Полный текст (7 151 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.
стр. 1786
مسألة:
قَالُ الشَّافِعِيِ رحمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: "وَمِنْ أَحَرَزَ صِيدَا فَأَفْلَتَ مِنْه فَصَادَّهُ غَيْرَه فَهُوَ كالأول".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا ملك صيداً بالاصطياد أو بابتياع، وأفلت منه لم يزد ملكه عنه سواء طال مكثه عنه أو قصر، وسواء بعد عنه في البر أو قرب من المصر، وسواء كان من الطير أو الدواب.
وبه قال أبو حنيفة.
وقال مالك: إن بعد في البر مع قرب المكث زال ملكه عنه؛ استدلالاً بأن الإمساك سبب الملك، فإذا زال بالانفلات زال به الملك، كما لو ملك ماء باستقائه من نهر، فانصب منه في النهر، زال ملكه عنه، ولأنه لو بقي على ملكه بعد انفلاته تحرم صيد البر لجواز اختلاطه بمنفلت فحرم، وفي إجماعهم على إباحة صياه دليل على أن المنفلت عائد في الإباحة إلى أصله.
ودليلنا هو أنه يملك الصيد بالابتياع، كما يملكه بالاصطياد، فلما لم يزل به الملك عما إتباعه بالانفلات لم يزل به الملك عما صاده؛ ولأنه يملك عبده بالسبي؛ ولا يزول ملكه عنه بالرجوع إلى دار الحرب، كذلك الصيد إذا ملكه الاصطياد لم يزول ملكه عنه بالانفلات؛ ولأنه لو وسم الصيد قبل انفلاته لم يزل ملكه عنه بعل وسمه فوجب أن لا يزول به قبل وسمه؛ لأن الوسم لما لم يؤثر في ثبوت الملك لم يؤثر في زواله.
وأما الجواب عن استدلاله بأن زوال سبب الملك موجب لزوال الملك كالماء إذا عاد إلى النهر فهو بطلانه بالعبد المسبي إذا عاد آبقاً إلى دار الحرب زال سبب ملكه، ولم نوجب زوال ملكه، كذلك الصيد.
فأما الماء فقد اختلف أصحابنا في حكمه إذا عاد إلى النهر على وجهين:
أحدهما: أنه على ملكه، وإنما اختلط بما لم يتميز عنه، فصار مستهلكاً.
والثاني: أن ملكه قد زال بمثله المقدور عليه، فخالف حكم الصيد الذي لا يقدر عليه. وأما الجواب عن استدلاله بأن صيد البر على الإباحة بعد انفلاته، فهو أن اختلاط الحلال بالحرام إذا لم يمكن الاحتراز منه يوجب تغليباً الإباحة على التحريم، ألا ترى أن ماء النهر إذا أريق فيه خمر أو بول لم يحرم لتعذر الاحتراز منه؛ ولو اختلطت أخته بنساء بلد لم يحرم عليه أن يتزوج منهن من شاء، ولو اختلطت بعدد من نساء بلد حرمن كلهن؛ لأنه لا يقدر على الاحتراز منها في نساء البلد ويقدر على الاحتراز منها في العدد المحصور من نساء البلد، كذلك حكم الصيد المنفلت إذا اختلطت بصيد البر لم يكن الاحتراز، فحل، وإذا اختلط بعدد محصور من عدة صيود حرم.
стр. 1787
فصل:
فأما ملك الصيد إذا قتله باختياره فعلى ضربين:
أحدهما: أن يقصد بإرساله التقرب إلى الله تعالى به، وهذا موجب لزوال المالك عنه كالعتق، واختلف أصحابنا، هل يحل صيده بعد امتناعه إذا عرف على وجهين:
أحدهما: وهو قول كثير من البصريين أنه لا يحل صيد كالمعتق، لا يجوز استرقاقه، والوجه الثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة: يحلّ صيده؛ لأن زوال الملك يوجب عوده إلى حكم الإباحة؛ وليخرج عن حكم السائبة المحرمة.
والضرب الثاني: أن لا يقصد بإرساله التقرب إلى الله تعالى، فقد اختلف أصحابنا في زوال ملكه عنه بالإرسال على وجهين:
أحدهما: يزول كما يزول لو أرسله متقرباً به.
والثاني: لا يزول ملكه كما لو أرسل بعيره أو فرسه.
فإن قيل: ببقائه على ملكه حرم صيده إذا عرف، وإن قيل بزوال ملكه عنه حلّ صيده، وإن عرف، بخلاف ما تقرب به على أحد الوجهين؛ لأن لله تعالى في القرية حقاً ليس في غيره.
مسالة:
قَالُ الشَّافِعِيِ رحمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:" وَكُلَّ مَا أَصَابَهُ حَلالَ فِي غَيْرَ حُرَمِ مِمَّا يَكُونُ بمكة مِنْ حَمَّامِهَا وَغَيْرَه فَلَا بأس إِنَّمَا تَمنُّعَ بِحُرَمِهُ بِغَيْرَه مِنْ حُرَمِ أَوْ إحرام".
قال في الحاوي: أما الصيد في الحرم، فحرام كتحريمه في الإحرام، سواء كان منشؤه في الحل أو في الحرم، فإن خرج الصيد من الحرم إلى الحل حل صيده، سواء كان منشؤه في الحرم أو في الحل، فيكون تحريم الصيد معتبراً بمكانه في حال صيده لا بمنشئه وبه قال أبو حنيفة وقال مالك: إذا كان منشأ الصيد في الحرم قتله وضمن بالجزاء في الحل والحرم اعتباراً بالمنشأ، واستدلالاً بأن استقرار الحرمة به تمنع من استباحته كما تمنع من استباحة شجر الحرم، وأحجاره بعد إخراجه.
ودليلنا هو أن تحريم الصيد إنما هو لحرمة في غيره من حرم أو إحرام، فلما زالت حرمته بالإحلال من الإحرام وجب زوال حرمته بالخروج من الحرم؛ ولأنه لما حرم صيد الحلّ إذا دخل إلى الحرم اعتباراً بمكانه وجب أن يحل صيد الحرم إذا خرج إلى الحلّ اعتباراً بمكانه، وقد اعتبر رسول الله ﷺ ذلك في طائر مع صبي صاده من الحلّ، وأدخله الحرم، فقال له: يا أبا عمير ما فعل النغير" فذل هذا الخبر على أمور.
стр. 1788
منها: أن ما صيد في الحل جاز إدخاله إلى الحرم اعتباراً بمكانه الذي صيد فيه.
ومنها: جواز لعب الصبيان بذوات الأرواح.
ومنها: جواز المزح مع الصبيان.
ومنها: جواز كنية من لا ولد له يتكنى باسمه
ومنها: جواز التصغير في الأسماء.
فأما الجواب عن استدلال مالك بحجارة الحرم وأشجاره، فهو أنها من جملة الحرم فلزم ردها إليه، وليس الصيد من الحرم، وإنما هو فيه، فافترقا.
مسألة:
قَالُ الشَّافِعِيِ رحمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:" وَلَوْ تَحَوَّلَ مِنْ بُرْجِ إِلَى بُرْجِ فَأَخُذُّهُ كَانَ عَلَيه رَدَّه".
قال في الحاوي: أما إذا ملك طائراً إنسياً فطار من برجه إلى برج غيره كان باقياً على ملكه، ولم يملكه من طار إلى برجه بوفاق مالك، ولو صاد طائراً وحشياً فطار من برجه إلى برج غيره كان عندنا باقياً على ملكه سواء أنس ببرجه أو لم يأنس.
وقال مالك: إن أنس ببرجه لطول المكث كان باقياً على ملكه، وإن لم يأنس بطول المكث صار ملكاً لمن انتقل إلى برجه، فإن عاد إلى برج الأول، عاد إلى ملكه.
ودليلنا على ما قدمناه.
فأما إذا سقط طائر وحشي على برج رجل لم يملكه بسقوطه عليه، سواء ألفه أو لم يألفه حتى يصير تحت قدرته، فلا يقدر على امتناعه منه، وذلك بأن يغلق محليه باباً أو يلقى عليه قفصاً، فيصير ملكاً له كما يملكه إذا وقع في شبكته لقارته عليه في الحالين، فإن أخرج هذا الطائر في برجه كان حكم فراخه لحكمه إن ملكه ملك فراخه، وإن لم يملكه لم يملك فراخه، وكذلك بيضه، وإن كان أحق بأخذهما من غيره لملك الموضع، فإن أخذه غيره ملكه الآخذ له دونه، وإن تعدى بدخوله إلى ملكه.
مسألة:
قَالُ الشَّافِعِيِ رحمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:" وَلَوْ أَصَابَ ظَبْيَا مقرطاً فَهُوَ لَغَيْرَه".
قال في الحاوي: وهذا كما قال، إذا كان على الصيد أثر ملك أو يد أدمي من قرط أو ميسم أو خضاب أو قلادة لم يملكه صائده؛ لخروجه عن صفة الخلقة إلى أثار الملك، فخرج به عن حكم الإباحة إلى حكم الحظر، وقد روي أن رسول الله ﷺ مر بظبي واقف فيه اثر فهمّ به أصحابه فمنعهم وقال: "حتى يجيء صاحبه". وإذا لم يملكه لم يخل
стр. 1789
حاله بعد صيده من ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يكون قد صار في يده حياً، فهو في حكم اللقطة من ضوال الحيوان يعرفها ولا يضمها، فإن أرسل الصيد من غير تعريف ضمنه لمالكه.
والحال الثانية: أن يكون ثابتاً في شبكته أو شركه، فلا يلزمه تعريفه؛ لأنه لو يثبت له عليه يد، وإن حل الشبكة عنه، فاسترسل وامتنع لم يضمه؛ لأنه وان جرى على ما في الشبكة حكم يده من ملك الصيد لم يجز عليها حكم يده من الضمان والتعريف؛ لأنه يضعها لهذا الحكم، وإنما وضعها لثبوت الملك.
والحال الثالثة: أن يموت هذا الصيد باصطياده فلا يخلو حال ما مات به من ثلاثة أضرب:
أحدها: أن يموت في شبكة قد وضعها فلا يضمنه؛ لأن وضع الشبكة مباح، فلم يضمن ما تلف بلها.
والثاني: أن يموت بسهم رماه، فيكون ضامناً له؛ لأن تلف بفعله وإن كان مغروراً به؛ لأن الضمان لا يسقط إلا بالأعذار.
والثالث: أن يموت بإرسال الكلب عليه ففي ضمانه وجهان:
أحدهما: يضمنه كما يضمنونه بهمه.
والثاني: لا يضمنه؛ لأن قتل الكلب منسوب إلى اختياره، وقتل السهم منسوب إلى راميه.
فصل:
وهكذا ما أخذه من أحجار الجبال، وخشب الغياض إذا وجد فيه صنعة أدمي من نقر أو نحت أن تربيع لم يملكه كالصيد، فأما إذا صاد سمكة وجد في جوفها جوهرة، فإن كان فيها أثر صنعة ملك السمكة لا يملك الجوهرة، وإن لم يكن فيها أثر صنعة نظر، فإن صادها من بحر ذلك الجوهر، أو كان فيها غيره فصادها من بحر بالعنبر والعنبر ملكها، ولم يملك الجوهرة والعنبرة، وكذلك لو وجد في جوفها ذهباً فإن كان مطبوعاً لم يملكه، وإن كان غير مطبوع وليس فيه أثر النار فإن كانت في بحر هو من معادن الذهب ملكه، وإن لم تكن من معادنه لم يملكه وكان لقطة.
مسألة:
قَالُ الشَّافِعِيِ رحمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:" وَلَوْ شَقَّ السَّبْعِ بَطِنَ شَاةِ فَوصلَ إِلَى معاها مَا يَسْتَيْقِنُ أَنَّهَا لَمْ تُذْكَ مَاتَتْ فَذَكِيَتْ فَلَا بأس بأكلها لِقَوَّلَ اللهُ : ﴿وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة:٣] وَالذَّكاَةُ جَائِزَةً بالقرآن. قَالَ اِلْمِزِنَّي ﵀:
стр. 1790
وَأُعَرِّفُ مِنْ قَوْلِهُ أَنَّهَا لَا تُؤَكِّلُ إذاً بَلَّغَ بِهَا مَا لَا بَقاءَ لِحًيَاتِهَا إلّا حَيَّاهُ المذكى وَهُوَ قولَ الْمَدَنِيِّينَ وَهُوَ عِنْدَِي أَقِيسُ لِأَنَِّي وَجَدَتْ الشَّاهُ تَمُوتُ عَنْ ذَكاَةٍ فَتَحِلُ وَعَنْ عَمَرَ فَتُحْرِمُ فَلَمَّا وَجَدَتْ الَّذِي أَوَجْبَ الذِّبْحِ مَوْتَهَا وَتَحَلُّلَهَا لَا يُبْدَلْهَا أَكُلَّ السَّبُعَ لَهُ وَلَا يَرِدُ بِهَا كَانَ ذَلِكَ فِي الْقِيَاسِ إذاً أَوَجْبَ السَّبْعِ مَوْتَهَا وَتَحْرِيمَهَا لَمْ يُبْدَلْهَا الذِّبْحِ لَهَا وَلَا أَعلمَ خِلاَفَا أَنْ سَبَعَا لَوْ قَطْعَ مَا يُقْطَعْ المذكي مِنْ أَسُفْلِ حَلَقِهَا أو أَعلاَهُ ثَمَّ ذَبَّحَتْ مِنْ حَيْثُ لَمْ يُقْطَعْ السَّبْعُ مِنْ حَلَقِهَا أَنَّهَا مَيْتَةُ وَلَوْ سَبْقَ الذابح ثَمَّ قَطْعَ السَّبْعُ حَيْثُ لَمْ يُقْطَعْ الذابح مِنْ حَلَمِهَا أَنَّهَا ذَكِيُّهُ. وَفِي هَذَا عَلَى مَا عَلَى مَا قَلَتْ دَليلُ وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيِ: وَلَوْ أَدَرَكَ الصَّيْدِ وَلَمْ يُبْلِغُ سِلاَحُهُ أَوْ مَعْلَمَهُ مَا يُبْلِغُ الذابح فَأَمْكَنَهُ أَنْ يَذْبَحَهُ فَلَمْ يُفَعِّلُ فَلَا يَاكُلُ. قَالَ اِلْمِزِنَّي ﵀: وَفِي هَذَا دَليلُ أَنَّه لَوْ بَلَّغَ مَا يُبْلِغُ الذابح أَكُلَّ. قَالَ اِلْمِزِنَّي ﵀: وَدَليلَ آخر مِنْ قَوْلِهُ فِي كِتَابُ الدِّيَاتِ لَوْ قَطْعَ حُلْقُومِ رَجُلِ ومريئه أَوْ قَطْعَ حَشْوَتِهُ فَأَبَانَهَا مِنْ جَوْفِهُ أَوْ صَيَّرَهُ فِي حالِ الْمَذْبُوحِ ثَمَّ ضَرِبَ آخر عنقَهُ فالأول قَاتِلَ دُونَ الآخر. قَالَ اِلْمِزِنَّي ﵀: فَهَذِهِ أَدَلَّهُ عَلَى مَا وَصَفَتْ مِنْ قَوْلِهُ الَّذِي هُوَ أَصَحَّ فِي الْقِيَاسِ مِنْ قَوْلِهُ الْآخَرِ بِاللهِ التَّوْفِيقِ
قال في الحاوي: وجملته أنه إذا افترس سبع أو ذئب شاة أو بعيراً ثم أقلع وفي الشاة حياة، فذبحت لم تخل حياتها من ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يكون جرح الافتراس يجوز أن يبرأ، والحياة التي فيها يجوز أن تبقى، فذبحها على هذه الحال، فإن ذكاته تبيح أكلها، وهو متفق عليه لقول الله تعالى: ﴿وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة:٣].
