← Фикх шафии

Фикх шафии · id 16934

بحر المذهب للروياني

عَبْد الواحِد الرُّوْياني

Полный текст (7 151 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

فَرعٌ آخرُ لو لم يمكن نزع نوع الثوب لعلة أو مرض أو غصب في يده وانتظر من ينزعه فهذا عذر فمتى أمكن نزعه نزعة وإن لم ينزع مع الإمكان افتدى، وهذا لأنه إذا لم يمكنه نزعه فهو مضطر ولا فدية على المضطر كما لو أكرهه إنسان على لبس المخيط، أو مسّ الطيب لا تلزمه الفدية. فَرْعٌ آخرُ لو لم يجد ما يغسل به الطيب عن بدنه أزاله بما يقطع رائحته لأن المقصود من الطيب الرائحة فبأي شيء قطعها أجزأه. فَرْعٌ آخرُ لو وجد ما يكفيه لإزالة الطيب عن جسده أو لوضوئه من حدثه، قال في "الأم" (١): أزال به الطيب لأن للوضوء بديلًا وهو التيمم، فعلى هذا يستحبّ أن يبدأ باستعمال الماء في إزالة الطيب ثم يتيمم ليكون تيممه بعد عدم الماء، فإن قدّم التيمم قبل استعمال الماء في إزالة الطيب جاز لأن ما معه من الماء لا يلزمه استعماله في حدثه كما لو احتاج إلى شربه وإن أمكنه قطع رائحة الطيب بشيء غير الماء فعل ذلك وتوضأ بالماء. فَرْعٌ آخرُ إذا أراد أن يغسل الطيب في يده أو ثوبه، فالمستحب له أن يستعين بغيره حتى لا يباشر الطيب بنفسه في حال إحرامه، فإن غسله بنفسه وباشر الطيب بيده لم تلزمه الفدية لأنه إنما يباشره ليتركه لا ليتطيب به. نصّ عليه في "الأم" (٢): وهذا كما لو دخل دار رجل بغير إذنه، كان عليه الخروج منها، ولا يقال: يخرج بالخروج، وإن كان يمشي فيها لأن المشي للخروج لا للزيادة فيه وكذلك، لو انتقل في حال غسله من يدٍ إلى يدٍ، وكان ابن المرزبان يقول: في الطيب حيلة لم يذكرها الشافعي [٨٤/ أ] وهي أن يأخذ خرقة فيبلها بريقه ثم يزيله، فإن قال قائل: أليس قلتم في حلق الشعر وتقليم الأظافر بين القليل والكثير ففرقوا بينهما في اللباس والطيب أيضًا، قلنا: التحريم تناول حلق الشعور بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] بمعنى شعوركم، وأقلّ الجمع ثلاثة فيتعلق به ما يقع عليه اسم الدم في الطيب واللباس التحريم مطلق غير مقيد فيتعلق وجوب القدر بإطلاق الاسم من غير تقدير. فَرْعٌ آخرُ قال: لو داس الطيب بنعله عامدًا فعلق بنعله تلزمه الفدية لأنه صار لابسًا للطيب كما لو كان على بدنه فإن لم يقصد ذلك، لم يلزمه شيء إلا أن يستديم بعد الذكر.

стр. 1507

فَرعٌ آخرُ قال أصحابنا: إذا أراد الرجل الإحرام يجوز له أن يحلق شعر رأسه، والأولى أن يلبده ويعقصه كما فعل رسول الله ﷺ في حجّه. قال عبد الله بن عمر ﵄: سمعت النبي ﷺ يهلّ ملبدًا، وتلبيد الشعر قد يكون بالصمغ وقد يكون بالعسل، وإنما يفعل ذلك ليجتمع الشعر ويتلبد، فلا يتخلله الغبار ولا يصيبه الشعث، ولا يقع فيه الدبيب فإن حلق قبل إحرامه، ولم يلبد كان له إذا حل أن يحلق أو يقصر، وإن لبده وعقصه فيه قولان: أحدهما: قاله في (القديم": عليه أن يحلقه ولا يقصره، وذلك فائدة التلبيد والإطالة. وروى نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "من لبد رأسه فقد وجب عليه الحلق" (١). والثاني: قاله في "الجديد" وهو الأصح إن شاء حلق وإن شاء قصر لقوله تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: ٢٧]. مَسْألَةٌ: قالَ (٢): وما شم من نبات الأرض مما لا يتخذ طيبًا. الفَصْلُ أصناف الطيب معروفة والمسك طيب [٨٤/ ب] وما عداه فأكثره نبات الأرض، وكل نبات له رائحة طيبة فعلى ثلاثة أضرب: أحدهما يقصد شمه ويتخذ منه الطيب مثل الورد والياسمين والخيري ونحو ذلك فلا يجوز للمحرم شمه، فإن شمه تلزمه الفدية، ومن جملته الورس والزعفران والعنبر والكافور فإنه يخرج من الشجر مثل الصمغ. والنصّ في الخبر على الورس والزعفران تنبيه على غيرهما، والثاني، يقصد شمّه ولا يتخذ منه الطيب كالريحان والمرزنجوش قال الشافعي في كتبه الجديدة له لا يجوز شمه وعليه الفدية كالضرب الأول، وقال في "القديم": اختلف أصحابنا في الريحان، فقال بعضُهم: هو طيب، وروي ذلك عن عمر ﵄، وفيه احتياط. وبه أخذ، وقال بعضهم: ليس بطيب، وهو قول عطاء ففي المسألة طريقان: أحدهما: المسألة على قول واحد، أنه تلزمه الفدية، لأنه قال: وبه آخذ واعترض على قول عطاء، فقال من قال بهذا: إذا دهن الشقاق كالزئبق لا فدية عليه ولا خلاف في وجوبها به عند الشافعي. والثاني: في المسألة قولان، لأن أحدهما ليس بطيب، ولا فدية. وبه قال عثمان وابن عباس ﵄. أبان بن عثمان عن عثمان ﵁ أنه سئل عن المحرم أيدخل البستان؟ فقال؟ نعم ويشمّ الريحان، وبه قال مالك وأبو حنيفة ﵄، والثاني: أنه طيب، وفيه الفدية. وبه قال جابر، وهو الصحيح لأنه يعدّ طيبًا في

стр. 1508

العادة وينبت للطيب، وأما ما رووا عن عثمان روى الشافعي بإسناده عن ابن الزبير عن جابر ﵁ أنه سئل يشمّ المحرم الريحان؟، فقال: لا، فتعارضا. والثالث: ما لا يقصد شمه، ولا يتخذ منه الطيب، فهو على ضربين [٨٥/ أ]: أحدهما: ما ينبته الآدميون كالدارصيني والقرنفل، وفي معنى ذلك التفاح والسفرجل والخوخ والأترج، والنارنج ونحو ذلك. والثاني: ما ينبت بنفسه كالشيح والقيصوم والعليق، ونحو ذلك. ولا يحرم على المحرم شمّها، ولا فدية عليه بها، وكذلك ورد هذا كله لأنه لا يتطيب بشمه في العادة، ولا يتخذ لأجله وليس كذلك الضرب الأول والثاني فإنه ينبت ويتخذ للطيب دون غيره، فافترقا. فَرْعٌ قال في "الأم" (١): وليس البنفسج بطيب وإنما يربب للمنفعة لا للطيب، وأراد به البنفسج، واختلف أصحابنا فيه على ثلاثة مذاهب، فمنهم من حمل كلام الشافعي على ظاهره، فقال: لا يحرم عليه شمّه، ولا فدية فيه قولًا واحدًا لأن المقصود من شمّه المنفعة للتداوي دون التطيب. وبه قال الإمام أبو حنيفة ﵁، ومنهم من قال: هو بمنزلة الورد قولًا واحدًا، لأنه يتخذ طيباً ويتخذ منه الطيب، وتأول قول الشافعي على أنه أراد البنفسج إذا جفّ فإنه يكون دواء، أو أراد به المربب بالسكر الذي ذهبت رائحته، وهذا اختيار القفال، وقيل: أراد به أن دهنه ليس بطيب، وهذا ليس بشيء لأنه إن كان طيبًا، فدهنه مثله، وقيل: ذكره الشافعي على عادة أهل الحجاز لأنهم لا يقصدون به الطيب، فلو جرت عادة أهل بلدٍة بالتطيب به كان طيبًا يلزم به الفدية، وهذا غير الصحيح أيضًا، ومنهم من قال: فيه قولان، كالريحان، وهذا والذي قبل خلاف مذهب الشافعي، والصحيح الأول. فَرْعٌ آخرُ قال بعض أصحابنا النيلوفر في معنى الورد، وقال بعضهم هو كالريحان، وهذا أظهر عندي، وقال بعضهم: فيه ثلاثة أوجه [٨٥/ ب] كالبنفسج سواء. فَرْعٌ آخرُ الجلنجبين المربى بالورد إن كانت رائحة الورد فيه ظاهرة يمنع منه المحرم وتلزمه الفدية، وإن كانت الرائحة استهلكت فيه، لا يمنع منه ولا فدية. مَسْألَةٌ: قالَ (٢): وإن دهن رأسه ولحيته بدهن غير طيب، فعليه الفدية. قال في "الأم" (٣): الادهان على ضربين: دهن هو طيب، فإذا ادهن به من جسده شيئًا قل أو كثر تلزمه الفدية، وهو مثل ألبان المنشوش بالطيب والزنبق ودهن الورد وغيره،

стр. 1509

ودهن ليس بطيب مثل البان غير المنشوش والزيت والشيرج والسمن والزبد، فإن دهن به جسده غير رأسه ولحيته أو أكله أو شربه، فلا فدية عليه، وإن دهن به رأسه أو لحيته افتدى لأنهما موضع الدهن وهما يترجلان فيذهب شعثهما، وقال أبو حنيفة ومالك: تلزمه به الفدية، وإن استعمله في جسده إلا أن يداوي به جرحه، أو شقوق رجليه لأنه استعمله للتداوي لا للطيب، ويفارق الطيب إذا استعمله في جرحه لأنه طيب في نفسه، وبالدهن تجب الفدية لأنه استعمله استعمال الطيب لا أنه طيب في نفسه، وعن أحمد روايتان: إحداهما: مثل قول أبي حنيفة. والثانية: أنه لا تجب الفدية، وإن استعمله في رأسه ولحيته. وبه قال الحسن بن صالح بن حي، وهذا غلط لما روي أن النبي ﷺ قال: "الحاجّ أشعث أغبر" (١)، وتدهين الرأس يزيل ذلك، وروى ابن عباس وابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ أدهن في إحرامه بزيت غير مقتت"، قال أبو عبيد أراد غير مطيب، وهذا محمول على التدهين في الجسد، ولأن هذا الدهن لا يستطاب، ولهذا [٨٦/ أ] لو حلف لا يستعمل طيبًا، فاستعمل هذا الدهن لم يحنث، فإذا استعمله في غير شعره لم تجب الفدية كالسمن في الرأس واللحية المعنى ما ذكرنا في وجوب الفدية لا أنه طيب. فَرْعٌ آخرُ لو دهن رأسه بالدهن الذي ليس بطيب وهو أقرع أو أصلح لا تلزمه فدية، لأن هذا الموضوع منه كسائر بدنه، وليس فيه ترجيل الشعر، وكذلك الأمر إذا لم يكن على وجهه شعر لا شيء عليه لأنه لم يلق الشعر، ولا أصوله، وكذلك إذا دهن وجنتيه به لا فدية. فَرْعٌ آخرُ قال المزني: يدهن المحرم الشجاج في الرأس بالزيت، ولا فدية. قال أصحابنا: أراد به إذا ادهن داخل الشجّة. فَرْعٌ آخرُ لو حلق رأسه ودهن وجبت الفدية، ويخالف الأقرع والأصلع، لأن هذا يوجب تحسين شعره وترجيله، فإنه ينبت مرجلًا، وإن لم يكن في الحال شعر بخلاف ذاك، وقال بعض أصحابنا بخراسان: لا فرق، لأن الرأس محل استعمال الدهن سواء كان عليه شعر أو كان الشعر منحسرًا عنه بالصلع والقرع، والمفرق مذهب المزني اختياره لنفسه. وقال بعضهم في المحلوق: لا شيء عليه في أصحّ الوجهين أيضًا، وهو اختيار المزني، وهذا ليس بشيء. فَرْعٌ آخرُ الشحم والشمع إذا أذينا كالدهن يمنع المحرم من ترجيل الشعر بهما ذكره

стр. 1510

في "الحاوي" (١). فَرْعٌ آخرُ دهن البنفسج والريحان على اختلاف المذهب في منع المحرم من أصله. فَرْعٌ آخرُ في دهن الأترج وجهان: أحدهما: لا يمنع لأن الأترج ليس بطيب، بل هو مأكول. والثاني: هو طيب، وإن كان أصله مأكولًا لأن قشره يربي به الدهن كالورد. مَسْألَةٌ: قالَ (٢): وما أكل من خبيص فيه زعفران فصبغ اللسان، فعليه الفدية. الفَضلُ إذا جعل الطيب [٨٦/ ب] في مأكول أو مشروب نظر فإن كانت أوصافه بحالها لونه وريحه وطعمه، فهو طيب كما لو لم يطبخ وتجب به الفدية بأكله أو شربه، وإن ذهبت أوصافه كلها لونه وريحه وطعمه فلا شيء فيه وإن ذهب بعضها وبقي البعض نظر فإن بقي ريحه فهو طيب قولًا واحدًا وإن لم يبق إلا لونه، قال في "الأوسط" من الحجّ هو طيب، وكذلك رواه المزني، وقال في "المناسك الكبير": ليس اللون معنى، وإنما الفدية من قبل الريح والطعم، وكذلك قال في "الإملاء" و "القديم"، فقال أبو العباس: المسألة على قولين: أحدهما: لا تلزمه الفدية لأن المقصود من الطيب الرائحة، وإذا جعل في الطبيخ صار الطعم مع الرائحة مقصودًا واللون المجرد، فليس بمقصود، وقال الشافعي: إذا لبس ثوبًا مسّه الطيب وذهبت رائحته حتى إذا رشّ الماء عليه لم تظهر لا تلزمه الفدية للطيب كذلك ههنا، وحكي القاضي الطبري أن الشافعي قال: لو لبس ثوبًا مصبوغًا بزعفران ذهب ريحه لا فدية عليه لأجل الزعفران، والثاني: تلزمه الفدية، لأن اللون إذا بقى، فالظاهر بقاء الرائحة ولا يخلو من الرائحة وإن قلت، ولم تظهر، ومن أصحابنا من قال: وهو اختيار أبي إسحاق، لا فدية فيه قولًا واحدًا وتأول ما رواه المزني على بقاء اللون مع الرائحة. وهذا هو الصحيح لما ذكرنا، وهو اختيار القفال. فَرْعٌ آخرُ لو لم يبق إلا الطعم، قال القاضي الطبري: تلزمه الفدية قولًا واحدًا لما ذكرنا من العلة، وقال سائر أصحابنا: فيه ثلاثة طرق: أحدهما: هذا، والثاني: لا تلزم الفدية قولًا واحدًا، والثالث: فيه قولان. فَرْعٌ آخرُ لو أكل طيبًا من المسك، [٨٧/ أ] أو غيره تلزمه الفدية وقال أبو حنيفة: لا فدية فيه، ولكنه يكره لبقاء ريحه، وهكذا قال في الخبيص إذا أكله وفيه زعفران لأنه استحال بالطبخ من أن يكون طيبًا، وهذا غلط لأن الاستمتاع به حصل في يده مباشرة فتلزمه الفدية.

