Полный текст (7 151 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.
стр. 1821
كالمسلم؛ ولأنه ذبح يصح من المسلم فصح من الكتابي كالذكاة؛ ولأن معونة الكافر على القرب لا يمنع من الإجزاء كاستنابته في تفريق الزكوات والكفارات فأما الجواب عن قوله ﷺ : "لا يذبح ضحاياكم إلا طاهر" فهو أن معناه إلا مطهراً للضحايا، وهو من تحل ذبيحته، فمنع به ذبيحته المجوسي والمعنى في منع المجوسي والوثني أنهم ليسوا من أهل الذكاة بخلاف أهل الكتاب.
مسألة:
قَالُ الشَّافِعِيِ ﵀:" وَذِبْحَ مِنْ أَطَاقِ الذِّبْحِ مِنْ امرأة حائِضَ وَصَبِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَحُبَّ إِلَيِي مِنْ ذِبْحِ النَّصْرَانِيِّ وَالْيَهُودِيِّ."
قال في الحاوي: أما ذبح النسا، فجائز ليس فيه كراهة كالرجال لما روت عائشة ﵂ أن النبي ﷺ أمر نساءه أن يلين ذبح هديهن" وروى الشافعي عن عبد بن حميد عن ابن جريج عن نافع قال: سمعت رجلا من الأنصار يحدث عبد الله بن عمر أن كعب بن مالك كان يرعى غنماً له بسفح الجبل الذي عند سوق المدينة ترعاها جارية له، وكادت شاة منها تموت، فأخذت الجارية حجراً، فكسرته، وذبحت به الشاة، فزعم كعب أنه استفتى رسول الله ﷺ في ذلك، فقال: "كلوا شاتكم" فدل هذا الحديث على أحكام منها: إباحة ذبائح النساء.
والثاني: جواز الذبح بالحجر.
والثالث: أن ما ذبحه غير مالكه حل أكله.
والرابع: أن ذكاة ما أشفى على الموت جائزة إذا كان فيه حياة مستقرة وسواء كانت المرأة طاهراً أو حائضاً غير أن الحائض لا تكره ذبيحتها بغير الضحايا واختلف في كراهة ذبحها للضحايا وان أجزأت على وجهين:
فأما الصبي الذي لم يبلغ فذبيحته مكروهة في الضحايا وغيرها، وإن أجزأت لصغره عن مباشرة الذبح، ولقصوره عن التكاليف وذبيحته أحب إلينا من ذبيحة اليهودي والنصراني؛ لأنه مسلم يصح منه فعل العبادة، فكان أولى من كافر لا يصح منه فعل العبادة وسواء كان الصبي مراهقاً أو غير مراهق في إباحة ذكاته مع الكراهة إلا أن الكراهة في ذبح غير المراهق أقوى، ووهم بعض أصحابنا فخرج في ذكاته وجهاً آخر أنها لا تؤكل من اختلاف قول الشافعي في قتله عمداً هل يجري منه مجرى الخطأ، فإن جعل عماه خطأ لم تحل ذكاته وهذا زلل، لأن العمد والخطأ في إباحة الذكاة سواء.
مسألة:
قَالُ الشَّافِعِيِ:"وَلَا بأس بِذَبيحَةِ الأخرسِ".
стр. 1822
قال في الحاوي: وهذا صحيح وهي غير مكروهة؛ لأنه في جميع العبادات كالناطق، ولأنه وإن عجز عن التسمية فليست شرطاًَ في الذكاة وإشارته بها تقوم مقام نطق الصحيح فلم يكن تاركاً لها، ويجزئ على قول أبي حنيفة ومن أخذ بمذهبه في وجوب التسمية على الذبح أن يبيح ذكاته في حق نفسه، ولا يبيحها في حق غيره في اللحوم والأضاحي: ولأن إشارته بالتسمية تقوم مقام النطق في حق نفسه، ولا تقوم مقامه في حق غيره فيما قد ينفرد به لأجل هذا الخلاف كفاية.
فأما ذبيحة الأعمى، فمكروهة، وإن حلت خوفاً من أن يخطئ محل الذبح ولا تمنع من الإباحة كالبصير إذا ذبح مغمض العينين أو في ظلمة.
مسألة:
قَالُ الشَّافِعِيِ:" وَأَكِرُهُ ذَبيحَةً السَّكْرَانَ وَالْمَجْنُونَ فِي حالِ جُنُونِهُ وَلَا يَتَبَيَّنُ أَنَّهَا حَرامُ ".
قال في الحاوي: وإنما كرهنا ذبيحة السكران والمجنون لما يخاف من عدولهما عن محل الذبح، ومبالغتهما في القطع إلى محل الكراهة مباحة، لأنهما من المسلمين، والقصد في الذكاة غير معتبر ومن هم من أصحابنا في ذكاة الصبي، فخرج بها وجهاً أخر، وهي في السكران والمجنون، فخرج في ذكاتهما وجهاً أخر أنها لا تصح. أما المجنون، فمن عمده في القتل، وأما السكران فمن قوله في القديم: إن طلاقه لا يقع وتخريجه في الجميع فاسد بما ذكرناه، ويجب على مذهب مالك أن ذكاتهم تكون لحماً، ولا تكون أضحية على قياس قوله في الكافر.
مسألة:
قَالُ الشَّافِعِيِ: "وَلَا تَحِلُ ذَبيحَةُ نَصَارَى الْعَرَبِ وَهُوَ قولَ عُمَرِ ﵁".
قال في الحاوي: ذبيحة النصارى على أقسام، وكذلك اليهود.
أحدها: ما كان مباحاً، وهم بنو إسرائيل، ومن دان بدينهم قبل التبديل، ولم يعتقد في العزير والمسيح، أنهما ابنا الله، فتحل ذبائحهم سواء كانوا من أهل الذمة أو من أهل الحرب لقول الله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة:٥].
والثاني: ما كان محرماً، ومنهم من دخل في اليهودية والنصرانية بعد التبديل كنصارى العرب ومن جرى مجراهم من النصارى واليهود، فذبائحهم حرام لا تحل لسقوط حرمتهم.
والثالث: ما كان مختلفاً فيه، وهم بنو إسرائيل من اليهود والنصارى، إذا قالوا في العزير والمسيح إنهما ابنا الله ففي إباحة ذبائحهم وجهان لأصحابنا: أحدهما: يحل أكل
стр. 1823
ذبائحهم؛ لأن الله تعالى قد أباح ذبائحهم مع إخباره بذلك، عنهم، وهو قول الأكثرين.
والوجه الثاني: لا تحل ذبائحهم؛ لأنه قول طائفة منهم خرجوا عن حكم التوحيد إلى الإشراك به فتوجهت الإباحة إلى من عداهم من الموحدين، وهو عندي أظهر.
فصل:
فأما ذبيحة النصارى باسم المسيح فضربان:
أحدهما: ما ذبحوه لله تعالى، ويذكروا عليه اسم المسيح، فأكله حلال، وإن كرهناه؛ لأنه مقصود به وجه الله تعالى، فكان ذكر المسيح فيه تبعاً.
والثاني: أن يذبحوه للمسيح فأكله حرام كذبائح الأوثان؛ لأنه معدول به عن وجه الله تعالى قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾ [المائدة:٣].
وقد روي عن النبي ﷺ : "أنه نهى عن ذبائح الجن" قال أبو عبيدة: هو أن يشري الرجل داراً أو يستخرج عنها فيذبح خوفاً أن فيها الجن، فهو على ما ذكرناه من الضربين إن فعل ذلك تقرباً إلى الله تعالى، ليستدفع به إصابة الجن حل أكلها، وإن ذبحها للجن لاستدفاعهم حرم أكلها.
مسألة:
قَالُ الشَّافِعِيِ:" وَأُحِبُّ أَنْ يَوْجُهَ الذَّبيحَةُ إِلَى الْقُبَلَةِ ".
قال في الحاوي: إنما كانت السنة أن توجه ذبيحته إلى القبلة في اللحم والضحايا لما روت عائشة ﵂ قالت: قال رسول ﷺ : "ضحوا وطيبوا بها أنفسكم، فإنه ليس من مسلم يستقبل بذبيحته إلى القبلة إلا كان دمها وفرثها، وصوفها حسنات محضورات في ميزانه يوم القيامة".
وروى جابر بن عبد الله قال: "ضحى رسول الله ﷺ بكبشين أقرنين فلما وجههما قرأ: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ﴾ [الأنعام: ٧٩] الأيتين؛ ولأنه لا بد في ذابحها أن يتوجه بها إلى جهة فكانت جهة القبلة أفضل لقول النبي ﷺ : "خير المجالس ما استقبل به القبلة" ولأنها قربة فكانت القبلة أخص بها كالصلاة فإن قيل: فهو سفح دم، وإلقاء فرث، وهي أنخاس فيجب أن يكون تنزيه القبلة عنها أولى كالبروز للغائط والبول، قيل: ليس في كشف العورة للغائط والبول طاعة فكان صيانة القبلة عنه فأولى، وفي ذبح الضحايا طاعة
стр. 1824
وقربة فكان استقبال القبلة بها أولى، فافترقا، ويختار أن يتظاهر بذبح الضحايا وبكل ذبيحة فيها للفقراء نصيب ليحضروا، فينالوا منها ويستمر بذبح ما يختص بأكله من اللحم ليقل فيه التحاشد.
مسألة:
قَالُ الشَّافِعِيِ ﵀:" وَيَقُولُ الرَّجُلُ عَلَى ذَبيحَتِهُ بَاسِمَ الله."
قال في الحاوي: قد ذكرنا أن التسمية عند الذبح في الضحايا واللحم، وعند إرسال الجوارح على الصيد سنة وليست بواجبة فإن تركها ذاكراً أو ناسياً حلت الذبائح وصيد الجوارح.
وقال داود، وأبو ثور: هي واجبة مع الذكر والنسيان، فإن تركها عامداً أو ناسياً حرمت.
وقال أبو حنيفة، وسفيان الثوري: هي واجبة مع الذكر دون النسيان فإن تركها عامداً حرمت وإن تركها ناسياً حلّت.
والدليل عليهم قد مضى، ومنه ما رواه البراء بن عازب عن النبي ﷺ أنه قال: "المسلم يذبح على اسم الله سمي أولم يسم".
وروى أبو هريرة أن رجلا قال: يا رسول الله إنا نذبح، وننسى أن نسمي الله فقال:
"اسم الله على قلب كل مسلم"؛ ولأن ما لم يكن شرطاً في الذكاة مع الذكر لم يكن شرطا فيها مع النسيان كالصلاة على النبي ﷺ وقد مضت هذه المسألة مستوفاة. ويختار له في الضحايا خاصة أن يكبر الله تعالى قبل التسمية وبعدها ثلاثاً، لأنها في أيام التكبير، فيقول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر ولله الحمد خاتماً بالحمد بعد التكبير.
مسألة:
قَالُ الشَّافِعِيِ:" وَلَا أَكَرِهَ الصَّلاَةِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ لِأَنَّهَا إيمان بِاللهِ قَالُ ﵊: أَخْبِرِنَّي جبريل عَنْ اللهِ جَلِّ ذَكَرِهُ أَنَّه قَالُ: مِنْ صَلَى عَلَيكِ صَلِيَتْ عَلَيه
قال في الحاوي: أما الصلاة على النبي ﷺ عند الذبح، فليست واجبة إجماعاً، ولا مكروهة عندنا، واختلف أصحابنا في استحبابها على وجهين:
أحدهما: أشار إليه الشافعي في الأم أنها مستحبة.
والثاني: هو قول أبي علي بن أبي هريرة أنها غير مستحبة ولا مكروهة، وكرهها مالك وأبو حنيفة احتجاجاً بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "موطنان لا أذكر فيهما عند
стр. 1825
الذبيحة والعطاس"؛ ولأنه يسير بذكره مما أهل به لغير الله، فوجب أن يكون مكروهاً ٠ ودليلنا قول الله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح:٤] قيل: معناه لا أذكر إلا ذكرت معي، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] الآية، فكان عند القرب بالذبائح أولى أن يكون مذكوراً قال الشافعي: وخشيت أن يكون الشيطان أدخل على بعض أهل الجهالة أن كرهوا الصلاة عليه عند الذبيحة لموضع غفلتهم أو لا يرى لما رواه عبد الرحمن بن عوف قال: كنت مع رسول الله ﷺ فسبقني، فجثت فرأيته ساجداً، فأقمت طويلاً، فلما رفع رأسه قلت: يا رسول الله لقد خشيت أن يكون الله قبض روحك في سجودك لما أطلت فقال: لما فارقتك لقيني جبريل، فأخبرني عن الله تعالى أنه قال: من صلى عليك صليت عليه، فسجدت شكراً لله" وهذا يدل على استحباب الصلاة فكيف يكره. وروي عن النبي ﷺ أنه رقي المنبر فقال: آمين فقيل له في ذلك قال: قال لي جبريل: رغم أنف من ذكرت بين يديه فلم يصل عليك، فقلت: آمين، ثم الثانية فقال: آمين فقيل له في ذلك فقال: قال لي جبريل رغم أنف عبد أدرك أبويه أو أحدهما، فلم يدخل الجنة فقلت: آمين، ثم رقي الثالثة فقال: آمين، فقيل له في ذلك فقال: قال لي جبريل رغم أنف عبد أدرك شهر رمضان، فلم يغفر له فقلت آمين".
ولأن الصلاة على الرسول إيمان بالمرسل، فكيف يكون الإيمان مكروهاً فأما الجواب عن قوله ﷺ موطنان" لا أذكر فيهما فمن وجهين:
أحدهما: أنه ليس ينهى عن ذكره وإنما هو على وجه التنبيه على ذكره، كأنه قال: لم لا أذكر فيهما.
والثاني: أنه لا يذكر فيهما على الوجه الذي يذكر الله تعالى فيه: لأن ذكره في الذبيحة أن يقصد بها وجهه في التقرب إليه، ولا يجوز أن يذكر رسوله، وذكره في العطاس حمد له وليس يحمد رسوله عنده، والصلاة عليه في غير هذين الموضعين فلم يتوجه النهي إليها.
فأما الجواب عن قوله: إنه يصير مما أهل لغير الله به، فهو أنه يصير بذبحه لرسول الله ﷺ هما أهل به لغير الله ولا يكون مما أهل به الله، ومتى فعل هذا كان حراماً.
