Полный текст (7 151 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.
стр. 1646
ذلك بمكة، فلا يجوز قبل أشهر الحج، لأنه لا يمكن فيه تحصيل العمل إذ الإحرام بالحج قبل أشهره لا يجوز، ولا يحتاج فيه إلى التسبب، وهو السير، وإن كان في غير مكة من البلاد، فإن كان يحتاج فيه إلى تقديم السير على أشهر الحج مثل بلاد خراسان، فإنه يجوز تقديم العقد على أشهر الحج حسب الحاجة، ولو استأجره ليحج عنه ماشياً، وكان المشاة يخرجون قبلها يجوز للحاجة.
وأما عقده في أشهر الحج، فيجوز في كل موضح لإمكان تسليم العمل عقيبه، وهو الإحرام، وفي هذا العقا إذا لم يحج من سنته بطل العقد، وليس في موضع تأخير تسليم المعقود عليه يبطل العقا إلا في العقا على المنافع، لأنها يتلف بمضي الزمان.
وقال القفال: لا كون من شرطه الخروج عقيب العقد بل له أن ينتظر أيام خروج الحاج، أو يشتغل بتحصيل عدة السفر والاشتغال بأسبابه اشتغال به.
ولو أحرم عنه، ثم أفسده فقد وقع الحج عن الأجير، وعليه قضاؤه وفسد عقد الإجارة وعليه رد الأجرة على المستأجر، وإن كانت الإجارة في الذمة وهي أن يقول: استأجرتك على حجة في ذمتك، أو لتحصل لي حجة أو توافيني حجة أو تسقط عني حجة الإسلام، فإن هذه الإجارة لا تتعلق بفعله، فإذ شاء حج بنفسه وإن شاء حج عنه غيره كما لو أسلم إليه في طعام في ذمته إن شاء أعطاه من طعام نفسه، وان شاء أعطاه من طعام غيره، ويشترط فيه قبض الأجرة في المجلس لأنه سلم، وقيل: إذا أطلق فيه قولان: أحدهما: يبطل.
والثاني: يصح ويكون كالمتعين بالحلول، والشرط في انعقاده أن يكون بقي من الزمان مقدار ما يقطع فيه المسافة [١٨٧ / أ] من غير مشقة، وإن شرط فيه التأجيل ثبت وصح العقد، وهو أن يقول: تحصل في السنة الثانية، أو الثالثة، كما يقول: إن العلم الحال يجوز، والسلم إلى أجل يجوز، وهذا بمنزلة السلم، فعلى هذا إذا كان مطلقاً، كانت له مطالبته في السنة الأولى كما يقول في السلم المطلق أنه يقتضي تعجيل التسليم في الحال، وله مطالبته في السنة الأولى به، فإن أخر عن السنة الأولى لم تبطل الإجارة، ولكن قال أبو إسحاق: إن كان المستأجر حياً أو كان ميتاً، ولم يكن أوصى به أن يحج عنه، وإنما تبرع الوارث بأن دفع إليه مالاً يحج عن الميت، فإن للمستأجر الوارث فخ العقد واسترجاع الأجرة، لأن لهما غرضاً في ذلك، وهو أن ينتفعا بذلك المال ويتصرفا فيه إلى السنة الأخرى، وهذا كما قال الشافعي: إذا أسلم في الرطب، فانقطع الرطب في ذلك البلد كان بالخيار إن شاء أخره إلى القابل، وإن شاء فسخ واسترجع رأس المال، وفيه قول آخر: ينفسخ كما قلنا في المسلم فيه إذا انقطع في قول، وان كان الحج عن الميت بوصية منه لم يجز له فسخه واسترجاع الأجرة منه، لأن الأجرة لا يجوز للوصي أو الوارث التصرف فيها والانتفاع بها، بل يجب صرفها في هذه الجهة، فلم يكن لفخ العقد واسترجاع الأجرة فائدة، ولا غيره، وقيل: يفعل ما فيه النظر للميت فإن رأى أن غيره من الأجراء أصلح له يفسخ ويستأجر غيره، فإن
стр. 1647
قيل: إذا كانت الحجة في الذمة لم جاز له فسخ العقد بتأخره عن السنة الأولى؟ قلنا: لأنها وان كانت في الذمة، فإن تعجيلها في السنة الأولى واجب، فإذا أحرم لم يفسخ العقد وثبت له خيار الفخ كما نقول في اللم في الرطب إذا انقطع على أحد القولين.
فرع آخر
لو كانت المدة طويلة، فعجل [١٨٧ / ب] الحج جاز لأنه لا غرض في التأخير كما لو كان عليه دين مؤجل، فعجله يلزمه قبوله في ظاهر المذهب.
فرع آخر
لو أحرم به في السنة الأولى في هذه المسألة وأفسده فقد وقع ذلك عن الأجير، ولم يصح تسليمه إليه، لأن الإجارة تقتضي حجة صحيحة فيصير في معنى ما لو أخر تسليمها عن السنة الأولى.
وقال أصحابنا: ههنا له فسخ الإجارة واسترجاع الأجرة سواء كان الحج عن الحي أو الميت بوصية، أو تطوع من الوارث، لأن لهم فيه غرضاً صحيحاً، وذلك أن هذا الأجير يحتاج إلى القابل أن يقضي عن نفه هذه الحجة ثم يحج عن المستأجر في الثالثة، فيؤدي إلى تأخير الحجة إلى السنة الثالثة، وإذا استرجعوا الأجرة منه استأجروا من يحج في العام القابل، فاستفادوا به تعجيل الحج.
وقال القاضي الطبري: لا نمق فيه، ويجب أن يكون بمنزلة التأخير من غير إفساد على ما بيناه، لأن الحجة إذا كانت في الذمة، فله أن يحج غيره عنه، فإذا كان القابل حج عن نفسه القضاء، واستأجر من يحج عن الميت، فبطل ما قال: هذا القابل، فإذا ثبت هذا، فلم تنفسخ الإجارة وصبر عليه، فإنه في القابل يحج عن نفسه قضاء عما أفسده فإن حج عن المستأجر كان عما عليه من القضاء، نص عليه.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجه يقع القضاء عن المحجوج عنه، ويجعل الفاسد كأن لم يكن، ولا يجب رد الأجرة، وهذا غريب بعيد.
فرع آخر
لو استأجره رجلان ليحج كل واحد منهما، فأحرم عنهما جميعاً في سنة واحدة انعقد الإحرام عن نفه، لأن الجمع بين إحرامي في الحج لا يجوز دفعة واحدة، فلم يجز أن ينعقد بهما، فانعقد بأحدهما، وليس أحدهما بأولى من الآخر، فكان الأولى أن ينعقد عن الأجير، وكذلك لو أحرم الولد للأبوين انعقد عن نفسه [١٨٨ / أ].
وقال أبو حنيفة وأصحابه: إذا أحرم عن أبويه صح، وكان له أن يجعله عن أيهما شاء استحساناً، واحتج بأن المقصود بذلك جهة واحدة، وهي جهة الثواب والجهالة لا تؤثر في حق الله تعالى، وهذا غلط، لأنه قصد الإحرام الواحد عن اثنين، فأشبه إذا أحرم عن أجنبيين. فأما ما قالوه، فلا يصخ، لأن الحج يقع عن الأب كما يقع عن الأجنبي والقصد من الكل الثواب، وحصول القربة، فلا فرق. وهذا لو استأجره رجل
стр. 1648
واحد يصح، فأحرم الأجير عنه وعن نفسه، انعقد إحرامه دون المستأجر.
فرع آخر
لو أمره بالحج عنهما، فأحرم عن أحدهما لا يعينه، انعقد إحرامه عن نفسه دون المستأجر، وكان له صرفه إلى أيهما شاء قبل أن يتلبس بشيء من أفعال الحج.
وبه قال أبو حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: يقع عن نفسه، وهذا غلط قياساً على ما أطلق للإحرام عن نفسه، ثم عينه بالحج أو بالعمرة يجوز.
مسألة: قال: فإن أفسد حجه أفسد إجارته.
الفصل
إذا استأجره ليحج عنه، فأحرم عنه، وأفسده يتعلق بالإفساد أربعة أحكام:
أحدها: أن الحج ينقلب إلى الأجير.
والثاني: يلزمه فيه عن نفسه.
والثالث: يلزمه القضاء عن نفسه.
والرابع: يلزمه بدنه لأجل الإفساد.
وقال المزني: لا يجب قضاؤه على الأجير ويمضي في حجه على الفساد عن المستأجر، لأن الحج عن المحجوج عنه، وهو لم يفسده، فكيف يجب قضاؤه عليه.
وأما الأجير، فليس الحج عنه، فلا يقضيه أيضاً، وهذا غلط لأن الحج عن الغير إنما يجوز بالإذن، وهو استأجر ولم يحج عنه حجة شرعية سليمة من الفساد، فإذا أفسدها خرج الحج عن أن يكون مأذوناً فيه، فلم يقع عنه وينصرف إليه، لأنه لو أحرم بهذه الحجة عن نفسه ابتداء صح، فإذا أحرم به عن الغير، [١٨٨ / ب] ولم يقع عن ذلك الغير، انصرف إليه كما لو وكله بأن يشتري عبداً، فاشترى جارية، فالشراء ينصرف كذلك ههنا. وقال الشافعي ههنا: أفسد إجارته، وأراد إذا كانت الأجارة معينة على ما ذكرنا.
مسألة: قال: ولو لم يفسد، فمات قبل أن يتم الحجء فله بقدر عمله.
الفصل
إذا استأجر رجلاً ليحج عنه، ثم مات الأجير لم يخل من ثلاثة أحوال: إما أن يموت قبل الإحرام، أو بعد الفراغ من أركان الحج كلها، أو بعدما أتى ببعض الأركان، وبقي البعض، فإن مات قبل الإحرام مثل إن بلغ إلى أقرب الميقات، ولم يحرم بالحج، ثم مات، فلا يختلف قول الشافعي إنه لا يستحق من الأجرة شيئاً، لأن السفر تسبب إلى الحج والأجرة مقابل أعمال الحج دون التسبب.
وحكى الماسرجسي عن ابن أبي هريرة أنه قال: لما وقع من القرامطة ما وقع
стр. 1649
اجتمعت أنا والمحاملي والإصطخري، واتفقنا على أن نفتي أن كل من كان حاجاً عن الغير لا يستحق الأجرة، إلا أنه يرضخ له بشيء. هكذا حكاه القاضي الطبري، وذكر الشيخ أبو حامد: أنهم أفتوا بأن له الأجرة بقدر ما قطع من المسافة، وهذا يخرج على ما ذكره الشافعي في "الإملاء" إذا أحرم بالعمرة عن نفسه، ثم أحرم بالحج عن المستأجر من مكة أنه يلزمه أن يرد من الأجرة بقار المسافة، وما ترك هن الإحرام، فيكون في المسألة قولان:
أحدهما: ما ذكرنا، وهو الصحيح.
والثاني: يستحق بقدر، فتسقط الأجرة عليها. ثم في مسألة "الإملاء" من أصحابنا من يعتبر الفراسخ ويقتصر عليه. ومنهم من يعتبر مع الفراسخ سهولة الطريق وحزونتها، فربما يجعل أجرة فرسخ خمسة دراهم، وأجرة فرسخ درهماً، وهذا أصح، وإن مات بعد الفراغ من الأركان [١٨٩ / أ]، وبقي الرمي والمبيت، فإن ورثته يريقون دماً عما تركه، وهل يردون بقدر ذلك من الأجرة؟ على اختلاف أصحابنا في تخريجه قولين، أو قول واحد على ما بيناه في مجاوزة الموضع الذي عينه للإحرام، وان مات في خلال الأركان مثل إن أتى بالإحرام والوقوف، وبقي عليه الطواف والسعي، فهل يستحق الأجرة) نص في "الإملاء" على قولين:
أحدهما: يستحق بقدر، وهو الصحيح.
ونقله المزني إلى "المختصر"، لأنه أوفاه بعض المقصود بعقد الإجارة، فأشبه من قال: من رد أبقى مكة كذا، فرده في بعض الطريق، ثم انفلت لا يستحق الأجرة، لأن المقصود لم يحصل كذلك ههنا. ومن قال بالأول أجاب عن هذا بأن في مسألة الأبق لم يحصل شي، من المقصود، وههنا حصل، لأن في أحد القولين، يبني الغير عليه.
وفي القول الثاني: يحصل الثواب له في قدر ما فعل، فإذا قلنا بالمذهب الأول، قال أبو إسحاق: فيه قولان:
أحدهما: يسقط على العمل والمسير، وان كان لو انفرد المسير لم يسقط عليه، لأن ههنا تابع للأفعال، ويجوز أن يتناول العقد شيئاً على وجه البيع، ولا ينفرد به كأساس الحيطان وطي الآبار، يصخ بيعهما مع الدار تبعاً، ولا يفردان بالبيع.
والثاني: يسقط على الأعمال، فيقال: كم تسوي الحجة من الميقات) فيقال: مائة، ثم يقال: وكم قدر ما عمله من الحج؟ فيقال: نصفه، فتجب نصف الأجرة، وهذا لأنه لو قابله عوض لكان له عوض بانفراده والمقصود الأعمال لا غير.
وذكر القفال: أن الأول هو المنصوص. والثاني، قول مخرج. وقال ابن سريج: ليست على قولين، بل هما على اختلاف حالين، فإن قال: استأجرتك لتحج عني فالتوزيع من يوم الإحرام. وان قال: لتخرج حاجاً عني، فمن يوم [١٨٩ / ب] الخروج هذا في مقدار ما يستحقه من الأجرة. وأما في جواز الثناء في الحج على فعل الغير قولان:
стр. 1650
أحدهما: يجوز للمحل أن يبني عليه ذكره في ((القديم اا، لأن فعل الحج يجوز من اثنين، ألا ترى أن الولي إذا أحرم عن الصغير، ثم صار الصبي مميزاً في وقت الحج، وأمكنه الطواف بالوقوف والرمي بنفسه لزمه أن يتولى ذلك بنفسه؟ فيكون الإحرام من الولي وسائر الأعمال من الصبي.
وقال في "الجديد": لا يجوز، وهو الصحيح، لأنه عبادة على البدن، فلا يجوز للغير أن يبني فيها على فعل الغير كالصوم والصلاة، ولأنه لو جاز هذا، جاز أن يستأجر في الابتداء اثنين يفعلان الحج عنه، فإن قيل: أليس لو وضاه نفسان أو توضأ بعض الوضوء، ثم أكمله غيره يجوز؟ قلنا: هذا لا يكون بنا، على فعل الغير، لأنه هو المتطهر دون الموضئ، وإنما هو معين له عليه، فلم يكن ذلك بناء وليس كذلك الأجير، فإنه إذا أحرم عن غيره، فهو المحرم، فإذا جاء حلال ليبني عليه احتاج إلى إحرام مستأنف، فيصير محرماً به، فيكون قد بنى فعل غيره، فإذا قلنا بقوله الجديد نظر في الإجارة، فإن كانت معينه بفعله بطلت الإجارة ورد الأجرة على ما ذكرنا، وان كانت في الذمة، فإن كان وقت الحج باقياً كأن مات قبل فوات وقت الوقوف استأجر ورثته من يحج في هذه السنة عن المستأجر، فإن أحرم هذا الثاني من حيث بلغ المورث وجب الدم لترك الميقات، وهل يرد من الأجرة بقدره؟ قد بينا، وان رجع إلى الميقات سقط الدم، وان كان قد فات وقت الوقوفء فمان الحج يتأخر إلى السنة الثانية، فإن اختار المستأجر فخ الإجارة لتأخرها عنه جاز. وان اختار إقرارها استأجر عنه في السنة الثانية من يحج من مال المورث [١٩٠ / أ] جاز، وهذا إذا كان الحج عن حي، فإن كان الحج عن ميت لا يجوز للوصي أن يفسخ الإجارة على ما بينا.
