← Фикх шафии

Фикх шафии · id 16934

بحر المذهب للروياني

عَبْد الواحِد الرُّوْياني

Полный текст (7 151 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

فرع آخر بيع الشحم بالحيوان أو الإلية به أو شري، [٥٩/ أ] وقد قال الشافعي في كتاب (الرهن الصغير) وإرسال ابن المسيب عندنا حجة وإنما خصه لمعنى في مراسيله وص أنها مسانيد من طريق غيره ومراسيل غيره بقيت مقاطع إلى يومنا هذا فاحتجاج الشافعي واقع في الحقيقة بالمسند لا بالمرسل، وقد ثبت فيه قول المتقدم وهو ما روينا عن أبي بكر الصديق ﵁، ولأن مع هذا القول نوعًا من القياس وهو يقول لأنه جنس فيه الربا بيع أصله الذي فيه مثله فلا يجوز. كما لو باع الدهن بالسمسم والله أعلم. باب ثمن الحائط يباع أصله قال: أخبرنا ابن عيينة وذكر الخبر. إذا باع نخلًا عليها طلع لا يخلو إما أن يكون الطلع قد أّبر أو لم يؤبر فإن كان قد أّبر قال الشافعي: والتأبير أن يؤخذ شيء من طلع النخل فيجعل بين ظهراني طاع الإناث لتشتد برائحته وتقوى ولا يفسد ويكون لها صلاحًا بإذن الله تعالى، فهذا الطلع يكون للبائع ولا يتبع الأصل في البيع إلا أن يشترط المبتاع فيكون له بالشرط [٥٩/ ب] وبه قال جماعة العلماء، وقال ابن أبي ليلى: وحده يكون للمبتاع بإطلاق العقد لأنها متصلة بالأصل اتصال الحلقة بالأغصان وهذا غلط لقوله ﷺ : (من باع نخلًا بعد أن تؤبر فثمرتها للبائع) إلا أن يشترط المبتاع ولأنه نماء ظهر من أصله فلا يتبع في البيع كالولد المنفصل وليس كالأغصان لأنه داخل في النخلة بخلاف الثمرة، وإن لم تؤبر فثمرتها للمشتري بإطلاق العقد إلا أن يشترطه البائع. وقال أبو حنيفة: يكون للبائع أيضًا إلا (أن يشترطه المشتري) وبقولنا قال مالك وأحمد والدليل عليه ما ذكرنا من الخبر، وأيضًا روي أن رجلًا ابتاع نخلًا في عهد رسول الله ﷺ ثم اختلفا في الثمرة فقال البائع: الثمرة لي، لأنها أّبرت في ملكي فجعل رسول الله ﷺ (الثمرة لمن أبرأت في ملكه) وإذا تقرر هذا لو تشقق الطلع بنفسه وظهرت الثمرة فحكمها حكم ما لو شققة الصفار ليظهر. واعلم أن الطلع أول ما يخرج يكون الكافور وهو الجف والقشر مكممًا [٦٠/ أ] له أي مغطيًا فإذا تشقق عنه الكافور ظهر العذق وحبه يكون صغارًا مثل الحمص أو دونه وإذا كان الحائط النخل فجاء حسل في ناحية الصبا وهبت الصبا وقت الإبار، فإن الإناث تتأبر بروائح طاع الفحاحيل. ثم قال الشافعي: فإذا جعل النبي ﷺ الإبار حّدًا لملك البائع فقد جعل ما قبله حدًا لملك المشتري وقصد به الرد على أبي حنيفة ومعناه أنه ﷺ جعل الإبار حدًا ليفصل بين ما قبله وبين ما بعده، فلا معنى للتسوية بينهما مع تفصيل رسول الله ﷺ . فرع لو باع الطلع وحده قبل تشققه قال أبو إسحاق: لا يجوز لأن المقصود معيب فيما

стр. 2102

لا مصلحة له فأشبه بيع الثوب في الجراب، وقال ابن أبي هريرة: يجوز لأن قشره من مصلحته وهو كالرمان والموز واللوز ولأن الطلعة مأكولة جملتها وهذا اختيار القاضي الطبري غير أنه حكي هذا القول عن أبى إسحاق، والآخر عن أبى هريرة وهو الأظهر عندي واختار أبو حامد الوجه الأول وقال: [٦٠/ ب] هذا هو المذهب لأنه لا يؤكل بقشره وإنما يؤكل ما في جوفه. ولو كان كما قال القائل الآخر لكان في حكم الظاهر، ويكون للبائع ومن قال بالوجه الآخر أجاب عن هذا بأنه يتبع الأصل ويكون للمشتري، لأنه نماء كامن خلفه في الأصل وينتهي إلى الظهور فكان تابع للأصل ولكنه إذا أفرده بالبيع جعله مقصودًا بنفسه وجملته مأكولة فلا معنى للمبيع من بيعه بشرط القطع. فرع آخر الوجوه التي تملك بها النخل أربعة عقد معاوضة بالتراضي كالبيع والصلح والصداق فبيع الثمرة غير المؤبرة فيها أصلها فالبيع منصوص عليه والباقي مقيس عليه، ومعاوضة لا على التراضي كرجوع البائع بعين النخل عند الفلس فهل يمنع الثمرة غير المؤبرة فيه النخل وجهان: أحدهما: يتبع لأنه انتقال ملك بعوض كالبيع وهذا أظهر، والثاني: لا يتبع لأنه يزيل الملك بغير اختياره بخلاف البيع. وقيل قولان وعلى هذا إذا بيع الرهن جبرًا على الراهن هل يتبع الأصل؟ فيه وجهان أيضًا وعندي هاهنا وجه [٦١/ أ] واحد أنه يتبع لأنه وجد منه الرضا بهذا البيع عند الرهن، وعقد ليس معاوضة ولكنه بالتراضي كالهبة والوصية فهل يتبع الأصل؟ فيهما قولان مخرجان والفرق بينهما وبين المعاوضة أن المعاوضة قويت في بابها لأجل العوض فنقلها مع الأصل وهذان ضعيفان في بابه لعدم العوض فلهذا لا ينقله مع الأصل. وأصل هذا إذا رهن نخلًا عليها طلع لم تؤبر هل يتبع الأصل في الرهن؟ فيه قولان منصوصان، ومعناه أنه عقد إرقاق والهبة والوصية مثله وعلى هذا لو وهب من ولده نخلًا حائلًا فاطلعت في يده، فأراد والده الرجوع فيها فرجع هل يتبع الأصل؟ على هذين القولين المخرجين. الرابع: أن لا يكون معاوضة ولا تراضي كالطلاق قبل الدخول فلا يرجع الزوج في غير المؤبر بلا خلاف وليس فيه مناقضة لما ذكرنا لأن كلامنا فيما لو انتقل ملك النخل عن ملك مالكه وهاهنا كون الطلع فيه يمنع الزوج من الرجوع وليس هذا من ذاك الباب والفرق مذكور في كتاب (الصداق)، قال في (الحاوي): [٦١/ ب] وعلى هذا الولد لا يسترجع في الهبة من الولد غير المؤبر قولًا واحدًا، لأنه لا معاوضة ولا تراضي. مسألة: قال: وأقل الإباِر أن يؤبر شيٍء من حائطه وإن لم يؤْبر الذي إلى جنبه. الفصل الإبار مخفف لا يجوز بالتشديد ويقال: أّبر النخل يؤبر تأيبرًا وأبرها يؤبرها إبرًا، وإذا كان للرجل بستان فيه نخيل قد أّبر بعضها ولم يؤبر باقيها فالكل للبائع كما لو أّبر كله بدليل الخبر ولأنا لو جعلنا المؤبر للبائع وغير المؤبر للمشتري أدى إلى المشاركة، واختلاف الأيدي على

стр. 2103

الثمرة والخصومة التي لا تنقطع فجعلناها كالمؤبر كلها. فإن قيل: هلا ألحقتم المؤبرة بغير المؤبرة وجعلتم الكل كغير الموبر؟ قلنا: لأن المؤبرة ظاهرة وغير المؤبرة باطنه والباطن يتبع الظاهر والظاهر لا يتبع الباطن ألا ترى أنه لو باع دارًا بيعها يشتمل على ظاهر معلوم وباطن مجهول وهو أساس الحيطان وطي البير، فلو ألحقنا الظاهر بالباطن بطل البيع، وإذا ألحقنا الباطن بالظاهر صح [٦٢/ أ] البيع فاعتبرنا حكم الظاهر وجعلنا الباطن المجهول تابعًا له كذلك هاهنا فإذا ثبت هذا متى أّبر شيء من الحائط وهى صفة واحدة كان كما لو أّبر كله ويكون الكل للبائع سواء كانت الثمرة نوعًا واحدًا أو أنواعًا مختلفة، وسواء ظهر كل الطلع أو ظهر بعضه دون بعٍض فثمرة هذا العام كلها للبائع نص عليه الشافعي. وقال ابن أبي هريرة: الاعتبار بما كان ظاهرًا وأما ما لم يكن ظاهرًا وظهر في ملك المشتري وكان قد تأخر ظهوره فللمشتري ولا يكون للبائع وهذا غلط والخبر والمعنى الذي ذكرنا عليه. وقال في (الحاوي): في المسألة وجهان، والصحيح ما قال ابن أبي هريرة والفرق بين ما لم يؤبر يجعل تابعًا لما أبر إن ما لم يؤبر يصح عليه العقد ويلزم فيه الشرط فجاز أن يصير تابعًا للمؤبر بخلاف الطلع ولو صح ما ذكره القائل الآخر جاز مع ما لم يخلق من الثمار تبعًا لما خلق. وقال ابن خيران: إن كان النوع واحدًا فعلى ما ذكرنا وإن كانت أنواعًا فلكل نوع حكم نفسه فالنوع الذي لم يؤبر شيء منه يكون للمشتري [٦٢/ ب] لأن الأنواع يختلف إدراكها وطلوعها اختلافًا ظاهرًا متباينًا، وهذا إذا باع الكل المؤبر وغير المؤبر فأما إذا أفرد البيع نظر فإن باع النخلة التي قد أبرت بعضها فثمرتها للبائع وإن أفرد النخلة التي لم تؤبر بالبيع فيه وجهان: أحدهما: أنه للمشتري لأن المؤبر لم يدخل في عقد البيع فلا يستتبع غيره، والثاني: يكون للبائع لأن الحائط إذا أّبر بعضه فهو في حكم ما أّبر كله، ولو كان هناك حائطان متميزان فلكل حائط حكم نفسه فإذا أًبر في أحدهما في دون الآخر فالذي أّبر شيء منه في حكم المؤبر كله دون الحائط الآخر، لأَّنا إنما جعلنا الحائط الواحد في حكم المؤبر كله لسوء المشاركة واختلاف الأيدي وهذا معدوم هاهنا؛ لأن كل حائط مفرد عن صاحبه، ولهذا قلنا: الشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود فلا شفعة. ثم قال الشافعي: (ولو تشقق طلع إناثه أو بعضها فهو في معنى ما أّبر كله) وقد ذكرنا أن التشقق بنفسه بمنزلة التشقيق وكل ذلك أبلغ وإنه يلتحق بالجنين يبرز عند الولادة [٦٣/ أ] ويسقط فلا يتبع الأصل. مسألة: قال: وإن كاَن فيها فحوُل نخٍل بعَد أن تؤبَر الإناَث فثمرَثها للبائِع. إذا كان في حائطه فحول وإناث فإن باع الإناث وحدها قبل التأبير فتمرتها للمشتري على ما ذكرنا وإن باع الفحول وفيها طلع مفرد عن الإناث فإن كان مشققًا فهو للبائع

стр. 2104

وإن كان غير متشقق اختلف أصحابنا فيه فمنهم، من قال: هو للمشتري وهو ظاهر كلام الشافعي لأنه طلع لم يظهر ما فيه وقد يظهر كالإناث والمقصود من كل واحٍد منهما ما في جوفه ويقال الماء في جوف طلع الفحل كثر وهو الذي يلقح به طلع الإناث. ومن أصحابنا من قال: يكون للبائع لأنه يؤكل على جهته فهو نفس الثمرة ودائها كالتين. وقال صاحب (الحاوي): هذا أصح، لأن طلع الفحل يوجد قبل إباره ويكون حال تناهيه طعامًا وهذان الوجهان مخرجان من اختلاف أصحابنا في طاع الإناث هل يقاس على الحمل قياس تحقيق أو قياس تقريب، فإن قلنا: قياس تحقيق لا يصير طلوع الفحول مؤبرًا [٦٣/ ب] اعتبارًا بالعرف يصير طلع الفحول مؤبرًا اعتبارًا بالعرف وإن جمع بينهما بعقد واحد والحائط ففيه ثلاث مسائل: أحدها: إن كان طلع الإناث قد تشقق دون طلع الفحول فالكل للبائع بلا خلاف لأن من جعل طلع الفحول قبل التشقق كالظاهر من جوف الطلع إذا فرده بالعقد فبأن يجعل كذلك إذا باع ما تشقق أولى وإن لم يتشقق شيء من طلع الإناث ولا الفحول فالمذهب أن الكل للمشتري. وقال بعض أصحابنا: الإناث للمشتري والفحول للباع وإن تشقق طلع الفحول دون طلع الإناث فعلى قول الشافعي: الكل للبائع، لأنه لا فرق بين الإناث والفحول، وعلى قول من فرق بينهما على ما ذكرنا: الإناث للمشتري والفحول للبائع وجملته أن عند الشافعي طلع الفحول وطلع الإناث بمنزلة طلع الحائط الواحد وعلى قول ذلك القائل بمنزلة طلع الحائطين. واعلم أنه اعترض معترض على الشافعي فقال: لا يقال فحل ولا فحول وإنما يقال: فحال للواحد وفحاحيل, وهذا لا يهم لأن قول الشافعي: [٦٤/ أ] حجة في اللغة، وتردد به الشعراء: تأَّبري من َحَنٍذ فشولي إذا ضَّن أهل الَّنخل بالفحول فرع لو باع نخلًا فيها طلع وحصل الطلع للمشتري بأن لا يكون مؤبرًا أو كان مؤبرًا فشرطه للمشتري ثم تلف ذلك الطلع في يد البائع قبل القبض. قال في (الأم): للمشتري الخيار في فسخ البيع، لأنه نقص حصل في المبيع قبل القبض فإن اختار الرد فلا كلام، فإن اختار الإمساك فإذا أمسك قولان: أحدهما: بالحصة وهو الأصح، والثاني: بكل الثمن. فإن قيل: هلا قلتم تمسكه بكل الثمن قولًا واحدًا كما لو باعه عبدًا فذهبت يده بأكلٍه قبل القبض واختار المشتري الإمساك مسكه بكل الثمن قولًا واحدًا. قلنا الفرق أن العبد عين واحدة لا تتقسط الثمن على أجزاء وهاهنا عينان فيسقط الثمن عليهما وتمسك الباقي حصته من الثمن. فرع آخر قال الشافعي: في الصرف وإن باع [٦٤ أ/ ٦] نخلًا قبل أن تؤبر فثمرتها للمشتري فإن شرطها للبائع جاز لأن صاحب النخل بذل له كينونة التمر في نخله حين باعه إياها،

стр. 2105

إذا اشترط أن يقطعها، فإن استثنى أن يقرها فلا خير في البيع لأنه باعه ثمرًة لم يبد صلاحها إلى أن يكون مقرة إلى وقت قد تأتي عليه الآفة قبله ثم قال: الاستثناء كالبيع يجوز فيه ما يجوز في البيع ويفسد فيه ما يفسد في البيع، وظاهر هذا أن البائع متى استثنى الطلع لنفسه قبل الإبار لم يجز إلا بشرط القطع، ولا يجوز مطلقًا كما لا يجوز شراها مطلقًا من دون شرط القطع وهذا لأنها خارجة من العقد بالشرط فاعتبر فيها حكم ما يعقد عليه العقد من اشتراط القطع ولم يذكر في (الحاوي) غيره. وقال: لو استثنى البائع نصف الثمرة بطل العقد لتعذر اشتراط القطع فيه، وقال سائر أصحابنا بالعراق أجمع أصحابنا على جواز هذا الاستثناء مطلقًا، وليس استثناءها ابتياعًا لها وتأَّولوا في هذه المسألة على أنه أراد أن المشتري [٦٥/ أ] اشترى النخل مطلقًا فصار هو والطلع له، ثم إن البائع اشترى منه الطلع في النخل فلا يجوز بغير شرط القطع، وقيل: روى حرملة إذا كان اشتراها على أن يقطعها ووقع الخطأ في النخل من غيره من اشتراها إلى استثنائها. وقال القفال: نص الشافعي هكذا وأصحابنا اختلفوا على وجهين: أحدهما: ما ذكرنا، والثاني: لا يجب ذلك، لأنه استدامة الملك لا ابتداؤه وتأويل النص ما ذكرنا بدليل أن الشافعي قال: فإن رضي المشتري بتركها جاز لأنه رضي بترك ما باع فدل على أنه كان اشترى الكل ثم باع الثمرة وقال: يبتني الوجهان عندي على الوجهين في أنه هل يجوز أن يستثني منفعة الدار المبيعة شهرًا أو شهرين أو يبيع دابة ويستثني ظهرها ليركبها إلى بلد كذا؟ وفيه وجهان: أحدهما: يجوز كما لو باع ثم استأجر فعلى هذا يشرط هاهنا القطع، والثاني: لا يجوز، لأنه يصير بشرط تأخير تسليم المبيع فعلى هذا لا حاجة إلى شرط القطع لأنه استبقاء لا استثناء. وقيل: يبتنى على أصل آخر وهو: أنه [٦٥/ ب] لو باع عبدًا وله مال وقلنا: يملك العبد هل يستتبع هو ماله؟ قولان، وإذا قلنا يستتبع جعلنا ذكر العبد في العقد كذكره مع ماله فهاهنا يلزمه اشتراط القطع. كما لو باع ثم اشترى، وإن قلنا هناك لا يستتبع فهاهنا لا يلزمه اشتراط القطع. مسألة: قال: (والكرسُف إذا بيَع أصلُه كالنخل). الكرسف: القطن ويقال له: الكرسوف، والبرس، والقطن ضربان حجازي وخراساني والحجازي: شجر قوي يبقى سنتين فيطلع ويلقط كلما طلع، فهذا كالنخل سواء يجوز إفراده بالعقد مطلقًا، ومع الأرض فإذا بيع وحده أو مع الأرض فالجوز الذي فيه كالطلع إن كان قد ظهر القطن في بعضه فكلها للبائع، وإن لم يكن ظهر شيء فكلها للمشتري. وأما الخراساني: فإنه لا يبقى إلا سنة واحدة ثم يحصد كالباقلاء فلا يجوز إفراده بالبيع إلا على شرط القطع، وإن باع الأرض معه صح وإذا باع وحده بشرط القطع أو مع الأرض نظر فإن كان الجوز الذي فيه [٦٦/ أ] رطبًا ضعيفًا لم يقو ما فيه فالبيع جائز وذلك لا يجوز كالحشيش يكون للمشتري وإن كان الجوز الذي فيه قوي واشتد فالبيع باطل سواء ظهر بعضه أو لم يظهر منه شيء لأنه مقصود بالبيع مجهول [فهو]

