← Фикх шафии

Фикх шафии · id 16934

بحر المذهب للروياني

عَبْد الواحِد الرُّوْياني

Полный текст (7 151 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

مسألة: قال: وإن أكل من لحمه فلا جزاء عليه. أعلم أنه إذا اصطاد الحلال صيداً للمحرم لا يجوز لهذا المحرم أكله وحل لغيره من المحلين والمحرمين سواء علم هو أو لم يعلم أمره أو لم يأمره أشار إليه آو لم يشر، وبه قال مالك وأحمد، وهكذا لو أعطاه سلاحاً حتى قتله. وقال أبو حنيفة: إن كان الصيد ظاهراً لا يحتاج إلى دلالة لا يحرم عليه بدلالته، وكذلك إن دفع إليه سلاحاً، وهو يستغني عنه لا يحرم به، وان اصطاد له الحلال لا يحرم أيضاً ما لم يكن له فيه معونة أو أمر به واحتج بما روي أن أبا قتادة رأى حمار وحش، وهو محل وأصحابه محرمون، فركب فرسه. وقال لأصحابه: ناولوني السوط، فلم يفعلوا، فقال: ناولوني الرمح، فلم يناولوه فأخذ الرمح وثمل على الحمار، فقتله. وقال لأصحابه: كلوا فامتنعوا، فلما لحقوا رسول الله ﷺ أخبروه بالك [٢١١ / ب]، فقال لهم: "هل أعنتم؟ هل أشرتم؟ "، قالوا: لا، قال: "فكلوا ما بقي"، فدل على أن التحريم إنما يتعلق بالإشارة والإعانة، وهذا غلط لما روى جابر أن النبي ﷺ ، قال: "لحم الصيد حلال لكم ما لم تصيدوه أو يصد لكم". وروى "صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يصد لكم "، لأنه صيد للمحرم، فكان محرماً عليه كما لو أمر أو أعان. وأما خبر أبي قتادة، فلا حجة، لأنه لم يصطد لم، فلهذا أباح لهم، وإن لم يصطد له، ولا كان من جهته تأثير فيه كان له أن يأكل منه، وبهذا قال جماعة الفقهاء والصحابة. وروي عن علي وابن عباس وطاوس ﵃ أنهم قالوا: لحم الصيد حرام على المحرم بكل حال وكرهه سفيان والثوري واسحاف واحتجوا بما روي أن النبي ﷺ مر بالصعب بن جثامة بالأبواء أو بودان، فأهدى له حماراً وحشياً فرده عليه، فلما رأى رسول الله ﷺ في وجهه الكراهية، قال: "ليس بنا رد عليك، ولكنا حرم". وروي: أهدى إليه رجل حمار وحش، والأول أصح. وروي آن الحارث كان خليفة عثمان على الطائف فصنع لعثمان طعاماً فيه الحجل واليعاقيب واليعاقيب ذكر الحجل ولحوم الوحش، فبعث إلى علي ﵁ فجاء، فقالوا له: كل، فقال: أطعموه قوماً حلالاً، فأنا حرم، ثم قال علي: أنشد الله من كان هنا من أشجع أتعلمون أن رسول الله ﷺ لما أهدى إليه رجل حمار وحش أبى أن يأكله، قالوا: نعم، وهذا غلط

стр. 1682

لما روي من خبر أبي قتادة، وروي فيه أن النبي ﷺ قال: "إنما هي طعمة أطعمكموها الله [٢٠٤ / ب]. وروي أنه قال: " هل معكم من لحمه شيء". وأيضاً خبر جابر الذي ذكرنا. وأما ما ذكروا إنما رد رسول الله ﷺ ، لأنه ظن أنه صيد من أجله وتركه على التنزه، أو كان حياً، لأنه قال: "حمار وحش"، فإذا تقرر هذا فلو أكل من هذا الصيد الذي حرمنا عليه أكله، هل يلزمه الجزاء بأكله؟ فيه قولان، قال في "القديم": يلزمه الجزاء بقدر ما أكله. وبه قال مالك وأحمد، وقال في "الجديد": لا جزاء عليه. وهذا أصخ، لأنه أكل من لحم صيد، فلا يلزمه الجزاء به، كما لو قتله وأكله لم يلزم الجزاء بالقتل دون الأكل واحتج مالك بأنه محظور إحرامه كما لو قتله. قلنا: لأنه بالقتل أتلف صيداً نامياً بخلاف هذا. فرع إذا قلنا: يلزمه الجزاء، فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يكون ضامناً مثله لحماً من لحوم النعم يتصدق به على مساكين الحرم. وبه قال أحمد. والثاني: يضمن بمثله من النعم، فإن أكل عشر لحم الظبي يلزمه عشر شاة. والثالث: يضمن بقيمة ما أكل دراهم يتصدق بها إن شاء، أو يصرفها في طعام ويتصدق به، ذكره في "الحاوي". فرع آخر إذا باشر المحرم قتل الصيد لم يحل له أكله، وهل يحل لغيره من المحرمين والمحلين؟ قولان. قال في "القديم": يحل، وذكاته مبيحة له. وقال في "الجديد": لا يحل، وتكون ميتة. وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد. وقال أصحابنا: قول "القديم" أصح في هذه المسألة لأن كل من أباحت ذكاته غير الصيد أباحت الصيد كالمحل، فإذا قلنا بالأول يلزمه الجزاء في حق الله تعالى، وما نقص الذبح للآدمي. وإذا قلنا بالثاني يلزمه تمام القيمة في حق المالك [٢١٢ / ب]. فرع آخر إذا قلنا بالقول الأول، أو الثاني: لو أكل منه لا يلزمه الجزاء ويفارق المسألة قبلها في أحد القولين، وذلك أن هناك لم يجب بالقتل شيء، فجاز أن يلزمه الجزاء بالأكل. وههنا وجب بالقتل الجزاء، فلا يجب بالأكل شي، آخر. وبه قال مالك وأحمد وأبو يوسف ومحمد.

стр. 1683

وقال أبو حنيفة: يلزمه قيمة ما أكل، وهذا غلقالأنه صيد ضمنه بالقتل، فلا يضمنه بالأكل كصيد الحرم أو يقيس على ما لو جاء محرم أخر وأكله لا جزاء، وكذلك لو شوى بيضة وأكلها لا يلزمه بالأكل شيء، ولأن عنده ذبيحة الحرم ميتة، فكيف يلزم الضمان بإتلاف الميتة؟. فرع آخر إذا حلّ من إحرامه لا يحل له أكله أيضًا قولًا واحدًا. ومن أصحابنا من ذكر وجهًا آخر أنه يحل له أكله على القول الأول. فرع آخر لو قتل الحلال صيدًا في الحرم، فيه طريقان: إحداهما: فيه قولان. والثاني: يصير ميتة قولا واحدًا، والغرق أن صيد الحرم ممنوع على سائر الناس، فصار كالحيوان الذي لا يؤكل بخلاف صيد الحل فإنه حلال لقوم دون قوم، وقيل: أن الشافعي نص في "الإملاء" على هذا الفرق، وهو ضعيف، لأن هذا الصيد في حق المحرم كصيد الحرم في حق الكافر وكما يزول هذا التحريم عند التحلل يزول تحريم ذاك عند مفارقة الحرم. مسألة: قال: لو دل على صيد كان مسيئًا ولا جزاء عليه. الفصل عندنا الصيد لا يضمن بالدلالة، إنما يضمن بالجناية، أو اليد فإذا دلّ المحرم محرمًا على صيد في الحلّ فقتله وجب الجزاء على القاتل دون الدال، وكذلك لو دلّ الحلال محرمًا، فقتله، ولو دل المحرم حلالًا على [٢١٣/ أ] صيد، فقتله لا جزاء على واحدًا منهما، وهو مسيء في ذلك، لأن عقد الإحرام أوجب عليه احترام الصيد فإذا دلّ عليه ناقض أصل موضوعه. وبه قال مالك وأبو ثور. وروي ذلك عن ابن عمر ﵄. وقال مجاهد وعطاء وحماد: أن دلّ محرم محرمًا يلزم الجزاء عليهما، نصفين، وإن دلّ محلّ محرمًا وجب تمام الجزاء على المدلول، وإن دلّ محرم حلالًا وجب تمام على الدّال. وقال أبو حنيفة والثوري: يلزم على كل واحٍد منهما جزاء كامل إذا كانا محرمين وإن دل محرم حلالًا وجب الجزاء على الدال وحده، وإن دلّ محلّ محرمًا وجب الجزاء على المحرم دون الدال. واحتج الشافعي عليهم بقوله: "كما لو أمر بقتل مسلم لم يقتص منه، كان مسيئًا"، كذلك ههنا وتحريره أن ما ضمن بالجناية، لا يضمن بالدلالة كالآدمي وصيد الحرم.

стр. 1684

فرع لو أمسك المحرم صيدًا ثم جاء حلال فذبحه، قال أصحابنا: الجزاء على الممسك دون القاتل، لأن المحرم ضمن بالإمساك، فإذا تلف في يده بذبح الحل استقرّ عليه الضمان كما لو مات حتف أنفه، وهذا المحل القاتل أتلف صيدًا ليس بمملوك، لأحد لأن المحرم لم يملكه بإمساكه، فلا ضمان عليه ولو كان القاتل محرمًا، فيه وجهان: أحدهما: يجب الجزاء على القاتل دون الممسك، لأن الإمساك سبب غير ملجئ اجتمع مع المباشرة، فتعلق الضمان بالمباشرة دون السبب كما لو أمسك أدصيٍد، ثم جاء آخر قتله. والثاني: يجب عليهما نصفين، لأن الإمساك لو انفرد تعلق به الضمان، وكذلك القتل لو انفرد، فإذا اجتمعا تعلق الضمان بهما كما لو جرحا صيدًا، ويفارق إمسال الآدمي، لأنه لو انفرد لا يتعلق به الضمان. [٢١٣/ ب] وهكذا الحكم في المحل إذا أمسك صيدًا في الحرم ثم جاء آخر فقتله يجب الجزاء وعلى من يجب، فيه وجهان. وقال القاضي الطبري: لم يرد أصحابنا على هذا، ولا أعرف كلتا المسألتين للشافعي الذي يجب عناي على أصل الشافعي، أن يجب الجزاء على المحرم في المسألة الأولى، لأنه ضمنه باليد، ولكن إذا أحرمه رجع به على الحلال، لأنه هو المتلف له، وهو السبب في وجوب الضمان عليه، والحكم في كيفية الرجوع كما بيناه في الحلال إذا حلق رأس المحرم بغير أمره مكرهًا، أو نائمًا. وفي المسألة الثانية، كل واحد منهما صار ضامنًا له، أمّا الممسك فقد ضمنه باليد. وأمّا القاتل فقد ضمنه بالإتلاف، فكل واحد منهما مخاطب بالغرامة، والضمان، فإن أخرج الممسك رجع على المتلف لأنه هو المباشر لإتلافه وإن أخرج القاتل لم يرجع به على الممسك كما نقول فيمن غصب مالًا فجاء آخر وأتلفه في يد الغاصب لصاحبه أن يغرم أيهما شاء فإن غرم الغاصب رجع على المتلف وإن غرم المتلف لم يرجع على الغاصب، وقيل: ما قاله القاضي في المسألة الثانية، أقيس. وما قاله سائر أصحابنا في المسألة الأولى، أقيس. فرع آخر صيد الحرم محرم مضمون على كل أحد كصيد الحل مضمون على المحرم، فيلزمه الجزاء ويتخير بين الأنواع الثلاثة. وبه قال مالك وأحمد. وقال أبو حنيفة: لا يدخل الصوم في جزائه، وهذا غلط، لأن ما ضمن به الصيد في حق المحرم ضمن صيدًا يحرم كالهدي والإطعام. وقال داود: لا جزاء في صيد الحرم، وهذا غلط، لأن هذا الصيد ممنوع من قتله لحق الله تعالى فأشبه الصيد [٢١٤/ أ] في حق المحرم.

стр. 1685

فرع آخر لو ملك الحلال صيدًا في الحل ثم أدخله الحرم حل له ذبحه وأكله والتصرف فيه بالبيع والهبة. وبه قال مالك، وقال أبو حنيفة وأحمد: لا يجوز له التصرف فيه، ويلزمه الجزاء بقتله، وهذا غلط، لأنه ملكه أدخله الحرم كما لو قلع شجرة من الحلّ وأددخلها الحرم. مسألة: قال: ومن قطع من شجر الحرم شيئًا جزاه. الفصل لا يجوز قطع شجر الحرم والدليل عليه ما روى أبو هريرة ﵁، قال: لما فتح الله تعالى على رسول الله ﷺ مكة قام رسول الله ﷺ فيهمء فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "إن الله تعالى حبس عن مكة الفيل، وسلّط عليها رسوله والمؤمنين، وإنما أحلت لي ساعة من نهار، ثم هي حرام إلى يوم القيامة لا يعضد شجرها ولا ينفر صيدها ولا تحل لقطتها إلا لمنشٍد"، فقال العباس: يا رسول الله إلا الإذخر، فإنه لقبورنا وبيوتنا، فقال رسول الله ﷺ : "إلا الإذخر، إلا الإذخر"، فقام أبو شاه، رجل من أهل اليمن، وقال: اكتبوا لي يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : "اكتبوا لأبي شاه"، يعني هذه الخطبة. وقوله: "لا يعضد"، أراد: لا يقطع. والعضد: القطع. وقوله: لا ينفر، يعني: لا يتعرض له بالاصطياد. وقال سفإن بن عيينة: معناه أن يكون الصيد أيضًا في ظل الشجرة، فلا ينفره الرجل ليقعد، فيستظل مكانه، والمنشد: المعرف. وروى ابن عباس في هذا الخبر: لا يختلى خلاؤها، والخلا: الحشيش، فإذا تقرر هذا، فهو مضمون على المحرم والمحل [٢١٤/ ب]. وقال مالك وداود وأهل الظاهر وأبو ثور: هو ممنوع منه، ولكن لا يلزم الجزاء بقطعه. وذكر بعض أصحابنا بخراسان: أن الشافعي قال في "القديم ": لا جزاء إلا في ذي روح، وهذا غلطء لما روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: في الدوحة بقرة وفي الجزلة شاة، والدوحة: الكبيرة والجزلة: الصغيرة. وقال ابن الزبير في "الكبيرة ": بقرة وفي "الصغيرة ": شاة، ولا مخالف لهما. فرع الشجر الذي أنبته الله تعالى في الموات في الحرم حكمه ما ذكرنا، وكذلك لو أنبته الله تعالى في الأملاك، ويريد ههنا: ضمان القيمة للآدمي، ولو غرسه الآدمي في موات