وإذا قلنا بقوله القديم، فإن كانت الإجارة معينة بطلت الإجارة، فإن كان قبل فوات الوقوف يستأجر الآمر من يحرم عنه، ويبني على ما مضى من أعماله، وهذا الثاني يحرم مكانه، ويقف، ولا يجب الدم بترك الميقات، لأنه بنى على إحرام أتى به من الميقات، وسقوط الدم مهنا هو الفرق من القولين، فإن في القول الأول، يجب الدم على ما ذكرنا، وان مات بعد الوقوف، فالمستأجر يستأجر من يكمل الحج على ما يأتي بيانه، وان كانت الإجارة في الذمة، فإن ورثة الأجير يتمون النسك، فإن كان مات قبل الوقوف استأجروا من يحرم، ويقف ويتم الحج، أو يفعله الوارث بنفسه، وان كان بعد الوقوف، فكذلك إن كان وقت الوقوف باقياً، إلا أنه يحرم عنه بالحج، ولا يقف ويأتي بالباقي.
وقال أبو إسحاق: يحرم الثاني بالعمرة، ويأتي بالطواف والسعي، ولا يأتي بالرمي، لأنه ليس في العمرة رمي ويريق عن الرمي والمبيت دماً، لأن الدم ينوب عنهما، وهذا لأنه لا يجوز الإحرام بالحج قبل أشهره. وقال الشيخ أبو حامد: والوجه الأول الذي ذكره أصحابنا ضعيف من هذا الوجه، وهو أن إحرام الحج لا يجوز في غير أشهره. وما قاله أبو إسحاق أفسد، لأنه يأتي بطواف العمرة، ويقع عن الحج.
стр. 1651
وقال سائر أصحابنا: الصحيح الوجه الأول، وهذا الإحرام مبني على إحرام ابتدئ، في أشهر الحج، وإنما لا يجوز ابتداء الإحرام في غير أشهر الحج، ولأن هذا الإحرام تابع للأفعال، وهذه الأفعال الباقية تجوز في غير أشهر الحج، وما قاله أبو إسحاق لا يصح لما ذكره ومن وجه آخر، أنه لو صح ما قاله لوجب إذا أحرم الثاني بالحج (١٩٠ / أ) عند بقاء وقت الوقوف، وكان الأجير الأول، قد وقف أن يلزمه الوقوف، لأن الإحرام بالحج يوجب بذلك، ولا يقول هذا قليل. وقال بعض أصحابنا بخراسان: نص الشافعي على أن البناء على الحج جائز حتى لو وقف الأجير، ثم مات استؤجر عنه من يحرم إحراما ًناقصاً، ولا يحرم عليه في إحرامه إلا النساء، فيطوف بالبيت، ويتم الحج. وهذا قول غريب خلاف ما ذكر أبو إسحاق. وقيل: جملة ما ذكرناه ثلاثة أقوال:
أحدهما: الوارث يبني على فعل الأجير، ويستحق تمام الأجرة.
والثاني: لا يبني ولا يستحق شيئاً من الأجرة.
والثالث: لا يبني ويستحق بقدر ما فعله الأجرة، وهكذا القولان، فيمن حج عن نفسه، ومات في خلاله هل يبني عليه أم لا؟ ولا يختص ذلك بموت الأجير.
فرع
لو استأجره للحج فأحصر بعد وفاته يتحلل، ولا قضاء عليه كالمستأجر لو كان أحرم فأحصر.
فرع آخر
هل يستحق من الأجرة بقدر ما أتى به إلى وقت الإحصار؟ قولان، كما لو مات.
فرع آخر
لو لم يتحلل حتى فاته الحج، ثم دخل مكة فطاف وسعى وحلق، فما فعله بعد الفوات لا أجرة له لأنه للتحلل لا عن المحجوج عنه، وفيما فعله قبل ذلك إلى أن أحصر هل يستحق الأجرة؟ على ما مضى من القولين.
فرع آخر
لو فاته الحج بخطأ العدد يلزمه دم الفوات، والقضاء عند الفوات. وقال أبو حامد: يجيء على قياس ما ذكرنا في الأجير إذا أفد الحج أن لا يستحق الأجير ههنا شيئاً من الأجرة، لأن القضاء يلزمه كما في الإفساد. وقال القاضي الطبري: نص على هذا في "المناسك الكبير". ويفارق إذا أحصر يستحق الأجرة إلى أن أحصر، لأن الحبس من جهة غيره والفوات [١٩١ / أ] حصل بمعنى من جهته فافترقا.
стр. 1652
فرع آخر
قال أبو حامد: قال في "الأم": إذا أحصر الأجير بعد الإحرام يتحلل على ما ذكرنا وما أتى به عن المستأجر، ويفارق الإفساد، لأنه أتى فيه بما يوجب القضاء، فوقع عليه بخلاف ذاك، فعلى هذا ينبغي أن يكون دم الإحصار على المستأجر. وقال القاضي الطبري: يقع عن الأجير المحصر، والدم عليه وهو ا~قيس المشهور، وهل يكون له الأجرة إلى أن أحصر: على ما ذكرنا.
الفصل
قال الشافعي في "المناسك الكبير": لو استأجره على أن يتمتع عنه، فأفرد أجزأت الحجة عنه، وقد زاده خيراً، بأن أحرم بالحج من الميقات، فإن التمتع يحرم بالحج من جوف مكة، وجملة هذا أنه إذا عين له الإحرام بنسك، فأحرم بغيره، فهو على أربعة أقسام: أحدها: أن يعين الحج فيحرم بغيره.
والثاني: أن يعين العمرة، فيحرم بغيرها.
والثالث: أن يعين القران فيحرم بغيره.
والرابع: أن يعين التمتع فيحرم بغيره. فأما لأول، وهو إذا عين الحج، فأحرم بغيره ففيه ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يحرم بعمرة.
والثاني: أن يحرم بالقران.
والثالث: أن يحرم بالتمتع، فإن اعتمر فهذه العمرة لا تسقط ما لزمه من الحج، ثم لا يخلو حال المحجوج عنه، إما أن يكون حياً، أو ميتاً، فإن كان حياً كانت العمرة عن الأجير، لأنه لم يأذن، وإن كان ميتاً، فإن كانت عمرة الإسلام واجبة عليه، كانت واقعة عن الميت، لأن الأجير نواها عنه، ويجوز ذلك من غير إذن، والأجرة له، وعليه أن يحج عنه بعقد الإجارة، وان كانت عمرة الإسلام غير واجبة عليه، فيه قولان بناء على القولين في جواز النيابة في حج التطوع، فإن قلنا: لا يجوز يقع عن الأجير. وان قلنا: يجوز يقع عن الميت دون الأجير، وهو مقطوع لا أجرة له [١٩١ / ب].
والثاني، من القسم أن يقرن. قال في "المناسك الكبير": جاز واستحق الأجرة المسماة. وقد زاد عمرته على المستأجر دم القران، وهو كرجل استؤجر على أن يعمل عملاً فعمله وزاد آخر معه، ولا شيء له في زيادة العمرة، لأنه متطوع بها.
قال أصحابنا: تأويل هذه المسألة، أن المحجوج عنه ميت والعمرة واجبة عليه، فيجوز لكل أحد أن يعتمر عنه، وان لم يأذن الوارث فيقع كلاهما عنه، ويستحق الأجرة المسماة، ويجب دم القران في مال الأجير، لأنه تطوع به، ولو كان هذا عن حي يقع
стр. 1653
عن الأجير، لأنه لم يأذن في العمرة، فوقعت عن الأجير، وإذا وقعت عن الأجير كان الحج تبعاً لها، فتقع عن الأجير أيضاً، لأنه لا يتبعض، ولو كان عن ميت، ولم تكن العمرة واجبة عليه، فهو على ما ذكرنا من القولين في جواز التطوع به عن الميت، أحدهما: يكونان عن الميت.
والثاني: كلاهما عن الأجير لما ذكرنا أن العمرة لم تصح عن الميت، فيقع عن الأجير والحج يتبعها أيضاً.
وقال بعض أصحابنا: تأويل المسألة أنه استأجره الحي ليحج عنه، وكان في كلامه الإذن بالقران مثل أن يقول: أقرن عني بمائة دينار، فقال: لا. فقال: الحج بمائة دينار فرضي به، فإذا أقرن عنه كان بإذنه ورضاه، فيجوز الحج والعمرة عنه، قال هذا القائل: والدم على المستأجر، وان لم يكن في كلامه ما يدل على هذا الإذن، فحكمه ما ذكرنا. وهذا التأويل أمخ، لأنه إذا كان المحجوج عنه ميتاً، والعمرة واجبة عليه يكون الدم على الأجير على ما ذكرنا، وقد نص أن الدم على المستأجر.
ومن أصحابنا من قال: تأويل المسألة في الحي، وان لم يوجد منه ما يدل على الإذن، لأنه لا يجوز أن يعتمر عن الحي من غير أشهره عمرة مفردة، فأما إذا أقرن بالحج المأذون عمرة تقع العمرة عنه [١٩٢ / أ] كالنسك الواحد. وهذا أيضاً غير صحيح، لأنه يفيد وجوب الدم على الأجير، وقد نمق على وجوب الدم على المستأجر، فخرج من هذه الجملة أنه إذا كان المحجوج عنه ميتاً وقعا معاً عن المستأجر والدم على الأجير، وان كان حيا وجرى في كلامه ما يدل على الإذن فيه وقعا معاً عنه، والدم عليه كما لو صرح به، وإن كان حياً، وليس في كلامه ما يدل على الإذن، فعلى وجهين:
أحدهما: النسكان عن الأجير، ولا شيء له.
والثاني: النسكان عن المستأجر، والدم على الأجير، وذكر الشيخ أبو الحسن المحاملي ﵀: إذا وجد منه ما يدل على الإذن به يجوز عن المستأجر كلاهما، ولكن الدم على الأجير، لأن المستأجر لم يأذن في إحرام يتضمن الدم، وهو غلط بخلاف النص، ولأنه إذا لم يؤذن وجب أن لا يقع عنه.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا لم يوجد منه دلالة للإذن، فالعمرة عن الأجير. وفي الحج قولان: وهذا أيضاً غلط، وقيل: أصل الوجهين مما قال الشافعي في الوكالة: إذا دفع إليه ألفاً ليشتري له به عبداً، فاشترى عبدين يصخ العقد فيهما للعقد، وزاده خيراً في أحد القولين.
والثالث، من القسم أن يتمتع، فالكلام في العمرة على ما مضى في القسم الأول، لأنها مفردة، والحج واقع عن الأمر حياً كان أو ميتاً لإفراده لأنه استؤجر ليحرم به من الميقات، فأحرم به من مكة فعليه دم لمجاوزة الميقات وهل يرده من الأجرة بقسط ذلك؟ وجهان، ولا دم على الأجير في تمتعه لأن دم التمتع إنما يجب إذا وقع النسكان
стр. 1654
معاً عن شخص واحد وههنا وقعا عن شخصين إلا أن يقع عن المحجوج عنه العمرة أيضاً، لكونه ميتاً، فيجب دم التمتع على الأجير، فيكون عليه دمان: دم المتعة ودم مجاوزة الميقات [١٩٢ / ب]
ومن أصحابنا من قال: إن كان في كلامه ما يدل على الإذن به، فقال: أفرد فإن تمتعت فقد أحسنت. وقع النسكان عنه، وان لم يكن في كلامه ذلك فعلى ما ذكرنا. وأما القسم الثاني من الأصل أن يأذن له بالإحرام بعمرة، فأحرم بغيرها فيه ثلاثة أقسام:
أحدها: يحرم بحج.
والثاني: يقرن عنه.
والثالث: أن يتمتع عنه، فأما الأول، فإن كان عن حي يقع عن الأجير، وان كان عن ميت فحكمه على ما مضى من اعتبار حال الميت في بقا، فرض الحج عليه أو سقوطه عنه.
وأما الثاني، فحكمه كما لو استؤجر بحجة مفردة فأحرم قارناً على ما ذكرنا، فان قيل: العمرة لا تفوت فيمكنه أن يعتمر بعد حجه. قلنا: عين له الزمان، وقد فات ذلك الزمان فبطلت الإجارة، فإذا فعل ذلك لا يستحق الأجرة، نص عليه في "المناسك الكبير"، وقال: رد الأجرة، ومعناه هذا وقيل معناه لا أجرة له بما فعل، ولم يتعرض لحكم آخر لو اعتمر بعده.
وأما الثالث، فإذا تمتع، فالعمرة عن الآمر حياً وميتاً لانفرادها وله الأجرة، والحج يختلف بين أن يكون حياً أو ميتاً، وبين أن يكون عليه فرضه أو لا، وبين أن يوجد ما يدل على الإذن أو لا، فإن أوقفنا الحج عن الأجير لم يجب دم التمتع، وإن أوقعنا عن الميت يلزمه دم التمتع لوقوعهما عن شخص واحد.
وأما القسم الثالث من الأمل أن يعين له القران، فأحرم بغيره ففيه ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يحرم بحجة مفردة، فيقع الحج عن الآمر، وبقي الثاني، وهو العمرة فبعث غيره ليعتمر عنه، وإن كانت العمرة واجبة عليه ورجع عليه يخصة العمرة من الإجارة، فإن اعتمر هذا الأجير عنه بعد ذلك يجوز عن الآمر، وزاده من وجه بإفراد كل واحدٍ منهما [١٩٣ / أ] ونقصه من وجه وهو أنه أحرم بالعمرة من أدنى الحل دون الميقات فيلزمه الدم، وهل يرد من الأجرة بقدر ما ترك من عمل العمرة وهو ما بين الميقاتين؟ على قولين. وإن عاد إلى الميقات وأحرم بها فلا دم عليه واستحق كل الأجرة؛ لأنه أتى بالنسكين من الميقات مع زيادة العمل في الإفراد. ومن أصحابنا من قال: يلزمه أن يرد من الأجرة بقسط العمرة بكل حال؛ لأنه عين له وقت العمرة، بأن يأتي بها في أشهر الحج وقد فات ذلك الوقت، وهو ظاهر ما قال في "المناسك الكبير".
стр. 1655
والثاني: أن يحرم بعمرة مفردة فيقع عن الأمر، ثم بأن لم يأت بالحج فرداً يلزمه رد ما قابله من الأجرة، وان أتى به سقط النسكان ثم يعتبر موضع إحرامه بالحج على ما ذكرنا وذلك على قولين ويلزم دم آخر لتمتعه. فإن قيل: فدم المتعة وجب لترك الإحرام بالحج من الميقات فمعنى وجوبها مختلف؛ لأن أحدهما وجب بالعقد والثاني بالشرع، فإذا ثبت وجوب الدمين فدم وجوب المجاوزة واجب على الأجير. وأما دم المتعة قال أكثر أصحابنا: يلزم المستأجر بدلاً من دم القران؟ لأنه أذن له في نسكين موجبهما دم وقد فعل، فهو كما لو قرن. وقال بعض أصحابنا: فيه وجهان؛ أحدهما: هذا. والثاني: لزم الأجير لأنه لم يأذن في التمتع فلا يلزمه موجبه. ذكره في "الحاوي" ولو عاد إلى الميقات وأحرم منه بالحج فلا دم على أحد؛ لأن دم التمتع كتركه الإحرام بالحج من الميقات ولم يترك.