стр. 1511

فرع آخر لو أكل العود لا تلزمه القديمة لأنه لا يكون متطيباً به إلا بأن يتبخر به بخلاف المسك ذكه في "الحاوي" (١). مسألة: قالَ (٢): والعصف ليس من الطَّيب. قد ذكنا أن العصف ليس بطيب ويجوز للمحرم لبس العصف, ولا فدية, وإن كان المستحب البياض, ويه قال احمد, وقد وروى في خبر ابن عم أن النبي ﷺ قال: "وليلبسن بعد ذلك ما أحببن من ألوان الثياب من العصف أو الخز", وقال القاسم بن محمد: كانت عائشة ﵂ تلبس الأحمرين وهى محرمة: الذهب والمعصفر، وقال أبو حنيفة: إذا لبس ثوباً معصفراً، فإن كان مفض لزمته الفدية, وإلا فلا فدية, وهذا غلط لأنه كونه لم يفض، فلا تلزمه الفدية, فكذلك إذا نفض كالنيل فإذا تقرر هذا, قال الشافعي: يكره لبسه في إحرامه, لأنه ربما يغتر به الجاهل, ولا يرى الفرق بينه وبين الزعفران, وروى عن عمر ﵁ أنه رأى على طلحة ثوبين مصبوغين, وهو محرم, فقال: أيها الرهط أنتم أئمة يقتدي بكم, ولو أن رجلاً رأى عليك ثوبك لقال: قد كان يلبس الثياب المصبغة وهو محرم, فلا يلبس أحدكم هذه الثياب المصبغة في أحلام شيئا. مسألة: قال (٣): وإن مسّ طيباً يابساً لا يبقى له أثر. الفصل المحرم إذا مس طيباً يابساً مثل المسك والكافور, ونحو ذلك فإن لم يعلق بيده ريحه, ولا أثره, فلا فديه, وان علق به أثره وريحه تلزمه الفدية, لأن الطيب يستعمل هكذا, وإن علق [٨٧/ب] بيده ريحه ولم يعلق أثره, فظاهر ما نقله المزني أنه لا فدية. وقال في كتاب "المناسك الكبير": وإن مس منه شيئاً يابساً لا يبقى له أثر في يده, ولا ريح كرهته ولم أر عليه الفدية, ظاهر هذا أنه بقى ريحه وجبت الفدية, فالمسألة على قولين: احدهما: تلزمه الفدية, وهو الصحيح لأن الاعتبار بالرائحة, وهى المقصود من الطيب ألا ترى أن ماء الورد والدهن إذا انقطعت رائحتهما جاز استعمالهما وههنا علقت به الرائحة. والثاني: لا تلزمه الفدية لأن الرائحة إنما تعلق بالمجاورة, فهو كما لو شم الطيب من دكان العطار, وهذا لا يصح لأن هناك لم يباشر الطيب, وههنا باشر الطيب وحصل مقصوده من الرائحة في بدنه فافترقا, وقال أبو بكر المحمودى من أصحابنا: صحف المزني, وإنما هو مس طيبا ناسيا, فلا شئ عليه, فأما إذا كان عامداً وعلق بيده ريحه تلزمه الفدية قولاً واحداً. فرع آخر قال في "الأم" (٤): لو عقد طيباً فحمله في خرقة أو غيرها وله رائحة تظهر منها لم

стр. 1512

يكن عليه فدية وكرهت له ذلك. قال بعض أصحابنا: أراد إذا لم يقصد شمه, فأما إذا قصد شمه تلزمه الفدية لأنه يكون بمنزلة الورد والريحان. ومن أصحابنا من قال: وان شمه لا فدية أيضاً, لا بالمجاورة ولا بالمباشرة, والصحيح عندي الأول, ولو شمه من غير حائل تلزمه الفدية بلا إشكال, ومن أصحابنا من قال: لا فدية فيه أيضا لأنه لا يستعمل هكذا إرادة التطيب به, ويخالف التبخر بالعود لأنه هكذا يتطيب به, وهذا غلط عندي, ولو شم عوداً, قيل: فيه وجهان, والأصح أنه تلزمه الفدية. مسألة: قال (١): وله أن يجلس عند العطار, لا بأس أن يجلس المحرم والمحرمة عند العطارين ويدخلا [٨٨/أ] حانوته ويشتريا الطيب ما لم يمساه نشئ من أجسادها، ولا يكره ولهما أن يجلسا عند الكعبة وهى تجمر أي: تبخر بالعود لأنه لا يمكن الاحتراز من هذه الأشياء فعفا عنه وهل يستحب له الاجتناب عن هذه الأشياء؟ قال: ههنا له أن يجلس عند العطارين وقال في موضع من " الأم" (٢)، وأحب أن يجتنب العطارين, وكل موضع فيه طيب إلا في موضع من الكعبة والطواف ويجتنب أن يستنشقه, فإن فعل فلا شئ عليه فحصل من هذا أنه يستحب له التوقي في غير موضع البر, ولا يستحب له ترك موضع البر كذلك لأنه مباح وقال بعض أصحابنا: إن جلس عند العطار لغير شم الطيب لا يكره قولا واحداً, وإن كان يشم الطيب فيه قولان, قال في "مختصر الحج": لا يكره، وقال في "الأم": يكره ذلك. ذكره أبو حامد لأنه يوصل إلى تحصيل المقصود من محظور عبادته. وقال القاضي الحسين: إذا قصد القعود للرائحة يكره, والخلاف في وجوب الفدية, ونظيره لو غربل الدقيق في الصوم وفتح فاه عمدا حتى وصل غبار الدقيق الى جوفه, هل يفطره؟ قلنا: وكذلك لو جلس جماعة من المحرمين ووضع المجمر فيما بينهم من غير أن يتخذ أحدهم تحت ثوبه متطيباً به، فلا شئ عليهم, فإن قيل: قلتم المحرم لا يعقد النكاح ويشرى الطيب, فما الفرق قلنا: الفرق أن المقصود من النكاح الاستمتاع, فإذا حرم المقصود به حرم في نفسه, ولا يقصد بشراء الطيب التطيب, فإنه يقصد به التجارة كما يشترى الثياب المخيطة والجواري, وإن كان الاستمتاع بها محرماً, فإن قيل: أليس لا يجوز له شرى الصيد وليس المقصود به الأكل؟ قلنا: لم يحرم أكل الصيد وحده, وإنما ورد الشرع بتحريم الاصطياد, وهو [٨٨/ب] يملك الصيد, والشراء ضرب من تملكه, فلم يجز بخلاف هذا. فرع آخر لو مسّ الطيب لا للتطيب لكن لحمله أو نقله لم يضرّه, قاله أكثر أصحابنا, وقال بعضهم: إذا مسّ شئ من بشرته عين الطيب تلزمه القديمة, وإنما تلزمه إذا تلزمه إذا مسّه بطرفه. فرع آخر لو حمل نافحة فيها المسك, قال أبو حامد: على قياس ما ذكرنا في "الأم" من أنه لا فدية عليه لأن بينه وبين الطيب حائلاً, وكذلك لو ترك طيباً في قارورة وشد رأسها

стр. 1513

وحملها لا فدية. وقال القفال: تلزمه الفدية لأنه يطيب به, والأول أقيس عندي. مسألة: قال (١): وإن مسها, وهو لا يعلم أنها رطبة. الفصل إذا مس طيباً رطباً فعلق بيده منه شيء, فإن كان عالما برطوبته ذاكراً لإحرامه فعليه الفدية, وإن كان ناسياً لإحرامه, فلا شيء عليه, وكذلك إذا لم يعلم أن الكعبة مطيبة فمسها فعلق بيده منها طيب غسله ولا شيء عليه, وإن كان عالماً بأنها مطيبة, ولم يعلم أن الطيب رطب فمسَه, فكان رطباً, فيه قولان: احدهما: لا فدية عليه. رواه المزني ونص عليه في "مختصر الحج": أنه علق من غير اختياره, فهو كما لو ترشش عليه الطيب, وقال في "القديم": تلزمه الفدية لأنه قصد مس الطيب ومباشرته, فإذا علق به تلزمه الفدية, ومثل هذه المسألة إذا تمضمض الصائم, فسبق الماء إلى جوفه هل يفطره؟ قولان, ثم قال الشافعي (٢) في "المختصر": وإن حلق وتطيب عامداً, فعليه فديتان, وقد ذكرنا هذه المسألة, وقوله: عامداً راجع إلى الطيب لا إلى الحِلاق, فإن في الحلاق يستوي العمد والخطأ. مَسْألَةٌ: قال (٣): وإن حلق شعره فعليه مُد. الفصل لا يجوز للمحرم أن يأخذ من شعر جسده شيئاً, ولا من أظفاره لغير حاجة, فإن دعته الحاجة إليه مثل إن كثرت هوام رأسه, أو كان به مرض [٨٩/أ] أو جراحة أحوجه إلى حلقه كان له حلقه بشرطي الفدية على ما ذكرنا والأصل فيه قوله تعالى: ﴿ولا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] الآية, فإذا تقرر هذا لو حلق شعر رأسه تلزمه الفدية, وكذلك لو حلق شعر بدنه تلزمه الفدية أيضاً، وقال داود: وهو رواية عن مالك: لا شيء في شعر البدن, ولا فيما عدا شعر الرأس لأن الله تعالى خص الرأس بقوله: ﴿ولا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾، وهذا لا يصح لأنه يحصل له التنظيف والترفه بحلق شعر البدن فأشبه شعر الرأس, ولو جمع بين حلق شعر الرأس وحلق شعر البدن في وقت واحد تلزمه الفدية الواحدة, وقال الأنماطى: تلزمه فديتان، وهذا غلط لأن الكل في اسم الشعر والحلق سواء فإذا تقرر هذا فأقل ما يجب فيه فدية كاملة ثلاث شعرات لأنها أقل حد الكثرة فيتعلق بها تمام الفدية, وقال أبو حنيفة: لا يلزمه الدم إلا في حلق النصف, وقال مالك: إذا حلق قدراً أماط به الأذى عن نفسه وجب الدم قل أو كثر, وعن أحمد روايتان: إحداهما, مثل قولنا, والثانية, يتعلق الدم بأربع شعرات, واحتج مالك بأن بثلاث شعرات لا تحصل إماطة الأذى فأشبهت الشعرة والشعرتين, واحتج أبو حنيفة بأن الربع يقوم مقام الكل, ولهذا إذا رأى رجلاً يقول: رأيت فلاناً, وإنما رأى إحدى جهاته الأربع, وهذا غلط لأن بحلق الربع والثلث لا يحصل إماطة الأذى على التمام أيضاً, ولا يكون الأذى مربعاً حتى يكون كما قال أبو حنيفة, وإنما يقول: رأيت رجلاً

стр. 1514

إذا رأى رجلاً ما عرفه به لأنه يقول ذلك, وإن رأى صفحة وجهه, فلا يصح ما ذكروا, وأما إذا حلق أقلّ من ثلاث شعرات يلزمه الضمان, وإن لم يلزمه الدم [٨٩/ب]. وقال مجاهد: لا شيء عليه, وحكاه ابن المنذر عن عطاء, وحكي عن عطاء مثل مذهبنا لأن كل جملة كانت مضمونة فأبعاضها مضمونة فأبعاضها مضمونة كالعبد, فإذا تقرر أنه مضمون اختلف قول الشافعي في تضمينه, فقال: ههنا في شعرة مد وفي شعرتين مدان, وفي ثلاث شعرات دم, وحكي الحميدى عن الشافعي أنه قال: إذا ترك حصاة يلزمه ثلث دم, وفي حصاتين ثلثا دم, وفي ثلاث حصيات دم. وقال الشافعي في موضع أخر: إذا ترك ليلة من ليالي منى يلزمه درهم, وان ترك ليلتين فدرهمان وان ترك ثلاث ليال فدم, ولا فرق بين الحلق وترك الحصاة وترك ليالي منى, فإذا حلق شعرة واحدة أو قلم ظفراً واحداً, أو ترك ليلة أو ترك حصاة فيه ثلاثة أقوال: أحدها: يلزمه مد من طعام, وهو المذهب المشهور لأن في إيجاب ثلث الدم مشقة, والأصل ذلك فعدلنا إلى ما هو أقرب إليه, وهو الطعام والمد أقل ما يجب فدية, والثاني: يلزمه ثلث دم, وهو الأقيس, لأن كل جملة ضمنت بجنس فأبعاضها تضمن بذلك الجنس كسائر المتلفات, والثالث: وهو قول عطاء: يلزمه درهم لأنه إذا عدل عن الأصل, فالأصل في التقويم الدراهم. فرع آخر لو قطع نصف شعرة فيه وجهان: أحدهما: عليه نصف مدّ بالقسط, وهذا أصحّ, وهو المذهب, وعليه عامة أصحابنا. والثاني: يلزمه مد كامل, لأن الإخلال يقع بتقصير بعض الشعر, وإن لم يستأصله, ذكره في "الحاوي" (١). فرع آخر إذا قلنا: لو حلق شعره يلزمه ثلث شاة في أحد الأقوال مقتضى المذهب أنه يتخير بين ثلث شاة وبين التصدق بصاع وبين يوم كامل, كما لو حلق ثلاث شعرات تخير بين شاة وثلاثة آصع وبين صيام ثلاثة أيام إلا أن من جهة المذهب في هذا القول إشكال لأنه نص فيمن جرح ظبيه فانتقص عشر قيمتها عليه ثمن عشر شاة, وما أوجب عليه مثله, فالقياس [٩٠/أ] أن يلزمه صاع أو صوم يوم. فرع آخر لو حلق ثلاث شعرات في ثلاثة أوقات في مجلس نص الشافعي أن لكل شعرة حكم نفسها لا يتدخل ولا ينقلب داماً, وقال صاحب "الإفصاح": يمكن أن يقال يبنى على قولين في اللباس إذا فرق فإن قلنا بقوله القديم: إنه بتداخل, ويكون المفرق من اللباس بمنزلة المجتمع ينقلب ههنا دماً. وإن قلنا: هناك ينفرد كل بحكمة, فكذلك ههنا تنفرد

стр. 1515

كل شعرة بحكمها وهذا أصح وعلى هذا إذا حلق ثلاث شعرات ثم ثلاث شعرات يبنى القولين, وقد ذكرنا ما قال أبو حامد والمذهب هذا وإن أتلف شعرة وفدى ثم أتلف أخرى, وفدى لا يتداخل بحال, كما قلنا في اللباس, وقال بعض أصحابنا بخراسان: لو حلق شعرات من ثلاثة مواضع, فيه وجهان, لأن المواضع كالأماكن, وليس نشئ. فرع آخر قال: لو قطع المحرم عضواً عليه شعر أو قشط جلدة عليها شعر لم يلزمه للشعر شيء ويكون تابعاً للعضو, ولا يلزمه للعضو فدية, فكذلك للتابع, ولو افتدى كان أحب إلى. قال القاضي الطبري, ولهذا قال أصحابنا: إذا لبس ثوبا مطيباً لا يلزمه للطيب فدية ويصير تابعا للثوب, ولم يذكر خلافاً. وقد ذكر أصحابنا بخراسان في هذه المسألة, ولم يذكروا هذه العلة, وظاهر المذهب هذا. فرع آخر لو نبت في عينه شعرة فقلعها أو أسبلت علينه بمعنى طرته أو عزر حاجبيه, فقصه لم يلزمه شيء, وكذلك لو انكسر ظفره, فقلم للتكسر لم يلزمه شيء لأنه اضطر إليه من جهة الشعر, فأشبه إذا قتل الصيد دفاعاً عن نفسه, وبفارق هذا إذا حلق شعر رأسه للهوام لأنه حلقه لمعنى في غيره, وهو الهوام, فتلزمه الفدية كما لو قتل صيداً للأكل عند المجاعة تلزمه الفدية, لأن الضرورة من جهة الجوع دون الصيد, فإن قتل فقد يمثر الشعر فيؤذيه ويحميه, فينبغي أن لا [٩٠/ب] تلزمه الفدية بحلقه, قبل ما يحصل بذلك من الحمى مضاف إلى الزمان دون الشعر وإن كان الشعر سبباً, ألا ترى أنه في زمان الشتاء لا يؤذيه ذلك. فرع آخر فدية الحلق على التخيير وإن لم يكن معذوراً, وقال أبو حنيفة: هي على الترتيب في حق غير المعذور, لأن النص بالتخير ورد في المعذور, وهذا غلط لأن كل كفارة ثبت فيها التخير عند العذر كذا عن عدم العذر كجزاء الصيد وكفارة اليمين. مَسْألَةٌ: قالَ (١): وكذلك الأظفار. حكم الأظفار حكم الشعر, لأنه قطع جزء من البدن يترفه به كالشعر فإن قلك ظفراً, ففيه الأقوال التي ذكرناها في الشعر, وإن قلّم ثلاثة أظفار في مجلس واحدٍ يلزمه دمّ. وقال أبو حنيفة: الاستحسان هذا ثم رجع فقال: إن قلّم خمسة أظافر من يد واحدة, يلزمه دمّ, وإن قلّم دون خمسة من يد واحدة, أو أكثر من خمسة من يديه يلزمه صدقة, ويه قال أبو يوسف, وقال محمد: إذا قلّم خمسة أظافر يلزمه دمّ سواء كانت من يد واحدة أو من يدين, واحتجّ أبو حنيفة بأنه لا يستكمل الترفه ومنفعة اليد بدون ذلك, وهذا غلط لأن بحلق ربع الرأس لا يملك الترفه ويجب به دم عنده.

