Полный текст (7 151 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.
стр. 2066
فرع آخر
البطيخ المعروف والبطيخ الآخر الذي يقال له: الهندي فيه وجهان، أحدهما: جنس واحد للاسم، والثاني: جنسان لاختلافهما في المقصود والصورة.
فرع آخر
بيع الشمع بالشهد يجوز؟ لأن الشمع ليس من مال الربا ولو باع بالعسل أولى أن يجوز.
مسألة: قال: "ولا خير في مد حنطة فيها قصل [١٥/أ] أو زوان بمد حنطة لا شيء فيها من ذلك".
القصل: عقد التبن، والزوان: حب دقيق الطرفين غليظ الوسط أصغر من الطعام يقال له بالفارسية: أحجم وهو الذي يسكر آكله فلا يجوز بيع الحنطة بمثلها وفي أحدهما أو فيهما شيء من ذلك لأنه يأخذ من المكيال موضعاً فيؤدي إلى التفاضل في الحنطة. وإن كان فيهما قليل من تبن أو تراب جاز، لأنه لا يأخذ قسطاً من المكيال فإنه يحصل في شقاق الحنطة وفي الخلل الذي يكون بينهما، فإن الحنطة دقيقة الطرفين غليظة الوسط، فإذا حصل حب بجنب حب حصل المكان خالياً فيحصل التراب فلهذا جاز ويفارق الموزون إذا كان في الفضة تراب لم يجز وإن قل لأن الميزان يأخذ قسطاً منه وإن قل وكذلك إذا باع الزعفران بالزعفران وزناً وفي إحدى الكفين يسير تراب لا يجوز البيع، وإذا تقرر هذا أخل المزني بالنقل فقال في علة هذه المسألة: لأنها حنطة بحنطة متفاضلة ومجهولة. وقوله: متفاضلة هو التعليل في [١٥/ب] هذه المسألة فلا معنى لقوله ومجهولة لأن الجهالة لا تأثير لها مع تعين المفاضلة، وإنما يحسن ترادف هاتين العلتين بعد تقديم الصورتين فكان ينبغي أن يذكر فساد البيع إذا كان القصل في أحدهما ثم نذكر فساد البيع إذا كان القصل فيهما، ثم نعطف على المسألتين فنقول: لأنها حنطة بحنطة متفاضلة ومجهولة فتنعطف إحدى العلتين على إحدى الصورتين، والثانية على الثانية وهذا قريب مما وقع له في مسألة العسل وقول الشافعي: لا خير فيه أراد التحريم، وكنا نتوهم أن هذه اللفظة له حتى وجدنا لمالك في مسائل الربا فتوهمنا له حتى وجدنا رسول الله ﷺ استعملها في مثل هذه المسائل.
مسألة: قال: "ولبن الغنم ماعزه وضائنه صنف".
الفصل
نص الشافعي هاهنا أن الألبان أجناس مختلفة، وقد ذكرنا ذلك فعلى هذا يجوز أن يباع لبن البقر بلبن الغنم متفاضلاً وبكل ما يتخذ من لبن الغنم، وأما [١٦/ أ] لبن الضأن والمعز فصنف واحد كما أن الضأن والمعز صنف واحد، وكذلك لبن الإبل مهريها وعرابها صنف واحد، ولبن غنم البري وهي الظبا منف آخر سوى لبن غنم
стр. 2067
الأهلي، وإذا قلنا: الألبان صنف واحد، وهو قول مالك وأحمد فكل لبن يشرب من أي حيوان كان فكله صنف واحد فإذا تقرر هذا فبيع اللبن باللبن جائز في الجملة على ما ذكرنا، فإن قيل: أليس لا يجوز بيع الرطب بالرطب عندكم فما الفرق؟ قلنا: الفرق أن معظم منفعته في غير هذه الحالة وهي عند كونها تمراً وهاهنا معظم منفعته في هذه الحالة، لأنه يصلح لجميع ما يتخذ من اللبن فإذا صرف إلى جهة مخصوصة لا يمكن ذلك فجرت هذه الحالة مجرى حالة الادخار في التمر، أو نقول: الرطوبة هناك ليست من مصلحته ولا حافظة لمنفعته بخلاف الرطوبة في اللبن، أو نقول: الرطب يصير على هيئة الادخار بنفسه، لأنه لو ترك في نحله تساقط هو بنفسه بعدما يصير [١٦/ب] تمراً فقبل ذلك لا يجوز بيع بعضه ببعض، لأنه قبل حالة الادخار بخلاف اللبن.
فإذا تقرر هذا فبيع اللبن الحليب يجوز لأنه لبن خالص. وكذلك يجوز بيع الرائب بالرائب وهو اللبن الذي حصل فيه قليل حموضة لأنه لبن خالص. وكذلك يجوز بيع اللبن الحليب بالرائب، وإن كان فيهما أو في أحدهما ما لا يجوز وإن مسه نار فإن كان للتسخين يجوز وإن غلياً أو أحدهما لا يجوز. ولا يجوز بيع اللبن بشيء مما يتخذ من اللبن لا متماثلاً ولا متغافلاً، وقيل: الذي يتخذ من اللبن سبعة أشياء الزبد والسمن والمخيض واللبن والأقط والمصل والجبن، وزاد بعض أصحابنا الشيراز والرخبين والكشك والبطيخ والكواميخ، وأما الزبد باللبن لا يجوز قال الشافعي: لأن الزبد شيء من اللبن يريد بذلك أصله ولا يجوز بيع ما استخرج من شيء بأصله، كما لا يجوز بيع الشيرج بالسمسم.
وقال أبو إسحاق: العلة فيه أن الزبد شيئاً من اللبن فيكون بيع لبن معه شيء آخر بلبن وذلك لا يجوز. [١٧/أ] كما لا يجوز بيع درهم ومد عجوة بمدي عجوة. فإن قيل: فيجب أن لا يجوز بيع لبن بلبن لأنه لبن وزبد بلبن وزبد قيل: إنما يتعلق به حكم الربا إذا تميز فأما قبل التميز فلا حكم له كالسمسم بالسمسم يجوز وإن كان في كل واحد منهما شيرج وسمسم، وإن كان بيع الشيرج بالسمسم لا يجوز. وأما بيع السمن باللبن لا يجوز لعلة الشافعي وهي: أن السمن شيء من اللبن، وعلة أبي إسحاق تقف هاهنا لأنه لا يجوز هذا وإن لم يكن في السمن شيء من اللبن فدل على بطلان علته، وأما بيع المخيض باللبن وهو اللبن الذي استخرج منه الزبد ويسمى الدوغ لا يجوز لأن في اللبن مخيضاً ولأنه مستخرج منه.
وقال: قال الشافعي في "الأم": ولا خير في بيع الحليب بالمضروب لأن في المضروب ماء فإن كان يطرح فيه ماء فهذا معنى آخر يمنع البيع والمضروب هو المخيض، وأما اللبن باللبن لا يجوز لأن أصله الكيل واللبن المعمول للأكل لا يكال ولأن النار قد عقدت أجزاءه فيؤدي إلى التفاضل. وأما الأقط والمصل والجبن وسائر ما ذكرنا [١٧/ب] لا يجوز باللبن لمعاني: أحدها أن أصله الكيل فلا يباع وزناً ولأن النار قد اختلف عملها في أجزائه فيؤدي إلى التفاضل، ولأنه قد خالطه غيره فإن المصل قد خالطه ملح وكذلك الأقط والجبن خالطه ملح وأنفحة وكذلك الرخبين والكشك والكامخ وأما ما يتخذ منه إذا باع بعضه ببعض، فإن باع الزبد بالزبد لا يجوز لأن المقصود منه السمن الذي فيه وذلك مجهول التماثل لقلة اللبن في أحدهما وكثرته
стр. 2068
في الآخر نص عليه الشافعي فيما نقله القاضي أبو حامد ومن أصحابنا من قال فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز لما ذكرنا. والثاني: يجوز لأن اللبن في الزبد يسير غير مقصود، فهو كالنوى في التمر وصار كبيع السمن بالسمن يجوز، قال صاحب "الحاوي": وهو الأصح عندي. وأما السمن بالسمن قال الشافعي: يجوز معه وزناً أحوط وهذا لأنه لا يخالطه غيره ولو كان جامداً.
قال في "الحاوي": فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز لأن أصله الكيل ولا يمكن. والثاني: يجوز لأن الكيل فيه متعدد والوزن أحصر وهذا خلاف ما ذكرنا [١٨/أ] في النص. وأما اللبن باللبن والأقط بالأقط والجبن بالجبن لا يجوز لأن أصله الكيل ولا يمكن فيه ولأن النار قد اختلف عملها فيه.
قال القاضي الطبري: الجبن بالجبن لا يجوز لأن فيهما أنفحة فيؤدي إلى التفاضل ولا يجوز بيع الجبن بالمصل أيضاً لهذا ولكن بيع المصل بالمصل إنما لا يجوز لأنه لا يمكن كيلهما فإن دقا جميعاً حتى أمكن الكيل يجب أن يجوز بيع بعضه ببعض وبيعه باللبن أيضاً وهذا عندي إذا لم يخالطه ملح فإن خالطه ملح فلا يجوز على ما ذكرنا بلا خلاف.
وقال في "الحاوي": إن كان الجبن طرياً لا يجوز وإن كان يابساً فيه قولان: أحدهما: يجوز رواه حرملة وهذا إذا تناهى بنفسه فيباع بالوزن لصحة المماثلة فيه وإنه غاية اللبن التي ينتهي إليها وهو اختيار أبي إسحاق. والثاني: رواه الربيع وهو الأصح لا يجوز واختلفوا في العلة فقال ابن سريج: العلة أن أصله الكيل وقد تعذر وقال غيره: لأن فيه أنفحة يعمل بها فيمنع التماثل فيه فعلى هذا لو دق الجبن حتى صار ناعماً يجوز على قول ابن سريج وعلى قول غيره لا يجوز. وأما بيع نوع بنوع آخر إما الزبد بالسمن [١٨/ب] لا يجوز، لأنه بيع بثمن ولبن بسمن، وأما بيع السمن بالمخيض يجوز لأنه ليس في السمن مخيض ولا في المخيض سمن.
وأما بيع الزبد بالمخيض قال الشافعي: يجوز لأنه قال: فإذا اخرج منه الزبد وصار مخيضاً يجوز بيعه بزبد وسمن. وقال أبو إسحاق: لا يجوز ذلك على مقتضى تعليله وهو أن في الزبد شيئاً من اللبن، ونص الشافعي على جوازه فدل على فساد تعليل أبي إسحاق. قال أبو حامد: أجاب الشافعي بهذا ظناً منه أنه لا لبن في الزبد وليس كما ظن فإن الزبد لا ينفك من اللبن فلا يجوز وهذا قياس المذهب. وأجاب أصحابنا بأن الشافعي إنما قال: إذا لم يكن فيه اللبن ظاهراً. وذلك القدر يسير لا يتبين إلا بالنار والتصفية فلا حكم له، وقال القفال: المذهب ما نص عليه لأن المقصود من الزبد السمن والمخيض ليس من جنس السمن إذا كان منزوع الزبد فهما جنسان مختلفان وهكذا ذكر القاضي الطبري فيجوز متفاضلأً وعلى هذا يجوز بيع الدهن بالكسبة، لأنهما جنسان كالسمن بالمخيض وأكثر ما في هذا الباب أن اللبن الذي فيه يأخذ جزء من
стр. 2069
الوزن [١٩/أ] فيصير الزبد باللبن غير متماثلين وهذا لا يضر، لأن بيع اللبن المنزوع زبده بالزبد جزافاً جائز قال: وخرجت على هذا أن بيع الحنطة التي فيها شعيرات بالحنطة التي فيها شعيرات أخذت جزءاً من الكيل فتجهل المماثلة وكذلك لا يجوز بيع الحنطة الخالصة بالحنطة التي فيها شعيرات لهذا المعنى، وأما بيع حنطة فيها شعيرات بالشعير يجوز، لأن المقصود هو الحنطة والحنطة والشعير مختلفان والشعيرات التي فيها غير مقصودة، وهذا مثل بيع الدنانير بالدراهم وكانت في الدراهم حبات سمسم أو قليل تراب لم يضره لأن المماثلة فيه غير معتبرة وبمثله لو باع الورق بالورق أو الذهب بالذهب وفي أحدهما حبات سمسم أو قليل تراب لا يجوز وأصحابي يخالفوني كثيراً في هذه المسألة غير أنها وأمثالها لا تخرج إلا على هذا الأصل الذي أصلت.
وقال الشيخ أبو محمد الجويني في "المنهاج المختصر": الذي في الزبد قليل فلا حكم له، كما لو باع حنطة لا شعير فيها بحنطة فيها حبات شعير قليلة يجوز، وهذا خلاف ما ذكر القفال وهو الأصح، وعلى ما ذكرنا [١٩/ب] قال أصحابنا: بيع الدقيق بالنخالة الصافية عن الدقيق تجوز لأنهما جنسان والنخالة ليست من مال الربا، وأما بيع اللبن بالأقط أو بالجبن أو بالمصل لا يجوز بحال لما ذكرنا.
فرع
لو باع الكسبة بالكسبة، حكي عن ابن أبي هريرة أنه يجوز وزناً إذا استخرج الدهن وقال غيره: لا يجوز لأن أصله الكيل وقد تعذر ويختلف عصره فربما يبقى الدهن في أحدهما أكثر ولأن في الكسبة ماء وملحاً لا يمكن استخراج الدهن إلا بهما.
فرع آخر
لو باع العلس بالعلس لا يجوز إلا بعد الإخراج من قشرته وكذلك لا يجوز بيع العلس بالحنطة ولكن يجوز بيعه بالشعير لأنهما جنسان يجوز فيهما التفاضل.
فرع آخر
بيع الأرز بالأرز قبل إخراجه من القشر العليا لا يجوز كالعلس، وأما قبل إخراجه من القشرة الثانية الحمراء، قال بعض أصحابنا: لا يجوز أيضاً لأنه كالعلس ونصابه عشرة أوسق كالعلس. وقال جماعة أصحابنا: هذه القشرة اللاحقة به تجري مجرى أجزاء الأرز لأنه يؤكل [٢٠/أ] ويطحن معها وإنما يخرج منها ناهياً في استطابته كما تخرج النخالة من الحنطة ولا يمنع ذلك بيع الحنطة بالحنطة ونصابه في الزكاة خمسة أوسق كالحنطة مع قشرتها الحمراء. ذكره في الحاوي. وهذا القول الثاني هو الصحيح عندي ولا يحتمل الوجه الآخر والصحيح أنه يجوز الأرز في قشرته العليا أيضاً لأنها من صلاحه ويدخر معها وكذلك الباقلي بالباقلاء في قشره يجوز وهو المذهب.
стр. 2070
فرع آخر
بيع الحنطة المسوسة بالمسوسة ولم يبق في واحد منهما لب يجوز لأنه نخالة فإن بقي قليل لب لا يجوز وكذلك لو باع المسوس بالصحيحة.
مسألة: قال: "ولا خير في شاة فيها لبن بلبن يقدر على حلبه".
الفصل
في هذا الكلام تقديم وتأخير أي: لا خير في شاة في ضرعها لبن يقدر على حلبه بلبن، ثم اعلم أنه لا يجوز هذا البيع لأن اللبن في الضرع يأخذ قسطاً من اللبن المقابل للشاة ولا بد من تقويم الشاة [٢٠ ب] واللبن لتوزيع الثمن عليهما فصار كبيع مد عجوة ودرهم بمدي عجوة وإنما قلنا كذلك لأن اللبن في الضرع يأخذ قسطاً من الثمن بدليل خبر المصراة حيث جعل رسول الله ﷺ بدل اللبن صاعاً من تمر ولأن اللبن في الضرع كاللب في الجوز لأن صاحبه يستخرجه متى شاء ولهذا قال ﷺ : "لا يحلبن أحدكم شاة غيره بغير إذنه أيحب أحدكم أن تؤتى خزانته فينتشل ما فيها"، فلما لا يجوز بيع لب الجوز بالجوز للجهل بالتماثل بين اللبين، كذلك هاهنا لا يجوز. وقال أبو حنيفة: يجوز بيع لب الجوز بالجوز إذا كان اللب الخارج أكثر ليقابل الزيادة القشر، وكذلك يجوز بيع اللبن باللبون إذا كان اللبن الخارج أكثر على هذا التقدير.
قال الشافعي: "وليس كالولد لا يقدر على استخراجه" ليس أنه يحتاج إلى فرق بين اللبن والحمل في أمر الربا لأنه لا ربا في الحمل ولكن كان قائلاً قال له: جعلت للابن قسطاً من الثمن حتى أثبت فيه الربا ولم يجعل [٢١/أ] للحمل قسطاً من الثمن في أحد القولين ففرق بأن الحمل لا يقدر على استخراجه فجاز أن يجعل كالمعدوم ما لم يخرج وهذا مقدور عليه.
