Полный текст (7 151 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.
стр. 1716
المشركين أن ينحرف لقتال أو يتخير إلى فيئه، فينتقل بالرجوع من خوف قتل إلى أمن والمريض حاله واحدة في التقدّم والرجوع، ولا يستفيد بتحلّله ورجوعه أمناً من مرضه كما يستفيده المحصر بالعدو، ثم استشهد باستصحاب الحال، وما عليه موضوع الإحرام من اللزوم فزال: والإحلال رخصة، فلا يعدى بها موضعها [٢٣٥/ب]، أي: هو مخصوص بمعنى يمنع من أن يقاس علينه عيره.
وشبه ذلك المسح على الخفين، فقال: كما أن المسح على الخفين رخصة فلم نقس عليه مسح عمامة ولا يفارق لاختصاص الخفين بمعنى لا يشاركهما فيه غيرهما من عموم الابتلاء بهما، فكذلك الإحلال بسبب العدو مخصوص بما ذكرنا من المعنى، وهو استفادة الأمن به من الخوف، فلا يجوز أن يقاس عليه إحصار المريض ثم أوضح الشافعي ﵁ إبطال هذا القياس فقال: لو جاز أن يقاس حل المريض على حصر العدو، وجاز أن يقاس حلّ مخطئ الطريق ومخطئ العدو حتى يفوته الحج على حصر العدو، فلنا لم يجز ذلك، لأنه لا يستفيد بتحلله الأمن، فما عرض له، فكذلك المحصر بالمرض مثله.
وقيل: المخصوص بالذكر على ضربين: ضرب لا يعقل معناه كالصلوات وأعدادها تعبداً لله تعالى بها، واستأثر بعلم معانيها، فلا يجوز قياس غيرها عليها، وضرب يعقل معناه، فهو على ضربين: ضرب، لا يوجد معناه في غيره، وضرب يوجد معناه في غيره، فأما الذي لا يوجد معناه في غيره كالمسح على الخفين، لا يوجد معناه في العمامة والقفازين، فلا يجوز أن يقاس عليه، وأما الذي يوجد معناه في غيره كالأشياء المنصوص في الربا يقاس عليها غيرها والحصر بالعدو، عند الشافعي ﵁ من القسم الأوسط الذي هو معقول المعنى، ولكن لا يوجد معناه في غيره. وأما الخبر الذي ذكروا، قلنا: هو متروك الظاهر، لأن بمجرد الكسر والعرج لا يحلّ، وان حملتموه على استباحة التحلّل فنحن نحمله على [٢٣٦/أ] ما لو شرط التحلّل به، فإذا تقرر هذا قال الشافعي ﵁: فيقيم على حرمه، أي: على إحرامه، فإن أدرك الحج وإلا تحلل من إحرامه بالطواف والسعي، إذا فاته الحجّ، وعليه الحجّ من قابل وما استيسر من الهدي، أي: مثل هدي التمتع، لأنه تمتع فيما بين النسكين لأحدهما تعلق بالآخر فهو في معنى التمتع ولو كان هذا في العمرة، فلا تفوت العمرة، فيجزئه الطواف والسعي متى أتى بهما في جميع عمره عن عمرته إذ العمرة غير مؤقتة بوقت يفوته إذا جاوزه بخلاف الحج.
فرع
قال في "المناسك الكبير": لو كان [ممن] يذهب إلى أن المريض يحلّ بهدي [يبعث به] فبعث بهدي، فذبح هناك لم يحلّ، وكان على إحرامه وإذا رجع إلى بلده كان حراماً كما كان.
قال القاضي الطبري: وهذا يدلّ من مذهب الشافعي على أن من اعتقد مذهباً وعمل
стр. 1717
عليه لم يحكم بصحة فعله عنده، لأن هذا اعتقد جواز التحلّل. وتحلل فلم يجعله حلالاً بذلك ولم يصححه في حقه.
فَزعٌ أخرُ
إذا أحرم واشترط في إحرامه أن يتحلل متى عرض له عارض من مرض أو خطأ الطريق أو خطأ التعدد أو ذهاب النفقة اختلف قول الشافعي ﵁ فيه قال في "القديم " يجوز ذلك وقطع به. وقال في "الجديد": إن صح حديث ضباعة قلت به، فعلق القول فيه، فمن أصحابه من قال: أجمع أصحاب الحديث على صحة حديث ضباعة، وذلك أن الشافعي ﵁ رواه مرسلاً عن عروة عن النبي ﷺ ، وقد رواه أبو داود مسنداً عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ أن ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب أتت رسول الله ﷺ ، [٢٣٦/ب] فقالت: إني أريد الحج أفأشترط، قال: "نعم"، قالت: فكيف أقول؟ قال: "قولي: لبيك اللهم لبيك، ومحلي من الأرض حيث حبستني".
وروت عائشة أن النبي ﷺ دخل على ضباعة، فقالت: يا رسول الله إني أريد الحج، وإني شاكية، فقال: "أحرمي واشترطي أن محلي حيث حبستني"، فعلى هذا قولاً واحدًا، أنه ثبت الشرط، وفي الخبر دليل على أن المرض لا يجوز التحلّل، لأنه لو كان يجوز لما احتاجت إلى هذا الشرط، وفيه دليل على أن يحلّ في الموضع الذي يحبس وينحر هديه هناك، وما كان له حلاً وبه قال أحمد، ومن أصحابنا من قال: فيه قولان:
أحدهما: هذا.
والثاني: لا يصح هذا الشرط. وبه قال الزهري ومالك وأبو حنيفة، وهذا لأنها عبادة لا يجوز التحلّل منها بغير عذر، فلا يجوز التحلّل منها بالشرط كالصلاة، وهذا يبطل بالصوم المنذور، وإذا شرط الخروج منه بعذر جاز بالإجماع ومن قال بهذا القول، قال: ضباعة مخصوصة بذلك كفسخ الحجّ كان مخصوصاً بمن خصه ﷺ وحكي عن أبي حنيفة ﵁ أنه قال: هذا الشرط في المريض يعتد سقوط الهدي إذا تحلّل.
فَزعٌ أخرُ
لو قال: إذا مرضت أتحلل من إحرامي لا يخرج من الإحرام إذا وجد الشرط إلا بالتحلّل، وهو أن ينوي الخروج منه، لأن الشرط يضمن إزالته أو إبطاله فكذلك لو قال: "محلي من الأرض حيث حبستني" مرض فأنا حلال، ففيه وجهان:
أحدهما: يصير حلالاً [٢٣٧/أ] لوجود الشرط اعتباراً بموجب اللفظ فيه. وقيل: هذا نص الشافعي، وهذا لقوله ﷺ : "من كسر أو عرج فقد حل"، ولا يمكن حمل الخبر إلا على هذا.
стр. 1718
والثاني: لا يصير حلالاً حتى يتحلل لأن الأصل هو الحصر بالعدو، وهناك لابد من إنشاء التحلّل كذلك ههنا. وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا قلنا: يجوز الشرط، فهل يجوز على هذا الوجه؟ وجهان:
أحدهما: لا يجوز، والفرق أن للمتحلل مدخلاً في الحج فيجوز شرطه، وليس لمصيره حلالاً بالعذر أصل في الشرع، فلا يصح شرطه أصلاً.
فَزعٌ أخرُ
إذا قلنا: يتحلل من غير فعله فلا إشكال أنه لا يلزمه الهدي، وإذا قلنا: يتحلل بفعله نص الشافعي ﵁ أن لا هدي عليه ومن أصحابنا من قال: عليه الهدي، لأنه إذا افتقر إلى التحلّل كان بمنزلة الإحصار بالعدو، وهذا غلط، والفرق بين الإحصار بالعدو وبين هذ أن الإحرام المطلق يقتضي تمامه، فإذا أحصر قبل التمام وجب الهدي بدلاً مما ترك من الأعمال، وأما إذا اشترط الخروج منه لم يتضمن إحرامه بإتمامه مع العارض، وصار إحرامه منتهياً إلى حين وجود الشرط، فلم يحتج إلى هدي يقوم مقامه.
فَزعٌ أخرُ
لو كان الشرط معلقاً على غير تحلل مثل أن قال: أحرمت بحج على أني إذا شئت خرجت منه لم يثبت هذا الشرط بلا خلاف، لأنه ليس فيه غرض صحيح.
فَزعٌ أخرُ
لو قال: أن مرضت وفاتني الحج كان عمرة كان على ما شرط.
باب حصر العبد يحرم بغير إذن سيده [ ٢٣٧/ب]
مَسْأَلٌة: قال: وإذا أحرم العبد بغير إذن سيده والمرأة بغير إذن زوجها.
الفضل
قد ذكرنا حكم إحرام العبد فيما تقدم أنه ينعقد وأن للسيد أن يحلّله منه، وهكذا حكم العبد المعتق بعضه، والمدبر وأم الولد. وأما المكاتب، فله منعه أيضًا منه، وهل له أن يسافر للتجارة؟ قولان. والفرق بين السفرين أن سفر الحج يتضمن إتلاف المال، وسفر التجارة لا يتضمن إتلاف المال. ومن أصحابنا من قال: في سفر الحج وجهان بناء على القولين في سفر التجارة.
وأما إذا أرادت المرأة أن تحج حجة الإسلام، فهل لزوجها أن يمنعها منه؟ فيه قولان:
أحدهما: أن له منعها، وهو الصحيح المشهور لما روى الدارقطني بإسناده عن ابن عمر ﵁ عن النبي ﷺ ، قال في امرأة لها زوج ولها مال، ولا يأذن لها زوجها في الحج: "ليس لها أن تنطلق إلا بإذن زوجه"، ولأن الحج على التراخي على ما ذكرنا، وحق الزوج على الفور فكان مقدماً عليه.
والثاني: ليس له منعها. وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد: لأنها عبادة واجبة
стр. 1719
عليها، فلا يكون لزوجها منعها منها كالصلاة والصوم، وهذا غلط. والفرق بين هذا وبين الصوم والصلاة أن مدّتها تقصر فلا تؤدي إلى الضرر بالزوج بخلاف الحج، فإذا قلنا: له منعها، فإن أحرمت بإذنه صح، وليس له أن يحلّلها، وإن أحرمت بغير إذنه، هل له أن يحلّلها؟
قال في "المناسك الكبير": فيه قولان:
أحدهما: له أن يحلّلها كما كان له منعها في الابتداء.
والثاني: ليس له تحليلها، لأن الفرض قد ضيق عليها الشروع فيها، وفي الابتداء لم يكن مضيقاً، وحق الزوج مضيق، فقدمناه كما لو كان عليها صوم القضاء والكفار، كان للزوج منعها منه [٦٣٨ /أ].
قال القاضي الطبري: وعندي أنه لا يجوز له أن يمنعها من قضا، الصوم في آخر السنة، لأنه لا يجوز له إخراجه إلى السنة الثانية، ولهذا أوجبنا الفدية فيه وجعلناها مشرطة به.
فَزعٌ أخرُ
إذا أرادت حج التطوع له منعها منه قبل الإحرام، فإن أحرمت به، قال الشافعي ﵁: إذا أحرمت بالغرض، فمن قال: لا يحلّلها منه لزمه عندي أن يقول: إذا أحرمت بحج النفل بغير إذنه ليس له أن يحلّلها منه. فمن أصحابنا من قال: هذا قول آخر في النفل أنه ليس له تحليلها، ففي النفل قولان أيضًا، لأن التطوع يلزم بالدخول فيكون كالفرض، ومن أصحابنا من قال وهو الصحيح. ذكر هذا على طريق التشنيع، لأنه ذكر مع حجة التطوع صوم التطوع والاعتكاف، فعلى هذا له تحليلها منه قولاً واحداً، وهذا لأن في الفرض غرضاً صحيحاً، وهو إسقاط الفرض عن ذمتها بخلاف التطوع.
فَزعٌ أخرُ
الأمة إذا أحرمت بالتطوع يحلّلها سيدها قولاً واحدًا لأن الأمة ليست من أهل فرض الحج بحال، فإذا أحرمت لم يلتحق نفلها بالفرض بخلاف الحرة. قال القفال: فعلى هذا يجب إذا كانت زوجته أمة، فأحرمت، فللزوج أن يحلّلها قولاً واحدًا، ومن أصحابنا من فرق بين السيد والزوج بأن أوقات الأمة وأكسابها لسيدها بخلاف الزوجة، فعلى هذا الزوجة الحرة والزوجة الأمة سواء إذا أحرمتا بالتطوع.
فَزعٌ أخرُ
الأمة المزوجة إذا أرادت الحج تحتاج إلى إذن سيدها وزوجها، فإن أذن أحدهما كان للأخر منعها منه. وروى ابن سماعة عن محمد أنه إذا أذن السيد جاز لها ذلك، وإن لم يأذن الزوج لأن السفر حق للسيد، [٢٣٨/ب] ولهذا يجوز له أن يسافر بها، وهذا غلط، لأن فيه تعطيل منفعتها على الزوج لا لمنفعة السيد، فلم يكن لها ذلك،
стр. 1720
ويفارق مسافرة السيد بها، لأن به حاجة إلى ذلك.
فَزعٌ أخرُ
إذا أذن السيد لعبده في الحج، ثم باعه بعد الإحرام لم يكن للمشتري أن يحلّله. وقال أبو يوسف له أن يحلّله مع قوله: لا يحلّله السيد إذا أذن له. وقال محمد: لا يكره مع قوله: يكره للسيد أن يحلّل عبده، وهذا لأن المشتري لم يأذن في إحرامه، وهذا غلط، لأن عقد الإحرام بإذن من له الإذن، فلم يكن لمن يجدد ملكه الاعتراض عليه، كما لو أذن له في النكاح، فنكح لا يبطله عليه.
فَزعٌ أخرُ
إذا دخل وقت الصلاة على الزوجة ليس لزوجها منعها منها في الحال. وفرق الشافعي ﵁ بأن أمر الصلاة خفيف، لأنها تصلي أربع ركعات وترجع إليه والحجّ يطول ويمتد، فيؤدي ذلك إلى الإضرار بالزوج. وقيل: لا غرض للزوج في منعها من الصلاة في أول الوقت، لأنه مندوب إلى تقديم الصلاة كما ندبت هي إليه، وليس كذلك الحج، لأنه لا حج عليه في حال هي تحج بغير إذنه، وهذا ضعيف، والفرق الأول أصخ.
فَزعٌ أخرُ
المعتدة الرجعية لو أحرمت بالحج فللزوج منعها من الخروج وليس له أن يحلّلها، فإن راجعها، فهل له أن يحلّلها؟ فيه قولان، وإن لم يراجعها حتى انقضت العدة، فإن فات الوقت تحللّت بعمل عمرة، وإن كانت عدتها عن وفاة منعت من مضي العدة، فإن انقضت العدة، وقد فات الوقت لزمها الدم والقضاء [٢٣٩/أ].
فَزعٌ أخرُ
لو أحرمت المرأة بحجة التطوع ومعها محرم، فمات المحرم كان لها إتمام التطوع مع فقد المحرم.
فَزعٌ أخرُ
إذا أحصرت المرأة في حجية التطوع فطلقها زوجها، فاعتدت ففاتها الحج، هل يلزمها القضا،؟ قولان:
أحدهما: يلزم كمن أخطأ في عدد الأيام.