فأما إذا صلى عنده على رسول الله ﷺ فإنه يكون مما أهل به الله، ولا يكون مما أهل به لغير الله.
مسألة:
قَالُ الشَّافِعِيِ:" فَإِنَّ قَالُ:" اللَّهُمَّ مِنْكِ وَإِلَيكِ فَتَقَبُّلَ مِنِْي فَلَا بأس هَذَا دُعَاءَ فَلَا أَكَرِهَهُ وَرَوِيَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ وَجْهِ لَا يُثْبِتُ أَنَّه ضُحًى بِكَبْشِينَ فَقَالَ فِي أَحَدِّهُمَا بَعْدَ
стр. 1826
ذِكْرِ اللَّه:" اللَّهُمَّ عَنْ مُحَمَّدِ وَآلِ مُحَمَّدِ " وَفِي الآخر:" اللَّهُمَّ عَنْ مُحَمَّدِ وأمة مُحَمَّدِ".
قال في الحاوي: اعلم أن هذا مباح وليس بمكروه، وفي استحباب وجهان، وكرهه مالك وأبو حنيفة، والدليل عليها رواية عائشة ﵂ أن النبي ﷺ ضحى بكبش أقرن فأضجعه وقال: "بسم الله اللهم تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد، ثم ضحى به"
ولأن قوله: اللهم منك وإليك، فتقبل مني اعتراف بالنعمة وامتثالاً للأمر ورغباً في الدعاء؛ لأن قوله: اللهم منك اعتراف بأن الله أعطاه ورزقه، وقوله: "وإليك" إبانة عن التقرب إليه بطاعته وقوله: "فتقبل مني" دعاء يسأل فيه القبول، وليس في واحد من هذه الثلاثة مكروهاً وقد روي عن بعض السلف أنه كان يقول: اللهم تقبل مني كما تقبلت من إبراهيم خليلك وموسى كليمك وعيسى روحك ومحمد عبدك ورسولك، وهذا ليس بمكروه إن قاله، ولا مستحب؛ لأن قرب الأنبياء لا يساويهم غيرهم، فلذلك لم يستحب، وأما قوله عند التضحية اللهم خذ هذا عن فلان، فليس بمستحب لأنه إخبار بما قد علمه الله تعالى قبل ذكره لا يتضمن دعاء، ولا اعترافاً بالنعمة، وقد روي الشافعي عن إبراهيم بن محمد عن ابن عقيل عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ كان يشتري كبشين عظيمين سمينين أملحين موجئين، فيذبح أحدهما عن أمته من شهد منهم بالتوحيد، وشهد له بالبلاغ والأخر عن محمد وآل محمد، ونقل المزني ها هنا عن الشافعي أنه لم يثبت فإن لم يثبت هذا الحديث كان قوله: عن فلان مكروهاً، وإن ثبت لم يكن مكروهاً، ويكون تأويل قوله في أحدهما: عن أمة محمد، وفي الثاني: عن محمد وآل محمد، وإن كان الكبش الواحد لا بجزيء إلا عند واحد، فمحمول على أحد الوجهين: إما أن يكون تأويله أنه بجزيء عنهم مثله كما بجزيء عني، وإما أن يكون مراده أن يجعل ثوابه منهم كثوابه مني.
فصل:
فأما المندوب إليه من الضحايا والذبائح بعدما ذكرنا من السنن المختارة وما ذكرناه من الاستحباب والكراهة فسبعة أشياء أحدها: أن تساق إلى مذبحها سوقاً رفيقاً، وتضجع لذبحها إضجاعاً قريباً ولا يعنف بها في سوق ولا إضجاع فيكرهها وينفرها.
والثاني: أن يعرض عليها الماء قبل ذبحها خوفاً من عطشها المعين على تلفها؛ وليكون ذلك أسهل عند سلخها وتقطيعها، ولا يعرض عليها العلف لأنها لا تستسمن به إلى حين الذبح، فيكثر به الفرث، إلا أن يتأخر زمان الذبح فيعرض عليها كالماء.
والثالث: أن يخفي عنها إحداد الشفار في وجوهها فربما نفرها وقد ورد الخبر بأن لا تحد الشفار في وجوهها.
стр. 1827
والرابع: أن لا ينحر بعضها في وجوه فقد جاء فيه الأثر؛ ولأنه ربما نفرها ذلك.
والخامس: أن يعقل بعض قوائمها ويرسل بعضها ولا يعقل جميعها فترهق، ولا يرمل جميعها فتنفر.
والسادس: أن ينحر الإبل قياماً لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج: ٣٦] أي سقطت وتذبح البقر والغنم مضجوعة فإن خاف نفور الإبل إذا نحرت قياماً نحرها غير مضجوعة.
والسابع: أن يكون الذبح بأمضى شفار وجدها ويمرها ذهاباً وعودة في قوة اعتماد وسرعة توجيه لرواية ابن الأشعث عن شداد بن أوس قال النبي ﷺ : "إن الله كتب على كل شيء فإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته ثم هذه السبعة دلائل على نظائرها.
مسألة:
قَالُ الشَّافِعِيِ:" فَإذاً ذِبْحَهَا فَقَطْعَ رَأَّسَهَا فَهِي ذَكِيَّة".
قال في الحاوي: وهذا صحيح يكره إذا قطع الحلقوم والمريء والودجين أن يزيد في الذبح لوقوع الذكاة بها وإزهاق روحه بما زاد عليه فإن زاد في الذبح حتى قطع رأسها لم تحرم.
وقال سعيد بن المسيب: قد حرمت لأنها ماتت من مبيح وحاظر هذا غير صحيح لأمرين:
أحدهما: أنه ذبح واحد لا يتميز فكان جميعه مبيحاً.
والثاني: أنه لو تميز وكان حاظراً فالحظر طرأ بعد الذكاة فلم يؤثر فيها فوجب أن لا يغير حكمها وعلى أنه قد روي عن الصحابة فيه ما يمنع من مخالفتهم عليه إذ هم على اتفاق فيه فروي عن علي ﵇ أنه سئل عن بعير ضربت عنقه بالسيف فقال: يؤكل.
وروي عن عمران بن الحصين أنه سئل عن رجل ذبح طيراً فأبان رأسه فقال: يؤكل. وعن ابن عمر نحوه وليس لهم مخالف.
مسألة:
قَالُ الشَّافِعِيِ:" وَلَوْ ذِبْحَهَا مِنْ قَفَاِهَا فَإِنَّ تَحَرَّكَتْ بَعْدَ قِطَعِ الرأس أَكَّلَتْ وَإلّا لَمْ تُؤْكَلْ".
قال في الحاوي: ذبح الشاة من القفا مكروه وإنما كرهناه لأمرين: أحدهما: لما فيه من تعذيبها. والثاني: لما يخاف من موتها قبل الوصول إلى ذكاتها فإن فعل لم يخل
стр. 1828
حالها من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يعلم موتها بقطع القفا قبل وصول السكين إلى قطع الحلقوم والمريء فتكون ميتة لا تؤكل وكذلك لو بقيت فيها عند وصول السكين إلى قطع الحلقوم والمريء حياة غير مستقرة لحياة المذبوح لم تؤكل وإنما كان كذلك لأن الذكاة لا تستباح إلا بقطع الحلقوم والمريء وقطع قفاها يجري في فوات نفها مجرى كسر صلبها وبقر بطنها ولا تحصل به ذكاة وإن وجى.
والثاني: إن قطع حلقومها ومرئيها فهذه ذكية تؤكل وقال مالك وأحمد بن حنبل هي ميتة لا تؤكل.
وقال علي بن أبي طالب: إن فعل ذلك عمداً لم تؤكل وإن فعله سهواً أكلت احتجاجاً بأن قطع القفا موج والذكاة بعد التوجية لا تصح كالتي أخرج السبع حشوتها.
ودليلنا هو أن ما كانت حياته مستقرة وإن لم تدم صحت ذكاته كالمقطوعة الأطراف ولأنه لو انتهى بها النزع إلى حد الإياس حلت ذكاتها مع استقرار الحياة فلذلك قطع القفا وخالف قطع الحشوة لأن بقاء الحياة معها مستقرة كحياة المذبوح.
والثالث: أن يشكل حالها عند قطع الحلقوم والمريء هل كانت حياتها مستقرة أو غير مستقرة ففي إباحة أكلها وجهان:
أحدهما: وهو ظاهر قول أبي إسحاق المروزي: أنها غير مأكولة: لأن الأصل الحظر حتى تعلم الإباحة.
والثاني: وهو ظاهر قول أبي علي بن أبي هريرة: أنها مأكولة لأن الأصل فيها الحياة حتى يعلم فواتها.
مسألة:
قَالُ الشَّافِعِيِ:" وَإذاً أَوََجُبَّهَا أَضَحِيَّةَ وَهُوَ أَنْ يُقَوِّلَ هَذِهِ أَضَحِيَّةَ وَلَيْسَ شراؤها وَالنِّيَّةَ أَنْ يُضَحِّيَ بِهَا إيجاباً لَهَا".
قال في الحاوي: وهذا كما قال إذا اشترى الأضحية ناوياً بها أضحية لم تصر أضحية بالنية مع الشراء حتى يوجبها بعد الشراء.
وقال أبو حنيفة ومالك: قد صارت أضحية بالنية والشراء احتجاجا بأن ابتياع السلعة لما صارت بالنية مع الشراء أنها للتجارة جارية في دخول الزكاة ولم ينو كانت فنية لا تجب فيها الزكاة كذلك الأضحية إذا اشتراها إن نوى بها الأضحية صارت أضحية وإن لم ينو لم تكن أضحية.
ودليلنا: هو أن الشراء موجب للملك وكونها أضحية مزيل للملك، ولا يصح أن
стр. 1829
يكون الشيء الواحد في حالة واحدة موجباً لثبوت الملك وإزالته فلما أفاد الشراء ثبوت الملك امتنع أن يزول به الملك كما لو اشترى عبداً ينوي به العتق أو داراً ينوي بها الوقف صح الشراء ولم يصر العبد حراً ولا الدار وقفاً.
فأما الجواب عن شراء السلعة بنية التجارة فهو أن جريانها في حول الزكاة من أحكام الملك فجاز أن تقترن باستفادة الملك وخالف الأضحية المزيلة للملك.
فصل:
فأما إذا علق قبل الشراء وجوب الأضحية فعلى ضربين:
أحدهما: أن يجعلها بالشراء أضحية.
والثاني: أن يلتزم في الذمة أن يجعلها بعد الشراء أضحية.
فأما الضرب الأول: فصورته: أن يقول: إن اشتريت شاة فهي أضحية فإذا اشتراها لم تصر أضحية لأنه أوجبها قبل الملك.
وأما الضرب الثاني: فصورته: إن أطلق ولم يعين أن يقول: إن اشتريت شاءة فلله علي أن أجعلها أضحية فهذا نذر مضمون في الذمة من غير تعيين؛ فلزم وانعقد، فإذا اشترى شاة وجب عليه أن يجعلها أضحية ولا تصير بالشراء أضحية، لأن النذور تلزم في الذمة قبل الملك.
وإن عين فقال: إن اشتريت هذه الشاة فلله علي أن أجعلها أضحية ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يغلب حكم التعيين فلا يلزمه أن يجعلها أضحية؛ لأنه أوجبها قبل الملك.
والثاني: أن يغلب في حكم النذر فيلزمه أن يجعلها أضحية لتعليقه بالذمة.
فصل:
فإذا تقررت هذه الجملة وأراد أن يوجب الأضحية بعد ملكها بشراء فإن أوجبها بالقول فقال: هذه أضحية وجبت، وإن أوجبها بالنية فنوى أنها أضحية ففيه وجهان:
أحدهما: وهو مذهب الشافعي وقول جمهور أصحابه لا تصير بالنية أضحية حتى يقترن بها القول؛ لأنها إزالة ملك فأشبه العتق والوقف.
والثاني: وهو قول أبي العباس بن سريج أنها قد صارت بمجرد النية أضحية لقول النبي ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات" مع قول الله تعالى: ﴿لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ﴾ [الحج: ٣٧] يعني إخلاص القلوب بالنيات فعلى قول أبي العباس بن سريج قد وجبت ويؤخذ بذبحها، وعلى الوجه الأول لم تجب وله بيعها، فإن تركها على نيته حتى ضحى بها فعمل تصير بالذبح بعد النية أضحية أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: لا تصير أضحية بالذبح مع تقدم النية.
стр. 1830
والثاني: تصير لأن الذبح فعل ظاهر، فإذا اقترن بالنية صار آكد من القول بغير نية، فصار فيما تصير به أضحية ثلاثة أوجه:
أحدها: بالقول وحده.
والثاني: بالنية وحدها.
والثالث: بالنية والذبح.
فأما الهدايا ففيما يوجبها الشافعي قولان، ولأصحابه وجهان آخران أحد قولي الشافعي وهو الجديد أنها لا تجب إلا بالقول، فيقول: قد جعلت هذه البدنة هدياً.
والثاني: وهو القديم أنها تصير بالتقليد والإشعار هدياً، وإن لم يقل، لأنه علم ظاهر كالقول.
والثالث: وهو أحد وجهي أصحابنا أنها تصير هدياً بالنية وان لم يقلدها، ويشعرها كالأضحية.
والرابع: وهو الوجه الثاني لأصحابنا: أنها تصير هدياً بالذبح مع النية والله أعلم بالصواب.
مسألة:
قَالُ الشَّافِعِيِ:" فَإذاً أَوََجُبَّهَا لَمْ يَكِنْ لَهُ أَنْ يَدْبِلَهَا بِحال".
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا أوجب الأضحية وعينها خرجت بالإيجاب عن ملكه، ومنع من التصرف فيها، ووجب عليه مؤنثها وحفظها إلى وقت نحوها، وهو قول علي ﵇، ومذهب أبي يوسف وأبي ثور.