والحال الثانية: أن يكون الجرح لا يجوز أن تبقى كقطع رأسها، أو إخراج حشوتها ولم يبق فيها، إلا حركة المذبوح فلا يؤثر ذبحها، ولا يحل أكلها؛ لخروج أكثر الروح بجرح السبع دون الذبح، وهو متفق عليه.
والحال الثالثة: أن يكون جرح السبع لا يجوز أن يبرأ والحياة معه قليلة البقاء، مثله أن يقطع منها ما لا يحيا معه، كالمعا، لكن الروح فيها باقية، تعيش بها ساعة أو بعض يوم، فيكون ذبحها على هذه الحال ذكاة يحل بها أكلها كالحالة الأولى، وهذا مما لم يختلف فيه قول الشافعي، وإنما أشكل على المزني فجمع بين الحالتين، وتصور أن ذلك على قولين وليس كما توهم، وإنما هو على اختلاف حالين.
وقد روى سليمان بن يسار عن زيا بن ثابت قال: سئل رسول الله ﷺ عن شاة أخذها الذئب فأدركت، وبها حياة، فأمر رسول الله ﷺ بأكلها.
وقد جرح عمر بن الخطاب ﵁ جرحين قطعا معاه، فسقاه الطبيب لبناً خرج منه، فقال له: اعهد، فإنك ميت فعهد ووصى، وأمر ونهى، فأجرى المسلمون عليه حكم الحياة في جميع ما كان من قوله وفعله، فدل على أن ما انتهى إلى حاله من الحيوان كان في حكم الحياة، وإباحة الذكاة فلو وقع الشك في ذبح الشاة هل كان في حال
стр. 1791
حظرها أو إباحتها، ففي صحة ذكاتها وجهان:
أحدهما: تكون ذكية تؤكل، لأن الأصل بقاء الحياة فيها إلى وقت الذبح.
والثاني: أنها محرمة لا تؤكل، لأن الأمل في فوات النفس الحظر حتى يعلم يقين الإباحة.
مسألة:
قَالُ الشَّافِعِيِ رحمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:" وَكُلَّ مَا كَانَ يَعِيشُ فِي الْمَاءِ مِنْ حُوتِ أَوْ غَيْرَه فَأَخُذُّهُ مَكَانَهُ."
قال في الحاوي: اعلم أن الحيوان يتنوع ثلاثة أنواع، بري، وبحري، وما جمع بين البر والبحر.
فأما البري، فالمأكول منه لا يحل أكله، إلا بالذكاة، سوى الجراد وحده، فإنه يحلّ أكله ميتاً سواء مات بسبب أو غير سبب.
روى ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "أحلت لنا ميتتان ودمان، الميتتان: الحوت والجراد والدمان: الكبد والطحال".
وأما البحري، فيقم ثلاثة أقسام، مباح ومحظور، ومختلف فيه، وأما المباح، فهو السمك على اختلاف أنواعه، ويختص بحكمين:
أحدهما: أنه مباح الأكل.
والثاني: أنه لا يفتقر إلى الذكاة ويحل أكله ميتاً، لقول النبي ﷺ في البحر: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته".
واختلف أصحابنا في إباحة أكله حياً على وجهين:
أحدهما: لا يحل أكله حياً حتى يموت؛ لورود السنة بإحلال بعد الموت؛ لأن موته ذكاة.
والثاني: يحل أن يؤكل حياً وميتاً؛ لأنه لا يفتقر إلى ذكاة، وليس له حال تحريم فعمت فيه الإباحة، واختلف أصحابنا إذا صاد سمكة، فانقطع بعضها في يده وأفلت باقيها حياً، هل يحل أكل ما انقطع منها؛ على وجهين: ذكرهما ابن أبي هريرة:
أحدهما: لا يحل لقول النبي ﷺ : "ما أبين من حي فهو ميت"يعني محرماً؛ لأنه موته قد علم.
والثاني: أنه يحلّ أكله؛ لأن صيد البحر لا يحرم بالموت فاستوى حكم ما أخذ من حي وميت، ولو وجد سمكة في جوف سمكة حلّ أكلهما معاً، ما لم تنفصل الداخلة، فإن
стр. 1792
انفصلت حتى تقطعت وتغير لون لحمها، ففي إباحة أكلها وجهان: أ~~: يحل أكلها كما يحل لو تقطعت بغير صيدها وتغيرت.
والثاني: يحرم أكلها؛ لأنها قد صارت في حكم الرجيع والفيء، وهكذا أكل ما في بطون السمك من غذائه على هذين الوجهين.
فصل:
وأما الحرام، وهو الضفدع، وحيات الماء، وعقاربه، وجميع ما فيه من ذوات السموم الضارة، وما يفضي إلى موت أو سقم، فلا يحلّ أن يؤكل بحال؛ لما روي عن النبي ﷺ : "أنه نهى عن قتل الضفدع"، وقيل: إنه خرج على سبب، وهو أن طبيباً وصف عند رسول الله ﷺ دواء فيه لحم الضفدع، فنهى عن قتل الضفدع" وقيل: هو سم.
واختلف أصحابنا بعد اتفاقهم على تحريمه هي: ينجس بعد موته على وجهين:
أحدهما: أنه طاهر لا ينجس بالموت؛ لأن حيوان الماء موته وحياته سواء.
والثاني: أنه نجس إذا مات لأنه لما شابه حيوان البر في التحريم شابهه في التنجيس، فعلى هذا هل ينجس به الماء القليل أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: يتنجس به كما ينجس بسائر الأنجاس.
والثاني: لا ينجس به للحوق المشقة في التحرز، فصار عضواً كدم البراغيث.
فصل:
وأما المختلف فيه، فهو ما أشبه حيوان البر من دواب الماء من الفأر والكلاب والخنازير، وقيل: إنه ليس في البر حيوان إلا وفي البحر مثله، فاختلف الفقهاء في إباحة أكله على ثلاثة مذاهب:
أحدها: هو الظاهر من مذهب الشافعي أن جميعه حلال مأكول، يستوي فيه ما أشبه مباحات البر ومحرماته من كلابه وخنازير، وقد قال في كتاب السلم: يؤكل فأر الماء.
وقال الربيع: سئل الشافعي عن خنزير الماء فقال: يؤكل، ولما دخل العراق سئل عن اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى في أكل هذا، وهذا حرمه أبو حنيفة، وأحلّه ابن أبي ليلى، فقال: أنا على رأي ابن أبي ليلى، يعني في إباحته. وبه قال من الصحابة أبو بكر وعمر وعثمان وعبد الله بن عباس أبو أيوب الأنصاري وأبو هريرة رفي الله عنهم.
وفي التابعين: الحس البصري.
وفي الفقهاء: مالك، وابن أبي ليلى، والأوزاعي، والليث بن سعد، وهو قول الجمهور من أصحاب الشافعي، حكى ابن أبي هريرة عن أبي علي ابن خيران أن أكارا له صاد له كلب ماء، وحمله إليه، فأكله، وكان طعمه موافقاً لطعم الحوت لا يغادر منه شيئاً.
стр. 1793
والثاني: وهو قول أبي حنيفة: أن جميعه حرام لا يؤكل، ولا يحل من حيوان البحر إلا السمك خاصة، وبه قال بعض أصحاب الشافعي.
وقال الشافعي في بعض كتبه: إنه لا يحلّ من صيد البحر إلا الحوت، فاختلف أصحابه في اسم الحوت، فقال بعضهم: هو من الأسماء العامة ينطلق على جميع حيوان البحر إلا الضفدع، وما قتل أكله من ذوات السموم، فعلى هذا لا يختلف قوله في إباحة أكله.
وقال آخرون من أصحابه: إن اسم الحوت خاص بالسمك دون غيره، فعلى هذا جعلوه قولاً ثانياً للشافعي أن أكله حرام، كقول أبي حنيفة.
والثالث: وهو قول بعض أصحاب الشافعي أن ما أشبه مباحات البر من دواب الماء حلال، وما أشبه محرمات البر من كلاب الماء وخنازيره حرام جميعاً بين حيوان البر وحيوان البحر.
فصل:
واستدل من أخذ بقول أبي حنيفة على تحريمه بعموم قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣]
وبرواية ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "أحلت لنا ميتتان ودمان: الحوت والجراد واسم الحوت خاص في السمك، فكانت الإباحة مقصورة عليه؛ ولأن ما اختص بغير اسم الحوت لم ينطلق عليه إباحة الأكل كالبري؛ لأن الحيوان لا يختلف حكم إباحته باختلاف مواطنه كالخنزير الجبلي والسهلي.
والدليل على إباحة جميعه قول الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: ٩٦] يعني بصيد البحر صيد الماء من بحر أو نهر أو عين أو بئر؛ لأن أصل جميع المياه من البحر، وفي طعامه تأويلان:
احدهما: طافية، وهو قول أبي بكر، وعمر ﵄.
والثاني: مملوحة، وهو قول ابن عباس وفي قوله "متاعاً" تأويلان:
أحدهما: طعام.
والثاني: منفعة، وفي قوله: و"للسيارة" ثلاثة تأويلات:
أحدها: الحلال والمحرم.
والثاني: المقيم والمسافر.
والثالث: لأهل الأمصار وأهل القرى.
والدليل في هذه الآية من وجهين:
أحدهما: قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ يعني صيد البحر، فكان على عمومه في جميع حيوانه.
стр. 1794
والثاني: قوله: ﴿وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: ٩٦] يعني مطعومه، فدل على أن جميعه مطعوم.
وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال في البحر: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" فعم جميع ميتاته، ولم يخصها.
وروي عن أبي بكر ﵁ أنه قال: كل دابة تموت في البحر فقد ذكاها الله لكم، وهو محكي عن غيره من الصحابة، وليس فيه مخالف له، فكان إجماعاً ولأن ما لم يعش من الحيوان إلا في الماء حل أكله ميتاً كالحوت.
فأما الجواب عن استدلاله بقوله تعالى: ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٥] فمن وجهين:
أحدها: أن مطلق اسم الخنزير لا ينطلق لفة وعرفاً إلا على خنزير البر، فإن أريد به غيره قبل خنزير الماء مقيداً به، فوجب أن يحمل حكمه على إطلاقه.
والثاني: أن اسمه لو انطلق عليها لخص تحريمها بقوله: لكل ميتة
وأما الجواب عن قوله: "الميتتان: الحوت والجراد" فمن وجهين:
أحدهما: أن اسم الحوت ينطلق على جميعها، فكان دليلاً على إباحتها دون حظرها.
والثاني: أن قوله: "الحل ميتته" أعم منه فصار الحوت داخلاً في عمومه، ولم يخصه؟ لأنه لا ينافيه.
وأما الجواب عن قياسه على البري، فهو أن الشرع قد فرق بين حيوان البر والبحر فلم يجز أن يجمع بينهما بالقياس.
وأما الجواب عن استدلاله بأن إباحة الحيوان لا يختلف باختلاف مواطنه، فهو مدفوع بالإجماع، ولاختلاف الأماكن مع الإجماع في الاسم والصورة تأثير في الحظر والإباحة؛ لأن الحمار الوحشي والحمار الأهلي يجتمعان في الاسم، ويشتبهان في الصورة، ويفترقان في الإباحة، فيحل الوحشي، ويحرم الأهلي، لاختلافهما في الإباحة والحظر، وإن اشتركا في الاسم واشتبها في الصورة، وبهذا يبطل قول من ذهب من أصحابنا إلى اعتبار حيوان البحر بحيوان البر فأحلّ منه ما أشبه محللات البر وحرم منه ما أشبه محرمات البر.
فصل:
وأما النوع الثالث من الحيوان، وهو ما يجمع في عيشه بين البر والبحر فينقسم ثلاثة أقسام:
أحدها: ما يكون مستقره في البر، ومرعاه من البحر مثل: طير الماء فهذا من حيوان البر وتجري عليه حكمه.
стр. 1795
والثاني: ما يكون مستقره في البحر ومرعاه في البر كالسلحفاة، فهذا من حيوان البحر، ويجري عليه حكمه.
والثالث: ما يستقر في البر والبحر ويرعى في البر والبحر، فيراعي أغلب حاليه.
فإن كان أغلبهما البر في مستقره ومرعاه، أجري عليه حكم الحيوان البري، وإن كان أغلبها البحر في مستقره ومرعاه أجري عليه حكم حيوان البحر، وإن استوى فيه الأمران، ولم يغلب أحدهما على الآخر، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يجري عليه حكم حيوان البر تغليباً للحظر؛ لأنه مستغن عن البحر.
والثاني: أنه يجري عليه حكم حيوان البحر تغليباً للإباحة؛ لأنه مستغن عن البر.
مسألة:
قَالُ الشَّافِعِيِ رحمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:" وَلَوْ كَانَ شِيئَا تَطَوَّلَ حَيَّاتُهُ فَذِبْحَهُ لِاِسْتِعْجالِ مَوْتِهُ مَا كَرْهَتُهُ ".
قال في الحاوي: أما السمك، فلا يلزم ذبحه، وإن قدر عليه، وإن طالت حياته بعد صيده جاز أن ينتظر به موته، ولا يكره انتظاره، وجاز أن يعجل ذبحه، ولا يكره ذبحه، وفي الاستحباب منها وجهان:
أحدهما: أن تركه ليموت حتف أنفه أولى، لأن موته ذكاة.
والثاني: أن ذبحه أولى ليستعجل الراحة من أبطأ الموت.
