Полный текст (7 151 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.
стр. 2276
إلى حين التصرف؛ لأنه يؤدي إلى الجهالة.
والثاني: يجوز، وهذا إذا قلنا يعتبر قيمة وقت القبض، فعلى هذا إن علما قدر قيمته عند شرطية ووقف قبضه يجوز. وإن جهل أحدهما لا يجوز.
فرع
من شرط القرض أن يكون معلومًا، فإن كان يستحق الرجوع بقيمته فالعلم به بمعرفة قيمته، ولا تعتبر معرفة قدره ولا صفته لاستحقاق الرجوع بالقيمة دون غيرها، وإن كان مما يستحق الرجوع بالقيمة دون غيرها، أو إن كان ممن يستحق الرجوع بمثله يعتبر معرفة قدره وصفته في السلم، والقدر بالوزن إن كان موزوناً [ق ٦٧ أ] وبالكيل إن كان مكيالًا فأقرضه إياه وزنًا جاز إن لم يكن فيه الربا، لأنه يصير معلومًا به، وإن كان فيه الربا فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز لخوف الربا كالبيع.
والثاني: يجوز، وبه قال القاضي أبو حامد ﵀؛ لأن القرض، عقد إرفاق [وتوسعه] لا يراعي فيه ما يراعي في عقود المعاوضة، بدليل أنه لو رده زيادة من غير شرط جاز، ويتأخر فيه أحد البدلين لا إلى غاية معلومة. ذكره في "الحاوي".
فرع:
لو قال رجل: اقترض لي مائة درهم ولك عليَّ عشرة. قال في "الحاوي": كره إسحاق هذا وأجازه أحمد، وعندنا هذا يجري مجري الجعالة لا بأس به.
فرع
لو كان عليه ألف مكسرة فلا بأس أن يعطيه ثمانمائة صحاحًا ويبرئه عن الباقي. ولو أعطاه ثمانمائة يريد بدلها لا يجوز.
فرع
قال في "الحاوي": لو قال الرجل: أقرض زيداً مائة درهم وأنا لها ضامن يجوز، فإذا أقرض لزمه الضمان، ولو أقرضه خمسين تلزمه لا غير، ولو أن هذا الضامن دفع إلى المقرض في عوضه ثوبًا جاز على المقرض [ق ٦٧ ب] بأقل الأمرين من
стр. 2277
المائة التي ضمنها أو قيمة الثوب الذي دفعه عوضًا عنها؛ لأنه لا يرجع إلا بما عزمه إن كانت قيمة الثوب أقل.
فرع
لو أن المقترض أهدى إلى المقرض هدية، فإن كان بعد رد القرض لا يكره، وإن كان قبله كرهه ابن مسعود ﵁، وأجازه ابن عباس، وعندنا يجوز ذلك إذا كان من غير شرط، والتنزه عنه أولى لما روي أن زيد بن ثابت- ﵁ استقرض من عمر- ﵁ مالًا وكان يهاديه، فامتنع عمر من قبول هديته، فرد زيد القرض وقال: لا حاجة لي فيما يقطع الوصلة بيني وبينك.
فرع
لا يصبح القرض إلا من جائز التصرف، ولا ينعقد إلا بالإيجاب والقبول لأنه عقد عليك، ويصح بلفظ القرض والسلف؛ لأن الشرع ورد بهما، ويصح بما يؤدي معناه، وهو أن يقول: ملكتك هذا على أن ترد علىَّ بدله، ولو قال: ملكتك ولم يذكر البدل فهو هبة، فإن اختلفا فيه فالقول قول من يدعي الهبة؛ لأن الظاهر معه، فإن التمليك من غير ذكر عوض هبة في الظاهر.
فرع
لو قال: أقرضتك ألفًا، وقيل: ثم تفرّقا، ثم دفع إليه ألفًا، فإن لم يطل الفصل جاز؛ لأن الظاهر أن قصد الإيجاب وإن طال الفصل لم يجز حتى يعيد لفظ [ق ٦٨ أ] القرض؛ لأنه لا يمكن البناء على العقد مع طول الفصل. ذكره في "المهذب".
فرع
إذا اقترض من رجل نصف دينار قراضة وأعطاه المقرض دينارًا صحيحًا وقال له: نصف دينار قضاء عني ونصف دينار وديعة لي عندك، وتراضيا جاز، وإن امتنع المقرض كان له؛ لأن هذا وإن كان خيرًا من حقه إلا أن فيه نقصانًا بالشركة من وجه آخر، فإن رضي واتفقا على كسره جاز، وإن اختلفا بعدما تراضيا على القضاء منه في كسره لم يجز الممتنع منهما على كسره، لأن ذلك قسمة إضرار بهما، وإن اتفقا على أن يكون نصفه قضاء ونصفه قرضًا أو ثمنًا جاز. فلو اتفقا على كسره لم يكن لأحدهما أخذ نصفه إلا برضا صاحبه، وإن تشاحا أقرع بينهما.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ كَانَ لَهُ عَلَى رَجُلٍ حَقُّ مِنْ بَيْعٍ حَالَ فَأَخَّرَهُ بِهِ مُدَّةً كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ".
стр. 2278
في الأجل؛ لأن الزوائد لا يلحق بأصل العقد بعد إبرامه.
وقال أبو حنيفة ومالك رحمهما الله: يلزم الأجل كما لو كان الأجل مذكورًا في صلب العقد.
قال الشافعي رحمة الله عليه:
"هَذَا لَيْسَ بِإِخْرَاجِ شَيْءٍ مِنْ مِلْكِهِ وَلَا أَخَذَ مِنْهُ عِوَضًا فَيَلْزَمُهُ، وَهَذَا مَعْرُوفٌ لَا يَجِبُ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ".
ومعناه: أن استئناف [ق ٦٨ ب] الأجل بعد إبرام العقد ليس كالتأجيل في صلب العقد؛ لأن العاقد يخرج السلعة من ملكه بالعقد ويأخذ عوضها ويزيد بسبب الأجل في ثمنها فيخرج من ملكه على الصفة التي قصدها، ويلزم الأجل لأخذه عوضه وعوضه الزيادة في الثمن بسبب الأجل. وأما إذا أبرم العقد ثم استأنف تأجيلًا فهذا ليس بإخراج ثمن من ملكه في هذا الوقت، وليس بأخذ عوض الأجل حتى يلزمه الأجل. فإذا تقرر هذا، فله الرجوع متى شاء ولا يختص به وقت دون وقت؛ لأنه لم يثبت بالتسمية ولا يستحب له أن يرجع؛ لأنه معروف صفة وليس من المعروف العود في المعروف، ولو ذكر أجلًا في القرض بعد القبض لا يلزم الأجل. وقال مالك ﵀: يلزم.
وقال أيضًا: إذا أعار شيئًا لا يمكنه الرجوع قبل انقضائها، وهذا بناء على أن الهبة عنده تلزم دون القبض والتأجيل، والعارية هبة المنفعة، وعندنا لا لزوم للتبرعات إلا بالقبض. ولو زاد في الثمن أو النقص بعد إبرام العقد قد بينا انه لا يلحق بأصل العقد خلافًا لأبي حنيفة. وقال: لو كان هذا أو الأجل بعد تلف المبيع، قال أبو حنيفة: يلحق أصل العقد، وقال أبو يوسف ومحمد: لا يلحق.
باب تجارة الوصي في مال اليتيم
[ق ٦٩ أ]
مسألة:
قال: "وَأُحِبُّ أَنْ يَتَّجِرَ الْوَصِيُّ بِأَمْوَالِ مَنْ يَلِي".
الفصل:
وهذا كما قال: المستحب لمن ولي مال اليتيم من الوصي، والحاكم، والوالي الذي ينصبه الحاكم أن يتجر في مال اليتيم وينميه بكل ما يجد الفضل في تنميته، وكذلك الأب والجد اللذان يليان مال الصغير بلا تولية أحد لقوله ﷺ : "ابتغوا في أموال اليتامى لا تأكلها الزكاة" يعني اتجروا، ويعني بالوصي وصي الأب والجد، فأما وصي الأم
стр. 2279
فلا يتصرف؛ لأن الأم لا تتصرف فكيف يتصرف وصيها. ويعني بالوصي الذي نصبه الحاكم إذا أذن له الحاكم نصًا بالتجارة؛ لأن مجرد قوله: وليتك مال فلان يقتضي الحفظ لا غيره.
قال ابن أبي ليلى: لا يجوز للولي أن يتجر بمال اليتيم. وهذا غلط لما ذكرنا ولأن الله تعالى قال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢]. وقال مجاهد: أراد بقوله: ﴿أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢] التجارة. وقال الضحاك: هو أن يتجر له ولا يأخذ من الربح شيئًا. وقال أبو زيد: أن يأكل بالمعروف إن افتقر ويمسك الأكل إن استغنى، ثم إنما يجوز لهم التجارة في البلد أو السفر المأمون، فأما السفر المخوف فلا يجوز. ويجوز لهم أن يبضعوا أموالهم إلى البلاد إذا كان الطريق آمنًا.