وأما القسم الرابع من الأصل: أن يأمره بالتمتع فأحرم بغير ففيه ثلاث أقسام:
أحدهما: أن يحرم بحجة مفردة على ما ذكرنا عن الآمر، وبقى النسك الثاني فإن أتى به سقط عنه أيضاً ثم ينظر فإن أحرم به من الميقات فقد أكمل وان أحرم به من أدنى [١٩٣ / ب] الحل فقد كان يلزمه بالإجارة أن يحرم به من الميقات فترك، وكان يجوز له أن يحرم من جوف مكة فأحرم به من الميقات فتطوع بالزيادة فيلزمه دم العمرة وهل يرد بقسطه من الأجرة؟ على ما مضى. وإن لم يأت بالعمرة يرد بقطها من الأجرة فيسقط الأجرة على الحج، والعمرة على الحج الذي أتى به، فيقال: عمرة من الميقات وحجة من نسكه بكم؟ فيقال: بمائة، ويقال: حجة بمكة بكم؟ فيقال: بخمسين فيستحق نصف الأجرة ولا تسقط الأجرة على حجة من الميقات لأنه متطوع بزيادة الإحرام من الميقات بالحج إلى مكة فلا تستحق لأجله الأجرة. فإن قيل: أفيلزمه أن يحرم بالعمرة؟ قيل: يلزمه ذلك لأنه استؤجر على عملين فعمل أحدهما، إلا أنه كان عن ميت فلا خيار لمستأجره، وان كان عن حي كان مستأجره بالخيار على ما سبق نظيره.
والثاني: أن يأمره بالتمتع فأحرم بعمرة مفردة فالعمرة عن الآمر وبقي الآخر، فإن أتى أو لم يأت كان على ما مضى.
والثالث: أن يستأجره ليتمتع فقرن فيقع كلاهما عن الآمر ولكن يلزمه دم لأجل ما ترك من العمل في إفرادهما ولو أنه طاف لهما طوافين وسعى سعيين لا يسقط ادم عنه أيضاً؛ لأنه قد كان يجزئه أحدهما فصار متطوعاً بالثاني، على أنه قد ترفه بسقوط أحد الإحرامين فكان عليه أن يجبر ذلك بدم، وهل يرد من الأجرة بقسطه؟ على الخلاف وعليه دم القران، فيجب بقرانه دمان:
أحدهما: بترك العمل في إفرادهما، وهو واجب على الأجير.
стр. 1656
والثاني: بالقران وفيه وجهان:
أحدهما: على الأمر بدلاً من دم التمتع على ما ذكرنا.
والثاني: يلزم الأجير لتركه ما أذن فيه وتطوع بفعل ما لم [١٩٤ / أ] ويؤذن فيه. ذكره في "الحاوي".
وسائر أصحابنا ذكروا قولاً واحداً إنه يسقط عنه فرفهما، ويستحق جميع الأجرة ويلزم دم القران في مال المستأجر، لأنه زاده خيراً من وجه، وهو أنه أحرم بالحج من الميقات ونقصه من وجه ولم يؤثر ذلك في إسقاط فرض النسكين عنه. وقد رضي هو بإسقاط النسكين على وجه يقتضي وجوب الدم، ودم القران متعلق بالإحرام كدم التمتع سواء. نص عليه في "المناسك الكبير"، وقال: لا يلزمه أن يرد شيئاً من الأجرة لما خف عنه من العمل بتداخل النسكين، لأن الشرع جوز ذلك القدر من العمل على العبادتين معاً.
وقال أبو حنيفة: إذا أمره بالمأمور وزاد أن يحج عن ميت أو يعتمر، فقرن يضمن الذي أخذه، لأنه فعل ما لم يؤمر، وهذا لا يصح لما ذكرنا أنه أتى بالمأمور وزاد.
فرع
لو استأجر رجلاً ليحج عنه، فأحرم بالعمرة عن نفسه، وبالحج عن المستأجر نص في "المناسك الكبير": إن كليهما عن الأجير، وقد ذكرنا من قبل.
وقال أبو حامد: أشار الشافعي في "القديم" إلى أنهما يقعان على ما نوى العمرة عنه، والحج عن المستأجر. قال القفال: وعلى هذا يجوز أن يحرم عن زيد بالحج وعن عمرو بالعمرة في أحد القولين. ومن أصحابنا من قال: يقعان عن الأمر، لأن العمرة تبع الحج، والصحيح الأول، لأن الإحرام واحد، فلا يجوز أن يقع عن اثنين، ولا يتبع الحج، لأنه يؤدي إلى أن ينوي نسكاً عن نفسه، ثم يقع عن غيره. وهذا محال.
فرع آخر
لو كانت عليه حجة الإسلام وحجة منذورة، فاستأجر من يحج عنه وأمره أن ينوي الحجة المنذورة، فنواها وقعت عن حجة الإسلام، لأنه لو أحرم عن نفه [١٩٤ / ب] بالمنذورة وقعت عن حجة الإسلام كذلك النائب عنه.
فرع آخر
الإجارة على زيارة قبر الرسول ﷺ لا يجوز، لأنه عمل غير مضبوط بوصف ولا مقدر بشرع. وأما الجعالة على زيارة قبر الرسول ﷺ وقعت بالجعالة على نفس الوقوف
стр. 1657
هناك عند القبر ومشاهدته لا تجوز، لأنه لا يجوز فيه النيابة عن الغير، وإن وقعت الجعالة على الدعاء عند زيارة قبره تجوز، لأن الجهل بالدعاء لا يبطله، والدعاء مما تصح فيه النيابة لقوله ﷺ : "إذا مات ابن أدم انقطع عمله إلا من ثلاث"، وذكر منها: "ولد صالح يدعو له".
فرع آخر
لو كانت عليه حجة الإسلام وحجة النذر فاستأجر رجلين في عام واحد، وأحرما عنه في حالة واحدة من غير أن يسبق أحدهما الآخر يحتمل وجهين: أحدهما: أن يعتبر أسبقهما إجارة، وإذناً فينعقد إحرامه بحجة الإسلام، وما بعده بالنذر.
والثاني: يحتسب الله له بأحدهما عن حجة الإسلام لا بعينها والأخرى عن حجة النذر.
فرع آخر
إذا وجب عليه الحج، فمات قد ذكرنا أنه يلزم أداء الحج عنه من الميقات، وقد نص على هذا في "المناسك الكبير"، وصرح أنه لا يلزمه أن يستأجر رجلاً من بلده ونص في كتاب الوصايا أنه يحج عنه من بلده، ونص في "الأم" ما يدل على هذا فحصل قولان:
أحدهما: يجب من الميقات، لأن ما قبله نسب إلى الإحرام من الميقات، فإن الحي لا يمكنه أن يحرم من الميقات حتى يسير من بلده، فإذا مات سقط ذلك، وهو الصحيح.
والثاني: يستأجر من بلده من رأس المال، لأن الذي وجب عليه أن يسير من بلاه ويحرم من الميقات، [١٩٥ / أ] فإذا مات وجب أن يفعل عنه على الحد الذي وجب عليه في حياته. وقال ابن المرزبان: فيه وجهان، ولا معنى للوجهين على ما ذكرنا.
مسألة: قال: ولا يحرم عن رجل إلا من قد حج مرة وقد ذكرنا هذه المسألة.
فرع
ذكره والدي ﵀ إذا أذن المعصوب للأخر بالإحرام عنه يوم الجمعة، فأحرم عنه يوم الخميس جاز قياساً على ما قال الشافعي، لو عين مكاناً للأجير ليحرم عنه فيه، فأحرم قبله جاز، وقد زاده خيراً. ويحتمل أن يقال: لا يجوز، لأن الميقات الشرعي من جهة الزمان يجوز تقديم الإحرام عليه كالإحرام بالحج قبل أشهره فالميقات الذي عينه الأمر مثله، وهذا أصح الفعل بين الزمان والمكان.
فرع آخر
وقال أيضاً: لو أحرم إحراماً موقوفاً في أشهر الحج، وكان حج حجة الإسلام
стр. 1658
وعمرة الإسلام، فمات قبل التعيين وترك مالأ وكان الموت بعد أشهر الحج، ولم يعمل أعمال واحدٍ منهما، فالوارث ما الذي يقضي الحج أم العمرة أم القران؟ فإن الميت كان شرع في الإحرام، وأمكنه الأداء، ولم يؤده حتى مات يحتمل وجهين:
أحدهما: يقوم الوارث مقامه في التعيين كما يقوم مقامه في جميع أموره، فإن عينه في الحج لزمه قضا، الحج، وان عينه في العمرة لزمه قضاء العمرة. وهل يبني الوارث على إحرام المورث أم يحتاج إلى إحرام جديد؟ قولان، والأصح أنه يلزمه تحديا الإحرام
والثاني: لا يقوم مقامه في التعيين بل يكون عليه القران عنه للاحتياط في إسقاط الفرض وأصل هذا إذا طلق إحدى امرأتيه لا يعينها، [١٩٥ / ب] فمات قبل التعيين، هل يقوم الوارث مقامه في التعيين؟ قولان.
مسألة: قال: ولو أوصى أن يحج عنه وارث لم يسم شيئاً أحج عنه بأقل ما يوجد أحد يحج به.
الفصل
إذا أوصى أن يحج عنهء وأطلق ولم يعين من يحج عنه ولا الأجرة، فإنه يستأجر من يحج عنه من الميقات بأقل ما يوجد من الحج عنه إذا كان ثقة أميناً، لأن الواجب هو أقل ما يمكن كما لو قال: أعتقوا عني عبداً كان الواجب أن يعتق عنه ما يقع عليه اسم العبد بأقل ما يوجد من الثمن، ولا فرق بين أن يحج عنه وارث أو أجنبي، لأنه يحج بعوض لا مسامحة فيه، فكان الوارث والأجنبي في ذلك سواء كما إذا باع في مرضه شيئاً بثمن مثله جاز البيع سواء كان من الوارث، أومن الأجنبي، وكذلك إذا أوصى بأن يباع من وارثه بثمن مثله صح، وقال الماسرجي: الأولى أن يستأجر الوارث، لأنه أشفق على مورثه وأحوط على تأدية فرضه، ولو أوصى بأن يحج عنه رجل بعينه، ولم يم له أجرة.
قال الشافعي: يحج عنه بأقل ما يوجد أحد يحج به. وقال بعده: ولو أوصى لرجل بمائة دينار يحج بها عنه، فما زاد على أجر مثله، فهو وصية، فجعل ما زاد على أجرة مثله وصية، ولم يقل: ما زاد على أقل ما يوجد. واختلف أصحابنا، فمنهم من قال: يعطى أجرة المثل من المسألتين جميعاً، وقول الشافعي: أحج محنه بأقل ما يوجا أحد يحج به، يريد من كان في مثل حاله ودينه وأمانته وعلمه، فلو كان المعين أفقه من غيره، فطلب مائة وغيره يحج بأقل أعطى المائة، لأن العالم أحسن قياماً بها ممن يجهلها في المسألة الأولى لو كان المعين أفقه، فطلب ألفين، وغيره يحج بألف أعطى الألفين. وهذا اختيار القاضي الطبري، [١٩٦ / أ] وهو الأقيس، ومنهم من فرق بين المسألتين، فقال في المسألة الأولى: وكل الأجرة إلى الوصي، فلم يجز أن يدفع إلا لأقل الذي يحج به.
стр. 1659
وفي الثانية: قطع الأجرة بنفسه، ولم يكلها إلى الاجتهاد، فكان ما زاد على أجرة المثل وصية، وهذا كما لو أوصى أن يباع عبده الفلاني من فلان، ويتصدق بثمنه يباع منه بأكثر ما يوجد له ثمناً، ولو أوصى بأن يباع منه بقدر بيع منه، فإن نقص ثمن المثل احتسب من ثلاثة، وإذا لم يحج عنه بأقل ما يوجد أو أجرة المثل على ما بيناه أحج عنه غيره بأقل ما يوجد أحد يحج عنه به، لأنه صار موكولا إلى اجتهاد الوصي، وبطل ما أوصى به الميت من تعيين من يحج عنه.
ولو قال: أحجوا عني فلاناً بمائة دينار فعين من يحج عنه، ومدار الأجرة، فلا يختلف المذهب أنه يعطي أجرة مثله، فإن كان ما سفاه أجرة مثله لا يزيد عليها أعطي ذلك من رأس المال سواء كان وارثاً أو أجنبياً، لأنه معاوضة بعوض المثل، وان كانت أجرة مثله خمسين ديناراً كان ما زاد عليها وصية، فإن كان وارثاً كان إلى إجازة باقي الورثة، فإن أجازوه جاز وان ردوه بطل، وإن كان أجنبياً نظر، فإن كانت الزيادة تخرج من الثلث. جاز وان لم تخرج من الثلث كان ما زاد على ثلاثة إلى إجازة الورثة، فإن أجازوه جاز، وإن ردوه بطل، فإذا أراد الموصى له أن يحج بالكل عند الإجازة أو بالبعض عند الرد أحج عنه وان امتنع أحج غيره بأقل ما يوجد أحد يحج عنه.
فرع
لو قال: أعطوني ما أوصى له به، وهو ما زاد على أجرة مثلي لم يدفع إليه، لأنه إنما أعطاه إذا حج عنه، فأما إذا لم يحج عنه، فلا يستحق شيئاً، وهذا كما لو قال: بيعوا عبدي من فلان بمائة وتصدقوا بثمنه، [١٩٦ / ب] والعبد يسوي مائتين، فامتنع من شرائه بيع العبد من غيره بالمائتين، ويتصدق بثمنه، ولا يجوز أن يقول: أعطوني المائة التي كانت وصية لي، لأنه إنما جعلها له إذا اشترى العبد.
فرع آخر
لو قال: أحجوا عني من يرضاه فلان، فرضي فلان إنساناً كان كما لو عينه الموصي، فإن كان في حج واجب، كان كالمعين في حج واجب، وان كان في حج تطوع كان كالمعين في حج التطوع.
فرع آخر
لو أوصى بحج التطوع، وقلنا: يصخ في أحد القولين ويكون جميع الأجرة معتبرة من الثلث سواء أمر بأن يحج عنه مطلقاً، فاستؤجر بأقل ما يوجد من يحج به عنه، أو عين الأجرة والحاج، أو عين الحاج ولم يعين الأجرة، ولو قال: أحجوا عني فلانا بمائة، فإن رضي فلان أن يحج بها عنه أحج عنه، وان امتنع من الحج، وكان حج التطوع، فهل تبطل الوصية؟ وجهان:
أحدهما: تبطل، ولا يحج عنه، لأنه قصد الإرفاق بهذا الموصى له، فإذا ردها بطلت كما لو أوصى بثلث ماله لرجل فرد الوصية رجع المال إلى الورثة.
