← Фикх шафии

Фикх шафии · id 16934

بحر المذهب للروياني

عَبْد الواحِد الرُّوْياني

Полный текст (7 151 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وقال بعض أصحابنا بخراسان: إنما قال الشافعي تأخيرها أفضل لأنه يحترز بالتأخير عما لو .... مع الصلاة في أول الوقت بالتيمم, ولو تيقن وجود الماء آخر الوقت لا يجوز له أن يصلي بالتيمم في أول الوقت بالتيمم, وإن تيقن وجود الماء في آخره؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ ولم يعرف. فرع لو لم يكن في أول الوقت جماعة ونرجو وجود الجماعة في آخر الوقت, هل يستحب له تأخيرها؟ قال بعض أصحابنا: فيه وجهان بناء على القولين, هكذا ذكره القاضي الطبري, وقال القاضي أبو علي البندنيجي: قال في ((الأم)) التقديم أفضل, وقال في ((الإملاء)): إن التأخير أفضل, وفي هذا عندي نظر. فرع قال بعض أصحابنا بخراسان: لو كان بقربه ماء وهو يخاف فوت الصلاة لو اشتغل بالتوضئ به, نص الشافعي: أنه لا يجوز له التيمم, وكذلك قال في ((العراة)) إذا كان بينهم ثوب يتداولونه فخاف بعضهم فوت الصلاة لو صبر حتى تنتهي غليه النوبة, ولا يصلي عارياً. وكذلك قال في الدلو: إذا كان هناك جماعة ينزحون الماء وخاف فوت الصلاة إلى إنهاء النوبة إليه, أن يصبر ولا يتيمم. وقال في جماعة في السفينة [١٨٥ أ/ ١] إذا كان فيها موضع واحد يمكن أن يصلي فيه قائما, وهناك جماعة وخاف أن يفوته الوقت لو صبر حتى تنتهي إليه النوبة صلى قاعداً, ولم نأمره بالصبر فعسر الفرق على أصحابنا, وجعلوا في الكل قولين نقلاً وتخريجاً, ومن أصحابنا من فرق بأن أمر القيام أسهل من غيره ففرقنا. قالوا: أيضا: لو كان الماء بحضرته بعيداً عنه ولا يخاف فوت الصلاة ولا الانقطاع عن الرفقة لو توضأ به, نص الشافعي أنه يباح له التيمم. ونص أنه إذا الماء بين يديه يصل إليه في آخر الوقت فإنه يباح له التيمم في أول الوقت, فمن أصحابنا من قال: في كلتي المسألتين قولان, ومنهم من أجرى على الظاهر, وفرق بأنه إذا كان الماء بحضرته عن يمينه أو يساره فتلك البقعة منسربه إليه, فلا يجوز له التيمم بخلاف ما إذا كان بين يديه يصل إليه في آخر الوقت. مسألة: قال: ((فإن لم يجد الماء ثم علم أنه كان في رحله ماء أعاد)). وهذا كما قال. في هذه العبارة خلل من جهة المزني؛ لأنه لا يقال لمن كان في رحله ماء أنه لم يجد الماء؛ لأنه واحد إلا أنه ناس أو غير عالم, وإنما قال الشافعي: ((فإن تيمم وصلى, ثم علم أنه كان في رحله ماء أعاد)) وصورة المسألة أنه نسي الماء ويتصور ذلك في موضعين: أحدهما: [١٨٥ ب/ ١] إذا يفتش رحله اعتقاداً منه لا ماء فيه, وطلب الماء في

стр. 212

غير الرحل ولم يجد وتيمم وصلى, ثم علم انه كان في الرحل ماء, أو كان قد فتش رحله فرأى شيئاً ظن أنه ليس بماء, ثم علم أنه كان ماء. قال في عامة كتبه: يلزمه إعادة الصلاة. وقال أبو ثور: سألت أبا عبد الله عن هذه المسألة فقال: لا إعادة عليه, واختلف أصحابنا فيه على طريقين, فمنهم من قال: يعيد قولاً واحدً, وقول أبي ثور يحتمل أنه أراد بأبي عبد الله مالكاً, أو أحمد بن حنبل, أو أراد إذا وضع غيره الماء في رحله بعد تفتيشه وهو لا يعلم, وهذا التأويل أصح؛ لأنه لم يلق مالكاً ولا يروى عن أحمد شيئاً, ومنهم من قال, وهو اختيار أبي إسحاق: في المسألة قولان. أحدها: لا إعادة وهو نحو ما قال في ((القديم)) إذا نسي قراءة الفاتحة في الصلاة أجزأته. وبه قال أبو حنيفة, ومحمد ومالك في رواية. والثاني: يلزمه الإعادة وهو الصحيح, وبه قال أحمد: وأبو يوسف؛ لأنها طهارة تجب عليه مع الذكر فلا يسقط بالنسيان كأصل الطهارة, ومن أصحابنا من قال: إذا وضع غيره الماء في رحله وهو لم يعلم هل تلزمه الإعادة؟ قولان. والصحيح أنه على قول واحد الإعادة في هذا على ما صورنا, وإن لم يكن فتش رحله واعتقد أنه لا ماء معه. فيه وكان [١٨٦ أ/ ١] غيره قد وضع فيه ماء ثم علم, فهذا هو موضع احتمال القولين؛ لأنه لو يفتشه لوحده فصار مفرطاً بترك التفتيش ولو ضل الماء في رحله فتيمم وصلى تلزمه الإعادة قولاً واحداً, والقولان إذا نسي الماء في رحله, ذكره القفال. ولو قام لقضاء الحاجة فضل رحلة فيما بين الرحال, فطلبه فلم يجد فنأمره أن يصلي بالتيمم, وهل تلزمه إعادة الصلاة إذا وجده؟ لم يذكر في ((الأم)) إعادة الصلاة, بل قال: تيمم وصلى, وجاز فمن أصحابنا من قال في هذا أيضاً قولان: أحدها: يلزمه الإعادة؛ لأنه غير عادم وهذا عذر نادر, والثاني: لا تلزمه الإعادة لأنه غير منسوب إلى التفريط في طلب الماء بخلاف الناسي فإنه فرط في طلبه في رحله. ومن أصحابنا من قال: لا تلزمه الإعادة قولاً واحداً, وهذا اختيار القفال, وهو الصحيح. ولو ضل هو عن القافلة فلا إعادة بلا إشكال, ولو علم أنه كان بجنبه بئر قريبة يقدر على مائها قال في ((الأم)): لا إعادة عليه ولو أعاد جاز احتياطاً, وقال في ((البويطي)): إن وجد بئراً بقربه أو بركة فيها ماء يبلغه الطلب تلزمه إعادة الصلاة. ثم قال ((البويطي)) قال الربيع: قال الشافعي: إن كان قد طلب الماء فلا إعادة, وهو اصح القولين. وجملته أنه إذا علم بالبئر؛ فإن كان عالماً بها ثم نسيها فهو كما لو [١٨٦ ب/ ١] نسي الماء في رحله, وإن لم يكن عالماً بها قط فقد قيل قولان, وقيل: وهو الأصح المسألة على حالين فالذي قال في ((البويطي)): إذا كانت عليها علامات طاهرة فتواني في طلبها تلزمه الإعادة, والذي قال في ((الأم)): إذا لم يكن عليها علامات ظاهرة ولم يتقدم علمه بها, ويفارق الماء في رحله, لأنه كلف في أمر نفسه الإحاطة وفي غيره الظاهر.

стр. 213

فرع لو كان معه ماء فأراقه وشربه من غير حاجة منه إليه, وتيمم وصلى هل يجب عليه الإعادة؟ فإن كان أراقه قبل دخول وقت الصلاة لم تلزمه الإعادة قولاً واحداً, وإن كان بعد دخول وقت الصلاة فقد تمضي وأثم, وهل تلزمه إعادة الصلاة؟ وجهان أحدها: لا يلزمه وهو الأصح؛ لأنه عدم الماء في السفر وأن يمضي بالإراقة فهو كما لو قطع رجل نفسه وصلى قاعداً, فإنه يجوز والثاني: تلزمه الإعادة لأنه ترك الوضوء به مع القدرة, ولاشك أنه يلزمه التيمم وأداء الصلاة, وإذا قلنا بهذا, كم تلزمه الإعادة؟ فيه وجهان: أحدها: لصلاة واحدة. والثاني: يلزمه إعادة الصلوات التي كان يؤديها غالباً عادته بتلك الطهارة لو تطهر به. ذكره بعض أصحابنا بخراسان, وقال القفال: إن أراقه لفرض قبل أن يشربه, وإن كان متلذذاً به من غير حاجة أو غسل [١٨٧ أ/ ١] ثوبه تنظيفاً أو شك في طهارته فخاف لو توضأ به أن تظهر له نجاسته, فيحتاج إلى غسل ثوبه وبدنه فاحتاط بإراقته فلا إعادة قولاً واحداً, وهذا بخلاف ما تقدم, وذاك أصح لأنه لا يلحقه المشقة بترك التلذذ فلا يكون عذراً. فرع آخر إذا قلنا: يلزمه إعادة الصلاة لا يعيدها في وقتها؛ لأنه لو صح القضاء بالتيمم لصح الأداء, ولكن تؤخر حتى يجد الماء أو ينتهي إلى حالة تصح صلاته فيها بالتيمم فيعيد ما أو جبنا عليه إعادتها. فرع آخر لو وجب عتق رقبة في كفارة, ومعه رقبة لا يحتاج إليها فقبلها, فإن قلنا: الاعتبار في الكفارة بحالة الوجوب أو بأغلظ الحالين كانت الرقبة في ذمته, وإن قلنا: الاعتبار بحالة الأداء يحتمل وجهين: أحدها: يصوم, والثاني: الرقبة في ذمته, لأنه مفرط في إتلافها كما لو أراق الماء وصلى بالتيمم تلزمه الإعادة. فرع آخر لو كان في السفر, وهناك ملح يخاف لو اشتغل بإذابته تفوته الصلاة, له أن يصلي بالتيمم ولا إعادة للعجز, وهذا عذر عام, ولو قدر على أن يمسح به الرأس هل يلزمه ذلك؟ نبني على القولين فيمن وجد مالا يكفيه لوضوئه, فإن قلنا: لا يلزمه استعماله يكفيه التيمم ها هنا, وإن قلنا: يلزمه استعماله يحتمل وجهين: أحدهما: لا يلزمه مسح الرأس ها هنا؛ لأن (١٨٧ ب/١) شرط جوازه غير موجود, وهو طهارة الوجه واليدين, والثاني: يلزمه تيممان لاعتبار الترتيب. فرع آخر إذا كان لابسًا للخفين في السفر على الطهارة, وهو معه ما يكفيه لوجهه ويديه ومسح رأسه فقط ومعه ثلج يابس يمسح به الخفين, ولا يمكنه إذابته فعليه الوضوء,

стр. 214

ومسح الخفين به قولًا واحدًا؛ لأنه يمكنه تحصيل وضوءه من غير ضرر, فإن كان قد بقي من وقت المسح ما ينقص لا محالة قبل الفراغ من صلاته عادت المسألة إلى قولين. أحدهما: يكفيه التيمم, والثاني: يغسل الأعضاء الثلاثة ثم يتيمم وهذا كما يقول, إذا لم يبق من وقت الجمعة مقدار إمكان فعلها فإنه يجوز له أن يصلي الظهر, ويحتمل أن يقال بنزع الخف, ثم تعود المسألة إلى القولين, ولا يجوز له افتتاح الصلاة بالتيمم وغسل ما قدر عليه ما لم يخرج الخف من حال جواز المسح عليه, والدليل عليه أنه لو أراد الوضوء لمس المصحف لم يجز ما لم يمسح على الخف لبقاء هذا القدر من وقت المسح ما جوزنا طهارته الآن يفعلها في ثلاثة أعضاء والتيمم معه, لكانت هذه الطهارة صالحة لأداء الفريضة بها غير صالحة لمس المصحف, وهذا بحال ذكره والدي الإمام ﵀ وهذا حسن (١٨٨ أ/١) مليح. مسألة: قال (وإن وجده بثمن في موضعه) الفصل وهذا كما قال إذا لم يجد ماء مباحًا ولا في ملكه ماء ووجده مع غيره نظر, فإن بذله بغير بدل قال في (الأم): يلزمه قبوله ولا يجزيه التيمم. ويفارق هذا إذا أوجبت عليه كفارة, فوهب له إنسان رقبة لم يلزمه قبولها, وكذلك لو بذل له إنسان ثمن الماء لا يلزمه قبوله, والفرق لا منه في قبول الماء, إذ أصله على الإباحة بخلاف ذاك, وعلى هذا لو أعاره دلوًا يستقي به الماء فإنه يلزمه قبوله, ولو وهب منه دلو لا يلزمه قبوله. وقال في (الحاوي): لو كان لو كان ثمن الماء يلزمه قبوله عارية, وإن كان أكثر من ثمن الماء هل يلزمه استعارته؟ وجهان: أحدها: لا يلزمه لأن العارية مضمونه, والثاني: يلزمه لأن الظاهر سلامة العارية وإمكان ردها بأن لم يبذل له الماء, نص الشافعي في (البويطي): أنه لا يلزمه أن يسأله فإن تيمم وصلى قبل المسألة تلزمه الإعادة, ولأنه لا منة عليه فيه فتلزمه المسألة بخلاف الرقبة. وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل تلزمه الإعادة وجهان وهو خلاف النص, فإن سأله فلم يبذله ليس له مكابرته عليه, وإن كان فاضلًا عن حاجته بخلاف ما لو اضطر إلى طعامه, وهو فاضل عنه فلم يبذله له مكابرته (١٨٨ ب/١) عليه, لأن الطعام لا بدل له يرجع إليه بخلاف الوضوء فيمكنه أن يتيمم ويصلي ولا إعادة, وكذلك لو اضطر إلى لباسه لستر عورته وهو فاضل عنه لا يكابره إذا امتنع من بذله, لأنه يمكنه أن يصلي عريانًا ويجوز, ومن أصحابنا من ذكر وجهًا أنه لا يلزمه سؤال الماء كما في بذل الطاعة في الحج وهو ضعيف. وقال بعض أصحابنا في الفرقان هل يلزمه أن يستأجر الستر؟ وجهان, وهل يلزمه

