← Фикх шафии

Фикх шафии · id 16934

بحر المذهب للروياني

عَبْد الواحِد الرُّوْياني

Полный текст (7 151 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

روى الحارث بن بلال بن الحارث عن أبيه بلال بن الحارث أنه قال: قلت: يا رسول الله فسخ الحج لنا أو لنا ولمن بعدنا، فقال: (لا، بل لكم خاصًا) (١)، وقال أبو ذر: لم يكن ذلك إلا للركب الذين كانوا مع النبي ﷺ ، وإنما فسخ ذلك إلي العمرة لأن الجاهلية كانت تكره الاعتمار في أشهر الحج ويعدونه من أفجر الفجور، فأراد رسول الله ﷺ أن يأمرهم بالعمرة في زمان الحج ليتركوا سنة الجاهلية. وقال أحمد: يجوز فسخ الحج إلي العمرة [٥٦/أ] لمن لم يسق الهدي في زماننا هذا، وهذا غلط لما ذكرنا، والله أعلم. بَابُ مواقيت الحجّ مسألة: قال (٢): ميقات أهل المدينة من ذي الحليفة. الفَصْلُ اعلم أن للحج ميقاتين: أحدهما من جهة الزمان والآخر من جهة المكان، فأما ميقاته من جهة الزمان فقد مضي بيانه، وذلك الميقات لئلا يقدم الإحرام عليه. وأما ميقاته من جهة المكان، فهو ما بينه في هذا الباب. وهذا الميقات إنما هو لئلا يؤخر الإحرام عنه لا لئلا يقدم، ثم إن النبي ﷺ بين لأهل كل ناحية ميقاتا علي ما ذكره الشافعي، فميقات أهل المدينة من ذي الحليفة، وهو موضع قريب من المدينة، وأهل الشام والمغرب ومصر وغيرها من الجحفة، وأهل نهامة اليمن يلملم، وأهل نجد اليمن ونجد قرن يريد أن تهامة تهامتان، ولكل واحد منهما ميقات علي حدة، والنجد نجدان وميقاتهما واحد، وهو قرن، وذلك أن الحجاز يشتمل علي نجد وغور، فالنجد بلاد فيها ارتفاع، والغور بطونها والنجد أغلب. وكذلك اليمن يشتمل علي نجد وغور، ويسمي الغور تهامة، فهما تهامتان/ تهامة اليمن، وتهامة الحجاز ومكة من تهماة الحجاز، وجملته أربعة مواقيت منصوصة بلا خلاف. روي عن ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ أمر أن يهل أهل المدينة من ذي الحليفة، وأهل الشام من الجحفة، وأهل نجد من قرن. هذه الثلاثة سمعتهن من رسول الله ﷺ وأخبرت أنه قال: (ويهل أهل اليمن من يلملم" (٣) [٥٦/ب] لأهل المدينة ذا الحليفة وأهل الشام: الجحفة، وأهل نجد من قرن وأهل اليمن يلملم، وأما ذات عرق، قال الشافعي: وأهل المشرق ذات عرق وهذا الميقات الواحد مما اضطربت فيه الأخبار، واختلفت فيه العلماء وهو ميقات أهل العراق وخرسان ولم يكونو أسلموا علي عهد رسول الله ﷺ فلذلك أشكل الأمر في ميقاتهم إلا أن أكثر أهل العلم على عهد رسول الله ﷺ فلذلك أشكل الأمر في ميقاتهم إلا أن أكثر أهل العلم علي ما قال الشافعي، وهي علي مسيرة ليلتين من مكة، وروي عن طاوس أنه قال: وقت رسول الله ﷺ ذات عرق ولم يكن حينئذ أهل

стр. 1472

العراق، وإنما وقت بعده ذات عرق (١)، وقال الشافعي في موضع: ولا أراه إلا كما قال طاوس. وروى أبن جريج عن عطاء قال: وقت رسول الله ﷺ لأهل المشرق ذات عرق (٢)، قال ابن جريج: فراجعت عطاء، فقلت: إن الناس يقولون: لم يوقت ذات عرق، فقال: سمعنا له وقت لأهل المشرق ذات عرق، والعقيق، فكان عطاء يذهب إلي أن ذلك منصوص عليه وطاوس يذهب إلي أن ذلك غير منصوص عليه. والشافعي اختار في (الأم) هذا، فقال: لم يبنيه النبي ﷺ وإنما أجمع عليه الناس، ووجه ما روي أنه قيل لعمر ﵁ أن النبي ﷺ لم يوقت لأهل المشرق، ولو أردنا قرن شق علينا، فقال بعضهم: ذات عرق. وقال بعضهم: العقيق، فوقت عمر ﵁ لهم ذات عرق. وهذا كان بعد فتح العراق لأهل العراق (٣)، ومن أصحابنا من قال بقول عطاء، وقال: قد صح الحديث، ولكنه لم يكن وقع إلي الشافعي [٥٧/أ] ولو وقع لقال به، وهو ما روت عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ وقت لأهل العراق ذات عرق (٤). أورده أبو داود. وكذلك رواه الحارث بن عمروا السهمي. وروى ابن عباس أن النبي ﷺ وقت لأهل المشرق العقيق (٥). قال أبو سليمان الخطابي: وهذا أثبت منه في ذات عرق. قال الشافعي: (ولو أهلوا من العقيق كان أحب إلي" لرواية ابن عباس ﵄، ولأنه أبعد من ذات عرق، فالإهلال منه أحوط، وذات عرق اسم قرية، والعقيق واد قبل ذات العرق بقريب. ثم المستحب في كل قرية هي ميقات أن يحرم من طرفها الأقصى ليقطع عمارة تلك القرية محرمًا، فإن أحرم من طرفها الأدني إلي مكة قبل أن يفارق عمارتها جاز. فإن قيل: كيف تصح الراوية عن رسول الله ﷺ في ذات عرق وأهل العراق كانوا مشركين؟ قيل: إنه وقت ذلك لعلمه بأنهم يسلمون وأنها تصير دار الإسلام كما قال لعدي بن حاتم: (يوشك أن تخرج الظعينة من الحيرة تؤم البيت لا جور معها لا تخاف إلا الله) وبهذا قال أحمد وأصحاب أبي حنيفة. وأعلم أن بعد المواقيت ذو الحليفة علي عشر مراحل من مكة علي ميل من المدينة ويليه في البعد الجحفة، والمواقيت الثلاثة على مسافة واحدة بينها وبين مكة ليلتان قاصدتان. مسألة: قال (٦): (والمواقيت لأهلها، ولكل من يمر بها ممن أراد حجًا أو عمرة). من كان مقيماً بالمقيمات إذا أراد أن يحرم بالحج أو بالعمرة فإنه يحرم من الميقات الذي هو به، وكذلك من كان بلده وراء الميقات يحرم منه، وكذلك من مر بالميقات

стр. 1473

ولبلده ميقات آخر يلزمه الإحرام من هذا الميقات سواء كان حاجاً أو معتمراً أو فارنًا [٥٧/ب] ولا يحتاج إلي أن يخرج إلي ميقات أهل بلده لما روي في خبر ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال لما ذكر في المواقيت لأهلها: "ولكل آتٍ أتي عليها من غير أهلها ممن أراد حجًا أو عمرة" ومن كان دون ذلك، فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة يهلون منها، ومن كان أهله دون هذه المواقيت ما بينها وبين مكة فدويرة أهله ميقاته سواء كان في قرية أو حلل بادية حتى يأتي ذلك على أهل مكة فإن ميقاتهم من جوف مكة، ولا يزمهم المضي إلي الميقات للإحرام. قال في "الأم" (١): "وأقل ما يلزمه أن لا يخرج من بيوتها حتى يحرم، "وأقل ما يلزمه أن لا يخرج من بيوتها حتى يحرم، وأحب إليّ أن يحرم من أقصى بيوتها". وحكي عنه أنه قال في "الإملاء": "يحرم من بيته أو من مسجد قريته وهذا فلا بأس به". وإذا كان في الحلة فلا يفارق البيوت إلا محرماً وتكون الحلة بمنزلة القرية، وإن كان قاطنًا بمكة فلا يخرج من بابها بأعلي عرفة إلا محرمًا، فإن خرج من البنيان في هذه المواضيع غير محرم كان كمن جاوز الميقات غير محرم، والأفضل أن يحرم من الطرف الذي هو من عرفة أبعد، ولو أن مدنياً وافي من المدينة فميقاته ذو الحليفة لا يلملم دون ذي الحليفة، وإن كان اليمني بالمدينة فميقاته ذو الحليفة لا يملم، وإن سلك طريقاً آخر فقد بينا حكم من مر بميقات الغير، وكل ميقات وقته رسول الله ﷺ فهو الأفضل، فإن نقلت تلك القرية إلي مكان آخر فالميقات مكان الأولى دون المحدثة، فإن ذات عرق قد غيرت، فالميقات ذات عرق للأولى. وروى الشافعي بإسناده أن سعيد بن جبير رأي رجلًا يريد أن يحرم من ذات عرق فأخذ [٥٨/أ] بيده حتى أخرجه من البيوت، فقطع به الوادي وأتى به إلي المقابر، ثم قال: هذه ذات عرق الأولى. فإن قيل: قال الشافعي عقيب هذه المسألة (٢): وأيهم مر بميقات غيره ولم يأت من بلده، كان ميقاته ميقات ذلك البد الذي مره به، وقد سبق هذا المعني في قوله، والمواقيت لأهلها ولمن عبر عليها ممن أراد حجًا، أو عمرة فما فائدة هذا العطف؟ قلنا: ربما يختلف النسخ، ففي بعضها فأيهم مر بميقات غيره بالفاء، وفي بعضها بالواو، فإن كان بالفاء فهذا السؤال ساقط والإشكاك زائل لأن آخر الكلام يصير تفسيراً لأوله على نوع من البسط وترك الإيجاز، وإن كان بالواو، فلا بد من زيادة فائدة، وتلك الفائدة أن يقال: المجتازون بالميقات ثلاثة: منهم من أقبل من بلده، ولبلده ميقات معلوم، فعليه أن يحرم من ميقاته. وهذه غير مقصودة بالمسألة الأولى التي ذكر بها المرور ولا بالمسألة الثانية، وإنما هي مقصودة بقوله: والمواقيت لأهلها. والثاني، قوم ليس لهم ميقات، ولا بقربهم. فبين بقوله: ولم يمر عليها أن كل ميقات مر عليه هؤلاء فهو ميقاتهم بمرورهم. والثالث: قوم لبلدهم ميقات معلوم أقبلوا من طريق غير طريق بلدهم فربها يتوهم متوهم أن عليهم التحري بمحاذاة ميقات بلدهم بخلاف قوم ليس لبلدهم ميقات قريب،

стр. 1474

فقطع الشافعي بالمسألة الثانية هذا التوهم، وألحقهم بالفريق الثاني وسوى بين من لبلده ميقات وبين من لا ميقات له إذا جاؤوا من طريق سوى طريق البلدتين. فَرْعّ لو كان مسكنه بين ميقاتين: أحدهما: أمامه، والآخر، وراءه كأهل الأبواء والعرج [٥٨/ب] والروحاء وبدر والصفراء، فمسكنهم بين ذي الحليفة والجحفة وهما ميقاتان فذو الحليفة وراءهم والجحفة أمامهم، فمن كان منهم في جادة المغرب والشام الذين هم علي طريق الجحفة كأهل بدر والصفراء فميقاتهم من الجحفة التي هم أمامهم لأن الجحفة لما كانت ميقاتاً لأهل المغرب والشام الذين أبعد داراً منهم، فأولى أن يكون ميقاتًا لهم، ومن كان منهم في جادة المدينة، وعلى طريق ذي الحليفة كالأبواء والعرج فميقاتهم من موضعهم كان منهم بين الجادتين كأهل بني حرب، فإن كانوا إلي جادة المدينة أقرب أحرموا من موضعهم، وإن كانوا إلى جادة الشام أقرب أحرموا من الجحفة، وليس الاعتبار بالقرب من الميقاتين، وإنما الاعتبار بالقرب من الجادتين، وإن كانوا بين الجادتين علي سواء ولم تكن إحدي الجادتين أقرب. فيه وجهان: أحدهما: يحرمون من موضعهم لمن هو إلى جادة المدينة أقرب تغليبا لحكم الاحتياط. والثاني: أنهم بالخيار بين الإحرام من موضعهم وبين الإحرام من الجحفة، لأن تساوي الحالتين يوجب تساوي الحكمين. مسألة: قال (١): والمواقيت في الحج والعمرة والقران سواء. أراد به سواء في أنه ليس له المرور إلا محرماً بما قصده من حج أو عمرة أو قران، ولا يختلف ذلك، وإن اختلفت المناسك، وإنما أعاد ذكر هذه المسألة لأن القران لم يكن مذكورًا في المسألة الأولى كما كان مذكوراً في هذه المسألة. مسألة: قال (٢): ومن سلك برًا، أو بحرًا توخي حتى يهل من حذو المواقيت، أو من ورائها إذا سلك طريقًا [٥٩/أ] لا ميقات فيه من بر أو بحر تجري في طلب محاذاة الميقات لئلا يجاوزه غير محرم، وإحرام من موضع يعلم أنه حذو الميقات، وإنما جوزنا له الإجتهاد لأن البقين متعذر والإجتهاد في ذلك أمارات ودلائل كما جوزنا الاجتهاد في مواقيت الصلاة وجهات القبلة عند الإشكال. وقوله: من ورائها معناه أنه بالخيار في التحري إن شاء صبر حتى يحاذي ثم أحرم وإن شاء أحرم قبل محاذاة الميقات، والاحتياط في تقديم الإحرام كما أن المجتهد في وقت الصلاة إذا أراد الاحتياط كان احتياطه في تأخير الصلاة يسيرًا عن أول الوقت، فتقديم الإحرام علي ميقات المكان عند التحري نظير تأخير الصلاة عن أول الوقت عند التحري، ولو كان طريقه بين ميقاتين أحدهما أقرب من الآخر، فإنه

стр. 1475

يحرم من حيال قرب الميقاتين إليه لأثر عمر ﵁ الذي ذكرنا، فإن تساويا في القرب أحرم من حذوا أيهما شاء، ولو كان بين ميقاتين: أحدهما: عن يمينه وبين الرجل وبينه خمسة أميال، وبين ذلك الميقات وبين مكة مسيرة ثلاثة ليال وبينه وبين الميقات الذي على يساره ثلاثة أميال إذا حاذاه، وبين مكة وبينه مسيرة ليلتين، فإذا انتهى الرجل إلى محاذاة الميقات الذي مر على يمينه لزمه الإحرام. ولا يجوز له تأخير الإحرام إلى محاذاة الميقات الثاني، وإن كان بين طريقه وبين الثاني أقل بين طريقه وبين الأول. مسألة: قال (١): ولو أتى علي ميقات لا يريد حجًا ولا عمرة، فجاوزه، ثم بدا له أن يحرم. الفضل المجتاز بالميقات علي ثلاثة أضرب: أحدهما: يكون مريدًا النسك، إما الحج أو العمرة، فيلزمه أن يحرم منه، ولا يجوز له أن [٥٩/ب] يتجاوزه إلا محرمًا، فإن جاوزه غير محرم، فإن قدر علي الرجوع لزمه الرجوع إلي الميقات، فإن لم يرجع، قال في "الأم" (٢): كان مسيئا يعني يأثم به، وعليه دم، وإن رجع وأحرم من الميقات لم يلزمه الدم قولًا واحدًا، وإن أحرم دونه، ثم رجع إلى الميقات محرماً. اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: لا يلزمه الدم، وهو الصحيح، وظاهر المذهب. وبه قال الحسن وأبو يوسف ومحمد، فعلة هذا من أراد النسك مخير بين ثلاثة أشياء بين أن يحرم قبل الميقات وبين أن يحرم من الميقات وبين أن يحرم دونه، ثم يعود إليه، ولا يكون مسيئًا في واحدٍ منهما. ومن أصحابنا من قال: يلزمه الدم، ولا يخرج عن الإساءة بذلك. وبه قال مالك وزفر لأنه قد استقر عليه بإحرامه دون الميقات، فلا يسقط عنه بالرجوع إليه كما لو رجع بعد أن تلبس بالوقوف، أو طاف لا يسقط عنه الدم بلا خلاف. وهذا غلط لأنه حصل في الميقات محرماً قبل التلبس بشيء من أفعال النسك، فلا يلزمه الدم كما لو أحرم فيه. وأما الذي قاسوا عليه لا يصح لأن هناك حصل في الميقات في غير وقت إحرامه. وههنا حصل في الميقات في وقت إحرامه لأن الإحرام يتقدم أفعال الحج كلها. وقال أبو حنيفة إن عاد إلي الميقات ولبى، فلا دم عليه، وإن لم يلب يلزمه الدم وإن عاد، وهذا غلط لما ذكرنا، ونقيس علة ما لو عاد ولبى، وإن كان له عذر يمنعه من العود بأن يخاف الانقطاع عن الرفقة، أو كان الطريق مخوفًا، أو خاف فوت الحج لا يلزمه العود، وله الخروج على وجهه ويلزمه مع ذلك دم لأنه ترك قطع مسافة يلزمه قطعها بإحرام. وروى ابن عباس موقوفًا ومرفوعًا إلى النبي ﷺ [٦٠/أ] قال: "من ترك نسكاً،