стр. 1516

فرع آخر لو قلم بعض الظفر تجب بقسطه الفدية, ولو انكسر ظفره, فقلّم المنكسر لم يلزمه شيء لأنه اضطر إليه بمعنى من جهة الظفر, ولو قلّم المنكسر مع قطعه من الصحيح تلزمه بذلك صدقة, نصّ عليه في "الأم" (١) و"الإملاء", لأن قلم الصحيح لو انفرد تجب به صدقة, فكذلك إذا قلّمه مع غيره, وذكر في "الشامل": أن الشافعي قال: لو قلّم بعض ظفره بأن لم يستوفه بل خففه أو أخذ بعضه تلزمه القديمة, لأن هذا بعض عن جملة مضمونة, وضمنه بالمدّ لأن المدّ لا ينتقص في الشرع. وقال أبو حامد: إذا أخذ بعض شعره ينبغي أن يكون حكمه حكم الظفر. فرع آخر لو [٩١/أ] قلم جانباً من جوانبه تلزمه الفدية, فإن قلنا فيه ثلث شاة تجب شاة بقدر ما قلم, وإن قلنا يجب مد, قال أصحابنا: يجب في بعض الظفر مد, لأن طريق إيجابه المد أنه أقل ما وجب لمسكين واحد فلا يمكن تبعيضه, والفدية في الحج معناها على التغلب فغلبنا الإيجاب. مسألة: قال (٢): "والعمد والخطأ فيهما سواء". الصحيح المشهور من المذهب الشافعي أن في حلق الشعر وتقليم الأظافر وقتل الصيد يستوي العند والخطأ والذكر والنسيان, لأنه لم يحرم منه جهة الترفه وإنما حرم من جهة الإتلاف, وفي الإتلاف يستوي العمد والخطأ كالأكل في الصوم. وقال ابن أبى هريرة: في الكل قولان: أحدهما: هذا. والثاني: يفرق فيها بين السهو والعمد أيضاً وقال أبو حامد, قال الشافعي: لو زال عقله بجنون أو إغماء, فحلق أو قتل الصيد, فيه قولان, فعلى هذا في مسألتنا, طريقان: أحدهما: فيها قولان أيضاً, لأن النسيان كالجنون في عد العضد الثاني: ههنا قول واحد تلزمه الفدية، ويفارق الجنون لأنه لو حلف لا يدخل داراً, فدخلها ناسياً فيه قولان, ولو دخلها مجنوناً لا يحنث قولا واحداً, وهذا لأن الجنون يزيل التكليف بخلاف النسيان. مسألة: قالَ (٣): ويحلق المحرم شعر المحلّ. المحرم غير ممنوع من حلق شعر المحل، وإذا حلق لا شيء عليه, ويه قال مالك وأحمد, وروى ذلك عن مجاهد, وقال أبو حنيفة: لا يجوز له أن يحلقه, فإن حلقه تلزمه صدقة, ولا يلزمه فدية كاملة, وهذا غلط لأنه لم يتعلق بمنبته حرمة الإحرام, فجاز للمحرم حلقه كشعر البهيمة. فرع آخر لو حلق حلال رأس محرم ميت لا فدية, وفيه وجه أخر تلزمه الفدية.

стр. 1517

مسألة: قالَ (١): وليس للمحلّ أن يحلق [٩١/ب] شعر المحرم. الفصل لا يجوز للمحرم أن يحلق شعر المحرم ولا للمحلّ أن يحلق شعر المحرم لقوله تعالى: ﴿ولا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ [البقرة:١٩٦] , والمراد منه أن لا يحلق بنفسه ولا بغيره وانصراف هذا إلى حلقه بغيره أظهر, ولأن العرف جرى بذلك, فإن الإنسان لا يمكنه أن يحلق رأس نفسه إلا نادراً, ولأن حرمة الإحرام تعلقت بهذا الشعر, فلا يجوز حلقه لا لمحرم ولا لمحلّ لا بإذنه ولا بغير إذنه فإن حلقه الحلال نظر فإن كان بأجرة فالفدية على المحلوق رأسه, ولا شيء على الحالق لأنهما, وإن اشتركا في المحظور فقد انفرد المحرم بالترفيه به فليزمه الفدية وحده وقال أبو حنيفة يجب على الحالق أيضاً صدقة, وإن حلقه بغير أمره إلا أنه علم به فسكت ولم يمنعه منه اختلف أصحابنا فيه على طريقين: أحدهما: فيه قولان كما حلقه وهو نائم أو مكره لأن ما طريقه الإتلاف لا فرق بين أن يتلفه بغير علم صاحبه وبين أن يتلفه بعمله, ولكن لم يأذن فيه كما لو أتلف على رجل ثوبه بغير علمه يلزمه الضمان كما لو أتلفه وهو ساكت يلزمه الضمان, ومنهم من قال: يلزم الضمان على المحلوق قولاً واحداً، ويكون سكوته اختياراً منه, وهذا هو الصحيح, لأن شعره لا يخلو إما أن يكون بمنزلة الوديعة عنده أو بمنزلة العارية, وأيهما كان فإذا أتلفه متلف, وهو قادر على منعه, ولم يمنع ضمن. فإن قيل: أليس لو أمر غيره بقتل الصيد فقتله لم يضمن الأمر, وكذلك لو قتله مع عمله, وهو ساكت لا يضمن الساكت, وان قدر على منعه؟ قلنا: لأن الصيد ليس في يده, والشعر في يده, ولو كان الصيد في يده يضمن أيضاً بهذا, وأما إذا حلقه نائماً أو مكرهاً, فالفدية تجب على الحالق دون المحلوق رأسه, قال أصحابنا: ولكن له أن يطالب الحالق بإخراج الفدية لأنه كان في حفظه, ولأنه يتعلق بمصلحة نفسه, وفدية رأسه فكانت [٩٢/أ] له المطالبة به وإن لم يصل إليه فلا شيء عليه, لأنه وجد بغير اختياره كما لو تمعط شعره وهذا هو الصحيح ويه قال أحمد ومالك. وقال بعض أصحابنا: هذا صحيح إلا قوله: للمحلوق مطالبة الحالق بإخراجها" لأن هذا الوجوب على الحالق لحق الله تعالى دون حق المحلوق, فكيف نطالبه بإخراجها؟ قال المزني: فيه قول أخر: تلزم الفدية على المحلوق رأسه, قال المزني: أصبت ذلك في سماعي عليه ثم حط, وهذا أشبه بمعناه عندي. وقال القاضي الطبري رأيت الشافعي ذكره في المناسك الأوسط (٢) في أخر الباب الذي ترجمه ب: "باب ما ليس للمحرم فعله" فقال: افتدى المحرم ورجع بالفدية على الحالق. ولم يخط عليه. وذكره في "البويطى" غير مخطوط عليه, فالمسألة على قولين, قال أبو حامد: وأصل القول أن المحرم مأمور بحفظ شعره وهل يجرى ذلك مجرى حفظ الوديعة, أو مجرى حفظ العارية؟ قولان فإن قلنا: يجرى مجرى حفظ الوديعة, فالفدية

стр. 1518

على الحالق وحده كما لو أتلف الوديعة في يد المودع, وإذا قلنا: يجرى مجرى حفظ العارية يلزمه الضمان على أيّ وجه أتلف, فإن قيل: فينبغي على هذا إذا أتلف شعره بنار أو تمعط شعره ضمن أيضا كالعارية قلنا: العارية مضمونة على المستعير بكل حال إلا إذا كان التلف من الجهة التي ينصرف الضمان إليها, إلا ترى أن صاحبها لو أتلفها, لا ضمان على المستعير لأن الإتلاف حصل من الجهة التي ينصرف الضمان إليها, وههنا ضمان شعر المحرم ينصرف إلى الله تعالى, فإذا حصل الإتلاف من جهته بإحراق شعره وإتلافه لم يجب الضمان, وقال القاضي الطبري: هذا خطأ عندي, وينبغي أن يكون شعره كالوديعة عنده, لأن العارية ما أمسكه لمنفعة نفسه, وههنا منفعته في إزالته. واختلف أصحابنا في ترتيب المذهب, فقال أبو إسحاق في أصل وجوب الفدية قولين [٩٢/ب]: أحدهما: تجب على الحالق دون المحلوق. والثاني: تجب على المحرم ويجع بها على المحل الحالق. وقال ابن أبى هريرة: لا يختلف المذهب أن الوجوب في الأصل على المحل الحالق, فإن كان حاضراً عاد عليه أمره بإخراجها, وإن غاب أو عجز فهل يجب على المحرم إخراجها, قولان وهذا لأنه حصل له الترفيه بحلقة والصحيح ما قال أبو إسحاق, وقال أبو حنيفة تجب على المحلوق وهل يرجع بها على الحالق, قال أكثر أصحابه: لا يرجع, وقال أو حازم: من أصحابه يرجع فإذا قلنا: يرجع على الحالق فقط, فهو كما لو حلق شعر نفسه تلزمه القديمة, فإن عجز فحتى يقدر ولا يعترض عليه إلا أن يكون ممتنعاً من الإخراج مع القدرة فيطالبه على ما ذكرنا, فإن أراد المحرم المحلوق إخراج الفدية عنه لم يجز إلا بإذنه, وإذا أذن فيه جاز له أن يفدى بشاة, أو بطعام, ولا يجوز بالصيام, وإذا قلنا: تجب على المحرم المحلوق، فظاهر المذهب أن له أن يطالب الحالق بإخراجها لأنه السبب في وجوبها عليه, قال أبو حامد: فإن كان قادراً على الفدية بالمال افتدى, ولا يجوز له أن يصوم لأن يؤدى ذلك على وجه التحمل في الصوم, فإن لم يصل إليه لزمه إخراجها, ثم إذا وصل إليه يرجع بها عليه إلا انه يرجع بأقل الشاة أو الإطعام لأنه إذا اختار أكثرهما قيمة كان هو بالزيادة متبرعاً, ولا يرجع بها على غيره وإن صام اختلف أصحابنا فيه, فمنهم من قال: لا يرجع عليه شيء لأنه لا قيمة للصوم في حق الآدمي, ومنهم من قال: يرجع عليه ببدله لأنه افتدى بأحد أنواع الفدية, فيرجع على من أوقعه فيها كما لو ذبح أو أطعم فمن قال بهذا, قال: فيه وجهان: أحدهما: يرجع بأقلّهما قيمة من الإطعام والذبح والثاني: يرجع كل يوم بمدّ من طعام, لأن هذا بدل الصوم في الشرع [٩٣/أ] , والصحيح أنه لا يرجع نشئ. ومن أصحابنا من قال: سواء كان الحالق حاضراً أو غائباً على المحرم إخراجها, ثم يرجع على الحالق على ما ذكرنا والأول أصح. ولو حلق المحرم شعر المحرم فالحكم كما لو حلقه على ما ذكرنا, وقال المزني: الذي خط عليه أشبه يمعناه عندي, لأنه المنتفع

стр. 1519

بحلقه, فعليه الفدية عن نفسه, ثم يرجع على من أوقعه إن وصل إليه. فرع لو أمر حلال حلالاً أن يحلق شعر محرم كانت الفدية على الأمر دون الحالق لأن الحلق منسوب إلى الأمر, والحالق كالآلة ألا ترى أنه لو كان المحرم هو الأمر كانت الفدية عليه دون الحالق, فكذلك إذا كان الأمر أجنبيا, ذكره في "الحاوي" (١). وعندي هذا إذا كان المحلوق نائماً والحالق لا يعرف الحال. فرع آخر إذا وجبت عليه فدية الأذى, فمات قبل الأداء, فقالت الورثة: إن شئت أديت بدل الصيام ثلاثة أمداد لأكون مخيراً بين ثلاثة أشياء, كما كان المورث مخيراً بين ثلاثة أشياء ليس له ذلك, وعليه أن يذبح شاة, أو يطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع, لأن المورث كان مخيراً بين ما ذكرنا, وصوم ثلاثة أيام فإذا عجز أحدهما تعين أحد الشيئين الأخريين كما لو عجز من عليه كفارة اليمين عن الإطعام تعين عليه الإعتاق والكسوة ذكره والدي. فرع آخر لو طارت شرره إلى رأسه فأحرقت شعره, فإن لم يمكنه تطفئة النار فلا شيء عليه كحلال حلق رأسه قهراً، وإن قدر على التطفئة, فهو كما لو حلق رجل رأسه, وهو ساكت مسألة: قالَ (٢): ولا بأس بالكحل ما لم يكن فيه طيب. الكحل ضربان: ضرب فيه طيب, فيحرم على المحرم استعماله, فإن استعمله تلزمه الفدية للطيب لا للكحل, وضرب لا طيب فيه, فإن كانت بالمحرم حاجة إليه كان له أن يكتحل به [٩٣/ب]. وان لم يكن له حاجة, فالأفضل له تركه. قال في "الأم": " والاستحباب للمرأة أشد" هكذا ذكره القاضي الطبري, وقال غيره: إن كان ما يحسن العين, وهو الإثمد, نقل المزني: لا بأس به ونص في الإملاء على أنه يكره, وهو ظاهر قوله في "الأم" (٣)، قال الشافعي: والكحل في المرأة أشد يعنى في الكراهية فإن صح ما نقله المزني, فالمسألة على قولين, وإلا فالمعروف في كتبه أنه مكروه ولا فدية بحال, لأن أكثر ما فيه حصول الزينة, فهو كلبس اللباس الحسن, والاغتسال وليس كالمفسدة, ينهى عن الكحل كما ينهى عن الثياب المشتهرة من المصبوغ وغيره, وروى عن عطاء أنه سئل: أنكتحل فقال: لا نكتحل لأنه زينة, وقال الشافعي في "الأم" (٤): أخبرنا سعيد بن سالم عن ابن جريج أن إنساناً سأله عن كحل الإثمد للمرأة المحرمة, فقال: أكرهه لأنه زينة, وإنما هي أيام تخشع وعبادة, وقال الثوري وأحمد وإسحاق: يكره الإثمد للمحرمة, ولا بأس به للرجل. وروى عن ابن عمر أنه قال: يكتحل المحرم بأي كحل شاء ما لم يكتحل طيباً, وإن كان كحلا