стр. 215

قبول هبة الستر؟ وجهان أيضًا, وإن بذله بيعًا يلزمه شراؤه, بثلاث شرائط أحدهما: أن يجده بثمن مثله فلا يلزمه شراؤه بالزيادة, وإن كانت يسيرة, وقال أبو حنيفة: إن كانت الزيادة يسيرة بتغابن الناس بمثله يلزمه شراؤه وإلا فلا. وذكر القاضي الإمام الحسين ﵀ أنه إن كانت الزيادة بحيث لو غبن الوكيل بذلك القدر لا ينكر عليه يلزمه شراؤه لأنه لا يستضر بها, وهذا غلط لأن وجوده بأكثر من ثمن مثله كلا وجود كالرقبة في الكفارة, وكما لو كانت الزيادة (١٨٩/ ١) كثيرة, ثم اختلف أصحابنا في تفسير ثمن مثله في موضعه, فقال أبو إسحاق: يراعي ثمن المثل عرفًا وعادة على مرور الزمان في ذلك المكان, ولا يراعي الوقت, فإنه يختلف باختلاف الأوقات, فإن كان في هذا الوقت خرج عن العرف وضاق الماء لم يلزمه شراؤه, وإن كان ثمن مثله في هذا الوقت إذا لم يكن ثمن مثله غالبًا فيما نص من الأوقات العامة, ومنهم من قال: يعتبر ثمن مثله في وقت ذلك وهو ضعيف ومنهم من قال: أراد بثمن المثل أجرة نقل ناقلة من معدنه إلى موضعه؛ لأن الماء أصله على الإباحة ولا ثمن له وهو ضعيف أيضًا. والشرط الثاني: أن يكون واجدًا لثمنه, فإن يكن واجدًا له ويباع منه بالدين في ذمته لا يلزمه شراؤه, نص عليه في كتبه ولا يلزمه استقراض المال لشرائه, ولو كان له ماء في بلده ويرد بيعه بثمن يأخذه منه في بلده يلزمه شراؤه, ويؤدي ثمنه في أهله نص عليه في (البويطي)؛ لأنه صار قادرًا على الماء في الحال من غير ضرر, ولو بيع بثمن مؤجل هنا بزيادة تزاد بسبب التأجيل في العادة. قال بعض أصحابنا بخراسان: يلزمه شراؤه أيضًا؛ لأن ذلك ثمن مثله ولا ضرر عليه, وإن كان يحتاج إلى رشاء ودلو ويقدر على (١٨٩ ب/١) شرائهما بثمن مثله يلزمه شراؤهما أيضًا. والشرط الثالث: أن لا يكون محتاجًا إلى ثمنه لقوته في طريقه, فإن كان يحتاج إليه لا يلزمه شراؤه ويتيمم ويصلي, فإن قيل: أليس قلتم أنه إذا لم يجد الرقبة في كفارة الظهار إلا بزيادة على ثمن مثلها ليس له الانتقال إلى الصوم, بل يلزمه الصبر حتى يجدها بثمن مثلها, فقالوا: لا يتيمم هنا أيضًا, قلنا: الفرق أن الرقبة في الذمة غير مؤقتة, ولو أراد تأخيرها من غير عذر كان له فلا حاجة به إلى الانتقال إلى الصوم, وهنا حاجة إلى التيمم لضيق الوقت وخوف الفوات فألزمناه, فإن قيل: فينبغي أن يؤخرها إلى آخر الوقت, قلنا: تفوته فضيلة أول الوقت بأمر مشكوك فيه فلم يلزمه تأخيرها بخلاف الرقبة. فرع لو وهب له الماء فلم يقبل وتيمم وصلى, فإن كان الماء الموهوب له موجودًا في يد واهبة حتى تيمم وصلى تلزمه الإعادة, وإن كان الماء معدومًا حين تيمم وصلى هل

стр. 216

تلزمه الإعادة؟ وجهان, قال الإصطخري: تلزمه الإعادة لأنه كان قادرًا على الماء, وقال أبو إسحاق: لا إعادة للعجز في حال تيممه. فرع آخر لو اضطر غيره إلى الماء الذي معه وهو غير مضطر يلزمه دفعه إليه بقيمة مثله, فإن لم يدفع فللمضطر مكابرته عليه (١٩٠ أ/١) وإن أبي أثقل على نفسه, ولا فرق بين أن يكون هذا المضطر واجدًا للغنيمة أو غير واجد, فإن كانا مضطرين فلا يجوز له مكابرته, فإن كابره فهو ظالم ودمه هدر, ودم صاحب الماء مضمون كما لو كانا غير مضطرين, وإن احتاج إلى الوضوء فصاحب الماء أولى, ولا يجوز له دفعه إلى صاحبه ولا لصاحبه أخذه منه, فإن دفع وتيمم هذا الدافع نظر, فإن كان قد استعمله الموهوب له صح تيمم الواهب, وهل تلزمه إعادة الصلاة؟ قال أبو إسحاق: فيه وجهان كما لو أراق الماء عمدًا بعد دخول وقت الصلاة, وقال القفال: لا إعادة قولًا واحدًا لأن له غرضًا فيه, ومن له أدنى غرض في إزالة الماء من يده فهو معذور, ولا ضمان على الموهوب له, وإن كانت الهبة فاسدة لأن الهبة الفاسدة هي كالصحيحة في باب الضمان. مسألة: قال: (ولو كان مع رجل ماء فأجنب رجل وطهرت امرأة من حيض ومات رجل). الفصل وهذا كما قال إذا اجتمع في السفر جنب وحائض انقطع دمها ولم تغتسل وميت يحتاج أنه يغسل وهناك ما قال الشافعي: الميت أحبهم إلى أن يجودوا بالماء عليه, وفي بعض النسخ: أن يجود, أي يجود صاحب الماء بالماء عليه, ويتيمم الحيان لأنهما يقدرا على الماء, (١٩٠ ب/١) أي في ثاني الحال, والميت إذا دفن لم يقدر على غسله, قال أصحابنا: إنما يكون الميت أولى بوجود ثلاث شرائط: أحدهما: أن يكون الماء لغيرهم أو مباحًا غير مملوك لأحد. والثاني: أن لا يكون الماء كافيًا بل يكفي لأحدهم. والثالث: أن لا يكون على أحد الحيين نجاسة, فأما إذا كان الماء كفاية الكل استعملوه, وإن كان الماء مملوكًا لواحد منهم نظر, فإن كان مملوكًا للميت فهو أحقهم به لما ذكرناه, ولأنه ملكه فكان هو أولى به. قال أبو إسحاق: فإن غسل الميت بالماء وفضل منه فضلة فالفاضل لوارثه, وليس لهما أن يتطهرا به, فإن تطهرا به فعليهما الضمان, وإن احتاج إليه الحيان للعطش شربها ويمماه وأديا ثمنه لوارثه, لأنه لو كان حيًا لزمه بذله لهما بالثمن, ومراعاة حياة الحي

стр. 217

أولى من مراعاة غسل الميت, ثم اختلف أصحابنا في تفسير الثمن في هذا الموضع؛ لأن الماء هو من ذوات الأمثال, منهم من قال: ثمنه مثله لا قيمته, ومنهم من قال, وهو الأصح: أنهم إن ردوا في الموضع الذي شربوا فيه لا يلزم إلا المثل, وإن ردوا في غير ذلك الموضع فعليهم قيمة التي كانت في موضع الإتلاف, وهو المراد بالثمن, وعلى هذا جميع ذوات الأمثال إذا أتلف ثم غرن في غير موضع الإتلاف تلزمه القيمة كذلك (١٩١ أ/١) ها هنا, وهذا لأنه لا قيمة للماء في البلد. وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن غرم في غير موضع ولكن للماء قيمة في ذلك الموضع يلزم المثل, وإن كان أقل قيمة منه يوم الإتلاف؛ لأن نقصان قيمة المثل لا يؤثر في الحكم, وإن غرم في موضع لا قيمة فيه للماء أصلًا تلزمه القيمة وهذا حسن, ثم إذا أدى قيمة الماء ثم عادوا يومًا إلى موضع الإتلاف فهل للوارث رد القيمة والمطالبة بالمثل؟ وجهان بناء على ما لو أتلف شيئًا من ذوات الأمثال, بعد المثل, وانتقل إلى القيمة ثم وجد المثل, هل له رد القيمة والمطالبة بالمثل؟ وجهان, وإن كان الماء لأحد الحيين, فمن أصحابنا من قال: يلزمه أن يقدم الميت به ويأخذ ثمنه من مال الميت, وهذا لا يعرف للشافعي بل مالكه أحق به, ولا يجب عليه بذله لطهارة غيره, ولا يجوز, فإن بذله لغيره ببذل أو غير بذل, وتيمم وصلى, فقد ذكرنا حكمة, وإن كان على أحد الحيين نجاسة. قال أبو إسحاق: إن قلنا: يقول المزني يصلي بالتيمم ولا إعادة عليه فالميت أولى به أيضًا, وإن قلنا: تلزمه الإعادة فيه وجهان: أحدهما: الميت أولى؛ لأن الشافعي قال: الميت أولى والغالب أن الحائض لا تخلو من النجاسة, ولأنه خاتمة طهارته فهو أولى. والثاني: أن من عليه النجاسة هو (١٩١ ب/١) أولى؛ لأنه في النجاسة لا يرجع إلى بدل, وفي غسل الميت يمكن أن الرجوع إلى بدل, فعلى هذا ييممونه ويدفنونه؛ والأول أصح. وقال أبو حنيفة: الحي أولى بكل حال, وهذا غلط لما ذكرناه من العلة. فرع لو اجتمع حائض وجنب وهناك ماء مباح يكفي لأحدهما, فيه وجهان: قال أبو إسحاق: الجنب أولى؛ لأن غسله ثبت بالنص, وغسل الحائض بالاجتهاد وأخبار الآحاد, والثاني وهو الأصح: أن الحائض أولى؛ لأن الحائض لا تعرى من النجاسة وحكمها أغلظ, فإنه يحرم وطئها, وغسل الحائض تثبت بالإجماع فقام مقام النص وبطلت العلة التي ذكرها القائل الأول. وقال القفال: فيه وجه ثالث هما سواء فيقرع بينهما, وقال بعد أصحابنا بخراسان: إن قلنا الحائض لا تقرأ القرآن فهي أولى؛ لأن حالها أشد, وإن قلنا: تقرأ فهما سواء, لأن الحائض لا تمر بالمسجد خلاف الجنب فيقرع بينهما.

стр. 218

فرع آخر لو كان هناك جنب ومحدث, وهناك ما يكفي المحدث لوضوئه ولا يكفي الجنب لغسله فالمحدث أولى, لأن حدث المحدث يرتفع حدث الجنب به؛ ولأن المحدث إذا انفرد بهذا الماء يلزمه استعماله قولًا واحدًا, والجنب لو انفرد به فيه قولان, وإن كان يكفي الجنب ولا يفضل عنه ويكفي (٩٢ أ/١) المحدث ويفضل ما يغسل به بعض أعضائه ففيه ثلاثة أوجه: أحدهما: الجنب أولى لأنه يستبيح به ما لا يستبيح به المحدث. والثاني: المحدث أولى لأنه يرتفع به حدث وبعض حدث الجنب وهذا على القول الذي يقول: إذا وجد من الماء ما لا يكفيه يلزمه استعماله فأما إذا قلنا: لا يلزمه استعماله فالجنب أولى. والثالث: يقرع بينهما إن كان مباحًا, وإن كان مع رجل يدفع إلى أيهما شاء. فرع آخر إذا انقطع دم الحائض فعدمت الماء وتيممت وحل للزوج وطئها ثم أحدثت فله وطئها بالتيمم أولًا, فإن رأت الماء انتقض تيممها ورجعت إلى حكم حدث الحائض, فلا يجوز وطئها حتى تغتسل أو تتيمم إن هلك الماء. فرع إذا اجتمع جنب وميت والماء يكفي لأحدهما وهو مباح فالميت أولى, فإن أراد الجنب أن يتيمم قبل غسل الميت يحتمل أن يقال: يجوز لأن الميت صار أحق بهذا الماء فكان في حقه كالمعدوم, فإن تيمم وهو عازم على ترك غسل الميت بذلك الماء يحتمل أن يقال: إنه يصح تيممه, لأن الاستحقاق الثابت للميت لا يزول بعزمه, فإن كان الماء ملكًا للجنب فهو أحق به من الميت, ثم حكم الميت الآن في تيممه قبل اغتسال الجنب بالماء مثل (١٩٢ ب/١) حكم الجنب هناك في تيممه قبل غسل الميت, ذكره والدي الإمام ﵀. فرع لو أراد الجمع فصلى الظهر في وقته بنية الجمع, ثم تيمم للعصر فقبل شروعه فيه دخل وقت العصر, هل له أداء العصر بذلك التيمم؟ قال والدي ﵀: ينبغي أن لا يجوز؛ لأن أداء العصر, وإن كان عقيبة فلا يجوز جمعًا, وإنما جعل وقت الظهر وقتًا لتيمم العصر إذا جاز الجمع عقيبة, فإذا لم يجز ذلك صار كما لو تيمم للظهر قبل وقته, ثم دخل وقته عقيبة لا يجوز, ولو أراد الجمع بينهما في وقت العصر صح التيمم للظهر قبل دخول وقت العصر أيضًا؛ لأن الوقت هو وقت الظهر, ولو تيمم للعصر لم يصح لأن وقته يدخل بعد ذلك, وهل يصح عن الظهر؟ وجهان

стр. 219

أحدهما: لا يصح, والثاني: يصح وهو الأشهر. فرع العادم للماء إذا تيمم قبل الاجتهاد في القبلة هل يجوز؟ وجهان أحدهما: لا يجوز والثاني: يجوز, وهذا بناء على ما لو تيمم وعليه نجاسة هل يجوز؟ وجهان ذكره والدي ﵀. فرع آخر لو كان عليه قضاء الصلاة وهو عادم للماء والتراب, هل يلزمه القضاء على الفور؟ في هذه الحالة إذا كان الفوات بغير عذر. قال والدي ﵀: عندي أنه لا يلزمه القضاء؛ لأنه لو ألزمناه ذلك ويحتاج (١٩٣ أ/١) إلى الإعادة أدى إلى لزومه ثانيًا وثالثًا وما لا يتناهى, ويفارق الأداء لقوته وإيجابه لئلا يخلو الوقت عن فعل الصلاة على الإمكان. قال: وهل له أن يقضي في هذه الحالة؟ وجهان. فرع لو تيمم لصلاة العصر وعنده أن الوقت لم يدخل وكان وقتها داخلًا, هل يصح تيممه لأداء الفرض؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يصح, لأن التيمم عبادة لا تصح قبل الوقت فلا تصح مع اعتقاد بعد دخوله كالصلاة. والثاني: يصح وبطلان الصلاة لا يدل على بطلان التيمم, ألا ترى أنه لو تيمم قبل الوقت مع علمه بذلك جاز أداء النافلة به, وإن كان نوى به فرض الوقت والأول وأصح. باب ما يفسد الماء مسألة: قال: (وإذا وقع في الإناء نقطة خمر). الفصل إلى أن قال: (فسد الماء) وهذا كما قال: أعلم أن فساد الماء في هذا الموضع هو أن لا يصلح التطهر به, إما لنجاسة, أو لكونه مستعملًا, والمقصود ذكر مفسدات الماء في الجملة فأما القدر الذي يفسد والذي لا يفسد, فإن بيانه في الباب الذي بعده, ثم إنه افتتح الباب بقوله: (وإذا وقع في الإناء نقطة خمر) يعني في الإناء الذي فيه ماء الطهارة نقطة خمر, فأراد بالنقطة (١٩٣ ب/١) القطرة اليسيرة, وإنما ذكر الإناء لأن العادة أنه يكون فيه ماء قليل, ومراده بيان حكم الماء القليل, وجملته أنه إذا وقع في الماء القليل نجاسة من غائط أو بول, أو خمر, أو دم, أو قيح, أو صديد يُنظر, فإن كانت قدرًا يدركها الطرف نجس الماء, وكذلك في الثوب إلا في الدم والقيح

стр. 220

والصديد, فإنه (يعفى) عن اليسير منها في الثوب, وإن كانت قدرًا لا يدركها الطرف لقلته فقال المزني: ما يدركها الطرف فقد فسد الماء, فمفهومه أنه إذا لم يدركها الطرف لا يفسد الماء, وقال في (الإملاء): فإن أصاب الثوب غائط, أو بول, أو خمر, أو تيقنه, أدركه الطرف, أو لم يدركه نجسه. وقال في موضع آخر: إذا وقع ذباب على بول أو خلاء رقيق, ثم وقع على الثوب غسل موضعه, واختلف أصحابنا في المسألة على خمس طرق: إحداهما: يحكم بنجاستهما قولًا واحدًا؛ لأنه نص في الثوب على ما ذكرنا, فالماء أولى لأن الثوب أحسن حالًا في النجاسة من الماء؛ لأنه يعفي عن دم البراغيث فيه دون الماء, وليس له نص في الماء, وما نقله المزني ليس لكلامه دليل خطاب حتى يؤخذ به, وأيضًا إنما قال مما يدركها الطرف لتتحقق حصول النجاسة, فإن تحقق من دون إدراك الطرف ثبت حكم النجاسة أيضًا (١٩٤ أ/١). والثانية: لا ينجس الماء ولا الثوب قولًا واحدًا, ذكره ابن سلمه, أما الماء فبدليل كلامه, وأما الثوب فلأنه أولى وهو أحسن حالًا من الماء, وقوله في (الإملاء): أدركه الطرف أو لم يدركه: معناه أنه لم يدرك في موضع وقوعه ولكن أدركه الطرف حين وثب إلى الثوب. والثالثة: في الماء والثوب قولان: أحدهما: لا ينجسان؛ لأنه لا يمك الاحتراز منها في الغالب كأثر الاستنجاء دم البراغيث, والثاني: تنجسان لتحقق وصول النجاسة التي لا يعفى عنها إليهما. والرابعة: الثوب تنجس بنص قوله: (والماء لا ينجس) بدليل, والفرق أن للماء قوة في رفع النجاسات عند الكثرة بخلاف الثوب, وقيل: هذا ظاهر المذهب وهو الصحيح. والخامسة: على عكس هذا, وهو أن الماء تنجس دون الثوب؛ لأن الناس لا يحترزون من قضاء الحاجات في الصحاري, والغالب فيها أن الذباب يقع على النجاسة الرطبة, ثم يقع على الثوب ولا يدركها الطرف ويشق الاحتراز منها, فعفي عنها فيه كما عفي فيه عن قدر دم البراغيث, بخلاف الماء فإنه يمكن صونه عن النجاسات بتخمير الأواني وتغطيتها, وأيضًا فإنه إذا طارت الذبابة فالغالب أن رجلها تجف في الهواء, فإذا وقعت على الثوب ورجلها جاف (١٩٤ ب/١) لم تضر الثوب بخلاف الماء, فإنه يرطب رجلها فيؤثر فيه, وعلى هذا لو كان الثوب رطبًا فإنه تنجس الثوب, وعلى العلة التي قبلها لا ينجس وهذا حسن, ولكنه خلاف نص الشافعي, وعلى هذا قال بعض أصحابنا بخراسان: غلط المزني في قوله: مما يدركها الطرف في الماء, فإن الشافعي شرك ذلك في الثوب لا في الماء, وهذا خلاف صريح النص الذي ذكرناه وهو الصحيح.

