Полный текст (7 151 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.
стр. 2031
والثاني: أن في تكليف الناس الإعطاء بيد والأخذ بأخرى مشقة غالبة والشريعة موضوعة على التوسعة والسماحة فامتنع أن يكون هذا مراداً.
ثم الدليل على ذلك من طريق المعنى: أنه عقد معاوضة يمنع من ثبوت الأجل فوجب أن يمنع من التفرق قبل القبض كالصرف ولأن كل ما كان شرطاً معتبراً في عقد الصرف كان شرطاً معتبراً فيما دخله الربا من غير الصرف كالأجل. وأما الجواب عن قياسهم على بيع الثياب بالثياب فمنتقض بالسلم حيث لزم فيه القبض ثم المعنى في بيع الثياب بالثياب عدم الربا فيها فجاز تأخير قبضهما وما ثبت الربا فيه لم يجز تأخير قبضه كالصرف.
وأما الجواب عن استدلالهم بأن القبض إنما يراد لتعيين ما تضمنه العقد والبر والشعير مما يتعين بالعقد فلم يفتقر إلى القبض فهو أن هذا يفسد ببيع الحلي بالحلي يلزم فيه تعجيل القبض وإن كان متعيناً بالعقد. ثم لو سلم من هذا الكسر لكان عكس هذا الاعتبار أشبه بالأصول لأن السلم يتعين فيه الثمن ولا يتعين فيه المثمن، ثم يلزم فيه تعجيل القبض وإن كان متعيناً بالعقد. ثم لو سلم من هذا الكسر لكان عكس هذا الاعتبار أشبه بالأصول لأن السلم يتعين فيه الثمن ولا يتعين فيه المثمن، ثم يلزم فيه تعجيل قبض الثمن وإن كان معيناً ولا يلزم فيه تعجيل قبض الثمن وإن لم يكن معيناً فكان اعتبار هذا يوجب تعجيل القبض فيما كان معيناً، ولا يوجبه فيما ليس بمعين، ولما انعكس هذا الاعتبار عليه بطل أن يكون له دليل فيه.
فصل
فإذا ثبت أن القبض قبل الافتراق شرط في صحة العقود التي لا تدخلها الآجال ويلحقها الربا من صرف وغيره وأن حكم ما فيه الربا وإن لم يكن صرفاً كحكم ما فيه الربا إذا كان صرفاً فتصارف الرجلان مائة دينار بألف درهم وتقابضا الدراهم ولم يتقايضا الدنانير أو تقابضا الدنانير ولم يتقابضا الدراهم حتى تفارقا فلا صرف بينهما ولزم رد المقبوض منهما سواء علما فساد العقد بتأخير القبض أو جهلا.
فلو لم يتفرقا ولكن خير أحدهما صاحبه فاختار الإمضاء القائم مقام الافتراق قبل أن يتقابضا كان هذا التخير باطلاً ولم يبطل العقد لأن اختيار الإمضاء إنما يكون بعد تقضي علق العقد، وبقاء القبض يمنع من نقض علقه فمنع من اختيار إمضائه، فإن تقابضا بعد ذلك وقبل الافتراق صح العقد واستقر وكانا بالخيار ما لم يتفرقا أو يتخايرا. فلو وكل أحدهما في القبض له والإقباض عنه، فإن قبض الوكيل وأقبض قبل افتراق موكله والعاقد الآخر صح العقد، وإن أقبض بعد افتراقهما لم يجز وكان العقد باطلاً لافتراق المتعاقدين قبل القبض، فلو تقابض المتصارفان ما تصارفا عليه في مداد قبل الافتراق جاز ولم يلزم دفع جميعه مرة واحدة وإنما يلزم قبض جميعه قبل الافتراق وسواء طالت مدة اجتماعهما أو قصرت.
فلو اختلفا بعد الافتراق فقال أحدهما تفارقنا عن قبض وقال الأخر بخلافه كان القول قول من أنكر القبض ويكون الصرف باطلاً. فإن قيل أليس لو اختلفا بعد الافتراق في
стр. 2032
الإمضاء والفسخ فقال أحدهما: افترقنا عن فسخ. وقال الآخر: عن إمضاء، كان القول في أحد الوجهين قول من ادعى الإمضاء والبيع لازم فهلا كان اختلافهما في القبض مثله. قيل الفرق بينهما أن مدعي الفسخ ينافي بدعواه مقتضى العقد أن مقتضاه اللزوم والصحة إلا أن يتفقا على الفسخ فكان الظاهر موافقاً لقول من ادعى الإمضاء دون الفسخ وليس كذلك من ادعى القبض لأن الأصل عدم القبض على أن أصح الوجهين هناك أن القول قول مدعي الفسخ إذا تصارفا مائة دينار بألف درهم فتقابضا من المائة خمسين ديناراً ثم افترقا وقد بقي خمسون ديناراً كان الصرف في الخمسين الباقية باطلاً.
ومذهب الشافعي جوازه في الخمسين المقبوضة قولاً واحداً لسلامة العقد وحدوث الفساد فيما بعد: وكان أبو إسحاق المروزي يخرج الصرف في الخمسين المقبوضة على قولين من تفريق الصفقة. وليس هذا التخريج صحيحاً لأن القولين في العقد الواحد إذا جمع جائزاً وغير جائز في حال العقد.
وإذا صح الصرف في الخمسين المقبوضة فالمذهب أنها لازمة بنصف الثمن وهو خمسمائة درهم وليس للبائع ولا للمشتري خيار في الفسخ لأجل تفريق الصفقة، لأن افتراقهما عن قبض البعض رضا منهما بإمضاء الصرف فيه وفسخه في باقيه. وكان بعض أصحابنا يخرج قولاً ثانياً أنها مقبوضة بجميع الثمن. وكلا التخريجين فاسدا والتعليل في فسادهما واحد.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: "والربا من وجهين. أحدهما في النقد بالزيادة وفي الوزن والكيل والآخر يكون في الدين بزيادة الأجل".
قال في الحاوي: لأصحابنا في هذا الكلام تأويلان. أحدهما: أنه أراد الرد على من أثبت الربا في النساء وأباه في النقد وقال: والربا من وجهين: أحدهما: النساء المتفق عليه. وهو بيع الدرهم بالدرهمين إلى أجل. والثاني: ما كان مختلفاً فيه وهو بيع الدرهم بالدرهمين نقداً فجعل كلا الوجهين ربا وقد مضى الكلام فيه مع من استدل بحديث أسامة فهذا أحد التأويلين.
والتأويل الثاني: أنه أراد أن الجنس الواحد قد يدخله الربا من وجهين:
أحدهما: التفاضل سواء كان نقداً أو نساء فلا يجوز بيع درهم بدرهمين عاجلاً ولا آجلاً.
والثاني: الآجل سواء كان متفاضلاً أو متماثلاً فلا يجوز بيع الفضة بالفضة نساء متفاضلاً ولا متماثلاً. فأما الجنسان المختلفان فلا يدخلهما الربا إلا من وجه واحد وهو الأجل. فأما التفاضل أو التماثل فيجوز فيهما: فإذا باع الفضة بالذهب أو البر بالشعير نقداً جاز سواء كان متفاضلاً أومتماثلاً وإن باعه إلى أجل لم يجز. سواء كان متماثلاً أو متفاضلاً.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: "وإنما حرمنا غير ما سمى رسول الله ﷺ من المأكول المكيل والموزون لأنه في معنى ما سمى".
قال في الحاوي: أما المنصوص عليه في الربا فستة أشياء وردت السنة بها وأجمع
стр. 2033
المسلمون عليها وهي: الذهب والفضة، والبر، والشعير، والتمر، والملح. واختلف الناس في ثبوت الربا فيما عداها. فحكي عن طاوس، وقتادة، ومسروق، والشعبي وعثمان البتي، وداود بن علي الظاهري.
ونفاة القياس بأسرهم انه لا ربا فيما عدا الستة المنصوص عليها فلا يجوز التخطي عنها إلى ما سواها تمسكاً بالنص، ونفياً للقياس، واطراحاً للمعاني.
وذهب جمهور الفقهاء ومثبتو القياس إلى ان الربا يتجاوز المنصوص عليه إلى ما كان في معناه. وهذه المسألة فرع على إثبات القياس والكلام فيها يلزم من وجهيىن: أحدهما: من جهة إثبات القياس، فإذا ثبت كونه حجة ثبت أن الربا يتجاوز ما ورد عليه النص من الأشياء الستة وهذا يأتي في موضعه من كتاب أدب القاصي إن شاء الله تعالى.
والثاني: من طريق الاستدلال الظاهر والدليل عليه من هذا الطريق ثلاثة أشياء:
-أحدهما: قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٥]. والربا اسم للزيادة والفضل من طريق اللغة والشرع. أما اللغة فكقولهم قد ربا السويق إذا زاد، وقد أربى علي في الكلام إذا زاد في السب، وهذه ربوة من الارض إذا زادت على ما جاورها. وأما الشرع: فكقوله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة:٢٧٦]. أي يضاعفها ويزيد فيها وقوله: ﴿فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الحج:٥]. أي زادت ونمت.
وإذا كان الربا ما ذكرنا اسماً للزيادة لغة وشرعاً دل عموم الاية على تحريم الفضل والزيادة إلا ما خص بدليل.
والدلالة الثانية: ما روي عى النبي ﷺ أنه نهى عن بيع الطعام بالطعام إلا مثلاً بمثل. والطعام اسم لكل مطعوم من بر وغيره في اللغة والشرع. أما اللغة فكقولهم طعمت الشيء أطعمه وأطعمت فلاناً كذا إذا كان الشيء مطعوماً وإن لم يكن براً.
وإما الشرع فلقوله تعالى ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [آل عمران:٩٣] يعني كل مطعوم فأطلق عليه اسم الطعام. وقوله: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة:٢٤٩] فسمى الماء مطعوماً لأنه مما يطعم.
وقالت عاثشة: عشنا دهراً وما لنا طعام إلا الأسودان التمر والماء. وإذا كان اسم الطعام بما وصفنا من شواهد اللغة والشرع يتناول كل مطعوم من بر وغيره. كان نهيه عن بيع الطعام بالطعام محمولاً على عمومه في كل مطعوم إلا ما خص بدليل. فإن قيل فهذا وإن كان عاماً فمخصوص ببيان النبي ﷺ الربا في الأجناس الستة. قيل: بيان بعض ما يتناوله العموم لا يكون تخصيصاً لأنه لا ينافيه، وإن شذ بعض أصحابنا فجعله تخصيصاً.
والدلالة الثالثة: أن النبي ﷺ نص على البر وهو أعلى المطعومات، وعلى الملح وهو أدنى المطعومات فكان ذلك منه تنبيهاً على أن ما بينهما لاحق بأحدهما. لأنه ينص تارة على الأعلى لينبه به على الأدنى كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ
стр. 2034
تَامَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران:٧٥] فنبه به على الأدنى. وينص تارة على الأعلى فإذا ورد النص على الأعلى والأدنى كان أوكد تنبيهاً على ما بينهما وأقوى شاهداً في لحوقه بأحدهما. والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: "ولم يجز أن نقيس الوزن على الوزن من الذهب والورق لأنهما غير مأكولين ومباينان لما سواهما وهكذا قال ابن المسيب لا رباً إلا في ذهب أو ورق أو ما يكال أو يوزن يما يؤكل ويشرب. قال: وهذا صحيح ولو قسمنا عليهما الوزن لزمنا أن لا نسلم ديناراً في موزون من طعام كما لا يجوز أن نسلم ديناراً في موزون من ورق ولا أعلم بين المسلمين اختلافاً أن الدينار والدرهم يسلمان في كل شيء ولا يسلم أحدهما في الآخر غير أن من الناس من كره أن يسلم دينار أو درهم في فلوس وهو عندنا جائز لأنه لا زكاة فيها ولا في تبرها وإنها ليست بثمن للأشياء المتلفة وإنما أنظر في التبر إلى أصله والنحاس مما لا رباً فيه وقد أجاز عدد منهم إبراهيم النخعي السلف في الفلوس وكيف يكون مضروب الذهب دنانير ومضروب الورق دراهم في معنى الذهب والورق غير مضروبين ولا يكون مضروب النحاس فلوساً في معنى النحاس غير مضروب".
قال في الحاوي: إذا ثبت أن الربا يتجاوز المنصوص عليه لمعنى فيه، وعلته مستنبطة منه. فالعلة في الذهب والفضة غير العلة في البر والشعير والتمر والملح. فأما العلة في البر والشعير فقد اختلف أصحاب المعاني فيها على مذاهب شتى. أحدهما: مذهب محمد بن سيرين أن علة الربا الجنس فأجرى الربا في جميع الأجناس ومنع التفاضل فيه حتى التراب بالتراب.
والمذهب الثاني: وهو مذهب الحسن البصري أن علة الربا المنفعة في الجنس فيجوز بيع ثوب قيمته دينار بثوبين قيمتهما دينار ومنع من بيع ثوب قيمته دينار بثوب قيمته ديناران.
والثالث: وهو مذهب سعيد بن جبير أن علة الربا تقارب المنافع في الأجناس فمنع من التفاضل في الحنطة بالشعير لتقارب منافعهما، ومن التفاضل في الباقلاء بالحمص وفي الدخن بالذرة لأن المنفعة فيهما متقاربة.
والرابع: وهو مذهب ربيعة أن علة الربا جنس يجب فيه الزكاة فأثبت الربا في كل جنس وجبت فيه الزكاة من المواشي والزروع ونفاه عما لا تجب فيه الزكاة.
والخامس: وهو مذهب مالك أنه مقتات مدخر جنس فأثيبت الربا فيما كان قوتاً مدخراً ونفاه عما لم يكن مقتاتاً كالفواكه وعما كان مقتاتاً ولم يكن مدخراً كاللحم.
والسادس: وهو مذهب أبي حنيفة ﵀ أن علة الربا في البر أنه مكيل جنس فأثبت الربا في كل ما كان مكيلاً وإن لم يكن مأكولاً كالجص، والنورة، ونفاه عما كان غير مكيل ولا موزون وإن كان مأكولاً كالرمان والسفرجل.
والسابع: وهو مذهب سعيد بن المسيب وبه قال الشافعي في القديم أنه مأكول مكيل
стр. 2035
أو موزون جنس. ومن أصحابنا من عبر عن هذه العلة بأحصر من هذه العبارة فقال: مطعوم مقدر جنس. فعلى هذا القول ثبت الربا فيما كان مأكولاً أو مشروباً مكيلاً أو موزوناً وينتفي عما كان غير مكيل ولا موزون وإن كان مأكولاً أو مشروباً مكيلاً أو موزوناً وعما كان غير مأكول ولا مشروب وإن كان مكيلاً أو موزوناً.
والثامن: وهو مذهب الشافعي في الجديد أن علة الربا أنه مأكول جنس ومن أصحابنا من قال مطعوم جنس وهذه العبارة أعم وهو قول من أثبت في الماء الربا فهذا جملة المذاهب المشهورة في علة الربا. وسنذكر حجة كل مذهب منها وندل على فساده.
فصل
أما المذهب الأول وهو قول محمد بن سيرين أن علة الربا الجنس فاحتج له بأن النبي ﷺ ذكر أجناساً منع من التفاضل فيها ثم قال: "فإذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم يداً بيد".
فشرط في جواز التفاضل اختلاف الجنس فثبت أن علة الربا الجنس فلا يجوز أن يباع شيء بجنسه متفاضلاً أبداً. والدليل على فساد هذا القول ما روى عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ جهز جيشاً فنفدت إبله فأمرني أن اشتري بعيراً ببعيرين إلى إبل الصدقة" فلما ابتاع ﷺ بعيراً ببعيرين بطل أن يكون الجنس علة لوجود التفاضل فيه وأذن النبي ﷺ به. وقد فعلت الصحابة مثل فعله وروي عن علي ﵁ أنه باع جملاً له بعشرين جملاً إلى أجل.
وعن ابن عمر أنه باع راحلة له بأربعة رواحل إلى أجل ولم يظهر لهما مخالف فكان إجماعاً. فأما قوله ﷺ : فإذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم. فعطف على ما قدم ذكره من الأجناس الستة التي أثبت فيها الربا بالنص فجوز فيها التفاضل مع اختلاف الجنس فلم يدل ذلك على تحريم التفاضل مع اتفاق الجنس في غير ما ورد فيه النص.
فصل
وأما المذهب الثاني وهو قول الحسن البصري أن علة الربا المنفعة في الجنس فاحتج له بأن ثبوت الربا مقصود به تحريم التفاضل، وفضل القيمة يقع ظاهراً كفضل القدر فلما ثبت أن الربا يمنع من التفاضل في القدر وجب أن يمنع التفاضل في القيمة. والدليل على فساد هذا القول مع ما قدمناه من ابتياع النبي ﷺ بعيراً ببعيرين وفضل القيمة بينهما كفضل القدر، وأن مقصود البياعات طلب النفع والتماس الفضل فلم يجز أن يكون ما هو مقصود البياعات علة في تحريم البياعات. ولأن تحريم تفاضل القيمة في الجنس مع تساوي القدر يقتضي تحليل تساوي القيمة في الجنس مع تفاضل القدر وهذا محظور بالنص وفي هذا انفصال عما تعلق به من الاستدلال.
стр. 2036
فصل
وأما المذهب الثالث وهو قول سعيد بن جبير أن علة الربا تقارب المنافع في الأجناس، فاحتج له بأن الجنسين إذا تقاربا في المنفعة تقاربا في الحكم والمتقاربان في الحكم مشتركان فيه. والدليل على فساد هذا القول ورود النص بجواز التفاضل في البر بالشعير مع تقارب منافعهما وما دفعه النص كان مطرحاً.
