة إذا قدر. ونص عليه في ((القديم)) فقال: يمسح على اللصوق إذا لم يكن نزعه وقوله أعاد: أي أعاد [ب ١٧٥/ ١] الصلاة إذا برأ وقدر على نزعه، وهذا على القول الذي يقول: إن صاحب الجبائر يعيد الصلاة وهذا أولى؛ أن الشافعي يتكلم في الأحكام وإعادة اللصوق إلى موضعه ليس بحكم بل هو تدبير للجريح. مسألة: قال: ((وَلاَ يَعْدُو بِالْجَبَائِرِ مَوْضِعِ الْكَسْرِ)). وهذا كما قال: الجبائر هي ألواح من الخشب، أو من الصب تربط على العظم المكسر من الساق أو الساعد لتنجبر، واحدتها جبيرة وجبارة، وجملته أنه إذا انكسر عضواً من أعضائه وأراد شد الجبائر عليه شدها على الطهارة، كالخفين يلبسهما على الطهارة إذا أراد المسح عليها، ولا يعدوا بالجبائر موضع الكسر وحوله الذي لا يمكن الجبر إلا بوضعها عليه، وفيما نقله المزني خلل؛ لأنه لم يقل وحوله، والشافعي كان قد قال ذلك، وقيل: هذا مراد المزني وإن لم ينقل ذلك، واللفظ محتمل فلا خلل فيه، ثم إذا وضعها كذلك فدخل وقت الصلاة وقد أحدث، فإن لم يخف من حلها ضرراً

стр. 202

لزمه حلها، وإن خاف من حالها ضرراً مسح على الجبائر جنباً كان أو محدثاً في كيفية المسح. أحدهما: يستوعبها بالمسح؛ لأنه مسح أقيم مقام الغسل للحجز لا على وجه الرخصة، فأشبه مسح التيمم، فعم العضو الذي يكون فيه. والثاني: يكفي ما يقع عليه الاسم وهو الأظهر؛ لأنه مسح بالماء كمسح الرأس والخفين [١٧٦ أ/١]، أو مسح على حائل منفصل كمسح الخف، ولا يكون مقدراً بمدة قولاً واحداً، بل يمسح إلى أن يبرأ ويقدر على حلها؛ لأن الحاجة تدعو إلى هذا المسح من غير تأقيت، بخلاف المسح على الخفين، ولهذا فرق في المسح على الخفين بين الحدث الأصغر والحدث الأكبر وهي الجنابة بخلاف هذا. وذكر بعض أصحابنا بخراسان وجهاً أنه يتقدر بيوم وليلة كمسح الخف وليس بشيء، وإذا تطهر ومسح عليها بالماء ففي التيمم للقدر الذي لم يصل الماء إليه قولان: أحدهما: قاله في ((القديم)) ونقله المزني أنه لا يحتاج إليه؛ لأنه مسح على حائل دون العضو، فاقتصر عليه كالمسح على الخف. والثاني: لا بد من التيمم نص عليه في ((الأم)) لأنه ترك إيصال الماء إلى العضو بخوف التلف، فلزمه التيمم كالجريح، ولأن الكثير يجوز أن يكون كالماسح، على الخفين، فيكفيه المسح، ويحتمل أن يكون كالجريح فيكون فرضه التيمم فجمعنا بينهما احتياطاً. ومن أصحابنا من قال: يُنظر، فإن كان تحت الجبيرة جراحة لو كانت ظاهرة لا يلزمه غسلها للخوف فإنه يلزمه التيمم، وإن لم يكن ذلك لا يلزمه التيمم، وهذا هو اختيار بعض مشايخ خراسان، فإن قلنا: لا يتيمم عليه أجرأة المسح بالماء من الحدث إلى الحدث كالمسح على الرأس. فإذا قلنا: يلزمه التيمم يلزمه أن يحدث لكل فريضة يتيممها؛ أنه لا يجمع بتيمم واحد بين صلاتي فرض، وليس عليه [١٧٦ ب/١] غسل الصحيح بكل صلاة، ولا إعادة المسح ما لم يحدث وعلى الترتيب على ما بيننا، وهو أن لا ينتقل إلى عضو حتى يسقط فرض ما قبله، فإن كان الكسر في نفه لم يغسل اليدين حتى يسقط فرض الوجه بغسل الصحيح، والمسح على الجبيرة بالماء والتيمم على الظاهر ولحائل واليدين، ثم ينتقل إلى اليدين، وإن كان الكسر في اليد غسل وجهه ويديه على الإمكان، ويمسح على الجبيرة ويتيمم، ثم ينتقل إلى مسح الرس، وإن كانت جبائر يرفع جبائر إحدى يديه لا يلزمه رفع الجبائر عن اليد الأخرى، بخلاف ما إذا نزع أحد الخفين فإنه يلزمه نزع الخف الآخر؛ لأنه قد يتصور في يد واحدة على الانفراد. بخلاف المسح على الخف بأنه لا يتصور في إحدى الرجلين مع وجودهما. فإذا تقرر هذا وصلى على هذه الطهارة هل يلزمه إعادة الصلاة؟ قال الشافعي: إن صح حديث على- ﵁ أنه انكسر إحدى زنديه فأمره النبي ﷺ أن يمسح على الجبائر)) قلت به، يعني لم يأمره بإعادة الصلاة، فإن صح قطعت القول به، وهذا