والثاني: لا يلزم، لأنه لا تقصير منها بخلاف الغالط، لأنه لا يخلو عن تقصير.
فَزعٌ أخرُ
إذا أراد الرجل أن يحجّ، فهل لأبويه أو لأحدهما منعه؟ ينظر فيه، فإن أراد أن يحرم بحجة الفرض، فليس لهما منعه، لأن المقام عند الأبوين مستحب مندوب إليه، فتقديم الفرض أولى، وإن أراد أن يحج حجة التطوع فلهما منعه، فإن أحرم، فهل لهما تحليله منه؟ فيه قولان:
стр. 1721
أحدهما: لهما ذلك أشار إليه في "الإملاء"، وهذا لما روي أن النبي ﷺ رأى رجلاً يجاهد، فقال: "لك أبوان"؟، فقال: نعم، فقال: "ارجع ففيهما فجاهد" فلما منع من الجهاد مع أنه فرض على الكفاية فلان يمنع من حجة التطوع أولى.
والقول الثاني: نص عليه في "الأم" ليس لهما المنع، لأنه صار لازماً بالشرع، في شبه حج الفرض.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: حكم الولد مع الأبوين في الفرض كحكم الزوج مع الزوجة، وهذا غلط، لأن حق الزوج مستحق مضيق بخلاف حق الأبوين.
فَزعٌ أخرُ
لو أذن له أحدهما، فإن كان الأب الآذن والمانع الأم مضى في حجه، وإن كان المانع الأب له منعه ذكره في "الحاوي"،وهذا مشكل عندي، فإذا تقرر هذا، فكل موضع قلنا: للزوج أو للسيد أو للأب المنع والتحلّل فحكمه حكم المحصر بالعدو، وقد ذكرنا حكمه، ثم اعلم أنه قال في "المختصر": وللسيد [٢٣٩/ب] والزوج منعهما بالتحليل، وهما في معنى العدو في الإحصار، وفي أكثر من معناه لهما منعهما وليس ذلك للعدو ومخالفون للعدو في أنهما غير خائفين خوفه أي غير خائفين من الزوج والسيد كخوف العدو، فكأنه أشار بهذا إلى القول الآخر في أنه ليس لهما التحلّل، لأن حصرهما خاص.
ذكره بعض أصحابنا بخراسان: وقيل: هذا بيان بعد الجمع والترجيح لنوع من المخالفة بين الحصرين، فقال: العبد والزوجة غير خائفين خوف المحصر بالعدو، وكذلك القياس، فإن الفرع والأمل لا يجتمعان في جميع معانيهما وأنهما يجتمعان مرة ويفترقان أخرى.
باب الأيام المعلومات والمعدودات
مَسْأَلٌة: قال: والأيام المعلومات العشر.
اعلم أن القصد بهذا الباب أن الله ﵎ ذكر في مناسك الحج الأيام المعلومات، والأيام المعدودات، فقال في سورة البقرة: ﴿واذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة:٢٠٣] الآية. فقصد الشافعي ﵁ أن يبين المعلومات من المعدودات، فالمعلومات العشر آخرها يوم النحر، وهي العشر الأول من ذي الحجة. وروي ذلك عن ابن عمر وابن عباس في رواية. وبه قال أحمد، وقال أبو حنيفة في رواية مثل قولنا، وفي الرواية الثانية، عنه: المعلومات ثلاثة أيام: يوم عرفة ويوم النحر ويومان بعده ويوم الفطر.
وروي عن علي وابن عباس ﵄: أنها أربعة أيام: يوم عرفة ويوم النحر ويومان بعده، وأما المعدودات، [٢٤٠/أ] فثلاثة أيام بعد يوم النحر، وهي أيام التشريق، وعندنا تجوز التضحية فيها، وعند أبي حنيفة: لا يجوز التضحية في اليوم
стр. 1722
الثالث، واحتج الشافعي ﵁ بأن الله تعالى سمى المعدودات والمعلومات باسمين مختلفين، فلا يقعان على أيام واحدة، لأنه لا خلاف أن يوم النحر من المعلومات، واليوم الثالث من أيام التشريق من المعدودات دون المعلومات، فوجب أن تكون كل أيام منها غير الأخرى، ولا يدخل بعض إحداهما من الأخرى كما أن اسم كل أيام غير الأخر، ثم ألزم نفه سؤالا فقال: فإن قيل: لو كانت المعلومات العشر لكان النحر في جميعها جائز، وأراد به أن الله تعالى حيث ذكر الأيام المعلومات جعلها وقتاً لذبح الأضحية والذبح، فقال: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج:٢٨]، أي: يذبحوها، يقال: فلان ذكر اسم الله تعالى على شاته، أي: ذبحها، فلما لم يجز النحر في جميعها بطل أن تكون المعلومات فيها، ثم أجاب، فقال: يقال لهذا المعرض.
قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا (١٦)﴾ [نوح: ١٥ - ١٦] وليس القمر في جميعها، وإنما هو في واحدها أفيبطل أن يكون القمر فيهن نوراً كما قال الله تعالى؟ ولا يبطل ذلك، لأن القمر وإن كان في سماء واحدة، فهذه السماء من جملة السماوات السبع، فلذلك صح إضافة القمر إليهن أنه فيهن كذلك ذبح الأضحية، وإن كان في يوم واحد من المعلومات. وهذا اخرها صح أن يضاف ذلك إليها كلها.
وروي عن مالك أنه قال: المعلومات: ثلاثة أيام، أولها يوم النحر. [٢٤٠/ب] والمعدودات: ثلاثة أيام بعد يوم النحر، وهي أيام التشريق، وهذا السؤال سؤال مالك في الحقيقة. وقال العنصري من أصحابنا: الذكر يقع في كلها في يوم النحر عند الذبح وقبلها عند سوق الهدي.
وقال بعض: أضاف إليها شهود المنافع والذكر معاً، فقال ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ [الحج:٢٨]، فشهود المنافع التجارات قبل النحر والذكر يوم النحر، وقال أبو حامد: معناه الذبح في كلها يوم النحر الأضحية وقيل ذلك دماء الحج غير التطوح، والله أعلم.
باب نذر الهدي
مَسْأَلٌة: قالَ: والهدي من الإبل والبقر والغنم.
الفضل
اعلم أن الهدي اسم لما يهدى إلى الحرم تقرباً من النعم وغيرها من الأموال، إلا أنه عند الإطلاق اسم للنعم فمن نذر لله هدياً، وسمى شيئاً سوى النعم يلزمه أن يهدي ما سمي، وإن أطلقه في نذره، ففيه قولان:
أحدهما: قاله في "الجديد": يجب عليه أقل ما يجوز في الأضحية من النعم، وهو الثنية من الإبل والبقر والمعز أو الجذعة من الضأن، وهو الصحيح. وبه قال أحمد
стр. 1723
ويحكيه أصحابنا عن أبي حنيفة ووجه هذا أن مطلق النذر يحمل على معهود ا~ع والهدي في الشرع من النعم كما قلنا في الصلاة والصوم.
والثاني: قاله في "القديم"، و"كتاب المنذور": يجوز ما يقع عليه الاسم، وإن كانت زبيبة أو تمرة، لأن اسم الهدي يقع على ذلك كله شرعاً ولغةً. قال رسول الله ﷺ في خبر الجمعة "ومن راح في الساعة الخامسة، فكأنما قرب بيضة"، فإذا قلنا بالقول الأول يجزئه الذكر والأنثى، لأن المقصود منه اللحم، ولهذا يجب ذبحه، ولا يجوز إيصاله إلى الفقراء قبل الذبح " [٢٤/أ].
وعلى هذا القول لا يجوز ذبحه وتفريقه إلا في الحرم. وروي عن ابن عمر ﵄، أنه كان يكره الذكر من الإبل فيه، ويرى أن يهدي الأنثى منها. وهذا لا يصح لما روي عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ أهدى عام الحديبية مائة بدنة فيها جمل كان لأبي جهل في أنفه برة من فضة يغيظ بذلك المشركين.
والجمل: الذكر والبرة: حلقة يجعل في أنف البعير ومغايظة المشركين أنه كان ذلك الجمل معروفاً بأبي جهل، فأجازه النبي ﷺ في سلبه، فكان يغيظهم أن يروه في يده وصاحبه قتيل سليب، وإذا قلنا بالقول الثاني، فالأصح أنه لا يجوز إلا في الجرم لقوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة:٩٥]، فجعل الشرط في الهدي إبلاغه الحرم، ومن أصحابنا من قال: يجوز في غير الحرم، كما لو نذر أن يتصدق بشيء جاز في كل موضع، ولأنه لما لم يحمل على معهود الشرع في المقدار لم يحمل عليه في المكان والمصرف.
ثم اعلم أن النذر على ضربين نذر لجاج وغضب ونذر تبرر، فأمّا نذر اللجاج والغضب، فهو ما قصد به الإلزام أو المنع مثل أن يقول: أن كلمت فلاناً، فعلي كذا أو أن لم أكلم فلاناً، فعلي كذا، فإذا وجد الخلاف فهو مخير بين كفارة اليمين وبين الوفاء بذلك على ظاهر المذهب. وأما نذر التبرر فضربان: فرب علقه بجزاء مثل إسداء نعمه أو دفع نقمة، فإذا وجد شرطه لزمه الوفاء به. وضرب، يكون مطلقاً مثل أن يقول ابتدأ: لله علي أن أهدي وأتصدق، فالمذهب أنه يلزمه الوفاء.
ومن أصحابنا من قال: لا يلزمه الوفاء به. وقيل: وجهان. والصحيح ما ذكرنا فإذا قلنا: يلزم الوفاء يلزم [٢٤/ ب] ما عين، وإن أطلق، وقال: فلله علي هدي، فالحكم ما ذكرنا، فإذا ثبت هذا فالهدي بأعلى وأدنى، فالأعلى البدنة والبقرة والأدنى شاة أو سُبعُ بدَنَه أو سبع بقرة، فمن وجب عليه هدي، فهو مخير بين أن يهدي الأعلى وبين أن يهدي الأدنى، فإن أهدى الأدنى فكله واجب، لا يجوز أكل شيء منه، وإن أخرج الأعلى فهل يكون كله واجباً، أو سبعه واجباً؟ وجهان:
أحدهما: الكل واجب ولا يجوز أكل شيء منه كما قلنا في كفّارة اليمين، يتخّير بين العتق والإطعام وأيهما أخرج كان كله واجباً.
والثاني: سبعه واجب والباقي تطوع لأنه أقيم مقام سبع من الغنم، ويفارق العتق في
стр. 1724
الكفارة، لأنه لا يتبعّض ولا يجوز الاختصار فيها، على بعض الرقبة بخلاف هذا. وهذا أظهر فعلى هذا يجوز أكل الزيادة، ثم قال: وليس له أن ينحر دون الحرم. وقد ذكرنا موضع نحر الهدي، وتفرقة اللحم، ولو عين بكذا في النذر يذبح ويفرق في تلك البلدة.
مَسْأَلٌة: قال: وإن كان الهدي بدنة أو بقرة قلّدها نعلين.
الفصل
إذا نذر هدياً لا يخلو إما أن يكون إبلاً أو بقراً أو غنماً، فإن كان إبلاً أو بقراً، فالسنة أن يقلدها ويشعرها والتقليد: أن يقلدها ويعلق في عنقها والإشعار: أن يضرب شقها الأيمن من موضع السنام بحديده حتى يدميها، وهي مستقبلة القبلة، فيرى على جانبها، فيعلم أنه هدي وإن قرن بين اثنين أشعر أحدهما من الأيمن والآخر من الأيسر ليشاهد كل واحد منهما.
وبه قال أحمد ومحمد وقال مالك وأبو يوسف وابن أبي ليلى: يشعرها من الجانب الأيسر. وروي ذلك عن ابن عمر ﵄. [٢٤٢/أ] وقال مالك في البقر: أن كان لها سنام يستحبّ الإشعار وإلا فلا. وقال أبو حنيفة وحده: الإشعار بدعة والتقليد منة. واحتج بما روي عن رسول الله ﷺ أنه نهى عن تعذيب الحيوان"، وهذا غلط لما روى ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ صلى الظهر بذي الحليفة، ثم دعا ببدنة، فأشعرها من صفحة سنامها الأيمن، ثم سلت الدم عنها، وقلدها نعلين، ثم أتى براحلته، فلما قعد عليها واستوت به على البيداء أهل بالحج". وهذا نص صريح.
وقوله: سلت الدم أي: أماطه وأصل السلت القطع، وقيل: ذلله على الموضع الذي خرج منه وقوله: استوت على البيداء، أي: علت فوق البيداء وأما الخبر الذي ذكر قلنا: التعذيب ما كان يفعلونه من قطع أسنمة الإبل واليات الشاءة، وسبيل الإشعار سبيل ما أبيح من الكيّ والتوديج والتبريغ والميسم. وفي هذا فوائد، منها: أنها إذا تغيرت أو اختلطت بغيرها أو ضلت استدل بها عليها، وميزت من غيره.
ومنها: أنه ربما يقصدها سارق، فإذا رأى عليها علامة الهدي ربما يرتدع فيتركها.
ومنها: أنها ربما تعطب، فتنحر وتترك في موضعها، فإذا رأى المساكين تلك العلامة يعرفونها.
ومنها: أنه إذا رآها المساكين اقتفوا أثرها إلى المنحر، واحتجّ مالك بما روي عن ابن عمر ﵄ أنه كان يشعر بدنه في جانب سنامها الأيسر. قلنا: خبر الرسول ﷺ أولى منه. ثم روي عنه أنه كان يقرن بين هديين، ويشعر الجانب الذي ظهر من كل واحد منهما، وهو مذهبنا، وإن كانت غنماً، فالتقليد فيها مسنون [٢٤٢/ب].
قال الشافعي ﵁: قلدها خرب القرب ولا يشعرها، وأراد بخرب القرب أطرافها وعراها، وإنما قلنا: لا يشعرها لأن على موضع الإشعار منها صوفاً يمنع من ظهور الإشعار عليها، ولأنها ضعيفة لا تحتمل الإشعار.
стр. 1725
وقال أبو حنيفة ومالك: لا يسن تقليدها، وهذا غلط لما روي عن عائشة ﵂: "أن النبي ﷺ أهدى محنهما مقلدة". وقال جابر: "كان في هدي رسول الله ﷺ غنم مقلدة"، ولأن التقليد سن في الإبل حتى أن ضلت تعرف بذلك. وهذا في الغنم أولى، لأنها أقرب إلى النفور من الإبل، لأن الإبل تقاد بأزمتها، والغنم مجللة، ثم قال: وإن ترك التقليد والإشعار أجزأه لأنها هيئة مسنونة شرع لتمييز الهدي من غيره.
فرع
لا تأثير للتقليد في الإحرام، فإذا قلد الهدي لم يصر محرماً حتى ينوي الحج أو العمرة. وبه قال عطاء، وروي عن ابن عباس أيضًا. وقال الثوري وأحمد وإسحاق: إذا أراد الحج وقلد فقد وجب عليه، وهذا غلط، لما روي عن عائشة ﵂ قالت: "بعث رسول الله ﷺ بالهدي وأنا فتلت قلائدها بيدي من عهن كان عنانا ثم أصبح فينا حلالاً يأتي ما يأتي الرجل من أهله"، ولأن هذا تجرد عن نية الإحرام، فلا يصير محرماً، كما لو اغتسل ولبس إزاراً أو رداء.