فصل
فأما المذهب الرابع وهو قول ربيعة إن علة الربا جنس تجب فيه الزكاة فاحتج بأن الربا تحريم التفاضل حثاً على المواساة بالتماثل، وأموال المواساة ما ثبت فيها الزكاة فاقتضى أن تكون هي الأموال التي ثبت فيها الربا.
والدليل على فساد هذا القول: ابتياع النبي ﷺ بعيراً ببعيرين، والإبل جنس تجب فيه الزكاة، وأثبت الربا في الملح وهو جنس لا تجب فيه الزكاة فثبت بهذين فساد مذهبه.
فصل
فأما المذهب الخامس وهو قول مالك إن علة الربا أنه مقتات مدخر جنس، فاحتج له بأنه اعتلال يشابه الأصل بأوصاف وما كان أكثر شبهاً بالأصل كان أولى. والدليل على فساد هذا القول عدم هذه الأوصاف في الأصل لأن الملح ليس بقوت، وقد جاء النص بثبوت الربا فيه فبطل اعتبار القوت، والرطب فيه الربا وليى بمدخر وقد وافق أن فيه الربا. فإن قال إن الرطب يؤول إلى حال الادخار في ثاني حال قيل: فالرطب الذي لا يصير تمراً ليس يؤول إلى حال الادخار وفيه الربا على أن هذا لا يخرج الرطب من أن يكون غير مدخر في الحال وإن جاز أن يفضي إلى حالة الادخار كاللحم الذي ليس بمدخر في الحال وإن أمكن أن يدخر في ثاني حال فبطل اعتبار الادخار فصار كلا الوصفين باطلاً. فإن عدل عن هذا التعليل وعلل بما كان يعلل به المتقدمون من أصحابه أنه قوت أو ما يصلح به القوت قيل هذا القول أفسد من الأول. لأنه إن أراد اجتماع ذلك في الأربعة لم يصح لأن الملح ليس بقوت وليس التمر مما يصلح به القوت.
وإن أراد أن القوت في الثلاثة علة وما يصلح القوت في الملح علة قيل: قد فرقت الأصل وعلته بعلتين مختلفتين وقد اتفقوا أنه معلل بعلة واحدة ولو جاز تعليل الأصل بعلتين لجاز إسلاف الملح في الثلاثة لاختلافهما في العلة كما يجوز إسلاف الذهب والفضة في الأربعة لاختلاف العلة، وقد جاءت السنة وانعقد الإجماع على خلاف هذا. ثم يقال له إن كنت تريد بقولك وما يصلح القوت جميع الأقوات فالتمر والزبيب قوتان ولا يصلحان بالملح، وإن أردت به بعض الأقوات فينبغي أن يثبت الربا في النار والحطب، لأنه يصلح به بعض الأقوات وهذا دليل على فساد ما ذكره من التعليل. والله أعلم.
فصل
وأما المذهب السادس وهو قول أبي حنيفة أنه مكيل جنس. فالاحتجاج له من طريقين:
стр. 2037
أحدهما: إثبات الكيل علة.
والثاني: إبطال أن يكون الطعم علة.
فأما ما احتج به في إثبات أن الكيل علة فما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تبيعوا البر بالبر ولا الشعير بالشعير إلا مثلاً بمثل وكذلك ما يكال ويوزن" فنهى عن الكيل فاقتضى أن يكون علة الحكم.
ولأن التساوي في بيع البر بالبر مباح والتفاضل فيه محظور وليس يعلم التساوي المباح من التفاضل المحظور إلا بالكيل فوجب أن يكون الكيل علته للحكم لأنه به يمتاز المباح من المحظور، ولأن الجنس صفة والكيل مقدار والتعليل بكونه مكيلاً جنساً يجمع حالتي البر صفة وقدراً وهما المقصود في الربا فثبت أنها علة الربا. فهذه ثلاث دلائل احتج بها أبو حنيفة وأصحابه في إثبات أن الكيل علة.
فأما ما احتج به في إبطال أن يكون المطعوم علة فأمور منها: أن الطعم هي المطعومات مختلف، والكيل في المكيلات مؤتلف؛ لأن من الأشياء ما يؤكل إدماً، ومنه ما يؤكل إدماً، ومنه ما يؤكل تفكهاً، والكيل لا يختلف فكان أولى أن يكون علة من المطعوم الذي يختلف، ولأن المطعوم صفة آجلة لأن البر لا يطعم إلا بعد علاج وصنعة، والكيل صفة عاجلة لأنه يكال من غير علاج ولا صنعة، وإذا كان الحكم منه متعلقاً بإحدى الصفتين كان تعليقه بالصفة العاجلة أولى من تعليقه بالصفة الآجلة. ولأن علة الربا في البر هي ما منعت من التفاضل وأوجبت التساوي وقد يوجد زيادة الطعم ولا ربا ولا يوجد زيادة الكيل إلا مع حصول الربا وبيانه:
لو باع صاعاً من طعام ثقيل له ربع بصاع من طعام خفيف ليس له ربع جاز وإن تفاضلا في الكيل فبطل أن يكون الطعم علة لوجود التفاضل فيه مع عدم الربا ووجود التساوي فيه مع حصول الربا، وثبت أن الكيل علة لأن التفاضل فيه مثبت للربا والتساوي فيه كاف للربا، فهذا أقوى ترجيحاتهم الثلاثة.
فصل
والدليل على فساد ما ذهب إليه من طريقين: أحدهما: إثبات أن المطعوم علة. والثانى: إبطال أن الكيل علة.
فأما الدليل على أن المطعوم علة: فما روى بشير بن سعد عن معمر بن عبد الله أن النبي ﷺ نهى عن بيع الطعام بالطعام إلا مثلاً بمثل. واسم الطعام يتناول كل مطعوم في اللغة والشرع بما بيناه من قبل فكان عموم هذا الخبر إشارة إلى أن علة الربا الطعم لأن الحكم إذا علق باسم مشتق من معنى كان ذلك المعنى علة لذلك الحكم كحد الزاني لأن اسمه مشتق من الزنا وقطع يد السارق لأن اسمه مشتق من السرقة.
ولأن علة الشيء في ثبوت حكمه ما كان مقصوداً من أوصافه، ومقصود البر هو الأكل فاقتضى أن يكون علة الحكم. ولأن الأكل صفة لازمة لذات المعلول والكيل صفة زائدة عن المعلول والصفة اللازمة أولى أن تكون علة من الصفة الزائدة.
стр. 2038
ولأن الأكل علة يوجد الحكم بوجودها ويعدم بعدمها، والكيل علة يوجد الحكم مع عدمها ويعدم الحكم مع وجودها، وهو أن الزرع إذا كان حشيشاً أو قصيلاً لا ربا فيه لعدم الأكل عندنا وعدم الكيل عندهم فإذا صار سنبلاً ثبت فيه الربا عندنا لأنه مأكول وثبت فيه الربا عندهم وهو غير مكيل. فإن قيل يصير مكيلاً. قيل: وكذلك إذا كان حشيشاً. فإذا صار السنبل خبزاً ثبت فيه الربا عندنا؛ لأنه مأكول وثبت فيه الربا عندهم وهو غير مكيل. فإن قيل يحصل فيه الربع لأنه موزون قيل: ما ثبت فيه الربا لا تختلف علته باختلاف أوصافه، فإذا صار الخبز رماداً فلا ربا فيه عندنا لأنه غير مأكول ولا ربا فيه عندهم وهو مكيل، فثبت أن علتنا يوجد الحكم بوجودها ويعدم بعدمها، وعلتهم يوجد الحكم مع عدمها في السنبل وبعدم الحكم مع وجودها في الرماد فثبت أن التعليل بالأكل أصح لهذه الدلائل الأربعة.
وأما الدليل على إبطال الكيل أن يكون علة فمن خمسة أوجه:
أحدهما: أن النبي ﷺ نص على أربعة أجناس كلها مكيلة فلو كان ذلك تنبيهاً على الكيل لاكتفى بذكر أحدها. فإن قيل فهذا يرجع عليكم في الأكل لأن الأربعة كلها مأكولة ولو أراد الأكل لاكتفى بذكر أحدها قيل: ليس يلزمنا هذا؛ لأن الكيل في الأربعة لا يختلف والأكل فيها مختلف فالبر يؤكل في حال الاختيار والشعير يؤكل في حال الاضطرار، والتمر يؤكل حلواً والملح استطابه فلم يقتنع بذكر إحدى المأكولات لتفرده بإحدى الصفات.
والثاني: أن الكيل قد يختلف في المكيلان على اختلاف البلدان وتقلب الأزمان فالتمر يكال بالحجاز ويوزن بالبصرة والعراق، والبر يكال تارة في زمان ويوزن أخوى، والفواكه قد تعد في زمان وتوزن في زمان، فلم يجز أن يكون الكيل علة لأنها تقتضي أن يكون الجنس الواحد فيه الربا في بعض البلدان ولا ربا فيه في بعضها، وفي بعض الأزمان ولا ربا في غيرها، وعلة الحكم يجب أن تكون لازمة في البلدان وسائر الأزمان وهذا موجود في الأكل.
والثالث: أن النبي ﷺ جعل الكيل علماً على الإباحة لنهيه ﷺ عن بيع البر بالبر إلا كيلاً بكيل فلم يجز أن يجعل الكيل علماً على الحظر. ألا تراه لما جعل القبض قبل الافتراق علماً على الإباحة لم يجز أن يجعل علة في الحظر.
وتحريره قياساً أن ما سلم به من تحريم الربا لم يجز أن يكون علة للربا كالقبض قبل الافتراق.
فإن قيل: علة الحظر هي زيادة الكيل قيل: هذا قول بعض المتأخرين من أصحاب أبي حنيفة على أنه لما لم يجز أن يكون الكيل علة في الحظر لأنه علم على الإباحة، لم يجز أن يكون الكيل صفة في الحظر، لأنه علم على الإباحة أيضاً.
والرابع: أن الكيل موضوع لمعرفة مقادير الأشياء فلم يجز أن تكون علة الربا كالزرع والعدد.
والخامس: أن من جعل الكيل علة أخرج من المنصوص عليه ما لا يمكن كيله لقلته، فجوز بيع تمرة بتمرتين وكف طعام بكفين. وكل علة أوجبت النقصان من حكم النص لم يجز استعمالها فيما عداه لأمرين:
أحدهما: أن المعنى معقول الاسم فلم يجز أن يكون ما عقل عن الاسم رافعاً لموجب الاسم.
стр. 2039
والثانى: أن استعمالها فيما عدا المذكور يوجب زيادة حكم، ومحال أن تكون علة واحدة توجب نقصان الحكم من المذكور والزيادة عليه لتضاد الموجبين. لأن أحدهما إسقاط حكم ونفيه، والآخر إيجاب حكم وإثباته. فإن قيل ما لا يمكن كيله غير مراد بالنص لأنه ﷺ قال: لا تبيعوا البر بالبر إلا كيلاً بكيل. فلما كان الاستثناء مكيلاً وجب أن يكون المستثنى منه مكيلاً لأن حكم المستثنى منه يجب أن يكون كحكم الاستثناء، فصار تقدير ذلك، لا تبيعوا البر المكيل بالبر المكيل إلا كيلاً بكيل، فعلم أن ما ليس بمكيل ولا يمكن كيله غير مراد بالنص. فالجواب عنه من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن الاستثناء يجب أن يكون بعض المستثنى منه ولا يكون كل المستثنى منه. ألا ترى أنه لو قال: جاءني الناس إلا بني تميم لم يقتض أن يكون كل الناس بني تميم فكذا إذا كان الاستثناء كيلاً لم يجز أن يكون كل المستثنى منه مكيلاً.
والثاني: أن قوله ﷺ : "لا تبيعوا البر بالبر" عام في الحظر، وقوله إلا كيلاً بكيل خاص في الإباحة، وعلة الربا مستنبطة من الحظر لا من الإباحة، فاقتضى أن يكون ما أوجبته من حكم الحظر عاماً في القليل والكثير.
والثالث: أن قليل التمر والبر موصوف بأنه مكيل؛ لأن له حظاً في المكيال ألا ترى أنه لو احتاج وفاء المكيال إلى تمرة فتم بها تم الكيل وحل البيع. فلولا أن التمرة مكيلة ما تم المكيال بها وهم أولى الناس بهذا القول. لأنهم يقولون إن القدح العاشر بانفراده هو المسكر. فكذلك التمرة الواحدة بانفرادها هي التي تم المكيال بها. فإن قيل فيختص عموم الظاهر بالقياس فنقول: لأنه مما لا يكال ولا يوزن فوجب ألا يثبت فيه الربا كالثياب. قلنا: نحن نعارضكم بقياس مثله فنقول. ما ثبت الربا في كثيره ثبت في قليله كالذهب والورق. ثم نقول: قياسكم لا يجوز أن يخص به الظاهر لأن أصله مستنبط منه والظاهر لا يجوز أن يكون مخصوصاً بعلة مستنبطة منه.
فصل
فأما الجواب عن استدلالهم بقوله ﷺ : "لا تبيعوا البر بالبر إلا سواء بسواء" وكذلك ما يكال ويوزن فهو أنها زيادة مجهولة لم ترد من طريق صحيح، وعلى أنها زيادة متأولة إذا كان ما يكال ويوزن مأكولاً أومشروباً بدليل نهيه عن بيع الطعام بالطعام إلا مثلاً بمثل.
وأما الجواب عن استدلالهم بأن ما أبيح من التساوي لا يعلم إلا بالكيل فوجب أن يكون الكيل علة الحكم. فهو أن الكيل علم الإباحة وعلة الربا مستنبطة من الحظر فلم يجز أن يكون الكيل علة الحكم.
وأما الجواب عن استدلالهم بأن تعليلهم بكونه مكيلاً جنساً يجمع حالتي البر صفة وقدراً فهو إن جاز أن يكون هذا دليلاً لأنه يجمع حالتي البر صفة وقدراً قابلناكم بمثله فقلنا: تعليلنا بكونه مطعوماً جنساً يجمع حالتي البر صفة وجنساً. ثم يكون هذا الاستدلال أولى لأن الطعم ألزم صفة من الكيل فاقتضى أن يكون بالحكم أخص. ولا يصح قولهم بأن الجنس صفة لأن الصفة ما اختصت بالموصوف، والجنس اسم مشترك يتناول كل ذي جنس فلم يصح أن يكون صفة.
стр. 2040
وأما الجواب عن استدلالهم بأن الكيل متفق في المكيلات والأكل مختلف في المأكولات فكان التعليل بالمتفق أولى من التعليل بالمختلف. فهو أن الأكل متفق وإنما صفة الأكل تختلف، كما أن الكيل وإن كان متفقاً وصفته قد تختلف فبعضه قد يكال بالصاع، وبعضه بالمد، وبعضه بالقفير، وبعضه بالمكوك ثم يقال: الكيل يختلف باختلاف البلدان والأكل لا يختلف فكان الأكل لاتفاق البلدان أولى أن يكون علة من الكيل المختلف باختلاف البلدان. وأما الجواب عن استدلالهم بأن الطعم صفة آجلة والكيل صفة عاجلة فهو أن هذا القول فاسد، لأن البر موصوف بهذه الصفة، وإن كان يوجد بعد علاج وصنعة كما يوصف بأنه مشبع وإن كان لا يوجد إلا بعد استهلاكه بالأكل، كما يوصف الماء بأنه مروي وإن كانت صفته توجد بعد الشرب، ثم لو قيل إن الأكل أعجل صفة من الكيل لكان أولى، لأن الأكل ممكن مع فقد الآلة والكيل متعذر إلا بوجود الآلة.
وأما الجواب بأن زيادة الطعم قد توجد مع تساوي الكيل ولا تحريم ولا توجد زيادة الكيل مع تساوي الطعم إلا مع وجود التحريم فهو أن يقال: إنما يلزم هذا إذا وقع التسليم بأن التساوي يعتبر بالوزن تاماً، ونحن نقول إن التساوي يعتبر بالكيل.
فلا يلزم أن الطعم متساو فيهما وإن تفاضلا في الوزن. كما لو تساويا في الوزن وتفاضلا في الكيل كانا متفاضلين وإن تساويا في الوزن على أنه لا يستمر على مذهبهم أن علة الربا زيادة الكيل، لأنهما لو تبايعا صبرة طعام بصبرة طعام كان باطلاً للجهل بالتساوي وإن لم يعلم زيادة الكيل فلما كان الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل بطل أن يكون زيادة الكيل علة.
فصل
فأما المذهب السابع وهو قول سعيد بن المسيب، والشافعي في القديم أن علة الربا مأكول مكيل أوموزون جنس احتجاجأ بأن المنصوص عليه يختص بصفتين: الأكل والكيل، وليست إحدى الصفتين أولى فاقتضى أن يكونا معاً علة الحكم، ولأن الربا إنما جعل في الأشياء التي يمكن استباحة بيع بعضها ببعض بكيل أو وزن فكان الكيل والوزن علة الحكم. وهذا غير صحيح؛ لأننا قد أبطلنا فيما مضى أن يكون الكيل علة وسنبطل أن يكون الوزن علة، وإن لم يجز أن يكونا علة لم يجز أن يكونا وصفاً في العلة فثبت أن الأكل وحده علة.
فصل
فإذا ثبت هذا فما عدا الذهب والفضة تنقسم ثلاثة أقسام: قسم فيه الربا على القولين معاً، وهو ما أكل أو شرب مما كيل أو وزن. وقسم لا ربا فيه على القولين معاً وهو ما ليس بمأكول ولا مشروب كالثياب والحيوان والصفر والنحاس.