стр. 1660
والثاني: لا تبطل ويحج بأقل ما يوجد كما بيناه، لأنه قصد به القربة لنفسه ومنفعة من عينه، فإذا أراد الموصى له حملت القربة بغيره كما لو قال: بيعوا هذا العبد من فلان بمائة درهم، وهو يساوي مائتي درهم، وتصدقوا به، فإن امتنع الفلان من شرائه بيع العبد من غيره بما يسوي وتصدق بثمنه، وهذا أصح.
فرع آخر
لو قال: أول من يحج عني، فله مائة دينار فحج عنه غير وارث، فله أقل ما يوجد به من يحج عنه، وما زاد مردود، لأنه وصية لوارث نص عليه في "الأم".
قال أصحابنا: إن حج عنه أجنبي أولاً، والزيادة على أجرة المثل [١٩٧ / أ] إلى تمام المائة يزيد على الثلث تتوقف هذه الزيادة على إجازة الورثة.
والثاني، أن له أجرة المثل فقط لا أقل ما يوجد به من يحج عنه. وأراد الشافعي هذا ثم اعترض المزني، فقال: يجب أجر المثل لمن حج، ولا زيادة على ذلك، وان خرجت من الثلث، لأن من شرط الإجارة أن يكون الأجير معيناً، وإذا لم يعين كانت الإجارة فاسدة ويصير المسمى فاسداً، فتجب أجرة المثل.
وقال أبو إسحاق: هذا غلط من المزني، لأن هذه ليست بإجارة بل هي جعالة، ويجوز في الجعالة مثل هذا على ما ذكرنا من قبل. وعند المزني الجعالة على الحج لا تجوز، وهذا غلط، أن كل عمل تجوز الإجارة عليه تجوز الجعالة عليه.
فرع آخر
لو استأجره ليحج عنه ماشياً فحج راكباً، فإن قلنا: الحج راكباً أفضل، فقد زاد، وإن قلنا: الحج ماشياً أفضل فقد أساء وعليه دم، وهل يلزمه أن يرد التفاوت بين أجرة الراكب والماشي؟ وجهان.
فرع آخر
لو قال: أحجوا عني من شاء زيد، فعين زيد شخصاً، فامتنع، ثم أراد زيد أن يعين شخصاً أخر فيه وجهان:
أحدهما: له ذلك، لأنه لم يحصل المقصود بتعينه.
والثاني: ليس له ذلك، لأنه فوض إليه التعيين، وقد عين، والتعدد حصل من جهة أخرى، فليس له أن يعين أخر، بل الولي يستأجر من يريد.
فرع آخر
لو قال: أحجوا محني فلاناً، فمات أحج غيره، لأن القصد من ذلك إيقاع العبادة كما لو قال: أعتقوا عني رقبة، فاشتريت رقبة، فماتت يشتري أخرى، ويعتق. فإن قيل: أليس لو أوصى بعتق عبد بعينه، فمات سقطت الوصية؟ قلنا: العتق حقاً للموصى
стр. 1661
بعتقه، فإذا عين له، فإذا مات سقط، لأن المغلب حقه. وههنا المغلب حكم العبادة فافترقا [١٩٧ / ب].
فرع آخر
لو أوصى بثلثه للحجيج. قال الشافعي: أمرت أن يعطي فقراء الحاج، ولا أعلمه يحرم أن يعطاه غني منهم، وهذا لأن اسم الحاج ينطلق على كلهم.
فرع آخر
قال في "الإملاء": لو حج وفرغ، أو اعتمر وفرغ منها، ثم شك، هل طاف على طهارة أم لا؟ أحببت أن يعيد، ولم يوجب الإعادة، لأن الشك الطارئ بعد الفراغ من العبادة لا يقدح في العبادة، لأنها قد صحت في الظاهر، ولهذا يقول: لو فرغ من الصلاة ثم شك، هل ركع أم لا؟ لم تلزمه الإعادة، ولو شك قبل الفراغ منها يلزمه البناء على اليقين.
فرع آخر
إذا أوصى، وقال: أحجوا عني مطلقاً. قال أبو إسحاق: يحج عنه من بلده، وان قلنا: الحج عنه يجب من الميقات إذا لم يوص به، لأنه لما أوصى علمنا أنه قصد خلاف ما عليه الأصل. وقال غيره يحج عنه من الميقات كما لو لم يوص به، وهو المذهب.
فرع آخر
إذا قلنا: يجب أن يحج عن الميت من بلده، أو قلنا: من الميقات، فأوصى به مطلقاً، قال أكثر أصحابنا: يحج عنه من رأس المال، والوصية أفادت التذكار فقط، لأن المطلق يجب حمله على ما ثبت بالشرع، ومن أصحابنا من قال: يحج عنه من الثلث ما لم يعجز ثلاثة عن الميقات نص عليه المزني في كتاب الوصايا، فقال: لو أوصى أن يحج عنه، ولم يحج حجة الإسلام، فإن بلغ ثلاثة حجاً من بلده حج عنه من بلده، وان لم يبلغ أحج عنه من حيث بلغ، ولأن الظاهر من الوصية أنه جعله في ثلاثة رفقاً بالورثة، ولو قال: أحجوا عني ثلثي أجج عنه من الثلث، ويجب أن يحج عنه من بلده من الثلث، فإن [١٩٨ / أ] لم يبلغ، فمن حيث بلغ، فإن الظاهر أنه أمر بصرف ثلثه في الحج، وان قال: أحجوا عني من بلدي، فإن قلنا: يجب الحج من البلد أحج عنه من رأس المال.
ومن قال من أصحابنا: إن الظاهر من الوصية الثلث يجب أن نقول: يحج من ثلثه، فإن كفى وإلا أتم من الثلثين، وإذا قلنا: الواجب من رأس المال، فإنه يحج من البلد ذكره صاحب الإفصاح. وقد قيل: يحج من الميقات من رأس المال، ومن البلد إلى الميقات من الثلث.
стр. 1662
قال القاضي الطبري: وهذه المسائل قد تعبت في طلبها من كلام الشافعي، والذي تحصل من كلامه من الحج وفي الوصايا ما ذكرته.
فرع آخر
هذا الذي ذكرنا إذا لم يكن مع الحج في الوصية غيره، فأما إذا كان معه غيره، فأوصى بأن يحج محنه من بلده وتصدق بصدقات، فمن أصحابنا من قال: إذا أوصى به من الثلث كان اعتبار الجميع من الثلث واحداً، فإذا قسم الثلث على الجميع، فإن وفى ما يخضه من الثلث وإلا تمم من رأس المال.
ولو قال: أحجوا عني، ولم يقل من ثلثي وتصدقوا بكذا وكذا فقد بينا أن المطلق من قوله: أحجوا عني يحمل على رأس المال دون الثلث في قول أكثر أصحابنا. وفي قول بعضهم: يحمل على الثلث. فمن قال بالأول: وأنه يحمل على رأس المال اختلفوا في هذا الموضع، فقال ابن أبي هريرة: ههنا يحمل على الثلث، لأنه لما جمع بينه وبين الصدقة أن تخرج من الثلث دل على أنه قصد بالوصية بالحج من الثلث وقصد به الترفيه على الورثة، وقال غيره: وهو الأصح يخرج من رأس المال، ويجعل الصدقة في الثلث.
فرع آخر
قال بعض أصحابنا بخراسان: إذا قال: أحجوا عني رجلاً بألف وأجر المثل [١٩٨ / ب] أقل ولم يعين الرجل، فيه وجهان:
أحدهما: لا يحج إلا بقدر أجر المثل، لأنه لم يتعين ذلك الشخص حتى يكون الباقي وصية به، بل الباقي وصية للوارث.
والثاني: أنه وصية لشخص موصوف بصفة، وهو أن يحج عنه، فمن حج عنه دفع إليه كل الألف إذا أخرجت الزيادة عن أجر المثل من الثلث.
فرع آخر
قال القفال: وقعت مسألة بمرو هي نظير ما تقدم. وتلك أن رجلاً أوصى أن يشتري عشرة أقفزة حنطة بمائتي درهم، فيتصدق بها، فوجدوا من أجود الحنطة عشرة أقفزة بمائة درهم، فمنهم من قال: ترد الزيادة إلى الورثة، ومنهم من قال: هو وصية لبائع الحنطة، ومنهم من قال: نشتري بالزيادة زيادة الحنطة بهذا السعر، فيتصدق بها، وهذا الوجه الثالث، لا يتصور في الحج.
فرع آخر
قال القفال: قال الشافعي في "الكبير": لو استأجره على أن يحج في هذا العام، فحج من عام آخر، فقد أساء ويجزئه. قال أصحابنا: هذا إذا ثبت الحج في ذمته، فأما
стр. 1663
إذا كان عين الزمان بطلت الإجارة بانقضائه، ولا يكون الحج عن الآمر، وقد بينا هذا من قبل.
فرع آخر
إذا قلنا: لا وداع على الحائض، فالمستحب لها أن تقف على باب المسجد، وتدعو بذلك الدعاء الذي يدعى به عند الملتزم على ما سبق بيانه. قال في "الإملاء": وأحب للحائض أن تقول هذا، وأكثر منه على باب المسجد.
فرع آخر
قال والدي ﵀: لو حج رجل وعنده أنه صبي لم يبلغ أو أنه عبد فتبين أنه كان حراً بالغاً مخ حجه عن حجة الإسلام، ولو تيمم العادم للماء ظناً منه أن وقت الغرض لم يدخل، وكان قد دخل الوقت، فيه وجهان:
أحدهما: يصخ كالحج.
والثاني: لا يصخ، والفرق أن الحج يلزم بالدخول، [١٩٩ / أ] ولا يجوز أن تسبق حجة النفل حجة الإسلام في وقت تصح منه، فيه حجة الإسلام فجوزنا هذه الحجة عن الفرض، لأن إبطالها لا يمكن تصحيحها عن غير الفرض والتيمم لا يلزم بالدخول، فجاز إبطاله عن الفرض في وقته لوقوع الاشتباه فيه حين الفعل، ويؤكده أن إحرام الصبي والعبد قد يؤدي به حجة الإسلام، وهو إذا بلغ أو أعتق قبل الوقوف، ولهذا لم يمنع اعتقاد حالة الصغر والرق من جواز الإحرام عن الفرض، والتيمم الواقع قبل الوقت لا يؤدي به فرض الوقت بحال، فلهذا منع اعتقاده وبقي دخول الوقت من جواز التيمم عن الغرض، وإن صادفت الحقيقة خلاف ما يقتضيه اعتقاده.
فرع آخر
قال: إذا ارتد الرجل بعل ما وجد الزاد والراحلة وقبل إمكان الأداء، ومضى وقت الحج في حال ارتداده، هل يلزمه الحج، حتى إذا أسلم ومات في الحال يقضى عنه أم لا؟ فيه قولان بنا، على أن الردة تزيل الملك أم لا؟ فإن قلنا: تزيل الملك لا يلزمه الحج، لأنه ملكه زال عن الزاد والراحلة قبل استقرار الحج عليه، وهما شرطان في وجوب الحج، فصار كزوال الملك بالتلف، وإن قلنا: لا يزيل الملك يلزمه الملك لأن الردة لا تسقط الفرائض، ولهذا الأصل اختلف القول في زكاة مال المرتد.
فرع آخر
قال: إذا أحرم بالعمرة في غير أشهر الحج ثم دخل أشهر الحج، ولم يطف بعد، فما أدخل عليها حجاً، هل يصخ هذا الإدخال؟ وجهان:
أحدهما: لا يصخ، لأنه لو كان أحرم بهما في الابتداء لم يجز لأن الزمان ليس بزمان إحرام الحج، فلو جوزنا هذا الإدخال وجب أن نجعله كأنه أحرم بهما في الابتداء. وهذا محال في هذا الموضع.
стр. 1664
والثاني: يجوز، لأنه لو أحرم بهما، الآن صح، [١٩٩ / ب] فلذلك يصح الإدخال في هذا الزمان كما لو أحرم بالعمرة في أشهر الحج صح له إدخال الحج عليها لهذا المعنى.
فرع آخر
قال: إذا أحرم بالحج، ثم شك وهو في أشهر الحج، هل أحرم في أشهر الحج، أو قبل أشهره، هل يلزمه الحج أو العمرة أو هما؟ فيه وجهان:
أحدهما: يتحرى ويبني على غالب ظنه.
والثاني: يأتي بالحج ليتيقن سقوط الفرض وأصل هذين الوجهين إذا أحرم في وقته، ثم بنى بماذا أحرم ما الذي يلزمه؟ قولان، هذا إذا لم يعرف وقت الإحرام، ووقت دخول الأشهر، فإن عرف وقت دخول الأشهر وشك في وقت الإحرام وجب الحج، لأن الأصل أن الإحرام، وذلك يقتضي و_ع الإحرام في الأشهر، وان عرف وقت الإحرام وشك في وقت دخول الأشهر لزمته العمرة، لأن الأصل أن الأشهر لم تدخل، وذلك يقتضي هذا الذي نقلناه.
فرع آخر
قال: إذا أحرم مطلقاً في غير أشهر الحج، فقبل أن يعينه عن العمرة دخل أشهر الحج، فأراد أن يصرفه إلى الحج لم يكن له، لأن إحرامه مخ عن العمرة ولا يقع موقوفاً في الابتداء، لأن الزمان لا يقبل إلا إحرام أحد النسكين، وإنما يقبل الوقوف إذا قبل الزمان كل واحد منهما، فإن كان يريد إدخال الحج على هذه العمرة فقد ذكرنا وجهين.
فرع آخر
إذا أحرم بالعمرة في أشهر الحج، ولم يعمل شيئاً من أعمالها حتى دخل أشهر الحج في العام الثاني، ثم أراد إدخال الحج عليها، هل يجوز؟ يحتمل وجهين:
أحدهما: لا يجوز لأنه حديث حالة، لا يصخ فيها الإدخال كما لو طاف للعمرة لم يصح للإدخال في حالة الطواف، ولا بعده.
والثاني: يجوز كما لو أحرم بهما في العام الثاني كان صحيحاً، وهذا كما قلنا فيمن أحرم [٢٠٠ / أ] بالعمرة في غير الأشهر، ثم أراد إدخال الحج عليها في الأشهر، فيه وجهان، فإن جوزنا هناك، فههنا أجوز. وان قلنا: لا يجوز هناك، فههنا وجهان:
أحدهما: لا يجوز اعتباراً بذاك.
والثاني: يجوز لأنه لو أحرم بهما في الابتداء هناك لم يصخ إحرام الحج وههنا لو كان أحرم بهما في الابتداء صح إحرامه بهما، وهذا أوضح.
فرع آخر
إذا طاف في الحج وعنده أنه في العمرة، ونوى فعله عن العمرة يصح عن الحج،
стр. 1665
لأنه لو طاف بنية الغير يقع عن فرضه، وإن تعمد ذلك فهذا أولى.
فرع آخر
إذا كان محرماً بالحج فأحرم بالحج ثانياً قبل الإتيان بشيء من أركانها، هل ينقلب إحرامه الثاني إلى العمرة على القول الذي يجوز إدخال العمرة على الحج، فيه وجهان محتملان:
أحدهما: يجوز عن العمرة، لأن هذه الحالة صالحة للعمرة دون الحج.