стр. 1686

الحرم ظاهر المذهب، أنه يلزم فيه الجزاء، ومن أصحابنا من قال: لا جزاء فيه، لأن ما كان من غرس الآدمي نهو كالحيوان الأهلي. وأشار الشافعي إلى هذا في "الإملاء"، لأنه قال: ومن قطع من شجر الحرم فعليه الجزاء لأنه لا مالك له، وقيل: هذا لا يدل على ما ذكره هذا القائل، وإنما علل بهذا في وجوب الجزاء خاصة، لأن في الجر المملوك يجب مع الجزاء القيمة. وقال أبو حنيفة: ما نبته الآدميون يجوز تطعه وما لا نبته الآدميون ينظر فيه، فإن أنبته أدمي جاز قطعه، وإن نبت بنفسه لم يجز قطعه لظاهر الخبر الذي ذكرنا، ولم يفرق، ولأنه شجرة نابتة غير مؤذية نبت أصلها في الحرم، نوجب أن يحرم قطعها أصله ما نبت بنفسه مما لا ينبته الآدميون. فرع آخر الجزاء إنما يجب في الشجر الذي يكون غضًا لا شوك فيه كالبلوط وشجر الجبال، فأما إذا قطع شجرة يابسة، فلا جزاء فيه، لأنها بمنزلة الصيد الميت، وكذلك [٢١٥/ أ] لو قطع الشوك والعوسج، فلا جزاء أيضًا، لأنه يؤذي كالسبع والبهائم المؤذية. فرع آخر قال بعض أصحابنا: لو كانت الشجرة قد انتشرت أغصانها ومنعت الناس الطريق وآذتهم، يجوز أن يقطع منها ما يؤذي. فرع آخر قال الماسرجسي: الأشجار الثابتة في الحرم ضربان: ضرب أنبته الآدميون مثل الكمثرى والتفاح، ونحوهما مما يتولى بنو آدم زراعته وغرسه لا جزاء فيه. هكذا ذكره الداركي من أصحابنا، وأهل خراسان. وهذا خلاف مذهب الشافعي، لأنه أطلقه من غير تفصيل وعليه أكثر أصحابنا، ونص عليه في "القديم" فقال: ويقطع السواك من فرع الشجرة ويأخذ الثمر والورق فيه للدواء إذا كان لا يميته، فدّل هذا على أنه يلزم الجزاء في الثمرة. وقال أبو حامد: فيه طريقان: أحدهما: فيه قولان. والثاني: يلزم فيه الجزاء قولا واحدًا. فرع آخر لو حمل من الحل شجرة وأنبتها في الحرم لا جزاء فيها لأن ذلك، ليس من شجر الحرم وإنما شجر الحرم ما نبت أصله فيه، وهو كما لو أدخل صيدًا في الحرم لا يحرم ذبحه. فرع آخر لو قلع شجرًا من الحرم وغرسه في الحلّ، فإن مات يلزمه الجزاء، وان نبت وجب

стр. 1687

عليه قلعه ونقله إلى الحرم وغرسه فيه، فإن نقله وغرسه ونبت، فلا شيء عليه، وإن مات فعليه الجزاء، فإن جاء غيره فقلعه من الحل، فمات يضمنه القالع بإلجزاء، فإن قيل: أليس قلتم لو نفر صيدًا من الحرم حتى رجع إلى الحلّ فاصطاده صائد في الحل لا يضمن؟ فقولوا: في الشجر مثله!! قلنا: الاعتبار في الشجر بمنبته وقد ثبت له حكم الحرم، ولهذا يجب ردّه إليه، [٢١٥/ أ] لأن الشجر لا ينتقل من محل إلى محل، وليس كذلك الصيد، فإن الاعتبار فيه بنفسه، لأنه تارة يكون في الحل وتارة يكون في الحرم، فإذا فارق الحرم لم يثبت له حكمه، ولهذا لا يجب ردّ الصيد إلى الحرم، لأنه يقدر على الرجوع بنفسه إلى الحرم. فرع آخر لو قلع شجرة من الحرم وغرسها في موضع آخر من الحرم، فإن نبت في الموضع الذي حولها إليه، فلا شيء عليه، وإن لم ينبت فعليه الجزاء، ولأن عليه نقلها إلى موضعها لأن حرمة جميع الحرم واحدة. فرع آخر لو نبتت شجرة بعض أصلها في الحلّ. والثاني في الحرم فالحكم فيه كما لو كان كل أصلها في الحرم تغليبًا للتحريم. فرع آخر لو كان أصلها في الحرم وأغصانها في الحلّ فقطع غصنًا منها يلزم الجزاء اعتبارًا بأصلها، ولو كان على هذا الغصن صيدًا يعتبر مكان الصيد في وجوب الجزاء، فإن كان في الحرم يلزم الجزاء، وإن كان في الحل لا جزاء. فرع آخر في كيفية الجزاء، قال الشافعي في "الإملاء": القياس أن يلزم فيها القيمة، ولكنا تركناها لما روينا عن الصحابة، ففي الصغير شاة، وفي الكبير بقرة. وقال بعض أصحابنا بخراسان: في الكبير بقرة، وفي أصغر منها شاة، وفي أصغر منها قيمته. وقال أبو حنيفة: لا يتعذر الجزاء فيها ويضمن بقيمتها. فرع آخر لو قطع غصنًا منها، قال الشافعي في موضع: فيه درهم وليس هذا بمذهبه، بل حكاه عن قوم ومذهبه فيه، أنه يلزمه ما نقص من قيمته أن لم يستخلف كما لو جرح صيدًا، وإن استحلف، فيه قولان: أحدهما: لا شيء عليه، لأنه عاد إليه كالذي كان وقد قال الشافعي في "القديم": ويقطع السواك من فرعها، وأراد إذا كان مما يستخلف. والثاني: يلزمه ضمانه، لأن الذي عاد غير الذي أتلفه [٢١٦/ أ].

стр. 1688

فرع آخر لو أراد أن يأخذ الورق للدواء والعلف والأغصان الرطبة لا لعطبة التي تحل محل الورق. نص في "القديم": أن له ذلك. وقال في "الإملاء": لا يخبط ورق الشجر للدواب، لأن عمر ﵁ رأى رجلًا يخبط شجرًا في الحرم، فنهاه عنه، وليست المسألة على قولين، بل هي على اختلاف حالين، فالذي قال: له ذلك إذا أخرط أوراقها، ولا يفسد الأغصان الكبار، والذي قال: ليس له ذلك أراد إذا خبط أغصانها فخدش به الأغصان، والشجر ويضر بها وربما يكسرها. وهذا لأن الورق مما يستخلف، فهو بمنزلة لبن الصيد لا يمنع منه المحرم كنتف ريش الطائر، لأنه يضر به ويمنعه الطيران بخلاف أخذ الأوراق. وقال في "الحاوي": أن كان الورق جافًا يجوز أخذه وإن كان رطبًا لا يجوز، لأن فيه إضرارًا بالشجر، فإن فعل، ولم يمت الشجر فقد أساء ولا شيء لأنه استخلف مع بقاء الشجر، وكذلك أن أخذ مسواكًا من أراك. فرع آخر حشيش الحرم، ممنوح من أخذه وبيعه إلا الإذخر، فإنه يجوز أخذه لما ذكرنا، فإن أخذ من غير الإذخر شيئًا فقد آساء، ونظر فإن كان مما استخلف، فلا جزاء عليه، وإن كان مما لا يستخلف، فعليه الجزاء، وهو ما نقصه بالقطع، وكذلك إذا قلعه من أصله، وإن استخلف ناقصًا ففيه ما نقص، وقيل: يتصدق عنه بشيء، ويفارق هذا النقص إذا عاد بعد القطع هل يلزم الجزاء؟ فيه قولان: وههنا قول واحد أنه لا جزاء لأن الأغصان لا تستخلف في غالب العادة بخلاف الحشيش، وهو كما قلنا في سن من لم يتغير إذا نبتت لا دية قولًا واحدًا. وفي سن من قد تعد إذا نبتت قولان لهذا المعنى. فرع آخر يجوز رعي حشيش الحرم، فيرسل [٢١٦ / ب] عليه الأغنام. وقال أبو حنيفة: لا يجوز ذلك، لأنه لا يجوز إتلاف فلا يجوز أن يرسل عليه من يتلفه، وهذا غلط، لأن، الهدايا كانت تحمل إلى الحرم، وتكثر فيه، ولم ينقل: أنه كان يد أفواهها لئلا ترعى، ولأن بهم حاجة إلى ذلك فجاز كما قلنا في قطع الإذخر والعوسج، ولآن الناس كانوا يرعون بهائمهم فيه من لدن رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا، ولم ينكر منكر. وقد روى في خبر أبي هريرة ﵁ إلا علف الدواب. فرع آخر قال في "القديم" فأما ما، زمزم، فلا أكره الخروج به. وقد روي أن سهيل بن عمرو

стр. 1689

أهدى للنبي ﷺ راوية منه. وروي أن عائشة ﵁ كانت تنقل ماء زمزم وتخبر أن رسول الله ﷺ كان يحمله، وهذا لأن الماء يستخلف مكانه. فرع آخر قال في "الجامع الكبير": ولا جبر في أن يخرج من حجارة الحرم ولا من ترابه شيء إلى الحل، لأن له حرمة. وقال في "القديم ": وأكره أن يخرج من حجارة الحرم، أو ترابه شيء إلى غيره. وقال: ورخص ذلك بعض الناس، واحتج بشراء البرام من مكة، والبرام في الحل على يومين وثلاثة من الحرم يريد به أن البرام ليست من حجارة الحرم، وهذا يدل على أنه يجوز ذلك ويكره. وذكر بعض أصحابنا: ما يدل على أنه حرام، ولكنه لا يضمن، وهو خلاف المذهب. وروي عن ابن عباس وابن عمر ﵄ أنهما كانا يكرهان أن يخرج من تراب الحرم إلى الحل أو يدخل من تراب الحل إلى الحرم. وروي عن عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر، قال: قدمت مع أمي ومع جدي مكة فأتينا صفية بنت شيبة، فأهدت لنا حجرًا من أحجار الدار [٢١٧/ أ] إكرامًا لنا، فأخرجناه من الحرم فمرضنا كلنا، فقالت أمي وجدي: ما أرانا أصبنا هذا إلا أنا أخرجنا هذه القطعة من الحرم وكنت أمثل القوم، فقالت لي: ردها إلى الحرم، وقل لصفية: أن الله وضع في حرمه شيئًا، فلا ينبغي أن يخرج منه، فرددته إليها، فلما رجعت إلى أصحابي فكأننا نشطنا من عقال. مسألة: قال: وسواء ما قتل في الحرم أو الإحرام. مفردًا كان أو قارنًا، فعليه جزاء واحد القصد به أن الحرمات الموجبات للفدية إذا اجتمعت تداخلت وصارت كالحرمة الواحدة، فإذا قتل صيدًا في الحرم والإحرام في الإفراد أو القران، يلزم جزاء واحد، وكذلك القارن إذا تطيب أو ليس يلزمه جزاء واحد. وبه قال أحمد في أشهر الروايتين عنه. وقال أبو حنيفة: يلزم القارن جزءان، وهذا غلط، لأن المقتول واحد، فلا يجب بقتله إلا جزاء واحد. مسألة: قال: ولو اشتركوا في قتل صيد لم يكن عليهم إلا جزاء واحد. إذا اشترك جماعة من المحرمين في قتل لا يلزمهم إلا جزاء واحد. وبه قال عمر وابن عمر وعبد الرحمن بن عوف وعطاء وحماد والزهري وأحمد واسحاق وأبو ثور. وقال مالك وأبو حنيفة: يلزم على كل واحد منهم جزاء كامل. وبه قال الحسن والشعبي والثوري،

стр. 1690

واحتجوا بأن هذه كفارة يدخلها الصوم ككفارة قتل الآدمي، وهذا غلط، لأن المقتول واحد، فيلزم بقتله جزاء واحد كما لو اشتركوا في قتل صيد الحرم يلزمهم جزاء واحد بالاتفاق. وروي أن موالي لابن الزبير أحرموا فمرت بهم ضبع فحذفوها بعصيهم، فأصابوها، فأتوا ابن عمر ﵁، فذكروا ذلك له، فقال: عليكم كبش، فقالوا: على كل واحد منا كبش [٢١٧/ ب]، فقال: إنكم لمعزرتكم، أي: مشدد عليكم أن ألزم كل واحد منكم كبشًا عليكم جميعًا كبش، وأما كفارة قتل الآدمي. قال صاحب "الإفصاح": قال الشافعي في كتاب "الشاهد واليمين": يلزمه كفارة واحدة والمشهور أنه يلزم على كل واحد منهم كفارة كاملة. والفرق أن ذلك كفارة لا يختلف باختلاف المقتول من الصغير والكبير ولا ينقص، وهذا يشبه الغرامة من جهة البعض والاختلاف بالصغر والكبر، فيلزمهم واحد وعلى هذا المحل والمحرم إذا اشتركا في قتل صيد في الحل يلزم على المحرم نصف الجزاء، ولا شيء على المحل وعند أبي حنيفة يلزمه كل الجزاء. مسألة: قال: وما قتل من الصيد لإنسان، فعليه جزاؤه للمساكين وقيمته لصاحبه. قصد به الرد على مالك حيث قال: إذا قتل صيدًا مملوكا تلزمه القيمة لصاحبه ولا جزاء فيه بحال لأنه بملكه، خرج عن الصيد الوحشي إلى حكم الإنسي. وبه قال المزني في "المنثور" وأصحاب مالك الآن ينكرون هذا من مذهبه، والدليل على ما ذكرنا أنه كفارة تجب بقتل الحيوان الذي ليس بمملوك، فجاز أن يجب بالمملوك ككفارة قتل للآدمي، ولأن الجزاء والقيمة حقان لمستحقين، فجاز اجتماعهما، واحتج الشافعي بأن قال: لو جاز إذا تحولت حال الصيد عن التوحش إلى الاستئناس أن يصير حكمه حكم الأنفس جاز أن يضحي به ويجزي به ما قتل من الصيد، أي: يجعله جزاء إذا قتل وحشيًا مثله، ويجوز أن يقال: إذا توحش الإنسي من البقر والإبل أن يكون صيدًا في الحكم يجزئه المحرم، ولا يضحي به، وكل على أصله، أي: لا يتغير [٢١٨ /أ] حكم الوحشي بالاستئناسء ولا حكم الإنسي بالتوحش. مسألة: قال: وما أصاب من الصيد فداه إلى أن يخرج من إحرامه. قصد به بيان الإحلال الذي يبيح له قتل الصيد بلا جزاء وفسر خروجه من العمرة على القول المشهور أن الحِلاق من النسك، وكذلك الخروج من الحج ذكر على القول المشهور، وأفتى على ظاهر مذهبه أن قتل الصيد يحل بالخروج الأول من الحج وقد شرحنا ذلك وههنا إشكال وذلك أنه أجاب على أن الحلاق من النسك، ثم ذكر أن للعمرة خروجًا واحدًا، وللحج خروجين، وعلى هذا القول للعمرة خروجان أيضًا، فالأول، بالطواف والسعي. والثاني، بالحلاق، فلو وطئ قبل الحلاق لا تفسد عمرته،