وقسم اختلف قوله فيه وهو ما أكل أو شرب مما لا يكال ولا يوزن كالرمان، والسفرجل، والبقول والخضر، فعلى قوله في القديم لا ربا فيه، لأنه علل ما فيه الربا لأنه مأكول أو مشروب مكيل أو موزون. وعلى قوله في الجديد فيه الربا لأنه مطعوم جنس. واختلف أصحابنا هل يثبت فيه الربا على قوله في الجديد بعلة الأصل أو بعلة الأشباه.
فمن متقدمي أصحابنا من قال: إنما جعل فيه الشافعي الربا على قوله في الجديد
стр. 2041
بعلة الأشباه لأنه قال: وإنما حرمنا غير ما سمى رسول الله ﷺ من المأكول المكيل والموزون لأنه في معنى ما سمى. فجعل في المكيل والموزون الربا بعلة الأصل ثم قال بعد هذا؟ وما خرج من الكيل والوزن من المأكول والمشروب فقياسه على ما يؤكل ويكال أولى من قياسه على ما لا يكال ولا يؤكل، فجعل ملحقاً بالأصل من حيث الشبه. وقال آخرون من أصحابنا: بل فيه الربا على الجديد بعلة الأصل لا من حيث الشبه وإنما قال الشافعي ما احتج به الأولون ترجيحاً للعلة. والله تعالى أعلم.
فصل
فأما علة الربا في الذهب والفضة فمذهب الشافعي أنها جنس الأثمان غالباً. وقال بعض أصحابنا قيم المتلفات غالباً. ومن أصحابنا من جمعهما وكل ذلك قريب. وقال أبو حنيفة: العلة فيهما أنه موزون جنس فجعل علة الذهب والفضة الوزن كما جعل علة البر والشعير الكيل، ودلائله في المسألتين مشتركة ثم خص الاحتجاج في هذه المسألة بترجيح علته وإفساد علتنا. واحتج لذلك بثلاثة أشياء:
أحدهما: أن ثبوت الربا في الذهب والفضة مستفاد بالنص ولا فائدة في استنباط علة يستفاد منها حكم أصلها حتى لا يتعدى إلى غيرها والتعليل بالوزن متعد وبالأثمان غير متعد.
والثاني: أنه لو جاز تعليل الذهب والفضة بكونهما ثمناً وذلك غير متعد. لجاز تعليلهما بكونهما فضة وذهباً، فلما لم يجز أن يعلل الذهب بكونه ذهباً ولا فضة بكونهما فضة لعدم التعدي لم يجز أن يعللا بكونهما ثمناً لعدم التعدي.
والثالث: أن التعليل بالأثمان منتقض في الطرد والعكس فنقض طرده بالفلوس، هي أثمان في بعض البلدان ولا ربا فيها عندكم. ونقضه عكساً بأواني الذهب والفضة ليست أثماناً وفيها الربا، والتعليل بالوزن مستمر لا يعارضه نقض في طرد ولاعكس.
والدليل على صحة علتنا وفساد علته مع ما قدمنا من الدليل من قبله ثلاثة أشياء:
أحدها: أن التعليل بالوزن يثبت الربا في الموزون من الصفر والنحاس والقطن والكتان، ولو ثبت فيه الربا بعلة الوزن كما ثبت في الذهب والفضة بهذه العلة لوجب أن يستوي حكم معموله ومكسوره في تحريم التفاضل فيه كما استوى حكم معمول الذهب والفضة ومكسوره في تحريم التفاضل فيه. فلما جوزوا التفاضل في معمول الصفر والنحاس دون مكسوره وتبره حتى أباحوا بيع طشت بطشتين وسيف بسيفين ولم يجوزوا التفاضل في معمول الفضة والذهب، ومنعوا من بيع خاتم بخاتمين وسوار بسوارين دل على افتراقهما في العلة واختلافهما في الحكم ولو اتفقا في العلة لاستويا في الحكم فبطل أن يكون الوزن علة الحكم.
والثاني: أنه لو كان الوزن في الذهب والفضة علة يثبت بها الربا في موزون الصفر والنحاس لوجب أن يمنع من إسلام الذهب والفضة في الصفر والنحاس لاتفاقهما في علة الربا كما منع من إسلام الفضة في الذهب لاتفاقهما في علة الربا.
فلما جاز إسلام الذهب والفضة من الصفر والنحاس ولم يجز إسلام الفضة في
стр. 2042
الذهب دل على افتراق للحكم بين الفضة والذهب وبين الصفر والنحاس في علة الربا فبطل أن يكون الوزن علة الربا. وهذان الدليلان احتج بهما الشافعي ﵀ في إبطال الوزن أن يكون علة الربا.
والثالث: أن الأصول مقررة على أن الحكم إذا علق على الذهب والفضة اختص بهما ولم يقس غيرهما عليهما. ألا ترى أن الزكاة لما تعلقت بهما لم يتعد إلى غيرهما من صفر أو نحاس أو شيء من الموزونات ولما حرم الشرب في أواني الفضة والذهب اختص النهي بهما دون سائر الأواني من غيرهما. كذلك وجب أن يكون الربا المعلق عليهما مختصاً بهما وأن العلة فيهما غير متعدية إلى غيرهما.
وأما الجواب عن استدلالهم بأنه لا فائدة في استنباط علة ثبت حكمها بالنص من غير تعد فهو أن يقال: ليس يخلو هذا القول من أحد أمرين إما أن يكون إبطالاً لغير المتعدية، أو يكون علة لعدم الفائدة وهو الظاهر من الاستدلال، أو يكون إثباتاً لها علة وجعل غيرها إذا تعدت أولى منها. فإن كان هذا إبطالاً لغير المتعدية أن تكون علة خالفناكم لأن غير المتعدية قد تكون عندنا علة فإن دعوا إلى الكلام فيها انتقلنا عن المسألة، ثم نقول: العلل أعلام نصبها الله تعالى للأحكام فربما أراد ببعضها التعدي فجعلها علماً عليه وربما أراد ببعضها الوقوف على حكم النص فجعلها علما عليه. كما أنه جعل المتعدية تارة عامة وتارة خاصة. كذلك جعلها تارة واقفة وتارة متعدية. فإن قيل: فالواقفة غير متعدية فيجعل الحكم معلقاً بالنص دون المعنى كأعداد الركعات لما لم تكن متعدية المعنى لم يستنبط لها معنى لعدم الفائدة.
فالجواب أن الواقفة مفيدة والذي يستفاد بها أمران:
أحدهما: العلم بأن حكمها مقصور عليها وأنها لا تتعدى إلى غيرها وهذه فائدة.
والثاني: أنه ربما حدث ما يشاركه في المعنى فيتعدى حكمه إليه. فأما أعداد الركعات فغير معقول المعنى فلذلك لم يمكن استنباط علة منها. فهذا الكلام عليهم إن أبطلوا العلة الواقفة. وإن أثبتوها وجعلوا المتعدية أولى منها كان هذا مسلماً ما لم تبطل المتعدية بنقض أو معارضة وقد أبطلنا تعليلهم بالوزن من وجهين ذكرهما الشافعي ولولاهما لكان التعليل بالوزن أولى.
وأما الجواب عن قولهم بأن الاسم لما لم يكن علة لعدم تعديه. فهو أن هذا رجوع إلى الكلام في إبطال العلة الواقفة وقد مضى على أن الاسم لم يجز أن يكون علة لأنه مستفاد قبل الاستنباط لا لما ذكره من عدم التعدي.
والعلة الواقفة مستفادة بعد الاستنباط فجاز أن يكون علة مع عدم التعدي.
وأما الجواب عما ذكروه من نقض علتنا في الطرد بالفلوس وفي العكس بالأواني فهو أن علتنا سليمة من النقض في الطرد والعكس لأنها جنس الأثمان غالباً، والفلوس وإن كانت ثمناً في بعض البلاد فنادو فلم الطرد، وأما العكس فلا ينتقض أيضاً بالأواني لأننا قلنا جنس الأثمان والأواني من جنس الأثمان وإن لم تكن أثماناً فسلمت العلة من النقص في الطرد والعكس. وإذ قد انتهى الكلام بنا إلى هذا فسنذكر فصلاً من العلل وما يتعلق عليها ويصح بها القياس الذي يتضمنها والله أعلم.
стр. 2043
فصل
اعلم أن القياس قياسان، قياس طرد وقياس عكس. فأما قياس الطرد: فهو إثبات حكم الأصل في الفرع لاجتماعهما في علة الحكم. وهذا أقوى القياسين حكماً، وليس يختلف أهل القياس في القول به. وأما قياس العكس: فهو إثبات حكم نقيض حكم الأصل في الفرع باعتبار علته. وهذا قد أثبته أكثر الفقهاء قياساً وإن خالفهم أكثر المتكلمين. وقياس الطرد، لا يخلو من أربعة أشياء: من أصل، وفرع، وعلة، وحكم.
فأما الأصل فهو الذي يتعدى حكمه إلى غيره، وأما الفرع فهو الذي يتعدى إليه حكم غيره، وأما العلة فهي التي لأجلها ثبت الحكم. وقيل الصفة الحالية للحكم، وأما الحكم فهو المنقسم إلى:
الإباحة، والحظر، والوجوب، والندب، والكراهة، والاستحباب فالبر في الربا أصل، والأرز فرع، والأكل علة، والربا حكم.
ثم العلة والحكم لا بد من وجودهما في الأصل والفرع معاً غير أن العلم بوجودهما في الأصل أسبق من العلم بوجودهما في الفرع، والعلم بالحكم المعلق بالأصل أسبق من العلم بعلة الحكم في الأصل، لأن العلة تعلم بعد الاستنباط لها والحكم متقدم على الاستنباط. والعلم بالعلة في الفرع أسبق من العلم بحكم الفرع بخلاف الأصل. لأن بوجود العلة في الفرع يعلم حكم الفرع، وبوجود الحكم في الأصل يعرف علة الأصل. ثم لا يخلو حال الحكم في الأصل من أن يكون مستفاداً من ثلاثة أوجه: من نص أو إجماع أو قياس على أصل آخر. فإن كان الحكم مستفاداً من نص أو إجماع، كان المنصوص عليه أصلاً بذاته فيجب حينئذ استنباط علته وتعليق حكمه على فروعه.
وإن كان الحكم مستفاداً من قياس على أصل آخر فلا يخلو حاله من أحد أمرين: إما أن يكون الحكم قد ثبت في ذلك الأصل بمثل العلة التي يثبت بها الحكم في هذا الفرع أو يكون الحكم قد ثبت فيها بعلة أخرى. فإن كان قد ثبت الحكم في الأصل بمثل العلة المستنبطة منه لم يثبت الحكم في هذا الفرع.
مثاله: أن تقيس الذرة على الأرز بعلة الأكل، والأرز قد ثبت فيه الربا فهذه العلة قياساً على البر. فإن كان هكذا لم يجز جعل هذا أصلاً وكان هذا الأصل مع ما ألحق به فرعين على الأصل الأول.
فجعل الذرة والأرز فرعين على البر المنصوص عليه لوجود علة البر فيهما على سواء، وليس جعل الأرز المقيس على البر أصلاً للذرة بأولى من جعل الذرة أصلاً للأرز لاستوائهما فرعاً للآخر. وإن كان الحكم قد ثبت في ذلك الأصل بعلة ورد الفرع إليه بعلة أخرى مستنبطة منه غير تلك العلة فقد اختلف أصحابنا في جواز ذلك.
فقالت طائفة لا يجوز ومنعوا منه، لأن الفرع إنما يرد إلى الأصل إذا شاركه في علة حكمه، وعلة هذا الأصل التي ثبت بها حكمه هي علة أخرى لا توجد في الفرع الثاني وهذا مذهب من منع من القول بالعلتين.
стр. 2044
وقالت طائفة أخرى بجواز ذلك لأن العلة التي ثبت بها الحكم في الأصل هي كالنص في أنها طريق الحكم وليس يمتنع أن يعلم بالدليل أن لعلة أخرى تأثيراً في ذلك الحكم فيرد بها بعض الفروع إليه، وهذا مذهب من أجاز القول بالعلتين.
فصل
فإذا ثبت حكم الأصل من أحد هه الوجوه الثلاثة وجب على القياس اعتبار علة الحكم في الأصل لتحريها في الفرع. وقد يعلم علة الأصل من أحد ثلاثة أوجه أيضاً.
أحدها: النص الصريح. والثاني: التنبيه. والثالث: الاستنباط.
وأما النص الصريح فنحو قوله تعالى: ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور:٣١]. ونحو قوله ﷺ : "إنما نهيتكم لأجل الدافة". فنص على العلة كما نص على الحكم. وأما التنبيه. فمثل ما روي عن النبي ﷺ أنه امتنع من الدخول على قوم عندهم كلب ودخل على آخرين وعندهم هرة، وقال: إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات.
فنبه بذلك على نجاسة الكلب لأنه ليس من الطوافين والطوافات. وفي معنى التنبيه الجواب بالفاء نحو قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً﴾ [المائدة:٣٨]. فنبه بذلك على أن علة القطع السرقة.
وأما الاستنباط فهو ما ورد النص بإطلاق حكمه من غير إشارة إلى علته ووكل العلماء إلى اجتهادهم في استنباط علته كالستة الأشياء التي نص رسول الله ﷺ على ثبوت الربا فيها. فاجتهد الفقهاء في استنباط معناها. وهذا النوع إنما يمكن استنباط علته بعد العلم بالدليل على صحة العلة ليعلم به العلة الصحيحة التي يجوز تعليق الحكم بها من العلة الفاسدة التي لا يجوز تعليق الحكم فيها.
وقد اختلف أصحابنا في الشروط الدالة على صحة العلة. فقال بعضهم هي أربع: وجود الحكم بوجودها، وارتفاعه بارتفاعها، وسلامتها على الأصول، وعدم ما يعارضها مما هو أولى منها فجعل الطرد والعكس شرطين من شروط صحتها. وقال آخرون هي ثلاثة شروط: وجود الحكم بوجودها، وسلامتها على الأصول وعدم ما يعارضها مما هو أولى منها. فجعل هذا القائل الطرد شرطاً ولم يجعل العكس شرطاً. وقد اختار هذا القول ابن أبي هريرة وزعم أن العلل الشرعية لا يستمر في جميعها الطرد والعكس، وإنما يستمر في العلل العقليات.
وقال الأولون: بل هذا الشرط مستمر في الشرعيات أيضاً ما لم يخلف تلك العلة علة أخرى توجب مثل حكمها، وهذا أصح المذهبين عندي لأن العلة إذا كانت موجبة بحكم واقتضت أن يكون الحكم بوجودها موجوداً لزم أن يكون الحكم بعدمها وما ليقع الفرق بين وجودها وعدمها. والله أعلم.
стр. 2045
فصل
فأما فساد العلة فقد يكون من أحد ثمانية أوجه. بعضها متفق عليه وبعضها مختلف فيه. فأحدها: التعليل بالاسم وهو على ضربين:
أحدهما: أن يكون اسماً مشتقاً من فعل كعاقد وقاتل ووارث فيجوز أن يكون علة.
والثاني: أن يكون اسم لقب فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يعلل تحريم الخمر، لأن العرب سمته خمراً. فهذا تعليل فاسد، لأنه يبعد أن يكون لتسمية العرب مع تقدمه على الشرع تأثيراً في تحريم الخمر. والثاني: أن يعلل تحريمه بجنسه ويعبر عن الجنس باسمه فيعلل تحريمه بكونه خمراً فهذا جائز. لأنه لما جاز التعليل بالصفة جاز التعليل بالجنس فيجوز أن تقول في نجاسة بول ما يؤكل لحمه، لأنه بول فوجب أن يكون نجساً قياسا على بول الآدمي.
والثاني: اختلاف الموضوع. وهو أن يكون أحد الحكمين مبنياً على التخفيف، والحكم الآخر مبنياً على التغليظ فيجمع بينهما بعلة توجب حكماً آخر. فقد اختلف أصحابنا هل يكون اختلاف موضوعهما مانعاً من صحة الجمع بينهما؛ فقال بعضهم: يكون هذا مفسداً للعلة مانعاً من صحة الجمع لأن الجمع بينهما يوجب تساوي حكمهما، واختلاف موضوعهما يوجب التفريق بينهما.
وقال آخرون: لا يمنع ذلك من صحة الجمع ولا يوجب فساد العلة لأنه يجوز أن يكون الفرع مساوياً لأصله في حكم وإن خالفه في غيره لأن أحكامهما من كل وجه متعذر.
والوجه الثالث من وجوه الفساد عدم التأثير. وهو أن يضم المعلل إلى أوصاف علته وصفاً لو عدمته العلة في الأصل لم يعدم الحكم. ففسد بذلك أن يكون مجموع تلك الأوصاف علة ووجب إسقاط الوصف الذي لا يؤثر علته في الأصل. لأنه لو جاز أن يجعل من أوصاف العلة ما لا يضر فقده في الحكم إثبات ما لا نهاية له من الأوصاف.
والرابع: الكسر. وهو أن يكون الوصف المزيد في علة الأصل احترازاً من انتقاضها بفرع من الفروع فلا يجوز ضم هذا الوصف إليها وتصير العلة منتقضة على قول جمهور أصحابنا، لأن علة الأصل يجب أن يتقدم العلم بصحتها ثم يجري في فروعها. فإن لم يؤثر وصف منها في فساد العلة وهذا الوجه مؤلف من عدم التأثير والنقض.
والخامس: القلب. وهو أن يعلق بعلة الأصل نقيض حكمها مثاله: أن يعلل الحنفي وجوب الصيام في الاعتكاف بأنه لبث في مكان مخصوص فوجب أن يكون من شرطه اقتران معنى آخر إليه.