стр. 221

مسألة: قال: (وإن توضأ رجل ثم جمع وضوءه في إناء نظيف ثم توضأ به هو أو غيره لم يجز). وهذا كما قال: الماء المستعمل هو على ثلاثة اضرب؛ مستعمل في رفع الحدث, ومستعمل في البدن, ومستعمل في غير الحدث والندب. فأما المستعمل في رفع الحدث فهو الماء الذي توضأ به المحدث, أو اغتسل به الجنب, أو الحائض, فالماء طاهر لأنه لاقى موضعًا طاهرًا, وهو هو مطهر؟ المشهور أنه غير مطهر. وبه قال عمر, وابن عباس ﵄ والاوزاعي والثوري, والليث, وأحمد. وروي ذلك, عن مال, وأبي حنيفة, وقال أبو ثور: سألت أبا عبد الله عن الماء المستعمل هل هو طهور؟ فتوقف فيه, وقال عيسى بن أبان, قال الشافعي: هو طاهر مطهر. واختلف أصحابنا فيه على طريقين, فمنهم من قال: هو غير مطهر قولًا واحدًا ورد رواية (١٩٥ أ/١) ابن أبان, وقال: لا أجد مذهب صاحبي من المخالف وقيل: غلط عيسى في هذا لأنه سمع الشافعي يقول: الاستعمال لا يؤثر, وأراد في طهارته لا في طهوريته, فظن أنه لا يؤثر في طهوريته ومنهم من قال: عيسى هذا ثقة, وإن كان مخالفًا فالمسألة على قولين: أحدهما: ما ذكرنا وهو الصحيح؛ لأنه أدى به الفرض فلا يؤدي به الفرض ثانيًا, كما لو أعتق عبده من الكفارة لا يقدر على عتقه ثانيًا. والثاني: هو طاهر مطهر, وبه قال الحسن, والنخعي, وعطاء بن أبي رباح والزهري, ومكحول, وأبو ثور, وداود, وأهل الظاهر, وهو راوية عن مالك. واحتجوا بما روت ربيع أن رسول الله ﷺ مسح رأسه بفضل ما كان في يده , ولأن هذا ماء طاهر لاقى جسمًا طاهرًا فأشبه إذا لاقى ثوبًا, وهذا غلط, والخبر محمول على أنه كان ترك المسحة الثانية, وفي الثوب لم يزد العبادة بخلاف ها هنا, وروى ابن المنذر, عن علي, وابن عمر, وأبي أمامه ﵃ أنهم قالوا فيمن نسي مسح رأسه: إذا وجد بللًا في لحيته أجزأه أن يمسح رأسه بذلك البلل, وهو اختيار ابن المنذر, وروى الحسن بن زياد, عن أبي حنيفة: أنه نجس, وبه قال أبو يوسف, واحتج الشافعي عليه بأن النبي ﷺ (١٩٥ ب/١) توضأ ولا يشك أن من بلل الوضوء ما يصيب ثيابه, ولا نعلمه غسله, ثم انفصل عن سؤال مالك, فإنه قال: إذا لم يكن لم لا يتوضأ ثانية؟ وما الفرق بين أن يغسل ثوبًا طاهرًا أو بدنًا طاهرًا, وقد يتوجه هذا السؤال من وجهة أبي يوسف على العكس, فقال الشافعي: ولا يتوضأ به لأن على الناس تعبدًا في أنفسهم بالطهارة من غير نجاسة, وليس على ثوب أو أرض تعبد.

стр. 222

فإذا قلنا: إنه طاهر غير مطهر, فإن كان أقل من قلتين فغير مطهر قولًا واحدًا, وإن بلغ قلتين فالمنصوص في (الأم) أنه طاهر غير مطهر, وذكره المزني في جامعة الكبير أيضًا؛ لأنه إذا لم تؤثر فيه النجاسة فلأن لا يؤثر فيه الاستعمال أولى, ولأنه إذا كان كثيرًا في الابتداء لا يصير مستعملًا, فإذا كثر من بعد ذلك حكمه, وقال القفال: فيه وجهان, أحدهما: هذا, والثاني: هو مستعمل كما كان ولا يعود طهورًا؛ لأن كونه مستعملًا فيه والكثرة لا تسلبه صفته بل تكثر صفته بكثرته, فهو كماء الزعفران إذا كثر لا يعود طهورًا. وقيل: هذا اختيار القفال, وهو خلاف نص الشافعي, وإذا قلنا: إنه غير مطهر, أو كان أقل من قلتين, هل يجوز غسل النجاسة به؟ المذهب أنه لا يجوز؛ لأنه مائع يجوز لا يرفع الحدث فلا يرفع (١٩٦ أ/١) الخبث كماء الورد, وقال أبو القاسم الأنماطي أستاذ ابن سريج, وابن خيران: يجوز لأن للماء قوتين إزالة النجاسة وإزالة الحدث, وقد زالت إحداهما وبقيت الأخرى, وهذا باطل بما أزيل به النجاسة لا يزال به الحدث الأصغر, ولا يقال له قوتان كذلك ها هنا, وهكذا في العكس منه إذا استعمل الماء في إزالة النجاسة, وقلنا: إنه طاهر غير مطهر هل يجوز استعماله في إزالة الحدث على هذا بخلاف. وأما المستعمل في الندب: وهو ما غسل به يديه قبل إدخالهما في الإناء أو تمضمض به, أو استنشق أو استعمل في المرة الثانية, والثالثة في الوضوء في تجديد الوضوء, أو في غسل يوم الجمعة ونحو ذلك, قال ابن سريج: فيه وجهان: أحدها: أنه طاهر مطهر, لأنه لم يؤد به الفرض مرة, وإليه أشار الشافعي حيث قال: لأنه أدى به الفرض مرة وهو الأصح, والثاني: أنه مستعمل طاهر غير مطهر, لأنه استعمل في التعبد في الجملة, وإلى هذا أشار الشافعي في قوله: لأن على الناس تعبدًا في أنفسهم, وقوله: لأنه أدى به الفرض مرة, من قول المزني, ولم يقله الشافعي, وبه قال أبو حنيفة, وإليه يميل القفال. وأما المستعمل في غير الندب والحدث بالماء الذي يتبرد به أو يتنظف أو غسل به الثوب فهو طاهر مطهر بلا خلاف. فرع لو اغتسلت الكافرة (١٩٦ ب/١) من الحيض لاستباحة وطئ المسلم هل يصير الماء مستعملَا فيه وجهان: أحدهما: يصير مستعملًا لأنها أدت طهارة مأمورًا بها بهذا الماء. والثاني: لا يصير مستعملًا, لأنها لم تؤد به عبادة, وهذا أظهر, ولا خلاف أنها لو اغتسلت لا من الحيض أو النفاس لا يصير مستعملًا. فرع لو اغتسل المحدث رأسه ففيما سقط عن رأسه من الماء وجهان حكاهما ابن أبي هريرة.

стр. 223

أحدهما: أنه لا يكون مستعملًا, لأن المستحق في الرأس مسحه بالبلل الباقي عليه فلم يصر الباقي الفاضل من غسله مستعملًا فيه. والثاني: يكون مستعملَا, لأنه زاد على الكفاية كما لو كان يكفيه لوضوئه مد فاستعمل صاعًا صار الصاع مستعملًا, وإن كان بعضه مكتفيًا. فرع آخر الجنب إذا اغتسل هل يصير الماء بانتقاله عن العضو إلى صدره مستعملًا؟ وجهان: أحدها: يصير مستعملًا فلا ترتفع جنابة العضو الذي انتقل إليه, والثاني, وهو الأصح: لا يصير مستعملًا حتى ينفصل عن جميع الجسد, لأن بدن الجنب هو كالعضو الواحد من أعضاء المحدث, ولهذا لا ترتيب فيه بخلاف أعضاء المحدث ذكره في (الحاوي). فرع آخر لو دخل الجنب في الماء لطلب الدلو لا يطهر الجنب ولا يفسد الماء, وإنما يحكم للماء بحكم الاستعمال إذا نوى وصح غسله, وهكذا لو (١٩٧ أ/١) أدخل يده في الماء القليل في الإناء ثم أخرجه. فرع آخر لو نوى رفع الجبانة وانغمس ف ماء, فإن كان الماء قلين ولم ينقص منه شيء حتى خرج عنه لم تزل طهوريته وزالت جنابته, لأنه كما لاقي أول جزء منه الماء صار مستعملًا, ثم انغمس في ماء يستعمل, والمنصوص للشافعي في رواية الربيع أنه يصير مستعملًا وتزول جنابته, لأن الماء لا يصير مستعملًا بأول الملاقاة, بل يصير مستعملًا بالانفصال عنه, كما لو صب الماء على رأسه, لا يقال يصير مستعملًا بملاقاته أول جزء من رأسه حتى إذا أنحدر إلى الوجه لا تزول جنابة الوجه, كذلك ها هنا, ورجع الخضري إلى هذا, وعلى هذا لو صب الماء على رأسه وانفصل منه إلى البطن بحيث لم يمر على وجهه فكما انفصل عن رأسه صار مستعملًا. فرع آخر لو نزل الجنب في الماء الذي هو دون القلتين إلى سرته ثم نوى رفع الجناية, ترتفع الجناية عن كل ما تحت الماء من بدنه, وأما ما هو فوق الماء إن أخذ الماء بيده وصب الانفصال, وإن غاص في الماء بباقي بدنه, قال بعض أصحابنا: فيه وجهان. فرع آخر لو شرع رجلان في ماء دون القلتين بلا نية ثم نويا رفع الجبانة, فإن نويا تحت الماء

стр. 224

دفعة (١٩٧ ب/١) واحدة ارتفع جنابتهما, وصار مستعملاً, وإن شرعًا مع النية دفعة واحدة ارتفعت الجناية عن أول جزء وصل إلى الماء من بدن كل منهما وصار مستعملًا ولا ترتفع الجبانة عن باقي أعضائها, لأن الماء كالمنفصل من بدن كل واحد منهما في حق صاحبه. فرع آخر لو اغتسل الجنب مرة في ماء قليل كان الماء الأول مستعملًا, والثاني: مطهرًا, لأن تكرار الثلاث مأثور في الوضوء والنجاسة, وغير مأثور في غسل الجنابة, ففي الموضع المأثور في أحد الوجهين يصير مستعملًا دون غيره, ذكره في (الحاوي) ويحتمل وجهان آخر, لأن التكرار فيه مندوب في قول بعض أصحابنا. مسألة: (إذا ولع الكلب في الإناء فقد نجس الماء). وهذا كما قال: الكلام في الكلب في فصول ف نجاسة عينه, وفي نجاسة سوره وفي وجوب غسل الإناء من ولوغه وكيفية العدد في غسله, فأما نجاسة عينه, فعندنا هو نجس العين خلافًا لأبي حنيفة, وقال مالك: الكلب والخنزير طاهران لوجود المياه فيهما, وبه قال داود. وأما نجاسة سؤره فعندما أنه إذا ولغ في ماء قليل, أو طعام من لبن أو خل أو غيرهما تنجس ويلزم إراقته, وغسل الإناء (١٩٨ أ/١) منه, وبه قال ابن عباس, أبو هريرة, وعروة بن الزبير ﵁ , وأبو حنيفة, وأحمد, وإسحاق, وأبو ثور, وأبو عبيد, وقال الزهري, ومالك, وداود هو طاهر يجوز التطهر به, وإن ولغ في طعام لا ينجس ولا يحرم أكله, اختاره ابن المنذر لكن يغسل منه الإناء تعبدًا. وروى هذا عن الأوزاعي, وهذا غلط لقوله ﷺ : (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليهرقه وليغسله سبع مرات) فأمر بالإراقة وعندهم لا تجب الإراقة. ورى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب). ولأنه إذا وجب غسله لحدوث حادث تكون لنجاسته لا للتعبد, واحتجوا بقوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: ١٤٥] الآية, قلنا: هذا مما يطعمه طاعم وكلامنا في الإناء, ونجاسة الماء

стр. 225

الذي فيه, ثم هذا في السنة إن لم يكن في الكتاب. واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مما أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ ولم يأمر بغسل الموضع الذي أصابه فم الكلب, قلنا: أراد به صيد الكلاب, وقوله مكبلين أراد به المعلمين ثم ليس فيه دليل على أن ذلك الموضع لا ينجس, كما أنه لم يأمر بغسل الصيد عن الدم, ولا شك أن دمه نجس على أن من أصحابنا من قال: موضع النص (١٩٨ ب/١) وإن كان نجسًا لا يجب غسله, بل يكون معفوًا عنه, لأنه لا يمكن الاحتراز منه, وظاهر المذهب أنه كسائر المواضع التي يصيبها فم الكلب, واحتجوا بما روى جابر ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ عن الحياض بين مكة والمدينة تردها السباع والكلاب فقال: لها ما شربت في بطونها ولنا ما أبقت شرابًا وطهورًا, قلنا: نحمله على الماء الكثير بدليل ما ذكرنا. واحتجوا بأنه حيوان فكان طاهر السور كالشاة قيل: يجوز اقتناؤها إعجابًا بها وتفاخرًا بخلاف الكلب بدليل قوله ﷺ : (من اقتنى كلبًا إلا كلب صيد أو ماشيه نقص من أجره كل يوم قيراطان) , ولأن مالكًا وافقنا في أنه لا يجوز بيع الكلب ولم يرحم ذلك لحرمته, لأنه لا حرمة للكلب, ولا لعدم المنفعة, لأن منفعته كاملة, فدل أنه إنما حرم لنجاسته بخلاف الشاة, ولأنه لم يرد الأمر بالغسل من الولوغ هناك بخلاف ها هنا. وأما العدد فعندنا يجب غسل الإناء من ولوغه سبع مرات, إحداهن بالتراب, وبه قال ابن عباس, وأبو هريرة, وعروة, وطاووس ﵃ وقبل: إنه قول الأوزاعي وقول مالك, ومن أصحاب مالك من يقول: يعتبر ذلك استحبابًا, وبه قال أحمد في أصح الروايتين عنه, وعنه رواية أخرى (١٩٩ أ/١) أنه يجب غسله ثماني مرات سبع مرات بالماء وواحد بالتراب منفردًا, وبه قال الحسين, وقال أبو حنيفة: يغسل مرة, وروى ثلاثًا. واحتجوا بما روى عبد الله بن معقل أن النبي ﷺ قال: (إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات والثامنة عفروه بالتراب). وروى أولاهن بالتراب ويحمل, ما روا على أنه أراد إذا نسي التراب في إحدى الغسلات السبع يلزمه الإتيان بالثامنة, بدليل خبرنا أو عد التراب ثامنة, وإن كان يوجد مع أحد السبع؛ لأنه جنس آخر. وقال أبو حنيفة: لا يعتبر فيه العدد, بل يلزمه أن يغسل حتى يغلب على ظنه طهارته من النجاسة, واحتجوا بما روى الأعرج, عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي ﷺ قال في الكلب يلغ في الإناء: (يغسله ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا). قلنا رواية عبد الوهاب بن الضحاك, وهو ضعيف, ثم يحتمل هذا