стр. 2106

كبيع الزرع في سنبله وإن تشقق الجوز وظهر كل الجوز يجوز بيعه بلا إشكال. مسألة: قال: (ويخالف، الثماَر من الأعناِب وغيرها النخُل). الكلام الآن فيما يتبع الأصل بإطلاق البيع وما لا يتبع وجملته: أن النبات على ثلاثة أضرب شجرة وما في معناه وزيع فالشجر على ثلاثة أضرب: ما يقصد ورده وما يقصد ورقه وما يقصد ثمره أما ما يقصد ورده فالورد الأبيض والأحمر والأصفر والياسمين ونحو ذلك فإذا بيع أصله نظر، فإذا كان قبل أن يطلع فما يطلع بعده يكون للمشتري وإن كان قد أطلع فعلى ضربين، ضرب في كمام ينفتح وهو الورد فما ظهر من الورد من كمامه فهو للبائع لأنه نماء ظاهر وما لم يكن ظهر من كمامه فهو للمشتري لأنه [٦٦/ ب] نماء لم يظهر. وحكي عن أبي حامد أنه قال: ظاهر كلام الشافعي أنه للبائع، وإن كان في كمامه وهذا غير صحيح والقياس ظاهر فيما ذكرنا لأنه يكون كالطلع غير المؤبر. والضرب الثاني: ما يخرج بارز الأكمام عليه ثم يكبر وتتفتح كالياسمين فإن كان الورد قد برز فللبائع وإن لم يكن برز فإنه يحدث في ملك المشتري. وأما البنفسج فهو في معنى الورد، لأن أصله يبقى سنين ويخرج الجوز منه ثم ينفتح ويظهر فإن كان لم يتفتح فللمشتري. والنرجس كذلك، لأنه يبقى سنين ومن أصحابنا من قال: هو بمنزلة الزرع لأنه يحول كل سنة. وأما ما يقصد ورقه وهو التوت ويسمى الفرصاد فإن لم يكن ورقه ظهر فهو للمشتري وإن كان قد ظهر فيه وجهان. قال أبو إسحاق: هو للبائع، لأن الورق المقصود كالثمرة المقصودة وهذا أصح ومن أصحابنا من قال: هو للمشتري لأن له ثمرة مقصودة خاصة التوت الشامي فورقه كسائر الأوراق وكالأغصان. ومن أصحابنا من قال: [٦٧/ أ] إن كان شاميًا يقصد ثمره دون ورقه فلا اعتبار بظهور ورقه، وإن كان يقصد ورقه فإنه يبدو في عقده ثم ينفتح عنها فإن كان في عقده تبع الأصل وإن انشقت العقد وظهر ورقها لم يتبع الأصل وكان للبائع وهو قريب من قول أبي إسحاق. وقال القاضي أبو حامد في (جامعه): قد قيل: ورق التوت يباع إذا خرج من كمامه وبه يبدو صلاحه. وقال النخعي وعطاء: يباع إذا صار مثل أرجل البط وهو بدو صلاحه، وأما الحناء فيقصد ورقه أيضًا بعد تفرخ أغصانه من غير أن يكون في عقده سفح عنها فإذا بدا ورقه بعد التفرخ ثم باع شجره كان في حكم النخل المؤبر فيكون للبائع. أما ما يقصد ثمرته فعلى خمسة أضرب: أحدها: ما يظهر ثمرته بعينها ترى في أولها كما ترى في آخرها لا حائل دونها من كمام ولا قمع كالتين فإذا باع أصله فإن كانت قد ظهرت ثمرته فهي للبائع وإن لم يكن ظهرت فللمشتري وكذلك العنب. والثاني: ما يخرج في كمام ولا يزال عنه الكمام إلا [٦٧/ ب] عند الأكل، وهو

стр. 2107

الرمان (واللوز) يظهر في كمامه ولا يزال يكّبر الكمام ويرى في أوله كما يرى في آخره، فإذا باع الأصل وقد ظهر شيء من هذا فهو للبائع لمعنيين، أحدهما: معنى الشافعي وهو أنه يخلق في قشره وبقاؤه فيها من مصلحته وإنما يزال عنه القشر عند الأكل، والثاني: ما ذكره أصحابنا وهو أن هذا يقشر نفس الثمرة فإنه يدخر عليها وإنما تزال عنه القشرة عند الأكل ويباع بقشره فهو كالتين. والثالث: ما يخرج في كمام ثم ينشق الكمام وتظهر الثمرة وهو النخل وقد ذكرنا حكمه. والرابع: ما يظهر وعليه قشرتان عليا وسفلى وهو الجوز والرانج واللوز كل هذا يخرج وينعقد وعليه قشرتان تتشقق العليا منهما وتظهر الثانية التي تلي اللب نص الشافعي عليها في (الأم) فقال: إذا باع رجل أرضًا فيها شجر رمان وجوز ورانج وغيره مما دونه قشر يواريه إذا ظهرت ثمرته بثمرته للبائع، إلا أن يشترطها المبتاع فسَّوى بينها وبين الرمان وجعل [٦٨/ أ] كلها للبائع. وقال أصحابنا: أراد الشافعي إذا تشققت القشرة العليا عن الجوز واللوز وبقيت السفلى فتكون في هذه الحالة كارمان لا يتبع الأصل لأن بقاء هذا القشر من مصلحته لا يزال عنه إلا وقت الحاجة إلى أكله، فأما إذا كانت عليه القشرة العليا بحالها يكون للمشتري لأن تلك القشرة تزول عنه فهو كالطلع غير المؤبر ولم يذكر في (الحاوي) غير هذا. وقال أبو حامد مثل هذا، وقال: يحتمل أن الشافعي لم يعلم أن للجوز واللوز قشرتين عليا وسفلى، لأنه ليس بالحجاز شجر الجوز واللوز فحمل أمره على أن له قشرة واحدة، ولهذا قال الشافعي حين جمع بين هذه الأشياء التي دونها حائل لا يزال عنه إلا وقت الحاجة إلى أكله، فهو في معنى ما تخرج ثمرته بارزًا وهذه صفة القشرة السفلى دون العليا ويفارق الطلع، لأنه يتشقق في شجره وتحصل ثمرته بخلاف هذا. ورأيت القاضي الطبري ذكر الجوز مع التين في تصنيفه في المذهب والخلاف وهو ظاهر كلام [٦٨/ ب] الشافعي والأقيس ما تقدم. والخامس: ما يظهر ورده أولًا ثم يتناثر وتنعقد ثمرته كالتفاح والسفرجل والإجاص والخوخ ونحو ذلك. وقال أبو إسحاق: وعصيره إذا بيع أصل هذه الثمرة وكان الورد عليها لم يتساقط عن الثمرة ولم يظهر بعد، فهو كالطلع الذي لم يؤبر يكون للمشتري وإن كان الورد قد تناثر وظهرت الثمرة يكون للبائع. وقال القفال: إذا تحبب ثمارها فللبائع. وان كان النور باقيًا عليها وان لم تحبب فالنور كالورق. وقال أبو حامٍد: الذي يجيء على المذهب أن النْور يكون للبائع كالطلع الموبر، لأن الشافعي قال: ويخالف الثمار من الأعناب وغيرها النخل فكل ثمرة تخرج بارزة فهي بمنزلة الطبع المؤبر، وأراد به أن سائر الثمار من العنب وغيره تخرج ثمرتها وعليها ورد ويشاهد من بين ذلك الورد ثم يتساقط الورد عليها وتبقى الثمرة وتكبر فهي بمنزلة الثمرة البارزة من الطلع والدليل على هذا أنه لا خلاف أن الطلع إذا أّبر يكون للبائع والطلع إذا أّبر لم تظهر الثمرة بل ظهر منها ما يجري مجرى

стр. 2108

[٦٩/ أ] شجر البائع إلى أوان الجذاذ، وبه قال مالك وأحمد. وقال أبو حنيفة: يلزم البائع والمشتري قطعها في الحال فإن امتنع أجبر عليه وهذا غلط لأن النقل والتفريع للمبيع يجب على العرف والعادة كما لو باع دارًا مشحونة بالأمتعة والطعام لا يجب نقلها إلا على العادة شيئًا بعد شيء في النهار دون الليل كذلك هاهنا، فإن قيل: هذا في معنى استثناء منفعة المبيع لنفسه وذلك لا يجوز، قلنا: هذا لا يجوز شرطًا فأما إذا ثبت العرف فيه جاز شرعًا، كما لو باع أمًة من وجه يصح ومنافع البضع للزوج في معنى الاستثناء شرعًا كذلك هاهنا. فإذا تقرر هذا فإنما له ذلك على ما جرت به العادة بالنقل عن الشجرة، فإن كان عينًا نقله إذا استحكمت حلاوته، وإن كان فاكهة نقلها لفظها إذا تناهى إدراكه، كان نخلًا فكذلك حين تتناهى حلاوته إلا أن يكون مما يؤكل بسرًا وبسره حيز من رطبه كالحيسوان فإنه تجده حين يستحكم حلاوة بسره لأن هذا هو العادة. قال في الأم: فإن استحكم حلاوته فعليه نقله، وإن [٦٩/ ب] قبل إبقاؤه في شجرة خير له وإبقاء له لأن عادة النقل قد حصلت فليس له التبقية كما لو اشترى دارًا فيها بز فعلى البائع نقله، وإن كان بقاؤه في هذه الدار حرز له كذلك هاهنا. مسألة: قال: (وإذا كاَن لا يصلحها إلا السقُي فعلى المشتري تخلية البائع). إذا حصلت الثمرة للبائع والشجر للمشتري فأراد أحدهما السقي وامتنع الآخر لم تخل من أربعة أحوال: إما أن يضر بالنخل والثمرة معًا أو لا يضربهما وينفعهما أو يضر بالنخل دون الثمرة أو بالثمرة دون النخل. فإن كان يضربهما وهذا إنما يتصور في غير النخل فأما النخل فينفعه السقي أبدًا، فأيهما طلب السقي لم يجبر الآخر عليه لأنه سفه وتضييع، وإن كان السقي ينفعهما فأيهما طلب أجبر الآخر عليه، لأنه لا فائدة في الامتناع مما ينفعه ولا يضره. وقال في (الأم): وإن اختلفا في عدد السقي فقال أحدهما: كل عشرة أيام، وقال الآخر: أكثر رجعنا إلى أهل الخبرة ويعمل على ما جرت ولا فرق بين أن يكون الطالب البائع والممتنع المشتري أو الطالب [٧٠/ أ] المشتري والممتنع البائع. فإن قيل: هلا قلتم السقي أبدًا على المشتري، لأنه صاحب الأصل ومالك الشجرة والثمرة لغيره كما قلتم فيمن باع ثمرة نخله، فالسقي على البائع حتى يستوفي المشتري؟ قلنا: الفرق أنه إذا باع ثمره فعليه إقباضها وتسليمها على التمام وسقي الأرض من تمام الإقباض فكان السقي عليه وهاهنا الثمرة وقعت مستثناة للبائع على ملكه ولكنها باقية علي شجرة المبتاع، وليس على المشتري إقباضها ولا تسليمها لأنه ما باع فلهذا لم يكن السقي عليه ثم ينتظر، فإن سقيا معًا فالأجرة عليهما وإن سقى أحدهما دون الآخر فالأجرة على الذي تولى السقي دون الآخر لأن كان السقي يضر بالنخل وينفع الثمرة فأراد البائع السقي. قال أبو إسحاق: يقال للمشتري: أتسمح بأن يمكنه من السقي وإن

стр. 2109

أضَّر بك؟ فإن فعل أقر العقد بينهما وإن قال: لا أسمح قيل للبائع أتسمح بترك السقي وإن أضر بك؟ فإن فعل أقر العقد بينهما، وإن قال: لا أسمح فسخ العقد بينهما لأنه ليس أحدهما بإدخال الضرر عليه بأولى من الآخر. وقال ابن [٧٠/ ب] أبي هريرة: يجبر الممتنع على التمكين من السقي لأنه دخل في العقد على البائع ببقية الثمرة إلى وقت الجذاذ، وهو يعلم أن الثمرة تحتاج إلى السقي فلزمه الرضا بذلك، وإن كان يضر بالثمرة وينفع النخل فعلي الوجهين قال أبو إسحاق: على التفضيل. وقال ابن أبي هريرة: يجبر البائع على التمكين منه، لأنه دخل في العقد على هذا وأيهما سقى فالأجرة عليه لأن المنفعة حصلت له فإذا تقرر هذا قال الشافعي: وإنما له من الماء ما فيه صلاح الثمرة لأن البائع متى وإلى السقي بعد السقي مجاوزًا للحد أضر بالأشجار وكما يتضرر بالعطش المفرط كذا يتضرر بالري المفرط. فرع لو انقطع الماء وعطشت الثمرة وتركها على الأصل يضر بالأصل فطالبه المشتري بقطعها فإن كان ضررًا يسيرًا لم يلزمه القطع، وإن كان ضررًا كبيرًا يخاف من جفاف النخل أو نقصان حملها. قال في (الأم): فيه قولان: أحدهما: لا يجبر البائع عليه، لأنهما سواء في الحق والمشتري دخل في العقد على هذا، والثاني: يجبر عليه وهو الصحيح لأنه ممنوع من الإضرار [٧١/ أ] بالمشترى في الأصول التي باعها وضرر الأصول أكثر. مسألة: قال: وإن كانت الشجرُة مما تكون الثمرُة فيه ظاهرًة ثم يخرُج منها قبَل أن تبلَغ الخارجَة ثمرة غيرها. الفصل ذكر المزني هاهنا مسألتين. احديهما: إذا باع شجًرة عليها ثمرة ظاهرة فالثمرة للبائع فلم يأخذ الباع الثمرة حتى حدثت ثمرة أخرى واختلطت بالخارجة اختلاطًا لا يتميز، هل يبطل البيع أم لا؟ الثانية: إذا باع الثمرة دون الشجرة فملكها المشتري ولم ينقلها حتى حدثت أخرى واختلطت بالمبيع اختلاطًا لا يتميز هل يبطل البيع أم لا؟ وينبغي أن يتكلم على الثانية ثم على الأولى وهي إنما يكون في التين والباذنجان والقثاء والخيار والبطيخ يتبع الظاهرة منها، ثم تحدث أخرى فتختلط بها فإذا اختلطت بها ُنظر، فإن تميزت الخارجة من الحادثة وهي عبارة الشافعي، تسمى الأولى: خارجة. والثانية: حادثة، فالخارجة للمشتري والحادثة للبائع ولا كلام. وإن اختلطت فلم تتميز إحداهما عن الأخرى فهل ينفسخ البيع أم لا؟ فيه قولان بلا خلاف [٧١/ ب] بين أصحابنا. قال في (الأم) و (الإملاء): البيع باطل والثاني حكاه الربيع لا يبطل وجه الأول: أنه تعذر تسليم المبيع المستحق بالعقد، لأن البائع لا

стр. 2110

يمكنه إقباض المبيع وحده ولا يجبر على تسليم غيره فأشبه إذا مات العبد المبيع قبل القبض فإن قيل: لم يتعذر تسليمه لأن البائع يسلمه مع الزيادة قيل: لا يجبر البائع على تسليم الزيادة ولا يمكنه التسليم بدونها فثبت العذر ولأن البائع لو بذل مع الزيادة لا يجبر المشتري على قبوله فثبت التعذر. ولأن الباع لو بذل مع الزيادة لا يجبر المشتري على قبوله فثبت أنه تعذر ذلك. ووجه القول الثاني: وهو اختيار المزني أن المبيع بحاله وإنما يضاف إليه غيره على وجه لا يبين وهذا لا يوجب بطلان البيع كما لو كان المبيع عبدًا صغيرًا فكبر أو ثمرة فزادت وهذا القائل يقول: إذا بدل البائع الزيادة يلزم القبول لأنه غير متميز عن المبيع، لكنه عين أخرى لا يلزمه القبول، لأنها متميزة عن ملكه فإذا قلنا بالقول الأول فلا كلام، وإذا قلنا بالقول الثاني [٧٢/ أ] يقال للبائع: أتسمح بالحادثة مع الخارجة للمشتري؟ فإن قال؛ نعم أجبرنا المشتري على قبوله وإن أبى لا يقال للمشتري: أتسمح بترك الخارجة للبائع؟ لأن الخارجة كل المبيع فلا يقال له: دع المبيع كله، ولكن يفسخ العقد. وأما المسألة الثانية - وهي الأولى في الكتاب -: إذا باع شجرة التين وفيها تين ظاهر فالبيع صحيح، والشجرة للمشتري والثمرة للبائع ولم ينقل البائع الثمرة حتى ظهرت الثانية فإن تميزت فالثانية للمشتري لأنها حدثت في ملكه ولا كلام. فإن قيل: هلا قلتم الحادثة للبائع أيضًا كما قلتم في نخٍل أبر بعضه؛ فالثمرة للبائع وما يظهر من بعد له أيضًا في أحد الوجهين؟ قلنا: الفرق أن ثمرة النخل في العام واحدة فلا يتبع بعضها بعضًا لأنها لا تحمل في السنة إلا مرة، فكانت كلها للباع وهاهنا التين يحمل حملين بطنًا بعد بطن فكانت الأولى: للبائع، والثانية: للمشتري وإن لم تتميز إحداهما عن الأخرى هل يبطل البيع؟ قال المزني: إنها على قولين كالمسألة قبلها. واختلف أصحابنا فيها على طريقين، قال ابن خيران: [٧٢/ ب] وصاحب (الإفصاح): لا يبطل البيع هاهنا قولًا واحدًا وغلط المزني في النقل لأن الشافعي ذكر القولين في المسألة التي ذكرناها فنقل الجواب إلى هذه المسألة وهذا لأن في تلك المسألة اختلط المبيع بغير المبيع، وهذا اختلط غير المبيع بغير المبيع لأن الخارجة غير مبيعة ولكنها بقيت على ملك البائع والحادثة ملك المشتري وهي غير مبيعة وإنما المبيع الشجرة ولكنه يملك الثمرة بملك الشجرة واختلاط غير المبيع بغير المبيع لا يوجب بطلان البيع، كما لو باع دارًا فيها طعام فاختلط هذا الطعام بطعام للمشتري بعد البيع لا يبطل البيع، كذلك هاهنا. قال ابن خيران: ولكن تأويل ما نقله المزني أنه أراد إذا باع الشجرة وملك المشتري الشجرة وبقيت الثمرة للبائع، ثم اشترى المشتري ثانيًا تلك الثمرة ثم ظهرت الحادثة فاختلطت بها فهاهنا يختلط المح بغير المبيع فهي مسألة القولين. وقال عامة أصحابنا: المسألة على قولين كما نقله المزني لأن الشافعي نص في (الأم) على القولين وذكر ما يدل [٧٣/ أ] على القولين في هذه المسألة فقال: الخارجة للبائع والحادثة للمشتري فلو كان المبيع هو الثمرة لقال: الخارجة للمشتري والحادثة للبائع. وقال أيضًا: يقال للبائع: أتسمح بتسليم الحادثة للمشتري؟ فإن فعل وإلا قيل