فإن قيل: لو كان للبن قسط من الثمن لما جاز بيع شاة فيها لبن أصلاً لأنه بيع مجهول ومعلوم صفقة واحدة وأجمعنا على جوازه بغير اللبن كما لا يجوز بيع شاة ولبن في قدح مغطى بدينار قلنا: الفرق أن اللبن في الضرع مستور بما فيه مصلحته فجاز بخلاف ما لو كان في القدح وهو كبيع الجوز بجوز فإن كان اللب مستوراً بخلاف ما لو كان مستوراً بغير القشر ولأن اللبن في الضرع تبع للشاة تدخل في البيع بالإطلاق بخلاف ما لو كان في القدح والجهل بالبائع لا يضر كالجهل بأساس الدار.
فرع
لو باع شاة في ضرعها لبن بلبن أو بقراً أو إبل فإن قلنا: الألبان صنف واحد لا يجوز على ما ذكرنا وإن قلنا: الألبان أصناف يجوز كما لو باعها بدراهم.
стр. 2071
فرع آخر
لو كان هذا البيع نسيئة فهو أفسد البيع فيكون ربا على ربا وإن كان التي في ضرعها لبن مذبوحة فالحكم [٢١/ب] فيها كما لو كانت حية بل أفسد لأنها قد صارت لحماً وفيه الربا فكأنه باع لبناً ولحماً بلبن.
فرع آخر
لو لم يكن في ضرعها لبن جاز بيعها بلبن لأنهما عينان لا ربا في إحداهما فهو كبيع الشاة بالتمر، وقال في كتاب حرملة: لو حلب بلبنها ثم بيعت بلبن في الحال جاز لأن ذلك القدر الذي فيها من اللبن يسقط حكمه في البيع كما لو باع داراً مسقفاً بذهب يجوز لأن ذلك كالمستهلك ومفهوم قوله هاهنا: يقدر على حلبه يدل على هذا لأن هذا القدر لا يقدر على حلبه ولا يمكن استقصاء اللبن بالحلاب، وهو كما لو قال: والله لأشربن ماء هذه الأداوة فشرب وغادر بللاً يسيراً بر في يمينه لأنه عاجز عن انتشاف بلل الإداوة بالشرب.
فرع آخر
لو باع شاة مذبوحة مسلوخة لا لبن فيها بلبن فلا شك في الجواز لأنها جنسان.
فرع آخر
لو باع شاة فيها لبن بشاة فيها لبن فالمذهب أنه لا يجوز، وبه قال عامة أصحابنا. وقال أبو الطيب بن سلمة: يجوز كما يجوز بيع دار فيها ماء بدار فيها ماء وكما يجوز بيع [٢٢/أ] سمسم بسمسم وإن كان في كل واحد منهما شيرج وكسبة وهذا غلط لأنه لا يجوز بيع نخلة مثمرة بنخلة مثمرة، وكذلك لا يجوز بيع لبن في إناء بلبن في إناء على أن يدخل الإناءان في البيع وأما بيع دار فيها ماء بدار فيها ماء، قال عامة الأصحاب: يجوز لأنه لا ربا في الماء وهو المذهب، وإن قلنا في الماء ربا، فإن كان محوزاً في الحباب فهو مملوك بلا خلاف ولا يجوز هذا البيع خوف التفاضل وإن كان الماء في البئر، قال بعض أصحابنا: هو مملوك أيضاً فلا يجوز إلا أن يكون الماء ملحاً غير شروب فيجوز لأنه لا ربا فيه، وقال جمهور أصحابنا وهو ظاهر المذهب: إنه لا يملك إلا بالأخذ وكذلك ماء العين وإنما يكون لمالك البئر منع غيره من التصرف في بئره أو نهره فإن جازه الغير ملك والذي يدل على هذا أن من اشترى داراً فاستعمل ماءها ثم ردها بعيب لا يلزمه غرم الماء بالإجماع بخلاف لبن الضرع، وأيضاً يجوز لمستأجر الدار استعماله ولو كان على ملك صاحب الدار لم يجز ذلك [٢٢/ب] فعلى هذا يجوز البيع في هذه المسألة.
فإن قيل: أليس لو اشترى داراً وفيها بئر لا ماء فيها ليردها بالعيب فدل أن الماء يملك بالعقد قلنا: إنما قلنا كذلك لأن الدار تصير معيبة بجفاف البئر فيردها بالعيب لا لأجل أن الماء مملوك وهو في البئر، وقيل: إذا باع داراً في بئرها ماء فإن لم يكن للماء قيمة في ذلك البلد لا يجعل للماء حكماً ولكن يدخل في العقد تبعاً، وإن كان للماء قيمة لا يدخل الماء الموجود في البيع إلا بالشرط، فإن شرط فإن كان قدر الماء
стр. 2072
معلوماً بالعرض والعمق يجوز، وإن كان مجهولاً لا يجوز ففي مسألتنا إن لم يكن للماء قيمة يجوز وإن كان للماء قيمة ونصا عليه من الجانبين فهو مبني على أن في الماء ربا أم لا على ما ذكرنا.
فإن قيل: أليس تسقطون حكم الجهالة في اللبن للتبعية؟ فأسقطوا فيه حكم الربا للتبعية، قلنا: حكم الربا يثبت مع التبعية كما في الثمرة غير الموبرة إذا باعها مع النخلة بمثلها لم يجز. وأما بيع السمسم بالسمسم إنما جاز لأن الشيرج الذي فيه لا يأخذ قسطاً من الثمن [٢٣/أ] بخلاف اللبن وقيل: الفرق أن السمسم بالسمسم بيع شيرج بشيرج والكسب فيه غير مقصود كالنوى في التمر، وهاهنا اللبن والشاة مقصودان.
فرع آخر
لو باع دجاجة فيها بيض ببيض، قال أصحابنا: لا يجوز وجهاً واحداً لأنه معتبر وهو موجود في جوفها.
وقال في "الحاوي": فيه قولان مخرجان من القولين في الحمل هل له قسط من الثمن أو هو تبع لأن البيض كالحمل فإن قلنا: أخذ قسطاً من الثمن لا يجوز لأن بيع البيض بالبيض لا يجوز على قوله الجديد، وإن قلنا: بيع يجوز، وعلل والدي الإمام ﵀ لهذا القول بأنه كالمستهلك ما دام في جوفها.
مسألة: قال: "وكل ما لم يجز التفاضل فيه فالقسم فيه كالبيع".
هذا جواب على أظهر قوليه وأجراهما على القياس وهو أن القسمة بيع لإفراز حق. وبه قال أبو حنيفة: ووجهه أن كل جزء من الدار مشترك بينهما فعند الاقتسام يصير كأن كل واحد منهما باع ما في يد شريكه من نصيبه بما في يده من نصيب [٢٣/ب] شريكه، ومن قال إنها إفراز حق احتج بأنها لو كانت تبعاً ما صحت بالقرعة ولا استحقت الشفعة بها ولا افتقر إلى لفظ البيع وهذا اختيار أبي حامد. فإذا تقرر هذا ففائدة الخلاف في فصلين: أحدهما: في جنس فيه الربا يجوز بيع بعضه ببعضه كالبر والشعير فلا يجوز قسمتها وزناً إذا قلنا بيع، وإن قلنا إفراز حق يجوز بالوزن. والثاني: في جنس فيه الربا لا يجوز بيع بعضه ببعض كالرطب والعنب فهل يجوز قسمتها؟ قولان بناء على هذين القولين.
وأما قسمة الثمار على رؤوس الأشجار فقد تقدم حكمها في كتاب الزكاة وقيل: إنما اختلف قول الشافعي في هذا الاختلاف قوله في خرص رسول الله ﷺ ثمار المدينة هل كان لمعرفة قدر الزكاة أو لإفراز حقوق أهل السهمان، فإن قلنا: خرصها لمعرفة قدر الزكاة فيها وإنما كان إفراز الحق تبعاً لمعرفتها لا تجوز قسمة الثمار خرصاً وتكون القيمة بيعاً وإن قيل: خرصها [٢٤/أ] كان لإفراز حق أهل السهمان جاز قمة الثمار خرصاً وكانت القسمة إفراز حق وتمييز نصيب.
стр. 2073
فرع
لو كانت الصبرة بينهما نصفين فاقتسما أخذ هذا قفيزاً وهذا قفيزاً، ولا يجوز لأحدهما أن يستوفي كل حقه منهما ثم يكتال للآخر ما بقي لجواز أن يتلف الباقي قبل أن يكتال الشريك الآخر ولأنهما استويا في الملك فيستويا في القبض.
فرع آخر
لو اتفقا على المبتدئ منهما بأخذ القفيز الأول جاز ولو لم يتفقا أقرع بينهما في أخذه ويكون استقرار ملك الأول على ما أخذه موقوفاً على أن يأخذ الآخر مثله فلو أخذ الأول قفيزاً فهلكت الصبرة يرد نصف القفيز.
فرع آخر
قبضهما بالكيل وحده دون التحويل بخلاف البيع والفرق أن المبيع مضمون على بائعه باليد فاعتبر في قبضه التحويل لرفع اليد فيسقط الضمان وليس في القسمة ضمان يسقط بالقبض بل هو موضوعه [٢٤ أ/٦] للإجازة وبالكيل دون التحويل تقع الإجازة.
فرع آخر
لو تقابضا بعض الصبرة ولم يتقابضا باقيها حتى افترقا صحت القسمة فيما تقابضا قولاً واحداً وكانت الشركة بينهما فيما بقي على الإشاعة.
فرع آخر
إذا قلنا: القسمة إفراز حق والشيء مما يتماثل أجزاؤه كالحبوب جاز أن ينفرد أحدهما بأخذ حصته عن إذن شريكه بخلاف الثياب فإن هناك يحتاج إلى الاجتهاد والنظر في طلب الأحظ فلم يجز أن ينفرد بالقسمة وإن أذن الشريك بخلاف هذا ولو انفرد أحد الشريكين بأخذ حقه من غير إذن شريكه فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز لأن لشريكه حق الإشاعة فلا يسقط إلا بالإذن. والثاني: يجوز له لأنه لو استأذنه لم يكن له أن يمنعه فجاز أن لا يستأذنه إذا استوفى قدر حقه منه. ذكره في "الحاوي"، وعندي الأصح الوجه الأول. وإن قلنا: القسمة بيع لا يجوز أن ينفرد أحدهما بحال لا بالإذن [٢٥/أ] ولا بغير الإذن لأنه لا يجوز ذلك في البيع.
فرع آخر
لو مات رجل وخلف كلاباً ففي قسمتها وجهان، أحدهما: يقسم بالتقويم للضرورة كما يقوم الحر في معنى الحكومة للضرورة. والثاني: يقسم بالعدد.
فرع آخر
الدار إذا كان نصفها ملكاً ونصفها وقفاً مشاعاً فإن قلنا: القسمة إفراز حق، يجوز
стр. 2074
قسمتها، وإن قلنا: إنها بيع فيه وجهان، أحدهما: لا يجوز لأن الوقف لا يقبل البيع وهو القياس، والثاني: يجوز، والمصلحة في هذا وبه أفتي لأنها لو تركناها شائعة بين وقف وملك تداعى ذلك إلى الخراب عند التنازع وإذا ميزنا الوقف عن الملك أقبل كل مستحق على عمارة حصته.
مسألة: قال: "ولا يجوز بيع ثمر برطب بحال".
بيع الرطب بالتمر على وجه الأرض لا يجوز بحال وكذلك كل ثمرة رطبة بيابسها كالعنب بالزبيب والخوخ الرطب بالمقدد ونحو ذلك. وبه قال سعد بن أبي وقاص وسعيد بن [٢٥/ب] المسيب ومالك والليث وأبو يوسف ومحمد وأحمد وإسحاق. وقال أبو حنيفة وحده: يجوز واحتج الشافعي بما روى سعد بن أبي وقاص ﵁ أن النبي ﷺ سأل عن شرى التمر بالرطب فقال: "أينقص الرطب إذا يبس، قالوا: نعم"، فنهى عن ذلك وروي أنه قال: فلا إذاً.
وروي عن زيد بن أبي عياش أنه سأل سعد بن أبي وقاص عن بيع البيضا بالسلت فقال له سعد: أيهما أفضل؟ فقال: البيضا فنهى. وقال: سمعت رسول الله ﷺ سئل عن شري التمر بالرطب وذكر الخبر، قال الشافعي: نظر رسول الله ﷺ إلى المتعقب في اعتبار المماثلة فلما علم أنه ينقص في تلك الحالة أبطل البيع. وقيل: البيضا نوع من البز أبيض اللون وفيه رخاوة تكون ببلاد مصر، والسلت نوع من غير البز وهو أدق حباً منه، وقيل: البيضا هو الرطب من السلت وهذا القول أليق بمعنى الحديث وعلته: لأنه بين موضع النسيئة من الرطب بالتمر، وإذا كان الرطب منهما جنساً واليابس جنساً آخر [٢٦/أ] لم يصح التشبيه. ذكره الخطابي في "غريب الحديث". وقوله: "أينقص الرطب إذا يبس"؟ لفظه لفظ الاستفهام ومعناه التقرير والتنبيه على علة الحكم لأنه لا يخفى ذلك على رسول الله ﷺ . وروى نافع عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ "نهى عن بيع التمر بالتمر وعن بيع العنب بالزبيب كيلاً وعن الزرع بالحنطة كيلاً".
فرع
لو باع التمر الحديث بالتمر العتيق قال بعض أصحابنا: يجوز لأن النقصان يسير فيعفى كقليل التراب في الكيل وهذا لا يصح، والتحقيق أنه ينظر فيه فإن كان إذا جف تاماً ينقص وزنه ولا تتقلص جثته فلا يظهر في الكيل يجوز لأنه لا اعتبار بالوزن فيه، وإن كان يتقلص جثته ويظهر ذلك في الكيل لا يجوز.
مسألة: قال: وكذلك لا يجوز بيع رطب برطب.
стр. 2075
لا يجوز بيع الرطب بالرطب عندنا، وقال مالك وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وأحمد والمزني: يجوز ذلك وهذا غلط لأنهما لا يتماثلان حالة الادخار والمماثلة معتبرة [٢٦/ب] في تلك الحالة. فإن قيل: التفاوت يقل هاهنا فيجب أن يجوز كما في الحديث بالحديث، قيل: الفرق أن تفاوت الرطبين قد يتفاوت كتفاوت التمر والرطب وربما ينقص عنه قدر الثلث إذا صار تمراً ويفارق الحديث بالحديث لأنهما وإن نقصا فيما بعد فهما في أول حالة الادخار سواء والنقصان الذي يحصل فيما بعد نقصان غير بين.
فرع
لو باع الطلع بالرطب أو التمر فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يجوز لأنه لم ينعقد بيع القصيل بالحنطة. والثاني: لا يجوز لأن نفس الطلع يصير رطباً أو تمراً ونفس القصيل لا يصير حنطة بل ينعقد فيه الحنطة، والثالث: وهو الأصح إن كان من طلع الفحول جاز كالقصيل، لأنه لا يصير رطباً وإن كان من طلع الإناث لم يجز لأنه يصير رطباً.
فرع آخر
لا ربا في البقول على القول القديم وعلى القول الجديد فيها الربا فإن كانا جنسين كالهندبا والنعناع يجوز بيع أحدهما بالآخر نقداً كيف شاء، وإن كانا جنساً واحداً [٢٧/أ] كالهندبا بالهندبا.
قال الشافعي: لا يجوز وقال ابن سريج: فيه قول آخر أنه يجوز لأنه معظم منفعته في حال رطوبته كاللبن باللبن وهذا أبلع لأنه لا يؤول إلى صلاح بحال بخلاف اللبن.
فرع آخر
لو باع ما كان مأكوله مستوراً في الأرض كالجزر والفجل والكراث والبصل والسلجم نظر فإن باع ما ظهر من ورقه مطلقاً لم يجز لأنه يطول فيختلط المبيع بغيره وإن شرط القطع جاز كما قلنا في الثمرة قبل بدو الصلاح. وأما بيع ما في بطن الأرض لا يجوز بحال ولا يشبه بيع خيار الروية لأنه إذا قلع فلم يخبره المشتري كان في رده ضرر على البائع ولا يمكن أن يقول يجوز ولا جاز لأنه لم يرها ولا يجوز أن يجعله سلماً لأنه عين ولأنه لا يمكن ضبطه بالصفات ولا يشبه بيع الجوز وإن كان المقصود مستوراً لأن بقاء الجوز في قشره بعد التناهي من مصلحته بخلاف بقاء هذه في الأرض بعد التناهي فإنه ليس من مصلحتها.