وأما غير السمك من دواب البحر إذا قيل بإباحته، فإن لم يدرك ذبحه حياً بعد صيده حتى ماتّ حل أكله؛ لأن صيد البر إذا لم يقدر على ذكاته بعد صيده حلّ أكله، فكان صيد البحر أولى، وإن أدرك ذكاته بعا صيده فقد اختلف أصحابنا في وجوب ذبحه وكونه مع القدرة شرطاً في إباحته على وجهين:
أحدهما: وهو قول الأكثر منهم أن ذبحه لا يجب، وأن موته ذكاة كالسمك، وهذا قول من جمع بين السمك وغيره في الإباحة.
والثاني: وهو قول من اعتبر حيوان البحر بحيوان البر في الحظر والإباحة فجمع بينهما في الذكاة، وحرمه مع القدرة عليها إذا مات، وهذا الجمع فاسد في الأمرين فأما دمه فمن جعل ذكاته شرطاً جعل دمه نجساً، ومن لم يجعل ذكاته شرطاً وجعله كالحوت في استباحته بموته، ففي دمه ودم جميع السمك وجهان:
أحدهما: نجس لعموم قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ﴾ [المائدة:٣]
والثاني: أن دمه طاهر: لأن دم الحي كلحم الميت، فلما خالف حيوان البر في
стр. 1796
طهارته بعد الموت خالف في طهارة دمه، والله أعلم.
مسألة:
قَالُ الشَّافِعِيِ رحمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:" وَسَواءَ مِنْ أَخَذَّهُ مِنْ مَجُوسِيِّ أَوْ وَثَنِيَّ لَا ذَكاةَ لَه".ُ
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا كان الحوت لا يفقر إلى ذكاة، وكان موته في إباحته كالذكاة، فلا فرق بين أن يصطاده مسلم أو مجوسي أو وثني في إباحة أكله، وهو في صيده كموته حتف أنفه؛ ولأن ما كان موته ذكاته استوى فيه أهل الذكاة وغير أهل الذكاة كالجراد، فإنه يحل إذا مات أو ميت من يد مجوسي أو وثني.
وقال مالك: لا يعل الجراد حتى يقطف، وهذا خطأ لقول النبي ﷺ : "أحلت لا ميت في ودمان، الحوت والجراد" ولأن قطف رأسه إذ كان معتبراً بعد موته لم يؤثر، وإن كان معتبراً قبل موته كان فيه تعذيب لذي روح ورد الهي عه، وليست التسمية عند صيدها مسنونة، ولا ورد بها شرع، وإن كان ذكرها الله تعالى على كل الأحوال حسناً.
مسألة:
قَالُ الشَّافِعِيِ رحمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:" وَسَواءَ مَا لَفْظُهُ الْبَحْرَ وَطَفَّا مِنْ مَيْتَتِهُ أَوْ أَخَذَ حَيَّا، أَكُلَّ أَبُو أيوب سَمَّكَا طَافِيَا وَقَالَ رسول الله ﷺ : "أحلت لَنَا مَيْتَتَانِِ وَدَمَّانَ ". الْمَيْتَتَانِِ: الْحُوتُ وَالْجَرَادُ، وَالدَّمَّانَ: أَحَسْبَه قَالَ: الْكَبِدُ وَالطِّحَالُ وَقَالَ [هُوَ الطَّهُورُ ماؤه: الْحَلُّ ميتتة " وَقَالَ اللهِ جَلِّ ثناؤه ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البَحْرِ وطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ ولِلسَّيَّارَةِ﴾ [الْمَائِدَةَ: ٩٦] وَهَذَا عُمُومَ فَمِنْ خُصَّ مِنْه شِيئَا فَالْمَخْصُوصَ لا يَجُوزُ عِنْدَ أَهْل الْعلمَ إلا بِسَنَةِ أو إجماع الَّذِينَ لا يُجَهِّلُونَ مَا أَرَادَ اللهُ قَالِ اِلْمِزِنَّي ﵀: وَلَوْ جَازَ أَنْ يَحْرِمَ الْحُوتُ وَهُوَ ذَكِيَّ لِأَنَّه طَفَّا لِجَازَ أَنْ يُقَوِّمَ المذكي مِنْ الْغَنَمِ إذاً طَفَتَا وَفِي ذَلِكَ دَليلَ، وَبِاللهِ التَّوْفِيقِ ادليل، وبالله التوفيق".
قال في الحاوي: إذا مات السمك في الماء حلّ أكله سواء كان بسبب شدة برد الماء أو شدة حرارته أو نصب عنه حتى صار على اليبس أو مات، بغير سبب وسواء طفا على الماء حتى ظهر أو رسب في قرار فلم يظهر، وهو قول أكثر الصحابة والتابعين والفقهاء.
وقال أبو حنيفة: إن مات بسبب حلّ أكله، وإن مات بغير سبب حرم أكله، وقال بعض العراقيين: إن طفا حرم، وإن رسب لم يحرم احتجاباً برواية ابن الزبير عن جابر أن النبي ﷺ : "نهى عن أكل السمك الطافي".
стр. 1797
وبرواية وهب بن كيسان عن جابر أن النبي ﷺ قال: "كلوا ما حسر عنه البحر وما ألقي، وما وجدتم ميتاً طافياً فوق الماء فلا تأكلوه".
قالوا: وهذان الخبران نص في التحريم.
قالوا: ولأن موت ذي الروح بغير سبب يوجب تحريم أكله كالبري.
ودليلنا قول الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البَحْرِ وطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ ولِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: ٩٦]. وقد ذكرنا تفسيرها، وأن طعامه طافية على قول أبي بكر وعمر ﵄، وحديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال في البحر: "وهو الطهور ماؤه الحل ميتته". وهذا كالنص، أضاف الميتة إلى البحر لا إلى سبب حادث، وحديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "أحلت لنا ميتتان ودمان"، فالميتتان: الحوت والجراد، والدمان: الكبد والطحال، فكان على عمومه.
وروى الشافعي عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله قال: بعثنا رسول الله ﷺ في ثلاثمائة راكب وأميرنا أبو عبيدة بن الجراح نريد عيراً لقريش، فأصابنا جوع شديد حتى أكلنا الخبط فسمي ذلك الجيش جيش الخبط، ثم ألقى لنا البحر ونحن بالساحل دابة تسمى العنبر، فأكلنا منه نصف شهر، واستدمنا منه، وادهنا بودكه حتى باتت أجسامنا، فأخذ أبو عبيدة ضلعاً من أضلاعه فنصبه، ثم نظر إلى أطول ربى في الجيش، وأعظم جمل، فأمره أن يركب الجمل ثم يمر تحته، ففعل فمر تحته، فدل هذا الخبر على أمرين:
أحدهما: إباحة أكل الطافي.
والثاني: إباحة أكل دواب البحر، وان لم يكن حوتاً.
وروى عكرمة عن ابن عباس قال: أشهد علي أبي بكر رضي اثه عنهما _ أنه قال: "السمكة الطافية على الماء حلال، ولم يظهر له مخالف فكان إجماعاً، وأكل أبو أيوب الأنصاري سمكاً طافياً، فإن كان على عهد رسول الله ﷺ ، فلم يظهر منه إنكار دل على إباحته سنة، وإن كان بعده فلم يظهر له منكر كان إجماعاً؛ ولآن كل حيوان استغنى عن الذكاة في إباحته استغنى في موته كالجراد؛ ولأن ما حلَ أكل قبل الظفر حلّ أكله بعد الظفر كالمذكى.
فأما الجواب عن حديث جابر فمن وجهين:
أحدهما: انقطاع إسناده وضعف حاله.
والثاني: حملهما على التنزيه إذا أنتن وتغير.
وأما قياسهم على البري فمنتقض بالجراد ثم المعنى في البري افتقاره إلى الذكاة. وفي البحر استغناؤه عنها، والله أعلم بالصواب.
стр. 1798
[كتاب الضحايا]
قَالُ الشَّافِعِيِ رحمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:" أَخَبِرَنَا إسماعيل بُنَّ إبراهيم عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بُنَّ صهيب عَنْ أَنَسَّ بُنُّ مَالِكَ أَنْ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُضَحِّيَ بِكَبْشِينَ وَقَالَ أَنَسَّ: وَأَنَا أَضْحَى أيضا بِكَبْشِينَ وَقَالَ أَنَسَّ فِي غَيْرَ هَذَا الْحَديثِ ضُحًى النَّبِيِّ ﷺ كَبْشِينَ أَملحَيْنِ وَذِبْحَ أَبُو بُرْدَةَ بُنُّ نيار قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ النَّبِيُّ ﷺ يَؤُمُّ الأضحى فَزَعْمَ أَنْ النَّبِيّ أَمرَّهُ أَنْ يُعَوِّدَ لِضُحًيَةٍ أخرى فَقَالَ أَبُو بُرْدَةَ لَا أَجِدَّ إلّا جَذَعَا فَالَ النَّبِيُّ ﷺ :"إِنَّ لَمْ تَجِدْ إلّا جَذَعَا فَاِذْبَحْهُ " قَالُ الشَّافِعِيِ رحمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: فَاِحْتَمَلَ أَمرَّهُ بالإعادة أَنَّهَا وَاجِبَةُ، وَاِحْتَمَلَ عَلَى مُعَنّى أَنَّه إِنَّ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ فَلَمَّا مَالَ ﵇:" إذاً دَخَلَ الْعُشُرِ فَأَرَادَ أَحَدَّكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ فَلَا يُمِسُّ مِنْ شَعْرِهُ وَبِشْرَهُ شِيئَا " دَلَّ عَلَى أَنَّهَا غَيْرَ وَاجِبَةُ وَبَلَّغَنَا أَنْ أَبَا بَكَرَ وَعَمَرَ ﵃ كَانَا لَا يَضْحَيَانِ كراهِيَّةً أَنْ يَرَى أَنَّهَا وَاجِبَةُ، وَعَنْ اِبْنَ عباسِ أَنَّه اِشْتَرَى بِدِرْهَمِينَ لَحُمَا فَمَالَ هَذِهِ أَضَحِيَّةَ اِبْنِ عباسِ".
قال في الحاوي: والأصل في الضحايا والهدايا قوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ [الحج: ٣٦] الآية، إلى قوله ﴿الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَ﴾ [الحج:٣٦]. أما البدن ففيها ثلاثة أقاويل:
احدها: أنها الإبل خامة، وهو قول الجمهور.
والثاني: أنها الإبل والبقر، وهو قول جابر وعطاء.
والثالث: أنها النعم كلها من الإبل والبقر والغنم وفي تسميتها بدناً تأويلان:
احدهما: لكبر أبدانها، وهو تأويل من جعلها الإبل والبقر.
والثاني: لأنها مبدنة بالسمن، وهو تأويل من جعلها جميع النعم، وفي قوله: ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ﴾ [الحج:٣٦] تأويلان:
أحدهما: من فروضه. وهو تأويل من أوجب الضحايا.
والثاني: من معالم دينه.
وهو تأويل من سن الضحايا، وفي قوله: ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ [الحج: ٣٦] تأويلان:
أحدهما: أجر، قاله السدي.
والثاني: منفعة إن احتاج إلى ظهرها ركب وإن حلب لبنها شرب قاله النخعي. وفي قوله: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج: ٣٦] وهي قراءة الجمهور تأويلان:
стр. 1799
أحدهما: معقولة قاله مجاهد.
والثاني: مصطفة، قاله ابن عيسى وقرأ الحسن البصري "صوافي" أي: خالصة لله، مأخوذ من الصفوة، وقرأ ابن مسعود: "صوافن" أي مصفونة، وهو أن تعقل إحدى يديها حتى تقف على ثلاثة قوائم مأخوذ من صفن الفرس إذا أثنى إحدى يديه حتى قام على ثلاث، ومنه قوله تعالى: ﴿الصَّافِنَات الْجِيَاد﴾ [ص:٣١] قال الشاعر:
أَلِفُّ الصَّفُّونَ فَلَا يُزَالُ كَأَنَّه ... مِمَّا يَقُومُ عَلَى الثُّلاثِ كَسِيرَا
وفي قوله: ﴿وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ تأويلان:
أحدهما: أي سقطت جنوبها إلى الأرض.
ومنه قولهم: وجبت الشمس إذا سقطت للغروب.
والثاني: طفت جنوبها بخروجها الروح، ومنه وجوب الميت إذا خرجت نفسه، وفي قوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا﴾ [الحج: ٢٨] ثلاثة أوجه:
أحدها: أن الأكل والإطعام واجبان.
والثاني: أنهما مستحبان.
والثالث: أن الأكل كل مستحب والإطعام واجب، وفي قوله: ﴿الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَ﴾ [الحج:٣٦] ثلاثة أوجه:
أحدها: أن القانع: السائل، والمعتر: الذي يتعرض ولا يسأل قاله الحسن.
والثاني: أن القانع: الذي يقتنع ولا يسأل، والمعتر: الذي يعتري فيسأل قاله قتادة وأنشد أبو عبيدة.
لَهُ نَحْلَةَ الأوفى إذاً جَاءَ عَانَيَا ... وَإِنَّ جَاءَ يَعْرُو لُحَمُنَا لَمْ يُؤَنَّبْ
والثالث: أن القانع الطواف والمعتر: الصديق الزائر قاله زيد بن أسلم وقال تعالي: ﴿لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ﴾ [الحج: ٣٧] وفيه تأويلان:
أحدهما: لن يتقبل الله الدماء، إنما يتقبل التقوى.
والثاني: لن يصعد إلى الله لحومها ولا دماؤها، وإنما يصعد إليه التقوى والعمل الصالح، لأنهم كانوا في الجاهلية إذا نحروا بدنهم استقبلوا الكعبة بها ونصحوا الدماء عليها، فأرادوا أن يفعلوا في الإسلام مثل ذلك، فنهوا عنه: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ﴾ [الحج:٣٧] فيه تأويلان:
أحدهما: ذللها حتى أقدركم عليها.
والثاني: سهلها لكم حتى تقربتم بها.
стр. 1800
﴿لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [الحج: ٣٧] فيه تأويلان:
أحدهما: أنه التسمية عنا ذبحها.
والثاني: أنه التكبير عند الإحلال بدلاً من التلبية في الإحرام: ﴿وَبَشِّرِ المُحْسِنِينَ﴾ [الحج: ٣٧] فيه تأولان:
أحدهما: بالقبول.
والثاني: بالجنة، وقال تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا البَائِسَ الفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨]. أما قوله: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ ففيه قولان:
أحدهما: أمر الله بذبحها في أيام معلومات.
والثاني: التسمية يذكر الله عند ذبحها في الأيام المعلومات، وفيها قولان:
أحدهما: أيام العشر من ذي الحجة.