стр. 2111

للمشتري: أتسمح بتسليم الخارجة للبائع؟ فلو كان المبيع هو الثمرة الخارجة لم يصح أن يقال: أترضى بتسليم الخارجة للبائع؟ لإنهاء كل المبيع فثبت نص الشافعي على قولين في هذه المسألة، والدليل على هذا أن من اشترى شجرًة فالمقصود ثمرتها ولا فرق بين أن يختلط المبيع بغير المبيع أو المقصود بالبيع بغيره أو نقول: الحادثة هاهنا من توابع المبيع ولا فرق بين اختلاط البائع بالبيع وبين اختلاط نفس المبيع لأن تسليمهما واجب بحق العقد وبهذا فارق إذا باع دارًا فيها طعام فاختلط ذلك الطعام بطعام المشتري لأن ذلك ليس بتابع للبيع ولا مقصودًا بالعقد بخلاف هذا. وأما تأويل ابن خيران فغلط لأن هناك وإن اختلط المبيع بغير المبيع إلا أن كله للمشتري واختلط ملكه بملكه فلا يؤثر [٧٣/ ب] في المبيع أصلًا فإذا قلنا: البيع باطل فلا كلام، وإذا قلنا صحيح يدعى كل واحٍد منهما إلى ترك حقه من الثمرة إلى صاحبه فإن فعل أحدهما ذلك جاز البيع وإلا فسخ العقد على ما نص في (الأم). وحكي عن ابن خيران: أنه إذا لم يسمح واحد منهما فالقول قول من في يده في القدر الذي يستحقه صاحبه منها ولو علما جميعًا أن البائع لا يمكنه قطع ثماره حتى تخرج ثمار المشتري فتختلط بملك البائع كان البيع من الأصل باطلًا، لأنهما تعاقداه مع تبين العجز عن التسليم إلا مع الخصومة الواقعة بينهما، ولو شرط أن يقطع ثمره في الحال قبل أن يخرج الجديد للمشتري يصح البيع. وقال الربيع: فيه قول آخر: لا يبطل البيع في هذه الصورة ولكن يقال عند حدوث الزيادة للمشتري وللبائع: أتسمح بترك حقك؟ على ما ذكرنا وهذا خلاف النص. والربيع أخذ هذا من أحد القولين فيه إذا باع قرطًا جزه فلم يجزه المشتري حتى زادت فيه قولان وغلط في هذا لأن القرط يباع بشرط القطع والقدر الذي تناوله العقد يمكن [٧٤/ أ] تسليمه في الحال معلومًا معينًا وإنما يخاف التعذر بما سيكون وربما لا يكون وهاهنا وقع العقد على الشجرة والثمرة موجودة يقتضي تبقيتها للبائع إلى وقت الجذاذ فإذا علم اختلاطها بغيرها حالة العقد فقد عقد مع يقين العجز عن التسليم بالاختلاط فيبطل العقد ووزانه من تلك المسألة: أن لو باع بشرط أن يقطع البائع ثمرتها في الحال فلا يبطل البيع على ما ذكرنا. فإذا تقرر هذا ففيما نقل المزني إشكال وذلك أنه حكي هذه المسألة تم عطف عليها وهكذا قال في بيع الباذنجان في شجرة والخربز وهذه الصورة بخلاف الصورة الأولى فكيف يحسن عطفها عليها، لأن المبيع في الصورة الشجرة فلا يكون اختلاط المبيع بغير المبيع، وفي الثانية: اختلط المبيع بغير المبيع وإزالة هذا الإشكال أن يقال: إنما استجاز العطف هكذا لمشابهتهما في المعنى وذلك أن البائع إذا باع الشجرة واستبقى الثمرة وحدثت ثمرة أخرى للمشتري فقد اختلط حق المبيع بحق غير المبيع وإن لم يختلط العين بالعين وذلك [٧٤/ ب] الحق حق السقي، لأن سقي الثمرة القديم على البائع وسقي الحادثة على المشتري وربما يتنازعان في ثمن الماء، فصار هذا كاختلاط المبيع بغير المبيع. وإذا تقرر هذا فّرع المزني على هذه المسألة فرعين أحدهما قال: وهكذا إذا باع قرطًا

стр. 2112

جزه فلم يقطع حتى طال القرط، والقرط هو: الرطبة قرط وقضب وقت. وقال الأزهري: القرط هو هذا القت الذي يسميه أهل هراة الغورية وهو لا يستخلف إذا جز كما يستخلف القت الصغار للورق، وجز القت حصده، فإذا قال: بعتك هذا القرط لم يجز إلا بشرط القطع فإن توانى المشتري ولم يقطع حتى طالت وغلظت لم يجبر البائع على التسليم ولكن هل يبطل العقد؟ فيه طريقان: أحدهما: لا يبطل البيع قولًا واحدًا ولكن يقال للبائع: أتسمح؟ فإن سمح وإلا فسخ العقد لأن هذه زيادة غير متميزة كِسَمن العبد وكبره، ويفارق الثمرة، لأنها أعيان متميزة اختلطت بغيرها فكان حكمها أغلظ، والثاني: وهو الصحيح. المسألة على قولين لأنه اختلط بالمبيع غيره وهذه الزيادة تجري [٧٤ ب/ ٦] مجرى الزيادة المتميزة بدليل أنه لا يجبر البائع على تسليمها وِسَمن العبد وِكَبره ٠ يكون للمشتري لا حق للبائع فيه، ولأن السَمن في الصورة لا يتميز وهاهنا زيادة الخلقة والورق والأغصان في الصورة يتميز فإن قيل: أليس لو اشترى طلعًا فزاد كان للمشتري فقولوا في زيادة القرط مثله؟ قيل: الفرق أن تلك الزيادة تحدث من نماء الطلع الذي هو ملكه فكانت له وهاهنا الزيادة تحدث من الأصول التي هي ملك البائع فكانت له. والفرع الثاني قال: وهكذا لو باع حنطة فانثالت عليها حنطة أخرى فإن كان قبل القبض فيه قولان أيضًا بلا خلاف بين أصحابنا كمسألة الثمرة. ونص في (الأم) و (الإملاء): أنه يبطل. فإذا قلنا لا يبطل فإن سلم الكل إلى المشتري فلا خيار له، وهل يجبر على قبوله؟ وجهان، وإن امتنع البائع من بذله فله الخيار. وإن كان بعد القبض فالعقد صحيح قولًا واحدًا، فإن كان في يد البائع بأن يكون قبضها من البائع ثم أودعها عنده فالقول قول البائع في مقدار طعام المشتري لثبوت يده عليه، وإن كان في يد المشتري [٧٥ أ/ ٦] فالقول قول المشتري في مقداره لثبوت يده عليه وهذا لأن القبض إذا حصل فقد استقر العقد فلا يضر الاختلاط بعده، وهكذا في مسألة الثمرة لو جذ المشتري الثمرة وردها إلى الجرين بثمرة البائع لا يبطل البيع قولًا واحدًا لأنه استقر البيع بالتسليم بدليل أنه لا ينفسخ البيع في تلك الحالة بالتلف وليس كذلك ما دامت على الشجرة لأن التسلم غير تام فيها، ألا ترى أنه لو عطشت الثمرة كان على البائع سقيها؟. فإذا تقرر هذا اختار المزني في مسألة الثمرة أن يفرق بين ما قبل القبض وبعده كما في مسألة الحنطة، إذا انثالت عليها حنطة أخرى، وهو قول أبي حنيفة أيضًا، فقال: إن كان قبل القبض بطل، وإن كان بعد القبض لا يبطل ويقتسمانه، فإن اختلفا في قدر حق كل واحٍد منهما فالقول قول من في يده. قلنا: الفرق أن الحنطة إذا قبضت انقطعت العلقة بينه وبين البائع وتم القبض واستقر. وفي الثمرة لا يتم القبض بالتخلية، لأن على البائع إكمال الإقباض على ما ذكرنا من سقي الشجرة حتى تجد الثمرة [٧٦/ أ] ولو لحقها عطش كان للمشتري الخيار، فكان الاختلاط بعد القبض وقبله سواء هناك. ومن أصحابنا من قال في مسألة الحنطة قبل القبض: بطل البيع قولًا واحدًا لأن الشافعي جعلها دليل أحد القولين في اختلاط الثمار وهذا أصح. فرع لو باع شاًة فاختلطت بقطيع لا يتميز، المذهب أنه يبطل البيع ويفارق الحنطة، لأن

стр. 2113

هناك الإساغة لا تمنع البيع وهاهنا الاشتباه مانع من العقد حتى لو قال: بعتك شاًة من هذا القطيع لا يجوز، وقيل: لا يبطل لأنه يمكنه التسليم بأن يقبض الكل وتقرر الحكم في المبيع، ويكون حكمه حكم من اختلطت شاته بقطيع لإنسان، وهذا لا يصح، لأن الشرط في القبض يتسلط به على المقبوض ويتمكن من التصرف وهذا لا يوجد بقبض الجملة. مسألة: قال: (وكُّل أرٍض بيعْت فللمشتري جميُع ما فيها من بناِء وأصٍل والأصُل ما له ثمرة بعد ثمرة). الفصل في اللفظ خلل، لأنه يوهم أن البناء خارج عن عمارة الأصل لأنه استأنف تفسير الأصل فقال: والأصل ما له ثمرة بعد ثمرة. وقال بعض [٧٦/ ب] أصحابنا: لفظ الشافعي فللمشتري جميع ما فيها من أصل والأصل كل بناء وشجر له ثمرة بعد ثمرة والأول أظهر ولم يرد الشافعي بهذا إخراج الأشجار غير المثمرة عن هذا الحكم، ولكنه أراد أن الزرع ليست من جملة الأصل لأنها تثمر مرة ثم تتلف حني يزرع غيرها. فإذا تقرر هذا فباع أرضًا لا يخلو إما أن يقول: بعتك هذه الأرض بحقوقها فدخل في البيع جميع ما في الأرض من البناء والشجر، وإما أن يقول: بعتك هذه الأرض مطلقًا، قال الشافعي: يدخل في البيع جميع ذلك، وقال في الرهن: لا يدخل في الرهن إلا البناء والشجر، واختلف أصحابنا فيه على ثلاثة طرق: فمنهم من قال: فيها قولان: أحدهما: لا يدخل فيهما لأن اسم الأرض لا ينطلق على ما فيها، والثاني: يدخل فيهما لأنه متصل بها فهو كأجزائها، ومنهم من قال: المسألة على حالين فإن قال: بحقوقها يدخل فيها، ران أطلق لا يدخل فيهما، ونص الشافعي في الَّرهن عند الإطلاق ومنهم من فرق بينهما وحمل النصين على ظاهرهما، والفرق أن البيع يزيل الملك فاستتع حقوق [٧٧/ أ] لقوته، والرهن لا يزيل الملك فلم يستتبع، وهذا هو الصحيح واختاره القاضي الطبري وجماعة، فإن قيل: أليس لو باع النخل لا تدخل فيه الثمرة، وإن كانت متصلة فكذلك البناء؟ قلنا: الفرق أن الثمرة لا تراد للبقاء فليست من حقوقها بخلاف البناء والشجر. فرع لو قال: بعتك هذا البستان يدخل في البيع الأرض وما فيها من الأشجار أجمع، لأنه يسمى بستانًا بجميع ذلك، ألا ترى أنه إذا أزيل عنها الأشجار لا يسمى بستانًا، وأما البناء الذي فيها والجدار المحيط بها على الطرق التي ذكرناها. وقال بعض أصحابنا: يدخل فيها الجدار المحيط بها قولًا واحدًا، لأن البستان اسم لجميعها وهو ضعيف عندي، ولو قال: حائط بستان فالجدار المحيط به يدخل في البيع، فإن كان في إخلاله بناء فعلى الطرق.

стр. 2114

فرع آخر لو قال: بعتك هذه القرية دخل في المبيع ما يحيط به البناء من البيوت والدكاكين والحمام، ولا يدخل ضياعها ولا بساتينها، ولو كان في جوف القرية غرس فعلى الطرق، ولو قال: بعتك هذه القرية بحقوقها دخل الغراس والبناء الذي في [٧٧/ ب] جوفها دون المزارع لأنها ليست من حقوقها فلا يدخل إلا أن يقول: بمزارعها أو بأراضيها. فرع آخر لو باع أرضًا فيها دولاب للماء فيه وجهان: أحدهما: يدخل في البيع لاتصاله بها ولأن فيه كمال منافعها ويجري مجرى أبواب الدار المبيعة، وإن لم يكن من جنسها، والثاني: لا يدخل كما لا يدخل بقره الدولاب ولا خشبه الزرنوق، وقال بعض أصحابنا: إن كان الدولاب صغيرًا يمكن نقله صحيحًا على حاله بغير مشقة لم يدخل، وإن كان كثيرًا لا يمكن نقله صحيحًا إلا بالتفصيل أو بمشقة غالبة دخل، لأنه نصب للبقاء كالشجر. فرع آخر لو كان في الأرض رحى الماء دخل بيت الرحى وبناؤه، وفي حجارة الرحى ثلاثة أوجٍه: أحدها: يدخل علوًا وسفلًا لأنها من تمام المنافع، والثاني: لا يدخل أصلًا لامتيازها، والثالث: يدخل السفل دون العلو لانفصاله. وأما دولاب الرحى الذي يديره الماء فيدير الرحى يتبع الرحى وإلحاقه بالسفل أولى من إلحاقه بالعلو. فرع آخر لو كان فيها سماد فللبائع إلا أن يكون قد بسط [٧٨/ أ] في الأرض واشتغل فرع آخر لو قال: بعتك هذه الدار ودخل في البيع جميع ما هو مركب فيها ومبني من السقوف والأبواب والرفوف المركبة والدرج المعقودة والأوتاد المغروزة، فإن كانت الرفوف موضوعة على الأوتاد غير مسمرة ولا مغروزة في البناء لا يدخل في البيع. وقال بعض أصحابنا بخرسان: الرفوف لا تدخل أصلًا لأنها أثبتت بالاستقرار دون الأسمار، وقال أبو حنيفة: يدخل فيها ما كان داخلًا من الحقوق دون الخارج، وإن كان متصلًا بها، ولهذا احترز الشرطيون في الوثائق فقالوا: وكل حق هو خارج منها وهذا قول بخلاف الإجماع، والتعليل بالاتصال يوجب التسوية بين الأمرين وقال زفر: كل ما كان في الدار من آلة وقماش لا يستغنى عنه يدخل في البيع. وهذا أظهر فسادًا، ولو جاز هذا لدخل العبيد والطعام أيضًا. فرع آخر إذا قال: بعتك هذه الدار فما فيها من المرافق المنتفع بها على ثلاثة أضرب: متصل بها ومنفصل لا يتعلق بمنفعة المتصل، ومنفصل يتعلق بمنفعة المتصل، فأما المتصل [٧٨/ ب] بها كالخوابي المدفونة والحجر التحتاني من الرحى ونحو ذلك يدخل في