مسألة: قال: "وإذا كان متبايعا الذهب والورق بأعيانهما [٢٧ أ/٦] إذا تفرقا قبل القبض كانا في معنى من لم يبايع دل ذلك على أن كل سلعة باعها فهلكت قبل القبض فمن مال بائعها". إذا ابتاعا صرفاً ذهباً بذهب أو ورقاً بورق أو ذهباً بورق فمن شرطه القبض قبل التفرق، فإن تفرقا قبل أن تقابضا أو قيل: قبض أحدهما بطل بدليل خبر عمر وعبادة ﵄، ولو اختلفا بعد الافتراق فقال أحدهما: تفارقنا من غير قبض وقال
стр. 2076
الآخر: تفارقنا مع القبض فالقول قول من يدعي الفسخ أيضاً. وأما إذا تبايعا غير الصرف كالثياب والعبيد والسلع فليس من شرطه القبض قبل التفرق ولكن متى تلف المبيع قبل القبض بطل البيع وسقط الثمن عن المشتري سواء طالب البائع بالإقباض فامتنع أو عرض البائع الإقباض فامتنع المشتري أو تلف من غير مطالبة واحد منهما وبه قال الشعبي وربيعة وأبو حنيفة، وقال مالك: عقد البيع يستتر بالعقد ولا يلحقه الفسخ بهلاك المبيع فإن طولب البائع بالإقباض فأبى أتم وصار عامياً يلزمه قيمته، وإن لم يطالب فلا شيء عليه وله [٢٨/أ] الثمن وإن طالبه بذلك فقال: لا أسلم حتى أقبض الثمن يصير المبيع كالمرهون في يد المرتهن. وعند مالك: إذا تلف الرهن في يد المرتهن إن كان بآفة ظاهرة فهو من ضمان الراهن وإن كان بأمر باطن فهو من ضمان المرتهن.
وذكر القفال عن مالك أن هذا إذا اشترى جزافاً فإن اشترى مكايلة أو موازنة لا يدخل في ضمانه حتى يقبضه بالكيل أو بالوزن. وقال أحمد وإسحاق مثل قوله إنه إذا تلف من غير تعدي البائع كان من ضمان المشتري، وقال النخعي: إن كان البائع بذلها للمشتري فامتنع من قبضها لم يبطل البيع بتلفها وكانت مضمونة على المشتري بالثمن، وإن لم يكن كذلك بطل البيع، وقال ابن سيرين: يعجبني هذا القول ومال إليه، وقال أبو ثور: يدخل في ضمان المشتري بنفس العقد حتى لو دخله عيب لا يرد به المشتري ولو تلف لا يسقط الثمن ويد البائع فيه يد وديعة، وقال بعض العلماء: يد البائع فيه يد ضمان بالقيمة لا بالثمن فيغرم القيمة ويدفع إليه المشتري الثمن وهذا كله غلط.
واحتج الشافعي عليهم بالصرف [٢٨/ب] فقال: لأنه بيع تعذر فيه القبض فيبطل كعقد الصرف إذا تفرقا عنه قبل التقابض بطل غير أن التعذر في الصرف من طريق الشرع لا من طريق المشاهدة وهاهنا من طريق المشاهدة والمشاهدة أقوى إذا ثبت بطلان العقد ثبت كونه من ضمان البائع.
واحتج مالك بقوله ﷺ : "الخراج بالضمان، والخراج الغلة وهي للمشتري فكان الضمان عليه قلنا: لا حجة فيه لأنه لم يقل الضمان بالخراج، بل قال: الخراج بالضمان، ثم ورد في الرد بالعيب.
تبقى الغلة للمشتري بعد رده بالعيب فإذا تقرر هذا لو باع عبداً بثوب وقبض الثوب ولم يسلم العبد فباع الثوب من غيره ثم تلف في يده العبد فقد انفسخ البيع في العبد والثوب قد تصرف فيه في وقت جاز له التصرف ويجب عليه أن يدفع إلى صاحبه قيمة الثوب كما إذا كان الثوب قد تلف في يده كان عليه قيمته وعلى هذا إذا باع عبداً بشقص وقبض الشقص أخذ الشفيع الشقص بالشفعة بقيمة العبد فإذا أخذه الشفيع ثم تلف العبد [٢٩/أ] في يده قبل التسليم يبطل البيع في العبد ولا يبطل في الشقص ويجب عليه دفع قيمة الشقص إلى صاحبه ولو باع عبداً بثوب وقبض الثوب وباعه من
стр. 2077
آخر ولم يسلمه إليه فتلف العبد والثوب في يده بطل البيع الأول في العبد دون الثوب وعليه قيمته لصاحبه الذي اشتراه منه وبطل البيع الثاني في الثوب وعليه رد الثمن إن كان قبضه فإن لم يكن قبضه فلا شيء عليه ولا على المشتري منه.
مسألة: قال: "وإذا اشترى بالدنانير دراهم بأعيانها فليس لواحد منهما أن يعطي غير ما دفع عليه البيع".
إذا تصارفا ذهباً بذهب أو ورقاً بورق أو ذهباً بورق لم يخل من أحد أمرين إما: أن يكون في الذمة أو معيناً فإن كان في الذمة وذلك على وجهين، أحدهما: أن يتصارفا ويصف النوع الذي يتصارفان عليه مثل أن يقول: بعتك درهماً فتحياً درهم راضي أو ديناراً قاسانياً بدينار نيسابوري ونحو ذلك فهذا الصرف يصح ويقع على النوع الذي ذكرناه. والثاني: أن يتصارفا [٢٩/ب] في الذمة وأطلقا العقد فإن كان للبلد عرف نقد انصرف الإطلاق إليه حتى يصير كأنهما ذكراه في العقد ولا يدخل هذا في نهيه ﷺ عن بيع الكالئ بالكالئ لأن تعيينهما وقبضهما في المجلس كالتعيين في العقد.
وحكى الإمام أبو عاصم العباداني أنه بمنزلة الأعيان الغائبة فإن لم يجوز بيع الغائب لا يجوز هذا لأن الشرع حرم بيع الدين بالدين فلو لم يقدر العوض عينا غائبة لما كان إلى تصحيح العقد سبيل وهذا ضعيف لما ذكرنا، وإن كان في البلد نقود مختلفة بطل العقل ولا بد في هذا الصرف من التقابض قبل التفرق فإن تفرقا قبل القبض بطل وإن تصارفا في العين مثل إن قال: بعتك هذه الدراهم بهذه الدنانير أو هذه الدنانير بهذه الدنانير تعينت بالعقد وفائدته شيئان: أحدهما: أنه لو أراد أن يعطيه بدلها لم يكن له. والثاني: أنها لو تلفت قبل القبض بطل العقد. وبه قال مالك، وقال أبو حنيفة: لا تتعين الدراهم والدنانير بالتعيين وله [٣٠/أ] أن يعطي بدلها ولا يبطل العقد بتلفها أصلاً وهذا غلط لأنه عوض مشار إليه في العقد فوجب أن يعين كالحنطة.
فرع
لو تراضيا على الاستبدال عنها قبل التفرق فإن كانت معينة لا يجوز وعند أبي حنيفة يجوز وإن كانت في الأمة فهل يجوز الاستبدال عنها؟ قولان: أحدهما: يجوز فيأخذ مكان الدراهم دنانير أو سلعة كما يستبدل عما ثبت في الذمة فرضاً أو بدل متلف وهذا أقرب إلى الاختيار وهو المشهور وذلك ما روي عن ابن عمر ﵁ أنه قال: يا رسول الله إنا نبيع الإبل بالبقيع بالدراهم فيأخذ مكانها دنانير والدنانير فيأخذ مكانها دراهم، فقال النبي ﷺ : "لا بأس إذا تفرقتما وليس بينكما لبس". وروي: "لا بأس
стр. 2078
أن يأخذها بسعر يومها ما لم يفترقا وبينكما شيء"، وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن وابن شبرمة: لا يجوز اقتضاء الدراهم من الدنانير أصلاً، وقال ابن أبي ليلى: يكره إلا بسعر يومه لهذه الزيادة في الخبر وقال أبو سليمان الخطابي: والصواب هذا القول. والثاني: [٣٠/ب] لا يجوز الاستبدال عنها نص عليه في "الجامع الكبير" وهو الأقيس لأنه مملول بعقد معاوضة فلا يستبدل عنه قبل القبض كالمبيع والمسلم فيه.
فرع آخر
لو عين مكيالاً أو ميزاناً نص الشافعي في السلم أنه يبطل السلم وأما في البيع اختلف أصحابنا فيه على ثلاثة أوجه:
أحدها: يبطل البيع به لتضمنه حجراً.
والثاني: يتعين في العقد ويصح.
والثالث: يصح العقد ولا يتعين ذلك وهذا أظهر لأنه لا غرض في تعيينه. وفي عين الدراهم إعراض منها، أن يعلم أنه من وجه حلال لكونه ميراثاً أو غنيمة، والثانى: أن يتقدم بها على سائر الغرماء، والثالث: أن يصير المشتري محجوراً عن التصرف فيها كالبائع في السلعة المبيعة. وقيل: فيه وجه رابع: إن كان كيلاً معلوماً للعامة لا يتعين لأنه لا فائدة وإن لم يكن معروفاً كالطاس والقعب فإن كان الحق حالاً يجوز لأنه يقدر على تسليمه في الوقت وإن كان مؤجلاً لا يجوز لأنه ربما يتلف الكيل الذي عينه وهكذا لو عين كيالاً أو وزاناً [٣١/أ].
فرع آخر
لو باع صاعاً من حنطة بصاع من حنطة موصوفة ثم أحضرا في المجلس وتقابضا يجوز كالنقد وفيه وجه آخر لا يجوز حتى يكون أحدهما معيناً ولا يصح الفرق بينه وبين النقد.
مسألة: قال: "فإن وجد بالدنانير أو الدراهم عيباً".
فصل
الكلام الآن في الإبدال إذا وجد العيب فيها فإن تصارفا جنساً واحداً ذهباً بذهب أو جنسين ذهباً بورق فظهر فيها عيب هل له الرد والإبدال؟ ينظر فيه فإن كانت عيناً بعين لا يخلو إما أن يكون العيب من جنسه أو من غير جنسه فإن كان من غير جنسه مثل إن بانت رصاصاً أو نحاساً لا يخلو أما أن يكون في البعض أو في الكل فإن كان في الكل فالبيع باطل نص عليه في الصرف لأنه باعه غير ما سمى، قال أصحابنا كما لو قال: بعتك هذا الحمار فكان فرساً أو بعتك هذا الثوب القطني فكان كتاناً يبطل البيع كذلك هاهنا.
وقال في "الإفصاح": فيه وجه أنه يصح البيع ويخير المشتري لأن البيع وقع على عينه وهذا ضعيف. [٣١/ب] وإن كان هذا العيب في النقص بطل البيع في ذلك النقص وهل يبطل في الباقي؟ قولان بناء على تفريق الصفقة ومن أصحابنا من قال: هذا إذا كان الصرف بغير
стр. 2079
جنسه فإن كان دراهم بدراهم فوجد هذا العيب في بعضها فالمذهب أن البيع باطل قولاً واحداً لأنه يؤدي إلى التفاضل وهذا صحيح وإن كان العيب من جنسه مثل أن يكون فضة رديئة أو ذهباً رديئاً بأن يكون خشناً تتشقق عند الطبع أو كانت رديئة الضرب من حيث الصنعة فالبيع صحيح لأن الجنس واحد ويكون بالخيار بين أن يمسك أو يرد ويفسخ البيع فإن أراد الرد والاستبدال فليس له ذلك سواء كان قبل التفرق أو بعده كما لو كان المبيع ثوباً أو حيواناً بعينه فأصاب به عيباً ليس له البدل لأنه لو أبدل أخذ غير ما وقع عليه العقد.
وقال صاحب "التقريب": يجوز الاستبدال عنها قبل التفرق ولا يجوز بعده لأن حكم المتعاقدين ما داما في المكان الذي تعاقدا فيه كحكمها حال العقد بدليل أن الزيادة في الثمن والنقصان عنه [٣٢/أ] وكذلك في الأجل يجوز في المجلس حتى قال: على هذا لو تعاقدا بثمن مجهول فلم يتفرقا حتى صيراه معلوماً صح العقد وهذا غلط؛ لأن الشافعي نص في المختصر: أنه لا يجوز الاستبدال ولم يفرق بين أن يكون قبل التفرق أو بعده بل ظاهر كلامه يدل على أن صورة المسألة قبل التفرق حيث عقب هذه المسألة بمسألة ثانية وهي: إذا كانت في الذمة لا يجوز إعلام الثمن في المجلس إذا وقع مجهولاً بحال لأن العقد وقع فاسد بشرط فإسقاط الشرط لا يبطله، وأما الزيادة في الثمن ونقصانه هل يجوز في المجلس؟ قولان.
وإن سلمنا فلأن العقد وقع في الأصل صحيحاً فاحتمل الإلحاقات قبل استقرار العقد بخلاف مسألتنا لأنه وقع فاسداً، وإن كان هذا العيب بالبعض فله رد الكل والرجوع لما دفع إليه وله إمساك الكل ولا شيء له غيره وهل له أن يزد البعض المعيب ويمسك الصحيح؟ قولان. بناء على تفريق الصفقة فإن قلنا: لا يفرق فلا كلام، وإن قلنا: يفرق فله الرد بالعيب فإذا رد فبكم يمسك [٣٢/ب] الصحيح؟ فإن كان جنساً واحداً أمسكه بحصته من الثمن قولاً واحداً ولا يجوز أن يمسكه بكل الثمن لأنه ربا وذلك لأنه ممسك ديناراً بدينارين وهذا لا يجوز، وإن كان الصرف جنسين فكذلك يأخذه بحصته من الثمن لأنه إذا أمكنه أن يأخذ الكل بكل الثمن فكيف يجوز أن يأخذ البعض بكل الثمن؟ لأنه يكون سفهاً ويكون رد هذا المعيب بغير فائدة ويفارق إذا باع عبدين فخرج أحدهما حراً، حيث قلنا: يمسك العبد بجميع الثمن على أحد القولين، لأن هناك لا يمكنه إمساك الحر معه بالثمن فدعت الحاجة إلى إمساك العبد وحده.
وقال بعض أصحابنا: بكم يمسك الصحيح؟ هاهنا قولان أيضاً. ويفارق إذا كان الجنس واحداً لأن التفاضل فيه لا يجوز ولكن يقال له: إذا رددت البعض وأمسكت الباقي بكل الثمن لا فائدة لك ويكون سفهاً وهذا صحيح عندي، وإن كان البيع في الذمة فأصاب أحدهما عما قبضه عيناً لا يخلو إما أن يكون قبل التفرق فله الرد والبدل سواء كان المعيب من جنسه أو [٣٢:أ] من غير جنسه، لأنه إن كان من غير جنسه مثل أن أقبضه نحاساً فقد أعطاه غير ما وقع عليه العقد والعقد بحاله لأنهما ما تفرقا فله مطالبته بما ملك عليه بعقد الصرف كالمسلم إليه إذا أتى بغير ما أسلم إليه رد إليه وطالب بما تناوله العقد، وإن كان في البعض مع القبض في الصحيح ورد ما ليس من جنسه وطالب بما يتناوله العقد، وإن كان العيب من جنسه كان له البدل، لأنه إذا كان له البدل إذا كان العيب من غير جنسه فبأن يكون له البدل إذا كان من
стр. 2080
جنسه أولى ولكنه إن شاء رضي به، وإن كان العيب في البعض فقد صح القبض في الصحيح وفي الباقي وهو مخير بين الرضا وبين رده وأخذ البدل، وإن كان ذلك بعد التفرق ينظر فإن كان العيب من غير جنسه بطل العقد لأنهما تفرقا قبل قبض شيء من المعقود عليه، وإن كان العيب من جنسه لم يخل من أحد أمرين، إما أن يكون العيب بكله أو ببعضه فإن كان بكله فهو بالخيار بين أن [٣٣/ب] يمسك أو يرد، فإن أمسك فلا كلام، وإن رد أو فسخ العقد فلا كلام.
وإن أراد الرد وأخذ البدل غير معيب فيه قولان على ما ذكرنا، أحدهما: ليس له وهو اختيار المزني وهو الصحيح، لأنه إذا رده لا يأخذ بدل ما رده بل يأخذ الأصل الذي وقع عليه العقد وقد فارقه قبل قبض ذلك فيبطل الصرف ولأن الصرف يتعين بالعقد تارة وبالقبض أخرى، ثم ثبت أنه لو تعين بالعقد لم يكن البدل فكذلك إذا تعين بالقبض. واحتج المزني على هذا بأن الصرف في المعين وفي الموصوف سواء في اشتراط القبض قبل التفرق فوجب أن يكونا سواء في تحريم الاستبدال، والثاني: له ذلك وهو اختيار أبي حامد وبه قال أبو يوسف ومحمد لأن كل معيب يجوز إبداله قبل التفرق فجاز إبداله بعد التفرق كالمسلم إليه إذا دفع إلى المسلم المسلم فيه معيباً له أن يستبدله.