стр. 1691

ولكن يلزمه بدنة كما لو وطئ بعد الوقوف في الحج لأنه أتى بمعظم أفعالها، وكان الأولى أن يذكر للعمرة خروجين أيضًا، ذكره الشيخ أبو محمد الجويني في "المنهاج". فرع لو رمى مُحِلّ في الحل إلى صيد في الحرم، فقتله يلزمه الجزاء، وكذلك إذا كان في الحرم والصيد في الحل فرماه، فقتله وجب عليه الجزاء لأن من كان في الحرم لا يجوز له قتل الصيد في الحرم ولا في الحل. فرع آخر لو كان الحلال في الحل فرمى إللى صيد في الحل، فدخل السهم الحرم ونفذ إلى الحل وأصاب الصيد. قال الشافعي: لا جزاء عليه لأن الرامي في الحلّ والصيد في الحلّ. ومن أصحابنا من قال: عليه الجزاء، لأن السهم عبر على الحرم، فصار كأنه ابتدأ منه. فرع آخر قال في "الإملاء": لو حس الحلال في الحل صيدًا له فرخ في الحرم، فمات الصيد والفرخ في الحرم، فمات الفرخ من الجوع يلزمه الجزاء في الفرخ دون [٢١٨/ ب] الأم، لأن الأم قتلها في الحل، فلم يضمنها، والفرخ مات بسبب من جهته في الحرم، فلزمه ضمانه. فرع آخر قال: وإن كان الحلال في الحرم فحس طيرًا في الحرم، وله فرخ في الحلّ، فماتت الأم والفرخ وجب الجزاء فيهما، لأنه قتل الطير في الحرم، ومات الفرخ في الحل بسبب كان من جهته، وهو في الحرم، وقد قلنا: أنه لا يجوز أن يقتل صيدًا في الحل، وهو في الحرم، وحكي عن أبي ثور أنه قال: العبرة بكون الصيد في الحرم. فرع آخر لو أرسل المحرم كلبه على صيد وهما في الحل فقتله كلبه وجب عليه الجزاء لأن الكلب بمنزلة الآلة له فإن قتل: إذا حرش كلبه على إنسان، فقتله، قلتم: لا شيء عليه، فما الفرق؟ قلنا: لأن الكلب يعلم الاصطياد، فهو آلة فيه وليس كذلك في قتل الإنسان فوزانه أن الحرس كان كلبًا غير معلم على الصيد، فلا جزاء عليه، لأنه لا يكون آلة له ولا فعله منسوبًا إليه. فرع آخر لو كان حلالًا في الحرم، فأرسل كلبه على صيٍد في الحلّ، فقتله، فعليه الجزاء، وإن كان حلالًا، فأرسل كلبه على صيد في الحلّ، فدخل الصيد الحرم، فتبعه الكلب ودخل فيه، فقتله في الحرم. قال الشافعي: لا جزاء عليه، لأنه إنما أرسله على صيٍد في الحل وعدوله إلى الحرم كان باختيار الكلب لا باختيار صاحبه ويفارق هذا الحلال

стр. 1692

إذا رمى إلى صيد في الحل، وهو في الحلّ، فجاز السهم إلى الحرم، وقتل فيه صيدًا آخر يلزمه الجزاء، لأن السهم لا اختيار له. فرع آخر لو وقف صيد بعضه في الحل وبعضه في الحرم فرمى من الحل، فقتله يلزمه الجزاء. وهكذا لو كان جميع قوائمه [٢١٩ / أ] في الحرم ورأسه في الحل، فرماه فأصاب رأسه فقتله، يلزمه الجزاء. وقال أصحاب أبي حنيفة: أن كان بعض قوائمه في الحرم ضمن، وإن كان جميع قوائمه في الحل لم يضمن. فرع آخر لو كان طائر يطير في هواء الحرم كان كالواقف في الحرم يلزمه الجزاء. فرع آخر لو نَفّر صيدًا في الحل وهو محرم، فأصابته آفة فمات بأن انتهشته حيّة أو جارحة غيرها، فعليه الجزاء نص عليه. وكذلك المحل إذا نفر صيدًا من الحرم، فصدم حائطًا، أو شجرًا يلزمه الجزاء، وإن لم يصدمه مما لم يألف موضعًا من حل أو حرم حتى تلف ضمنه أيضًا، وإن ألف موضعًا خرج من ضمانه. فرع آخر لا جزاء في صيد البحر بحال سواء كان البحر في حل أو حرم وسواء كان البحر كبيرًا، أو صغيرًا، سوا، كان الماء عذبًا أو أجاجًا. قال الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: ٩٦] الآية. وصيد البحر ما لا يعيش إلا فيه، ومأواه فيه والسلحفاة من صيد البحر. قال في "الأم": وطعامه عندنا ما ألقاه وطفا عليه، والله أعلم. والآية لا تحتمل إلا هذا المعنى أو كون طعامه دواب تعيش فيه فتؤخذ بالأيدي بغير تكلف كتكلف صيده، وحكي عن الصيمري أنه قال: صيد الحرم حرام على الحلال، والمحرم وإن كان البحر في الحرم وصيد البحر في الحل لا يحرم على المحرم. فرع آخر قال الشافعي: ولا يحرم قتل الصيد إلا صيد الحرم، وأكره قتل صيد المدينة. قال أصحابنا: هذه الكراهية كراهية تحريم. وبه قال مالك وأحمد: فيحرم صيدها، وقطع شجرها ولم يذكروا خلافًا. وقيل: ظاهر كلام الشافعي كراهية التنزيه، لأنه قال: لا يحرم إلا صيد [٢١٩ / ب] الحرم. وحكى عن أبي حنيفة هذا، واحتج بأنه لو كان محرمًا لنقل تحريمه نقلًا عامًا مستفيضًا، وهذا غلط لما روى أبو هريرة رضي الله عنه

стр. 1693

أن النبي ﷺ قال: "حرم إبراهيم مكة وإني حرمت المدينة مثل ما حرم إبراهيم مكة لا ينفر صيدها ولا يعضد شجرها، ولا يختلى خلاؤها، ولا تحل لقطتها إلا لمنشد". وروي علي بن أبي طالب ﵁ أن النبي ﷺ ، قال: "المدينة حرام ما بين عائر إلى ثور، وهما جبلان لا ينفر صيدها ولا يعضد شجرها ولا يختلى خلاؤها إلا رجل يعلف بعيره ". وأمّا ما ذكروه لا يصح، لأنه يجوز أن ينقل نقلًا خاصًا، وإن كان شرعًا ظاهرًا كالأذان والإقامة. فرع آخر لو خالف وقتل فيها صيدًا، قال في "الجديد": لا جزاء عليه. وبه قال مالك، لأنه موضع يجوز دخوله بغير إحرام، فلا يضمن صيده كالعرج، وهو وادٍ بالطائف، وقرب اليمن. وقال في "القديم ": يلزمه الجزاء فيه. وبه قال أحمد وابن أبي ذئب. فرع آخر إذا قلنا بقوله "القديم "، فالجزاء أن يسلب القاتل لما روي أن سعيد بن أبي وقاص ﵁ رأى رجلًا يصيد بالمدينة، فأخذ سلبه، وروي: فسلبه ثيابه، فجاءه مواليه فكلموه فيه، فقال: لا أرد طعمة أطعمنيها رسول الله ﷺ ، يقول: "من وجدتموه يقتل صيدًا في الحرم، فاسلبوه، فإن أردتم ثمنه، فخذوه". وروي أنه قال: هذا شيء طيّبه لي رسول الله ﷺ ، فلا أعطيه لأحد، ولكن خذوا من مالي ما شئتم. وروي أنه قال: واته لا أردها. ومن قال بقوله الجديد أجاب عن هذا بأن هذا كان في أول الإسلام حين كانت العقوبات بأخذ المال، [٢٢٠/ أ] ثم نسخ. وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجه جزاؤه مثل جزاء صيد مكة. فرع آخر إذا أخذنا سلبه، قال ابن المرزبان: يحتمل أن يقال: يكون للسالب للخبر الذي ذكرنا، وهو اختيار القاضي الطبري، ويحتمل أن يكون لفقراء المدينة كجزاء صيد الحرم في مكة لأهلها من الفقراء. فرع آخر إذا قلنا بالسلب، ففي حليته وزينته كالخاتم والطوق والسوار وجهان. وأمّا ثيابه وأفراسه للسالب وجهًا واحدًا حكمه حكم سلب الكافر إذا قتل مقتلًا في الحرب، ولو كانت عليه ثياب مغصوبة لا تؤخذ.

стр. 1694

فرع آخر قال بعض أصحابنا: لو كان على القاتل سراويل أخذ منه، وقيل له: احتل فيما تستتر به. وذكر في "الحاوي": أنه يترك عليه ما يستر عورته، وهذا أقرب عندي. فرع آخر قال في "الإملاء": أكره صيد وج وقال أصحابنا: يكره ذلك كراهية تحريم لما روي أن النبي ﷺ قال: "إن صيد وج حرام محرم" لا ينفر صيدها، ولا يعضد شجرها، ولا نص فيه أنه يلزم الجزاء بقتل صيده، وظاهر المذهب أنه لا يلزم أصلًا. وقال بعض أصحابنا: يحتمل أن يكون تحريمه على سبيل الحمى كنوع من منافع المسلمين، ويحتمل أن يكون إلى وقت معلوم، ثم نسخ، لأنه روى أنه قال ذلك قبل نزوله الطائف، وذلك أن عسكر رسول الله ﷺ حين نزلوا بالطائف وحصلوا أملها ارتفقوا بما نالته أيديهم من شجر وصيٍد. قال الإمام أبو سليمان: ولا وجه إلا هذا. فرع آخر البقيع موضع حماة رسول الله ﷺ يجوز الاصطياد فيه، ولا يجوز للأغنياء أن يحتشوا من حشيشه، فمن احتّش، فعليه غرمه، ذكره أصحابنا [٢٢٠/ ب]. فرع آخر مكة أفضل عند الشافعي من جميع البقاع. وقال مالك: المدينة أفضل. وبه قال أهل المدينة، وهذا غلط، لأن مكة حرم الله تعالى، والمدينة حوم الرسول ﷺ فهي أفضل، ولأن الصلاة فيها أفضل من غيرها. باب جزاء الطائر مسألة: قال: والطائر صنفان: حمام وغير حمام. الفصل الطائر ضربان: مأكول وغير مأكول. فأمّا غير المأكول فلا جزاء فيه سواء كان مما يصطاد، كالبازي والصقر ونحوهما، أو لا يصطاد كالحدأة والغراب، وعند أبي حنيفة: يلزم الجزاء في غير المأكول. وأمّا المأكول، ففيه الجزاء إذا كان وحشيًا، أو يتولد من وحشي وأهلي، وهو على ثلاثة أضرب حمام، ودونه وفوقه، فأمّا الحمام، فالواجب فيه شاة سواء كان حمام مكة أو حمام غير مكة إذا قتله محرم. قال الشافعي: والقياس أن تجب فيه القيمة، ولكن أوجبت فيه شاة إتباعًا لأقاويل الصحابة. وروي ذلك عن عمر وعثمان وابن عباس وابن عمر ونافع بن عبد الحارث

стр. 1695

وعاصم بن عمر وسعيد بن المثيب ﵃، وهو قول أحمد، وقال أبو حنيفة: تجب فيه قيمته. وقال مالك: يلزم في حمام الحرم شاة وفي حمام الحل القيمة، واحتج بقول ابن عباس ﵄ في كل شي، ثمنه إلا حمام مكة، وهذا غلط، لأنه حمام مضمون بالجزاء، فتجب فيه شاة كحمام الحرم. وأما قول ابن عباس روينا عنه أنه قال: فيه شاة مطلقًا، ثم القياس مقدم على قوله [٢٢١/ أ]. وروي عنه أنه قال: في حمامة الحل شاة. وروي عن نافع بن عبد الحارث، قال: دخل عمر بن الخطاب ﵁ مكة يوم الجمعة، فدخل دار الندوة يستقرب [منها] الرواح، فوضع رداءه على واقف في البيت، فوقعت عليه حمامة فنفرها مخافة أن تنجسه، فسقطت على واقف آخر فانتهشتها حيّة، فماتت، فدخلت عليه أنا وعثمان بن عفان ﵁، فقال: إني قد فعلت اليوم شيئًا، فاحكموا فيه. قلنا: وما هو قال: دخلت دار الندوة لأستقرب [منها] الرواح، فطرحت ردائي على واقٍف في البيت، وروى: فعلق رداءه على وتد، فوقعت عليه حمامة فنفوتها فسقطت على واقف آخر فانتهشتها حيّة وأوى أن علي جزاؤها، لأني نفرتها من موضعها الذي كانت فيه إلى موضع كان فيه حتفها، فقال نافع: ترى أن نحكم على أمير المؤمنين بعنز ثنية عفراء، فقال: نعم، فحكمنا عليه بذلك، فرضي به عمر ﵁. وروى: فحكموا عليه بشاة وروي أن رجلًا قال لابن عمر ﵄: إني أغلقت بابًا على حمامة وفرخها في الموسم، فرجعت وقد متن، فقال: عليك بثلاث شياه. فرع قال الشافعي: والحمام كل ما عبّ وهدر، والهدير: تغريده وترخية صوته نسقًا متتابعًا، والعبّ: عبّ الماء إذا شربه، فإن الحمام يشرب الماء جرعًا وسائر الطيور تشرب قطرة قطرة كشرب الدجاج، فليس بحمام. وقال الكتاني: والحمام ما كان وحشيًا، واليمام ما كان أهليًا يألف البيت. قال الشافعي: والقماوي والدباسي والفواخت والسقاس حمام، [٢٢١/ ب] وقال الكتاني: والحمام ما كان وحشيًا، فدخل تحت هذا ما ذكرنا والقطا والورشان مثله. وقد كان من العرب يقول: حمام الطير ناس الطير، أي يعقل عقل الناس، وذكر

стр. 1696

العرب الحمام في أشعارهم تشبيهًا بالناس، وكان الحمام عند العرب أشرف الطائر وأعلاه ثمنًا، وكانت تألف منازلهم، ويقولون: أعقل الطائر وأجمعه للهداية، وكانوا يستمتعون بأصواتها، وهدايتها، وكانت مع ذلك موكولة، فقالوا: فيها شاة لهذا المعنى. فرع آخر الشاة الواجبة في الحمام، هل وجبت توقيفًا أم من جهة المماثلة والشبه؟ فيه وجهان: أحدهما: وهو المنصوص وجبت إتباعًا للأثر. والثاني: وجبت من حيث الشبهة والمماثلة، لأن فيهما إنسا وألفًا ويعبّان في الماء عبًّا. فرع آخر في فرخ الحمام شاة صغيرة، هكذا ذكر أكثر أصحابنا، وهو المذهب. وقال في "الحاوي": فيه وجهان: أحدهما: فيه شاة كما في أمه. والثاني: فيه ولد شاة صغير راضع أو فطيم، يكون قدر بدنة من الشاة بقدر بدن الفرخ من أمه وهذان الوجهان مبنيان على اختلاف أصحابنا في الشاة الواجبة فيه، هل وجبت توقيفًا أم من طريق الشبه؟. وأما ما دون الحمام، كالقنابر والعصافير، ففيها قيمتها، ولا يتصدق بالقيمة بل يشتري بها طعامًا على ما ذكرنا وكذلك البلابل ونحوها. وقال داود: لا يجب ضمانها، أن الله تعالى قال: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥]، فدل على أن ما لا مثل له لا يضمن، وهذا غلط، لأن الله تعالى قال ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥] وهذا صيد. وروي عن عمر ﵁ وابن عباس ﵁ [٢٢٢/ أ]، أنهما أوجبا الجزاء في الجراد. وروي أن مروان سأل ابن عباس عن الصيد يصيده المحرم ولا مثل له من النعم، فقال: عليه ثمنه يهدى إلى مكة، وأما الآية فلا حجة فيها، لأنا نقول في وجوب الجزاء بما له مثل، وليس فيها حكم بالأمثل له وعرفنا حكمه بدليل آخر. فرع قال في "الأم": والصرد طائر دون الحمام، ففيه قيمته. وروي أنه سأل عطاء عن ذلك، فقال: لا أدري هو أصغر من الحمام أو أكبر، فإن كان أكبر، ففيه شاة. قال الشافعي: وأنا رأيته، فهو أصغر من الحمام، وفيه قيمته، وقيل: الصرد من جوارح الطير يصطاد العصافير ذكره البندنيجي.