والثاني: لا يجوز، وهو الذي يقتضيه كلام أصحابنا، لأن الوقت قابل للحج في الجملة، فإذا لم يصخ الإحرام به عنه لم ينصرف إلى غيره، كالصلاة في وقتها إذا لم تصخ عن الفرض لم تصخ أيضاً عن التطوع، وبهذا فارق إذا أحرم بالحج قبل أشهره: لأن الوقت غير قابل للحج ينعقد عمرة، وهذا غير صحيح لأن حالة كونه في الحج حالة لا تصلح للحج في حقه ولا اعتبار بحال غيره في معرفة حكمه، فصار كالزمان قبل أشهر الحج في حق الجماعة ويؤكده أن الإحرام بالصلاة في الوقت قد تصخ عن التطوع إذا لم تصخ عن الفرض، وهو إذا أدرك الإمام راكعاً، فأحرم خلفه وهو يهوي راكعاً، صح عن النفل، لأن حالته هذه غير قابلة للفرض ويقبل النفل، فكذلك ههنا.
فرع آخر
إذا أحرم بحجتين، هل ينعقد بحج وعمرة) يحتمل وجهين [٢٠٠ / ب]
أحدهما: لا ينعقد كما لو أحرم بصلاتين لا ينعقد بفريضة ونافلة. وهذا هو الأشبه بكلام أصحابنا.
والثاني: ينعقد لأن إحرامه بالحج الثاني ينصرف إلى العمرة، كما لو أحرم بالحج قبل أشهره، لأن الحالة لا تقبل حجة أخرى وتقبل العمرة، ويفارق الصلاة، لأن الجمع بين فرضها ونفلها بإحرام واحد غير صحيح، ويصخ الجمع بين الحج والعمرة بإحرام واحد، فبان الفرق، ولهذا إذا أحرم بصلاتي فرض لم ينعقد بأحد الفرضين بخلاف ههنا.
فرع آخر
إذا أحرم بالحج، ثم أحرم ثانياً مطلقاً صح الثاني بالعمرة على القول الذي يجوز إدخال العمرة على الحج، وهو أصخ القولين، وهكذا إذا أحرم بالعمرة، ثم أحرم ثانياً إحراماً موقوفاً، صح الثاني عن الحج، لأن الحالة لا تقبل إلا نسكاً واحداً، إما الحج أو العمرة، فانصرف الإحرام المطلق إلى ذلك الواحد الذي يصخ في هذه الحالة، وفيه وجه آخر، أن إحرامه المطلق بعد إحرامه بالعمرة لا ينصرف إلى الحج، ولكن يقال له: عين، فإن عينه في العمرة كان الإحرام الثاني باطلاً، وان عينه في الحج مخ، وكان قارناً، كما لو قال لامرأته وأجنبية: إحداكما طالق، لا يقع الطلاق على الزوجة، بل يقال له: عين، فإن عينه في الأجنبية لا حكم له، وكذلك في المسألة الأولى، إذا أحرم
стр. 1666
بالحج، ثم أحرم مطلقاً، يقال له: عينء فإن عين في الحج لم يصح عنه، ولم ينصرف إلى العمرة، وان عينه في العمرة صح عنها، وصار قارناً، فحصل في هذا أن في الإحرام المطلق بعد إحرام العمرة وجهين: أحدهما: ينصرف إلى الحج والثاني: يوجع إليه في التعيين وأما الإحرام المطلق بعد إحرام الحج، فإن قلنا: إن الإحرام الثاني لو كان الحج انصرف إلى العمرة، فههنا ينصرف إلى العمرة أيضاً وجهاً واحداً.
وإن قلنا: إنه لو وقع بالحج بطل، فعند الإطلاق وجهان [٢٠١ / أ]:
أحدهما: ينصرف إلى العمرة.
والثاني: يرجع إليه في التعيين على ما ذكرنا.
فرع آخر
لو أحرم بالحج عن رجلين:
أحدهما: أذن له في الإحرام، والآخر لم يأذن، فيه وجهان: أحدهما: يقع عن نفسه كما لو أذن له به، فأحرم عنهما.
والثاني: يقع عمن أذن له بالحج دون الآخر.
فرع آخر
إذا أذن لعبد بالحج عنه فحج عنه، ثم تبين أنه كان حراً وكان حج عن نفسه، وكان حراً في ذلك الوقت تصح هذه الحجة عن الإذن واعتقاده أنه عبد لا يمنع صحتها، وعلى هذا لو أحرم بالحج وعنده أن أشهر الحج لم تدخل، ثم بان أنه كان قد دخل انعقا إحرامه بالحج، ولا تأثر لاعتقاده.
فرع آخر
المستحاضة التي لا تعرف وقت حيضها من طهرها بوجه تطوف طواف الوداع إذا أرادت الخروج، فإن لم تفعل لا دم عليها، لأن الأصل أنه غير واجب، فلا يلزمها إلا بتعيين، ويحتمل أن يقال: يلزمها الدم، لأن الاحتياط في إراقة الدم كما يوجب الصوم عليها احتياطاً.
فرع آخر
حجة فيها قتل صيد أو عمرة ليس فيها قتل صيد، أيتها أفضل؟ فيه وجهان:
أحدهما: الحج أفضل، لأن أعماله أكثر.
والثاني: العمرة أفضل، لأن العمر المستغنية عن الجبران أفضل من العبادة المحتاجة إليه، ولهذا صار الإفراد أفضل من القران والأول أصح.
فرع آخر
إذا نذر العبد حجا، هل له فعله قبل الإعتاق؟ وجهان.
فرع آخر
إذا عدمت الحائض الماء بعد انقطاع الدم فتيممت وطافت، ثم وجدت الماء، هل
стр. 1667
يلزمها إعادة الطواف؟ وجهان [٢٠١ / ب]:
أحدهما: يلزم، لأن الطواف كالصلاة، ولو ملى المقيم بالتيمم لعدم الماء وجبت الإعادة عند وجوده، فكذلك الطواف.
والثاني: لا يلزم الإعادة، لأن الحائض لو طافت للوداع بعد انقطاع دمها بالتيمم لعدم الماء، ثم فارقت مكة لم يلزمها الدم. وإذ قلنا: يلزم الدم بترك طواف الوداع في أظهر القولين، فلو كان ذلك الطواف غير محسوب لوجب الدم على هذا القول، وهكذا إذا طاف الرجل بالتيمم لعدم الماء، ثم وجد الماء، هل تلزمه إعادة على هذا الخلاف والله أعلم.
باب قتل المحرم الصيد
مسألة: وعلى من قتل الصيد الجزاء عمداً كان أو خطاً.
الأصل في تحريم قتل الصيد على المحرم ووجوب الجزاء بقتله الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] الآية. وقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً﴾ [المائدة: ٩٦]. وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمْ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنْ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾
قال مجاهد: يريد بما تناله الأيدي: من البيض والصغار وبما تناله الرماح: الكبار.
وأما السنة: فما روى جابر ﵁ أن النبي ﷺ سئل عن الضبع، فقال: "هو صيد وفيه كبش إذا أصابه المحرم"، وروي عن ابن أبي عمار، قال: قلت لجابر ﵁: الضبع أصيد هي؟ قال: نعم، قلت: آكلها، قال: نعم، فإن قلت: أقاله رسول الله ﷺ ، قال: نعم.
وأما الإجماع: فلا خلاف بين المسلمين فيه، فإذا تقرر هذا فالجزاء [٢٠٢ / أ] يجب بقتله سواء كان عامداً، أو مخطئاً، أو عائداً. وبه قال عامة الفقهاء، وقال مجاهد: لا يجب الجزاء على العامد في قتله الذاكر لإحرامه، أو المخطئ في قتله الناسي لإحرامه.
وقال داود: لا جزاء على المخطئ أصلاً، وإنما يجب على العامد. وبه قال أحمد في روايته وأبو ثور وروي ذلك عن ابن عباس وسعيد بن جبير ﵄، واحتجوا بأن الله تعالى نص على العمد في قوله: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا
стр. 1668
قَتَلَ﴾ [المائدة: ٩٥] الآية، فدل من طريق دليل الخطاب على أنه إذا كان مخطئاً لا جزاء عليه، وهذا غلط، لما ذكرنا من الخبر، ولم يفصل، ولأنه حيوان يجب بقتله الكفارة أو المخطئ في قتله الناسي لإحرامه. وقال داود: لا جزاء على المخطئ أصلاً، في قتل الآدمي خطأ ونبه به على وجوب الجزاء في الصيد عند الخطأ.
وقيل: إنما شرط العمد، لأنه عقبة بالعقوبة في العود لا للمخالفة بين الخطأ والعمد، وأما ما قاله، فهو خلاف ظاهر نص الكتاب. وحكي عن ابن عباس ومجاهد وسريج والحسن وقتادة والنخعي: أنه لا جزاء على العامد.
وبه قال داود: والعائد أن يقتل صيداً فيفديه أولاً بفدية، ثم يقتل صيداً ثانياً، فعليه جزا، آخر وعندهم لا جزاء، ولو عاد مائة مرة، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٩٥] فجعلوا الانتقام جزاؤه، وهذا غلط، لأنه كفارة تجب بقتل حيوان محترم، فأشبهت كفارة قتل الآدمي.
وأما الآية قلنا: قال عطاء وغيره: أراد ومن عاد في الإسلام، فينتقم الله منه بالجزاء [٢٠٢ / ب]. وحكي عن أحمد في رواية أنه إن كفر عن الأول، وجب للثاني الجزاء، وإلا تداخل، ثم اعلم أن الشافعي قال: ولا يعاقبه الإمام فيه، لأن هذا ذنباً جعلت عقوبته فديته إلا أن (يفعل ذلك) مستخفاً، ثم قال المزني: وقاس ما اختلفوا فيه من كفارة قتل المؤمن عمداً على ما أجمعوا عليه من كفارة قتل الصيد عمداً، وقصد به الاحتجاج على أبي حنيفة حيث قال: تلزم الكفارة في قتل الآدمي خطأ، ولا تلزم إذا قتله عمداً ووافقنا في الصيد أنه يلزم الجزاء بقتله عمداً، أو خطأ والمعنى الجامع بينهما أنه حيوان ذو حرمة تعلقت بقتله الكفارة في حاله، فوجب أن يستوي فيه عمد القتل، وخطأه كقتل الصيد، ثم أيد الشافعي ذلك، فقال: والعامد أولى بالكفارة في القياس من المخطئ يريد به أن العامد أعظم ذنباً، وأكبر جريمة، فهو بالكفارة الموضوعة لتغطية الإثم أولى.
فرع آخر
لو دخل الذمي الحرم، فقتل صيداً في الحرم يلزمه الجزاء، لأنه ضمان يتعلق بالإتلاف، فيلزمه ضمان الأموال، ويفارق هذا إذا أحرم ثم قتل الصيد لا جزاء عليه، لأنه لم ينعقد إحرامه، فلا يوجد هتك حرمة الإحرام، وحرمة الحرم موجودة، وقد هتكها بقتله.
ومن أصحابنا المتأخرين من قال: لا جزاء عليه هناك أيضاً، لأنه غير ملتزم بحرمة الحرم، فلا يضمن صيده.
стр. 1669
باب جزاء الصيد
مسألة: قال: قال الله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥]، قال: والنعم: الإبل والبقر والغنم.
الفصل
الصيد على ضربين ضرب له مثلء وضرب لا مثل له، فما له مثل من النعم يضمن بمثله وذلك مثل النعامة مثلها [٢٠٣ / أ] بدنة وحمار الوحش بقرة والضبع مثلها شاة ونحو ذلك. وما لا مثل له كالعصافير ونحوها يضمن بالقيمة فيجري ضمان الصيد مجرى ضمان الآدميين ما له مثل يضمن بالمثل، وما لا مثل له يضمن بالقيمة، فإذا قتل صيداً له مثل، فإنه مخير بين ثلاثة أشياء إن شاء أخرج المثل، وان شاء قوم المثل دراهم يشتري بالدراهم طعاماً، ويتصدق به، وإن شاء صام عن كل مد يوماً، وان كان مما لا مثل له يخير بين شيئين بين أن يقوم الصيد بدراهم في الموضع الذي أصيب فيه، والدراهم طعاماً بمكة، ويتصدق به، وبين أن يصوم عن كل مد يوماً، ولا يجوز إخراج القيمة، ووافقنا مالك في جميع ذلك إلا: في فصل واحد، وهو أن عندنا إذا أراد إخراج الطعام، يقوم المثل دراهم، والدراهم طعاماً وعنده يقوم الصيد، ويقوم تلك القيمة طعاماً.
وقال أحمد في رواية مثل قولنا. وقال في الرواية الثانية: هو على الترتيب، فإن عدم المثل أخرج القيمة. وقال أبو حنيفة: الصيد مضمون بقيمته بكل حال، إلا أنه إذا قومه يتخير بين أن يشتري بقيمته النعم ويخرجه، ولا يجوز منه إلا ما يجوز في الأضحية، وبين أن يشتري بالقيمة طعاماً، ويتصدق به، وبين أن يصوم عن كل نصف صاع يوماً.
وقال أبو يوسف ومحمد: يجوز أن يشتري بالقيمة من النعم ما يجوز في الأضحية، وما لا يجوز، واحتج الشافعي عليه بإجماع الصحابة، فقال: وقد حكم عمر وعثمان وعلي وعبد الرحمن بن عوف وابن عباس وابن عمر ﵃ في بلدان مختلفة وأزمان شتى بالمثل من النعم، فحكموا في النعامة ببدنة وهي لا تستوي بدنة، وفي حمار الوحش ببقرة وهو لا يسوي بقرة، وفي الضبع بكبش وهو لا يسوي كبشاً، [٢٠٣ / ب] وفي الغزال بعنز [وقد يكون أكثر من ثمنها أضعافاً ودونها ومثلها] وفي الأرنب بعناق، وفي اليربوع بجفرة [وهما لا يساويان عناقاً ولا جفرة]، فدل ذلك على أنهم نظروا إلى أقرب ما يقتل من الصيد شبهاً بالبدن من النعم لا بالقيمة، ولو حكموا بالقيمة لاختلف لاختلاف الأسعار وتباينها في الأزمان. وهذا واضح واحتج مالك بأن التقويم إذا وجب لأجل الإتلاف قومه المتلف كما لا مثل له. وهذا غلط، لأن كل
стр. 1670
متلف وجب مثله، فإذا قوم لزمت قيمة المثل في المثليات في حق الآدمي. وأما ما ذكره يبطل الصيام يعدل بالإطعام، ولا يعدل بالقيمة.
مسألة: قال: وكل دابة من الصيد لم يسمها ففداؤها قياساً على ما سميا فداءه الصيد الذي له مثل على ضربين، فما حكمت فيه الصحابة بالمثل لا يعدل عنه إلى غيره، لأن حكم الصحابة والرجوع إلى قولهم أولى من غيرهم، لأنهم شاهدوا التنزيل وحضروا التأويل، فهم أعلم من غيرهم، وما لم تحكم فيه الصحابة يرجع فيه إلى اجتهاد عدلين، فينظر إلى أقرب الثلاثة للأجناس من النعم شبهاً بالصيد المقتول فأوجبناه.