ومن غير هذا أجاب عما ذكره القائل الأول فقال: أما الأول فلا يصح، لأن [٣٤/أ] الذي قبضه وإن كان معيناً فهو قبض صحيح والمقبوض هو الذي وقع عليه العقد لأنه لو كان غيره أبطل العقد لأنه وجد التفرق قبل القبض ولما جاز له إمساكه والرضا به كما لو كان العيب والرد قطع للعقد من حين الرد لأنه رفع للعقد من أصله ولا فصل بين قبض المعيب وغيره إلا من جهة أن أحدهما: قبض لازم. والآخر: قبض جائز ولا يمنع ذلك صحة القبض فيهما، أما الثاني: باطل بما لو كان قبل التفرق تعين بالقبض وله الإبدال وأيضاً إذا تعين بالعقد فأخذ البدل أخذ غير ما اشتراه بخلاف مسألتنا، وأما الثالث: باطل لأنه لا يمتنع الفرق بين المعين والموصوف كما في جواز الاستبدال قبل التفرق، فإذا قلنا: بالأول قلنا: له الخيار بين الإمساك والرد فقط، وإذا قلنا: بالثاني فالخيار بين ثلاثة أشياء بين الإمساك وبين الرد والفسخ وبين الرد والاستبدال. وإن كان العيب بالبعض فإن كان من غير جنسه فالبيع يبطل في هذا [٣٤/ب] البعض لأن القبض لم يوجد فيه في المجلس وهل يبطل في الباقي الذي قبضه فيه طريقان:
أحدهما: يصح قولاً واحداً كما لو عقد على عبدين فمات أحدهما قبل القبض لا يبطل البيع في الباقي قولاً واحداً على الصحيح من المذهب لأنه فساد بعد العقد. والطريقة الثانية: هل يبطل في الباقي بناء على تفريق الصفقة؟ وهذا اختيار القفال وليس لمسألة العبدين لأن عدم القبض في الصرف فساد في نفس العقد إذ تمام الصرف بالقبض يصير على الباقي قولان. وإن كان العيب من جنسه فيه ثلاثة أقاويل، أحدها: لا تبدل ولكنه بالخيار إن شاء فسخ البيع في الكل، وإن شاء أجازه. والثاني: بالخيار إن شاء فسخ البيع في المعيب وأمسك السليم، وإن شاء رد الكل وفسخ البيع في الكل وهذا إذا بعضنا الصفقة. والثالث: أنه يبدل المعيب. وقال القفال: هذان القولان في الاستبدال مبنيان على أنه إذا اشترى شيئاً وأراد أن يرده بالعيب هل يكون رده إبطالاً
стр. 2081
للقبض من [٣٥/أ] حتى يصير كأنه لم يقبضه ولم يكن مالكاً له ويكون مالكاً له من قبل ويكون رده نقصاناً للقبض فيه قولان.
وعلى هذا لو أسلم إلى رجل في جارية ثم قبضها ثم وجد بها عيباً وردها إليه هل يلزم البائع الاستبراء؟ وجهان: أحدهما: يلزم رده نقض للقبض الآن. والثاني: لا يلزم إذا قلنا رده إبطال للقبض من أصله وهذا غريب بعيد في المذهب. فإذا تقرر هذا قال المزني: وقد قال الشافعي: يرد الدراهم بحصتها من الدينار. ومراده بهذه الحكاية أن الشافعي علق القول في تبعيض الصفقة هاهنا ولم يعلق القول في موضع أخر والمزني يستأنس بمثل هذا في ترجيح أحد القولين على الثاني.
فرع
لو اشترى عشرة دنانير بمائة درهم وتقابضا البعض وافترقا فإن الصرف باطل في غير المقبوض ولا يبطل في المقبوض ولكنه بالخيار إن شاء رضي المقبوض بحصته من الثمن وإن شاء، رده وفسخ البيع لأنه لم يسلم له جميع ما وقعت عليه الصفقة ولا يجيء أن يقال ينفسخ العقد في الكل ولا يفرق [٣٥/ب] الصفقة، لأن الصفقة وقعت بثمن معلوم ولفظ مباح وتعليل الشافعي في إبطال جميع الصفقة على أحد القولين أحد السببين، إما لأن العقد جمع مباحاً ومحظوراً، وإما لجهالة الثمن إذا فسدت الصفقة في بعضها، وهاهنا لم يوجد واحد منهما فلم يجز أن يحكم بفساد العقد في الكل. وقال ابن القاص: في هذه المسألة وفي رأس مال السلم إذا تفرقا وقد بقي البعض ولم يقبضه هل يبطل العقد في الكل؟ قولان بناء على القولين في تفريق الصفقة وهذا اختيار القفال وهذا قاله برضاه المحصلون من أصحابنا ولا يقتضيه مذهب الشافعي.
فرع آخر
قال ابن القاص: لو باع عبدين فتلف أحدهما في يد البائع قبل التسليم يبطل البيع في التالف ولا يبطل في الباقي قولاً واحداً، ورأس مال السلم مثله. ومن أصحابنا من قال: خرج أبو إسحاق فيه قولاً آخر: إنه إذا مات أحدهما يبطل العقد، وهذا غلط على أبي إسحاق لأنه ذكر في الشرح بخلافه ولعله محكي عن غيره وليس بشيء [٣٦/أ].
مسألة: قال: "ولو راطل مائة دينار عتق مروانية ومائة دينار من ضرب مكروه بمائتي دينار من ضرب وسط".
الفصل
وقد مضت هذه المسألة في مسألة مد عجوة ودرهم بمدي عجوة، وقوله: راطل أي وازن والرطل يكون كيلاً ويكون وزناً. والأصل في هذا ما روي عن فضالة بن عبيد أتى النبي ﷺ عام خيبر بقلادة فيها ذهب وخرز، وروي فيها خرز معلقة بذهب ابتاعها رجل بتسعة دنانير والسبعة دنانير فقال: لا حتى تميز بينه وبينه. فقال: إنما أردت الحجارة
стр. 2082
وروي التجارة، فقال النبي ﷺ : "لا حتى يميز بينهما" فرده حتى ميز بينهما هكذا في "سنن أبي داود". وذكر أبو عيسى الترمذي عن فضالة بن عبيد أنه قال: اشتريت يوم خيبر قلادة فيها ذهب وخرز باثني عشر ديناراً ففصلتها فوجدت فيها أكثر من اثني عشر ديناراً، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: "لا تباح حتى تفصل" قلت: لعلهما خبران وهو الظاهر. وقال أبو حنيفة في هذه الصورة: [٣٦/ب] فإن كان الذهب الذي هو الثمن أكثر مما فيه من الذهب جاز، وإن كان أقل منه أو مثله لم يجز. وذهب مالك إلى نحو هذا إلا أنه يحد الكثرة بالثلثين والقلة بالثلث. وقال أحمد: يجوز وإن كان الثمن أقل. وهذا قول ظاهر الفساد لما فيه من صريح الربا، ولا يصح ما قال أبو حنيفة: إنا إذا كان الذهب الخارج أكثر يكون الذهب بالذهب سواء والزيادة بإزاء الحجارة، لأنه قال في الخبر: إنما أردت الحجارة ومع ذلك منع وقال: لا حتى يميز بينهما.
مسالة: قال: "ولا باس أن يشتري الدراهم من الصراف ويبيعها منه إذا قبضها".
الفصل
إذا كان معه عشرون درهماً صحاحاً فأراد بها ثلاثين درهماً مكسرة فالوجه أن يشتري بها من الصراف ديناراً أو يتقابضا ثم يبيع الدينار منه بثلاثين مكسرة ولو جعل هذا عادته وتجارته جاز، وقال مالك: إنما يجوز ذلك مرة واحدة ولا يجوز أن يجعله عادة لأنه يضارع الربا، وهذا غلط لما روي أن النبي ﷺ [٣٧/ أ] استعمل على خيبر سواد بن غزية فجاءه بتمر حبيب فقال له: أكل تمر خيبر هكذا قال: لا، ولكنا بعنا صاعين من جمع بصاع من هذا وأراد بالجمع الدقل وهو جنس رديء فقال: أوه هذا عين الربا لا تفعلوا هكذا ولكن بيعوا الجمع بالدراهم واشتروا بالدراهم الحبيب والحبيب: الوسط من التمر هكذا قال الأصمعي في تفسير الجمع والحبيب وقيل: الجمع التمر الذي يجمع أنواع التمر، والحبيب الطيب، ويقال: إن أبا حنيفة افتتح كتاب "الحيل" بهذا الخبر. وإذا تقرر هذا لو قصد بهذا العقد أن يأخذ أكثر مما أعطى أو أقل مما أعطى جاز، ولا اعتبار بالقصد إلى الربا إذا لم يباشر ولكنه يكره ثم فيه ثلاث مسائل، إحداها: أن يتقابضا ويتفرقا أو يتخايرا ثم تعاقدا بعد ذلك فيصح قولاً واحداً، الثانية: أن يتخايرا قبل أن يتقابضا بطل الصرف لأنه كالتفرق وقد ذكرنا ما قيل فيه، والثالثة: أن يتبايعا ثم يتقابضا ثم يتبايعا ثانياً قبل التفرق والتخاير. فظاهر المذهب أن العقد
стр. 2083
جائز لأن الشافعي قال ولا بأس [٣٧/ب] أن يشتري الدراهم من الصراف ثم يبيعها منه فأطلق. وبه قال ابن سريج، لأنه إن كان الخيار قائمًا فإن شروعهما في العقد الثاني يقطع خيارهما معًا ألا ترى أنهما لو شرعًا فيه فلم يكملاه لزم العقد الأول وانقطع الخيار كالتخاير بعد القبض شرعًا.
فإن قيل: أليس لو باع أحديهما ما قبضه من رجٍل آخر قبل التفرق والتخاير لم يجز؟ قلنا: الفرق أنه إذا باعه من غير بائعه فقد تصرف فيما لغيره فيه خيار ثابت ويملك رفعه عنه وهاهنا هما تعاقدا معًا ثانيًا فكأن شروعهما فيه رضًا بإمضاء الأول واستئنافًا للثاني وصح ذلك وعلى هذا لو اشترى شيئًا على أنهما بالخيار وقبضه ثم باعه من غير البائع لم يجز، وإن باعه من البائع جاز ويكون ذلك قطعًا للخيار. وقال القفال في كتاب التهذيب: لا ينعقد هذا البيع إلا على القول الذي يقول: (الخيار لا يمنع انتقال الملك)، لا يصح؛ لأنه لو باع غير ملكه إلا أن ذلك يكون قطعًا للخيار فيستأنفان العقد وعلى هذا قال: إذا اشترى جارية [٣٨/ أ] فزوجها من البائع قبل التفرق فإن قلنا: يملك المشتري بالعقد جاز، وإن قلنا لا يملك لا يجوز وسقط خياره وعلى القول الأول وهو الأصح يجوز.
وقال في (الحاوي): الأصح أنه لا يجوز البيع الثاني أصلًا لأن العقد الأول لم يستقر لا بالافتراق ولا بالتخابر والفرق بين التخابر والبيع أنهما إذا اختارا الإمضاء فقد رضي كل واحٍد منهما بإقرار مُلك صاحبه على ما انتقل إليه فاستقر به المُلك. وإذا اتفقا على البيع الثاني فكل واحد منهما لم يرض باستقرار ملك صاحبه على ما انتقل إليه فلم يستقر بذلك المُلك فصار حكم التخاير والبيع مختلفًا فلم يجز أن يكون في لزوم العقد متفقًا ولو جعلا مكان الدنانير ثوبًا أو شيئًا آخر حتى لا يحتاج إلى التقابض في المجلس بل يكفي قبض الثوب في المجلس أو بعد المجلس ليصح بذلك القبض البيع الثاني فالأمر أوسع.
فرع
لو كان معه عشرة دراهم صحاح ومع آخر أحد عشر درهمًا مكسرًة فلا يجوز بيع العشرة بالأحد عشر، والحيلة في ذلك أن يقرض كل واحٍد منهما صاحبه الذي معه ثم يبرئه عما حصل [٣٨/ ب] له عليه أو يستبرئ منه الصحاح بعشرة مكسرة ثم يهب له ذلك الدراهم الباقي أو يهب كل واحٍد ما في يده لصاحبه من غير شرط ويكره أن يدخلا في البيع على ذلك.
فرع آخر
لو كان معه عشرة دراهم وليس معه سواها ومع آخر دينار قيمته عشرون درهمًا فأراد أن يعقدا فيهما صرفًا ويتفرقا بعد القبض من غير غبن، قال أبو إسحاق: يصح هذا من وجه واحٍد وهو أن يشتري صاحب العشرة نصف الدينار مشاعًا بالعشرة ثم يقبضه العشرة ويقبض الدينار منه نصفه وديعة ونصفه مبيعًا، ثم يستقرض منه العشرة فيشتري
стр. 2084
بها النصف الباقي من الدينار ويقبضها منه ويملك هذه العشرة التي اقترضها بالتصرف فيها وهو يشتري ما بقي من الدينار بها. ومن أصحابنا من قال: يصح من وجه آخر أيضًا، وهو أن يشتري منه الدينار كله بعشرين في الذمة ويقبضه منه ثم يدفع إليه العشرة من ثمنه فتبرأ ذمته من نصف ثمن الدينار ثم يستقرضها من البائع فإذا قبضها فرضًا قضى بها ما بقي من ثمن الدينار فيصير [٣٨ ب/ ٦] الدينار كله له وقد أقبض جميع ثمنه وبقي عليه لبائع الدينار عشرة دراهم قرضًا، وقال أبو إسحاق: هذا لا يصح لأن البائع تصرف فيما قبضه من الثمن في مدة الخيار وفيه رد القرض قبل التصرف فيه ولا يملك القرض بالقبض حتى يقع التصرف فيه بعد القبض والصحيح هذا الوجه الثاني، لأن هذا التصرف وإن كان في مدة الخيار فهو من المتعاقدين فكان شروعهما فيه قطعًا للخيار كما قلنا في المسألة المتقدمة. وقوله: إن فيه رد القرض قبل التصرف فيكون فسخًا للقرض ليس كذلك لأنه يقضي به ما بقي في ذمته من ثمن الدينار ولا فرق بين أن يشتري مما اقترضه ما بقي من ثمنه وهذا اختيار القاضي الطبري، وعلى هذا لو باع درهمًا في الذمة بدرهم في الذمة ثم سلم أحدهما ثم اقترض الآخر وردها عليه هل يجوز؟ فيه وجهان مبنيان على أن القرض متى يملك؟ وعند أبي إسحاق: يبطل هذا الصرف هاهنا لأنه قبض قبل أن يستقر ملكه عليها لأنه لا يملكها إلا بالتصرف.
فرع آخر
لو كان له قبل رجٍل مائة مثقال ذهبًا [٣٩/ب] فأعطاه مائة ديناٍر عددًا فكان وزنها مائة دينار ودينار، كانت المائة بالمائة التي عليه وبقي في يد القابض المائة والدينار دينار مشاع مضمون، لأنه قبضه على أنه عوض فكان مضمونًا وللذي أقبضه ذلك أن يهبه أو يأخذ به سلعة منه أو فضة، فإن أخذ سلعة جاز التفرق قبل القبض لأنه صرف، وإن اختار أن يقره في يده سلما في موصوف اتفقا عليه جاز.
فرع آخر
لو اشترى دينارًا بعشرين درهمًا في ذمته وكان معه من ثمنه سبعة عشر درهمًا فقبضها بائع الدينار وبقي من الثمن درهم لم يجز الفرق قبل قبضه، فالوجه فسخ العقد ويشتري من الدينار بقدر ما معه من الدراهم وهو تسعة عشر سهمًا من الدينار فإذا قبضه المشتري قبض هذه عن بيع وسلم الباقي أمانة في يده، ويفارق المسألة الأولى حيث يقبض هناك الدينار الفاضل مضمونًا وذلك أنه قبضه على أنه بدل في معاوضة وهاهنا قبضه أمانة لا على سبيل البدل فإذا ثبت هذا فللبائع أن [٤٠/أ] يصنع به ما شاء كأنه وديعة مفردة، إن أحب أن يهبه من المشتري فعل، وإن أحب أن يأخذ منه عوضًا فعل كما قلنا في ذلك الدينار الفاضل. وقد قال الشافعي هاهنا: إذا اشترى بفضل الدينار ما شاء تقابضا قبل أن يتفرقا. وقال الربيع عقيب هذه المسألة: لا بأس وإن لم يتقابضا أيضًا وهكذا قاله في (البويطي)، وإن تفرقا قبل التفاسخ بطل الصرف بقدر ما قابل الدرهم وهل يبطل في الباقي قد ذكرنا.
стр. 2085
فرع آخر
لو باع درهمًا بدرهم فرجح أحدهما فلا بأس أن ينزل صاحب الفضل منهما فضله لصاحبه ولو اشترى ثوبًا بدينار فوزن المشتري الدينار فرجح في الميزان فأعطاه بائع الثوب بما فضل ذهبًا وهما لا يعلمان قدر الزيادة جاز لأنه يعتبر فيه التماثل وإن جهل القدر.
فرع آخر
لو اشترى دينارًا بعشرين درهمًا فوكل من يقبضه من البائع وانصرف المشتري من المجلس قبل قبضه بنفسه بطل الصرف، نص عليه الشافعي، لأن الوكيل في الإقباض ليس يقبض ومن شرط الصرف [٤٠/ب] أن يتقابض المتصارفان قبل التفرق ولو أقبضه الوكيل قبل مفارقة الموكل المجلس جاز ذلك لأنه ما فارقه قبل القبض فإن يد وكيله كيده.