стр. 1520

لا يحسن العين, وهو التوتيا ونحوه لا يكره, فإن اشتكت عينه كان له علاجها بالصبر ونحوه لأنه ليس بطيب, وإن احتاج إلى مداواتها بطيب فعل, وافتدى, وروى عن نبيه بن وهب قال: اشتكت عين عمر بن عبد الله بن معمر وهو محرم, فسأل أبان بن عثمان عن ذلك, فقال: أضمدها بالصبر, فإني سمعت عثمان ﵁ يحدث ذلك عن رسول الله ﷺ (١)، أورده أبو داود, وروى: فأراد أن يكحلها فنهاه أبان بن عثمان ﵁, وقال (٢): هذا أورده مسلم. مسألة: قال (٣): ولا بأس بالاغتسال ودخول الحمام. للمحرم أن يغتسل من غير جنابة, ولا ضرورة, ولا فرق إن يصب على رأسه أو بغوص في الماء حتى يغمر رأسه لما روى أن عبد الله بن عباس والمسور بن مخرمة اختلفنا بالأبواء, فقال ابن عباس: [٩٤/أ] يغسل المحرم رأسه, وقال المسور: لا يغسل, قال عبد الله بن حنين راوي الحديث فأرسلني عبد الله بن العباس إلى أبى أيوب الأنصاري أسأله فوجدته يغتسل بين القرنين, وهو يستتر بثوب قال: فسلمت عليه. فقال: من هذا؟ فقلت: أبا عبد الله أرسلني إليك ابن عباس ليسألك كيف كان رسول الله ﷺ يغسل رأسه، وهو محرم قال: فوضع أبو أيوب يده على الثوب فطاطا حتى بدا لي رأسه ثم قال لإنسان يصبّ عليه الماء: أصيب"، قال: فصب على رأسه ثم حرك رأسه بيديه, فأقبل يهما وأدبر ثم قال: هكذا رأيته يفعل ذلك ﷺ (٤)، وأراد بالقرنين العمودين اللذين تشد فيهما الخشية التي تعلق عليها البكرة. وروى الشافعي بإسناده: أن النبي ﷺ " اغتسل وهو محرم" (٥). وروى عن يعلى بن أمية أن عمر ﵁ أغتسل إلى بعير وهو محرم، وقال: ما يزيد الماء الشعر إلا شعثاً (٦)، وروى عن ابن عباس ﵄ أنه دخل حمام الجحفة, وهو محرم, وقال ما يعبأ الله تعالى بأوساخكم شيئاً (٧)، أي: لا بأس بإزالته, وروى أن قوماً من المحرمين كانوا يتماقلون في الماء وعمر بن الخطاب ﵁ ينظر إليهم (٨)، وقال مالك: إن أزال الوسخ عن نفسه في الحمام تلزمه الفدية, وروى عنه: تلزمه صدقة, واحتج عليه الشافعي, فقال: وليس في الوسخ نسك ولا أمرٌ ولا نهي عنه. وروى أن النبي صلى الله عليه وسلكم قال: "المؤمن نظيف", وروى عن الزبير ﵁ أنه كان

стр. 1521

على صلبه وسخ وهو محرم، فاغتسل وأمر بقلع الوسخ عنه (١)، فإذا تقرر هذا، قال الشافعي ﵁ في "الأم" (٢): إن كان يريد الاغتسال لتبرد أو تنظيف لم يحرك شعره بيده ويدلّك جسده بالماء [٩٤/ب] لينقيه ويذهب بغيره لأن شعر بدنه لا ينتف بالدلك، وإذا غسل رأسه أفرغ الماء عليه إفراغًا، فإن حرك شعره بيده رجوت أن لا يكون عليه فيه ضيف وإن كان يريد غسله من جنابة أن يغسله ببطون أنامل يديه ويشرب الماء عليه إفراغًا، فإن حرك شعره بيده رجوت أن لا يكون عليه فيه ضيق وإن كان يريد غسله من جنابة أن يغسله ببطون أنامل يديه ويشرب الماء أصول شعره ولا يحكه بأظفاره، ويتوفي أن يقطع منه شيئًا فإن حركه تحريكًا خفيفًا أو شديدًا، فخرج في يده من الشعر شيء، فالاحتياط أن يفديه، ولا يجب عليه حتى يستيقن أنه قطعه أو نتفه بفعله لأن الشعر قد ينتف ويتعلق بين الشعر فإن غسل وحك خرج المنتف، وكذلك هذا في لحيته، ومن أصحابنا من ذكر وجهًا أنه تلزمه الفدية، لأنه وجد منه سبب في الظاهر والأصل بقاء الشعر في منبته وإن زال بسبب غسله. وحكي عن مالك أنه كره تغييب الرأس في الماء لأنه يشبه تغطيته بالثياب، وهو غلط لما ذكرنا. وروي عن عمر ﵁ أنه قال لابن عباس ﵄: تعال حتى أباقيك في الماء أيّنا أطول نفسًا وهما محرمان (٣). فرع يجوز أن يغسل رأسه بالسدر والخطمي وبه قال أحمد، وقال أبو حنيفة: لا يجوز ذلك، ولو غسله بالخطمي يلزمه الفدية، واحتج بأن الخطمي تستلذّ رائحته، ويزيل الشعث ويقتل الهوام فتجب به الفدية كالحناء، وهذا غلط لأنه ليس بطيب، ولا يحصل به ترجيل الشعر، فلا يمنع منه المحرم كالاغتسال بالماء. وقولهم: يستلذّ رائحته يبطل بالفواكه ولا تستلذّ رائحته غالبًا، وقولهم: يزيل الشعث باطل بالماء وقتل الهوام به لا يعلم، والأصل غير مسلم. فرع آخر قال في "الأم" (٤): ولا يغسل رأسه بسدر ولا خطمي لأن ذلك يرجله، فإن فعل أحببت أن يفتدي، ولا أوجبه عليهِ وظاهر هذا أنه يكره له ذلك. فرع آخر قال الشافعي (٥) ﵁: [٩٥/أ] لا أكره له دخول الحمام لأنه غسل، والغسل مباح للطهارة والتنظيف، وقال في "القديم": أكره له دخول الحمام لأنه يذهب القشف، وهذا غلط لما ذكرنا. فرع آخر لا بأس للمحرم والمحرمة أن ينظرا في المرآة. وقال في سنن حرملة: يكره لها

стр. 1522

ذلك، وقال عطاء الخراساني: يكره ذلك بكل حال، وقال مالك: يكره إلا لحاجة، وهذا غلط لما روي أن النبي ﷺ كان ينظر في المرآة وهو محرم (١). مسألة: قالَ (٢): ولا بأس أن يقطع العرق ويحتجم ما لم يقطع شعرًا أراد بقطع عرق الافتصاد، وهو مباح كالحجامة. وقال مالك: يمنع المحرم من الحجامة لأنه يقطع شعرًا، وبه قال ابن عمر والحسن، وهذا غلط لما روي أن النبي ﷺ احتجم بلحى جمل وهو محرم في وسط رأسه (٣)، وهذا تنبيه على الفصد وبسط الجرح وقطع السلم من جسده والإحسان، ونحو ذلك، فإن حجّ أقلف أجزأه نصّ عليه، ولو قطع فيما ذكرنا شعرًا يلزمه، وقال محمد: لا شيء عليه إذا حلق موضع الحجامة، وهذا غلط لظاهر الآية التي ذكرناها له أن يغسل ثيابه وثياب غيره. مسألة: قالَ (٤): ولا يُنكح المحرم ولا يَنكح. الفصل الإحرام يمنع النكاح، فلا يجوز للمحرم أن ينكح، ولا للمحرمة أن تتزوج، ولا يجوز للمحرم أن يزوج الغير لا بالولاية ولا بالوكالة، فإن نكح أو أنكح كان باطلًا، وفرق بينهما، فإن كان قبل الدخول بها، فلا شيء عليه، وإن كان بعد الدخول بها، فلها مهر مثلها، وعليها العدة، فإن تحلل من إحرامه قبل انقضاء عدتها، قال الشافعي: كرهت له أن يتزوج بها في هذه العدة لأنها عدة من وطء محرم، فإن تزوج بها كان النكاح صحيحًا لأنها معتدة [٩٥/ب] من مائه. وروي ذلك عن عمر وعلي وابن عمر وزيد بن ثابت وسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار والزهري ومالك والأوزاعي وأحمد وإسحاق ﵃، وقال أبو حنيفة والثوري والحكم: الإحرام لا يمنع النكاح بحال، وروي ذلك عن ابن عباس ﵄، وحكي عن مالك أنه يحرم عليه النكاح، ولكن لو نكح انعقد، فيجبر على المفارقة، ولا يحلّ بذلك للزوج الأول، وهذا غلط لما روي أن عمر بن عبيد الله أرسل إلى أبان بن عثمان بن عفان، وأبان يومئذٍ أمير الحاجّ وهما محرمان إني أردت أن أنكح طلحة بن عمر بن شيبة بن جبير وأردت أن تحضر ذلك، فأنكر ذلك عليه أبان، وقال: سمعتُ عثمان بن عفان يقول: قال رسول الله ﷺ : "لا ينكح المحرم، ولا يُنكح" (٥)، وروى الدارقطني بإسناده عن

стр. 1523

النبي ﷺ قال: "لا يتزوج المحرم، ولا يزوج" (١)، ولأن ما قاله مالك محال، لأنه إن كان النكاح صحيحًا وجب أن تحلّ للزوج الأول، وإن كان فاسدًا، فلا معنى للإخبار على المفارقة والطلاق، واحتج أبو حنيفة بما روى ابن عباس أن النبي ﷺ تزوج ميمونة، وهو محرم، قلنا: قال سعيد بن المسيب: وهم ابن عباس في تزوج ميمونة، وهو محرم (٢)، وروي يزيد بن الأصم عن ميمونة ﵂ أنها قالت: تزوجني رسول الله ﷺ ونحن حلالان بسرف" (٣)، وروت ونحن حلالان بما يقال له سرف وروت: ونحن حلالان بعدما رجعنا، قال الحضرمي: يعني رجعنا من مكة، وميمونة أعلم بشأنها من غيرها وأخبر بحالها، فكان أولى، وقال يزيد بن الأصم: تزوجها، وهو حلال وبني بنها وهو حلال وخطبها وهو حلال بسرف [٩٦/أ] وماتت بسرف، ودفناها في الظلّة التي بنى بها فيها، ويزيد هذا ابن أخت ميمونة وقالت صفية بنت شيبة مثل ذلك، ثم يحتمل أنه ﷺ كان مخصوصًا بذلك. فرع قال الشافعي: يجوز له أن يشهد النكاح وينعقد النكاح بشهادته لأن الشاهد لا صنع له في العقد، وإنما الصنع للولي، والقائل، وقال الإصطخري: لا ينعقد بشهادته النكاح لما رُوي في الخبر أن رسول الله ﷺ قال: "لا ينكح المرحم ولا ينكح ولا يخطب ولا يشهد"، ولأنه ركن في النكاح كالزوج، وهذا غلط لما ذكرناه وهذه من الزيادة في الخبر غير مشهورة، وليس كالزوج، لأنه يتعين فيه فيؤكد حكمه، وله صنع في العقد بخلاف الشاهد. فرع آخر هل يجوز للمحرم الخطبة؟ قال الشافعي: لو توقى المحل أن يخطب محرمة كان أحبّ إلى، فإن خطبها في الإحرام وتزوجها بعد الإحرام صحّ النكاح، وظاهر هذا يدلّ على الكراهة، وكذلك يحرم للمحرم أن يخطب لنفسه ولغيره أيضًا، ولفظ الشافعي: يستحبّ له أن لا يخطب لغيره كما لا يزوج غيره، فإن فعل وعقد الغير بتلك الخطبة، وهو حلال انعقد النكاح وخطبة المحرمة ليست بمحرمة، وإن كرهنا بخلاف خطبة المعتدة، فإنها محرمة والفرق أنها مؤتمنة على قضاء عدّتها، فإذا خطبها لم يأمن أن يكذب في انقضاء عدّتها استعجالًا للنكاح، وليست كذلك المحرمة، فإن قضاء الإحرام بأفعال ظاهرة لا يحتمل فيها الكذب، والاستعجال، فلهذا لا تحرم خطبتها فيه. وقال صاحب "التقريب": فيه وجه آخر تحرم خطبتها في الإحرام حتى لو خطب المحرم امرأة حلالًا له، فرضيت به، يجوز [٩٦/ب] كحلال آخر خطبها، لأن الخطبة

стр. 1524

الأولى لم تقع الموقع، وقد ورد في الخبر، ولا يخطب ولا يخطب عليه، وهذا غلط والخبر محمول على الكراهة. فرع آخر الإحرام الفاسد كالصحيح في تحريم النكاح سواء لأن الفاسد منعقد كالصحيح، وإنما الفساد يمنع من جوازه عن حجّة الإسلام. فرع آخر الأمام إذا أحرم لا يجوز أن يزوّج أحدًا بالولاية الخاصة، وهي الولاية بالنسب أو الولاء أو الملك، وهل له أن يزوج بالولاية العامة فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز لظاهر الخبر، وقياسًا على الولاية الخاصة. والثاني: يجوز للضرورة، ولأن الولاية العامة أوسع تصرفًا بدليل أنه تزوج بها المشركات دون الولاية الخاصة. فرع آخر الحاكم إذا أحرم من أصحابنا من قال: حكمه حكم الإمام ومن أصحابنا من فرق بينه وبين الإمام بأنا لو منعنا الإمام منها لوجب منع خلفائه فيؤدي إلى الضرر بالمسلمين، وفي الحاكم لا يوجد هذا المعنى، وهذا غلط، لأن الإمام إذا منع لا يجب منع خلفائه، لأنهم ليسوا بمنصوبين من قبله وإنما نصبهم لمصالح المسلمين، ولهذا لو مات لا ينعزل الحاكم بموته. فرع آخر لو وكّل محلّ وكيلًا ليزوجه محله فأحرم الموكل ثم قبل له الوكيل النكاح كان باطلًا سواء كان حاضرًا أو غائبًا علم به الوكيل، أولم يعلم لأن المحرم لا يجوز أن يعقد النكاح له، وهذا إذا قامت البيّنة له بذلك، أو تصادق الزوجان على ذلك. فرع آخر لو اختلفا، ولم تكن بينة، فقال الزوج: كان العقد قبل أن أحرمت فالنكاح صحيح، وقالت المرأة: كان بعد الإحرام، فهو باطل، فالقول قول الزوج مع يمينه، لأن [٩٧/أ] الظاهر من العقود الصحّة، وإن قال الزوج: عقد النكاح بعد أن أحرمت، قالت المرأة: قبله، فالنكاح صحيح، فإن قول الزوج مقبول في تحريمها وعدم العقد بينهما، ولكن عليها نصف مهرها المسمّى، لأن الظاهر صحّة النكاح، فلم تقبل دعواه في إسقاط ما عليه في الظاهر. فرع آخر لو قال الزوج: لا أدري عقد النكاح قبل الإحرام أم بعده، كان النكاح صحيحًا لأن العقد قد ظهر، والإحرام طار يجوز أن يكون حدث بعده ويجوز أن يكون قبله، فلا يرجع ما صحّ في الظاهر بالشكّ، ويستحبّ أن لا يقيم على هذا النكاح مخافة أن يكون بعد الإحرام ويبينها بطلقة حتى إن كان العقد فاسدًا لم يضر الطلاق وإن كان صحيحًا تبين فتحلّ للغير.