وقال أبو حنيفة، ومحمد: لا تخرج بالإيجاب عن ملكه، ولا يمنع من التصرف فيها، ويكون بإيجابها مخيراً بين ذبحها أو ذبح غيرها، احتجاجاً بما روي عن النبي ﷺ : "أنه أهدى مائة بدنة عام حجه، فقدم عليه علي من اليمن فأشركه فيها، ولو خرجت بالإيجاب عن ملكه ما جعل فيها شركاً لغيره؛ ولأنه لو أوجب على نفسه عتق عبد فقال: لله علتي أن أعتقه لم يخرج بهذا الإيجاب عن ملكه جماعاً، وكذلك إيجاب الأضحية لا يخرجها عن ملكه احتجاجاً. ولأن ما تعلق بالأعيان المملوكة من حقوق الله تعالى تقتضي زوال الملك، ولا يمنع من التصرف كالزكاة إذا وجبت في المال.
ولأن القصد في إيجابها ما ينتفع به الفقراء من لحمها وانتفاعهم بلحم غيرها كانتفاعهم بلحمها، فوجب أن يستويا.
ولأنها بعد الإيجاب مملوكة فلما لم تصر ملكا للفقراء وجب أن تكون باقية على ملك المضحي.
стр. 1831
ودليلنا: ما روي عن عمر بن الخطاب أنه قال: أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله إني أوجبت على نفسي بدنة، وقد طلبت مني بأكثر من ثمنها، فقال: انحرها ولا تبعها ولو طلبت بمائة بعير.
فلما منعه البيع مع المبالغة في الثمن وأمره بالنحر دل على فساد البيع ووجوب النحر.
وروي عن علي بن أبي طالب أنه قال: من أوجب أضحية فلا يتبدل بها، وليس له مع انتشار قوله مخالف في الصحابة.
ولأنه يقترب بالأضحية من النعم كما يتقرب بالعبيد في العتق ثم ثبت أن العتق مزيل للملك إجماعاً، فوجب أن تكون الأضحية مزيلة للملك احتجاجاً.
ولأن كل إيجاب تعلق بالعين ولم يتعلق بالذمة أوجب زوال الملك كالوقف والعتق.
ولأن حكم الأضحية يسري إلى ولدها، وكل حكم أوجب سرايته إلى الولد زال به الملك كالبيع طرداً والإجارة عكساً.
ولأن المضحي يضمن الأضحية لو أتلفها، وكل ما ضمنه المتلف في حق غيره خرج به المضمون عن ملك ضامنه كالهبة طرداً والعارية عكساً ولا يدخل عليه الرهن؛ لأنه يضمنه في دين نفسه، ولا يدخل عليه العبد الجاني؛ لأنه يضمن جنايته ولا يضمن رقبته.
فأما الجواب عن اشتراك علي ﵇ في الهدي فمن وجهين:
أحدهما: أن علياً ساق الهدي من اليمن فجعله رسول الله ﷺ قبل الإيجاب شريكاً.
والثاني: أنه جعله شريكاً في نحرها لا في التقرب بها؛ لأنه نحر بنفسه منها ثلاث وستين ثم أمر علياً بنحر باقيها.
وأما الجواب عن استدلالهم بإيجاب عتق العبد فمن وجهين:
أحدهما: أن العبد إذا أوجب عتق لم يصر حراً والشاة إذا أوجبها أضحية صارت أضحية فافترقا.
والثاني: أنه لما منع من التصرف في العبد وجب أن يمع من التصرف في الأضحية وأما الجواب عن استدلالهم بالزكاة فمن وجهين:
أحدهما: تعلق الزكاة بالذمة وتعلق الأضحية بالعين.
والثاني: أن بطلان البيع في قار الزكاة إذا تعلقت بالعين، فوجب أن تكون الأضحية بمثابتها لتعلقهما بالعين.
وأما الجواب عن استدلالهم بأن لحم غيرها مثل لحمها فبطلانه من وجهين:
стр. 1832
أحدهما: في حق الله تعالى بالعتق إذا أوجبه على نفسه في عبد لم يكن له أن يبدله بغيره.
والثاني: حق الآدميين في البيع إذا باع عبداً لم يكن له أن يبدله بغيره.
وأما الجواب عن استدلالهم بأنها لما لم تصر ملكاً للفقراء دل على بقائها على ملكه فمن وجهين:
أحدهما: أن حق الفقراء قبل الذبح كحقهم فيها بعده فلم يلم الاستدلال.
والثاني: أن بطلانه بالوقف لأنه خرج عن ملكه ولم يصر ملكاً لغيره.
مسألة:
قَالُ الشَّافِعِيِ ﵀:" وَإِنَّ بَاعَهَا فَالْبَيْعَ مفسوخ".
قال في الحاوي: وهذا صحيح؛ لأن إيجابها إذا أوجب زوال ملكه عنها بطل بيعها إن باعها، وكذلك لو باعها للمساكين؛ لأنهم فيها غير معنيين، فإن استبقى عينها وباع نماءها بطل بيع النماء كبطلان بيع الأصل؛ لأنه ملحق بأصله، وسواء كان النماء نتاجاً أو لبناً أو صوفاً، فإن وهب النماء صحت هبة اللبن والصوف، ولم تصح هبة النتاج، لما يلزم من نحره والتقرب بإراقة دمه.
وكما لا يجوز بيعها فكذلك لا يجوز رهنها؛ لأن مقصود الرهن بيعه في الدين فإن أجر ظهورها لم يجز؛ لأن الإجارة معاوضة على منافعها والمنافع تبعاً للأصل، وان أعار ظهرها جاز؛ لأن العارية إرفاق يجوز في لحمها فجازت في منافعها.
فصل:
فلو ركبها المستعير ضمنها دون المعير، ولا يضمن أجرتها المستعير ولا المعير، ولو ركبها المستأجر فتلفت ضمن قيمتها للمؤجر دون المستأجر وضمن أجرتها المستأجر دون المؤجر، وفي قدر ما يضمنه من الأجرة وجهان:
أحدهما: وهو لأظهر أنه يضمن أجرة مثلها كضمانها عن إجارة فاسدة.
والوجه الثاني: وأشار إليه ابن أبي هريرة أنه يضمن أكثر الأمرين من أجرة المثل أو المسمى؛ لأن فيها حقاً للمساكين قد التزم لهم ما سماه من الزيادة في هذه الأجرة وجهان:
أحدهما: أنه يسلك بها مسلك الضحايا كالأصل.
والثاني: أنها تصرف إلى الفقراء خاصة؛ لأن حقوق الضحايا في الأعيان دون النذور.
فأما إذا اشترى شاة وأوجبها أضحية ثم وجد بها بعد الإيجاب عيباً لم يردها لفوات
стр. 1833
الرد بالإيجاب ورجع بالأرش كالثوب، وفي هذا الأرش وجهان:
أحدهما: يسلك به مسلك الضحايا.
والثاني: أنه للمضحي خاصة لأنه من الثمن الذي لم يستحق عليه، والله أعلم بالصواب.
مسألة
قال الشافعي: "وإن فاتت بالبيع فعليه أن يشتري بجميع قيمتها مكانها فإن بلغ أضحيتين اشتراها لأن ثمنها بدل منها وإن بلغ أضحية وزاد شيئاً لا يبلغ أخرى ضحى بأضحية وأُسلك الفضل مسلك الأضحية وأحب إلي لو تصدق به وإن نقص عن أضحية فعليه أن يزيد حتى يوفيه أضحية لأنه مستهلك للضحية فأقل ما يلزمه أضحية مثلها".
قال في الحاوي: اعلم أن تلف الأضحية على ضربين: مضمون، وغير مضمون. فأما تلفها غير مضمون، فهو أن تموت عطباً بغير عدوان فلا ضمان فيها، كما لو وقف داراً فاحترقت أو نذر أن يتصدق بمال فتلف لم يضمنه كذلك موت الأضحية غير مضمون، وأما تلفها المضمون فهو ما اقترن بعدوان فهو الموجب للضمان، ولا يخلو ضامنها من أن يكون هو المضحي، أو أجنبياً، فإن ضمنها أجنبي غير المضحي ضمنها المضحي في حقوق أهل الضحايا لا في حق نفسه لخروجها بالإيجاب عن ملكه ليكون المضحي المستحق لصرف ذلك وبدلها، وتكون مضمونة على هذا المتلف بقيمتها لا غير وان كان الضامن هو المضحي ضمنها بأكثر لأمرين من قيمتها وقت التلف أو مثلها عند النحر.
وقال أبو حنيفة، ومالك: يضمنها بقيمتها لا غير استدلالاً بأنه لما ضمنها الأجنبي بقيمتها وجب أن يضمنها المضحي بقيمتها؛ لأن الضمان يختلف باختلاف التالف دون المتلف، ألا تراه يضمن رهنه إذا أتلفه إذا كان غير ذي مثل كالأجنبي وبمثله إذا كان ذا مثل كالأجنبي لا يختلف باختلاف المتلف؟ كذلك الأضحية.
ودليلنا: هو أنه قد ألزم نفسه الأضحية بإيجابها وان تعينت فإذا ضمنها بالتلف صار ضامناً لها بأمرين والتلفظ بالالتزام.
ولذلك ضمن أكثر الأمرين من موجب الالتزام بالمثل أو موجب التلف بالقيمة وغيره يضمنها بقيمتها بالتلف دون الالتزام، فلذلك ضمنها بالقيمة دون المثل وفيه دليل وانفصال.
فصل:
فإذا ثبت ضمانها بالقيمة في حق الأجنبي بأكثر الأمرين من المثل أو القيمة في حق
стр. 1834
المضحي وجب على المضحي أن يعرف القيمة في شراء مثلها في جنسها من بقر أو غنم، وفي نوعها من ضأن أو معز وفي سنها من جذع أو ثني، فلو كانت الأضحية ثنية من المعز لم يجز أن يشري جذعة من الضأن، وان كانت خيراً منها لتعين حق المساكين في نوعها وسنها، وإذا كان كذلك لم يخل حال القيمة من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن تكون ثمناً لمثلها من غير زيادة ولا نقصان فعليه أن يشتري به مثلها ولا يلزمه إيجابها بعد الشراء؛ لأنه بدل من واجب لا ملك له فيها، ونظر في الشراء فإن كان اشتراها بعين القيمة المستحقة صارت أضحية بنفس الشراء، وان لم ينو بها الأضحية، وان اشتراها في الذمة نوى بالشراء أنها أضحية لا يحتاج بعده إلى إيجاب وان لم ينو بالشراء أنها أضحية أوجبها بعد الشراء، أضحية لا في حق نفسه؛ لأنه لا يملكها ولكن في حق أهل الضحايا؛ لأنها بدل عن أصل قد استحقوه.
فصل:
والقسم الثاني: أن تكون القيمة أكثر من ثمن مثلها فعليه أن يصرف القيمة في الأضاحي لأنها مستحقة لأهلها فيشري منها واحدة مثلها، وفيما يشتريه بباقي القيمة وجهان محتملان:
أحدهما: في أمثالها، ولا يعدل عن مثلها إلى غيرها؛ لأن مصرف جميعها واحد.
والثاني: أنه يصرفه فيما هو الأحظ لأهل الضحايا من ذلك الجنس أو غيره؛ لأن الزيادة بعد حصول المثل كالابتداء بالأضحية، وإذا كان كذلك نظر في الزيادة فإن كانت ثمناً للأضحية كاملة أو أضحيتين اشترى بها ما أمكن من الضحايا الكاملة ولا يجوز أن يشتري ما لا يجوز من الضحايا، وان نقصت الزيادة عن ثمن أضحية كاملة قال الشافعي: يسلك بها مسلك الأضحية، فاختلف أصحابه في مراده فيما يصنع بها على ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يشتري بها سهماً من أضحية اعتباراً بالأصل.
والثاني: أنه يشتري بها لحماً لتعذر الشركة في الحيوان، فعدل به إلى اللحم المقصود.
والثالث: تصرف زيادة دراهم بحالها؛ لأنها تلاقي التصرف أصلاً، فجاز فيه من القيمة ما لم يجز في الأصل، كمن وجبت عليه جذعة في الزكاة فأعطى قيمتها لم تجز؛ ولو أعطى عنها حقه ودفع عشرين درهماً عن نقص الحق أجزأ.
فإن قلنا: إنه يصرف ذلك في سهم من أضحية كان في ذلك السهم كأهل الضحايا. وان قلنا: إنه يشتري به لحماً أو يصرفه ورقاً ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يسلك به مسلك الضحايا ويكون فيه بمثابتهم.
والثاني: أنه يختص به الفقراء، ولا يجوز أن يشاركهم فيه كما لو عطبت عليه بدنة من الهدي ذبحها ولم يأكل منها شيئاً، وان كانت لو سلمت جاز له أن يأكل منها حسماً.
стр. 1835
للتهمة كذلك هذه الزيادة.
فصل:
والقسم الثالث: أن تكون قيمة الأضحية المضمونة أقل من ثمن أضحيته فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون المضحي قد ضمنها إما منفرداً بضمانها كما لو أتلفها، وإما مشتركاً بينه وبين غيره كما لو باعها فعليه أن يزيد على القيمة، ويشتري به مثلها؛ لأنا قد دللنا على أنه يضمنها في حق نفسه بأكثر الأمرين من قيمتها أو مثلها، فإذا عجزت القيمة ضمن المثل.
والثاني: أن تكون القيمة قد تفرد بضمانها أجنبي غير المضحي من غاضب أو جان فلا يلزم الأجنبي أكثر من القيمة، وفي ضمان المضحي لما زاد عليها حتى يبلغ ثمن أضحيته وجهان:
أحدهما: يضمنه؛ لأنه قد التزم أضحية فلزمه إكمالها فيصير بالالتزام ضامناً لا بالتلف.
والثاني: هو أظهر وبه قال ابن أبي هريرة أنه لا يلزم تمام الأضحية؛ لأنه لم يتلف فيضمن وقد قام من إيجابها بما التزم فلم يضمن كما لو لم يضمن بالموت"، فعلى هذا لا تخلو القيمة المستحقة من خمسة أحوال:
أحدها: أن يمكن أن يشتري بها من جنس تلك الأضحية ما يكون أضحية وان كانت دون التالفة مثل أن يكون قد أتلف ثنية من الضأن فيمكن أن يشتري بقيمتها جذعة من الضأن فعليه أن يشتري بها جذعاً من الضأن ولا يجوز أن يشتري بها ثنية من المعز لأنها من جنس المتلف فكانت أحق.