والثاني: أنها أيام التشريق وقول: ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج:٢٨] أي على نحر ما رزقهم، وفيه تأويلان:
أحدهما: ما ملكهم.
والثاني: ما مكنهم، وبهيمة الأنعام هي الأزواج الثمانية والضحايا والهدايا، وفي البائس الفقير: تأويلان:
أحدهما: أنه الفقير الزمن.
والثاني: الذي به ضر الجوع وأثر البؤس.
والثالث: أنه الذي يمد يده بالسؤال ويتكفف بالطلب.
وقال تعالى: ﴿إنَّا أَعْطَيْنَاكَ الكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ (٢)﴾ [الكوثر:١ - ٢] وفي الكوثر ستة تأويلات:
أحدهما: أنه النبوة، قاله عكرمة.
والثاني: أنه القرآن، قاله الحسن.
والثالث: أنه الإسلام، قاله المغيرة.
والرابع: أنه الخير الكثير، قاله ابن عباس.
والخامس: أنه كثرة أمته، قاله أبو بكر بن عياش.
والسادس: أنه حوض في الجنة يكر عليه الناس يوم القيامة، قاله عطاء وهو فاعل من الكوثر.
وفي قوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾ [الكوثر:٢] ثلاثة تأويلات:
أحدهما: أنه صلاة العيد ونحر الضحايا، قاله سعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد وقتادة.
стр. 1801
والثاني: أنها صلاة الفرض واستقبال القبلة فيها بنحر، قاله أبو الأحرص.
والثالث: أن الصلاة: الدعاء والنحر: الشكر، قاله بعض المتأخرين والأول أظهرها.
فهذه أربع آيات من كتاب الله تعالى تدل على الأمر بالضحايا والهدايا.
وأما السنة، فما رواه الشافعي في أول الكتاب عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ كان يضحي بكبشين أملحين.
وفي الأملحين ثلاثة تأويلات:
أحدها: أنه الأبيض الشديد البياض وهذا قول ثعلب.
والثاني: أنه الذي ينظر في سواد ويأكل في سواد، ويمشي في سواد وباقيه بياض، وهذا قول عائشة ﵂.
والثالث: أنه الذي بياضه أكثر من سواده على الإطلاق، وهذا قول أبي عبيد وفي قصد أضحيته بالأملح وجهان:
أحدهما: ما لحسن منظره.
والثاني: لشحمه وطيب لحمه، لأنه نوع متميز عن جنسه.
وروى أبو سعيد الزرقي أن النبي ﷺ ضحى بكبش أدغم قال ابن قتيبة: والأدغم من الكباش ما أرنبته وما تحت حنكه سواد وباقية بياض. وروى أبو رملة عن مخنف بن سليم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "على كل مسلم في كل عام أضحية عتيرة"، والعتيرة ذبيحة كانت تذبح في رجب، كما تذبح الأضحية في ذي الحجة، فنسخت العتيرة وبقيت الأضحية.
وروى الشافعي عن سفيان عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة قال رسول الله ﷺ : "لا فرعة ولا عتيرة" قال الشافعي: والفرعة في كلام العرب أول ما تنتج الناقة، يقولون: لا يملكها ويذبحها رجاء البركة في لبنها وكثرة نسلها.
فإذا ثبت أن الضحايا مأمور بها، فقد اختلف الفقهاء في وجوبها على ثلاثة مذاهب:
أحدها: وهو مذهب الشافعي، أنها سنة مؤكدة، وليست بواجبة على مقيم ولا مسافر، وهو قول أكثر الصحابة والتابعين.
стр. 1802
وبه قال أحمد بن حنبل وأبو يوسف ومحمد.
والثاني: وهو قول مالك: أنها واجبة على المقيد والمسافر وبه قال ربيعة والأوزاعي والليث بن سعد.
والثالث: وهو قول أبي حنيفة _ أنها واجبة على المقيم دون المسافر احتجاجاً في الوجوب يقول الله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢]. وهذا أمر، وبحديث أبي رملة عن محنف بن سليم عن النبي ﷺ أنه قال: "على كل مسلم في كل عام أضحاة وعتيرة" وبرواية أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "من لم يضح فلا يشهد مصلانا" وهذا وعيد يدل على الوجوب، وبرواية بشر بن يسار أن أبا بردة بن دينار ذبح أضحية قبل الصلاة، فأمره النبي ﷺ أن يعيد، فدل الأمر بالإعادة على الوجوب، قالوا: ولأن حقوق الأموال إذا اختصت بالعيد وجبت كالفطرة، قالوا: ولأن ما وجب بالنذر كان له أصل وجوب في الشرع كالعتق، ولأن توقيت زمانها والنهي عن معيبها دليل على وجوبها، كالزكوات، ودليلنا: ما رواه مندل عن ابن خباب عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "الأضاحي علي فريضة وعليكم سنة" وهذا نص. وروى عكرمة عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: "ثلاث كتبت عليَّ ولم تكتب عليكم: الوتر والنحر والسواك".
وروى سعيد بن المسيب عن أم سلمة أن النبي ﷺ قال: "إذا دخل العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يضحّي من شعره ولا بشره شيئاً". فعلق الأضحية بالإرادة، ولو وجبت لحتمها، فإن قيل: فقد فقال: "من أراد منكم الجمعة فليغتسل"فلم يدل تعليق الجمعة على الإرادة على أنها غير واجبة، كذلك الأضحية، قلنا: إنما علق بالإرادة الغسل دون الجمعة، والغسل ليس بواجب فكذلك الأضحية.
وروى عن الصحابة ﵃ ما ينعقد به الإجماع على سقوط الوجوب فروي عن أبي بكر وعمر أنهما كانا لا يضحيان مخافة أن يرى أنها واجبة.
وروي عن أبي مسعود الباري، أنه قال: لا أضحي وأما موسر لئلا يقدر جيراني أنها واجبة عليَّ.
وروي عن ابن عباس أنه أعطى عكرمة درهمين، وأمره أن يشتري بها لحماً، وقال: من سألك عن هذا فقل: هذه أضحية ابن عباس. فإن قيل: فلعل ذلك لعدم، قيل: قد روي عن ابن عباس أنه قال: عندي نفقة ثمانين سنة كل يوم ألف.
ومن القياس: أنه إراقة دم لا تجب على المسافر، فلا تجب (على) الحاضر
стр. 1803
كالعقيقة، ولأن من لم تجب عليه العقيقة لم تجب عليه الأضحية كالمسافر، ولأنها أضحية لا تجب على المسافر فلم تجب على الحاضر، كالواجد لأقل من نصاب، ولأن ما سقط وجوبه بفوات وقته مع إمكان القضاء سقط وجوبه في وقته مع إمكان الأداء كسائر السنن طرداً، وجميع الفروض عكساً، ولأن كل ذبيحة حل له الأكل منها لم يجب عليها ذبحها كالتطوع طرداً، ودم المناسك عكساً.
فأما الجواب عن الآية، فهو ما ذكرناه، من اختلاف التأويل فيها، ثم لا يمنع حملها على الاستحباب، لما ذكرنا.
وأما الجواب عن قوله ﷺ : "على كل مسلم في كل عام أضحاة وعتيرة" فمن وجهين:
أحدهما: أن رواية أبو رملة عن محنف بن سليم، وهما مجهولان عند أصحاب الحديث.
والثاني: أن جمعه بين الأضحية والعتيرة دليل على اشتراكهما في الحكم. والعتيرة غير واجبة، فكذلك الأضحية.
وأما الجواب عن قوله ﷺ : "ومن لم يضح، فلا يشهد مصلانا" فمن وجهين:
أحدهما: أنه جمع في الترك بين الأضحية، والتأخر عن الصلاة والصلاة سنة، فكذلك الأضحية، ويكون معناه: أن من ترك ما أمرناه من الأضحية، فليترك ما أمرناه من الصلاة.
والثاني: أن هذا زجر يتوجه إلى الاستحباب دون الوجوب، كما قال: "من أكل من هذه البقلة شيئاً، فلا يقربن مصلانا".
فأما الواجبات، فالأمر بها، وإلزام فعلها، أبلغ في الوجوب من هذا الزجر.
وأما حديث أبي بردة فمحمول على أحد وجهين: إما على الإعادة استحباباً وإما على الوجوب، لأنها كانت نذراً.
وأما الجواب عن قياسهم على زكاة الفطر، فهو أن زكاة الفطر لما استوى فيها الحاضر والمسافر، ولزم قضاؤها مع الفوات، وخلف منها الأضحية، جاز أن تجب زكاة الفطر، ولم تجب الأضحية.
وأما الجواب عن قياسهم بأن ما وجب بالنذر كان له أصل في الشرع فهو أن له في الشرع أصل في دماء الحج، فلم يحتج أن يكون الأضحية له أصلاً.
وأما الجواب عن استدلالهم بوقتها، والامتناع من العيوب فيها، فهو أن هذين معتبران في حق المسافر، وإن لم تجب عليه، فكذلك اعتبارها في حق الحاضر لا يقتضي وجوبها عليه، والله أعلم.
стр. 1804
مسألة:
قَالُ الشَّافِعِيِ رحمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:" وَأُمِرُّ مِنْ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ أَنْ لَا يُمِسُّ مِنْ شَعْرِهُ شِيئَا اتباعاً وَاِخْتِيَارَا بِدَلالِهُ السِّنَّةَ وَرَوَتْ عَائِشَةُ أَنَّهَا كَانَتْ تَفَتُّلُ قَلاَئِدِ هُدى رَسُولِ اللهِ ﷺ ثَمَّ يُقَلِّدُهَا هُوَ بِيدُهُ ثَمَّ يَبْعَثُ بِهَا فَلَمْ يُحْرِمُ عَلَيه شَيْءَ آحله اللهِ لَهُ حَتَّى نَحَرَّ الْهُدى. قَالُ الشَّافِعِيِ رحمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: والأضحية سِنَّةً تَطَوُّعِ لَا نَحْبَ تَرْكِهَا وَإِنَّ كَانَتْ غَيْرَ فُرَّضِ"
قال في الحاوي: وأصل هذا ما رواه الشافعي عن سفيان بن عيينة عن عبد الرحمن بن حميد عن سعيد بن المسيب عن أم سلمة قالت: قال رسول الله ﷺ : "إذا دخل العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يمس من شعره ولا بشره شيئاً".
ورواه الترمذي، قال أحمد بن الحكم البصري حدثنا محمد بن جعفر عن شعبة عن مالك بن أنس عن عمرو بن مسلم عن ابن المسيب، عن أم سلمة عن النبي ﷺ أنه قال:
"من رأى هلال ذي الحجة وأراد أن يضحي فلا يأخذن من شعره ولا من أظفاره".
قال: هو حديث حسن.
واختلف الفقهاء في العمل بهذا الحديث على ثلاثة مذاهب:
أحدها: وهو مذهب الشافعي _ أنه محمول على الاستحباب دون الإيجاب وأن من السنة لمن أراد آن يضحي أن يمتنع في عشر ذي الحجة من أخذ شعره وبشره فإن أخذ كره له ولم يحرم عليه.
وهو قول سعيد بن المسيب.
والثاني: هو قول أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه أنه محمول على الوجوب وآخذه لشعره وبشره حرام عليه، لظاهر الحديث وتشبيهاً بالمحرم.
والثالث:- وهو قول أبي حنيفة ومالك _ وليس بسنة ولا يكره أخذ شعره وبشره احتجاجاً بأنه محل، فلم يكره له أخذ شعره وبشره كغير المضحي، ولأن من لم يحرم عليه الطيب واللباس لم يحرم عليه حلق الشعر كالمحل.
والدليل على أحمد وإسحاق: إنه مسنون وليس بواجب ما رواه الشافعي عن مالك عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن عمرة عن عائشة ﵂ قالت: أنا فتلت قلائد هدي رسول الله ﷺ بيدي ثم قلدها رسول الله ثم بعث بها مع آبي فلم يحرم على رسول الله ﷺ شيء أحله الله له حتى نحر الهدي فكان هدي رسول الله ﷺ وضحاياه، لأنه كان بالمدينة، وأنقذها مع أبي بكر سنة تسع، وحكمها أغلظ لسوقها إلى الحرم، فلما
لم يحرم على نفسه شيئاً كان غيره أولى إذا ضحى في غير الحرم، ويدل على ذلك ما
стр. 1805
قدمناه من القياسين واستدلال أبي حنيفة علينا وهما في استدلال أبي حنيفة بهما مرفوعان بالنص، ووجب استعمال الخبرين، فنحمل الأمر به على السنة والاستحباب دون الإيجاب بدليل الخبر الآخر، فلا يكون واحد منهما مطرحاً.
فصل:
فإذا ثبت أنه سنة ففي قوله: "فلا يمس من شعره ولا بشره شيئًا" تأويلان ذكرهما الشافعي:
أحدهما: أنه أراد بالشعر شعر الرأس، وبالبشرة شعر البدن، فعلى هذا لا يكره تقليد الأظفار.
والثاني: أنه أراد بالشعر شعر الرأس والبدن، وبالبشرة تقليم الأظفار، وتكون السنة في تركه لأخذ شعره وأظفاره سواء، وأخذه لهما معاً مكروهاً، ولا يكره له الطيب واللباس، اقتصاراً على ما ورد به الخبر، واختلف أصحابنا في أول زمان الكراهة لأخذ شعره وبشره بعد استهلال ذي الحجة على وجهين:
أحدهما: إذا غرم على أن يضحي ولم يعينها كره له أن يمس من شعره وبشره حتى يضحي.
والثاني: أنه لا يكره له حتى يشتريها أو يعينها من جملة مواشيه، فيكره له بالشراء والتعيين.
أخذ شعره وبشره ولا يكره بالعزم والنية قبل التعين، والله أعلم.
مسألة:
قَالُ الشَّافِعِيِ:" فَإذاً ضُحًى الرَّجُلِ فِي بَيْتِهُ فَقَدْ وَقِعَ ثَمَّ اِسْلَمْ أَضَحِيَّةَ".
قال في الحاوي: ويقال ضحية وأضحية وأضحاة والضحايا، جمع ضحية، والأضاحي والهدايا من جمع وفرق فيجتمعان من وجهين، ويفترقان من وجهين:
فأما الوجهان في الجمع بينهما: فهو أنهما معاً مسنونتان غير واجبتين.
والثاني: أن له أن يأكل منها ويتصدق ويطعم الأغنياء وأما الوجهان في الفرق: فهو أن محل الهدايا في الحرم، موضع الضحايا في موضع المضحي.