ويفارق الوديعة [ق ٦٩ ب] لا يخرجها المودع من يده إلى يد غيره بمطلق الإيداع، لأن ليس هناك رجاء ربح وفضل، وههنا يتجر ليربح، وفي إيضاحه غبطة فافترقا.
وأما البحر: فإن ركوبه غرر فلا يجوز لهم أن يحلوا مال الصغير فيه، وما روي عن عائشة- ﵂ أنها أبضعت بأموال بني محمد بن أبي بكر وهم أيتام في حجرها في البحر. يحتمل أن يكون إلى المدن القريبة من الشط التي الغالب منها الأمن والسلامة. وقيل: كان في ساحل البحر بحيث يقرب من المدينة، وكان غالب ذلك السلامة. ويحتمل انها كانت ضمن الغرر إن تلفت مبالغة لطلب الربح لبني أخيها.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: يجوز إبضاع ماله في البحر لخبر عائشة ﵂، والصحيح ما ذكرنا.
وقال جماعة من أصحابنا: لا يجوز أن يسافر بماله برًا ولا بحرًا لما في السفر من التغرير بالمال، فإن سافر ضمن إلا أن تكون المسافة قريبة والقرى حول البلد، وفي المسافة البعيدة وجهان إلا أن يلتزم الضمان.
فرع
لو اتجر له هل أجرة مثل لحق عمله؟ فإن لم يكن ذلك قاطعًا له عن عمله ولا مانعًا من التصرف في شغله وكان واجدًا مكتفيًا فلا أجرة له. وإن كان يقطعه عن عمله ويمنعه من كسبه [ق ٧٠ أ] فيه قولان:
أحدهما: لا أجرة له؛ لأنه عمَّال مختار من غير عقد لازم ولا عرض مبذول، فصار متطوعًا به.
والثاني: له الأجرة؛ لأن في المنع منها ذريعة إلى إهمال الأيتام وترك مراعاتهم والتجارة بأموالهم.
стр. 2280
فرع
ابتياع العقار والأرض بالمال أولى من التجارة؛ لأنه أحفظ أصلًا وأقل خطرًا مع استواء العادة فيها، والغالب أن غلته ترد إليه ثمنه ويبقى الأصل له، وقد قال ﷺ : "إن المسافر وماله لعلى قلتٍ إلا ما وقى الله تعالى". والقلت: الهلاك. وإن كان لو ابتاع عقارًا لم يعد عليه من فاضل غلته قدر كفايته جاز له أن يتجر بالمال على ما ذكرنا، ويشترط فيه ثلاث شرائط؛ لأن يكون الزمان آمنًا، والسلطان عادلًا، والتجارة مربحة.
فرع
قال في "الحاوي": يعتبر في الشراء أربعة شروط:
أحدهما: أن يشتري له ما لا يخاف عليه الفساد.
والثاني: أن يكون الربح فيه غالبًا إما لظهوره في الحال أو لغلبة الظن به في ثاني الحال.
والثالث: أن يكون بالنقد لا بالنساء؛ لأن بالنقد أرخص والربح فيه أظهر من هذه الثلاثة في حق الولاية وصحة العقد.
والرابع: أن لا يدفع الثمن إلا بعد قبض ما اشترى ما لم يقض عليه بدفع الثمن قاضٍ؛ لأن في خلاف هذا تغريرًا، وهذا شرط في حق الولاية لا في صحة العقد، فلو خالف ضمن المال حتى يقبض المبيع ثم يسقط عنه بقبضه ضمان الثمن.
فرع:
يعتبر في ماله أربعة شروط:
الأول: أن يكون البيع عند انتهاء الثمن من غير أن يغلب على الظن حدوث زيادة.
والثاني: الاجتهاد في توفير الثمن حسب الإمكان وإن باعه بأكثر من المثل.
والثالث: أن يبيع بالنقد إلا أن يكون النساء أحظ له في بعض الأحوال.
والرابع: أن لا يدفع ما باعه نقدًا إلا بعد قبض ثمنه ما لم يعص عليه بدفعه ناضًا.
وهذا الشرط في [حق] الولاية لا في صحة العقد، فإن أقبض المبيع كان ضامنًا للثمن لا للمبيع؛ لأن المبيع ملك المشتري ويسقط هذا الضمان بقبضه.
مسألة:
قَالَ: "وَإِذَا كُنَّا نَامُرُ الْوَصِيَّ أَنْ يَشْتَرِيَ بِمَالِ الْيَتِمِ عِقَارًا لأَنَّهُ لَا خَيْرَ لَهُ لَمْ يَجُزْ
стр. 2281
أَنْ يَبِيعَ لَهُ عِقَارًا إِلاَّ لِغِبْطَةٍ أَوْ حَاجَةٍ".
الفصل: وهذا كما قال: يستحب للوصي وغيره أن يشتري لليتيم عقارًا لما ذكرنا.
قال أصحابنا: ويشتريه من بائع ثقة أمين يؤمن أن يجحد الثاني أو يحتال في إفساد المبيع، بأن يكون أقرَّ لغيره قبل البيع، ويكون في موضع الغالب منه السلامة، فلا يكون بقرب الماء الذي يخاف عليه عند الزيادة، ولا بالقرب من المعترك بين الطائفتين مثل العقار [ق ٧١ أ] الذي يقرب القنطرة ببغداد فإنها تخرب كل وقت فلا يكون لليتيم فيه حظ، وله أن يتبنى لليتيم عقارًا؛ لأنه إذا جاز شراؤه جاز بناؤه.
قال الشافعي رحمة الله عليه: وإذا بناه بناه بطين وآجر ولا بلبن وطين؛ لأن الجص والآجر لا مرجوع له، وإذا انهدم بعضه ضرب كله، واللبن والطين قليل البقاء، وينتفع بالآجر بعد الانهدام إذا كان بالطين ويقوم الطين مقام الجص، وهو أقل مؤنة منه.
وقال في "الحاوي": لا وجه لهذا التحديد؛ لأن لكل قوم عرفًا، ولكل بلد عادة، فمن البلاء ما لا يستحكم فيه البناء إلا بالحجارة والنورة، أو بالآجر والجص، أو باللبن والطين، أو بالخشب الوثيق فيفعل بما جرت به العادة في ذلك البلد.
وحكي ما ذكرنا عن أصحابنا لا عن الشافعي، وهذا حسن صحيح.
وإذا تقرر هذا ليس له بيع عقاره؛ لأَنَّا إذا أمرناه بشراء ما لم يجز بيعها.
قال الشافعي رحمة الله عليه: إلا في موضعين؛ أحدهما الغبطة، والثاني للحاجة.
والغبطة: أن يشتري له عقارًا آخر ويستفضل له من الربح فضلًا ظاهرًا، مثل أن يكون له في شركة إنسان سهام، أو في جواره وهو راغب فيه ليضيف ملكه، أو يتلخص من سوء مشاركته فيعطيه أكثر من ثمنه.
والحاجة: أن لا يكون له غيرها وبه حاجة إلى النفقة في الحال، أو يخاف غرقها أو خرابها [ق ٧١ ب] بالفتنة، أو كان اليتيم بطبرستان، وعقاره بخراسان ويحتاج إلى مؤنة في توجه من يجمع الغلة أو يأخذها فيبيعها ويشتريها بطبرستان، أو يبني فيها مثل ذلك.
فإن قيل: ما الفائدة في تخصيص العقار بالغبطة والحاجة ومعلوم أن الوصي لو أراد بيع مال اليتيم وداره لا يجوز ذلك إلا بالغبطة أو الحاجة؟
قيل: مراد الشافعي غبطة دون غبطة، وحاجة دون حاجة، وذلك أن الوصي لو أراد بيع ثيابه لربح يسير وغبطة خفية كان له ذلك، وليس له بيع عقار إلا بربح كثير مستعظم وغبطة ظاهرة، فكذلك التفصيل في الحاجة، فربما يباع منقول به حاجة يسيرة ولا يباع عقاره إلا في حاجة ثابتة وضرورة غالبة، فهذا معناه.