والحال الثانية: أن يكون ثمناً لدون الجذعة من الضأن أو الثنية من المعز فعليه أن يشتري بها ثنية من المعز وإن كانت من غير جنسها وهي أولى من أقل من الجذعة من الضأن وإن كانت من جنسها لأن الثنية من المعز أضحية ودون الجذع ليس بأضحية.
والحال الثالثة: أن يمكن أن يشتري بها دون الجذع مما يكون أضحية أو سهماً شائعاً في أضحية فعليه أن يشتري بها ما كيل من دون الجذع، وهو أولى من شراء سهم وجذع تام؛ لأنهما قد استويا في أنهما لا يكونان أضحية واختص ما دون الجذع بإراقة دم كامل.
والحال الرابعة: أن يمكن أن يشتري بها سهماً شائعاً في أضحيته أو لحماً ويشتري بها سهماً في أضحية وهو أحق أن يشتري به لحماً؛ لأن في السهم الشائع إراقة دم وليس في اللحم ذلك؛ وخالف الزيادة حيث اشترى بها في أحد الوجوه لحماً؛ لأن الزيادة بعد إراقة الدم وهذه لم يحصل قبلها إراقة دم.
стр. 1836
والحال الخامسة: أن لا يمكن أن يشري بها حيواناً ولا سهماً منه، ويمكن أن يشتري بها لحماً أو يفرقها ورقاً، فيجب أن يشري بها لحماً ولا يفرقها ورقاً بخلاف الزائد على القيمة في أحد الوجوه؛ لأن اللحم هو مقصود الأضحية، وقد وجد في الزيادة مقصودها فجاز أن يفرق ورقاً، ولم يوجد في النقصان مقصودها فوجب أن يفرق لحماً، وبالله التوفيق.
مسألة:
قال الشافعي: "فان ولدت الأضحية ذبح معها ولدها".
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا أوجب أضحية حاملاً فولدت أو كانت حائلاً فحملت ثم ولدت كان ولدها تبعاً لها في الأضحية، وعليه أن يذبحهما معاً، لما روي عن علي ﵇ أنه رأى رجلاً يسوق بدنة معها ولدها، فقال: لا تشرب من لبنها إلا ما فضل عن ولدها، فإذا كان يوم النحر فانحرها وولدها عن سبعة وليس يعرف له مخالف؛ ولأنها ولدته بعد خروجها عن ملكه فأشبه ولد المعتقة والمبيعة وخالف ولد المستأجرة والمرهونة، فإذا ذبحهما معا وتصدق من كل واحدة منهما وأكل جاز، وان تصدق من إحداهما دون الأخرى ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: لا يجوز حتى يتصدق من كل واحدة منهما؛ لأنهما قد صارتا أضحيتين فلزمه أن يسلك بكل واحدة منهما مسلك الأضحية كالأضحيتين.
والثاني: أنه يجوز أن يتصدق من الأم دون الولد ومن الولد دون الأم لأن ولدها بعضها وإذا تصدق ببعض الأضحية أجزأه عن الباقي.
والثالث: أنه إن تصدق من الأم دون الولد أجزأه، وان تصدق من الولد دون الأم لم يجزه؛ لأن الولد فرع تابع والأم أصل متبوع.
مسألة:
قال الشافعي: "أولاً يشرب من لبنها إلا الفضل عن ولدها ولا ما ينهك لحمها ولو تصدق به كان أحب اليَّ".
قال في الحاوي: يجوز حلاب الأضحية وشرب لبنها وقال أبو حنيفة: لا يجوز حلابها وينضح الماء على ضرعها حتى يذهب لبنها كما لا يجوز جزاز صوفها، ودليلنا ما قدمناه عن علي ﵇، ولأن ترك لبنها مضرّ بها.
ولأنه يستخلف إن حلب فكان في تركه إضاعة له، فإن لم تكن ذات ولد حلب جميع لبنها من غير استقصاء مضر، فقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "دعوا داعي اللبن" يعني إبقاء يسير يصير به داعية كثيراً، وان كانت ذات ولد وجب عليه أن يمكنه منها حتى
стр. 1837
يرتوي من لبنها كما كان عليه تمكين الأم من علفها ثم لا يخلو حاله بعد تمكينه منه من ثلاثة أقوال:
أحدها: أن يكون بقدر ريه من غير فضل ولا نقصان فلا يجوز أن يحلب من لبنها شيئاً لاستحقاقه في ري الولد.
والحال الثانية: أن يكون أقل من رية فعليه بعد تمكينه من لبنها أن يسقيه بعد ريه من غيرها.
والحال الثالثة: أن يكون أكثر من رية فعليه أن يخلي بينه وبين ريه ثم يحتلب الفاضل عن ريه، فإذا احتلب اللبن فالأولى به والأفضل أن يتصدق بجميعه فإن لم يتصدق بجميعه فالأفضل بعده أن يسلك به مسلك اللحم فيشرب منه ويسقي غيره، فإن لم يفعل وشرب جميعه جاز وان كرهناه؛ لأن بقاء لحمها نسخ وتقام الانتفاع بها مكروه.
مسألة:
قال الشافعي ﵀: "ولا يجزَّ صوفها".
قال في الحاوي: يمنع من جزاز صوفها إذا لم يكن تركه مضراً بها لأنه أحفظ لها وأكمل ولأنه يبعد استخلافه بخلاف اللبن وان كان جزازه أنفع بها فإن قرب زمان نحرها تركه عليها حتى ينحرها وان بعد زمان نحرها جزه عنها؛ لأنه أصلح لبدنها، فإن جزه، وهو مأمور بتركه فقد أساء ولم يضمن، وان تركه وهو مأمور بجزه كرهناه ولم يضمن، ولا يجوز له بيع الصوف بعد جزه؛ لأنه من جملة أضحيته لا يجوز له بيعها ويسلك به مسلك اللبن على ما قدمناه.
مسألة:
قال الشافعي: "وإن أوجبتها هدياً وهو تام، ثمَّ عرض له نقص وبلغ المنسك أجزأ إنما أنظر في هذا كله إلى يوم يوجبه ويخرج من ماله إلى ما جعله له".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا أوجب أضحية سليمة من العيوب فحدث بها قبل نحرها ما يمنع من ابتداء الأضحية بها من عور أو عرج ضحى بها وأجزأته.
وقال أبو حنيفة: إن كان موجبها ممن لا يلزمه الأضحية لسفر أو عدم أجزأه، وان كان ممن يلزمه الأضحية بالمقام واليسار لم يجزه، لأن النقص في الواجب مردود كالمعيب في الزكوات وفي المشهور تجزئ كالعيب في الصدقات.
ودليلنا ما رواه أبو سعيد الخدري، قال: قلت يا رسول الله إني أوجبت أضحية وقد أصابها عور فقال: "ضح بها" فلما أمره بذبحها ولم يأمره بالإعادة دلّ على إجزائها. ولأنه خرج من ملكه على صفة الإجزاء فلم يمنع حدوث نقصه من الإجزاء كالعتق في
стр. 1838
الكفارة إذا حدث بعده نقص يمنع من الكفارة كان مجزياً كذلك نقص الأضحية، وخالف عيب الزكاة لوجوده عند الإخراج.
فصل:
فأما إذا أوجب في ذمته أضحية عن نذر ثم أوجبها في شاة عينها وحدث بها قبل الذبح نقص لم يجزه الأضحية بها، لأن سلامة ما تعلق بالذمة مستحق في الذمة تمنع حدوث نقصه من الإجزاء.
وسلامة ما لم يتعلق بالذمة غير مستحق في الذمة فلم يمنع حدوث نقصه من الإجزاء وإذا لم تجزه المعيبة وجب عليه أن يضحي بسليمة ولم يلزمه ذبح المعيبة: لأنه أوجبها ليسقط بها ما في ذمته، فإذا بطل إجزاؤها بطل إيجابها.
مسألة:
قال الشافعي: "وإن أوجبه ناقصاً ذبحه ولم يجزه ".
قال في الحاوي: وهذا كما قال، إذا ابتدأ إيجاب أضحية ناقصة وجبت ولم تكن أضحية؛ لأن نقصها يمنع من الأضحية وإيجابها يوجب ذبحها وأن يسلك بها مسلك الأضحية لأمرين:
أحدهما: أنه قد أخرجها عن ملكه بالإيجاب فلم تعد إليه.
والثاني: أنه بمثابة من أعتق عبداً معيباً عن كفارته لم يجزه عنها ولم يعد إلى رقه بعد العتق، فلو أوجبها ناقصة فلم يذبحها حتى زال نقصها ففي كونها أضحية قولان:
أحدهما:. قاله في الجديد وبعض القديم _ لا تكون أضحية اعتباراً بحال إيجابها وإن لزمه ذبحها كمن أعتق عن كفارته عبداً معيباً فزال عيبه بعد عتقه لم يجزه عن كفارته وإن عاد إلى سلامته.
والثاني:. في القديم: أنها تكون أضحية مجزية؛ لأنها ما وصلت إلى المساكين إلا سليمة، ولو أوجبها وهي معيبة عن أضحية في الذمة بطل إيجابها لعدم إجزائها ولم يلزم ذبحها لبطلان إيجابها، فلو عادت إلى حال السلامة لم يصح ما تقدم من إيجابها حتى يستأنفه بعد السلامة.
قال الشافعي ﵀: "ولو ضلت بعدما أوجبها فلا بدل وليست بأكثر من هدي التطوع يوجبه صاحبه فيموت ولا يكون عليه بدل ".
قال في الحاوي: إذا أوجب أضحية فضلت منه فلا يخلو أن تضل بتفريط منه أو بغير تفريط، فإن ضلت بتفريط منه في حفظها فعليه طلبها فإن ماتت ضمنها، فإن علم أنه
стр. 1839
يجدها بعد أيام التشريق ولا يجدها في أيام التشريق لزمه بدلها في أيام التشريق، ولم يجز أن ينتظرها بعد فوات زمانها، فإذا وجدها بعد فوات الزمان أن يضحي بها فيصير بالتفريط ملتزما بالأضحيتين، وان ضلت بغير تفريط منه في حفظها فلا تخلو من ثلاثة أحوال:
أحدها: أن تضل قبل أيام التشريق وهي مسألة الكتاب فلا ضمان عليه؛ لأنها في يده أمانة لا تضمن إلا بالعدوان.
ولأنه ليس ضلالها بأكثر من موتها وهو لا يضمنها بالموت فأولى أن لا يضمنها بالضلال ثم ينظر، فإن كان لطلبها مؤونة لم يجب عليه طلبها، وان لم يكن في طلبها مؤونة وجب عليه طلبها، لأنه مؤتمن عليها في حقوق المساكين، وان ضلت بتفريط كان عليه طلبها بمؤونة وغير مؤونة.
والحالة الثانية: أن تضل منه بعد أيام التشريق فعليه ضمانها؛ لأن تأخير نحرها تفريط منه يوجب عليه الضمان إلا أن يؤخرها العذر فلا يضمن.
والحال الثالثة: أن تضل منه في أيام التشريق بعد مضي بعضها وبقاء بعضها فعمل يكون ذلك تفريطا منه يلتزم به ضمانها أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: لا يكون تفريطا لبقاء زمان النحر وجواز تأخيرها إليه فلم يفرط فيه، فعلى هذا لا يضعفها ولا يلزمه طلبها إن كان له مؤونة.
والثاني: أنه يكون تفريطا منه، لأن نحرها بدخول الزمان مستحق وتأخيره رخصة كتأخير الحج بعد وجود الزاد والراحلة مباح، فلو مات قبل أدائه كان فرضه مستقرا فعلى هذا يضمنها ويلزمها طلبها بمؤونة وغير مؤونة.
مسألة:
قال الشافعي ﵀: "ولو وجدها وقد مضت أيام النحر كلها صنع بها كما يصنع في النحر كما لو أوجب هديها العام وأخرها إلى قابل وما أوجبه على نفسه لوقت ففات الوقت لم يبطل الإيجاب".
قال في الحاوي: إذا وجد الأضحية الضالة لزمه نحرها سواء كان قد ضمنها بالتفريط أو لم يضمنها، لخروجها بالإيجاب عن ملكه، فإن كانت أيام النحر باقية نحرها إجماعاً وكانت أداء لا قضاء، وان نقصت أيام النحر نحرها في الحال ولم يؤخرها إلى انتظار مثلها في العام المقبل، ولا يجوز أن يدفعها إلى المساكين في الحياة حتى ينحرها.
وقال أبو حنيفة: إن كانت واجبة دفعها في الحياة إلى المساكين ولم ينحرها، وان كانت مسنونة بطل إيجابها وعادت بفوات الوقت إلى ملكه.
стр. 1840
وقال بعض الفقهاء: ينتظر بها إلى وقت مثلها من العام المقبل كما ينتظر بفوات الحج قضائه في مثل وقته.
ودليلنا: هو أن ما استحقه المساكين في وقته لم يسقط حقهم بفوات وقته كزكاة الفطر فبطل به مذهب أبي حنيفة في المسنون.
ولأن ما استحقه المساكين على صفة لم تتغير صفته بالتأخير كزكاة المال فبطل به مذهب أبي حنيفة في الواجب، ولأن ما استحقه المساكين لوقت لم يجز تأخيره بفوات الوقت كالنذور فبطل به مذهب من أوجب تأخيره إلى مثل وقته.
فصل:
فإذا ثبت وجوب نحرها عند وجودها ففي حكمها بعد ذبحها وجهان:
أحدهما: وهو قول الجمهور إنه يسلك بها بعد الذبح مسلك الضحايا في وقتها يأكل ويتصدق ويهدي على حكمها في الأصل إذا ذبحت في أيام النحر.
والثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة أنها تكون للمساكين خاصة لا يجوز أن يأكل منها ولا يدخر لأنها قد خرجت بفوات ذبحها في أيام النحر من الأداء إلى القضاء فصارت حقاً لغيره ثم لا يخلو حالها أن تكون مضمونة بالتفريط أو غير مضمونة، فإن كانت غير مضمونة؛ لأنه غير مفرط فليس بملتزم لغيرها وقد فعل في نحرها وتفريقها ما لزمه؛ فإن كانت مضمونة بالبدل لتفريط فيها فلا يخلو حال بدلها بعد وجودها من أربعة أحوال:
أحدها: أن تكون في ذمته ولم يوجبه في غيرها فتبرأ ذمته من البدل بوجودها كالعبد المغصوب إذا أبق، وكان الغاصب مأخوذاً بالقيمة فوجده برئت ذمته من القيمة بوجوده.