وقال مالك: يجب التحكم فيما حكمت فيه الصحابةء وفيما لم تحكم، وهذا غلط، لأن الله تعالى قال: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥]، وقد حكم به ذوا عدل، ولأن الحكم بخلاف ما حكموا به يؤدي إلى تخطئتهم في المثلية، فلم يجز ذلك، وقال قبيصة بن جابر الأسدي: أصبت ظبياً وأنا محرم، فأتيت عمر ﵁، ومعي صاحب لي، فذكرت له، فأقبل على رجل إلى جنبه فشاوره، فقال لي: اذبح شاة، فلما انصرفنا، قلت لصاحبي: إن أمير المؤمنين لم يدر ما يقول [٢٠٤ / أ]، فسمعني عمر، فأقبل علي ضرباً بالدرة، فنقال: أتقتل الصيد وأنت محرم، وتغمض الفتيا؟ قال الله تعالى في كتابه: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] الآية. ها أنا ذا عمر وهذا ابن عوف.
فرع
قال الشافعي: وأحب أن يكونا فقيمين، ويجوز أن يكون القاتل أحد العدلين، وإنما يكون القاتل عدلاً إذا أخطأ فيه، فأما إذا تعمد فسق، فلا يقبل قوله فيه.
ومن أصحابنا من قال: لا يجوز ذلك كما لا يجوز في تقويم المتلفات. وبه قال مالك: وهذا غلطء لأن الجزاء يتعلق بحق الله تعالى، فكان مخالفاً لحقوق الآدميين من تقويم المتلفات، وهو كما يقبل قوله في الزكاة لهذا المعنى، وعلى هذا قال أصحابنا: يجوز أن يكونا قاتلين.
فرع آخر
لو اختلف فيه اجتهاد عدلين من الفقهاء ولم يؤخذ بقول واحد حتى ينضم إليه قول غيره فيصير اثنين.
فرع آخر
لو حكم عدلان بمثل وحكم آخران بمثل آخر، فيه وجهان:
стр. 1671
أحدهما: يتخير في الأخذ بأيهما شاء.
والثاني: يأخذ بأغلظهما كالوجهين في فتوى الفقيهين.
فرع آخر
لو حكم عدلان بالمثل، وآخران بأنه لا مثل له، فالمثل أولى، لأن النفي لا يعارض الإثبات.
فرع آخر
قد ذكرنا أن الصحابة حكموا في بعض الصيود بما ذكرنا. أما في النعامة روى عن سبعة منهم: عمر وعثمان وعلي وابن عباس وزيد بن ثابت وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن الزبير ﵃، قالوا: فيها بدنة.
وقال ابن عباس ﵄: في حمار الوحش بقرة. قال الشافعي: وفي بقر الوحش بقرة، لأنها في معنى الحمار [٢٠٤ / ب]. وقال عمر وعلي وابن عباس وجابر رضي انأ عنهم: في الضبع كبش، وفي الأرنب عناق، وفي اليربوع جفرة والظبي الغزال الكبير الذكر والغزال للأنثى من الظبي، واليربوع الفار الكبير يكون في الصحراء أو الجفرة من أولاد المعزى إذا فصلت من أمها. وقيل: هي التي طعمت والذكر جفر والعناق الأنثى من أولاد المعزى إذا قويت قبل تمام الحول.
وقيل: الجفرة: ولد الضأن، وفيه نظر، وروي عن ابن عباس أنه قال: في الظبي تيس أعفر أو شاة مسنة. قال الشافعي: وبهذا نأخذ والتيس من أولاد المعزى الذي أتت عليه سنة، وقوي على الضراب. وروي عن عثمان ﵁ أنه حكم في أم حبين بحلان من الغنم وأم حبين دابة من حشرات الأرض تشبه الضب وسميت أم حبين لعظم بطنها وانتفاخها، وهو تصغير أحبن، وهو الذي استسقى وانتفخ بطنه.
ومن العرب من يعاف أكلها. قال رجل في البادية لأعرابي: ما تأكلون؟ فقال: نأكل ما دب ودرج إلا أم حبين فقال: لتمتع أم حبين العافية، قال الشافعي في "المناسك الكبير": وهو الحمل، فإن كانت العرب تأكلها، ففيها حلان، وقال الأزهري: قد قيل: هو الذكر من أولاد المعز إذا قوي (وهو) بمنزلة الجدي، وهذا هو الصحيح.
وأما الضب، قال الشافعي: فيه جدي جمع الماء والشجر، وروي بإسناده عن طارق بن شهاب. قال: خرجنا حجاجا فوطأ رجل منا، يقال له: أربد ضباً فقدمنا على عمر ﵁، فسأله أربد، فقال عمر: احكم يا أربد فيه، فقال: أنت خير مني يا
стр. 1672
أمير المؤمنين، وأعلم، فقال له عمر: إنما أمرتك أن تحكم، ولم آمرك [٢٠٥ / أ] أن تزكيني، فقال اربد: أرى فيه جدياً قد جمع الماء والشجر، فقال عمر: فذاك فيه.
وقال عطاء: في الضب شاة، فإن أراد شاة صغيرة فبذلك نقول، وإن أراد مسنة خالفناه، وقلنا بقول عمر ﵁.
فرع آخر
قال في "المناسك الكبير": إن كانت العرب تأكل الوبر، ففيه جفرة، لأنه ليس بأكبر منها بدناً، قال ابن الأعرابي: الوبر: الذكر والأنثى وبرة، وهو في عظم الجرد إلا أنه أنبل وأكبر منه، وهي طحلاء، وجمعها وبار، وهو في جنس بنات عرس، والجرذ: الضخم من الفار، تكون في الفلوات يأكله بعض أهل البادية. وذكر الشافعي عن عطاء ومجاهد أنهما حكما فيه بشاة.
فرع آخر
قال في "المناسك الكبير"، وفي الثعلب شاة ورواه عن عطاء أنه حكم بها فيه. وقال سريج: لو كان معي حاكم لحكمت في الثعلب بجدي.
فرع آخر
قال في "الأم": والأروي دون البقرة المسنة، وفوق الكبش، ففيه عضب ذكراً كان أو أنثى، قال الأزهري: العضب ما بلغ أن يقبض على قرنه من البقر، وهو دون الجذع منه، فإنه يجاع لسنتين وإنما وجب العضب، لأنه مثله، قال وفي الثيتل والوعل بقرة، ولم يروه عن أحد.
فرع آخر
قد ذكرنا أن جزاء الصيد على التغيير نمق عليه في كتبه، وروى أبو ثور عنه أنه على الترتيب، فقيه قولان، وقيل: لا يعرف هذا عن الشافعي في شي، من كتبه، فالمسألة على قول واحد، وهو الأصح.
مسألة: قال: "ولا يفدي إلا من النعم، وفي صغار أولادها صغار أولاد هذه". أراد به لا يفدي فداء إلا بمثله من النعم، ولم يرد أنه لا يجوز إخراج الفداء إلا من
стр. 1673
النعم، [٢٠٥ / ب] لأنه قد ذكر التخيير بعد هذا وأراد في صغار أولاد ذوات الصيد إذا قتلها صغار أولاد المثل من النعم، وقال مالك: يجب في الصغار كبار النعم.
وقال أبو حنيفة: تجب قيمة ذلك بقدره، واحتج مالك بقوله تعال: ﴿هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]، والصغير لا يسمى هدياً، ولأنه جبر نقص من نقائص الإحرام، فلا يجوز إلا بالكبير كدم الحلق، ولأن كفارة قتل الآدمي لا تختلف بصغر المقتول، وكبره كذلك هذه الكفارة، وهذا غلط لقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥]، ومثل الصغير صغير، ولأن ما ضمن باليد والجناية يختلف ضمانه بالصغر والكبر كالعبد والبهيمة.
وأما الآية التي ذكروها، قلنا: هذا إذا أطلق، وههنا قياس بالمثل فاقتضى مثله، كما لو نذر أن يهدي صغيراً يلقى الصعر، ولأن الصعر يسمى هديا، لأنه مما يهدى، وأما دم الحلق يجب بالجناية على الإحرام، فيجب على الكمال، وهذا يجب على طريق المقابلة والتعديل يختلف باختلاف المقتول، وأما كفارة قتل الآدمي يفارق هذا، لأنها لا تتبعض، ولا يلزم في أبعاضه بخلاف هذا.
مسألة: قال: وإذا أصاب صيدا أعوراً أو مكسوراً فداه بمثله.
الفصل
يفدي الصحيح بالصحيح والمعيب بالمعيب.
قال الشافعي ههنا: والصحيح أحب إلي، قال أصحابنا: وعلى قياس هذا في المسألة الأولى الكبير أولى من الصغير. وقال الشافعي: فإن قال بعض الناس يفديه بصحيح، وعنى به مالكاً، وقد قال به بعض أصحابنا، وهذا غلط، لأن الله تعالى قال [٢٠٦ / أ]: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥]، ومثل الأعور أعور.
فرع
لو كان الصيد أعور اليمنى، فداه بأعور اليمنى، فإن فداه بأعور اليسرى، هل يجوز أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجوز، لأن اعتبار ذلك يشق، ولأن اختلاف العور لا ينقض حق الفقراء، لأن قدر اللحم في الكل واحداً وهو اختيار ابن المرزبان وجماعة.
والثاني: لا يجوز، ويكون متطوعاُ به، لأن اختلاف المعيب يجري مجرى اختلاف الجنس، ولو كان الصيد أعور ففداه بأعرج لا يجوز حتى يكون من جنس ذلك العيب.
فرع آخر
قال الشافعي: ولو أصاب بقرة رقوباً، فعليه بقرة رقوب يعني الحامل التي قربت ولادتها، فصارت شرفية. قال أصحابنا: أراد به يقومها حاملاً إذا كانت الحامل الشرفية
стр. 1674
من الحايل، ويشتري بقيمتها طعاماً، ويتصدق به. قال الشافعي: لأني لو قلت: يذبح شاة ماخضة كانت شراً من شاة غير ماخض للمساكين، ولكن الشاة الماخض أزيد ثمناً.
مسألة: قال: ويفدي الذكر بالذكر، والأنثى بالأنثى.
الفصل
إذا قتل صيداً أنثى يفدي بالأنثى من النعم، وإذا قتل ذكراً يفدي بالذكر منه هذا هو الواجب، فإن فدى الذكر بالأنثى. قال الشافعي: كان أجب إلي. واختلف أصحابنا في هذا، فقال أبو حاما في "الجامع" أراد به إذا لم يرد ذبح الجزاء، وإنما أراد تقويمه، لأن الأنثى أكثر ثمناً وأزيد في الطعام أمداداً وأزيد في الصيام أياماً، فأما إذا أراد ذبحه، فالذكر أولى، لأنه أطيب لحماً من الأنثى.
وقال بعض أصحابنا: إذا أراد ذبح الأنثى، هل يكون؟ أفضل قولان:
أحدهما: أنها أفضل، لأنها أرطب لحماً. وبه قال ابن أبي هريرة [٢٠٦ / ب].
والثاني: لا يكبرن أفضل وان جازت، لأن لحمهما قد يتقاربان. وبه قال أبو إسحاق، وظاهر هذا أنهما متساويان. وقال القفال: والقول الثاني الذكر أفضل، لأنه أطيب لحماً. وقال أبو حامد: هل يجوز الذكر مكان الأنثى؟ وجهان:
أحدهما: لا يجوز لأن لحم الأنثى أرطب.
والثاني: يجوز، لأن لحم الذكر أوفر، والمنصوص جوازه، ولا معنى للوجهين عند أصحابنا. وقال القفال: أراد الشافعي إذا لم تلد الأنثى، ولم تكبر سنها، فأما إذا ولدت، فلا يكون أفضل، لأن لحم الذكر حينئذ أطيب من لحمها، ففي معناها الكبش الذي قد نزا تكون الأنثى أطيب لحماً منه والمقصود من الهدايا لحامها لا نسكها، ولو فدى الأنثى بالذكر، فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز، لأن الأنثى أطيب لحماً وأطيب.
والثاني: يجوز، لأنهما في قدر اللحم سواء وربما يكون الذكر أكثر لحماً، والصحيح الأول، لأن الحنذ القليل خير من الكثير الذي هو دونه، وقيل: الوجه الثاني ظاهر المذهب.
مسألة: قال: وان جرح ظبيا فنقص من قيمته العشر، فعليه عشر من ثمن شاة.
إذا جرح ظبياً أو قطع طرفاً من أطرافه ضمنه بالجزاء. وقال داود: لا يضمن، وإنما يضمن القتل فحسب، وهذا غلط، لأن ما حرم إتلافه من الصيد كان مضموناً لنفسه، ولأنه حيوان مضمون، فيضمن بالجناية عليه كالآدمي واحتج بأن الله تعالى قيد الجزاء بالقتل، فقال: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ﴾ [المائدة: ٩٥]، فدل أنه لا يلزم الجزاء بغيره، ولأن الكفارة لا تجب بقطع طرف الآدمي، فكذلك ههنا قلنا دليل خطاب الآية يقتضي أن لا
стр. 1675
يجب المثل بغير القتل، وكذا نقول.
وأما الكفارة، فالجزاء يفارقها، لأنه يجري مجرى الغرامات، [٢٠٧ / أ] به يى أنه يلزم باليد بخلاف الكفارة، فإذا تقرر هذا، فإذا جرح صيداً يقوم وهو صحيح، ثم يقوم وهو مجروح، فينظر كم نقص من قيمته، فإذا نقص عشر قيمته، قال الشافعي: عليه عشر ثمن شاة.
وقال المزني: عليه عثر شاة، فيدفع إلى المساكين ذلك مشاعاً واختلف أصحابنا في هذا، من قال: الأمر على ما قال الشافعي، لأنه نقص مضمون فكان بالقيمة كما لو غصب طعاماً فتلف أو سوس في يده، ولأن مراعاة الخلقة في الأبعاض متعددة، ولو اعتبرنا ذلك يلزمنا مقابلة الرجل بالرجل، إذا كانت الجناية على الرجل ومقابلة اليد باليد، وهذا محال، وهذا كالعدول في زكاة خمس من الإبل عن الجنس إلى الشاة للمشقة، فعلى هذا يتخير بين أربعة أشياء بين أن يشتري عشر الشاة، كما قال المزني، وبين أن يشتري به طعاماً، ويتصدق بهء وبين أن يصوم عن كل مد يوماً.
وقال صاحب "التقريب": هذا لا يصح، لأنه لو كان كذلك لأوجب عشر ثمن الظبي لا عشر ثمن الشاة. والصحيح ما قال المزني، لأنه إذا أوجب المثل في تمامه وجب المثل في أبعاضه غير أن جزاء الصيد على التخيير.
قال الشافعي: ذكر الأسهل، وهو القيمة إذ في إخراج جز، من الحيوان مشقة، ولعله لا يجد شريكاً يساعده فيه. والمزني بين ما هو الأمل، فلا اختلاف بينهما، وعلى هذا لا يؤدي القيمة، بل يصرف إلى الطعام، فيتصدق به، وإن وجد عشر شاة، فله أن يتصدق به.