стр. 203

مما (استخير) الله تعالى فرأى كلا القولين محتمل، ولكل واحد وجه، وهذا من الشافعي دليل على مسألة في الأصول، وهو أن السكوت وعدم النقل دليل على عدم الحكم؛ لأن النبي ﷺ [١٧٧ أ/١] سكت عن الإعادة فجعله دليلاً على نفي وجوب الإعادة. واختلف أصحابنا في هذا، فمنهم من قال: إن صح الخبر فلا إعادة قولاً واحداً، وإن لم يصح فعلى قولين، والخبر لم يصح لأنه رواه أبو خالد عمرو بن خالد الواسطي، عن زيد بن علي بن الحسين بن على عن آبائه، عن علي- ﵁، قال أحمد، ويحي بن معين، وإسحاق، وأبو زرعة وغيرهم: أبو خالد هذا ضعيف يضع الحديث، وكان كذاباً، وزيد عن أبائه مرسل. ومن أصحابنا من قال: صح الخبر ولم يصح فيه قولان، والطريق الأول هو أصح، ووجه قولنا يلزمه الإعادة أنه ترك غسل العضو لعذر نادر غير متصل، فصار كما لو ترك غسل الغسل ناسياً ووجه قولنا لا تلزمه الإعادة وهو الصحيح عندي؛ حديث جابر- ﵁ في الذي أصابته الشجة أن النبي ﷺ قال: ((إنما كان يكفيه أن يتيمم)) ويعصب على جرحه خرقة ويمسح عليها ويغسل سائر بدنه. ولم يذكر الإعادة وكان الفرص بذلك البيان، وإذا ثبت ها هنا أنه إعادة ثبت في مسألتنا، وأما قول القائل الأول: إنه نادر، قلنا: ليس كذلك لأنه يقع في الغالب، ومن جملة الأمراض، وهذا كله إذا وضعها على طهر، فأما إذا وضعها على غير طهر يلزمه نزعها إن لم يخف [١٧٧ ب/١] التلف، وإن خاف التلف لا يلزمه نزعها. وقال الشافعي في ((الأم)): لم يسمح عليها، ولم يرد به أنه لا يجوز له المسح، بل يلزمه المسح، ولكن أراد به أنه لا يسمح مسحاً يعتد به في سقوط الفرض بحيث لا تلزمه الإعادة بقول واحد تلزمه الإعادة. ومن أصحابنا من قال: هل تلزمه الإعادة ها هنا أيضاً؟ قولان، لأن الشافعي قال: وإن خاف الكسير غير متوضاء التلف إذا ألقيت الجبائر ففيها قولان، وهذا غلط. وهو بخلاف ما توهم هذا القائل؛ لأن معنى قوله: غير متوضاء أي وقت الحاجة إلى المسيح غير متوضاء، وكان الوضع على الوضوء ثم أحدث، والدليل على هذا هو أن هذا اللفظ منقول عن الجديد، وفي الجديد لزوم الإعادة إذا وضعها على غير طهر قولاً واحداً، وكذلك إذا عدا بالجبائر موضع الحاجة فإنه يلزمه إعادة الصلاة قولاً واحداً. ومن أصحابنا من قال: إن لم تضع على طهر أعاد، في ((الجديد)) قولاً واحداً، وفي ((القديم)) قولان، وإن وضع على طهر ففي الجديد قولان، وفي القديم: لا يعيد قولاً واحداً، ووجه قول القديم في سقوط الإعادة، وإن كان الوضع من غير طهر [١٧٨ أ/١] أنه يجوز هذا المسح للعجز والضرورة لا للرخصة، فلا يشترط وجود شرط الجواز وهو الطهر، بخلاف المسح على الخفين. وهذا يحكى عن أحمد في رواية، ولا يصح عن الشافعي أصلاً.

стр. 204

فرع لو كانت الجبائر على موضع التيمم، فإن قلنا: يكفيه المسح بالماء مسح وأجزأه، وإن قلنا: يحتاج إلى التيمم معه يمسح بالماء ويتيمم ويمسح بالتراب على الجبائر، وتلزمه الإعادة للصلاة قولاً واحداً، لأن الجبائر لا يجزاء مسحها عن التيمم، ولا يكون بدلاً عن بدل، ذكره القاضي الطبري. وسائر أصحابنا لم يفصلوا هكذا، وهو على ما ذكر ﵀، وحكم اللصوق حكم الجبائر إذا جعلناه كالجبائر على ما تقدم ذكره، وهكذا لو وضع على جرحه دواء لا يقلع حتى يندمل، كالعلك والصمغ يكون كاللصوق والجبائر. فإذا تقرر هذا، اختار المزني من القولين أنه لا تلزمه الإعادة، وقاس على ذلك جميع المسائل التي قدمناه ذكر بعضها، واحتج بأربعة مسائل: إحداها: المستحاضة: فإن الحدث والنجاسة بها موجودة ولا تلزمها الإعادة. والثانية: المستأنف يصلي إيماء ولا يعيد. والثالثة: العريان يصلي ولا يعيد. والرابعة: من معه ماء ويخاف العطش يتيمم ولا يعيد، ثم قال: كما جعلنا الماء الموجود في حق العطشان كالمعدوم كذلك [١٧٨ ب/١] الدم على الجراحة يجعل كالمعدوم في جواز الصلاة عند إزالته، والجواب عن الكل أن يقول الأعذار قسمان، قسم هو عام، وقسم هو نادر. فالعام مثل العري والمرض الذي يعجزه عن القيام والقعود، وخوف العطش في السفر، والمسابقة، فإن الناس كثيراً يمرضون وفيهم فقراء لا يجدون ما يستر العورة، ويضطرون إلى مقاتلة الأعداء، والأسفار، فلا تجب الإعادة في شيء من ذلك. وأما النادر فقسمان: قسم إذا وقع دام كالاستحاضة فلا تجب الإعادة، وكذلك سلس البول، لأنٌا لو لزمنا الإعادة أدى إلى مشقة عظيمة، والأمر إذا ضاق في الشرع واتسع. وقسم إذا وقع لا يدوم كالدم على الجرح يخاف غسله, والحبس في الجيش وغير ذلك, فلا تسقط الإعادة؛ لأنه لا يؤدي إلى المشنقة عامة لقلة الصلوات التي تأمره بإعادتها ومسألة الجبيرة من أصحابنا من ألحقها بالنادر الذي يدوم, ومنهم من ألحقها بالذي لا يدوم, ثم ناقص المزني بأعذار نادرة تجب الإعادة معها: منها: لو أقعده عذر عن القيام في الصلاة يصلي قاعداً تلزمه الإعادة. ومنها: لو حيل بينه وبين الماء في البلد, والماء موجود فتيمم وصلى أعاد, وكذلك من لم يجد ماء ولا تراباً [١٧٩ أ/ ١] يصلي ويعيد. فرع ذكره والدي الإمام ﵀:- وهو إذا منع الرجل التوضئ إلا متكوسا ولا ماء غيره هل يتيمم؟ قولان, وذلك أنه يتمكن من تحصيل طهارة الوجه فقط, فهو كما