стр. 2115

البيع، لأنه بني للبقاء فيها ويفارق الحجر المدفون والكنز، لأنه مودع فيها للنقل عنها لا للبقاء فيها بخلاف ما ذكرنا، وهكذا أجاجين الخباز يدخل في البيع، وأفتي بعض مشايخ طبرستان: أنه لا يدخل فيها الخوابي وهو غريب، وقال في (الحاوي): إن كان للتأبيد كحباب الزياتين والبزارين دخلت في البيع، وإن كانت مدفونة استيداعًا لها في الأرض لم يدخل كما لا يدخل الحجارة التي دخلت في البناء، وهذا أصح عندي. وأما المنفصل الذي لا يتعلق بمنفعة المتصل كالبكرة والحبل والدلو والسلم والرفوف التي تنقل وتحول غير المسمسرٍة، لا يدخل في البيع شيء منها، كالفرش وكذلك السرير وحجر الرحى إذا لم يكن مركبًا والأبواب غير المغلقة والحطب، وأما المنفصل المتعلق بمنفعة المتصل كالمفاتيح الرومية والحجر الفوقاني من الرحى فيه وجهان أحدهما: وهو اختيار أبي إسحاق يدخل في البيع لأنه متعلق بمنفعة المتصل كالأبواب الثابتة والمغلاق مع أن [٧٩/ أ] الأبواب قائمة في الدوازات غير مغروزة فيها، والثاني: لا يدخل في البيع وهو اختيار ابن أبي هريرة لأنها منفصلة بنقل وتحّول من مكان إلى مكان كالدلو والحبل، ويفارق الأبواب لأنها لأن كانت منفصلة إلا أن البناء محيط بها، وإثما بنيت منفصلة ليمكن رَّدها وفتحها بخلاف هذا فإن البناء غير محيط بها. فرع آخر قال القفال: ما أثبتت فيها بالطين ينظر، فإن كان مما لا ينتفع به لو رفع كالتنور والكانون المتخذ من آجرات أو قدر ركبت فيه يدخل في البيع، وما أثبت فيه كي لا يتحرك ولا يتزعزع، ويمكن رفعه ويبقى انتفاعه كإجانة القصار ومعجن أثبت في الدار بالطين والرفوف المسمرة والسلاليم المسمرة والأوتاد المغروزة في الحائط، وقدر الحمام وصندوق الطحان فيه وجهان: أحدهما: يدخل في البيع لأنه صار من جملة البناء لإثباته بالطين، والثاني: لا يدخل لأنه موضوع غير مبني في الحقيقة، وأما القفل ومفتاح غير المغلاق لا يدخل في البيع بحال. فرع آخر ألواح الدكان المنفصلة [٧٩/ ب] يغلق بها، هل تدخل في البيع؟ وجهان وقيل: يدخل وجهًا واحدًا لأن تلك تجري مجرى الباب للدار. فرع آخر هل يدخل رأس التنور في البيع؟ وجهان ذكره في (الحاوي). فرع آخر لو اتصل بالدار حجرة أو رحبة لم يدخل لخروجها عن حد الدار. فرع آخر لو اتصل بها ساباط على حائط من حدودها هل يدخل؟ فيه ثلاثة أوجه أحدها: لا

стр. 2116

يدخل كالحجرة، والثاني: يدخل كالأجنحة والميزاب، والثالث: خَّرجه أبو الفياض: يعتبر حال الأجذاع من الطرفين مطروحًا على حائط لهذه الدار دخل في بيعها لأن جميعه تبع، وإن لم يكن كذلك بأن كان أحد الجانبين على حائط لغير هذه الدار فلا يدخل في بيع هذه الدار. فرع آخر لو باع سفينة تدخل آلتها المتصلة، وهل تدخل آلتها المنفصلة التي لا يستغنى عنها؟ وجهان. فرع آخر قال الشافعي: إن كان في الدار حمام لم يدخل في البيع قال الربيع: أراد حمامات الحجاز تتخذ من الخشب يغتسل [٨٠/ أ] فعلى قول أبي إسحاق: مالك المكان أحق به فإن تجاهل غيره فدخل في ملكه وأخذه ملكه، وعلى قول ابن أبي هريرة؛ يلزم الرد على مالكه ولا يملكه المتجاهل بأخذه، وأما البيع فعلى ما مضى في بيع ماء بئر الدار سواء. فرع آخر لو باع أرضًا فيها معدن جامد دخل في البيع لأنها من جملته أجزاء الأرض والكنوز لا تدخل ويكون للبائع إن اّدعاها، وإن لم يدعها نظر إلى من ملك الأرض عنه وقد سبق حكمه في كتاب الزكاة. فرع آخر لو باع دارًا يحتاج أن يذكر للدار أربعة حدود فلو ذكر حدين لم يجز، ولو ذكر ثلاثة حدود فإن كانت لا تتميز بذكرها بطل، وإن تميزت فالصحيح أنه يصح لحصول الامتياز، وفيه وجه آخر انه لا يصح ما لم يذكر الرابع. فرع آخر لو باع عبدًا لا يدخل ثياب بدنه في مطلق بيعه إلا بالتسمية ولكن العادة جارية بالعفو عنها فيما بين التجارة. وقال أبو حنيفة: يدخل ذلك في مطلق البيع [٨٠/ ب] وقال بعض العلماء: يدخل قدر ما يستر العورة للضرورة كنعل الدابة وهو وجه لأصحابنا، وفيه وجه ثالث يدخل تمام ثياب البدن للعادة. وقال ابن عمر: يدخل في جميع ما على العبد والأمة من الثياب والحلي لأنها في يد من ملكت وهذا غلط، لأنه منفصل عن المبيع ولو لزم قدر ما يستر العورة للزم قدر ما يسد الجوعة ولا قائل به. فرع آخر لو باع داّبة لا يدخل فيه الحبل والِمقود، وقال بعض العلماء: يدخل فيه ذلك كما قال هناك في قدر ما يستر العورة ويدخل النعال المسمرة. لأنها كالمتصل بخلاف القرط في الأذن.

стр. 2117

فرع آخر لو اشترى سمكة فوجد في جوفها لؤلؤة لا يدخل في البيع ثم ينظر فإن كان فيها أثر ملك من ثقب فهي لقطة لا يملكها الصياد البائع، وإن لم يكن فيها أثر ملك فهي للصياد، لأنه قد يمر بمعدن اللؤلؤ فينلبع منه شيئًا. فرع آخر لو ابتاع سمكة فوجد في جوفها سمكة [٨٠ ب/ ٦] تدخل في البيع لأن السمك قد يغتذي بالسمك فيكون من جملته بخلاف اللؤلؤ، وكذلك لو ابتاع طائرًا فوجد في جوفه سمكة أو جرادًا. قال الشافعي، ﵁: ويؤكل ذلك ولكن بعد الغسل لنجاسته بما في جوف الطائر، ولو كان في جوف الحوت لم يجب غسله، لأن ما في جوف الحوت لا يكون نجسًا بخلاف ما في جوف الطائر. مسألة: قال: وإن كاَن فيها زرٌع فهَو للبائِع يُترُك حتى يحصَدُه. لما ذكر الشافعي حكم الثمار تكلم على حكم الزرع، فإذا باع أرضًا فيها زرع لم يخل من أحد أمرين: إما أن يكون الزرع ظاهرًا أو بذرًا في الأرض، فإن كان ظاهرًا لم يخل من أحد أمرين: إما أن يكون مما يحصد دفعة واحدة أو جزه بعد جّزه، فإن كان مما يحصد دفعة واحدة كالحنطة والشعير فلا يخلو، إما أن يطلق العقد أو يشرط، فإن أطلق فالزرع للبائع لأنه يزاد للنقل لا للبقاء فهو كمتاع الدار، فإذا ثبت أنه للبائع فله بنفسه إلى حين الحصاد، وقال أبو حنيفة: عليه نقله في [٨١/ ب] الحال كما قال في الثمرة وهو غلط لما ذكرنا، فإن قيل: هلّا قلتم: إن البيع باطل لأن المشتري اشترى أرضًا منفعتها لغيره كما لو اشترى أرضًا مكتراة فالبيع باطل لأنه اشترى أرضًا منفعتها لغيره؟ قلنا: في بيع الأرض المكتراة قولان، وهاهنا قال أبو إسحاق: فيه قولان أيضًا، وليس بشيء بل المذهب أنه لا يبطل هاهنا قولًا واحدًا، والفرق أن هناك يدًا حائلة تمنع المشتري عما اشتراه فيبطل في أحد القولين وهاهنا لا حائل دونها فإن له الدخول إليها والتصرف في غير مواضع الزرع منها، ولهذا يجوز بيع الَأَمة المزوجة قولًا واحدًا، لأنه ليس عليها يد الزوج ولا يمكنه منع صاحبها من التسليم ثم نقول لأبي إسحاق: لو كان هذا من باب بيع الأرض المكتراة لوجب أن يبطل البيع هاهنا قولًا واحدًا، لأن مَّدة بقاء الزرع مجهولة ومتى جهلت المّدة بطل العقد كما لو وجب لها سكنى دار مدة عدتها فباعها مالكها يبطل قولًا واحدًا، لأن مدة العدة مجهولة. وقال في (الإفصاح): من أصحابنا من قال: يبطل البيع قولًا واحدًا لأنه يصير كأَّن [٨٢/ أ] البائع استثنى منفعة مجهولة لنفسه وهذا يبطل عليه ببيع النخيل الني عليها الثمرة، وإذا تقرر هذا ونفاه البائع إلى أوان الحصاد لا يكون عليه أجرة مثل الأرض

стр. 2118

مدة بقاء الزرع فيها، وان كان قد انتفع بأرض المشتري فإن قيل: هلَّا قلتم عليه أجر مثلها مّدة بقاء الزرع فيها كما لو اشترى أرضًا شراًء فاسدًا فزرعها يلزم أجرة مّدة بقاء الزرع فيها، إذا استرد الأرض وترك الزرع إلى أوان الحصاد؟ قيل: الفرق إنه لا يملك المشتري في الشراء الفاسد منفعة الأرض فكان عليه الأجرة وهاهنا منفعتها مملوكة للبائع لأنها كالمستثناة عن العقد فلم تتلف منفعة غيره فلا أجرة، ويؤكده أن الأجرة إنما تجب إذا زرعها بعقد الإجارة أو بغير حق، وليس هاهنا واحد منهما فلا أجرة فإذا ثبت هذا فجاء وقت الحصاد عليه الحصاد في أول وقت الحصاد، وإن كان بقاؤه بعد هذا أنفع له، كما قلنا في الثمرة يقطعها البائع إذا تمت حلاوتها، ولو حصد ونقل الزرع قبل وقت الحصاد ليس له أن ينتفع الأرض بغير الزرع [٨٢/ ب] إلى وقت الحصاد ولأنه إنما ملك الانتفاع بها لهذا الزرع فليس له أن ينتفع بغيره كما لو كان المبيع دارًا فيها طعام ينقل في شهر فنقله في يومين سقط حقه وليس له أن ينتفع بها بقية الشهر، وهكذا له بقية الثمرة إلى حين الجذاذ فلو صرمها قبل ذلك سقط حقه وليس له أن ينقل إلى البستان بعد ذلك، كذلك هاهنا وإن حصده في أوانه نظر فإن كان زرعًا لا يضر عروقه بالأرض كالحنطة والشعير فلا كلام، وإن كان مما يضر بها عروقه كالقطن والذرة فعليه نقل العروق عنها، لأن هذا ملكه وبقاؤه يضر بها كما لو باع أرضًا فيها حجارة يلزمه نقلها. ومن أصحابنا من قال: يلزمه قني أصول الزرع بكل حاٍل والأصح التفصيل على ما ذكرنا، فإذا نقل فإن لم يحصل في الأرض حفر تحتاج إلى الإصلاح فلا كلام، وإن كان فيها حفر يحتاج إلى الإصلاح فعلى البائع أصلاحها وتسويتها لأنه حفرها لاستصلاح ملكه فكان الضمان عليه، كما لو باع دارًا فيها جّب كبير لا يخرج من الباب إلا بهدم شيء منه وعليه ما نقص بالهدم [٨٣/ أ] وكذلك إذا هربت دابة فدخلت في دار رجل ولا يمكن أن يخرج منها إلا ببعض شيء من الدار يضمن البعض على صاحب الدابة، ولهذا قال بعض أصحابنا: لو وقع دينار في جرة رجل ولا يخرج إلا بكسرها كسر ويجب ضمانها على صاحب الدينار، وإن باع بشرط أن يكون الزرع للمشتري لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون قد تسنبل أو لم يتسنبل، فإن كان قبل أن يتسنبل أو بعد أن يتسنبل، وقبل أن يشتد الحب فيه جاز ذلك لأنه حشيش، ألا ترى أنه يجوز إفراده بالعقد فجاز بيعه مع الأرض فإن قيل: هلَّا قلتم لا يجوز بيعه إلا بشرط القطع كما لو أفرده بالعقد؟ قلنا: الفرق أنه إذا أفرده صار مقصودًا بالعقد وفي بيعه من غير شرط للقطع غّرز فلم يصح، وإذا باع مع الأرض فالغرز في التابع في العقد فلا يضر العقد، وهذا كبيع الثمار قبل بدو صلاحها مطلقًا من غير شرط القطع لا يجوز، ولو باعها مع الأرض مطلقًا يجوز، وإن كان قد تسنبل واشتد الحب فيه نِظر فإن كان الحب ظاهرًا كالشعير يجوز البيع لأنهما مقصودان ظاهران يجوز بيع كل واحٍد منهما على الانفراد، وإن [٨٣/ ب] كان الحب في كمام كالحنطة فاختلف قول الشافعي في الحنطة في سنبلها على قولين: فإذا قلنا: يجوز إفراده بالبيع فلا يجوز بيع الأرض أولى، وإن قلنا: لا يجوز بطل البيع فيهما لأنهما مقصودان أحدهما: مجهول، فإن قيل: أليس لو باع حّرًا وعبدًا يبطل

стр. 2119

في الحر وهل يبطل في العبد؟ قولان: هلَّا قلتم مثله هاهنا؟ قلنا: الفرق أنهما معلومان يمكن تقسيط الثمن عليهما، وهاهنا أحدهما مجهول وهما مقصودان فلا يمكن تقسيط الثمن عليهما فافترقا. وقال في (الحاوي): هل يجوز تبعًا للأرض؟ وجهان: أحدهما: يجوز لأنه تجوز الجهالة تبعًا كأساس البناء، والثاني: لا يجوز لأنه وإن كان تبعًا فهو مقصود في نفسه بخلاف الأساس وهذا غريب، ومن أصحابنا من قال: هذا الوجه صحيح إذا قلنا بالقول الضعيف يمسكه المشتري بجميع الثمن عند الإجارة في تفريق الصفقة، لأنه يأخذ المعلوم بكل العوض فلا يضر الجهل بما عداه، فإذا قلنا: لا يجوز فيه هل يبطل البيع في الأرض قولان بناء على تفريق الصفقة، ومن أصحابنا من أبطله في الأرض قولًا واحدًا للجهل [٨٤/ أ] بحصة ما قابل الزرع المجهول من الثمن، وهذا من اختلاف أصحابنا في تعليل تفريق الصفقة. فإن قلنا: يصح في الأرض فللمشتري الخيار، فإن أجاز يمسكه بكل الثمن قولًا واحدًا لأن الفاسد مجهول الحصة، وإن كان الزرع يحصد دفعة بعد دفعة ويبقى أصله في الأرض سنين كالرطبة والنعناع والكراث، فإذا باع الأرض مطلقًا قد ذكرنا أن الأصل تابع لهما كالنحل سواًء، ثم ننظر فإن لم يكن فيها شيء ظاهر كأنه باعه حين حّزه فما نبت للمشتري، وإن كان هناك نبت ظاهر فهو للبائع بإطلاق العقد على ما ذكرنا، وعلى البائع نقله في الحال فإن قيل: أليس قلتم في المسألة قبلها: للبائع تبقيته إلى أوان الحصاد؟ فهلَّا قلتم هاهنا مثله؟ قلنا: الفرق ما ذكره الشافعي أن للزرع والثمرة حّدًا إذا انتهيا إليه واحد وليس للرطبة جذاذ إذا انتهى إليه أجذ فكان عليه النقل في الحال، وأيضًا قال أصحابنا: الرطبة تطول وتخرج غير ما كان ظاهرًا منها فيفوت على المشتري ما يظهر له منها فكان عليه النقل في الحال والثمرة [٨٤/ ب] والزرع يكبر بذاته وينشأ بنفسه ولا يتفرع له أغصان لم يكن ولا يفوت على المشتري شيئًا، لأن الثمرة والزرع لجميع العام فكان له التبقية إلى حين الحصاد، وقال في (الحاوي): هل ينتظر جذاذه؟ وجهان على ما ذكرنا في نظيره، وهكذا إن لم يكن له أصل يبقى سنين ولكنه يجزه دفعة بعد دفعة كالهندباء والجرجير ونحو ذلك، قال الشافعي في (الأم): هي كالأصول وكذلك القثاء والخيار والبطيخ كالأصول نص عليه واعتبر ما يجز دفعة بعد دفعة ولم يفرق بين طويل المدة وقصيرها، فالجزة الأولى للبائع وما بعدها للمشتري. وقال في (الحاوي): البطيخ وما يؤخذ ثمرته مرة بعد مرة ولكن في عام واحٍد هل هو في حكم الشجر لأن ثمرته لا توجد دفعة وحكمه ما ذكرنا. وقال البصريون: هو في حكم الزرع فللبائع أصله وثمره لأنه زرع عام واحد والشجر يبقى أعوامًا والهندباء والجرجير والكراث.