مَسْأَلٌة: قال: ويجوز أن يشترك [لسبعة] في البدنة الواحدة.
الفضل
يجوز أن يشترك السبعة في البدنة الواحدة والبقرة الواحدة سواء أرادوا قوبة واحدة أو قرباً مختلفة، أو أراد بعضهم الفدية، وبعضهم اللحم وسواء كانوا متطوعين أو مؤدين للواجب.
وقال مالك: إن كانوا متطوعين [٢٤٣/أ] يجوز الاشتراك فيهما أن كانوا من بيتٍ واحدٍ، وإن كانوا من بيوت متفرقة لم يجز، وإن كانوا مؤدين للواجب لا يصحّ منهم الاشتراك. وقال أبو حنيفة: إن كانوا متفرقين يصحّ الاشتراك اتفقت جهة قربهم أو اختلفت متطوعين أو مؤدين واجباً، وإن كان بعضهم يريد اللحم لا يصح الاشتراك، وهذا غلط لما روى أبو هريرة وعائشة ﵄: "أن النبي ﷺ ذبح عمن اعتمر من نسائه بقرة بينهن". وكان واجباً لأنهن كن متمتعات.
وقال جابر: "كنا نتمتع على عهد رسول الله ﷺ ، فكان يشرك السبعة في البدنة"، ولأن كل بدنة جاز أن ينفرد الواحد بإخراجها على جهة جاز أن يشترك السبعة في إخراجها على تلك الجهة كما لو كانوا متطوعين، واحتج مالك بما روي عن ابن ﵄، قال: ما كنت أرى دماً يقضى عن أكثر من واحد. قلنا: خبر الرسول ﷺ أولى من ذلك.
واحتج أبو حنيفة بأن الدم الواحد لا يتبعض فإذا لم يكن بعضه قربة لا يكون شيء منه قربة. قلنا: إذا جاز أن تجتمع فيه القربى المختلفة جاز أن تجتمع فيه القربة وغير القربة في السبح من الغنم. وحكى أحمد وإسحاق أنهما قالا: لا يجوز اشتراك العشرة في البدنة الواحدة، ولا يجوز في البقرة إلا اشتراك السبعة، وهذا غلط، لما ذكرنا من
стр. 1726
خبر جابر ﵁ في حصر الحديبية، فإذا تقرر هذا فإن أرادوا القربة ذبحوها وسلموا إليهم مذبوحاً ليتصرفوا فيه.
ثم أن قلنا: القسمة إفراز حقّ لهم أن يقتسموها بينهم، فإن قلنا يبيع لم يجز ذلك فيبيع بعضهم من بعض بالدراهم مشاعاً، وإن أراد بعضهم القربة وبعضهم اللحم [٢٤/ ب]، فإن المتقرب يسلم نصيبه إليهم، وأقلهم ثلاثة أنفى، فيقول لهم: فيها السبع وقد سلمته إليكم مشاعاً، ويقبضونه منهم، فإذا قبضوه سقط الغرض عنه، ثم أن أرادوا أن يقتسموا ويفرق كل واحد منهم نصيبه، فالحكم على ما ذكرنا.
قال صاحب "التلخيص ": إذا قلنا: القسمة بيع لا يجوز بيع بعضه ببعض كالرطب والعنب واللحم الرطب إلا في موضع واحد، وهو إذا اشتركوا في بدنة أو بقرة في هدي أو أضحية أو جزاء أو أي دم كان لله تعالى واجباً كان أو غير واجب يجوز أن يقتسموا للضرورة، لأنه لا مدخل للبيع فيها إذ لا يجوز بيع شيء من الهدي والأضحية.
قال: وكذلك إذا أواد بعضهم اللحم، وهذا لا يصح، لأنه يمكنهم بيعه ممن يريد اللحم ويقتسمون ثمنه.
وقال أبو حامد: الحيلة فيه أن يجزأ سبعة أجزاء ويقول كل واحد من الشركاء:
اتبعت حقكم من السبع بدرهم وبعتكم حقي بدرهم، فيحصل لكل واحد منهم السبع، ويكون ذلك بيع لحم وابتياعه بدرهم لا أنه بيع لحم بلحم. وهذا بعد تسليم نصيبهم مشاعاً إلى المساكين ليكونوا شركا، لأصحاب اللحم، فيصح البيع حينئذٍ، فإن قبل ذلك، لا يصح البيع.
مَسْأَلٌة: قال: فإن كان الهدي ناقة فنتجت سيق معها فصيلها.
الهدايا على ثلاثة أضرب: هدي يسوق المحرم مع نفسه ولا يعين النذر فيه ولا نوى به التطوع، بل ساقه على أنه أن لزمه هدي أخرجها، وإن لم يلزمه أن شاء أخرجها تطوعاً، وإن شاء تركها، فهذه ملكه وله التصرف فيها كيف شاء بالبيع وغيره، وإن نتجت كان النتاج له كالأم، لأنها لم تصر بالسوق هدياً، وإن تلف تلف من ماله، ولا شيء عليه، وهدي عينه نذراً [٢٤٤/أ].
فقال: لله علي أن أهدي هذه الشاة بعينها فقد زال ملكه بذلك، وصارت ملكاً لمساكين الحرم، ويجوز له التصرف فيها بوجه، وإن تلفت كان تلفها من مال المساكين، وان ولدت ولداً ساق معها ولدها، قال: فإن كان لا يقدر على المشي حمله على أمه، وإن حمل عليها من غير ضرورة، فأعجفها غرم قيمة ما نقصها، وهدي كان في ذمته واجباً بعينه في شاة بعينها، فتعين ذلك فيه، لأن ما كان ثابتأ في الذمة إذا عين في شي، تعين. ألا ترى أنه لو كان في ذمته عتق فعينه في عبد تعين فيه؟ وليس له النظر فيه بوجه.
ثم ينظر فيه، فإن سلم دفعه إلى المساكين، وإن عاب عاد إلى ملكة، وعليه أن يذبح هدياً سليماً من العيب، لأنه إذا لم يجز عما في ذمته وجب أن يعود إلى ملكه.
стр. 1727
وكذلك إذا تلف يجب عليه البدل. والفصل بين هذا والذي قبله أن هناك لم يكن في ذقته شيء نقله إلى العين، بل نذر هدي شيء بعينه، فيتعلق به حق المساكين وحده، ولا يلزمه الضمان إذا تلف، وههنا في ذمته سليم، فإذا نقله إلى عين كان بشرط السلامة.
ومن أصحابنا من قال: لا يعود بالعيب إلى ملكه كما لو ضل فيخرج هذا المعيب والذي في ذمته أيضًا، وهذا ضعيف. وبه قال أحمد، فإذا تقرر هذا فإن نتجت هذه، وعاد الأصل إلى ملكه بالعيب، هل يعود الفصيل إلى ملكه. قال القاضي الطبري: يجب أن يعود الفصيل أيضًا إلى ملكه، ولا يلزمه ذبحه.
ومن أصحابنا من قال: ظاهر المذهب أنه يلزمه ذبحه ويكون للفقراء كما يقول في ولد [٢٤٤/ب] المبيعة إذا ماتت أمها في يد البائع يبطل البيع فيها، ويبقى الولد للمشتري. وكذلك لا يبطل التدبير في ولد المدبرة يتلف الأم، ومن أصحابنا من قال هل يتبعها الولد ههنا؟ وجهان:
أحدهما: يتبعها.
والثاني: لا يتبعها لأنه حدث في ملك المساكين ويكون للمهدي، لأن ملك المساكين لم يستقر عليها، ولهذا لو تلف أو غاب كان عليه البدل.
فَزعٌ أخرُ
إذا قلنا: يعود إلى ملكه بعدما غابت لا يجوز له التصرف فيها بالأكل والبيع والهبة وغيرها.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: يجوز الأكل منها، وهل له أن يبيعها؟ وجهان:
أحدهما: له ذلك.
والثاني: لا يجوز البيع، لأنه كان قد تقرب به.
فَزعٌ أخرُ
لو غاب بعدما وصل إلى الحرم. قال ابن الحداد في فروعه: أجزأه لأنه بلغ محله. وقال سائر أصحابنا: لا يجزئه، وهو الصحيح، لأنه عاب قبل وموله إلى مستحقه كما لو غاب قبل ذلك، وما ذكره لا يصحّ، لأنه لم يسقط عنه الفرض بوصوله إلى الحرم، وعلى قول ابن الحداد لو مات أو سرق بعد وصوله إلى الحرم أجزأه أيضًا.
فَزعٌ أخرُ
لو ضل هذا الهدي وجب عليه إخراج ما في ذمته. قال الشافعي: ويصير إلى أخر أيام التشريق، فإن لم يجد ذبح أخر مكانه، فإن وجده بعد ذلك ذبحه أيضًا، فمن أصحابنا من قال: يجب ذبحه، وبان بالوجود أن الواجب هذا، ويفارق هذا إذا غاب حيث قلنا: يعود إلى ملكه [٢٤٥/أ]، لأن بالعيب خرج عن صفة الإجزاء وبالضلال لم يخرج عن حدّ الإجزاء، فلم يزل ملك الفقراء عنه، ولا يعود إلى ملكه، وعلى هذا قال
стр. 1728
(القاضي) الطبري: لو وجده قبل تفرقة لحم البدل، لم يلزمه تفرقته، ويحتمل أن يقال: يجب تفرقته كما إذا لم يجد ما يتطهر به، فصلى ثم وجد الطهور يتطهر ويصلي أيضًا، وكلاهما واجبان.
ومن أصحابنا من قال: لا يجب ذبحه بعدما ذبح البدل، وإنما ذكر الشافعي ذلك استحباباً. والمذهب الأول لما روي عن عائشة ﵂ أنها حجت فأهدت بدنتين فضلتا، فبعث ابن الزبير بهديتين إليها فنحرتهما. ثم عاد الضالان فنحرتهما، وقالت: هذه سنة الهدي، وروي: فاشترت مكانهما هديين فقلدتهما، ثم وجدت الأوليين، فنحرت أربعتهن، فكانت كلما حجت بعد ذلك أهدت أربعاً من البدن، وعلى هذا قال في "الحاوي": لو ضل الهدي سائقه المحرم ابتداء حتى خرجت أيام التشريق [فهل عليه مثله بدلاً أم لا؟ على قولين: أحدهما].
قال في "القديم ": عليه بدله، لأن ضلاله بتفريط من سائقه. والثاني: لا يكون عليه بدله كما لو مات، وعلى هذا لو أبدله ثم وجده نحره.
فَزعٌ أخرُ
لو عين أفضل مما عليه مثل أن يعّين عن الشاة بدنة أو بقرة، ثم غاب، فعادت إلى ملكه، هل يجب عليه ما كان في ذمته أو مثل ما عين؟ وجهان:
أحدهما: مثل ما عين في ذمته أوجب الفضل بتعيينه.
والثاني: يجب ما كان في ذمته، وهو الصحيح، لأن التعيين بطل، فرجع إلى ما في ذمته. ومن أصحابنا من قال: إن فرط يلزمه مثل الذي عين، لأن الفضل لزمه بالتعيين، وإن لم يفرط، ففيه وجهان على ما ذكرنا [٢٤٥/ب].
وقال بعض أصحابنا: قال الشافعي في "الجدد": يجب ما كان في ذمته. وقال في "القديم": أخرج وتصدق بالفضل وليس بشيء.
فَزعٌ أخرُ
هل له أن يشرب من لبن الهدي؟. قال في "الأوسط ": ليس له أن يشرب من لبن الهدي إلا بعد ري فصيلها، وكذلك ليس له أن يسقي أحداً. وقال في مواضع آخر: إن كان لبنها وفق حاجة الفصيل لم يشرب شيئاً، وإن فضل عنه، أو لم يكن لها فصيل أحببت أن يتصدق به على المساكين، فإن شربه جاز.
وقال القفال: هذا في التطوع، وفي الواجب هل يجوز شرب لبنها؟ وجهان، وهذا خلاف المنصوص، فإن قيل: إذا لم يجز له أن يأكل النتاج وجب أن لا يجوز له شرب اللبن، لأن كليهما بمائه. قيل: الفرق أن اللبن يتخلف بخلاف الولد، ولأن تبقية اللبن في الضرع يضر بالهدي وحمله وحلبه إلى مكة لا يمكن، فأبيح له شربه.
وقد روي أن علي بن أبي طالب ﷺ رأى رجلاً يسوق بدنة ومعها ولدها، فقال: لا تشرب من لبنها إلا ما فضل عن ولدها، فإذا كان يوم النحر، فاذبحها وولدها.
стр. 1729
فرعٌ أخرُ
لو شرب منه والولد يحتاج إليه، فهزل الولد فعليه ما نقصه الهزل.
فَزعٌ أخرُ
هل له أن يركبها؟ قال في "لأوسط": إذا ساق الهدي ليس له أن يركبه إلا من ضرورة، وإذا اضطر إليه ركبه ركوباً غير قادح، وله أن يحمل الرجل المعيي والمضطر على هديه، فإن استدام الركوب مع الاستغناء عنه، فعليه ما نقص الركوب. والدليل على جواز الركوب [٢٤٦/أ] قوله تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِع إِلَى أَجَل مُسَمًّى﴾ [الحج: ٣٣]، وسئل جابر ﵁ عن ركوب الهدي، فقال: سمعت رسول الله ﷺ : "اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهراً".وروي عن أنس أن النبي ﷺ قال: "اركبوا الهدي بالمعروف حتى تجدوا ظهراً". وروى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً يسوق بدنه، فقال: "اركبها"، فقال: إنها بدنة، فقال: "اركبها ويلك" في الثانية والثالثة.
وقال أحمل وإسحاق: له أن يركبها ولم يشرط الحاجة. وقال مالك: لا بأس أن يركبها ركوباً غير قادح. وقال أبو حنيفة: لا يركبها. وبه قال الثوري، وهذا غلط، لأن المنافع تتلف، فكان له استيفاء ذلك، وإنما شرطنا الحاجة، لأنه ربما يبعضها، ولأن ملكه زال عنها إلى المساكين، ولا يجوز أن ينتفع بملك غيره إلا لضرورة.
وقال القفال: هل يجوز الركوب؟ فيه وجهان:
أصحهما: أن له الركوب قدر ما لا يضر سواء كانت ضرورة أو لا وهذا خلاف النص الذي ذكرنا.
فَزعٌ أخرُ
لا يجوز بيع الهدي المعين نذراً. وقال أبو حنيفة: يجوز بيعه ويشتري بثمنه غيره، ويهدي به، ويجوز له إبداله أيضًا، واحتج بأنه لم يزل ملكه عنه، لأنه لو زال ملكه عنه لما جاز نحره، لأنه لا ينحر ما لا يملكه، وهذا غلط لما روى ابن عمر عن عمر ﷺ أتي النبي ﵁: يا رسول الله أهديت بختياً فأعطيت بها ثلاثمائة دينار، أفأبيعها وأبتاع بثمنها بدناً فأنحرها؟ فقال: "لا" لكن انحرها إياها"، ولأن هذا حق يتعلق بالرقبة يسري إلى الولد، فوجب أن يمنع [٢٤٦/ب] البيع كالاستيلاد، وأما ما ذكره لا يصحّ، لأنه لا نسلم ما عينه بالذبح ويجب عليه ذلك.