فإذا تقرر هذا فباع شيئًا من عقاره أو أثاثه الذي للقنية، فإن ثبت عند الحاكم أنه بيع حظ وغبطة أنفذه، وإن لم يعلم فهل ينفذه أم لا؟ فإن كان الولي يلي بلا تولية كالأب والجد يلزم
стр. 2282
الحاكم إنفاذه من غير بحث، فإن بلغ الصبي وادعى على الأب أنه ليس ببيع غبطة فالقول قول الأب، وهل يحتاج إلى ثبوت عدالتهما عنده؟ قال القاضي الطبري: فيه وجهان:
أحدهما: يحتاج [ق ٧٢ أ] إلى ثبوتها عنده كما يحتاج إلى ثبوت عدالة الشهود. وإن كان مما يلي بتولية كالوصي أو القيم من جهة الحاكم فيه وجهان:
أحدهما: وهو قول عامة أصحابنا لا يقبل قوله ولا ينفذ تصرفه حتى يقيم البينة على ذلك؛ لأن تصرفه لا يتضمن نفي التهمة عنه، ويخالف الأب والجد؛ لأن تصرفهما يتضمن نفي التهمة عنهما، ألا ترى أنه لا يجوز للوصي أن يشتري مال اليتيم لنفسه ويجوز ذلك للأب والجد.
والثاني: يُقبل قوله أيضًا ولا يرد تصرفه إلا إذا علم أنه لا يتضمن الغبطة والحظ كالأب والجد.
قال صاحب "الإفصاح": وهذا أشبه، لأنه يجوز لهما التجارة في ملكه بالبيع والشراء، ولا يعترض الحاكم عليهما، فكذلك في بيع العقار. ولو ابتاعا عقارًا فيه وجهان:
أحدهما: يقبل قولهما إلا ببينة كما في البيع؛ لأن التهمة ملحقة على ما ذكرنا ولا يشق عليه إقامة البينة عليه بخلاف التجارة فإنه يشق فيها.
ولو بلغ الصبي فادعى عليهما أنهما باعا من غير غبطة هل يلزمها إقامة البينة؟ على الوجهين، والمشهور أنه يلزم.
وأما الإنفاق على الصبي وعلى أمواله يُقبل فيه قول الأب والجد، إلا أن يكون بينة بخلاف ذلك. ولو ادعى الصبي عليهما بعد البلوغ [ق ٧٢ ب] بخلاف ذلك فالقول قولهما مع اليمين، إلا أن يكون مع الابن البينة.
وأما الوصي والقيم إذا ادعيا ذلك هل يقبل قولهما من غير بينة؟ قال جماعة من أصحابنا: يقبل قولًا واحدًا، وهو اختيار القاضي الطبري؛ لأنه يتعذر عليهما إقامة البينة على ذلك بخلاف ما إذا باع العقار أو ادعى رد الملك بعد البلوغ؛ لأنه يمكنه إقامة البينة عليه. وقال أبو حامد- رحمة الله- وجماعة: فيه وجهان:
أحدهما: هذا وهو المذهب.
والثاني: لا يقبل بخلاف الأب والجد لما ذكرنا من التهمة، وهذا إذا أمكن ما ادعياه.
فرع
لو قال الحاكم للوصي: اشتر هذا العقار فإن فيه حظًا، أو علم الوصي ذلك فتوانى فيه ولم يشتره حتى تلف المال صار ضامنًا له.
стр. 2283
فرع
في إقراض مال اليتيم يُنظر، فإن قدر على شراء عقار أو بناء عقار، أو تجارة لم يجز إقراضه، فإن لم يقدر على هذا وكان مقيماً لا يجوز أيضًا؛ لأن كونه في يده أولى من كونه في يد غيره. وإن أراد السفر يجوز إقراضه، وهو أولى من إيداعه؛ لأن القرض مضمون بخلاف الوديعة، إلا أنه لا يقرضه إلا من ثقة موسر؛ لأن غير الثقة ربما يجحد والمفلس لا يقدر على الإقراض أودعه وسافر.
فرع
لو قدر على إقراضه من ثقة فأودعه [ق ٧٣ أ] عند ثقة فهلك، قال أصحابنا: يضمن؛ لأن ذلك موضع اجتهاد ونظر، فربما رأى الإيداع، أصلح فلم يفرط بذلك.
فرع
الاستقراض لليتيم يجوز عند الحاجة بأن يكون له مال يقدم من سفر وهو محتاج إلى النفقة، أو متاع كاسد فيستقرض حتى يهيج سوق متاعه ويكون ذلك أولى من بيع العقار وصرفه إلى نفقته.
فرع
لا يجوز تصرف الصبي بحالٍ أذن له الولي أو لم يأذن. وقال أبو حنيفة: إن كان بإذن الولي يصح تصرفه، وإن كان من غير إذنه لا يصح تصرفه، كما لو لم يأذن له الولي.
فرع
ارتفاق الوصي بمال اليتيم هل يجوز أم لا؟ قال الشافعي رحمة الله عليه: قال الله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ [النساء: ٦] الآية، ثم فسرها فقال: معناه: اختبروا حالهم وتأملوا، فإذا بلغوا الحلم وهي الحالة التي يحتاج فيها إلى النكاح وعرفهم فيهم رشدًا وخيرًا ففكوا الحجر عنهم وادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها، وتتلفوها خوفًا من أن يكبروا ويحتاجون إلى دفعها إليهم: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ [النساء: ٦]، أي من كان غنيًا غير محتاج إلى أخذ شيء من أموال اليتامى فلا يأخذ [ق ٧٣ ب] منها شيئًا، ومن كان مقترًا لا مال له وكان ذا صنعة إذا اشتغل بالنظر في أموالهم تعطلت عليه صنعته وكسبه، فيجوز أن يأكل من ماله، يعني ينفق على نفسه بالمعروف.
ثم قال الشافعي رحمة الله عليه: يحتمل أن يكون له أن يأكل من ماله ما يكفيه ويكون أجره له، ولا يلزمه بدله. ويحتمل أن يأخذ منه كفايته بالمعروف على وجه القرض ويرد بدله إذا قدر عليه فيخرجه على قولين، والأظهر أن يأخذه قرضًا كالمضطر إلى طعام الغير؛ لأنه استباحة بالحاجة، والأول أشبه لعموم الآية.
стр. 2284
قال أصحابنا: يحتمل من هذا أنه إن كان موسرًا ليس له أن يرتفق بماله، وإن كان معسرًا حل له الأكل بقدر نفقته ولا ضمان إن كان أبًا أو جدًا؛ لأن نفقته على ولده، وإن كان غيرهما حل له الأكل ويأخذ أقل الأمرين من أجرته أو كفايته، وهل يضمن؟ قولان:
أحدهما: يضمن، وبه قال عمر بن الخطاب، وابن عباس ﵃.
والثاني: لا يضمن، وبه قال النخعي، ومكحول، وقتادة ﵏.
وقال عطاء في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَاكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [الّنِسَاء: ٦] أراد يأخذ أجرة معلومة على قدر خدمته.
وقال الشعبي وأبو العالية رحمهما الله: يأكل من كل ثمره، ويشرب من لبن ماشيته ولا يعترض لغيره.
فرع
خلط مال اليتيم [ق ٧٤ أ] بمال نفسه هل يجوز أم لا؟ قال ابن سريج ﵀، لما نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَاكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠] الآية، تجنب الناس عن معاملة الأيتام والاختلاف بهم، وميزوا أموالهم عن أموالهم، واستنصروا بذلك فنزل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، أي لضيق عليكم وسهل عليهم ذلك. خلطوا قصر إلى الإرفاق بهم.
وقال ابن سريج: للوصي أن يخلط طعامه بطعامه إذا كان لليتيم فيه رفق، مثًلا أن يكون إذا خبز لليتيم مكوكًا أكله طول الأسبوع، وإذا خبز نصف مكوك له ونصف مكوك لنفسه مختلطًا وأكلاه في الأسبوع خبزًا لينًا فكان ذلك أرفق، وكذلك إذا غسل ثيابه مع ثياب نفسه يكون أرفق به. وأجرة الحجام على ذلك أيضًا، وعلى هذا إذا سافر قوم فخلطوا أزوادهم ليأكلوها في مكان واحد جاز، وإن كان أكلهم مختلف إذا دخلوا على التراضي بذلك وقصد الإرفاق.