стр. 1476

فعليه دم" (١)، وقال أبو الشعثاء: رأيت ابن عباس يرد من جاوز الميقات غير محرم إليه. وروي عن الحسن والنخعي أنهما قالا: الإحرام من الميقات مستحب، فإن تركه لا شيء عليه، وقال سعيد بن جبير: إذا أحرم قبل الميقات لا ينعقد كإحرام الصلاة، إذا وقع فاسدًا وهذا غلط لانه لو أحرم بالصلاة بعد خروج وقتها لم تبطل كذلك ههنا ولو مر بالميقات مريدًا للنسك فجاوزه ناسيًا، أو جاهلًا، ثم علم فإن قدر علي العود يستحب له العود، فإن لم يعد، وأحرم دونه يلزمه الدم لأنه ترك المأمور، فلا فرق فيه بين السهور وبين العمد. والثاني: أن يجتاز به ولا يريد حجًا ولا عمرةً، ولا دخول الحرم وإنما يريد قضاء حاجةٍ بين الميقات والحرم لا يلزمه الإحرام، فإن جاوزه، ثم بدا له أن يحرم بنسك أحرم من موضعه لأن حكمه حكم من هو من أهل ذلك الموضع. وقال أحمد: يلزمه العود إلي ميقات بلده، فإن لم يعد يلزمه دم. وهذا غلط لأن العود إنما يجب علي من لزمه الإحرام من الميقات، وهذا لم يلزمه. والثالث: أن يجتاز به ولا يريد النسك، ولكنه يريد دخول الحرم؟ فهل يلزمه الإحرام لدخول الحرم. واختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: لا يلزمه الإحرام، ولكنه يستحب، وبه قال أبو إسحاق، ومنهم من قال: فيه قولان، فإذا قلنا: يلزمه الإحرام لدخول الحرم. واختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: لا يلزمه الإحرام، ولكنه يستحب. وبه قال أبو إسحاق، ومنهم من قال: فيه قولان، فإذا قلنا: يلزمه الإحرام فعليه أن يحوم منه، فإن جاوزه غير محرم لزمه دم علي ما ذكرنا، وإذا قلنا: لا يلزمه الإحرام، فلو بدا له بعد المجاوزة الإحرام أحرم من موضعه علي ما ذكرنا، وعلي مثل هذا حمل الشافعي ما روي عن أبن عمر ﵁، أنه أهل من الفرع (٢). قال: تأويله أنه مر بميقاته لا يريد إحراما ثم بدا له فأهل منه أو جاء إلى الفرع مكة، أو غيرها، ثم بدا له الرجوع إلى مكة. مسألة: قال (٣): وروي عن رسول الله ﷺ [٦٠/ب] أنه لم يكن يهل حتي يبعث به راحلته (٤). المستحب للإنسان أن لا يحرم قبل التوجه إلي البيت ويأخذ في السير، فإن كان راكبًا يحرم إذا انبعثت به راحلته إلي مكة، وإن كان ماشيًا يحرم إذا أخذ في المسير من المسجد الذي صلى فيه ركعتين نص عليه في "المناسك الكبير" لما روي عن النبي ﷺ أنه ركب راحلته فلما ابعتث لبى، وروي خلاف هذا، وهو أنه لما استوت به راحلته علي البيداء لبى حينئذ. وبه قال مالك، وروي أنه صلى بالميقات ركعتين، ثم أهل عقيبهما، وقد قال الشافعي في "القديم": والمناسك الصغير من "الأم": إذا صلى في موضعه ركعتين احرم في مصلاه، وهو قاعد، وهذا قول أبي حنيفة، وأحمد. وروي عن ابن عباس أنه جمع بين هذا كله. وقال: كل ذلك قد فعله رسول الله ﷺ فكل

стр. 1477

واحد من الرواة روى ما سمع وحفظ، وأيم الله لقد أوجب في مصلاه وأهل حين استقلت به ناقته، وأهل حين علا شرف البيداء وكل ذلك جائز. وقال سعيد بن جبير: با ابن عباس عجبت لاختلاف أصحاب رسول الله ﷺ حين أوجب، فقال: "أنا أعلم الناس بذلك". خرج رسول الله ﷺ حاجًا فلما صلى بذي الحليفة ركعتيه أوجبه في مجلسه، وسمع ذلك منه أقوام، وذلك أن الناس كانوا يأتونه أرسالًا ويسمعوه حين استقلت به ناقته، ثم مضى رسول الله ﷺ ، فلما علا علي البيداء أهل وأدرك ذلك منه أقوام، وايم الله .... الخبر، ومن قال: بالأول، قال: اختلفت الراوية عن ابن عباس، فروى عنه أنه قال: اغتسل رسول الله ﷺ ثم لبس [٦١/أ] ثيابه، فلما أتى ذا الحليفة صلى ركعتين، ثم قعد علي بعيره، فلما استوي به علي البيداء أحرم بالحج (١)، وقد روى جابر أن النبي ﷺ قال لأهل مكة: "إذا رحتم متوجهين إلي منى فأهلوا بالحج" (٢)، ولم تختلف عنه الراوية، وهذا متأخر لأن إحرام أهل مكة كان بعد دخولها يوم السابع، فالأخذ به أولى، فإذا تقرر هذا، وأخذ في السير، فالمذهب أن الأفضل له أن يحرم من دويرة أهله، وإن كان بعيدا من الميقات يكثر. نص عليه في "الإملاء". وبه قال أبو حنيفة لأن ذلك أكثر في الطاعة والثوانب. وفيه قول آخر نصّ عليه في "الجامع الكبير"، والأفضل له أن يحرم من الميقات. وروى البويطي عن الشافعي أنه قال: إن أهل رجل بالحج قبل الميقات، فهو جائز، والميقات أحب إلي ووجهه أن النبي ﷺ لم يحرم قبل الميقات فالاقتداء به أولى، لأن ترك الإحرام قبل الميقات مباح، وإذا أحرم قبله لا يأمن مواقعة المحظور فكان الإتيان بالمباح مع الأمن من الغرر أولى، وبهذا قال مالك وأحمد. وقد روي أنه سئل أبن عباس عن رجل كثير الطاعات كثير المعاصي وآخر قليل الطاعات قليل المعاصي، فقال: السلامة لا يعدلها شيء. ومن أصحابنا من قال: قول واحد: إنه يسحب له قبل الميقات من دويرة أهله، وحيث قال: لا أحب قبل الميقات، أي: لا يتجرد عن ثيابه، ولا يتشبه بالمحرمين قبل إحرامه، والدليل على صحة هذا ان الله تعالي قال: ﴿وأَتِمُّوا الحَجَّ والْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وروي عن عمر وعلي (٣) وأبي هريرة (٤) ﵃ أنهم قالوا: إتمامهما أن تحرم بهما من جويرة أهلك. وروت أم سلمة ﵂، [٦١/ب] قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من أهل حجة أو عمرة من المسجد الأقصى إلي المسجد الحرام غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ووجبت له الجنة" (٥). رواه أبو داود،

стр. 1478

وأما إحرام النبي ﷺ لأجل أن ميقاته كان قريبًا من المدينة. وأما التغرير فلا يصح لأنه ينبغي أن يحرم من أدني الحل ويتقدم عليه أيضًا. وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل يكره له الإحرام قبل الميقات؟ فولان قال الجديد: يكره. وقال في "القديم" لا يكره، وقال القفال: قول واحد لا يكره، بل يستحب. وحيث قال: يكره أراد به التشبه بالمحرمين قبله. وهذا غلط ظاهر لأن لفظه في "الجديد" وفي "القديم" ما ذكرنا، ولا يحتمل هذا القول بوجه. وروى الكراهية في ذلك عن عمر بن الخطاب فإنه أنكر علي عمران بن حصين ﵁ إحرامه من البصرة (١). وروى الكراهية عن الحسن وعطاء ومالك. فَرْعُ الحج راكبًا أفضل علي المشهور من مذهب الشافعي نص عليه في "الإملاء" لأن النبي ﷺ حج راكبًا ولأنه يكثر المؤنة في ذلم ويقوى علي الدعاء، والذكر وشهود المشاهد فكان أولى، وهو كالفطر يوم عرفة أولى ليقوى علي الدعاء. وقيل فيه قول آخر: إن الحج ماشيًا أفضل كالصوم في الصيف لأنه أشق. ولأن الشافعي قال: لو أوصى أن يحج عنه ماشيًا حج ماشيًا، ولو نذر الحج ماشيًا لزمه ماشيًا. ومن قال بالأول أجاب عن هذا بأن نصه في الوصية والنذر لا يدل على أنه ماشيًا أفضل لأن الناذر يلزمه ما نذر، وإن كان غيره أفضل كما لو نذر التصدق بدراهم، أو أوصى بها لا يجوز الإبدال بالدنانير وإن كان الدنانير أولى. باب الإحرام والتلبية [ ٦٣/أ] مسألة: قال (٢): وإذا أراد الرجل الإحرام اغتسل من ميقاته. الفَصْلُ استحب لمن أراد أن يحرم بالحج، أو بالعمرة أن يغتسل من الميقات لإحرامه لما روي عن زيد بن ثابت ﵁ قال: "تجرد رسول الله ﷺ لإحرامه، واغتسل" (٣). وقال الشافعي (٤): ما تركت الغسل بالإهلال قط، ولقد كنت أغتسل له مريضًا في السفر وإني أخاف ضرر المرض، وما صحبت أحدًا اقتدى به، فرأيته تركه، وليس ذلك بواجب لأنه غسل لأمر مستقبل. وقال في " الأم" يستحب ذلك للرجل والمرأة والصبي والحائض والنفساء لأن هذا الغسل يراد للتنظيم فاستوي فيه هؤلاء. وروى ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال: "النفساء والحائض إذا أتتا على المواقيت تغتسلان وتحرمان وتقضيان المناسك كلها غير الطواف بالبيت". قال في "الأم" (٥): ولو كان الوقت موسعًا علي الحائض والنفساء لم يخافا فوت الحج

стр. 1479

فالأفضل لهما أن لا تحرما حتى يطهرا حتى يجمعها بين التنظيف ورفع الحدث، وتكون كل واحدة منهما على أكمل حالها عند الإحرام. ويستحب للرجل والمرأة أن يتأهبا لحلق الشعر وتقليم الظفر وتنظيف الجسد لما روى جابر أن رسول الله ﷺ أمرهم أن يتأهبوا للإحرام بحلق شعر العانة ونتف الإبط وقص الشارب والأظفار وغسل الرأس. ووردت عائشة قالت: "كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يحرم غسل رأسه بأشنان وخطمي" (١) فإن لم يجد من أراد الإحرام الماء تيمم لأن التيمم ينوب عن الغسل الواجب فناب عن الغسل المسنون، وإن وجد ما يكفيه للوضوء ولا يكفيه للغسل توضأ. وقال في "الأم" (٢) الاغتسال في الحج سبعة للإحرام ولدخول مكة وللوقوف بعرفة [٦٢/ب] وللوقوف بمزدلفة ولري الجمار في أيام منى الثلاثة. ولا يغتسل لجمرة يوم النحر لأن رمي أيام منى بعد الزوال في وقت اشتداد الحر والعرض وازدحام الناس، ورمي جمرة العقبة من حين منتصف الليل من ليلة النحر إلي آخر النهار، ومن يوم النحر وإنما يسن في أول النهار قبل أن يشتد الحر وتعرق الأبدان، ولا يكاد الناس يجتمعون لها بل يتفرقون، ولا يستحب له الغسل نص عليه. وقال الشافعي (٣): وأستحب الغسل بين هذا عند تغيير البدن بالعرق وغيره تنظيفا للبدن. وزاد الشافعي في "القديم" ثلاثة اغتسالات لطواف الزيادة وللحلق ولطواف الصدر. حكاه القاضي الطبري وغيره، ولم يذكر أبو حامد عن "القديم" الغسل للحلق. مسألة: قال (٤): ويتجرد ويلبس إزازًا ورداء أبيضين. إذا فرغ من الاغتسال تجرد عن الثياب المخيطة، وذاك ما يخاط علي قدر الملبوس عليه مثل القميص والسراويل والجبة، ونحو ذلك، ويلبس ما ليس بمخيط وهو ما لا جيب له ولا كمين كالإزار، والرداء ويجب عليه كشف رأسه، فلا يلبس عليه مخيطًا، ولا غيره، والأصل في ذلك ما روى ابن عمر ﵄، قال: سأل رجل رسول الله ﷺ عما يجتنب المحرم من الثياب، فقال: "لا يلبس القميص ولا السراويل ولا البرنس ولا العمامة ولا ثوبًا مسه الورس ولا الزعفران (٥) ويلبس إزازًا ونعلين (٦) ولا يلبس الخفين إلا أن لا يجد النعلين فليلبس الخفين وليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكمين"، وإذا لبس الإزار، وهو المئزر والرداء يستحب أن يكون الأبيض، [٦٣/أ] لأنه أحب الثياب إلي الله تعالى. قال: والجديد أحب إليّ من المغسول فإن لم يكن جديدًا ليس مغسولًا، ويلبس نعلين فإن لم يجد مشى حافيًا إلا أن يريد الترخيص فيذكر حكمه. وقيل: السنة أن يحرم في إزاز ورداء ونعلين لما روى ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "يلبس إزازًا،

стр. 1480

ورداء، ونعلين" ولا يشترط أن يكون الرداء أو الإزار يقطعه، بل لو أخذ حرفًا وخالط بعضها إلى بعض جاز، ولو عدل الثوب المصبوغ فما صبغ غزله قبل النسج كعصب اليمن والأبراد الحبرة يجوز، لأنه بالرجال أشبه. وما صبغ بعد نسجه لو لبسه كان عادلًا عن الاختيار يجوز أيضًا لما روي أن ابن عمر ﵄ أحرم في ثوب معصفر (١). وروي أن عبدالله بن جعفر أحرم في ثوبين مضرجين (٢). وروي أن عقيل بن أبي طالب أحرم في موردتين (٣). مسألة: قال (٤): "ويتطيب لإحرامه إن أحب قبل أن يحرم". قال أصحابنا: يستحب لكل من أراد الإحرام أن يتطيب قبل الإحرام، وكذلك أراد التحلل يستحب له أن يتطيب قبل تحلله. وبه قال أحمد، وإسحاق. وروي ذلك عن ابن عباس، وابن الزبير، وسعد بن أبي وقاص، وأم حبيبة، وعائشة، ومعاوية ﵃. وقال مالك: لا يجوز له ذلك قبل الإحرام، وإن تطيب أمر بغصله، فإن لم يغسل وأحرم فقد فعل محرمًا ولا يلزمه الفدية. وبهذا قال عمر، والحسن، وابن سيرين، وعطاء، وسعيد بن جبير، ومحمد ﵃. وقيل مثله عن ابن عمر، ولا فرق عندنا بين أن يكون الطيب عينًا قائمة كالمسك والغالية، أو أثرًا كالبخور بالعود والند. واحتج بما روي عن يعلى بن أمية قال: كنا عند رسول الله ﷺ [٦٣/ب] بالجعرانة فأتاه رجل عليه ثياب وهو متضمخ بالخلوق، وروي: عليه ردغ من زعفران، فقال: يا رسول الله إني أحرمت بالعمرة وهذه عليّ فأنزل عليه الوحي، فلما أسرى عنه قال: "أين السائل عن العمرة"؟ وقال له: "اغسل عنك أثر الخلوق - أو قال: أثر الصفرة- واخلع الجبة عنك، واصنع من عمرتك ما صنعت في حجك" (٥) وهذا غلط لما روي عن عائشة ﵂ قالت: طيبت رسول الله ﷺ لإحرامه قبل أن يحرمن ولحله قبل أن يطوف بالبيت قبل النحر بطيب ومسك (٦). وروي أنه قيل لها: بأي طيب؟ فقالت: بأطيب الطيب، وهو المسك. وقالت أيضًا كأني أنظر إلى وبيص المسك في مفرق رسول الله ﷺ وهو محرم (٧). ووبيص المسك: بريقه. ورؤي ابن عباس محرمًا وعلى رأسه مثل الرب من الغالية (٨). وقال مسلم بن الزبير وهو محرم وفي رأسه ولحيته