والحالة الثانيه: أن يكون قد أوجب البدل وعينه في غيرها وهو باق ولم يذبحه فقد سقط إيجاب بدلها بوجودها وعاد إلى ملكه كقيمة المغصوب إذا أخذت ثم وجد ردت.
والحال الثالثة: أن يكون بدلها قد ذبح وفرق في أهل الضحايا قبل وجودها فيصير ذبح البدل أضحية تطوعء ولا يعتاض عن البدل باستبقاء الأصل بل يذبحه بعد البدل فيكون أضحيتين.
والحال الرابعة: أن يكون البدل ولحمه باقياً عند وجود الأصل ففيه وجهان:
أحدهما: أن لحم البدل قد صار أضحية بالذبح فيجب أن يسلك به مسلك الضحايا.
والثاني: قد زال عنه حكم الضحايا قبل تفرقته كما زال حكمها عنه في حياته فيصنع به ما شاء من بيع وغيره.
стр. 1841
مسألة:
قال الشافعي: "ولو أن مضحيين ذبح كل واحد منهما أضحية صاحبه ضمن كل واحد منهما ما بين قيمة ما ذبح حيا ومذبوحاً وأجزأ عن كل واحد منهما ضحيته وهديه ".
قال في الحاوي: ومقدمة هذه المسألة أن يذبح رجل أضحية غيره بغير أمره فمذهب الشافعي أن ذبحها يجزئ عن قربة صاحبها يسلك بها بعده مسلك الضحايا، ويكون الذابح ضامنا لنقصان ذبحها.
وقال مالك: لا يجزئه ذبح غيره ويكون لحماً وعليه أن يضحي بعدها.
وقال أبو حنيفة: تجزئه عن أضحيته ولا يرجع على الذابح نقصان ذبحه، وبه قال أبو ثور والذي أراه من هذا الإطلاق في الضمان أن ينظر في زمان الذبح فإن كان متسعاً ضمن الذابح؛ لأنه لم يتعين ذبحها في وقته ببقائه بعد ذبحه، وان ضاق حتى لم يبق منه إلا زمان الذبح لم يضمن الذابح، لأنه قد تعين ذبحها في وقته، فأما مالك فاحتج بأن الذبح قربة كالتفرقة ثم ثبت أنه لو فرقها غيره لم يجزه كذلك إذا ذبحها غيره لم تجزه.
ودليلنا: أن مقصود الأضحية إيجابها في حق المالك وتفرقتها في حق المساكين والذبح تبعاً لهما يتوصل به إلى المقصود في حقّ كل واحد منهما، وقد وجد المقصود أن يذبح الغير فلم يمنع من الإجزاء.
ولأن الذبح لا يفتقر إلى نية وقصد؛ لأنه لو ذبحها الملك سهوا أجزأت كذلك إذا ذبحها غيره عن عدم قصده وفي هذين انفصال.
فصل:
فأما أبو حنيفة _ رحمه الله تعالى _ فإنه استدل على أن الذابح لا يضمن نقصان ذبحها؛ لأنه إراقة دم مشروع فلم يتعلق به ضمان كالختانة وقتل الردة ولأنها قربة تعين عليه فعلها فلم يضمنها من ناب عنه فيها كسوق الهدي إلى محله.
ودليلنا: هو أن ما ضمن في غير الأضحية ضمن في الأضحية كاللحم، ولأن ما ضمن لحمه ضمن ذبحه كغير الأضحية.
فأما الجواب عن قياسه على الختانة، فهو أنها ما أحدثت نقصاً، ولو أحدثته ضمن كذلك الأضحية لو لم تحدث نقصاً لم تضمن، فإذا أحدثه ضمن والمرتد لا يضمن بغير العقل، فلم يضمن بالقتل والأضحية تضمن بغير الذبح فضمنت بالذبح.
وأما الجواب عن قياسه على سوق الهدي فهو على ما ذكرناه من أنه لم يحدث نقصاً ولو عطب في يده ضمن.
стр. 1842
فصل:
فإذا ثبت ما وصفنا وكان للمضحين أضحيتان فذبح كل واحد منهما أضحية صاحبه بغير أمره فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يفرق كل واحد منهما لحم ذبيحته فلا يجزئه عن نفسه؛ لأنه لا يملكها ولا يجزئ عن صاحبها، لأنه ما قام بما عليه فيها، ويضمن كل واحد منهما لصاحبه قيمة أضحيته، ولا يجوز أنهما يتقاسمان القيمة لخروجها عن ملك كل واحد منهما بالإيجاب، وفي القيمة وجهان:
أحدهما: - وهو قول الجمهور- إنه يضمن قيمتها قبل الذبح، وهي حية كالجاني.
والثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة _ أنه يضمن أكثر الأمرين من قيمتها وهي حية أو قيمة لحمها بعد الذبح لتعديه بالتفرقة كتعديه بالذبح، وهو عندي أصح، فإذا أخذ كل واحد منهما قيمة أضحيته صرفها في مثلها وكان في فصلها ونقصانها على ما ذكرنا، ويكون أرش الذبح داخلاً في ضمان القيمة فسقط بها.
والضرب الثاني: أن يكون لحم كل واحد منهما باقياً فلكل واحد منهما أن يأخذ لحم أضحيته، ولا يجوز أن يتبادلا باللحم، لأنه لا يجوز صرفه إلا في مسلك الضحايا، ويرجع كل واحد منهما على صاحبه بأرش الذبح، وفي مصرف هذا الأرش ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون للمضحي خاصة، لأن حق المساكين في عين الأضحية، وليس هذا الأرش منها.
والثاني: أن يكون للمساكين؛ لأنه ليس للمضحي منها إلا ما يأكله من لحمها، وليس هذا الأرش منها.
والثالث: أن يسلك به مسلك الضحايا لاستفادته منها.
مسألة:
قال الشافعي ﵀: "فإذا ذبح ليلا أجزأه ".
قال في الحاوي: ذبح الأضحية ليلاً مكروه لنهي النبي ﷺ عن الذبح ليلاً، ولأنه ربما أخطأ محل ذبحها بظلمة الليل، ولأنه يصير مستنيرا بها والمظاهرة بها أولى، ولأنه ربما أعوزه المساكين في الليل، ولأنه ربما تغير اللحم إذا استبقى إلى النهار وصل فلهاه المعاني كرهنا ذبحها في الليل، فإن ذبحها فيه أجزأه.
وقال مالك: لا يجزئه لما قدمناه ولقول الله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨]. فخص الأيام بها دون الليالي.
стр. 1843
ودليلنا: قول الله سبحانه: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ [الحج:٣٦] ولم يفرق بين الليل والنهار فكان على عمومه فيها.
ولأنه من زمان النحر فجازت الأضحية فيه كالنهار.
ولأنه أحد مقصودي الأضحية فجاز ليلاً كالتفرقة.
فأما الجواب عن الآية فهو أن الليالي تبع للأيام.
والنهي محمول على الكراهة كما نهى عن جداد الثمار في الليل - ما يصنع بلحم الأضحية من حيث الادخار والأكل والطعام والإهداء ـ.
مسألة:
قال الشافعي: "والضحيه نسك مأذون في أكله وإطعامه وادخاره ".
قال في الحاوي: أما الضحايا والهدايا فحكمها في جميع ما قدمناه سواء، وإنما يختلفان في المحل فمحل الهدي الحرم، لقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣]. ومحل الضحايا في بلد المضحي، وهل يتعين عليه ذبحها فيه أم لا؟ على وجهين مخرجين من اختلاف قولي الشافعي في تفريق الزكاة في غير بلد المالك هل يجزئ أم لا؟ على قولين:
فإن قيل: لا تجزئ تعين عليه ذبح الأضحية في بلده فإن ذبحها في غير بلده لم يجزه.
وإن قيل: تفريقها في غير بلده يجزئ لم يتعين عليه ذبح الأضحية في بلده، وكان ذبحها في بلده أفضل، وفي غير بلده جائز.
فإذا تقررت هذه الجملة لم يخل حالها بعد الإيجاب إيجابها أن تكون عن نذر أو تطوع، فأما التطوع فهو ما ابتدأ إيجابه فقال: قد جعلت هذه البدنة أضحية، فيجب أن يذبحها في أيام النحر وكذلك الهدي ثم يسلك بها مسلك الأضحية، وذلك مشتمل على أربعة أحكام:
أحدها: أن يأكل منها.
والثاني: أن يطعم الفقراء.
والثالث: أن يهدي إلى الأغنياء.
والرابع: أن يدخر قال الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج:٣٦] فنص هذه الآية على ثلاثة أحكام على أكل وإطعام الفقراء ومهاداة الأغنياء.
وأما الادخار فالأصل ما رواه الشافعي عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة ﵂ قالت: دق ناس من أهل البادية حضرة
стр. 1844
الأضحى في زمان رسول الله ﷺ فقال: "ادخروا الثلث وتصدقوا بما بقي قالت: فلما كان بعد ذلك قيل لرسول الله ﷺ : لقد كان الناس ينتفعون بضحايا هم يحملون منها الودك ويتخذون منها الأسقية فقال رسول الله ﷺ : وما ذاك قيل: يا رسول الله: نهيت عن اقتناء لحوم الأضاحي بعد ثلاث، فقال رسول الله ﷺ : "إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت فكلوا وتصدقوا وادخروا"، فاشتمل هدا الحديث على تحريم ادخار لحوم الأضاحي بعد ثلاث لأجل الدافة ثم على إباحة الادخار بعد الدافة، والدافة النازلة يقال: دف القوم موضع كذا إذا نزلوا فيه، فاختلف أصحابنا في معنى هذا النهي والإباحة على وجهين:
أحدهما: أنه نهي تحريم على العموم في المدينة التي دف البادية إليها وفي غيرها حرم به ادخار لحوم الأضاحي بعد ثلاث في جميع البلاد، وعلى جميع المسلمين وكانت الدافة سبباً للتحريم ولم تكن علة للتحريم ثم وردت الإباحة بعدها نسخاً للتحريم، فعمل جميع الصحابة بالنسخ إلا علي بن أبي طالب ﵇، فإنه بقي على حكم التحريم في المنع من ادخارها بعد ثلاث ولم يحكم بالنسخ، لأنه لم يسمعه.
وقد روى الشافعي عن مالك عن أبي الزبير، عن جابر أن النبي ﷺ نهى عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاثة ثم قال: "كلوا وتزودوا وادخروا" فعلى هذا إذا دف قوم إلى بلد من فاقة لم يحرم ادخارهم لحوم الأضاحي لاستقرار النسخ.
والثاني: أنه نهي تحريم خاص لمعين حادث اختص بالمدينة ومن فيها دون غيرهم لنزول الدافة عليهم، وكانت الدافة علة لتحريم ثم ارتفع التحريم بارتفاع موجبه، وكانت إباحة الرسول إخباراً عن السبب ولم تكن نسخاً، فعلى هذا اختلف أصحابنا إذا حدث مثله في زماننا، قذف ناس إلى الفاقة، فهل يحرم على أهله ادخار لحوم الأضاحي لأجلهم لوجود علة التحريم كما حرم عليهم بالمدينة في عهد الرسول ﷺ أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: يحرم عليهم لوجود علة التحريم كما حرم عليهم بالمدينة في عهد الرسول ﷺ .
والثاني: لا يحرم، لأن التعليل بالدافة كان لزمان على صفة فصار مقصوراً عليه.
فصل:
فإذا ثبت ما وصفناه من مسلك الضحايا في هذه الجهات الأربع الأكل والادخار والصدقة والهدية اشتمل حكمها على فصلين:
أحدهما: في مقاديرها، فليس تتقدر في الجواز، وإنما تتقدر في الاستحباب؛ لأنه
стр. 1845
لو أكل يسيراً منها وتصدق بباقيها جاز ولو تصدق بيسير منها وأكل باقيها جاز، فأما مقاديرها في الاستحباب ففيه قولان:
أحدهما: قاله في القديم _ يأكل ومدخر ويهدي النصف ويتصدق على الفقراء بالنصف؛ لأن اثه تعالى قال: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨] فجعلها في صنفين فاقتضى أن تكون بينهما نصفين.
والثاني: _ قاله في الجديد _ أن يأكل، ويدخر الثلثء ويهدي الثلث، ويتصدق على الفقراء بالثلث لقول الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج:٣٦] فذكر ثلاثة أصناف فاقتضى أن تكون بينهم أثلاثاً.
وأما الفصل الثاني: وجوبها واستحبابها، فلا يختلف المذهب أن الادخار مباح وليس بواجب ولا مستحب وأن الهدية ليست بواجبة وهي مستحبة، فأما الأكل والصدقة فقد اختلف أصحابنا فيه على ثلاثة أوجه:
أحدهما: وهو قول أبي العباس بن سريج، وأبي سعيد الإصطخري أنهما مستحبان فإن أكل جميعهما جاز وان تصدق بجميعها جاز لقول الله تعالى: ﴿لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى﴾ [الحج: ٣٧] فجعل مقصودها التقوى بعد الإراقة دون الأكل والصدقة.
ولأنه لما كان لو أكل أكثرها كان جميعها أضحية كذلك إذا أكل جميعها.
والثاني: وهو قول أبي الطيب بن سلمة: أن الأكل والصدقة واجبان، فإن أكل جميعها لم يجزه، وان تصدق بجميعها لم يجزه حتى يجمع بين الأكل والصدقة لقول الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨] فجمع بينها وأمر بهما فدل على وجوبهما ولأن رسول الله ﷺ نحر في حجة مائة بدنة، وأمر علياً أن يأتيه من كل بدنة ببضعة ثم أمر بها فطبخت فأكل من لحمها، وحسا من مرقها، فلما أكل من كل بدنة مع كثرتها دل على وجوب أكله منها.