باب مداينة العبد بغير إذن سيده
مسألة:
قال: "وإذا أَدَّانَ الْعَبْدُ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ مَا كَانَ عَبْدًا"
الفصل:
وهذا كما قال قوله: أدّان بتشديد الدال بمعنى استدان، وهو أن [ق ٧٤ ب] يأخذ الدين أو يشتري سلعة بدين، وأدان بمعنى أقرض غيره وهو صاحب الدين، ودان بدين
стр. 2285
مشترك لهما معًا ومن له الدين يقال له: داين ومدين، ومن عليه الدين يقال له: مدان ومديان ومديون وداين. وجملته: أنه إذا اشترى العبد بغير إذن سيده بثمن في ذمته أو استقرض. اختلف أصحابنا فيه، قال أبو إسحاق: يصح، وبه قال أبو حنيفة؛ لأنه إنما منع فيه ضرر على السيد وهذا لا ضرر فيه على السيد، فهو كالاحتطاب، والاصطياد، ولأنه مكلف من أهل العقود والتصرف، وإنما حجر عليه لحق الغير، فإذا اشترى شيئًا في ذمته وجب أن يصح كالحر والمحجور عليه بالفلس. وقال الإصطخري: لا يصح كما لا يصح منه عقد النكاح إلا بإذنه ولأنه ليس من أهل الملك ولا يمكننا أن نثبت الملك للسيد ونوجب الثمن على العبد؛ لأن البيع تمليك بإزاء تمليك ولا يمكننا أن نثبت الملك للسيد ونوجب الثمن عليه، ولأنه لا يلزم الثمن، وقيل: هذا هو المذهب لهذه العلة ومن أصحابنا من قال: هذا قول أبي إسحاق الأول قول ابن أبي هريرة. فإذا قلنا: لا يصح فإن كان الشيء قائمًا بعينه رددناه على صاحبه، وإن كان تالفًا ضمن قيمته في ذمته يتبع بها إذا عتق سواء تلف أو أتلفه هو. [ق ٧٥ أ] ولو أراد السيد أن يأخذ منه ليرد على المالك كان له ويكون في يده مضمونًا؛ لأن حصوله في يده كان بغير رضا المالك، وإذا قلنا: صحيح فإن كانت السلعة قائمة فللبائع الرجوع إلى عين ماله؛ لأن العبد مفلس كالمشتري إذا أفلس بالثمن. هكذا ذكره أصحابنا. وقال القاضي الطبري ..... إليه مقدار الثمن. وهذا أصح عندي؛ لأنه ربما بقي ثمنه بالثمن الذي عليه ويفضل فضلًا كثيرًا للسيد، ولا يخاف ههنا من مزاحمة الغرماء.
قال في "الحاوي": إن لم يعلم البائع برقه ثم علم فأراد الفسخ يحتمل وجهين:
أحدهما: [له الفسخ] لأنه أسوأ حالًا من المفلس.
والثاني: ليس له لأنه صار في ملك السيد فلم يكن له الفسخ لزوال ملكه عنه، وهذا يدل على أنه لو كان عالمًا برقه عند العقد لا يفسخ بحالٍ، وإن كانت تالفة كان عليه ثمنها في ذمته لا قيمتها ولا يطالب السيد بذلك على الوجه الأول، وإن كان السيد رآه وتركه في يده هذا في الشراء، فأما في القرض له أخذه منه سواء قلنا إنه صحيح فضمانه ضمان القرض الصحيح على ما ذكرنا، وإن قلنا: لا يصح فضمانه ضمان المأخوذ سومًا، فإن انتزع السيد من يد العبد ذلك فإن قلنا: فاسد ضمنه أيضًا لأنه أخذ من يده من يجب [ق ٧٥ ب] عليه الضمان فيضمنه، ثم إذا ضمن هو لا يرجع على عبده إذا عتق؛ لأنه لا يثبت للسيد وعلى عبده دين، وإن قلنا: إنه صحيح فقد صارت العين ملكًا للسيد ولا حق لأحد فيها والثمن أو البدل في ذمة العبد يتبع به إذا أيسر بعد العتق؛ لأن السيد أخذه لحق فسقط حق البائع والمقرض كما يسقط حقه لو باع المبيع أو رهنه، ذكره أصحابنا ومن أصحابنا من قال: الصحيح للبائع الرجوع؛ لأن ملك السيد حصل بالشراء لا بإخراجه من يد العبد ولم يتحدد له حق بعد العقد، وقبل الانتزاع من يده للبائع الرجوع كذلك بعده
стр. 2286
بخلاف الحر المفلس إذا باع لا يرجع بائعه بعين ماله لأنه تجدد للمشتري الثاني حق لم يكن من قبل. وقيل: المحجور عليه أربعة أقسام:
قسم: يصح منه الشراء مع الحجر بإذن وغير إذن, وهو المحجور عليه بالفلس ولكنه يمنع من دفع الثمن لحق الغرماء ولا يفسخ عقده.
وقسم: لا يصح منه التصرف أصلًا وهم الصبيان والمجانين.
وقسم: لا يصح بغير إذن وفي الإذن خلاف, وهو المحجور عليه بالسفه ولو اشترى بإذن وليه وجهان. ولو عين له الولي ما يشتريه وقدر له الثمن فعقد عليه جاز وجهًا واحدًا بخلاف التفويض؛ لأنه عقد حر مكلف قد صرف عن الاجتهاد بالتقدير فلم يكن [ق ٧٦ أ] للسفه فيه تأثير ذكره في الحاوي.
وقسم: يصح بالإذن وفي غير الإذن خلاف. وهو العبد على ما ذكرنا. وكذلك في ضمانه وجهان. وأما إذا تصرف العبد بإذن سيده يصح, وإن لم يكن في يده شيء كانت الديون في ذمته يتبع بها إذا اعتنق وأيسر ولا تتعلق برقبته, وبه قال مالك, وقال أبو حنيفة: تتعلق برقبته ويباع فيها عند مطالبة الغرماء, وقال أحمد: تتعلق بذمة السيد لأنه غر الناس بإذنه بالتجارة, وهذا غلط لأنه دين ثبت على العبد برضا من له الدين فلا يتعلق برقبته, كما لو استقرض بغير إذن سيده. وأما ما ذكره لا يصح لأن السيد لا يضمن عن عبده ولا غر الناس به بل أذن له في التجارة على رجاء الربح.
فرع
إذا حجر عليه السيد وبقي برقبته وحده هل تقضي ديونه من كسبه بعد ذلك؟ ظاهر الكلام أصحابنا يدل على أنه لا يقضي.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: لا يزال يقضي الدين من كسبه حتى يقضيه كله, أو يعتق فيكون في ذمته حينئذٍ؛ لأنه بالإذن جعل كسبه محلًا لقضاء الدين منه. ووجه الأول أن محل كسب المأذون لا كسب المحجور, وأصل المسألة أن الكسب الذي ليس بطريق التجارة هل يضاف إلى رأس المال وجهان.
فرع آخر
لو كان في يد العبد المأذون ألفان وعليه ألف درهم دين ليس [ق ٧٦ ب] للسيد أن يأخذ منه الألف الفاضل عنه دينه؛ لأن الكل كالمرهون بدينه ولأنه يجوز أن يهلك أحد الألفين قبل قضاء دينه.
فرع آخر
المأذون في التجارة لا يؤاجر نفسه كما لا تزوج المأذونة نفسها. وقال أبو حنيفة:
стр. 2287
له أن يؤاجر نفسه وهذا غلط؛ لأنه مأذون في التجارة والإجارة ليست بتجارة لأنه لم يسمى الحمال والسقا تاجرًا. وذكر وجهًا آخرًا أنه يجوز, والوجهان مبنيان على ما يحصل بعمله بالاصطياد هل يضيفه إلى رأس مال فإن قلنا: يضيف إليه نزلنا الإجارة بمنزلة الأرباح فيملك الإجارة كما يملك التصرف.
فرع آخر
هل له أن يؤاجر العبيد الذين اشتراهم للتجارة؟ وجهان:
أحدهما: له ذلك كما له بيعهم.
والثاني: ليس له ذلك لأنه عقد الإجارة من ثمنهم, والأول أظهر.
فرع آخر
إذا أذن لعبده في التجارة في نوع خاص لا يصير مأذونًا في سائر الأنواع, وقال أبو حنيفة: يصير مأذونًا في سائر الأنواع. وهذا غلط قياسًا على الوكيل والمضارب.
فرع آخر
لو رأى عبده يبيع ويشتري فسكت عنه لا يصير به مأذونًا في التجارة, وقال أبو حنيفة: لا يصح هذا العقد الذي سكت عنه ويصير به مأذونًا في غيره, وهذا غلط؛ لأن السكوت عنه لا يكون إذنًا في غيره كما في النكاح.
فرع آخر
المأذون إذا أبق لم ينعزل عن التجارة [ق ٧٧ أ] غير أن السيد لو كان قال له اتجر في هذا البلد لا يمكنه التصرف في بلد آخر.
وقال أبو حنيفة: ينعزل بالإباق. ووافقنا أنه لو أذن له بالنكاح وأبق لا يبطل الإذن.
فرع آخر
إذا استولد المأذونة لا تنعزل خلافًا لأبي حنيفة- ﵀
فرع آخر
لو عزل نفسه لا ينعزل؛ لأن التصرف ليس بحق له بل هو حق السيد عليه والنفع له ولا يقدر العبد على إبطاله.
فرع آخر
لو خرج عن طاعته وأنكر الرق لا ينعزل. وكذلك لو غصبه غاصب وجحد ملك المالك خلافًا لأبي حنيفة.
стр. 2288
فرع آخر
(إذا) باعه هل ينعزل؟ وجهان بناء على ما لو أذن لعبد الغير في التجارة هل يصح؟ وجهان.