стр. 205

لو وجد ما لا يكفيه لوضوءه, هل يلزمه استعماله؟ فيه قولان, ولا تلزمه إعادة الصلاة إذا أمتثل المأمور به على القولين. مسألة: قال: ((ولا يتيمم صحيح في مصرٍ لمكتوبةٍ ولا لجنازةٍ)). وهذا كما قال لا يجوز للصحيح المقيم أن يتيمم مع وجود الماء بخوف فوت صلاة, سواء كانت صلاة بجنازة أو صلاة العيدين أو غيرها. وبه قال مالك, واحمد, وأبو ثور, وقال الشعبي, وابن جرير, وداود: و ((لا تفتقر صلاة الجنازة إلى الطهارة أصلاً لأنها دعاء للميت, وصلاة على النبي ﷺ ) , وهذا غلط لقوله تعالى: ﴿إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] الآية, وهي صلاة بدليل قوله تعالى: ﴿ولا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤] ولأنها عبادة تفتح بالتكبير يلزم فيها استقبال القبلة تفتقر إلى الطهارة كسائر الصلوات. قال أبو حنيفة, والثوري, والأوزاعي, والليث: إنه يجوز التيمم لها مع وجود الماء إذا خاف فوتها, واحتج الشافعي عليه بأنه لو جاز ذلك لجاز لفوت صلاة الجمعة؛ لأنها أكد, فإذا لم يجز التيمم عند وجود [١٧٩ ب/ ١] الماء لخوف فوت الأوكد, فلان لا يجوز لخوف فوت الضعف أولى, فإن قيل: الجمعة لا تفوت إلا بدل وهو الظهر, فإن الظهر بدل عنها, وصلاة الجنازة تفوت لا بدل. قيل: لا يسلم؛ لأن عندنا يصلي على القبر فلا يفوت, ثم أبدى الشافعي الحجة بما روى, عن ابن عمر- ﵁ أنه كان لا يصلي على جنازة إلا متوضئاً. وهذا ليس بإخبار عن ابن عمر, ولكنه إشارة إلى الخبر الذي رويناه في تفريق الوضوء, وهو أنه أتى المصلى والجنازة موضوعة فدعا بماء ومسح على خفية, ثم صلى, فلو جاز أداء هذه الصلاة بالتيمم مع وجود الماء كان الأشبه أن لا يؤخر ابن عمر الصلاة, إلا أن يؤتى بماء بعد نهي عن تأخير الصلاة عليها بعد ما وضعت, وإنما خص ابن عمر بالرواية عنه لهذا المعنى أيضًا. وقد روى عمرو بن شعيب, عن أبيه, عن جده, أن النبي ﷺ قال: ((لا يصلى على الجنازة إلا بوضوء)). مسألة: قال: ((فإن كان معه في السفر من الماء ما لا يغسله للجنابة غسل أي بدنه شاء)). الفصل وهذا كما قال, إذا كان في السفر فأجنب ووجد من الماء ما يكفيه لغسل بعض بدنه, أو أحدث ووجد من الماء ما يكفيه لبعض أعضاء وضوءه, ففيه قولان: أحدها:

стр. 206

[(١٧٩) أ/ ١] أنه يلزمه استعمال الماء وهو الصحيح, وبه قال عطاء, ومالك, والحسن بن صالح بن حي, ويعمر بن راشد, وهذا لأنه شرط من شرائط الصلاة, فإذا قدر بعضه يلزمه إتيانه كستر العورة وإزالة النجاسة. والثاني: يستحب له استعماله ولا يجب, بل يقتصر على التيمم نص عليه في ((الإملاء)) والقديم. وبه قال أبو حنيفة والثوري, والأوزاعي, وداود, والمزني وروي ذلك عن الزهري. وحكي عن أحمد أنه قال: الجنب يستعمل الماء ويتيمم, والمحدث يتيمم فقط, ومن أصحاب أحمد من يقول المحدث كالجنب أيضا. وروى عن الحسن أنه قال: إذا كان معه من الماء ما يغسل به وجهه ويديه غسلهما ولا يتيمم؛ لأنه قادر على غسل محل التيمم. وروى مثله عن عطاء, وزاد عليه فقال: إذا وجد من الماء ما يغسل به غسله, ومسح كفيه بالتراب, واحتج المزني على اختياره بان كل أصل له بدل وجود بعضه كلا وجود لوجود بغض الرقبة في الكفارة كلا وجود, والجواب عن هذا نص الكتاب فرق بينهما, قال الله تعالى في الكفارة ﴿َمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ﴾ [النساء: ٩٢] يعني من لم يجد رقبة وبغض الرقبة لا يسمى رقبة, وها هنا قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣] وبعض الماء يسمى ماء فلا يجوز له التيمم مع وجوده, وأيضا إعتاق نصف الرقبة بعد صوم [١٨٠/ ١] شهرين لا يفيد, لا في هذه الكفارة ولا في غيرها, وههنا يفيد ما يستعمل من الماء؛ لأنه إذا وجد ماء آخر فإنه يتيمم به وضوءه ويستبيح به, وبما تقدم الصلاة المستقبلة, فلهذا فرقنا بينهما, ولا يصح ما قاله الحسن لأن غسل الوجه واليدين بعض الطهارة, وبعض الطهارة لا ينوب مناب جميعها. فإذا تقرر هذا, فإن قلنا: يستحب استعماله, فإن كان جنبًا غسل رأسه وتيمم, وإن كان محدثا غسل وجهه وتيمم, وإن قلنا: يلزمه استعماله, فإن كان جنباً غسل أي موضوع شاء من يديه ثم تيمم؛ لأنه لا ترتيب فيه, ولكن قال بعض أصحابنا: يستحب أن يبدأ بأعاليه من رأسه وما يليه, وإن كان محدثا يلزمه الترتيب, فيغسل وجهه ثم يديه حتى يفنى الماء الذي معه, وقبل استعمال هذا لا يجوز له التيمم, نص عليه في ((الأم)). ومن أصحابنا من قال: أصل القولين في هذه المسألة تفريق الوضوء, فإن جوزنا تفريق الوضوء يلزمه استعماله؛ لأنه يرجو وجود ما بعد ذلك فيغسل باقي بعض أعضائه, فإن لم يجوز التفريق لا يلزمه استعماله, ومن أصحابنا من قال: هما قولان بأنفسهما وهو الأصح؛ لأن تفريق الوضوء بالعذر يجوز قولاً واحداً, وههنا هو معذور فيجب أن يلزمه استعماله قولاً واحداً.