стр. 1481

من الطيب ما لو كان لرجل لاتخذ منه رأس مال. وأما خبرهم قلنا: هذا كان لأن التضمخ بالزعفران حرام على الرجل في حال إحرامه وحله، وروى أنس: نهى رسول الله ﷺ أن يتزعفر الرجل (١). وفي هذا الخبر دليل على أنه إذا أحرم في ثوب مخيط لا يجب عليه تمزيقه، وأنه إذا نزعه من رأسه لا فدية عليه، لأنه روي أن هذا الأعرابي خلع الجبةً من رأسه، وقال النخعي: يشقه، وقال الشعبي: يمزق عليه، وقال صاحب "الحاوي" (٢): عندنا لا يكره ذلك وهل يستحب؟ وجهان: أحدهما: يستحب اقتداء بفعله والثاني: وهو الأشبه بالمذهب لا يستحب بل يباح، لأنه فعله ولم يأمر به. فرع لو لبس إزاره أو رداءه وأحرم فيه ثم نزعه ثم لبسه، قال أبو الحسن [٦٤/ أ] الماسرجسي الإمام ﵀ يلزمه الفدية قولا واحدًا لأنه ابتدأ لبس ثوبه مطيب في حال الإحرام. وقال بعض أصحابنا بخراسان فيه وجهان: أحدهما: هذا. والثاني: لا فدية عليه، ويجوز له لبسه ثانيًا، لأن ذلك صار مستهلكًا كما لو كان استعمله في بدنه. وحكي عن الشافعي أنه قال في موضح: ويتجمر رحله وثوبه بالبخور فقد قيل: في المسألة قولان، وذكر بعض أصحابنا وجهاً أنه لا يجوز أن يحرم في ذلك الثوب لأن الطيب يبقى على الثوب ولا يصير مستهلكا، فهو كما لو شد مسكا على ثوب لا يجوز لبسه، وإذا طيب بدنه يصير مستهلكا، وهذا ليس بشيء، وقيل: إذا قلنا: له لبسه فلبسه ثم نزعه ثم لبه ثانياً فيه وجهان: أحدهما: ما ذكرنا أنه يجوز ذلك ولا فدية عليه لأن العادة في الثوب لبسه كل وقت بعد نزعه والثاني: لزمته الفديةً لأنه يشبه ابتداء الطيب. فرع أخر لو طيب بالغالية موضعًا من بدنه، ثم أحرم ثم أخذ الغالية من موضعها واستعملها في موضع آخر من بدنه لزمته الفدية قولًا واحداً، ولو تطيب قبل الإحرام بالغاليةً، ثم أحرم فعرق بدنه، فسال الطيب من موضعه إلى موضع آخر، فالمذهب أنه لا فديةَ عليه لأنه لما تهرب به صار في حكم المستهلك، وهذا ليس يتطيب من جهته، ومن أصحابنا من خرج فيه وجهاً آخر أنه تلزمه الفدية لأنه كالتطيب الجديد بالانتقال من موضعه،

стр. 1482

وحصل ذلك بسبب فعله، وهذا ضعيف. مسألة: قال (١): ثم يصلي ركعتين ثم يركب، فإذا توجهت به ناقته لبّى. إذا تطيب، وأراد الإحرام، فالمستحب له أن يصلي ركعتين لما روى ابن عباس وجابر أن النبي ﷺ أتى ذا الحليفة [٦٤/ب] فصلى ركعتين ثم أحرم، وقد ذكرنا فيما سبق متى يلبّي مسألة: قال (٢): ويكفيه أن ينوي حجا أو عمرًة عند دخوله فيه، والإحرام بالحج والعمرةَ يعقد، والدخول فيه وإنما سمى ذلك إحراماً لدخول الناس به فيما حرم عليهم في الحج من قبل الصيد ولبس المخيط ومس الطيب والاستمتاع، وغير ذلك ويسمى الإحرام، إهلالا يقال: أهل فلان بالحج، يعني أحرم وينعقد الإحرام بمجرد النية، قال في " لأم " (٣): لما كانت نيةً المصلي كافيةً له من إظهار ما ينوي فكذلك نية المحرم بالحج كافيةً من إظهار ما ينوي ويستحب له التلبية مع النيةَ ولا يجب ذلك سواء ساق الهدي أو لم يسق. وبه قال مالك وأحمد، وقال أبو حنيفة: إن ساق الهدي لا تجب التلبية وإن لم يسق الهدي لا بد من التلبيةً، ومعنى التلبيةُ عنده أن يذكر الله تعالى، ولكن قال: شرعت في الحج، أو أحمرت بالحج كفي، ففي هذا يخالف إحرام الصلاةً، واحتج بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "أتاني جبريل ﵇ فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال والتلبية" (٤)، وهذا غلط لأنها عبادةً ليس في آخرها نطق واجب، فلا يكون في أولها نطق واجب كالصوم، وأما الخبر فمحمول على الاستحباب بدليل أن رفع الصوت لا يجب بالإجماع، وقال بعض أصحابنا بخراسان: لا بد من التلبيةً مع النيةً، ومعنى قول الشافعي يكفيه أن ينوي حجًا أو عمرةً أي بعدما لبّى لا يحتاج أن يذكر الحج، والعمرةً، فيقول: لبيك بحجةً أو لبيك بعمرةً، وهذا اختيار ابن خيران، وابن أبي هريرة، وهذا غريب. والدليل على استحباب التلبيةً ما روى أبو بكر الصديق ﵁ [(٦٥) /أ] أن النبي ﷺ سئل: أي الحج أفضل؟، فقال: "الحجّ والثجّ" (٥)، والعج رفع الصوت بالتلبيةً، والثج نحر البدُن، وقيل: إراقةُ الدم. وروى سهل بن سعد أن النبي ﷺ قال: "ما من مسلم يلبّي إلا لبّى عن يمينه وشماله من حجرٍ أو شجرٍ أو سدر حتى تقطع الأرض من ههنا وههنا (٦) "، ويستحب عندنا أن يقول عند إحرامه: اللهم أحرم لك شعري وبشري ولحمي وعظمي ودمي لله رب

стр. 1483

العالمين لا شريك له فقد روي ذلك عن السلف. ثم إن النيةً لا يجوز أن تتقدم على الميقات بل يلزمه ضم النيةً إلى أسباب الإحرام عند الميقات، وهذا معنى قوله عند دخوله فيه ثم روى المزني ههنا يعفي ما روى الشافعي من دليل بعض المسائل السابقة في أول هذا الباب، فقال: وروي أن رسول الله ﷺ أمر بالغسل وتطيب لإحرامه يعني أنه أمر أسماء بالغسل، وكانت نفساء ولدت محمد بن أبي بكر. واحتج الشافعي به على أن الاغتسال للإحرام غير واجب، فقال في "الكبير": ولما أمر النبي ﷺ النفساء بالاغتسال، والاغتسال لا يطهرها علم أن من كان مطهرةً للاغتسال فهو به أولى، واعلم أن الاغتسال غير واجب لأنه لا يطهرها، وقوله " وتطيب يعني رسول الله ﷺ تطيب لإحرامه وتطيب ابن عباس وسعد بن أبي وقاص ﵄. مسألة: قال (١): فإن لبى بحج وهو يريد عمرةً فهو عمرةً، وإن لبّى بعمرةً وهو يريد حجًا فهو حج. إذا أراد الحج أو العمرةً ونوى ما يريده ولبّى به أجزأه، وهو الأولى وإن نوى الحج ولبّى بعمرةً أو نوى العمرةً ولبّى بحج انعقد الذي نواه يرد؛ لأن العبرة في عقد العبادةَ بالقلب والنيات [٦٥/ب] كما تحصل بالألسنةُ وعمادها الأفئدة. مسألة: قال (٢): وإن لم ينو حجًا ولا عمرةً فليس بشيء. ليس على ظاهره، لأنه إذا لم ينو حجاً ولا عمرةً ولكن نوى إحرامًا مطلقًا انعقد إحرامه موقوفًا ثم يصرفه بعد ذلك إلى ما شاء فيقول: أراد أنه إذا لم ينو بقلبه شيئًا أصلًا فلا يلزمه شيء لأنه عقده باليةً ولم يوجد ذلك، وحكي الربيع في المسألة قولًا آخر إن ما ذكر بمائه يلزمه وإن كان قلبه ساهيًا، ومن أصحابنا من قال: المسألةَ على حالين فصورة ما قال ههنا أنه نفي بقلبه ما ذكره بلسانه فلا يكون شيئًا وصورة ما ذكره الربيع أنه نوى بقلبه الإحرام ولم يعين حجًا ولا عمرةً فإن إحرامه ينصرف إلى ما ذكر بلسانه، وعندنا لا يكره آن يذكر التلبية ولا ينوي شيئًا، وقال مالك: يكره لأنه شعار الإحرام، فيكره للحلال كرمي الجمار، وهذا غلط لما روى ابن مسعود ﵁، لقي ركبانًا بسالحين محرمحين فلبوا، فلبّى ابن مسعود، وهو داخل الكوفةَ، ولأنها تشتمل على حمد الله تعالى والثناء عليه وحده. مسألة: قال (٣): وإن لبى يريد الإحرام ولم ينو حجًا ولا عمرةً فله الخيار. الإحرام الموقوف المبهم يجوز وهو على ضربين: أحدهما: أن يحرم لا بحج ولا بعمرةً بل مطلقًا. والثاني: أن يقول: إهلال كإهلال فلان، فإن أطلق انعقد وله أن يصرفهما إلى أيهما شاء من الحج والعمرةً إن كان الوقت صالحا لهما، وإن كان الوقت ضاق، وخاف فوت الحج أو كان فات وقت الحج صرفه إلى العمرةً، وإن كان هذا غير وقت إحرام الحج انعقد

стр. 1484

بعمرةً ولم ينعقد مطلقًا، ولأن هذا الإحرام لا يصلح لغيرها، هما جوّزنا هذا للخبر الذي تقدم، لأن الإحرام بالحج [٦٥/أ] يخالف غيره لأنه لم يخرج منه بالفساد وإذا عقد عن غيره ينقلب إليه إذا لم يكن حج عن نفسه، فجاز أن ينعقد مبهمًا لهذا المعنى. وأما إذا قال: إهلال كإهلال فلان، فإن علم بحكم إحرامه عمل عليه، ويجوز، وإن لم يعلم كيف أحرم فلان في الحال، ثم علم بعد ذلك عمل عليه أيضًا، بان لم يمكن معرفته بأن يموت آو يجئ، أو غاب انعقد إحرامه نص الشافعي في "القديم" و"الجديد": أنه يلزمه أن ينوي القران، ولا يجوز له التحري لجواز أن يكون زيد قارنًا، قال أصحابنا: هذا يدل على أنه إذا شكَ في إحرام نفسه هل كان قارنًا أو مفرداً؟ يكون قارنًا قولًا واحدًا لأنه يجوز أن يكون قد قرن كما جاز آن يكون زيد قد قرن، فلا فرق، ومن أصحابنا من قال: ههنا قول واحد، وبه قال أهل البصرةَ، وهناك في أحد القولين يتحرى، والفرق أن الاشتباه إذا وقع في فعل غيره لم يكن له طريق إلى التحري والاجتهاد فيه، وهناك الاشتباه وقع في فعل نفسه، فكان الطريق إلى التحري والاجتهاد فيه، بان علم أن فلانًا لم يكن أحرم، فإن إحرامه ئد صحّ مطلقًا من غير تعين فله صرفه إلى ما شاء من حج أو عمرة أو قران. فإن قيل: ينبغي أن يكون مثل فلان حلالا، قلنا: هو عقد إحرام نفسهِ، ولم يقل: أنا محرم إن كان فلان محرمًا، هما جعل صفة إحرامه كصفةً إحرام فلان، فإذا لم يكن فلان محرمًا لم يكن إحرامه موصوفًا، وكان موقوفًا فوجب عليه أن يصرفه إلى ما شاء على ما ذكرنا. والأصل في هذا ما ذكرنا من خبر علي ﵁ حين أهل، فقادت إهلال كإهلال رسول الله ﷺ ، وروي أنه قال له: ائت على إحرامك، أي- ﷺ على الحج، وإذا كان فلان أحرم بإحرام مطلق، فله إحرام مطلق ثم إن صرف فلان إحرامه المطلق إلى حج لا يلزمه، [(٨٦) /ب] صرفه إلى الحج، بل له صرفه إلى العمرةً، وإن كان فلان معتمرًا بنيةً التمني لم يلزمه التمني، بل يكون معتمرًا لا غير، وقال والدي ﵀: لو قادت إحرامي كإحرام زيد نم تبين أنه كان ميتًا انعقد إحرامه، ويصرفه إلى ما أراد على ما ذكرنا، وفيه وجه آخر لا ينعقد إحرامه، والأول أصح لما ذكرنا إذا كان فلان حلالا. وقال أيضًا: لو قال: إحرامي كإحرام فلان الكافر، وكان أحرامه بالعمرة أو بالحج، ذلك الكافر وفيه وجهان: احدهما: يلزمه ما أحرمه الكافر. والثاني: ولا يصح، ويبقى مجرد إحرامه مطلقًا، فيصرفه إلى ما شاء. قال أصحابنا: قد ذكرنا أنه إذا أحرم مطلقًا له أن يحرفه إلى القران بالإجماع، وعندنا القارن متلبس بإحرام واحدٍ، وعند أبي حنيفةَ ﵁ هو متلبس بإحرامين فنقول لأبي حنيفةَ إذا سلمت أنه يجوز له صرف الإحرام المطلق دل على أن الإحرام واحد. فرع لو قال: إحرامي كإحرام زيد وعمرو، وكان أحدهما محرمًا بحج، والآخر بعمرةً كان قارنًا، ولو كان أحدهما قارنا، والآخر حاجاً كان قارنًا، ولو كان كل واحد منهما

стр. 1485

محرمًا بحج، كان حاجًا لا غير، وكذلك لو كانا معتمرين كان محرمًا بعمرة واحدة. فرع أخر لو قال: أنا محرم غدا أو رأس الشهر يجوز كما جاز تعليقه بإحرام فلان، وعلى هذا قال أصحابنا: لو قال: أحرمت يومًا أو يومين ينعقد مطلقا كالطلاق، ولو قال: أحرمت بنصف نسك كامل كما لو قال: أنت طالق نصف طلقة. فرع أخر هل الأفضل له عقده مطلقًا أو معينًا؟ قال في "الأم": وهو المذهب عقده معينًا أفضل، لأن التعيين [٧٦/ أ] مستحق في سائر العبادات، وأشار في "الإملاء" إلى أن الإطلاق أولى، قال القاضي الطبري: هذا لا يعرف. والمسألةُ على قول واحد، وقال غيره: فيه قولان. وجه ما قال في " لإملاء": أنه أحوط؛ لأنه إن كان الوقت ضيقًا، وخاف فوت الحج صرفه إلى العمرةَ وإن كان الوقت واسعًا اعتمر دفعات، ثم حج، وإذا عين بالحج يمكنه هذا. قال طاوس: أحرم رسول الله ﷺ لم يسمّ حجًا ولا عمرةً وجه ما قال في " لأم "ما روى جابر وابن عباس أن رسول الله ﷺ أحرم بالحج وكذلك أصحابه عينوا الإحرام، وخبر طاوس مرسل، وروايةَ جابر أولى والاحتياط ممكن بأن يحرم بالعمرة، ثم إن شاء تمتع وإن شاء قرن، وإن شاء اقتصر عليها ثم حج في وقت آخر. فرع أخر إذا عين هل يستحب له إظهار ما نواه بلسانه؟ اخلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: لا يستحب إظهاره نطقًا، وهو قول الشافعي في عامةِ كتبه. قال أحمد لما روى جابر قال: لم يسلم رسول الله ﷺ حجًا في تلبيته ولا عمرةً قط. وروي أن ابن عمر سمع رجلًا يقول: لبيك بحجّة، فضرب في صدره وقال: يعلم الله ما في نفسك، ولأن التلبيةَ ذكر الله تعالى وتسمية ما نواه ليس بذكر الله تعالى، فالاقتصار على ذكر الله تعالى أولى، ولأنه أبعد من الرياء ومنهم من قال: يستحب إظهاره نطقًا ليكون أبعد من النسيان، ولأن النبي ﷺ قال وهو بالعقيق: "أتاني الليلةَ آتٍ من ربى وقال: صل في هذا الوادي المبارك وقل حج وعمرةٍ (١)،، ومن قال بالأول أجاب عن هذا بأنه أراد أن يبين أن العمرة دخلت في الحج، [٦٧/ ب] وأما النسيان، فيبطل سائر العبادات التي لا يستحب إظهارها باللسان. مسألة: قال (٢): وإن لبّى بأحدهما فنسيه، فهو قارن. إذا أحرم بشيء ثم نسي بماذا أحرم فإن ذكر أنه أحرم بشيئين، ولا يعلم عينهما انعقد إحرامه بالقران، وإن لم يعلم هل أحرم بحج أو عمرةً أو بهما؛ فيه قولان، قال في "القديم ": استحب له أن يقرن فإن تحرى رجوت أن يجزئه إن شاء الله فقد أجاز له