فرع آخر
إذا اعتقه هل ينعزل وجهان:
أحدهما: ينعزل لأن مقتضاه أداء ديونه من كسبه وقد انقطع حقه عن كسبه.
والثاني: لا ينعزل لأن ابتداء التوكيل بعد العتق يجوز. وكذلك لو كاتبه ولو أدبره أو رهنه لا يبطل الإذن.
فرع آخر
ليس للمأذون اتخاذ الدعوة وضيافة المجاهدين خلافًا لأبي حنيفة, لأن نوع تبرع كالهبة.
فرع آخر
لا يصح توكيل محجور عليه خلافً لأبي حنيفة, وهو وجه آخر يخرج من شرائه لنفسه بغير إذن سيده يجوز في أحد الوجهين, وهذا غلط لأنه نوع تصرف في ملك الغير [ق ٧٧ ب].
فرع آخر
إذا احتطب المأذون أو احتش لم يضم ذلك إلى مال التجارة, خلافًا لأبي حنيفة.
فرع آخر
ليس له أن يعامل سيده, وقال أبو حنيفة: له أن يعامله إذا كان عليه دين وهذا غلط.
فرع آخر
لو اشترى أب سيده لا يجوز لأنه يتضرر به سيده بالعتق عليه خلافًا لأبي حنيفة.
فرع آخر
لو زعم المأذون أن سيده حجر عليه لا تجوز معاملته؛ لأن في زعمه أنه لا يصح تصرفه, وقال أبو حنيفة: يجوز معاملته.
فرع آخر
لو أذن السيد المأذون أن يأذن للسيد الذي في يده بالتجارة فأذن صح, فلو حجر
стр. 2289
السيد على عبد عبده صح, وقال أبو حنيفة: لا يصح ما لم يرد إلى يده, وهذا غلط لأن الثاني ملكه كالأول.
فرع آخر
لو أقر المأذون لأبيه أو لأبنه بمال صح كما لو أقر لأجتبي, وقال أبو حنيفة: لا يجوز.
فرع آخر
لو كان في يده عين مال وأقرِّ أنه مغصوب أو وديعة لرجل لا يصح إقراره إنما يصح إقراره لمعاملة تتعلق بالتجارة, وقال أبو حنيفة: يصح إقراره وهذا غلط [ق ٧٨ أ] لأنه لا يتضمن الإذن بالتجارة.
فرع آخر
لو علم رجل أنه مأذون فعامله ثم امتنع من التسليم كان له ذلك ما لم يشهد الشهود أنه مأذون له, لأنه ربما يفك السيد الإذن فيذهب مال البائع.
فرع آخر
لو أذن السيد لعبده أن يضمن مالًا عن رجل فضمنه فيه وجهان:
أحدهما: يتعلق ذلك بكسبه ويكون بمنزلة المهر والنفقة إذا أذن له بالنكاح لأنه إذن في كسبه.
والثاني: يكون في ذمته لأنه ثبت برضا من له حق.
مسألة
قَالَ: "وَكَذَلِكَ مَا أَقَرَّ بِهِ مِنْ جِنَايَةِ".
وهذا كما قال. جناية العبد لا تخلو إما أن تثبت ببينة أو بإقرار, فإن ثبت ببينة نظر, فإن كانت موجبة للقصاص, كان لولي الجناية أن يستوفيه, وإن كانت موجبة للمال أو اختار ولي القصاص أن يعفو على مال تعلق ذلك برقبته, وإن كانت الجناية ثبتت بإقراره نظر, فإن كانت توجب القصاص قبل إقراره وللمقر له استيفاء منه وقال أبو حنيفة ومالك .... وقال محمد, وزفر, وداود: لا يقبل إقراره لأنه يسقط حق السيد عنه بإقراره, وقال أحمد: يقبل إقراره فيما دون النفس, ولا يقبل إقراره لأنه روي عن علي- ﵁ أنه قطع عبدًا يقبل فيه إقرار العبد كالطلاق [ق ٧٨ ب] ولأنه غير متهم فيه؛ لأن العاقل لا يتلف نفسه للإضرار بغيره وهو كالزوجة تقر
стр. 2290
بالقتل (فيصح) إقرارها مع ضرر الزوج وبهذا فارق أذا أقر بالخطأ.
وإذا تقرر هذا فمن أقر بما يوجب القصاص فإن أراد المقر له القصاص كان له, وإن أراد أخذ الدية كان له سواء توجب الجناية القصاص فقط أو قلنا موجبة القصاص أو الدية.
وقال صاحب "الإفصاح": إن قلنا يوجب القصاص فقط يجوز عفوه عن المال؛ لأن المال يكون حتى القصاص, فإذا ثبت له المبدل, وإن قلنا موجبة القصاص أو الدية فكل واحد منهما أصل في نفسه, وإذا أراد الدية يحتمل وجهين بناء على قولين في العزم في السرقة على ما تبين إن شاء الله تعالى, والأول أصح, وقال بعض أصحابنا بخراسان, وعلى هذا قال الشافعي- رحمة الله عليه- في رجل حتى جناية توجب القود, فقال رجل للمجني عليه: ضمنت لك ما وجب بهذه الجناية من قود ومال لا يصح في القود ويصح في المال إذا قلنا: موجبه أحد شيئين, وإن قلنا: موجبة القود فقط لا يجوز أصلًا, فإن قيل: ألا قلتم لا يثبت العفو على مال لأنه متهم ويجوز أن يتواطأ العبد ويفر له بالعمد ليعفو عنه. قيل: الثابت إقراره بالعبد الموجب للقصاص وذلك لا تهمة فيه, لأنه لا يؤمن باستيفائه [ق ٧٩ أ] منه والعاقل لا يغرر نفسه. ثم إذا ثبت لا وجه لمنع الولي من العفو, ثم إذا صح العفو على مال تعلق المال برقبته, والسيد بالخيار بين الفداء وبين التسليم للبيع, وإذا اختار الفداء بكم يفدي؟ قولان على ما ذكرنا من قبل, وإن أقر بما يوجب المال به لا يقبل إقراره, لأنه متهم وإذا عتق طولب به, وهذا لأنه يقبل إقرار السيد به ولا يقبل العبد به كما لا يقبل أنه باعه من فلان.
فرع آخر
لو أقر السيد عليه بما يوجب القصاص لا يقبل لأنه متهم فيه, فإذا عفي المقر له عن القصاص وأراد المال ثبت المال رقبته, كما لو أقر السيد في الابتداء بما يوجب المال.
مسألة
قَالَ: "وَلَوْ أَقَرَّ بِسَرقَةٍ [مِنْ حِرْزِهَا] يُقْطَعُ فِي مِثْلِهَا".
الفصل:
وهذا كما قال إذا أقر العبد بالسرقة ينظر, فإن كان بسرقة لا يوجب القطع في مثلها, أما دون النصاب أو من غير الحرز, أو من أبيه أو ابنه لا يقبل لتعلق الحق برقبته, لأنه يضمن غرامة المال فقط, ولكن يبيع به إذا عتق, وإن كان بسرقة توجب القطع يلزمه القطع كالقصاص, أما الغرم فإن كان تالفًا هل يقبل إقراره فيه حتى يتعلق برقبته أو لا يقبل حتى تتعلق برقبته؟ قولان:
стр. 2291
أحدهما: لا يقبل وهو الأصح, لأنه لو أقر بما يوجب المال لا يقبل إقراره [ق ٧٩ ب] فإذا أضافه إلى ما يقبل فيه وجهان لا يقبل أيضًا, ولأنه لو شهد بالسرقة شاهد أو امرأتان ثبت المال دون القطع, فدل على أن أحدهما منفصل عن الآخر.
والثاني: قاله في كتاب "الإقرار بالحكم الظاهر" يقبل إقراره ويباع فيه, لأنه إذا ثبت به القطع ثبت به المال؛ لأن القطع لا ينفصل عن المال كالدية والقصاص, ومن قال بالأول لا يسلم هذا الأصل على قول صاحب "الإفصاح"وعلى قول سائر أصحابنا فرق بينهما, فإن القصاص والدية تجيان بسبب واحد لمستحق واحد فإذا ثبت الأعلى كان له العدول إلى الأدون, وليس كذلك القطع والمال لأنهما يتعلقان بشيئين مختلفين, فجاز أن يثبت أحدهما دون الآخر, ألا ترى أنه لو شهد رجل وامرأتان بجناية العمد لم يثبت المال, ولو شهدوا بالسرقة يثبت المال دون القطع, فدل على الفرق بينهما. ثم لو رجع من هذا الإقرار سقط القطع دون الغرم إذا أوجبنا الغرم في رقبته أو ذمته, وإن كان العين قائمة نظر, فإن كانت في يد السيد لا يقبل قوله فيها على سيده, بل يجب غرم ذلك في ذمته, وإن كانت في يده قطعت يده قولًا واحدًا, وهل يقبل في تلك العين؟
قال بعض أصحابنا: لا يقبل فيها قولًا واحدًا, والفرق أنه إذا كان تالفًا لا يؤدي إلى أن [ق ٨٠ أ] يقبل إقراره فيما زاد على قيمته, وفي العين لو قبلنا إقراره أدى إلى أن يقبل إقراره فيما يزيد قيمته, وفي العين لو قبلنا إقراره أدى إلى أن يقبل إقراره فيما يزيد قيمته أضعافًا مضاعفة وهذا هو المذهب, وبه قال أبو يوسف ﵀ ومن أصحابنا من قال: فيه قولان أيضا؛ أحدهما هذا.