فَزعٌ أخرُ
لو عاب هذا المعين بعد أن وصل إلى مكة فقد بلغ محله، وليس عليه غيره فيذبحه ويجزئه لما روى ابن الزبير ﵁ أتى في هداياه بناقة عوراء، فقال: أن كان أصابها بعدما اشتريتموها فأمضوها وإن كان أصابها قبل أن تشتروها، فأبدلوها، ولأنه لو هلك جميعه لم يضمنه، فإذا نقص بعضه لم يضمنه، وهذا لأنه أماته عنده.
стр. 1730
وقال في "الحاوي": هل عليه باله له إذا أعطب في الطريق؟ فيه وجهان مبنيان على الوجهين ٠ هل يجوز الأكل منه؟ فإن قلنا: يجوز كان كالتطوع، فلا بدل عليه ٠ وهذا أصحّ.
فَزعٌ أخرُ
لو عينه معيباً، فقال: لله علي أن أهدي بهذا. قال ابن الحداد: يجب عليه ذبحه، ويفارق هذا إذا عينه عن الواجب في ذمته، ثم عاب لأنه لم يقصد التقرب بالمعيب.
فَزعٌ أخرُ
لو ساق هدياً تطوعاً فضل فلا شيء عليه وإن وجده بعد أيام ذهاب الحر فذبح لا يكون هدياً بل يكون شاة لحم، نصّ عليه.
مَسْأَلٌة: قال: تنحر الإبل قياماً معقولة وغير معقولة.
السنة في الإبل النحر لما روي في خبر جابر ﵁: فنحر البدنة عن سبعة. والسنة في البقر والغنم الذبح لما روي أن النبي ﷺ ذبح عمن اعتمر من نسائه بقوة، فإذ خالف السنة فنحر البقرة والغنم جاز ويكره وتفسير النحر قطع الحلقوم في أسفل العنق عند اللثة فيطعن حربة أو سكيناً في نقرة الحر، وهي الحفرة التي بين أمل العنق والصدر. [٢٤٧/أ] والذبح قطع الحلقوم أسفل مجامع اللحيين. وهذا لأن النحر في الإبل أسرع لخروج روحه من الذبح لطول عنقه بخلاف البقرة والغنم، فإذا تقرر هذا، فالسنة أن ينحر الإبل قياماً معقولة يده اليسرى، فيقوم على رجليها وإحدى يديها.
وقال في "الأوسط": ينحرها غير معقولة، فإن أحب أن يعقل إحدى قوائمها فعل ما ذكرنا، وإن نحرها باركة أو مضطجعة جاز، وقال عطاء: السنة أن ينحرها باركة لئلا يترشش الدم على الناحر، وهذا غلط لقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج: ٣٦] وقرأ الحسن: "صوافي" يعني قياماً على ثلاث قوائم، ولأن الله تعالى قال: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج:٣٦] أي: سقطت من الحر فدل أنها تذبح قياماً حتى تسقط. وروى جابر "أن النبي ﷺ نحر بدنه قياماً معقولة يدها اليسرى"، وإن لم يمكنه النحر قياماً لصعوبتها وامتناعها نحرها باركةً، وروى أن ابن عمر ﵄ رأى رجلاً ينحر بدنته باركة، فقال: انحرها قياماً سنة أبي القاسم ﷺ .
وروى أنس ﵁ النبي ﷺ نحر سبع بدنات بيده قياماً. وقال زياد: رأيت ابن عمر ينحر بدنته قائمة، ويقول: سنة أبي القاسم ﷺ .
فَزعٌ أخرُ
لوكان عليها موف ينظر، فإن كان الصلاح في تركه بأن يكون في الشتاء يحتاج إليه للتدفئة لم يجزه، لأنه ينتفع به الحيوان في دفع البرد وينتفع به المساكين عند الذبح، وإن كان الصلاح في جزه بأن يكون في الصيف، وقد بقي لوقت النحر مدة طويلة جزه، لأنه يترفه به الهدي، وينتفع به المساكين عند سمنه به [٢٤٧/ب]
стр. 1731
فرعٌ أخرُ
يستحب لمن قصد مكة حاجاً أو معتمراً أن يهدي إليها من بهيمة الأنعام، وينحرها، ويفرق لحمها لما روي أن رسول الله ﷺ "أهدى مائة بدنة" ويستحبّ أن يكون ما يهديه سميناً حسناً لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣١]، قال ابن عباس في تفسيرها هو: الاستسمان والاستحسان والاستعظام.
فَزعٌ أخرُ
قال الشافعي ﵁: وأحب إلي أن يذبح النسيكة صاحبها أو يحضر الذبح، فإنه يرجى عند سفوح الدم المغفرة، ويستحب أن يلي تفرقة اللحم بنفسه، فإن وكل فيه جاز سواء وليها بنفسه أو استناب فيها، فعلى من ولي ذلك أن يفرقها وله أن يخلي بينها وبين المساكين.
وهذا لما روي عن عبد الله بن قرظ أن النبي ﷺ قال: "إن أعظم الأيام عند الله يوم النحر ويوم القر وقرب لرسول الله ﷺ بدنات خمس أو ست، فطفقن يزدلفن إليه بأيتهن يبدأ، قال: لما وجبت جنوبها تكلم بكلمة خفية لم أفهمها. قال: قلت ما قال؟ قال: من شاء اقتطع " فدل أنه خلى بينهم وبينها. وقوله: يزدلفن أي: يقربن، يقال: زلف الشيء إذا قرب. وقوله: وجبت جنوبها، أي: زهقت أنفسها، فسقطت على جنوبها. وقوله: من شاء اقتطع يدلّ على جواز هبة المشاع، وقيل: يدلّ على جواز أخذ النثار في العرس، وأنه ليس من باب النهي بل هو من باب الإباحة، فإن قيل: عندكم النثار مكروه، فما الفرق؟ [٢٤٨/أ]
قلنا: النثار لا يزيلّ ملك صاحبه فربما يأخذه من لا يحبه مصاحبه وههنا صار ملكاً للفقراء.
فَزعٌ أخرُ
إذا كان واجباً يلزمه أن يفرق لحمه وجلده. وقال في "القديم": وجلالها ونعالها يعني الذي قلد بها البعير ويستحب هذا، لأنه من توابعها، ولا يعطي الجازر أجرته من لحمها، ولا من جلدها، لأن الأجرة على المهدي الموفي، فإن كان فقيراً أعطاه منه سوى الأجرة. وهذا لما روي عن علي ﵁، قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أقوم على بدنه وأقسم جلودها وجلالها، وأمرني أن لا أعطي الجزار منها شيئاً، وقال: "نعطيه من عندنا".
وقال الحسن: لا بأس أن يعطي الجازر الجلد.
فَزعٌ أخرُ
لو ترك تفرقة اللحم حتى أنتن، قال في "مختصر الحج" أعاد يعني يضمنه بمثله، فيذبح هدياً آخر. وقال في "القديم": عليه قيمته. وقال أصحابنا: هذا هو المذهب، وقوله: أعاد، أراد إخراج القيمة، لأنه إتلاف لحم وبالذبح حصل المقصود، وهو كما
стр. 1732
لو ضحى شاة، ثم أتلف رجل اللحم غرم القيمة، ولا يلزم المضحي أن يشتري بتلك القيمة شاة أخرى. وقيل: يشتري بالقيمة لحماً ويتصدق به.
وقال أبو حنيفة: يسقط الفرض بالذبح ولا شيء عليه، وهذا غلط، لأن الذبح إنما يصير قربة بتفريق اللحم، وهو المقصود، فإذا لم يكن قربة يعيد.
مَسْأَلٌة: قال: فإن كان معتمراً نحره بعدما يطوف بالبيت.
الفضل
المعتمر أن لم يرد الحج بعدها لم يكن متمتعاً، ولا يلزمه الدم، ولكنه يستحب فينحر عند المروة، ولو ذبح في غيرها جاز، وإذا كان متمتعاً نحر بمنى، وقد تقام الكلام فيه.
مَسْأَلٌة: قال: وما كان منها تطوعاً أكل منها [٢٤٨/ب].
الفضل
الهدايا على ثلاثة أضرب: واجب يتعلق بالإحرام وواجب يتعلق بالنذر وتطوع. وهل يجوز الأكل منها؟ قد ذكرنا فيما قبل، وقيل ما وجب النذر أن كان على سبيل المجازاة لا يجوز الأكل منها، وإن كان مطلقاً غير معلق يجزئ.
وقلنا: ينعقد نذره، ففي جواز الأكل وجهان، وظاهر المذهب أنه يجوز الأكل والقياس لا يجوز. وقال بعض أصحابنا بخراسان: يجوز الأكل من الأضحية الواجبة، لأن لفظ الأضحية دليل على جواز الأكل ولا أصل لوجوبها شرعاً بخلاف الهدي ولو عين هدياً، هل يجوز الأكل؟ ينظر، فإن قال: جعلت هذا هدياً له أن يأكل ولو نذر مطلقاً، ثم عين هذا هل يأكل؟ وجهان:
أحدهما: لا يأكل، لأنه أفرغ ذمته بهذه العين.
والثاني: يأكل، ولو قال: لله علي أن أهدي شاة، هل له أكلها؟ وجهان:
أحدهما: لا لأنه لزمه بهذا النذر إراقة دم.
والثاني: له ذلك لأنه لم يجب في الأصل، ولو قال: لله علي أن أهدي بهذه الشاة بعينها، فيه طريقان:
أحدهما وجهان كما لو قال: لله علي أن أهدي شاة.
والثاني: هو كما لو قال: جعلت هذا هدياً، ولم يقل: لله علي فيجوز أكله، وكل موضع لا يجوز الأكل، فخالف وأكل ضمن، وما الذي يضمن فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: يضمن قيمة اللحم الذي أكله كما لو أتلف أجنبي، لأنه أتلف على المساكين مالا مثل له [٢٤٩ /أ].
والثاني: يجب عليه لحم مثله، لأنه أقرب وجميعه مضمون عليه بمثله حيواناً، فلذلك بعضه.
والثالث: يعتبر كم هو من الهدي، فإن كان نصفاً يلزمه النصف من الهدي الحي،
стр. 1733
وهذا لأن ما لم يصل من اللحم إلى المساكين يبطل حكم إراقة الدم فيه كما لو ذبحه وأتلف كله يجب عليه أن يذبح أخرى هكذا. ذكر أصحابنا: وقد تقدم خلافه، وان كان الهدي تطوعاً قد ذكرنا أنه يستحبّ له الأكل منه، وهذا لما روي أن النبي ﷺ : "أهدى مائة بدنة فتولى نحر نيف وستين منها. وولي علياً الباقي ثم أمر فقطع من كل واحدةٍ قطعة من لحم فطبخ ذلك، فأكل من لحمها وتحسى من مرقها"، ولو أكل الكل كم يضمن؟ وجهان:
أحدهما: القدر الذي لو تصدّق به أجزأه.
والثاني: يضمن القدر الذي يستحب له أن يفرقه. وذلك النصف أو الثلث على اختلاف القولين.
وقال الشيخ أبو حامد: هذا التفريع من أصحابنا على هدي التطوع بعيد، فإن من المحال أن يضمن ما يتطوع به، ولكن هذا التفريع يعود إلى النذر المطلق، فإن المنصوص جواز الأكل منه، فكل ما قالوا في التطوع، فهو في هذا النذر المطلق وأصل هذا الاختلاف من أنه يجب تفريق الزكاة على ثلاثة من كل صنفٍ، فإن أعطى اثنين، ولم يعط الثالث يضمن وكم يضمن؟ وجهان:
أحدهما: قدر ما يجزى، دفعه إليه.
والثاني: قدر ما يستحبّ دفعه إليه وهو الثلث.
مَسْألَةٌ: قال: وما عطب منها نحرها وخلّى بينها وبين المساكين.
إذا ساق الهدي، فعطب منه [٢٤٩/ب] شيء، أي: زمن ولم يقدر على سوقه، فإن كان تطوعاً، فله ذبحه وأكله وإطعام الأغنياء والفقراء، وان كان واجباً لا يخلو إما أن يكون معيناً بالنذر، أو معيناً عن هدي في ذمته، فإن كان معيناً في الأصل، فقد زال ملكه إلى المساكين على ما ذكرنا، فينحره ويغمس نعليه في دمه ويضرب بهما صفحة سنامه، ويخلّي بينها وبين المساكين والنعلان هما اللذان علقا على رقبته.
والأصل في هذا ما روى ابن عباس أن النبي ﷺ بعث فلاناً الأسلمي، وهو ناجية وبعث معه بثماني عشرة بدنة، فقال: "أرأيت أن أرجف علي منها شيء، قال: تنحرها ثم تصبغ نعلك في دمها ثم اضربها على صفحتها، ولا تأكل منها أنت ولا أحد من أصحابك. أو قال: "أهل رفقتك" ومعنى إرجف أعني أو كل، وإنما أمر بهذه العلامة ليعلم من رآه أنه هدي، ولأن هذا الهدي صار مصدوداً عن البيت فيجب ذبحه في موضعه كدم المحصر، فإذا تقرر هذا فلا خلاف أنه لا يجوز له أن يأكل منه، ولا أغنياء أهل الرفقة، فأما فقراء أهل الرفقة، هل يأكلون؟ المنصوص أنه لا يحلّ لهم أيضاً.
وهذا ظاهر نص السنة والمعنى في ذلك أنا لو أبحنا لهم ذلك، ربما يتسببون إلى إزمانه وإعطابه طمعاً، في أكل لحمه، فحرم عليهم حتى يصونوا هذا الهدي ويحفظوه عن التلف والعطب.
стр. 1734
ومن أصحابنا من قال: يحلّ لهم كما لغيرهم، لأن بحصولهم في هذا الموضع صاروا من أهله. وقال بعض أصحابنا بخراسان: يريد بالرفقة الذين معه على السفرة أو النهد دون أهل القافلة كلهم، [٢٥٠/أ] وهذا حسن، وقيل: يحرم على سائقه أن يأكل ولا يحرم على غيره أن يأكل منه إن احتاج إليه لما روي من خبر أخر أنه قال: "انحره ثم خلّ بينه وبين الناس".
ذكوه أبو سليمان الخطابي ﵀. وإنما يحلّ أكل هذا إذا خلّى بينه وبين المساكين لفظاً، بأن يقول: أبحته لهم، لأن النبي ﷺ لما نحر البدن، قال: "ليقطع من شاء منكم"، وهذا لأن له أن يخص به من شاء من الفقراء، فإذا تقرر هذا فمن سمع الإذن حلّ له أن يأخذ، ومن لم يسمع وجهل، هل تلفظ به صاحبها، هل يحل له الأكل منها؟ فيه قولان:
أحدهما: يحل نص عليه في "الأم"، لأن الظاهر أنه أباح لفظاً. وقال في "الإملاء": لا يحلّ حتى يتحقق ذلك، فإن نحره، ولم يبحه لفظاً للمساكين ضمنه، وكذلك إن ترك نحره حتى مات ضمنه، وإن أكل منه ضمنه. وبه قال مالك، نص عليه في "الأم".