стр. 1697

فرع آخر ظاهر قوله في "الأم" أنه يؤكل الهدهد وفيه قيمته، لأنه ليس بذي مخلب وإنما له منقار. فرع آخر قال في "الأم": الوطواط فوق العصفور ودون الهدهد، ففيه أن كان مأكولًا قيمته. وذكر عن عطاء أنه قال: فيه ثلاثة دراهم، وأمّا ما هو أكبر من الحمام كالحبارى والكركي والكروان والبطوط ونحو ذلك. قال الشافعي في موضع من "الجديد" ما لا يقع عليه اسم حمامة، فما دونها أو فوقها، ففيه قيمته في الموضع الذي يصاب فيه. وقال في "القديم": فيها شاة، لأن الشاة إذا وجبت في الحمام كان وجوبها فيما هو أكبر منها أولى تحصل قولان، ووجه الأول أن القياس في الحمام القيمة أيضًا، ولكنا تركناها للآثار، ففي الثاني على موجب القياس، فإن قيل: البّط من صيد البحر، وقد قال تعالى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦] قيل: هو من صيد البر، ويأوي إلى البر ويرعى في البحر تعيشًا بالسمك [٢٢٢ /ب]. فرع الإوز كالبط سواء، وذكر في "الحاوي": أنه ينظر فيه، وفي البط فإن كان نهض طائرًا بجناحيه، فلا يكون صيدًا، وهو كالدجاج. وهذا هو القياس، وقول الشافعي متأول عندي. فرع آخر قال في "القديم ": الفنج كالحمامء وقال أصحابنا: أن كان يشرب الماء عبًا، فهو كما قال، وإن كان يأخذ قطرة قطرة، فهو على القولين على ما ذكرنا. فرع آخر يلزم الجزاء في الدجاج الحبشي لأنه وإن تأنس فهو وحشي الأصل بغير أصله ويسمى بعداد الدجاج السندية، ويشبه الدجاج. وحكي عن أحمل أنه قال: لا جزاء فيه، وهكذا التذرح والدراج وطير الماء الذي يؤنس وفي قدر الجزاء قولان، لأنها أكبر من الحمام. فرع آخر ما تولد من وحشي وأهلي كالمتولد من بين القبج والدجاج والدراج والدجاج يلزم فيه الجزاء سواء كان الأب وحشيًا أم الأم.

стр. 1698

فرع آخر الحمام الأهلي الذي يسمى [الزاعبي]، وهو ما يكون في المنازل مستأنسًا، ولا ينهض طائرًا فيه وجهان: أحدهما: أنه من جملة الحمام للاسم. والثاني: لا جزاء فيه، لأنه أنيس كالدجاج وهو اختيار ابن أبي صريرة ذكره في "الحاوي". فرع آخر إذا قتل المحرم جاموسًا لا جزاء عليه، لأنه من النعم، ولهذا لا تجب الزكاة فيه. مسألة: قال: وما أصيب من الطير، ففيه قيمته في المكان الذي أصيب فيه. قد ذكرنا أن الصحيح فيما لا مثل له أن يقوم في موضع الاتلاف. وقال أبو إسحاق: قال الشافعي في بعض أماليه: يقوم بمكة. مسألة: قال: وقال عمر لكعب في جرادتين: ما جعلت في نفسك، قال: درهمين، [٢٢٣ / أ] قال: بخ بخ، درهمان خير من مائة جرادة. الجراد مضمون بالجزاء، ويلزم قيمته. وبه قال عمر وابن عباس وكافة العلماء. وقال أبو سعيد الخدري: لا جزاء فيه. وبه قال عروة وابن الزبير وداود، واحتجوا بأنه من صيد البحر لأنه أول ما خلق خرج من منخر حوت، فهو بحري. وقال أبو هريرة ﵁: خرجنا مع رسول الله ﷺ في حج أو عمرة، فاستقبلنا رجل من جراد، فجعلنا نضربه بأسياطنا، وعصينا، فقال النبي ﷺ : "كلوه فإنه من صيد البحر"، وهذا غلط، لأن الجراد من صيد البر مشاهدة، فصار ممنوعًا بحرمة الحرم يلزم الجزاء بقتله. وروي عن عمر ﵁ أنه قال لكعب في جرادتين ما ذكرنا، وقال له: أفعل ما جعلت في نفسك، يريد به تأويل قوله تعالى ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥]. وقال عمر ﵁: في جرادة تمرة. وقال ابن عباس: في جرادة تصدّق بقبضة طعام وليأخذن بقبضة جرادات. وفي هذا إيهام الإباحة، وليس هذا مراده، ولكنه أراد أن يبين حكم القبضة كما بين حكم الجرادة. قال الشافعي: فدل ذلك على أنهما رأيا في ذلك القيمة وأمر بالاحتياط إلى

стр. 1699

إخراج ما يعلم أنه أكثر قيمة من المتلف، وأمّا ما ذكروا من ابتداء خلقه، قلنا: لا اعتبار بهذا، بل الاعتبار يكون جنسه بريًا أو بحريًا، وقيل: الخيل كانت متوحشة. فأنسها إبراهيم وإسماعيل ﵉، ولا يجب الجزاء بقتلهما. وأما خبر أبي هريرة رواه أبو المهزم، وقد تكلم فيه سبعة ثم نحمله على ما لو سد عليه طريقه في قول، وهكذا الجواب أن رووا مطلقًا أن رسول الله ﷺ سئل عن المحرم يقتل الجراد، [٦٢٣ / ب] فقال: "هو من صيد البحر"، وهذا تأويل بعيد، والخبر مذكور في صحيح أبي عيسى فيلزم القول به. فرع لو افترس الجراد في الطريق حتى لا يمكنه سلوكه إلا بوطئه وقتله، وأما في "الأم" إلى قولين: أحدهما: لا جزاء. وبه قال عطاء لأنه ألجأه إلى قتله كالصيد إذا صال. والثاني: يلزمه الجزاء إلا أنه قتله لمنفعة نفسه كما لو اضطر إليه فقتله، ويمكنه المشي في طريق آخر. فرع آخر قال في "الأم": والدباء جراد صغار، ففي الدباءة منه أقل من تمرة أو لقيمة صغيرة إن شاء وما فديت به، فهو خير منها. وقال في موضع: في الدباءة نصف ثمرة وكل ما فداها به فهو خير. فرع آخر جراد الحرم حرام على المحرم والمحل، وتلزم الفدية محليهما بقتله، وحكي أن رجلًا سأل ابن عباس ﵄ عن ذلك، فقال: مضمون، فقال: أن قومك يأخذونه وهم محتبون في المسجد، فقال: أن قومي لا يعلمون. فرع آخر قال في "المناسك الكبير": وإذا كسر بيض الجراد فداه وما فداه به كل بيضة منه من طعام، فهو خير منها وإن أصاب بيضًا كثيرًا احتاط حتى يعلم أنه أدى قيمته أو أكثر من قيمته قياسًا على بيض كل صيد.

стр. 1700

فرع آخر قال أبو حامد في "الجامع": والذي للمحرم حمل للبازي وكل صائد فإن حمله فأرسله على طير فقتله يلزمه الجزاء وإن أرسله فلم يقتله، فلا جزاء، وإن انفلت من غير إرساله فقتله لا جزاء فرط أو لم يفرط. فرع آخر قد ذكرنا أن المحرم ممنوع من الاصطياد، فإذا اصطاد صيدًا لم يملك لأنه حصل في يده بسبب محرم وعليه إرساله، لأنه تعدى بأخذه ولو تلف في يده يلزمه ضمانه، لأن يده يد تعدي كيد الغصب، ولو أرسله حتى لحق الوحش زال عنه الضمان كما لو ردّ [٢٢٤/ أ] المغصوب إلى المغصوب منه، ولو أحرم وفي ملكه صيٍد، فيه قولان، نص عليهما في "الإملاء": أحدهما: لا يزول ملكه. وبه قال مالك وأحمد وأبو حنيفة، لأنه ملكه فلا يزول بإحرامه كاستمتاع زوجته أو لأن الحج عبادة فلا تزيل ملك الصيد كالصوم. والثاني: يزول ملكه، وهو الأظهر، لأنه معنى لا يراد للاستدامة والبقاء منع الإحرام أم من ابتدائه فمنع من استدامته كاللباس، ويفارق النكاح، لأنه يراد للبقاء والدوام، وكذلك الطيب. فرع آخر إذا قلنا بالأول: يلزمه إرساله حتى يلحق بالوحي، فإن مكه إرساله، فلم يرسله فمه حتى إذ مات حتف أنفه أو أتلفه متلف لزمه ضمانه، وإن أرسله أخر من يده لم يلزمه الضمان، وعند أبي حنيفة، أنه يلزمه الضمان. وهذا مبني على أمله، أنه لم يزل ملكه عنه، وإن أتلفه من كان في ملكه ضمه سواء أمكنه إرساله أو لا. فرع آخر إذا حل من إحرامه المنصوص في "الإملاء": أنه لا يعود ملكه ويلزمه إرساله حتى يلحق بالوحش، وهو اختيار ابن أبي هريرة وجماعة، لأنه كان متعديًا بإمساكه فلا يزول التعدي إلا بإرساله وعلى هذا لو لم يخله وقتله أو مات، يلزمه الجزاء، ولأنه لا خلاف أنه إذا اصطاد في الإحرام، ثم حل من إحرامه يلزمه تخليته حتى يصير ممتنعا بنفسه، كذلك ههنا. وقال أبو إسحاق: عاد ملكه بإحلاله ولا يلزمه إرساله كالعصير إذا صار خمرًا، ثم إذا عادت خلّا عاد ملكه، وهذا لأنه زال ملكه بسبب إحرامه، وقد زال إحرامه، فوجب عود ملكه. فرع آخر إذا قلنا بالقول الآخر: يجوز التصرف فيه بالبيع والهبة ولا تزال يداه عنه لا يد الحكم ولا يد المشاهدة إلا أنه [٢٢٤ /ب] لا يجوز له ذبحه، فإن ذبحه يلزمه الجزاء،

стр. 1701

وإن أرسله غيره كان هو أحق به، فإن ضاع وجب في المرسل قيمته، وإن حلّ من إحرامه حلّ له ذبحه ولم يجب جزاؤه عليه، لأنه ملكه فلا تزال يده عنه. وقال أبو حنيفة وأحمد: يلزم إزالة يد المشاهدة عنه دون الحكمية، فلو سلمه إلى الغير ليحفظه له جاز، وكذلك لو أرسله في داره أو في بيته كفاه، لأن إمساكه بيده فعل منه في الصيد، وهو محرم، فلا يجوز كالذبح، وهذا غلط، لأنه إذا لم يلزم إزالة يد الحكمي لا يلزم، إزالة يد المشاهدة كسائر أملاكه ويخالف القتل لأنه إتلاف له ممتنع كما يمنع من استعمال الطيب دون إمساكه. وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل يلزمه إرساله؟ قولان، فإذا قلنا: يلزمه إرساله، هل يزول ملكه؟ قولان. فرع آخر لو وهب للمحرم صيد، لا يجوز له أن يقبله، فإن قبله لم يملكه وعليه إرساله، وإن لم يرسله حتى مات يلزمه الجزاء، نص عليه في "الإملاء". وقال أصحابنا: معنى قوله: يلزمه إرساله أي: ردّه لصاحبه، وكذلك إن اشتراه لم يملكه وإن قبضه ضمنه بالجزاء أو القيمة إلى صاحبه، لن البيع يقتضي الضمان دون الهبة. ومن أصحابنا من قال: قول الشافعي: عليه إرساله يدلّ على أنه ملكه بالهبة، ولهذا أمره بإرساله، وهذا غلط، لأنه ما أراد ما ذكرنا وهو صريح في لفظه، ثم قال أصحابنا: إذا ردّه إلى بائعه أو واهبه سقط عنه الضمان للآدمي في البيع، ولكن لا يزول عنه حكم الجزاء لله تعالى حتى يرسله، فيمنع ويتوحّش ويلزمه ذلك، فإن قيل: إذا لم يزل ملك مالكه عنه بالبيع والهبة كيف يجوز له إرساله ليتوحش؟ قلنا: سقط حق البائع والواهب في ذلك، لأنه كان في السبب في ثبوت يد المحرم عليه [٢٢٥/ أ]، وإيجاب إرساله عليه، ويحصل للبائع بدله إذا أرسله هو، فيكون جامعاً إبقاء حق الله تعالى وإبقاء حق الآدمي، فهو كالمضطر يأكل مال غيره بالبدل ذكره في "الشامل"، وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل يملك بالشراء والإيهاب؟ قولان، كما لو اشترى الكافر عبدًا مسلمًا، هل يصحّ الشراء؟ قولان، وعلى كلا القولين، يلزمه إرساله ولو باعه من الغير وصحّحنا شراءه صحّحنا بيعه، ولكنه في ضمانه إلى أن يرسله المشتري، فحينئٍ يخرج من ضمانه وما تقدم أصحّ لما ذكرنا من خبر الصعب بن جثامة، وإن قبول البيع والهبة سبب يملك به الصيد، فيمنه منه المحرم كالاصطياد. فرع آخر لو مات مورثه وله صيد، وهو محرم، هل يرث الصيد؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يرثه لأن الإرث جهة من جهات التملك، فلا يملك بها المحرم الصيد كالبيع والهبة. والثاني: يرثه ويملك، لأنه يحصل هذا الملك بغير اختياره وهو كما يملك الكافر