أصله الوقوف بعرفة: فنقلب هذا القياس عليه ونقول لأنه لبث في مكان مخصوص فوجب ألا يكون من شرطه الصوم كالوقوف بعرفة فيكون هذا فساداً للعلة. ولك في هذا المثال أن تمنع العلة.
والسادس: وهو القول بموجب العلة وهو أن تقول أنا أضم إليه معنى آخر وهو النية فيكون هذا قولاً بموجب العلة. وهذا إنما يختص بالحكم إذا كان مجملاً ويصير النزاع
стр. 2046
في الحكم مانعاً من العلة أن تكون موجهة لما ادعاه من الحكم.
والسابع: النقض ويكون بحسب العلة. والعلل ضربان. علة نوع، وعلة جنس. فأما علة النوع فمثل تعليل البر لثبوت الربا فيه بأنه مطعوم. وأما علة الجنس فمثل تعليل جنس الربا بأنه مطعوم.
فإن كان التعليل لنوع. كان نقض العلة فيه بوجودالعلة مع ارتفاع الحكم فإذا وجد مطعوم ليس فيه ربا كان نقضاً. ولا ينتقض بوجود الربا فيما ليس بمعلوم من الذهب والورق. وإن كان التعليل للجنس كتعليل جنس الربا بأنه مطعوم انتقضت هذه العلة من وجهين:
أحدهما: وجود العلة مع ارتفاع الحكم حتى إن كان مطعوماً لا ربا فيه كان نقضاً.
والثاني: وجود الحكم مع ارتفاع العلة حتى إذا ثبت الربا فيما ليس بمطعوم من الذهب والورق كان نقضاً، ومتى كان الحكم جملة لم ينتقض بالتفصيل ومتى كان مفصلاً انتقض بالجملة والتفصيل.
وقد يحترز من النقض إذا كان بوجود العلة وارتفاع الحكم بأحد وجهين:
إما احتراز بحكم ثبت في الأصل، وإما احتراز بشرط مقيد بالحكم فإن كان الاحتراز بحكم ثبت في الأصل مثاله: تعليل الحنفي قتل المسلم بالذمي بأنهما حران مكلفان محقونا الدم كالمسلمين. فإذا نوقض بقتل الخطأ وعدم القود فيه قال: قد احترزت من هذا النقض بالرد إلى المسلمين، فإن القود بينهما يجري في العمد دون الخطأ فكذا في الفرع. وهذا الجواب ليس بصحيح والنقض لازم لأن العلة هي المنطوق بها والحكم ما صرح به، والنقض يتوجه إلى المظهر دون المضمر.
وإن كان الاحتراز بشرط فقيد بالحكم. فمثاله: إذا علل الحنفي قتل المسلم بالذمي بأنهما حران مكلفان محقونا الدم، أن يقول: فوجب أن يثبت القصاص في العمد. فقد اختلف أصحابنا: هل يكون هذا الاحتراز مانعاً من النقض؟ فقال بعضهم: لا يمنع هذا الاحتراز من النقض ويكون هذا اعترافاً ينقض العلة، لأن العلة ما استقلت بالذكر وكانت هي المؤثرة في الحكم وهذه العلة لا تؤثر إلا بشرط يقترن بالحكم.
وقال آخرون بل هذا الاحتراز مانع من النقض والعلة صحيحة لأن الشرط المذكور في الحكم وإن كان متأخراً في اللفظ فهو متقدم في المعنى.
والوجه الثامن: المعارضة. وقد تكون من وجهين:
أحدهما: بالنص. والثاني: بعلة فأما معارضة العلة بالنص فينظر حال النص، فإن كان غير مجمل كانت العلة التي عارضته فاسدة. لأن النص أصل مقدم والقياس فرع مؤخر.
وإن كان النص مجملاً جاز تخصيصه بالقياس إن كان جلياً، وفي جواز تخصيصه بالقياس إن كان خفياً. وجهان.
وأما معارفة العلة بعلة فضربان:
أحدهما: المعارضة في علة الأصل.
والثاني: المعارضة بقياس آخر مع تسليم علة الأصل، فإن كانت المعارضة في علة الأصل نظر في المعلل فإن كان ممن لا يقول بالعلتين لم تسلم له العلة إلا أن يدل على
стр. 2047
صحتها أو على فسادها ما عارضها مثل تعليل الحنفي البر بأنه مكيل فيعارض الشافعي في علة البر بأنه مطعوم فلا نسلم التعليل بالكيل إلا أن يدل على صحته وفساد ما عارضه.
وإن كان المعلل ممن يقول بالعلتين نظر في الحكمين فإن كانا متنافيين لم تسلم العلة بالمعارضة إلا بالدليل على صحتها أو فساد ما عارضها. وإن لم يتناف الحكمان فقد قيل لا تمنع المعارضة من صحة العلة وللمعلل أن يقول: أقول بالعلتين معاً.
وقيل: بل هذه المعارضة مانعة من صحة العلة حتى يدل على أن علته هي التي أوجبت الحكم الذي ادعاه ثم يصح حينئذ قوله بالعلتين.
وأما معارضة القياس بقياس أخر فمانع من صحة القياس أيضاً سواء قال المعلل بالعلتين أو لم يقل. لأنه ليس رد الفرع إلى أحد الأصلين بأولى من رده إلى الأصل الآخر إلا أن يترجح أحد القياسين على الآخر بأحد ثلاثة أوجه. إما بما يرجع إلى أصله وإما بما يرجع إلى حكمه وإما بما يرجع إلى علته فيكون القياس المترجح بأحد هذه الوجوه أولى.
فصل
وإذا ثبت أن صحة العلة وفسادها يعتبر بما وصفنا فينبغي للمعلل إذا أراد أن يستنبط علة الأصل المنصوص على حكمه أن يعتبر أوصاف الأصل وصفاً بعد وصف فإن كان الوصف الذي بدأ باعتباره مطرداً على الشروط المعتبرة علم أنه العلم الذي جعله الله تعالى علة الحكم.
وإن لم يطرد واعترضه أحد وجوه الفساد انتقل إلى وصف ثان فإذ وجده مطرداً علم أنه علة الأصل، وإن لم يطرد انتقل إلى وصف ثالث فاعتبره كذلك حتى يأتي على جميع الأوصاف فإذا سلم له أحدها جعله علة الحكم. فلو سلم له وصفان وصح تعليق الحكم على كل واحد منهما لاطراده على الأصول، لم يجز تعليق الحكم بهما لكن يقع الترجيح بينهما فماذا ترجح أحد الوصفين بعمومه وكثرة فروعه أو بأحد الوجوه التي يكون بها ترجيح العلل علم أن الوصف الذي ترجح هو علة الحكم دون غيره، ولو كانت أوصاف الأصل حين اعتبر بها لا يطرد واحد منها على الأصول ضممت أحد الأوصاف إلى الآخر فإذا صلح لك اجتماع وصفين مطردين جعلتهما معاً علة الحكم.
وإن لم يطرد الوصفان باجتماعهما ضممت إليهما وصفاً ثالثاً، فإذا وجدتها مطردة جعلتها مجموعها علة الأصل، وإن لم تطرد باجتماعها ضممت إليها رابعاً، ثم خامساً ثم سادساً ولا ينحصر بعد ذلك إلى أن ينتهي إلى أن يجمع أوصاف الأصل كله ويقتصر بالعلة على نفس الأصل المنصرص على حكمه كما قلنا في علة الذهب والفضة أنه لما لم يكن يصح تعليق الحكم على أحد أوصافها انتهى بنا التعليل إلى الاقتصار على نفس المنصوص عليه وقلنا: إن علتهما كونهما أثماناً وقيماً. ومنع أبو حنيفة من هذا بمنعه من العلة الواقعة. ومع بعض أصحابنا من الزيادة على خمسة أوصاف وهذا فاسد، لأنه لا نجد فرقأ بين الخمسة وبين ما زاد عليها أو نقص منها. والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: "ولا يجوز أن يسلف شيئاً بما يكال أو يوزن من
стр. 2048
المأكول والمشروب في شئ، منه وإن اختلف الجنسان جازا متفاضلين يداً بيد قياساً على الذهب الذي لا يجوز أن يسلف في الفضة والفضة التي لا يجوز أن تسلف في الذهب".
قال في الحاوي: وهذا صحيح. وجملته أن الرجلين إذا تبايعا لم يخل ما يضمنه عقد بيعهما عوضاً ومعوضاً من أربعة أقسام:
أحدها: أن يكون العوضان مما لا ربا فيه فلا بأس ببيعه نقداً ونساء متفاضلاً ومتماثلاً سواء كانا من جنسين كبيع ثوب بعبد، أو كانا من جنس واحد كبيع ثوب بثوبين، وعبد بعبدين.
والثاني: أن يكون في أحد العوضين الربا دون الآخر كبيع عبد بدراهم أو ثوب بطعام فهذا كالقسم الذي قبله يجوز العقد عليهما نقداً ونساء، ويجوز أن يسلم أحدهما في الآخر.
والثالث: أن يكون العوضان مما فيه الربا بعلتين مختلفتين كالبر بالذهب أو الشعير بالفضة فهذا كالقسمين الماضيين في جواز العقد عليهما نقداً ونساء وإسلام أحدهما في الآخر.
والرابع: أن يكون العوضان مما فيه الربا بعلة واحدة كالبر بالشعير أو بالبر، والذهب بالفضة أو بالذهب، فلا يجوز إسلام أحدهما في الآخر لاشتراكهما في العلة. ثم ينظر في حال العوضين فإن كانا من جنس واحد كالبر بالبر أو الشعير بالشعير فلا يصح بيعهما إلا بشرطين: التساوي، والتقابض قبل الافتراق. وقال أبو حنيفة يصح وإن تفرقا قبل القبض وقد مضى الكلام معه.
وإن كان العوضان من جنسين كالبر بالشعير، أو التمر بالزبيب فبيعه معتبر بشرط واحد وهو التقابض قبل الافتراق، والتفاضل فيه يجوز وقد مضى في هذا المعنى ما يغني. والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: "وكل ما خرج من المأكول والمشروب والذهب والفضة فلا بأس ببيع بعضه ببعض متفاضلاً إلى أجل وإن كان من صنف واحد".
قال في الحاوي: قد تقرر بما تمهد من علتي الربا أن ما عدا المأكول والمشروب والذهب والفضة لا ربا فيه كالصفر والنحاس والثياب والحيوان، فلا بأس أن يباع الجنس منه بغيره أو بمثله عاجلاً وآجلاً، ومتفاضلاً، فيجوز أن يبيع ثوباً بثوبين وعبداً بعبدين وبعيراً ببعيرين نقداً ونساء. وقال أبو حنيفة: الجنس يمنع من النساء متفاضلاً ومتماثلاً، فلا يجوز بيع الثياب بالثياب نساء، ولا بيع الحيوان بالحيوان نساء. استدلالاً برواية قتادة عن الحسن عن سمرة أن النبي ﷺ نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة.
وروى أبو الزبير عن جابر أن النبي ﷺ قال: "الحيوان واحد باثنين لا بأس به يداً بيد ولا خير فيه إنساء".
ولأنه بيع جنس فلم يجز دخول النساء فيه كالبر. ولأن الجنس أحد صفتي علة الربا
стр. 2049
لأن علة الربا على قول الشافعي مطعوم جنس وعلى قول أبي حنيفة مكيل جنس، وإذا كان الجنس أحد صفتي علة الربا لم يجز دخول النساء فيه كالطعم أو الكيل. وتحريره قياساً أن ما كان وصفاً في علة الربا كان مانعاً من دخول النساء كالكيل. والدلالة على خطأ هذا القول ما روي عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ أمره أن يجهز جيشاً ففرت الإبل فأمره أن يأخذ من قلاص الصدقة. فكان يأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة. رواه أبو داود في سننه.
وروى الليث بن سعد عن أبى الزبير عن جابر قال: جاء عبد فبايع رسول الله ﷺ على الهجرة ولا يشعر النبي ﷺ أنه عبد فجاء سيده يريده، فقال النبي ﷺ بعنيه فاشتراه بعبدين أسودين ثم لم يبايع أحداً بعد حتى يسأله أعبد هو. رواه الشافعي في الأم. وقد روي جواز ذلك عن علي وابن عمر ﵄.
فروي عن علي ﵁ أنه باع جملاً له يقال له العصيفير بعشرين جملاً إلى أجل.
وروي عن ابن عمر أنه باع بعيراً بأربعة أبعرة مضمونة بالربذة. وليس لهما في الصحابة مخالف فكان إجماعاً.
ولأن كل عقد صح اشتراط الخيار فيه، صح دخول الأجل فيه، كالجنين من حيوان وثياب.
ولأن كل جنس جاز دخول التفاضل فيه جاز دخول الأجل فيه كالثياب المروية بالهروية.
فإن قيل: "الهروي والمروي" جنسان فلذلك جاز دخول الأجل فيهما قيل: جنسهما واحد. ألا ترى أنه لو باعه ثوباً على أنه هروي فبان أنه مروي، كان البيع جائزاً وله الخيار، ولو كان من غير جنسه لبطل البيع، كما لو باعه ثوباً على أنه قطن فبان أنه كتان، كان البيع باطلاً لأنهما جنسان. ولأن الربا قد يثبت في الجنس من وجهين: التفاضل، والأجل.
فلما كان التفاضل في جنس ما لا ربا فيه جائزاً وجب أن يكون الأجل في جنس ما لا ربا فيه جائزاً. وتحرير ذلك قياساً: أنه أحد نوعي الربا فوجب ألا يحرم فيما ليس فيه ربا كالتفاضل.
وأما الجواب عن خبري سمرة، وجابر، فهو أن يحمل النهي على دخول الأجل في كلا العوضين، وذلك عندنا غير جائز.
وأما قياسهم على البر بالبر فالمعنى تحريم التفاضل فيه، فذلك حرم الأجل، وليس كذلك في مسألتنا.
وأما استدلالهم بأنه أحد صفتي الربا كالكيل، فالمعنى في الكيل أنه إذا علق به تحريم الأجل، اختص ذلك بما فيه الربا، وإذا علق بالجنس عم ما فيه الربا وما لا ربا فيه، ولا يجوز أن يسوى بين ما فيه الربا، وبين ما لا ربا فيه في أحد نوعي الربا. ولله أعلم.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: "فلا بأس أن يسلف بعيراً في بعيرين أريد بهما الذبح أو لم يرد ورطل نحاس برطلين وعرض بعرضين إذا دفع العاجل ووصف الآخر.
стр. 2050
قال في الحاوي: قد مضى الكلام في جواز بيع الحيوان بالحيوان نساء، فعلى هذا يجوز أن يسلم بعيراً في بعيرين وأكثر. وقوله: أريد بهما الذبح أو لم يرد إنما عنى به مالكاً حيث منع من بيع بعير ببعيرين أو بعير إذا أريد بهما الذبح أو بأحدهما، والمراد للذبح أن يكون كسيراً أو حطيماً. استدلالاً بأن ما لا يصلح إلا للذبح يجري في الحكم مجرى اللحم، وبيع اللحم بالحيوان لا يجوز.
والدلالة على خطأ هذا القول وجواز هذا البيع صح ما تقدم من عموم الظواهر الدالة أن كل حيوان جاز بيع بعضه ببعض صحيحاً، جاز بعضه ببعض كسراً كالعبد الصحيح بالعبد الزمن. ولأنه حيوان فجاز بيع بعضه ببعض كالصحيح. ولأن كسير الحيوان في حكم الصحيح في تحريم أكله حتى يستباح بالزكاة فوجب أن يكون كالصحيح في جواز بيعه. وبهذا ينكسر ما استدل به.
وأما قول الشافعي. ورطل نحاس برطلين وعرض بعرضين. فلأن ما لا ربا فيه يجوز فيه التفاضل والنساء معاً.
وقوله: إذا دفع العاجل ووصف الآجل فلأن السلم لا يصح إلا بهذين الشرطين.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: "وما أكل أو شرب مما لا يكال ولا يوزن فلا يباع منه يابس برطب قياساً عندي على ما يكال ويوزن مما يؤكل أو يشرب وما يبقى ويدخر أو لا يبقى ولا يدخر وكان أولى بنا من أن نقيسه بما يباع عدداً من غير المأكول من الثياب والخشب وغيرها ولا يصلح على قياس هذا القول رمانة برمانتين عداً ولا وزناً ولا سفرجلة بسفرجلتين ولا بطيخة ببطيختين ونحو ذلك ويباع جنس منه بجنس من غيره متفاضلاً وجزافاً يداً بيد ولا بأس برمانة بسفرجلتين كما لا بأس بمد حنطة بمدين من تمر ونحو ذلك".
قال في الحاوي: اعلم أن المأكولات كلها ضربان. ضرب استقر في العرف كيله أو وزنه فهذا فيه الربا على قوله في القديم والجديد معاً. وضرب استقر في العرف أنه غير مكيل ولا موزون كالرمان والسفرجل، والبطيخ، والقثاء، والبقول، فعلى قوله في القديم: لا ربا فيه ويجوز بيع بعضه ببعض متفاضلاً ومتماثلاً، رطباً ويابساً، عاجلاً وآجلاً وعلى قوله في الجديد فيه الربا. فعلى هذا يمنع من التفاضل والنساء في الجنس الواحد منه.
ثم لا يخلو حال ما كان رطباً من المأكولات من الفواكه والبقول من أحد أمرين:
إما أن يكون أغلب منافعها في حال يبسها وادخارها كالرطب الذي يصير تمراً، والعنب الذي يصير زبيباً، فلا يجوز أن يباع الجنس الواحد منه رطبه بيابسه، كما لا يجوز بيع التمر بالرطب حتى إذا صار يابساً مدخراً بيع بعضه ببعض يداً بيد.