стр. 1486

الاجتهاد والتحري. وبه قال أبو حنيفة ﵀ ووجهه أنه يمكنه التوصل إلى عين ما أحرم بالاجتهاد، فجاز له ذلك كما لو شك في عين القبلةِ يجتهد، ويعمل على ما يؤدي اجتهاده إليه، وقال في "الأم" و"الإملاء": عليه أن يأخذ باليقين، وهو أن يقرن، وهو الصحيح لأنه شك في العبادةً بعد التبس بها، فلا يجوز له الاجتهاد فيها كالمصلي إذا شك في عدد ركعات الصلاةَ لا يتحرى، وقال أحمد: يجعل ذلك عمرةً وبناه على أصله في جواز فسخ الحج إلى العمرةِ، فإذا قلنا بالقول الأول تحرى، فإذا غلب على ظنه شيء عمل عليه من إفراد أو تمتع أو قران، ويستحب له أن ينوي القران أيضًا، وإذا قلنا بالمذهب، فعليه أن يحدد نية القران ولا يكفيه أن يقرن من دون هذه النيةَ، وقد نقل المزني: فهو قارن وليس على ظاهره، بل المراد به ما ذكرنا لأنه إذا أقرن أتى القران على ما كان أحرم به، فإذا نوى ذلك بقي الكلام في فصلين: أحدهما: فيما يصح من نسكه (٠) والثاني: فيما عليه من الدم، فأما النسك، فالحج يصح بلا إشكال لأنه خرج مما دخل فيه بيقين لأنه إن كان أحرم به [٦٨/ أ] فقد انعقد، وإن كان أحرم بالعمرةَ فقد أدخل عليها الحج، ويجوز إدخاله على إحرام العمرةَ، فإن قلنا: يجوز إدخال العمرةَ على الحج أجزأته، وإن قلنا: لا يجوز ذلك لم تجزيه ثمرته، وعليه أن يقضيها وقال أبو إسحاق: تجوز عمرته ههنا قولًا واحدًا لأنا إنما قلنا لا يجوز إدخال العمرةَ على الحج في غير حال الاشتباه لعدم الحاجةَ، فأما في حال الاشتباه فيجوز للحاجةَ، وهذا ضعيف، وأما الدم فكل موضع قلنا: هو قارن وتجوز عمرته مع الحج، فعليه دم القران، وكل موضع قلنا: صح له الحج دون العمرةَ، فالمذهب أنه لا يلزمه الدم لأنه لم تجز عمرته لا يصير قارنًا، فلا يلزمه دم القران، ومن أصحابنا من قال: يلزمه الدم احتياطًا. قال صاحب "الحاوي" (١): وهذا أصح لأنا أمرناه بإعادة العمرة احتياطًا للفرض أيضًا، وكان المضي فيهما واحدًا، وقد نوى القران بلا إشكال هذا إذا اشتبه قبل التلبس بشيء من أعمال الحج، فأما إذا طرأ هذا الشك بعد وقوفه بعرفه، فعليه أن يمضي في أفعال الحج، فيطوف ويسعى، ويحلق ويرمي، وقد حل إحرامه بيقين لإتيانه بأفعال النسكين كمالاً (٢)، ولا يسقط عنه فرض الحج ولا العمرةَ بحال لأنه إن كان حاجّاً أدخل العمرةَ عليها بعد الوقوف، فلم تجزه العمرة، وإن كان معتمراً، فقد دخل الحج بعد فوات الوقوف، فلم يجزه الحج، وكذا لو طرأ هذا الشك قبل الوقوف بعد الطواف، فيحتمل أن يكون هذا طواف العمرةَ، ويحتمل أن يكون طواف القدوم، فإذا نوى القران بني ذلك على القران في إدخال العمرة على الحج، فإن قلنا: لا يجوز؛ فلا يحتسب له بحج ولا عمرةً، لأنه يحتمل أن يكون حاجّاً، فالعمرةَ لم تنعقد له ويحتمل أن يكون معتمراً، والمقيم إذا طاف لا يجوز له إدخال الحج على عمرته،

стр. 1487

وإذا كان كل واحد من النسكين [٦٨/ ب] يحتمل أن يصحّ، ويحتمل أن لا يصحّ لم يحتسب له بالشك، وإذا قلنا بقوله القديم، وأنه يجوز إدخال العمرةً على الحج احتسب له بالعمرةَ لأنه إن كان معتمرا فقد حصلت له، وإن كان حاجّاً فقد أدخل عليه العمرةَ، ولا يحتسب له الحج، لأنه يجوز أن يكون معتمرا، وإدخال الحج على العمرةَ بعد الطواف لا يجوز فإن أراد هذا الشاكَ أن يحصل لنفسه الحج حلق عقيب الطواف والسّعي وأحرم بالحج فيحصل له بالحج، لأنه إن كان إحرامه لعمرةً فقد تحلل منه وأحرم الحج، وإن كان بالحج فلا يضره هذا التحلل، ويلزمه دم، لأنه إن كان محرمًا بالعمرةَ أولًا، فهو متمتع، وإن كان محرمًا بالحج فقد وجب عليه دم الحلاق، وإن كان قارنًا أو صار قارنًا، فعليه دم القران فقد وجب دم بيقين لأنه لا ينفك عن قران، أو تمني أو حلاق، وهو محرم، وفي الدم الآخر وجهان: أحدهما: لا يجب لأنه لا يجب إلا بيقين. والثاني: يجب احتياطًا، وقد مضى نحو هذا فيما تقدم، والصحيح الأول لأن وجوب الدم بالحلق مشكوك فيه، ولا يجب بالشك. وقال القفال: هكذا ذكر ابن الحداد، ولكن قال أصحابنا: هو غلط؛ لأنه كيف يأمر بالحلق ولا ندري هل يجوز له الحلق أم لا؟ ولكن لو فعل ذلك فالحكم على ما ذكره ولا يجزئه هذه العمرة قولًا واحدًا لأنه لم ينو العمرةَ الآن ولا ثبت أنه كان معتمرًا في الابتداء. وقال أبو حامد: إن كان هذا الشق بعد الوقوف قبل طواف القدوم أجزأه الحج لأنه إن كان حاجًا، أو قارناً فقد انعقد إحرامه بالحج، وإن كان معتمرا فقد أدخل الحج على العمرةَ قبل طواف العمرةَ، فيصح حجه [٦٩/ أ] ولا تجزيه العمرةْ لأن إدخال العمرةَ على الحج لا يجوز إذا وقف بعرفةً قولًا واحدًا. وهكذا ذكر صاحب "المهذب"، وهو غلط ظاهر؛ لأن إدخال الحج على العمرةُ قبل طواف العمرةً وإن صح فلا يصح الحج بعد فوات الوقوف، وإن كان مراده مع بقاء زمان الوقوف وقف بعدما نوى القران فلا إشكال فيه. مسألة: قال (١): "ويرفع صوته بالتلبية". الكلام الآن في كيفيةَ التلبيةَ وما يستحب فيها والأصل في التلبية ما ذكرنا. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "ما أهل مهل قط إلا بشر، ولا مكبر قط إلا بشر" قيل: يا رسول الله بالجنة؟ قال: "نعم" (٢). وروى سيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: التلبية زينة الحج. ويستحب رفع الصوت بها لما ذكرنا من الخبر، ولأن معناه معنى الأذان الذي لا يسمعه شيء إلا شهد له، ولا يزيد في رفع صوته بحيث ينقطع صوته أو ينطبق حلقه يل ينبغي أن يكون صوته بين الصوتين وسطًا لما روي عن بعض الصحابة أنه قال: آمرنا رسول الله ﷺ برفع الصوت في التلبية فرفعنا أصواتنا، فما بلغنا الروحاء حتى بحت حلوقنا، فقال ﷺ : "أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تنادون أصم ولا غائبًا" (٣).

стр. 1488

وروى عبد العزيز أبي حزم، عن أبيه قال: ما كان أصحاب رسول الله ﷺ يبلغون الروحاء حتى تبح حلوقهم من التلبية (١) وفي التلبية أقاويل: أحدها: أنها مأخوذةً من قولهم: ألب فلان بالمكان، ومعنى لبيك أنا مقيم على طاعتك وعلى أمرك غير خارج عن ذلك ولا شارد عليك. وقوله "لبيك" تثنيةُ ليس لها [٦٩/ب] واحد، وإنما ثنوه لأنهم أرادوا به إقامةَ بعد إقامةً، وطاعةً بعد طاعةَ، كما قالوا: "حنانيك ربنا" أي هب لنا رحمةً بعد رحمةً. الثاني: مأخوذةً من الإجابةَ ومعناها إجابتي لك. والثالث: مأخوذة من اللب الذي هو خالص الشيء، ومعناها الإخلاص أي أخلصت لك الطاعةَ. والرابع: مأخوذة من لب العقل، ومعناها: أي منصرف إليك وقلبي مقبل عليك. والخامس: أنها مأخوذةً من المحبة يقال: امرأة لبةً إذا كان لولدها محبةً ويكون معناها: محبتي لك (٠) مسألة (٢): قال: "ويلبي المحرم قائمًا أو قاعدًا". الفصل التلبيةُ مستحبةً في الإحرام في عموم الأحوال لكل من أحرم من الرجال والنساء والصبيان طاهرة كانت المرأة أو حائضًا جنبًا كان أو متطهرًا، وعلى كل حال قائمًا وقاعدًا ومضطجعًا، وراكباً ونازلًا بالأرض وسائرًا، لأنه ليس في الخبر ولا عن الصحابةُ تخصيص يعفي هذه الأحوال وقد ثبت عن رسول الله ﷺ أنه ما كان يمنع عن ذكر الله تعالى مع الجنابةَ، وإنما كان يمنع عن تلاوةَ القرآن. وقوله: "وعلى كل حالٍ" أراد به ما عدا الحالات المعلومةَ الني يكره فيها ذكر الله تعالى، ويختص بها أحوال حدوث أمرٍ ويريدها تكرارًا مثل ركوب ونزول، وظهور على نشزٍ، أو اضطمام رفقةً، أو دخول مسجد، أو فراغ من صلاةً، أو إقبال الليل والنهار ووقت السحر، فقد روي في ذلك عن السلف، قال جابر: كان رسول الله ﷺ يلبي في حجه إذا لقي راكباً أو علا أكمةً أو هبط وادياً وفي إدبار [٦٩/ أ] المكتوبة، ومن آخر الليل. وقال نافع: كان ابن عمر يلبي راكبًا ونازلا ومضطجعًا (٣)، ويستحب رفع صوته بها في ثلاثةً مساجد: المسجد الحرام، ومسجد إبراهيم بعرفة، ومسجد الخيف بمنى، لأن العادةَ جرت برفع الصوت فيها بالتلبيةً، وأنا فيما عدا هذه الثلاثةَ من المساجد، قال في "الجديد" يكره رفع الصوت بها فيها لأنه يؤذي المصلين فيها، وليست مواضع التلبيةَ. وبه قال مالك: وقال في "الجديد"، يستحب رفع الصوت بها في كل سجد لأنها ذكر الله تعالى، وهكذا نقل المزني، فقال: وفي جميع المساجد، ولأنه موضع

стр. 1489

سنت فيه الصلاة، والجماعة فسن فيه رفع الصوت بالتلبيةَ كالمساجد الثلاثة. وحكي القفال عن مالك أنه قال: لا يرفع صوته بها في المساجد الثلاثةَ أيضًا. فرع هل يلبّي في أثناء الطواف والسعي؟ قال في "القديم": يلبّي، ولكنه يخفض صوته. وبه قال ابن عباس وأحمد، وقال في "الجديد": وأحب للمحرم ترك التلبيةَ في الطواف والسعي، لأن في هذا الموضع ذكرا يختص به غير التلبيةَ، فكان الاشتغال به أولى، ولو لبّى لم يكنعليه شيء، ذكره في "الإملاء". قال الشافعي: وإنما قلت ذلك للأثر، ولما قال سفيان، أما الأثر فقد قال ابن عمر: لا يلبّي الطائف حول البيت. (١) وقال سفيان; ما رأيت أحدًا لبّى حول البيت إلا عطاء بن السائب، فأومأ إلى أنه خالف الإجماع بذلك، وهذا في طواف القدوم، لأنه تلبيةً بعد جمرةَ العقبةً، وطواف الزيارة بعد ذلك. فرع أخر قل في "الأم" (٢): يستحب أن يلبّي ثلاثاً، [٧٠/ أ] فقد قيل: أراد يكرر قوله: لبيك ثلاث مرات، وقيل: أراد يكرر قوله: لبيك اللهم ثلاث مرات، وقيل: أراد يكرر جميع التلبيةَ ثلاث مرات، وذكر بعض أصحابنا: أنه إذا لبّى في دبر الصلاةَ يلني ثلاثًا نسقاً كما يكبر في أيام التشريق بعد التلبية ثلاثا نسقًا. مسألةَ: قال (٣): والتلبيةُ أن يقول: لبيك اللهم لبيك. الفصل القصد من هذا بيان ألفاظ التلبيةَ، وهي تلبية رسول الله ﷺ : "لبيك اللهم لبيكَ، لبيك لا شريك لكَ لبيك، إن الحمد والنعمةَ لكْ والملك، لا شريك لكَ" (٤). وهكذا رواه جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر رض الله عنه، وقوله: إن الحمد بكسر إن؛ وقد تصح أن، فعلى الأول يبتدئ هذا اللفظ بعد الوقف، وعلى الثاني: يوصل به ما قبله، والكسر أولى وأجود. قال أبو العباس وأحمد بن يحيى من قال: إن بكسر الألف، فقد عمّ، ومن قال: أن بفتحها فقد خصّ، وقيل: معنى الفتح لأن الحمد لك، وقال محمد بن الحسن: الكسر أحب إليّ لأنه ثناء، والفتح صفةً، وإذا قال: والملك وقف، ثم قال: لا شريك لك، ثم بين أنه يجوز الزيادة عليها، ولكن المستحب أن لا يزيد، فقال: ولا يفيق أن يزيد عليه، واختار أن يفرد تلبية رسول الله ﷺ [٧٠/ ب] لا يقصر عنها، ولا يجاوزها، وهذا لما ردي أن النبي ﷺ كان يقتصر عليها ولا يزيد، وقد قال: "خذوا عني مناسككم". وروي أن ابن عباس ﵁ علم رجلًا التلبية، فلما أتم ما ذكرنا قال له ابن

стр. 1490

عباس: انتهِ، يعني أمسك، فإنها تلبية رسول الله ﷺ [٧١/ أ] لم يزد على ذلك، وقال أحمد وإسحاق وسفيان؛ لا يزيد على تلبيةَ رسول الله، وقال أبو حنيفة: إن زاد عليها، فهو مستحب كما في تكبيرات أيام التشريق، وهذا غلط؛ لأن إعادتها أفضل من الزيادة فيها بخلاف التكبير، وقد روي عن سعيد بن أبي وقاص أنه سمع بعض بني أخيه يلبّي يا ذا المعا رج، فقال سعد: إنه لذو المعارج، وما هكذا كنا نلبّي على عهد رسول الله ﷺ (١)، وإنما قلنا: لا تضيق الزيادةَ لما روي عن ابن عمر: أنه كان يزيد فيها، لبيك لبيك لبيك، وسديك، والخير بيديك، لبيك والرغباء إليك، والعمل (٢) والرغباء؛ الرغبةَ والمسألةَ وفيه لغتان، يقال: الرغباء مفتوحةَ الراء ممدودة والرغبى مضمومةَ الراء مقصورةَ، وروي عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال في التلبية: "لبيك حقًا حقًا تعبدا ورقًا (٣) " ولو قال: لبيك إله الحق (٤)، قال الشافعي: ليس فيه زيادةً، لأن معناه: لبيك اللهم. وحكي عن بعض صلحاء السلف أنه كان يقول: لبيك أنت مليك من ملك، ما خاب عبد أملك. وهذا حسن، ولكنه ليس بمسنون عن الرسول ﷺ ، والصحابة، ثم استثنى الشافعي حالةَ الزيادةً لفظةَ مرويةً فيها، فقادت إلا أن يرى شيئًا يعجبه، فيقول: " لبيك إن العيش عيش الآخرة" (٥)، فإنه لا يروى عنه من وجه يثبت أنه زاد غير هذا، وإنما رويت هذه الزيادةَ عند إفاضته من عرفات لما رأى اجتماع أصحابه عليه، واحترامهم له فكأنه أعجبه ذلك، فروي أنه يقال عند ذلك في نفسه حتى كاد الرحل يواريه، [٧١/ ب] ثم رفع رأسه، فقال هذا: وقيل: إنه قال هذا في أشد حالةً كان فيها وفي أشد حالةً كان فيها وهو يوم حفر الخندق كان هو وأصحابه في تعب، فقال: "اللهم لبيك لبيك، إن العيش عيش الآخرةً، فارحم الأنصار والمهاجرةً". وقال أنس: رأيت رسول الله ﷺ أتى ذا الحليفةَ وعلى رحله قطيفةُ ما تساوي درهمين، فلما استوت به راحلته تواضع في رحله، ثم قال هذا. ويستحب أن لا يتخللها كلام. وقال في "الإملاء": ولا بأس أن يرن الملبي السلام بين ظهرانى التلبية، ويأمر بالحاجة، ولو ترك الأمر بالحاجة حتى يقضي التلبية كان أحب إليّ. فأما السلام فأحب إلي أن يرده ولا يتركه لأنه فرض فلا يترك للسنةَ، ثم ذكر ما يستحب له أن يختم به التلبيةً، فقال (٦): وإذا فرغ من التلبية صلى على النبي- ﷺ ، وسأل الله رضاه