стр. 226

التخيير, ويحتمل الشك من الراوي فيجب التوقف فيه ويعمل بخبرنا. فرع الأفضل أن يكون التراب في الغسلة الأولى ليرد الماء عليه بعده فينظفه من التراب, نص عليه في حرملة, وورد في الخبر ذلك, وفي أي الغسلات كان التراب أجزأه لقوله ﷺ (إحداهن بالتراب). فرع كيفية الغسل بالتراب أن يخلط التراب بالماء في إحدى الغسلات (١٩٩ ب/١) , لا أن يقتصر على الدلك بالتراب, ولا يجب الدلك باليد في وسط الإناء, ولا فرق بين أن يصب الماء على التراب أو التراب في الماء حتى يتكرر. فرع قال في الحاوي: اختلف أصحابنا في أنه يكفي ما يقع عليه اسم التراب قل أو كثر أو يلزمه أن يستوعب به محل الولوغ على وجهين, أحدهما: ما يقع عليه الاسم المطلق الخبر, والثاني: يلزمه استيعابه لأنه ليس بعض المواضع أولى من بعض وهذا هو المشهور عندي والوجه الأول غريب. فرع قال الشافعي: والماء الذي ولغ فيه الكلب وعليه أن يهريقه, فمن أصحابنا من قال: يجب إراقته ويحرم الانتفاع به للخبر, وقال جمهور أصحابنا: لا تجب إراقته بل يستحب ولا يحرم الانتفاع به في وجه مخصوص وقوله ﷺ : (فليهرقه) ليتوصل بالإراقة إلى غسله لوجوب استهلاكه. فرع آخر قال بعض أصحابنا بخراسان: لو خلط التراب بخل أو ماء ورد ثم غسل به هل يجزي عن التراب؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز وهو الأصح؛ لأن الخل ليس بطهور. والثاني: يجوز؛ لأن التراب هو المقصود, وكذلك لو كان التراب نجسًا ففيه وجهان, والأصح أنه لا يجوز, ولا معنى لهذا عندي مع ما ذكرنا من النص الصريح. فرع آخر جميع أجزاء الكلب كفمه (٢٠٠ أ/١) وكذا روثه ودمه, وقال أبو حنيفة: إذا أصاب سائر بدنه الماء لا ينجس روثه قال مالك وداود: وبنيا على أصلهما أن الكلب

стр. 227

طاهر, وإنما يغسل الإناء من ولوغه صار تنبيهًا على ما أصاب بيده ورجله؛ لأن الولوغ يكثر منه ويشق الاحتراز منه بخلاف سائر أعضائه, ومن أصحابنا من ذكر وجهًا أنه يختص السبع بالولوغ؛ لأنه غير معقول المعنى, والنص فيه ورد فكيفي الغسل مرة من مس أعضائه ودمه وبوله, وهذا ليس بشيء. فرع آخر يجب غسل الثوب من دم الكلب سبع مرات على ظاهر المذهب, فلو لم تزل عينه إلا ثلاث غسلات فالمرة الأولى هي محسوبة عن السبع, وفي الثانية والثالثة وجهان: أحدهما: لا تحتسب عن السبع, بل يجب غسل المحل بعد زوال عين الدم ست مرات. والثاني: يحتسب من السبع كالمرة الأولى. فرع آخر لو ولغ كلبان في إناء آخر أجزاء أن يغسل سبع مرات إحداهم بالتراب, نص عليه في حرملة, ومن أصحابنا من قال: فيغسل على عدد الكلاب لكل كلب سبع مرات, كما قال الشافعي: إذا بال واحد يصب عليه ذنوب من ماء, وإن بال اثنان يصب ذنوبان, وهذا ليس بتخريج صحيح؛ لأن ولوغ الكلب الثاني بمنزلة تكرير ولوغ الكلب الواحد, ولو كرر الكلب الواحد الولوغ يكفي (٢٠٠ ب/١) سبع مرات, فكذلك إذا كثر عدد الكلاب يكفي سبع مرات, وفي البول ذكره الشافعي تقريبًا في التطهير لا تحديدًا, والبول يكثر بكثرة البائل والنجاسة ها هنا لا تزيد. وقال الإصطخري: يغسل لكل ولوغ سبعًا, فإن ولغ كلب واحد عشرًا غسل سبعين مرة, ذكره في (الحاوي). وقال: في المسألة ثلاثة أوجه وهذا خطأ فاحش لأن النجاسة لم تزد يستحيل أن تزيد الإزالة. فرع آخر لو غسل الإناء من ولوغه مرة, ثم وقع في نقطة خمر, أو دم غسله ستًا وطهر؛ لأنه غسل النجاستين معًا جميعًا نص عليه في حرملة. فرع لو وقع هذا في ماء قليل نجسه, ولو وقع في ماء كثير قدر قلتين فصاعدًا لم ينجسه, وهل يطهر به الإناء؟ فيه أوجه: أحدهما: يطهر ولا يحتاج إلى التراب؛ لأنه صار إلى حالة لو ولغ فيه في تلك الحالة لم ينجس, ولأن القصد بالعدد مكاثرة الإناء بالماء وها هنا حصلت المكاثرة, وهذا إذا أقمنا الماء مقام التراب.

стр. 228

والثاني: تكون غسلة واحدة, وست مرات إحداهم بالتراب لظاهر الخبر, وهذا اعتبار ابن الحداد. والثالث: يكفي التراب بعد هذا. والرابع: ذكره أصحابنا بخراسان: يُنظر, فإن أصاب فم الكلب نفس الإناء فهو غسلة واحدة, وإن أصاب الماء ثم نجس الإناء تتبعًا للماء فإنه يطهر تبعًا للماء أيضًا (٢٠١ أ/١) وعلى هذا لو كان إناء كبيرًا ولغ فيه الكلب فصب عليه ماء حتى تم به قلتان هل يطهر على هذا الخلاف؟ فرع آخر لو غسله ثمان مرات هل تقوم الغسلة الثامنة بالماء مقام التراب؟ فيه ثلاثة أوجه: أحدهما: يقوم مقامه؛ لأن القصد التطهر والماء أبلغ, وهو اختيار أبي إسحاق. والثاني: لا يقوم مقامه؛ لأنه مأمور بعين التراب فلا يجوز غيره, ولأن قصد النبي ﷺ تقوية الماء بالتراب والجمع في غسلة بينهما, والتراب مع الماء ينقي ما لا ينقيه تكرار الماء. والثالث: إذا كان التراب موجودًا لا يقوم مقامه, وإن كان معدومًا يقوم مقامه للعذر, وهذا كله إذا قلنا غير التراب من الأشنان والنخالة تقوم مقامه. فرع لو صب الغسلة السابعة في الإناء وغلغل فيه ولم يصب عليه هل يطهر؟ وجهان كالوجهين في الثوب النجس إذا لم يعصر من الغسالة. فرع لو أصاب فم الكلب أرضًا فغسلت سبعًا أو جرى عليها الماء سبعًا هل يحتاج إلى تراب أجنبي؟ وجهان, والأصح أنه لا يحتاج؛ لأن نفس الأرض تراب ولم يذكر القفال غيره. فرع آخر لو أدخل الكلب رأسه في الإناء ولم يعلم أنه ولغ فيه, فإن أخرج رأسه يابسًا فالماء على طهارته, وإن كان رطبًا فيه وجهان: (٢٠١ ب/١) أحدهما: يحكم بنجاسته؛ لأن الماء لا ينجس بالشك, ويحتمل أن تكون تلك الرطوبة من لعابه أو ولوغه في غيره. فرع لو ولغ في إناء في طعام جامد يلقى منه ما أصابه فمه وينتفع بالباقي, كما لو ماتت الفأرة في السمن وهو جامد, ولو ولغ في ماء قليل, أو طعام فأصاب ذلك الماء أو الطعام ثوبًا أو إناء آخر, وجب غسله سبع مرات إحداهن بالتراب. فرع إذا بلغ الماء قلتين فتغير بالنجاسة, ثم ولغ فيه الكب, ثم أصاب منه ثوب إنسان,

стр. 229

قال القاضي الحسين ﵀: يلزمه غسله سبع مرات إحداهن بالتراب؛ لأن لعاب الكلب مازج ذلك الثوب النجس والماء المتغير بالنجاسة, كالخل الذي يقع فيه النجاسة وإن لم يتغير. مسألة: قال: (وإن كان في بحر لا يجد فيه ترابًا فغسله بما يقوم مقام التراب في التنظيف مثل أشنان أو نحالة أو ما أشبهه ففيه قولان). الفصل وهذا كما قال المأمور في غسل الولوغ بالتراب, فإن غسله بغير التراب كالأشنان, أو النخالة, أو الصابون, هل يجوز؟ فيه قولان, أحدهما: يجوز ويقوم ذلك مقام التراب, وهو اختيار المزني؛ لأن المقصود منه التطهير عن النجاسة, والصابون هو أبلغ في التطهير من التراب, ولأنه إزالة نجاسة بجامد فلا يتعين ذلك الجامد كالاستنجاء والدباغ. والثاني: لا يجوز لأنه طهارة أمر فيها بالتراب (٢٠٢ أ/١) تعبدًا فلا يقوم غيره مقامه كالتيمم, ومعنى التعبد أنه أمر بغسله سبعًا والنجاسة تزول مرة واحدة, ولأنه أحد الطهورين في ولوغ الكلب فلا يقوم غيره مقامه كالماء, وهذا طاهر المذهب. والجواب عما ذكر المزني أن المقصود من الاستنجاء تخفيف النجاسة, ومن الدباغ تنشيف فضول الجلد, فالمعنى والمقصود معلوم فقام غير المنصوص مقام المنصوص. وها هنا الأمر بالتراب غير معقول المعنى فأشبه التراب في التيمم. فإذا تقرر هذا, اختلف أصحابنا في موضع القولين, فمنهم من قال: القولان إذا كان عادمًا للتراب, فإن كان واجدًا للتراب لا يجوز قولًا واحدًا؛ لأن الشافعي قال: فإن كان في بحر لا يجد ترابًا, وهذا هو الظاهر. ومنهم من قال وهو الأصح: فيه قولان سواء كان واجدًا للتراب أو عادمًا له, وإنما صور الشافعي في البحر, لأن الغالب عدم التراب فيه, وإن كان واجدًا لا يتكلف غيره. فرع قال القفال: لو كان ثوبًا, فإن قلنا في الإناء أنه يقوم الأشنان مقام التراب, ففي الثوب أولى, وإن قلنا: لا يقوم ففي الثوب وجهان؛ لأن التراب يفسد الثوب, ويصلح الإناء, والأطهر عند عامة أصحابنا أنه لا فرق بين الثوب وغيره. مسألة: قال: ويغسل الإناء من النجاسة سوى ذلك ثلاثًا أحب إلى وهذا كما قال: المستحب أن يغسل من غير (٢٠٢ ب/١) الكلب والخنزير ثلاث مرات, والواجب أن يكاثرها بالماء حتى يزول لونها ورائحتها ولا يشترط العدد, وقال أبو حنيفة: يجب غسله ثلاث مرات إذا كانت النجاسة حكيمة غير مرئية. وقال أحمد: يجب غسله سبعًا إذا أصاب الإناء لولوغ الكلب سواء, وهكذا لو

стр. 230

أصابت غير الإناء [إلا] في الأرض إذا أصابتها فإنه قال: لا يجب العدد فيها, وربما يقول بعض أصحابه: إنه لا يشترط التراب غير الولوغ, واحتج بأن الخبر الوارد في الولوغ تنبيه على غيره؛ لأن نجاسة الكلب أخف لأنه مختلف فيها, وهذا غلط لما روي عن ابن عمر ﵁ قال: كانت الصلاة خمسين, والغسل من الجنابة سبع مرات, والغسل من البول سبع مرات, فلم يزل رسول الله ﷺ حتى جعلت الصلاة خمسًا, والغسل من الجنابة مرة, والغسل من البول مرة, وقياسه على الكلب مخالف للنص, ثم نجاسة الكلب حكيمة لا يلزم غسل المحل, واحتج عليه الشافعي بما روى أن النبي ﷺ قال لأسماء في دم الحيض (حثيه ثم أقرضيه ثم غسليه بالماء ثم صلى فيه) ولم يعتبر العدد. مسألة: قال: (وما مس الكلب والخنزير الماء (٢٠٣ أ/١) من أبدانها نحبه وإن لم يكن فيهما قذر) وهذا كما قال: أراد وإن لم يكن فيهما قدر سواهما لأن عينيهما نجاسة, وهذا لأن النص على الولوغ تنبيه على سائر الأعضاء على ما ذكرنا. مسألة: قال: واحتج بأن الخنزير أسوأ حالًا من الكلب الفصل وهذا كما قال: نص في (الجديد) أن الخنزير نجس يغسل من ولوغة سبعًا كالكلب, وحكى ابن أبي أحمد, عن الشافعي قولًا في (القديم) أنه يغسل من ولوغ الخنزير مرة, فمن أصحابنا من أنكر هذا, وقال: وهم ابن أبي أحمد فيما قال: قال أبو ثور: قال الشافعي في (القديم)؛ يغسل من ولوغ الخنزير, وأطلق لم يذكر العدد, وهذا خطأ؛ لأنه ذكر العدد في موضع آخر, وأراد بالإطلاق السبع, وقيل: هو ثقة في الرواية فالمسألة على قولين: أحدهما: يغسل مرة لأن الكلب مألوف, فخص بزيادة تغليظ كالخمر لما كانت مألوفة خصت بوجوب الحد بشربها وينسب هذا القول إلى مالك ولا يصح عنه. والثاني: يلزمه غسل سبع مرات, لأن النص في الكلب تنبيه على الخنزير, لأنه أسوأ حالًا, لأن الكلب محرم نصًا ولا يجوز إقتناؤه أصلًا بخلاف فإنه مختلف في جواز أكله وحكم المتولد بين الكلب والذئب حكم الكلب في هذا الحكم (٢٠٣ ب/١). فصل يشتمل على فروع النجاسة إذا أصابت ثوبًا أو غيره يغسله بالماء عن المحل, فيه ثلاث مسائل:

стр. 231

(إحداها): أن ينفصل الماء متغيرًا بالنجاسة فهو نجس بلا خلاف, سواء طهر المحل به أو لم يطهر, لأن النجاسة غلبته. والثانية: أن ينفصل عنه غير متغير ولم يطهر المحل بعد, فالمذهب أنه نجس, لأن الماء إذا ورد على النجاسة إما أن يغلبها أو تغلبه, فإن غلبها وجب أن يزيلها, فلما لم يزلها دل على أنها غلبته, وقال بعض أصحابنا: فيه وجهان: أحدها: هذا, والثاني: أنه طاهر, لأن الماء الذي يزد على النجاسة بمنزلة الماء الكثير الذي تزد النجاسة عليه فلا تنجس إلا بالتغير. وقال بعض أصحابنا بخراسان: إنه روي هذا عن الشافعي في (القديم). والثالثة: أن ينفصل عنه غير متغير والمحل قد طهر, فالمذهب المنصوص أنه طاهر, وبه قال جماعة أصحابنا, لأن البلة الباقية في الثوب هي طاهرة, فالمنفصل منه طاهر أيضًا. وقال أبو القاسم الأنماطي: هو نجس, وبه قال أبو حنيفة: فعلى هذا العبارة عنه أن حكم الماء بعد الاستعمال حكم المحل المغسول قبل أن يغسل, إذا قلنا بالمذهب, قال القفال: لأصحابنا عبارتان, أحدها: أن حكم الماء بعد الغسل حكم الماء قبل الغسل؟ فعلى هذا غسالة (٢٠٤ أ/١) كل مغسول هي طاهرة وهو عين القول القديم, والثانية: أن حكم الماء بعد الغسل حكم المحل بعد الغسل, فعلى هذا غسالة عين الكلب والخنزير طاهرة, والغسالة في المرة السابعة من ولوغ الكلب والخنزير طاهرة أيضًا, وما قبلها نجس, وعلى هذا لو نجس الماء بولوغ الكلب فأصاب الثوب منه نجس وغسل سبع مرات كما يغسل الإناء سبعًا, فإن غسله مرة ففي هذا الماء وجهان: أحدهما: طاهر, لأنه انفصل غير متغير, والمذهب أنه نجس, فلو أصاب الثوب من هذه الغسالة نجس الثوب وبماذا يطهر, اختلف أصحابنا فيه, فمنهم من قال: يغسل بعد هذا سبعًا إحداهن بالتراب, لا أن تكون الغسلة الأولى بتراب فيغسل ستًا بلا تراب, وعلى هذا أبدًا, فإن بقي من غسلات الإناء خمس غسل خمسًا, ولو بقي واحدة غسل واحدة, وإن أصاب من السابعة لا المحل المغسول قبل الغسل, فيغسل من المرة الأولى سبع مرات إحداهن بالتراب, ومن الثانية ست مرات إحداهن بالتراب, إن لم يكن غسل المرة الأولى بالتراب, ومن السابعة يغسل مرة, ومن أصحابنا من قال: يغسل مرة واحدة لكل خال, لأن كل مرة قد أخذت سبع النجاسة فيغسل منها مرة, فاعتبر هذا القائل ما زال من النجاسة بالغسل دون (٢٠٤ ب/١) ما بقي. فرع لو جمع ماء الغسلات السبع في إناء هل يكون نجسًا؟ فإن قلنا: ماء الغسلات كلها طاهرة فلا مسألة, فإن قلنا: الجميع نجس إلا ماء الغسلة السابعة فيه وجهان: أحدهما: الجميع نجس, لأن ماء الغسلة الأولى إلى السابعة نجس, وماء الغسلة السابعة طاهر, فإذا جمع ولم يبلغ قلتين وجب أن يكون نجسًا وهو الصحيح, والثاني:

стр. 232

أنه طاهر, لأن الجميع بمنزلة الماء الذي أزيل به النجاسة وقد انفصل غير متغير فطهر المحل, وهذا خطأ بيَّن. فرع آخر قال ابن سريج: وهكذا لو غسل به ثوب من نجاسة فانفصل متغيرات ثم غسله مرة أخرى فانفصل غير متغير, ثم جمع الماءان فزال التغير فيه وجهان: فرع لو أصاب الثوب نجاسة فغسله مرة وعصره في إجانة وإنفصل عنه غير متغير بعد طهارة المحل, ثم غسله مرة أخرى وعصره في إجانة أخرى, ثم غسله مرة أخرى وعصره في إجابة أخرى, ثم غسله مرة أخرى وعصره في إجانة أخرى فالماء الذي في الإجانة الأولى طاهر غير مطهر, وفي الثانية والثالثة وجهان, لأنه مستعمل في طهارة مندوب إليها, وفي الرابعة طاهر مطهر قولًا واحدًا, فلو جمعت هذه المياه كلها, فإن قلنا: الأوسطان كالرابع فالكل طاهر مطهر, لأن الأول تغير مغلوبًا, وإن قلنا الأوسطان كالأول فالكل طاهر (٢٠٥ أ/١) غير مطهر, لأن الرابع يصير مغلوبًا. فرع لو غمس الثوب النجس في إناء نجسه, ولو غمسه في إناء آخر نجسه أيضًا, ولا يطهر بحال إلا أن يغمسه في قلتين من الماء أو يورد الماء عليه, وهذا هو المذهب الذي لا يجوز غيره, ومن أصحابنا من غلط, وقال: إنما تنجس به إذا لم يقصد إزالة النجاسة, فإن قصد ذلك لا ينجس ويطهر الثوب, وهذا ليس بشيء, لأنه لا اعتبار بالقصد بدليل أنه يطهر بقصد الصبي والمجنون, وإن لم يكن لهما قصد, وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: إذا فعل هذا ثلاث يطهر في المرة الثالثة وهو قول أبي يوسف. فرع آخر لو كان ثوبًا نجسًا فأخده بإحدى يديه وصب عليه بيده الأخرى ماء ترابًا, وترك تحته إناء فنزل الماء في ذلك الإناء, قال إبن سريج: أساء في جميع ذلك في الإناء إلا أنه طاهر, لأن الثوب قد طهر به, ويفارق هذا الثوب إذا صب عليه الماء ولم يعصره لا يطهر على أحد الوجهين, لأن الماء لم يفارق محل النجاسة وها هنا فارق. فرع آخر لو غسل نصف الثوب النجس كله وطهر هذا النصف الذي غسله عند أصحابنا, وقال إبن القاضي في التلخيص , لو غسل بعض الثوب كله في جفنه, ثم عاد إلى ما بقي فغسله لم يجز حتي يغسل الثوب كله دفعة واحدة, وأراد به إذا طرح بعض ذلك (٢٠٥ ب/ ١) الثوب في جفنه ثم صب عليه الماء فلا يطهر, لأن البعض الذي لم يصبه الماء هو وارد على الماء الذي في الجفنة, والنجس إذا ورد على الماء القليل نجسه, وإذا نجس الماء نجس الثوب الذي هو فيه, وصورة مسألتنا غير هذه الصورة, ومن

стр. 233

أصحابنا من قال: علة إبن القاضي في ذلك أن النصف الأول لما غسله طهر, ثم نجس بما جاوره من النجاسة, ثم إذا غسل النصف الثاني يطهر إيضًا, إلا أنه تنجس بما جاوزه من النجاسة وهو النصف الأول المغسول, وعلى هذا يظهر الخلاف بين أصحابنا في ذلك, وهذا غلط, لأم الجزء الذي يجاور اليابس ينجس والباقي لا ينجس لما روي أن النبي ﷺ قال في الفأرة, تقع في السمن الجامد: قوروها وما حولها. وعلى ما قاله ابن القاضي تنجس جميع السمن بالتعدي من جزء إلى آخر وبعض أصحابنا بخراسان اطلقوا, وقالوا: الصحيح ما قاله صاحب التلخيص, ولم يفصلوا ما ذكرنا من التفصيل, ولا شك أنه على هذا التفصيل. فرع آخر إذا غسل الثوب عن النجاسة, ثم وقعت عليه نجاسة في الحال, هل يجب غسل كلها أو غسل موضع النجاسة؟ قال بعض أصحابنا: فيه وجهان لأنه ينشر, وعلى هذا لو خرز الخف بشعر الخنزير يصير نجسًا, لأنه لا يمكن إلا بالرطوبة فلو غسل هل يحكم (٢٠٦ أ/ ١) بطهارة ظاهره؟ وجهان: أحداهما: لا يطهر لأنه لا يمكن تطهير كله, والرطوبة تتعدى. والثاني: يطهر, ويجوز أن يصلي عليه, ولو غرف رجله لا نحكم بنجاسته, ولا تتعدى النجاسة من ثقب النعل إلى الجزء المغسول, وهذا هو الصحيح عندي, واختاره الإمام القاضي الحسين ﵀ فرع آخر قال بعض أصحابنا: إذا طبخ اللحم بماء نجس فإنه يصير نجسًا, والطريق في تطهيره أن يطبخ بالماء الطاهر مرة أخرى حتى يصل الماء في الكرة الثانية إلى كل موضع وصل الماء إليه في المرة الأولى فيطهره, وعندي أنه لا يطهر, وسمعت بعض أصحابنا يقول: لابد من أن يجفف ثم يغسل حتى يصل الماء إلى باطنه فيطهر به كالأجر النجس بما لا عين له. فرع آخر العجين بالماء النجس لا يصير بالخبز طاهرًا, والطريق في تطهيره أن يقلب عليه الماء حتى ينفد ويخرج من الجانب الآخر, كما قلنا في الأجر النجس, وعلى ما ذكرنا عن بعض أصحابنا يلزمه أن يجففه أولًا ثم يصب عليه الماء هكذا. فرع آخر لو كان ثوبًا نجسًا فوضعه في طست, وصب عليه ماء حتى غمره, ثم عصره, فالثوب طاهر بلا خلاف, وإن لم يعصره ففيه وجهان: أحدهما: يطهر الثوب لأنه كأثره بالماء وغمره, فوجب أن يطهر كما لو بال رجل على الأرض قصب عليه ماء غمره فإنه يطهره.

стр. 234

والثاني: (٢٠٦ ب/١) لا يطهر, لأن غسل الثوب من البول في العادة بأن يغمره الماء ويعصره حتى ينزل الماء عن محل النجاسة فيعتبر ذلك, وبه قال أبو حنيفة: وفي الأرض ضرورة فجوزنا الأول أصح, فرع آخر لو كان إناء فيه ماء نجس أو بول, فقلب ما فيه ثم صب الماء في الإناء حتي كاثره وغمره طهر, وإن لم يقلب البول منه, ولكنه صبه فوق البول أو الماء ما كاثر به هل يطهر؟ فيه وجهان: أحدها: يطهر كما قلنا في الأرض والبئر وهو ظاهر المذهب. والثاني: أنه لا يطهر, لأن في العادة يقلب ما في الإناء ثم يغسل بخلاف البئر فإنه لا يمكن أن تقلب, ولأن النبي ﷺ قال في الكلب يلغ في الإناء: فليغرقه ثم ليغسله سبع مرات. فرع آخر لو كان على ثوبه نجاسة فغسلها وبقي بونها ولا يخرجه الماء حكم بطهارته نص عليه في (الأم) , ومن أصحابنا من قال: يلزمه أن يستعين بعين الماء من الأشنان أو الصابون, فإن تعذر إزالته هل يحكم بطهارة الثوب أو بالعفو مع النجاسة؟ وجهان, وليس كلون الحناء النجس, لأنه لون الصبغ وهذا لون النجاسة, والصحيح عندي ما تقدم, لما روى أبو هريرة ﵁ أن خولة بنت يسار قالت: يا رسول الله أرأيت إن بقى أثر الدم, فقال: الماء (٢٠٧ أ/١) يكفيك ولا يضرك أثره. وقالت عائشة ﵂ كنا نغسل الدم من الثوب فيبقى فيه أثره فنلطخه بالحناء ونصلي فيه. فرع آخر لو بقيت الرائحة, فإن لم يكن لتلك النجاسة رائحة زكية لم يطهر المحل وبقاء الريح دليل على بقاء العين, وإن كان له رائحة زكية كالخمر وبول المبرسم فيه وجهان: أحدها: لا يطهر, والثاني: يطهر وهو الأظهر, لاأنه قد تذهب العين وتبقي الرائحة, كخمر يخرج من بيت فتبقي رائحتها أياما للمجاورة, وفيه قيل قولان. فرع آخر لو بل خضابًا بنجاسة من خمر أو غيرها, فإن كان لون النجاسة باقيًا فالمحل المخضوب نجس لا يطهر حتى يذهب ذلك اللون, وإن لم يكن لون النجاسة باقيًا, ولكن بقي لون الخضاب فيه وجهان: أحدها: نجس, لأن الخضاب صار نجسًا, ويدل بقاء لونه على بقاء النجاسة, والثاني: طاهر, لأن نجاسة الخضاب هي نجاسة مجاورة,

стр. 235

وهذا اللون لون عرض الخضاب لا تحله النجاسة, وإذا قلنا بالأول لا ليزمه طبق اللحية, بل يمكن حتى يتصل لونه لأنه يزول لا محالة, ثم أعاد الصلاة, وإن كان على بدن, فإن كان يزول كالحناء فعلى ما ذكرنا, وإن كان لا يزول كالوشم بالنيل, فإن أمن التلف في كشطه فإنه يلزمه كشطه بخلاف الشعر, لأن ذلك يجوز (٢٠٧ ب/١) , وإن كان يخاف التلف من كشطه فإن كان يجزه أكرهه على الخضاب به وأقره, وأن كان هو المختضب فهل يجب إزالته؟ وجهان مخرجان من الوجهين في واحد العظم النجس إذا خاف التلف من نزعه. مسألة: قال: (واحتج في جواز الوضوء بفضل ما سوى الكلب والخنزير عن رسول الله ﷺ أنه سئل أنتوضأ بما أفضلت الحمر؟ قال: نعم وبما أفضلت السباع كلها). وهذا كما قال: الحيوانات ما عدا الكلب والخنزير وما توالد منهما أو من أحدهما طاهرة الذات والسؤر والعرق, سواء كان مما يؤكل أو مما لا يؤكل, من البغل, والحمار, وحشرات الأرض, وجوراح الطير, والأسد,. والذئب, وبه قال عمر, وعمرو بن العاص, وأبو هريرة, ومالك ﵃ وقال أبو حنيفة: الأسأر على أربعة أضرب, ضرب نجس وهو سؤر الكلب والخنزير والسباع كلها, وضرب مكروه, وهو حشرات الأرض وجوارح الطير والهر, وضرب مشكوك فيه, وهو سؤر الحمار والبغل, وضرب طاهر غير مكروه وهو سؤر كل حيوان يؤكل لحمه, وحكي عن أحمد أنه قال: كل حيوان يؤكل لحمه فسؤره طاهر وكذلك حشرات الأرض والهر, وفي السباع روايتان, إحداهما (٢٠٨ أ/١) طاهر, والثانية: نجس, وكذلك في البغل والحمار روايتان أصحهما أنه نجس, والثانية مشكوك فيه. واحتجوا بما روي عن ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ سئل عن المياه تكون بأرض الفلاة تمر بها السباع والذئاب فقال: إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شيء ولأن لبثه نجس فكذلك سؤره وهكذا غلط للخبر الذي ذكرنا واحتج الشفعي بحديث أبي قتاة في الهرة أن النبي ﷺ قال: إنها ليست بنجسة , وعامة ما روي عن كبشة بنت كعب امرأة أبي قتادة ﵂ أن أبا قتادة دخل فسكبت له وضوءًا, فجاءت هرة شربت منه, فأصغى لها الإناء حتى شربت, قالت كبشة: فرآني أنظر إليه فقال: أتعجبين يا بنت أخي؟ فقلت: نعم فقال: إن رسول الله ﷺ قال: إنها ليست بنجسه إنها من الطوافين عليكم والطوافات.