والثاني: يقبل ويرد على صاحبه, ومن أصحابنا من قال: إن قلنا بالتالف لا يقبل فههنا أولى, وإن قلنا هناك يقبل فههنا ثلاثة أوجه:
أحدها: يقبل وهو اختيار ابن سريج.
والثاني: لا يقبل, وبه قال مالك وأحمد؛ لأن يده يد لسيده.
والثالث: العين ترد إلى السيد إذا ادعاها, ويتعلق غرم قيمتها في رقبته استدراكًا لما يخاف من وفور قيمة العين واستيعاب مال السيد فلا يتجاوز عن الرقبة ذكره في "الحاوي".
وقال أبو حنيفة: يقبل إقراره في العين وترد إليه سواء كان في يد العبد أو في يد سيده, وقال محمد: لا تقطع يده كما لا يسلم العين إلى المقر, وهذا غلط؛ لأن التهمة لا تلحقه في القطع يده كما لا يسلم العين إلى المقر, وهذا غلط؛ لأن التهمة لا تلحقه في القطع فيلزمه بخلاف المال.
فرع آخر
إذا قال العبد: استكرهت هذه الحرة على الزنا يلزمه الحد, وهل يقبل إقراره في المهر؟ كما ذكرنا في السرقة.
стр. 2292
فرع آخر
المحجور بالسفه إذا أقر بالسرقة, فإن قلنا: يقبل إقرار العبد على سيده كان إقراره بالقبول في ماله أولى فيقطع [ق ٨٠ ب] ويغرم, وإذا قلنا إقرار العبد يلزم في ذمته ففي إقرار السفيه وجهان:
أحدهما: يقبل وهو قول ابن أبي هريرة بخلاف العبد لأنه يقر في غير مال بخلاف السفينة.
والثاني: لا يقبل؛ لأن السفينة يمنع من قبول إقراره وهو أسوأ حالًا من العبد؛ لأن العبد يثبت للعذر فيها بخلاف هذا! وعلى هذا في وجوب قطعه وجهان:
أحدهما: لا يقطع لسقوط الغرم.
والثاني: يقطع كما لو سقط الغرم بالإبراء بعد الوجوب.
فرع آخر
لو ادعى عبد قتلًا يوجب القصاص فأنكر فالقول قوله, هل تغلظ الأيمان؟ قولان, وإن ادعى عليه قتلًا يوجب المال فاعترف لا يقبل إقراره ونحو الدعوى إلى سيده فيحلف على العلم ما قتل عبده, ولو أنكر العبد فالقول قوله مع يمينه, وإن نكل هل ترد اليمين؟ قولان بناء على يمين المدعي مع نكول المدعي عليه تجري مجرى البينة أو مجرى الإقرار, فإن قلنا كالبينة ردت, وإن قلنا كالإقرار لا ترد.
باب بيع الكلب
قال: أخبرنا مالك عن ابن شهاب وذكر الخبر.
وهذا كما قال. نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن. والبغي: المرأة الفاجرة تكون نفسها وجمعها بغايا, وحلوان كاهن: [ق ٨١ أ] ما يأخذه المتكهن عن كهانته وهو محرم باطل. ويقال: حلوت الرجل شيئًا يعني رشيت. وحلوان العراف حرام أيضًا, والفرق بين الكاهن والعراف أن الكاهن يدعي معرفة الأسرار والكوامن في مستقبل الزمان, والعراف يدعي معرفة الشيء المسروق ومكان الضالة. وجملته أن بيع الكلب عندنا باطل وهو نجس العين ولا يضمن قيمته به قال الحسن والحكم, والأوزاعي, وربيعة- ﵏ وأحمد, وداود, وقال أبو حنيفة: يجوز بيعه ويضمن قيمته وفي بيع العقور روايتان. واختلف أصحاب مالك قال بعضهم: يجوز بيع المأذون في إمساكه ويكره بيعه, وحكي عن مالك أن قال: لا ثمن له وتضمن قيمته بالإتلاف وهذا غلط لأن النبي ﷺ نهى عن ثمنه فدل على فساد بيعه.
стр. 2293
وروى ابن عباس- ﵁ أن النبي ﷺ نهى عن الكلب وقال: "إن جاء يطلب ثمن الكلب فاملؤوا كفه ترابًا". ومعنى التراب ههنا الحرمان والخيبة, كما يقال: ليس في كفه إلا التراب, وكقوله: ﷺ "والعاهر الحجر" وكان بعض السلف يذهب إلى استعمال الخبر على ظاهره يقول: أن يوضع التراب في كفه.
وروى أبو هريرة- ﵁ أن النبي: ﷺ [ق ٨١ ب] قال: "لا يحل ثمن الكلب ولا حلوان الكاهن ولا مهر البغي". والدليل على مالك- ﵀ أن الثمن ثمنان ثمن التراضي عند البيع وثمن التعديل عند الإتلاف, وقد أسقطها النبي ﷺ بقوله: "فاملؤوا كفه ترابًا" فدل على أنه لا عوض له, وقال أبو هريرة ﵁: ثمن الكلب من السحت, وقال عطاء والنخعي: ما حرم اقتناؤه منها فبيعه محرم وما أبيح اقتناؤه منها فبيعه جائزا, واحتج مالك- ﵀ بأنه إذا أتلفه أبطل عليه منفعته فيضمن, كأم الولد لا يحل بيعها ونلزم قيمة على أتلفها. قلنا: أم الولد استحقت العتق ولم تخرج عن المالية. وهذا المعنى لا يوجد في الكلب, واحتج أبو حنيفة- ﵀ بما روي جابر- ﵁ أن النبي ﷺ نهي عن ثمن الكلب والسنور إلا كلب صيد. قلنا: هذا موقوف على جابر ذكره الدارقطني, ثم هو حجة عليه لأنه يخبر عن بيع غير معلوم. وقيل: معناه ولا كلب صيد.
وروي رافع بن خديج- ﵁ أن النبي ﷺ قال: "كسب الحجام خبيث, ومهر البغي خبيث, وثمن الكلب خبيث".
وإذا تقرر هذا فلفظ الشافعي ﵀ ههنا يدل على أن الاقتران في اللفظ يقتضي الاقتران في الحكم, وهو اطهر المذهبيين؛ لأنه قال: "وَلَا يَحِلُّ لِلْكَلْبِ ثَمَنٌ بِحَالٍ [ق ٨٢ أ] ولو حَلَّ ثَمَنُهُ جَازَ حُلْوَانُ الكَاهِنِ وَمَهْرُ البَغِيِّ"
مسألة
قَالَ: "وَلَا يَجُوزُ اقْتِنَاؤْهُ إِلَّا لِصَاحِبِ صَيْدٍ أَوْ حَرْثٍ أَوْ مَاشِيَةٍ, أَوْ مَنْ كَانَ فِي مَعْنَاهُمْ".
وهذا كما قال: يجوز اقتناء الكلب للصيد وحفظ الماشية والزرع لدفع الخنازير, وفي معنى أصحاب الزرع أصحاب النخل والشجر والكرم, وفي معنى أصحاب المواشي أصحاب الخبل والبغال والحمير لحفظها من صغار السباع, وهذا لما روي أبو هريرة- ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من اقتنى كلبَا إلا كلب صيد أو زرع أو ماشية نقص.
стр. 2294
من أجره كل يوم قيراطان, عبارة عن جزأين من عمله. واختلفوا هل المراد به عمله الماضي أو المستقبل؟ فقيل: ماضي عمله. وقيل: من مستقبل عمله. ثم اختلفوا من بعد ذلك من أي عمل؟ فقيل: جزء من عمل الليل وجزء من عمل النهار. وقيل: جزء من عمل الفرض, وجزء من عمل النقل. وهذا النقصان يتكرر عليه في كل يوم, وقال أبو حنيفة: [يجوز] اقتناء الكلب بكل حالٍ, وإن لم يكن منتفعًا به.