стр. 1525

فرع آخر لو اختلف الزوجان، فقال الزوج: تزوجت بك وأنت حلالٌ، وأنا كذلك، وقالت المرأة: تزوجت بي، وأنا محرمة، فالقول قول الزوج نص عليه كما لو قالت: أنا أختك من الرضاعة، وأنكر الزوج، كان القول قوله مع يمينه، وكذلك إذا تزوج بأمٍة، فقالت الأمة: ومولاها تزوجت بها، وهي محرمة، وأنكر الزوج، كان القول قوله مع يمينه، لأن النكاح قد صحّ في الظاهر. فرع آخر قال في "الأم": لو وكّل المحرم حلالًا في تزويجه، فالوكالة فاسدة، لأنه لا يجوز له ذلك في حال إحرامه، فإن زوجه الوكيل بعد تحلله من الإحرام صحّ النكاح، لأن الاعتبار بحال العقد لا بحال التوكل، ولأن إذنه قد حصل، فإذا عقد عقدًا بإذنه، يصحّ، فإن قيل: أليس قلتم: لو وكل صبيًا في النكاح، فبلغ وزوج لا يصحّ حين كانت الوكالة فاسدة، فما الفرق، قيل: الفرق أن الصّبي ليس من أهل الإذن والعقد في الجملة بخلاف المحرم [٩٧/ب]. مسألة: قالَ (١): ولا بأس أن يراجع امرأته إذا طلّقها تطليقة. للمحرم أن يرق زوجته ويراجعها سواء طلقها، ثم أحرم، أو أحرم ثم طلّقها. وبه قال جماعة العلماء، وقال إسحاق وأحمد في رواية: لا تجوز رجعته، وهذا غلط، لأن الرجعة تجري مجرى استدامة النكاح، والإحرام لا يمنع من استدامته، ألا ترى أن المولى كما لا يمنع عبده من استدامة النكاح لا يمنعه الرجعة، لأنها عقد لا تفتقر صحّته إلى الشهود، فلا يمنع منه المحرم كالبيع، وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان، وهذا ليس بشيء، فإن قيل: ما الفائدة في تقييده بالطلقة الواحدة عند قوله: ولا بأس أن يراجع، قيل: أراد تعميم الحرّ والعبد في ذلك إذ العبد كالحرّ في الرّجعة بعد الطلقة الواحدة، ولا يشبهه بعد الطلقتين، وكذلك ذكر العدة ليستقيم حدّ الرجعة في الأحرار والعبيد. مسألة: قالَ (٢): ويلبس المحرم المنطقة للنفقة. المحرم يلبس المنطقة ويشدّ الهميان في وسطه احتاج إليه للنفقة أو لم يحتج إليه، ولو جعل في طرفي المنطقة سيورًا، فعقد بعضها إلى بعض لم يضره، نصّ عليه في "الأم" (٣)، وقال بعض أصحابنا: الأولى، تركها لما فيها من الإحاطة بالبدن، وقال مالك: إذا عقدها بشرائحها فهي كالمخيط يلزمه الفدية، وحكي أصحابنا عنه مطلقًا أنه لا يجوز له ذلك، وحكي بعض أصحابه عنه: أنه يجوز نحو مذهبنا، ويجوز أن يشدّ في وسطه حبلًا، أو يحتزم بعمامة. وقال مالك: لا يجوز ذلك من حاجةٍ ماسةٍ، وهذا غلط لما روي عن عمر ﵁، أنه كان يحتزم لإحرامه (٤)، والدليل على ما

стр. 1526

ذكرنا في المنطقة ما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: [٩٨/أ] رخّص للمحرم أن يشدّ المنطقة في وسطه، وإطلاق الرخصة يقتضي رخصة رسول الله ﷺ ، ولم يفرق، وروي عن عائشة ﵂ أنها سئلت عن المحرم يشدّ الهميان على وسطه، قالت: نعم، ويستوثق من النفقة (١) ومثله عن ابن عباس (٢)، ولأنه محتاج إلى ذلك، ولا يستمسك إلا بعقد فجاز له عقده كالمئزر، قال: ويتقلّد السيف ويتكتف بالمصحف لما روي أن النبي ﷺ "صالح مع الكفار عام الحديبية أن يعود إليهم في السنة الثانية معتمرًا ويقيم بمكة ثلاثًا، وأن يدخل، وهو ومن معه إلا وعليهم جلبان السلاح، قال البراء بن عازب راوي الخبر: الجلبان: القراب بما فيه، وإنما سُمي جلبانًا لخفائه، وهذا الشرط، لأنهم لم يأمنوا أن يخفروا الأمان. مسألة: قالَ (٣): ويستظلّ المحرم في المحمل. له أن يستظّل بما لا يباشر رأسه كالخيمة والمحمل والعمارية، ولو أمسك شاشًا فوق رأسه بحيث لا يمارس رأسه، يجوز ولا فدية عليه مثل الخبرن وحكي عن مالك أنه يجوز أن يستظل نازلًا، ولا يجوز أن يستظلّ سائرًا، لأن ذلك الظل منسوب إليه كالعمامة، وتلزمه الفدية بذلك، وعن أحمد روايتان، واحتج بأن محرم ستر رأسه بما يقصد به الترفه كما لو غطّاه، وهذا لما روت أم الحصين، قالت: حججت مع النبي صلى لله عليه وسلم حجّة الوادع، فرأيت أسامة وبلالًا، أحدهما آخذًا بخطام ناقته، والآخر، رافعًا عليه ثوبه يستره من الحر حتى رمى جمرة العقبة (٤)، وروي أن الآخذ بالخطام كان بلالًا والرافع للثوب أسامة، ولأنه تظلّل بما لا يماس رأسه، فأشبه إذا تظلّل بالسقف، وروي جابر في خبر [٩٨/ب] حجّة الوداع "أن النبي صلى الله أمر بقبة من شعر فضربت له فسار رسول الله ﷺ حتى أتى عرفة، فوجد القبة وقد ضربت له بنمرة فنزل بها". فإذا تقرر هذا، فالمستحب للرجل البروز للشمس، وإن كانت امرأة فالسراويل أولى وروي أحمد بن حنبل عن ابن عمر ﵄ أنه رأى رجلًا قد جعل على محمله عمودًا له شعبتان وجعل عليه ثوبًا يستظلّ به، وهو محرم، فقال له ابن عمر: أضح للذي أحرمت له (٥) أي: أبرز للشمس، وقال الرياشي: رأيت أحمد بن المعذل في الموقف في يوم شديد الحرّ، وقد ضحى الشمس، فقلت له: يا أبا الفضل هذا أمر قد اختلف فيه، فلو أخذت بالتوسعة فأنشد يقول: ضَحيتُ لهُ كي أستَظلّ بظلّهِ إذا الظلّ أمسى في القيمة قالصا

стр. 1527

فوا أسفا إن كان سعيك باطلًا ويا حسرتا إن كان حجّك ناقصا وأحمد هذا بصري، مالكي المذهب بعدّ من زهّاد البصرة وعلمائها. بَابُ دُخول مكّة مسألة: قالَ (١): وأحب للمحرم أن يغتسل. يستحبّ للمحرم إذا أراد دخول مكة أن يغتسل بذي طوى، وهو من سواد مكة قريب منها، ولا فرق بين الرجل والمرأة في ذلك لما روى ابن عمر ﵁، قال: لما خرج رسول الله ﷺ من المدينة أحرم من ذي الحليفة، ثم أتى طوى فبات بها، فلما أصبح اغتسل ثم دخل من كداء من أعلى مكّة وخرج من كداء من أسفل" مكة (٢) [٩٩/أ]، وروي نافع عن ابن عمر: أنه إذا كان خرج حاجًّا أو معتمرًا بات بذي طوى حتى يصبح ويغتسل، ثم يدخل مكّة نهارًا، ويذكر أن النبي ﷺ (٣) فعله وقال في "الأوسط" (٤): أحبُّ للمحرم إذا أراد دُخول مكة أن يغتسل في طرفها وأراد ما ذكرنا، وهذا لأنه موضع جمع وزينةٍ، فالمستحبّ أن يكون على أكمل أحواله من التنظيف والغسل، ولا يجب ذلك لأنه غسل لأمرٍ مستقبلٍ، وهو دخول مكة فأشبه غسل العيدين، ويستحبُّ ذلك للحائض، والنفساء كما يستحب للطاهرة والصغير والكبير لحديث أسماء وعائشة ﵄ حين حاضت، وقال ﵇ لعائشة ﵂ حين حاضت: "افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت"، ويختار للغسل ذو طوى لأن النبي ﷺ اغتسل مسألة: قالَ (٥): ويدخل من ثنية كداء. المستحبّ أن يدخل مكة من ثنية كداء من أعلى مكّة ويخرج من ثنية كداء من أسفل مكة والأعلى عند طريق منى، والأسفل عند طريق العمرة "لما روت عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان إذا دخل مكة من أعلاها، ويخرج من أسفلها" (٦)، وروي عنها أنها قالت: دخل رسول الله ﷺ عام الفتح من كداء أعلى مكّة ودخل في العمرة من كداء (٧). وكداء ممدود وكداء ثنيتان، ثم النزول بذي طوى والدخول من ثنية كداء لمن جاء من طريق المدينة، فأمّا من سائر الأقطار يحتاج إلى أن يدور حول مكة حتى يدخل من هذا الطريق ويشقّ عليه ذلك، فلا يستحب ذلك وبمثله [٩٩/ب] يستحبّ لجميعهم الدخول في المسجد من باب بني شيبة، والفرق من وجهين: أحدهما: أن ذلك القدر لا يشقّ، وهو أن يدور حول بعض المسجد إلى أن يصل إلى باب بني شيبة وهناك يشقّ.

стр. 1528

والثاني: أن ثنية كداء كان على طريق رسول الله ﷺ فدخوله منه كان اتفاقًا لا قصدًا، وباب بني شيبة لم يكن على سمت دخوله فإن الداخل من طريق المدينة أول ما يصل يصل إلى باب إبراهيم، فدل أن الفصل في باب بني شيبة أشد حيث تكلّف النبي ﷺ ذكره الفقال. فرع لا فرق بين الليل والنهر، فإن شاء دخل ليلًا، وإن شاء دخل نهارًا، ولا فرق لأن النبي ﷺ دخلها ليلًا حين اعتمر من الجعرانة ودخلها في عمرة القضاء، وعام الفتح نهارًا، وقال جابر: دخل رسول الله ﷺ مكة حين ارتفعت الضحى، وقال أبو إسحاق: دخولها نهارًا أولى. وبه قال ابن عمر والنخعي وإسحاق، وقالت عائشة وعمر بن عبد العزيز وسعيد بن جبير: دخولها ليلًا أولى. فرع آخر لا فرق بين أن يدخلها راكبًا أو ماشيًا أو حافيًا في الإباحة والمشي أفضل، وقال بعض العلماء: المستحبّ أن يَدخلها راكبًا، لأن النبي ﷺ راكبًا. وقال بعضهم: المستحبّ أن يدخلها ماشيًا حافيًا لقوله تعالى لموسى ﵇: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إنَّكَ بِالْوَادِ المُقَدَّسِ طُوًى﴾ [طه: ١٢]، وقال النبي ﷺ : "لقد حجّ هذا البيت سبعون نبيًا كلهم خلعوا نعالهم من ذي طوى تعظيمًا للحرم" (١)، قال أصحابنا: ويستحبّ أن يدخلها بخشوع قلب وخضوع جسد داعيًا بالمعونة والتيسير [١٠٠/أ]، ومكّة وبكّة واحدة، وقيل مكّة الحرم كله وبكّة اسم البيت، وقيل: مكة الحرم وبكة المسجد كله. مسألة: قالّ (٢) وإذا رأى البيت. الفصل إذا دخل مكة يبدأ بالقصد نحو البيت لا يشتغل بشيء آخر. وقال إذ رأى البيت: اللهم زد هذا البيت تشريفًا وتعظيمًا وتكريمًا ومهابة وزد في شرفه وعظمة ممن حجّة أو اعتمر تشريفًا وتعظيمًا وتكريمًا وبرًا لما روي أن النبي ﷺ كان إذا رأى البيت قال ذلك (٣)، ونقل المزني: لمن عظم البيت تكريمًا ومهابةً كما ذكر البيت، وهو غلط، ولفظ الشافعي في "الأم": وبرًا على ما ذكرنا، وهذا لفظ الخبر، وهو الأليق لأن المهابة للبيت لا لمن عظمه والبر به أليق، وقيل: ما ذكر المزني مروي عن الرسول ﷺ مرسلًا، رواه ابن جريج، وهذا الدعاء لما روي أبو أمامة أن النبي ﷺ قال: "تفتح أبواب السماء وتستجاب دعوة المسلمين عند رؤية الكعبة". قال الشافعي (٤): ونقول بعد هذا الدعاء: اللهم أنت السلام ومنك السلام فحينا ربنا

стр. 1529

بالسلام، وهذا لما روي أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يقول ذلك (١)، وروي مثله عن سعيد بن المسيب (٢) ويليق بهذا المكان، وقوله: أنت السلام اسم من أسماء الله تعالى، ومنك السلام يعني من الآفات، فحينا ربنا بالسلام، يعني أجعل تحيتنا في وفودنا عليك السلام من الآفات. وقال سعيد بن المسيب: سمعت عمر يقول كلمة ما سمعها منه غيري، سمعته يقول هذا حين رأى البيت، وروي ابن جريج [١٠٠/ب] عن بعض السلف أنه كان إذا رأى البيت يقول: اللهم إنا نحلّ عقدة ونشدّ أخرى ونهبط واديًا ونعلو آخر حتى آتيناك غير محجوب أنت أعنا إليك خرجنا - وقيل حججنا - فارحم ملقى رحلنا بفناء بيتك، قال الشافعي: وأحبّ أن يقول هذا ذكره القفال ويستحب أن يرفع يديه إذا رأى البيت، ثم يقول هذا الدعاء، نصّ عليه في "الجامع الكبير"، وذكره القاضي أبو حامد في "جامعه". وقال في "الإملاء": ليس في رفع اليدين شيء أكرهه ولا أستحبه ولكنه حسن للخبر في ذلك، والمراد بالخبر ما روى ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "ترفع الأيدي في سبعة مواطن: افتتاح الصلاة، واستقبال البيت وعلى الصفا والمروة، والموقفين، والجمرتين" (٣). وروى ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "ترفع الأيدي في استقبال البيت" (٤). وروي عن ابن عمر أنه كان يرفع اليد عند رؤية البيت، ومثله عن مالك أنه كان لا يرى ذلك، واحتجّ بما روي عن المهاجر المكّي قال: سئل جابر ﵁ عن الرجل يرى البيت يرفع يديه، فقال: ما كنت أرى أحدًا يفعل هذا إلا اليهود، وقد حججنا مع رسول الله ﷺ فلم يكن يفعله" (٥)، وهذا غلط لما ذكرنا، لأنه زائد ومثبت وهو أولى، وقد قيل المهاجر المكي مجهول، وأما التكبير عند رؤية البيت لا يعرف للشافعي أصلًا، وقال بعض أصحابنا: إذا رآه كبّر وليس بشيء. مسألة: قالَ (٦): ويبتدئ الطواف باستلام الحجر. إذا دخل مكة يدخل المسجد ولا يعرج على شيء غير الطواف بالبيت، ويؤخر تغيير ثيابه واكتراء منزل [١٠١/أ] ينزلهُ حتى يفرغ من الطواف لأنه تحية البيت فيبدأ به كما يبدأ إذا دخل المسجد بركعتين تحية، وهذا لأن البيت أفضل من سائر المساجد، فكانت تحيته أفضل من تحية سائر المساجد، والطواف أفضل من الصلاة،