стр. 236

وروي أنه قال: كنت أسكب الوضوء لرسول الله ﷺ فدنت الهرة, فأصغى لها الإناء فشربت, ثم قال هذا, فذلم لطهارة سؤرها بطهارة عينها, وقد ثبت ان ما سوى الكلب والخنزير طاهرة الأعيان, فاقتضى ذلك أن تكون طاهرة الأسار, وقد جعل الشافعي هذا الاستدلال بعينه علة في المسألة, فقال: ولعاب (٢٠٨ ب/١) الدواب وعرقها قياسًا على بني آدم, واحتج أيضٌا بقوله ﷺ : إذا سقط الذباب في الإناء فاملقوه, وتمام الخبر فإن في أحد جناحيه داء, وفي الآخرة دواء, وإنه تقدم الداء , وروي: فإن في أحد جناحيه سمًا, وفي الآخر شفاء, ووجه الاستدلال منه ما أشار إليه الشافعي من بعد, وهو أن الذباب لما أمر رسول الله ﷺ بمقله في الإناء دل على أنه ليس في الأحياء نجاسة إلا فيما وصفنا. وروى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ كان يأتي أهل بيت من الأنصار فيدخل عليهم, وكان بقربهم أهل بيت لا يدخل عليهم, فشق ذلك عليهم قالوا: يا رسول الله تدخل على بيت فلان ولا تدخل علينا, فقال: إن في بيتكم كلبًا فقالوا: يا رسول الله فإن في البيت الذي تدخل عليهم سنورًا فقال: إن السنور سبع وهذا إشارة إلى أنه ليس بنجس كسائر السباع. وروي عن جابر بن سمرة قال: رجع رسول الله ﷺ من جنازة أي الدحداح على فرس عري , والعري في غير ابن آدم هو كالعريان في ابن آدم, ووجه الدليل أنه لا يخلو عن العرق في حر الحجاز, فإن ثبت طهارة عرقه من غير كراهية كذلك سؤره, ولا حجة في (٢٠٩ أ/١) خبرهم, لأن الكلاب والخنازير هي داخلة في اسم السباع, ولأن الغالب أن السباع إذا ورت الماء بالت فيه وراثت, فلهذا أجاب بما أجاب. وأما اللبن قال جمهور أصحابنا: لا خلاف أنه يحرم شربه, وهل هو طاهر؟ فيه وجهان, أحدها: هو طاهر كاللعب, وهو اختبار الأصطخري, والثاني: وهو الصحيح المنصوص أنه نجس, لأن اللبن معتبر باللحم فيما لا يمنع من أكله لحرمته, واللعاب لا يعتبر بتحريم الأكل بدليل سباع الطير والحشرات, ولهذا إن جوارح الطير بيضها نجس وسؤرها طاهر, قال ابن القطان من أصحابنا: هل يحل شربه؟ وجهان أحدها: ما ذكرنا, والثاني: يحل لأن الحمار كان مباح اللحم واللبن فورد الشرع بتحريم اللحم, ولم يرد النص في لبنه, وهذا ليس بشيء, والدليل على أن سؤر الهرة لا يكره خلاف قول أبي حنيفة, ما روى أن هرة أكلت من هريسة بين يدي عائشة ﵂ ثم أكلت عائشة من حيث أكلت الهرة, وقالت إن رسول الله ﷺ ثم أكلت عائشة من حيث أكلت الهرة, وقالت إن رسول الله ﷺ قال (إنها ليست

стр. 237

بنجسه) وقد رأت رسول الله ﷺ يتوضأ بفضلها, فإن قيل: هي تأكل النجاسات؟ قيل: والنصراني يشرب الخمر ولا يكره سؤره. مسألة: قال: (وغمس الذباب في الإناء ليس (٢٠٩ ب/١) يقتله) الفصل إلى أن قال: " فإن مات ذباب أو خنفاء أو نحوهما في الماء نجسه" وهذا كما قال أراد به أن النبي ﷺ قال في الذباب: "فامقلوه" فأمر بمقل الذباب في الإناء ولم يرد به قتله فإن قتله تنجس الماء أو الطعام, والمقصود من هذا بيان ما يموت من الماء أو في غيره من الحيوان, وجملته أن الحيوان على ضربين نجس, وطاهر, فالنجس الذي ذكرنا حكمه, وأما الطاهر فضربان, أحدها: ما يحل أكله بعد موته كالسمك والجراد, سواء كانت له نفس سائلة, كالسمك الكبار, أو لا نفس له سائلة لا ينجس الماء لا في حياته ولا بعد وفاته, ولا ينجس هو بالموت, والثاني: ما يحرم بالموت وهو على ضريين, ماله نفس سائلة وما لا نفس له سائلة, فما له نفس سائلة هو على ضريين آدمي وغير آدمي, فالآدمي هل ينجس بموته؟ قولان فإذا قلنا: ينجس فمات في قليل من الماء ينجسه إلا فلا, أما غير الآدمي فإنه ينجس بموته وينجس الماء قولًا واحدًا. وأما ما لا نفس له سائلة فهو على ضربين, ما يخلق من نفس الشيء كدود الخل, والماء, والجبن, والبق, وما خلق لا من نفسه كالذباب, والزنابير, والعقارب, والأوزاغ ونحو ذلك, فبالموت ينجس كله, ثم ينظر فيه مإن مات فما خلق منه كان (٢١٠ أ/١) معفوًا عنه قولًا واحدًا, وإن نقل عنه إلى غيره فالحكم فيه ومما لم يخلق منه سواء, فهل ينجس به ذلك؟ فيه قولان: أحدها: قال في القديم: لا ينجسه, وهو اختبار المزني وكافة العلماء, وهو الأصح عندي للخبر الذي به ذكرنا في الذياب إذا وقع في الطعام, وروى سلمان الفارسي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال له (يا سلمان كل طعام وشراب وقعت فيه دابة ليس لها دم فهو حلال أكله وشربه والوضوء منه) , ولأنه يشق الإحتراز منه فعفى عنه, والثاني: أنه ينجسه قال في (الجديد): وهو ظاهر المذهب, قال إبن المنذر: لا أعرف أحدًا قال ذلك غير الشافعي, وقال القاضي الطبري: وهذا هو قول محمد بن المنكدر, ويحيى بن أبي كثير, ووجهه أنه حييوان لا يحل أكله لا لحرمته فكان نجسًا بعد موته كالذي له نفس سائلة, وإذا ثبت نجاسته ثبت أنه ينجس به الماء القليل. وقال القفال: القولان في أنها هل تنجس بالموت وهل تنجس أيضًا وهذا أقيس وعلى هذا في روثه هل هو طاهر؟ وجهان, وقال أهل العراق: هذا مذهب مالك أنها

стр. 238

لا تنجس ويحل أكلها, ولا خلاف بين أصحابنا أن كلها تنجس بالموت أكلها حرام. فرع الحية والوزغ هل هي ذات نفس سائله؟ قال الدراكي وأبو حامد: (٢١٠ ب/١) هي ذات نفس سائلة, وقال أبو الفياض, وأبو القاسم الضميري: ليست بذات نفس سائلة. فرع أما إذا مات في الماء غير الحوت مما يكون عيشه في الماء, إن قلنا: إنه لا يحل أكله لا ينجسه, وكلب الماء وخنزيره والسلحفاة والسرطان والحية طاهر يؤكل في أحد القولين, ذكره بعض أصحابنا: وهذا في الحية غريب. فرع الصفدع يحل أكله قولًا واحدًا, ولكنه لا دم فيه فهل ينجس الماء القليل إذا مات؟ فيه؟ قولان, وهل ينجس في نفسه؟ فيه طريقان على ما ذكرنا. وقال بعض أصحابنا: الضفدع دم سائل ينجس الماء قولًا واحدًا, وقال أبو حنيفة: لا ينجس الماء شيء يكون عيشه في الماء قياسًا علي السمك, وهذا غلط, لأنه حيوان له دم سائل فأشبه البري. فرع إذا قلنا لا ينجسه فوقع فيه كثير حتى غير أحد أوصافه لونه أو طعمه أو ريحه, حكى أبو حفص عمر بن أبي العباس عن أبيه في وجهين: أحدها: نجسه, لأنه تغير بالنجاسة ويمكن الإحتراز منه, والثاني, وهو الأقيس: لا ينجسه لأنه لو نجسه إذًا غيره ينجسه من غير تغيير, لأن في الماء القليل لا يعتبر التغيير. فرع آخر قال أصحابنا: بخراسان: في دود القز إذا مات هل ينجس؟ قولان, وكذلك القولان في بزره وروثه, وفائدة القولين جواز (٢١١ أ/١) الصلاة معه, وجواز بيعه ووجوب ضمانه إذا أبلغه, والسم القاتل إن كان من نبات فهو طاهر, وإن كان من الحية فنجس وكذلك الترياق, إن كان فيه لحم الحية فهو نجس. فرع آخر البهيمة إذا تناولت الحب وخرج منها بعينه, قال أصحابها: إن كانت صلابته باقية بحيث لو زرع نبت لم تكن عينه نجسة ويجب غسل ظاهره, كما لو ابتلع النوى وخرج منه, وإن لم تبق صلابته كان نجسًا. فرع دم الحوت هل هو نجس، أو طاهر؟ وجهان: أحدهما: وهو ظاهر أنه نجس، ولكن مع هذا يحل أكله ميتًا، كما لو طعن صيدًا

стр. 239

ولم يخرج منه إلا دم قليل قبل أن يصل إليه الذاع حل أكله، وإن بقى الدم في أجزائه. والثاني: أنه طاهر، وبه قال أبو حنيفة؛ ليس بدم حقيقة بل هو ماء أحمر لأن الدم يسود إذا أصابته وها لا يسود، ومن أصحابنا من قال: إن قلنا هو رطوبة شبه الدم فهو طاهر وجهًا واحدًا، وإن قلنا إنه دم ففيه وجهان، وهذا الخلاف من ورثه وبوله، والفتوى عندي أن الكل طاهر؛ لأنه رخص في ابتلاعه حيًا وأكله ميتًا، فلا وجه للحكم بنجاسة شيء منه، ثم ختمك المزني هذا الباب بما مضى بيانه فلا نعيد. فرع آخر سؤر الفرس لا يكره وه طاهر، وقال أبو حنيفة: يكره وهذا خطأ لأنه حيوان يجوز بيعه كالشاة (٢١١ ب/ ١). باب الماء الذي ينجس والذي لا ينجس قال الشافعي: أَخْبَرَنَا الثَّقةُ عَنْ الْوّلِيدِ بْنِ كَثِير، وَذَكرَ الْخَبَر)) وهذا كما قال، وقد ذكرنا حك الماء إذا ورد على النجاسة، والكلام الآن في النجاسة إذا وردت على الماء، وفي بيان القدر الذي ينجس، والذي لا ينجس، فلا خلاف بين العلماء في الماء إذا تغير بمخالطة النجاسة أنه ينجس، وإن كان كثيرًا راكدًا أو جاريًا، وأما إذا لم يتغير اختلفوا فقال ابن عباس، وحذيفة، وأبو هريرة، والحسن، والنخعي، وسعيد بن المسيب، وعكرمة، وأبن أبي ليلى، وحماد بن زيد، والقاسم بن محمد، ومالك، والأوزعي، والثوري- ﵃:- لا ينجس قليلًا كان أو كثيرًا. وبه قال داود، وأهل الظاهر، واختاره ابن المنذر، وهو اختياري واختيار جماعة من العلماء الذين رأيتهم بخراسان والعراق. وحكى عن داود أنه قال: إذا بال في الماء الراكد ولم يتغير فإنه لا ينجس، ولا يجوز أن يتوضأ منه للخبر، ويجوز لغيره أن يتوضأ منه، وإذا تغوط فيه ولم يتغير لا ينجس ويتوضأ هو منه وغيره، وإن بال على الشط فجرى البول إلى الماء جاز له التوضئ منه إذا لم يتغير، وخطأه في هذا بين لا يحتاج إلى الدلالة عليه. واحتجزوا بما روى، عن النبي ﷺ أنه قال: "خلق الله (٢١٢ أ/ ١) الماء طهورًا لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو ريحه". وروى أبو أمامه أن النبي ﷺ قال: لا ينجس الماء إلا ما غير طعمه أو ريحه". وروى عن أبي سعيد الخدري- ﵁ قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ فمررنا بغدير فيه شاة ميتة فامتنعنا أن نشرب منه، أو نتوضأ فقال:

стр. 240

" (توضؤوا) واشربوا فإنه لا ينجس الماء شيء". وقال خبر القلتين ضعيف لأنه رواه محمد بن جعفر. وقال يحي بن معين: كان محمد هذا مغفلًا، ولو صح فقد ورد مورد التقريب لا التحديد، بدليل ما روى أنه ﷺ قال: "إذا زاد الماء عن قلتين أو ثلاثة فإنه لا ينجس" ويقيسون على الكثير. واحتج الشافعي عليهم بالخبر وهو قوله "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل نجسًا وروى "خبثاً" فدل على أن ما دون القلتين ينجس. وروى أن النبي ﷺ قال: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا فإنه لا يدري أين باتت يده" فأمر بغسل اليدين قبل إدخالهما الإناء خوفًا من النجاسة على يده. فدل على أنه لو تيقن النجاسة يفسد الماء به. وأما خبرهم الذي ورد في بئر بضاعة وماؤها وكانت قلالًا كثيرة. وقد روى أبو سعيد الخدري أنه قيل (٢١٢ ب/ ١): يا رسول الله إنك تتوضأ من بئر يطرح فيها الحيض ولحم الكلاب والنتن. فقال: "الماء طهور لا ينجسه شيء ". وري أنه قيل: يا رسول الله: إنك تتوضأ من بئر بضاعة وهي تطرح فيها المحايض، ولحوم الكلاب، وما ننجي الناس الغائط. وقال أبو داود: قدرت بئر بضاعة برداي- أي مددته عليها- ثم ذرعته فإذا عرضها ستة أذرع وسألت من أدخلني إليها هل غير بناؤها عما كانت عليها؟ فقال: لا، وسألت قمها عن عمقها، فقال: تكون عند الكثرة إلى الغاية، وإذا نقص تكون دون العورة، أو نحمله على الكثير بدليل ما ذكرناه، ولا يصح القياس على الكثير، لأنه قوي بكثرته، فقدر على دع النجاسة عن نفسه، وقد يكون الكثير قوة ليست للقليل كالشاهدين لا يثبت بأحدهما ما يثبت بهما. وقال أكثر العلماء: يفضل بين الماء القليل والكثير في هذا الحكم، إلا أنهم اختلفوا في التفصيل. فقال ابن عمر، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وأبو عبيد. وروى بعض أصحابنا هذا عن ابن عباس، وأبي هريرة، وأحمد، وإسحاق. وفيه نظر. قال عبد الله بن عمرو بن العاص: يحد بأربعين قلة، والقلة منها كالجرة (٢١٣ أ/ ١). وقال محمد بن سيرين، ومورق بن الأجدع، ووكيع بن الجراح يحد بكر، والكر عندهم: هو أربعون قفيز اثنان وثلاثون رطلًا.