وإما أن يكون أغلب منافعه في حال رطوبته كالرمان والسفرجل والبطيخ والبقول فقد اختلف أصحابنا في جواز بيع بعضه ببعض رطباً.
стр. 2051
فذهب أبو العباس إلى جواز بيع بعضه ببعض رطباً إذا اعتبر فيه التماثل بالكيل والوزن إلحاقاً باللبن الذي يجوز بيع بعضه ببعض قبل الادخار واليبس لأن أغلب منافعه في حال رطوبته. وذهب جمهور أصحابنا وهو الظاهر من منصوص الشافعي إلى أنه لا يجوز بيعه رطباً برطب ولا يابساً برطب حتى يصير يابساً مدخراً. لأن بعضه إذا يبس مختلف، والاعتبار فيه بالمنفعة وخالف الألبان والمائعات من الأدهان لأنها لا تيبس بأنفسها.
وكان أبو علي بن أبي هريرة يجعل مذهب أبي العباس قولاً للشافعي ويخرج المسألة على قولين:
أحدهما: جواز ذلك وهو المحكي عن أبي العباس تعلقاً بأن الشافعي قال هي موضع من كتاب البيوع. ولا يجوز بيع البقل المأكول من صنفه إلا مثلاً بمثل فعلى هذا القول يعتبر فيه المماثلة: فإن كان ما يتجافى في المكيال كالبطيخ والرمان اعتبرت فيه المماثلة بالوزن، وإن كان مما لا يتجافى في المكيال كالنبق والعناب ففيه وجهان.
أحدهما: أنه يعتبر فيه المماثلة بالكيل؛ لأنه المنصوص عليه في كتاب الأصل.
والثاني: وهو الصحيح من المذهب والمشهور من قول الشافعي: إن بيع ذلك رطباً لا يجوز بجنسه فعلى هذا لا يجوز أن تباع رمانة برمانتين لظهور التفاضل، ولا رمانة برمانة لعدم التماثل لكن يجوز بيع رمانة بسفرجلتين يداً بيد لاختلاف الجنسين.
فصل
فأما ما يكون مأكوله في جوفه كالجوز واللوز فلا يجوز بيع بعضه ببعض عدداً، ولا كيلاً، ولا وزناً لأن المقصود منه اللب، والقشر يختلف.
فإذا خرج عن قشره حتى صار لباً فرداً جاز بيع بعضه ببعض كيلاً إن كان مكيلاً ووزناً إن كان موزوناً، فأما مع اختلاف الجنسين فلا بأس به وإن كان في قشره. وهذا نص الشافعي.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: "وما كان من الأدوية هليلجها وبليلجها وإن كانت لا تقتات فقد تعد مأكولة ومشروبة فهي بأن تقاس على المأكول والمشروب للقوت، لأن جميعها في معنى المأكول والمشروب لمنفعة البدن أولى من أن تقاس على ما خرج من المأكول والمشروب من الحيوان والثياب والخشب وغيرها".
قال في الحاوي: واعلم أن المأكولات قد تختلف جهات أكلها على أنواع ستة:
أحدها: ما يؤكل قوتاً كالبر والشعير، ويتبع هذا النوع التمر والزبيب.
والثاني: ما يؤكل إدماً كالزيتون والبصل وقد يلحق بهذا النوع الألبان والأدهان.
والثالث: ما يؤكل إبزاراً كالكمون والفلفل، وقد يدخل في هذا النوع الملح.
والرابع: ما يؤكل تفكهاً كالرمان والسفرجل. وقد يضاف إلى هذا النوع الخضر.
والخامس: ما يؤكل حلواً كالسكر والعسل.
والسادس: ما يؤكل دواء كالإهليلج والبليلج فيجري الربا في جميعها حتى يجمع بين السقمونيا والبر في حصول الربا فيهما.
стр. 2052
وإن كان البر يؤكل قوتاً عاماً والسقمونيا تؤكل دواء نادراً لوجود علة الربا فيهما على سواء. فما كان من هذه المأكولات مكيلاً أو موزوناً ثبت فيه الربا على العلتين معاً وما كان منه غير مكيل ولا موزون ثبت فيه الربا على علته في الجديد دون القديم وعليه يقع التفريع، وأما ما كان مأكول البهائم كالحشيش والعلف فلا ربا فيه لأن التعليل بالأكل متوجه إلى أكل الآدميين دون البهائم.
فأما ما يشترك في أكله الآدميون والبهائم فالواجب أن يعتبر فيه أغلب حالتيه. فإن كان الأغلب منهما أكل الآدميين ففيه الربا اعتباراً بأغلب حالتيه كالشعير الذي قد يشترك في أكله الآدميون والبهائم وأكل الآدميين له أغلب فثبت فيه الربا وإن كان الأغلب من حالتيه أكل البهائم فلا ربا فيه كالعلف الرطب الذي قد ربما أكله الآدميون عند تقديمه. وإن استوت حالتاه فكان أكل البهائم له كأكل الآدميين من غير أن تكون إحدى الحالتين أغلب. فقد اختلف أصحابنا فيه على وجهين:
أحدهما: لا ربا فيه لأن الصفة لم تخلص.
والثاني: فيه الربا وهو الصحيح لوجود الصفة وحصول الزيادة.
فصل
وإذا تقرر هذا الأصل فسنوضحه بالتفريع عليه وذكر ما اختلف أصحابنا فيه.
اعلم أن الريحان، والنيلوفر، والنرجس، والورد، والبنفسج، لا ربا فيها. لأنها قد تتخد مشمومة إلا أن يريب شيء منها بالسكر أو بالعسل كالورد المعمول جلجبين فيصير فيه الربا لأنه صار مأكولاً. واختلف أصحابنا في ماء الورد. هل فيه الربا أم لا على وجهين:
أحدهما: لا ربا فيه اعتباراً بأصله.
والثاني: فيه الربا لأنه قد يستعمل في الطعام مأكولاً. فأما العود، والصندل، والكافور، والمسك، والعنبر. فلا ربا في شيء منها، لأنها طيب غير مأكول. وأما الزعفران ففيه وجهان:
أحدهما: لا ربا فيه لأن المبتغى منه لونه كالعصفر. والثاني: فيه الربا لأنه مأكول وطعمه مقصود.
فأما الأترج والليمون والنارنج ففيه الربا؛ لأنه وإن كان طيباً ذكياً فهو مأكول والأكل أغلب حالتيه.
فأما العشار والأشج فلا ربا فيهما وكذلك الشيح لأنها تستعمل بخوراً. وأما اللبان والعلك ففيهما الربا، لأن الأكل أغلب حالتيهما، وكذلك المصطكى.
وأما اللوز المر والحبة الخضراء والبلوط ففيها الربا، لأنها مأكولة وإن كانت مباحة النبت، وكذلك القثاء وحب الحنظل.
فأما القرطم وحب الكتان ففيهما وجهان:
أحدهما: أن فيهما الربا لأنهما قد يؤكلان.
والثاني: وهو أصح أنه لا ربا فيهما لأن الأغلب من أحوالهما عدم الأكل وإن أكلا
стр. 2053
نادراً. وأما الطين فإن كان أرمنياً ففيه الربا؛ لأنه يؤكل دواء وكذلك إن كان مختوماً. وإن كان من غير الأدوية كالطين الذي قد ربما أكله بعض الناس شهوة فلا ربا فيه لأن أكله ممنوع منه فصار أكله كأكل التراب.
فأما الأدوية التي لا تؤكل وإنما تستعمل من خارج البدن طلاء أو ضماداً، فلا ربا فيها لفقد الصفة. واختلاف أصحابنا في الصمغ فأثبت بعضهم فيه الربا ونفى عنه بعضهم الربا لأنه طلاء. وأما البذور التي لا تؤكل إلا بعد نبتها كبذر الجزر والبصل والفجل والسلجم ففيها وجهان:
أحدهما: فيها الربا لأنها فرع لمأكول وأصل لمأكول.
والثاني: لا ربا فيها لأنها غير مأكولة في أنفسها فجرت مجرى العجم والنوى الذي لا ربا فيه. وإن كان فرعاً لمأكول وأصلاً لمأكول.
والوجه الأول أصح، بخلاف النوى، لأن النوى لا يؤكل بحال، وهذه البذور تؤكل، وإنما يؤخر أكلها طلباً لإكمال أحوالها كالطلح والبلح.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: "وأصل الحنطة والتمر الكيل فلا يجوز أن يباع الجنس الواحد بمثله وزناً بوزن ولا وزناً بكيل لأن الصاع يكون وزناً أرطالاً وصاع دونه أو أكثر منه فلو كيلا كان صاع بأكثر من صاح كيلاً".
قال في الحاوي: وهذا كما قال. كل شيء فيه الربا إذا بيع بجنسه فالاعتبار في تماثله بالكيل والوزن عادة أهل الحجاز في زمن رسول الله ﷺ ، فإن كان بالحجاز في زمن رسول الله ﷺ مكيلاً، كان أصله الكيل، فلا يجوز أن يباع بعضه ببعض إلا كيلاً. وما كان موزوناً كان أصله الوزن، فلا يجوز أن يباع بعضه ببعض إلا وزناً، ولا اعتبار بعادة غير أهل الحجاز ولا بما أحدثه أهل الحجاز بعد رسول الله ﷺ . وقال مالك: يجوز أن يباع ما كان مكيلأً على عهد رسول الله ﷺ وزناً بوزن، كالتمر الذي قد جرت عادة أهل البصرة ببيعه وزناً، ولا يجوز أن يباع ما كان موزوناً كيلاً بكيل. وقال أبو حنيفة: أما الأربعة المنصوص عليها فلا يجوز بيع بعضها ببعض إلا كيلاً بكيل. ولا اعتبار بما أحدثه الناس من بعد، وأما ما سوى الأربعة فالاعتبار فيها بعادة الناس في بلدانهم وأزمانهم ولا اعتبار بالحجاز ولا بما كان في عهد رسول الله ﷺ .
فأما مالك فاستدل على ذلك بما روي عن النبي ﷺ أنه "نهى عن بيع البر بالبر إلا مثلاً بمثل". والتماثل معلوم بالوزن كما هو معلوم بالكيل.
قال: ولأن الوزن أخص من الكيل، فلذلك جاز بيع المكيل وزناً ولم يجز بيع الموزون كيلاً. وأما أبو حنيفة فاستدل بأن الأربعة منصوص على الكيل فيها فلم يجز مخالفة النص وما سوى الأربعة فالاعتبار فيه بالعادة. وعادة أهل الوقت أولى أن تكون معتبرة من أوقات سالفة وبلا مخالفة. لأن التفاضل موجود بمقادير الوقت. والدلالة
стр. 2054
على ذلك قوله ﷺ : "لا تبيعوا البر بالبر إلا كيلاً بكيل يداً بيد". فنص على التساوي بالكيل فاقتضى ألا يعتبر فيه التساوي بالوزن لأنه قد يخالف ما أمر به من الكيل.
ولأنه قد يتساوى البر بالبر كيلاً ويتفاضلان وزناً، كما أنهما قد يتساويان وزناً ويتفاضلان كيلاً، والتفاضل فيه محرم، فلو اعتبر التساوي بالوزن لأن أخص لاقتضى ألا يعتبر التساوي بالكيل لأنه ليس أخص.
ولأنه ربما أدى إلى التفاضل في الوزن الذي هو أخص فلما جاز اعتبار التساوي فيه بالكيل وإن جاز التفاضل في الوزن، وجب ألا يجوز اعتبار التساوي بالوزن لجواز التفاضل في الكيل، ولو كان مخيراً في اعتبار التساوي فيه بالكيل والوزن لكان مخيراً بين أن يجري عليه حكم التماثل فيحل أو يجري عليه حكم التفاضل فيحرم. وهذا متناقض. وأما أبو حنيفة فالدلالة عليه ما روى طاوس عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: "المكيال مكيال أهل المدينة، والوزن وزن أهل مكة" وليس هذا القول إخباراً منه بانفراد المدينة بالمكيال ومكة بالميزان. لأن مكيال غير المدينة وميزان غير مكة يجوز التبايع به واعتبار التماثل فيه، فعلم أن مراده عادة أهل المدينة فيما يكيلونه وعادة أهل مكة فيما يزنونه.
ولأنه لو أحدث الناس عادة في الدراهم والدنانير أن يتبايعوها عدداً لم يجز أن يكون العدد معتبراً في بعضها ببعض اعتباراً بما كانت عليه في الحجاز من قبل. وكذا الأربعة التي قد ورد فيها النص، لو خالف الناس فيها العادة لم يجز أن يكون الحادث رافعاً لسالف العادة فوجب أن يكون ما سوى ذلك معتبراً في تماثله بسالف العادة. وتحرير ذلك علة أنه جنس يحرم فيه التفاضل فوجب أن يكون اعتبار التماثل فيه بالمقدار المعهود على زمن الرسول ﷺ كالذهب والفضة والأشياء الأربعة. وهذه علة تعم مالكاً وأبا حنيفة وفيها انفصال عما استدلا به.
فصل
فإذا ثبت أن اعتبار المكيل والموزون بما كان على عهد رسول الله ﷺ مكيلاً أو موزوناً لم يخل حال الجنس الذي فيه الربا من أحد أمرين:
إما أن يكون معروف الحال على رسول الله ﷺ أو مجهول الحال. فإن كان معروف الحال راعيت فيه ما عرف من حاله. فإن كان مكيلاً جعلت الكيل فيه أصلاً ومنعت من بيعه وزناً. وإن كان موزوناً جعلت الوزن فيه أصلاً ومنعت من بيعه كيلاً. فعلى هذا قد كانت الحبوب على عهده مكيلة، والأدهان مكيلة، والألبان مكيلة، وكذلك التمر والزبيب وإن كان مجهول الحال أو كان من مأكل غير الحجاز راعيت فيه عرف أهل الوقت في أغلب البلاد فجعلته أصلاً. فإن كان العرف وزناً جعلت أصله الوزن، وإن كان العرف كيلاً جعلت أصله كيلاً.
стр. 2055
وإن لم يكن للناس فيه عرف غالب فكانت عادتهم تستوي في كيله ووزنه فقد اختلف فيه أصحابنا على أربعة مذاهب:
أحدها: تباع وزناً لأن الوزن أخص.
والثاني: تباع كيلاً لأن الكيل في المأكولات نص.
والثالث: أنه يعتبر بأشبه الأشياء به مما عرف حاله على عهد الرسول ﷺ فيلحق به لأن الأشياء متقاربة.
والرابع: أنه مخير فيه ين الوزن والكيل لاستواء العرف فيه.
فصل
إذا كانت ضيعة أو قرية يتساوى طعامها في الكيل والوزن، ولا يفضل بعضه على بعض بما قد عرف من حاله أن التماثل فيه بالكيل فقد اختلف أصحابنا.
هل يجوز بيع بعضه ببعض وزناً. على وجهين:
أحدهما: لا يجوز لما فيه من مخالفة النص وتغيير العرف.
والثاني: يجوز ويكون الوزن فيه نائباً عن الكيل للعلم بموافقته كما كان مكيال العراق نائباً عن مكيال الحجاز لموافقته في المساواة بين المكيلين.
فصل
إذا تبايعا صبرة طعام بصبرة طعام جزافاً ثم كيلا من بعد فوجدتا سواء كان البيع باطلاً لأن الجهل بالتماثل كالعلم بالتفاضل، ولو تبايعا على المكايلة والمماثلة صح البيع.
فإن كانتا سواء لزم العقد ولا خيار لواحد منهما. ولو فضلت إحدى الصبرتين على الأخرى ففيه قولان:
أحدهما: بطلان العقد لأن العقد يتناول جميع الصبرتين مع ظهور التفاضل.
والثاني: جواز العقد لاشتراط التماثل. فعلى هذا يأخذ صاحب الفضل زيادته ويكون لصاحب الصبرة الناقصة الخيار في فسخ البيع لتفريق الصفقة أو إمضاء البيع بمثل صبرته.
[١/أ] مسألة: قال: "ولا يجوز بيع الدقيق بالحنطة" عند الشافعي ﵁. لا يجوز بيع الحنطة بدقيقها بحال لا متفاضلاً ولا متماثلاً لا كيلاً ولا وزناً، وبه قال حماد والثوري وأبو حنيفة. وروي ذلك عن الحسن ومكحول والحكم وهو رواية عن أحمد. وقال مالك وربيعة والليث وابن شبرمة: يجوز ذلك، وروي ذلك عن النخعي وقتادة. وقال أحمد في الرواية الثانية وإسحاق: يجوز ذلك وزناً، وبه قال الأوزاعي، وقال أبو ثور: يجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلاً لأنهما يختلفان في الاسم، وهذا باطل فإن أنواع الجنس يختلف اسمها وكلها اسم جنس واحد. وكذلك بيع اللحم بالحيوان لا يجوز واختلف اسمها ولابد جنس فيه الربا زال هيئة الادخار
стр. 2056
كخل التمر لا يجوز بيعه بالتمر. واحتج مالك ﵀ بأن الدقيق نفس الحنطة، وإنما تفرقت أجزاؤها فصار كالحنطة الرخوة، والحنطة الركلة واحتج [١/ب] أحمد بأن الكيل يختلف فيهما والوزن يحضرهما فيجوز بالوزن، وهذا لا يصح لما ذكرنا من العلة والأصل فيها الكيل فلا يجوز بيعها وزناً بالبعض فيها. واعلم أن الطيب بن سلمة قال: فيه قول آخر للشافعي: أنه يجوز ذلك. كما قال مالك وحكاه الكرابيسي عن الشافعي فقيل: قولان، وقال أكثر أصحابنا: المسألة على قول واحد، إنه لا يجوز ولم يوجد في شيء من كتبه جوازه. وقد قال الكرابيسي: قال أبو عبد الله: يجوز ذلك. فيحتمل أنه أراد مالكاً وأحمد فإنه يكني كل واحد منهما أبا عبد الله.