стр. 1491

والجنةَ، واستعاذ برحمته من النار، فإنه يروى ذلك عن رسول الله ﷺ ، وهذا لأن ذكر رسول الله ﷺ يجري مجرى ذكر الله تعالى، فكل موضع وجب فيه ذكر الله تعالى وجب فيه ذكر رسول الله ﷺ ، وهو في الصلاة وكل موضع سُنّ فيه ذكر الله تعالى سُنّ فيه ذكر رسول الله ﷺ كالأذان والوضوء والإحرام من هذه الجملةً، وروي عن القاسم بن محمد أنه كان يأمر إذا فرغ من التلبيةً أن يصلي على النبي ﷺ (١) -، ولأن رجاء استجابةُ الدعاء مقرون بالصلاة على النبي ﷺ -على ما ورد في الخبر فاستحب ذلك، وروي عن خزيمة بن ثابت ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا فرغ من تلبيته سأل الله تعالى رضوانه والجنة، واستعاذ برحمتهِ [٧٢/ أ] من النار (٢)، قال (٣): ولأن هذا أعظم ما يسال، ويسال بعد ذلك ما أحب قال والأعجمي إن أحسن بالعربية لبّى بها وإلا لبّى بلسانه، ومن ترك التلبيةَ متعمدًا فقد أساء ولا فديةَ عليه، ولا قضاء وحجته تامة. وعند أبي حنيفة يلبّي بأي لسان شاء وإن كان يحسن العربية، وقيل: الأصل في التلبية أنها إجابة دعوة لإبراهيم ﵇ حين بني البيت أمره ربه أن يدعو الناس إلى الحج، فقال: إلهي كيف يسمعون دعوتي، فقال: عليك الدعاء، وعلتي الاستماع، فصعد إبراهيم الحجر الذي فيه اليوم مقام إبراهيم ﵇ -أعني أثر قدمه-، وقال: أيها الناس إن الله تعالى قد بني لنفسه بيتًا، وأمركم آن تحيوا بيته، فأجيبوه، فأجابه من أصلاب الرجال وأرحام الأمهات من يحج إلى يوم القيامة، وإنما قال ﵇: لبيك لا شريك لك مخالفاً للمشركين، فإنهم كانوا يقولون: لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك. مسالة: قال: (٤) والمرأة في ذلك كالرجل. الفصل المرأة كالرجل في الإحرام، والتلبية والأركان والمسنن، ولا يختلفان إلا في ثلاثةً أشياء: أحدها: في رفع الصوت بالتلبية، فإنه يكره لها ذلك كما يكرم لها الجهر بالقراءةً في الصلاةً، فلا تزيد على أن تسمع نفسها، فإن خالفت، فرفعت صوتها لم تحرم لأن صوتها ليس بعورة كما يكره لها كشف وجهها، وإن لم يكن عورةً، وهذا لأن النساء كن يقصدن رسول الله ﷺ فيستفتينه، فلو كان حرامًا لمنعهن منه، والكراهة بخوف الافتتان. والثاني: في حكم اللباس، فإن لها أن تلبس المحيط من القميص والسراويل [٧٢/ ب] لما روي في خبر ابن عمر حين ذكر ما لا يلبس الرجل المحرم، قال: ولا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبّى القفازين وما مسه الورس من الثياب (٥)

стр. 1492

وفي رواية أنه ﷺ قال: "ولتلبس بعد ذلك ما أحبّت من ألوان الثياب" وفي لفظ لا تنتقب المحرمةُ ولا تتبرقع ولا تتقفز"؛ ثم فيها ثلاث مسائل: أحدها: أن الوجه منها كرأس الرجل عليها كشفه بكل حال إلا القدر الذي لا يمكنها تغطية الرأس إلا بستر بعض من الوجه. وقال في "الأم" (١): ولا تغطي جبهتها، ولا شيئًا من وجهها إلا ما لا يستمسك الخمار إلا عليه مما يلي قصاص شعرها، فإن قيل: هلا قلتم بكشف جميع الوجه، ولا يمكن ذلك إلا بكشف جزء من الرأس، فكشف ذلك القدر أيضًا، ولم قدمتم الستر على الكشف؟ قلنا: لأن الرأس يجب ستره من امرأة، لأنه عورةً، وهذا المعنى موجود في جميعه. وفي الوجه نهى رسول الله ﷺ عن النقاب، وهذا القدر من الستر لا يكون نقابًا، ولا في معناه، ولأن الفرض بذلك إظهار شعار الإحرام، وذلك لا يفوت بفوات هذا الجزء، ولأن الستر أكد فغلب حكمه، ثم لها أن تسدل على وجهها ثوبًا، وتجافيه عنه حتى لا يباشر الوجه، وذلك بأن تربط خشبتين على جاب رأسها، وتدل الثوب عليهما، وهذا لأنه لا يسمى سترًا، ولهذا يجوز للمحرم أن يتظلل بالكنيسة والمحمل، ولا يكون ذلك سترًا لرأسٍ. وروى مجاهد عن عائشة ﵂، قالت: كنا نكون مع رسول الله ﷺ ونحن محرمات فيمر بنا الركبان، فإذا حاذونا سدلت إحدانا جلبابها من فوق رأسها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفناه ولا تربط الخشبةَ على صدرها حتى ترفع الجلباب [٧٣/ أ] على رأسها، لأنه ربما ماس وجهها، فإن خمرت وجهها عامدةً افتدت يعنى بشاةً لمساكين الحرم، لأنها هتكت حرمةُ إحرامها بتخمير وجهها، فإن كانت ناسيةً لإحرامها فغطت وجهها فلا فديةَ وإن سدلت ثوبًا وجافت بخشبةٍ، فرفعت الخشبة وأصاب الثوب وجهها فإن تعمدت افتدت وإن كان بغير اختيارها، فلا فدية إن رفعتها في الحال وإن تركت واستدامت افتدت والثانية: لها أن تغطي جميع رأسها لأنها شخص لؤمه حكم الإحرام فلا يلزمه أكثر من كشف عضو واحد كالرجل، والرجل يستر وجهه ولا ستر رأسه لأن حرمته في رأسه وحرمتها في وجهها، وقال مالك وأبو حنيفة: ليس للرجل أن يستر الوجه أيضًا، وهذا غلط لما روي في خبر المحرم الذي وقصت به ناقته فمات. إن النبي ﷺ قال: "خمروا وجهه ولا تخمروا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة محرما (٢) "، رواه ابن عباس، قالوا: روي " لا تخمروا وجهه ولا رأسها، قلنا: ليس بمشهور ثم نحمله على ما لا بد من محترم من الوجه، وروي عن ابن عمر أنه قال: حرم الرجل في رأسه وحرم المرأة في وجهها، ولها أن تضع وجهها على الوسادةً وللرجل أن يضع رأسه عليها، ولا يكون سترًا حتى لو وضع الرأس على العمامةَ جاز بخلاف ما لو وضع العمامةَ على الرأس. والثالثة: القفازين وهما غلاف الكفين. نص الشافعي في "الأم" و"الإملاء" و"القديم" و"مختصر الحج الصغير": لا يجوز أن تلبس القفازين. وروي عن علي وابن عمر وعائشةُ وعطاء وطاوس ومجاهد والنخعي

стр. 1493

ومالك وأحمد وإسحاق ﵃. وقال في" مختصر الحجّ الكبيرة ونقله المزني: لها ذلك. وبه قال الثوري وأبو حنيفة، وروي عن سعد بن أبى وقاص ﵁: أنه أمر بناته [٧٣/ ب] أن بلبسن في الإحرام ذلك، وقد روي النهي به عن ابن عمر مرفوعًا على ما ذكرنا، وقيل: النهي عن القفازين من قول ابن عمر؟ إلَّا أن بعض الرواةً أدرجه في متن الحديث. وروي نحوه عن عمر وعائشة ﵄، والمشهور في المذهب القول الأول، ولأن هذا ليس بعورةً منها منعت به حرمةً الإحرام كوجهها، وقال القاضي الطبري: طريق تحريم لبس القفازين عليها مشكل جدًا والذي عندي بعد تأملي كلام الشافعي في كتبه أنه ذهب في "الإملاء" إلى أن تحريم القفازين عليها لأجل أنهما مخيطان على قد الكفين، فحرم ذلك عليها كما حرم على الرجل لبس الخفين واقتفي كلامه في "الأم": أن تحريم لبس القفازين لأجل أن حرمها يتعلق بكفيها كما يتعلق بوجهها، فإذا قلنا بهذا فوجهه ما ذكرنا في القياس، فإن قيل: هذا ينتقص برأس الأمة، فإنه ليس بعورةً منها ولا تتعلق به حرمةَ الإحرام، قلنا: فيه وجهان، فلا نسلم أنه يتعلق به حكم الإحرام، فإن قيل: لو كان حكم الكفين حكم الوجه في تعلق الإحرام بهما لوجب كشفهما كما يجب كشف الوجه، ولكانت إذا غطتهما بكميها أن يلزمها الفديةَ كما يلزمها ذلك إذا غطت وجهها بكمها، قلنا: إنما أبحنا لها أن تغطيهما بالكمين للضرورة، وذلك لأنا إذا أبحنا لها لبس القميص وجعلناها كذلك أفضل لما فيه من الستر يشق عليها التحرر من الكمين، فأبح لها ذلك للضرورة، وليس كذلك الوجه فإنه لا يتعذر كتفه من كل ما يستر، فلم يجز ستره بشيء، وإذا قلنا: إن طريق تحريم القفازين أنهما مخيطان على قدر الكفين كالخفين في حق الرجل فوجهه أن المرأةً لما لزمها كشف عضو ليتعلق الإحرام بها جاز أن يحرم المحيط عليها كالرجل. فإن قيل: لو كانت المرأة كالرجل في [٧٤/ أ] تحريم المحيط لوجب أن يحرم عليها لبس القميص والجبةُ والسراويل والخفين، قلنا: جمع بدن المرأة عورةً إلا وجهها وكفيها، وقد تعلق بوجهها التحريم، فأما الكفان منها فهما بمنزلةً بدن الرجل في أن كل واحدة منهما ليست بعورةً فاستويا في تحريم المحيط، وكان حكم كفيها بمنزلةَ رجليه وسائر بدنه فإن قيل: لو كانت كذلك لكان للرجل أن يلبى السراويل لأن ما تحت السراويل عورةً، وحكمه حكم سائر بدن المرأةَ. قلنا: لبس السراويل لا يمكن إلا بستر ما ليس بعورةً منه، وهو القدمان والساقان والركبتان ففرقنا، فإن قيل: لو كان الأمر على ما قلتم لوجب أن لا يجوز لها سترهما بالكمين، لأنهما مخيطان على قدر الكفين، ومشتملان عليهما بالخياطة، قلنا: إنما لم يحرم ذلك عليها للضرورةً التي بيناها، ومن أصحابنا من قال: لبس الكمان معمولين على قدر الكفين، وإنما القفازان معمولان على قدر الكفين، فاختصا بالتحريم، ألا ترى أن للرجل ستر الرجلين بالمئزر ولا يجوز له سترهما بالخفين؟ فإن قيل: من أين استخرجت، هذين القولين في جهة تحريم القفازين؟ قلنا: إني وجدت الشافعي قال في

стр. 1494

"الأم " وإن اختضبت المحرمةَ ولفت على يدها خرقةً رأيت عليها أن تفتدي، وقال في "الإملاء": لا يتبين لي أن عليها الفديةَ، ونقل أبو حامد إلى "الجامع" ذلك، فلما خرج الشافعي القولين في وجوب الفديةً إذا لفت عليهما خرقةً مع تحريم لبس القفازين عليها علمت أن ذلك لاختلاف قوله في جهةَ تحريم لبس القفازين فحيث جعل الكفين بمنزلةُ الوجه اوجب الفديةَ، وحيث جعل تحريم لبس القفازين لأجل كونهما مخيطين على قدر الكفين لم يوجب عليهما الفديةً، ألا ترى أن مذهب الشافعي أن المحرم [٧٤/ ب] إذا أخضب لحيته ولفها بخرقة أنه لا فدية عليه؟ وقد قال الشافعي: ويداوي المحرم جرحه بما لا طيب فيه ويلصق الدواء على جمح بدنه بالخرقةً، وغيرها ما خلا رأسه وإن كان المسح في الرأس فألصق عليه خرقةً صغيرةً أو كبيرةً افتدى وهكذا لو كان جرح في وجه امرأةً فألصقت عليه خرقةً افتدت، وإن كان في رأسها فألصقت خرقة عليه، فلا شيء عليها، فدل ذلك على ما استنبطته من القولين في جهةُ تحريم القفازين، والثالث: من الفصول أنها تطوف ليلًا ولا رمل عليها في الطواف ولا المشي الشديد بين الصفا والمروةَ؛ وهذا لأن ذلك أستر لها. وقال في "المختصر": ولكنها تطوف على هيئتها وفي نسخةً على هنتها أي: على سكينتها، ولأن الزحام يقل في الليل ويمكنها أن تقرب من البيت، فإن القرب من البيت أفضل للطائف ثوابًا، فلهذا انسب لها ذلك ليلًا. وقال بعض أصحابنا بخراسان: هذا في طواف القدوم، فأما طواف الإفاضةَ لا يكون إلا يوم النحر فلا تؤخره. وقيل: أراد طواف الإفاضة تصير إلى الليل، فأما طواف القدوم فإنه تحية، فلا تؤخره لأنه يبطل التحيةَ بالتأخير. مسألة: قال (١): وأحب إلي أن يخضب للإحرام قبل أن يحرم. ويستحب للمرأةً أن تختضب بالحناء قبل الإحرام خلافًا لأبي حنيفةَ لما روي عن عبد الله بن عبيدة وعبد الله بن دينار أنهما قالا: من السّنة أن تمسح المرأة بيديها شيئًا من حناء ولا تحرم وهي غير مخضبةً (٢)، ومثله عن ابن عمر ﵄ وأما إذا أحرمت لا يستحب لها ذلك بل يكره، لأنه يزيل الشعث، فإن اخضبت فلا فدية عليها لأنه ليس بطيب. وحكي عن آبى حنيفة أنه قال: تلزمها الفدية، ولا فرق بين أن تكون شابة أو شيخه [٧٤/ أ] لأن الخروج إلى الحج واجب بخلاف الجمعةً ولا فرق بين أن تكون ذات زوج أو لم تكن، وقد قال عكرمة: كانت عائشةَ وأزواج النبي ﷺ تخضبن وهن محرمات (٣) وذلك بعلم النبي ﷺ ، واحتج بقوله لأم سلمه: "لا تمس الحناء وأنت محرمةٍ فإنه طيب (٤) " قلنا: راويه ابن لهيعة، وهو ضعيف. وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل هو

стр. 1495

طيب؟، قولان، وليس بشيء، ولو اختصت بعد الإحرام ولفت على اليد خرقةً فقد ذكرنا قولين وقال أبو حامد: إن لم تشد الخرقةَ لم تجب الفديةَ، وإن شدت فهي على القولين كالقفازين. وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن جوزنا لبس القفازين فهذا أولى، وإلا فيه وجهان، وذكروا أيضًا أنه لو خضب لحيته بالحناء، قال الشافعي في موضع: لا شيء عليه وإن لفّ عليها خرقةً أو جعلها في كيس خاطه لها، وقال في موضع: وعليه، ومعنى القولين إن خضاب الشعر بالحناء هل يحصل ترحيلًا له كالترحيل بالدهن، أم لا؟ ذكروا أيضًا أنه يستحب للمرأة أيضًا إذا أرادت الإحرام أن تمسح بوجهها شيئًا من الحناء ليستر حسن بشرتها، فإن قيل: إذا لم يكن الحناء طيبًا فما معنى تقييد الشافعي ذلك بما قبل الإحرام؟، قلنا: قد علم الشافعي اختلاف الماس والأخبار في ذلك، فاحتاط أو علم أن عادتهن لفّ الخرقة عليها، وهو ممنوع لتحريم القفازين، والله أعلم. وأما إذا لم ترد الإحرام فإن كان لها زوج لا يكره لها الاختضاب، وإن لم يكن لها زوج كره. وكذا قال أصحابنا بالعراق. وقال القفال: يستحب لها الخضاب بالحناء بكل حال، فتختضب في يديها إلى الكوعين، وذلك في جملةُ ما أقرت به من الستر؛ لأن ذلك يخفي لون بشرتها ولا تطرف، [٧٥/ب] فإن النبي ﷺ نهى عن التطريف (١) وهو أن تخضب أطراف الأصابع، وروي أن امرأةً أرادت أن تبايع رسول الله ﷺ ، فأخرجت يدها، فقال: "أريد رجل أم يد امرأة"؟ فقيل: يد امرأةً، فقال: "فأين الحناء (٢) " قال: واستحباب ذلك عند الإحرام أكثر ولا يزيد على الكوعين لأن ذلك القدر يجب عليها كشفه في الصلاة في قول. قال: ولا تتخذ من الحناء نقوشًا بل تلطخ يدها بالحناء لطخًا. فرع يستحب لها أن تتطيب للإحرام كما قلنا في حق الرجل لما روي عن عائشة ﵂ قالت: "كنا نخرج مع رسول الله ﷺ إلى مكة فنضمد جباهنا بالمسك عند الإحرام، فإذا عرقت إحدانا سال على وجهها فيراه رسول الله ﷺ ، فلا ينهانا" (٣) وروي: فلا ينكر علينا، وغلط بعض أصحابنا حيث قالوا: لا يجوز لها ولا للرجال أن يتطيبا قبل الإحرام بطيبٍ له أثر، والكبيرةَ والشابةً في هذا سواء، فإن قيل: أليس قلتم إذا أرادت حضور الجمعةَ تجتنب الطيب وإن استحي للرجل؟ قلنا: إن الفرق أن الحكم هناك أضيق لأنه يكره للشابةً حضور الجمعةَ ولا يكره لها الخروج للإحرام، ولأن هناك يضيق المكان بالازدحام، وفي الحج لا يضيق المكان ويتسع الانفراد فافترقا. باب ما يجتنبه المحرم من الطيب ولبس الثياب مسألةً: قال (٤): ولا يلبس المحرم قميصا ولا عمامةً.