стр. 1530

قال النبي ﷺ : "ينزل الله تعالى على هذا البيت عشرين ومائة رحمة، ستون منها للطائفتين وأربعون للمصلين، وعشرون للناظرين" (١). وروى أبو هريرة بأن النبي ﷺ قال: "أكرم سكان أهل السماء الذين يطوفون حول عرشه، وأكرم سكان أهل الأرض الذين يطوفون حول بيته" وروي أن رسول الله ﷺ قال: "من طاف بهذا البيت أسبوعًا فأحصاه كان كعتق رقبته" (٢). وقال أيضًا: "لا يرفع قدمًا، ولا يضع أخرى إلا حطّ الله عنه بها خطيئة، وكتب له بها حسنة"، وروي ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "من طاف بالبيت خمسين مرة خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه" (٣). وروي جابر: "أن النبي ﷺ دخل مكة عند ارتفاع الضحى، فأناخ راحلته عند باب بني شيبة ودخل المسجد، فاستلم الحجر، ثم طاف" ويسمى هذا الطواف طواف القدوم، وطواف الورود، وطواف التحية. فإن قيل: فهلا قلتم: إنه يركع ركعتين تحية لدخول المسجد؟ قلنا: لأن المقصود من دخول هذا المسجد الكعبة، فأمرنا بالطواف الذي هو تحية الكعبة، فإن قيل: إذا طاف ينبغي أن يركع ركعتين تحية المسجد؟ قلنا: إذا فرغ من الطواف ركع خلف المقام ركعتين وتسقط تحية المسجد بها ألا ترى أنه إذا دخل المسجد والإمام في المكتوبة يصلى المكتوبة معه وتسقط تحية المسجد؟ ولأن المقصود من تحية المسجد ألا يدخل المسجد لاهيًا، [١٠١/ب] فإذا طاف فقد زال هذا المعنى، فإذا تقررّ هذا، فاعلم أنه لا يختص هذا الحكم بالحاج بل هول يستحب لكلّ من دخل مكّة، وإن كان تاجرًا، ويستحبّ أن يدخل من باب بني شيبة لما روى عطاء أن النبي ﷺ دخل من باب بني شيبة، وخرج من باب نبي مخزوم (٤)، ولو دخل والإمام في الفريضة. قال الشافعي (٥): يبدأ بالصلاة لأن الجماعة في المكتوبة سنة مؤكدة وفي بدايته بالطواف فوات الجماعة، وليس في بدايته بالجماعة فوات الطواف، فكان الأولى البداية بالصلاة، قال (٦): وإن دخل، وقد تقاربت إقامة الصلاة، بدأ بالصلاة، فإن بدأ بالطواف ثم أقيمت الصلاة، قطع الطواف وصلى ثم بني على طوافه وأتمه ويختار أن يقطعه على وتر فإن قطعه على شفع جاز ويخرج من الطوفة عند الحجر الأسود ليكون قد أكملها. وروي عن ابن عمر أنه كان يطوف، فإذا أقيمت الصلاة صلى مع الإمام ثم بني على طوافه، وإن دخل، وقد ضاق وقت المكتوبة بدأ بها لأن إخراج المكتوبة عن وقتها لا يجوز وهكذا إذا خاف فوت الوتر بطلوع الفجر بدأ بالوتر، وكذلك إذا خاف فوت ركعتي الفجر بدأ بهما لأنهما نافلتان مؤكدتان، وقد قال الشافعي: ومن تركها كان

стр. 1531

أسوأ حالًا ممن ترك جميع النوافل فيبدأ بهما لقوتهما، وفضّل تأكدهما وكل موضع، قلنا: يبدأ بالصلاة، فإذا فرع منها طاف، فإن قيل: هلا أسقطتم الطواف كما إذا دخل المسجد، والإمام في المكتوبة فصلاها معه سقطت ركعتا التحية؟ قيل: لأن الصلاة والطواف جنسان مختلفان، فلم يتداخلا وركعتي التحية والصلاة المكتوبة جنس واحد فيتداخلان، ثم قال في "الأم" (١): ولا فرق بين الرجال والنساء في ذلك إلا امرأة لها [١٠٢/أ] شباب ومنظر، فأحبّ لها أن تؤخر الطواف حتى الليل ليستر الليل منها وهذا الطواف غير واجب، فإن تركه لا شيء عليه. وقال أبو ثور هو نسك ويجب بتركه دم، وقال مالك: إن تركه مرهقًا مستعجلًا فلا شيء عليه وإن تركه مطيقًا يلزمه دم، وهذا غلط، لأنه لا يلزمه إعادته، فلا يكون نسكًا وإنما هو تحية على ما ذكرنا، فلا يجب الدم بتركه. فرع إذا أراد الطواف يستحبّ أن يبتدئ من الركن الذي فيه الحجر الأسود ثم يصنع خمسة أشياء أن يحاذيه ببدنه، والثاني أن يستلمه بيده، والثالث أن يقبّل بفيه، والرابع، أن يسجد عليه إن أمكنه، والخامس، أن يقول عند استلامه: بسم الله، والله أكبر إيمانًا بك، أي: أطوف إيمانًا بك وأراد بالتصديق بكتابه قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ العَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، وأراد بالعهد قوله تعالى: ﴿ومَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إبْرَاهِيمَ إلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠]، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣]، فإتباع ملّة إبراهيم من عهد الله تعالى إلينا ويريد بإتباع سنّة النبي محمد ﷺ أنه قد ثبت عنه أنه طاف بالبيت، كما بينا، وإنّما يستحبّ ذلك لما روى عبد الله بن السائب ذلك عن النبي ﷺ ، وقيل: كلها هيئة لا محاذاة الحجر الأسود. ورُوي أن عمر ﵁ جاء إلى الحجر الأسود، فقبّله، ثم سجد عليه، ثم قال: لولا أني رأيت رسول الله ﷺ فعله ما فعلته (٢). فرع آخر البداية بالحجر عند الطواف لشرفه. وروي جابر أن النبيّ ﷺ بدأ بالحجر فاستلمه، وفاضت عينه من البكاء (٣). وروي نحو ذلك عن ابن عمر ﵄ (٤). وروي ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ [١٠٢/ب] قال: "الحجر الأسود من الجنة، وهو أشد بياضًا من اللبن فسودته خطايا بني آدم" (٥). روي عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ قال: "إن الركن والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة طمس الله نورهما ولو لم يطمس

стр. 1532

نورهما لأضاءتا بين المشرق والمغرب" (١). وروي ابن عباس أن النبي ﷺ قال في الحجر: "والله ليبعثنه الله يوم القيامة له عينان يبصر بهما ولسان ينطق به، يشهد على من استلمه بحق" (٢)، واعلم أن متابعة السنّة واجبة ولو لم يوقف على علّتها، وقد فضل الله تعالى بعض الأحجار على بعض كما فضّل بعض البقاع والبلدان والأيام على بعض. فرع آخر الاستلام افتعال في التقدير مأخوذ من السلام، وهي الحجر، فالسلام الحجارة السود والبصرة الحجارة البيض وبها سميت البصرة لما في أرضها من عروق الحجارة البيض، فقوله: استلم، أي: مسّ السلم، وقيل: إنه مأخوذ من السّلم أي إنه يحي نفسه عن الحجر، فإن الحجر لا يحييه كما يقال: اختدم إذا لم يكن له خادم فخدم بنفسه، وقيل: مأخوذ من السلم كأنه يسلّم عليه ويحييه به، والكمال في الاستحباب أن يستقبل الحجر فيضمه إلى الصدر مع تقبيله، وقد روى جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: الحجر يمين الله في الأرض يصافح به عباده" (٣)، والمعنى أن من صافحه في الأرض كان له عند الله عهد، فكان كالعهد تعقده الملوك بالمصافحة لمن يريد موالاته، وكما يصفق على أيدي الملوك للبيعة، وكذلك تقبيل اليد من الخدم للسادة والكبراء، فهذا كالتمثيل بذلك والتشبيه به. فرع آخر قال الشافعي: يقبل الحجر بلا تصويت ولا تطنين. هكذا السّنة فيه، وقال مالك: يكره [١٠٣/أ] ذلك، بل يستلمه ثم يقبل يده وهذا غلط لما روى ابن عباس أن عمر ﵁ مال على الحجر، قال: أما أني لأعلم أنك حجر لا تضرّ ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك لما قبّلتك. وقرأ: "لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ" [الأحزاب:٢١]. وروي أنه لما قال هذا قال له أبي بن كعب: أما سمعت رسول الله يقول: "إن الحجر الأسود يأتي يوم القيامة، وله لسان ذلق يشهد لمن قبَله واستلمه"، قال: نعم، قال: وبهذا منفعته. فرع آخر قال: لو لم يتمكن من التقبيل استلم، وقبل اليد، فإن لم يتمكن من الاستلام والتقبيل. قال الشافعي: أشار ولا يشير إلى القبلة بالفم لما روي عن طارق، قال: رأيت رسول الله ﷺ يطوف حول البيت، فإذا ازدحم الناس على الطواف استلمه رسول الله ﷺ بمحجن بيده"، وقال في الحاوي (٤): إذا ازدحم الناس أومأ بيده، ثم يقبلها.

стр. 1533

وروى ابن عباس أن النبي ﷺ طاف في حجّة الوداع يستلم الركن بمحجن" (١) المحجن: عود معقف الرأس يكون مع الراكب يحرّك به راحلته، ومعنى طوافه على البعير ليراه الناس، ويشاهدوه فيسألونه عن أمر دينهم، ويأخذوا عنه مناسكهم، فاحتاج إلى أن يشرف عليهم. وقد روي هذا المعنى عن جابر (٢)، أدرجه في الخبر، وروي: أشار إليه بشيء في يده وكبّر وقبّله. فرع آخر الزحام عليه مكروه، وقالت طائفة من العلماء الزحام عليه أفضل لأن سالم بن عبد الله، قال: كنا نزاحم عبد الله بن عمر على الركن، وكان عبد الله لو زاحم الإبل لزحمها، وقال طلحة بن يحيي بن طلحة: سألت القاسم بن محمد عن استلام الركن، فقال: استلمه يا ابن أخي وزاحم عليه، فإني رأيت ابن عمر [١٠٣/ب] يزاحم عليه حتى يُلقى، وقيل لابن عمر: إنك تزاحم على الركنين زحامًا، فقال: لأني سمعتُ رسوله الله ﷺ يقول: "إن مسحهما كفّارة للخطايا" (٣) وهذا غلط لما روي عن عمر ﵁، قال: قال لي رسول الله ﷺ : "إنك رجل قوي تؤذي الضعيف، فإذا أردت أن تستلم الحجر، فإن كان خاليًا، فاستلمه وإلا فاستقبله وكّبر" (٤)، وقال ابن عباس ﵄: لا تزاحم على الحجر لا تؤذي ولا تؤذي لودَدت أن الذي يزاحم على الحجر نجا منه كفافًا. فرع آخر إذا أرادت المرأة تقبيل الحجر، فعلت ذلك في الليل عند خلو الطواف وليس لها ذلك عند زحمة الناس. فرع آخر الكمال أن يستقبل الحجر بكل جزء من بدنه، وهو أن يأتي البيت، ويجعل الحجر عن يمين نفسه، ثم يمرّ به مستقبلًا له، فإذا جاوزه صار البيت عن يساره، فأما الإجزأ فأن يحاذي بكل بدنه كل الحجر، أو بكلّ بدنه بعض الحجر إن أمكن كما لو استقبل بجميع بدنه بعض البيت في الصلاة يجوز ولو حاذى ببعض بدنه كل الحجر، أو بعض الحجر فيه قولان. قال في "القديم": يجزئه لأن محاذاته بجميع بدنه، ومعرفة ذلك مما يشقّ فسومح له فيه، ولأنه حكم يتعلق بالبدن، فاستوي فيه حكم جميع البدن وبعضه كالحد، وقال في

стр. 1534

"الأم" (١): لا يجزئه، لأن الطواف بجميع البدن، فإذا حاذاه ببعض بدنه، فلم يبدأ بالطواف من عند الحجر بجميع بدنه، فعلى هذا إذا طاف سبعًا لم يحتسب بالسبع الأول، واحتسب بما بعده لأنه إذا دار فقد حاذي الحجر بجميع بدنه من غير شكّ، وهذا أصحّ لأن ما لزمه استقباله لزمه بجميع بدنه كالقبلة. فرع آخر يستحبّ له أن يكبّر عند محاذاة الحجر كل مرة، لما روي ابن عمر أن النبي ﷺ [١٠٤/أ] طاف على بعير كلما أتى على الركن أشار إليه بشيء في يده، وكبّر (٢)، وقال في "الأم" (٣): أحب أن يقول كلّما حاذى الركن: الله أكبر، ولا إله إلا الله. فرع آخر قال أصحابنا: يستحبّ أن يقبّله ويسجد عليه، ثم يقبّله ويسجد عليه ثلاثًا ويمسح وجهه بيديه، وقد قال الشافعي في "الأم" (٤): جاء ابن عباس يوم التروية مسبدًا رأسه، فقبّل الركن، ثم سجد عليه ثلاث مرات (٥)، وأنا أحب إذا أمكنني ما صنع ابن عباس من السجود على الركن لأنه يقبّله، وزيادة سجود لله تعالى، قال أبو عبيد: التسبيد ترك التدهين والغسل. مسألة: قالَ (٦): ويستلم اليماني بيده ويقبّلها ولا يقبّله. أراد باليماني الركن الأسفل عن يمين البيت، فإن الحجر في الركن الأعلى عن يمين البيت نحو اليمين فيستحب استلامه بيده، ويقبل يده ولا يقبله بخلاف الركن الأسود، لأنه أشرف لأن ابتداء الطواف منه والحجر الأسود فيه، وقال أبو حنيفة: لا يستلمه أصلًا، وقال مالك: يستلمه ويضع يده على فيه، ولا يقبل يده، وهذا غلط لما روي عن أبي الطفيل، قال: رأيت رسول الله ﷺ يستلم الركن اليماني بمحجنه ثم يقبّله (٧). قال أصحابنا: لما استلمه بمحجنه قبّل المحجن، فمن استلمه بيده قبّل يده. وروي ابن عمر أن النبي ﷺ كان يستلم الركن اليماني والحجر الأسود في كل طوفة، ولا يستلم الركنين اللذين يليان الحجر (٨)، وقال ابن عمر: ما أراه لم يستلم الركنين اللذين يليان الحجر إلا أن البيت لم يبنَ على قواعد إبراهيم ﵇ (٩)، وروي عن جابر وأبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵃ كانوا يستلمون الركن اليماني ويقبلون أيديهم، وقال بعض أصحابنا بخراسان: [١٠٤/ب] فيه وجهان: أحدهما: يقبّل يده أولًا ثم يضعها على الركن، فكأنه ينقل القُبلة إليه.