стр. 1702

العبد المسلم بالإرث دون الشراء وكذلك المجنون يملك بالإرث دون الشراء. ومن قال بالأول أجاب عن هذا بأنه غلظ حكم المحرم في باب الصيد، ما لم يغلظ في غيره، فجعل المحرم في الصيد كالابن القاتل في الميراث، وعلى هذا يكون الصيد لباقي الورثة. وقال القافي الطبري: هذا على الوجه الذي يقول: ملكه لا يزول عن الصيد، فأما إذا قلنا: يزول ملكه، فلا يرثه لأنه إذا منع استدامة الملك منع الإرث. ومن أصحابنا من قال: هل يملكه في الحال؟ وجهان: أحدهما: بلى. والثاني: يكون موقوفًا على ملك الميت حتى يحل، فإذا حل ملكه. فرع آخر [٢٢٥/ ب] إذا اشترى صيدًا وهو حلال من حلال، ثم أحرم البائع ثم وجد به عيبًا، فأراد رده عليه جيء ذلك على مسألة الإرث، فإن قلنا: يرثه رده عليه، لأنه يرده إلى ملكه بغير اختياره، موان قلنا: لا يرثه، فيه وجهان: أحدهما: يرده لأنه حق المشتري، فلا يسقط بإحرامه. والثاني: لا يرده. ثم قال القافي الطبري ههنا: يرد عليه الثمن ويوقف الصيد حتى يتحلل ثم يرد عليه. وقال غيره: هذا بعيد، لأنه إذا ملك المشتري الثمن بالاسترداد، وزال ملكه عن الصيد ينبغي أن يعود إلى البائع، وينبغي أن يقال: المشتري بالخيار بين أن يقف حتى يتحلل ثم يرده أو يرجع بأرش العيب لتعذر الرد في الحال. فرع آخر لو باع الحلال صيدًا من حلال بثمن ثم أفلس المشتري والبائع أحرم والصيد باقٍ بحاله لا يجوز له الرجوع فيه، لأنه ممنوع من تملك الصيد ابتداء باختياره. فرع آخر لو استعار المحرم صيدًا من محل فتلف في يده فعليه الجزاء والقيمة، ولو استعار المحل صيدًا من المحرم، فتلف في يد المستعير، فإن قلنا: زال ملكه، فعلى المحرم المعير الجزاء، ولا قيمة على المستعير المحل، لأنه خرج من ملك المستعير، وإن قلنا: لم يزل ملكه فلا جزاء على المحرم المعير، لأنه لا يضمنه إلا بالجناية وعلى المستعير المحل القيمة، لأنه عارية مملوكة، ذكره في "الحاوي". فرع آخر لو كان لرجل على آخر صيد فوكل محرمًا بقبضه فقبضه، هل يصحّ القبض؟ نظر، فإن كان الصيد معينا في يد المقبوض منه، ففي جوازه على معنى سقوط المطالبة عمن كان في يده، ويحتمل وجهين: أحدهما: لا يجوز كما لا يجوز شراءه لنفسه أو بوكالة.

стр. 1703

والثاني: يجوز، لأنه من أهل ملك [٢٢٦/ أ] الصيد فصح منه قبضه كالحلال، وهذا خارج على القول الذي يقول: لا يزول ملكه عن الصيد بالإحرام، وإن كان الصيد في الذمة فعينه من عليه يدفعه إلى الوكيل المحرم هل يبرأ وجهان، ذكره والدي ﵀. فرع آخر قال الشافعي: لو خلصت حمامة من فم هرة أو سبع أو شقّ حائط لحجت فيه، أي: تعسرت أو أصابها لدغة فسقاها ترياقًا أو غيره ليداويها به، فماتت لم يضمن لأنه أراد إصلاحها ومداواتها، ولو قال رجل: هو ضامن لها، لأنه وإن كان أراد إصلاحها فقد تلفت في يده فضمنها باليد كان وجهًا محتملاً. قال أصحابنا: فيه قولان: أحدهما: لا ضمان. وبه قال عطاء، وهو الصحيح. والثاني: يلزمه الضمان. وبه قال أبو حنيفة. فرع آخر قال: روي عن ابن جريج أنه قال: قلت لعطاء: بيضة حمامة وجدتها على فراشي، فقال: أمطها عن فراشك. قال الشافعي: وهذا وجه يحتمل [من] أن له أن يزيله عن فراشه إذا لم يكسرها، ولو فسدت بإزالته ونقل الحمام عنها لم يكن عليه فدية، ويحتمل أنها أن فسدت بإزالته تلزم الفدية، ومن قال بهذا، قال: لو وقع الحمام على فراشه فأزاله عن فراشه، تلزمه فيه الفدية كما زال عمر بن الخطاب رضي أنه عنه الحمام عن ردائه، فتلف بإزالته ففداه فحصل قولان، وإن كان في رواية بيته معتزلًا عنه، فأزاله ضمنه. مسألة: قال: وما كان من بيض طير يؤكل، ففي بيضه قيمتها. كل صيد يجب بقتله الجزاء فبيضه مضمون بالجزاء أيضًا، فإذا كسره المحرم يضمن قمته. وقال المزني: لا جزاء في البيض لأنه كاللحم. وبه قال داود وأهل الظاهر، وهذا غلط لما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "وفي بيض النعامة ثمنها إذا أصابها المحرم"، ولأن البيض صيد، لأنه يكون منه مثل أصله [٢٢٦ / ب]. فرع قيمته معتبرة باجتهاد فقيهين عدلين. وقال مالك: يلزم فيها عشر قيمة الصيد كجنين الاصطرام فيه عشر قيمة الأم، وهذا غلط، لأن للجنين حرمة ما ليس لغيره، ولهذا

стр. 1704

يضمن المملوك بقيمة مقدرة باليقين بخلاف طرف البهيمة. وروي عن علي ﵁ أنه قال: من أتلف بيض صيد، فعليه أن يلقح على نوق بعدد البيض فما نتج من شيء تصدّق به، ولعله أراد في بيض النعامة. فرع آخر قال الشافعي: في بيض النعامة أن كان فيه فرخ كان عليه قيمة بيضة فيها فرخ، وهي أكثر من قيمة بيضة لا فرخ فيها. قال أصحابنا: هذا إذا كان الفرخ ضعيفًا ليست فيه حياة مستقرّة، فأما إذا كان الفرخ حيًا قويًا يعيش مثله كان عليه فصيل صغير ولو خرج وطار وسلم لا شيء عليه وقد أساء. فرع آخر قال: ولو كانت البيضة مدرة فاسدة يقوّمها فاسدة أن كانت لها قيمة كبيض النعامة، فإن لم يكن لها قيمة لا شيء عليه فيها. فرع آخر قال: لو أخذ بيض صيد وتركه تحت الدجاجة، فإن أنقضه وخرج الفرخ سليمًا، وطار فقد أساء بفعله ولا شيء عليه، وإن أفسدته يلزمه الجزاء، لأنه تلف بجنايته وسببه وإن أخذ بيض الدجاجة وتركه تحت الصيد، فذعر الصيد منه ونفره وترك بيض نفسه ضمنه، لأنه تلف بجنايته، وإن لم ينفر وحصن الجميع إلا أنه لم يتمكن من قلبه وإدارته ففسر ضمن أيضًا. فرع آخر قال: ولا يأكلها محرم، لأنها من الصيد، وقد يكون منه الصيد. قال أصحابنا: إذا كسر بيض صيد فحكم البيض حكم الصيد إذا ذبحه، وهو أنه يحرم عليه قولًا واحدًا، وهل يحرم على غيره؟ قولان، [٢٢٧/ أ] وإذا كسر في الحرم لم يحل على ما ذكرنا. قال: وأهل الحرم لا يأكلون من بيض طير في الحرم، وإنما يدخلون البيض من الحل إلى الحرم، وعلى هذا قال أصحابنا. وكذلك إذا قتل المحرم الجراد، فحكمه هكذا. وقال بعض أصحابنا يحل لغيره قولًا واحدًا، ويفارق ذبيحة المؤمن، لأن في أحد القولين صارت بذبحه ميتة وإباحتها تقف على الذكاة بخلاف البيض، ولهذا لو بلعه رجل قبل كسره لا يحرم، وهذا اختيار القاضي الطبري، وهو الصحيح وذاك ذكره الشيخ أبو حامد.

стр. 1705

فرع آخر لو صال الصيد عليه، فقتله دفعًا عن نفسه لا جزاء عليه، وحكي عن أبي حنيفة الله قال: يلزمه الجزاء أن كان مأكولًا، وهذا لا يصح عنه، بل الصحيح عنه مثل مذهبنا وعند زفر يضمن عند الصول جميعه. فرع آخر لو أكره على قتل صيد، قال ابن المرزبان: حكمه حكم ما لو أكره على قتل المؤمن. فرع آخر لو ركب صيدًا، ثم صال على محرم، فقتل المحرم الصيد يلزمه الجزاء، لأن الصول لم يكن من الصيد. مسألة: قال: وإن نتف طيرًا، فعليه بقدر ما نقص من النتف. إذا نتف ريش صيد أو جرحه أو كسر رجله أو عضوًا من أعضائه، فلا يخلو إما أن يكون باقيًا على امتناعه كما كان قبل الجناية أو صيره غير ممتنع، فإن كان باقيًا على امتناعه، وطار وغاب عنه، ولم يعلم هل مات منه أم لا؟ يضمن ما نقص على ما سبق بيانه، وإن طار وغاب عنه، ثم وجده ميتًا. قال الشافعي: الاحتياط أن يجزئه جزاء كاملًا، لأنه يجوز أن يكون مات من جنايته، والقياس أن لا يلزمه، لأن موته من جنايته [٢٢٧/ ب] مشكوك فيه، ولهذا قال الشافعي: لا يؤكل، لأنه يجوز أن يكون موته من غيره. وقال أصحابنا: الظاهر أنه إذا طار، وكان ممتنعًا أن الموت لم يحصل من فعله، فلهذا قال: القياس أن لا يلزمه إلا ما نقص. وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قولان، كما في حل أكله قولان. وقال أبو إسحاق: يلزم على هذا إذا غاب، وهو غير ممتنع، ولم يدر أنه مات أم لا أن يلزمه تمام الجزاء، لأنه لما كان غير ممتنع، فالظاهر أنه باقٍ على ذلك، ولم يسلم، وهذا غلط، لأن الشافعي نص ههنا أنه لا يلزمه إلا ضمان النتف، لأن الزيادة شكّ، وإن طار ثم وقع من شدّة ما حمل على نفسه يلزمه الجزاء، وإن صيره غير ممتنع فقد ذكرنا أنه يلزمه كمال الجزاء، وإن قتله محرم آخر بعد ذلك، فالأول، جارح. والثاني، قاتل فعلى الأول ما نقص لجرحه وعلى الثاني جزاؤه نص عليه. وقال في موضع آخر: على الأول جزاؤه كاملًا، وعلى الثاني جزاؤه مجروحًا واختلف أصحابنا فيه على طرق، فقال بعضهم: فيه قولان: أحدهما: يجب على الجارح تمام الجزاء، وعلى الثاني جزاء ناقص كما لو قطع يدي عبد ثم جاء آخر وقتله، يلزم الأول تمام قيمته، ويلزم الثاني قيمة ناقصة. والثاني: يجب على الجارح ما نقص، وعلى الثاني جزاء ناقص. وهذا أصح، لأن

стр. 1706

الأول لم يتلفه، فيلزمه جزاؤه كاملًا، بل نقص منفعته ويخالف هذا قطع يدي العبد يجب به تمام القيمة، لأن ذلك لحرمة الآدمي. ومن أصحابنا من قال: القول الثاني أنه يلزم على الأول ما نقص، وعلى الثاني جزاء كامل، وهو ضعيف. ومن أصحابنا من قال: القول الثاني يلزم على الأول تمام الجزاء [٢٢٨/ أ]، وعلى الثاني تمام الجزاء، ومن أصحابنا من قال: المسألة على قول واحد، وهو أنه يلزم على الأول ما نقص وعلى الثاني جزاء ناقص، والقول الآخر احتياط. فرع قال: وإن كان جبر أعرج لا يمتنع فداه كاملًا، لأنه صيره غير ممتنع، ثم قال: وهذا احتياط، وهو أحب إليّ. فرع آخر لو نتف ريشه، ثم حبسه وأطعمه وسقاه حتى نبت وعاد كما كان، هل يسقط الضمان؟ قولان، وقيل: وجهان بناء على السن إذا عاد بعد القلع، هل يلزم ردّ الأرش؟ قولان، فإذا قلنا: لا يسقط، فالمذهب أنه يلزم ما بين قيمته صحيحًا ومنتوفًا قد نبت ريشه. ومن أصحابنا من غلط، وقال: تلزمه قيمته صحيحًا ومنتوفًا، والدم سائل، وهذا غلط، لأنه لو جنى على عبد يضمن ما نقص بعد الاندمال كذلك ههنا. فرع آخر إذا اضطر ومعه ميتة وصيد وهو محرم، فأيهما يأكل هنا؟ على القولين في الحرم إذا ذبح الصيد، هل يصير ميتة أم لا؟، فإن قلنا: يصير ميتة لا يذبح الصيد، لأنه لا فائدة في ذلك، لأنه قادر على ميتة أخرى، فإن قلنا: لا يصير ميتة لا يأكل الصيد، ولا يأكل الميتة. وقال أبو يوسف ﵁: يذبح الصيد ويأكله مع قوله أنه يصير ميتة، واحتج بأن الميتة مجمع على تحريمها، والصيد مختلف في إباحته كان أخف حكما، وهذا غلط، لأن أخذ الصيد وذبحه وأكله محرم عليه، فإذا فعل ذلك، فقد ارتكب ثلاثة أشياء محرمة، وإذا ذبحه صار ميتة، فلا وجه لارتكاب هذه المحرمات مع استغنائه بالميتة الموجودة. فرع آخر لو وجد ميتة وصيدًا قد [٢٢٨/ ب] ذبحه محرم، فإن قلنا: لا يكون ميتة يأكله دون الميتة، وإن قلنا: يكون ميتة. قال بعض أصحابنا: يأكل لحم الصيد، لأنه مختلف في كونه ميتة، ويحتمل أن يقال: يأكل الميتة، لأنه ممنوع من أكل لحم الصيد لحرمة الإحرام إذا صيد له، ولكونه ميتة، فكان التحريم لسببين بخلاف الميتة، والله أعلم.