والثاني: أنه يمنع من إخراج لحوم الهدايا من الحرم، وإن جاز له ادخاره فيه، ولا يمنع من إخراج لحوم الضحايا عن بلد المضحي.
فإذا تقرر هذا جاز للمضحي أن يضحي في بيته تكتب في الوسط غير بيته سراً وجهراً، وإذا ضحى بشاة أقام بها السنة، وإن كثر أهله ولا يؤمر أن يضحي عن كل واحد
стр. 1806
منهم، وإن وجبت زكاة الفطر عن كل واحد منهم، لأنهم مشتركون في أكل الأضحية فعمت، وليس لهم في الزكاة حق فحصت.
مسألة:
قَالُ الشَّافِعِيِ:" قَالُ: وَيَجُوزُ فِي الضَّحَايَا الْجَذَعِ مِنْ الضأن وَالثِّنْي مِنْ الإبل وَالْبَقَرَ وَالْمُعِزَّ، وَلَا يَجُوزُ دُونَ هَذَا مِنْ السِّنِّ ".
قال في الحاوي: أما الضحايا فلا تجوز إلا من النعم لأمرين:
أحدهما: قول الله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ﴾ [المائدة:١]
والثاني: أنه لما اختصت بوجوب الزكاة اختصت الأضحية، لأنها قربة والنعم هي: الإبل والبقر والغنم، قال الشافعي: هم الأزواج الثمانية التي قال الله تعالى: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِّنَ الضَّانِ اثْنَيْنِ ومِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام:١٤٣] يعني ذكراً وأنثى فاختص هذه الأزواج الثمانية من النعم بثلاثة أحكام:
أحدها: وجوب الزكاة فيها.
والثاني: إباحتها في الحرم والإحرام وفي تسميتها نعما وجهان:
أحدهما: لنعومة وطأها إذا مشت حتى لا يسمح لأقدامها وقع.
والثاني: لعموم النعمة فيها في كثرة الانتفاع بألبانها ونتاجها.
فإذا تقرر أن الضحايا بالإبل والبقر والغنم دون ما عداها من جميع الحيوان فأسنان ما يجوز في الضحايا منها معتبرة ولا يجزئ دونها، وقد أجمعنا على أنه لا يجزئ ما دون الجذاع من جميعها ولا يلزم ما فوق الثنايا من جميعها، واختلفوا في الجذاع والثنايا على ثلاثة مذاهب:
أحدهما: وهو قول عبد الله بن عمر والزهري أنه لا يجزئ منها إلا الثنايا من جميعها ولا يجزئ الجذع من الضأن كما لا يجزى، الجذع من المعز.
والثاني:- وهو قول عطاء والأوزاعي أنه يجزئ الجذع من جميعها حتى من الإبل والبقر والمعز كما يجزى، الجذع من الضأن.
والثالث: وهو قول الشافعي وأبي حنيفة ومالك والجمهور من الفقهاء _ أنه لا يجزئ من الإبل والبقر والمعز إلا التي دون الجذع ويجزئ من الضأن وحده الجذع.
والدليل على ذلك ما رواه جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تذبحوا إلا مسنة إلا أن تعسر عليكم فتل بحوا جذعة من الضأن".
стр. 1807
فدل هذا الخبر على اعتبار المسن من غير الضأن والجذع من الضأن، وليس ذلك شرطاً في الاعتبار، لما روى زيد بن خالد الجهني قال: "قسم رسول الله ﷺ في أصحابه ضحايا فأعطاني عنزاً ذا جذع فرجعت إليه فقلت: إنه جذع فقال: "ضح به فضحيت به"
وروي عن سعيد بن المسيب عن عقبة بن عامر قال: "سألت رسول الله ﷺ عن الجذع من الضأن فقال: ضح به" وروي عن ابن عباس قال: جلبت غنماً جذاعاً إلى المدينة فكسدت عليَّ فلقيت أبا هريرة فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "نعم الأضحية الجذع من الضأن قال: فانتهبها الناس. والدليل على أن الجذع من المعز لا يجزئ ما رواه الشافعي عن سعيد بن المسيب عن ابن خباب عن يزيد عن البراء بن عازب قال: خطب رسول الله ﷺ يوم العيد، فقال: "إن أول نسك يومكم هذه الصلاة فقام إليه خالي أبو بردة، فقال: يا رسول الله كان يوماً يشتهر فيه اللحم، وإنا عجلنا فذبحنا، فقال رسول الله ﷺ : "فأبدلها"، قال: يا رسول الله إن عندنا ماعزاً جذعاً فقال: "هي لك وليست لأحد بعدك".
فدل على أن الجذع من المعز لا يجزئ غيره، وفي تخصيص النبي ﷺ لأبي بردة بإجزائها عنه وجهان:
أحدهما: لأنه كان قبل استقرار الشرع فاستثنى.
والثاني: أنه علم من صدق طاعته وخلوص نيته ما ميزه عمن سواه، واختلفوا هل كان ذلك من رسول الله ﷺ عن اجتهاد رأيه أو عن وحي من الله تعالى؟ على وجهين:
فصل:
فإذا تقرر ما ذكرنا في أسنان الضحايا فالثني من الإبل ما استكمل خمس سنين، ودخل في السادسة، وروى حرملة عن الشافعي أنه ما استكمل ستاً، ودخل في السابعة، وليس هذا قولاً ثانياً يخالف الأول كما وهم فيه بعض أصحابنا ولكن ما رواه الجمهور عنه هو قول أهل اللغة إخباراً عن ابتداء سن الثني، وما رواه حرملة إخباراً عن ابتداء سن الثني، وما رواه حرملة إخباراً عن انتهاء سن الثني، وأما الثني من البقر فهو ما استكمل سنتين. ودخل في الثالثة، وروى حرملة ما استكمل ثلاثاً، ودخل في الرابعة، وتأويله ما ذكرناه وأما الثني من المعز فهو: ما استكمل سنة ودخل في الثانية، وروى حرملة ما استكمل سنتين، وتأويله ما ذكرناه، وأما الجذع من الضأن والمعز فهو ما استكمل ستة أشهر ودخل في الشهر السابع، وروى حرملة ما استكمل سنة وتأويله ما ذكرناه.
стр. 1808
مسألة:
قَالُ الشَّافِعِيِ:" والإبل أَحُبَّ إِلَي أَنْ يُضْحَى بِهَا مِنْ الْبَقَرِ وَالْبَقَرِ مِنْ الْغَنَمِ والضأن أَحُبَّ إِلَيِ مِنْ الْمُعِزِّ".
قال في الحاوي: أفضل الضحايا الثني من الإبل، ثم الثني من البقر، ثم الجذع من الضأن، ثم الثني من المعز.
وقال مالك: الجذع من الضأن أفضلها، لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "أفضل الذبح الجذعة من الضأن، ولو علم الله خيراً منها لفدى به إسحاق، ولأنها أطيب لحماً وأشهى إلى النفوس فكانت أفضل".
ودليلنا قوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ [لحج: ٣٦]. روي عن النبي ﷺ أنه قال: "أكرموا الإبل فإن فيها رقو الدم".
وروى جابر أن النبي ﷺ قال: "لا تذبحوا إلا مسنة إلا أن تعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن، ولأن الواحد من الإبل عن سبعة فكان أفضل من جذع الضأن الذي هو عن واحد. فأما الجواب عن قوله: "أفضل الذبح الجذعة من الضأن"، فهو أنه أراد أفضل من المعز، لأنهم كانوا يضحون بالغنم ويهدون الإبل، فإذا ثبت أن الثني هن الإبل أفضل فهو لمن أراد أن ينفرد بنحره، فأما إذا اشترك فيه سبعة ليكون كل واحد منهم مضحياً بسبعها كانت الجذعة من الضأن أفضل من سبعها.
مسألة:
قَالُ الشَّافِعِيِ ﵁:"وَالْعَفْرَاءَ أَحُبَّ إِلَيِي مِنْ السَّوْداءِ"
قال في الحاوي: وهذا صحيح، أول ما يضحى به من ألوان الغنم البيض، ثم العفر ثم الحمر، ثم البلق، ثم السواد فتكون البيض وما قاربها من الألوان أفضل من السواد لرواية يحيى بن أبي ورقة عن مولاته كبيرة بنت أبي سفيان أن النبي ﷺ قال: "أبرقوا فإن دم عفراء أذكى عند الله من دم سوداوين".
وفي قوله: أبرقوا أي ضحوا بالبرقاء وهي الشاة التي يختلط ببياض صوفها طاقات سود والعفراء التي يضرب لونها إلى البياض وليست صافية البياض، ومنه قيل للطنب العفر.
وروي أن امرأة شكت إلى رسول الله ﷺ أنه لا يبارك لها في غنمها فقال: "ما ألوانها؟ قالت: سود فقال لها: عفري" أي اخلطيها بعفر، ولأن لحوم ما خالف السواد أطيب وأصح.
стр. 1809
حكى ابن قتيبة: أن مداومة أكل لحوم السواد تحدث موت الفجاءة، وقد حكى حرملة عن الشافعي في ألوان الغنم حواً، وقهباً، وحلساً، وقمراً وسفعاً ورقشاً وزبداً فالحو: هي السود التي خالطها حمرة.
والقهباء: هي البيضاء التي خالطها حمرة.
والحلساء: التي ظهرها أحمر وعنقها أسود والقمر التي في وجهها خطط بيض وسود.
والسفعاء: التي نجدها لون يخالف لونها.
والرقشاء: المنقطة ببياض وسواد والزبداء: التي اختلط سواد شعرها ببياضه كالبرشاء إلا أن البرشاء أكثر اجتماع سواد وبياض، وباقي هذه الألوان إن ضحى لم يكن فيه كراهية وإن كان ما اخترناه من الألوان أفضل، فمنها ما كان أفضل لحسن منظره، ومنها ما كان أفضل لطيب مخبره؛ فإن اجتمعا كان أفضل.
وإن افترقا كان طيب المخبر أفضل من حسن المنظر.
مسألة:
قال الشافعي: "وزعم بعض المفسرين أن قول الله جل ثناؤه: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ [الحج:٣٢].
قال في الحاوي: اختلف المفسرون في قول الله تعالى: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإنَّهَا مِن تَقْوَى القُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢] على ثلاثة أقاويل:
أحدها: أن شعائر الله دين الله كله، وتعظيمها التزامها، وهذا قول الحسن.
والثاني: أنها مناسك الحج، وتعظيمها استيفاؤها، وهو قول جماعة.
والثالث: أنها البدن المشعرة، وتعظيمها استسمانها، واستحسانها، وهذا قول مجاهد واختيار الشافعي وفي قوله: ﴿اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ [الحج:٣٦] ثلاث تأويلات:
أحدها: أنه إخلاص القلوب.
والثاني: أنه قصد الثواب.
والثالث: أنه ما أرضى الله تعالى.
وروي أن النبي ﷺ سئل عن أفضل الرقاب، فقال: "أغلاها ثمنا وأنفسها عند أهلها".
وروي عن علي بن أبي طالب ﵇ أنه قال: "لا تتبع إلا مسنة ولا تتبع إلا
стр. 1810
سمينة، فإن أكلت أكلت طيباً، وإن أطعمت طيباً"، فدل ما ذكرنا على أن أفضل الضحايا والهدايا أسمنها وأحسنها؛ فإن كانت غنماً، فأغلاها ثمناً وأكثرها سمناً وحسناً إلا أن تكون ذات لبن يزيد ثمنها لكثرة لبنها، فيكون ما نقص ثمنه إذا كان أزيد سمناً ولحماً أفضل، وأما الإبل والبقر فقد يزيد ثمنها بالعمل تارة وبالسمن أخرى، فتكون سمانها أفضل من عواملها، وإن نقصت عن أثمانها؛ لأن المقصود منها لحومها فإن كان بعضها أكثر لحماً وأقل شحماً.
وبعضها أكثر شحماً وأقل لحماً، فذات اللحم أفضل، إن لم يكن لحمها خشناً، لأن اللحم مقصود والشحم تبع وإن كان لحمها خشناً فذات الشحم أفضل؛ لأن قليل لحمها أنفع من كثير الأخرى.
مسألة:
قَالُ الشَّافِعِيِ:" وَلَا يَجُوزُ فِي الضَّحَايَا الْعَوْرَاءِ الْبَيِّنِ عورَهَا وَلَا الْعَرْجَاءَ الْبَيِّنِ عرجَهَا وَلَا الْمَرِيضَةَ الْبَيِّنَ مَرَضَهَا وَلَا الْعَجْفَاءَ الَّتِي لَا تَنَقَّى ".
قال في الحاوي: وأصل هذا ما رواه عن مالك عن عمرو بن الحارث عن عبيد بن فيروز عن البراء بن عازب أن رسول الله ﷺ سئل عن ماذا ينتفي من الضحايا، فأشار بيده، وقال أربع وكان البراء يشير بيده ويقول: يدي أقصر من يد رسول الله ﷺ العرجاء البين ضلعها، والعوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها والعجفاء التي لا تنقى، فهذه أربع تضمنها الخير منعت من جواز الأضحية. منها: العرجاء البين ضلعها، والعرج فيها مانع من جواز الأضحية سواء كان في يد، أو رجل للخبر، ولأنها تقصر بالعرج عن لحوق غيرها في المرعى فتقل لحماً؛ ولأنه عيب يوكس ثمنها، وإذا لم تجزيء العرجاء فالقطعاء أولى فإن كان عرجها يسيراً نظر فيه فإن قصرت به عن لحوق الصحاح في المشي والسعي كان عرجا بينا لا يجزئ، وإن لم تقصر به عن الصحاح أجزأت.
فصل:
ومنها: العوراء البين عورها لا يجوز الأضحية بها للنص، ولأنه قد أذهب عضواً مستطاباً من رأسها؛ ولأنها تقصر بالعور في الرعي فيقل لحمها ولأنه موكس لثمنها وسواء لحقها العور فأذهب العين أو كانت باقية ولا تبصر بها فإنها البين عورها.
قال الشافعي: وأقل العور البياض الذي يغطي الناظر فإن غطى ناظرها ببياض أذهب بعضه وبقي بعضه نظر؛ فإن كان الذاهب من ناظرها أكثر لم تجزئ وإن كان
стр. 1811
الذاهب أقل أجزأت.
وإذا لم تجزئ العوراء فالعمياء أولى ألا تجزئ.
وقال بعض أهل الظاهر: يجوز الأضحية بالعمياء لورود النص على العوراء، وهذا من زلل المقصرين؛ لأن العمى متضعف من العور فهي عوراوان، وقد روي عن النبي ﷺ : "أنه نهى عن البخقاء، وهي العمياء التي قد انتجفت عيناها فأما الأضحية بالحولاء والقمتاء فجائز.