ومن أصحابنا من قال: المذهب ما ذكر الشافعي، ولكنه بالخيار بين شيئين بين أن يخرج بعشر ثمنه طعاماً، فيتصدق به أو يصوم عن كل مد يوماً، ولو أخرج عشر شاة أو عشر قيمة الشاة، لا يجوز، وهذا اختيار أبي إسحاق وجماعة، فإذا تقرر هذا لا يخلو إذا جرح صيداً من ثلاث أحوال: إما [٢٠٧ / ب] أن يري إلى نفسه فيموت، أو يندمل، أو يعيب الصيد، ولا يدري، هل سرت الجراحة إلى نفه أم لا؟ فإن سرت إلى نفسه، فعليه جزاؤه بلا إشكال كما لو قتله وان اندمل نظر، فإن كان غير متنح برجله كالغزال، أو يجناحيه كالحمام أو بهما كالتذرح والدراج فكسر ساقه وجناحيه، فعليه جزاء كامل، لأنه قد عطله أو جعله في حكم التالف، نص عليه في "الجامع الكبير"، وبه قال أبو حنيفة. وفيه قول آخر يلزمه ما نقص فقط، لأنه لا يضمن الموجود، وإنما يضمن الغائب، ولو جاء محرم آخر وأبلغه يلزمه الجزاء على الجارح، وان اندمل ممتنعاً، فعليه ما بين قيمته صحيحاً، وبين قيمته مندملاً.
وأما الذي يجب على ما ذكرنا من الخلاف وان اندمل ولم يبق بعض بوجه، هل عليه أرش الجرح؟ وجهان، كما لو جرح آدمياً، فاندمل، ولم يبق شيء، ففي الحكومة وجهان.
стр. 1676
وقال القفال: عليه شيء بمقدار ما يجتهد القاضي كذلك الوجع الذي أصابه، وإن غاب قبل الاندمال، لم يضمن جملته وعليه ما نقص، ولكن يقوم ههنا صحيحاً، وجريحاً غير مندمل هلا اعتبرتم الاندمال ههنا؟ غير معلوم، فقومناه مجروحاً قبل الاندمال.
وقال مالك: يلزمه كمال قيمته حكاه الشيخ أبو حامد وأصحابه ينكرونه، لأن الظاهر يكفيه بها، وهذا غلط، لأنه يجوز أن يكون قد اندمل، ويجوز أن يكون قد سري، ولا يلزم الضمان بالشك. قال الشافعي: والاحتياط أن يفديه كامله، ولكن لا يلزم إلا اليقين، وقيل: مذهب مالك، إذا وجد ميتاً بعد ذلك، [٢٠٨ / أ] ولا يدري هل مات من سراية الجراحة أم من سبب آخر؟ وإذا لم يعلم موته لا يلزم التمام.
فرع
لو رمى إلى صيد فجرحه، ثم قتله آخر قبل الاندمال، فإن كان القاتل محلاً، فالحكم فيه كما لو انفرد المحرم يجرحه، وقد ذكرنا حكمه، وان كان محرماً، فعلى الجارح ضمان ما نقص، وعلى المحرم مثله جريحاً من النعم، وإن لم يجد جريحاً من النعم عدل إلى القيمة.
فرع آخر
لو رمى سهماً إلى صيد فأصابه ونغذ منه إلى صيد أخر فقتلهما كان عليه جزاؤهما، نص عليه في "القديم"، لأن لأول عمد، والثاني خطأ، وهما سواء.
فرع آخر
قال في "القديم" أيضاً: لو رمى إلى صيد، فوقع على ولد له أو بيض، فتلفا، يضمن الصيد والولد والبيض، لأنه تلف لسبب فعله، ولو وقع على صيد آخر، فماتا يلزم ضمانهما أيضاً.
قال أصحابنا: ينظر فإن تحامل المجروح فمشى بعد الإصابة قليلاً، ثم سقط على صيد آخر يلزمه جزا، الصيد الذي رماه دون الآخر، لأنه مات من فعل الصيد، وكذلك لو عدا الصيد، وصدم الصيد الثاني لا شيء عليه في الثاني، وان لم يتحامل، بل سقط من حد الجراحة ففي الحال على صيد أخر يلزمه جزأهما، لأن سقوط الصيد المرمي من فعله.
فرع آخر
قال في "المناسك الكبير": لو ضرب بطن بقرة رقوب، فألقت جنيناً نظر، فإن ألقت جنيناً ثم ماتت يفدي أمها ببقرة وولدها ببقرة مولودة أصغر ما يمكن من ولد مثله، وإن مات أحدهما دون الأخر، فعليه مثل ما مات منهما، وإن ألقت جنيناً ميتاً وسلمت
стр. 1677
الأم، فلا شيء عليه في الأم، لأنها لم تتلف، وآما الجنين فلا يمكن إيجاب المثل فيه، لأنه خرج ميتاً، ولكن يلزمه ما نقصت الآم بالإسقاط، فيقال: [٢٠٨ / ب] كم قيمتها ماخضاً؟ فيقال: مائة، ويقال: كم قيمتها، وقد أسقطت؟ فيقال: تسعون، فيلزمه عشر قيمتها.
وحكي عن آبي ثور أنه قال: يلزم في ولدها عشر قيمته للآم كما في جنين الأم. وهذا غلط. والفرق بينهما أن الحمل زيادة في البهائم، فأمكننا أن نوجب ما نقصت الأم بالوضع، والحمل نقص في بنات آدم والوضع زيادة، فلا يمكننا آن نلزم النقص، فأوجبنا فيه بالشرع شيئاً، مقدراً وان سقطت ميتاً، ثم ماتت الأم أوجبنا عليه ما نقصت في الأم لأجل الإسقاط، ثم أوجبنا في الأم مثلها من النعم.
فرع آخر
قال في "الأم": لو كان المحرم راكباً على دابة فأتلفت صيداً بفيها آو رمحته بيدها أو رفسته برجلها يلزمه الضمان، لأن يده عليها فيضمن جنايتها.
فرع آخر
قال ابن المرزبان: لو قتل نعامة وأراد أن يخرج من الجزاء بقرة أو سبعاً من الغنم، فيه وجهان:
أحدهما: يجوز، لأنها تقوم مقام البدنة.
والثاني: لا يجوز مع وجود البدنة كما يقول في المفسد حجته، وهذا أظهر عندي.
فرع آخر
لو حلب من صيد لبناً، فأتلفه، قال أصحابنا: لا جزاء عليه، والفرق بينه وبين البيض أن يكون من البيض الصيد واللبن بمنزلة ريقه وبوله وبعره وورق الشجر، وذكر في "الشامل" أنه يضمنه، لأنه أتلف شيئاً من الصيد كالريش، وحكي عن أبي حنيفة أنه إن نقص الصيد بذلك ضمنه وإلا فلا.
فرع آخر
لو رمى محل سهماً إلى صيد، فقبل وقوعه عليه أحرم، ثم أصابه السهم. قال أصحابنا: لا جزاء عليه، لأنه كان حلالاً وقت الرمي وأبيح له ذلك. وقال والدي ﵀: ويحتمل أن يقال: ويلزمه الجزاء، لأن الاعتبار بحالة الإصابة، كما لو رمى [٢٠٩ / أ] إلى مرتد فأسلم، ثم أصابه ومات يلزمه الدية، وهذا أمح. ن تمكنه آن يحرم بعد الإصابة.
فرع آخر
لو رمى، وهو محرم، ثم تحلل، فإن قصر شعره، ثم أصابه، وهو حلال، فيه وجهان: اعتباراً بالإصابة أو بوقت الرمي.
стр. 1678
فرع آخر
لو نفر صيداً من الحرم حتى خرج إلى الحل فصاده آخر، فقتله، فإن كان القاتل محرماً، فالجزاء على القاتل دون المنفر، وان كان القاتل حلالاً، فلا جزا، عليه. وأما المنفر، قال أصحابنا: إن كان حين نفره ألجأه إلى الحل ومنعه من الخرم يلزمه الجزاء وان كان حين نفره لم يلجئه إلى الخروج إلى الحل، ولا منعه من العود إلى الحرم، فلا ضمان على المنفر، لأن الصيد غير ملجأ وفعل المباشرة أقوى، وقد قال رسول الله ﷺ : "الصيد لمن صاده لا لمن أثاره".
فرع آخر
لو حفر المحرم بئراً في ملكه، فوقع فيها صيد لا نص فيه. وقال أصحابنا: ظاهر المذهب أنه لا يضمن سواء حفرها قبل إحرامه أو بعد إحرامه. وقال بعض أصحابنا: يحتمل أن يضمن بخلاف الآدمي إذا وقع فيه. ذكره ابن أبي أحمد، والغرق أن الآدمي مفرط في دخول ملكه بغير حق، فكان ضمانه هدراً بخلاف الصيد، لأنه غير منسوب إلى التفريط في دخول ملك غيره، فكان الضمان على الحافر.
فرع آخر
لو حفر في الحرم فتلف فيه الصيد. قال القفال: نص الشافعي أن يضمن لحرمة البقعة، ولأن الحرم مأمن الصيد فلا يجوز أن يحدث ما يفوت به أمنه. وقال سائر أصحابنا: فيه وجهان: والقياس أن لا يضمن كما لو معد صيد إلى سطحه، وتردى إلى داره لم يضمنه، وقال في "الحاوي": [٢٠٩ / ب] إن حفرها لأجل الصيد يضمن كما لو نصب شبكة وإن حفرها في ملكه لا للصيد، فيه وجهان.
فرع آخر
لو كان راكباً على دابة فبالت في الطريق فزلق به صيد فتلف يلزمه الجزاء، نص عليه، وكذلك لو حفر بئراً في غير، فمات فيها صيد.
فرع آخر
لو نصب شبكة أو أحبولة، وهو محرم فوقع فيها صيد، فتلف يلزمه الجزاء، ولو نصبها، وهو حلال، فوقع فيها صيد، وهو محرم، فظاهر المذهب أنه لا يضمن، لأن الشافعي قال: ولو جعل المحل في رأسه زاووقا أي: زيقا فقتل الدواب في رأسه، فلا فدية عليه، لأنه جعله في وقت كان له قتلها فيه.
وقال القفال: ما يحتمل في نصب الشبكة أن يغرق بين أن يكون في الحرم أو للإحرام كحفر البئر سواء ولم يصرح بهذا.
مسألة: قال: وإذا قتل الصيد فإن شاء جزاه بمثله.
стр. 1679
الفصل
قد (ذكرنا) أن جزاء الصيد على التخيير، وبه قال كافة الفقهاء، وروي عن ابن عباس والحسن وابن سيرين وزفر وأحمد في رواية أنه على الترتيب، لأن هدي المتعة على الترتيب، وهذا أكد منه لأنه يجب بفعل محظور، وهذا غلط، لأن الله تعالى قال: ﴿هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً﴾ [المائدة: ٩٥]، ولفظه أو إذا دخلت في الأمر كان للتخيير كما في فدية الأدنى، وأما ما ذكره يبطل فدية الحلاق، وروي عن أحمد أنه قال. لا يخرج الطعام، وإنما التقويم بالطعام لأجل الصيام، وهذا غلط، لأن الله تعالى سمى الإطعام كفارة، ولا يصير كفارة إلا بإخراجه، وإذا أراد تقويم المثل فيقومه حال ما يريا الاشتغال عنه إلى القيمة، فينظر كم قيمته في تلك الحالة) فيشتري بها [٢١٠ / أ] الطعام، ولا يعتبر قيمته حال إتلاف الصيد بلا خلاف، لأنه لما قتل الصيد وجب المثل في ذمته، فإذا أراد العدول عنه يعتبر القيمة حالة العدول لأنها في التقدير حالة وجوب القيمة ويقوم بسعر مكة سواء قتل الصيد بمكة أو في الحل، لأنه يجب إخراج الجزاء فيه وإن لم يكن له مثل هل يعتبر قيمته حالة الوجوب أم حالة الإخراج للطعام؟ قال في موضع: يعتبر حالة الإتلاف، وقال في موضع: يعتبر حالة الإخراج، فمن أصحابنا من قال: يعتبر حالة الإتلاف قولاً واحداً، والموضع الذي قال: يعتبر حالة الإخراج، أواد في الصيد الذي مثل.
ومن أصحابنا من قال: فيه قولان:
أحدهما: الاعتبار بحالة الإخراج، لأنها حالة إسقاط الفرض.
والثاني: تعتبر بحالة الإتلاف، لأنها حالة الوجوب، وهو الصحيح. والفرق بينه وبين الصيد الذي له مثل أن الواجب ههنا القيمة، وحالة وجوب القيمة حالة الإتلاف، فاعتبرنا القيمة في تلك الحالة وهناك الواجب المثل، واستقر في ذمته عند الإتلاف، فإذا أراد الانتقال إلى القيمة يعتبر في تلك الحالة على ما بيناه، ويعتبر القيمة ههنا في موضع الإتلاف نص عليه في "الأم" في باب جزاء الطائر وذكره في "القديم" وفي موضع من "الإملاء"، وهو الصحيح، لأنه لما وجب اعتبار قيمته وقت القتل دون وقت التكفير كذلك تعتبر قيمته في موضع القتل دون موضع التكفير. وقال في "الإملاء": عليه قيمته بمكة لأنها وجبت لمساكين الحرم، وهو ضعيف.
مسألة: قال: لا يجزئه أن يتصدق بشيء من الجزاء إلا بمكة.
قد ذكرنا أن كل دم تعلق بالإحرام يجب تفريق لحمه على مساكين الحرم، وأن قوله: مكة ومنى، [٢١٠ / ب] ولم يذكو سائر الحرم ليس لتخصيص هذين الموضعين بهذا الحكم من جملة بقاع الحرم، وإنما خرج كلامه على العادة الجارية في تفريق اللحم، فإن عادة السلف تفرقته بمنى إذا كان الذبح بمنى وبمكة إذا كان الذبح بالمروة،
стр. 1680
ولم ينقل عنهم نقل اللحم من منى ومكة إلى سائر بقاع الحرم إذ المساكين يزدحمون في أيام النحر على هذين البقعتين اللتين هما محل النحر في العادة، فالمستحب الاقتداء في ذلك بالسلف، وإذا أراد التكفير بالمثل لا يعطيهم إياه إلا بعد الذبح، وهكذا سائر الهدايا، فإن دفع إليهم حياً لم يجز حتى ينحره في الحرم سواء أصاب الصيد في حل أو حرم، ثم ينظر بعدما دفع حياً فإن أعلمهم أنه هدي له استرجاعه، وإن استرجع ونحره يتخير بين دفعه إليهم أو إلى غيرهم ولا يتعينون بالدفع الأول إليهم، لأنه لم يتح موقع الأجزاء، وان لم يعلمهم ليس له الاسترجاع إلا أن يصدقوه، والقول قولهم مع اليمين.
قال القاضي الطبري: وسمعت بعض شيوخنا يقول: إن شاء فرق لحمه وإن شاء سلم المذبوح إلى ثلاثة منهم وملكهم إياه، وهكذا عملت أنا بمنى لأني رأيته أخفت وأقرب إلى التسوية بينهم فيها.
فرع
أقل ما يجزئه أن يفرقه عليهم ثلاثة نفر إن كان قادراً إن دفع إلى اثنين مع قدرته على الثالث كان ضامناً لذلك، لأنه دفع واجباً عليه إلى غير مستحقه، وفي قدر ضمانه وجهان:
أحدهما: يضمن الثلث مساواة بين جميعهم فيه.
والثاني: يضمن أقل ما يجزئ أن يعطي أحدهم من غير تقدير بالثلث، لأن المساواة بينهم والتفرقة لا تلزم.
فرع آخر
قال في "المناسك": يجزئه من فوره، فإن صدر من الحرم قبل أن يجزئه [٢١١ / أ] وجه من يجزئه في الحرم.