стр. 241

وقال أبو حنيفة في الصحيح في الروايات: كل ما خالطه نجاسة نجس حتى لو وقع في بحر نجاسة فإنه نجس ما يلي موضع وقوع النجاسة، وما لا تخلص إليه النجاسة فإنه طاهر، ومنهم من قال: إذا بلغ الماء عشرًا في عشر في عمق بئر لا ينجس لوقوع النجاسة فيه، وإن كان دونه تنجس، ومنهم من قال: إذا بلغ قدرًا لو حرك أحد جوانبه لم يتحرك الجانب الآخر لا ينجس، وإلا نجس، وهذا ليس بتحديد حقيقة بل جعله أمارة على وصول النجاسة إليه، وهذا كله غلط لما ذكرنا من الخبر المعروف. وقوله في خبر ابن عمر: "لم يحمل خبثًا" أو قال: "نجسًا" شك الراوي وقوله: في بشر بضاعة وهي تطرح فيها المحايض تطرح في بطن الوادي فيسل بها السيل إلى البئر. وقيل: معناه أن المنافقين والمشركين كانوا يطرحونها فيه علمًا منهم بأن رسول الله ﷺ يتوضأ بمائها، ثم قال الشافعي: ومعنى قوله: "لا ينجسه شيء" إذا كان كثيرًا قصد به الرد على مالك وجماعة، وذكر في الخبر الطعم والريح، ولم يذكر اللون فذكره الشافعي وألحقه بهما (٢١٣ ب/ ١)، لأنه في معناهما، ثم ذكر بعد هذا موضع آخر حجة أبي حنيفة، وهي ما يروى عن ابن عباس- ﵁ "أنه نزح زمزم من زنجي مات فيها"، وأجاب عنه بخمسة أجوبة نقلها المزني في سطرين على الاختصار: أحدهما قوله: لا نعرفه وزمزم عندنا يعني نحن من أهل مكة، وزمزم بمكة فلا نعرف هذا الخبر، فكيف عرفه أهل الكوفة بالكوفة. والثاني: قوله: وروى عن ابن عباس أنه قال: أربع لا يجنب فذكر الماء منها. قال صاحب "الإفصاح" معناه: لا ينجس فكأنه عارض تلك الرواية بهذه، إلا أنه قد قيل: هذه المعارضة لا تصح؛ لأن ابن عباس أراد به لا ينجس من الجبث، ولا الثوب الذي يلاقيه، ولا المكان الذي هو عليه، ولا الماء الذي يماسه. وقيل معناه: لا ينجنب منهن بالشك في نجاستين. والثالث: قوله: وهو لا يخالف النبي ﷺ أراد: أنَّا روينا عن ابن عباس ما روينا في بئر بضاعة بابن عباس أنه يخالفه. والرابع: قوله: وقد يكون الدم ظهر فيها فنزحها إن كان فعلها، وهذا تأويل منه للخبر إن ثبت، كأنه يقول يحتمل أن الزنجي لما سقط في البئر دمى بعض بدنه (٢١٤ أ/ ١) منه وظهر لون دمه في الماء فلذلك نزح. والخامس: قوله: "أو ننظف لا واجبًا" يريد تأويلًا آخر، وهو أنه نزع لا لنجاسة بل تنظفًا وتطييبًا للنفوس؛ لأنه ماءه يعد للشرب غالبًا. فإذا تقرر هذا فذكر حد القلتين. قال الشافعي: روى في الخبر بِقِلاّلِ هَجِر، قال ابن جريح: وقد رأيت قلال هجر، فالقلة تسع قربتين أو قربتين وشيئًا. وقال الشافعي: والاحتياط أن نجعل قربتين ونصفًا؛ لأن الشيء هو عبارة عن أقل من النصف، فالقلتان خمس قرب، وقرب الحجاز كبار تسع كل قربة مائة رطل من الماء، فيكون ماء القلتين

стр. 242

خمسمائة رطل بالبغدادي، وأول من حد كل قرية بمائة رطل من أصحابنا إبراهيم بن جابر، وأبو عبيد ابن حربوية وتابعهما سائر أصحابنا، وإنما قال: بقلال هجر لأنهما تعمل بقرية من قرى المدينة تسمى هجر، وليس بهجر البحرين. وقيل: سميت بذلك لأنها تعمل بقرية من قرى المدينة تسمى هجر، وليس بهجر البحرين. وقيل: سميت بذلك لأنها عملت على مثال قلال هجر، كما يقال ثوب مروى، وإن عمل بالعراق وهذه القلة تعمل بالمدينة ولكنها تنسب إلى هجر؛ لأن ابتداء عملها كان يهجر كما يسمى الثوب مرويًا لأن ابتداءه حمل من مرو، وهل هو تحديد أو تقريب؟ فيه وجهان: أحدها: أنه تقريب، فإن نقص منه رطل أو رطلان لا يؤثر؛ لأن الشافعي (٢١٤ ب/١) قال: والاحتياط أن تكون القلتان خمس قرب. والثاني: وهو اختيار أبي إسحاق أنه تحديدًا؛ لأنه لما وجب أن يجعل الشيء نصفًا احتياطيًا وجب استيفاؤه، كما انه لما وجب أن يغسل شيء من الرأس عند غسل الوجه احتياطيًا وجب استيفاؤه لغسل الوجه، صار ذلك فرضًا وهذا أظهر، فعلى هذا لو نقص منه شيء، وإن قيل: تنجس لوقوع النجاسة فيه وقال أبو عبد الله الزبيري: القلتان ثلثمائة منا وهو اختيار القفال؛ لأن القلة هي ما يستقله حمار، وكذلك الوسق. وقيل: بعير العرب ضعيف لا يحمل أكثر من وسق، ولا خلاق أن الوسق هو ستون صاعًا، وذلك مائة وستون منًا، فالوسقان ثلثمائة وعشرون منًا، فتصرف للأوعية والحبال عشرون منًا فيبقى ثلثمائة منًا. وقال القفال: لم يذكر الشافعي مقدار كل قربه، ومن أصحابنا من قال: كل قربة مائة من، فجملته خمسمائة منًا. ومنهم من قال: مائتان وخمسون منًا وهو قول الأكثرين، وهذا أصح، ولا يصح ما ذكره القفال، لأن الشافعي نص وقال: "القربة بالحجاز تسع مائة رطل". فرع لو وقع رطل بول في قلتين من الماء فالماء طاهر، والمذهب أنه لا يجوز جميعه، ومن أصحابنا من قال: فيه وجهان (٢١٥ أ/ ١). أحداها: هذا، والثاني: يتوضأ بجميعه حتى يبقى رطل ثم يتركه لأنه يتيقن حينئذ استعمال النجاسة، وشبه هذا بما لو حلف لا يأكل تمره فاختلطت بثمرات له أكل كلها إلا تمره، وهذا ليس بشيء لأن التمر جامدة لا تختلط، ويجوز أن تكون الباقية هي المحلوف عليها بخلاف مسألتنا؛ لأن البول اختلط بأخر الماء، ولا يجوز أن يكون الرطل الباقي في جملة البول. مسألة: قال: وَإِنْ كَانَ المَاءِ قِرَبِ مِنْ قَرِبَ الْحِجَازِ". الفصل وهذا كما قال فرع الشافعي على الأصل الذي ذكرناه ثلاث مسائل:

стр. 243

(إحداها): الماء الكثير إذا لم يتغير بالنجاسة، والثانية: إذا تغير بماذا يطهر؟ والثالثة: إذا كان قليلًا فنجس من غير تغير بماذا يطهر؟ وهو قوله:"وإذا كان قلتين فخالطته نجاسة ليست بقائمة فيه" إلى آخر الفصل. وذكر الشافعي في "الأم" الماء الراكد والماء الجاري، فنقل المزني حكم الماء الراكد وترك حكم الماء الجاري، ونحن نذكرهما، وجملته أن الماء ضربان راكد، وجاري، فالراكد أن يكون في مصنع أو بئر، فإذا وقعت فيه نجاسة لا تخلو، إما أن تكون نجاسة جامدة أو مائعة، فإن كانت جامدة كالفأرة والعصفور، وقطعة لحم من الميت أو عظمه فلا يخلو من ثلاثة أحوال: إما أن يكون فوق (٢١٥ ب/ ١) القلتين، أو وفق القلتين، أو دون القلتين. فإن كان فوق القلتين لا يخلو، إما أن يكون بتغير أو لم يتغير، فإن لم يتغير فهو على الطهارة، وإن تغير نجسه وهو يطهر بأحد أربعه أشياء. إحداهما: أن يزول تغيره بطول المكث بمرور الزمان، أو هبوب الرياح به. قال القفال: أو بنبات شيء فيه مقل الكلأ ونحوه، وحكى عن الأصطخري أنه قال: إذا زال تغيره بنفسه لا يطهر، لأن نجاسته ثبتت بوارد فلا تزول إلا بوارد بخلاف نجاسة الخمر إذا صار خلًا. والثاني: أن يصب عليه ماء, والثالث: أن ينبع الماء فيه. والرابع: أن يستقي بعضه حيث لا ينقص عن قلتين، وهذا لأن كل حكم تعلق بعلة زال بزوالها، والعلة في نجاسته التغير ههنا، وقد زال ذلك، وإن صب فيه تراب أو جص أو ثورة فزال به التغير، فيه قولان نص عليهما في رواية حرملة. أحداهما: يطهر وهو اختيار المزني وهو القياس؛ لأنه لو كان في الابتداء ماء كدرًا فلم يتغير لونه لمخالطة النجاسة لتكدره، ثم ننجس فكذلك إذا تغير لونه بالنجاسة عند صفائه، ثم زال التغير بالتكدر وجب أن يطهر؛ ولأن التغير زال فأشبه إذا زال بنفسه وتفارق هذا إذا زال التغير بالكافور والمسك، وهذا أصح عند (٢١٦ أ/ ١) جماعة أهل العراق. والثاني: لا يطهر نصف عليه في "الأم" لأنه أزال التغير بوارد لا يزيل النجاسة، فأشبه إذا طرح فيه المسك وهذا أصح عند جماعة أصحابنا بخراسان؛ ولأنه يجوز أن يكون التغير باقيًا، ولكن التراب أخفاه. وقال أبو حامد: القولان فإما تغير التراب فلا يطهر قولًا واحدًا. والأول أصح، ونقل المزني وحرملة النورة صريحًا، وذكرًا فيه القولين. وقال بعض أصحابنا: إذا طرح فيه التراب فإنه صفًا ولم يكن تغير يحكم بطهارته؛ لأن التراب جذب النجاسة إلى نفسه، وفارق أجزاء الماء، وقيل: إن يصفوا هل يحكم بطهارته؛ وجهان، والأصح أنه لا يطهر لأن زواله لم يتحقق، فإن لون التراب غلبه، وربما إذا صفًا كان متغيرًا، ولا

стр. 244

يحكم بالإباحة إذا وقع الشك في سببها. فرع لو لم يكن للنجاسة ريح، ولا لون، ولا طعن، فوقعت في قلتين من الماء نعتبر قدرًا لو كان لها أحد الأوصاف فظهر بخلاف العين الطاهرة إذا خالطته يعتبر فيها الغلبة على أحد الوجهتين، لأن الطاهر لا يضاد الماء بخلاف النجاسة فلا يمكن اعتبار الغلبة فيها، ولهذا لو تغير النجاسة أدنى تغير يعتبر ذلك، وأدنى التغير بالظاهر لا يمنع الطهارة، وإن كان الماء وفق القلتين نُظر، فإن لم يتغير فهو طاهر، وإن كان متغيرًا فهو (٢١٦ ب/ ١) نجس، ويطهر بأحد ثلاثة أشياء، أن يزول بغيره بطول المكث أو بأن ينبع فيه ماء أو يصب فيه ماء، أو يصب عليه الماء، وإن صب فيه تراب أو جص ففيه قولان، ولا يجئ أن يسقي بعضه أنه ينقض عن قلتين، وإن كان الماء دون القلتين فهو نجس تغير أو لم يتغير، فإذا أخرجت النجاسة عنه طهر بأحد أمرين، فغنه ينبع فيه ماء أو يصب عليه فيكاثره حتى يغلبه، والمكاثره بأن يقلب فوقه من الماء سبعة أضعافه فيطهر، وغن لم يبلغ قلتين لأنه ماء قليل فيه نجاسة، ويفارق الثوب والإناء، وهذا لأن الماء إذا نبع فيه أو صب عليه، فقد ورد الماء على النجاسة، ولا فرق بين وروده من فوقها، أو من تحتها. ذكره ابن شريج. ومن أصحابنا من قال فيه وجهان: أحدهما: لا يطهر ما لم يبلغ قلتين؛ لأنه ماء قليل فيه نجاسة، ويفارق الثوب والإناء، لأن الماء ينزل عنه فيطهره، وهذا اختيار القفال. والثاني: يطهر، وقال أبو حامد: والصحيحان ههنا يطهر وجهًا واحدًا بخلاف الإناء؛ لأنه يمكنه أن يريق ما فيه بخلاف هذا، وهذا لا يقوى، لأن ها هنا أيضًا يمكنه أن يبلغ قلتين. فإذا قلنا: يطهر وهو المذهب المشهور فهذا الماء طاهرًا غير طهور؛ لأنه مستعمل في إزالة النجاسة (٢١٧ أ/ ١)، ويجيء فيه قول ابن خيران أنه يجوز التوضيء، وإن كان كاثره حتى يبلغ قلتين جاز استعمال جميعه. ومن أصحابنا من قال: يبقى به القدر النجاسة وليس بشيء، وإن كان الماء دون قلتين متغيرًا، فالنجاسة اعتبرنا زوال التغيير والمعاودة بالماء معًا وإذا لم يكن متغيرًا اعتبرنا المكاثره فقط على ما ذكرنا. فرع لو وقعت النجاسة في ماء وفق القلتين فأزال عنه النجاسة استعمله كيف شاء، وإن أراد أن يأخذ منه الماء للاستعمال مع بقاء النجاسة فيه، قال أبو العباس، وأبو إسحاق: لا يمكن ذلك لأنه إذا غرق فيه بقيت النجاسة فما بقى بالمأخوذ نجس أيضًا؛ لأنه ماء واحد فلا يكون بعضه طاهرًا وبعضه نجسًا، والمذهب أنه يمكن ذلك. وبه قال الأصطخري، وحكاه القاضي الطبري عن أبي العباس- وهو الأظهر عنه- وذلك حكاه

стр. 245

أبو حامد عنه، وهذا لأن الكل طاهر، وهناك عين نجاسة قائمة، فإذا رغب الإناء في الماء، فالكل طاهر، فإذا غرف الإناء بعضه لا يخلو إما أن تكون النجاسة في الدلو أو في البئر، فإن كانت في البئر وغرف الماء غرف لا شيئًا فشيئًا فالماء الذي في الدلو طاهر وباطن الدلو طاهر، وظاهر الدلو وما بقى في البئر طاهر، فإن قطر منه ماء نظرات، فإن كان من ظاهر الدلو لم (٢١٧ ب/ ١) يضره، وإن كان من باطن الدلو نجس كله. فرع لو كان الدلو نجسًا مثل أن يكون متخذًا من جلد كلب أو جلد ميتة غير مدبوغ أو مدبوغ وعليه شعر، والشعر إلى ظاهر الدلو، فالماء كله نجس لأنه وإن غرف النجاسة فيه نجس ما بقى بظاهر الدلو، وهكذا الوجهان فيه إن كان هذا الماء في إناء ينجس كجلد كلب أو نحوه، وأراد أن يستعمل شيئًا منه. فإن قلنا بقول أبي إسحاق: فلا سبيل إليه، وإن قلنا بالمذهب والدلو طاهر نُظر، فإن غرف النجاسة في الدلو فالكل تنجس، لأن الباقي في إناء نجس، وإن لم تغرف النجاسة فيه فباقي الدلو طاهر والباقي نجس. فرع آخر لو أدلى دلوًا في قلتين من الماء، وفي باطن الدلو بلل نجس، فإن انغمس في الماء طهر كله لأنه صار باقي الدلو، وما في البئر واحد فيصير البلل مستهلكًا، وإن دخل الماء في الدلو قليلًا قليلًا ولم ينغمس فيه فما في الدلو نجس، وإن تقاطر منه إلى البئر فما في البئر هو نجس أيضًا، وعلى هذا الذي ذكرناه. لو ولغ الكلب في إناء ماء أقل من قلتين نجس الماء والإناء، فإن صب فيه ماء آخر حتى بلغ قلتين فإن الماء طاهر، والإناء نجس، لأن الماء قد بلغ حدًا لا يحمل النجاسة، والإناء لا يطهر إلا بأن يغسل سبع مرات إحداهن بالتراب (٢١٨/ ١) على الصحيح من المذهب، فإن أخذ بعضه فنقص عن القلتين، فإن ما بقى في الإناء تنجس بلا خلاف، والماء الذي أخذه هل هو نجس أم لا؟ على ما ذكرنا. فرع آخر لو غمس جرة من الماء النجس في ماء ناقص عن قلتين واتصل الماء بالماء والكل قلتان، هل يحكم بطهارة ماء الجرة؟ وجهان: أحدهما: يحكم بطهارته لأن الاتصال قد وجد. والثاني: لا يحكم بطهارته، لأن ماء الجرة كالمفردة عنه ولهذا لو كان جاز إلا نزول جراته، وهكذا لو كان الجرة طاهرًا وغمسه في قلتين من الماء النجس إلا قدر جره هل يحكم بطهارته؟ وجهان. فرغ لو كان الماء فوق القلتين نُظر، فإن أزال عنه النجاسة استعمله كيف شاء، وإن ترك