وقال بعض أصحابنا بخراسان: لا يحتاج إلى اللفظ ويباح للفقراء بهذه الإمارة كمن وضع ماء على الطريق وجعل عليه إمارة الإباحة، فللناس الشرب منه، ومن قال بالأول فرق بأن أصل الماء على الإباحة بخلاف الهدي.
وإذا قلنا: يضمن ما أكله، قال صاحب "الإفصاح": قال الشافعي عليه بدله لمساكين الحرم وعندي القياس أن يجعله لمساكين الموضع، وهذا غلط، لأنه يمكن إيصال ثمنه إلى مساكين الحرم، ولا يمكن حمل الذبيحة إليهم، وهو كما يجب حمل الولد إليهم دون اللبن.
فَرْعٌ آخرُ
لو أتلف الأجنبيّ هذا الهدي يلزمه القيمة، فإن كانت القيمة مثل [٢٥٠ /ب] ثمن مثلها اشترى بها مثلها، وإن كانت أكثر ولم يبلغ ثمن المثلين اشترى المثل.
وفي الفاضل الأوجه الثلاثة، وإن كانت أقل من ثمن المثل، ففيه الأوجه الثلاثة.
فَرْعٌ آخرُ
لو كان الهدي الذي نذره اشتراه ووجد به عيباً، بعد النذر لا يمكنه الردّ بالعيب ويرجع بالأرش ويكون الأرش للمساكين، وماذا يفعل به؟ الحكم على ما ذكرنا.
فَرْعٌ آخرُ
لو نذر أن يهدي حيواناً غير النعم لا يذبحه بل يتصدّق به حيّاً على فقرا، مكّة، لأن الذبح فيه لا يكون قربة، وإذا لم يكن قربة كان نقصاً، وكذلك إذا أهدى تصدّق به على فقراء مكّة.
стр. 1735
فَرْعٌ آخرُ
لو نذر أن يهدي شيئاّ من العقار باع وأوصل ثمنه إليهم، ولو نذر أن يهدي شيئاً لحمله مؤنة، هل تلزمه مؤنته؟ نظر فإن قال: جعلت في هذا هدياً، لم يلزمه مؤنته بل مؤنة حمله منها، فيباع بعضها وينفق على الباقي ليصل، وإن قال: لله عليّ أن أهدي بهذا، فالمؤنة عليه. ذكره أصحابنا بخراسان.
فَرْعٌ آخرُ
يستحب إذا فرع من حجّه أن يزور قبر النبي ﷺ لقوله ﷺ : "من زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي". وروي عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "من زار قبري وجبت له الجنة". وروي: "وجبت له شفاعتي"، ويستحب أن يصلي في مسجد رسول الله ﷺ لقوله ﷺ : "صلاة في مسجدي هذا تعال ألف صلاة في غيره من المساجد" ذكره أصحابنا، وحكى العيني في هذا حكاية حسنة [٢٥١/أ]، قال: كنت عنه قبر رسول الله ﷺ فجاء أعرابي وقال: السلام عليك يا رسول الله، ثم قال: سمعت الله تعالى يقول: ﴿ومَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلاَّ لِيُطَاعَ بِإذْنِ اللَّهِ ولَوْ أَنَّهُمْ إذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ واسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: ٦٤] وقد جئتك مستغفراً من ذنبي مستشفعاً بك إلى ربي ثم أنشأ يقول:
يا خَيرَ من دُفِنت بالقاع أعظمه فطاب من طيبهن القاع والأكم
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه فيه العفاف وفيه الجود والكرم
قال: ثم انصرف الأعرابي فغلبتني عيناي فنمت، فرأيت النبي ﷺ في المنام، فقال: يا عيني الحق الرجل، وأخبره أن الله قد غفر له.
وهذا آخر ربع العبادات والحمد لله رب العالمين، وصلّى الله على نبيه محمد وآله وصحبه أجمعين.
يتلوه في الذي يليه كتاب الصيد والذبائح [٢٥١/ب].
стр. 1736
كتاب الصيد والذبائح
باب صفة الصائد من كلب وغيره
وما يحل من الصيد وما يحرم
قال الشّافِعيِ رحمهُ اللهُ تعالى:" كُلّ معلم مِن كلِبِ وفهد ونمر وغيْرها مِن الوَحشِ وكان إذاً أشلي استشلى وإذاً أخذ حبس ولم يأكل فإنّه إذاً فعلًّ هذا مرّةً بعد مرّةً فهوَ معلم وإذاً قتل فكُلّ ما لم يأكل".
قال في الحاوي: والأصل في إباحة الصيد الكتاب والسنة هو إجماع الأمة.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وأَنتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة:١] وفي قوله تعالى ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:١] فيه تأويلان:
أحدهما: أنها العقود التي يتعاقدها الناس بينهم من بيع، أو نكاح، أو يعقدها المرء على نفسه من نذر أو يمين.
والثاني: أنها العقود التي أخذها الله تعالى على عباده، فيها أحله لهم وحرمه عليهم، وأمرهم به، ونهاهم عنه.
العقد أوكد من العهد، لأن العقد ما كان بين اثنين، والعهد قد ينفرد به الإنسان في حق الله وحق نفسه.
وفي ﴿بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ﴾ [المائدة:١] تأويلان:
أحدهما: أنه أجنة الأنعام التي توجل ميتة في بطون أمهاتها إذا ذبحت وهذا قول ابن عباس وابن عمر.
والثاني: أنها وحش الأنعام من الظباء وبقر الوحش، وجميع الصيد، وهذا قول أبي صالح. وفي تسميتها "بهيمة" تأويلان:
أحدهما: لأنها أبهمت عن الفهم والتميز.
والثاني: أنها أبهمت عن الأمر والنهي.
стр. 1737
وفي قوله تعالى: ﴿إلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وأَنتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة:١] يريد به جميع الوحش من صيد البر يحرم في الحرم، والإحرام، وفي قوله تعالى: ﴿وأَنتُمْ حُرُمٌ﴾ تأويلان:
أحدهما: في الحرم، وهو قول ابن عباس.
والثاني: في الإحرام، وهو قول أبي صالح ﴿إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ تأويلان:
أحدهما: يقضي ما يريد عفو وانتقام.
والثاني: يأمر بما يريد من تحليل وتحريم، وهذه أعم آية في إباحة الأنعام والصيد في حالي تحليل وتحريم.
وقال الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البَحْرِ وطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ﴾ [المائدة:٩٦] يعني ما عاش فيه من سمكه وحيتانه وطعامه ﴿مَتَاعًا لَّكُمْ ولِلسَّيَّارَةِ﴾ فيه تأويلان:
أحدهما: مملوحة.
والثانية: طافية.
﴿وحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ البَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة:٩٦] فدل على إباحته لغير المحرم، كما قال تعالى: ﴿وإذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة:٢] وهذا وان كان أمراً، وهو بعد حظر فدل على الإباحة دون الوجوب.
وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ومَا عَلَّمْتُم مِّنَ الجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة:٤] وفي مراده بالطيبات تأويلان:
أحدهما: ما استطبتموه من اللحمان سوى ما خص بالتحريم.
والثاني: أنه أراد بالطيبات الحلال، سماه طيباً، وان لم يكن مستلذاً تشبيهاً بما يستلذ لأنه في الدين مستلذ.
﴿ومَا عَلَّمْتُم مِّنَ الجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة:٤] يعني: وصيد ما علمتم من الجوارح،
فأضمره، لدلالة المظهر عليه.
والجوارح: ما صيد به من سباع البهائم، والطير، وفي تسميتها بالجوارح تأويلان:
أحدهما: لأنها تجرح ما صادت في الغالب.
والثاني: لكسب أهلها بها من قولهم: "فلان جارحة أهله" أي: كاسبهم.
قال الله تعالى: ﴿ويَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام:٦٠] أي كسبتم.
وفي قوله تعالى: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ تأويلان:
أحدهما: أنها الكلاب وحدها ولا يحل صيد غيرها، وهذا قول ابن عمر والضحاك والسدي.
والثاني: أن التكليب من صفات الجوارح من كلب وغيره وفيه تأويلان:
стр. 1738
أحدهما: أنه الضراوة على الصيد، ومعناه: مضرين عليه، وهذا قول ابن عباس.
والثاني: أنه التعليم، وهو أن يمسك، ولا يأكل.
ثم قال تعالى: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ [المائدة:٤] فيه تأويلان:
أحدهما: ترسلوهن على ما أحله الله لكم دون ما حرمه عليكم.
والثاني: تعلمونهم من طلب الصيد لكم مما علمكم الله من التأديب الذي علمكم، وهو تعليمه أن يستشلي إذا أشلى، ويحيب إذا دعى ويمسك إذا أخذ.
ثم قال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة:٤] فكان هذا نصاً في الإباحة وفي سبب نزول هذه الآية قولان:
أحدهما: ما رواه أبو رافع أن جبريل ﵇ أراد الدخول على محمد رسول الله ﷺ فرأى كلباً، فرجع، وقال: "إنا لا ندخل بيتا فيه كلب ".
قال أبو رافع: "فأمرني بقتل الكلاب، فقتلتها، فقالوا: يا رسول الله ما يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟ فسكت حتى نزلت عليه بهذه الآية".
والثاني: أن زيد الخيل وفد على رسول الله ﷺ وقال له: "فينا رجلان يقال لأحدهما دريع، والآخر يكنى أبا دجانة، ولهما أكلب خمسة تصيد الظباء فما ترى في صيدها؟ ".
وحكى هشام عن ابن عباس أن أسماء هذه الكلاب الخمسة التي لدريع وأبي دجانة: المختلس، وغلاب، وسهلب والغيم والمتعاطي، فأنزل الله تعالى هذه الآية وأما السنة، فروى أبو سلمة عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "من اقتنى كلباً إلا كلب ماشية أوصيد أو زرع انتفض من أ<ره كل يوم قيراط ".
وروى أبو إدريس الخولاني عن أبي ثعلبة الخشني قال: قال رسول الله ﷺ : "كل ما ردت عليك قوسك وكلبك".
وروى عامر الشعبي عن عدي بن أبي حاتم قال: سألت رسول الله ﷺ فقلت: إنا قوم نصيد بهذه الكلاب، فقال: إذا أرسلت كلابك المعلمة وذكرت اسم الله، فكل ما أمسك عليك، وإن قتل إلا أن يأكل الكلب، فلا تأكل، فإني أخاف أن يكوك إنما أمسك على نفسه، وإن خالطتها كلاب غيرها، فلا تأكل ".
قال: وسألته عن صيد البازي، فقال: ما أمسك عليك، فكل. قال: وسألته عن الصيد إذا رميته، فقال: إذا رميت سهمك، فاذكر اسم الله فإن وجدته قد قتلته، فكله إلا
стр. 1739
أن تجده قد وقع في ما،، فمات فإنك لا تدري الماء قتله أو سهمك".
وقال: وسألته عن سهم المعراض، فقال: ما صاب بجده فكل، وما أصاب بعرضه، فهو وقيز". وهذا الحديث يستوعب إباحة الصيد بجمع آلته.
فصل:
وإن ثبت إباحة الصيد جاز صيده بجميع الجوارح المعلمة من ضواري البهائم كالكلب والفهد والنمر، وكواسر الطير كالبازي والصقر والعقاب والنسر، وهو قول الجمهور، وقال الحسن البصري، وإبراهيم النخعي، وأحمد بن حنبل، واسحاق بن راهويه: كل الصيد يجمعها إلا بالكلب الأسود البهيم. وقال عبد الله بن عمر، مجاهد والسدي: لا يحل إلا صيد الكلب وحده، ويحرم الاصطياد بما عداه، استدلالاً بقول الله تعالى: ﴿ومَا عَلَّمْتُم مِّنَ الجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة:٤] واستدل الحسن برواية عبه الله بن مغفل قال: قال رسول الله ﷺ : "لولا أن الكلاب أمة من الأمم، لأمرت بقتلها، فاقتلوا منها الأسود البهيم". وفيما قدمناه دليل على الفريقين؛ ولأن ما وجدت فيه شروط التعليم جاز الاصطياد به، كالكلب الأبيض.
فصل
فإذا ثبت جواز الاصطياد بجميعها، فلا يخلو حال الصيد أن يدرك حياً أو ميتاً، فإن أدرك حياً قوي الحياة، فلا اعتبار بصفة ما صاره من معلم أو غير معلم عن إرسال واسترسال، وهو حلال إذا ذكى، فإن فاتت ذكاته حتى مات، فهو حرام، وان أدرك الصيد ميتاً اعتبر في إباحة أكله تكامل خمسة شروط إذا تكاملت حل، وإذا لم تتكامل حرم:
أحدها: أن يسترسل الجارح عن أمر مرسله، فإن استرسل بنفسه لم يحل أكله، لقوله الله تعالى ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ فلم يحل ما أمسكه على نفسه.
والثاني: أن يكون المرسل مما تحل ذكاته، فإن كان ممن لا تحل ذكاته حرم لأن إرساله كالزكاة.
والثالث: أن لا يعيب عن عين مرسله، فإن غاب عن عين مرسله لم يحل، لأنه قد يحدث بعد مغيبه ما يمنع من إباحته.
والرابع: أن لا يشركه في قتله من لا يحل صيده، وان شركه فيه لم يحل.
والخامس: أن يكون الجارح المرسل معلماً: لقوله تعالى: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ﴾ [المائدة:٤]
فإن كان غير معلم لم يحل.
стр. 1740
وتعليمه (يكون) بأربعة شروط:
أحدها: أن يستشلى إذا أشلى، وهو أك يرسل، فيسترسل.
والثاني: أن يجيب إذا دعى، وهو أن يعود إذا طلب، ويزجر إذا زجره.
والثالث: أن يحس ما أمسكه، لا يأكله.
والرابع: أن يتكرر ذلك منه مراراً حتى تصير له عادة، ولا يصير بالمرة والمرتين معلماً.
قال الحسن البصري: يصير بالمرة الواحدة معلماً.
وقال أبو حنيفة: يصير بالمرتين معلماً، لأن الثانية من الإرسال فتصير عادة وهذا فاسد، لأن في تكامل العليم غير مقنع في العرف، ولأنه لا يمتنع أن يكوك بسبب امتناعه في الأولى موجوداً في الثانية، وإذا تكرر مع اختلاف أحواله زال، ولأن مقصود التعليم هو أن ينتقل عن طبعه إلى اختيار مرسله وهو لا يتقل عه إلا بالمرون عليه، فإن قيل: فقد عبر الشافعي عن إرساله بإشلائه، وهذا خطأ في اللغة: لأنه يقال: أشليت كلبي إذا دعوته وأشليته إذا أرسلته، واستعمل الإشلاء في ضد معناه فعنه ثلاثة أجوبة:
أحدها: أنه من الأسماء الأضداد يجوز استعماله في الأمرين.
والثاني: أنه يستعمل في الدعاء وحده، لكنه دعاه إلى الصيد، فجاز أن يكوك مشلياً له، كما لو دعاه إلى نفسه كما قال الشاعر:
أَشلَيْت غَيرِي، وَمسَحْتُ عَقْبِي
والثالث: أن الإشلاء هو الإغراء، فبأي شي، أغراه كان مشلياً له، كما قال الشاعر:
صَدَدْتُ وَلَمْ يَصْدُونَ خَوْفاً لِرِيْبَةٍ وَلّكِنْ لإِتْلاَفِ المُحَرشِ وّالمُشلَّى
أي المغرى والله أعلم.