стр. 1535

والثاني: يضعها على الركن ثم يقبّلها كأنه ينقل بركته إلى نفسه، وهذا غريب. وقال الشافعي (١): لم أعلم. روي عن النبي ﷺ قبّل الحجر الأسود، وروي الخرقي (٢) عن أحمد أنه يقبّله، وهو غلط لما ذكرنا، وقال أبو حامد: إن كانت للبيت أربعة أركان، الركن الأسود ويسمى أسود لأن الحجر الأسود فيه، والركن الثاني والثالث يليان الحرج، والميزاب بينهما نصب إلى الحجر، وهما الشاميان، والرابع اليماني، ومن الناس من قال: الثاني العراقي، والثالث الشامي، وليس كذلك، بل هما الشاميان، هكذا سماهما في "الأم"، لأن الميزاب إلى الشام، وليس كذلك، بل هما الشاميان، هكذا سماهما في "الأم"، لأن الميزاب إلى الشام، وقبلة المدينة إلى الميزاب، والمدينة بين مكة والشام، وباب البيت بين الأسود والثاني، وهو إلى الأسود أقرب والملتزم بين الحجر والباب فالأول قبلة خراسان، وباب البيت قبلة العراق، واللذان يليان الحجر قبلة الشام، واليماني قبلة اليمن. فرع لا يستلم الركن العراقي ولا الشامي، أو الشاميين، وهما الركنان اللذان بينهما الحجر. وبه قال جماعة العلماء لما ذكرنا من خبر ابن عمر، وقال أبو الطفيل كنت مع ابن عباس ومعاوية، فكان معاوية لا يمرّ بركن إلا استلمه، فقال له ابن عباس: إن النبي ﷺ لم يكن يستلم إلّا الحجر الأسود، والركن اليماني، فقال معاوية: ليس في البيت شيء مهجور (٣). وأجاب الشافعي (٤) بأن من طاف بالبيت فما هجره لأن ما بين الركنين لا يستلم، وليس بهجران، وروي عن جابر أنه كان يستلم الأركان كلها. وقد قال ابن عباس: لم يستلم [١٠٥/أ] رسول الله ﷺ غير الركنين اليمانيين (٥)، فالصحيح هذا، والفرق ما قال ابن عمر ﵄: أن الركنين اليمانيين على قواعد إبراهيم ﵇ بخلاف الركنين الآخرين، فكانت لهما فضيلة على غيرهما. فرع آخر يستحب أن يكبَر عند الركن اليماني، ويدعو. وروي ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "على الركن اليماني ملكان موكلان يؤمنان على دعاء من يمرّ به وعلى الأسود ما لا يحصي" (٦). ويختار أن يكون من دعائه ما روى سعيد بن المسيب أن النبي ﷺ كان إذا مرّ بالركن اليماني يقول: اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر والذلّ وفي مواقف الخزي في الدنيا والآخرة، ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، فقال رجل: يا رسول الله أقول هذا وإن كنت مسرعًا؟ قال: "نعم"،

стр. 1536

وإن كنت أسرع من برق الخلب" (١). فرع آخر يستحب أن يدعو بين الحجر والركن اليماني، وروي الحسن أن رسول الله ﷺ قال: "ما بين الركن اليماني والركن الأسود روضة من رياض الجنة"، ويكون من دعائه ما روى عبد الله بن السائب، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "بين الحجر والركن، ربنا آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار" (٢). وقال ابن عباس عند الركن اليماني ملك قائم يقول: آمين، آمين، فإذا مررتم به، فقولوا: ربنا آتنا ...... إلى آخره. فرع آخر كل ركن، قلنا: يستلمه، فالمستحبّ في كل طوفة لما ذكرنا من خبر ابن عمر، فإن لم يمكنه، ففي كل وترٍ، قال في "الأم" (٣): وأحب الاستلام في كل وترٍ أكثر مما أستحبّه في كل شفع، وروي عن مجاهد أنه كان [١٠٥/ب] لا يكاد يدع استلام الركن والحجر في كل وتر. فرع آخر قال (٤): وأحب استلامه ما لم يؤذ غيره بالزحام أو يؤذه غيره إلا في ابتداء الطواف، فاستحبّ له الاستلام وإن كان بالزحام، ثم اعلم أن الشافعي قال بعد هذا: وأنه أي وأن النبي ﷺ لم يعرج على شيء دون الطواف، أي: لم يشتغل إلا بالطواف. ثم أوضح الشافعي ذلك، فقال (٥): ولا يبتدئ بشيء غير الطواف إلا أن يجد الإمام في مكتوبة وقد ذكرنا ذلك، ثم قال: ويقول عند ابتداء الطواف والاستلام: بسم الله، والله أكبر. وقد ذكرنا ذلك. مسألة: قالّ (٦) ويضطبع للطواف. الفصل المستحب أن يضطبع للطواف قبل أن يبتدئ الطواف حتى يكون في جميع طوافه مضطبعًا. والاضطباع: هيئة فيه، وهو أن يشتمل بردائه على منكبه الأيمن، ويكون منكبه الأيمن بارزًا مكشوفًا. قال الشافعي: حتى يكمل سعيه، وفي بعض النسخ "حتى يكمل سبعة"، فمعنى الأول أن يستديم الاضطباع إلى أن يفرغ بعد الطواف من السعي بين الصفا والمروة، ومعنى الثاني، أنه يستديم الاضطباع إلى أن يفرغ من أشواط الطواف، وهي سبعة.

стр. 1537

والأول أصح، وهو المراد، فعلى هذا إذا فرغ من الطواف ترك الاضطباع، وغطى منكبيه حتى يصلي ركعتي الطواف، فإنه يكره أن يكون في الصلاة مضطبعًا، فإذا استلم كشف منكبه الأيمن، واضبطع للسعي، ففي اللفظ إضمار، وهو إلاّ في حالة ركعتي الطواف ويستديم ذلك إلى أن يفرغ من السعي بين الصفا والمروة، واشتقّ الاضطباع من الضبع، وهو عضد الإنسان، وأصله: اضتبع، [١٠٦/أ] افتعل من، فقلبت التاء طاء، فقيل: اضطبع. وقال مالك: لا يسنّ الاضطباع وهذا غلط لما روي عن يعلي بن أميّة، قال: طاف رسول الله ﷺ بالبيت مضطبعًا، وعليه برد أخضر" (١). وروي ابن عباس قال: لما أراد رسول الله ﷺ أن يطوف جلست قريش في الحجر لينظروا إليه، فاضطبع وطاف، وقد قال في "المختصر" (٢) لأن النبي ﷺ اضطبع حين طاف، ثم عمر ولم يرد الشافعي بتخصيصه عمر ﵁ الذكر أن غيره من الخلفاء لم يضطبع، ولكنه بين سبب الاضطباع حين اضطبع وذلك أن عمر ﵁ لما حجّ اضطبع للطواف، ثم قال: فيم الرملان والكشف عن المناكب، وقد أضاء الإسلام ونفي الشرك، ولكني لا أدع شيئًا. رأيت رسول الله ﷺ يفعله (٣) هكذا ذكره أصحابنا، وقد أضاء الله الإسلام وهذا مُصحّف، وإنما هو وقد أطأ الله الإسلام، وهذا في الأصل وطأ الله، أي: أثبته وأرساه، ولكن الواو قد تبدل الفاء، ويريد بالرملان، الرمل في الطواف والسعي ويريد بالكشف عن المناكب للاضطباع. وروي ابن عمر ﵄ قال: كنا نفعل ذلك، نرائي المشركين، فاليوم من نرائي، ولكن لا ندع شيئًا رأينا رسول الله ﷺ يفعله، ومعنى مراءاتهم المشركين من نرائي، ولكن لا ندع شيئًا رأينا رسول الله ﷺ يفعله، ومعنى مراءاتهم المشركين بالاضطباع والرمل هو ما روي أن النبي ﷺ لما اعتمر سنة سبع عمرة القضاء. كان المشركون قد خلوا له مكة وصعدوا حراء ينظرون إلى المسلمين. وكان المسلمون إذ ذاك قد أصابتهم سنة قد ضعفوا فيها واصفرّت ألوانهم وأنهكت أجسادهم، فلما رآهم على تلك الهيئة توامروا فيما بينهم، فقالوا: [١٠٦/ب] قد وهنتم حمى يثرب فبنا أن نحمل عليهم فنستأصلهم، فنزل جبريل ﵇ في الحال، وأخبر النبي ﷺ بما توامر به المشركون على الجبل، فأمر النبي ﷺ أصحابه بلاضطباع والرمل، فلما رأي المشركون ذلك، قالوا: إن فيهم بعد بقية أو قوة، فنقضوا ما توامروا به. وروي أنهم قالوا: هم أجلد منّا (٤). وحكي عن أحمد قال: لا يضطبع للسعي بين الصفا والمروة لأنه لم ينقل، وهذا غلط لأنه في معنى الطواف. بدليل ما روي عن ابن عباس ﵄، قال: إنما سعى رسول الله ﷺ بالبيت وبين الصفا والمروة ليرى المشركين قوته. ثم قال الشافعي (٥) في "المختصر" والاستلام في كل وتر أحب إلى منه في كل

стр. 1538

شفع، وقد ذكرنا هذا، وهذا لأن الوتر في السبعة أكثر من الشفع، ولأن الوتر يمتاز بالفضل في كثير من المواضع عن الشفع. وقد قال ﷺ : "إن الله وتر يحب كل وتر" (١)، واعلم أن ههنا إشكالًا وهو أن ظاهر هذا اللفظ يدلّ على أن الاستلام يفعل في بعض الأشواط دون بعض، وليس كذلك، بل يستحبّ ذلك في كل شوط مع القدرة، والمزني ذكر هذا في حال العجز، وأعرض عن بيان حال القدرة، فإن استلم في وتر، ثم تمكن في الشفع، فيستحبّ أن يستلم كما استلم في الوتر. مسألة: قالَ (٢): ويرمل ثلاثًا. الرمل: هيئة في الطواف كالاضطباع، وهو سرعة المشي مع تقارب الخطى. قال الشافعي (٣): الرمل، هو الخبب لا شدة السعي، ولا أحب أن يثب من الأرض وثوبًا، ويرمل في ثلاثة أطواف ويمشي في الأربعة الباقية، وإذا رمل في الثلاثة لا يفصل بنيها بوقوف [١٠٧/أ]، إلَّا أن يقف عند استلام الركنين ثم يمضي خببًا، والرمل في الثلاثة، الأولى والمشي في الأربعة الأخيرة. هكذا فعله رسول الله ﷺ ثم أوضح الشافعي ذلك، فقال (٤): ويتبدئ الطواف من الحجر الأسود فيرمل ثلاثًا، لأن النبي ﷺ رمل من الحجر الأسود حتى انتهى إليه، قلنا: أي رمل ثلاثًا من الحجر إلى الحجر، على ما روي جابر (٥) خلاف ما حكي عن ابن عباس أن النبي ﷺ لم يرمل فيما الركن اليماني والحجر الأسود إذ البيت كان يسترهم عن رؤية المشركين على الجبل إياهم. والمروي أنه إنما مشى في الأربع الأخيرة، وترك فيها الرمل إبقاء على أصحابه. وذكر بعض أصحابنا بخراسان: ما قال ابن عباس، وذهب إليه، وهو غير صحيح، وروى ابن عباس أن النبي ﷺ رمل في عمرته كلها، وفي حجّة، وكذلك قال أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، ومن بعدهم. وروي عنه أنه قال: ليس بسنة اليوم (٦)، أورده أبو داود، فإن قيل: النبي ﷺ طاف راكبًا، فكيف رمل، قلنا: إنما طاف راكبًا طواف الزيارة دون طواف القدوم، ثم الراكب يطوف ثلاثًا خببًا، فإن قيل: الحكم إذا تعلق بعلة زال بزوالها، وقد زالت علة الرمل. قلنا: قد يذهب السبب، ويبقى الحكم كما في استحباب غسل اليدين ثلاثًا قبل إدخالهما الإناء، ثم الرسول ﷺ اضطبع ورمل في عمرة الجعرانة، وذلك بعد فتح مكة، وكذلك في حجّته، وكانت بعد الفتح فثبت أنه سنّة ثانية. مسألة: قالَ (٧): والدنو من البيت أحبّ إليّ. أراد أنه وإن كان في التباعد من البيت زيادة الخطى، فالدنو من البيت أحبّ إلى لأنه أقرب إلى المقصود [١٠٧/ب]، وهو البيت، وأسهل عليه، ثم قال (٨): فإن لم يمكنه

стр. 1539

الرَمل، فكان إن وقف وجد فرجة وقف ثم رمل، أي: وقف لينفرج ما بين يديه، ثم رمل في تلك الفرجة، وإن لم يمكنه الوقوف ليجد الفرجة، قال: أحببت أن يصير في حاشية الطواف، وقيل: هذه العبارة غلط من المزني إذ الطواف لا يكون له حاشية، وإنما قال الشافعي (١): أحببت أن يصير حاشية في الطواف، أي يصير حاشية الناس في حال الطواف، ثم استثني، فقال (٢): إلا أن يمنعه كثرة النساء، فيتحرك حكرة مشية متقاربًا يريد به أن النساء في الطواف يكن على حاشية، فربما لا يمكن هذا العاجز عن الرمل أن يخالط النساء، فحينئذٍ يتشبه بمن يرمل قدر ما يمكنه كما فسر الشافعي من تحركه في مشيه متقاربًا، ومعناه أن يرى أنني لو أمكنني الرّمل رملت، فإن قيل: أليس قال: والدنو من البيت أولى، فلم ترك ههنا لأجل الرمل، وهما هيئتان؟ قلنا: إذا لم يكن الجمع بينهما فمحافظة الرمل أولى لأن السنّة فيه ثابتة، وليست في المقاربة سنّة مأثورة إن شاء الله، ولا شك أن الصحابة حين طافوا تقارب بعضُهم وتباعد البعض، واستووا في محافظة الرّمل، ثم قال (٣): ولا أحب أن يثب من الأرض، أي: يقفز لعجزه من الرّمل. وقال في "الأم" (٤): وإذا كاف راكبًا، فلم يؤذِ أحدًا أحببت أن [تخبب] (٥) دابته في موضع الرمل. فرع قال (٦): إذا طاف الرجل بالصبي أحببت أن يرمل به، وإن طاف النفر بالرجل في محفة أحببت إن قدروا على الرمل أن يرملوا به، لأنهم ينوبون عنه، ويتحرك هو بحركتهم. وقال في القديم": لا يرملون به، لأن فعل الحاملين [١٠٨/أ] لا يثبت إليه، فحصل قولان فيهما، والأول أصحّ. فرع آخر قال في "الأم" (٧): سواء في هذا طواف نسكه قبل عرفة، وبعدها، وفي كل حجّة وعمرة إذا كان الطواف الذي يصل بينه وبين السعي بين الصفا والمروة. قال: فإن قدم حاجّا أو قارنًا، فطاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة، ثم زار يوم النحر، أو بعده لم يرمل، لأنه قد طاف [الطواف] (٨) الذي يصل بينه وبين السعي بين الصفا والمروة، وإن قدم حاجّا، فلم يطف حتى يأتي منى رمل في طوافه بالبيت بعد عرفة. فرع آخر إذا طاف طواف القدوم، ورمل فيه، واضطبع وأخر السعي بين الصفا والمروة إلى