стр. 1496

الفصل المحرم ممنوع من ستر رأسه بالمحيط كالقلنسوة والبرنس أو غير المحيط كالعمامةَ والمنديل، وممنوع من لبس المحيط في بدنه وغير ممنوع من لبس غير المخيط من الرداء والإزار والنعلين، ولا فرق بين أن يكون مخيطًا على قدر بدنه كالقميص والجبةُ [٧٦/ أ] آو مخيطًا على قدر عضو من أعضائه كالسراويل والخفين ونحو ذلك. ولا فرق بين أن يكون معمولًا بالخياطة أو منسوجًا على هيئته، أو ملزقًا بلزاق. والدليل على هذا حديث ابن عمر الذي ذكرنا والنص على تحريم القميص ينبه على الجبةَ والدراعةً والنص على تحريم السراويل تنبيه على تحريم الثياب والبرانس، والنص على تحريم البرنس دليل على تحريم القلنسوة، ويريد به اللبس على الوجه الذي يلبس في العادةً فلو اتزر بالقميص، أو ارتدى به، آو اتزر بالسراويل لم يضره ذلك، ولا شيء عليه، لأنه في معنى الرداء والإزار نص عليه في "الأم" (١). فرع لا يلبس القباء ولو لبه بأن أدخل كفيه سواء أخرج يديه من كميه أو لم يخرج يديه من كميه. نحز عليه في "الأم" (٢)، وبه قال مالك وأحمد وقال أبو حنيفة: لا تجب الفدية، كما لو توشح بالقميص، وهذا غلط لأنه مخيط لبسه المحرم على العادةً في لبسه، فيلزمه الفديةَ كما لو لبس القميص، ولا يشبه هذا التوشح بالقميص، لأن ذلك يخالف لبس القميص فهو كما لو توشح بالقباء ولم يدخله في كفيه، لا يلزمه الفدية. وقال في "الحاوي (٣) ": إن كان من أقبيةَ خراسان قصير الذيل ضيق الأكمام يلزمه الفديةَ لأنه يلبس هكذا، وإن كان من أقبية العراق طويل الذيل واسع الأكمام لا فديةَ إذا لم يدخل يديه في الكمين لأنه لم تجر العادةَ بهذا اللبس ولا يتحفظ به. فرع أخر قال: ولا بأس بأن يعقد إزاره لأن ذلك صلاحه، وبه يثبت. قال: ولا يعقد رداءه ويجوز له أن يغرز في إزاره، وروي نحو هذا عن ابن عمر ﵄، ولو عقد رداءه من ورائه افتدى لأنه إذا عقده صار كالقميص يحفظ نفسه، وهذا لأن ما لا يحفظ نفسه تبعثه نفسه [(٨٦) /ب] على مراعاته، فيتذكر بذلك على ما هو عليه من إحرامه فيتجنب عن المحظورات، فاختص التحريم بهذا، ولو كان حاجًا له أن يتطلس به غير أنه لا يعقد طرفيه على نفسه ولا يزره ولا يحلله ولا يعلقه بشوكة ولا مخيط؛ فإنه يصير في معنى المحيط، فإن فعل ذلك افتدى، وله أن يشتمل ذلك على نفسه طاقين وثلاثةً وأكثر. فرع أخر قال أصحابنا: له أن يشد فوق الإزار عمامة أو تكة، ولو أصلح للإزار حجزه

стр. 1497

وأدخل فيها تكة واتزر به جاز، وكذلك لو اتزر ثم شذ فوقه تكة جاز. وقال في "الأم" (١): ولو زره أو خاطه أو شاكه لم يجز لأنه يصير كالمخيط. فرع آخر قال في "الأم (٢) " ولا يجوز أن يأترز ذيلين، ثم يعقد الذيلين من ورائه لأنه يصير كالسراويل، فإن انعقد افتدى، وقال بعض أصحابنا: معناه أن يشق إحدى حاشيتي الإزار ويشذ الحاشية من الطرف الذي لم يشقه في وسطه، فيكون للإزار ذيلان يعقد أحد الذيلين على أحد ساقيه أو فخذيه، ويعقد الآخر على مائه الآخر فيصير بمنزلة البابكتين وهو فارسية بغداد. وقال بعض أصحابنا: إذا شق إزاره إلى النصف ثم لف كل شق من الإزار على إحدى فخذيه كره ذلك لأنه يشبه السراويل ولا فديةً لأنه لا يقصد عادةً الارتفاق. فرع أخر لو زر السلاح على نفسه لزمته الفدية، لأنه في معنى القميص، ولهذا اتخذ الناس لبس المزرة. وروي أن ابن عمر ﵄ رأى قوما في الحج في هيئة أنكرها، فقال: هؤلاء الداج فأين الحاج، وفي هذا وجهان: احدهما: الحاج إذا أقبلوا، والداج إذا رجعوا. والثاني: الحاج القاصدون للحج من أصحاب الشأن والداج [٧٧/ أ] الأتباع من تاجر ومكار. وقال ثعلب: والثالث، الزاج وهم المراؤون. فرع آخر إذا لم يجد النعلين لبس الخفين بعد أن يقطعهما ويجعلهما مثل النعلين، ولا يجوز أن يلبهما قل القطع، وبه قال جماعةُ العلماء، وقال: يجوز أن يلبسهما غير مقطوعين عند عدم النعلين. وبه قال عطاء بن رباح وسعيد بن سالم القداح، واحتج بما روى ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "السراويل لمن لم يجد إزارا والخف لمن لم يجد نعلين" (٣)، ولأنه لا يلزمه فتق السراويل فكذلك قطع الخفين، وهذا غلط لما روي في خبر ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "من لم يجد نعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين " (٤)، ومعناه فليقطعهما أولا ثم يلبسهما، لأنه لو لبسهما غير مقطوعين ثم قطع الساقين ونزعهما لزمته الفدية باللبس والعرب تقدم الكلام مؤخرًا، وتؤخر مقدمًا. قال الله تعالى "إنِّي مُتَوَفِّيكَ ورَافِعُكَ إلَيَّ" [آل عمران: (٥٥)] معناه إني رافعك إلي ومتوفيك لأن رفع عيسى ﵇ قد كان، ووفاته ستكون في المستقبل،

стр. 1498

لأن ما جاوز الكعبين داخل في حدٌ الخف، ألا ترى أن المسح عليه جائز حينئذ؟ فلهذا قدرنا القطع بهذا التقدير، وأما خبرههم مطلق وخبرنا مقيد، والمقيد أولى، وأما السراويل فلا يمكن لبسه بعد فتقه بخلاف الخفين فافترقا قالوا: فيه تضيع المال، قلنا: هذا من باب المصلحةَ لا من صاحب الشمع، فلا يعن تضييعًا. فرع أخر لو لم يجد المحرم النعل فلبس المكعب، فلا فديةَ عليه لأنه ما بقي من الخفين المقطوعين أسفل الكعبين مكعب أباح رسول الله ﷺ لبسه [٧٧/ ب] في حال الضرورةً، ولو لبسه مع وجود النعل افتدى، وإنما ورد الخبر بلفظ: الخف المقطوع، ويرد بلفظ المكعب والشمشك، وإن كان هو ذاك في الحقيقة لأنه لم يكن للعرب ذلك، ولا يعرفون إلا بهذا اللفظ. وروي عن عبد الرحمن بن عوف أنه أجاز لبس الخفين مع وجود النعلين. فرع أخر إذا قطع الخفين وجعلهما كالشمشكين ولبسهما ثم وجد النعلين، قال في "الأم" (١): يلزمه نزعهما فإن استدام لبسهما لزمته الفديةَ، ومن أصحابنا من قال: هو بالخيار بين أن يلبس نعلين وبين أن يستديم ذلك، ولا شيء عليه لأنهما صارا بمنزلةُ النعلين، ولهذا لا يجوز المسح عليهما، وقال هذا القائل: لو كان له نعلان وشمشك يخير بينهما، وهذا غلط؛ لأن في الخبر شرط فيه عدم النعلين، ولأنه مأذون في لبسه لعدم غيره، فإذا وجد الأصل لم يجز له استدامته ويلزمه نزعه كالسراويل، إذا لبسه لعدم الإزار ثم وجده فاستدم لسه يلزمه الفديةَ، وما قالوا يبطل بالخف المخرق القدم لا يجوز المسح عليه، ولا يجوز للمحرم لبسه. مسألة: قال (٢): فإن لم يجد إزارًا لبس سراويل. الفصل إذا لم يجد المحرم إزارًا لبس سراويلًا، ولا فديةَ عليه، ولا يجوز له لبس القميص مع عدم الرداء والإزار، فإن لبسه وجبت الفديةَ، لأنه يمكنه أن يتزر بالقميص، أو يطرحه على كتفه كالرداء ويمكنه فتقه والانتفاع به، فلم يكن بحاجةَ إلى لبه قميصًا بخلاف السراويل. وبه قال أحمد، وقال أبو حنيفة ومالك: لا يجوز له أن يلبس السراويل بحال، فإن لبسه تلزمه الفديةً ويلزمه أن يفتقه ويتزر به. وقال أبو بكر الرازي؛ لا يلزمه الفتق، ويباح له لبسه بشرط الفدية وهذا غلط للخبر الذي ذكرنا [٧٨/ أ] ولم يذكر الفتق ولا الفدية، وإنما فرقنا بين السراويل والخف في وجوب القطع هناك دون الفتق ههنا لأن فتق السراويل تمنع ستر العورةً بخلاف قطع الخف. وقال القفال: لو كان سروال واسعًا يمكن اتخاذ الإزار منه ويجد آلة الخياطة ولا يخاف التخلف عن الرفقة لو اشتغل به يلزمه ذلك.

стр. 1499

مسألة: قال (١): ولا يلبس ثوبًا منه ورس أو زعفران. الفصل لا يجوز للمحرم والمحرمة لبس ثوب منه ورس أو زعفران، وقد ورد الخبر بذلك. قال الشافعي (٢) قياسًا عليه؛ ولا شيء من الطيب وإذا حرم ذلك، فإن الثوب الممسك والمعتبر والمكفر والمورد والمبخر بالند أولى بالتحريم لأن هذا كله أطيب ورائحته أذكى وأعجب. فرع لو صبغ الثوب بما عصر من النبات فإن كان مما يعد طيبًا ويحرم على المحرم شمه لم يجز له لبسه، وإن كان مما لا يعد طيبًا ولا يحرم عليه شمه لم يحرم عليه لبسه، كالعنبر والعصفر، وإن كان مما في تحريم شمه قولان، كالريحان كان في تحريم لبسه قولان، نص عليه في "الأم" (٣) فرع أخر لو كان الطيب على بعض الثوب، وان قل حرم عليه لبسه. فرع أخر لو ذهب ريح الطيب لطول الزمان لا يحرم لبسه وإن بقي لونه لأن القصد من الطيب الريح، فإذا ذهبت ريحه خرج من أن يكون طيبًا وعلامة زوال رائحته أن لا توجد له ريح في حال جفافه، وإذا رشّ عليه الماء، فإن كان بحيث إذا رشّ عليه الماء ظهر ريحه، وإن شيء لم يجز لبسه. فرع آخر لو صبغ موضع الزعفران أو الورس بالسدر أو السواد فانقطعت رائحته ولم تظهر في حال الجفاف [٧٨/ ب]، والرطوبةً لم يحرم لبسه. فرع أخر لو نام على ثوب مطيب أو جلس عليه تلزمه الفديةَ، ولو مدّ عليه ثوبًا ونام عليه، فإن كان الثوب صفيقًا لا يشف لا يكره له ولا فديةَ عليه، وإن كان رقيقًا يشف كره لما يصعد من رائحته، ولا فديةَ عليه للحائل الذي بينهما فيكون وجوده لرائحته بالمجاورةَ لا بالمباشرةً، فهو كما لو شمه من حانوت العطار، نص عليه في "الإملاء". وحكي عن أبي حنيفة: إن كان الطيب رطبًا على بدنه أو يابسًا ينقض تلزمه الفديةَ، وإن كان لا يلي بدنه بل هو على ظاهر ثوبه لم تلزمه الفدية رطبًا كان أو يابسًا، وكذلك إذا بخر نفسه أو ثوبه، لا تلزمه الفديةَ وهذا غلط؛ لأنه محرم استعمل ثوبًا مطيبًا عامدًا فلزمته الفديةَ، كما لو نفض عليه، ولأن النبي ﷺ نهى عن لبس ما منه زعفران، ولم يفرق بين ما

стр. 1500

ينفض وبين ما لا ينفض فرع آخر قال بعض أصحابنا بخراسان؛ لو لبس ثوبًا مخيطًا مطيبًا أو ستر رأسه بثوب مطيب فيه وجهان: أحدهما: تلزمه فديةً واحدةً لأنه فعل واحد. والثاني: وهو الأصح تلزمه فديتان، وقال أصحابنا بالعراق: المذهب أنه تلزمه فديةَ، وكذلك لم طلي, رأسه هل بطيب ثخين تلزمه فديتان للطيب وستر الرأس، بلا إشكال. مسألة: قال (١): ولا يغطي الرأس الفصل حرم الرجل في رأسه على ما ذكرنا ولا يعصب رأسه من علةٍ ولا غيرها فإن فعل افتدى هذا لأن كشف جمع الرأس واجب عليه، فلا يجوز له ستر بعضه. فرع آخر لو حمل المكتل على رأسه هل تلزمه الفدية؟ حكي الشافعي في "الأم" (٢) عن ابن جريج أنه قال: سألت عطاء عن المحرم يجعل [٧٩/ أ] المكتل على رأسه، فقال: لا بأس بذلك، ولم يصوبه الشافعي ولا أنكره، والظاهر من روايته وترك اعتراضه عليه، أنه مذهبه، وحكي ابن المنذر في "الإشراف" عن الشافعي أنه قال: عليه الفدية وقال أبو حامد نص في بعض كتبه، أنه تلزمه الفديةً، وحكاه عن أبى حنيفة. وقال سائر أصحابنا: هذا لا نعرفه في شيء من كتبه، والصحيح أن لا فديةَ عليه، وهو اختيار القاضي الطبري والصحيح عن أبي حنيفة هذا القول أيضًا ووجهه؛ أنه لا يقصد به ستر الرأس، وإنما يقصد حملةً وهو كالمحدث لا يحمل المصحف ولو حمله الحمال في جملةَ الكتب أو المتاع جاز لأنه لم يقصد حمله لذلك؛ هذا ولا لأنه لا يترفه حامل المكتل تغطية رأسه به وقال: القفال: فيه قولان، ووجه القول الآخر أنه تلزمه الفديةَ بستره بالبرنس، وإن كان يقصد به ستر الوجه لا الرأس، وهذا اختيار أبى سليمان الخطابي وجماعة. وقال في "الحاوي"، (٣)، إن قصد تغطيةُ رأسي به تلزمه الفدية وإن لم يقصد ذلك فيه وجهان، وهذا أسن عندي، وهكذا الخلاف لو وضع على رأسه طبقًا أو كارة ثياب. فرغ آخر يجوز للمحرم أن يضع يده على رأسه ويتركها عليه ولا شيء عليه لأن ذلك لا يراد للتغطيةً، ولهذا لا يجوز أن يستر عورته بيده، ولأن المحرم مأمور بمسح الرأس مندوب إلى إمرار يده عليه ثلاث مرات.