стр. 207

فرع لو وجد من الماء ما لا يكفي لوضوءه ولا يجد التراب. قال أصحابنا: يلزمه استعمال [أ ١٨١/ ١] الموجود قولاً واحداً؛ لأنه لا يقدر على البدل الكامل ها هنا بخلاف غير هذا الموضوع ويفارق بعض الرقبة لا يلزمه إعتاقه, وإن لم يقدر على الصوم؛ لأن الكفارة ليست على الفور فلا يخاف فوتها, فنأمره بالتأخير بخلاف الصلاة فأمرناه أن يأتي بالمقدور, ويحتمل عندي أن يقال: يجعل كأنه لا يجد ماء ولا ترابا؛ لأن هذا القدر من الماء لا يرفع حدثه. فرع لو وجد من التراب ما يكفي لوجهه وحده فيه وجهان: أحدهما: يلزمه استعماله؛ لأن التراب لا بدل له كما لو قدر على بعض ستر العورة. والثاني: لا يلزمه استعماله؛ لأن الطهر لا يتم باستعمال الموجود وليس للمعدوم بدل يأتي به حتى يسقط عنه فرض الطلب, فيكون حاله ما يستعمل القدر الموجود من التراب مخاطبا بطلب ما يستعمله في طهارته, والتيمم مع وجوب طلب الطهور لا يجوز. فرع آخر لو تيمم من الحدث لعدم الماء, ثم وجد من الماء ما يكفيه لبعض أعضاء وضوءه هل يبطل تيممه؟ قولان, وكذلك لو تيمم عن الجنابة وصلى صلاة الفريضة, ثم وجد من الماء ما يكفيه لبعض بدنه, هل يبطل تيممه؟ قولان. وكذلك لو تيمم عن الجنابة وصلى صلاة الفريضة ثم وجد من الماء ما يكفيه لبعض بدنه هل يبطل تيممه؟ قولان فإذا قلنا: فإذا قلنا: لا يبطل يصلي ما شاء من النوافل بالتيمم السابق, وإذا [١٨١ ب/ ١] قلنا: يبطل لزمه استعماله ثم يتيمم تيمماً أخر, ثم يصلي به فريضة وما شاء من النوافل. فرع آخر لو أجنب رجل واغتسل وبقي لمعة على غير أعضاء الوضوء لم يغسلها, ثم أحدث وتيمم, ثم وجد من الماء ما يكفيه لغسل تلك اللمعة ولا يكفيه للوضوء, فإنه يغسل به تلك اللمعة, وهل يعيد عن الحدث؟ على هذين قولين, فإن قلنا: يلزمه استعماله في الابتداء أعاد التيمم ها هنا, وإلا فلا يعيد, وإنما يعيد التيمم على القول الأول؛ لأن تيممه كان بدلاً عن وضوءه وباقي غسله, فلما وجد الماء انتقض في حقه؛ لأنه ليس لذلك الماء اختصاص بأحدهما دون الآخر, غير أنه أتم غسله ونفى الحدث وقد بطل التيمم في حقه فيعيد, وعلى القول الأخر ذلك الماء القليل اختص بإتمام الغسل به إذا لم يكن كافياً للوضوء فلا يبطل التيمم في حق الوضوء.

стр. 208

فرع آخر لو أجنب رجل ولم يجد الماء فتيمم وصلى فريضة واحدة ثم أحدث لم يجز له أن ينتقل لأجل الحدث, ولو وجد من الماء ما يكفيه لأعضاء وضوءه ولا يكفيه لجميع بدنه. قال ابن سريج: إذا قلنا لا يجب استعماله لو توضأ بهذا الماء ارتفع حدثه, وله أن ينتقل من غير تيمم؛ لأن التيمم الذي فعله للجنابة باق لم يزل حكمه, وغنما حصل المنع بالحدث. فإذا توضأ زال حكمه فجاز [١٨٢ أ/ ١] له أن ينتقل, وليس له أن يصلي به فريضة أخرى؛ لأن هذا الوضوء لا ينوب عن الجنابة, وقد يصلي فريضة واحدة بالتيمم وهو بمنزلة جنب تيمم وصلى به فريضة, ثم إصابته نجاسة يجب غسلها, فحرم عليه فعل النوافل, ثم غسل النجاسة زال المنع وعاد إلى حالته الأولى في استباحة النفل دون الفرض, كذلك هاهنا, وليس على أصلنا وضوء نستبيح به النوافل دون الفريضة إلا في هذا الموضوع, فإن لم يتوضأ به وأراد أن يتيمم جاز على هذا القول, ثم نوى بالتيمم الفريضة يصليها والنوافل معها, وإن نوى به النافلة يصح ويستبيحها دون الفريضة؛ لأنه يجوز أن يستبيح بهذا التيمم الفريضة والنافلة فجاز أن يستبيح به النافلة وحدها. وقال القاضي الطبري: لا يصح تيممه عندي للنافلة؛ لأنه يقدر على الوضوء لها فلا يستبحها بالتيمم, ويفارق التيمم الفريضة لأنه ينوب عن الجنابة, وإذا تيمم للنافلة ناب تيممه عن الوضوء, فإن قيل: إذا لم يستبيح الفريضة بالوضوء فكيف يستبيحها بالتيمم؟ قيل: لأن الوضوء يزيل منع الحدث فقط, والتيمم يزيل منع الجنابة والحدث, ألا ترى أنه لو لم يحدث وتيمم استباح الفريضة, ولو وجد هذا القدر من الماء فتوضأ به لم يستبح الفريضة, ولو كانت المسألة بحالها ما حدث [١٨٢ ب/١] قبل الفرض, ثم توضأ بهذا القدر من الماء. قال والدي الإمام- ﵀: هل أن يصلي به الفرض؟ يحتمل على وجهين, والأظهر جوازه, وإن كانت المسألة بحالها فدخل وقت العصر قبل الحدث هل له أن ينتقل؟ وجهان: أحدهما: له ذلك, والثاني: ليس له ذلك, لأنه عاد بدخول وقت فريضة أخرى إلى معناه الأول, وإن قلنا: إنه يلزمه استعمال ما لا يكفيه من الماء فإن تيممه قد بطل بوجود الماء القليل, فيلزمه استعماله ولو توضأ به لا ينتقل ما لم يتيمم. فرع لو أجنب ولم يجد الماء فتيمم استباح الصلاة, وقراءة القرآن وجميع ما يستبيحه بالغسل, فإن أحدث الصغر لم يجز له أن يصلي ولا أن يمس المصحف, ويجوز له أن يقرأ القرآن ويمكث في المسجد, لأن التيمم ها هنا ناب عن الغسل, وهذا الحدث لا يبطل الغسل فلا يبطل ما ناب عنه, ولهذا أن يستبيح الزوج وطئ الحائض بالتيمم والمباشرة بتقدم الوطء, وذلك هو حدث يوجب الوضوء, فلو أبطل تيممها لم يجز الوطئ أصلا.