стр. 2120

قال: وأما الموز فأصله لا يحمل إلا سنة واحدة ثم يموت بعد أن يستخلف مكانه فرخًا يحمل في العام المقبل فالأصل [٨٥/ أ] الموجود وقت العقد لا يدخل في البيع كالزرع لأنه لا يبقى بعد سنته والفرخ الذي يستخلف كالشجر يدخل في البيع هذا الكلام كله في الزرع الظاهر، فأما إن كان بذرًا لم ينبت فالبذر ضربان: بذر لأصل ينقى وبذر لما يؤخذ دفعة واحدة فإن كان لأصل ينقى كبذر المشمش والخوخ والجوز واللوز والنعناع والرطبة فإنها تتبع الأصل لأنها دفنت للبقاء فصارت أصلًا في نفسها لشجرها، وإن كان لما يؤخذ دفعة واحدة كبذر الحنطة والشعير لا يتبع الأصل لأنه مستودع فيها للنقل والتحويل كالحجر المستودع، ولا فرق في المسألة الأولى بين أن يكون نبت وجرت عروقه في الأرض أو لم يبت وفي تلك الحالة دفنه فيها، لأنه دفنه للبقاء فهو كما لو غرس فسلًا في أرضه ثم باعها قبل أن يعلق الفسيل ببيع الأرض. وقال في (الحاوي): إذا قلنا: إنه ينتظر بما ظهر منه تناهي جزازه وهو في الرطبة والنعناع فأول الجذة الثابت من هذا البذر للبائع، وإن قلنا لا ينتظر فالبذر وما يثبت منه [٨٥/ ب] للمشتري ثم ينظر فإن كان المشتري عالمًا بالحال فلا خيار له وللبائع ببقيته إلى حين الحصاد وهذا في بذر الحنطة، وإن كان جاهلًا به فله الخيار لأن فيه تفويت منفعة الأرض، فإن رضي البائع بتركه للمشتري أو قال: أنا أحوله وأنقله. قال في (الأم): لا خيار له لأنه أبطل العيب بالنقل وزاده خبرًا بالترك ويلزمه قبوله لأن فيه تصحيح العقد وعلى هذا لو اشترى نخلًا فيها طلع فبان أنها قد أبرت ولم يعلم المشتري له الخيار لأنه يستضر ببقائها في نخله هذا إذا باع الأرض مطلقًا فإن باعها مع البذر فإن جهل جنسه وصفته لم يجز قولًا واحدًا، وإن علمه فالمذهب أن البيع باطل، لأنهما مقصودان أحدهما: مجهول، ومن أصحابنا من قال: يصح البيع فيهما وتسقط الجهالة على سبيل التبع كالحمل في الحامل ولا يجئ فيه قول تفريق الصفقة، لأن البذر مجهول لا يمكن تقسيط الثمن عليهما على ما ذكرنا، وقيل: يصح في الأرضى إذا قلنا: نأخذ في الجائز بكل الثمن، وقيل: إذا باع البذر مع الأرض قولان والقول [٨٦/ أ] الثاني يصح فيهما، لأن الشافعي قال في كتاب التفليس: أو باع زرعًا مع أرض خرج أو لم يخرج والأول أصح، ومن قال به قال فيما ذكره في التفليس الزرع عبارة عن النابت وقوله خرج أو لم يخرج يعني سنبله، وقال في (الإفصاح): وفي معنى ما ذكرنا إذا باع أرضًا فيها جزر أو فجل بجزرها وفجلها هل يصح؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز، والثاني: يجوز كاللبن في اللبون والحمل في الحامل يجوز البيع فيه تبعًا. مسألة: قال: (وإن كاَن فيها حجارٌة مستودعٌة). الفصل إذا باع أرضًا فيها حجارة باطنه لم يخل من ثلاثة أحوال: إما أن تكون مخلوقة في

стр. 2121

الأرض أو مبنية فيها أو مستودعة. فإن كانت مخلوقة فيها مع خلقة الأصل دخلت في البيع لأنها كأجزاء الأرض من التراب والطين، ولأنها لست بأكثر من المعادن الباطنة كالجواهر والذهب والفضة المخلوقة في الأرض، وكلها تدخل في البيع كذلك هذه الحجارة فإذا ثبت هذا ُنظر فإن كانت لا تضر بزرع ولا شجر بحيث لا يصل إليها عرق [٨٦/ ب] واحد منهما فلا خيار للمشتري، لأنها ليست بعيب، وإن كان يضر بهما أو بأحدهما فهو عيب يرد به المبيع، وإن كان المشتري عالمًا به فلا خيار، وإن كان جاهلًا فله الخيار فإن اختار الإمساك أمسك بكل الثمن لأنه عيب فلا يتقسط الثمن عليه. وقال في (الحاوي): إن كان يضر بالغراس لوصول عروقه إليها وغير مضرة بالزرع لبعد عروقه منها هل يكون عيبًا يوجب للمشتري الخيار وجهان: أحدهما: عيب لأنه منع بعض منافعها. والثاني: وهو اختيار أبي إسحاق لا يكون عيبًا لكمال المنفعة بأحد المقصودين وكذلك لو كان يصلح للغرس دون الزرع فيه وجهان أيضًا. قال: والأصح عندي أن ينظر في تلك الناحية فإن كانت الأرض فيها مرصده للزرع، أو بعضها للغرس وبعضها للزرع لا يكون عيبًا ولا خيار، وإن كانت مرصده للغرس فهذا عيب لأن العرف المعتاد يجري في العقود مجرى الشرط ولعل اختلاف الوجهين على هذا التفصيل فلا يكون في الجواب اختلاف، وإن كانت الحجارة مبنية فيها للبقاء [٨٧/ أ] والتأبيد كالدكة وأساس الحيطان فالحكم فيها كما لو خلقت في أصل، وكذلك إذا كان البناء مهدمًا أو كانت في طي بئر خراب، وإن كانت مستودعة فيها وهي مسألة الكتاب وهذه عادة أهل الحجاز يأخذون الأحجار ويسوونها مربعة عريضة يبنون بها فربما يكون عند الرجل منها شيء لا يحتاج إليه في الحال، ويضيق به المكان فيودعه تحت الأرض لوقت الحاجة فهو لا يدخل في بيع الأرض بالإطلاق ثم لا يخلو إما أن يكون في الأرض شجر أو لا شجر فيها، فإن لم يكن فيها شجر بل كانت أرضًا بيضاء مزرعة لا شجر فيها، لا يخلو الحجر من أحد أمرين: إما أن يضر بقاؤها في الأرض أو لا يضر، فإن كان بقاؤها يضر وقلعها لا يضر فهو عيب للبائع نقلها، لأنها ملكه وللمشتري مطالبته بنقلها ليفرغ الأرض وإذا ثبت أنه عيب فهل للمشتري الخيار ُنِظر فإن كان عيبًا من غير ضرر مثل أن ينقلها في مدة ليس للأرض في مثلها أجرة كيوم فما دونه فلا خيار للمشتري لأنه عيب يزول من غير ضرر على المشتري. قال أبو إسحاق: [٨٧/ ب] فهو كما لو باع عبدًا فأبق فقدر البائع على رده في الحال أو باع دارًا قد امتلأت بالوعتها وحّشها فقال البائع: أنا أزيل ذلك في الحال فلا خيار للمشتري، وكذلك لو ُغِصب المبيع قبل القبض فقال البائع: أنا أنتزعه في زمان يسير لا خيار للمشتري، فإذا ثبت هذا ونقل البائع ذلك فعليه تسوية الأرض سواء نقلها قبل القبض أو بعده لأنه حفرها لتخليص ملكه بغير تفريط من صاحب الملك، وإن كان البائع لا يمكنه

стр. 2122

إزالته إلا في مدة لمثلها أجره كاليومين والثلاثة فما فوقها لم يخل للمشتري من أحد أمرين: إما أن يكون عالمًا بها أو جاهلًا فإن كان عالمًا لا خيار له لأنه دخل على بصيرة بالضرر، وإن كان جاهلًا فله الخيار فإن اختار الإمساك أمسك بكل الثمن وللبائع النقل وللمشتري مطالبته بالنقل، وإذا نقله فعليه تسوية الأرض قبل القبض أو بعده، هكذا ذكر جماعة أصحابنا، وأما أجرة المثل لمدة تعطيل منفعتها نظر، فإن كان قبل القبض فلا أجرة على البائع لأنها مضمونة عليه بالثمن كما إذا قطع البائع يد المبيع [٨٨/ أ] قبل القبض للمشتري الخيار بين الفسخ والإجازة ولا أرش له وهو قول أكثر أصحابنا. وقال الماسرجسي: قال أبو إسحاق في بغداد قبل خروجه إلى مصر: له الأجرة قال القاضي الطبري: وهذا محتمل عندي لأنه نص في البويطي على أن البائع إذا قطع يد العبد المبيع فللمشتري الخيار بين الفسخ والإجازة مع الأرش وإذا نص في الأرش فالأجرة مثله فقد حصل فيه قولان ولا يختلف المذهب في النقص الداخل بأمر سماوي بأنه إذا جاز غيره من غير أرش. وقال القفال: فيه وجهان مبنيان على أن جناية البائع على المبيع قبل القبض كآفة سماوية، فيفسخ البيع إذا قبل البائع المبيع قبل القبض أو كجناية الأجنبي فيخبر بين الإجارة وأخذ القيمة من الجاني وأداء الثمن إليه، وفيه قولان فإن قلنا: جنايته كآفة سماوية لا يلزم أجر المثل هاهنا، وإذا قلنا: إنها كجناية الأجنبي غرم هاهنا أجر المثل. قال في (الحاوي): لا تجب تسوية الأرض على البائع هاهنا قولًا واحدًا ولكن يثبت للمشتري خيار الفسخ لأنه عيب وهذا أظهر وعلى ما ذكر القفال فيه وجهان [٨٨/ ب] أيضًا فإن كان هذا قبل القبض فهو بالخيار بين الفسخ والإجازة أيضًا لأن هذا العيب وإن حصل بعد القبض إلا أن سببه كان موجودًا قبل القبض، فإذا اختار الإجازة وقلع البائع يلزمه الأجرة وتجب تسوية الأرض وإصلاح حفرها قولًا واحدًا والفرق أن العقد لم يستقر قبل القبض ولم يلزم فلا تجب على البائع الأجرة ولا أرش ما يدخل فيه من القبض بخلاف ما بعد القبض، ولهذا يجوز له أخذ العوض عنه بعد القبض دون ما قبل القبض. وقال بعض أصحابنا: فيه وجه آخر لا أجرة عليه لأنه لما رضي بذلك فقد اختار سقوط الأجرة كما لو كان فيه زرع يبقى إلى حين الحصاد بعد القبض ولا أجرة له وهذا لأنه استوفى ما اسحقه بمعنى قارن العقد وبهذا فارق الأجنبي، أو إذا أتلف البائع الأجزاء بعد القبض، لأنه استوفى ما استحقه بمعنى قارن العقد، وبهذا فارق الأجنبي أو إذا أتلف البائع الأجزاء بعد القبض لأنه استوفاه بمعنى قارن العقد فكان عليه الضمان. وقال بعض أصحابنا بخراسان: ما ذكر القفال [٨٩/ أ] من البناء على القولين في جناية البائع يوجب لزوم الأجرة هاهنا قولًا واحدًا، ولكن المسألة مشهورة بالوجهين، وإن كان تركها لا يضر بحال لا في زرع ولا في شجر فللبائع النقل وليس للمشتري مطالبته بالنقل لأنه لا ضرر عليه في بقائها في أرضه بحال ثم ننظر فيه فإن اختار البائع النقل فالحكم على ما ذكرنا في الأجرة وخيار المشتري ووجوب تسوية الأرض، وإن

стр. 2123

اختار البائع ترك الحجارة فيها فلا خيار للمشتري، ولكن هل يملكها المشتري بهذا الترك؟ فيه وجهان أحدهما: يملكها لأنها متصلة بالمبيع وفيه تصحيح العقد وقد زاده خيرًا، والثاني: لا يملكها لأنه ابتداء هيئة مجهولة وهذا أظهر. فإذا قلنا: يملكها سقط حق الباع وانقطعت علقته عنها ولزم العقد، وإن قلنا: لا يملكها فللبائع نقلها متى أراد ثم إذا أراد النقل عاد خيار المشتري والحكم على ما ذكرنا، وقال في (الحاوي): لا يملكها ولا يلزم قبولها وجهًا واحدًا لأنها هبة محضة ويؤخذ بقلعها إن كان قلعها لا يضر أيضًا، وإن كان [٨٩/ ب] قلعها يضر وتركها لا يضر قيل للبائع أتسمح بترك الحجارة؟ فإن سمح لزم البيع ولم يكن له الامتناع من قبولها ليثبت الخيار، ولا يقال هذه هبة فلا يلزمه قبولها، لأن المقصود ليس الهبة بل المقصود إسقاط الضرر عن المشتري فيما يلحقه بالقلع فخرج عن معنى الهبة وسقطت فيه المكافأة والمنة، ثم ليس للبائع أن يرجع فيها سواء وجد من المشتري القبول أو لا، لأنه يجري مجرى الإبراء الذي لا رجوع فيه ولا يفتقر إلى القبول وهذا حسن. وقال القفال: يلزمه قبولها ثم هل هي هبة تمليك حقيقة أم هي لقطع الخصومة؟ وجهان وفائدته: أن المشتري لو استخرجها يومًا هل للبائع أن يقول: ردها علَّي وجهان، ونظير هذا لو أن رجلًا اشترى دابة فأنعلها ثم وجد بها عيبًا وفي قاع النعل حدوث عيب جديد فقال؛ لا أقلع بل أرد الدابة وأهب له النعل يلزم البائع قبوله ثم سقط النعل، فهو للبائع أو يلزم رده على المشتري؟ وجهان، وهذا إذا لم يكن غراس، فأما إن كان فيها غراس لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون البائع هو الذي غرسها أو المشتري [٩٠/ أ] فإن كان البائع غرسها فملكها المشتري بإطلاق العقد على القول الصحيح أو بالشرط على القول الآخر وصارا معًا للمشتري لا تخلو الحجارة من أربعة أحوال: إما أن لا يضر تركها وقلعها، أو لا يضر قلعها ويضر تركها. أو يضر الترك والقلع، أو يضر القلع دون الترك. فإن لم يضر تركها ولا قلعها كأنها كانت من الشجر بحيث لا ضرر على المشتري منها بحال فالحكم فيها كما لو كانت كما لو كانت أرضًا بيضاء لا شجر فيها وقد مضى ذلك. فإن قيل: أوجبتم تسوية الأرض في مواضع ومعلوم أن من نقض بناء رجل غرم ولا يقال له ابَن كما كان فما الفرق؟ قلنا: الفرق أن البناء الغاني الذي بني غير الأول بل هو شيء يقوم مقامه والجدار ليست من ذوات الأمثال، فتجب القيمة هناك ولا تجب إعادة البناء، وأما تسوية الأرض ليست بإحداث شيء ليكون مثلًا لشيء تالف، بل هي إخراج عيب ونقض فإذا أمكن ذلك لم يجب الغرم، وإن كان تركها يضر وقلعها لا يضر بالشجر بحال، فالحكم في هذا القسم أيضًا كما لو لم يكن فيها شجر بحال [٩٠/ ب] لأنها إنما فارقت البيضاء بكون الشجرة فيها فإذا كان قلعها لا يضر بالشجر لا اعتبار بكون الشجر فيها.

стр. 2124

وإن كان تركها يضر وقلعها يضر وهو أنها تمنع أن تجري عروق الشجر في الأرض، وإذا قلعت احتاج إلى قطع العروق فهو عيب يرد به المبيع سواء قلعت الحجارة في مدة الأرض في مثلها أجرة، أو لا أجرة لها، لأن النقص عاد إلى العروق، فإن كان المشتري عالمًا لا خيار له وإن كان جاهلًا له الخيار، وكذلك لو كان عالمًا بالحجارة ولم يعلم تضررها له الخيار أيضًا، فإن اختار الإمساك فالحكم في تسوية الأرض والأجرة على ما ذكرنا. وأما أرش النقص الداخل على الشجرة بالقلع فيه طرق أحدها: الأرش عليه لأنه إذا رضي بالإمساك فقد رضي بالنقص. وقال أبو إسحاق: هذا كالأجرة إن كان قبل القبض فقولان، وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان: قبل القبض يلزمه قولًا واحدًا وإن كان قبل القبض لا يلزم، وإن كان بعده يلزم. وقال ابن سريج: إن كان بعد القبض يلزم قولًا واحدًا، وإن كان قبل القبض فقولان [٩١/ أ] وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان قبل القبض وبعده، والأصح أنه يجب، وإن كان تركها يضر بالغراس دون الزرع لزم البائع قلعها وجهًا واحدًا. وقال في (الحاوي): بخلاف الحجارة المخلوقة في أحد الوجهين لأن الحجارة المودعة تدليس من البائع يمكنه رفعها بخلاف المخلوقة، وإن كان قلعها يضر وتركها لا يضر فإن اختار الترك لا خيار للمشتري، وهل يملك بالترك على ما ذكرنا، وقال القفال: لو قلع المشتري تلك الأشجار بعد ذلك هل للبائع قلع الأحجار؟ وجهان مبنيان على ما أتلف حنطة فلم يوجد مثلها فغرم القيمة ثم وجد المثل هل له رّد القيمة ومطالبته بالمثل؟ وجهان، وإن اختار القلع فللمشتري الخيار لأنه يضر بالمبيع ولا فرق بين أن يقول له البائع: أنا أعطيك أرش النقص أو لم يقل فإن قيل: ينبغي أن لا خيار إذا أعطاه أرش النقص كما إذا اختار ترك القلع لا خيار له قلنا: الفرق أنه لا نقص للترك فلهذا لا خيار له، وفي القلع نقصى في الخيار وإن بذل له أرش النقص كما لو اشترى شيئًا فوجد به عيبًا لا يسقط خياره [٩١ أ/ ٦] بأن يقول البائع: أنا أبذل أرش العيب كذلك هاهنا، فإذا ثبت أن له الخيار فإن اختار الرد فلا كلام وإن اختار الإمساك فالحكم في التسوية والأجرة وأرش النفس على ما مضى، هذا إذا كان البائع قد غرسها، فأما إذا غرسها المشتري وكانت الأرض بيضاء الأغراس ثم علم بأن تحتها حجارة، فإن كان قلعها يضر وتركها لا يضر، فإن سمح البائع بالحجارة للمشتري أجبر على قبولها ولا خيار له، لأنه لا ضرر عليه في بقاء الحجر فيها، وإن امتنع وأراد قلعها فالحكم على ما بيناه قبل القبض وبعده، فإن كان تركها يضر وقلعها لا يضر فإن قال البائع: أنا أقلعه فالحكم على ما ذكرنا من الفصل بين ما قبل القبض وبعده. وإن قال: أنا أسمح بالحجارة للمشتري. اختلف أصحابنا فيه قال أبو إسحاق: لا خيار له لأن أكثر ما فيه أن يكون أرضًا مستحجرة لا تصلح للغراس وهذا لا يوجب الخيار إذا كانت تصلح لغير الغراس من الزرع، كما لو كانت الأرض رمله لا تصلح للغراس ليكن