فرع آخر
لو أحال في مجلس الصرف بما عليه فإن لم يقبض حتى افترقا لا يجوز وإن قبض من المحال عليه قبل التفرق فيه وجهان بناء على أن الحوالة كالبيع أو هي عقد معونة وإرفاق فإن قلنا: بيع لا يجوز وأن قلنا بالوجه الآخر يجوز.
فرع آخر
لو اشترى رجٌل من صيرفي دينارًا بعشرة دراهم وقبض الدينار وللمشتري على الصيرفي عشرة، فقال: افعل هذه العشرة التي عليك بدلًا من الثمن لم يجز بحاٍل. وقال أبو حنيفة: إن حصلت العشرة عليه قبل الصرف لم يجز وإن حصلت بعده جاز، وهذا غلط؛ لأنه َصْرف ُعدَم فيه القبض فلا يجوز ولأنه يصير بيع دين بدين وذلك لا يجوز بالإجماع.
فرع آخر
لو أن الصيرفي أبرأ المشتري كانت البراءة باطلة لأنه أبرأ عما لم يستقر ملكه [٤١/أ] يجوز البيع وهو الأظهر؛ لأنها صفة يمتاز بها الموصوف عن غيره، والثاني: لا يجوز لأنها صفة غير الموصوف يجوز انتقالها عنه ذكره في (الحاوي).
فرع آخر
لو باع ثوبًا بدينار إلا درهمًا لم يصح لأن الثمن مجهول لأنه لا يعلم كم حصته من الدينار ولم يبق منها ثمنًا ويخالف الإقرار لأن الإقرار يصح المجهول. وقال في (الحاوي): إن جهلا أو أحدهما قيمة الدينار في الحال بطل، وإن علما قيمة الدينار فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز لأن الاستثناء من غير جنس الثمن لا يجوز. والثاني: يجوز لأنهما إذا علما أن قيمة الدينار عشرة دراهم وقد باعه بديناٍر إلا درهمًا صار كأنه قال: بعتك بدينار إلا ُعْشر ديناٍر والأول أصح لأنه لم يستثن قيمة درهم وإثما استثنى درهمًا فلا يلزم المشتري دفع الدينار كله لموضع الاستثناء ولا يلزم البائع دفع الدرهم لأنه ليس بمشترى فيتعذر استيفاء موجب العقد فبطل.
стр. 2086
فرع آخر
لو قال: اشتريت [٤١/ب] بمائة ديناٍر إلا دينارًا فقال: بعت فالبيع صحيح، لأنه يكون معلومًا وتقديره بعتك بتسعة وتسعين دينارًا.
فرع آخر
قال في الصرف: ولو كان عند رجل دنانير وديعة فصارفه فيها ولم يقّر الذي عنده الدنانير أنه استهلكها حتى يكون ضامنًا، ولا أنها في يده حتى صارفه فلا خير فيه لأنه غير مضمون ولا حاضر، ويمكن أن يكون بذلك في ذلك الوقت فيبطل الصرف. وقال أبو حامد: فإن قطعها على بقائها عنده صح الصرف، وكذلك إن ضمنها بالتعدي مع بقاء العين فإن استهلك ثم ابتاعها يجوز، لأنه يكون بيع دين بديٍن.
فرع آخر
لو كان عليه دينار فأعطى صاحبها دراهم من غير مصارفه تكون الدراهم قرضًا عليه ويترادان ولو أراد أن يحبس الدراهم ليسترد ماله لا يجوز لأن المقبوض عن بيع فاسد لا يجوز حبسه على استرجاع ثمنه. ولو استهلك الدراهم فلا وجه إلا أن يتباريا من غير شرط [٤٢/أ] أو يقبض أحدهما ماله عند صاحبه ثم يقبضه عما في ذمته. ولو أراد أن يتقاصا لم يجز لأنهما جنسان فإن قال صاحب الدينار: أبرأتك على أن تبرئني من كذا درهم لا يجوز لأن الإبراء يبطل بالشرط وإنما يصح مع الإطلاق، ولو أن أحدهما يبرأه مطلقًا ولم يبرئه الآخر من شيء جاز وكان له مطالبته بحقه، وليس للمشتري مطالبة الآخر بشيء.
فرع آخر
لو اشترى رجل ثوبًا آخر بنصف دينار يلزمه كذلك أيضًا ولا يلزمه الصحيح فإن أقبضه المشتري دينارًا صحيحًا فقد زاده خيرًا، وإن اختار أن يقبضه دينارًا مكسرًا بنصفين جاز ذلك. وإن اشترى الثوب الثاني على أن يعطيه هذا النصف والنصف الأول دينارًا صحيحًا لا يخلو، إما أن يكون هذا بعد لزوم البيع الأول أو قبله فإن كان بعده فالثاني باطل والأول صحيح لأنه دخله شرط فاسد. وإن كان قبل لزوم البيع الأول بطل الأول والثاني معًا لأنه وإن كان وقت الزيادة في الثمن فتلك الزيادة مجهولة [٤٢/ب] غير معلومة وليست بزيادة عين فبطلا.
فرع آخر
لو قال: بعتك بألف درهم مكسرة جاز وقيل: إنما يجوز إذا تقاربت القيم فإن تقاربت لا يجوز.
فرع آخر
لو قال: بألف غلة كسور ما جاز، ولو قال: بألف مثله أو بألف يجوز بالصحاح لا يجوز.
стр. 2087
فرع آخر
لو قال: بألف من نقد سرت كذا ونقودها متفقة يجوز وفيه وجه آخر لا يجوز.
فرع آخر
لو قال: بعتك بديناٍر فإن كان المقصود الصحاح انصرف إليه، وإن كان المعهود القراضة فكذلك، وإن لم يكن بينهما تفاوت وكلاهما معهود صح ومن أيهما سلم جاز، وإن كان بينهما تفاوت لا يصح.
فرع آخر
لو قال: بديناٍر صحيح فجاءه بدينارين صحيحين وزنهما دينار يقبل، ويحتمل عندي وجهًا أنه لا يقبل إذا كان بينهما تفاوت وقد يكون هذا في بعض البلاد عندنا.
فرع آخر
لو قال: بديناٍر صحيح فجاءه بدينار وزنه مثقال ونصف يلزمه قبوله والزيادة [٤٣/أ] أمانة عنده ويحتمل عندي وجهًا آخر لا يلزمه قبوله لأنه لا يكلف محمل الأمانة.
فرع آخر
لو قال: بنصف ديناٍر صحيح، فإن لم يقل مدورًا أو شقًا من ديناٍر يجوز، وإن سلم ثقيلًا وأشركه فيه يجوز، وإن قال: مدورًا وهو عام الوجود يجوز، وإن كان نادر الوجود لا يجوز.
فرع آخر
لو اشترى رجل عشرين درهمًا نقرة بديناٍر، فقال له آخر: َوّلني نصفها بنصف ما اشتريت صح لأن التولية كالبيع، ولو قال: اشتر لنفسك عشرين درهمًا نقرًة بدينار ثم َوّلني نصفها فعل كانت النقرة له دون الإذن لأنه باعه نصفها من نفسه وهو غائب.
فرع آخر
لو دفع إلى صائغ فصًا وقال له: صغ لي خاتمًا من فضة حتى أعطيك بوزن الفضة فضة وأجرة الصنعة لم َيُجز لأنهما تبايعا فضة مجهولة بفضة وتفرقا قبل القبض وشرط فيه أن يعمل له عملًا.
فرع آخر
قال في الصرف: وإذا تصارفا لا بأس [٤٣/ب] أن يطول مقامهما في مجلسهما ولا بأس أن يصطحبا من مجلسهما إلى غيره ليوفيا الحق، لأنهما لم يتفرقا فإن تعذر عليهما التقابض في المجلس وأراد التفرق يلزمهما أن يتفاسخا العقد بينهما فإن تفرقا
стр. 2088
قبل التفاسخ كان ذلك فاسدًا وجرى مجرى بيع مال الربا بعضه ببعض نسيئة ولا يعنى تفرقها، لأن فساد العقد إنما يكون به شرعًا وهو كالعقد مع التفاضل فاسد ولكنهما يأثمان به.
فرع آخر
لو تبايعا عشرة دراهم فتحية بعشرة فتحية وتقابضا فتلفت إحداها في يد قابضها ثم علم بالعيب من جنسها فليس له أخذ الَارش، لأنه يقضي إلى التفاضل ولا يمكنه الرد لأن العين مفقودة فلا وجه أن يفسخ العقد بينهما ثم ترد عليه هذه الجيدة الموجودة ويكون عليه في ذمته عشرة رديئة يعطيه مثلها وقيمتها إن اتفقا عليه، ذكره ابن أبي هريرة.
فرع آخر
لو اشترى دينارًا بدرهم وقبض وتلف عنده ثم وجده معيبًا فيه وجهان: أحدهما له [٤٤/أ] وهذا َاقيس فعلى هذا يرجع بَأرش عيب الدينار دراهم. ولو كان المبيع المعيب فضة رجع بأرش عيبها ذهبًا، والثاني: وهو قول أكثر أصحابنا لا يجوز ذلك لأمرين، أحدهما: أن الصرف أضيق حكمًا فلم يتسع له جوار الأرش فيه، والثاني: أن الأرش يعتبر بالأثمان فلم يجز أن يكون الأرش داخل في الأثمان فعلى هذا لا يخلو عيب الدينار المستهلك إذا لم يخرجه من الجنس من أحد أمرين إما أن يكون عيبًا فيصبح أن يكون صفة لما ثبت في الذمة أو لا يصح فإن كان يصح ذلك مثل أن يشتري دينارًا قاسانيًا فبان الدينار مغربيًا فعلى المشتري بدله مغربيًا، وإن كان لا يصح، أن يكون صفة لما في الذمة بأن كان مَبْهَرجًا فعليه إذا لم يرض بعينه أن يرد قيمته دراهم ولا يرد مثله لأن المَبْهرج لا مثل له ثم إذا رد مثل الدينار المعيب فيما له مثل أو رد قيمته ورقًا فيما لا مثل له فإن كان اشترى الدينار الذي بان عيبه بعينه لم يكن له المطالبة ببدله ولو كان له استرجاع [٤٤/ب] ما دفع من ثمنه، وإن كان اشتراه في الذمة من غير تعيين فهل له الرجوع بالبدل سليمًا؟ قولان ذكره في (الحاوي).
فرع آخر
لو حصلت في ذمة رجل دراهم موصوفة وكانت نقدًا يتعامل الناس بها فحظر السلطان المعاملة بها لم يستحق صاحب الدراهم غيرها ولم يجز أن يطالب بقيمتها. وقال أحمد: له المطالبة بقيمتها ذهبًا في أخر يوم حظرها السلطان وهذا غلط؛ لأن أكثر ما فيه أنه ركس قيمته وما ثبت في الذمة لا يستحق بدله لنقصان قيمته كالحنطة فإذا ثبت أن له أخذ تلك الدراهم بعينها بعد الحظر لما كان له أخذها قبل الحظر فعدمت تلك الدراهم ولو توجد كان له حينئذ أخذ قيمتها ذهبًا لتعذرها واعتبار زمان القيمة في آخر أوقات وجودها والقدرة عليها، لأنه آخر وقت كانت عينها فيه مستحقة.
فرع آخر
لو ابتاع دينارًا أو ثوبًا بعشرة دراهم معينة من هذا النقد فحظر السلطان قبل القبض
стр. 2089
المعاملة بها لم يكن ذلك عيبًا يستحق به الفسخ كرخص السعر ونقصه لأن [٤٥/أ] العيوب ما اختصت بالصفات اللازمة.
فرع آخر
وقال: أيضًا لو قال البائع في مدة الخيار للعبد المبيع: أنت حر إن دخلت الدار هل يكون قطعًا لخياره؟ وجهان.
فرع آخر
لو باع بشرط الخيار بثمن مؤجل فالأجل من وقت العقد بلا إشكال ولو شرط أن يكون الأجل محسوبًا عقيب انقضاء الخيار وجهان: أحدهما: لا يصح البيع. والثاني: يصح البيع والشرط، وذلك أنه لو باع بثمن مطلق بشرط الخيار ثم شرط الأجل قبل انقضاء الخيار والأشبه أنه يصح، وهكذا لو باع من غير شرط الخيار بثمن مؤجل على أن يكون الأجل محسوبًا عند انقضاء خيار المكان ففي صحة البيع والشرط هذان الوجهان.
فرع آخر
لو باع بثمن مؤجل إلى ألف سنة هل يصح الشرط؟ يجب أن لا يصح لأنا نقطع على المشتري لا يبقى إلى هذه الغاية والأجل يسقط بالموت، وهو كإجارة الثوب إلى ألف سنة لا يجوز ويبطل البيع ببطلان هذا الشرط.
فرع آخر
لو قال لعبده: إن مت بعد ألف سنٍة فأنت حر هل يصير به مدبرًا فيه وجهان، وليس كالبيع والإجارة [٤٥/ب] لأنهما ينزهان من الغرر بخلاف التدبير الذي يتضمن العتق والصحيح أنه لا يكون مدبرًا، لأنا نقطع على أنه لا يبقى إلى هذه الغاية وفائدة الوجهين فيمن قال: والله لا أدبر عبدي فقال له: هذا القول هل يحنث؟ وجهان.
فرع آخر
لو شرط الخيار أربعة أيام يومان للبائع ويومان للمشتري بعد انقضاء اليومين لا يجوز لأنه يزيد على ثلاثة أيام ولو شرطا خيار يوم للبائعين ويومين بعده للمشتري لم يجز لأن العقد إذا لزم في حق أحدهما يومًا لم يصح ثبوت الخيار له بعده كما لو شرط خيار يومين من بعد التفرق بيوم لا يجوز وإن شرطا خيار يوم للبائع وخيار يومين للمشتري من نصف يوم البائع لم يجز أيضًا لما ذكرنا ويحتمل أن يقال: يجوز في هذين الموضعين. ولو كان الخيار للبائع يومًا ثم زاد يومًا آخر للبائع لم يصح أيضًا، لأن خيار الشرط لا يثبت إلا باتفاقهما وهذه الحالة ليست كحالة العقد في حق المشتري، لأنه لا خيار له ويقول البائع بانفراده لا يثبت الخيار فأبطلنا الشرط لذلك.
فرع آخر
لو شرطا [٤٦/أ] خيار ثلاثة أيام ثم أسقطا اليوم الأول سقط الكل هذا هو الأظهر،
стр. 2090
وإن أسقطاه بشرط بقاء الخيار في اليوم الثاني والثالث فيه وجهان: أحدهما: لا يصح الإسقاط والخيار باق في الأيام الثلاثة، والثاني: يسقط الكل ويبطل شرطها، وإن أسقطا خيار اليوم الثاني سقط خيار اليوم والثالث وخيار اليوم الأول صحيح.
فرع آخر
قال والدي ﵀: إذا شرط خيار الثلاث للمكاتب فإن أراد نفى الخيار له بعد الثلاث بطل العقد قولًا واحدًا، وإن أراد نفي الخيار إثبات الخيار له في الثلاثة مع ثبوتها بعدها صح العقد ولا معنى لهذا الشرط، وإن أطلقا القول بلا إرادة فيه وجهان: أحدهما: لا يبطل. والثاني: يبطل لأن تقديره بثلاثة نقيض نفي الخيار بعدها كما لو قال لآخر: اقض ديني إلى ثلاثة أياٍم لم يكن له قضاؤه بعد الثلاث، ومن قال بالأول أجاب عن هذا بأن الأجنبي لا يقضي الدين عن غيره من ماله إلا بإذنه، فإذا قدر بالثلاث عاد الأمر بعد الثلاثة إلى ما كان من قبل وهاهنا الخيار ثابت للمكاتب أبدًا فشرطها خيار [٤٦/ب] الثلاث يفضي إلى إثباته فإذا مضت ثبت الخيار بحكم العقد، ولا يكون هذا الشرط مفيدًا زيادة فائدة فصار كما لو باع عبده بعشرين بشرط حلول عشرة منها صح وكان الكل حالًا، ولا يقال النص على حلول العشرة يقتضي تأجيل الباقي فلا يصح البيع لجهالة الأجل كذلك هاهنا ويحتمل في مسألة الأجل وجهًا آخر أنه يبطل البيع بدليل الخطاب.
فرع آخر
لو شرطا أن يكون الخيار لعبد أجنبي فإن كان بإذن سيده جاز وإن كان من غير إذنه فيه وجهان.
فرع آخر
لو شرطا خيار يوم لأنفسهما ويوم بعده لأجنبي فيه وجهان، كما ذكرنا إذا شرطا يومًا للبائع ويومين بعده للمشتري، والأشبه أنه يصح هاهنا بخلاف تلك المسألة لأن المنع هناك لزوم البيع في حق أحدهما مدة ثبوت الخيار له وهذا غير موجود هاهنا، ولهذا لو باع ثم شرطا الخيار قبل التفرق لزيد صح وإن لم يملك زيد هذا الفسخ قبل اشتراطه، فلا بأس هاهنا أيضًا أن لا يملك الأجنبي الفسخ [٤٧/أ] ثم يملك.