والثالث: وهو مذهب الشافعي وما عليه جمهور أصحابنا _ أن الأكل مستحب والصدقة واجبة، فإن أكل جميعها لم يجزه وان تصدق بجميعها أجزأه لقول الله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [الحج:٣٦] فجعلها لنا، ولم يجعلها علينا، فدل على أن أكلنا منها مباح، وليس بواجب، ولأن حقوق الإنسان هو مخير فيها بين الاستبقاء والإسقاط.
ولأن موضوع القرب بالأصول أنها مستحقة عليه وليست مستحقة له.
ولأن قوله تعالى في الضحايا: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا﴾ [الحج: ٢٨] جار مجرى قوله في الزكاة: ﴿كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام:١٤١]. فلما كان أكله مباحاً والإيتاء واجباً كذلك الأكل من الأضحية مباح والإطعام واجب.
стр. 1846
فصل:
فإذا تقرر حكم الأكل والصدقة على هذه الوجوه الثلاثة فاقتصر منها على أحدها نظر، فإن كان اقتصاره منها على الصدقة دون الأكل فأطعم ولم يأكل لم يضمن على الوجوه الثلاثة، لأن من قال بوجوب الأكل نسبه في ترك الأكل إلى المأثم، ولم يلزمه الغرم في حق نفسه لأن استحقاقه للأكل رفق به فخرج عن حكم الغرم لما فيه هن الإجحاف به، وإن كان اقتصاره على الأكل فأكل، ولم يطعم فعلى قول أبي العباس لا ضمان عليه، لأنه يجعل الإطعام مستحباً، وعلى الوجهين الآخرين يكون ضامناً، وهو الصحيح لما ذكرنا فعلى هذا في قدر ما يضمنه ثلاثة أوجه:
أحدها: - وهو مذهب أبي إسحاق المروزي وأبي علي بن أبي هريرة - يضمن جميعها بأكثر الأمرين من قيمتها أو مثلها، لأنه لما عدل بأكملها عن حكم الضحايا صارت لحماً، وكان إيجاب الضحايا باقياً، فلزمه أن يضحي فعلى هذا هل يجوز له أن يأكل من بدلها أم لا؟ على وجهين مضيا.
والثاني: يضمن منها قدر الاستحباب فيما يتصدق به ولا يضمن جميعها، لأنه قد أراق دمها على اسم الأضحية فلم يضمن منها إلا ما تعدى بأكله، فضمن قدر الاستحباب احتياطاً، فعلى هذا في قدر الاستحباب قولان:
أحدهما: بالنصف، وهو القديم.
والثاني: الثلث، وهو الجديد، ولا يجوز أن يأكل هذا البدل وجهاً واحداً، لأنه بدل عما أكل والوجه الثالث يضمن قدر الإجزاء، لأنه لو اقتصر عليه في الصدقة، أجزأه، فعلى هذا يضمن ما يخرج عن قدر التافه إلى ما جرى العرف أن يتصدق به منها من القليل الذي يؤدي الاجتهاد إليه، ولا يجوز أن يأكل منه فصار في قدر ما يضمنه أربعة أوجه:
أحدها: الكل.
والثاني: النصف.
والثالث: الربع.
والرابع: المجزئ، فإن ضمن الكل لزمه ذبحه في أيام النحر.
فإن أخره عنها مع القدرة حتى ذبحه بعدها ففي إجزائه وجهان:
أحدهما: لا يجزئه، ويكون لحماً مضموناً بمثل ثان كما لو أخّر الأضحية حتى ذبحها بعد أيام النحر.
والثاني: أنه يجزئ؛ لأن إراقة دم الأضحية في أيام النحر قد يحصل بما أكل وإنما هذا بدل من الإطعام دون الإراقة فجاز في غير أيام النحر وان ضمناه بعضها ولم تضمنه جميعها لم يجز أن يتصدق بما ضمنه ورقاً، لأن حقوق الفقراء في الأكل دون القيمة، كما لا يجوز: أن يفرق ثمن الأضحية ورقاً، وهل يلزم صرف ما ضمنه في سهم من أضحية أو يفرقه لحما فيه وجهان:
стр. 1847
أحدهما: يشتري به سهماً من أضحية ليجمع فيه بين إراقة الدم وتفرقة اللحم.
والوجه الثاني: يفرقه لحماً، لأنه أرفق، وعلى كلا الوجهين إن ذبح أو فرق بعد أيام النحر أجزأه لأن ذبح سهم في شاة لا يكون أضحية فلم يعتبر فيه زمان الأضاحي.
فصل:
وأما الضحايا والهدايا المنذورة ففي جواز أكله منها وجهان:
أحدهما: _ وهو قول أبي إسحاق المروزي لا يجوز أن يأكل منها، لأنها خرجت بالنذر عن حكم التطوع إلى الواجب، فلا يجوز أن يأكل من الدماء الواجبة.
والثاني: يجوز أن يأكل منها، لأنه تطوع بالنذر فصار كتطوعه بالفعل. والأصح عندي من إطلاق هذين الوجهين أن ينظر في النذر، فإن كان معيناً لم يضمن في الذمة كقوله: "لله عليّ أن أضحي بهذه البدنة" جاز أن يأكل منها وإن كان مضموناً في الذمة كقوله: "لله عليّ أن أضحي ببدنة" لم يجز أن يأكل منها، لأن ما وجب في الذمة كان مستحقاً لغيره وما لم يتعلق بالذمة جاز أن يكون فيه كغيره، والله أعلم بالصواب.
مسألة:
فال الشافعي: "وأكره بيع شيء منه والمبادلة به ومعقول ما أُخرج لله أن لا يعود إلي مالكه إلا ما أذن الله فيه ثم رسول الله ﷺ فاقتصرنا على ما أذن الله فيه ثم رسول الله ﷺ ومنعنا البيع على أصل النسك أنه لله ".
قال في الحاوي: أما بيع لحم الأضحية فلا يجوز في حق المضحي لقول الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨] فنص على أكله وإطعامه، فدل على تحريم بيعه.
ولأن الأموال المستحقة في القرب لا يجوز للمتقرب بيعها الزكوات والكفارات وإنما خصت الضحايا بجواز الأكل، وليس في إباحة الأكل دليل على جواز البيع كطعام الولائم، وأكل الغانمين طعام أهل الحرب.
وأما الفقراء فعلى المضحي أن يدفع إليهم منها لحماً، ولا يدعوهم لأكله مطبوخاً لأن حقهم في تملكه دون أكله ليصنعوا به ما أحبوا، فإن دفعه إليهم مطبوخا لم يجز حتى يأخذوه نيئاً كما لا يجوز أن تدفع إليهم زكاة الفطر مخبوزا فإذا أخذه لحماً جاز لهم بيعه كما يجوز لهم بيعه ما أخذوه من الزكوات والكفارات وان لم يجز المزكي والمكفر بيعه.
وهكذا لا يجوز للمضحي أن يعطي الجازر أجرة جزارته من لحم الأضحية، لأنه يصير معاوضا به، ولأن رسول الله ﷺ نهى علياً عنه.
стр. 1848
ولأن مؤونة ما يستحق إخراجه لازمة للمتقرب كمؤونة الجداد والحصاد ٠ فإن أعطى الجازر أجرته جاز أن يعطيه بعد ذلك من لحمها صدقة إن كان محتاجاً أو هدية إن كان مستغنياً.
فصل:
فأما الجلد فهو في حكم الأضحية في تحريم بيعه على المضحي، وفي جواز تفرده به وجهان:
أحدهما: يجوز، لأنه بعض الأضحية.
والثاني: لا يجوز حتى يشارك فيه الفقراء، لأنه غير اللحم فلزم الإشراك فيه كاللحم، فإن باعه كان بيعه باطلاً، وقال عطاء: يجوز له بيع الجلد؛ وتملك ثمنه لأن مقصود الأضحية إراقة الدم وإطعام اللحم.
وقال الأوزاعي: يجوز له بيع الجلد بآلة البيت التي تعار كالقدر والميزان والسكين، ولا يجوز بيعه للآلة وتلزمه الإعارة.
وقال أبو حنيفة: يجوز له بيعه بالآلة دون غيرها، ولا يلزمه إعارتها اعتباراً بالعرف.
ودليلنا: ما رواه مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي ﵇ أنه قال: أمرني رسول ﷺ أن أقوم على بدنة فأقسم جلودها وجلالها، وأمرني أن لا أعطي الجازر منها شيئاً، وقال: نحن نعطيه من عندنا، فقسم الجلود كما قسم اللحم، فدل على اشتراكهما في الحكم.
وروى عبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة أنه قال: من باع جلد أضحيته فلا أضحية له، وهذا إن انتشر إجماع، وإن لم ينتشر حجة، إذ ليس له مخالف، ولأنه بعض الأضحية فلم يجز بيعه كاللحم، ولأن ما لم يجز بيع لحمه لم يجز بيع جلده، كدم التمتع والقران.
قال الشافعي ﵀: "ولا تجوز الأضحية لعبدٍ ولا مدبر ولا أم ولد لأنهم لا يملكون".
قال في الحاوي: أما المملكون من العبيد والإماء وأمهات الأولاد والمدبرين فلا يملكون إن لم يملكوا، ولا هو من أهل الضحايا، لأنهم لم يملكوا، فإن ضحى أحدهم بإذن سيده كان نائباً عنه، والأضحية عن السيد لا عنه، وان ضحى بغير إذن سيده كان متعدياً بالذبح في ملك سيده، وتكون الذبيحة لحماً للسيد، وليس بأضحية، وان ملكه السيد مالاً، ففي صحة ملكه قولان:
стр. 1849
أحدهما: وهو القديم وبه قال مالك يملكه العبد بتمليك السيد.
والثاني: وهو الجديد، وبه قال أبو حنيفة: لا يملكه العبد، ويكون باقياً على ملك السيد على كلا القولين ليس من أهل الضحايا ملك أو لم يملك، لأن للسيد عليه حجراً وان ملك، فإن أذن له السيد أن يضحي فذلك ضربان:
أحدهما: أن يضحي عن السيد فيصح ذلك من العبد، ويكون في هذا الإذن بذبحها عن السيد رجوعاً منه في تمليك العبد، ويصير العبد نائباً عن سيده في الذبح، وليس للعبد بعد الذبح أن يفرق اللحم إلا بإذن السيد؛ لأن الإذن الأول كان مقصوراً على الذبح دون التفرقة فاحتاج إلى إذن في التفرقة، فإن كان الإذن في الذبح والتفرقة صحّا جميعاً منه بإذن واحد، ويكون المدفوع إليهم من الفقراء مردودين إلى اجتهاد العبد.
والثاني: أن يأذن له السيد في أن يضحي عن نفه ففي جوازها عن نفسه قولان إن قيل: إنه يملك إذا ملك جاز وإن قيل: لا يملك إذا ملك لم يجز، فإن قيل بجوازه كانت أضحية عن العبد دون السيد، ولم يكن للسيد أن يرجع فيها بعد الذبح لما استحقه المساكين فيها بالذبح، فإن كان قيل إيجاب الأضحية وتعينها صح رجوع السيد فيها، وان كان بعد إيجابها وتعينها لم يصح رجوع السيد فيها، لأنه من حقوق المساكين كالمذبوحة، وإن قيل: إن أضحية العبد لا تجوز فللسيد منعه من ذبحها قبل التعيين وبعده، وإذا ذبحها العبد كانت ذبيحة لحم ولم تكن أضحية للعبد ولا للسيد.
فصل:
فأما المكاتب، فيملك إكساب نفسه غير أن ملكه ضعيف ولا يماثل ملك الحر، لأنه مقصور على أدائه في مال الكتابة ومؤونة نفسه وللسيد عليه حجر بما استحقه عليه من مال الكتابة، وليس من أهل الضحايا لقصوره ملكه، وان أراد أن يضحي، فللسيد منعه بحق حجر، فإن أذن له السيد في الأضحية، فإن منع العبد منها إذا ملك كان المكاتب أولى بالمنع فإن جوزت للعبد إذا قيل: إنه يملك فغي جوازها من المكاتب قولان:
أحدهما: تجوز منه وتصح له الأضحية بإذن السيد، وليس فيها بالسواء من مال العبد إذا ملك.
والثاني: لا تصح، لأن سيده لا يملك ما بيده وان ملك ما في يد عبده فصح إذنه مع عبده وضعف مع مكاتبه.
فصل:
فأما من نصفه حر ونصفه مملوك إذا ملك بنصفه الحر مالاً صح ملكه عليه، ولم يكن للملك رقة حجر عليه؛ لأنه لا حق له فيه، ويكون أهل الضحايا به، ويجوز أن يضحي بغير اعتراض كما لكامل الحرية.
стр. 1850
مسألة:
قال الشافعي: "وإذا نحر سبعه، بدنة أو بقره في الضحايا أو الهدى كانوا من أهل بيت واحدٍ أو شتى فسواء وذلك يجزي وإن كان بعضهم مضحياً وبعضهم مهدياً أو مفتدياً. أجزأ لأن سبع كل واحدٍ منهم يقوم مقام شاه منفردة وكذلك لو كان بعضهم يريد بنصيبه لحماً لا أضحية ولا هدياً. ومال جابر بن عبد الله نحرنا مه رسول الله ﷺ يوم الحديبية البدنة عن سبعه والبقرة عن سبعه. قل الشافعي ﵀: وهم شتى".
قال في الحاوي: أما البدنة في الضحايا والهدايا فهي عن سبعة وكذلك البقرة عن سبعة ويقوم كل سب مقام شاة وهو قول الجمهور.
وقال إسحاق بن راهويه: البدنة عن عشرة وكذلك البقرة، وبه قال بعض التابعين وهو مروي عن ابن عباس احتجاجاً برواية ابن عباس إنه قال: نحرنا البدنة عن عشرة والبقرة عن عشرة، ولأن رسول ﷺ قال: "البدنة في الغنائم بعشر من الغنم " فكذلك في الضحايا.
ودليلنا: ما روي عن مالك عن أبي الزبير عن جابر قال: "نحرنا مع رسول ﷺ عام الحديبية البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة وهذا لا يكون إلا عن أمره، على أن الشافعي قد روى عن يحيى بن حسان عن حماد بن سلمة، عن قيس بن سعد، عن عطاء عن جابر أن النبي ﷺ نحر البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة.