فرع
يجوز بيع دقيق الحنطة بالشعير وبدقيق الشعير لأنهما جنسان.
فرع آخر
بيع دقيق الحنطة بدقيقها لا يجوز، نص عليه في القديم والجديد وهو المشهور، لأنه يجوز أن يكون أحدهما أنعم من الآخر، ولأنهما تماثلاً عن حالة الادخار. ونقل البويطي والمزني في المنثور عن الشافعي أنه قال: يجوز ذلك وبه قال أحمد. وقال أبو حنيفة: يجوز بيع الناعم منه بالناعم والخشن منه بالخشن. [٢/أ]
فرع آخر
بيع لب الجوز بلب الجوز حكمه حكم الدقيق بالدقيق.
فرع آخر
لا يجوز بيع الحنطة بالسويق ولا الدقيق بالسويق، ولا السويق بالسويق لما ذكرنا من العلة وفيه زيادة فساد، وهي أن النار تدخل في أجزائه فيأخذ من بعضها أكثر من بعض وكذلك لا يجوز بيع الحنطة بالخبز لما مضى وزيادة وهي أن أصل الحنطة الكيل فلا يجوز وزناً، ولأنه بيع دقيق وملح بدقيق وملح، وكذلك لا يجوز بيع الحنطة بالفالوذج لأنه بيع حنطة بنشاء وعسل ودهن، وكذلك لا يجوز بيع الجريش بالجريش، ولا الحنطة المقلية بالمقلية وغير المقلية، وكذلك لا يجوز بيع الحنطة المبلولة بغير المبلولة ولا المبلولة، لأن الحبات تنتفخ بالبلل فيؤثر ذلك في الكيل. وقال مالك وأبو يوسف: يجوز بيع الدقيق بالسويق متفاضلاً. ورواه أبو يوسف عن أبي حنيفة. وروي عنه تجوز متساوياً وفي رواية الأصل قال: لا يجوز بحال. واحتجوا بأن السويق بالصنعة صار جنساً آخر وهذا غلط لأن الدقيق بالطحن لا يصير جنساً آخر. [٢/ب] وكذلك السويق، وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: لا يجوز بيع الحنطة بالخبز أيضاً.
стр. 2057
فرع آخر
لا يجوز بيع الخبز بالخبز رطباً لما ذكر من العلة، وقال أحمد: يجوز إذا تماثلا في الوزن لأن معظم منفعتهما في حال رطوبتهما كاللبن باللبن، وهذا لا يصح لأن أكمل أحوال اللبن كونه لبناً وأكمل الأحوال هاهنا حين كان حياً فيعتبر التساوي في تلك الحالة ولا يمكن ذلك هاهنا.
فرع آخر
لو كانا يابسين فإن لم يكن مدقوقاً لا يجوز وإن كان مدقوقاً بأن جعله كعكاً ثم دقه قال في عامة كتبه: لا يجوز لعدم التساوي كيلاً حال كونهما برين ولأنه بيع بر وملح بلبن وملح. وقال في "حرملة": يجوز، لأن ذلك حالة كمال وادخار أيضاً فيباع كيلاً ولا يمتنع أن يكون للشيء الواحد حالتان للادخار كالعنب يدخر زبيباً وخلاً، وأما الاختلاط بالملح فلا يضر، لأنه لا يظهر في الكيل ويصير الملح صفة فيه والمذهب الأول. قال القفال ﵀: ولا يحتمل غير هذا [٣/أ] على المذهب ولعل ذاك قول مرجوع عنه. قال أصحابنا وعقد الباب فيه على ما ذكر الشافعي في الصرف كل ما عمل من الأثمان يجوز بيعه بالأثمان وكل ما عمل من المأكول لا يجوز أصله فالدبس لا يباع بالعنب وبالتمر، والدقيق لا يباع بالحنطة وما يعمل من اللبن لا يباع باللبن. والفرق أن المصوغ من الذهب لا يستحيل بالصياغة بل هو ذهب على ما كان وما يتخذ من المطعوم يستحيل عن صفته.
مسألة: قال: "ولا بأس بخل العنب بعضه ببعض".
بيع خل العنب بخل العنب يجوز متماثلاً وكذلك العصير بالعصير لأن أجزاءه متقاربة ويخالف بيع الدقيق بالدقيق ولأن للعنب حالتين في الادخار إذا صار زبيباً وإذا صار عصيراً فيجوز بيع بعضه ببعض في كلتا الحالتين وعلى هذا يجوز بيع العصير بالخل لأنهما مدخران وهذا لأن العصير إذا صار خلاً لا يظهر فيه نقصان كالتمر الحديث بالعتيق، وفيه وجه آخر لا يجوز لأن أحدهما على حالة الادخار دون الآخر [٣/ب] وإن كان فيهما ماء أو في أحدهما ماء لا يجوز، ولا يجوز بيع العصير والخل بالعنب لأن العصير الذي في العنب قد يزيد عليه وقد ينقص منه فيؤدي إلى التفاضل. وأما خل الزبيب بخل الزبيب لا يجوز قولاً واحداً لأنه ينقع في الماء وهل يجري الربا في الماء؟ وجهان والأصح أن فيه الربا فإن قلنا: بهذا يجوز أن يقل الماء في أحدهما ويكثر في الآخر فيكون بيع الماء بالماء متفاضلاً والخل بالخل متفاضلاً أيضاً، لأن الماء إذا تفاضل تفاضل الخل أيضاً، وإن قلنا: لا ربا في الماء لا يجوز لمعنى واحد وهو تفاضل الخلين لقلة الماء في أحدهما وكثرته في الآخر.
وإن باع خل الزبيب بخل العنب لا يجوز، لأنهما جنس واحد وفي أحدهما ما يجوز أيضاً، وإن كان فيهما ما فيه وجهان مبنيان على جريان الربا في الماء وكذلك خل الزبيب بخل
стр. 2058
الرطب لأن فيهما ماء وهما جنسان وظاهر قول الشافعي هاهنا: فإذا اختلف الجنسان فلا بأس يدل على أنه لا ربا في الماء وأما خل الرطب بخل الرطب لا يجوز بحال كخل [٤/أ] تقطع به العلقة بينهما وإذا تفرقا عن علقة بينهما بطل العقد الذي من شرطه التقابض ثم إذا كالا بعد التفرق فخرجا متفاوتين فالزيادة لا تدخل في العقد، وهل يصح في القدر الذي تساويا فيه؟ وجهان: أحدهما: يجوز لأنه قابل الصاع بالصاع وقد تساويا، والثاني: لا يجوز لعلتين: إحداهما: أنه قابل الصبرة بالصبرة وهما متفاوتتان، والثانية: أن الكيل في بعض المكايلة من تمام التسليم وقد تفرقا قبله فبقيت على ما ذكرناه. وإن خرجتا متماثلتين فيه وجهان أيضاً بناء على العلتين فإن قلنا: بالعلة الأولى فلا تفارق هاهنا، وإن قلنا: بالعلة الثانية فقد وجدت هاهنا وعلى هذا لو كانا في المجلس فكيلتا فخرجتا متساويتين يصح، وإن خرجتا متفاوتتين فوجهان بناء على العلتين.
ولو كانت إحدى الصبرتين صغيرة فقال: بعتك بما يقابلها من الكبيرة يصح بشرط أن يكيلا في المجلس، فإن تفرقا من غير كيل فعلى الوجهين. ولو قال: بعتك هذه الصبرة بصبرتك كل صاع بصاع فإن كانتا جنساً واحداً [٤/ب] فقد ذكرنا وإن كانتا جنسين فخرج أحدهما ناقصاً يقال لمن نقص صبرته: أترضى بترك الفضل لصاحبك؟ فإن رضي فلا كلام وإن لم يرض يقال لصاحب الفضل: أترضى بإعطاء الفضل؟ فإن أبى فسخ البيع حينئذ وهذا لأنه يجوز فيه التفاضل، ولهذا لو قال: بعتك هذه الصبرة بتلك الصبرة جزافاً جاز لهذا المعنى وقيل إن عند مالك يجوز بيع خل التمر بخل التمر إذ تجري فيه خلال بصير بصنعته وأخبر أن ما في أحدهما من الماء مثل ما في الأخر، وإياه أراد الشافعي في قوله: "ولا خير في التحري". الفصل.
مسالة: قال: "ولا خير في مد عجوة ودرهم بمد عجوة".
جملته: أن كل جنس ثبت فيه الربا لا يجوز بيع بعضه ببعض إلا مثلاً بمثل بسواء خالصاً لا يكون معه غيره، فإن كان كل واحد من العوضين أو مع أحدهما من غيره فالبيع باطل فلا يجوز بيع ثوب ودرهم بدرهمين، ولا ثوب ودينار بدينارين ولا ثوب وقفيز حنطة بقفيزين، ولا مد عجوة ودرهم بمدي عجوة ولا [٥/أ] بدرهمين ولا بمد عجوة ودرهم، ولا سيف محلى بفضة، بفضة ولا محلى بذهب بذهب ولا خاتم فضة فصه من غيره بفضة وإن كان مع كل واحد منهما أو مع أحدهما من جنسه ولكنه نوع أخر لا يجوز أيضاً مثل دينار قاشاني ودينار نيسابوري بدينارين نيسابوريين ولا مد عجوة ومد صيحاني بمدي صيحاني أو مد صيحاني ومد عجوة، ولا بيع درهم صحيح ودرهم مكسر بدرهمين صحيحين أو مكسرين أو درهم صحيح ودرهم مكسر، ولا يجوز بيع رديء بجيدين ولا برديئين وبه قال مالك: ذكر في "الموطأ" وشريح والنخعي وإسحاق وهكذا قال أحمد: إلا في الجنس الواحد فإنه قال يجوز أن يبيع دينارين مختلفين
стр. 2059
بدينارين متفقين ومكسوراً وصحيحاً بمكسورين أو صحيحين لأن الصنعة لا قيمة لها في الجنس الواحد. وقال أبو حنيفة: يجوز كل ذلك حتى لو باع ديناراً في خرقة بألف دينار جاز، فيكون الدينار بالدينار والباقي بمقابلة الخرقة.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا باع درهماً صحيحاً ودرهماً مكسوراً بدرهمين صحيحين يجوز لأنه يجعل كأن [٥/ب] صاحب الصحيح حابى لصاحبه بقدر ما في صحيحه من زيادة القيمة وقال هذا القائل: فإذ بالغ كل واحد منهما في المماسكة فلا محاباة حينئذ فلا يجوز وهكذا قال في جيد ورديء بجيدين وهذا التخريج غير صحيح على أصل الشافعي، لأن أصله أن الصفقة إذا اجتمعت في أحد الشقين شيئين مختلفي القيمة فما في الجانب الأخر تتوزع عليهما في طريق القيمة، ألا ترى أنه لو اشترى شقصاً وسيفاً بألف درهم فأراد الشفيع أخذ الشقص بالشفعة فلا بد من توزيع الألف على قيمة السيف وقيمة الشقص حتى يظهر ما يخص قيمة الشقص من المسمى في العقد، فيأخذ الشفيع بتلك الحصة حقه من الشفعة فكذلك إذا باع مد عجوة قيمته درهمان ومع المد درهم آخر بمدي عجوة قيمة كل واحد منهما درهمان فلا بد من التوزيع وإذا وزعنا فلا بد من إبطال العقد لأن المد الذي يساوي درهمين في جانب الدرهم إذا وزعنا على المدين اللذين في الجانب الثاني وقف بإزاء ثلثي المدين وذلك مد وثلث لأن المد الذي مع الدرهم [٦/أ] قدر ثلثي مال هذا الجانب فيقابل ثلثي مال ذلك الجانب، والثلث وهو الدرهم يقابل الثلث وهذا بيع تمر بتمر متفاضلاً وهذا المعنى موجود في بيع درهم صحيح ودرهم مكسر بدرهمين صحيحين.
واعلم أنه لم يخف على أبي حنيفة ما يؤدي إليه التوزيع الذي ذكرنا، ولكنه أصل لنفسه في هذا العقد أصلاً بخلاف أصول البيع لئلا يفسد العقد وهذا محض التحكم على الشرع وكان من الواجب أن ينص المتعاقدان على ما يؤدي إلى الصحة عند العقد، فيقول بعت منك المد بالمد والباقي بالدرهم حتى يصح ذلك ويكون كعقدين، فلما أطلق وجب علينا أن يبطل العقد إذا كان بخلاف أصول الشرع. فإذا تقرر هذا، قال الشافعي في تعليل هذه المسألة: حتى يكون التمر بالتمر مثلاً بمثل، وظاهره يقتضي جواز البيع في صورة واحدة وهي أن يبيع عجوة قيمته درهم مع درهم بمدي عجوة قيمة كل واحد منهما درهم لأنا إذا وزعنا الدرهم على المدين خص كل مد نصف درهم، وإذا وزعنا المد الذي مع الدرهم خص كل [٦/ب] مد من المد الموزع نصفه، فيصير بيع مد قيمته درهم نصف مد ونصف درهم فيقف المد بإزاء نصف المد، ولا يؤدي إلى التفاضل في الصورة الأولى.
قال الإمام أبو محمد الجويني: سمعت بعض من رجعت إليه نوبة العصر من أئمة أصحابنا، يجوز هذا البيع ويحتج بتعليل الشافعي وعندي أنه لم يسبق إلى هذا التخريج والذي عليه عامة أصحابنا قديماً وحديثاً أن البيع باطل هاهنا أيضاً لأصل آخر سوى
стр. 2060
المفاضلة، وذلك أن التحري في مسائل الربا ممنوع كما نص عليه قبل هذه المسألة والتقويم ضرب من التحري لأن المقوم ربما يخطئ وربما يصيب وربما يخطئ خطأ يسيراً وقد يختلف تقويم المقومين وقد تختلف الأسواق في البلدان فهذه المماثلة مستدركة بطريق التحري ولا يكفي ذلك في مسائل الربا.
وقال القاضي الإمام الطبري في "المنهاج": لا يختلف المذهب أنه يجوز في هذه الصورة إذا تحققنا المماثلة وهو الصحيح وقد يتحقق ذلك إذا اجتنينا من شجرة واحدة بحيث تتحقق المساواة ولا [٧/أ] مجال للتحري في ذلك بوجه، والتشكيك في مثل هذا الموضع نوع من الوسواس والله أعلم. وهذا أصح عندي وهكذا في درهم صحيح ودرهم مكسر بدرهم صحيح ودرهم مكسر إذا تحققنا المساواة.
فرع
لو باع داراً فيها صفائح الذهب بالذهب فإن أمكن جمع شيء بعينها لا يصح العقد، وإن لم يمكن يصح العقد وكذلك لو كان الذهب فيهما.
فرع آخر
لو باع داراً فيها صفائح الذهب بفضة فهو صرف وبيع هل يصح؟ قولان. فإذا قلنا: لا يصح لا بد من تسليم الدار وما يقابل الصفائح من البدل في المجلس وما يقابل الدار لا يعتبر قبضه في المجلس.
فرع آخر
إذا باع داراً فيها صفائح الذهب بدار فيها صفائح الفضة يمكن جمعها، وقلنا: يصح، لا بد من قبض الدارين في المجلس لأن قبض ما عليهما يكون بقبض الدارين.
فرع آخر
الشفيع إذا أراد أن يأخذ هذه الدار بالشفعة لا بد أن يسلم قدر ما يقابل الصفائح في المجلس ويسلم [٧/ب] الدار؛ لأن حكم الشفعة حكم المعاوضات وإنما سقط فيه اعتبار الرضا للدفع الضرر.
فرع آخر
لو باع صاعاً جيداً بصاع رديء يجوز، لأنه إذا وزع قابل نصفه نصفه وثلثه ثلثه فلا يؤدي إلى التفاضل في الكيل كيف ما زاد الأمر ولا يراعي القيمة إذا لم يجمع الصفقة في أحد الشقين شيئين.
فرع آخر
لو لم يكن بين العوضين ربا الفضل بل كان بينهما ربا النسيئة فجمع بين أحد العوضين وبين جنس غيره مما لا ربا فيه يخرج على القولين في الصفقة التي تجمع عقدين مختلفي الحكم، كصرف وبيع قولين للشافعي، وصورة المسألة أن يبيع صاع حنطة وثوباً بصاع شعير ثم التقابض إنما يجب في الشعير وفي القدر الذي نقابله من
стр. 2061
الحنطة فأما في الباقي فلا يجب لأنه حنطة قابلت ثوباً وكذلك إذا باع سيفاً محلى بعضه بدنانير، فيه قولان لأنه صرف وبيع.
مسألة: قال: وكل زيت ودهن ولوز وجوز لا يجوز من الجنس الواحد إلا مثلاً بمثل. نص الشافعي هاهنا على [٧ ب/٦] أن الأدهان أجناس مختلفة فيجوز التفاضل بين دهن اللوز وبين دهن الجوز وبين الزيت ودهن السمسم، ونص في الخلول والألبان أيضاً: أنها أجناس مختلفة ولدى الأدقة والثمار وفي اللحمان علق القول ومال إلى أنها أجناس غير أنه فوع على كلا القولين فيه وتفصيل ذلك أن يقول: لا يختلف أصحابنا في الأدقة والثمار أنها أجناس قولاً واحداً. وقيل: ذكر في حرملة أن الأدقة والأخباز جنس واحد وهذا لا يحكى لأنه لا وجه له، ولم يختلفوا في اللحمان أيضاً على قولين وأما الخلول والأعصار والأدهان فمن أصحابنا من جعل فيها قولاً واحداً إنها أجناس ومنهم من جعل فيها قولين.