стр. 209

فرع لو تيممت الحائض بعد انقطاع دمها فوطئها زوجها أراد وطئها ثانيا, هل يجوز بالتيمم الأول؟ وجهان: أحدها: يجوز لأنه قد ارتفع حدث الحيض بالتيمم الأول. والثاني: لا يجوز كما لا يصلي فريضة أخرى إلا بتيمم جديد. ذكره في ((الحاوي)) وغيره والأول [١٨٣ أ/ ١] أصح عندي, وهو المذهب, ولو عدمت الماء والتراب لم يحل وطئها لعدم الطهارة ولا ضرورة بخلاف الصلاة. فرع المقيمة إذا عدمت الماء بعد انقطاع حيضها فتيممت حل وطئها, وغن لم تحسب صلاتها لأن الفعال لا تكون بشرط الفضاء بخلاف العبادات. فرع آخر لو وجد الماء بعد التيمم وهو يحتاج إليه لعطش قال في ((الأم)) كان كالعادم. وهذا أصل, وهو أن كل ما منع ابتداء التيمم منع استدامته, وما لا يمنع الابتداء لا يمنع الاستدامة. فرع آخر ذكره والدي- ﵀ إذا عدم الجنب الماء فتيمم ليقرأ القرآن, فشرع في القراءة ثم رأى الماء, فإن لم يكن نوى عند الأخذ في القراءة فقرأ قدراً محصوراً من القرآن يلزمه قطع القراءة, وإن كان قدر محصور هل له إتمامها؟ يحتمل وجهين: أحدهما: أن له الإتمام كما نوى صلاة النفل عدداً له إتمامها. والثاني: يلزمه القطع؛ لأن القراءة لا ترتبط بعضها ببعض بخلاف الصلاة, وهذا هو الأصح عندي, ولا وجه للوجه الأول, ولو كان في نصف الآية ليس له إتمامها عندي؛ لأنه يمكن قطعها ويثاب على القدر المقروء قليلاً كان أو كثيراً. فرع ذمية تحت مسلم اغتسلت من حيضها ثم أسلمت, هل يجوز للزوج وطئها قبل الاغتسال في الإسلام؟ قال والدي- ﵀ يحتمل وجهين: أحدهما: يجوز, وهو قلنا طهارة الكافرة ترفع [١٨٣ ب/ ١] الحدث. والثاني: لا يجوز وهو الأصح عندي. فرع آخر لو كان ماء الميت لا يكفيه لغسل جميع بدنه, ففي احد القولين يستعمل فيه ثم يتيمم

стр. 210

لما بقي. والثاني: يقتصر فيه على التيمم, فعلى هذا لو استعمله في الميت فإنه يضمن قيمته لوارثه؛ لأنه استهلك من ماله ما لا حاجة به إليه. مسألة: قال: ((وأحب تعجيل التيمم لاستحبابي تعجيل الصلاة)). وهذا كما قال أراد بالتعجيل الأداء في وقت الصلاة يجوز له أن يصلي بالتيمم في أول وقتها, سواء طمع في وجوده قبل خروج وقتها أو لم يطمع. وأما الفضل ينظر, فإن لم يطمع فيه في آخر وقتها فالأفضل التقديم, فإن طمع ووفق إليه لخبرته بالمكان ومعرفته بالماء فالأفضل التأخير؛ وإن وقف بين الأمرين ففيها قولان. قال في ((الأم)): الأفضل تعجيلها. وقال في ((الإملاء)): الأفضل تأخيرها, وبه قال أحمد, والثوري, وهو اختيار عامة أهل العلم, ووجه هذا ما روى الحارث عن علي- ﵁ أنه قال في الجنب لا يجد الماء: يتلوم ما بينه وبين آخر الوقت, فإن وجد الماء وإلا تيمم, ولأن النبي ﷺ قال: ((أبردوا بالظهر فإن شدة الحر من فيح جهنم)) فأمر بالتأخير لئلا يقدح في الخشوع, فلأن يجوز التأخير لإدراك الطهارة بالماء أولى, ووجه القول الأول للأخبار المروية في هذا الباب, مثل قوله ﷺ [١٨٤ أ/ ١] ((أفضل الأعمال عند الله الصلاة أول وقتها)). ولأنه ترك فضيلة محققة لأمر مظنون فلم يستحب ذلك, وأحتج المزني بهذا, فقال: التعجيل أولى لأن السنة أن نصلي ما بين أول الوقت وآخره. يريد به النصف الأول من الوقت وهو خبر ما بين أول كل شيء وآخره, فما لم يبلغ النصف فهو في حد الأول, وما جاوز النصف فهو في حد الآخر, ثم قال: فما كان أعظم لأجره في أداء الصلاة بالوضوء فالتيمم مثله. أي لما كانت الصلاة بالوضوء في أول الوقت أفضل كذلك بالتيمم في الجماعة أفضل, ويمكن أن يجاب عن هذا, فإن يقال: فرق بين الوضوء وبين هذا, وذلك أن ها هنا نرجو وجود الأصل وأداء الصلاة بأكمل الطهارتين والأصل بخلاف ذلك. وأما الصلاة جماعة إنما كانت أفضل بالتيمم؛ لأنه ليس في ترك الجماعة. رجاء وجود الماء والوصول إلى فضل الوضوء الذي هو الأصل بخلاف ها هنا, حتى لو رجا بترك وجود الماء يتركها. وقال الطحاوي: عن أبي حنيفة راويتان إحداهما: التأخير أفضل والثانية: أن كان على طمع من الماء فالتأخير أفضل, وإن كان لا يطمع فالتقديم أفضل, وإنما يتصور الخلاف معه في الصلوات التي توافقنا أن تعجيلها بالوضوء أفضل, مثل الظهر [١٨٤ ب/ ١] في الشتاء, والعصر يوم الغيم وروي عن مالك أنه قال: يتيمم في وسط الوقت لا يؤخره جداً ولا يعجله.