فرع آخر
لو قال: اشتري العبد بشرط الخيار قلنا: بإذن السيد لم ينقل حينئذ جاز إلى عبده كخيار الوكيل بخلاف خيار المكاتب ينقل إلى غيره في أحد الوجهين، وقد ذكرنا قبل هذا يثبت للسيد لأنه المالك في الحقيقة.
فرع آخر
قال: إذا شرطا خيار يوم لأنفسهما، ثم مات أحدهما قبل انقضائه فأراد الوارث مع العاقد زيادة يوم آخر للخيار يحتمل وجهين، أحدهما: يصح وهو الأشبه لأنه قائم مقام المورث ثم جازت الزيادة للمورث فكذا الوارث، والثاني: لا يصح، لأنه يتلقى هذا
стр. 2091
الخيار عن الميت فلا يجوز إثبات خيار له بحكم العقد لم يكن ثابتًا للمورث.
فرع آخر
قال: إذا أتلف المبيع في مدة الخيار بعد القبض قلنا: لا يبطل الخيار وكان الخيار يومًا فزاد يومًا آخر بعد التلف يحتمل وجهين كما قلنا في الإقالة بعد تلف المبيع والمذهب [٤٧/ب] أنه لا يجوز.
فرع آخر
قال: لو اشترى عصيرًا فصار خمرًا في يد البائع ثم صارت خلًا هل يصح البيع؟ وجهان بناء على أنها إذا عادت خلًا هل يعود الملك الآن أو يتبين به بقاء الملك حال كونه خمرًا؟ وفيه وجهان، وهو كالقولين في الرهن هل يعود بمصيرها خلًا؟ والأصح أنه يتبين به بقاء الملك حال كونه خمرًا، لأني لا أعلم خلافًا أن الرجل لو مات وترك خمرًا ثم صارت خلًا يقضي من ثمنه دين الميت وينفذ منه وصاياه ونظيره أن يبيع عبدًا فأبق قبل القبض هل يبطل العقد؟ قولان: والأصح أنه لا يبطل وللمشتري الخيار وعندي أنه يبطل على المذهب الصحيح لأنه زالت المالية بمصيرها خمرًا فيستحيل بقاء المبيع وإذا بطل المبيع لا يعود من غير تحديد.
فرع آخر
قال: رجلًان لهما عبدان فأذنا لهما بالتجارة فاشترى عبد أحدهما عبد الآخر وفعل الآخر مثل ذلك ولم يدر أيهما اشترك قبل صاحبه لم يصح واحد منهما، لأن عبد أحدهما إذا اشترى عبدًا لآخر صار المشتري مالك المشتري [٤٨/أ] فلا يصح شري الثاني بعده فأشبه عين الصحيح من الفاسد فأبطلناهما كتزويج الوليين للمرأة من رجلين يبطلان عند الاشتباه لما ذكرنا.
فرع آخر
قال: لو وكل ببيع شيء أو شرائه فاشتراه الوكيل أو باعه ثم مات الموكل في المجلس بطل البيع لبطلان الوكالة قبل تمام البيع، ولو عزله عن الوكالة كان كذلك.
فرع آخر
أرض بين اثنين لا يعلم أحدهما مقدار حقه منها فباع جميعها من رجل ثم عرف نصيبه يصح إذا جوزنا تفريق الصفقة، لأن ما تناوله البيع لفظًا معلوم وفي كلام أصحابنا ما يدل عليه قالوا: إذا باع عبدًا ثم ظهر الاستحقاق في البعض صح في الباقي على هذا القول ولم يفصلوا بين أن يكون البائع عالمًا بمقدار نصيبه منها أو لم يكن عالمًا به.
فرع آخر
لو قال: بعتك هذا الثوب بعشرة فقال المشتري: اشتريته لفلان ولم يكن وكيلًا في الشراء هل يصح؟ وجهان والأشبه أنه يصح له.
فرع آخر
لو كان له عبدان أحدهما أصغر من الآخر [٤٨/ ب] فقال: بعتك عبدي الأصغر مبارك
стр. 2092
وكان اسمه غانم واسم الآخر مبارك صح لأن الاسم قد يتغير ولو قال: بعتك مبارك ولم يقل عبدي فالأشبه أنه لا يجوز، ويحتمل أن يقال يجوز، ولو قال: بعتك عبدي مبارك والمشتري لا يعلم من العبد الذي يسمى مبارك من عبديه لا يجوز لأن المعقود عليه مجهول.
فرع آخر
لو قال: بعتك هذا العبد وأشار إلى َأَمة لا يجوز، ولو قال: بعتك هذا العبد الكبير وكان صغيرًا صح، لأن الأول اختلاف الجنس وهاهنا اختلاف الصفة ولو كان هذا في العتق وقع العتق.
فرع آخر
لو قال الوكيل عند البيع: بعتك عبدي هذا هل يجوز؟ وجهان.
فرع آخر
لو باع دجاجة فيها بيضة فباضت في الحال ثم وجد بالدجاجة عيبًا هل يلزمه رد البيضة مع الدجاجة؟ وجهان بناء على القولين في الحمل.
فرع آخر
لو قال: بعتك هذا العبد بعشرة فقال: قبلت البيع فيه وفي عبد آخر أشار إليه بعشرة لا يجوز، [٤٩/أ] ولو قال: بعتك هذين العبدين بعشرة أحدهما لغيره فقال: قبلت عبدك بعشرة فعلى القول الذي يقول لا يفرق الصفقة لا يجوز، وإذا قلنا: يجوز تفريق الصفقة فيه قولان؛ أحدهما: يجوز القبول وهذا إذا قلنا: يجوز البيع فيه بجميع الثمن، والثاني: لا يجوز وهذا إذا قلنا يأخذه بحصته من الثمن.
فرع آخر
إذا باع ثم اختلفا فقال البائع لم أكن بالغًا وقت المبيع وأنكر المشتري واحتمل ما قاله كل واحٍد منهما فالقول قول البائع لأن الأصل الصغر.
فرع آخر
لو باع عبدًا مسلمًا من مسلم وشرطا الخيار ثلاثًا لكافر، يحتمل أن لا يجوز لأن الكافر لا يملك العقد عليه للتمسك فلا يجوز شرط الخيار له كما لا يجوز شرطه للمجنون والصبي وكذلك لو باع من آخر صيدًا وشرطا الخيار للمحرم لا يجوز وهكذا ذكر والدي رحمه؛ الله، والأصح عندي أنه يجوز، لأنه من أهل الشرط والإجازة والرد ولا إذلال للمسلم في إجازته وفسخه.
فرع آخر
لو باع عبدًا وسلمه إلى [٤٩/ب] المشتري وديعة، فقبضه ولم يعلم أنه المبيع فمات في يده فيه وجهان: أحدهما: أنه من ضمان البائع وعليه رد ثمنه، والثاني: أنه من ضمان المشتري وأصل هذا أنه إذا غصب طعامًا فأطعمه المالك وكان جاهلًا هل يزول الضمان عن تغاصب قولان والأصح أنه لا يزول.
стр. 2093
فرع آخر
لو باع من آخر دراهم معدودة على أنها عشرة دراهم وزنًا بدنانير ثم تبين أنها أكثر فيه قولان: أحدهما: لا يصح البيع، والثاني: يصح وللبائع الخيار، كما لو ظهر النقصان من العشرة للمشتري الخيار.
فرع آخر
العبد الموصى لمنفعته لواحد وبرقبته لآخر، فباع صاحب الرقبة ُنِظر فإن باعها من صاحب المنفعة صح وإن باعها من غيره وجهان وفيه وجه ثالث ضعيف لا يصح منهما.
فرع آخر
عبد بين رجلين اشتراه رجل منهما ولا يعلم المشتري كم تصيب كل واحٍد منهما جاز لأن حمله المبيع معلومة فصار كما لو باع عبدين بثمن واحد ويحتمل أن يقال: لا يجوز لأن عقد الواحد مع اثنين كعقدين فلا يجوز إلا [٥٠/ أ] أن يكون ما يبيعه كل واحٍد منهما معلومًا ولهذا لا يجوز الرد بالعيب على أحدهما دون الآخر، وهذا صح عندي.
فرع آخر
لو كان عليه دين حال فدفعه إليه لشرط أن يبيعه ثوبًا، فالشرط باطل وهل له استرجاع ما دفعه إليه ليدفع غيره؟ القياس أن له ذلك لأن القبض فاسد بهذا الشرط، ولا يتعين بعض المال لقضاء الدين منه إلا باختيار من عليه.
فرع آخر
لو باع ثوبًا على أنه من قطن فإذا هو من كتان فإن لم يعلما لا يجوز وإن علما يحتمل وجهين: أحدهما: يجوز لأن الاعتبار بالإشارة ولا معنى لتسمية مع الإشارة عند العلم وقد ذكر المزني: لو قال: أبعتك هذا الفرس وهو يراه عبدًا أو هذا الرداء وهو يراه قميصًا أو هذا النعل وهو يراه خفًا يجوز البيع ولا اعتبار بالاسم وهذا صحيح؛ لأنه يصير كأنهما تلاعبا التسمية فوجودها وعدمها سواء ويعتبر الإشارة فعلى هذا في مسألة الثوب يجب أن يجوز.
فرع آخر
لو باعه على أنه تمر فكان رطبًا وكان [٥٠/ب] رآه رطبًا هل يبطل البيع بهذا الشرط؟ وجهان: أحدهما: لا يبطل وللمشتري الخيار، والثاني: يبطل لأن هذا الاختلاف كاختلاف في الجنس، والأول أصح لأنهما جنس واحد ولهذا لا يجوز بيع أحدهما بالأخر متفاضلًا.
فرع آخر
إذا باع بدراهم مطلقة وفي البلد نقود مختلفة وفي البلد الذي هو أقرب إلى بلد، نقد واحد
стр. 2094
وقال البائع وقت البيع: لا أعني نقد بلدنا ولا يجب أن تحمل كلامي عليه، هل يصح البيع حملًا لهذا البيع على نقد البلد الآخر؟ يحتمل وجهين: أحدهما: يصح لأنه إذا سقط حمله على عرف بلده يعين أقرب البلاد إليه كما قلنا في قسمة الزكاة، والثاني: لا يصح لأنه ليس بلد أولى من بلد بعدما سقط اعتبار بلده، وهكذا لو كان في بلده نقد واحد وفي البلد الذي يقربه نقد واحد فباع بدراهم واستثنى نقد البلد الذي هما فيه، هل يحمل على نقد البلد الآخر بقربه ليصح البيع أم لا؟ فيه وجهان أيضًا، ولو كان بلدان هما قريبان من ذلك البلد ولا بلد أقرب منهما، وسقط اعتبار نقد بلدهما [٥١/أ] قلنا: يعتبر بالأقرب في أحد الوجهين واستوي هذان البلدان في القرب ُنِظر فإن كان النقد فيهما واحدًا صح وإن كان نقدهما مختلفًا لم يجز لأنه ليس حمله على أحدهم بأولى من حمله على الآخر، وحمله عليهما لا يمكن فإن قيل: لم لا يقولون يحمل عليهما ليكون نصف الثمن من نقد أحد البلدين وأنصف الآخر من نقد البلد الآخر؟ قلنا: لأنه لا يمكن كما لو كان في البلد نقدان فباع بثمن مطلق لا يحمل على المباضعة بالإجماع كذلك هاهنا.
فرع آخر
إذا أعاد البائع المبيع من المشتري هل يبطل حق الحبس؟ قال والدي الإمام: لا يبطل حقه من الحبس كما في الرهن. وسمعت بعض أصحابنا بخراسان قال: يبطل حق الحبس لكون العقد يس بعقد الحبس بخلاف الرهن وهذا قول أبى حنيفة.
فرع آخر
إذا باع شيئًا في يده ولا يدري أنه له أو لا وقبض ثمنه هل يحل له ذلك من جهة أن اليد دلالة الملك؟ أو لا يحل من جهة أنه كلف فيما في نفسه الإحاطة؟ ينبغي أن لا يحل لأنه يكلف الإنسان [٥١/ب] فيما في نفسه الإحاطة إذا أمكن.
فرع آخر
إذا باع جلد الغنم بجلد البقر متفاضلًا هل يصح؟: يحتمل قولين بناء على القولين في اللحمان.
فرع آخر
إذا قال لآخر: بع هذا المال، فباعه ولم يقبل التوكيل ولا رده صح البيع. فإن قيل:
فما معنى قولكم الوكالة تفتقر إلى القبول ويجوزون بيعه قبل القبول؟ قلنا: فائدته أنه لو وكل آخر بقبض دينه من رجل فتمكن الرجل من دفعه إلى هذا الوكيل ولم يتمكن من الدفع إلى الموكل نظر فإن قبل الوكيل الوكالة فعليه دفع ما عليه إليه لأن التمكن من دفع المال إلى الوكيل كالتمكن من دفعه إلى الموكل، وإن لم يقبل الوكالة لم يلزم الدفع لأنه لم يصر وكيلًا بعد وهذا قبل مطالبة الوكيل، فأما إذا طالبه بالدين عن الموكل يلزمه الدفع لأن هذه المطالبة جارية مجرى قبول الوكالة والرضا بها ويحتمل وجوب الدفع إليه قبل المطالبة لأن الدفع إليه موجب للبراءة فهو كما بعد القبول وفائدة
стр. 2095
أخرى وهي أن الرجل [٥٢/أ] إذا وكل بقبض العارية من فلان فوصل ذلك المال إلى يد هذا الوكيل وهو لا يعلم أنه ذلك المال الذي أذن له موكله فقبضه ُنِظر فإن كان قبل الوكالة زال الضمان عن المستعير، وإن لم يكن قبلها لم يزل الضمان، لأن المال لم يصل إلى يد صاحبه ولا وكيله، فإن قيل: لم لا يزول الضمان ويصح البيع؟ قلنا: لأن الشروع في أسباب البيع يقوم مقام قبول الوكالة والرضا بها والقبول تارة من جهة القول وتارة من جهة المعنى، وهذا غير موجود في مسألة الضمان لأنه لم يعلم أن المال لغيره الذي هو الموكل حتى يجعل قبضه كالرضا بالقبول.
فرع آخر
لو باع شاًة لبونًا بشرط أنها غير لبون أو حاملًا بشرط أنها غير حامل لم يصح البيع لأن هذا يقتضي استثناء الحمل واللبن من البيع، ولا يصح البيع مع هذا الاستثناء وفيه آخر يجوز كما لو باع عبدًا على أنه لا يد له وكان له اليدان صح، وهذا أصح.
فرع آخر
إذا أريد بيع مال اليتم وقت النداء يوم [٥٢/ب] الجمعة للضرورة وهناك حران على أحدهما الجمعة دون الآخر ومن عليه الجمعة يطلبه بدينار ومن لا جمعة عليه يطلبه بنصف دينار من أيهما تباع؟ يحتمل وجهين: أحدهما: يباع ممن لا جمعة عليه كيلًا يوقع الآخر في معصيٍة. وقد روي أن النبي ﷺ قال: (الدال على الشر كفاعله)، والثاني: يباع ممن يطلبه بدينار، لأن الذي إليه هو الإيجاب وهو غير عاٍص به وإنما القبول إلى الطالب وهو الذي يقضي بالقبول، ويحتمل أن يرخص له بالقبول هاهنا لنفع اليتم إذا لم يؤد إلى ترك الجمعة كما يرخص للولي الإيجاب لحاجة اليتيم إليه.
فرع آخر
لو كان هذا الاختلاف في طلب العصير أو السيف والطالب يريد أن يجعل خمرًا أو آلة للقتل المحرم فمن أيهما يباع؟ فإن قلنا في المسألة قبلها يباع بأكثر فإن قلنا هناك يباع بالأقل يحتمل أن يقال هاهنا يبيع ممن يطلب بأكثر والفرق أن تلك الكراهية على التحريم وهذه الكراهية على التنزيه والكراهية تزول [٥٣/أ] هاهنا لأنه ممنوع للبيع من غيره بالأقل فإن عليه طلب الحظ لليتيم ولا يجوز له البخس بحقه.
فرع آخر
لو باع دينًا له على رجل من قرض من رجٍل هل يصح البيع؟ وجهان، فإن قلنا: لا يصح فدفع المديون إلى المشتري هل يبرأ من حق البائع؟ وجهان: أحدهما: يبرأ الآن في ضمن البيع بالأذن بالقبض فصار كما لو دفعه إلى وكيله. والثاني: لا يبرأ لأن البيع فاسد ففسد ما في ضمنه ومقتضاه وأصل هذا إذا باع نجوم الكتابة من رجل لا يصح في أصح المذهبين، فلو أدى المكاتب النجوم إلى المشتري هل يعتق؟ وجهان.
стр. 2096
باب بيع اللحم باللحم
مسألة: قال: (واللحُم كله صنُف).