стр. 1501

فرْعٌ آخرُ لو غطّي رأسه بكف غيرهِ وجهان: أحدهما: لا تلزمه الفدية كما في نفسه. والثاني: تلزمه الفدية لأن كفه بعض من أبعاضه بخلاف كف غيره وهو كما لو سجد على كفّ نفسه لا يجوز، ولو سجد على كفّ غيره جاز ذكره في "الحاوي" (١). فَرْعٌ آخرُ قال في "الإملاء": لو خضّب [٧٩/ ب] رأسه افتدى. وقال أصحابنا: هذا إذا كان الخضاب ثخينًا يمنع النظر إلى الرأس. قال: فإن كان رقيقًا لا يمنع النظر فلا فدية عليه لأن الشافعي جوز للمحرم أن يغسل رأسه بماء وسدر. وقد وردت السنة بذلك أيضًا، وكذلك إذا وضع على رأسه دواًء ثخينًا كالمرهم الثخينة، فهو كالحناء، وإن كان المرهم رقيقًا فلا فدية، ولو كان معه قرطاس وجبت الفدية بلا إشكال. وقال في "الأم" (٢): لو طلاه بغسل أو لبن لا تلزمه الفدية لأنه يجري مجرى السّدر، ولا يجري مجرى الحناء لأن الحناء جرم قوي يجف ويكون ساترًا بخلاف الدواء، ولو طلاه بالطين أو النورة، فهو كالحناء. فَرْعٌ آخرُ لو تعصّب عريضة كما جرت العادة يلزمه الفدية، ولو تعصّب بخيط، فلا بأس لأنه لا يقصد به ستر الرأس، ولا يحصل به الستر. فَرْعٌ آخرُ تلزمه الفدية بتغطية جزء من الرأس، وإن قلّ، وكذلك لو غطّى البياض الذي حول الأذن، أو لبس أحد الخفّين. وقال أبو حنيفة لا فدية ما لم يغطِ ربع الرأس ولكن تلزمه الصدقة، وهذا غلط، لأنه لم يرد التوقيف بهذا التقدير ولا يدل عليه القياس، فلا يجوز القول به. فَرْعٌ آخرُ إذا غطّى الخنثي المشكل رأسه لا فدية لا حتمال أن يكون امرأة، وكذلك لو غطّى وجهه لا فدية لا حتمال أن يكون رجلًا. فَرْعٌ آخرُ وعلى هذا لو أولج الخنثي ذكره في فرج لم يفسده حجّه ولم تجب الفدية لا حتمال أن يكون امرأة، ولو أولج رجل في قبله لا يفسد حجّه أيضًا [٨٠/ أ] لا حتمال أن يكون رجلًا فإن أولج هو وأولج فيه فسد حجه. وكذلك إذا غطى رأسه ووجهه تلزمه الفدية.

стр. 1502

مسألة: قال (١): "وإن احتاج إلى تغطية رأسه ولُبْسِ ثوبٍ مخيطٍ أو خفين ففعل ذلك من شدة حرِّ او بردٍ". الفصل إذا احتاج المحرم إلى شيء من محظورات الإحرام من اللباس أو الطيب أو الحلق أو قتل الصيد حل له فعله وتلزمه الفدية، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَاسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] الآية والأذى: القمل، وفي المرض تأويلان، قال ابن عباس: البثور. وقال عطاء: هو الصداع. وروى عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة أن رسول الله ﷺ مر به زمن الحديبية فقال: "قد آذاك هوام رأسك؟ " قال: نعم. قال: فقال النبي ﷺ : "احلق ثم اذبح شاة نسكًا، أو صم ثلاثة أيام أو اطعم ثلاثة آصع من تمرٍ على ستة مساكين" أورده أبو داود وروي: "أو أطعم ستة مساكين فرقًا من زبيب، أو انسك شاة" قال: فحلقت رأسي ثم نسكت (٢). والفرق: ستة عشر رطلًا وهو ثلاثة آصع، وهذا نص في الزبيب، وذلك نص في التمر. وعند أبي حنيفة وسفيان يلزمه إطعام رجل واحد من التمر أو الزبيب صاعًا وهذا خلاف النص الظاهر. فإن قيل: هلا قلتم في لبس السراويل عند عدم الإزار تلزمه الفدية أيضًا لأنه أبيح بعذر. قلنا: لأن الرخصة وردت فيه مطلقًا. بخلاف هذا ولأن هذا يراد للدين فإن ستر العورة واجب بخلاف هذا. فإن تقرر هذا ففعل شيئًا بعد شيء وتكرر ذلك منه، فإن كان من أجناس مختلفٍة [٨٠/ ب] مثل أن يلبس ويحلق ويقلّم الأظفار ويتطيب ويستمتع ويقتل الصيد فإن عليه لكل فعل فدية ولا يتداخل حكمها قولًا واحدًا، وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن كانت من جنس واحد يتداخل لأن المكان واحد، وليس بشيء وإن كانت من جنسٍ واحدٍ مثل أن يلبس القميص والجبّة والسراويل والعمامة والخفين أو يحلق رأسه وشعر شاربه وغيره أو يقلم أظفار يديه ورجليه، أو يتطيب بالبخور والغالية والمسك والكافور، وغير ذلك أو يقبّل ويضاجع ويطأ دون الفرج، وفي الفرج أو يقتل صيود كثيرة فإن كان قد قتل الصيود، فعليه لكل صيد جزاء كامل ولا يتداخل سواء كان في وقتٍ متصل، أو في أوقات مختلفة. وقال داود: لا يجب والثاني جزاء، وهذا غلط لقوله ﷺ في الضبع كبش (٣) ولم يفصل وإن كان غير القتل فإن كان في وقتٍ متصل من غير تقطيع فإنها تتداخل ويلزمه في الجميع فدية واحد، وإن كان في أوقاتٍ مختلفة، فإن كان فعل الثاني بعدما كفر عن الأول فإن عليه للثاني كفارة أخرى قولًا واحدًا، وإن لم يكن كفّر، ففيه قولان: أحدهما: يتداخل ويلزمه للجميع فدية واحدة. قال في "القديم": ووجهه أنه جنس

стр. 1503

استمتاع متكرر منع المحرم منه ولم يتخلله التفكير فيوجب أن يتداخل كما لو توالى في مكانٍ واحدٍ. والثاني: قاله في "الجديد" أنه لا يتداخل ويلزمه لكل واحدٍ فدية، وهو الصحيح لأنها أفعال تفرقت في أوقاتٍ لو انفرد كل واحدٍ منها لزمته الفدية، فإذا اجتمعت وجبت الفدية لكل واحدٍ كما لو كفّر عن الأول. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: إن كانت في مجلس واحدٍ وجبت فدية واحدة، [٨١/ أ] وإن كانت في مجالس وجبت لكل واحدة كفارة سواء كفر عن الأول أو لم يكفر إلا أن يكون تكراره لأمر واحدٍ، وهو أن يكون تكراره لأمر واحدٍ، وهو أن يكون لرفض الإحرام، أو لمرض واحد أو لحاجة واحدة حتى قال: لو قتل صيودًا بنية رفض الإحرام يكفيه جزاء واحد وهذا غلط لما ذكرناه، ومن أصحابنا من قال: هذا إذا كان سبب الحاجة واحدًا فإن كان أسبابًا مختلفة، فكل موضع، قلنا: في السبب الواحد تلزم فدية واحدة، ففي الأسباب وجهان: أحدهما: تجب فديات لأن اختلاف الأسباب يجري مجرى اختلاف الأجناس والأسباب المتفقة أن يلبس مرات لشدّة حر أو برد والأسباب المختلفة أن يلبس لشدّة حرّ ثم أصابته حمى ورعدة فاحتاج أن يلبس للبرد رأسه جراحة، فاحتاج إلى ستر رأسه للمعالجة ونحو ذلك وهذا غير صحيح. وليس للشافعي ما يدلّ على هذا. وقال بعض أصحابنا: هذا على ثلاثة أضرب: أحدهما: ما هو إتلاف يضمن بمثله وهو قتل الصيد فحكمه ما ذكرنا. والثاني: ما ليس بإتلاف كالاستماع واللبس فحكمها ما ذكرنا. والثالث: ما هو إتلاف لا يضمن بالمثل كحلق الشعر وتقليم الأظفار، وإن كان في مجالس تجب كفارات قولًا واحدًا سواء كفّر عن الأول أو لم يكفّر ذكره أبو حامد لأن هذا إتلاف، فلا يتداخل حكمه لقتل الصيد ولا يلزمه إذا كان في مجلس واحد لأنه لا يتداخل، ولكنه واحدٌ فيجب فدية واحدة، ولهذا لو حلف فقال: والله، لا حلقت رأسي اليوم إلا مرة فحلق من أول النهار [٨١/ ب] إلى آخره متواليًا لا يحنث، وأيضًا الحلاق وتقليم الأظفار أخذ شبهًا من قتل الصيد في أنه إتلاف وأخذا شبهًا من الاستمتاع لأن ما يجب به لا يجب عن طريق البدل فألحقنا بهما، فقلنا: إنه إذا كان متواليًا في مجلس لا تجب إلا فدية واحدة، وإذا تفرق يلزم فديات. فَرْعٌ اللباس والطيب جنسان نص عليه الشافعي، فلا يتداخل حكمهما بحال، وقال ابن أبي هريرة: يتداخل لأنهما من جنس الاستمتاع، وهذا غلط لأنه يقصد بهما أمران مختلفان، ولو جاز أن يقال هذا لجاز أن يقال: الحلق وتقليم الأظفار جنس واحد لأنهما إتلاف، وأجمعنا على أنهما جنسان وقال بعض أصحابنا بخراسان فيه قولان وهو غلط. فَرْعٌ آخرُ لو أبيح جنسان لحاجة واحدة مثل أن يمرض، فاحتاج إلى المداواة باللبس والطيب تجب فديتان قولًا واحدًا، وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان:

стр. 1504

أحدهما: تجب فدية واحدة لأن السبب واحد، ذكره الاصطخري، وفيه نظر. فَرْعٌ آخرُ شعر الرأس والبدن جنس واحد قولًا واحدًا، وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان، وهذا غلط لأن القول بأنهما جنسان ذكره الأنماطي وحده، واحتج بأن النسك يتعلق بحلق شعر الرأس دون شعر البدن، وهذا لا يصحّ لأن حكم اللباس في الرأس يخالف حكمه في البدن، ولا يقال: هما جنسان. فَرْعٌ آخرُ لو جامع مرارًا فبالمرة الأولى فسد حجّه ووجبت فدية، ثم إن كانت المرة الأخرى [٨٢/ أ] في هذا المكان لا يجب شيء آخر وإن كانت في أماكن فحكمه ما ذكرنا في ارتكاب المحظورات من جنسٍ واحدٍ في أماكن، فإن قلنا: تجب الفدية في كل جماع، هل تجب شاة أو بدنة؟ فيه قولان: أحدهما: تجب بدنة واحدة كما في الأول. والثاني: يكفيه دم شاة لأنه لم يتعلق بالجماع الثاني فساد الحجّ بخلاف الأول وقال القاضي الطبري: إن كان كفر عن الأول تجب للثاني فدية، وإن لم يكفر فالأصحّ أن عليه فدية آخر وقال في اللقديم: يتداخل، ولا فرق بين أن يكون في مكان واحد أو في أماكن، وهذا أصح مما تقدم. فَرْعٌ آخرُ قال بعض أصحابنا بخراسان: إذا قلنا: تجب فدية واحدة للكل لو نوى بالفداء عن المحظورة الأول أن يفدي عنه وعن محظور آخر من جنسه سيرتكبه مرة أخرى، فحكم هذا حكم ما لو قدم الفدية على ارتكاب المحظور، هل يجوز أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز لأن في ذلك تسببًا إلى ارتكاب المحظورات، فصار كتقديم كفارة الجماع في رمضان على الجماع لا يجوز بالإجماع. والثاني: يجوز هذا في الحجّ والفرق بينه وبين كفّارة الجماع في رمضان، أن الجماع الموجب للكفارة قطّ لا يباح وقد يباح الحلق في الإحرام للأذى واللبس للبرد والحر، فيباح أيضًا تقديم الفدية على الوجوب إذا وجد سبب وجوبه، وهو الإحرام، وهذا غير صحيح، بل المذهب المنصوص أنه لا يجوز ذلك بحال. مَسْأَلَةٌ: قالَ (١): وإن تطيب ناسيًا فلا شيء عليه. لا يجوز للمحرم أن يبتدئ استعمال الطيب بحال، فإن استعمله ذاكرًا لإحرامه مع العلم بتحريمه، تلزمه الفدية سواء استعمله [٨٢/ ب] أو مسه بشيء من بدنه، قال في "الأم" (٢):فإن سعط به أو حقن تلزمه الفدية، فمنع منع في ظاهر البدن وباطنه، وذلك لأن هذا أكثر من استعماله في ظاهر بدنه ومن أصحابنا من قال: قال في "الأم": إذا

стр. 1505

احتقن به، تلزمه الفدية لأنه أكثر من الأكل ولو استعط تلزمه أيضًا، لا يمكن إلا بأن يمسه، فيلزمه الفدية بالمسّ لا بالأكل، وهذا يقتضي أنه استعط لا فدية، وهذا غير صحيح عندي، لأنه وإن استعط فقد استعمل الطيب باطن بدنه ولا فرق بين أن يطيب كل عضو أو بعضه ولا بين أن يكون عضوًا جرت العادة بتطييبه كالرأس والبدن أو لم تجر العادة به كالرجل والعقب، ولا فرق بين أن تكون مدة قليلة أو كثيرة، وكذلك في حكم اللباس، لا فرق بين أن يكون قليلًا أو كثيرًا. وقال أبو حنيفة: إن طيب عضوًا كاملًا تجب فدية كاملة، وإن طيب أقل من ذلك تجب صدقة وأراد بالصدقة إطعام مسكينٍ واحدٍ إما صاعًا من تمرٍ أو نصف صاع من برّ، وقال في اللباس: إن استدام يومًا كاملًا تلزمه الفدية، وإن كان أقل من ذلك تلزمه صدقة، وقال محمد: إن لبس جميع النهار تلزمه فدية كاملة، وإن كان أقل فبحسبانه من اليوم، وكذلك، قال في ستر الرأس وإن تطيب ناسيًا لإحرامه، أو لبس ناسيًا فلا فدية، وكذلك إن كان جاهلًا بتحريمه لا فدية، وبه قال عطاء وسفيان وأحمد وإسحاق، وقال المزني: تلزمه الفدية، إذا كان جاهلًا بالتحريم، وقال مالك وأبو حنيفة: تلزمه الفدية ناسيًا كان أو جاهلًا، وعن أحمد روايتان، وقيل: مذهب [٨٣/ أ] المزني كمذهب أبي حنيفة في الناسي أيضًا. واحتجوا بالقياس على قتل الصيد والحلق وتقليم الأظافر، وهذا غلط لما قال الشافعي: الفرق بين العامد والجاهل أن النبي ﷺ أمر الأعرابي وقد أحرم وعليه خلوق بنزع الجبة وغسل الصفرة ولم يأمره بفدية، وتمام هذا الخبر قد ذكرناه. وروي فيه زيادات وهو أن يعلي بن أمية قال: قلت لعمر بن الخطاب ﵁: إني أحب أن أرى رسول الله ﷺ وهو يوحى إليه، فلما كنا بالجعرانة جاء أعرابي وعليه مقطعات وهو متضمخ بالخلوق، فقال: يا رسول الله، أحرمت بالعمرة وأنا هكذا فماذا تأمرني؟ فأخذه ما كان يأخذه في حال الوحي فتغطى بكساءٍ. قال يعلى: فدعاني عمر وقال لي: أتحب أن ترى رسول الله وهو يوحى إليه؟ فقلت: نعم، فرفع لي طرف الكساء فنظرت، فإذا رسول الله ﷺ قد أربد وهو يغط غطيط الفحل فلما سري عنه قال: "أين السائل عن عمرته"؟ فقال الأعرابي: ها أنا ذا يا رسول الله، فقال ما ما قال ولم يأمره بالفدية إذ كان جاهلًا بما صنع. فكذلك الناسي في حكم الجاهل. فَرْعٌ قال في "الأم": لو فعله ناسيًا أو جاهلًا ثم علمه فتركه ساعة عليه، وقد أمكنه إزالته عنه نزع أو غسل طيب افتدى، فإن قيل قلتم: إذا تطيب قبل إحرامه ثم أحرم واستدامة لا فدية واستدامة هذا الطيب ليست كابتدائه فكيف تقولون ههنا: هذا الطيب ليست كابتدائه فكيف تقولون ههنا: تلزمه الفدية باستدامته واستدامة كابتداء؟ قيل: الطيب قبل الإحرام كان مباحًا فأبحنا الاستدامة أيضًا، وههنا الابتداء لم يكن مباحًا، وكان محرمًا، وإنما أسقطنا الفدية للعذر فإذا زال العذر [٨٣/ ب] وتمكن من إزالته جعل بمنزلة الابتداء به وهو كما لو وطئ امرأة بشبهة لا يلزمه الحد، فإذا علم لزمته مفارقتها والنزول عنها كذلك ههنا.