стр. 211

وقال بعض أصحابنا بخراسان: إنما قال الشافعي تأخيرها أفضل لأنه يحترز بالتأخير عما لو .... مع الصلاة في أول الوقت بالتيمم, ولو تيقن وجود الماء آخر الوقت لا يجوز له أن يصلي بالتيمم في أول الوقت بالتيمم, وإن تيقن وجود الماء في آخره؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ ولم يعرف. فرع لو لم يكن في أول الوقت جماعة ونرجو وجود الجماعة في آخر الوقت, هل يستحب له تأخيرها؟ قال بعض أصحابنا: فيه وجهان بناء على القولين, هكذا ذكره القاضي الطبري, وقال القاضي أبو علي البندنيجي: قال في ((الأم)) التقديم أفضل, وقال في ((الإملاء)): إن التأخير أفضل, وفي هذا عندي نظر. فرع قال بعض أصحابنا بخراسان: لو كان بقربه ماء وهو يخاف فوت الصلاة لو اشتغل بالتوضئ به, نص الشافعي: أنه لا يجوز له التيمم, وكذلك قال في ((العراة)) إذا كان بينهم ثوب يتداولونه فخاف بعضهم فوت الصلاة لو صبر حتى تنتهي غليه النوبة, ولا يصلي عارياً. وكذلك قال في الدلو: إذا كان هناك جماعة ينزحون الماء وخاف فوت الصلاة إلى إنهاء النوبة إليه, أن يصبر ولا يتيمم. وقال في جماعة في السفينة [١٨٥ أ/ ١] إذا كان فيها موضع واحد يمكن أن يصلي فيه قائما, وهناك جماعة وخاف أن يفوته الوقت لو صبر حتى تنتهي إليه النوبة صلى قاعداً, ولم نأمره بالصبر فعسر الفرق على أصحابنا, وجعلوا في الكل قولين نقلاً وتخريجاً, ومن أصحابنا من فرق بأن أمر القيام أسهل من غيره ففرقنا. قالوا: أيضا: لو كان الماء بحضرته بعيداً عنه ولا يخاف فوت الصلاة ولا الانقطاع عن الرفقة لو توضأ به, نص الشافعي أنه يباح له التيمم. ونص أنه إذا الماء بين يديه يصل إليه في آخر الوقت فإنه يباح له التيمم في أول الوقت, فمن أصحابنا من قال: في كلتي المسألتين قولان, ومنهم من أجرى على الظاهر, وفرق بأنه إذا كان الماء بحضرته عن يمينه أو يساره فتلك البقعة منسربه إليه, فلا يجوز له التيمم بخلاف ما إذا كان بين يديه يصل إليه في آخر الوقت. مسألة: قال: ((فإن لم يجد الماء ثم علم أنه كان في رحله ماء أعاد)). وهذا كما قال. في هذه العبارة خلل من جهة المزني؛ لأنه لا يقال لمن كان في رحله ماء أنه لم يجد الماء؛ لأنه واحد إلا أنه ناس أو غير عالم, وإنما قال الشافعي: ((فإن تيمم وصلى, ثم علم أنه كان في رحله ماء أعاد)) وصورة المسألة أنه نسي الماء ويتصور ذلك في موضعين: أحدهما: [١٨٥ ب/ ١] إذا يفتش رحله اعتقاداً منه لا ماء فيه, وطلب الماء في

стр. 212

غير الرحل ولم يجد وتيمم وصلى, ثم علم انه كان في الرحل ماء, أو كان قد فتش رحله فرأى شيئاً ظن أنه ليس بماء, ثم علم أنه كان ماء. قال في عامة كتبه: يلزمه إعادة الصلاة. وقال أبو ثور: سألت أبا عبد الله عن هذه المسألة فقال: لا إعادة عليه, واختلف أصحابنا فيه على طريقين, فمنهم من قال: يعيد قولاً واحدً, وقول أبي ثور يحتمل أنه أراد بأبي عبد الله مالكاً, أو أحمد بن حنبل, أو أراد إذا وضع غيره الماء في رحله بعد تفتيشه وهو لا يعلم, وهذا التأويل أصح؛ لأنه لم يلق مالكاً ولا يروى عن أحمد شيئاً, ومنهم من قال, وهو اختيار أبي إسحاق: في المسألة قولان. أحدها: لا إعادة وهو نحو ما قال في ((القديم)) إذا نسي قراءة الفاتحة في الصلاة أجزأته. وبه قال أبو حنيفة, ومحمد ومالك في رواية. والثاني: يلزمه الإعادة وهو الصحيح, وبه قال أحمد: وأبو يوسف؛ لأنها طهارة تجب عليه مع الذكر فلا يسقط بالنسيان كأصل الطهارة, ومن أصحابنا من قال: إذا وضع غيره الماء في رحله وهو لم يعلم هل تلزمه الإعادة؟ قولان. والصحيح أنه على قول واحد الإعادة في هذا على ما صورنا, وإن لم يكن فتش رحله واعتقد أنه لا ماء معه. فيه وكان [١٨٦ أ/ ١] غيره قد وضع فيه ماء ثم علم, فهذا هو موضع احتمال القولين؛ لأنه لو يفتشه لوحده فصار مفرطاً بترك التفتيش ولو ضل الماء في رحله فتيمم وصلى تلزمه الإعادة قولاً واحداً, والقولان إذا نسي الماء في رحله, ذكره القفال. ولو قام لقضاء الحاجة فضل رحلة فيما بين الرحال, فطلبه فلم يجد فنأمره أن يصلي بالتيمم, وهل تلزمه إعادة الصلاة إذا وجده؟ لم يذكر في ((الأم)) إعادة الصلاة, بل قال: تيمم وصلى, وجاز فمن أصحابنا من قال في هذا أيضاً قولان: أحدها: يلزمه الإعادة؛ لأنه غير عادم وهذا عذر نادر, والثاني: لا تلزمه الإعادة لأنه غير منسوب إلى التفريط في طلب الماء بخلاف الناسي فإنه فرط في طلبه في رحله. ومن أصحابنا من قال: لا تلزمه الإعادة قولاً واحداً, وهذا اختيار القفال, وهو الصحيح. ولو ضل هو عن القافلة فلا إعادة بلا إشكال, ولو علم أنه كان بجنبه بئر قريبة يقدر على مائها قال في ((الأم)): لا إعادة عليه ولو أعاد جاز احتياطاً, وقال في ((البويطي)): إن وجد بئراً بقربه أو بركة فيها ماء يبلغه الطلب تلزمه إعادة الصلاة. ثم قال ((البويطي)) قال الربيع: قال الشافعي: إن كان قد طلب الماء فلا إعادة, وهو اصح القولين. وجملته أنه إذا علم بالبئر؛ فإن كان عالماً بها ثم نسيها فهو كما لو [١٨٦ ب/ ١] نسي الماء في رحله, وإن لم يكن عالماً بها قط فقد قيل قولان, وقيل: وهو الأصح المسألة على حالين فالذي قال في ((البويطي)): إذا كانت عليها علامات طاهرة فتواني في طلبها تلزمه الإعادة, والذي قال في ((الأم)): إذا لم يكن عليها علامات ظاهرة ولم يتقدم علمه بها, ويفارق الماء في رحله, لأنه كلف في أمر نفسه الإحاطة وفي غيره الظاهر.