الفصل
جملته أن الشافعي نص على قولين في اللحمان: أنها أصناف أو صنف واحد والأصح أنها أصناف وهو اختيار المزني، وقد قال الشافعي: وهذا قول يصح ويقاس، وبه قال أبو حنيفة وأحمد في رواية، وقال بعض أصحابنا بخراسان: الأصح أنها صنف واحد وهذا غلط لأنها فروع لأصول هي أجناس فوجب أن تكون [٥٣/ب] أصنافًا كالأدقة ولأن أصح القولين أن الألبان أصناف وهي رشح الحيوان واللحمان نفس الحيوان وذاته فهي أشبه بالأصناف. وقال مالك: اللحمان ثلاثة أصناف: لحم الوحشي والإنسي صنف، ولحم الطير صنف، ولحم دواب الماء صنف. وهي الرواية الثانية عن أحمد إلا أنه جعل الوحش صنفًا آخر. واحتج بأن القصد مختلف في هذه اللحوم فكانت أصنافًا وهذا لا يصح لأن منفعة لحم الإبل ولحم الغنم تختلف وهما صنف واحد عنده فإذا قلنا: إنها صنف واحد بينه الشافعي مما لا مزيد عليه فقال: اللحم كله أنسيه ووحشيه وطائره صنف، وأما السمك على هذا القول فالمذهب أنه صنف آخر. وقال أبو إسحاق: هو نوع من الصنف. كالطير لأن اسم اللحم يقع عليه قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَاكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [فاطر: ١٢]، فسمي السمك لحمًا وهذا غلط مذهبًا وحجاجًا. أما المذهب قال الشافعي: ومن قال هذا لزمه أن يقول السمك من الصنف وهذا لا يقوله أحد ونص في (الأم) أن الحيتان جنس غير جنس سائر اللحمان. وأما الحجاج هو أنه لا يضاف [٥٤/أ] لحمه إليه وإنما يقال: سمك ولا يقال: لحم سمك فلا ينطلق عليه اسم اللحم ولهذا لو حلف لا يأكل اللحم فأكل لحم السمك لا يحنث وأما الآية قلنا: الله تعالى قيده بالإضافة إلى مسكنه فقال: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَاكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّاَ﴾ [فاطر: الآية ١٢]، فعلم أنه لحم بالتقييد لا بالإطلاق فعلى هذا اللحمان كلها صنفان فلحوم حيوان البر على اختلافها صنف، ولحوم حيتان البحر على اختلافها صنف، واختار القاضي أبو حامد في (الجامع) والقاضي الطبري ما قاله أبو إسحاق وقالا: لم يقل الشافعي على ما حكاه أبو حامد بل قال: ومن قال هذا لزمه عندي أن يقول مثله في الحيتان؛ لأن اسم اللحم جامع لها وقد أطلق الله تعالى فقال: ﴿لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [النحل: الآية ١٤]، وعندي للأصح ما تقدم في القياس. والجراد: هل يكون من جنس اللحم؟ وجهان؛ لأن اسم اللحم لا ينطلق عليه ولا يكون صورته صورة اللحم.
فرع
لحمان حيوانات البحر مبني على ما تقدم فإن قلنا: لحمان حيوانات البر صنف
стр. 2097
واحد أيضًا، وإن قلنا هناك، وإن قلنا قال الشافعي: والشمول أصناف مختلفة لأن اختلاف دواب [٥٤/ب] البحر أكثر من اختلاف دواب البر وهل يلحق بها الجراد؟ وجهان، أحدهما: يلحق لأنه نقل في الآثار أن أصله سمك ولهذا حل ميتة الجراد، والثاني: لا يلحق لأنه حيوان بري يلزم الجزاء على المحرم بقتله.
وقال في (الأم): كل ما كان على خلقة فهو جنس وما كان على خلقة أخرى فهو جنس آخر فالسمك صنف. وبقر الماء صنف وغنم الماء صنف، وقال القفال: الحوت المعروف الذي لا اسم له إلا الحوت كل صنفه واحد. وأما بقر الماء ونحو ذلك فإن قلنا: لا يتناوله اسم اسم الحوت ولا يحل ميتته فهي أصناف، وإن قلنا يحل ميتته وكلها حوت فهي صنف واحد فيحل على هذا كلب الماء وخنزير الماء وهو من جنس الحوت.
فرع آخر
إذا قلنا: اللحمان أصناف فلحم الإبل وأنواعها غرابها ونجابها صنف واحد وكذلك أنواع البقر وأنواع الغنم وبقر الوحش صنف والظباء صنف والأرانب صنف والضباع صنف وكذلك أصناف الطيور الكراكي صنف، والحباري صنف والأوز صنف [٥٥/أ] والدجاج صنف والحمام صنف وقيل فيه وجه، أنه يلحق الظباء والإبل بالغنم لأنه يقرب منه كالضأن مع المعز ويلحق بقر الوحش بالإنس والأول أصح لافتراقهما في الزكاة والضحايا والهدايا وحد الحمام ما ذكر الشافعي في كتاب الحج فقال: كل ما عب وهدر فهو حمام من اليمام والفواخت والقماري والدباسي، ونص في الربيع أن كل هذا صنف والعصافير صنف، وقال الشيخ أبو حامد: هذا بعيد عندي كل واحٍد من هذه صنف، الحمام وأنواعه صنف، والقماري صنف والفواخت صنف وهذا لأنه يتفرد كل واحٍد باسم وصفة وهذا اختيار جماعة أصحابنا.
فرع آخر
في الشحوم قولان كاللحمان سواء.
فرع آخر
هل تكون الإلية وما حمله الظهر صنفًا من الشحم أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما: أنها صنف من حملة الشحم. وبه قال مالك، والثاني: أنها أصناف مختلفة غير الشحم وبه قال أبو حنيفة.
فرع آخر
اللحم الأبيض والأحمر صنف وهما لونان، والشحم الذي على الظهر قد قيل [٥٥/ ب]: إنه لحم سمين والشحم الذي في الجوف صنف آخر والإلية صنف آخر والطحال صنف غير الكبد والفؤاد صنف آخر وكذلك المخ والدماغ والكرش واللسان والمصران كل واحٍد منها صنف.
стр. 2098
فرع آخر
إذا قلنا ت اللحمان أصناف فالبيض أولى، وإذا قلنا; صنف واحد ففي البيض وجهان.
فرع آخر
بيض السمك هل يكون نوعًا من لحم السمك؟ وجهان: أحدهما: أنه صنف غير السمك كما أن بيض الطير صنف غير لحم الطير، والثاني: أنه نوع من لحم السمك لأنه يؤكل, معه حيًا وميتًا.
فرع آخر
الجلد إذا كان على اللحم، فإن كان غليظًا لا يؤكل معه منع من بيعه باللحم، وإن كان رقيقًا يؤكل معه كجلود الجدي والدجاج فهل يمتع إذا كان على اللحم من بيعه باللحم؟ وجهان كالعظم.
فرع آخر
إذا قلنا: اللحمان أصناف فمتى باع صنفًا يصنف آخر كلحم الغنم بلحم البقر ونحو ذلك جاز متفاضلًا ومتماثلًا، وزنًا وجزافًا رطبًا ويابسًا يدًا بيٍد، وإذا قلنا: إنها [٥٦/أ] صنف واحد وقلنا: أصناف فباع الصنف الواحد بعضه ببعض رطبًا برطب فالمذهب أن البيع باطل، وكذلك إذا كان أحدهما رطبًا والآخر يابسًا لأن معظم منفعته في حال يبوسته، وقال ابن سريج: فيه قول آخر يجوز لأن العادة معظم منفعته في حال رطوبته كالفواكه والأول أصح لأن كل ما يتخذ منه رطبًا يتخذ منه يابسًا، ويدخر في حال يبوسته ولا يدخر في حال رطوبته.
فرع آخر
لو باع بعضه ببعض يابسًا فإن لم يتناه يبسه وبقي فيه رطوبة، وإن قلت: لم يجز وإن تناهى يبسه وجفافه لا يبقى فيه نداوة جاز، وبيع الشحم بالشحم والإلية بالإلية كاللحم باللحم فإن قيل: أليس بيع التمر بالتمر يجوز، وإن كان فيه رطوبة قليلة؟ قلنا: الفرق من وجهين: أحدهما: ما ذكره الشافعي أن التمر يباع كيلًا، وذلك القدر لا ينقص من الكيل وهذا يباع وزنًا وهذا القدر يظهر نقصانه في الوزن، ولهذا لو باع حنطة بحنطة وفي أحدهما دقاق التبن أو قليل التراب يجوز ولو كان هذا في الموزون لا يجوز، [٥٦/ ب] والثاني: ما ذكره أصحابنا: أن تلك الرطوبة الباقية في التمر تذهب على مر الأيام ويتناهى يبسه بلا فساد وهاهنا بقاء الرطوبة يفسده فيمنع جواز البيع، لأنه ما انتهى إلى حال يدخر عليه.
فرع آخر
قال في (الأم): كان اللحم ببلدة ندية وكان إذا يبس ثم أصابه الندى رطب
стр. 2099
حتى تثقل لم يبع بعضه ببعض حتى يعود إلى الجفاف لأن ذلك يؤدي إلى التفاضل.
فرع آخر
لو باع بعضه ببعض منزوع العظم يجوز بلا خلاف ويفارق التمر بالتمر منزوع النوى في أحد الوجهين، لأن بقاء النوى في التمر من مصلحته بخلاف بقاء العظم لما فيه من المخ وأيضًا التمر يباع كيلًا فإذا نزع منه النوى يختلف ويتجافى في الكيل بخلاف اللحم فإنه يباع وزنًا.
فرع آخر
لو باع مع العظم بلحٍم فيه عظم قال الاصطخري: يجوز لأن العظم فيه كالنوى في الثمر، وقال سائر أصحابنا وهو المذهب: لا يجوز، لأن العظم [٥٧/ أ] فيه كالشمع في العسل وليس من مصلحته بخلاف النوى في التمر هكذا ذكره أبو حامد. وقال القاضي الطبري: قال أكثر أصحابنا: يجوز وحكي عن أبي إسحاق: لا يجوز.
فرع آخر
لو كان مملحًا فإن كان ذلك القدر من الملح يظهر في الوزن لا يجوز وإن كان لا يظهر في الوزن جاز مثل إن قدد بماء الملح لا يعين الملح وكذلك لا يجوز بيع الحوت بعضه ببعٍض طريًا ولا نديًا ولا مملوحًا، ولكن يجوز إذا بلغ غاية نفسه غير مملوح.
فرع آخر
لو باع المشوي بالنيء أو المطبوخ بالنيء لا يجوز بحال وقال مالك: يجوز المطبوخ باليابس وقال أبو حنيفة؛ يجوز النيء بالمشوي والمطبوخ وهذا غلط لأنهما يتفاضلان حال الادخار، لأن النار تنقص المشوي وتزيد في المطبوخ.
فرع آخر
لو ضم عظم من عضو آخر إلى لحم وباع بلحم آخر فيه عظم أو لا عظم فيه لا يجوز بلا خلاف، كما لو ضم النوى إلى تمر وباع بتمر لا يجوز، وإذا تقرر هذا [٥٧/ ب] قال المزني: قطع قبل هذا الباب بأن ألبان الغنم والبقر والإبل أصناف.
الفصل
وهذا الذي ذكر المزني استشهاد بالخلاف على الخلاف لأن هناك قولين مشهورين أيضًا وحكي المزني القطع بأحد القولين في بعض المواضع والقطع بأحد القولين في بعض المواضع لا يقتضي تضعيف القول الثاني وتزييفه.
باب بيع اللحم بالحيوان
قال: أخبرنا مالك عن زيد بن أسلم الحبر بيع اللحم بالحيوان لا يجوز في الجملة، وبه قال أبو بكر الصديق ﵁ والفقهاء السبعة ﵏، وذكر
стр. 2100
الشافعي ﵁ عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق وسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وأبي بكر بن عبد الرحمن بن هشام من جملتهم والثلاثة الباقون الذين لم يذكرهم الشافعي هاهنا سليمان بن يسار وخارجة بن زيد بن ثابت وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ﵃، وهو قول مالك وأحمد.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: يجوز على الإطلاق، وقال المزني: يجوز ذلك قياسًا. إلا أن يثبت [٥٨/ أ] الخبر. وقال محمد: يجوز على التعديل فإن كان اللحم الخارج أكثر من اللحم الذي في الحيوان جاز حتى يكون اللحم باللحم متماثلًا وما زاد في مقابلة السواقط وإلا فلا يجوز وهذا غلط لما روى الشافعي عن سعيد بن المسيب (أن النبي ﷺ نهى عن بيع اللحم بالحيوان) وقال الشافعي: إرسال ابن المسيب عندنا حسن ورواه الزهري عن سهل بن سعد الساعدي عن النبي ﷺ ورواه ابن عمر وأبو هريرة مرفوعًا أيضًا. وروي عن الشافي عن سعيد بن المسيب: (أن النبي ﷺ نهى عن بيع اللحم بالشاة الحية) وفي لفظ (نهى عن بيع الحي بالميت). وروى ابن عباس: (أن جزورًا نحرت على عهد أبي بكر الصديق فجاء رجل بعناٍق وقال: أعطوني جزورًا بهذا العناق فقال أبو بكر ﵁ لا يصلح هذا). وروي أنه قال: (لا يباع حّي بميت) فإذا تقرر هذا فبيع اللحم بالحيوان إن المأكول من جنسه لا يجوز ولو باع لحم الغنم بالبقر، قال صاحب (الإفصاح): لا يجوز قولًا واحدًا، وقال غيره: إن قلنا: اللحمان جنس واحد لا يجوز، وإن قلنا: أجناس فيه وجهان: [٥٨/ب] أحدهما: يجوز وبه قال مالك وأحمد وهو الصحيح لأن في الجنس لا يحرم التفاضل، والثاني: لا يجوز وهو ظاهر الخبر. وأثر أبي بكر الصديق ﵁ فيه.
فرع آخر
لو باع بحيوان لا يؤكل كالحمار والبغل فيه قولان: أحدهما: لا يجوز لظاهر السنة، والثاني: يجوز وبه قال مالك وأحمد وهو القياس؛ لأنه لا ربا فيما لا يؤكل والعلة في المأكول أن هذا الحيوان قد يصير مثل ذلك اللحم.
فرع آخر
لو باع السمك بالشاة فيه وجهان بناء على أن السمك هل هو صنف من اللحم أم لا؟ واختيار الماسرجسي أنه يجوز لأنه لا سمى لحمًا على الإطلاق.
فرع آخر
لو باع اللحم بالسمك الحي، فإن قلنا: السمك من جنس سائر اللحوم لا يجوز، وإن قلنا ليس من جنسها فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز لأنه لحم بحيوان، والثاني: يجوز لأن حي السمك في حكم ميتة بخلاف الحيوان.
стр. 2101
فرع آخر
بيع الشحم بالحيوان أو الإلية به أو شري، [٥٩/ أ] وقد قال الشافعي في كتاب (الرهن الصغير) وإرسال ابن المسيب عندنا حجة وإنما خصه لمعنى في مراسيله وص أنها مسانيد من طريق غيره ومراسيل غيره بقيت مقاطع إلى يومنا هذا فاحتجاج الشافعي واقع في الحقيقة بالمسند لا بالمرسل، وقد ثبت فيه قول المتقدم وهو ما روينا عن أبي بكر الصديق ﵁، ولأن مع هذا القول نوعًا من القياس وهو يقول لأنه جنس فيه الربا بيع أصله الذي فيه مثله فلا يجوز. كما لو باع الدهن بالسمسم والله أعلم.
باب ثمن الحائط يباع أصله
قال: أخبرنا ابن عيينة وذكر الخبر. إذا باع نخلًا عليها طلع لا يخلو إما أن يكون الطلع قد أّبر أو لم يؤبر فإن كان قد أّبر قال الشافعي: والتأبير أن يؤخذ شيء من طلع النخل فيجعل بين ظهراني طاع الإناث لتشتد برائحته وتقوى ولا يفسد ويكون لها صلاحًا بإذن الله تعالى، فهذا الطلع يكون للبائع ولا يتبع الأصل في البيع إلا أن يشترط المبتاع فيكون له بالشرط [٥٩/ ب] وبه قال جماعة العلماء، وقال ابن أبي ليلى: وحده يكون للمبتاع بإطلاق العقد لأنها متصلة بالأصل اتصال الحلقة بالأغصان وهذا غلط لقوله ﷺ : (من باع نخلًا بعد أن تؤبر فثمرتها للبائع) إلا أن يشترط المبتاع ولأنه نماء ظهر من أصله فلا يتبع في البيع كالولد المنفصل وليس كالأغصان لأنه داخل في النخلة بخلاف الثمرة، وإن لم تؤبر فثمرتها للمشتري بإطلاق العقد إلا أن يشترطه البائع.