стр. 1540

طواف الزيارة رمل واضطبع في طواف الزيارة. ذكره أصحابنا من غير خلاف لأنه يحتاج إلى الرمل والاضطباع في السعي، والسعي تابع للطواف، فلا يكون التابع أكمل، فيفعل في الطواف أيضًا. فرع آخر إذا طاف للقدوم وسعى خلفه وترك الرّمل والاضطباع فيهما، فإنه إذا طاف طواف الزيارة لا يسعى عقيبه بل يكفي ما تقدم، وهل يرمل في هذا الطواف ويضطبع قال أبو حامد: يرمل فيه ويضطبع لأنه لم يأتِ به في موضعهِ فيقضيهِ الآن، ولو لم يفعل ذلك فاتته سنة الرمل والاضطباع. وقال القاضي الطبري: هذا عندي غير صحيح لأن كلام الشافعي في "الأم": يقتضي أنه إنما يستحبّ له الرمل والاضطباع في الطواف الذي يسعى بعده على ما ذكرنا وههنا لا يسعى بعد هذا الطواف لأن هذا القائل، قال: إذا لم يأتِ به في موضعه قضاه، والرّمل لا يقضي لأنه هيئة، ولو كان يقضي لكان الأولى أن يقضي في الأربعة من ذلك الطواف، فإن قيل: [١٠٨/ب] فأنت تقول: إذا لم يسع بعد طواف القدوم رمل في طواف الزيارة، وهذا قضاء، قلت: هذا ليس بقضاء وإنما السنّة أن يرمل في الطواف الذي يسعى بعده سواء كان في طواف القدوم أو طواف الزيارة، وقد ذكرت فيه نص الشافعي، فبطل ما قاله هذا القائل، وقيل: فيه وجهان. فرع آخر ليس (١) على النساء رمل ولا اضطباع لأن معناه لا يوجد فيهن، ولأن ذلك يقدح في سترهن. مسألة: قالَ (٢): وإن ترك الرمل في الثلاث لم يقضِ في الأربع. أراد به أن المشي في الأربع الأخيرة سنّة، كما أن الرمل في الثلاث الأولى سنّة، فليس له قضاء ما فاته من سنة الثلاث الأولى بترك السنّة في الأربع الأخيرة، وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: يقضي. فرع لو ترك الرمل في الأول أتى به في الثاني، ولو ترك في الثاني، أتى به في الثالث، ولو ترك الاضطباع في بعض السبع اضطبع في باقيه، ولو كان مرتديًا بقميص أو سراويل اضطبع به، وإن كان مؤتزرًا بادي المنكبين، ولا ثوب غيره اضطبع بأي أمكن. فرع آخر روى الشافعي عن مجاهد أنه كره أن يقول: شوط ودور، ولكن ليقل طوف أو طواف، وطوافان، وأطواف. قال الشافعي (٣): وأكره من ذلك ما كره مجاهد لأنّ الله

стр. 1541

تعالى قال: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ العَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]. فرع آخر يكره أن يضع يده على فيه في حال الطواف، وهذا لأنه يكره ذلك في الصلاة. وقد روى ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "الطواف حول البيت مثل الصلاة إلا أنكم تتكلمون فيه، فمن تكلم فيه فلا يتكلّمن إلاّ بخير" (١). فرع آخر قال الشافعي: كره قوم أن يعد [١٠٩/أ] في الطواف، وعندي لا يكره ذلك. وروي الأوزاعي أن النبي ﷺ قال بعد الرحمن، وهو معه في الطواف: "لم تعد"، ثم قال: "تدري لما سألتك إنما سألتك لتحفظه". مسألة: قالّ (٢): وإن ترك الاضطباع والرمل والاستلام فقد أساء، ولا شيء عليه". هذه الأشياء إذا تركها عامدًا، أو ساهيًا بعذر أو بغير عذر لا قضاء عليه ولا جبر، وهكذا لو ترك التقبيل والدعاء لأنها هيئات كهيئات الصلاة سواء، ولكنه أساء بذلك إذا تعمد تركه من غير عذر والحجّ ينقسم ثلاثة أقسام أركان وأبعاض وهيئات، فالأركان أربعة: الإحرام، والوقوف، والطواف، والسعي. وإذا قلنا: الحلاق من النسك في أحد القولين، فهو ركن أيضًا، لأنه لا يقوم غيره بمقامه، فإذا ترك أحدًا واحدًا منها لم يجزِ حجّه والأبعاض: الرمي والمبيت بمزدلفة والمبيت بمنى. ليالي منى، فيجب الدم بتركها، وما سوى ذلك هيئات لا شيء في تركها، وحكي عن الحسن والثوري، وعبد الملك الماجشون أن عليه الدم في ترك الرمل والاضبطاع لأنه نسك، وقد قال ﷺ : "من ترك نسكًا فعليه دم"، وهذا غلط لما روي عن ابن عباس، قال: ليس على من ترك الرمل شيء، ولا يقول مثل هذا إلا توفيقًا، ثم قال (٣): وكلما حاذى الحجر الأسود كبّر، وقد ذكرنا هذا ويقول مع التكبير ما ذكرنا من الدّعاء. مسألة: قالّ (٤): وقال في رمله: اللهم اجعله حجًا مبرورًا أي: متقبلًا وذنبًا مغفورًا، وسعيًا مشكورًا، أي: مثابًا عليه، ويقول في سعيه في الأربعة الأشواط: ربّ اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم إنك أنت الأعزّ الأكرم ربنا آتنا في [١٠٩/ب] الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار. وقد رُوي عن النبي ﷺ أنه كان يقول ذلك، وذكر الشافعي في موضع بدل قوله، وتجاوز عما تعلم واعف عما تعلم ومعناهما واحد، وقال بعض أصحابنا بخراسان: معنى قوله ويقول في سعيه، أي: بعد الطواف في سعيه بين الصفا والمروة. وقيل: أراد

стр. 1542

في سعيه فيهما وهذا أقرب عندي وذاك غلط. فرع قال في "الأم" (١): وقوله: ربنا آتنا .... إلى آخره. أحب ما يقال في الطواف إلّي وأحبّ أن يقال في كله. فرع آخر قال: ويدعو فيما بين ذلك، بما أحبّ من أمر دين ودنيا، وأراد أن ما ذكرناه من الدعوات مسنون، فلا يضيق عليه أن يزيد عليه ما أحبّ ما لم يكن مأثمًا ولا تقدير في شيء من الدعوات. وروي القاسم بن محمد عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ "إنما جعل الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله تعالى" (٢). فرع آخر قال في "الأم" (٣): واستحبّ قراءة القرآن في الطواف، والقرآن أفضل ما تكلم به المرء، وهذا يدل على أن قراءة القرآن أفضل في الطواف من الدعاء. قال: ويكفيني أن مجاهد كان يقرأ عليه القرآن في الطواف. وقال مالك: يكره قراءة القرآن في الطواف. وبه قال الحسن وعروة بن الزبير، واحتجّوا بما روي أن ابن عمر سمع رجلًا يقرأ في الطواف، فصك في صدره، وهذا غلط لما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: "الطواف بالبيت صلاة"، وأفضل الذكر في الصلاة القرآن، ولأنه ثبت أنه كان ﷺ يقول في طوافه: "ربّنا آتنا .... " إلى آخره. ووافقنا فيه مالك. وهذا بعض آية من القرآن. فرع آخر [١١٠/أ] قال في "الحاوي" (٤): قال أصحابنا: أراد الشافعي، أن قراءة القرآن أفضل من الدعاء الذي لم يسن فيه، فأما الدعاء المسنون فيه، فهو أفضل من قراءة القرآن فيه اقتداء برسول الله ﷺ ، وقال النبي ﷺ : ما شيء أكرم على الله تعالى من الدعاء (٥) ولأن في الركوع الذكر أفضل من القراءة كذلك ههنا وهذا حسن. فرع آخر يباح فيه الكلام، ولكنه يستحبّ إقلال الكلام. قال الشافعي (٦) لأني أستحبّ إقلال الكلام في الصحراء والمنازل إلا بذكر الله تعالى لتعود منفعة الذكر إلى الذاكر، أو

стр. 1543

يكون الكلام في شيء من صلاح أمره، فكيف قرب بيت الله تعالى مع عظيم رجاء الثواب فيه من الله تعالى. قال ابن عمر: أقلوا الكلام في الطواف، فإنما أنتم في الصلاة (١)، قال أصحابنا: والأفضل أن لا يتكلم أصلًا لما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ ، قال: "من طاف سبعًا لم يتكلم فيه، إلا سبحان والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، كتب له عشر حسنات، ومحى عنه عشر سيئات ورفع له عشر درجات" (٢). فرع آخر قال: إنشاد الشعر والرجز في الطواف يجوز إذا كان مباحًا، وروي محمد بن السائب عن أمه، قالت: طفت مع عائشة ﵂، فذكروا حسان في الطواف فسبوه، فقالت عائشة: لا تقولوا: أليس هو الذي يقول: هجَوت محمدًا فأجبت عنه وعند الله في ذلك الجزاء فإن أبى ووالده وعرضي لعرض محمدٍ منكم وقاء فقيل لها: أليس هو الذي قال ما قال في الإفك؟ فقالت: أليس قد تاب؟ ثم قالت [١١٠/ب] عائشة: إني لأرجو له ما قال، ولكنه يستحبّ ترك إنشاد الشعر وإن كان مباحًا أيضًا والكلام أيسر منه. وقال مجاهد: كان النبي ﷺ يطوف بالبيت وهو متكيئ على أبي أحمد بن جحش وأبو أحمد يقول: حبّذا مكّة من وادي بها أهلي وعوادي بها أمشي بلا هاد قال: فجعل النبي ﷺ كأنه يعجب من قوله: بها أمشي بلا هادي والأولى تركه لما روي إبراهيم بن أبي أوفي أن أبا بكر ﵁ كان يطوف بالبيت ويرتجز بهذا، فقال رسول الله ﷺ : "قل الله أكبر، الله أكبر". فرع آخر قال: الأكل والشرب فيه مكروه والشرب أخف حالًا، قال ابن عباس: رأيت رسول الله ﷺ يشرب ماء في الطواف (٣)، وكان ابن عباس يشرب الماء فيه. وقال في "الإملاء": لا بأس بشرب الماء فيه والأحسن في الأدب أن يتركه. فرع آخر يكره أن يبصق في الطواف أو يتنخم أو يغتاب ولا تفتد به.

стр. 1544

فرع آخر الكمال في الطواف أن يطوف خارج البيت وراء الحجر دون زمزم والخطيم، وإن طاف في المسجد وراء زمزم وسقاية العباس دون الجدار يجوز، ولكن الأول أكمل هيئة لأنه ليس بينه وبين البيت حائل، وإن كان بينه وبين الكعبة حائل يجوز إذا لم يخرج من المسجد كما لو صلى في المسجد بصلاة الإمام، وبينهما حائل يجوز وإن خرج عن المسجد وطاف لم يجز لأنه لو جاز ذلك لجاز إذا خرج من مكّة وطاف حولها. فرع آخر لو طافَ على سطح المسجد الحرام يجوز لأنه معلوم أن سقف المسجد اليوم دون سقف الكعبة، فكان طائفًا بالبيت حتى لو علا سقف المسجد لا يجوز بخلاف الصلاة لأن المقصود في الصلاة جهة بنائها، فإذا علا عليه لم يكن طائفًا ضمن بنائها فلم يجز. فرع آخر يكره أن يقال: حجّة الوداع لأن الحجّ طاعة فيكره أن يعتقد أن يودعها ولا يعود إليه ويكره أن يسمى المحرم صفر لأن العرب كانت في الجاهلية تحرم القتال سنةً في المحرم وسنة في صفر، في السنة التي لا يحرمونه في المحرم يسمون المحرم صفر. مسألة: قالَ (١): ولا يجزاء الطواف إلا بما يجزاء به الصلاة من الطهارة. الفصل الطهارة من الحدث والتنجس شرط في جواز الطواف حتى قال في "الأم" (٢): ولو طاف وفي نعله نجاسة لم يعتد بما طاف، وكذلك ستر العورة وطهارة المكان شرط فيه. وبه قال مالك وأحمد في رواية، وقال أبو حنيفة: إنها ليست بشرط، واختلف أصحابه في وجوبها فكحي عن ابن شجاع أنها سنّة. وقال غيره: إنها واجبة، فإذا طاف بغير طهارة تلزمه إعادته ما دام بمكة، فإن خرج منها وكان محدثًا تلزمه شاة، وإن كان جنبًا تلزمه بدنة، وحكي عن أحمد أنه قال: إن أقام بمكة أعاد فإن رجع إلى أهله جبره بدم، وهذا غلط لما ذكرنا من الخبر، ولأنه عبادة متعلقة بالبيت، وكانت من شرطها الطهارة، كالصلاة، فإذا تقرّر هذا، فإن كان بمكّة تطهّر وطاف، وإن عاد إلى بلده لم يحل حتى يعود ويطوف، ولا يفتقر الطواف إلى نية جديدة في ظاهر المذهب لأن نية الحجّ تأتي عليه كما يأتي على الوقوف وقيل: فيه وجهان، لأنه عبادة تفتقر إلى النية. مسألة: قالَ (٣): وإن أحدث فيه توضأ وابتدأ.

стр. 1545

الفصل إذا رعف أو قاء في أثناء الطواف. قال في "الأم" (١): انصرف فغسل الدم عنه، ثم رجع وبنى، وكذلك إن غلبة الحدث انصرف، فتوضأ ورجع وبنى، وأحبّ إلّي [١١١/ب] في هذا كله لو استأنف فأجاز البناء، واستحبّ الاستئناف. وقال أصحابنا وإن تعمد الحدث، فكذلك، لأن مذهبه في الجديد إن سبق الحدث وعمده سواء في بطلان الصلاة، فذلك حكمهما سواء ههنا. وقال القاضي أبو حامد في "الجامع": قال الشافعي في "القديم": إذا قطع الطواف لغير عذر فزايل موضعه، وهو في المسجد استأنف قياسًا على الصلاة، فإذا أمره بالاستئناف إذا قصد قطعه وزايل المطاف، وهو في المسجد قياسًا على الصلاة، فلأن يبطله الحدث العمد بذلك أولى فعلى هذا يجب أن يكون في الحدث العمد قولان. أحدهما: يبطله ويلزمه استئنافه على قياس قوله في "القديم". والثاني: لا يبطله، والمستحبّ أن يستأنفه فإن بني عليه أجزأه، ولا فرق بين أن يتطاول الفصل أو لم يتطاول، ومن أصحابنا من قال في حدث العمد: يستأنف قولًا واحدًا، وفي السبق قولان، والقول الجديد في الكلّ إنه لا يبطل به الطواف، وإن طال الفصل. وقال أبو حامد: إن سبقه الحدث، وقلنا: لا تبطل الصلاة به. لا يبطل الطواف به، وإن طال الفصل، وإن تعمد، فإن لم يطل الفصل بني وإن طال الفصل هل يبطل الطواف؟ قولان، قال في "القديم" يبطل ووجهه أنه يتعلق بالبيت، فيبطله التفريق الكثير كالصلاة. وقال في "الحديد": لا يبطل لأنه لا يبطله التفريق اليسير، فلا يبطله التفريق الكثير بخلاف الصلاة، وقيل: إذا طال الفصل لا فرق بين أن يتعمد الحدث أو يسبقه. فرع قال في "الأم" (٢): واختار إن قطع الطائف الطواف فتطاول رجوعه أن يستأنف، ذلك احتياط ولو طاف اليوم وغدًا أجزأ عنه وظاهر ما قال في "القديم": أنه يلزمه الاستئناف، فالمسالة على قولين: وقال أحمد: الموالاة فيه شرط [١١٢/أ] فإن فرق وطال الفصل استأنف. فرع آخر إذا أحدث في الطواف وقلنا: يبنى على أحد القولين لو كان ذلك في بعض طوفته قبل انتهائه إلى الحجر الأسود فيه وجهان: أحدهما: يستأنفها ولا يبني لأن لكلّ طوفة حكم نفسها، والطوفة الواحدة يجوز تبعيضها. والثاني: وهو الأصح. يبني على ما مضى لأنه لا فرق بين الطوفة والأطواف.
следующие страницы →