стр. 246

فيه النجاسة فغرف منه نُظر، فإن كان بين النجاسة وبين موضع الغرف قلتان فصاعدًا فهو طاهر، وإن كان بينهما. دون القلتين. قال أبو إسحاق: ما غرف نجس ولا سبيل إلى استعمال ما يغرف إلا أن يكون الماء في موضع واسع مثل البول الكبار والمصالع من كل جانب من النجاسة القائمة قلتين، ثم يأخذ الماء وراء ذلك، فأما في الآبار الضيقة لا يمكن ذلك، والمذهب أنه طاهر؛ لأنه لا يجوز أن يكون كل الماء طاهر فيأخذ بعضه فيكون نجسًا، ويجوز أن يأخذ من أي موضع أراد قرب من النجاسة (٢١٨ ب/ ١) أو بعد عنها ما لم ينقص الماء عن قلتين، فإذا نقص لا يجوز استعماله؛ لأنه صار نجسًا بالنجاسة القائمة فيه. وقال القفال: فيه قولان أحدهما: قاله في "القديم" ماء غرفه طاهر وهو الصحيح وعليه الفتوى. والثاني: قاله في "الجديد" أنه نجس، وقال القفال: لم أسمع لذلك حدًا وكيفيته في اعتبار القلتين والذي أذهب إليه أنه يعتبر ما بينه وبين موضع النجاسة في مثله من الغرض، وفي مثله من العمق، فإن بلغ قلتين وإلا تباعد شيئًا وزاد في العرض والعمق مثله، فإن بلغ قلتين وإلا زاد لذلك أيضًا، وإن لم يكن له عمق زاد في العرض والطول بالسوية في جميع ما عد من العرض إذا لم يفعل كذلك، فالقليل من الماء إذا أخذ في جميع عمقه البحر بلغ قلالًا. فرع آخر قال في "الأم": ولو أخرج النجاسة منها في دلو وأريق الماء الذي معهما لأنه أقل من خمس قرب واجب إلى لو غسل الدلو، فإن لم يغسل ورد في الماء الكثير طهره الماء الكثير. فرع آخر لو نجس البئر بتغير الماء بالنجاسة فنزح فنقص عن القلتين ولم يذهب التغير، فعليه أن ينزح كل الماء ويغسل قعر البئر، وكل ما أصابه هذا الماء النجس من حوالي البئر، ولا يلزمه أن ينزح الغسالة لو غسل أرضًا (٢١٩/ ١) بالغسالة طاهرة لا يلزم إزالتها، وإن لم ينزح ولكن زاد فيه الماء حتى ذهب التغير وبلغ قلتين، فقد بينّا أنه طاهر، وإن كانت النجاسة مانعة فالحكم فيه لو كانت جامدة فأزالتها منه حرفًا بحرف على ما مضى إلا في موضع واجد وهو أنه إذا كان الماء في موضعين وهما قلتان فحصلت فيهما نجاسة مانعة فقد نجسا بحصولها فيهما، فإذا جمعا وصارا قلتين طار الماء طاهرًا مطهرًا، فإن فرقنا بعد ذلك لم ينجسا بعدما طهرا إلا بنجاسة تحدث فيها، فإن كانت النجاسة جامدة فإذا جمعتا عادتا طاهرتين، فإذا فرقا بعد ذلك، فإن الماء الذي مع النجاسة نجس، لأنه دون القلتين وفيه نجاسة قائمة، وقول الشافعي في المسألة الثالثة فخالطته نجاسة ليست بقائمة فيه، لأنه أراد أن يرتب عليه هذا الحكم، وهو إذا فرق الماء بعد ذلك. وقال أصحاب أحمد: لا يحكم بطهارة الماء فإن تجمعا؛

стр. 247

لأن كل واحد منهما نجس، فإذا اجتمعا لم تتولد بينهما الطهارة كالولد المتولد من بين الكلب والخنزير لا يحكم بطهارته بحال، وهذا غلط لخبر القلتين؛ ولأن هذا ما بلغ قلتين ولم تغيره النجاسة فكان طاهر، كما لو وقعت فيه وهو قلتين، وأما ما ذكره فلا يصح، لأنه إذا اجتمع وجد فيه كثرة أجزاء الماء (٢١٩ ب /١) إلى تمنع النجاسة، وهو كاجتماع الأوصاف الموجبة للحكم لو انفرد كل واحد منهما لا نوجبه، وبالجميع نوجبه، وليس كالمتولد بين الكلب والخنزير لأنه لا يوجد هناك عليه الطاهر بخلاف ها هنا. فرع آخر لو كان الماء قلتين إلا كوز ماء فصب عليه كوز بول نجس كله، فإن صب بعد ذلك فيه كوز ماء ولم يكن متغيرًا طهر كله؛ لأنه بلغ بالماء الصافي قلتين، ولو صب في الابتداء كوز من ماء ورد، ثم وقعت فيه نجاسة ينجس، وإن لم يتغير؛ لأن ما فيه من الماء هو ناقص عن قلتين ولو أكمل القلتين يكون من ماء الزعفران، وذهب التغير الذي كان فيه، ثم وقعت فيه نجاسة كان طاهرًا؛ لأنه ماء بخلاف ماء الورد، وهكذا لو أكمل بكوز من ماء نجس طهر الكل. فرع آخر لو وجد الماء الراكد متغيرًا، فإن علم أنه لطول المكث أو لترك الاستقامة فهو طاهر طهور، وإن علم أنه لنجاسة فهو نجس، وإن أشكل أمره فهو على أصل الطهارة، نص عليه في "الأم"، و"البويطي". فرع لو علم كون الماء قلتين، فرأى كلب ولغ فيه فشك هل شرب منه حتى نقص عن القلتين أم لا؟ فهو على الكثرة ما لم نقصه ويكون طاهرًا ذكره في "الحاوي "وهو صحيح. وأما الجاري [٢٢٠ أ/١] ذكره الشافعي في "الأم "وحرملة مستوفى وجملة ما قال فيهما أنه إذا كان يجري كله لا يقف منه شيء أن لكل جزء من الماء حكم بنفسه، ولكل جريه حكم نفسها. والجرية: عبارة عن جزء من الماء ما بين حافتي النهر كلما جرى جزء ما بين الحافتين فو جريه، بيانه أن يكون على النهر خيط ممدود ما بين حافتيه، فالماء الذي تحت الخيط جريه وما بعد ذلك الماء هو جريه مثله، وما بعده جري مثله، وذكر في الكتابين أربع مسائل: إحداها: إذا كانت النجاسة جامدة تجري مع الماء كالفأرة والبقرة، فالماء الذي

стр. 248

أمامها طاهر وبعدها طاهر؛ لأن لكل جرية حكم نفسها والماء الذي أمامها وبعدها غير الماء الذي هي فيه، أو يقول: ما بعدها ما وصلت إليه والذي قبلها ما وصل إليها، وأما التي هي فيه فهو الجريه، وما عن يمينها وشمالها إلى حافتي النهر فينظر، فإن كانت الجرية أقل من قلتين فهي نجسة، وإن كانت قلتين فصاعدًا في طاهرة. قال القفال: إلا أن تكون بهذا لها عرض كبير، فالماء الذي في جابينه هو طاهر إذا كان متباعدًا عنها، وإنما ينجس منه قدر ما ينسل إليها، وكذلك لو تغير الماء الجاري بنجاسة خالطته فأتت جرية متغيرة وجرية غير متغيرة، فالمتغيرة نجسة [٢٢٠ ب/١] وغير المتغيرة طاهرة، وهذه الجرية المتغيرة هي بمنزلة نجاسة قائمة. وقال ابن القاض في "المفتاح "قال الشافعي في "القديم ": لا ينجس الماء الجاري إلا بالتغيير. قال أصحابنا: العلة فيه أن الماء الجاري هو بمنزلة الماء الوارد على النجاسة؛ لأنه يحملها يجريانه عليها، والماء الوارد على النجاسة لا ينجس إلا بالتغير، والصحيح قوله الجديد، لأن ما لاقته نجاسة لا حاجة به إليها فتعتبر فيه القلتين كالماء الراكد. الثانية: إذا كانت الجيفة راكدة في قرار الماء، والماء يجري عليها فالماء الذي قبلها طاهر والواصل إليها ينظر فيه، فإن كانت كل جرية تمر بالجيفة قلتين فصاعدًا فالكل طاهر، وإن كانت كل جرية أقل من قلتين فكل جرية يمر بها فهي نجسة، ولا يطر ما لم تمر بها ما دام جاريًا حتى ينتهي إلى موضع يركد فيه، فإذا اجتمع الراكد قلتين فهو طاهر، وهذا لأن هذه الجرية قد جرت بالنجاسة فنجست بها، وكل جرية بعدها مثلها، والماء الجاري عند الشافعي لا يكون كالمختلط، ولكل جزء منه حكم نفسه. قال أبو العباس: فإن ورد هذا الماء الجاري على الجيف على ماء راكد واجتمعا وبلغا قلتين ولم يختلط طهرتا وإنما تبين هذا بأن يكون أحد الماءين صافيًا والآخر كدرًا [٢٢١ أ/١]؛ لأن الاعتبار باجتماع الماء الكثير لا بالمخالطة، ألا ترى أنه لو وقع رطل ماء نجس في قلتين طاهرتين فالكل طاهر، وإن لم يخلط يجميعه، وسئل أبو إسحاق عن هذه المسألة فقال: إن كان الماء شديد الجرية، فالماء الذي هو أمام الجيفة يجوز أن يستعمل من موضع يكون بينه وبين الجيفة مقدار القلتين، وبه قال ابن أبعن النجاسة بقدر قلتين، فأشبه إذا كان الماء راكدًا، والأول هو المذهب الظاهر، والفتوى عندي على ما قال أصحابنا الثلاثة والله أعلم. والثالثة: أنه لو ورد الماء الجاري على ماء راكد في مفيص من هذا النهر وفي الراكد نجاسة، فإن كان متغيرًا فهو نجس، وإن كان غير متغير فهو نجس أيضًا حتى يبلغ قلتين، فيكون الكل طاهرًا، ولو وقفت الجيفة في الماء الجاري وسكون الموضع ردت الماء فلم يجر من فوقها، ولا من تحتها، فإن الماء الذي اجتمع وتراد وإن كان

стр. 249

قبلها بمنزلة الماء الراكد يعتبر فيه قلتين. والرابعة: إذا كان في جانب النهر موضع منخفض زايغ عن مستوى جري الماء، وفيه ماء راكد فيه نجاسة قائمة لم تغيره نظر، فإن كان قلتين فصاعدًا فهو طاهر، وإن كان أقل من قلتين [٢٢١ ب/ ١]، فإن كان كل جرية تمر به من هذا الجاري يبلغ قلتين فالكل طاهر، وإن كان لا يبلغ قلتين بكل جرية تمر به تنجس به فيكون نجسًا ما دام جاريًا حتى يبلغ موضعًا يركد فيه ويبلغ قلتين على ما ذكرنا. ويجئ فيه قول أبي إسحاق أيضًا، وعلى هذا لو كان حوض له مخرجان يدخل الماء من أحدهما ويخرج من الآخر، وفي الحوض أقل من قلتين فوقعت فيه نجاسة فحكمه حكم الماء الراكد لا الجاري. فرع لو كانت النجاسة رأسية في أسفل الماء وقراره فلا تمر بها الطبقة العليا من الماء، وإنما تمر بها السفلى، فانتهى الماء إليها، فالطبقة السفلى من الماء نجسة لمرورها على النجاسة، وفي نجاسة الطبقة العليا وجهان: أحدهما: طاهرة؛ لأنها لم تجر على النجاسة ولا لاقتها فصار كالماء المتقدم. والثاني: هي نجسة؛ لأن جرية الماء إنما يمنع من اختلاط ما تقدم وتأخر، فأما ما علا منه وسفل من طبقاته فهو الراكد أشبه والراكد لا يتميز حكم علاه ولا ينتهي إلى قراره كانت الطبقة العليا التي انتهى إليها نجسة، وفي نجاسة الطبقة السفلى منها وجهان على هذا. فرع لو كان الماء راكدًا في موضع رقد تغير بالنجاسة وكل [٢٢٢ أ/ ١] جرية تمر به قلتان، فقياس المذهب يقتضي أن كل جرية تنجس به لأنها معه كالماء الواحد، فإذا انفصلت عنه زال حكم النجاسة؛ لأن الجرية انفردت عنه وهي قلتان غير متغيرة بالنجاسة ذكره في الشامل. وعندي أنها لا تنجس به كما لو جرت على جيفة واقعة لا تنجس بها لبلوغها حدًا لا يقبل النجاسة بنفسها. مسألة: قال: "وإذا وقع في الماء القليل ما لا يختلط به مثل العود أو العنبر أو الدهن الطيب فلا بأس لأنه ليس مخوضًا فيه ". وهذا كما قال: أراد لأنه ليس بمختلط به لكنه مجاوز له فلا بضره، كما لو وقع ماء البئر لمجاورة جيفة على حافته لا يضره، ومفهوم لفظه أن الكثير منه يسلب حكم التطهر؛ لأنه يصير مخوضًا به. وقد ذكرنا شرحه فيما تقدم. مسألة: قال: "وإن كان معه إناءان في السفر يستيفن أن أحدهما قد نجس والآخر

стр. 250

لم ينجس تأخى". الفصل وهذا كما قال إذا كانت معه أوان في بعضها ماء طاهر وفي بعضها ماء نجس، واشتبه عليه يجزئ سواء كان عدد الطاهر أقل أو أكثر، وسواء، وكذلك الثياب. وقال المزني، وأبو ثور: لا يجوز التحري بحال لئلا يتوضأ بالنجس ويصلي بالتميم. وبه قال أحمد، وعنه في وجوب إراقتهما قبل التيمم روايتان [٢٢٢ ب/ ١] وقال في الثياب: أنه لا يتحرى بل يصلي في كل واحد منهما. وقال ابن الماجشون، ومحمد بن مسلمة أنه يتوضأ بأحدهما ويصلي، ثم يتوضا بالآخر ويغسل ما أصابه الأول من ثيابه وبدنه، ثم يصلي. وقال أبو حنيفة: يجوز التحري في الثياب على الإطلاق ولا يتحرى في الأواني إلا أن يكون عدد الطاهر أكثر، وهذا غلط لأن كل جنس يجوز فيه التحري إذا كان الطاهر يجوز إذا كان عدد النجس أكثر أو ساواه كالثياب، والدليل على بطلان قول المزني أن ما هو شرط في الصلاة إذا اشتبه أمره جاز طلب صوابه بالاجتهاد كالقبلة، ولأن في الإناء الواحد إذا وقع الشك في نجاسته بناه على أصل الطهارة فجاز في الإناءين أن يبنى أمر أحدهما على الطهارة بالاجتهاد، ولأن القاضي يجتهد في الأحكام فيطلب الحق باجتهاده إذا اشتبه عليه كذلك هنا. واحتج المزني بأنه لا يتحرى في إناء ماء وغناء بول، ولا في ميتة ومزكاة، ولا في امرأتين إحداهما محرمة عليه كذلك ههنا، وأيضًا التحريم يغلب على التحليل، كما لو اختلط النجس بالطاهر. قلنا: الفرق أنه ليس له اصل في افباحة لأنه لا يستباح الحيوان إلا بالذبح، وقد شك في وجود الريح، ولا يستباح الفرج إلا بالنكاح الصحيح [٢٢٣ أ/ ١]، والأصل تحريم الفرج ولا أصل للبول في الطهارة بخلاف الماء النجس فيرده بالتحري إلى الأصل. وأما إذا اختلط النجس بالطاهر فقد نجس بحيث لا يمكن التمييز. وههنا يمكن التمييز بالتحري. فإذا تقرر هذا، فاصل ما يمكن التحري فيه أن يكون الشيئان طاهرين، ثم ينجس أحدهما، كالماءان والمائعين غير الماء من اللبن والعسل، والثوبين: فإما بين طاهر ومحظور الأصل كالبول والماء والزكاة والميتة لا يجوز التحري فيه بحالٍ. وعند أبي حنيفة: يجوز التحري في الماء واللبن غذا كان عدد الطاهر أكثر كما قال في الماء، ووافقنا في المزكاة والميتة أنه لا يجوز التحري، وإن كان عدد المزكاة أكثر، فإن قيل: لم جوزتم التحري في غير الماء ولا ضرورة إليه للتطهير؟ قيل: لأنه يؤدي إلى غضاعة المال وفيه مشقة، ولأن الكل سواء في الطهارة قبل وقوع النجاسة فكذلك يستوي الكل في جواز التحري. فرع كيفية التحري أن يطلب النجس بالعلامات من انكشاف الإناء وحركة الماء وتغير
следующие страницы →