فأما الأضحية بالعشواء التي تبصر نهاراً ولا تبصر ليلاً، فالصحيح أن الأضحية بها جائزة، لأنها تبصر في زمان الرعي وعينها مع العشاء باقية، فلم يؤثر عدم النظر في زمان الدعة.
وفيها وجه آخر لبعض البصريين: أنها لا تجزئ، لأنها في أحد الزمانين غير ناظرة فكان نقصاً مؤثراً.
فصل:
ومنها المريضة البين مرضها، لأن مرضها مع الخبر قد أوكس ثمنها، وأفسد لحمها، وأضعف راعيتها، وهو ضربان:
أحدهما: ما ظهر من أثاره في اللحم كالجرب، والبثور، والقروح، فقليله وكثيره سواء في المنع من الأضحية، وسواء كان زواله مرجواً أو غير مرجو لوجوده في حال الذبح.
والثاني: ما لم تظهر أثاره كالمرض الكادي لشدة حرّ أو برد فإن كان كثيراّ منع وإن كان يسيراً، فقد أشار الشافعي في القديم إلى حظره، وفي الجديد إلى جوازه، فصار على قولين، فأما الهيام وهو من داء البهائم وذلك أن يشتد عطشها حتى لا ترتوي من الماء فقليله وكثيره مانع: لأنه داء مؤثر في اللحم.
فصل:
ومنها العجفاء التي لا تنقى والعجفة فرط الهزال المذهب للحم، والتي لا تنقى، والتي لا مخ لها للعجف الذي بها، والنقا هو المخ.
قال الشاعر:
أَذَابَ اللهُ نِقْيِكَ فِي السُّلاَمَى عَلَى مِنْ بِالْحَنِّينَ تَعُولِينَا
فإن كان العجف الذي بها قد أذهب نقيتها لم يجز الأضحية بها سواء كان العجف خلقة أو مزمناً، وإن لم يذهب نقيها نظر، فإن كان عجفها لمرض لم تجزئ، وإن كان
стр. 1812
خلقه أجزأت؛ لأنه في المرض داء وفي الخلقة غير داء.
فصل:
وقد روي في النواهي غير حديث البراء، فروى الشافعي عن سفيان عن أبي إسحاق الهمذاني، عن شريح بن النعمان، عن علي ﵇ عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يضحى بمقابلة ولا مدابرة ولا شرقاً ولا خرقًا"
فأما المقابلة: فهي التي قطع من مقدم أذنها بشيء
وأما المدابرة: فهي التي قطع من مؤخر أذنها شيء.
وأما الشرفاء: فالمشقوقة الأذن بالطول.
وأما الخرقاء: فالتي في أذنها ثقب مستدير، وإن كان هذا قد أذهب من الأذن شيء لم يجزئ في الضحايا؛ لأنه قد أفسد منها عضواًُ، وإن لم يذهب من أذنها شيء لاتصال المقطوع بها كرهت للنهي وان أجزأت.
وقال بعض أصحابنا: لا يجزئ مع اتصال المقطوع بها لأنه بالقطع قد فسد، وإن كان متصلاً، فصار في حكم المنفصل فصار نقص الأذن ثلاثة أضرب:
أحدها: ما منع من جواز الأضحية، وهو ما أذهب بعضها.
والثاني: ما لم يمنع منها، وهو ما لم يذهب شيئاً منها.
والثالث: ما اختلف فيه، وهو ما قطع فاتصل، ولد ينفصل.
وقيل: لا يمنع من الأضحية وان قطع جميعها لأن ا~ذن غير مأكول.
وقال سعيد بن المسيب، والحسن البصري: إن قطع أقل من النصف أجزأت فران قطع النصف فما زاد لم تجز وهذا مخالف لنص الخبر، وقد روى علي بن أبي طالب أن النبي ﷺ نهى عن الأضحية بالجدعاء، وهي المقطوعة الأذن، وقال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نستشف العين والأذن أي تكشف، وروى: "نستشرف" أي نطالع وننظر ولأن الأذن عضو فوجب أن يكون قطعه مؤثراً إذا لم يكن مستخلفاً كسائر الأعضاء، فأما التي خلقت لا أذن لها قال الشافعي في الجديد: لا تجوز الأضحية بها لأنه نقص عضو من خلقتها، وقد روى حرملة عن الشافعي في صفات الأذن الصمعاء والمصعاء والعرقاء، والقصواء، فالصمعاء، الصغيرة الأذن والمصعاء الممايلة الأذن لكبرها، والعرقاء المرتفعة الأذن إلى قرنها والقصواء المقطوعة الأذن بالعرض، فيجوز الأضحية بجميعها إلا بالقصواء لنقص الأذن فيها وسلامتها في غيرها.
ثم هكذا المقطوعة الذنب لا يجوز الأضحية بها لنقص عضو منها وقد روي عن النبي ﷺ أنه: "نهى عن الأضحية بالبتراء" وهي المقطوعة الذنب، وهكذا المخلوقة لا
стр. 1813
ذنب لها لا تجوز الأضحية بها.
ولا تجوز الأضحية بالمقطوعة الإلية وتجوز الأضحية بالتي خلقت من غير إلية لأن المعزى لا ألا يا لها، وهي في الضحايا كالضأن.
فأما التي انقطع ساقها وأثر في أكلها ورعيها فلا تجوز الأضحية بها، وإن لم يؤثر ما قطع في أكل ولا رعي جاز.
فصل:
روى يزيد أبو حفص عن عتبة بن عبد السلمي أن النبي ﷺ : "نهى عن الضحايا بالمصفرة والمستأصلة البخقاء والمشيقة".
فأما المصفرة: فهي الهزيلة التي قد اصفر لونها من الهزال، وأما المستأصلة: فهي المقطوعة الأذن من أصلها، وأما البخقاء: فهي العمياء التي نجفت عينها وأما المشيقة فهي المتأخرة عن الغنم لعجف، أو عرج حتى يشبعها الراعي بضربها حتى تلحق.
والضحايا بهذا كله لا تجوز لما قدمنا من معنى المنع وهو واحد من أمرين إما ما أفقد عضواً وإما ما أفسد لحماً، ولا يمنع ما عداهما، وإن ورد فيه نهي كان محمولاً على الاستحباب دون الإجزاء، والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي ﵀: "وليس في القرن نقص فيضحى بالجلجاء والمكسورة القرن أكبر منها دمي قرنها أو لم يدم ولا تجزيء الجرباء لأنه مرض يُفسد لحمها".
قال في الحاوي: وهذا كما قال فقد القرن في البقر والغنم لا يمنع من جواز الضحايا خلقة وبحادث، فتجوز الأضحية بالجلجاء وهي الجماء التي خلقت لا قرن لها وبالعضباء، وهي المكسورة القرن سواء دمي موضع قرنها بالكسر أو لم يدم.
وقال إبراهيم النخعي: فقد القرن مانع من جواز الأضحية خلقة وكسراً، فلا يجوز أن يضحي بجلجاء ولا عضباء.
وقال مالك: تجوز الأضحية بالجلجاء، ولا تجوز بالعضباء إذا دمي موضع قرنها واستدل النخعي بما روي عن النبي ﷺ أنه "نهى عن الأضحية بالعضباء" ودليلنا: ما قدمناه من معنى المنع، وهو ما أفقد عضواً مأكولاً، أو فسد لحماً مقصوداً، وليس في فقد القرن واحد من هذين الأمرين، فلم يمنع فكان النهي محمولاً على الكراهة دون التحريم، كما روي أنه "نهى عن الأضحية بالقرناء أفضل على أن الشافعي قد روى عن علي بن أبي طالب ﵇ أن النبي ﷺ "ضحى بعضباء الأذن".
стр. 1814
وحكي عن (سعيد) بن المسيب: أن العضباء إذا قطع منها النصف فما فوقه، فصار المراد به نصاً قطع الأذن دون القرن ومن أعجب ما يقول مالك: أنه يمنع من الأضحية بالمسكورة القرن ويجوز الأضحية بالمقطوعة الأذن والقرن غير مأكول والأذن مأكولة.
مسألة:
قَالُ الشَّافِعِيِ:"وَلَا وَقَتَّ لِلْذِبْحِ يَوْمَ الْأَضْحَى إلّا فِي قِدْرِ صَلاَةِ النَّبِيِّ وَذَلِكَ حِينَ حَلَتْ الصَّلاَةُ وَقَدْرَ خُطَبَتَيْنِ خُفَيْفَتَيْنِ وَإذاً كَانَ هَذَا الْقِدْرُ فَقَدْ حَلَّ الذِّبْحُ لَكُلَّ أَحَدَّ حَيْثُ كَانَ فَأَمَا صَلاَةَ مِنْ بَعْدَه فَلَيْسَ فِيهَا وَقَتَّ".
قال في الحاوي: اختلف الفقهاء في أول وقت الأضحية على أربعة مذاهب:
أحدها: وهو مذهب الشافعي أن أول وقتها في الأمصار والقرى للحاضر والمسافر واحد، وهو معتبر بوقت الصلاة لا بفعلها، فإذا طلعت الشمس وارتفعت حتى خرجت عن كراهة التنقل بالصلاة ومضى بعد ذلك قدر ركعتين وخطبتين دخل وقت النحر، جاز ذبح الأضحية فيه سواء صلى الإمام في المصر أو لم يصل.
واختلف أصحابنا في تقدير زمان الركعتين والخطبتين على وجهين:
أحدهما: أن الركعتين من صلاة النبي ﷺ في العيد وخطبتيه فإنه كان يقرأ في الأولى بعد الفاتحة بسورة "ق" وفي الثانية بسررة "اقتربت" وكان يخطب خطبتين يستوفي فيها التحميد والمواعظ وبيان الأضاحي والوصية بتقوى الله تعالى، وقراءة آية، فيكون اعتبار وقت صلاته وخطبتيه هو المشروط في دخول الوقت.
والثاني: أن يعتبر بأقل ما يجزئ في صلاة ركعتين، وأقل ما يجزئ في خطبتين ولا اعتبار بما كانت عليه صلاة رسول الله ﷺ فإنه كان يطيل مرة، ويخفف أخرى، ويقدم تارة ويؤخر أخرى، وإنما الاعتبار بتحديد مشروع لا يختلف.
ثم اختلف أصحابنا بعد هذا، هل كان وقتها على عها رسول الله ﷺ في اعتبار قدر صلاة يحكمها فيمن بعده من الأئمة على وجهين:
أحدهما: على أن الحكم فيهما سواء.
والثاني: في أنه عهد النبي ﷺ معتبر بصلاته، وفي عهد من بعده معتبر بقدر الصلاة. فهذا شرح مذهب الشافعي وأصحابه فيه.
والثاني: وهو قول أبي حنيفة: أنه معتبر في الأمصار بصلاة الأئمة فيها، وفي القرى والأسفار معتبر بطلوع الفجر، فإن ضحى أهل الأمصار قبل صلاة الأئمة كان شاة لحم ولم تكن أضحية.
والثالث: وهو قول مالك أنه في الأمصار معتبر بصلاة الإمام ونحره وفي القرى
стр. 1815
والأسفار معتبر بصلاة الأئمة في أقرب البلاد بهم، فإن ذبح أهل الأمصار قبل ذبح الإمام كانت شاة لحم ولم تكن أضحية.
والرابع: وهو قول عطاء، أنه في وقت جميع الناس معتبر بطلوع الشمس من يوم النحر، واستدل من ذهب إلى قول أبي حنيفة ومالك برواية البراء بن عازب أن النبي ﷺ قال: "لا ذبح قبل صلاة الإمام".
وبرواية جرير بن عبد الله البجلي قال: شهدت العيد مع رسول الله ﷺ فعلم أن ناساً ذبحوا قبل الصلاة، فقال رسول الله ﷺ : "من كان منكم ذبح قبل الصلاة فليعد ذبيحته ومن لم يذبح فليذبح على اسم الله"
قالوا: وتقديرها بفعل الصلاة يقين وتقديرها بزمان الصلاة اجتهاد، فكان اعتبار وقتها باليقين أولى من اعتباره بالاجتهاد؛ ولأن تقديرها بالفعل متفق عليه، وبالزمان مختلف فيه والأخذ بالاتفاق أولى من العمل بالاختلاف.
ودليلنا ما رواه الشافعي عن عبد الوهاب بن عبد المجيد، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي عن البراء بن عازب أن رسول الله ﷺ قام يرمي النحر خطيباً فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "لا يذبحن أحد حتى يصلي" فقام خالي فقال: يا رسول الله هذا يوم اللحم فيه مكروه واني ذبحت نسيكتي فأطعمت أهلي وجيراني، فقال له رسول الله ﷺ : قد فعلت فأعد ذبحاً آخر قال: عندي عناق لبن هي خير من شاتي لحم، فقال: "هو خير نسيكتيك لن تجزيء جذعة عن أحد بعدك"
فموضع الدلالة فيه: أنه علق التحريم بصلاة المضحي لا بصلاة الإمام والمضحي يجوز أن يصلي العيد منفرداً وليس يعتبر فعله للصلاة اتفاقاً، فدل على أنه أراد وقت الصلاة.
ومن القياس: أن كل عبادة تعلقت في حق أهل القرى تعلقت بالوقت في حق أهل الأمصار، كالصلاة طرداً والكفارات عكساً؛ ولأن كل ما كان وقتاً للذبح في حق أهل القرى، كان وقتاً للذبح في حق أهل الأمصار، كما بعد الصلاة طرداً وعكسه دلالة عليهم في أهل القرى أن كل ما لم يكن وقتاً لذبح أهل الأمصار لم يكن وقتاً لذبح أهل القرى، كما قبل الفجر؛ ولأن ما توفت من العبادات إذا تقدر آخره بالوقت تقدر أوله بالوقت كالصلاة طرداً أو الزكاة عكساً؛ ولأن أحد طرفي زمان الذبح، فوجب أن يكون مقدراً بالوقت كالطرف الأخير.
فأما الجواب عن قوله: "لا ذبح قبل صلاة الإمام" فمن وجهين:
أحدهما: أن الإمام رسول الله ﷺ وقد مضى، فوجب أن يعتبر وقت صلاته وهو ما قلناه.
стр. 1816
والثاني: أن المراد به قبل وقت الصلاة الإمام كما قال: "من أدى ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقعد أدرك العصر".
يرد: من أدرك ركعة من وقت العصر وإنما جعلناه على أحد هذين الجوابين في حق أهل المصر كما عدلوا به عن ظاهر حق أهل القرى، وكذلك الجواب عن الحديث الآخر.