مسألة:
قالُ الشّافِعيِ رحمهُ اللهُ تََعَالَى: "فإنّ أكُلّ فلا تأكّل فإنّما أمُسُك على نفسُه وذكر الشُّعبيِ عن عُدّيِ بُنِّ حاتم ﵁ أنّه سمِع النّبيّ ﷺ يقول: "فإنّ أكُلّ فلا تأكّل" قَالَ: وإذاً جمع البازيِ أوْ الصّقر أوْ العِقاب أوْ غيْرها مِمّا يصيدُ أن يدّعيَ فيَجيبُ ويشلى فيَطيرُ ويَأخُذُ فيُحبِسُ مرّةً بعد مرّةً فهوَ معلم فإنّ قتل فكُلّ وإذاً أكُلّ ففي القياس أنّه كالكلِبِ. قال المُزَنيُّ ﵀: ليْس البازيِ كالكلِبِ؛ لأنَّ البازيَِّ وصفّهُ إنّما يُعلِمُ بِالطُّعمِ وبِهِ يأخُذُ الصّيْدُ والكلِبُ يُؤدِّبُ على تركِ الطُّعمِ والكلِبُ يُضرِبُ أدُبا ولا
стр. 1741
يمُّكُنّ ذلِك في الطّيْرِ فهُما مُختلِفانِ فيُؤكِّلُ ما قِتلُ البازيِ وإنّ أكُلّ ولا يُؤكِّلُ ما قِتلُ الكلِبِ إذاً أكُلّ لِنهي النّبيّ ﷺ عن ذلِك".
قال في الحاوي: إذا أرسل الجارح المعلم على صيد، فقتله، ولم يأكل منه حل أكله؟ لقوله الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾.
وإن أكل الجارح من الصيد الذي قتله، ففي إباحة أكله قولان سواء كان من كواسب البهائم أو كواسر الطير:
أحدهما: وهو قوله في القديم - يحل أكله.
وبه قال من الصحابة عبد الله بن عمر، وسعد بن أبي وقاص وسلمان الفارسي.
ومن الفقهاء مالك، وأبو ثور، وداود.
والقول الثاني: وبه قال في الجديد: لا يحل أكله.
وبه قال من الصحابة عبد الله بن عباس، وأبو هريرة.
ومن الفقهاء أهل العراق.
وقال أبو حنيفة، والمزني وهو مذهب الشعبي والنخعي أن ما كان من كواسب البهائم لم يحل أكله، وان كان من كواسر الطير يعلم بالأكل ولا فرق بينهما عند الشافعي على القولين: لأمرين:
أحدهما: أن البازي يعلم بالأكل في مبادئ التعليم، وبالامتناع من الأكل عن استكماله، ولو كان تعليمه بالأكل في الحالين، لما صحّ تعليمه إذا امتنع من الأكل، ولكان أكل منه شرطاً في إرادة أكله، وهذا مدفوع.
والثاني: أنه يعلم بالأكل من يد معلمه، ولا يعلم من أكل ما صاده وإذا لم يكن بينهما فرق على القولين، فإن قيل بقوله في القديم أنه يحل أن يؤكل ما أكل منه، في ليله حديث أبي ثعلبة الخشني.
روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلاً أتى رسول ﷺ يقال له أبو ثعلبة، فقال: يا رسول الله إن لي كلاباً مكلبة فأفتني في صيدها فقال النبي ﷺ : "إن كانت الكلاب مكلبة، فكل مما أمسكن عليك.
قال: ذكي، وغير ذكي؟ قال: ذكي وعير ذكي. قال: وإن أكل منه؟ فقال: وان أكل منه".
وروى أبو إدريس الخولاني عن أبي ثعلبة الخشني عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا أرسلت كلبك المكلب، وذكرت اسم الله عليه فكل، وإن أكل منه" فهذا نص.
стр. 1742
ولأن ما حل أكله بفوات نفسه لم يحرم بحدوث أكله كالمذكى، ولأن ما حل من صيده إذا لم يأكل منه حل، وإن أكل منه، كما لو تركه بعد صيده، ثم عاد فأكل منه؛ ولأنه لو أكل من غير صيده، وأكل غيره من صيده لم يحرم واحد منهما، فدل على أن الأكل لا يوجب التحريم.
وإن قيل بقوله في الجديد: إن أكل ما أكل منه حرام، فدليله قول الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ وما أكل منه، فقد أمسكه على نفسه، لا على مرسله، ويدل عليه حديث عدي بن حاتم، وهو أثبت من حديث أبي ثعلبة الخشني أن النبي ﷺ قال: "إذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت اسم الله عليه فكل، وان قتل إلا أن يأكل منه، فلا تأكل". وهذا نص. ولأن من شرط التعليم أن لا يأكل منه، وإذا أكل بان أنه غير معلم، فخرم؛ ولأن أكله وان احتمل أمرين:
أحدهما: نسيان التعليم، فمحرم.
والثاني: لغلبة الجوع، فلا يحرم.
وجب عند تعارضهما أن يعاد إلى أصله في الحظر والتحريم كما لو اختلط مذكي بميتة لم يحل الاجتهاد فيه؛ تغليباً للتحريم؛ ولأن الصيد الواحد لا يتبعض حكمه فلما كان ما أكله قد أمسكه على نفسه، كذلك باقية، وما أمسكه على نفسه حرام.
فصل
فإذا تقرر توجيه القولين فيها أكل منه، فلا يختلف مذهب الشافعي أن ما تقدمه من صيده الذي لم يأكل منه حلال.
وقال أبو حنيفة: يحرم جميع صيده المتقدم بأكله من الصيد المستأخر؛ استدلالاً بأمرين:
أحدهما: أن الأكل إذا كان منافياً للتعليم دلّ حدوثه منه على تقدمه فيه فصار صائداً لجميعه، وهو غير معلم كالشاهدين إذا شهدا، وهما عدلان في الظاهر، فلم يحكم الحاكم بشهادتهما ففسقا لم يحكم بها، وإن تقدمت على فسقهما؛ لأنهما دليل على تقدم الفسق فيهما.
والثاني: أن التعليم ينقله عن طبعه، فإذا لم ينتقل عنه مع الآخر دلّ على أنه كان غيره منتقل مع الأول، وصار ترك أكله في الأول اتفاقاً لا تعليماً. ودليلنا: قول الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة:٤] وقد أمسك على مرسله بما تقدم فحل؛ لأن ما وجدت شروط الإباحة فيه لم يحرم تقدمها في غيره كإسلام مرسله لو ارتد عنه بعدم إرساله لم يحرم ما صيد قبل ردته؛ ولأنه قد حكم بتعليمه بما تكرر من ترك أكله، وحدوث الأكل منه يحتمل أن يكون لشدة جوع، ويحتمل أن يكون لحدوث نسيان ويحتمل أن يكون لأن تعليمه لم يستقر فلم يجز أن ينقض ما تقدم من الحكم بتعليمه بأمر
стр. 1743
محتمل يتردد بين حدوث وقدم، كالشاهدين إذا نفذ الحكم بشهادتهما، ثم حدث فسقهما لم يجز أن ينتقض به الحكم المتقدم؛ لجواز تردده بين حدوث وقدم؛ ولأن تركه الأكل شرط في التعليم كما أن استرساله إذا أرسل شرط فيه، ثم ثبت أنه صار يسترسل إن لم يرسل ولا يسترسل إن أرسل لم يدلّ على تحريمه ما تقدم من صيده، وإن كان غير معلم فيه، كذلك حدوث الأكل.
وبتحرير هذه الأدلة تكون الأجوبة عما قدموه من الدليل.
فإن قيل: فإذا تعارض ما يوجب الحظر والإباحة، يغلب حكم الحظر على الإباحة.
قيل: قد اختلفت أصحابنا فيه، فمنهم من سوى بينهما واعتبر ترجح أحدهما بدليل.
ومنهم من غلب الحظر، وهو قول الأكثرين، لكن يكون هذا فيما امتزج فيه حظر وإباحة. فأما ما لم يمتزج فيه الحظر والإباحة، فلا يوجب تغليب الحظر على الإباحة، كالأواني إذا كان بعضها بخساً، وبعضها طاهراً لم تمنع من الاجتهاد في الظاهر، وها هنا قد تميزت الإباحة في المتقدم على الحظر، في المستأجر، فلم يجز تغليب أحدهم على الآخر، وأثبت كل واحد من الحكمين في محله.
فصل:
وإذا ولغ الكلب في دم الصيد لم يحرم وحرمه النخعي، وأجراه مجرى الأكل، وهذا فاسد من وجهين:
أحدهما: أن الدم خارج من الإباحة، فلم يعتقد منه التحريم كالفرث.
والثاني: أنه منفصل، فلم يوجد منه حكم متصل، والله أعلم.
مسألة:
قالُ الشّافِعيِ رحمهُ اللهُ تعالى:" وذا أرِسل أحببتُ لهُ أن يُسمّيَ اللهُ تعالى فإنّ نسيّ فلا بأس لان المُسلِمُ يُذبِّحُ على اِسمِ الله ".
قال في الحاوي: التسمية على الصيد والذبيحة سُنَّة، وليست بواجبة، فإن تركها عامداً أو ناسياً، حل أكله.
وبه قال من الصحابة عبا الله بن عباس، وأبو هريرة.
ومن الفقهاء عطاء، ومالك.
وقال الشعبي، وداود، وأبو ثور: التسمية واجبة، فإن تركها عامداً أو ناسياً حرم الأكل.
وقال سفيان الثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه، وإسحاق بن راهويه: تجب مع الذكر، تسقط مع النسيان، فإن تركها عامداً حرم، وان تركها ناسياً حلّ؛ استدلالاً بقول
стр. 1744
الله تعالى: ﴿ولا تَاكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وإنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام:١٢١] وهذا نص، وبقول النبي ﷺ لعدي وأبي ثعلبة الخشني: "إذا أرسلت كلبك المكلب وذكرت اسم الله عليه، فكل" فعلق الإباحة بشرطين، فلم يجز أن يتعلق بأحدهما، ولأنه لما كان من شرط الذكاة أن يكون المذكي من أهل التسمية، فحلت زكاة المسلم والكتابي؛ لأنه من أهلها.
ولم تحل ذكاة المجوسي، والوثني؛ لأنه ليس من أهلها، كانت التسمية أولى أن تكون من شرط الذكاة؛ لأنه حرمه أهلها بها.
وبعكسه لما لم تكن التسمية شرطاً في صيد السمك لم تكن من شرط صائده أن يكون من أهل التسمية من مجوسي ووثني كما حل صيد من كان من أهلها من مسلم وكتابي.
ودليلنا قول الله تعالى: ﴿ومَا أَكَلَ السَّبُعُ إلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة:٣] فكان على عمومه، وإن قيل: فالتسمية هي الذكاة كان فاسداً من وجهين:
أحدهما: أن التسمية قول والذكاة فعل، فافترقا.
والثاني: أن النبي ﷺ سئل عن الذكاة، فقال: "في الحلق واللبة ". وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾ [المائدة:٥] يعني ذبائحهم. والظاهر من أحوالهم أنهم لا يسمون عليها، فدل على إباحتها.
وروى البراء بن عازب عن النبي ﷺ أنه قال: " المسلم يذبح على اسم الله سمى أو لم يسمّ".
والظاهر من أحوالهم أنهم لا يسمون عليها، فدل على إباحتها.
وروى أبو هريرة أن رجلاً قال: يا رسول الله أرأيت الرجل منا يذبح، وينسى أن يسمي الله تعالى، فقال: "اسم الله على قلب كل مسلم".
وروى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ أن قوماً قالوا: يا رسول الله إن قوماً يأتون بلحم لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا) فقال: "اذكروا اسم الله عليه، ثم كلوه".
وأباح الذبيحة من غير تسمية أو التسمية عند الأكل لا تجب فدل على أنها مستحبة.
وروى أبو العشراء الدارمي عن أبيه أنه سأل رسول الله ﷺ عن المتردية من الإبل في بثر لا نصل إلى منحرها.
فقال: "وأبيك لو طعنت في فخذها أجزاك "، فعلق الإجزاء بالعقود دون التسمية، فدل على الإباحة.
стр. 1745
وقال ﷺ : "ما أنهر الدم، وفرى الأوداج، فكل "؛ ولأن ما يوجد فيه فعل الذكاة، لم تحرم بترك التسمية كالناس؛ ولأن ما لم يحرم به ذكاة الناس لم تحرم به ذكاة العامد كالأخرس؛ لأن ما لم يكن للذكر شرط في انتهائه لم يكن شرطاً في ابتدائه كالطهارة طرداً والصلاة عكساً، ولأن ما لم يكن شرطاً في الذكاة مع النسيان، لم يمكن شرطاً فيها مع الذكر كالصلاة على النبي ولأن الحوت يستباح بتاركها كما يحل الصيد بذكاته، فلما لم تكن التسمية شرطاً في استباحة الحوت لم تكن شرطاً في استباحة غيره.
فأما الجواب عن الآية فمن وجهين:
أحدهما: أنه حقيقة الذكر بالقلب؛ لأن ضده النسيان المضاف إلى القلب، فيكون محمولاً على من لم يوجد الله من عبدة الأوثان.
ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وإنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ [الأنعام:١٢١] والمشركون هم أوليا، الشياطين دون المسلمين.
والثاني: محمول على الميتة؛ لأمرين:
أحدهما: قوله تعالى: ﴿وإنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام:١٢١] وذكاة ما لم يسم عليه لا تكون فسقاً.
والثاني: أن قوماً من المشركين قالوا لرسول الله ﷺ : تأكلون ما قتلتموه ولا تأكلون ما قتله الله؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وأما الجواب عن الخير من وجهين:
أحدهما: أن نطق الخبر إباحة الأكل مع التسمية، ودليل خطابه متروك عندنا بدليل ومتروك عنده بغير دليل؛ لأنه لا يجعل إثبات الشيء دليلاً على نفي ما عداه.
الثاني: أنه محمول على الاستحباب بدليل ما ذكرناه.
والجواب عما استدل به من ذكاة المجوسي والوثني؛ لأنه ليس من أهل التسمية وهو أنه ليس لهذا المعنى حرم ذكاته، ولكن لتغليظ كفره، ولذلك حرمت مناكحته، وإن لم تكن التسمية شرطاً في النكاح.
وأما صيد السمك فلا يعتبر فيه فعل آدمي، وذلك حل إذا مات بغير سبب وعند أبي حنيفة إذا كان بسبب، فلذلك حكم على عموم الأحوال.
مسألة
قالُ الشّافِعيِ رحمهُ اللهُ تعالى:" ولوْ أرِسل مُسلِمِ ومجوسي كلبيْنِ مُتفرِّقين أوْ طائِريْنِ أوْ سهميْنِ فقتّلا فلا يُؤكِّلُ".
стр. 1746
قال في الحاوي: اعلم أن الصيد إذا أدرك حياً، فالاعتبار في إباحته بذابحه دون صائده، فإن صاده مجوسي، وذبحه مسلم حرم، ولو صاده مسلم وذبحه مجوسي حرم.