стр. 2125

للمشتري الخيار، وقال ابن أبي هريرة: له الخيار لأنه تدليس ويفارق الأرض الرملة لأنه لم يحصل فيها [٩٢/ أ] تدليس وهذا أظهر، وإن غرسها المشتري بعد العلم بالحجارة سقط رده لأنه تصرف مما يدخل النقص على المبيع بعد العلم بالعيب، ثم لا يخلو إما أن يضر قلعها أو تركها أو يضر قلعها دون تركها، فإن كان الأمران يضران فللبائع القلع لأنه ملكه وللمشتري المطالبة لإزالة ضرر الترك، ثم إذا قلع يلزم البائع أرش النقص قولًا واحدًا، لأنه تحول ملكه عن الأرض بإدخال النقص على الغير وقد سقط رد المشتري. وإن كان قلعها يضر وتركها لا يضر فإن اختار القلع فعليه أرش النقص قولًا واحدًا، وكيفية التقويم أن يقال: كم يساوي هذا الشجر ولا نقص؟ قالوا: مائة فيقال: وكم يساوي وبه هذا النقص؟ قالوا: تسعون. قلنا: نقص العشر فيلزم حصته من القيمة وإن اختار البائع الترك فهل يملكها المشتري؟ على ما ذكرنا، ولو كان البائع زرع فيها زرعًا وباعها مع الزرع وتحتها أحجار فليس للبائع أن يقلع الأحجار ما لم يحصد الزرع إذا كان قلعها يضر بالزرع لأن لوقت الحصاد وإدراك الزرع [٩٢/ ب] غاية بخلاف قلع الأشجار، وإن كان الزرع للبائع فالضرر يختص به والخيار إليه. وإذا تقرر هذا ففي لفظ المختصر إشكال، وذلك أنه نقل، ولو كان غرس عليها شجرًا. وهذا لفظ يتردد بين احتمالين أحدهما: أن المشتري غرس بعد الشراء، والثاني: أن البائع غرس قبل البيع فربما يحمل بعض أصحابنا هذا اللفظ على المشتري ويجعله الغارس ولا يصح ذلك والصحيح أن الغارس هو البائع قبل البيع لأن المشتري لو كان هو الغارس لما ثبت له الخيار وإن تضررت الأشجار بتلك الأحجار لأنه ضرر على غير المبيع إذ الأشجار الحادثة ليست بمبيعة. ذكر الإمام الجويني ﵀: وهو عين قول أبي إسحاق على ما ذكرنا وقد ثبت أن الأظهر غير هذا. باب الوقت الذي يحل فيه بيع الثمار قال: أخبرنا مالك الخبر، إذا باع ثمرة قبل بدو صلاحها لا يخلو: إما أن يبيعها بشرط القطع أو بشرط التبقية أو مطلقًا فإن باعها [٩٣/ أ] بشرط القطع يجوز بلا خلاف لأنها إذا قعطت أمن من الغرر فيها وإلى هذا أشار رسول الله ﷺ في قوله: (أرأيت إن منع الله الثمرة فيم يأخذ أحدكم مال أخيه) ومعناه أن الثمرة إذا لم يبد صلاحها لا تزال معترضة للجوائح والآفات والصواعق والبرد والرياح العاصفة والعادة تبقيتها إلى وقت القطع والعقد إذا أطلق صار مقيدًا بالعادة الغالبة، فكأنه قال: بعت منك هذه الثمرة بشرط تبقيتها، ولو قال ذلك كان باقيًا كما في تبقيتها من الآفة، وإن باعها بشرط التبقيه بطل البيع بلا خلاف لما ذكرنا، وإن باعها مطلقًا بطل البيع عندنا وبه قال مالك وأحمد وإسحاق. وقال أبو حنيفة: يجوز البيع ويلزم القطع في الحال والخلاف معه في موضعين أحدهما: في بطلان البيع وصحته، والثاني: في العلة فعندنا البيع بطل لأن إطلاقه يقتضي التبقية فيصير كأنه شرط التبقية وعنده إطلاقه يقتضي القطع في الحال فيصير كأنه

стр. 2126

باع بشرط القطع والدليل على ما ذكرنا ما روي عن رسول الله ﷺ [٩٣/ ب] أنه (نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها) وهذا يقتضي النهي عن بيع مطلق، ولو باع هذه الثمرة مع الأصل يصح البيع، وإن لم يشترط القطع وتكون الثمرة تابعة للأصل في ذلك ولا يؤثر حصول الغرر في التابع، ألا ترى أن بيع اللبن في الفرع مفردًا لا يجوز للغرر؟ ولو باع مع الأصل جاز لكونه تابعًا. واحتج الشافعي على هذا بأن النبي ﷺ قال: (من باع نخلًا بعد أن تؤبر فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع) وهذا يدل على أنه إذا اشترطها تكون للمشتري وذلك بيع الثمرة مع الأصل. فرع لو كانت الثمرة لواحد والأصل لآخر ويتصور ذلك في الوصية فباع صاحب الثمرة من صاحب الأصل مطلقًا من غير شرط القطع فيه وجهان أحدهما: لا يجوز وهو الصحيح، لأنه باع ثمرة مفردة قبل بدو صلاحها، لا على شرط القطع فأشبه إذا باعها من غير صاحب الأصل، والثاني: يجوز لأن الثمرة والأصل يحصلان لواحد فأشبه إذا باع الثمرة مع الأصل وهذا ظاهر المذهب. [٩٤/ أ] فرع آخر بيع الجوز قبل بدو الصلاح والسفرجل ونحوه لا يجوز أصلًا، لأنه لا ينتفع به أصلًا. مسألة: قال: وإذا أذَن رسوُل الله ﷺ في بيعِه إذا صاَر أحمَر أو أصفَر فقد أذَن إذا بدا فيه النضُج واستطيَع أكلُة خارجًا من أن يكودَن كلُه بلحًا. الفصل إذا باع ثمرة قد بدا صلاحها ينظر فإن باعها بشرط القطع جاز لأنه إذا جاز قبل بدّو الصلاح بهذا الشرط فبعد بدو الصلاح أولى وإن باعها مطلقًا جاز بلا خلاف إلا أن عندنا يبقى إلى وقت الجذاذ وعند أبي حنيفة يطالب بالقطع في الحال، وإن باعها بشرط التبقية يجوز عندنا، وبه قال مالك وأحمد ومحمد إلا أنه يقول: يجوز ذلك إذا تناهى عظمها وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: لا يجوز بشرط التبقية وهذا غلط، لأن النقل يجب على العرف والإطلاق فيه كالشرط كما في أمتعة البيت، فإذا تقرر هذا فالكلام الآن في بدو الصلاح ما هو؟ فعندنا بدو الصلاح: النضج ولا اعتبار بالتلون لأن من الثمار ما لا يتلون إذا نضج، وروي [٩٤/ب] عن ابن عمر ﵃ أنه قال: بدو الصلاح في الثمار بطلوع الثريا، وبه قال بعض الفقهاء لما روي أنه ﷺ نهى عن بيع الثمار حتى تذهب العاهة فقال له عثمان بن عبد الله بن سراقة: متى ذلك؟ فقال:

стр. 2127

(إذا طلع الثريا) ولا يتحقق الخلاف هذا في الحكم لأن وقت طلوع الثريا وقت بدو الصلاح فهو اختلاف في العبارة والعلة، فعندنا يجوز ِلُبدّو الصلاح وعنده لطلوع الثريا وهذا غلط، لما روي عن النبي ﷺ أنه نهى عن بيع الثمار حتى تزهى، قيل يا رسول الله وما تزهى؟ قال: (حتى تحمر أو تصفر) وقال عطاء: ُبدّو الصلاح: بأن يوجد فيها ما يؤكل، وقال النخعي: هو قوة الثمرة واشتدادها. فإذا تقرر هذا فبدو الصلاح في الرطب أن يحمر الُبْسر أو يصفر، وفي العنب إن كان أسود أن يسود، وإن كان أبيض كالعنب الرازقى أن تبدو فيه الحلاوة ويصفر، وتقوى نواته ولحمه، وإن كان أحمر أن تحمر، وفي التفاح ونحوه أن يطيب أكله فيه بوجود الحلاوة، وفي المشمش بالصفرة وفى العناب [٩٥/ أ] بالحمرة وفى قصب السكر بالحلاوة، وفي الرمان بالحموضة أو الحلاوة، وزوال المرارة، وفى الَقّثاء والخيار والباذنجان لا يعتبر تغير اللون ولا الطعم لأنه يفسد به فيه بدو الصلاح فيها أن يكبر بعضها حتى تتناهى في كبره، فإنه مادام صغيرًا لا يؤمن ورود العاهة عليه. وأما البطيخ قال الشافعي: (وللخربز نضج كنضج الرطب) فبدو الصلاح فيه أن ينضج ويطيب أكله وقيل: إذا لانت صلابته بالنضج وكذلك التين. وأما بدو الصلاح في العلف والبقول والقصب إذا تناهى طوله إلى الحد الذي ُيَجّز عليه، وفي الورد بالانتفاخ والانتشار ومتى حكمنا يبدو صلاحه يجوز بيعه مطلقًا ويشترط التنقية، وإذا تقرر هذا قال الشافعي هاهنا: والقثاء يؤكل صغارًا طيبًا فبدو صلاحه أن يتناهى عظمه، وأراد به أن القثاء في حال صغره يباين التمر في أول حاله ولكنه مع مباينة توافقه في أن له وقتًا معلومًا تبدو الصلاح فيه ويأمن من الآفة كما للثمر وهو أن يتناهى عظم بزر القثاء ولهذا يتركه [٩٥/ ب] الناس في العادة إلى هذا الوقت ثم يقطعونه ومقصود الشافعي بالتناهي أن يكبر كبرًا غير مفرط، وليس قصده أن يفرط حتى ينتهي إلى أقصى غاية كبره، إذ العادة قطعه قبل ذلك لما في تركه من تراجع قيمته، وهذا هو الجواب عن اعتراض ابن داود على الشافعي المحسوسات حيث قال: والقثاء يؤكل صغارًا طيبًا وهذا يعلم بالحس وكان يحب القثاء فذكره. فإذا تقرر هذا يعتبر بدو الصلاح في بعض الثمار، ولو في شمراخ أو عنقود منها أو ُبْسرة واحدة منها فإذا حصل ذلك صار الباقي تابعًا في جواز البيع على الإطلاق، وأما الكلام في النوعين المختلفين وإذا أفرد ما لم يبد صلاحها في حائط قد بدا صلاح بعضها فعلى ما بيناه في الناس. وقيل: نص في البويطي على أنه إذا كان أحدهما صيفي والآخر شتوي لا يتبع أحدهما الآخر، وأما العنب لا يصير تابعًا للرطب ولا جنس من الثمار يكون تابعًا لجنس آخر، ولا ثمرة حائط تابعة لثمرة حائط آخر قال الليث بن سعد: إذا بدا الصلاح في جنس كان بدو الصلاح في [٩٦/ أ] جميع ثمار ذلك البلد ويجوز بيع جميعها مطلقًا

стр. 2128

وقال مالك: إذا بدا الصلاح في جنس كان بدو الصلاح في ذلك الجنس في جميع البلد الواحد إذا كان الصلاح معهودًا لا مسكن أو لا يكون بدو الصلاح في جنس آخر. وهذا غلط لما روي أن الني ﷺ : (نهى عن بيع العنب حتى يسود وعن بيع الحب حتى يشتد) ولم يفصل بين أن يكون بدو الصلاح من جنس آخر أو في حائط آخر، ولأنا إنما جعلنا بدو الصلاح في بعضه كبدوه في كله لئلا يؤدي إلى اختلاف الأيدي وسوء المشاركة ويقارب التلاحق في الزمان وهذا المعنى لا يوجد في الجنسين، ولا في الحائطين وكل موضع قلنا: لا يجوز بيعه إلا بشرط القطع فباع بهذا الشرط كان للبائع مطالبته بالقطع فإن تراضا على ترك القطع إلى أوان الجذاذ ولم يضر البيع شيئًا. فرع لو باع ثمرة على شجرة لم يبد صلاحها على شجرة مقلوعة لا يضر فيه. وقد قال أصحابنا: يجوز بيعها مطلقًا من دون شرط القطع، لأنها لا تنمو ولا يأخذ من أجزاء الشجرة [٩٦/ ب] ولو بقيت عليها بخلاف غيرها. مسألة: قال: (ولا وجه لمن قال: يجوُز إذا بدا صلاحُهما ويكوُن لمشتريهما ما ثبَث أصلهما أن يأخذ كلما خرَج منها وهذا محرم) قصد به الرد على مالك حيث قال: إذا اشترى الخربز أو القثاء بعد تناهي عظمه أو عظم بعضه من غير شراء أصله كان للمشتري جميع ما يخرج من حوادثهما لأنه يشق تميزه ومذهبنا أن الحوادث الخارجة للبائع، ولو شرط ذلك بطل البيع واحتج الشافعي بأن قال: هذه الحوادث كانت غير مخلوقة عند العقد فكيف يدخل في العقد؟ ويبعد أن يشترط فيما برز بدو الصلاح ثم يقال: يدخل في غير البارز في العقد، ولو جاز ذلك مثل هذا لجاز ذلك في النخل (وقد نهى رسول الله ﷺ عن بيع السنين) وهو أن يقول الرجل للرجل: بعت منك ما تحمل هذه النخلة ثلاث سنين أو أربع سنين بكذا لأنه بيع ما لم يخلق وليس بعقد َسَلم موصوف، بل هو بيع العين فإن باع الأصل من الثمرة يجوز، ولكن لا بد من شرط [٩٧/ أ] القطع فإن شجر الخربز والباذنجان والقثاء زرع على ما ذكرنا ثم إذا شرط القطع فلم يتفق، فكل ما كان خارجًا وخرج بعد البيع يحصل للمشتري وهذا هو الوجه في تحصيل كل الثمرة الموجودة وغيرها للمشتري، وإن أراد الخلاص من مطالبته بالقطع استأجر منه الأرض سنة أو سنتين، فحصل له منفعة تلك المسألة ولا يملك صاحب الأرض مطالبته القطع، ولو اشترى نصف الثمرة مشاعًا من زرع أو تمر لم يبد صلاحها لا يجوز، لأنه لا يمكن قطعه إلا بقطع الباقي الذي يس بمبيع فلا يمكن شرط القطع فيه. مسألة: قال: (وكُّل ثمرٍة وزرٍع دونها حائٌل من قشٍر أو كمام).

стр. 2129

الفصل جملة الثمار ضربان: بارزة وفي كمام فالبارزة كالتفاح والسفرجل والخوخ والرطب ونحو ذلك يجوز بيعها مقطوعة على الأرض في أصولها بعد أن بدا صلاحها كيف شاء وقبل بدو صلاحها بشرط القطع، لأنها معلومة بالمشاهدة، وأما التي في كمام فعلى ضربين: [٩٧/ ب] كمام هو من مصلحتها وحافظ لرطوبتها ويزال عنها عند الأكل كالرمان ن والبطيخ والموز فهذه كالبارزة سواء وكمام لا مصلحة لها فيه وهو الكمام الفوقاني من الجوز واللوز والرانج والفستق والبندق. وفي معناها الباقلا الرطب فهذه لا يجوز بيعها وعليها الكمامان بحال لا مقطوعة ولا في أصولها. وحكي عن ابن القاص وأبي سعيد الإصطخري وهو اختيار علماء البصرة: يجوز بيع الباقلا الرطب في قشرتيه، وكذلك اللوز الرطب لأن القشرة الثانية مأكولة في حال رطوبته وهو وقت كمال المنفعة فإن جف لا يجوز، وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد، وإن كان جافًا، ثم قاسوا على هذا الجوز والرانج واحتجوا بأن هذا حائل من أصل (الخلقة) فلا يمنع جواز البيع كقشر الرمان وهذا خلاف نص الشافعي في (الآم) لأنه قال فيه: لا يجوز بيع الباقلا في قشرتيه فإن أزيلت القشرة الخضرة وظهرت القشرة البيضاء جاز بيعه وتعيب القول في قشره أسوأ حالًا من تعيب اللحم في الجلد لأنه يعلم به عجافته من سمنه [٩٨/ أ] ويقال: الجلد في الحيوان حافظ لمنفعته ولا يعلم به حال الباقلا ولإبقاء القشرة عليه حافظ لمنفعته لأنه يسود ويتغير في قشره، فإذا لم يجز بيع اللحم في الجلد فلأن لا يجوز بيع الباقلا في القشرة العليا أولى. وقال بعض أصحابنا بخراسان: بيع هذه الأشياء في قشرتها عند الجفاف لا يجوز خلافًا لأبي حنيفة وقد قيل: فيه وجهان مبنيان على قولي بيع الغائب لأن عليه ساتر إلا من مصلحته، وفي حال رطوبتها وجهان، لأنه ما دام الجوز رطبًا فصلاح لبه في قشرتيه ولو رفعت القشرة العليا عنه تسارع إليه الفسال ويجوز بيع اللوز الرطب وجهًا واحدًا، لأنه يؤكل مع قشرتيه فلم تستر بما ليس بمقصود، قالوا: والمذهب الصحيح جواز البيع في الكل. وحكي الربيع عن الشافعي ما يدل على جوز البيع وهذا القول أحب إلّي ولكن ظاهر مذهب الشافعي ما تقدم. مسألة: قال: ولم أجُد أحدًا من أهِل العلم يأخُذ عشر الحبوب في كمامها ولا يجيز بيع الحنطة في سنبلها مفردة [٩٨/ ب] عن اَلسنبل لا يجوز إجماعًا، وأما بيعها مع السنبل هل يجوز؟ قال في القديم: يجوز وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد لما روي عن رسول الله ﷺ : (أنه نهى عن بيع الحب حتى يشتد) وروي (حتى يفرك) وقال في الجديد: لا يجوز وهو الصحيح لأنه لا يدري قدر ما في السنبل من الحنطة وأنه جيد أو رديء، ولأن المقصود مستور بما يدخر إذا خرج منه غالبًا فاشتبه بيع الجوز في قشره