стр. 1506

فَرعٌ آخرُ لو لم يمكن نزع نوع الثوب لعلة أو مرض أو غصب في يده وانتظر من ينزعه فهذا عذر فمتى أمكن نزعه نزعة وإن لم ينزع مع الإمكان افتدى، وهذا لأنه إذا لم يمكنه نزعه فهو مضطر ولا فدية على المضطر كما لو أكرهه إنسان على لبس المخيط، أو مسّ الطيب لا تلزمه الفدية. فَرْعٌ آخرُ لو لم يجد ما يغسل به الطيب عن بدنه أزاله بما يقطع رائحته لأن المقصود من الطيب الرائحة فبأي شيء قطعها أجزأه. فَرْعٌ آخرُ لو وجد ما يكفيه لإزالة الطيب عن جسده أو لوضوئه من حدثه، قال في "الأم" (١): أزال به الطيب لأن للوضوء بديلًا وهو التيمم، فعلى هذا يستحبّ أن يبدأ باستعمال الماء في إزالة الطيب ثم يتيمم ليكون تيممه بعد عدم الماء، فإن قدّم التيمم قبل استعمال الماء في إزالة الطيب جاز لأن ما معه من الماء لا يلزمه استعماله في حدثه كما لو احتاج إلى شربه وإن أمكنه قطع رائحة الطيب بشيء غير الماء فعل ذلك وتوضأ بالماء. فَرْعٌ آخرُ إذا أراد أن يغسل الطيب في يده أو ثوبه، فالمستحب له أن يستعين بغيره حتى لا يباشر الطيب بنفسه في حال إحرامه، فإن غسله بنفسه وباشر الطيب بيده لم تلزمه الفدية لأنه إنما يباشره ليتركه لا ليتطيب به. نصّ عليه في "الأم" (٢): وهذا كما لو دخل دار رجل بغير إذنه، كان عليه الخروج منها، ولا يقال: يخرج بالخروج، وإن كان يمشي فيها لأن المشي للخروج لا للزيادة فيه وكذلك، لو انتقل في حال غسله من يدٍ إلى يدٍ، وكان ابن المرزبان يقول: في الطيب حيلة لم يذكرها الشافعي [٨٤/ أ] وهي أن يأخذ خرقة فيبلها بريقه ثم يزيله، فإن قال قائل: أليس قلتم في حلق الشعر وتقليم الأظافر بين القليل والكثير ففرقوا بينهما في اللباس والطيب أيضًا، قلنا: التحريم تناول حلق الشعور بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] بمعنى شعوركم، وأقلّ الجمع ثلاثة فيتعلق به ما يقع عليه اسم الدم في الطيب واللباس التحريم مطلق غير مقيد فيتعلق وجوب القدر بإطلاق الاسم من غير تقدير. فَرْعٌ آخرُ قال: لو داس الطيب بنعله عامدًا فعلق بنعله تلزمه الفدية لأنه صار لابسًا للطيب كما لو كان على بدنه فإن لم يقصد ذلك، لم يلزمه شيء إلا أن يستديم بعد الذكر.

стр. 1507

فَرعٌ آخرُ قال أصحابنا: إذا أراد الرجل الإحرام يجوز له أن يحلق شعر رأسه، والأولى أن يلبده ويعقصه كما فعل رسول الله ﷺ في حجّه. قال عبد الله بن عمر ﵄: سمعت النبي ﷺ يهلّ ملبدًا، وتلبيد الشعر قد يكون بالصمغ وقد يكون بالعسل، وإنما يفعل ذلك ليجتمع الشعر ويتلبد، فلا يتخلله الغبار ولا يصيبه الشعث، ولا يقع فيه الدبيب فإن حلق قبل إحرامه، ولم يلبد كان له إذا حل أن يحلق أو يقصر، وإن لبده وعقصه فيه قولان: أحدهما: قاله في (القديم": عليه أن يحلقه ولا يقصره، وذلك فائدة التلبيد والإطالة. وروى نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "من لبد رأسه فقد وجب عليه الحلق" (١). والثاني: قاله في "الجديد" وهو الأصح إن شاء حلق وإن شاء قصر لقوله تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: ٢٧]. مَسْألَةٌ: قالَ (٢): وما شم من نبات الأرض مما لا يتخذ طيبًا. الفَصْلُ أصناف الطيب معروفة والمسك طيب [٨٤/ ب] وما عداه فأكثره نبات الأرض، وكل نبات له رائحة طيبة فعلى ثلاثة أضرب: أحدهما يقصد شمه ويتخذ منه الطيب مثل الورد والياسمين والخيري ونحو ذلك فلا يجوز للمحرم شمه، فإن شمه تلزمه الفدية، ومن جملته الورس والزعفران والعنبر والكافور فإنه يخرج من الشجر مثل الصمغ. والنصّ في الخبر على الورس والزعفران تنبيه على غيرهما، والثاني، يقصد شمّه ولا يتخذ منه الطيب كالريحان والمرزنجوش قال الشافعي في كتبه الجديدة له لا يجوز شمه وعليه الفدية كالضرب الأول، وقال في "القديم": اختلف أصحابنا في الريحان، فقال بعضُهم: هو طيب، وروي ذلك عن عمر ﵄، وفيه احتياط. وبه أخذ، وقال بعضهم: ليس بطيب، وهو قول عطاء ففي المسألة طريقان: أحدهما: المسألة على قول واحد، أنه تلزمه الفدية، لأنه قال: وبه آخذ واعترض على قول عطاء، فقال من قال بهذا: إذا دهن الشقاق كالزئبق لا فدية عليه ولا خلاف في وجوبها به عند الشافعي. والثاني: في المسألة قولان، لأن أحدهما ليس بطيب، ولا فدية. وبه قال عثمان وابن عباس ﵄. أبان بن عثمان عن عثمان ﵁ أنه سئل عن المحرم أيدخل البستان؟ فقال؟ نعم ويشمّ الريحان، وبه قال مالك وأبو حنيفة ﵄، والثاني: أنه طيب، وفيه الفدية. وبه قال جابر، وهو الصحيح لأنه يعدّ طيبًا في

стр. 1508

العادة وينبت للطيب، وأما ما رووا عن عثمان روى الشافعي بإسناده عن ابن الزبير عن جابر ﵁ أنه سئل يشمّ المحرم الريحان؟، فقال: لا، فتعارضا. والثالث: ما لا يقصد شمه، ولا يتخذ منه الطيب، فهو على ضربين [٨٥/ أ]: أحدهما: ما ينبته الآدميون كالدارصيني والقرنفل، وفي معنى ذلك التفاح والسفرجل والخوخ والأترج، والنارنج ونحو ذلك. والثاني: ما ينبت بنفسه كالشيح والقيصوم والعليق، ونحو ذلك. ولا يحرم على المحرم شمّها، ولا فدية عليه بها، وكذلك ورد هذا كله لأنه لا يتطيب بشمه في العادة، ولا يتخذ لأجله وليس كذلك الضرب الأول والثاني فإنه ينبت ويتخذ للطيب دون غيره، فافترقا. فَرْعٌ قال في "الأم" (١): وليس البنفسج بطيب وإنما يربب للمنفعة لا للطيب، وأراد به البنفسج، واختلف أصحابنا فيه على ثلاثة مذاهب، فمنهم من حمل كلام الشافعي على ظاهره، فقال: لا يحرم عليه شمّه، ولا فدية فيه قولًا واحدًا لأن المقصود من شمّه المنفعة للتداوي دون التطيب. وبه قال الإمام أبو حنيفة ﵁، ومنهم من قال: هو بمنزلة الورد قولًا واحدًا، لأنه يتخذ طيباً ويتخذ منه الطيب، وتأول قول الشافعي على أنه أراد البنفسج إذا جفّ فإنه يكون دواء، أو أراد به المربب بالسكر الذي ذهبت رائحته، وهذا اختيار القفال، وقيل: أراد به أن دهنه ليس بطيب، وهذا ليس بشيء لأنه إن كان طيبًا، فدهنه مثله، وقيل: ذكره الشافعي على عادة أهل الحجاز لأنهم لا يقصدون به الطيب، فلو جرت عادة أهل بلدٍة بالتطيب به كان طيبًا يلزم به الفدية، وهذا غير الصحيح أيضًا، ومنهم من قال: فيه قولان، كالريحان، وهذا والذي قبل خلاف مذهب الشافعي، والصحيح الأول. فَرْعٌ آخرُ قال بعض أصحابنا النيلوفر في معنى الورد، وقال بعضهم هو كالريحان، وهذا أظهر عندي، وقال بعضهم: فيه ثلاثة أوجه [٨٥/ ب] كالبنفسج سواء. فَرْعٌ آخرُ الجلنجبين المربى بالورد إن كانت رائحة الورد فيه ظاهرة يمنع منه المحرم وتلزمه الفدية، وإن كانت الرائحة استهلكت فيه، لا يمنع منه ولا فدية. مَسْألَةٌ: قالَ (٢): وإن دهن رأسه ولحيته بدهن غير طيب، فعليه الفدية. قال في "الأم" (٣): الادهان على ضربين: دهن هو طيب، فإذا ادهن به من جسده شيئًا قل أو كثر تلزمه الفدية، وهو مثل ألبان المنشوش بالطيب والزنبق ودهن الورد وغيره،

стр. 1509

ودهن ليس بطيب مثل البان غير المنشوش والزيت والشيرج والسمن والزبد، فإن دهن به جسده غير رأسه ولحيته أو أكله أو شربه، فلا فدية عليه، وإن دهن به رأسه أو لحيته افتدى لأنهما موضع الدهن وهما يترجلان فيذهب شعثهما، وقال أبو حنيفة ومالك: تلزمه به الفدية، وإن استعمله في جسده إلا أن يداوي به جرحه، أو شقوق رجليه لأنه استعمله للتداوي لا للطيب، ويفارق الطيب إذا استعمله في جرحه لأنه طيب في نفسه، وبالدهن تجب الفدية لأنه استعمله استعمال الطيب لا أنه طيب في نفسه، وعن أحمد روايتان: إحداهما: مثل قول أبي حنيفة. والثانية: أنه لا تجب الفدية، وإن استعمله في رأسه ولحيته. وبه قال الحسن بن صالح بن حي، وهذا غلط لما روي أن النبي ﷺ قال: "الحاجّ أشعث أغبر" (١)، وتدهين الرأس يزيل ذلك، وروى ابن عباس وابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ أدهن في إحرامه بزيت غير مقتت"، قال أبو عبيد أراد غير مطيب، وهذا محمول على التدهين في الجسد، ولأن هذا الدهن لا يستطاب، ولهذا [٨٦/ أ] لو حلف لا يستعمل طيبًا، فاستعمل هذا الدهن لم يحنث، فإذا استعمله في غير شعره لم تجب الفدية كالسمن في الرأس واللحية المعنى ما ذكرنا في وجوب الفدية لا أنه طيب. فَرْعٌ آخرُ لو دهن رأسه بالدهن الذي ليس بطيب وهو أقرع أو أصلح لا تلزمه فدية، لأن هذا الموضوع منه كسائر بدنه، وليس فيه ترجيل الشعر، وكذلك الأمر إذا لم يكن على وجهه شعر لا شيء عليه لأنه لم يلق الشعر، ولا أصوله، وكذلك إذا دهن وجنتيه به لا فدية. فَرْعٌ آخرُ قال المزني: يدهن المحرم الشجاج في الرأس بالزيت، ولا فدية. قال أصحابنا: أراد به إذا ادهن داخل الشجّة. فَرْعٌ آخرُ لو حلق رأسه ودهن وجبت الفدية، ويخالف الأقرع والأصلع، لأن هذا يوجب تحسين شعره وترجيله، فإنه ينبت مرجلًا، وإن لم يكن في الحال شعر بخلاف ذاك، وقال بعض أصحابنا بخراسان: لا فرق، لأن الرأس محل استعمال الدهن سواء كان عليه شعر أو كان الشعر منحسرًا عنه بالصلع والقرع، والمفرق مذهب المزني اختياره لنفسه. وقال بعضهم في المحلوق: لا شيء عليه في أصحّ الوجهين أيضًا، وهو اختيار المزني، وهذا ليس بشيء. فَرْعٌ آخرُ الشحم والشمع إذا أذينا كالدهن يمنع المحرم من ترجيل الشعر بهما ذكره

стр. 1510

في "الحاوي" (١). فَرْعٌ آخرُ دهن البنفسج والريحان على اختلاف المذهب في منع المحرم من أصله. فَرْعٌ آخرُ في دهن الأترج وجهان: أحدهما: لا يمنع لأن الأترج ليس بطيب، بل هو مأكول. والثاني: هو طيب، وإن كان أصله مأكولًا لأن قشره يربي به الدهن كالورد. مَسْألَةٌ: قالَ (٢): وما أكل من خبيص فيه زعفران فصبغ اللسان، فعليه الفدية. الفَضلُ إذا جعل الطيب [٨٦/ ب] في مأكول أو مشروب نظر فإن كانت أوصافه بحالها لونه وريحه وطعمه، فهو طيب كما لو لم يطبخ وتجب به الفدية بأكله أو شربه، وإن ذهبت أوصافه كلها لونه وريحه وطعمه فلا شيء فيه وإن ذهب بعضها وبقي البعض نظر فإن بقي ريحه فهو طيب قولًا واحدًا وإن لم يبق إلا لونه، قال في "الأوسط" من الحجّ هو طيب، وكذلك رواه المزني، وقال في "المناسك الكبير": ليس اللون معنى، وإنما الفدية من قبل الريح والطعم، وكذلك قال في "الإملاء" و "القديم"، فقال أبو العباس: المسألة على قولين: أحدهما: لا تلزمه الفدية لأن المقصود من الطيب الرائحة، وإذا جعل في الطبيخ صار الطعم مع الرائحة مقصودًا واللون المجرد، فليس بمقصود، وقال الشافعي: إذا لبس ثوبًا مسّه الطيب وذهبت رائحته حتى إذا رشّ الماء عليه لم تظهر لا تلزمه الفدية للطيب كذلك ههنا، وحكي القاضي الطبري أن الشافعي قال: لو لبس ثوبًا مصبوغًا بزعفران ذهب ريحه لا فدية عليه لأجل الزعفران، والثاني: تلزمه الفدية، لأن اللون إذا بقى، فالظاهر بقاء الرائحة ولا يخلو من الرائحة وإن قلت، ولم تظهر، ومن أصحابنا من قال: وهو اختيار أبي إسحاق، لا فدية فيه قولًا واحدًا وتأول ما رواه المزني على بقاء اللون مع الرائحة. وهذا هو الصحيح لما ذكرنا، وهو اختيار القفال. فَرْعٌ آخرُ لو لم يبق إلا الطعم، قال القاضي الطبري: تلزمه الفدية قولًا واحدًا لما ذكرنا من العلة، وقال سائر أصحابنا: فيه ثلاثة طرق: أحدهما: هذا، والثاني: لا تلزم الفدية قولًا واحدًا، والثالث: فيه قولان. فَرْعٌ آخرُ لو أكل طيبًا من المسك، [٨٧/ أ] أو غيره تلزمه الفدية وقال أبو حنيفة: لا فدية فيه، ولكنه يكره لبقاء ريحه، وهكذا قال في الخبيص إذا أكله وفيه زعفران لأنه استحال بالطبخ من أن يكون طيبًا، وهذا غلط لأن الاستمتاع به حصل في يده مباشرة فتلزمه الفدية.
следующие страницы →