وأما الألبان فأكثر أصحابنا على أن فيها قولين كاللحمان، والمعنى في الألبان واللحمان أنها متولدة من أصول لا ربا فيها وقد جمعها اسم خاص في أول دخولها في الربا حتى لا يتميز البعض عن البعض إلا بالإضافة فصار أنواع اللحمان والألبان كأنواع التمور والأعناب والحنطة، فإن القصيل لا ربا فيه فإذا صار حباً فاسم [٨/ب] جميع أنواع الحنطة خاص وإنما يعرف بعضها عن بعض بالإضافة، واللعب فيقال: حنطة شامية وحنطة ميسانية كذلك يقال: لحم البقر ولحم الغنم ولحم الإبل ولبن البقر ولبن الإبل بخلاف اسم الثمار فإنه وإن كان اسماً جامعاً فلكل واحد اسم خاص فلهذا صارت أجناساً.
وأما الخلول والأدهان فاسم الخل جامع ولكن قبل أن صارت خلولاً فلها أصول مختلفة يجري فيها الربا بخلاف الحيوانات فإنها وإن كانت أجناساً مختلفة فليس فيها ربا فلم نظهر اختلاف أجناسها في حكم الربا.
وأما الأدقة فإنها عين الحنطة والشعير وهما مختلفان وليس بشيء تولد منهما: واستخرج كاللبن واللحم حتى يحتمل أن يجعل جنساً واحداً والدقيق بمعنى المدقوق فكأنا نقول: حنطة مدقوقة وشعير مدقوق ومن أراد أن يفصل بين الألبان واللحمان فيجعل الألبان أصنافاً قولاً واحداً، واللحمان في أحد القولين صنفاً واحداً فرق بأن اللبن يثبت فيه حكم الربا وهو في أصوله المختلفة فإن في اللبن في ضرع البقر والغنم [٩/أ] ربا إذ لا يجوز بيع اللبون باللبن اعتباراً لحكم الربا فإذا ثبت لها حكم الربا وهي مختلفة لكونها كامنة في الأصول المختلفة لم يجز أن يصير بالحلاب صنفاً واحداً. واللحم لا ربا فيه ما دام في أصله فجاز أن يجعل صنفاً واحداً ولا خلاف أن السمن مع سائر الأدهان جنسان لأن اسم الأدهان لا يقع على السمن.
وأما سمن البقر والغنم فيجب أن يكون على قولين كالألبان، وإذا تقرر هذا قال أصحابنا: الأدهان على أربعة أضرب: دهن يعد للأكل ودهن يعد للدواء ودهن يعد للطيب ودهن يعد للاستصباح،
стр. 2062
فأما الذي يعد للأكل كالزيت والشيرج وزيت الفجل ودهن الجوز وحب الصنوبر ونحوها يجري فيها الربا. وقد قال الشافعي: ودهن الصنوبر والخردل والحب الأخضر كلها مأكولة بعد استخراجها ومأكولة الأصل قبل استخراجها ففيها الربا لأنها إن كانت معتبرة بأنفسها فهي مأكولة فلم تحل في كلا الحالين من ثبوت الربا فيها ويجوز بيع بعضها ببعض من جنسه متماثلاً، وإن مست النار أصول بعضها لأنها [٩/ب] قد بلغت حالة الادخار، ولا يختلف أصحابنا في شيء من ذلك إلا الشيرج، فإن المذهب أنه يجوز بيع بعضه ببعض متساوياً.
وقال أبو إسحاق: لا يجوز بيع بعضه ببعض أصلاً، لأنه شيرج وماء وملح وهذا غلط لأن الماء لا يمازج الدهن وكذلك الملح بل يبقيان في الكسبة ويخلص الشيرج عنها ويبقى فيه طعم الملح لا عينه وذلك لا يؤثر، ولو باع جنساً بجنس آخر يجوز على ما ذكرنا ولا خلاف في ذلك إلا في زيت الزيتون وزيت الفجل، فإن الشافعي نص فيه على قولين:
أحدهما: أنهما جنسان لأنهما مختلفان أحدهما من شجر والأخر من نبات، ويخالف أحدهما صاحبه في الطعم واللون والريح، وهذا أشهر وأصح، لأن الشافعي قال: وقد يعصر من الفجل دهن يسمى زيتاً وهو مباين للزيت.
والثاني: أنهما جنس واحد لأنه يجمعهما اسم الزيت، ويحتمل أن هذين القولين مأخوذان من القولين في اللحمان. ولا يجوز بيع الزيت بالزيتون ولا بيع الشيرج بالسمسم المدقوق ويجوز بيع الدهن بالكسبة لأنهما جنسان، وقال بعض أصحابنا: لا يجوز [١٠/أ] لأنها لا تنفرد عن الدهن وإن قل، فإن كان فيها دهن فلا يجوز، وإن لم يبق فيها الدهن فعلى ما ذكرنا يجوز.
وأما الدهن الذي يعد للدواء كدهن اللوز المر، ودهن الخروع وحب المشمش يجري فيه الربا لأنه مأكول ولكنه دواء كالسقمونيا.
وأما الدهن الذي يعد للطيب مثل دهن الورد ودهن البنفسج والياسمين، اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: لا ربا فيه لأنه لا يعد للأكل بل يقصد رائحته وطيبه ويستعمل طلاء، ومنهم من قال: فيه الربا وهو الأصح لأنه يستخرج وهو مأكول وإذا طيب لا يخرج من أن يكون مأكولاً ولكن يعد بما هو أعلى من الأكل فهو كالزعفران. فإذا قلنا: هذا يجوز بيع بعضه ببعض متماثلاً وهذا إذا طرح على السمسم ورداً أو بنفسجاً حتى يطيبه ثم يميز عنه ويكرر ذلك ويطحن بعده فالرائحة فيه رائحة مجاورة لا مخالطة والدهن خالص فأما إذا طبخ مع الورد والبنفسج فلا يجوز بيع بعضه ببعض أصلاً لأنه يختلط به أجزاء الورد والبنفسج وقيل: هذا الدهن لا يؤكل عرفاً ولكنه مستخرج من أصل مأكول ففي أحد [١٠ أ/٦] الوجهين لا ربا اعتباراً بأصله وعلى هذا يجوز بيع دهن الورد بدهن البنفسج والشيرج متماثلاً لأن الأصل واحداً وإنما تختلف رائحتهما ولونهما.
وقال أصحاب أبي حنيفة: يجوز متفاضلاً إذا اختلف طيبه فيجوز دهن الورد بدهن الخيري والبنفسج متماثلاً لأن مقصودهما مختلف ويجوز أيضاً بغير الطيب متفاضلاً وهذا غلط لأنه فروع لأصل واحد فيه الربا فصارت كالأدقة من أنوع الحنطة فإن قيل أليس كل واحد منهما يختص باسم؟ قلنا: أصل الكل من السمسم والاسم الخاص يجمع الكل وهو الدهن.
стр. 2063
وأما الدهن الذي يعد للاستصباح كالبزر ودهن السمك، قال أبو حامد: لا ربا فيه لأنه يؤكل تسفها كالطين وقال غيره فيه وجهان، أحدهما: لا ربا فيه لأنه يعد للسراج لا للأكل، والثاني: فيه الربا وهو ظاهر المذهب لأنه مأكول يستخرج من حب الكتان وهو مأكول يشرب دهنه طرياً ويقلى به السمك ولا فرق بين ما يستبعد طعمه وبين ما لا يستبعد كما لا فرق بين الأقوات والأدوية التي تتناول نادراً وهذا اختيار [١١/أ] القاضي الطبري قال: ويجب أن يكون في دهن الطتر وهي الحوت التي بطبرستان وجهان.
وقال في "الحاوي": هل يجري الربا في حب الكتان والقرطم؟ وجهان، فإن قلنا: لا ربا فيهما، لا ربا في دهنهما وإن قلنا فيهما الربا ففي الربا في دهنهما وجهان، لأن الأصل مأكول، والفرع غير مأكول ولذلك دهن السمك من أصل مأكول ولكنه في نفسه غير مأكول ففيه وجهان. قال: ولو كان الدهن من أصل غير مأكول ولكنه بعد استخراجه مأكول كدهن حب القرع فيه وجهان:
أحدهما: فيه الربا اعتباراً بنفسه.
والثاني: لا ربا فيه كدهن البان والكافور.
مسألة: قال: ولا يجوز من الجنس الواحد مطبوخاً بنيء منه.
الكلام الآن في العصير من الأشياء، كعصير العنب والرمان والسفرجل وقصب السكر، كل واحد من هذا جنس بانفراده على الصحيح من المذهب، وقيل: يجوز بيع الدبس بالخل لأنهما اختلفا في الاسم والصورة والطبع فإذا باع عصيراً بعصير لم يخل من أحد أمرين. فإما: أن يكونا جنسين أو جنس [١١/ب] واحداً، فإن كانا جنسين جاز متفاضلاً ومتماثلاً سواء كانا نيئين أو مطبوخين أو كان أحدهما نيئاً والآخر مطبوخاً، وإن كانا من جنس واحد كعصير العنب بعصير العنب نظر فإن كانا نيئين جاز لأن معظم منفعته في هذه الحالة، وإن كانا مطبوخين لم يجز لأن عمل النار يختلف فيهما فيؤدي إلى التفاضل وكذلك إذا كان أحدهما مطبوخاً لم تجز لأن النار نقصته فيؤدي إلى التفاضل وليس كجفاف التمر لأن له غاية ينتهي إليها بخلاف الطبخ وعلى هذا يجوز بيع اللحم القديد بالقديد ولكن لا يجوز بالمطبوخ، وأما ما يطبخ للتمييز ويكون له غاية لا تمنع من التماثل كالسمن يطبخ للتمييز فيميز المخيص وله غاية في الطبخ لا يجاوزها فيجوز بيع بعضه ببعض فإن زيد على ذلك حتى انعقدت أجزاؤه لا يجوز حينئذ بيع بعضه ببعض. وإن قل انعقاده وأخذ النار منه، ومن أصحابنا من ذكر وجهاً أخر أنه إذا دخل النار فيهما لا يجوز بيع بعضه ببعض كما لو دخل النار في الزيت وهذا غلط والفرق ظاهر [١٢/أ].
وأما السكر والفانيذ قال أصحابنا بخراسان: فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز بيع بعضه ببعض وهو الصحيح لأن النار عقدته.
والثاني: يجوز لأن انعقاده غاية معلومة بخلاف الناطف والدبس وهو اختيار أكثر
стр. 2064
أصحابنا بالعراق، والصحيح أن يقال: إن دخلت النار فيهما لتعيينهما وتمييزهما من غيرهما وهو الغالب فيما نشاهد يجوز، وإن دخلت لانعقادهما واجتماع أجزائهما لا يجوز وكذلك دبس التمر ورب الفواكه ذكره في "الحاوي". قال القفال: ولهذا جوز بعض أصحابنا السلم في الخبز لأن لطحنه غاية ينتهي إليها حتى لو زيد لفسد.
فرع
في بيع الدبس بالدبس وجهان: لأن للنار فيه غاية يعرفها أهل الصنعة كالسكر بالسكر سواء.
فرع آخر
السكر بالفانيذ إن كان أصلهما مختلف يجوز، وإن كان أصلهما واحد فيه وجهان، فإذا تقرر هذا أخل المزني بالنقل هاهنا فقال: إذا كان إنما يدخر مطبوخاً، ولا مطبوخاً منه بمطبوخ، وقوله إذا كان إنما يدخر مطبوخاً [١٢/ب] يتولى مطبوخاً منه، وقوله: "إذا كان إنما يدخر مطبوخاً" لا يصلح لتعليل المسألة الأولى ولا لتصويرها ولا فائدة في هذه اللفظة، وهي توهم جواز البيع في المطبوخ بالنيء إذا كان لا يدخر مطبوخاً وليس كذلك، والشافعي حيث ذكر هذه المسألة فسوى بين المنظوم والمفهوم فلم يفصل بين ما يدخر مطبوخاً وبين ما لا يدخر مطبوخاً وأبطل البيع في الجميع، وقيل: عبارة الشافعي: ولا يجوز في الجنس الواحد مطبوخاً منه بنيء بحال ولا مطبوخ طبخ ليدخر بمطبوخ. فنقل المزني هذا فقدم بعض كلامه وأخر بعضه وعطف على المسألة الأولى، وقيل: معنى ما نقل المزني وإن كان إنما يدخر مطبوخاً.
مسألة: قال: "ولا يباع عسل نحل بعسل نحل إلا مصفيين".
إذا باع عسل نحل بعسل نحل لا يخلو إما: أن يكون مصفى أو غير مصفى فإن لم يكن مصفى فيباع الشهد بالشهد فالبيع باطل لمعنيين، أحدهما: ما ذكر الشافعي وهو أنه عسل بعسل مجهول، لأن الشمع يقل فيه ويكثر. والثاني: [١٣/أ] أنه بيع عسل وشمع بعسل وشمع فهو كبيع مد عجوة ودرهم بمد عجوة ودرهم، فإن قيل: أليس بيع التمر بالتمر يجوز، وإن كان فيه النوى ولذلك يجوز بيع اللحم باللحم، وإن كان مع العظم فما الفرق؟ قلنا: الفرق أن الشمع مقصود ويأخذ قسطاً من الثمن ورب موضع يكون الشمع فيه أعز من العسل، والنوى والعظم فهما غير مقصودين فلا يأخذان قسطاً من الثمن كقشر الجوز واللوز لأن في بقاء النوى والعظم صلاحاً وليس في تنقية الشمع صلاح العسل فافترقا، وإن كانا معينين من الشمع نظر فإن صفي بالشمس جاز بلا خلاف: لأنها لا تعقد الأجزاء وإن صفي بالنار فقد ذكرنا الخلاف والمذهب ما ذكرنا، لأن الشافعي لم يفصل بين التصفية بالشمس أو بالنار وإن كان في أحدهما شمع وفي الآخر مصفى من الشمع لم يجز لأن العسل متفاضل ولو بقي بعض الشمع فيهما أو في
стр. 2065
أحدهما لم يجز أيضاً؛ فإن قيل: أليس لو باع اللبن باللبن يجوز ويشتمل ذلك على المخيض والسمن؟ قلنا: المخيض والسمن مطعومان واللبن [١٣/ب] بمجموعة طعام على حدته فلا يعتبر بحالة أخرى حتى يقال: هما مطعومان مخلوطان بخلاف الشهد فإذا تقرر هذا أخل المزني ﵀ بالنقل حيث قال: لأنهما لو بيعا وزناً وفي أحدهما شمع وهو غير العسل كان العسل بالعسل غير معلوم. وهذا غلط ظاهر لأنهما إذا بيعا وأحدهما غير مصفى كان معلوم المفاضلة فلا معنى لقوله: غير معلوم وإنما يستقيم هذا التعليل في الشهد بالشهد لأنهما بما فيهما من الشمع غير معلوم المماثلة. والشافعي ذكر هناك هذا فاستعمل علة أحد المسألتين في الأخرى ثم قال: وكذلك لو بيعا كيلاً أي يفترق الكيل والوزن في هذه المسائل التي ذكرناها في العسل حيث جوزنا وحيث أبطلنا لأنهما نوعان من المقدار يستدرك بكل واحد منهما المماثلة والمفاضلة، وهذا اللفظ يدل على تصحيح أحد الوجوه في فرع تقدم ذكره وهو إذا لم يعلم للشيء معيار معهود في عصر الرسول ﷺ [١٤/أ] إذا أردنا بيع بعضه ببعض فما معياره؟ فيه أوجه: وقيل إن الشافعي قال: في الصرف فإن كان أصل العسل الكيل بيع كيلاً وإن كان أصله الوزن بيع وزناً فيوقف فيه، وقال في موضع آخر: والوزن في العسل والسكر والسمن أحوط. فنص على الوزن. وحكي عن أبي إسحاق أنه قال: أصل العسل الكيل فلا يباع بعضه ببعض إلا كيلاً. وقيل: أراد الشافعي قوله: لأنهما لو بيعا وزناً إذا انعقد لبرد الهواء وغلظ حتى لا يمكن كيله فيباع حينئذ وزناً فأما إذا أمكن دقه وكيله لا يباع إلا كيلاً. وهو قريب من قول أبي إسحاق والمذهب المنصوص ما تقدم.
فرع
عسل الطبرزد، وعسل القصب جنس واحد وهما من قصب السكر وهل يجوز بيع بعضه ببعض على ما ذكرنا في السكر؟ ويجوز بيعهما بعسل النحل كيف شاء متماثلاً ومتفاضلاً لأنهما جنسان فإن قيل: هلا قلتم العسل كله صنف واحد للاشتراك في الاسم؟ قلنا: قال الشافعي: وإطلاق العسل ينصرف إلى عسل النحل وإن كانت العرب [١٤/ب] تسمي كل حلو عسلاً، ولهذا قالوا للحديث الحلو والوجه الحسن معسول، وقالوا للجماع: عسيل قال النبي ﷺ في المطلقة ثلاثاً: "حتى تذوقي عميت ويذوق عسيلتك"، فإذا لم يشاركه في إطلاق الاسم لم يساوه في هذا الحكم.
فرع آخر
المشمش مع سائر الأعناب جنس واحد والتمر الهندي مع التمر المعروف جنسان لاختلافهما في الطعم والطبع والمقصود والصورة، وكذلك الجوز المعروف مع الجوز الهندي، وحكى ابن القطان وجهاً آخر أنهما جنس واحد لأن الاسم يشمل الكل.
стр. 2066
فرع آخر
البطيخ المعروف والبطيخ الآخر الذي يقال له: الهندي فيه وجهان، أحدهما: جنس واحد للاسم، والثاني: جنسان لاختلافهما في المقصود والصورة.