وأما الجواب عن قولهم إن اعتبارها بفعل الصلاة يقين وبزمانها اجتهاد فهو أن اعتبارها بزمان الصلاة أولى؛ لأنه يتماثل ولا يختلف وبفعل الصلاة يختلف. وأما الجواب عن قولهم: إنه متفق عليه، فهو أن دلائل الشرع هي المعتبرة دون المذاهب المتعدة؛ لحدوث المذاهب عن الأدلة فلم يجز أن يجعل المذاهب أدلة.
وأما الجواب عن صلاة الظهر في يوم الجمعة فهو أن فعلها معتبر بفوات الجمعة، ولذلك تعلق بفوات فعلها دون وقتها، وليس وقت الأضحية بمثابتها، وعلى أنهما يتساويان إذا لم يصل العيد، ولم يصل الجمعة جاز ذبح الأضحية وجازت صلاة الظهر، ولو تعلقا في وقتها بفعل الصلاة لم تجزئ إذا لم تقم الصلاة، والله أعلم.
مسألة:
قَالُ الشَّافِعِيِ:" وَالذَّكاةَ فِي الْحَلَقِ وَاللَّبَّةِ وَهِي مَا لَا حَيَاةَ بَعْدَه إذاً قَطْعَ وَكَمَالَهَا بأربع: الْحُلْقُومُ وَالْمَرِيءُ وَالْوَدَجَيْنِ وَأَقَلُّ مَا يُجَزِّئُ مِنْ الذَّكاَةِ أَنْ يُبَيِّنَ الْحُلْقُومُ وَالْمَرِيءُ وَإِنَّمَا أُرِيدُ بِفِرًى الأوداج لِأَنَّهَا لَا تُغْرِي إلّا بَعْدَ قَطْعِ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءُ وَالْوَدَجَانِ عَرْقَانَ قَدْ يَنْسَلَّانِ مِنْ الإنسان وَالْبَهيمَةَ ثَمَّ يَحْيَا".
قال في الحاوي: أما الذكاة في اللغة فقد ذكرنا أن فيها ثلاثة أوجه:
أحدها: أنها التطييب من قولهم: رائحة ذكية أي طيبة فمي بها ذبح الحيوان؛ لما فيه من تطييب أكله.
والثاني: أنها القطع فسمي بها ذبح الحيوان لقطعه.
والثالث: أنها القتل فسمي بها ذبح الحيوان لقتله، والذكاة حالتان: كمال، وإجزاء.
فأما حال الكمال فيكون بقطع أربعة: الحلقوم والمريء والودجين، فأما الحلقوم فهو مجرى النفس في مقدم الرقبة وأما المريء فهو مجرى الطعام والشراب يلي الحلقوم، وبهما توجد الحياة، وبفقدهما تفقد الحياة، وأما الودجان فهما عرقان في جنبي العنق من مقدمة، ولا تفوت الحياة بقواتهما.
قال الشافعي: لأنهما قد ينسلان من الإنان والبهيمة ثم يحييان، والودجان اسم
стр. 1817
لهما في البهيمة ويسميان في الإنسان والوريدان، ومنه قوله تعالى: ﴿ونَحْنُ أَقْرَبُ إلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ [ق:١٦] ولكن لما ذكره الشافعي في الإنسان والبهيمة سماه فيهما باسم واحد إفهاماً للعامة فهذا حال الكمال في الذكاة بقطع هذه الأربعة:
وأما حال الجواز فقد اختلف الفقهاء فيه على أربعة مذاهب:
أحدها: وهو مذهب الشافعي أن أجزاء الذبح بقطع الحلقوم والمريء دون الودجين، فإن قطع الحلقوم والمريء واستثنى الودجين حل الذبح، وإن كان استبقاء الودجين بعد قطع الحلقوم متعززاً لا يتكلف؛ لأنهما يكتنفان الحلقوم والمريء من جانبهما، فإن تكلف واستبقاهما جاز.
والثاني: وهو قول مالك أنه لا يحل الذبح إلا بقطه الأربعة كلها، فإن استبقى منها شيئاً لم تحل.
والثالث: وهو قول أبي حنيفة أنه لا تحل الذبيحة إلا بقطع أكثر الأربعة كلها إذا قطع من كل واحد منهما أكثره وترك أقله حلّ فإن ترك منها واحداً لم يقطع أكثره لم تحل.
والرابع: وهو قول أبي يوسف لا تحل إلا بقطه أكثرها عدداً وهو الحلقوم والمريء وأحد الودجين احتجاجاً برواية أبي أمامة أن النبي ﷺ قال: "ما فري الأوداج فكلوا ما لم يكن قرض ناب أو حز طعن فجعل فري الأوداج شرطاً في الإباحة، ولأن مخرج الدم من الأوداج، فكان قطعها أخص بالذكاة ودليلنا ما رواه الشافعي عن سفيان عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جاه، عن عباية بن رفاعة عن رافع بن خديج، قال: "قلنا: يا رسول الله إنا ملاقو العدو غداً أفندكي بالليطة" فقال رسول الله ﷺ : "أما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه إلا ما كان من سن أو ظفر فإن السن عظم من الأسنان والظفر مدي الحبشة". فاعتبرها بما أنهر الدم، وقطع الحلقوم والمريء منهر للام، فتعلق به الأجزاء، ولأن مقصود الذكاة فوات النفس بأخف ألم، لرواية شداد بن أوس أن النبي ﷺ قال: "إن الله كتب على كل شي، الإحسان، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وليحد أحاكم شفرته وليرح ذبيحته" والأسهل في فوات الروح انقطاع النفس، وهو بقطع الحلقوم أخص، وبقطع المريء، لأنه مسلك الجوف، وليس بعد قطعهما حياة، والودجان قد يسلان من الإنسان والبهيمة فيعيشان، فكان اعتبار الذكاة بما لا تبقى معه حياة أولى من اعتبارهما بما تبقى معه حياة.
وأما الجواب عن قوله: "ما فري الأوداج، فكلوا" فهو أنه غير مستعمل الظاهر؛
стр. 1818
لأن فري الأوداج مع بقاء الحلقوم والمريء غير مبيح، فصار ظاهره متروكاً. فإن قيل: عدم الاقتصار عليه لا يمنع من دخوله في عموم الشرط.
قيل: يدخل في عموم الكمال؟ ولا يدخل في عموم الإجزاء.
فأما الجواب عن قولهم: إنه خص بمخرج الدم، فهو أن المقصود بالذكاة خروج الروح وخروجها بانقطاع النفس من الحلقوم وخروج الدم تابع.
فصل:
فإذا تقرر أن إجزاء الذكاة يكون بقطع الحلقوم والمريء لم تصح الذكاة بقطع أحدهما، ووهم بعض أصحابنا وأحسبه أبا سعيد الاصطخري، فأباح الذكاة بقطع أحدهما لفقد الحياة بقطعه، وهذا زلل منه خالف به نص الشافعي، ومعنى الذكاة أن المقصود بها ما عجل التوجية من غير تعذيب وفي قطع أحدهما إبطال للتوجية وتعذيب للنفس فلم تصح به الذكاة.
وأما إذا قطع بعض الحلقوم والمريء فإن قطع أقلهما لم تحل الذكاة وإن قطع أكثرهما ففي إحلالها وجهان:
أحدهما: وهو الظاهر من مذهب الشافعي: أنها لا تحل؛ لأنه يصير مقتصراً على أقل الأربعة.
والثاني: أنها تحل؛ لأن قطع أكثرها يقوم في فوات الحياة مقام جميعها فأما إن قطع الودجين دون الحلقوم والمريء لم تحل وقد روى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ : "نهى عن شريطة الشيطان" وهو الاقتصار على قطع الودجين في انهمار الدم مأخوذ من شرطة الحجام.
مسألة:
قَالُ الشَّافِعِيِ:" وَمَوْضِعَ النَّحْرِ فِي الْاِخْتِيَارِ فِي السَّنَةِ فِي اللَّبَّةِ، وَمَوْضِعَ الذِّبْحِ فِي الْاِخْتِيَارِ فِي السَّنَةِ أَسُفْلَ مَجَامِعِ اللِّحًيِينَ فَإذاً نَحَرَتْ بَقَرَةُ أَوْ ذِبْحَ بَعيرِ فَجَائِز".
قال في الحاوي: اعلم أن السنة في الإبل النحر في الثغرة، وهو عند الله في موضح الصدر؛ لأنه أرق وأوحى، والسنة في البقر والغنم الذبح في أسفل مجامع اللحيين، وأعلى العنق؛ لأنه أرق وأوحى فيكون النحر قطع الحلقوم والمريء من أسفل العنق والذبح قطع الحلقوم والمريء من أعلى العنق، فصار قطع الحلقوم والمريء معتبرا فيهما، وإن اختلف محل قطعهما بالسنة وتعجيل التوجية، فإن خالف فذبح ما ينحر من الإبل، ونحر ما يذبح من البقر والغنم أجزأ، وأساء. وقال مالك: إن ذبح ما ينحر من
стр. 1819
الإبل حل، وإن نحر ما يذبح من البقر والغنم حرم، والدليل على جواز الأمرين قول الله تعالى: ﴿إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] ولم يخص. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "الذكاة في الحلق واللبة". فكان على عمومه، ولأن الذبح قطع الحلقوم والمريء من أعلاهما والنحر قطع الحلقوم والمريء من أسفلهما فاستوى حكم قطعهما في المحلين؛ ولأن ما حل بالذبح حل بالنحر كالإبل؛ ولأن ما حلت به الإبل حلت به البقر كالذبح، فأما إذا قطع ما فوق الحلقوم والمريء في الرأس وما دون الحلقوم والمريء من الجوف لم تحل وإن وحى فصار كقطعهما باثنين.
مسألة:
قَالُ الشَّافِعِيِ:" قَالُ عُمَرِ وَاِبْنَ عباسِ: الذكاه فِي الْحلْوِ وَاللَّبَّةِ وَزادَ عُمَرِ: وَلَا تَعَجَّلُوا الأنفس أَنْ تَزْهَقَ وَنُهًى عَنْ النُّخُعِ "
قال في الحاوي أما قوله: الذكاة في الحلق واللبة فقد رواه الشافعي عن عمر وابن عباس ورواه غيره عن النبي ﷺ وليس يمتنع أن يكون مسنوناً عن الرسول، ومأثوراً عن الصحابة، وقد مضى حكم الذكاة في الحلق واللبة وأما ما رواه الشافعي عن عمر أنه قال: "لا تعجلوا الأنفس أن تزهق".
فالزهق: الإسراع، والمراد به إسراع خروج النفس، ومنه قوله تعالى: ﴿وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ﴾ [التوبة: ٥٥] وفي المراد بنهي عمر عنه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يقطع أعضاء الذبيحة قبل خروج نفسها ليتعجل أكلها كالذي كانت تفعله الجاهلية.
والثاني: أن يعجل سلخها قبل خروج نفها ليتعجل أكلها.
والثالث: أن يمسكها بعل الذبح حتى لا تضطرب ليتعجل خروج روحها كاليهود، وهذه الثلاثة لا تمنع من الإباحة لوجودها بعد الذكاة، وأغلظها في الكراهة قطعها ثم سلخها ثم إمساكها، وإن لم يحرم الأكل بواحد منها، وأما نهي عمر ﵁ عن النخع فقل روي عنه أنه قال: "لا تنخعوا ولا تفرسوا" فأما النخع ففيه وجهان:
أحدهما: أنه كسر العنق في قول الشافعي.
والثاني: كسر عظم الرأس في قول أبي هريرة.
والثالث: أن يبالغ في القطع حتى يصل إلى قطع النخاع وهو عرق في الصلب يمتد إلى القفا وهذا قول أبي عبيدة.
وأما الفرس ففيه وجهان:
أحدهما: أنه كسر العظم.
стр. 1820
والثاني: أنه قطع الرأس مأخوذ من افتراس السبع وليس في النخع ولا الفرس على كلا الوجهين مانع من الإباحة وإن كانا مكروهين لحدوثهما بعد كمال الذكاة وإن كانت الروح باقية وأشدهما كراهة أشدهما تعذيباً وألماً.
مسألة:
قَالُ الشَّافِعِيِ:" قَالُ: وَأُحِبُّ أَنْ لَا يُذَبِّحُ الْمَنَاسِكُ الَّتِي يَتَقَرَّبُ بِهَا إِلَى اللهِ إلّا مُسَلَّمَ فان ذِبْحَ مشرك تَحِلُ ذِبْحَتُهُ أَجْزَأُ عَلَى كَرَاهِيَّتِي لَمَّا وَصَفَتْ".
قال في الحاوي: الأولى بالمضحي والمهدي أن يتولى بنفسه ذبح أضحيته وهديه لرواية جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن النبي ﷺ ساق مائة بدنة فنحر بيده منها ثلاث وستين بدنة وأمر علياً ﵇ فنحر ما بقي.
وروى نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ كان يذبح أضحيته بالمصلى قال نافع:
وكان عمر يفعل ذلك.
وقالت عائشة رضوان الله عليها: كان رسول الله ﷺ يأمر نساءه أن يلين ذبح هديهن لأنهما قربة فكان قيامه بها أفضل من استنابته فيها، فإن استناب فيها جاز؛ لأن النبي ﷺ استناب علياً في نحر ما تبقى من هديه، ويختار أن يحضر ذبحها، إذا استناب، لما روي عن النبي ﷺ أنه قال لامرأة من أهله قيل: إنها فاطمة ﵍: "حضري ذبح نسيكتك فإنه يغفر لك بأول قطرة" ويختار إذا استناب في ذبحها أن يستنيب فيها خيار المسلمين؛ لأن قيامهم بالقرب أفضل، ومن استناب فيها من المسلمين أجزأ، وإن كان فاسقاً، فإن استناب في ذبحها كافراً لا تؤكل ذبيحته من المجوس أو عبدة الأوثان فهي ميتة لا تؤكل.
وإن كان مأكول الذبيحة كالكتابي حلت وكانت أضحية وإن كان قيام الكافر بها مكروها.
وقال مالك: هي شاة لحم يحل أكلها، ولا تكون أضحية؛ احتجاجاً لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يذبح ضحاياكم إلا طاهر" يريد إلا مسلم ولأنه كافر فأشبه المجوسي.
ودليلنا قول الله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة:٥] فكان على عمومه من الضحايا وغيرها؛ ولأن كل من كان من أهل الكتاب صح أن يذبح الأضحية
стр. 1821
كالمسلم؛ ولأنه ذبح يصح من المسلم فصح من الكتابي كالذكاة؛ ولأن معونة الكافر على القرب لا يمنع من الإجزاء كاستنابته في تفريق الزكوات والكفارات فأما الجواب عن قوله ﷺ : "لا يذبح ضحاياكم إلا طاهر" فهو أن معناه إلا مطهراً للضحايا، وهو من تحل ذبيحته، فمنع به ذبيحته المجوسي والمعنى في منع المجوسي والوثني أنهم ليسوا من أهل الذكاة بخلاف أهل الكتاب.