فأما حديث ابن عباس فهو موقوف وليس بمسند ومتروك، وغيره معمول به وهو محمول على تعديلها في الغنائم بعشر من الغنم، ولا يجوز أن يصير ذلك في الضحايا أصلاً، لأنه قد اختلف قتادة جعل بعشر وتارة بأقل وتارة بأكثر. الاشتراك في لحم البدنة والبقرة من حيث الفرض والتطوع.
فصل:
فإذا ثبت أن البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة جاز أن يشترك فيها سبعة من الضحايا والهدايا، ويكون كل سبع منها ضحية لكل واحد منهمء وكذلك لو كانوا مفترضين أو متطوعين في قرب متماثلة أو مختلفة أو بعضهم يريا حقه لحماً، وبعضهم يكون به متقرباً، وسواء كانوا من أهل بيت واحد أو بيوت شتى.
وقال مالك: إن كانوا مفترضين لم يجز أن يشتركوا، وان كانوا متطوعين جاز أن يشركوا إذا كانوا من أهل بيت واحد، ولم يجز أن يشركوا إذا كانوا من بيوت شتى؛ لأن التطوع أخف حكماً من الفرض وأهل البيت يشتركون في الأكل والإطعام.
стр. 1851
وقال أبو حنيفة: إذا كانوا متقربين جاز أن يشتركوا مفترضين ومتطوعين سواء أكانوا أهل بيت أو بيوت شتى وإن كان بعضهم متقرباً، وبعضهم يريد سهمه لحماً لم يجز أن يشركوا، لأن مصرف القرب واحد ومصرفها مع اللحم مختلف. والدلالة على مالك حديث جابر قال: "نحرنا بالحديبية البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة". وقد كانوا أشتاتاً من قبائل شتى، ولو اتفقت قبائلهم لم تتفق بيوتهم، ولو اتفقت لتعذر أن يستكمل عدد كل بيت سبعة حتى لا يزيدون عليهم، ولا ينقصون منهم، فبطل به قول مالك في الافتراض والاقتران، وروى جابر قال: أمرنا رسول ﷺ أن يشترك السبعة في بدنة، ونحن متمتعون عام الوداع وهذا يدل على جواز اشتراك المفترضين، لأن دم التمتع فرض.
ولأن كل ما جاز أن يشترك فيه السبعة إذا كانوا مفترضين كالسبع من الغنم وفي هذا انفصال.
والدليل على أبي حنيفة: أن كل ما جاز أن يشترك فيه السبعة إذا كانوا مفترضين جاز أن يشتركوا فيه وإن كان بعضهم غير متقرب كالسبع من الغنم ولأن سهم كل واحد معتبر بنيته لا بنية غيره، لأنهم لو اختلفت قربهم، فجعل بعضهم سهمه عن قران وبعضهم عن تمتع، وبعضهم عن حلق، وبعضهم عن لباس جاز كذلك إذا جعل بعضهم سهمه لحماً، لأن نية غير المتقرب لا تؤثر في نية المتقرب.
وقوله: إن مصرف القرب واحد غير مسلم، لأن مصرف الفرض غير مصرف التطوع ومحل الهدي غير محل الأضاحي.
فصل:
فإذا ثبت ما ذكرنا ونحر السبعة المشتركون بدنة، فإن كانوا متقربين ودفعوا لحمها إلى المساكين ليكونوا هم المقتسمين لها جاز وان كان بعضهم غير متقرب يريد سهمه لحماً يقاسمهم عليه، فإن قيل في القسمة: إنها إقرار حق وتمييز نصيب جازت القسمة وكان المتقربون بالخيار بين أن يقاسموهم قبل دفع سهامهم إلى المساكين، وبين أن يدفعوها قبل القسمة إلى المساكين، ويكون هم القاسمين، وان قيل: إن القسمة بيع لم يجز القسمة فإن أراد المتقربون أن يتقاسموه لم تجز لمعنيين:
أحدهما: أن لحوم القرب لا يجوز أن يبيعها المتقرب.
والثاني: أن الطعام الرطب لا يجوز بيع بعضه ببعض خوف الربا، وان أراد المساكين أن يتقاسموه لم يجز أن يتقاسموه لمعنى واحد، وهو خوف الربا، لأن بيعهم لما أخذوه من القرب جائز وان تركوه حتى يجف ثم اقتسموه جاز.
стр. 1852
مسألة:
قال الشافعي: "والأضحى جائز يوم النحر وأيام منى كلها إلى المغيب لأنها أيام نسك. قال المزني ﵀ وهو قول عطاء والحسن أخبرنا علي بن معبد عن هشيم عن يونس عن الحسن أنه قال: يضحى أيام التشريق كلها وحدثنا علي بن معبد عن هشيم عن الحجاج عن عطاء أنه كان يقول يضحى في أيام التشريق ".
قال في الحاوي: أما أيام نحر الضحايا والهدايا فمختلف فيها على ثلاثة مذاهب:
أحدها: وهو مذهب الشافعي وجمهور الصحابة والتابعين والفقهاء أنها أربعة أيام من يوم النحر إلى آخر أيام التشريق الثلاثة حتى تغيب شمسه.
والثاني: ما قاله مالك: إنها ثلاثة أيام من يوم النحر إلى آخر الثاني من أيام التشريق، وهو يوم النفر الأول.
والثالث: وهو قول أبي سلمة بن عبد الرحمن وإبراهيم النخعي، وسليمان بن يسار أنها من يوم النحر إلى آخر ذي الحجة، برواية أبي سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار أنه بلغهما أن نبي ﷺ قال: "إن الضحايا إلى هلال المحرم لمن أراد أن يستأني ذلك.
وروى يحيى بن سعيد عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف يقول: إنه كان المسلمون يشتري أحدهم الأضحية ويسمنها، فيذبحها بعد الأضحى في آخر ذي الحجة ودليلنا قوله تعالى ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨]، وقد مضى الكلام فيها، ولكن لما جعل النحر أياماً بطل أن يكون شهراً.
وروى سليمان بن موسى عن نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: "أيام التشريق كلها ذبح".
وفيه دليل على مالك حيث جعل ثلاثة أيام التشريق منها، ودليل على من استدامها إلى هلال المحرم، لاختصاص أيام التشريق بها.
وروي عن النبي ﷺ أنه أمر بالنداء في أيام التشريق: "ألا إنها أيام أكل وشرب ونحر وكر" فدل على اختصاص النحر بجميعها، ولأن كل يوم جاز فيه الرمي جاز فيه النحر كاليوم الثاني، وكل يوم لم يجز فيه الرمي لم يجز فيه النحر كالمحرم، ولأنها سميت أيام التشريق لتشريق لحوم الهدايا في شمسها، فلو كان غيرها في حكمها لجاز
стр. 1853
انطلاق اسم التشريق على جميعها وفي امتناع هذا دليل على فساد ما أدى إليه، وأما الجواب عما احتجوا به فهو أن مثله لا يجوز أن يكون حجة في الدين، ولا طريقا إلى الأحكام ولو صحّ لجاز فسخه بما هو أثبت منه، واقترن به العمل بضده، والله أعلم.
فصل:
يختار للإمام أن يضحي لكافة المسلمين وعنهم من بيت مالهم بدنة يذبحها في المصلى بعد فراغه من صلاته، لقول الله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر:٢] وأقل ما ينحره شاة، لأن رسول ﷺ نحر بعد صلاته شاة عن أمته، ويتولى نحرها بنفسه اقتداء برسول الله ﷺ والأئمة الراشدين ويخلي بين الناس وبينها فإن ضحى من ماله ذبح حيث شاء، ففرق على ما أراد فأما غير الإمام فيختار أن يضحي في منزله بمشهد أهله، ليفرحوا بالذبح ويستمتعوا باللحم، فإن ضحى بعدد من الضحايا، فيختار أن يفرقها في أيام النحر، فينحر في كل يوم بعضها، لأنه أطول استمتاعاً بلحمها، فإن ضحى برأسين فيجب أن يذبح أحدهما، في أول الأيام، والثاني في آخر الأيام، فإن عدل عن الاختيار فذبح جميعها في يوم واحد، فلا حرج عليه، ويختار أن يبادر إلى الأكل من أكبادها، وأسمنتها اقتداء برسول الله ﷺ ، لأنه من أطايبها.
فصل:
ولا تصح الأضحية عن الحمل كما لا يزكى عنه زكاة الفطر ولا يجوز لولي الطفل والمجنون أن يضحي عنهما من أموالهما ويجب أن يخرج زكاة الفطر عنهما من أموالهما ٠ لأن الزكاة فرض والأضحية منة.
باب العقيقة
مسألة:
قال الشافعي: "أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم عن عبيد الله بن أبي يزيد عن سباع بن وهب عن أم كرز قالت أتيت النبي ﷺ أسأله عن لحوم الهدى فسمعته يقول: "عن الغلام شاتان وعن الجارية شاه لا يضركم ذكراناً كن أو إناثاً وسمعته يقول: أقروا الطير على مكناتها. قال الشافعي رحمه ́ الله: فيعق ́عن الغلام وعن الجارية كما قال النبي ﷺ ".
قال في الحاوي: وأما العقيقة فهي شاة تذبح عند الولادة كانت العرب عليها قبل الإسلام.
اختلف فيها بعد الإسلام فذهب الشافعي إلى أنها سنة مندوب إليها. وقال أبو
стр. 1854
حنيفة: ليست بسنة ولا ندب.
وقال الحسن البصري وداود: هي واجبة واستدل أبو حنيفة على أنها غير مسنونة برواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: سئل رسول الله ﷺ عن العقيقة فقال: "لا أحب العقوق" وبروايه اابن عقيل عن علي بن الحسن بن أبي رافع أن الحسن بن علي ﵉ لما ولد أرادت فاطمة ﵍ أن تعق عنه كبشاً، فقال لها النبي ﷺ : "لا تعقي عنه واحلقي شعره وتصدقي بوزنه على المساكين" فلما ولدت الحسين ﵇ فعلت مثل ذلك، واستدل الحسن على وجوب العقيقة برواية عن سمرة بن جندب، قال: قال رسول الله ﷺ : "الغلام مرتهن بعقيقته، فاذبحوا عنه يوم السابع"
وروى محمد بن سيرين عن سليمان بن عامر عن النبي ﷺ أنه قال: "مع الغلام عقيقته فأهريقوا عنه دماً واميطوا عنه الأذى".
والدليل على أنها سنة وليست بواجبة ما رواه الشافعي بعا حديث أم كرز عن إبراهيم بن محمد بن يحيى بن سعيد عن عكرمة عن ابن عباس: "أن رسول الله ﷺ عق عن الحسن والحسين ابني علي ﵈" فدل على أن نهي فاطمة عنه، لأنه عق عنهما.
وروى الشافعي عن سفيان عن زيد بن أسلم عن رجل من بني ضمرة عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ بعرفة على المنبر سئل عن العقيقة فقال: "لا أحب العقوق ولكن من ولد له ولد فأحب أن ينسك عنه فليفعل". فدل على أنه يكره الاسم وندب إلى الفعل.
ولكن وليمة النكاح مسنونة، ومقصودها طلب الولد فكان ولادة الولد أولى بأن يكون الإطعام فيه مسنوناً.
وأما قوله في حديث أم كرز: "أقروا الطير على مكناتها" رواه أبو عبيد بفتح الميم والكاف يعني به أماكنها وأوكارها، ورواه ابن الأعرابي بفتح الميم وكسر الكاف يعني: وقت تملكها، واستقرارها، وفي المراد به تأويلان مختلفان بحسب اختلاف الرواية:
стр. 1855
أحدهما: وهو تأويل الشافعي ومن رواه بكسر الكاف أن العرب كانت تعتاق الطير وتزجرها تفاؤلاً وتطيراً إذا أرادوا حاجة أو سفراً فينفرون أول طائر بسفح لهم، فإن طار ذات اليمين قالوا: هذا طائر الأيامن فتيمنوا به، وتوجهوا، وأيقنوا بالنجاح، وان طار ذات الشمال قالوا: هذا طير الأشائم فتشاءموا بهء وعادوا معتقدين للخيبة، فنهاهم رسول الله ﷺ عن هذا، وقال: "إن الله تعالى يحب الفأل ويكره الطيرة ".
وروى قبيصة بن المخارق الهذلي عن النبي ﷺ : "أنه نهى عن الطيرة والعيافة والطرق". العيافة هي: زجر الطير، والطرق: هو الضرب، وبه سميت مطرقة الحداد.
والثاني: وهو قول من رواه بالفتح في الكاف أنه أراد به النهي عن صيد الليلة إذا أوت الطير إلى أماكنها، واختلف من قال بهذا في معنى النهي عن صيد الليل فقال بعضهم لأنه وقت الدعة والراحة وقال آخرون: لأن أوكارها مأوى الهوام المخوف.
فصل:
فإذا تقرر بما ذكرنا أن العقيقة سنة فالكلام فيها يشتمل على ستة فصول: أحدها في مقدار العقيقة، وقد اختلف فيه على ثلاثة مذاهب، فعند الشافعي يعق عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة، وعند مالك يعق عن الغلام شاة كالجارية من غير تفضيل؛ لأن رسول الله ﷺ عق عن الحسن والحسين كبشاً كبشاً، وقال آخرون: يعقّ عن الغلام، ولا يعقّ عن الجارية؛ لأن العقيقة السرور والسرور يختصّ بالغلام دون الجارية.
والدليل عليهما رواية أم كرز قالت: أتيت رسول الله ﷺ بالحديبية أسأله عن لحوم الهدي فسمعته يقول: "عن الغلام شاتان مكافئتان وعن الجارية شاة لا يضركم ذكراناً أو إناثا" والمكافئتان المثلان.
وروى الأعرج عن أبي هريرة قال رسول الله ﷺ : "إن اليهود يعقون عن الغلام ولا يعقون عن الجارية فعقوا عن الغلام شاتين وعن الجارية شاة " وفي هذين الحديثين دليل على الفريقين ثم على مالك أنه لما فضل الغلام على الجارية في ميراثه وأحكامه فضل عليها في عقيقته، ودليل على من لم يعق عن الجارية أن العقيقة للتبرك والتيمن، فاقتضى أن يقصد التيمن والتبرك بها بالذبح عنهما، وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لو أطاع الله الناس في الناس لم يكن ناس" ومعنى أطاع أي: استحباب دعاءهم معناه أن الناس يحبون أن يولد لهم الذكران دون الإناث، ولو لم يكن الإناث ذهب النسل فلم يكن ناس.