فرع آخر
إذا أراد أن يفرق الطعام. حكى ابن المرزبان عن ابن أبي هريرة أنه يطعم مداً كداً كما في سائر الكفارات، ويحتاج أن ينوي عند تفرقتة ذلك كما ينوي في الكفارة. وقد ذكرنا قبل هذا أنه لا يتعذر بمد ويجوز أقل منه ذكره في "الحاوي".
فرع آخر
ذكرنا في كيفية الصيام في جزا، الصيد. وقال طاوس والقاشاني: الاعتبار في الصوم بقدر ما يشبع الناس من الصيد، فإن كان الصيد مما يشبع منه واحد وجب على قاتله أن يصوم عنه يوماً، وان كان يشبع منه عشرة وجب على قاتله صوم عشرة أيام، وهذا غلط لأن قوله تعالى: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً﴾ [المائدة: ٩٥] ما يقتضي ما ذكرنا.
стр. 1681
مسألة: قال: وإن أكل من لحمه فلا جزاء عليه.
أعلم أنه إذا اصطاد الحلال صيداً للمحرم لا يجوز لهذا المحرم أكله وحل لغيره من المحلين والمحرمين سواء علم هو أو لم يعلم أمره أو لم يأمره أشار إليه آو لم يشر، وبه قال مالك وأحمد، وهكذا لو أعطاه سلاحاً حتى قتله.
وقال أبو حنيفة: إن كان الصيد ظاهراً لا يحتاج إلى دلالة لا يحرم عليه بدلالته، وكذلك إن دفع إليه سلاحاً، وهو يستغني عنه لا يحرم به، وان اصطاد له الحلال لا يحرم أيضاً ما لم يكن له فيه معونة أو أمر به واحتج بما روي أن أبا قتادة رأى حمار وحش، وهو محل وأصحابه محرمون، فركب فرسه. وقال لأصحابه: ناولوني السوط، فلم يفعلوا، فقال: ناولوني الرمح، فلم يناولوه فأخذ الرمح وثمل على الحمار، فقتله.
وقال لأصحابه: كلوا فامتنعوا، فلما لحقوا رسول الله ﷺ أخبروه بالك [٢١١ / ب]، فقال لهم: "هل أعنتم؟ هل أشرتم؟ "، قالوا: لا، قال: "فكلوا ما بقي"، فدل على أن التحريم إنما يتعلق بالإشارة والإعانة، وهذا غلط لما روى جابر أن النبي ﷺ ، قال: "لحم الصيد حلال لكم ما لم تصيدوه أو يصد لكم".
وروى "صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يصد لكم "، لأنه صيد للمحرم، فكان محرماً عليه كما لو أمر أو أعان. وأما خبر أبي قتادة، فلا حجة، لأنه لم يصطد لم، فلهذا أباح لهم، وإن لم يصطد له، ولا كان من جهته تأثير فيه كان له أن يأكل منه، وبهذا قال جماعة الفقهاء والصحابة.
وروي عن علي وابن عباس وطاوس ﵃ أنهم قالوا: لحم الصيد حرام على المحرم بكل حال وكرهه سفيان والثوري واسحاف واحتجوا بما روي أن النبي ﷺ مر بالصعب بن جثامة بالأبواء أو بودان، فأهدى له حماراً وحشياً فرده عليه، فلما رأى رسول الله ﷺ في وجهه الكراهية، قال: "ليس بنا رد عليك، ولكنا حرم".
وروي: أهدى إليه رجل حمار وحش، والأول أصح. وروي آن الحارث كان خليفة عثمان على الطائف فصنع لعثمان طعاماً فيه الحجل واليعاقيب واليعاقيب ذكر الحجل ولحوم الوحش، فبعث إلى علي ﵁ فجاء، فقالوا له: كل، فقال: أطعموه قوماً حلالاً، فأنا حرم، ثم قال علي: أنشد الله من كان هنا من أشجع أتعلمون أن رسول الله ﷺ لما أهدى إليه رجل حمار وحش أبى أن يأكله، قالوا: نعم، وهذا غلط
стр. 1682
لما روي من خبر أبي قتادة، وروي فيه أن النبي ﷺ قال: "إنما هي طعمة أطعمكموها الله [٢٠٤ / ب].
وروي أنه قال: " هل معكم من لحمه شيء". وأيضاً خبر جابر الذي ذكرنا. وأما ما ذكروا إنما رد رسول الله ﷺ ، لأنه ظن أنه صيد من أجله وتركه على التنزه، أو كان حياً، لأنه قال: "حمار وحش"، فإذا تقرر هذا فلو أكل من هذا الصيد الذي حرمنا عليه أكله، هل يلزمه الجزاء بأكله؟ فيه قولان، قال في "القديم": يلزمه الجزاء بقدر ما أكله. وبه قال مالك وأحمد، وقال في "الجديد": لا جزاء عليه. وهذا أصخ، لأنه أكل من لحم صيد، فلا يلزمه الجزاء به، كما لو قتله وأكله لم يلزم الجزاء بالقتل دون الأكل واحتج مالك بأنه محظور إحرامه كما لو قتله.
قلنا: لأنه بالقتل أتلف صيداً نامياً بخلاف هذا.
فرع
إذا قلنا: يلزمه الجزاء، فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: يكون ضامناً مثله لحماً من لحوم النعم يتصدق به على مساكين الحرم. وبه قال أحمد.
والثاني: يضمن بمثله من النعم، فإن أكل عشر لحم الظبي يلزمه عشر شاة.
والثالث: يضمن بقيمة ما أكل دراهم يتصدق بها إن شاء، أو يصرفها في طعام ويتصدق به، ذكره في "الحاوي".
فرع آخر
إذا باشر المحرم قتل الصيد لم يحل له أكله، وهل يحل لغيره من المحرمين والمحلين؟ قولان. قال في "القديم": يحل، وذكاته مبيحة له. وقال في "الجديد": لا يحل، وتكون ميتة. وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد. وقال أصحابنا: قول "القديم" أصح في هذه المسألة لأن كل من أباحت ذكاته غير الصيد أباحت الصيد كالمحل، فإذا قلنا بالأول يلزمه الجزاء في حق الله تعالى، وما نقص الذبح للآدمي. وإذا قلنا بالثاني يلزمه تمام القيمة في حق المالك [٢١٢ / ب].
فرع آخر
إذا قلنا بالقول الأول، أو الثاني: لو أكل منه لا يلزمه الجزاء ويفارق المسألة قبلها في أحد القولين، وذلك أن هناك لم يجب بالقتل شيء، فجاز أن يلزمه الجزاء بالأكل. وههنا وجب بالقتل الجزاء، فلا يجب بالأكل شي، آخر. وبه قال مالك وأحمد وأبو يوسف ومحمد.
стр. 1683
وقال أبو حنيفة: يلزمه قيمة ما أكل، وهذا غلقالأنه صيد ضمنه بالقتل، فلا يضمنه بالأكل كصيد الحرم أو يقيس على ما لو جاء محرم أخر وأكله لا جزاء، وكذلك لو شوى بيضة وأكلها لا يلزمه بالأكل شيء، ولأن عنده ذبيحة الحرم ميتة، فكيف يلزم الضمان بإتلاف الميتة؟.
فرع آخر
إذا حلّ من إحرامه لا يحل له أكله أيضًا قولًا واحدًا. ومن أصحابنا من ذكر وجهًا آخر أنه يحل له أكله على القول الأول.
فرع آخر
لو قتل الحلال صيدًا في الحرم، فيه طريقان: إحداهما: فيه قولان.
والثاني: يصير ميتة قولا واحدًا، والغرق أن صيد الحرم ممنوع على سائر الناس، فصار كالحيوان الذي لا يؤكل بخلاف صيد الحل فإنه حلال لقوم دون قوم، وقيل: أن الشافعي نص في "الإملاء" على هذا الفرق، وهو ضعيف، لأن هذا الصيد في حق المحرم كصيد الحرم في حق الكافر وكما يزول هذا التحريم عند التحلل يزول تحريم ذاك عند مفارقة الحرم.
مسألة: قال: لو دل على صيد كان مسيئًا ولا جزاء عليه.
الفصل
عندنا الصيد لا يضمن بالدلالة، إنما يضمن بالجناية، أو اليد فإذا دلّ المحرم محرمًا على صيد في الحلّ فقتله وجب الجزاء على القاتل دون الدال، وكذلك لو دلّ الحلال محرمًا، فقتله، ولو دل المحرم حلالًا على [٢١٣/ أ] صيد، فقتله لا جزاء على واحدًا منهما، وهو مسيء في ذلك، لأن عقد الإحرام أوجب عليه احترام الصيد فإذا دلّ عليه ناقض أصل موضوعه.
وبه قال مالك وأبو ثور. وروي ذلك عن ابن عمر ﵄. وقال مجاهد وعطاء وحماد: أن دلّ محرم محرمًا يلزم الجزاء عليهما، نصفين، وإن دلّ محلّ محرمًا وجب تمام الجزاء على المدلول، وإن دلّ محرم حلالًا وجب تمام على الدّال.
وقال أبو حنيفة والثوري: يلزم على كل واحٍد منهما جزاء كامل إذا كانا محرمين وإن دل محرم حلالًا وجب الجزاء على الدال وحده، وإن دلّ محلّ محرمًا وجب الجزاء على المحرم دون الدال. واحتج الشافعي عليهم بقوله: "كما لو أمر بقتل مسلم لم يقتص منه، كان مسيئًا"، كذلك ههنا وتحريره أن ما ضمن بالجناية، لا يضمن بالدلالة كالآدمي وصيد الحرم.
стр. 1684
فرع
لو أمسك المحرم صيدًا ثم جاء حلال فذبحه، قال أصحابنا: الجزاء على الممسك دون القاتل، لأن المحرم ضمن بالإمساك، فإذا تلف في يده بذبح الحل استقرّ عليه الضمان كما لو مات حتف أنفه، وهذا المحل القاتل أتلف صيدًا ليس بمملوك، لأحد لأن المحرم لم يملكه بإمساكه، فلا ضمان عليه ولو كان القاتل محرمًا، فيه وجهان:
أحدهما: يجب الجزاء على القاتل دون الممسك، لأن الإمساك سبب غير ملجئ اجتمع مع المباشرة، فتعلق الضمان بالمباشرة دون السبب كما لو أمسك أدصيٍد، ثم جاء آخر قتله.
والثاني: يجب عليهما نصفين، لأن الإمساك لو انفرد تعلق به الضمان، وكذلك القتل لو انفرد، فإذا اجتمعا تعلق الضمان بهما كما لو جرحا صيدًا، ويفارق إمسال الآدمي، لأنه لو انفرد لا يتعلق به الضمان. [٢١٣/ ب] وهكذا الحكم في المحل إذا أمسك صيدًا في الحرم ثم جاء آخر فقتله يجب الجزاء وعلى من يجب، فيه وجهان.
وقال القاضي الطبري: لم يرد أصحابنا على هذا، ولا أعرف كلتا المسألتين للشافعي الذي يجب عناي على أصل الشافعي، أن يجب الجزاء على المحرم في المسألة الأولى، لأنه ضمنه باليد، ولكن إذا أحرمه رجع به على الحلال، لأنه هو المتلف له، وهو السبب في وجوب الضمان عليه، والحكم في كيفية الرجوع كما بيناه في الحلال إذا حلق رأس المحرم بغير أمره مكرهًا، أو نائمًا.
وفي المسألة الثانية، كل واحد منهما صار ضامنًا له، أمّا الممسك فقد ضمنه باليد. وأمّا القاتل فقد ضمنه بالإتلاف، فكل واحد منهما مخاطب بالغرامة، والضمان، فإن أخرج الممسك رجع على المتلف لأنه هو المباشر لإتلافه وإن أخرج القاتل لم يرجع به على الممسك كما نقول فيمن غصب مالًا فجاء آخر وأتلفه في يد الغاصب لصاحبه أن يغرم أيهما شاء فإن غرم الغاصب رجع على المتلف وإن غرم المتلف لم يرجع على الغاصب، وقيل: ما قاله القاضي في المسألة الثانية، أقيس. وما قاله سائر أصحابنا في المسألة الأولى، أقيس.
فرع آخر
صيد الحرم محرم مضمون على كل أحد كصيد الحل مضمون على المحرم، فيلزمه الجزاء ويتخير بين الأنواع الثلاثة. وبه قال مالك وأحمد. وقال أبو حنيفة: لا يدخل الصوم في جزائه، وهذا غلط، لأن ما ضمن به الصيد في حق المحرم ضمن صيدًا يحرم كالهدي والإطعام. وقال داود: لا جزاء في صيد الحرم، وهذا غلط، لأن هذا الصيد ممنوع من قتله لحق الله تعالى فأشبه الصيد [٢١٤/ أ] في حق المحرم.
стр. 1685
فرع آخر
لو ملك الحلال صيدًا في الحل ثم أدخله الحرم حل له ذبحه وأكله والتصرف فيه بالبيع والهبة. وبه قال مالك، وقال أبو حنيفة وأحمد: لا يجوز له التصرف فيه، ويلزمه الجزاء بقتله، وهذا غلط، لأنه ملكه أدخله الحرم كما لو قلع شجرة من الحلّ وأددخلها الحرم.
مسألة: قال: ومن قطع من شجر الحرم شيئًا جزاه.
الفصل
لا يجوز قطع شجر الحرم والدليل عليه ما روى أبو هريرة ﵁، قال: لما فتح الله تعالى على رسول الله ﷺ مكة قام رسول الله ﷺ فيهمء فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "إن الله تعالى حبس عن مكة الفيل، وسلّط عليها رسوله والمؤمنين، وإنما أحلت لي ساعة من نهار، ثم هي حرام إلى يوم القيامة لا يعضد شجرها ولا ينفر صيدها ولا تحل لقطتها إلا لمنشٍد"، فقال العباس: يا رسول الله إلا الإذخر، فإنه لقبورنا وبيوتنا، فقال رسول الله ﷺ : "إلا الإذخر، إلا الإذخر"، فقام أبو شاه، رجل من أهل اليمن، وقال: اكتبوا لي يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : "اكتبوا لأبي شاه"، يعني هذه الخطبة. وقوله: "لا يعضد"، أراد: لا يقطع. والعضد: القطع. وقوله: لا ينفر، يعني: لا يتعرض له بالاصطياد.
وقال سفإن بن عيينة: معناه أن يكون الصيد أيضًا في ظل الشجرة، فلا ينفره الرجل ليقعد، فيستظل مكانه، والمنشد: المعرف.
وروى ابن عباس في هذا الخبر: لا يختلى خلاؤها، والخلا: الحشيش، فإذا تقرر هذا، فهو مضمون على المحرم والمحل [٢١٤/ ب]. وقال مالك وداود وأهل الظاهر وأبو ثور: هو ممنوع منه، ولكن لا يلزم الجزاء بقطعه. وذكر بعض أصحابنا بخراسان: أن الشافعي قال في "القديم ": لا جزاء إلا في ذي روح، وهذا غلطء لما روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: في الدوحة بقرة وفي الجزلة شاة، والدوحة: الكبيرة والجزلة: الصغيرة.
وقال ابن الزبير في "الكبيرة ": بقرة وفي "الصغيرة ": شاة، ولا مخالف لهما.
فرع
الشجر الذي أنبته الله تعالى في الموات في الحرم حكمه ما ذكرنا، وكذلك لو أنبته الله تعالى في الأملاك، ويريد ههنا: ضمان القيمة للآدمي، ولو غرسه الآدمي في موات
следующие страницы →