فأما إذا أدرك الصيد ميتاً، فالاعتبار في إباحته بصائده دون مالك الآلة، فإن أرسل مسلم كلب مجوسي، فصاد كان صيده حلالاً؛ لأنه صيد مسلم، ولو أرسل مجوسي كلب مسلم، كان صيده حراماً؛ لأنه صيد مجوسي.
وقال محمد بن جرير الطبري: الاعتبار بمالك الكلب دون مرسله، فيحل ما صاده المجوسي بكلب المسلم، ويحرم ما صاده المسلم بكلب المجوسي، وبناه على أصل تفرد به أن الكلب لو تفرد بالاسترسال من غير إرسال حل صيده وهذا فاسد الأصل، لمخالفة النص.
وحكى في التفريع؛ لأن الإرسال قد رفع حكم الاسترسال، وكذلك لو رمى مسلم بعمهم مجوسي عند قوسه حل، وعكسه المجوسي؛ لأن الاعتبار بالصائد لا بالآلة، ولهذا إذا كانت الآلة مغصوبة كان الصيد للصائد دون صاحب الآلة، وقد قال النبي ﷺ : "الصيد لمن صاده لا لمن أثاره".
فصل:
فإذا تقررت هذه الجملة، فصورة مسألتنا أن يجتمع مسلم ومجوسي على صيد يرسل كل واحد منهما كلبه عليه أو يرسل أحدهما عليه كلباً، والآخر فهداً أو بازياً أو سهماً سواء تماثلا في آلة الاصطياد أو اختلفا، فإن الحكم فيهما سواء وإذا كان كذلك لم يخل حال المرسلين في الصيد من سبعة أقام:
أحدها: أن يشترك كلب المجوسي وكلب المسلم على إمساك الصيد وقتله فيكون حراماً؛ لأنه قد اجتمع تحليل بكلب المسلم، وتحريم بكلب المجوسي، واجتماع التحريم والتحليل في العين الواحدة يوجب تغليب التحريم على التحليل، كالأمة بين شريكين يحرم على كل واحد منهما إصابتهما؛ لاجتماع التحليل في حقه والتحريم في حق شريكه.
والثاني: أن يشركا في إمساكه ثم يموت من غير اشتراك في قتله، فيحرم، لأن الامساك صار قتلاً، فصار كاشتراكهما في قتله.
والثالث: أن يشتركا في جراحه من غير إمساك، فيحرم؛ لأنهما قاتلاه إلا أن يكون كلب المسلم قد ابتدأ بجراحه، فوجأه بقطع حلقومه أو بإخراج حشوته ثم أدركه كلب المجوسي مضطرباً فجرحه فيحل بتوجيه كلب المسلم، ولا يحرم لما تعقبه من جراح كلب المجوسي، كالشاة المذبوحة إذا أكل منها سبع لم تحرم وان كانت باقية الحركة.
والرابع: أن يشتركا في إمساكه، وينفرد أحدهما بقتله، فيحرم سواء انفرد بقتله كلب المجوسي أو كلب المسلم لحدوث القتل عن الإمساك المشترك.
стр. 1747
والخامس: أن ينفرد أحدهما بإمساكه، ويشتركا في قتله، فيحرم سواء انفرد بإمساكه كلب المسلم أو كلب المجوسي؛ لأن قتله مشترك.
والسادس: أن ينفرد أحدهما بإمساكه، وينفرد الآخر بقتله، فيحرم سواء قتله كلب المجوسي أو كلب المسلم؛ لأنه أمسكه كلب المسلم وقتله كلب المجوسي حرم؛ لأنه قتله كلب مجوسي، وان أمسكه كلب المجوسي، وقتله كلب المسلم حرم؛ لأنه بإمساك كلب المجوسي له قد صار مقدوراً على ذكاته، فلم يحل بقتل كلب المسلم له، فاستويا في التحريم، واختلفا في التحليل.
والسابع: أن ينفرد أحدهما بالإمساك، والقتل دون الآخر، فينظر، فإن تفرد به كلب المجوسي حرم، وإن تفرد به كلب المسلم حل، سواء أثر كلب المجوسي في إعيائه ورده أو لم يؤثر.
وقال أبو حنيفة: إن أثر كلب المجوسي في إعيائه ورده حرم كما لو أمسكه؛ لتأثير الأمرين فيه، وهذا خطأ؛ لأن الإمساك مباشرة تخالف حكم ما عداها ألا ترى أن الصيد لو مات بالإعياء في طلب الكلب حرم، ولو مات بإمساكه حل، ولو طلبه محرمان، فأعياه أحدهما وأمسك الآخر، فمات كان جزاؤه على الممسك دون المعيي، فدل على افتراق الحكمين.
فصل:
وعلى هذا التقسيم لو كان لمسلم كلبان: أحدهما: معلم، والآخر: غير معلم فأرسلهما على صيد كاجتماع كلب المجوسي وكلب المسلم على صيد؛ لأن ما صاده غير المعلم في التحريم كالذي صاده الكلب المجوسي، وكذلك لو كان لمسلم كلبان معلمان، فأرسل أحدهما، واسترسل الآخر، كان على هذا التقسيم في الجواب؛ لأن صيد المرسل حلال، وصيد المسترسل حرام.
ولو أشكل حكم الصيد في هذه الأحوال كلها، هل هو مباح لإباحة نفسه؟ أوجب حمله على التحريم دون التحليل؛ لأن الأصل في فوات الروح لحظر حتى يعلم به الإباحة، فإن أدرك هذا الصيد بشك أو يقين، وفيه حياة، فذبح نظر في الحياة التي كانت فيه، فإن كانت قوية يعيش معها اليوم واليومين حلّ أكله بهذا الذبح وصار مذكى، وإن كانت حياته ضعيفة، كاضطراب المذبوح لا يبقى معها زماناً مؤثراً لم يحل أكله بذبحه، وكان على تحريمه.
مسألة:
قالُ الشّافِعيِ رحمهُ اللهُ تعالى:" وإذاً رمى أوْ أرِسل كلِبِهُ على الصّيْدِ فوُجدهُ قتيلاً
стр. 1748
فالخبِر عن اِبنِ عباسِ والقياس أن لا يأكُلُهُ لِأنّه يمّكُنّ أن يُكوِّن قِتلُهُ غيْره. قالُ اِبنِ عباسِ: كُلّ ما أصميت ودع ما أنميْتُ وما أصميت وأنتِ تِراهُ وما أنميْتُ ما غابُ عنكِ فقتلهُ إلّا أن يبلُغ مِنه مبلغ الذِّبحِ فلا يضُرُّهُ ما حدثُ بعده".
قال في الحاوي: وصورتها أن يرمي صيداً بهم أو يرسل عليه كلباً، فيغيب الصيد عنه، ثم يجده ميتاً، فهذا على ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون السهم أو الكلب قبل مغيب الصيد قد بلغ منه مبلغ الذبح وهو يراه، ثم تحامل الصيد بضعف الحياة حتى غاب عنه، ثم وجده ميتاً، فهذا مأكول؛ لأنه قد صار مذكى عند مشاهدته، فلم يحرم ما حدث بعده.
والثاني: أن يغيب الصيد قبل أن يقع فيه السهم، وقبل أن يجرحه الكلب، ثم يجده بعد غيبته مجروحاً ميتاً، فهو حرام لا يؤكل سواء كان السهم واقعاً فيه والكلب واقعاً عليه، أو لا؛ لأنه قد يجوز أن يشارك عقر الكلب في قتله جراحة سبع أو لسعة أفعى، ويغرب فيه سهم إنسان آخر، فلما احتمل هذا وغيره وجب أن يكون محرماً؛ لأنه على أصل الحظر.
والثالث: أن يقع فيه السهم ويجرحه الكلب، وهو يراه ويغيب عنه، وهو قوي الحياة، ثم يجده ميتاً، فهي مسألة الكتاب.
والذي نص عليه الشافعي، ونقله المزني أنه لا يؤكل للخبر عن ابن عباس والقياس.
وقال في كتاب " الأم":لا يؤكل إلا أن يكون قد ورد فيه خبر، فيسقط حكماً خالفه، ولا يقوم له رأي، ولا قياس، وقد ورد فيه خبر، وهو ما روي أن أبا ثعلبة الخشني قال: "يا رسول الله إني أرمي الصيد وأجده ميتاً، فقال: كله ما لم تر فيه أثر غيرك" وروي أن عدي بن حاتم قال: "يا رسول الله إني أرمي الصيد فأقتفي أثره اليوم والثلاثة واجده ميتاً، فقال: "كله ما لم ينتن ". وروي: ما لم يصل: أي لم يتغير، وهذان الخبران قد وردا من طريق ضعيف، فإن لم يصح واحد منهما، والحكم فيه ما نص عليه أنه غير مأكول، وإن صح هذان الخبران أو أحدهما، فهو مأكول، واختلف أصحابنا في صحته، فذهب أكثر البصريين إلى أنه ليس بصحيح، ولا ثابت، وأن المسألة على قول واحد إنه غير مأكول.
وذهب أبو العباس بن سريج وأكثر البغداديين إلى أنه قد صح، وثبت، وأن في إباحة أكله قولين:
أحدهما: وهو منصوص عليه أنه غير مأكول.
стр. 1749
والثاني: وهو الموقوف على صحته الخبر أنه مأكول.
وقال أبو حنيفة: إن كان مقيماً على اتباعه وطلبه حتى وجده ميتاً أكل، وان تركه وتشاغل عنه، ثم وجده ميتاً لم يؤكل؛ لأنه ما دام على طلبه يصل إلى ذكاته مع القدرة، ولا يصل إليها مع الترك.
وقال مالك: إن وجده في يومه أكل، وإن وجده بعد انقضاء يومه لم يؤكل وفيما نكره من توجيه القولين دليل عليهما في مخالفة القولين، فإذا قلنا بالأول إنه غير مأكول، وهو الأظهر فوجهه ما رواه عكرمة أن رجلاً أتى ابن عباس، فقال له: إني أرمي، فأصمي، وأنمي فقال له ابن عباس: "كُلْ ما أصميت، ودع ما أنميت" يريد بما أصمى ما قتله، وهو يراه، وبما أنمى ما غاب عنه، فلم يره حتى نمى إليه، خبر موته، ولأنه احتمل مع الغيبة أن يكون موته من عقره، فيحل، وأن يكون بغيره من الأسباب، فيحرم وجب أن يغلب حكم التحريم.
وإذا قلنا في الثاني: إنه مأكول، فوجهته مع الخبرين ما روي أن النبي ﷺ مر بالروحاء فإذا هو بحمار وحشي عقير فيه سهم قد مات، فقال النبي ﷺ : دعوه حتى يأتي صاحبه"، فجاء رجل من فهر، فقال: هي رميتي يا رسول الله، فكلوه، فأمر رسول الله ﷺ أبا بكر أن يقسمه بين الرفاق، وهم محرمون". فدل على أن ما غاب لم يحرم، ولأن حكم عقره بالسهم، والكلب ثابت، فلم يجز العدول عنه، بتجويز غيره، كما لو جرح حيواناً فمات قبل اندمال جرحه، كان ضامناً لقيمته، وان جاز أن يموت بغيره، وكذلك لو جرحٍ إنساناً فمات كان مأخوذاً بالقود، وإن جاز أن يحدث بعد جرحه سبب يموت به إثباتاً لحكم النفي وإسقاطاً لحكم الشك، كذلك حكم الصيد يجب أن يكون منسوباً إلى عقره المتحقق دون ما يطرأ من شك يجوز.
مسألة:
قالُ الشّافِعيِ رحمهُ اللهُ تعالى:"وإذاً أدرك الصّيْدِ ولم يُبلِغُ سِلاحُهُ أوْ معلمةً ما يُبلِغُ الذِّبحُ فأمكنهُ أن يذبحهُ فلم يُفعِّلُ فلا يأكُلُ كان معه ما يُذبِّحُ بِهِ أوْ لم يكِن فإنّ لم يُمكّنك أن تذبحهُ ومعكِ ما تُذكيهُ بِهِ ولم تُفرِطُ حتّى مات فكُلّ".
قال في الحاوي: وهذا كما قال.
إذا رمى صيداً، فجرحه أو أرسل عليه كلبه، فعقره، ومات من غير ذكاته فهذا على ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون العقر قد وجأه، وبقيت فيه حياة، كجرحه المذبوح وذلك بأن
стр. 1750
يكون السهم قد فرق في قلبه أو يكون الكلب قد قطع حلقومه أو أخرج حشوته، فهذا حلال مأكول، ولا يلزمه ذبحه، وان قدر عليه لفوات نفسه بذكاة مثله أو لم يكن لبقاء الحركة تأثير في الحياة كما لو شق سبع بطن شاة، فذبحت لم تحل لفوات الحياة بغير الذبح، وإن كانت الحركة باقية.
والثاني: أن يكون العقر قد أثبته، ولم يوجه، ومات قبل وصول الرامي أو المرسل إليه، فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يفوته إدراك حياته، تأخره وإبطائه، فهذا حرام غير مأكول، لأنه قد كان في حكم المقدور على ذكاته لو بادر إليه.
والثاني: أن يفوته إدراك حياته مع مبادرته إليه، فهذا حلال مأكول، لتعذر القدرة على ذكاته، واختلف أصحابنا في ما يعتبر في مبادرته إليه على وجهين:
أحدهما: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة: أنه يعتبر صفة مشى مثله على مألوف سكينته، ولا يعتبر السعي كما لا يعتبر في إدراك الجمعة.
والثاني: أنه يعتبر فيه السعي المهود في طلب الصيد؛ لأنه مخالف لسكينة المشي في عرف أهل، فعلى هذين الوجهين، لو كان يدركه بالسعي فمشى إليه حتى مات كان مأكولاً على الوجه الأول، وغير مأكول على الوجه الثاني.
والثالث: أن يكون العقر قد أثبته، وأدركه الرامي حياً، فلم يذبحه حتى مات فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون قادراً على ذكاته، فأخرها حتى مات، فهو حرام لا يؤكل؛ لأن المقدور عليه لا يحل بغير الذكاة.
والثاني: أن لا يقدر على ذكاته حتى يموت فهذا على ضربين:
أحد هما: أن لا يقدر عليه لقصور زمان حياته، فهذا حلال مأكول.
وقال أبو حنيفة: وهو غير مأكول؛ لأنه قد صار بإدراك حياته، كالمقدور على ذكاته، وهذا خطأ؛ لأن العجز عنها بقصور الزمان، كالعجز عنها لفواته ألا ترى أن العجز عن استعمال الماء مع وجوده كالعجز عنه مع عدمه في إباحة التيمم كذلك وجب أن يكون العجز عن الذكاة مع إدراكها كالعجز عنه مع فواتها في إباحة الأكل.
والثاني: أن لا يقدر على ذكاته؛ لتعذر الآلة، فلا يجد سكيناً أو وجدها وهي كآلة لا تقطع، فهو حرام غير مأكول؛ لأنه قد كان قادراً على ذكاته لو لم يفرط في آلته.
فلو كانت معه سكين، فضاعت أو غصبه عليها غاصب حتى مات لم يؤكل ولو حال بينه وبين الصيد سبع، فلم يصل إليه حتى مات أكل.