فرع
هل يجوز اتخاذه لحفظ البيوت؟! اختلف أصحابنا فيه على وجهين:
أحدهما: لا يجوز لأن النبي ﷺ ما عدا هذه الثلاثة, ولا الحيلة تتم من اللص على الكلب بطرح الخبز له ونحو ذلك, وهذا اختيار أبي حامد- ﵀
والثاني: يجوز وهو ظاهر المذهب وهو الصحيح؛ لأن الشافعي- ﵀ قال: "أو من كان في معناهم" ووجهة اقتناء الكلب لحفظ ماله فأشبه اتخاذ لحفظ ماشيته, وقال في الحاوي: هذان الوجهان لحراسة الدور في المدن والقرى, فأما أهل البوادي وسكان الخيام في الفلوات فيجوز لهم اقتناء الكلب حول بيوتهم لتحرسهم من الطراق والوحش؛ لأن للكلاب عواء عند رؤية من لم تألفه وتنبه به أربابها, وقد روي في الخبر: الصحاري, وفي معنى أصحاب الخيام أهل الحصون والبيوت المفردة في أطراف الرساتيق والقوافل والرقاق وقد رئي أنس ﵁ أنه حج ومعه كلب فقيل له: تحج ومعك كلب فقال: لحفظ نيامنا. وكلب الصحاري هو الذي علم أخ ١ الصيد وإمساكه على صاحبه يجري في الصيد واقتناؤه لضرورة العادة.
فرع آخر
لو اقتنى الكلب المعلم من لا ينتفع به من ليس له صيد, ولا حرث ولا ماشية, أو اقتناؤه ليصيد به إذا نشط كما يفعل السلطان فيه وجهان:
أحدهما: يجوز اعتبارًا لها لما فيه من المنفعة. ولهذا إذا حصد الزرع كان له إمساكه لزرع مستقبل وهو الأصح.
والثاني: لا يجوز اعتبارًا بصاحبه وأنه ليس له فيه [ق ٨٣ أ] منفعة ومعنى الخبر إلا كلب صيد كلبًا يصاد به وحرارة الحرث أو الماشية إن كانت ....... أن لا يقتني ذلك أصلًا.
стр. 2295
فرع آخر
لو اتخذ صاحب الحرث كلب ماشية أو اتخذ صاحب الماشية كلب حرث فيه وجهان أيضا.
فرع آخر
في تربية الجرو الصغير للصيد والزرع وجهان:
أحدهما: لا يجوز لأنه ليس بكلب صيد ولا ماشية ولا زرع.
والثاني: يجوز لأنه لا يكون كلب صيد إلا بتربيته كذلك وهو الأصح.
فرع آخر
هل يجوز اقتناء ولد الفهد, وإن كان طاهرًا؟ وجهان: ذكر القاضي أبو يحيى وظاهر المذهب جوازه قولًا واحدًا, ولا يجوز اقتناء الخنزير بحالٍ.
فرع آخر
هل يجوز إجارة الكلب وجهان:
أحدهما: يجوز وهو ظاهر كلام الشافعي- رحمة الله عليه- لأن أكثر ما فيه أنه لا يجوز بيعه, وبهذا لا يمنع الإجارة كالجرو, وهذا اختيار صاحب التلخيص.
والثاني: لا يجز وهو اختيار أبي حامد؛ لأن النبي ﷺ أجاز الانتفاع به لأشياء مخصوصة فلا يجوز فيما عداها, قال: ويجوز أن ينتفع به ولا تجوز إجارته كما في ضراب الفحل.
فرع آخر
لو غضب كلبًا وأقام في يده زمانًا. قال بعض أصحابنا: لا يضمن منفعة وجهًا واحدًا, والصحيح أن فيه وجهين بناء على جواز إجارته.
فرع آخر
تصح الوصية به؛ لأن ذلك نقل لليد واليد تثبت عليه [ق ٨٣ ب]. وأما هبته: قال ابن أبي أحمد- ﵀ تصح هبته, وقال القاضي الطبري: عندي أنها لا تصح؛ لأن الهبة تمليك والكلب غير مملوك. ولعله أراد أنها تصح على الوجه الذي تصح الوصية به, وهذا صحيح, لأنه إذا نقله إلى يد غيره على وجه التبرع صح كما يصح ذلك في الوصية ولم يكن له الرجوع في ذلك, وهذا معنى الهبة.
стр. 2296
مسألة
قَالَ: "وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا فِيهِ مَنْفِعَةُ فِي حَيَاتِهِ بَيُعٌ وَحَلَّ ثَمَنُهُ أَوْ قِيمَتُهُ وَإنْ لَمْ يَكُنْ يُؤكل".
وهذا كما قال: جملة هذا أن جميع الأعيان على ضربين؛ حيوان, وغير حيوان. فأما الحيوان فضربان: أدمي وغير أدمي والآدمي ضربان مملوك وحر فالحر لا يجوز بيعه وكذلك ما في معناه وهو العبد الوقوف, وأما المملوك فضربان من ثبت له سبب الحرية, ومن لم يثبت له ذلك وهو العبد يجوز بيعه. ومن ثبت له سبب الحرية على ثلاثة أضرب: سبب مستقر, وثابت غير مستقر, وغير ثابت ولا مستقر.
فالمستقر الاستيلاد فلا يجوز بيع أم الولد ولا ولدها من زوج أو زنا كالحرة, وأما غير الثابت والمستقر مثل المدبر والمعلق عنقه بصفة فلا يمنعان البيع بحال.
وأما الثابت غير المستقر كالكتابة قال في "جديد": لا يجوز بيع المكائب, وقال في "القديم" يجوز بيعه.
وأما غير الآدميين فضربان: ما يؤكل لحمه, وما لا يؤكل لأق ٨٤ أ].
فما يؤكل يجوز بيعه كالإبل والبقر ونحوه, وما لا يأكل ضربان: طاهر ونجس, فالنجس مثل الكلب والخنزير, وقد ذكرنا حكمهما, وقد قال بعض أصحابنا: لم يكن يعرف خلاف قبل عطاء في أن لا قيمة على متلف الكلب حتى ذهب إليه عطاء- ﵀ وتابعه مالك, ولا يعرف خلاف قبل أبي حنيفة في أن بيعه يجوز حتى قاله أبي حنيفة, وأما الطاهر فضربان: ما ينتفع به وما لا ينتفع بظهره فقط, والفهد ينتفع بصيده, والسنور ينتفع بصيد الهوام ويجوز بيعها, وكذلك جوارح الطير كالبازي والشاهين والعقاب يجوز بيعها.
وقد روي أن النبي ﷺ : "نهى عن ثمن السنور" وأراد السنور البري الذي لا ينتفع به بل يكون مضرة, وما لا ينتفع به كالأسد والذئب والطيور التي لا يصاد بها فلا يجوز بيعها.
فرع آخر
لا يجوز بيع الحمار المكسور والبغل المزمن. وقال بعض أصحاب أبي حنيفة: يجوز لأن جلده يطهر بالدباغ, وهذا غلط؛ لأن الخمر لا يجوز بيعها وتصير خلا. وقيل: هو ما لا يجوز كل عين طاهرة يجوز الانتفاع بها بحق حرية ولا قربة, وفيه احتراز عن الوقف والمندور عتقه [ق ٨٤ ب]
стр. 2297
فرع آخر
بيع العلق يجوز, لأنه ينتفع به بإخراج الدم, وفيه وجه آخر لا يجوز لأنه يؤدي ويعقر ويجرح.
فرع آخر
لو كان يرجي نفعه في ثاني الحال كالفهد غير المعلم والفيل الذي يأنس للقتال أو للحمل هل يجوز بيعه في الحال؟ وجهان:
أحدهما: لا يجوز للحال الذي هو عليه, والثاني: يجوز بما ينتقل إليه في ثاني الحال.
فرع آخر
يجوز بيع القرد لأنه يعلم وينتفع به لحفظ المتاع وحكي الشبلي عن ابن سريج أنه قال: يجوز بيعه لأنه ينتفع به, فقيل له: ما وجه الانتفاع به؟ فقال: يفرح به الصبيان.
فرع آخر
يجوز بيع الطير الذي ينتفع بصوته كالببغاء والبلبل والعندليب, أو يستأنس بلونه كالطاووس ونحو ذلك.
فرع آخر
أكل غراب الزرع وابن آوي هل يجوز وجهان: فإن قلنا يجوز أكله يجوز بيعه, وإن قلنا: لا يجوز أكله لا يجوز بيعه.