стр. 1707

بَابُ ما للمحرم قتله مسألة: قال: وللمحرم أن يقتل الحية. الفصل الحيوان ضربان: مأكول وغير مأكول، فالمأكول ضربان: إنسي ووحشي، فالإنسي أكله لا جزاء فيه بهيمة كان أو طائرًا، وفي الوحشي الجزاء بهيمة كان أو طائرًا، وأما لا يؤكل لحمه فعلى ثلاثة أضرب: منها ما فيه الجزاء قولًا واحدًا، وهو السمع، ومنها ما لا جزاء فيه قولًا واحدًا وهو ما وردت به السنة: الحية والعقرب والفويسقة والغراب والحدأة والكلب العقور. ومنها ما هو مختلف فيه، وهو سباع البهائم كلها وجوارح الطير بأسرها لا جزاء غر شيء منها. وبه قال أحمد وقال أبو حنيفة: يجب الجزاء في كلها إلا الذئب، فإنه لا جزاء فيه، ثم جزاؤه أقل الأمرين من قيمته أو شاة. وقال مالك: ما لا يبتدئ منه بالأذى كالبازي والصقر والكلب وصفار السباع يضمن بالجزاء، وهذا غلط لما روى أبو سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: "يقتل المحرم السبع العادي"، قال أصحابنا: والأسد والنمر من جملته، فإذا تقرر هذا، فالحيوان ضربان: أنسي وحشي، فالإنسي لا تأثر فيه للإحرام ولا للمحرم، فإن كان مأكول اللحم كالنعم والدجاج ونحوهما، فالمحل والمحرم. ومن في الحرم ومن في الحل [٢٢٩/ أ] في ذبحه سواء وإن كان مما لا يؤكل لحمه لم يحل ذبحه ولا قتله، كالبغال والحمير. وأمّا الوحشي، فعلى ضربين: ما فيه الجزاء وما لا جزاء فيه، فما فيه الجزاء يحرم قتله بحرمة الإحرام، وحرمة الحرم سواء كان مأكولًا كظباء أو غيره مأكول كالسمع ونحوه. وأمّا ما لا جزاء فيه، فعلى ثلاثة أضرب: منها: ما يستحبّ قتله ويثاب عليه. ومنها: ما يكره قتله. ومنها: ما هو مباح قتله، ولا يكره ولا يستحبّ. فأما ما يستحبّ قتله، فهو كل ما يضر ولا ينفع كالحية والعقرب والفأرة والحية والكلب العقور والنمر والذئب والدب والخنزير. وفي هذا المعنى: الزنبور والبق والبعوض والبراغيث والقراد، ونحو ذلك. قالت عائشة ﵂. قال رسول الله ﷺ : "خمس فواسق يقتلن في الحلّ والحرم: الفأرة والعقرب والغراب والحدأة والكلب العقور"، وهذا تنبيه على ما هو شر منها. وقال سويد بن غفلة: كان عمر ﵁ يأمر بقتل الزنبور ونحن محرمون. وروى أبو سعيد الخدوي في الخبر: ويرمى الغراب ولا يقتله، فقيل: أراد به الغراب الصغير الذي يأكل الحب، وحكى عن النخعي: أنه لا يقتل الفأرة، وهو خلاف نصّ الخبر.

стр. 1708

وأمّا ما يكره قتله، فهو كل ما لا يضر ولا ينفع كالخنافس والديدان والجعلان. والقطا والحسكاء. قال الشافعي رضي انأ عنه في "الأم ": لا أحبّ قتلها، فإن قتل: فلا شيء فيه. وفي هذا المعنى الذباب والنحل والبغاث والرخمة، وإن كان في النحل منفعة العسل، فيكره قتلها، ولا يحرم. وأما ما يباح قتله، ولا يكره ولا يستحبّ، فكل ما فيه نفع من وجه وضرر من وجه، وهو جوارح الطير كالعقاب والبازي والصقر والشاهين [٢٢٩/ ب] والباشق يغدو على أموال الناس، وفيه منفعة الاصطياد. وقال أبو إسحاق: يحرم قتل ما لم يكن مؤذيًا منها، وإن لم يلزم الجزاء لقوله ﷺ : "في كل ذات كبد حرى أجر" وهذا خلاف النص. فرع آخر لو قتل قملة ظاهرة على جسده، أو ألقاها أو قتل قمل حلال، فلا فدية عليه، والقملة ليست بصيد نص عليه في "المناسك الكبير". قال: ولو أخرجها من رأسه، فقتلها أو طرحها يفتدي، لأنها كإماطة الأذى فكرهناه كراهية قطع الظفر والشعر. وقال: افتدى بلقمة وكل ما افتدى به، فهو أكثر منها. قال: والصبئان كالقمل فيما أكره من قتله وأجيز، وهو صغار القمل وبيضه. وقال بعض أصحابنا بخراسان: قال الشافعي في موضع لا فدية فيه. وقال في "الأم ": فيه الفدية لإماطة الأذى بها كحلق الشعر، فقيل: قولان. وقيل: قولا واحدًا لا تجب الفدية، وأراد بما ذكر من الفدية الاستحباب، وهذا أصحّ. وقيل: أن الشافعي قال: وإن كان القمل على ظاهر بدنه، أوثوبه أماطه عنه، وإن كان في رأسه أو لحيته أكره أن يتوقى ذلك. وقال بعض أصحابنا: وكذلك البق والبعوض والقردان، ولا فرق هذا بين الرجل والمرأة. وقال مالك: لا يقرد المحرم بغيره. وروي عن ابن عمر أنه نهى عن ذلك، وهذا غلط، لأنه يتأذى به، فأشبه الحية، وأما ما روي عن ابن عمر أنه نهى عن ذلك، روينا عن عمر ﵁ أنه كان يقرد بغيره بالسقيا بالطين. فرع آخر لو نزا حمار وحش أتانا أهلية أو حمار أهلي أتانا وحشية فولدت يلزمه الجزاء في الولد، وإن لم يحل أكله، تغليبًا للتحريم [٢٣٠/ أ]، ووجوب الجزاء. قال الشافعي ﵁: فإن أشكل شيء من هذا على قاتله، فلم يدر أخالطه وحشي مأكول أم لا؟ فداه احتياطًا، ولا يجب فداؤه حتى يعلم أنه قد قتل وحشيًا، أو ما خالطه وحشي، لأن الأصل براءة الذمة. باب الإحصار مسألة: قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] الآية

стр. 1709

الفصل اعلم أن الحصر والإحصار في هذا الباب هو أن يمنع المحرم من المضي في نسكه، فإذا أحرم الناس بحج أو عمرة أو بهما، ثم أحصرهم العدو، فصدهم عن البيت ومنعهم من الوصول إليه كان لهم التحلل عنه سوا، كان العدو مسلمًا آو مشتركًا، والأصل فيه هذه الآية، وهي قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ﴾. وهذه الآية نزلت في حصر المشركين، وذلك أن النبي ﷺ خرج سنة ست إلى مكة معتمرًا، فحصره المشركون بالحديبية وصدّوه عن البيت، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فتحلل النبي ﷺ وأصحابه من العمرة وصالحوا قريشًا على أن يعودوا في العام القابل معتمرين ويدخلوا مكة ويقيموا بها ثلاثة أيام. وقال جابر: أحصرنا رسول الله ﷺ عام الحديبية، فنحرنا البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة. وروي أن ابن عمر خرج إلى مكة للعمرة في زمان الفتنة. وقال: أن أحصرنا صنعنا ما صنعنا مع رسول الله ﷺ والآية وإن وردت في المشركين، فحصر المسلمين قياسه، ولأنا لو قلنا: لا يجوز التحلل به لأدى إلى مشقّة عظيمة [٢٣٠/ ب]. وقد قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾، فإذا تقرر هذا، فإنه ينظر فإن لم يكن لهم طريق سوى هذا تحللوا أو انصرفوا، ولا قضاء عليهم، وإن كان لهم طريق سوى هذا لا يحلو، إمّا أن يكون برًا أو بحرًا، فإن كان بحرًا فهو مشي على ركوب البحر للحج، فإن قلنا: يلزمه ركوبه للحج يلزمه سلوكه، ولا يجوز لهم التحلل. وإن قلنا: لا يلزمه ركوبه لم يلزمه سلوكه. قال في "الأم ": وأحبّ لو سلكه، ولو كان برًا نظر، فإن كانوا يخافون على أبدانهم وأموالهم فيه كان لهم التحلل ولا قضاء كما لو لم يكن لهم طريق بحال، وإن كان هذا الطريق آمنًا، فإن كان كالذي صدوا عنه في السهولة، والقرب فهؤلاء ليسوا بمحصرين، وإن كان أبعد فإن لم يكن لهم نفقة هذا الطريق، فإنه يتحلل ولا قضاء أيضًا، فإن كان لهم نفقة هذا الطريق لا يجوز لهم أن يتحللوا أصلًا سواء علموا انهم إذا سلكوه أدركوا الحج، أو لم يدركوه نصّ عليه في "مختصر الحجّ"، فإذا سلكوا نظروا، فإن كان إحرامهم العمرة أقاموا على الإحرام حتى يتحللوا منها آمنوا الفوات وليسوا بمحصرين. وإن كان إحرامهم بالحج نظروا، فإن ألحقوه فقد تم حجهم، وإن فاتهم الحج تحللوا بعمل العمرة، وهل يلزم القضاء أن كان تطوعًا؟ فيه قولان: أحدهما: يلزم. وبه قال أبو حنيفة كما لو أخطأ العدد آو ضل الطريق. والثاني: لا يلزم. وبه قال مالك وأحمد، لأن الفوات لم يكن بتفريط منه بخلاف ما قاسوا عليه، وهو الصحيح. هذا في الحصر العام وآما الحصر الخاص، كأنه أحرم بالحج فحبسه السلطان وحده، فان كان بحق، فلا يجوز له التحلل، لأن الامتناع من جهته، وان بقي في الحبس حتى [٢٣١/ أ] فاته الحجّ تحلل بعمل العمرة، وعليه القضاء، وإن كان الحبس بغير حق مثل أن كان عليه دين لا يقدر على قضائه ونحو

стр. 1710

ذلك. قال في "الأم ": نظر فإن كان لحبسه غاية وأن يدرك معها الحجّ، وكانت طريقه آمنة [بمكة] لم يتحللّ، فإن [أرسل] مضى، وإن كانت مدة حبسه مغيبة عنه لا يدري غايتها، أو كانت غايتها بحيث لا يدرك معها الحجّ متى أطلق كان له التحلّل كما في الحصر العام. وقال جماعة من أصحابنا: لا فرق بين الحصر العام والحصر الخاص في التحلل، ولكن يفترقان في لزوم القضاء، فهل يلزم القضاء في الحصر الخاص؟ قولان: أحدهما: يلزم القضاء، لأنه لا يعم المشقّة والضرورة. والثاني: لا يلزم، وفي الحصر العام لا يلزم قولا واحدًا. وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل يتحلل في الحصر الخاص؟ قولان، وهذان القولان مبنيان على أنه إذا حبس أهل بلده عن الحج في أول ما يجب عليهم لا يستقر الحج في ذممهم، ولو حبس واحد منهم دون الجماعة هل يستقر؟ قولان. والأصح أنه لا يستقر وهذا لأنه عذر نادر كالخطأ في العدد والاعتماد على ما سبق، فإذا تقرر هذا، لا يجوز له التحلل ما لم يهد. وبه قال أبو حنيفة وأحمد، وقال مالك: يتحلّل ولا دم عليه، لأنه غير مفرط، وهذا غلط لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، والأخبار التي ذكرناها، ولأنه خرج من نسكه قبل تمامه، فيلزمه الدم كالفائت حجّه. فرع قد ذكرنا أنه يجوز التحلل بالإحصار عن العمرة، وحكي عن مالك، أنه قال: لا يجوز له أن يتحلّل منها، لأنه لا يخاف فواته، وهذا غلط لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٥٦]، [٢٣١/ ب] وهذا يرجع إلى الحج والعمرة لقوله تعالى في الابتداء: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ولأن النبي ﷺ كان محرمًا عام الحديبية وتحلل، لأن التحلل جاز للمشقة بالمقام على الإحرام وهذا موجود في العمرة. فرع آخر لو أحاط بهم العدو من جميع الجوانب، فهل يتحلل؟ وجهان: أحدهما: لا يتحلل لأنه لا يستفيد بالتحلل شيئًا. والثاني: يتحللّ لأنه يأمن بذلك من العدو ومن أحد الجوانب. فرع آخر لو أحصر في الحرم كأنه أحرم بمكة ثم أحصر، فإن مكن من البيت ومنع ما عداه من الوقوف وغيره كان له التحلل، فإن أقام على إحرامه حتى فاته الحج. قال أصحابنا: يتحلل بعمل عمرة، وعليه القضاء وشاة إن تحلل قبل الفوات، قال في "الأم": تحلل بطواف وسعي وحلاق وذبح، ويلزمه دم التحلل، وهل يلزمه القضاء؟