والغرق بين غصب السكين، وبين منع السبع أن غصب السكين وضياعها عائد إليه، ومنع السبع عائد إلى الصيد، فلو كانت السكين في قراب قد أمك عليها فتعسر عليه
стр. 1751
خروجها حتى مات، قال أبو علي بن أبي هريرة: يكون مأكولاً؛ لأن السكين في الأغلب تصان في قرابها إلى وقت الحاجة إليها، فلم يكن مفرطاً، وهذا عندي معتبر بحال القراب، فإن كان على المعهود في الإمساك لما اشتمل عليه كان مأكولاً، وان خرج المعهود في الضيق والشدة كان غير مأكول.
ولو أخرج السكين، وتشاغل بإحدادها حتى مات، فهو غير مأكول ولو تشاغل بطلب موضع الذبح حتى مات فهو مأكول؛ لأنه لا يجد من طلب موضع الذبح ابداً، ويجد من إحداد السكين بداً.
فلو شك في الصيد بعد موته: هل أدرك ذكاته، فيحل له كالمجروح إذا غاب عنه، فيكون على قولين:
أحدهما: يحرم، وهو الأظهر هناك.
والثاني: يحل، وهو الأصح ها هنا.
مسألة:
قالُ الشّافِعيِ رحمهُ اللهُ تعالى: ولوْ أرِسل كلِبِهُ أوْ سهمهُ وسمى اللهِ تعالى وهوَ يرى صيداً فأصاب غيْره فلأ بأس بأكله مِن قبل أنّه رأي صيداً ونوْاهُ وإنّ أصاب غيْره".
قال في الحاوي: وهذا كما قال.
إذا رأى صيداً، فأرسل عليه كلباً أو سهماً، فأصاب غيره، وقتله، فلا يخلو من أحد أمرين:
إما أن يكون الصيدان في جهة واحدة، أو في جهتين، فإن كانا في جهة واحدة حل أكله، وإن كان غير ما أرسل عليه سواء كان الصيد المصاب موجوداً عند الإرسال أو معرضاً بعده، وبه قال أبو حنيفة والأكثرون.
وقال مالك: هو حرام؛ لأنه أصاب غير ما أرسل عليه، فصار والكلب فيه المسترسل من غير إرسال.
ودليلنا: قول الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة:٤] فكان على عمومه؛ ولأن تعين الصيد في الإرسال لا يلزم، ألا تراه لو أرسله على واحد من جماعة جاز، وأيها صار حل؛ لأن تعليمه على معين منها غير ممكن، وإذا سقط التعين حل غير المعين؛ ولأن ذكاء المقدور عليه أغلظ، وقد ثبت أن المذكي لو أراد شاة، فذبح غيرها حلت، فكان الصيد الممتنع إذا أرسل عليه كلبه، فصار غيره أولى أن يحل، ولأنه لولا أرسل على صيد كبير، فهرب، وكان معه ولد صغير وأخذه الكلب حل بوفاق مالك، فإذا كان كبيراً فأولى أن يحل؛ لأنه أمنع.
стр. 1752
فصل:
فإن كان الصيدان في جهتين، فأرسل إلى إحداهما، فعل ل إلى الآخر، فله في اختلاف الجهات أسماء يقال: صيد سائح إذا كان عن يسار الرامي، وهو أمكن، وصيد بارح إذا كان عن يمين الرامي، وهو أشق وصيد قعيد إذا كان مقابل الرامي فإذا أرسل على صيد في جهة، فعدل إلى غير من جهة أخرى، فلا يخلو أن يكون سلاحاً أو جارحاً، فإن كان سلاحاً خرج عن يده من سهم رماه أو سيف ألقاه، فعدل السهم أو السيف عن تلك الجهة إلى غيرها إما لريح اعترضته أو لخطأ كان منه، فالصيد مأكول، لأنه منسوب إلى فعله، وإن أخطأ في قصده، وخطأ المذكي لا يمنع من إباحة ذكاته كما لو أراد شاة فذبح غيرها.
وان كان ذلك جارحاً من كلب أرسله إلى جهة، فعدل إلى غيرها، فقد حكى أبو حامد الإسفراييني في إباحته وجهين:
أحدهما: أنه مباح الأكل كالسهم، ونسبه إلى قول أبي إسحاق المروزي ولم أره في شرحه.
والثاني: أنه لا يؤكل، وفرق بين الكلب والسهم، لأن للكلب اختياراً ينصرف به، وأصحّ عندي من هذين الوجهين أن يراعي مخرج الكلب عند إرساله، فإن خرج عادلاً عن جهة إرساله إلى غيرها لم يؤكل صيده منها، وإن خرج إلى جهة إرساله ففاته صيدها، فعدل إلى غيرها، وأخذ صيدها أكل؛ لأنه على الصفة الأولى مخالف، فصار مسترسلاً وعلى الصفة الثانية موافق، وكان مرسلاً، وهذا أدل على فراهته؛ لئلا يرجع خلياً إلى مرسله. ألا ترى أن الصيد له عدل عن جهة إلى غيرها، فعدل الكلب إليها حتى أخذه حل؛ كذلك إذا أخذ غيره.
فصل:
وإذا أرسل سهمه على صيد في الحل، فعصفت الريح بالصيد والسهم إلى الحرم حتى قتله فيه ضمنه بالجزاء، ولم يأكله.
ولو أرسل كلبه على صيد في الحل، فعدل الصيد والكلب إلى الحرم حتى قتله فيه لم يضمنه، وحل له أكله؛ لأن حكم الكلب معتبر بحال إرساله، وحكم السهم معتبر بحال وقوعه، ولو أرسل سهمه على صيد، فأصاب السهم الأرض، ثم أدلف فيها إلى الصيد فقتله ففي إباحة أكله وجهان:
أحدهما: يؤكل لوصوله إليه بفعله.
والثاني: لا يؤكل؛ لأن وصوله إلى الأرض قاطع بفعله.
وهذان الوجهان من اختلاف قولي الشافعي في السهم المزدلف إذا أصاب هل يحتسب به في الإصابة على قولين.
стр. 1753
مسألة:
قال الشّافِعي رحمهُ اللهُ تعالى:" وإنّ أرِسلهُ ولا يرى صيدا ونوى فلأ يأكُلُ ولا نُعمِلُ النّيّة إلّا مع عيْن ترى ولوْ كان لا يجوزُ إلّا ما نوّاهُ بِعيْنه لكان العلم يُحيطُ أن لوْ أرِسل سهما على مائة ظبي أوْ كلّبا فأصاب واحِدا المصابّ غيْر منّوي بِعيْنه".
قال في الحاوي: أما إذا أرسل كلبه، وهو لا يرى صيداً، فعن للكلب صيد وأخذه لم يؤكل؛ لأن إرساله على غير شيء ليس بإرسال، فصار الكلب كالمسترسل فلم يؤكل صيده.
ولو أرسل سهمه، ولا يرى صيداً، فاعترضه صيد وأصابه، ففي إباحة أكله وجهان:
أحدهما: أنه لا يؤكل كالذي صاده الكلب؛ لأنهما على غير شيء.
والوجه الثاني: وهو قول أبي إسحاق المروزي أنه يؤكل، وان لم يؤكل ما صاده الكلب، والفرق بينهما أن القصد في ذكاته غير معتبر؛ لأنه ليس يعارضه اختياره غيره.
فصل:
ألا تراه لو قطع خشبة لينة، فصادف حلق شاة، فذبحها أكلت. والقصد في إرسال الكلب معتبر؛ لأنه قد يعارضه اختيار الكلب، فإذا لم يصح منه القصد صار منسوباً إلى اختيار الكلب، فافترق.
وقد حكى ابن أبي هريرة عن بعض أصحاب الشافعي أنه إذا أخطأ في قطع الخشبة إلى ذبح الشاة لم تؤكل، وقد نص الشافعي على إباحة أكلها، وما قاله الشافعي فقياس واضح؛ لأن الصبي والمجنون تصح ذكاتها، وان لم يصح قصدهما، وكذلك الخاطئ.
مسألة:
قالُ الشّافِعيِ رحمهُ اللهُ تعالى:" ولوْ خرّج الكلِبُ إلى الصّيْدِ مِن غيْر إرسال صاحِبهُ فزجرهُ فاِنزجر وأشلّاهُ فاستشلى فأخذ وقتل أكُلّ وإنّ لم يُحدث غيْر الأمر الأول فَلَا يأكُلُ وَسَوَاء استشلاه صاحِبهُ أوْ غيْره مِمّن تجوُّز ذكاتِهُ.
قال في الحاوي: قد ذكرنا أن إرسال الكلب شرط في إباحة صيده، فإن استرسل بغير إرسال لم يحل صيده إلا أن يدرك حياً، فيذكى، وهو قول جمهور الفقهاء، وشذ الأصم وابن جرير الطبري، فلم يعتبر الإرسال: لأنه بالتعليم قد صار مرسلاً، وهذا خطأ؛ لأن التعليم هو أن لا يسترسل حتى يرسل وينزجر عن الاسترسال، فإذا كان كذلك، واسترسل الكلب لنفسه، فله مع صاحبه أربعة أحوال:
أحدها: أن يتركه على استرساله، ولا يشليه، ولا يزجره، فلا يؤكل ما صاده.
стр. 1754
والثانية: أن يزجره، فلا ينزجر، فلا يؤكل صيده؛ لأنه بالإسرع بعد الزجر أسوأ حالاً.
والثالثة: أن يزجره ثم يشليه، فيستشلى، فيؤكل صيده؛ لأنه صاده بعد الانزجار عن إرساله.
والرابعة: أن يشليه بعد الاسترسال، ويغريه بالصيد، فيمضي على إسراع بعد إشلائه واغرائه، سواء زاد إسراعه بالإغراء أو لم يزد، فإنه لا يؤكل. وقال أبو حنيفة: يؤكل استدلالاً بأن ما تقدم من استرساله قد انقطع بما حدث من إغوائه كما ينقطع زجره قبل إغرائه، فوجب أن يكون الحكم معتبراً بالآخر دون الأول؛ ولأنه إذا اجتمع استرسال وإغراء تعلق الحكم بالإغراء دون الاسترسال كالصيد إذا استرسل على طلب، فأغراه به محرم ضمنه الجزاء تغليباً لحكم الإغراء، كذلك في إباحة الأكل.
ودليلنا: إن الاسترسال حاظر والإغراء مبيح، وإذا اجتمع الحظر والإباحة يغلب حكم الحظر على الإباحة، كما لو اجتمع على إرساله مسلم ومجوسي؛ ولأن الإغراء بعد الاسترسال موافق له، فصار مقوياً لحكمه، وزائداً عليه، فلم يزد حكمه بالقوة والزيادة، كما لو أرسله مجوسي وأغراه مسلم، أو أرسله مسلم وأغراه مجوسي.
فأما الجواب عن قوله: إن الإغراء قد قطع الاسترسال كالزجر، فإنه إنما يقطع الاسترسال ما خلفه ولا يقطع ما وافقه والزاجر مخالف للاسترسال فصار قاطعاً والإغراء موافق له، فلم يكن قاطعاً.
وأما الجواب عن قوله: إن اجتماع الاسترسال والإغراء موجب لتغليب حكم الإغراء كالمحرم، فهو أنه فيه لأصحابنا وجهين:
أحدهما: أنه لا ضمان على المحرم بإغرائه، تغليباً لحكم الاسترسال، ويصير دليلاً لنا لا علينا.
والثاني: يضمن بالإغراء، وان لم يصر مأكولاً بالإغراء؛ لأنه إذا اجتمع في هذا الضمان إيجاب وإسقاط، يغلب حكم الإيجاب على الإسقاط، وإذا اجتمع في المأكول حظر وإباحة يغلب حكم الحظر على الإباحة. ألا ترى أن الصيد المتولد من بين مأكول وغير مأكول إذا قتله المحرم ضمنه بالجزاء تغليباً لحكم الإيجاب ولا يؤكل تغليباً لحكم الحظر؟ كذلك في مسألتنا، فلا يكون إسقاطاً لحكم الاسترسال بالإغراء.
مسألة:
قالُ الشّافِعيِ رحمهُ اللهُ تعالى:"وإذاً ضرِب الصّيْدِ فقطعهُ قِطعتيْنِ أكُلّ وإنّ كانت إحدى القِطعتيْنِ أقلُّ مِن الأخرى ولوْ قِطعِ مِنه يدا أوْ رجلا أوْ أذِنا أوْ شيئا يمّكُنّ لوْ لم يُزد على ذلِك أن يُعيِّش بعد ساعةِ أوْ مدّةً أكثرُ مِنها ثمّ قتلهُ بعد بُرميّتِهُ أكُلّ كُلّ ما كان
стр. 1755
ثابتاً فيه مِن أعضائه ولم يأكُلُ العُضوُ الّذي بان وفيه الحياة لِأنّه عُضوَ مقطوعِ مِن حيّ وحيّ بعد قِطعةٍ ولوْ مات مِن قِطعِ الأول أكُلّهُما معا لأن ذكاة بعضُه ذكاة لكُلّه".
قال في الحاوي: وهذه المسألة تشتمل على فصلين:
أحدهما: أن يرمي صيداً، فيقطعه قطعتين، فهذا توجيه، فتؤكل القطعتان معا سواء تفاضلت القطعتان أو تماثلتا، وسواء كان ما اتصل بالرأس أكثر أو أقل. وقال أبو حنيفة: إن تساوت القطعتان أو كان ما اتصل بالرأس أكثر أكل دون الأقل، ومن أصحابه من قدر الأقل بالثلث فما دونه، وجعل ما زاد على الثلث ونقص عن النصف خارجاً عن حكم الأقل.
واستدلوا على تحريم الأكل إذا انفصل عن الرأس برواية عبا الله بن عمر أن النبي ﷺ قال: "ما أبين من حي فهو ميت"؛ ولأنه أبان منه ما لا يمنع من بقاء الحياة فيما بقي، فوجب أن يكون محرماً كما لو أدركه حياً فذبحه.
ودليلنا ما روي عن النبي ﷺ أنه قال لأبي ثعلبة الخشني: "كل ما ردت عليك يدك فكل ". ولم يفرق، ولان كلما كان له ذكاة لبعض البدن كان ذكاة لجميعه قياساً على ما اتصل بالرأس، ولأن كلما كان ذكاة لما اتصل بالرأس كان ذكاة لما انفصل عنه كالأكثر.
فأما الجواب عن خبرهم فمن وجهين:
أحدهما: أنه خارج على سبب، وهو ما روي أنه ذكر لرسول الله ﷺ أن قوماً يحبون ألايا الغنم، فيقطعونها منها، فقال: "ما أبين من حي فهو ميت" فكان محمولاً على سببه من حياة المقطوع منه.
والثاني: أن أبا داود السجستاني قد روى نصاً في سنته أن رسول الله ﷺ قال: "ما أبين من بهيمة وهي حية، فهو ميت".
وأما الجواب عن قياسهم، وهو أن المعنى في الأصل أن القطع لم يكن ذكاة للمتصل، فلم يكن ذكاة للمنفصل، والقطع في الفرع قد كان ذكاة للمتصل، فكان ذكاة للمنفصل.
فصل:
الفصل الثاني: أن يقطع من الصيد عضواً كَيَد أو رِجل أو أُذُن، ويجوز أن يحيى بعد قطعه زماناً طويلاً أو قصيراً، وهذا على ضربين:
أحدهما: أن يموت بغير هذا القطع إما بالذبح إن قدر عليه، وإما برمية بائنة إن كان
следующие страницы →