فصل:
والفصل الثاني: في صفة العقيقة وهي من النعم كالضحايا وفي أسنانها من الجذع
стр. 1856
من الضأن والثني من المعز، فإن عدل عن الغنم إلى البدن من الإبل والبقر كان أزيد من المسنون وأفضل، وان عقّ دون الجذع من الضأن ودون الثني من المعز ففي إقامة لسنة العقيقة به وجهان:
أحدهما: لا تقوم به سنة العقيقة اعتباراً بالأضحية وتكون ذبيحة لحم ليست بعقيقة، لأنهما مسنونتان، وقد قيد الشرع سن إحداهما فتقرر به السن فيهما، فعلى هذا لو عيّن العقيقة في شاة وأوجبها وجبت كالأضحية ولم يكن له أن يبدلها بغيرها ويجب أن يتصدق منها على الفقراء لحماً نيئاً ولا يخص بها الأغنياء.
والثاني: أنه يقوم بما دون من الأضحية سنة العقيقة، لأن الأضحية أوكد منها لتعلقها بسبب راتب واحد عام، فجاز أن تكون في السن أغلظ منها فعلى هذا لو عيّن العقيقة في شاة أوجبها لم تتعين وكان على خياره بين ذبحها أو ذبح غيرها، ويجوز أن يخص بها الأغنياء، ولا يلزم أن يتصدق بها على الفقراء، وان أعطاهم مطبوخاً جاز.
فصل:
والفصل الثالث: في وقت العقيقة ووقت ذبحها هو اليوم السابع لرواية سمرة بن جندب عن النبي ﷺ أنه قال: "الغلام مرتهن بعقيقته فاذبحوا عنه يوم السابع".
واختلف أصحابنا في أول السبعة على وجهين:
أحدهما: _ وهو قول الأكثرين _ أنه يوم الولادة ليكون معدوداً من السبعة.
والثاني: _ وهو قول أبي عبد الله الزبيري _: أنه من بعد يوم الولادة، وليس يوم الولادة معدوداً فيها، فإن قدم ذبحها بعد الولادة وقبل كمال السبعة جازت تعجيلاً وقام بها سنة العقيقة، وإن عجلها قبل الولادة لم تقم بها سنة العقيقة وكانت ذبيحة لحم، وان أخرها بعد السبعة كانت قضا، مجزياً عن سنته ويختار ألا يتجاوز بها مدة النفاس لبقاء أحكام الولادة، فإن أخرها عن مدة النفاس فيختار بعدها أن لا يتجاوز بها مدة الرضاع لبقاء أحكام الطفولة فإن أخرها عن مدة الرضاع فيجب ألا يتجاوز بها مدة البلوغ لبقاء أحكام الصغر فإن أخرها حتى يبلغ سقط حكمها في حق غيره، وكان الولد مجزئاً في العقيقة عن نفسه وليس يمتنع أن يعقّ الكبير عن نفسه.
روى الشافعي عن إبراهيم بن محمد عن المثنى بن أنس عن أبيه أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ : "عق عن نفسه بعدما نزلت عليه النبوة"
فصل:
والفصل الرابع: فيمن يتحمل العقيقة والذي يتحملها ويختص بذبحها هو الملتزم لنفقة المولود من أب أو جد أو أم أو جدة، لأنها من جملة مؤونة وان كانت نفقته من ماله
стр. 1857
كأن يكون غنياً بميراث وعطية لم يجز أن يخرج من ماله، لأنها ليست بواجبة كما لا يخرج منه الأضحية، وكان الأب أو من قام مقامه في التزام النفقة مندوباً إلى ذبحها عنه، كما لو كان الولد فقيراً، ولا يكون سقوط النفقة عنه مسقطاً لسنة العقيقة عنه، فإن كان الأب معسراً بالعقيقة ثم أيسر بها نظر يساره، فإن كان في وقتها المسنون وهو السابع كانت سنة ذبحها متوجه إليه وان كان بعد السابع وبعد مدة النفاس سقطت عنه، وان كان بعد السابع في مدّة النفاس احتمل وجهين:
أحدهما: يكون مخاطباً بسنة العقيقة لبقاء أحكام الولادة.
والثاني: لا يكون مخاطباً بسنتها لمجاورة المشروع من وقتها.
فصل:
والفصل الخامس: فيما يصنع بالعقيقة بعد أن يذبح قيل: يسلك به مسلك الضحايا في الأكل والادخار والصدقة والهدية فإن عدل بها عن الصدقة إلى الأكل كان على ما قدمناه من الوجهين، وتفضيل لحمها.
واختلف أصحابنا في كسر عظمها وطبخ لحمها بالخل على وجهين:
أحدهما: - وهو قول البغداديين _ أنه مكروه تفاؤلاً له بالسلامة وطيب العيش.
والثاني: - وهو قول البصريين: أنه غير مكروه؛ لأنه طيرة وقد نهى عنها ولأن ذبحها أعظم من كسر عظمها وملاقاة النار لها أكثر من طرح الخل على لحمها ويكره أن تلطخ جبهة المولود ورأسه بدمها.
وقال الحسن، وقتادة: من السنة أن يستقبل مخرج الدم من أوداجها بصوفه يلطخ بها رأس المولود ثم يغسل روى همام عن قتادة عن أنس.
فصل:
والفصل السادس: فيما تقترن بالعقيقة من المندوب إليه في المولود وذلك ثلاثة أشياء:
أحدها: أن يحلق شعره في اليوم السابع ويتصدق بوزنه فضة قال الشافعي: وهذا أحب ما صنع بالمولود بعد الذبح، ولا فرق بين الذكور والإناث ومن الناس من كره ذلك في الإناث، لأن حلق شعورهن مكروه.
وقد روى الشافعي عن إبراهيم بن محمد بن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ "أنه أمر فاطمة لما ولدت الحسن والحسين ﵉ أن تحلق رأسيهما وتتصدق بزنة الشعر فضة ففعلت ذلك وفعلت في سائر أولادها من الإناث".
والثاني. أن يسمى في اليوم السابع لأمر رسول الله ﷺ ، ويجب أن يسمى بأحسن الأسماء. روي أنه لما ولد الحسن بن علي قال رسول الله ﷺ : "بم سميتموه؟ قالوا: حرباً. قال: بل سموه حسناً، ولما ولد الحسين قال: "سموه حسيناً"، وقد غير رسول
стр. 1858
الله ﷺ أسماء كثيرة من أصحابه اختارها لهم بعد اشتهارهم بها منهم عبد الرحمن بن عوف كان اسمه عبد العزى فسماه عبد الرحمن ومنهم سلمان الفارسي كان اسمه روزية فسماه سلمان.
والثالث: أن يختن في اليوم السابع إن قوي بدنه على الختانة ومن أثبت رواية همام أن النبي ﷺ قال: "ويدمى في السابع يأولها في ختانته دون تلطيخه بدم عقيقة".
فإن ضعف بدنه عن الختانة في السابع أخر حتى يقوى عليها فأما المروزي في حديث سليمان بن عامر أن النبي ﷺ قال: "مع الغلام عقيقته فأهريقوا عنه دماً وأميطوا عنه الأذى" ففي هذا الأذى ثلاثة تأويلات:
أحدها: أنه يحلق شعره وهو قول الحسن.
والثاني: أنه يغسل رأسه من دم العقيقة وهو قول قتادة.
والثالث: أنه ختانته وهو أشبه.
فصل:
فأما الفرعة والعتيرة فقد روى الشافعي الفرعة عند العرب أول ما تنتج الناقة يقولون: لا تملكها ويذبحوها رجاء للبركة في لبنها ونسلها والعتيرة ذبيحة كان أهل البيت من العرب يذبحونها في رجب ويسمونها العتيرة الرجبية وقد روى فيها حديثان مختلفان فروى الشافعي عن سفيان عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا فرعة ولا عتيرة" وهذا نهي عنهما.
وروى أبو قلابة عن أبي المليح عن نبيشة أن رجلاً سأل النبي ﷺ قال: "إنا كنا نعتر عتيرة في الجاهلية في رجب فما تأمرنا فقال: اذبحوا في أي شهر كان " وروي أنه قال: "وأطعموا" قال: إنا كنا نفرع فرعاً في الجاهلية فما تأمرنا قال: "من كل سائمة فرع" وهذا أمر بهما وليس فيهما ناسخ ولا منسوخ، وفي اختلافهما تأويلان:
أحدهما: أن حديث أبي هريرة في النهي محمول على نهي الإيجاب وحديث نبيشة في الأمر بهما محمول على الاستحباب.
والثاني: أن النهي عنهما على ما ذبح لغير الله من الأصنام والجن والأمر بهما محمول على ما ذبح لوجه الله. والله أعلم بالصواب.
стр. 1859
كتاب الأطعمة
باب ما يحرم من جهة ما لا تأكل العرب
قال الشافعي ﵀: "قال الله جل ثناؤه: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٤] وقال النبي ﷺ ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وإنما خوطب بذلك العرب الذين يسألون عن هذا ونزلت فيهم الأحكام وكانوا يتركون من خبيث المآكل ما لا يترك غيرهم".
قال في الحاوي: اعلم أن المأكول ضربان، حيوان ونبات.
فأما النبات، فيأتي.
وأما الحيوان فضربان: بري وبحري فأما البحري فقد مضى، وأما البري فضربان: دواب وطائر، وهذا الباب يشتمل على ما حلّ منها وحرم، وهو على ثلاثة أضرب:
أحدها: ما ورد النص بتحليله في كتاب أو سنة، فهو حلال.
والثاني: ما ورد النص بتحريمه في كتاب أو سنة فهو حرام.
والثالث: ما كان غفلا لم يرد فيه نص بتحليل ولا تحريم، فقد جعل الله تعالى له أصلاً يعرف به حلاله وحرامه، فى آيتين من كتاب وسنة عن رسوله فأما الآيتان فإحداهما قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٤] فجعل الطيب حلالا.
والثانية: قوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] فجعل الطيب حلالاً، والخبث حراماً، فكانت هذه الآية أعمّ من الأولى لأن الأولى مقصورة على إحلال الطيبات وهذه تشتمل على إحلال الطيبات وتحريم الخبائث، فجعل الطيب حلالا، والخبث حراماً وهذا خطاب من الله تعالى لرسوله ﷺ ، يدل على أن الناس سألوه عما يحل لهم ويحرم عليهم، فأمره أن يخبرهم أنه قد أحل لهم الطيبات، وحرم عليهم الخبائث، ولا يخلو مراده بالطيب والخبيث من ثلاثة أمور: إما أن يريد به الحلال والحرام كما قال: ﴿كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ٧٥، ١٧٢، والأعراف: ١٦٠، وطه: ٨١] يعني من الحلال، ولا يجوز أن يكون هذا مراداً؛ لأنهم سألوه عما يحل ويحرم، فلا يصح أن يقول لهم: الحلال الحلال، والحرام الحرام؛ لأنه لا يكون فيه بيان
стр. 1860
للحلال ولا للحرام، وإما أن يريد به الطاهر والنجس، كما قال تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً﴾ [النساء: ٣٤] أي: طاهراً، ولا يجوز أن يكون هذا مراداً، لأن الطاهر والنجس معروف بشرع آخر، فلا يكون في هذا بيان شرعي يعني عن غيره.
وإما أن يريد به ما كان مستطاب الأكل في التحليل، ومستخبث الأكل في التحريم وهذا هو المراد إذا أبطل ما سواه؛ لأنهم يتوصلون بما استطابوه إلى العلم بتحليله، وبما استخبثوه إلى العلم بتحريمه، وإذا كان هذا أصلاً وصار المستطاب حلالاً والمستخبث حراماً وجب أن يعتبر فيه العرف العام، ولا يعتبر فيه عرف الواحد من الناس، لأنه قد يستطيب ما يستخبثه غيره، فيصير حلالاً له وحراماً على غيره والحلال والحرام ما عمّ الناس كلهم، ولذلك اعتبر فيه العرف العام، ولا يجوز أن يراد به عرف جميع الناس في جميع الأزمنة؛ لأنه خاطب به بعضهم دون بعض في بعض الأرض: فاحتيج إلى معرفة من خوطب به من الناس ومعرفة ما أريد به من البلاد، فكان أحق الناس بتوجه الخطاب إليهم العرب لأنهم السائلون المجابون: وأحق الأرض من بلادهم؛ لأنها أوطانهم، وقد يختلفون فيما يستطيبون ويستخبثون بالضرورة والاختيار فيستطيب أهل الضرورة ما استخبثه أهل الاختيار، فوجب أن يعتبر فيه عرف أهل الاختيار، دون أهل الضرورة لأنه ليس مع الضرورة عرف معهود، وهم يختلفون فيها من ثلاثة أوجه:
أحدها: بالغنى والفقر، فيستطيب الفقير ما يستخبثه الغني.
والثاني: بالبدو والحضر، فيستطيب البادية ما يستخبثه الحاضرة.
والثالث: بزمان الجدب وزمان بالخصب، فيستطاب في زمان الجدب ما يستخبث في زمان الخصب، وإذا كان كذلك وجب أن يعتبر فيه أهل الاختيار من جمع الأوصاف الثلاثة، وهم الأغنياء دون الفقراء، أو سكان الأمصار والقرى دون البادية، وفي زمان الخصب دون زمان الجدب، من العرب دون العجم، وبلادهم دون غيرها فتصير الأوصاف المعينة فيمن يرجع إلى استطابته واستخباثه خمسة:
أحدها: أن يكونوا عرباً.
والثاني: أن يكونوا في بلادهم.
والثالث: أن يكونوا من أهل الأمصار والقرى، دون الفلوات.
والرابع: أن يكونوا أغنياء من أهل السبعة.
والخامس: أن يكونوا في زمان الخصب والسعة.
فإذا تكاملت في قوم استطابوا أكل شيء كان حلالاً ما لم يرد فيه نص بتحريمه وان استخبثوا أكل شيء كان حراماً ما لم يرد نص بتحليله.
فصل:
فإذا تقرر هذا الأصل المعتبر في التحليل والتحريم، لم يخل حالهم فيه من ثلاثة أقسام:
следующие страницы →