مسألة:
قَالُ الشَّافِعِيِ ﵀:" وَذِبْحَ مِنْ أَطَاقِ الذِّبْحِ مِنْ امرأة حائِضَ وَصَبِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَحُبَّ إِلَيِي مِنْ ذِبْحِ النَّصْرَانِيِّ وَالْيَهُودِيِّ."
قال في الحاوي: أما ذبح النسا، فجائز ليس فيه كراهة كالرجال لما روت عائشة ﵂ أن النبي ﷺ أمر نساءه أن يلين ذبح هديهن" وروى الشافعي عن عبد بن حميد عن ابن جريج عن نافع قال: سمعت رجلا من الأنصار يحدث عبد الله بن عمر أن كعب بن مالك كان يرعى غنماً له بسفح الجبل الذي عند سوق المدينة ترعاها جارية له، وكادت شاة منها تموت، فأخذت الجارية حجراً، فكسرته، وذبحت به الشاة، فزعم كعب أنه استفتى رسول الله ﷺ في ذلك، فقال: "كلوا شاتكم" فدل هذا الحديث على أحكام منها: إباحة ذبائح النساء.
والثاني: جواز الذبح بالحجر.
والثالث: أن ما ذبحه غير مالكه حل أكله.
والرابع: أن ذكاة ما أشفى على الموت جائزة إذا كان فيه حياة مستقرة وسواء كانت المرأة طاهراً أو حائضاً غير أن الحائض لا تكره ذبيحتها بغير الضحايا واختلف في كراهة ذبحها للضحايا وان أجزأت على وجهين:
فأما الصبي الذي لم يبلغ فذبيحته مكروهة في الضحايا وغيرها، وإن أجزأت لصغره عن مباشرة الذبح، ولقصوره عن التكاليف وذبيحته أحب إلينا من ذبيحة اليهودي والنصراني؛ لأنه مسلم يصح منه فعل العبادة، فكان أولى من كافر لا يصح منه فعل العبادة وسواء كان الصبي مراهقاً أو غير مراهق في إباحة ذكاته مع الكراهة إلا أن الكراهة في ذبح غير المراهق أقوى، ووهم بعض أصحابنا فخرج في ذكاته وجهاً آخر أنها لا تؤكل من اختلاف قول الشافعي في قتله عمداً هل يجري منه مجرى الخطأ، فإن جعل عماه خطأ لم تحل ذكاته وهذا زلل، لأن العمد والخطأ في إباحة الذكاة سواء.
مسألة:
قَالُ الشَّافِعِيِ:"وَلَا بأس بِذَبيحَةِ الأخرسِ".
стр. 1822
قال في الحاوي: وهذا صحيح وهي غير مكروهة؛ لأنه في جميع العبادات كالناطق، ولأنه وإن عجز عن التسمية فليست شرطاًَ في الذكاة وإشارته بها تقوم مقام نطق الصحيح فلم يكن تاركاً لها، ويجزئ على قول أبي حنيفة ومن أخذ بمذهبه في وجوب التسمية على الذبح أن يبيح ذكاته في حق نفسه، ولا يبيحها في حق غيره في اللحوم والأضاحي: ولأن إشارته بالتسمية تقوم مقام النطق في حق نفسه، ولا تقوم مقامه في حق غيره فيما قد ينفرد به لأجل هذا الخلاف كفاية.
فأما ذبيحة الأعمى، فمكروهة، وإن حلت خوفاً من أن يخطئ محل الذبح ولا تمنع من الإباحة كالبصير إذا ذبح مغمض العينين أو في ظلمة.
مسألة:
قَالُ الشَّافِعِيِ:" وَأَكِرُهُ ذَبيحَةً السَّكْرَانَ وَالْمَجْنُونَ فِي حالِ جُنُونِهُ وَلَا يَتَبَيَّنُ أَنَّهَا حَرامُ ".
قال في الحاوي: وإنما كرهنا ذبيحة السكران والمجنون لما يخاف من عدولهما عن محل الذبح، ومبالغتهما في القطع إلى محل الكراهة مباحة، لأنهما من المسلمين، والقصد في الذكاة غير معتبر ومن هم من أصحابنا في ذكاة الصبي، فخرج بها وجهاً أخر، وهي في السكران والمجنون، فخرج في ذكاتهما وجهاً أخر أنها لا تصح. أما المجنون، فمن عمده في القتل، وأما السكران فمن قوله في القديم: إن طلاقه لا يقع وتخريجه في الجميع فاسد بما ذكرناه، ويجب على مذهب مالك أن ذكاتهم تكون لحماً، ولا تكون أضحية على قياس قوله في الكافر.
مسألة:
قَالُ الشَّافِعِيِ: "وَلَا تَحِلُ ذَبيحَةُ نَصَارَى الْعَرَبِ وَهُوَ قولَ عُمَرِ ﵁".
قال في الحاوي: ذبيحة النصارى على أقسام، وكذلك اليهود.
أحدها: ما كان مباحاً، وهم بنو إسرائيل، ومن دان بدينهم قبل التبديل، ولم يعتقد في العزير والمسيح، أنهما ابنا الله، فتحل ذبائحهم سواء كانوا من أهل الذمة أو من أهل الحرب لقول الله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة:٥].
والثاني: ما كان محرماً، ومنهم من دخل في اليهودية والنصرانية بعد التبديل كنصارى العرب ومن جرى مجراهم من النصارى واليهود، فذبائحهم حرام لا تحل لسقوط حرمتهم.
والثالث: ما كان مختلفاً فيه، وهم بنو إسرائيل من اليهود والنصارى، إذا قالوا في العزير والمسيح إنهما ابنا الله ففي إباحة ذبائحهم وجهان لأصحابنا: أحدهما: يحل أكل
стр. 1823
ذبائحهم؛ لأن الله تعالى قد أباح ذبائحهم مع إخباره بذلك، عنهم، وهو قول الأكثرين.
والوجه الثاني: لا تحل ذبائحهم؛ لأنه قول طائفة منهم خرجوا عن حكم التوحيد إلى الإشراك به فتوجهت الإباحة إلى من عداهم من الموحدين، وهو عندي أظهر.
فصل:
فأما ذبيحة النصارى باسم المسيح فضربان:
أحدهما: ما ذبحوه لله تعالى، ويذكروا عليه اسم المسيح، فأكله حلال، وإن كرهناه؛ لأنه مقصود به وجه الله تعالى، فكان ذكر المسيح فيه تبعاً.
والثاني: أن يذبحوه للمسيح فأكله حرام كذبائح الأوثان؛ لأنه معدول به عن وجه الله تعالى قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾ [المائدة:٣].
وقد روي عن النبي ﷺ : "أنه نهى عن ذبائح الجن" قال أبو عبيدة: هو أن يشري الرجل داراً أو يستخرج عنها فيذبح خوفاً أن فيها الجن، فهو على ما ذكرناه من الضربين إن فعل ذلك تقرباً إلى الله تعالى، ليستدفع به إصابة الجن حل أكلها، وإن ذبحها للجن لاستدفاعهم حرم أكلها.
مسألة:
قَالُ الشَّافِعِيِ:" وَأُحِبُّ أَنْ يَوْجُهَ الذَّبيحَةُ إِلَى الْقُبَلَةِ ".
قال في الحاوي: إنما كانت السنة أن توجه ذبيحته إلى القبلة في اللحم والضحايا لما روت عائشة ﵂ قالت: قال رسول ﷺ : "ضحوا وطيبوا بها أنفسكم، فإنه ليس من مسلم يستقبل بذبيحته إلى القبلة إلا كان دمها وفرثها، وصوفها حسنات محضورات في ميزانه يوم القيامة".
وروى جابر بن عبد الله قال: "ضحى رسول الله ﷺ بكبشين أقرنين فلما وجههما قرأ: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ﴾ [الأنعام: ٧٩] الأيتين؛ ولأنه لا بد في ذابحها أن يتوجه بها إلى جهة فكانت جهة القبلة أفضل لقول النبي ﷺ : "خير المجالس ما استقبل به القبلة" ولأنها قربة فكانت القبلة أخص بها كالصلاة فإن قيل: فهو سفح دم، وإلقاء فرث، وهي أنخاس فيجب أن يكون تنزيه القبلة عنها أولى كالبروز للغائط والبول، قيل: ليس في كشف العورة للغائط والبول طاعة فكان صيانة القبلة عنه فأولى، وفي ذبح الضحايا طاعة
стр. 1824
وقربة فكان استقبال القبلة بها أولى، فافترقا، ويختار أن يتظاهر بذبح الضحايا وبكل ذبيحة فيها للفقراء نصيب ليحضروا، فينالوا منها ويستمر بذبح ما يختص بأكله من اللحم ليقل فيه التحاشد.
مسألة:
قَالُ الشَّافِعِيِ ﵀:" وَيَقُولُ الرَّجُلُ عَلَى ذَبيحَتِهُ بَاسِمَ الله."
قال في الحاوي: قد ذكرنا أن التسمية عند الذبح في الضحايا واللحم، وعند إرسال الجوارح على الصيد سنة وليست بواجبة فإن تركها ذاكراً أو ناسياً حلت الذبائح وصيد الجوارح.
وقال داود، وأبو ثور: هي واجبة مع الذكر والنسيان، فإن تركها عامداً أو ناسياً حرمت.
وقال أبو حنيفة، وسفيان الثوري: هي واجبة مع الذكر دون النسيان فإن تركها عامداً حرمت وإن تركها ناسياً حلّت.
والدليل عليهم قد مضى، ومنه ما رواه البراء بن عازب عن النبي ﷺ أنه قال: "المسلم يذبح على اسم الله سمي أولم يسم".
وروى أبو هريرة أن رجلا قال: يا رسول الله إنا نذبح، وننسى أن نسمي الله فقال:
"اسم الله على قلب كل مسلم"؛ ولأن ما لم يكن شرطاً في الذكاة مع الذكر لم يكن شرطا فيها مع النسيان كالصلاة على النبي ﷺ وقد مضت هذه المسألة مستوفاة. ويختار له في الضحايا خاصة أن يكبر الله تعالى قبل التسمية وبعدها ثلاثاً، لأنها في أيام التكبير، فيقول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر ولله الحمد خاتماً بالحمد بعد التكبير.
مسألة:
قَالُ الشَّافِعِيِ:" وَلَا أَكَرِهَ الصَّلاَةِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ لِأَنَّهَا إيمان بِاللهِ قَالُ ﵊: أَخْبِرِنَّي جبريل عَنْ اللهِ جَلِّ ذَكَرِهُ أَنَّه قَالُ: مِنْ صَلَى عَلَيكِ صَلِيَتْ عَلَيه
قال في الحاوي: أما الصلاة على النبي ﷺ عند الذبح، فليست واجبة إجماعاً، ولا مكروهة عندنا، واختلف أصحابنا في استحبابها على وجهين:
أحدهما: أشار إليه الشافعي في الأم أنها مستحبة.
والثاني: هو قول أبي علي بن أبي هريرة أنها غير مستحبة ولا مكروهة، وكرهها مالك وأبو حنيفة احتجاجاً بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "موطنان لا أذكر فيهما عند
стр. 1825
الذبيحة والعطاس"؛ ولأنه يسير بذكره مما أهل به لغير الله، فوجب أن يكون مكروهاً ٠ ودليلنا قول الله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح:٤] قيل: معناه لا أذكر إلا ذكرت معي، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] الآية، فكان عند القرب بالذبائح أولى أن يكون مذكوراً قال الشافعي: وخشيت أن يكون الشيطان أدخل على بعض أهل الجهالة أن كرهوا الصلاة عليه عند الذبيحة لموضع غفلتهم أو لا يرى لما رواه عبد الرحمن بن عوف قال: كنت مع رسول الله ﷺ فسبقني، فجثت فرأيته ساجداً، فأقمت طويلاً، فلما رفع رأسه قلت: يا رسول الله لقد خشيت أن يكون الله قبض روحك في سجودك لما أطلت فقال: لما فارقتك لقيني جبريل، فأخبرني عن الله تعالى أنه قال: من صلى عليك صليت عليه، فسجدت شكراً لله" وهذا يدل على استحباب الصلاة فكيف يكره. وروي عن النبي ﷺ أنه رقي المنبر فقال: آمين فقيل له في ذلك قال: قال لي جبريل: رغم أنف من ذكرت بين يديه فلم يصل عليك، فقلت: آمين، ثم الثانية فقال: آمين فقيل له في ذلك فقال: قال لي جبريل رغم أنف عبد أدرك أبويه أو أحدهما، فلم يدخل الجنة فقلت: آمين، ثم رقي الثالثة فقال: آمين، فقيل له في ذلك فقال: قال لي جبريل رغم أنف عبد أدرك شهر رمضان، فلم يغفر له فقلت آمين".
ولأن الصلاة على الرسول إيمان بالمرسل، فكيف يكون الإيمان مكروهاً فأما الجواب عن قوله ﷺ موطنان" لا أذكر فيهما فمن وجهين:
أحدهما: أنه ليس ينهى عن ذكره وإنما هو على وجه التنبيه على ذكره، كأنه قال: لم لا أذكر فيهما.
والثاني: أنه لا يذكر فيهما على الوجه الذي يذكر الله تعالى فيه: لأن ذكره في الذبيحة أن يقصد بها وجهه في التقرب إليه، ولا يجوز أن يذكر رسوله، وذكره في العطاس حمد له وليس يحمد رسوله عنده، والصلاة عليه في غير هذين الموضعين فلم يتوجه النهي إليها.
فأما الجواب عن قوله: إنه يصير مما أهل لغير الله به، فهو أنه يصير بذبحه لرسول الله ﷺ هما أهل به لغير الله ولا يكون مما أهل به الله، ومتى فعل هذا كان حراماً.
فأما إذا صلى عنده على رسول الله ﷺ فإنه يكون مما أهل به الله، ولا يكون مما أهل به لغير الله.
مسألة:
قَالُ الشَّافِعِيِ:" فَإِنَّ قَالُ:" اللَّهُمَّ مِنْكِ وَإِلَيكِ فَتَقَبُّلَ مِنِْي فَلَا بأس هَذَا دُعَاءَ فَلَا أَكَرِهَهُ وَرَوِيَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ وَجْهِ لَا يُثْبِتُ أَنَّه ضُحًى بِكَبْشِينَ فَقَالَ فِي أَحَدِّهُمَا بَعْدَ
следующие страницы →