стр. 213

فرع لو كان معه ماء فأراقه وشربه من غير حاجة منه إليه, وتيمم وصلى هل يجب عليه الإعادة؟ فإن كان أراقه قبل دخول وقت الصلاة لم تلزمه الإعادة قولاً واحداً, وإن كان بعد دخول وقت الصلاة فقد تمضي وأثم, وهل تلزمه إعادة الصلاة؟ وجهان أحدها: لا يلزمه وهو الأصح؛ لأنه عدم الماء في السفر وأن يمضي بالإراقة فهو كما لو قطع رجل نفسه وصلى قاعداً, فإنه يجوز والثاني: تلزمه الإعادة لأنه ترك الوضوء به مع القدرة, ولاشك أنه يلزمه التيمم وأداء الصلاة, وإذا قلنا بهذا, كم تلزمه الإعادة؟ فيه وجهان: أحدها: لصلاة واحدة. والثاني: يلزمه إعادة الصلوات التي كان يؤديها غالباً عادته بتلك الطهارة لو تطهر به. ذكره بعض أصحابنا بخراسان, وقال القفال: إن أراقه لفرض قبل أن يشربه, وإن كان متلذذاً به من غير حاجة أو غسل [١٨٧ أ/ ١] ثوبه تنظيفاً أو شك في طهارته فخاف لو توضأ به أن تظهر له نجاسته, فيحتاج إلى غسل ثوبه وبدنه فاحتاط بإراقته فلا إعادة قولاً واحداً, وهذا بخلاف ما تقدم, وذاك أصح لأنه لا يلحقه المشقة بترك التلذذ فلا يكون عذراً. فرع آخر إذا قلنا: يلزمه إعادة الصلاة لا يعيدها في وقتها؛ لأنه لو صح القضاء بالتيمم لصح الأداء, ولكن تؤخر حتى يجد الماء أو ينتهي إلى حالة تصح صلاته فيها بالتيمم فيعيد ما أو جبنا عليه إعادتها. فرع آخر لو وجب عتق رقبة في كفارة, ومعه رقبة لا يحتاج إليها فقبلها, فإن قلنا: الاعتبار في الكفارة بحالة الوجوب أو بأغلظ الحالين كانت الرقبة في ذمته, وإن قلنا: الاعتبار بحالة الأداء يحتمل وجهين: أحدها: يصوم, والثاني: الرقبة في ذمته, لأنه مفرط في إتلافها كما لو أراق الماء وصلى بالتيمم تلزمه الإعادة. فرع آخر لو كان في السفر, وهناك ملح يخاف لو اشتغل بإذابته تفوته الصلاة, له أن يصلي بالتيمم ولا إعادة للعجز, وهذا عذر عام, ولو قدر على أن يمسح به الرأس هل يلزمه ذلك؟ نبني على القولين فيمن وجد مالا يكفيه لوضوئه, فإن قلنا: لا يلزمه استعماله يكفيه التيمم ها هنا, وإن قلنا: يلزمه استعماله يحتمل وجهين: أحدهما: لا يلزمه مسح الرأس ها هنا؛ لأن (١٨٧ ب/١) شرط جوازه غير موجود, وهو طهارة الوجه واليدين, والثاني: يلزمه تيممان لاعتبار الترتيب. فرع آخر إذا كان لابسًا للخفين في السفر على الطهارة, وهو معه ما يكفيه لوجهه ويديه ومسح رأسه فقط ومعه ثلج يابس يمسح به الخفين, ولا يمكنه إذابته فعليه الوضوء,