стр. 2130

العليا. واحتج الشافعي بأنه لا يجوز في تبنها ولا يعرف فيه خلاف إلا من يتقسف منهم فيسوى تبنها في تبنها، وتبنها في سنبلها، وقال لا يجوز فع فضة في تراب بالتراب لأن المقصود مستور بما لا مصلحة له فيه، فكذلك لا يجوز هذا أيضًا، وإنما قال: بالتراب ولم يقل بالفضة لئلًا يتوهم متوهم أن إبطال البيع للتفاضل ولكن للجهالة. وقال: أجمع العلماء أنه لا يجوز أحد عشر الحبوب في أكمامها فكذلك لا يجوز بيعها في تلك الحالة. وأما الخبر الذي ذكروا روي حتى يفرك بفتح الراء فتصير حجتنا، وقيل: نهى قبل ذلك لعلة [٩٩/ أ] وهي خوف الجائحة، فإذا اشتد زالت هذه العلة وبقي المنع لعلة أخرى، وهي الجهالة وقيل قول واحد لا يجوز بيعها في سنبلها، وقول القديم مرجوع عنه وقيل: القولان فيه كالقولين في بيع الغائب. وقال القاضي الطبري: حكي ابن المنذر والربيع: أن الشافعي رجع عن إفساد البيع فيها، وقال معنى السنة فاضربوا عليه وهو غريب. فرع بيع العدس والحمص والدخن والسمسم في سنبلها كالحنطة سواء، وأما الشعير والذرة وما يكون حبها ظاهرًا يجوز بيعها في سنبلها لأنها تدخر عليها، وقال بعض أصحابنا بخراسان: الذرة كالحنطة وهذا أظهر. فرع آخر الشعير بعد الدياسة إذا بيعت في التبن لا يجوز، لأن المقصود وهو الحب مستور بما ليس من أصلاحه، إلا إذا جوزنا بيع الغائب، واشترى الحب دون التبن فيجوز وإذا أخرج له الخيار ومؤنة إخراجه على البائع، لأن التسليم به يقع. وقيل: قول واحد لا يجوز للجهل، وكذلك لو سلخ الجلد ثم وضع اللحم فيه [٩٩/ ب] ثم بيع اللحم مستترًا بالجلد يجوز على قول من يجوز بيع الغائب والمذهب أنه لا يجوز. فرع آخر بيع الأرز في قشرته السفلى وهي الحمراء يجوز بلا خلاف لأنه لا يدخر بعد إخراجه منها، وأما بيعه في قشرته العليا وهي الصفراء قال أبو حامد: هو عندي بمنزلة الحنطة في السنبلة فيه قولان، وبه قال بعض أصحابنا، وقال غيره: يجوز بيعه قولًا واحدًا، لأنه يدخر عليه ولا يرفع عنه والقشرة التحتانية بمنزلة النخالة. وإذا رفعت الفوقانية أسرع الفساد إليه وهو كالشعير سواء، ومن قال خلاف هذا لم يعلم حالة التأبير في ادخار الأرز، وذكر القاضي الطبري وهو اختيار ابن أبي أحمد وصاحب (الإفصاح). مسألة: قال: ولا يجوُز أن يسَتثنى من الثمرِة ُمدًا. الفصل إذا باع ثمرة على الشجرة أو موضوعة بالأرض، واستثنى منها مدًا أو رطلًا أو أكثر

стр. 2131

لا يجوز البيع، لأنه باع نصيبًا من جملته من غير أن يكون النصيب معلومًا بكيل أو [١٠٠/ أ] وزن أو جزء معلوم فأشبه إذا قال: بعتك بعض هذه الصبرة، وقال مالك: يجوز ذلك لأنه استثنى معلومًا وهذا غلط لما روي أن النبي ﷺ : (نهى عن بيع السنين والثنيا). ومعناه أن يبيع شيئًا ويستثني بعضه فظاهره أنه لا يجوز كل بيع حصل فيه الاستثناء إلا إذا أقام الدليل، لأن هذا البيع معلوم بالمشاهدة لا بالقدر فإذا استثنى قدرًا بغير حكم المشاهدة لأنه لا يدري كم تبقى في حكم المشاهدة منه ويخالف إذا استثنى جزءًا لأنه لا يغير حكم المشاهدة ولا يمنع المعرفة بها. ولو قال: بعتك هذه الصبرة إلا ربعها أو قال: بعتك ربع هذه الصبرة جاز لأن المبيع معلوم بعد الاستثناء، وقال الأوزاعي: لا يجوز لا بيع على شرط الشركة وهذا غلط لأنه لو باع ثلاثة أرباعها جاز، كذلك هذا ويفارق المسألة قبلها لأن استثناء المد يجعل الباقي مجهول المقدار فإنهما لو سئلا كم المد من الحائط أسْهٌم من ثلاثة َاسهٌم أو سهم من ألف سهم [١٠٠/ ب] أو أقل أو أكثر؟ لم يعرفا ذلك، ولو استثنى نخلات من البستان ُنِظر فإن قال: بعتك هذه القيل إلا ثلاث نخلًات أو نخلة لا يجوز، وإن عين النخلات يجوز. وقال مالك: لو لم يعين وكان قدر الثلاث يجوز وكان له ثمرة ثلاث نخلات وسط، وإن كان أكثر من الثلاث لا يجوز، وكذلك لو قال: بعتك نخلة أو نخلات منها ولم يعين لا يجوز، ولو كانت الصبرة معلومة المقدار فقال: بعتك إلا مّدًا منها يجوز لأن المد منها حينئٍذ يكون جزءًا معلومًا. فرع لو قال: اشتريت منك هذا الثوب بهذه الدراهم إلا خمسة دراهم لم يجز لأن الثمن مجهول، ولأن استثناء المعلوم من المجهول لا يجوز. فرع آخر لو قال: بعتك هذه الثمرة بأربعة آلاف إلا مقدار الألف قال في الصرف: يجوز لأنه استثنى ربعها، ولو قال: إلا ما يساوي ألف درهم كان باطلًا لأنه استثنى بقيمة ألف وذلك يقل ويكثر فلا يجوز. فرع لو قال: بعتك هذه الشاة إلا [١٠١/ أ] سوا قطها لا يجوز حضرًا كان أو سفرًا، وحكي عن أبي حنيفة: يجوز ذلك استحبابًا والمشهور خلافه، وهذا غلط لأنه يؤدي إلى جهالة المبيع، وقال أحمد: يجوز ويوقف في استثناء الشحم، وحكي عن مالك: يجوز ذلك في السفر لأن المسافر لا يمكنه الانتفاع بالسواقط وهذا غلط، لأنه يمكنه طبخها كما يطبخ اللحم ولأنه لا يجوز إفراد هذه بالبيع منها فلا يجوز استثناؤها. فرع آخر لو قال: بعتك قفيزًا من هذه الصبرة إلا مكوكًا جاز، لأن القفيز والمكوك معلومان قدرًا.

стр. 2132

فرع آخر لو قال: اشتريت صاعًا من هذه الصبرة فظاهر المذهب أنه يجوز وإن لم يعلما كم صيعان الصبرة، وإن تلف البعض فما دام هناك صاع فالمبيع باق، وإن لم يتلف فللبائع أن يؤدي صاعًا منها من أي موضع شاء. وقال داود: لا يجوز هذا البيع لأنهما يختلفان فيقول البائع: أكيل لك من هذا الجانب ويقول المشتري: لا بل من الجانب الآخر وهذا غلط، لأنه يؤدي إلى الاختلاف بل الخيار للبائع كما لو أسلم [١٠١/ ب] إلى رجل في طعام للبائع أن يعطيه من آي موضع أراد، ولو قال: على أن تكيل لي من هذا الجانب صح ويكال له من ذلك حينئٍذ لأنه معين بالعقد. وقال بعض أصحابنا بخراسان: الأقيس أن لا يجوز هذا البيع إلا أن يعرف عدد الصيعان ليكون الصاع منه جزءًا مشاعًا وإن تلف نصف الصبرة تلف من المبيع نصفه، ويكون تسليم الصاع بالمقاسمة كتسليم الحر المشاع إما بقرعة أو تراٍض ووجه هذا أنه لا بد للمبيع من أن يكون في الذمة أو يكون عينًا بشاهد أو جزءًا مشاعًا من عين، والصاع من الصبرة المجهولة المقدار لم يوجد فيه شيء من هذا فأشبه إذا قال: بعتك ثوبًا من هذه الثياب العشرة لما لم يكن جزءًا منها مشاعًا لم يجز تؤكده أنه لو فرق الصيعان، وقال: بعتك هذه الصيعان لم يجز كذلك إذا كانت مجتمعة وأيضًا شراء صاع من جملة مجهولة المقدار كاستثناء صاع من جملة مجهولة المقدار وذلك لا يجوز، ولأنه لو قال: بعتك عشرة أذرع من هذه الأرض أو [١٠٢/ أ] من هذه الدار لم يجز إلا أن يكون فرعان الكل معلومة، حتى يكون المبيع جزءًا شائعًا منها أو يتعين جانبًا ليتعين الطول والعرض للمبيع، فإن قلتم: جوانب الدار تتفاوت وصيعان الصبرة لا يتفاوت فقد يكون أرضًا لا تتفاوت، أجزاؤها ومع ذلك لا يجوز، وهذا اختيار القفال ودلائله. فرع آخر لو باع ثمرة واستثنى منها قدر الزكاة يجوز، ولكن لا بد من ذكر قدر الزكاة َأُعْشٌر أو نصف عشر؟ وقال مالك: لا يلزم ذكر القدر لأنه معلوم شرعًا وهذا غلط، لأنه لو صح هذا لما لزم اشتراط الزكاة. فرع آخر قال في (الحاوي): إذا استثنى البائع قدر الزكاة وأمر المشتري بأدائها فأراد المشتري أن يرفع قدر الزكاة من غير هذه الثمرة فيه وجهان أحدهما: يجوز له ذلك لأنه يحل فيها محل البائع وقد كان للبائع دفع الزكاة من غيرها، والثاني: لا يجوز له ذلك لأن المشتري لم يملك قدر الزكاة بعقد ولا غيره، وإنما هو كالوكيل فيها [١٠٢/ ب] بخلاف البائع فإنه لو كان مالكًا لها وهذا هو المذهب الذي لا يجوز أن يقال غيره عندي.

стр. 2133

فرع آخر قال: لو أن المشتري استهلك كلها رطباً فيه وجهان أحدهما: يطالب المشتري بعشر الثمرة ثمراً وهذا على الوجه الذي يجيز له دفع الزكاة من غيرها فيجعل ذلك منه ضماناً عشرها ثمراَ، والثاني: يطالبه بقيمة عشرها رطباً وهذا على الوجه الذي يمنعه أن يدفع الزكاة من غيرها لأنه استهلك حق المساكين رطباً، فعلى هذا إن كان قيمة عشرها رطباً أقل من قيمة عشرها ثمراً هل يرجع على البائع بفضل ما بينهما من النقص؟ وجهان مخرجان من اختلاف قوليه في الزكاة هل وجبت في الذمة أو في العين؟ فإن قلنا: في الذمة رجع عليه بقدر النقص لاشتغال الذمة بها، وإن قلنا: في العين لم يرجع بقدر النقص لزوال يده عن العين. مسألة: قال: وإن باع ثمر حائط وفيه الزكاة ففيه قولان. فقد ذكرنا هذه المسألة في كتاب الزكاة ونص ها هنا [١٠٣/ أ] على قولين بكم يجيز الباقي من الزكاة بحصته من الثمن؟ أو بكل الثمن وسكت عن القول فساد البيع الذي نص عليه في كتاب الزكاة فقال المزني: هذا خلاف قوله في كتاب الزكاة، لأنه أبطل السعي هناك البيع هناك في أحد القولين وليس هذا باعتراض لأنه له أن يفرع على أي القولين شاء وقد قال: وللسلطان أخذ العشر من الثمرة فإن قال قائل: أي فائدة في هذا وهل يشكل وجوب الزكاة حتى يحتاج في ذلك إلى البيان؟ قلنا: ربما يتوهم متوهم أن المبيع إذا صح صح في الجميع والزكاة في ذمة البائع أو صح فيما عدا الزكاة، والساعي ممنوع عن عين تلك الثمرة للشيوع الحادث فقطع هذا التوهم وبين أن السلطان يتبع تلك الثمرة حيث كانت حتى يأخذ زكاتها. مسألة: ولا يرجع من اشترى الثمرة وسلمت إليه بالجائحة على البائع. الفصل المبيع إذا هلك لا يخلو من أحد أمرين، إما أن تكون ثمرة أو غير ثمرة فإن لم تكن ثمرة كالثياب والحيوان فلا يخلو إما أن يكون هلاكه قبل القبض أو بعده [١٠٣/ ب] فإن كان بعد القبض كان من ضمان المشتري، وإن كان قبل القبض نظر فإن أهلكه المشتري استقر العقد وكان من ضمانه، وإن هلك بأمر سماوي كان من ضمان البائع بالثمر قولاًَ واحداً، وقال بعض أصحابنا بخراسان: متى ينفسخ؟ وجهان أحدهما: يوم التلف، والثاني: من أصله والزوائد الحاصلة قبل التلف مبنية على هذين الوجهين. فإن قلنا: ينفسخ في وقته فهي للمشتري مجاناً، فإن قلنا: ينفسخ من أصله فهي للبائع وهل للبائع حبس الزوائد لاستيفاء الثمن على هذين الوجهين وإن أتلفه أجنبي فيه طريقان: قال ابن سريج: لا يبطل قولاً واحداً، وبه قال أبو حنيفة، وقال غيره:

стр. 2134

فيه قولان: أحدهما: يبطل البيع لأن التسليم المستحق قد فات، والثاني: لا يبطل فعلى هذا للمشتري بالخيار أن يفسخ البيع ويرجع بالثمن على البائع وبين أن يخيره ويطالب الجاني بقيمة المبيع، وإن أتلفه البائع فالمنصوص الذي عليه عامة أصحابنا أن امبيع يبطل قولاً واحداً لأنه لا يمكن إيجاب القيمة على البائع يكون المبيع مضموناً عليه قبل القبض بالثمن فصار كما لو تلف [١٠٤/ أ] في يده بآفة سماوية، وقال ابن سريج: فيه قولان أيضاً، كما لو أتلفه لأجنبي فإن اختار إجازة البيع على أحد القولين يطالب البائع بالقيمة ويطالبه البائع بالثمن، وقال أحمد: لا يبطل وعلى البائع مثله أو قيمته، وإن كان المبيع ثمرة نظر فإن هلكت بعد النقل والتحويل فمن ضمان المشتري وإن هلكت قبل القبض بعد التخلية فهل يوضع الجائحة عن المشتري؟ قال في الجديد: لا يوضع وهو الصحيح. وبه قال أبو حنيفة. وقال في القديم فيه قولان: أحدهما: ما ذكرنا، والثاني: توضع وهو قول أحمد وإسحاق وأبي عبيد، وإنما اختلف قوله في المسألة لما حكى عن سفيان بن عيينه من التوهين في الحديث وذلك أن سفيان كان يروي عن رسول الله ﷺ أنه: "نهى عن بيع السنين" ثم زاد بعد زمان في الرواية وأمر بوضع الجوائح لفظه في الحديث نسيتها، ثم رأيت أن أروي ما حفظت قال الشافعي: فيحتمل أن يكون تلك اللفظة التي نسيتها دلالة على أن الأمر بوضع الحوائج على سبيل الندب وكان الأمر ما ظن [١٠٤/ ب] الشافعي إذ قد روى في بعض أحاديث الجائحة أن امرأة أتت رسول الله ﷺ وقالت: إن ابني اشترى ثمرة من فلان فأذهبتهما الجائحة فسأله أن يضع عنه فتألى أن لا يفعل فقال ﷺ : "أتألى فلان أن لا يفعل خيراً"، وروي "آلى فلان أن لا يصنع معروفاً"، وفي تسميته معروفاً دلالة على أنها استحباب، والدليل على صحة هذا أن قبض الأعيان الذي يتعلق به جواز التصرف ينتقل به الضمان فإن قلنا: لا يوضع كان من ضمان المشتري وإن قلنا: يوضع كان كما لو كان قبل القبض فيها الأقسام الأربعة: وهي أنها إن هلكت بآفة سماوية بطل البيع، وإن أهلكها المشتري كان من ضمانه، وإن أهلكها البائع أو الأجنبي فعلى الطريقين. وقال مالك: إن كان الجائحة دون الثلث لم توضع عن المشتري ويلزمه كل الثمن، وإن كان قدر الثلث فصاعداً يوضع عن المشتري واحتج بأنه لابد في الثمرة أن يأكلها الطائر وتسقط بهبوب الريح، فلابد من فصل وهو ما ذكرت وهذا غلط، لأن هذا [١٠٥/ أ] القدر الذي يهلك بأكل الطائر لا يؤثر في العادة ولا يبلغ ما جذ إلا أن يقع عليها الجراد فلا يبقى شيئاً ويكون ذلك من جملة الجائحة، وقد قال الشافعي: لا وجه إلا وضع الكل أو إلزام الكل ولا خبر في التقدير بالثلث ولا قياس ولا معقول. فرع لو هلكت بعد أو أن الجذاذ قبل النقل فإن قلنا: لا توضع الجائحة إذا لم يبلغ أو أن الجذاذ فهاهنا قولان أحدهما: لا يوضع لأنه فرط في ترك النقل وهو اختيار أبي حامد والقفال، والثاني: يوضع فعلى هذا كان الجائحة قبل (أوان)

стр. 2135

الجذاذ، وهذا لأن في كمال القبض في قوله القديم قولين أحدهما: ببلوغ الثمرة أو إن الجذاذ، فإذا أمكن الجذاذ بعد التحلية صارت مقبوضة، والثاني: بوجود الجذاذ لا بإمكانه. فرع آخر إذا قلنا: بوضع الجوائح لو اختلف البائع والمشتري في مقدار الهالك فالقول قول البائع، لأن الأصل السلامة نص عليه في "الأم". فرع آخر قال [١٠٥/ ب] أصحابنا بالعراق: لا فرق على القولين بين أن يكو الهلاك بأمر سماوي أو بسرقة آدمي أو نهب وهو ظاهر المذهب. وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن كان بفعل آدمي فيه وجهان أحدهما: ما ذكرنا لأن ذلك جائحة في العادة، والثاني: لا توضع وبه قال أحمد، لأنه يمكنه أن يتبع الجاني فلا حاجة إلى الوضع. وحكي هذا عن مالك وهذا ينتقض بالعبد إذا قتل في يد البائع يبطل البيع عند مالك. وإن أمكن الرجوع إلى القيمة. فرع آخر لو لم يتلف الثمرة ولكنها عطشت ولا ماء هناك نص الشافعي على أن للمشتري الخيار واختلف أصحابنا في هذا فمنهم من قال: له الخيار قولاً واحداً، لأن نقل الماء إليها عند الحاجة من نظام التسليم، ألا ترى أنها تبقى على أصولها حتى تبلغ أو أن جذاذها فينقلها المشتري أولاً فأولاً، ومن أصحابنا من قال: هذا على قوله القديم في وضع الجائحة القولان على ما ذكرنا، ولو باع بشرط القطع فلم يقطع حتى أصابته آفة فلا شيء على البائع لأن حق السقي لا يلزمه حينئذ. [١٠٥ ب/ ٦] فرع آخر قال ابن سريج: لو كان المبيع عبداً فذهبت يده في يد البائع نظر فإن كان بآفة سماوية فالمشتري بالخيار بين الإمساك بكل الثمن وبين الرد. وحكى البويطي قولاً آخر أنه يأخذ بحصته من الثمن، قال القاضي أبو حامد: وهذا لا يصح على مذهب الشافعي وإن كان بقطع الأجنبي فالمشتري بالخيار، فإن رد كان للبائع على الجاني نصف قيمة العبد وللمشتري على البائع الثمن، وإن أمسك كان عليه للبائع كمال الثمن ويرجع المشتري على الأجنبي بنصف قيمة العبد ولكنه يطالبه بعد قبض المبيع ولا مطالبة له قبل قبضة لأنه ربما يموت في يد البائع فيبطل البيع فيه ويجب أرش الجناية لبائعه، وإن كان القاطع هو البائع فالمشتري بالخيار فإن رد فلا كلام وإن أمسك فكم يمسكه؟ قولان بناء على ما لو قتله هل يبطل البيع؟ قولان فإذا قلنا: جنايته كآفة سماوية فالمشتري يأخذه بكل الثمن أو يرده، وإذا قلنا: جنايته كجناية الأجنبي فالمشتري يأخذه بكل الثمن ويرجع على البائع بنصف قيمة [١٠٦/ ب] العبد بعد قبض المبيع لا قبله، وقيل: فيه وجه آخر يرجع بما نقص من القيمة، وإن كان القاطع هو المشتري فكأنه قبض نصف المبيع، فإن اندمل الجرح قبض الباقي استقر الثمن عليه وإن هلك بعد