وقال أبو حنيفة: يكون للبائع أيضًا إلا (أن يشترطه المشتري) وبقولنا قال مالك وأحمد والدليل عليه ما ذكرنا من الخبر، وأيضًا روي أن رجلًا ابتاع نخلًا في عهد رسول الله ﷺ ثم اختلفا في الثمرة فقال البائع: الثمرة لي، لأنها أّبرت في ملكي فجعل رسول الله ﷺ (الثمرة لمن أبرأت في ملكه) وإذا تقرر هذا لو تشقق الطلع بنفسه وظهرت الثمرة فحكمها حكم ما لو شققة الصفار ليظهر. واعلم أن الطلع أول ما يخرج يكون الكافور وهو الجف والقشر مكممًا [٦٠/ أ] له أي مغطيًا فإذا تشقق عنه الكافور ظهر العذق وحبه يكون صغارًا مثل الحمص أو دونه وإذا كان الحائط النخل فجاء حسل في ناحية الصبا وهبت الصبا وقت الإبار، فإن الإناث تتأبر بروائح طاع الفحاحيل. ثم قال الشافعي: فإذا جعل النبي ﷺ الإبار حّدًا لملك البائع فقد جعل ما قبله حدًا لملك المشتري وقصد به الرد على أبي حنيفة ومعناه أنه ﷺ جعل الإبار حدًا ليفصل بين ما قبله وبين ما بعده، فلا معنى للتسوية بينهما مع تفصيل رسول الله ﷺ .
فرع
لو باع الطلع وحده قبل تشققه قال أبو إسحاق: لا يجوز لأن المقصود معيب فيما
стр. 2102
لا مصلحة له فأشبه بيع الثوب في الجراب، وقال ابن أبي هريرة: يجوز لأن قشره من مصلحته وهو كالرمان والموز واللوز ولأن الطلعة مأكولة جملتها وهذا اختيار القاضي الطبري غير أنه حكي هذا القول عن أبى إسحاق، والآخر عن أبى هريرة وهو الأظهر عندي واختار أبو حامد الوجه الأول وقال: [٦٠/ ب] هذا هو المذهب لأنه لا يؤكل بقشره وإنما يؤكل ما في جوفه. ولو كان كما قال القائل الآخر لكان في حكم الظاهر، ويكون للبائع ومن قال بالوجه الآخر أجاب عن هذا بأنه يتبع الأصل ويكون للمشتري، لأنه نماء كامن خلفه في الأصل وينتهي إلى الظهور فكان تابع للأصل ولكنه إذا أفرده بالبيع جعله مقصودًا بنفسه وجملته مأكولة فلا معنى للمبيع من بيعه بشرط القطع.
فرع آخر
الوجوه التي تملك بها النخل أربعة عقد معاوضة بالتراضي كالبيع والصلح والصداق فبيع الثمرة غير المؤبرة فيها أصلها فالبيع منصوص عليه والباقي مقيس عليه، ومعاوضة لا على التراضي كرجوع البائع بعين النخل عند الفلس فهل يمنع الثمرة غير المؤبرة فيه النخل وجهان: أحدهما: يتبع لأنه انتقال ملك بعوض كالبيع وهذا أظهر، والثاني: لا يتبع لأنه يزيل الملك بغير اختياره بخلاف البيع. وقيل قولان وعلى هذا إذا بيع الرهن جبرًا على الراهن هل يتبع الأصل؟ فيه وجهان أيضًا وعندي هاهنا وجه [٦١/ أ] واحد أنه يتبع لأنه وجد منه الرضا بهذا البيع عند الرهن، وعقد ليس معاوضة ولكنه بالتراضي كالهبة والوصية فهل يتبع الأصل؟ فيهما قولان مخرجان والفرق بينهما وبين المعاوضة أن المعاوضة قويت في بابها لأجل العوض فنقلها مع الأصل وهذان ضعيفان في بابه لعدم العوض فلهذا لا ينقله مع الأصل.
وأصل هذا إذا رهن نخلًا عليها طلع لم تؤبر هل يتبع الأصل في الرهن؟ فيه قولان منصوصان، ومعناه أنه عقد إرقاق والهبة والوصية مثله وعلى هذا لو وهب من ولده نخلًا حائلًا فاطلعت في يده، فأراد والده الرجوع فيها فرجع هل يتبع الأصل؟ على هذين القولين المخرجين. الرابع: أن لا يكون معاوضة ولا تراضي كالطلاق قبل الدخول فلا يرجع الزوج في غير المؤبر بلا خلاف وليس فيه مناقضة لما ذكرنا لأن كلامنا فيما لو انتقل ملك النخل عن ملك مالكه وهاهنا كون الطلع فيه يمنع الزوج من الرجوع وليس هذا من ذاك الباب والفرق مذكور في كتاب (الصداق)، قال في (الحاوي): [٦١/ ب] وعلى هذا الولد لا يسترجع في الهبة من الولد غير المؤبر قولًا واحدًا، لأنه لا معاوضة ولا تراضي.
مسألة: قال: وأقل الإباِر أن يؤبر شيٍء من حائطه وإن لم يؤْبر الذي إلى جنبه.
الفصل
الإبار مخفف لا يجوز بالتشديد ويقال: أّبر النخل يؤبر تأيبرًا وأبرها يؤبرها إبرًا، وإذا كان للرجل بستان فيه نخيل قد أّبر بعضها ولم يؤبر باقيها فالكل للبائع كما لو أّبر كله بدليل الخبر ولأنا لو جعلنا المؤبر للبائع وغير المؤبر للمشتري أدى إلى المشاركة، واختلاف الأيدي على
стр. 2103
الثمرة والخصومة التي لا تنقطع فجعلناها كالمؤبر كلها. فإن قيل: هلا ألحقتم المؤبرة بغير المؤبرة وجعلتم الكل كغير الموبر؟ قلنا: لأن المؤبرة ظاهرة وغير المؤبرة باطنه والباطن يتبع الظاهر والظاهر لا يتبع الباطن ألا ترى أنه لو باع دارًا بيعها يشتمل على ظاهر معلوم وباطن مجهول وهو أساس الحيطان وطي البير، فلو ألحقنا الظاهر بالباطن بطل البيع، وإذا ألحقنا الباطن بالظاهر صح [٦٢/ أ] البيع فاعتبرنا حكم الظاهر وجعلنا الباطن المجهول تابعًا له كذلك هاهنا فإذا ثبت هذا متى أّبر شيء من الحائط وهى صفة واحدة كان كما لو أّبر كله ويكون الكل للبائع سواء كانت الثمرة نوعًا واحدًا أو أنواعًا مختلفة، وسواء ظهر كل الطلع أو ظهر بعضه دون بعٍض فثمرة هذا العام كلها للبائع نص عليه الشافعي.
وقال ابن أبي هريرة: الاعتبار بما كان ظاهرًا وأما ما لم يكن ظاهرًا وظهر في ملك المشتري وكان قد تأخر ظهوره فللمشتري ولا يكون للبائع وهذا غلط والخبر والمعنى الذي ذكرنا عليه.
وقال في (الحاوي): في المسألة وجهان، والصحيح ما قال ابن أبي هريرة والفرق بين ما لم يؤبر يجعل تابعًا لما أبر إن ما لم يؤبر يصح عليه العقد ويلزم فيه الشرط فجاز أن يصير تابعًا للمؤبر بخلاف الطلع ولو صح ما ذكره القائل الآخر جاز مع ما لم يخلق من الثمار تبعًا لما خلق.
وقال ابن خيران: إن كان النوع واحدًا فعلى ما ذكرنا وإن كانت أنواعًا فلكل نوع حكم نفسه فالنوع الذي لم يؤبر شيء منه يكون للمشتري [٦٢/ ب] لأن الأنواع يختلف إدراكها وطلوعها اختلافًا ظاهرًا متباينًا، وهذا إذا باع الكل المؤبر وغير المؤبر فأما إذا أفرد البيع نظر فإن باع النخلة التي قد أبرت بعضها فثمرتها للبائع وإن أفرد النخلة التي لم تؤبر بالبيع فيه وجهان: أحدهما: أنه للمشتري لأن المؤبر لم يدخل في عقد البيع فلا يستتبع غيره، والثاني: يكون للبائع لأن الحائط إذا أّبر بعضه فهو في حكم ما أّبر كله، ولو كان هناك حائطان متميزان فلكل حائط حكم نفسه فإذا أًبر في أحدهما في دون الآخر فالذي أّبر شيء منه في حكم المؤبر كله دون الحائط الآخر، لأَّنا إنما جعلنا الحائط الواحد في حكم المؤبر كله لسوء المشاركة واختلاف الأيدي وهذا معدوم هاهنا؛ لأن كل حائط مفرد عن صاحبه، ولهذا قلنا: الشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود فلا شفعة.
ثم قال الشافعي: (ولو تشقق طلع إناثه أو بعضها فهو في معنى ما أّبر كله) وقد ذكرنا أن التشقق بنفسه بمنزلة التشقيق وكل ذلك أبلغ وإنه يلتحق بالجنين يبرز عند الولادة [٦٣/ أ] ويسقط فلا يتبع الأصل.
مسألة: قال: وإن كاَن فيها فحوُل نخٍل بعَد أن تؤبَر الإناَث فثمرَثها للبائِع.
إذا كان في حائطه فحول وإناث فإن باع الإناث وحدها قبل التأبير فتمرتها للمشتري على ما ذكرنا وإن باع الفحول وفيها طلع مفرد عن الإناث فإن كان مشققًا فهو للبائع
стр. 2104
وإن كان غير متشقق اختلف أصحابنا فيه فمنهم، من قال: هو للمشتري وهو ظاهر كلام الشافعي لأنه طلع لم يظهر ما فيه وقد يظهر كالإناث والمقصود من كل واحٍد منهما ما في جوفه ويقال الماء في جوف طلع الفحل كثر وهو الذي يلقح به طلع الإناث. ومن أصحابنا من قال: يكون للبائع لأنه يؤكل على جهته فهو نفس الثمرة ودائها كالتين.
وقال صاحب (الحاوي): هذا أصح، لأن طلع الفحل يوجد قبل إباره ويكون حال تناهيه طعامًا وهذان الوجهان مخرجان من اختلاف أصحابنا في طاع الإناث هل يقاس على الحمل قياس تحقيق أو قياس تقريب، فإن قلنا: قياس تحقيق لا يصير طلوع الفحول مؤبرًا [٦٣/ ب] اعتبارًا بالعرف يصير طلع الفحول مؤبرًا اعتبارًا بالعرف وإن جمع بينهما بعقد واحد والحائط ففيه ثلاث مسائل: أحدها: إن كان طلع الإناث قد تشقق دون طلع الفحول فالكل للبائع بلا خلاف لأن من جعل طلع الفحول قبل التشقق كالظاهر من جوف الطلع إذا فرده بالعقد فبأن يجعل كذلك إذا باع ما تشقق أولى وإن لم يتشقق شيء من طلع الإناث ولا الفحول فالمذهب أن الكل للمشتري. وقال بعض أصحابنا: الإناث للمشتري والفحول للباع وإن تشقق طلع الفحول دون طلع الإناث فعلى قول الشافعي: الكل للبائع، لأنه لا فرق بين الإناث والفحول، وعلى قول من فرق بينهما على ما ذكرنا: الإناث للمشتري والفحول للبائع وجملته أن عند الشافعي طلع الفحول وطلع الإناث بمنزلة طلع الحائط الواحد وعلى قول ذلك القائل بمنزلة طلع الحائطين. واعلم أنه اعترض معترض على الشافعي فقال: لا يقال فحل ولا فحول وإنما يقال: فحال للواحد وفحاحيل, وهذا لا يهم لأن قول الشافعي: [٦٤/ أ] حجة في اللغة، وتردد به الشعراء:
تأَّبري من َحَنٍذ فشولي إذا ضَّن أهل الَّنخل بالفحول
فرع
لو باع نخلًا فيها طلع وحصل الطلع للمشتري بأن لا يكون مؤبرًا أو كان مؤبرًا فشرطه للمشتري ثم تلف ذلك الطلع في يد البائع قبل القبض. قال في (الأم): للمشتري الخيار في فسخ البيع، لأنه نقص حصل في المبيع قبل القبض فإن اختار الرد فلا كلام، فإن اختار الإمساك فإذا أمسك قولان: أحدهما: بالحصة وهو الأصح، والثاني: بكل الثمن.
فإن قيل: هلا قلتم تمسكه بكل الثمن قولًا واحدًا كما لو باعه عبدًا فذهبت يده بأكلٍه قبل القبض واختار المشتري الإمساك مسكه بكل الثمن قولًا واحدًا. قلنا الفرق أن العبد عين واحدة لا تتقسط الثمن على أجزاء وهاهنا عينان فيسقط الثمن عليهما وتمسك الباقي حصته من الثمن.
فرع آخر
قال الشافعي: في الصرف وإن باع [٦٤ أ/ ٦] نخلًا قبل أن تؤبر فثمرتها للمشتري فإن شرطها للبائع جاز لأن صاحب النخل بذل له كينونة التمر في نخله حين باعه إياها،
стр. 2105
إذا اشترط أن يقطعها، فإن استثنى أن يقرها فلا خير في البيع لأنه باعه ثمرًة لم يبد صلاحها إلى أن يكون مقرة إلى وقت قد تأتي عليه الآفة قبله ثم قال: الاستثناء كالبيع يجوز فيه ما يجوز في البيع ويفسد فيه ما يفسد في البيع، وظاهر هذا أن البائع متى استثنى الطلع لنفسه قبل الإبار لم يجز إلا بشرط القطع، ولا يجوز مطلقًا كما لا يجوز شراها مطلقًا من دون شرط القطع وهذا لأنها خارجة من العقد بالشرط فاعتبر فيها حكم ما يعقد عليه العقد من اشتراط القطع ولم يذكر في (الحاوي) غيره.
وقال: لو استثنى البائع نصف الثمرة بطل العقد لتعذر اشتراط القطع فيه، وقال سائر أصحابنا بالعراق أجمع أصحابنا على جواز هذا الاستثناء مطلقًا، وليس استثناءها ابتياعًا لها وتأَّولوا في هذه المسألة على أنه أراد أن المشتري [٦٥/ أ] اشترى النخل مطلقًا فصار هو والطلع له، ثم إن البائع اشترى منه الطلع في النخل فلا يجوز بغير شرط القطع، وقيل: روى حرملة إذا كان اشتراها على أن يقطعها ووقع الخطأ في النخل من غيره من اشتراها إلى استثنائها.
وقال القفال: نص الشافعي هكذا وأصحابنا اختلفوا على وجهين: أحدهما: ما ذكرنا، والثاني: لا يجب ذلك، لأنه استدامة الملك لا ابتداؤه وتأويل النص ما ذكرنا بدليل أن الشافعي قال: فإن رضي المشتري بتركها جاز لأنه رضي بترك ما باع فدل على أنه كان اشترى الكل ثم باع الثمرة وقال: يبتني الوجهان عندي على الوجهين في أنه هل يجوز أن يستثني منفعة الدار المبيعة شهرًا أو شهرين أو يبيع دابة ويستثني ظهرها ليركبها إلى بلد كذا؟ وفيه وجهان: أحدهما: يجوز كما لو باع ثم استأجر فعلى هذا يشرط هاهنا القطع، والثاني: لا يجوز، لأنه يصير بشرط تأخير تسليم المبيع فعلى هذا لا حاجة إلى شرط القطع لأنه استبقاء لا استثناء. وقيل: يبتنى على أصل آخر وهو: أنه [٦٥/ ب] لو باع عبدًا وله مال وقلنا: يملك العبد هل يستتبع هو ماله؟ قولان، وإذا قلنا يستتبع جعلنا ذكر العبد في العقد كذكره مع ماله فهاهنا يلزمه اشتراط القطع. كما لو باع ثم اشترى، وإن قلنا هناك لا يستتبع فهاهنا لا يلزمه اشتراط القطع.
مسألة: قال: (والكرسُف إذا بيَع أصلُه كالنخل).
الكرسف: القطن ويقال له: الكرسوف، والبرس، والقطن ضربان حجازي وخراساني والحجازي: شجر قوي يبقى سنتين فيطلع ويلقط كلما طلع، فهذا كالنخل سواء يجوز إفراده بالعقد مطلقًا، ومع الأرض فإذا بيع وحده أو مع الأرض فالجوز الذي فيه كالطلع إن كان قد ظهر القطن في بعضه فكلها للبائع، وإن لم يكن ظهر شيء فكلها للمشتري. وأما الخراساني: فإنه لا يبقى إلا سنة واحدة ثم يحصد كالباقلاء فلا يجوز إفراده بالبيع إلا على شرط القطع، وإن باع الأرض معه صح وإذا باع وحده بشرط القطع أو مع الأرض نظر فإن كان الجوز الذي فيه [٦٦/ أ] رطبًا ضعيفًا لم يقو ما فيه فالبيع جائز وذلك لا يجوز كالحشيش يكون للمشتري وإن كان الجوز الذي فيه قوي واشتد فالبيع باطل سواء ظهر بعضه أو لم يظهر منه شيء لأنه مقصود بالبيع مجهول [فهو]
следующие страницы →