стр. 214

ومسح الخفين به قولًا واحدًا؛ لأنه يمكنه تحصيل وضوءه من غير ضرر, فإن كان قد بقي من وقت المسح ما ينقص لا محالة قبل الفراغ من صلاته عادت المسألة إلى قولين. أحدهما: يكفيه التيمم, والثاني: يغسل الأعضاء الثلاثة ثم يتيمم وهذا كما يقول, إذا لم يبق من وقت الجمعة مقدار إمكان فعلها فإنه يجوز له أن يصلي الظهر, ويحتمل أن يقال بنزع الخف, ثم تعود المسألة إلى القولين, ولا يجوز له افتتاح الصلاة بالتيمم وغسل ما قدر عليه ما لم يخرج الخف من حال جواز المسح عليه, والدليل عليه أنه لو أراد الوضوء لمس المصحف لم يجز ما لم يمسح على الخف لبقاء هذا القدر من وقت المسح ما جوزنا طهارته الآن يفعلها في ثلاثة أعضاء والتيمم معه, لكانت هذه الطهارة صالحة لأداء الفريضة بها غير صالحة لمس المصحف, وهذا بحال ذكره والدي الإمام ﵀ وهذا حسن (١٨٨ أ/١) مليح. مسألة: قال (وإن وجده بثمن في موضعه) الفصل وهذا كما قال إذا لم يجد ماء مباحًا ولا في ملكه ماء ووجده مع غيره نظر, فإن بذله بغير بدل قال في (الأم): يلزمه قبوله ولا يجزيه التيمم. ويفارق هذا إذا أوجبت عليه كفارة, فوهب له إنسان رقبة لم يلزمه قبولها, وكذلك لو بذل له إنسان ثمن الماء لا يلزمه قبوله, والفرق لا منه في قبول الماء, إذ أصله على الإباحة بخلاف ذاك, وعلى هذا لو أعاره دلوًا يستقي به الماء فإنه يلزمه قبوله, ولو وهب منه دلو لا يلزمه قبوله. وقال في (الحاوي): لو كان لو كان ثمن الماء يلزمه قبوله عارية, وإن كان أكثر من ثمن الماء هل يلزمه استعارته؟ وجهان: أحدها: لا يلزمه لأن العارية مضمونه, والثاني: يلزمه لأن الظاهر سلامة العارية وإمكان ردها بأن لم يبذل له الماء, نص الشافعي في (البويطي): أنه لا يلزمه أن يسأله فإن تيمم وصلى قبل المسألة تلزمه الإعادة, ولأنه لا منة عليه فيه فتلزمه المسألة بخلاف الرقبة. وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل تلزمه الإعادة وجهان وهو خلاف النص, فإن سأله فلم يبذله ليس له مكابرته عليه, وإن كان فاضلًا عن حاجته بخلاف ما لو اضطر إلى طعامه, وهو فاضل عنه فلم يبذله له مكابرته (١٨٨ ب/١) عليه, لأن الطعام لا بدل له يرجع إليه بخلاف الوضوء فيمكنه أن يتيمم ويصلي ولا إعادة, وكذلك لو اضطر إلى لباسه لستر عورته وهو فاضل عنه لا يكابره إذا امتنع من بذله, لأنه يمكنه أن يصلي عريانًا ويجوز, ومن أصحابنا من ذكر وجهًا أنه لا يلزمه سؤال الماء كما في بذل الطاعة في الحج وهو ضعيف. وقال بعض أصحابنا في الفرقان هل يلزمه أن يستأجر الستر؟ وجهان, وهل يلزمه

стр. 215

قبول هبة الستر؟ وجهان أيضًا, وإن بذله بيعًا يلزمه شراؤه, بثلاث شرائط أحدهما: أن يجده بثمن مثله فلا يلزمه شراؤه بالزيادة, وإن كانت يسيرة, وقال أبو حنيفة: إن كانت الزيادة يسيرة بتغابن الناس بمثله يلزمه شراؤه وإلا فلا. وذكر القاضي الإمام الحسين ﵀ أنه إن كانت الزيادة بحيث لو غبن الوكيل بذلك القدر لا ينكر عليه يلزمه شراؤه لأنه لا يستضر بها, وهذا غلط لأن وجوده بأكثر من ثمن مثله كلا وجود كالرقبة في الكفارة, وكما لو كانت الزيادة (١٨٩/ ١) كثيرة, ثم اختلف أصحابنا في تفسير ثمن مثله في موضعه, فقال أبو إسحاق: يراعي ثمن المثل عرفًا وعادة على مرور الزمان في ذلك المكان, ولا يراعي الوقت, فإنه يختلف باختلاف الأوقات, فإن كان في هذا الوقت خرج عن العرف وضاق الماء لم يلزمه شراؤه, وإن كان ثمن مثله في هذا الوقت إذا لم يكن ثمن مثله غالبًا فيما نص من الأوقات العامة, ومنهم من قال: يعتبر ثمن مثله في وقت ذلك وهو ضعيف ومنهم من قال: أراد بثمن المثل أجرة نقل ناقلة من معدنه إلى موضعه؛ لأن الماء أصله على الإباحة ولا ثمن له وهو ضعيف أيضًا. والشرط الثاني: أن يكون واجدًا لثمنه, فإن يكن واجدًا له ويباع منه بالدين في ذمته لا يلزمه شراؤه, نص عليه في كتبه ولا يلزمه استقراض المال لشرائه, ولو كان له ماء في بلده ويرد بيعه بثمن يأخذه منه في بلده يلزمه شراؤه, ويؤدي ثمنه في أهله نص عليه في (البويطي)؛ لأنه صار قادرًا على الماء في الحال من غير ضرر, ولو بيع بثمن مؤجل هنا بزيادة تزاد بسبب التأجيل في العادة. قال بعض أصحابنا بخراسان: يلزمه شراؤه أيضًا؛ لأن ذلك ثمن مثله ولا ضرر عليه, وإن كان يحتاج إلى رشاء ودلو ويقدر على (١٨٩ ب/١) شرائهما بثمن مثله يلزمه شراؤهما أيضًا. والشرط الثالث: أن لا يكون محتاجًا إلى ثمنه لقوته في طريقه, فإن كان يحتاج إليه لا يلزمه شراؤه ويتيمم ويصلي, فإن قيل: أليس قلتم أنه إذا لم يجد الرقبة في كفارة الظهار إلا بزيادة على ثمن مثلها ليس له الانتقال إلى الصوم, بل يلزمه الصبر حتى يجدها بثمن مثلها, فقالوا: لا يتيمم هنا أيضًا, قلنا: الفرق أن الرقبة في الذمة غير مؤقتة, ولو أراد تأخيرها من غير عذر كان له فلا حاجة به إلى الانتقال إلى الصوم, وهنا حاجة إلى التيمم لضيق الوقت وخوف الفوات فألزمناه, فإن قيل: فينبغي أن يؤخرها إلى آخر الوقت, قلنا: تفوته فضيلة أول الوقت بأمر مشكوك فيه فلم يلزمه تأخيرها بخلاف الرقبة. فرع لو وهب له الماء فلم يقبل وتيمم وصلى, فإن كان الماء الموهوب له موجودًا في يد واهبة حتى تيمم وصلى تلزمه الإعادة, وإن كان الماء معدومًا حين تيمم وصلى هل
следующие страницы →