стр. 1711

نص في "الأم" على القولين: أحدهما: لا يلزمه القضاء. والثاني: يلزمه، لأن القضاء إنما يسقط عن الذي صد عن البيت، وهذا متمكن من البيت، وهذا ضعيف، والأول أصحّ، لأنه محصر كالمحصر في الحل. وقال أبو حنيفة ومالك: ليس له التحلل كما لو أحصر عن البيت ولا فرق بين أن يكون المحصر غريبًا أو مكّيًا أو مقيمًا بها أحرم بالحج ثم صد عن أعماله، فالكل على قولين. فرع آخر لو أحصر بعد الوقوف نظر، فأن منع من بقية أفعال الحج كلها كان له التحلل، وهو بالخيار بين التحلل وبين تركه، فإن أراد التحلل، فعليه الهدي ولا قضاء ولا يجزئه عن حجه، لأنه ما أكمله، فإن أمكنه أن يستأجر من يكملها، فعلى قولين على ما ذكرنا في جواز البناء على الحجّ [٢٣٢/ أ]. فرع آخر لو أقام على إحرامه في هذه المسألة حتى فاته المبيت بمزدلفة ومنى وفاته الرمي، فهل عليه دم بترك المبيت بمزدلفة ومنى؟ فعلى القولين. وأمّا الرمي، فعل يلزمه بترك الكل أربعة دماء أم دون ذلك؟ فعلى ما ذكرنا فما سبق، وهل يجعل فوات الرمي في حكم فعل الرمي في باب التحلل الأول؟ مبني على القولين في أن الحلق، هل هو نسك أم لا؟ فإن قلنا: نسك لم يحل التحلل الأول حتى يحلق، وإن قلنا: ليس بنسك فقد حل التحلل الأول، وبقي عليه الطواف، فإن أقام على ما هو عليه حتى يطوف أجزأه عن حجة الإسلام، وإن كان الحصر قائمًا، فأراد أن يتحلل، فالذي يجيء على المذهب أن له ذلك، لأن النساء لا يحللن له إلا بالتحلل. فرع آخر لو أحصره بعد خروجه الأول له التحلل، فإن انكشف العدو أحرم إحرامًا ناقصًا، وأتى بما عليه من الرمي والطواف قولًا واحدًا. فرع آخر لو أحصر بعد الوقوف عن بعض أفعاله نظر، فإن مكن من البيت، ومنع ما سواه لم يكن له التحلل لأنه يحصل له التحللان معًا بالطواف والحلق وفوات الرمي بمنزلة فعل الرمي ويجزئه عن حجة الإسلام، وإن مكن من كل شيء ومنع من البيت كان له التحلل، لأنه لا يقدر على التحللين معًا مع المنع من البيت، فإذا تحلل، فلا قضاء ولا يجزئه عن حجة الإسلام. وقال أبو حنيفة: إذا أحصر بعد الوقوف لم يجز له التحلل، وإنما التحلل لمن أحصر عن الوقوف والبيت جميعًا، وهذا غلط، لأنه مصدود عن المضي. وفي إحرامه

стр. 1712

بغير حق فجاز له التحلل كما لو كان قبل الوقوف. فرع آخر قال [٢٣٢/ ب]: والمحصر إن كان يرجو زوال العدو وكان الوقت واسعًا، لا يخاف فوات الحج، فالمستحب له أن لا يتحلل ويؤخر التحلل حتى يأتي بها على الكمال، وإن كان الوقت قد ضاق وخاف فوات الحج وإن لم ينكشف العدو، فالمستحب له أن يتحلل لئلا يفوته الحج، فإن لم يتحلل حتى فاته الحج نظر، فإن كان الحصر باقيًا تحلل منه، وعليه هدي للفوات وهدي الإحصار، وعليه القضاء، وإن كان قد زال الحصر، فلا يجوز أن يتحلل إلا بعمل العمرة وعليه القضاء وهدي الفوات فقط. فرع آخر يجوز للمحرمين ترك قتال العدو، لأن النبي ﷺ لم يقاتلهم وإن أرادوا قتالهم، فإن كان الحط للمسلمين في قتالهم، فهو الأفضل، وإن كان الحط للمسلمين في ترك قتالهم، فالترك أفضل. فرع آخر لو كان العدو من المسلمين، فالمستحب ترك قتالهم سواء كانوا أكثر منهم أو أقل، لأن التحلل من النسك أخف من قتال المسلمين. فرع آخر إذا أفسد حجة ثم أحصر تحلل من فاسدة وعليه شاة للتحلل وبدنه الإفساد والقضاء من سنته إذا تحلل قبل الوقوف، وليس في الشريعة موضع يمكن المفسد قضاء الحج من سنته إلا في هذه المسألة، وهكذا إذا فاته الحج، ثم أحصر تحلل، وعليه هديان والقضاء. فرع آخر قال وإذا أحصرهم العدو ثم أعطوهم الأمان وأذنوا لهم في الميسر، فإن كانوا يأمنون غدرهم لم يجز لهم أن يتحللوا، وإن لم يأمنوا غدرهم لقلة وفائهم، وسوء معاملاتهم جاز لهم التحلل. فرع آخر إذا أراد التحلل فعليه هدي يتحلل به بقيمة مقام [٢٣٣/ أ] ما بقي من أفعال الحج، فإن كان واجدًا له، تعين عليه إخراجه، ولا يملك التحلل حتى يذبحه قولًا واحدًا، وهذا لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ومعناه، فإن أحصرتم وأردتم التحلل فما استيسر من الهدي. وقال أيضاً ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ولأن هذا الهدي قائم مقام الأفعال، لأنه وجب عليه لتعذر آدائها ولو قدر عليها لم يتحلل إلا بها، فكذلك عند تعذّرها لا يتحلل إلا بأداء ما يقوم مقامها.

стр. 1713

وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قولان: أحدهما: هذا. والثاني: له أن يتحلل ثم يذبح، لأنه جوز له ترك المضي في الحج، فجوز هذا أيضًا، وهذا ضعيف. فَزعٌ أخرُ إذا ذبح الهدي فهل يملك التحلّل بعده؟ قولان بنا، على الحلق، فإن قلنا: إنه نسك لم يملك أن يحلّ حتى يحلّق، وإن قلنا: ليس بنسك ملك أن يحلّ قبل الحلق. فَزعٌ أخرُ متى ملك أن يحلّ قبل أن يحلّق أو بعده لا يصير حلالاً حتى ينوي الخروج من النسك وما لم ينو هذا كان إحرامه باقياً، وإن نوى ذلك يصير حلالاً يحلّ له جميع ما كان محظوراً عليه لحرمة الإحرام، فإذا قلنا: الحلق نسك يحتاج إلى ثلاثة أشياء ذبح الهدي، ونية التحلّل والحلق، وإذا قلنا: ليس بنسك يحتاج إلى شيئين، فإن قيل: أليس لو رمى وحلق في غير حالة الإحصار يصير خارجاً من الإحرام، وإن لم ينو الخروج من الإحرام؟، وههنا قلتم: يلزمه نية الخروج بالذبح والحلق، فما الفرق؟ قلنا: الفرق أن غير المحصر أكمل للأفعال فلا يحتاج إلى نية الخروج بخلاف المحصر، وأيضًا الذبح والحلق قد يكون للتحلل وقد يكون لغيره، فلم يختص بالتحلّل إلا بالقصد، [٢٣٣/ب] والإرادة بخلاف الرمي والأفعال، فإنها لا تراد إلا للنسك، فلم يحتج إلى النية فيه. فَزعٌ أخرُ إذا كان مصدوداً عن جملة الحرم، وأراد الذبح جاز له أن يذبح في الحلّ. قال الشافعي ﵁: نحر هدياً لإحصاره حيث أحصر في حلّ أو حرم، وقصد به الرد على أبي حنيفة حيث قال: لا يجوز للمحصر الذبح إلا في الحرم فيبعث هدياً على يدي رجل إلى الحرم ولو أعده يوماً يذبح عنه، فيه الهدي، فإن كان عند هذا المحصر أن ذلك الرجل قد ذبح الهدي في الحرم يحلّ له حينئذِ التحلّل من إحرامه، ولو ارتكب شيئاً من المحظورات على اعتقاد أنه ذبح الهدي عنه في الحرم، ثم بان أنه لم يكن ذبح يلزمه الجزاء، وهذا غلط، لأن الهدي تابع للمهدي، فإذا كان يتحلل المهدي في الحرم كان محل هديه الحرم، وإذا كان تحلله في الحل كان محل هديه الحل. فَزعٌ أخرُ يجوز ذبح هذا الهدي في غير يوم النحر. وبه قال أبو حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: لا بجوز إلا في يوم النحر، وهذا غلط، لأنه وقت تحلله، فكان وقت هديه. فَزعٌ أخرُ لو كان قادراً على إبلاغه الحرم، بأن كان في قربه لا يلزمه إبلاغه الحرم، والأولى له إبلاغه. ومن أصحابنا من قال: يلزمه إبلاغه لأنه يقدر عليه من غير مشقة، وهذا ضعيف.

стр. 1714

فرعٌ أخرُ لو كان معه هدي، ساقه تطوعا، أو واجباً كان له ذبحه في هذا الموضع وكذلك كل هدي لزمه قبل الإحصار، أو بعده قبل التحلّل، فله ذبحه في موضعه نصّ عليه في المناسك قياساً على هدي الإحصار. فَزعٌ أخرُ قال الشافعي ﵁: ولا قضاء [٢٣٤/أ] عليه إلا أن يكون واجباً، فيقضي، وقد ذكرنا الخلاف في حج التطوع، فأما حجة الإسلام، فإن كان وجوبه في تلك السنة، فلا قضاء قبله أن كان قد وجب قبل هذه السنة، فهو باق في ذمته على ما كان. وفي الحقيقة إذا أداها بعد ذلك لا يكون قضاء ما فات عند الإحصار. فَزعٌ أخرُ إذا أحصر في الحج أو العمرة، فلم يتحلل وجامع يلزمه الكفارة، ويفارق هذا المسافر إذا جامع في صوم رمضان، لا كفارة، لأن بالجماع في الصوم، يحصل التحلّل المباح له بحق السفر، لأنه يخرج بهذا الجماع من الصوم كما يخرج بالأكل. وفي الحج لا يخرج عنه بالإفساد، فلا يحصل التحلّل المباح بوجه آخر، ذكره والدي ﵀. مَسْأَلٌة: قال: وإذا لم يجد هدياً يشتريه أو كان معسراً. الفصل قد ذكرنا أنه إذا كان واجداً للهدي لا يتحلل قبل ذبحه، فإن كان عادماً له هل له بدل ينقل إليه؟ نص في "الأم" على قولين: أحدهما: ليس له بدل، ويكون في ذمته أبداً. وبه قال أبو حنيفة، لأنه لو كان له بدل لذكره الله تعالى في القرآن كما ذكر بدل هدي التمتع. والثاني: له بدل ينتقل إليه. وبه قال أحمد، لأنه دم واجب بسبب الإحرام، فكان له بدل ينتقل إليه كدم التمتع والطيب واللباس، فإذا قلنا بالقول الأول، هل له في الحال أو يقيم على إحرامه حتى يجده؟ قولان: أحدهما: يقيم على إحرامه حتى يجده. وبه قال أبو حنيفة؟ لأن الله تعالى قال ﴿ولا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]. والثاني: له أن يتحلل لأن المقام على الإحرام يؤدي إلى المشقة، وهو الأصح، فعلى هذا يتحلل بالنية والحلق أن قلنا: الحلق نسك [٢٣٤/ب] وإذا قلنا: الحلق إطلاق محظور، يتحلل بمجرد النية، وإذا قلنا بالقول الثاني، فما ذلك البدل فيه ثلاثة أقوال: أحدها: بدله الصيام، نص عليه في "مختصر الحج". وبه قال أحمد، لأن هذا الدم يجب لترك الإحرام، فكان بدله الصيام كهدي المتعة.

стр. 1715

والثاني: قاله في "الأوسط " بدله الإطعام، لأنه أقرب إلى الهدي. والثالث: خرجه أصحابنا: أنه مخير بين الإطعام وبين الصيام، كما في فدية الأذى، فإذا قلنا: بدله الصيام، فما ذلك الصيام؟ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: صيام التمتع عشرة أيام. وبه قال أحمد لما ذكرنا من العلة. والثاني: صيام التعديل، لأن ذلك يستوفي قيمته. والثالث: صيام فدية الأذى، لأنه وجب لدفع الأذى، وإذا قلنا: ينتقل إلى الإطعام، ففي ذلك الإطعام وجهان: أحدهما: إطعام التعديل يقوم ذلك دراهم، والدراهم طعاماً، ويتصدق به لكل مسكين مد. والثاني: إطعام فدية الأذى ثلاثة أصوع لستة مساكين، لكل مسكين مدان، وإذا قلنا: يتخير فهو مخير بين صيام ثلاثة أيام وبين إطعام ستة مساكين كما في فدية الأذى والأصح من الأقوال، أنه يقوم الهدي دراهم، ثم الدراهم طعاماً، فيؤديه أن أمكنه وإن لم يمكنه صام عن كل مد يوماً قياساً على جزاء الصيد في التعديل دون التخيير وعلى دم التمتع في الترتيب. فَزعٌ أخرُ إذا أوجبنا الإطعام، فإن كان قادرا أخرجه وتحلل به، وإن كان عادماً له، هل يتحللّ أم يقيم على إحرامه حتى يجده؟ كما قلنا في الهدي، فإذا أوجبنا الصيام، هل يتحلل ثم يصوم أو يصوم ثم يتحلل؟ قولان، وقيل: وجهان [٢٣٥/أ]: أحدهما: يصوم ويتحلل، لأنه قادر عليه كالهدي. والثاني: يتحلل، ثم يصوم، لأنه لا يمكن فعل الصوم في الحال، فيشق عليه الصبر على الإحرام إلى أن يأتي به بخلاف الهدي والإطعام. وقال بعض أصحابنا بخراسان: أن قلنا له: التحلّل قبل الذبح، فقبل: الصوم أولى وإلا فههنا قولان، وهذا غير صحيح. مَسْأَلٌة: قال: وروي عن ابن عباس رضي أنه عنهما أنه قال: لا حصر إلا حصر العدو. المحصر بغير العدو مثل الكسر والعرج أو المرض لا يتحلل، بل يبقى على إحرامه حتى يفوته الحج، ثم يتحلل بعمل العمرة. وبه قال مالك وأحمد وإسحق. وروي ذلك عن ابن عباس وابن عمر وابن الزبير ومروان. وقال أبو حنيفة: له التحلّل. وبه قال الثوري وعطاء وعروة والنخعي كالمحصر بالعدو، واحتج بما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من كسر أو عرج فقد حل وعليه الحج من قابل"، وهذا غلط، لأنه لا يستفيد بإحلاله الانتقال من حاله، فلا يجوز له التحلّل كما لو أخطأ الطريق. وقال الشافعي ﵁: الفرق بينه وبين المحصر بالعدو أنه خائف من القتل إن أقام، فهو مضطر إلى التحلّل والرجوع لهذا الخوف، ولهذا رخص لمن لقي