فرع آخر
بيع الشمع بالشهد يجوز؟ لأن الشمع ليس من مال الربا ولو باع بالعسل أولى أن يجوز.
مسألة: قال: "ولا خير في مد حنطة فيها قصل [١٥/أ] أو زوان بمد حنطة لا شيء فيها من ذلك".
القصل: عقد التبن، والزوان: حب دقيق الطرفين غليظ الوسط أصغر من الطعام يقال له بالفارسية: أحجم وهو الذي يسكر آكله فلا يجوز بيع الحنطة بمثلها وفي أحدهما أو فيهما شيء من ذلك لأنه يأخذ من المكيال موضعاً فيؤدي إلى التفاضل في الحنطة. وإن كان فيهما قليل من تبن أو تراب جاز، لأنه لا يأخذ قسطاً من المكيال فإنه يحصل في شقاق الحنطة وفي الخلل الذي يكون بينهما، فإن الحنطة دقيقة الطرفين غليظة الوسط، فإذا حصل حب بجنب حب حصل المكان خالياً فيحصل التراب فلهذا جاز ويفارق الموزون إذا كان في الفضة تراب لم يجز وإن قل لأن الميزان يأخذ قسطاً منه وإن قل وكذلك إذا باع الزعفران بالزعفران وزناً وفي إحدى الكفين يسير تراب لا يجوز البيع، وإذا تقرر هذا أخل المزني بالنقل فقال في علة هذه المسألة: لأنها حنطة بحنطة متفاضلة ومجهولة. وقوله: متفاضلة هو التعليل في [١٥/ب] هذه المسألة فلا معنى لقوله ومجهولة لأن الجهالة لا تأثير لها مع تعين المفاضلة، وإنما يحسن ترادف هاتين العلتين بعد تقديم الصورتين فكان ينبغي أن يذكر فساد البيع إذا كان القصل في أحدهما ثم نذكر فساد البيع إذا كان القصل فيهما، ثم نعطف على المسألتين فنقول: لأنها حنطة بحنطة متفاضلة ومجهولة فتنعطف إحدى العلتين على إحدى الصورتين، والثانية على الثانية وهذا قريب مما وقع له في مسألة العسل وقول الشافعي: لا خير فيه أراد التحريم، وكنا نتوهم أن هذه اللفظة له حتى وجدنا لمالك في مسائل الربا فتوهمنا له حتى وجدنا رسول الله ﷺ استعملها في مثل هذه المسائل.
مسألة: قال: "ولبن الغنم ماعزه وضائنه صنف".
الفصل
نص الشافعي هاهنا أن الألبان أجناس مختلفة، وقد ذكرنا ذلك فعلى هذا يجوز أن يباع لبن البقر بلبن الغنم متفاضلاً وبكل ما يتخذ من لبن الغنم، وأما [١٦/ أ] لبن الضأن والمعز فصنف واحد كما أن الضأن والمعز صنف واحد، وكذلك لبن الإبل مهريها وعرابها صنف واحد، ولبن غنم البري وهي الظبا منف آخر سوى لبن غنم
стр. 2067
الأهلي، وإذا قلنا: الألبان صنف واحد، وهو قول مالك وأحمد فكل لبن يشرب من أي حيوان كان فكله صنف واحد فإذا تقرر هذا فبيع اللبن باللبن جائز في الجملة على ما ذكرنا، فإن قيل: أليس لا يجوز بيع الرطب بالرطب عندكم فما الفرق؟ قلنا: الفرق أن معظم منفعته في غير هذه الحالة وهي عند كونها تمراً وهاهنا معظم منفعته في هذه الحالة، لأنه يصلح لجميع ما يتخذ من اللبن فإذا صرف إلى جهة مخصوصة لا يمكن ذلك فجرت هذه الحالة مجرى حالة الادخار في التمر، أو نقول: الرطوبة هناك ليست من مصلحته ولا حافظة لمنفعته بخلاف الرطوبة في اللبن، أو نقول: الرطب يصير على هيئة الادخار بنفسه، لأنه لو ترك في نحله تساقط هو بنفسه بعدما يصير [١٦/ب] تمراً فقبل ذلك لا يجوز بيع بعضه ببعض، لأنه قبل حالة الادخار بخلاف اللبن.
فإذا تقرر هذا فبيع اللبن الحليب يجوز لأنه لبن خالص. وكذلك يجوز بيع الرائب بالرائب وهو اللبن الذي حصل فيه قليل حموضة لأنه لبن خالص. وكذلك يجوز بيع اللبن الحليب بالرائب، وإن كان فيهما أو في أحدهما ما لا يجوز وإن مسه نار فإن كان للتسخين يجوز وإن غلياً أو أحدهما لا يجوز. ولا يجوز بيع اللبن بشيء مما يتخذ من اللبن لا متماثلاً ولا متغافلاً، وقيل: الذي يتخذ من اللبن سبعة أشياء الزبد والسمن والمخيض واللبن والأقط والمصل والجبن، وزاد بعض أصحابنا الشيراز والرخبين والكشك والبطيخ والكواميخ، وأما الزبد باللبن لا يجوز قال الشافعي: لأن الزبد شيء من اللبن يريد بذلك أصله ولا يجوز بيع ما استخرج من شيء بأصله، كما لا يجوز بيع الشيرج بالسمسم.
وقال أبو إسحاق: العلة فيه أن الزبد شيئاً من اللبن فيكون بيع لبن معه شيء آخر بلبن وذلك لا يجوز. [١٧/أ] كما لا يجوز بيع درهم ومد عجوة بمدي عجوة. فإن قيل: فيجب أن لا يجوز بيع لبن بلبن لأنه لبن وزبد بلبن وزبد قيل: إنما يتعلق به حكم الربا إذا تميز فأما قبل التميز فلا حكم له كالسمسم بالسمسم يجوز وإن كان في كل واحد منهما شيرج وسمسم، وإن كان بيع الشيرج بالسمسم لا يجوز. وأما بيع السمن باللبن لا يجوز لعلة الشافعي وهي: أن السمن شيء من اللبن، وعلة أبي إسحاق تقف هاهنا لأنه لا يجوز هذا وإن لم يكن في السمن شيء من اللبن فدل على بطلان علته، وأما بيع المخيض باللبن وهو اللبن الذي استخرج منه الزبد ويسمى الدوغ لا يجوز لأن في اللبن مخيضاً ولأنه مستخرج منه.
وقال: قال الشافعي في "الأم": ولا خير في بيع الحليب بالمضروب لأن في المضروب ماء فإن كان يطرح فيه ماء فهذا معنى آخر يمنع البيع والمضروب هو المخيض، وأما اللبن باللبن لا يجوز لأن أصله الكيل واللبن المعمول للأكل لا يكال ولأن النار قد عقدت أجزاءه فيؤدي إلى التفاضل. وأما الأقط والمصل والجبن وسائر ما ذكرنا [١٧/ب] لا يجوز باللبن لمعاني: أحدها أن أصله الكيل فلا يباع وزناً ولأن النار قد اختلف عملها في أجزائه فيؤدي إلى التفاضل، ولأنه قد خالطه غيره فإن المصل قد خالطه ملح وكذلك الأقط والجبن خالطه ملح وأنفحة وكذلك الرخبين والكشك والكامخ وأما ما يتخذ منه إذا باع بعضه ببعض، فإن باع الزبد بالزبد لا يجوز لأن المقصود منه السمن الذي فيه وذلك مجهول التماثل لقلة اللبن في أحدهما وكثرته
стр. 2068
في الآخر نص عليه الشافعي فيما نقله القاضي أبو حامد ومن أصحابنا من قال فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز لما ذكرنا. والثاني: يجوز لأن اللبن في الزبد يسير غير مقصود، فهو كالنوى في التمر وصار كبيع السمن بالسمن يجوز، قال صاحب "الحاوي": وهو الأصح عندي. وأما السمن بالسمن قال الشافعي: يجوز معه وزناً أحوط وهذا لأنه لا يخالطه غيره ولو كان جامداً.
قال في "الحاوي": فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز لأن أصله الكيل ولا يمكن. والثاني: يجوز لأن الكيل فيه متعدد والوزن أحصر وهذا خلاف ما ذكرنا [١٨/أ] في النص. وأما اللبن باللبن والأقط بالأقط والجبن بالجبن لا يجوز لأن أصله الكيل ولا يمكن فيه ولأن النار قد اختلف عملها فيه.
قال القاضي الطبري: الجبن بالجبن لا يجوز لأن فيهما أنفحة فيؤدي إلى التفاضل ولا يجوز بيع الجبن بالمصل أيضاً لهذا ولكن بيع المصل بالمصل إنما لا يجوز لأنه لا يمكن كيلهما فإن دقا جميعاً حتى أمكن الكيل يجب أن يجوز بيع بعضه ببعض وبيعه باللبن أيضاً وهذا عندي إذا لم يخالطه ملح فإن خالطه ملح فلا يجوز على ما ذكرنا بلا خلاف.
وقال في "الحاوي": إن كان الجبن طرياً لا يجوز وإن كان يابساً فيه قولان: أحدهما: يجوز رواه حرملة وهذا إذا تناهى بنفسه فيباع بالوزن لصحة المماثلة فيه وإنه غاية اللبن التي ينتهي إليها وهو اختيار أبي إسحاق. والثاني: رواه الربيع وهو الأصح لا يجوز واختلفوا في العلة فقال ابن سريج: العلة أن أصله الكيل وقد تعذر وقال غيره: لأن فيه أنفحة يعمل بها فيمنع التماثل فيه فعلى هذا لو دق الجبن حتى صار ناعماً يجوز على قول ابن سريج وعلى قول غيره لا يجوز. وأما بيع نوع بنوع آخر إما الزبد بالسمن [١٨/ب] لا يجوز، لأنه بيع بثمن ولبن بسمن، وأما بيع السمن بالمخيض يجوز لأنه ليس في السمن مخيض ولا في المخيض سمن.
وأما بيع الزبد بالمخيض قال الشافعي: يجوز لأنه قال: فإذا اخرج منه الزبد وصار مخيضاً يجوز بيعه بزبد وسمن. وقال أبو إسحاق: لا يجوز ذلك على مقتضى تعليله وهو أن في الزبد شيئاً من اللبن، ونص الشافعي على جوازه فدل على فساد تعليل أبي إسحاق. قال أبو حامد: أجاب الشافعي بهذا ظناً منه أنه لا لبن في الزبد وليس كما ظن فإن الزبد لا ينفك من اللبن فلا يجوز وهذا قياس المذهب. وأجاب أصحابنا بأن الشافعي إنما قال: إذا لم يكن فيه اللبن ظاهراً. وذلك القدر يسير لا يتبين إلا بالنار والتصفية فلا حكم له، وقال القفال: المذهب ما نص عليه لأن المقصود من الزبد السمن والمخيض ليس من جنس السمن إذا كان منزوع الزبد فهما جنسان مختلفان وهكذا ذكر القاضي الطبري فيجوز متفاضلأً وعلى هذا يجوز بيع الدهن بالكسبة، لأنهما جنسان كالسمن بالمخيض وأكثر ما في هذا الباب أن اللبن الذي فيه يأخذ جزء من
стр. 2069
الوزن [١٩/أ] فيصير الزبد باللبن غير متماثلين وهذا لا يضر، لأن بيع اللبن المنزوع زبده بالزبد جزافاً جائز قال: وخرجت على هذا أن بيع الحنطة التي فيها شعيرات بالحنطة التي فيها شعيرات أخذت جزءاً من الكيل فتجهل المماثلة وكذلك لا يجوز بيع الحنطة الخالصة بالحنطة التي فيها شعيرات لهذا المعنى، وأما بيع حنطة فيها شعيرات بالشعير يجوز، لأن المقصود هو الحنطة والحنطة والشعير مختلفان والشعيرات التي فيها غير مقصودة، وهذا مثل بيع الدنانير بالدراهم وكانت في الدراهم حبات سمسم أو قليل تراب لم يضره لأن المماثلة فيه غير معتبرة وبمثله لو باع الورق بالورق أو الذهب بالذهب وفي أحدهما حبات سمسم أو قليل تراب لا يجوز وأصحابي يخالفوني كثيراً في هذه المسألة غير أنها وأمثالها لا تخرج إلا على هذا الأصل الذي أصلت.
وقال الشيخ أبو محمد الجويني في "المنهاج المختصر": الذي في الزبد قليل فلا حكم له، كما لو باع حنطة لا شعير فيها بحنطة فيها حبات شعير قليلة يجوز، وهذا خلاف ما ذكر القفال وهو الأصح، وعلى ما ذكرنا [١٩/ب] قال أصحابنا: بيع الدقيق بالنخالة الصافية عن الدقيق تجوز لأنهما جنسان والنخالة ليست من مال الربا، وأما بيع اللبن بالأقط أو بالجبن أو بالمصل لا يجوز بحال لما ذكرنا.
فرع
لو باع الكسبة بالكسبة، حكي عن ابن أبي هريرة أنه يجوز وزناً إذا استخرج الدهن وقال غيره: لا يجوز لأن أصله الكيل وقد تعذر ويختلف عصره فربما يبقى الدهن في أحدهما أكثر ولأن في الكسبة ماء وملحاً لا يمكن استخراج الدهن إلا بهما.
فرع آخر
لو باع العلس بالعلس لا يجوز إلا بعد الإخراج من قشرته وكذلك لا يجوز بيع العلس بالحنطة ولكن يجوز بيعه بالشعير لأنهما جنسان يجوز فيهما التفاضل.
فرع آخر
بيع الأرز بالأرز قبل إخراجه من القشر العليا لا يجوز كالعلس، وأما قبل إخراجه من القشرة الثانية الحمراء، قال بعض أصحابنا: لا يجوز أيضاً لأنه كالعلس ونصابه عشرة أوسق كالعلس. وقال جماعة أصحابنا: هذه القشرة اللاحقة به تجري مجرى أجزاء الأرز لأنه يؤكل [٢٠/أ] ويطحن معها وإنما يخرج منها ناهياً في استطابته كما تخرج النخالة من الحنطة ولا يمنع ذلك بيع الحنطة بالحنطة ونصابه في الزكاة خمسة أوسق كالحنطة مع قشرتها الحمراء. ذكره في الحاوي. وهذا القول الثاني هو الصحيح عندي ولا يحتمل الوجه الآخر والصحيح أنه يجوز الأرز في قشرته العليا أيضاً لأنها من صلاحه ويدخر معها وكذلك الباقلي بالباقلاء في قشره يجوز وهو المذهب.
стр. 2070
فرع آخر
بيع الحنطة المسوسة بالمسوسة ولم يبق في واحد منهما لب يجوز لأنه نخالة فإن بقي قليل لب لا يجوز وكذلك لو باع المسوس بالصحيحة.
مسألة: قال: "ولا خير في شاة فيها لبن بلبن يقدر على حلبه".
الفصل
في هذا الكلام تقديم وتأخير أي: لا خير في شاة في ضرعها لبن يقدر على حلبه بلبن، ثم اعلم أنه لا يجوز هذا البيع لأن اللبن في الضرع يأخذ قسطاً من اللبن المقابل للشاة ولا بد من تقويم الشاة [٢٠ ب] واللبن لتوزيع الثمن عليهما فصار كبيع مد عجوة ودرهم بمدي عجوة وإنما قلنا كذلك لأن اللبن في الضرع يأخذ قسطاً من الثمن بدليل خبر المصراة حيث جعل رسول الله ﷺ بدل اللبن صاعاً من تمر ولأن اللبن في الضرع كاللب في الجوز لأن صاحبه يستخرجه متى شاء ولهذا قال ﷺ : "لا يحلبن أحدكم شاة غيره بغير إذنه أيحب أحدكم أن تؤتى خزانته فينتشل ما فيها"، فلما لا يجوز بيع لب الجوز بالجوز للجهل بالتماثل بين اللبين، كذلك هاهنا لا يجوز. وقال أبو حنيفة: يجوز بيع لب الجوز بالجوز إذا كان اللب الخارج أكثر ليقابل الزيادة القشر، وكذلك يجوز بيع اللبن باللبون إذا كان اللبن الخارج أكثر على هذا التقدير.
قال الشافعي: "وليس كالولد لا يقدر على استخراجه" ليس أنه يحتاج إلى فرق بين اللبن والحمل في أمر الربا لأنه لا ربا في الحمل ولكن كان قائلاً قال له: جعلت للابن قسطاً من الثمن حتى أثبت فيه الربا ولم يجعل [٢١/أ] للحمل قسطاً من الثمن في أحد القولين ففرق بأن الحمل لا يقدر على استخراجه فجاز أن يجعل كالمعدوم ما لم يخرج وهذا مقدور عليه.
فإن قيل: لو كان للبن قسط من الثمن لما جاز بيع شاة فيها لبن أصلاً لأنه بيع مجهول ومعلوم صفقة واحدة وأجمعنا على جوازه بغير اللبن كما لا يجوز بيع شاة ولبن في قدح مغطى بدينار قلنا: الفرق أن اللبن في الضرع مستور بما فيه مصلحته فجاز بخلاف ما لو كان في القدح وهو كبيع الجوز بجوز فإن كان اللب مستوراً بخلاف ما لو كان مستوراً بغير القشر ولأن اللبن في الضرع تبع للشاة تدخل في البيع بالإطلاق بخلاف ما لو كان في القدح والجهل بالبائع لا يضر كالجهل بأساس الدار.
فرع
لو باع شاة في ضرعها لبن بلبن أو بقراً أو إبل فإن قلنا: الألبان صنف واحد لا يجوز على ما ذكرنا وإن قلنا: الألبان أصناف يجوز كما لو باعها بدراهم.
следующие страницы →