стр. 2136

الاندمال بطل البيع في القدر الذي لم يقع القبض فيه وتم في مقدار ما قبضه المشتري من المبيع ورجع على البائع بقدر ما فاته ولا يوجب في يده مقداراً ولكنا ننظر إلى ما نقص بالقطع، فإن نقص النصف فقد قبض المشتري نصف المبيع وإن نقص الثلث فقد قبض المشتري ثلث المبيع ويرجع بما بقي وعلى هذا وهذا لأنا أوجبنا بنصف قيمته ربما كان ذلك بقدر كل الثمن، فيأخذ البائع من المشتري كل الثمن وإنما حصل له نصف المبيع وذلك لا يجوز. وذكر القاضي الطبري هاهنا أنه يرجع عليه بنصف الثمن وقد قبض نصف المبيع بقطع اليد والأصح ما ذكرنا. وقال في "الحاوي": فيه وجهان أحدهما: يرجع البائع عليه بنصف القيمة كما في الأجنبي، والثاني: يرجع بما نقص من قيمته، لأن الجناية كانت في ملكة بخلاف الأجنبي [١٠٧/ أ]. باب المزابنة والمحاقلة قال: أخبرنا سفيان بن عيينة وذكر الخبر، المحاقلة بيع السنابل بجنسها من الحب والحقل هو البقل وكل حشيش رطب والمحاقلة مشتقة من ذاك وقيل: الحقل: الأرض البيضاء التي تصلح للزرع والمحاقلة مشتقة من ذاك، وذكر أصحابنا عن ماللك أنه قال: المحاقلة أكثر الأرض ينقص ما يخرج منه وهو المخابرة، وهذا غلط لما روى عطاء عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ : "نهى عن المحاقلة والمزابنة"، وفسر عطاء المحاقلة، وقال: المحاقلة في الحرث كهيئة المزابنة في النخل سواء بيع الزرع بالقمح، وقال ابن جريج: قلت لعطاء: أَفَسّرَ لكم جابر المحاقلة كما أخبرتني؟ فقال: نعم، وروى الشافعي بإسناده عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ : "نهى عن المحاقلة والمزابنة" والمحاقلة أن يبيع الرجل الزرع بمائة فرق حنطة والمزابنة أن يبيع التمر في رؤوس النخل بمائة فرق تمر [١٠٧/] وقيل: هذا التفسير في الخبر، وقيل: إنه من الشافعي. واحتج مالك بما روى أبو سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ : "نهى عن المحاقلة والمزابنة" والمحاقلة كري الأرض وفي لفظ المحاقلة استكراء الأرض بالحنطة قلنا: خبرنا أولى، لأنه أشبه باللغة والقياس لأن إكراء الأرض بالحنطة بذل الحنطة في مقابلة منفعة الأرض، والمنفعة ليست بحنطة، وإذا باع السنبل بالحنطة فقد باع حنطة بحنطة مع الجهل بالتساوي، وذلك لا يجوز، وإذا تقرر هذا قوله: والمحاقلة أن يبيع الرجل الزرع بمائة فرق حنطة يوهم التسوية بين القصيل وبين الحب المشتد في السنابل وليس المذهب على ما توهم ظاهر اللفظ لأنه إذا باع قصيلاً لم يشتد حبه بحنطة يجوز البيع إذا كان بشرط القطع لأنه غير مطعوم قابل مطعوماً، وإنما يجوز إذا اشتد الحب لأنه مطعوم بمطعوم غير (معلوم) التماثل.

стр. 2137

وأما المزابنة قال الشافعي: وجماع المزابنة أن ينظر إلى كل ما عقد بيعه وفي الفضل في بعضه [١٠٨/ أ] على بعض يداً بيد ولا يجوز منه شيء يعرف بشيء منه جزافاً ولا جزافاً، بجزاف من صنفه ومعناه أن المزابنة المحرمة ليست بمقصورة على التمر أو الثمار ولكن كل ما يحرم فيه التفاضل إذا بيع جزاف به بمعلوم أو جزاف يسمى مزابنة مثل أن يبيع ثمرة موضوعة بالأرض مكيلة بثمرة على رؤوس التخل أو ثمرة بثمرة موضوعتين على الأرض أو سائر المطعومات مما يجري فيه الربا إلا في العرايا على ما سنذكر وهو مشتق من الزبن وهو الدفع سمي به لأنهما ربما يتلفان فيما يحصل من ذلك الرطب هل كان مثل التمر ويؤدي الأمر بينهما إلى التدافع والخصومة يقال: تزابنا أي تدافعا ووافقنا مالك في تحريك هذا العقد ولكن تخالفنا في معنى اللفظ فنقول المزابنة أن يقول الرجل لآخر: صبرتك هذه مائة صاع مثلاً فيقول المالك لا بل هو أقل فيقول ضمنتها لك مائة صاع فإن زاد فلي وإن نقص فعلي، فقال الشافعي: هذا قمار بخاطره وليس بعقد ولا من المزابنة في شيء وهكذا لو قال الرجل: عد قثاك أو بطيخك هذا المجموع فما نقص من مائة فعلي وما [١٠٨/ ب] زاد فلي أو اطحن حنطتك هذه فما زاد على كذا فلي وما نقص فعلي فهذا محرم غير مأذون فيه وداخل في القمار وأكل المال بالباطل. فرع روي أن النبي ﷺ : "نهي عن بيع المعاومة" وهو بيع السنين وقد ذكرنا صورته. فرع آخر روي أنه ﷺ : "نهي عن بيع المجر" قال أبو عبيد: هذا يقرأ بالتخفيف وهو بيع حمل الناقة، وهذا لأنه غرر ومخاطرة وقيل: المجر القمار والمجر المزابنة والمحاقلة. باب بيع العرايا قال: أخبرنا مالك الخبر، ورد عن رسول الله ﷺ إخبار عن بيع العرايا منها ما روي الشافعي ﵁ عن داود بن الحصين عن أبي سفيان عن أبي هريرة ﵁ "أن رسول الله ﷺ أرخص في العرايا فيما دون خمسة أوسق أو في خمسة أوسق" الشك من داود. وروي ابن عمر ﵄ أن النبي ﵁: "نهى عن بيع [١٠٩/ أ] التمر بالتمر إلا أنه أرخص في العرايا"، وروي الشافعي: حديثاً فيه قلت لمحمود بن لبيد أو قال محمود بن لبيد لرجل من أصحاب رسول الله ﷺ إما زيد بن ثابت أو غيره: ما عراياكم هذه؟ وسمي رجالاً محتاجين من الأنصار شكوا إلى رسول الله ﷺ أن الرطب يأتي ولا نقد بأيديهم يبتاعون به رطباً يأكلونه مع الناس وعندهم فضول من قوتهم من التمر

стр. 2138

فرخص لهم أن يبتاعوا العرايا بخرصها من التمر الذي في أيديهم يأكلونه رطباً واتفقت الأمة على قبول هذه الأخبار ولكنهم اختلفوا في تأويلها ومعناها فقال الشافعي: معناها بيع الرطب في رؤوس النخل خرصاًَ بالتمر على الأرض كيلاً فيما دون خمسة أوسق فيجيء الخارص ويقول يجيء من هذا أربعة أوسق تمراً والآن رطباً ستة أوسق فيبيعها بأربعة أوسق تمراً ويقبض التمر في المجلس ويسلم إليه الرطب بالتخلية ثم يتفرقان ويعتبران بلون التمر أقل من خمسة أوسق ولا يجوز أن يزيد على خمسة أوسق وإن زاد الرطب على خمسة أوسق فلا بأس كما صورنا [١٠٩/ ب]. وقال أحمد: هكذا ولكنه قال في رواية: يبيعها بمثله تمراً ويخرصها رطباً، وقال مالك: معناها أن يهب الرجل نخلة من حائطه من الغير فيقب الغير الهبة، فيلزم بنفس العقد عنده، فإذا حملت النخلة فلمالكها أن يتردد ويدخل حائط غيره ويلتقطها فيشق ذلك على الواهب لأن العادة بالحجاز أن صاحب الحائط يخرج بأهله إلى حائطه أيام الثمار فيشق عليه دخول الأجنبي فيجوز للواهب أن يشتري تلك الثمرة من الموهوب له بما يجيء منه تمراً فيكون حقيقة البيع إلا أنه إنما يجوز في هذا الموضع المخصوص واحتج بأن العرية في اللغة الهبة والعطية قال الشاعر: ليست بسنهاء ولا رجبية ولكن ... عرايا في السنين الجوائح وهذا غلط لما ذكرنا من نصوص الأخبار، وقال الأزهري: جماع العرايا كل ما أفرد ليؤكل خاصة سميت عرايا لأنها عريت من جملة الحائط، وقيل: سميت عرية لأجل تردد أهلها فيلتقط ما أدرك منها كل مرة يقال: عروته أعروه وإذا [١٠٩ ب/ ٦] قصدته للرفد، وقال أبو حنيفة: معناها أن يهب الرجل ثمرة نخلة من حائطه لرجل، ويقبلها الموهوب له: دع ما وهبت لك وأنا أعطيك تمراً بقدر ما يجيء من رطب هذه النخلة فهذا معنى البيع ولكن ليس بحقيقة البيع وهذا أيضاً غلط، لأنه اعتبر الخرص وقدر بخمسة أوسق أو دونها وسماه بيعاً فلا يحتمل إلا ما ذكرنا. فإذا تقرر هذا عندنا لا يجوز بيع العرايا حتى يكون معلوم للطرفين أحدهما: بالكيل، والثاني: بالخرص وفيه أربعة مسائل إحديها: ما ذكرنا فيجوز ذلك فيما دون خمسة أوسق ولا يجوز فيما زاد على خمسة أوسق، وهل يجوز في خمسة أوسق؟ قولان قال في "الأم": لا أفسخه في خمسة أوسق، وقال في الصرف: ولا يشتري من العرايا إلا أقل من خمسة أوسق بشيء ما كان وهذا اختيار المزني وأحمد ووجه الأول أن النبي ﷺ أرخص في العرايا ولم يفصل ثم قام الدليل فيما زاد على خمسة

стр. 2139

أوسق (وبقي) الباقي [١١٠/ ب] على الظاهر، وهذا اختيار أبي حامد، ووجه الثاني: أن بيع الرطب بالتمر لا يجوز في الأصل ولكن وردت الرخصة بجواز العرايا فيما دون خمسة أوسق يقيناً وفي خمسة أوسق شك فالمشكوك باقٍ على أصل التحريم. وروي جابر ﵁ "أن النبي ﷺ رخص في العرايا الوسق والوسقين والثلاثة والأربعة". ومن قال بالأول أجاب عن هذا بأن الشك إذا حصل في القدر المستثني وقع الشك في المستثنى منه ومعناه خبر عام فلا يعارض ذلك بالمشكوك. وقال القفال: معنى القولين هاهنا يرجع إلى أن النهي ورد أولاً ثم رخص في العرايا أو لم يرد النهي إلا والرخصة بها مقرونة، فإن كان النهي ورد أولاً ثم الرخصة من بعد وهو الأظهر والأصح فلا يجوز في خمسة أوسق لأن الأصل فيها النهي وإن لم يرد النهي إلا والرخصة مقرونة جاز في الخمسة أوسق لأن الأصل فيها النهي وإن لم يرد النهي إلا والرخصة مقرونة جاز في الخمسة، لأن الأصل في الخمسة الإباحة، وهذا أولى مما تقدم والثانية: أن يكونا معاً على وجه الأرض فلا يجوز بحال وهو بيع الرطب بالتمر، والثالثة: أن يكونا جميعاً في رؤوس النخل فباع [١١١/ أ] بالخرص في الطرفين، والرابعة: أن يكون رطبان: أحدهما: على النخل، والثاني: على الأرض فباع بالخرص فيها اختلف أصحابنا فيهما على أربع مذاهب. فقال ابن خيران: يجوز كلاهما سواء كانا نوعاً واحداً أو أنواعاً، وقال أبو إسحاق: يجوز في النوعين في رؤوس النخل خرصاً في الطرفين فأما في النوع الواحد فإذا كان أحد الرطبين في الأرض لا يجوز بحال، لأنه إذا كان على النخل وهما نوعان فله غرض صحيح بأن يشتهي نوعاً خر يلقطه شيئاً فشيئاً ولا عرض في النوع الواحد، وقال ابن أبي هريرة: يجوز بيع الرطب على الأرض بالرطب على رؤوس النخل بكل حال، لأنه أدوم نفعاً، وإذا كانا على النخل يجوز إذا كانا من نوعين لاختلاف الشهوة ولا يجوز في النوع الواحد لعقد العائدة على ما ذكرنا. وقال الاصطخري وجماعة وهو الأصح: إن كل ذلك باطل لأنه لم يرد الخبر إلا في بيع الرطب بالتمر خرصاً، ولأن الخرص إذا دخل فيهما يكثر الغرر وإذا دخل في أحد الطرفين وفي الطرف الآخر الكيل يقل الغرر. فرع قال [١١١/ ب] بعض أصحابنا: إذا اشترى الرطب بالتمر في العرايا فإن أكل الرطب لا كلام وإن جفف فإن خرج بقدر التمر أو كان التفاوت كما يكون بين الكيلين يجوز وإن ظهر تفاوت ظاهر حكمنا ببطلان العقد لظهور ما يوجب الفساد. فرع آخر الغني والفقير في العرايا سواء وقال المزني وأحمد: لا يجوز العرايا إلا للمعير

стр. 2140

المضطر وإليه أشار الشافعي في "الإملاء" والاستلاف الأحاديث للخبر الذي رواه زيد بن ثابت ﵁ فقيل قولان، وقيل قول واحد: لا فرق بينهما، وتأويل ما أشار في "الإملاء" على الأخبار من سببه، وهذا لأن كل بيع جاز من الفقير جاز من الغني كسائر البيوع. فرع آخر لا يجوز في العرايا إلا فيما بدا إصلاحه بسراً كان أو رطباً لأنه وقت الحاجة. فرع آخر لو ابتاع رجلان من رجلين عشرين وسقاً إلا مداً من العرايا يجوز لأنه يكون أربعة عقود، فيكون كل عقد أقل من خمسة أوسق، وقال أحمد: لا يجوز لأن عنده لا يجوز [١١٢/ أ] أن يبيع أكثر من عرية واحدة وعندنا يجوز ذلك، وكذلك لو باع اثنان تسعة أوسق من أكثر من خمسة أوسق وهذا ضعيف. مسألة: قال: ويبيع صاحب الحائط لكل من رخص له وإن أتى على جميع حائطه. أرد به إذا كان له حائط فيه ثمر كبير، فباع ذلك بالثمر في عقود متفرقة كل عقد أقل من خمسة أوسق يجوز وإن أبى على جميع حائطه خلافاً لأحمد لأن كل بيع جاز بين متعاقدين جاز أن يتكرر بينهما، مثله كبيع الثوب فإن قيل: إذا جوزتم هكذا أبطلتم النهي عن المزابنة قلنا: المنهي عن المزابنة وجه يحمل عليه وهو إذا باع أكثر من خمسة أوسق في صفقة واحدة، فإذا تقرر هذا قال أصحابنا: هذا إنما يجوز إذا حرص عليه للزكاة، وقلنا: الخرص تضمين حتى يجوز له التصرف في الجميع وهذه المسألة تدل على صحة القول بالتضمين أو أراد إذا لم يبلغ ما في حائطه قدراً يجب فيه الزكاة أو أراد إلا قدر الزكاة إذا قلنا الخرص غيره. [١١٢/ ب] مسألة: قال: والعرايا من العنب كهي من الرطب لا يختلفان. العرايا تجوز في العنب وهو أن يبيعه بالذبيب خرصاً، لأنه يخرص في الزكاة كالرطب ويمكن معرفة مقداره بالخرص لظهوره من الأوراق وهل جازت فيه قياساً أو نصاً وجهان: أحدهما: وهو اختيار البصريين جازت نصاً لأن زيد بن ثابت ﵁ روى أن النبي ﷺ رخص في العرايا، والعرايا بيع الرطب بالتمر والعنب بالزبيب. والثاني: وهو اختيار ابن أبي هريرة وغيره جازت قياساً على النخل. فرع قال في كتاب البيوع الكبير من "الأم": ولو قال قائل يجوز التحري في سائر الثمار كالتفاح والمشمش كان مذهباً فمن هاهنا قال بعض أصحابنا في العرايا: فيها قولان وقيل: القولان فيه كالقولين في المساقاة فيما عدا النخل والكرم، ومن أصحابنا من قال قول واحد: لا يجوز فيها وهو الأصح لأنه لا يدخل للخرص فيها لكونها متغطية
следующие страницы →