стр. 1716

المشركين أن ينحرف لقتال أو يتخير إلى فيئه، فينتقل بالرجوع من خوف قتل إلى أمن والمريض حاله واحدة في التقدّم والرجوع، ولا يستفيد بتحلّله ورجوعه أمناً من مرضه كما يستفيده المحصر بالعدو، ثم استشهد باستصحاب الحال، وما عليه موضوع الإحرام من اللزوم فزال: والإحلال رخصة، فلا يعدى بها موضعها [٢٣٥/ب]، أي: هو مخصوص بمعنى يمنع من أن يقاس علينه عيره. وشبه ذلك المسح على الخفين، فقال: كما أن المسح على الخفين رخصة فلم نقس عليه مسح عمامة ولا يفارق لاختصاص الخفين بمعنى لا يشاركهما فيه غيرهما من عموم الابتلاء بهما، فكذلك الإحلال بسبب العدو مخصوص بما ذكرنا من المعنى، وهو استفادة الأمن به من الخوف، فلا يجوز أن يقاس عليه إحصار المريض ثم أوضح الشافعي ﵁ إبطال هذا القياس فقال: لو جاز أن يقاس حل المريض على حصر العدو، وجاز أن يقاس حلّ مخطئ الطريق ومخطئ العدو حتى يفوته الحج على حصر العدو، فلنا لم يجز ذلك، لأنه لا يستفيد بتحلله الأمن، فما عرض له، فكذلك المحصر بالمرض مثله. وقيل: المخصوص بالذكر على ضربين: ضرب لا يعقل معناه كالصلوات وأعدادها تعبداً لله تعالى بها، واستأثر بعلم معانيها، فلا يجوز قياس غيرها عليها، وضرب يعقل معناه، فهو على ضربين: ضرب، لا يوجد معناه في غيره، وضرب يوجد معناه في غيره، فأما الذي لا يوجد معناه في غيره كالمسح على الخفين، لا يوجد معناه في العمامة والقفازين، فلا يجوز أن يقاس عليه، وأما الذي يوجد معناه في غيره كالأشياء المنصوص في الربا يقاس عليها غيرها والحصر بالعدو، عند الشافعي ﵁ من القسم الأوسط الذي هو معقول المعنى، ولكن لا يوجد معناه في غيره. وأما الخبر الذي ذكروا، قلنا: هو متروك الظاهر، لأن بمجرد الكسر والعرج لا يحلّ، وان حملتموه على استباحة التحلّل فنحن نحمله على [٢٣٦/أ] ما لو شرط التحلّل به، فإذا تقرر هذا قال الشافعي ﵁: فيقيم على حرمه، أي: على إحرامه، فإن أدرك الحج وإلا تحلل من إحرامه بالطواف والسعي، إذا فاته الحجّ، وعليه الحجّ من قابل وما استيسر من الهدي، أي: مثل هدي التمتع، لأنه تمتع فيما بين النسكين لأحدهما تعلق بالآخر فهو في معنى التمتع ولو كان هذا في العمرة، فلا تفوت العمرة، فيجزئه الطواف والسعي متى أتى بهما في جميع عمره عن عمرته إذ العمرة غير مؤقتة بوقت يفوته إذا جاوزه بخلاف الحج. فرع قال في "المناسك الكبير": لو كان [ممن] يذهب إلى أن المريض يحلّ بهدي [يبعث به] فبعث بهدي، فذبح هناك لم يحلّ، وكان على إحرامه وإذا رجع إلى بلده كان حراماً كما كان. قال القاضي الطبري: وهذا يدلّ من مذهب الشافعي على أن من اعتقد مذهباً وعمل

стр. 1717

عليه لم يحكم بصحة فعله عنده، لأن هذا اعتقد جواز التحلّل. وتحلل فلم يجعله حلالاً بذلك ولم يصححه في حقه. فَزعٌ أخرُ إذا أحرم واشترط في إحرامه أن يتحلل متى عرض له عارض من مرض أو خطأ الطريق أو خطأ التعدد أو ذهاب النفقة اختلف قول الشافعي ﵁ فيه قال في "القديم " يجوز ذلك وقطع به. وقال في "الجديد": إن صح حديث ضباعة قلت به، فعلق القول فيه، فمن أصحابه من قال: أجمع أصحاب الحديث على صحة حديث ضباعة، وذلك أن الشافعي ﵁ رواه مرسلاً عن عروة عن النبي ﷺ ، وقد رواه أبو داود مسنداً عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ أن ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب أتت رسول الله ﷺ ، [٢٣٦/ب] فقالت: إني أريد الحج أفأشترط، قال: "نعم"، قالت: فكيف أقول؟ قال: "قولي: لبيك اللهم لبيك، ومحلي من الأرض حيث حبستني". وروت عائشة أن النبي ﷺ دخل على ضباعة، فقالت: يا رسول الله إني أريد الحج، وإني شاكية، فقال: "أحرمي واشترطي أن محلي حيث حبستني"، فعلى هذا قولاً واحدًا، أنه ثبت الشرط، وفي الخبر دليل على أن المرض لا يجوز التحلّل، لأنه لو كان يجوز لما احتاجت إلى هذا الشرط، وفيه دليل على أن يحلّ في الموضع الذي يحبس وينحر هديه هناك، وما كان له حلاً وبه قال أحمد، ومن أصحابنا من قال: فيه قولان: أحدهما: هذا. والثاني: لا يصح هذا الشرط. وبه قال الزهري ومالك وأبو حنيفة، وهذا لأنها عبادة لا يجوز التحلّل منها بغير عذر، فلا يجوز التحلّل منها بالشرط كالصلاة، وهذا يبطل بالصوم المنذور، وإذا شرط الخروج منه بعذر جاز بالإجماع ومن قال بهذا القول، قال: ضباعة مخصوصة بذلك كفسخ الحجّ كان مخصوصاً بمن خصه ﷺ وحكي عن أبي حنيفة ﵁ أنه قال: هذا الشرط في المريض يعتد سقوط الهدي إذا تحلّل. فَزعٌ أخرُ لو قال: إذا مرضت أتحلل من إحرامي لا يخرج من الإحرام إذا وجد الشرط إلا بالتحلّل، وهو أن ينوي الخروج منه، لأن الشرط يضمن إزالته أو إبطاله فكذلك لو قال: "محلي من الأرض حيث حبستني" مرض فأنا حلال، ففيه وجهان: أحدهما: يصير حلالاً [٢٣٧/أ] لوجود الشرط اعتباراً بموجب اللفظ فيه. وقيل: هذا نص الشافعي، وهذا لقوله ﷺ : "من كسر أو عرج فقد حل"، ولا يمكن حمل الخبر إلا على هذا.

стр. 1718

والثاني: لا يصير حلالاً حتى يتحلل لأن الأصل هو الحصر بالعدو، وهناك لابد من إنشاء التحلّل كذلك ههنا. وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا قلنا: يجوز الشرط، فهل يجوز على هذا الوجه؟ وجهان: أحدهما: لا يجوز، والفرق أن للمتحلل مدخلاً في الحج فيجوز شرطه، وليس لمصيره حلالاً بالعذر أصل في الشرع، فلا يصح شرطه أصلاً. فَزعٌ أخرُ إذا قلنا: يتحلل من غير فعله فلا إشكال أنه لا يلزمه الهدي، وإذا قلنا: يتحلل بفعله نص الشافعي ﵁ أن لا هدي عليه ومن أصحابنا من قال: عليه الهدي، لأنه إذا افتقر إلى التحلّل كان بمنزلة الإحصار بالعدو، وهذا غلط، والفرق بين الإحصار بالعدو وبين هذ أن الإحرام المطلق يقتضي تمامه، فإذا أحصر قبل التمام وجب الهدي بدلاً مما ترك من الأعمال، وأما إذا اشترط الخروج منه لم يتضمن إحرامه بإتمامه مع العارض، وصار إحرامه منتهياً إلى حين وجود الشرط، فلم يحتج إلى هدي يقوم مقامه. فَزعٌ أخرُ لو كان الشرط معلقاً على غير تحلل مثل أن قال: أحرمت بحج على أني إذا شئت خرجت منه لم يثبت هذا الشرط بلا خلاف، لأنه ليس فيه غرض صحيح. فَزعٌ أخرُ لو قال: أن مرضت وفاتني الحج كان عمرة كان على ما شرط. باب حصر العبد يحرم بغير إذن سيده [ ٢٣٧/ب] مَسْأَلٌة: قال: وإذا أحرم العبد بغير إذن سيده والمرأة بغير إذن زوجها. الفضل قد ذكرنا حكم إحرام العبد فيما تقدم أنه ينعقد وأن للسيد أن يحلّله منه، وهكذا حكم العبد المعتق بعضه، والمدبر وأم الولد. وأما المكاتب، فله منعه أيضًا منه، وهل له أن يسافر للتجارة؟ قولان. والفرق بين السفرين أن سفر الحج يتضمن إتلاف المال، وسفر التجارة لا يتضمن إتلاف المال. ومن أصحابنا من قال: في سفر الحج وجهان بناء على القولين في سفر التجارة. وأما إذا أرادت المرأة أن تحج حجة الإسلام، فهل لزوجها أن يمنعها منه؟ فيه قولان: أحدهما: أن له منعها، وهو الصحيح المشهور لما روى الدارقطني بإسناده عن ابن عمر ﵁ عن النبي ﷺ ، قال في امرأة لها زوج ولها مال، ولا يأذن لها زوجها في الحج: "ليس لها أن تنطلق إلا بإذن زوجه"، ولأن الحج على التراخي على ما ذكرنا، وحق الزوج على الفور فكان مقدماً عليه. والثاني: ليس له منعها. وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد: لأنها عبادة واجبة

стр. 1719

عليها، فلا يكون لزوجها منعها منها كالصلاة والصوم، وهذا غلط. والفرق بين هذا وبين الصوم والصلاة أن مدّتها تقصر فلا تؤدي إلى الضرر بالزوج بخلاف الحج، فإذا قلنا: له منعها، فإن أحرمت بإذنه صح، وليس له أن يحلّلها، وإن أحرمت بغير إذنه، هل له أن يحلّلها؟ قال في "المناسك الكبير": فيه قولان: أحدهما: له أن يحلّلها كما كان له منعها في الابتداء. والثاني: ليس له تحليلها، لأن الفرض قد ضيق عليها الشروع فيها، وفي الابتداء لم يكن مضيقاً، وحق الزوج مضيق، فقدمناه كما لو كان عليها صوم القضاء والكفار، كان للزوج منعها منه [٦٣٨ /أ]. قال القاضي الطبري: وعندي أنه لا يجوز له أن يمنعها من قضا، الصوم في آخر السنة، لأنه لا يجوز له إخراجه إلى السنة الثانية، ولهذا أوجبنا الفدية فيه وجعلناها مشرطة به. فَزعٌ أخرُ إذا أرادت حج التطوع له منعها منه قبل الإحرام، فإن أحرمت به، قال الشافعي ﵁: إذا أحرمت بالغرض، فمن قال: لا يحلّلها منه لزمه عندي أن يقول: إذا أحرمت بحج النفل بغير إذنه ليس له أن يحلّلها منه. فمن أصحابنا من قال: هذا قول آخر في النفل أنه ليس له تحليلها، ففي النفل قولان أيضًا، لأن التطوع يلزم بالدخول فيكون كالفرض، ومن أصحابنا من قال وهو الصحيح. ذكر هذا على طريق التشنيع، لأنه ذكر مع حجة التطوع صوم التطوع والاعتكاف، فعلى هذا له تحليلها منه قولاً واحداً، وهذا لأن في الفرض غرضاً صحيحاً، وهو إسقاط الفرض عن ذمتها بخلاف التطوع. فَزعٌ أخرُ الأمة إذا أحرمت بالتطوع يحلّلها سيدها قولاً واحدًا لأن الأمة ليست من أهل فرض الحج بحال، فإذا أحرمت لم يلتحق نفلها بالفرض بخلاف الحرة. قال القفال: فعلى هذا يجب إذا كانت زوجته أمة، فأحرمت، فللزوج أن يحلّلها قولاً واحدًا، ومن أصحابنا من فرق بين السيد والزوج بأن أوقات الأمة وأكسابها لسيدها بخلاف الزوجة، فعلى هذا الزوجة الحرة والزوجة الأمة سواء إذا أحرمتا بالتطوع. فَزعٌ أخرُ الأمة المزوجة إذا أرادت الحج تحتاج إلى إذن سيدها وزوجها، فإن أذن أحدهما كان للأخر منعها منه. وروى ابن سماعة عن محمد أنه إذا أذن السيد جاز لها ذلك، وإن لم يأذن الزوج لأن السفر حق للسيد، [٢٣٨/ب] ولهذا يجوز له أن يسافر بها، وهذا غلط، لأن فيه تعطيل منفعتها على الزوج لا لمنفعة السيد، فلم يكن لها ذلك،

стр. 1720

ويفارق مسافرة السيد بها، لأن به حاجة إلى ذلك. فَزعٌ أخرُ إذا أذن السيد لعبده في الحج، ثم باعه بعد الإحرام لم يكن للمشتري أن يحلّله. وقال أبو يوسف له أن يحلّله مع قوله: لا يحلّله السيد إذا أذن له. وقال محمد: لا يكره مع قوله: يكره للسيد أن يحلّل عبده، وهذا لأن المشتري لم يأذن في إحرامه، وهذا غلط، لأن عقد الإحرام بإذن من له الإذن، فلم يكن لمن يجدد ملكه الاعتراض عليه، كما لو أذن له في النكاح، فنكح لا يبطله عليه. فَزعٌ أخرُ إذا دخل وقت الصلاة على الزوجة ليس لزوجها منعها منها في الحال. وفرق الشافعي ﵁ بأن أمر الصلاة خفيف، لأنها تصلي أربع ركعات وترجع إليه والحجّ يطول ويمتد، فيؤدي ذلك إلى الإضرار بالزوج. وقيل: لا غرض للزوج في منعها من الصلاة في أول الوقت، لأنه مندوب إلى تقديم الصلاة كما ندبت هي إليه، وليس كذلك الحج، لأنه لا حج عليه في حال هي تحج بغير إذنه، وهذا ضعيف، والفرق الأول أصخ. فَزعٌ أخرُ المعتدة الرجعية لو أحرمت بالحج فللزوج منعها من الخروج وليس له أن يحلّلها، فإن راجعها، فهل له أن يحلّلها؟ فيه قولان، وإن لم يراجعها حتى انقضت العدة، فإن فات الوقت تحللّت بعمل عمرة، وإن كانت عدتها عن وفاة منعت من مضي العدة، فإن انقضت العدة، وقد فات الوقت لزمها الدم والقضاء [٢٣٩/أ]. فَزعٌ أخرُ لو أحرمت المرأة بحجة التطوع ومعها محرم، فمات المحرم كان لها إتمام التطوع مع فقد المحرم. فَزعٌ أخرُ إذا أحصرت المرأة في حجية التطوع فطلقها زوجها، فاعتدت ففاتها الحج، هل يلزمها القضا،؟ قولان: أحدهما: يلزم كمن أخطأ في عدد الأيام. والثاني: لا يلزم، لأنه لا تقصير منها بخلاف الغالط، لأنه لا يخلو عن تقصير. فَزعٌ أخرُ إذا أراد الرجل أن يحجّ، فهل لأبويه أو لأحدهما منعه؟ ينظر فيه، فإن أراد أن يحرم بحجة الفرض، فليس لهما منعه، لأن المقام عند الأبوين مستحب مندوب إليه، فتقديم الفرض أولى، وإن أراد أن يحج حجة التطوع فلهما منعه، فإن أحرم، فهل لهما تحليله منه؟ فيه قولان:
следующие страницы →