فرع آخر
لا يجوز بيع الغراب الأبقع ولا الغراب الكبير الأسود وكذلك الحدأة بكسر الهاء بهمزة وكذلك البغاة لا يصاد به ولا يرغب في صيده, لأنه يؤكل, كذلك الطيور التي لا تصلح لشيء كالخفاش والخطاف, وكذلك حشرات الأرض كلها كالفأر والحيات والعقارب والديدان والوزغ, ونحو ذلك لأن الله تعالي نهى [ق ٨٥ أ] عن أكل المال بالباطل, فإذا لم يكن فيها منفعة مذبوحة ولا حيا فبذل المال من ثمنها أكل المال بالباطل, فإن قيل: عندكم يطهر جلده السباع بالدباغ فجوزوا بيعها للجلد. قيل: تلك منفعة غير مقصودة ألا ترى أن بيع الجلد قبل دباغه لا يجوز لجواز أن دباغه كذلك مثله في جملة الحيوان, وأما غير الحيوان فضربان: جامد ومانع, فالجامد ضربان: طاهر ونجس, فالظاهر كل مملوك ينتفع به يجوز بيعه إلا الوقف فإنه لا يجوز بيعه, وإن كان قد انكسر وهلك بحيث لا ينتفع به, ولا يكره بيع شيء من المملوك الطلق إلا رباع مكة فإنه يكره بيعها وإجارتها للخلاف. وقال أبو حنيفة, ومالك- رحمهما الله- هي غير مملوكة
стр. 2298
لا يجوز بيعها ولا أكل ثمنها, وروى الحسن بن زيادة عن أبي حنيفة مثل قولنا, وعن أحمد روايتان وهذا الخلاف في العرصة, وأما البناء فهو مملوك بلا خلاف واحتجوا بما روي عبد الله بن عمرو بن العاص- ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "مكة حرام وحرام بيع رباعها وحرام أجرة بيوتها". وهذا غلط لما روي عن عمر- ﵁ اشترى دارًا من صفوان بن أمية بأربعة آلاف درهم للسجن [ق ٨٥ ب] واشترى معاوية بن حكيم بن حزام دارين أحدهما بستين ألف درهم والأخرى بأربعين ألف درهم.
وأما خبرهم فرواه عبد الله بن زياد, وابن أبي نجيح وهما ضعيفان أو نحمله على ما كان فيها وقعًا وهو كثير فيها. ويجوز بيع المصحف ولا يكره وقد سئل ابن عباس- ﵁ فقال: لا بأس يأخذون أجور أيديهم. وأما النجس فضربان نجس العين, ونجس المجاورة فما كان نجس العين كالعذرة والسرجين والميتة وعظامها لا يجوز بيع شيء منها كذلك الزبل لأنه نجس العين.
وقال أبو حنيفة: يجوز بيع السرقين والزبل ووافقنا على العذرة أنه لا يجوز بيعها وهذا غلط؛ لأنه نجس العين كالميتة. وأما ما نجس بالمجاورة كالتراب والثوب ونحو ذلك يجوز بيعه. وأما المائع فضربان: طاهر, ونجس , فإن كان مما لا ينتفع به كالدمع والعرق والريق نحو ذلك لا يجوز, وإن كان ينتفع به كاللبن والعسل والخل يجوز. وأما النجس فضربان؛ ما نجس بالمجاورة, وما نجس بالاستحالة, فما نجس بالاستحالة, فهو الخمر وكل شراب مسكر, والبول والدم لا يجوز بيعه, وقال أبو حنيفة: يجوز شراء الخمر بالتوكيل للذمي وهذا غلط لما روت عائشة- ﵂[ق ٨٦ أ] أن النبي ﷺ قال: "حرمت التجارة في الخمر" وروى ابن عباس- ﵁ أن النبي ﷺ قال: "أتاني جبريل- ﵇ وقال: يا محمد إن الله لعن الخمر وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه وشاربها وبايعها ومبتاعها وساقيها".
وروي أنس- ﵁ قال: لعن رسول ﷺ في الخمر عشرة وذكر هؤلاء وزادوا كل ثمنها والمشتري له.
وقال جابر- ﵁ سمعت رسول الله ﷺ عام الفتح بمكة يقول: "إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام" فقيل: يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنه يطلي بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها فقال: "لا هو حرام" ثم قال عند ذلك: "قاتل الله اليهود إن الله لما حرم عليهم الشحوم حملها ثم باعوها وأكلوا ثمنها" أي
стр. 2299
أذابوها حتى تصير ودكًا, وروي زيادة "وألم تعلموا أن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه حرم الكلب وحرم ثمنه, وحرم الخنزير وحرم ثمنه, وحرم الخمر وحرم ثمنها".
وأما ما نجس بالمجاورة مثل إن ماتت فيه فأرة ونحو ذلك, فإن كان مما لا يمكن غسله كالسمن والخل واللبن فلا يجوز بيعه, وإن كان مما يمكن غسله كالزيت والشيرج والبزر [ق ٨٦ ب] هل يطهر بغسله؟ اختلف أصحابنا فيه على وجهين:
أحدهما: لا يطهر وهو المذهب الشافعي؛ لأنه يختلط بالماء بل يطفو على رأس الماء, وقال صاحب "الإفصاح": لا يمكن تطهيرها لأن الشافعي نص أنه لا يجوز بيعها ولو أمكن تطهيره لجاز بيعه.
وقال أبو إسحاق, وابن سريح: يطهر لأنه إذا صب عليه الماء وغمره يعلو على الماء ويتميز عنه ويصل إلى الماء جميع أجزائه, وبه قال أبو حنيفة والفتوى على هذا. فعلى هذا هل يجوز بيعه قبل الغسل وجهان:
أحدهما: يجوز كالثوب النجس, وبه قال أبو حنيفة.
والثاني: لا يجوز وإن كان يفضي إلى الطهارة كجلد الميت, وبه قال مالك.
فرع آخر
وهل يجوز بيع الماء النجس؟ وجهان:
أحدهما: لا يجوز, لأنه نجس حكمًا فهو كنجس العين.
والثاني: يجوز لأنه يمكن تطهيره بالمكاثرة, ومن أصحابنا من قال: لا يجوز بيع الماء النجس قولًا واحدًا, لأنه لا طريق إلى تطهير عينه بل تزول حكم نجاسته بالمكاثرة فهو كالخمر, وإذا انقلبت خلا يحكم بطهارته بخلاف الزيت فإنه يمكن تطهيره بالغسل.
فرع آخر
الصبغ النجس قال أصحابنا: فيه قولان كالزيت النجس هل يطهر بالغسل أم لا؟ وقيل: لا يطهر وجهًا واحدًا, بخلاف الزيت لأن الماء سبب فساد الصبغ بخلاف الزيت فيصبغ [ق ٨٧ أ] به الثوب ثم يغسل فيحكم بطهارته وهذا أصح.
فرع آخر
يجوز الاستصباح بالزر النجس وجهًا واحدًا, قال بعض أصحابنا بخراسان هل يجوز الاستصباح به؟ والأظهر أنه يجوز وهو غريب. وقال القاضي الطبري: قال بعض أصحابنا: إذا لم يذهب معظم منفعته بنجاسته كالبزر فإنه يراد الاستصباح وحده يجوز بيعه وجهًا واحدًا, وإن ذهب معظم منفعته بنجاسته كالزيت والشيرج, فإن ذهب ........... هل تجوز هبته والتصدق به. قال أصحابنا: لا يجوز وأرادوا على سبيل التمليك. وأما على سبيل نقل اليد يجوز كما قلنا في الكلب.
стр. 2300
فرع آخر
إذا أذيب شحم الميتة يجوز أن يستصبح به ذكره القاضي الطبري, ولا يجوز أن تدهن السفن به, وإذا استصبح به فظهر دخانه على ثوب قد ذكرنا وجهين:
أحدهما: نجس كرماد السرقين لأن النار لا تطهر شيئا.
والثاني: طاهر لأنه بخار النار وليس بعين الدهن والرماد وعين الزبل.
فرع آخر
بيع الماء على طرف النهر والتراب في البرية هل يجوز بيعه وجهان:
أحدهما: لا يجوز [ق ٨٧ ب] لأنه ملك البائع, والثاني: يجوز لأنه تبذير وهكذا الحكم فيما لا يعد مالًا في العادة ككسرة خبز وحبات حنطة ونحو ذلك.
فرع آخر
ولو باع الأكارع قبل القطع وجهان؛ لأن بقطعها معلومة.
فرع آخر
لو باع الرأس قبل الإبانة فإن بقى معلقًا بجلده فهو كالأكارع, وإن كان قبل القطع لا يجوز, وحكي عن مالك أنه يجوز في السفر, وقال أحمد: يجوز أبدًا وهذا غلط لأنه لا يجوز إفراده بالبيع ولا يجوز استثناؤه.
فرع آخر
استعمال السرقين في الزرع, قال أبو حامد: لا نص فيه, وقد قال بعض أصحابنا: يكره لما فيه من مباشرة النجاسة وملاقاتها.
وروي عن ابن عمر- ﵁ أنه كان لا يأكل الطعام الذي استعمل السماد من زرعه, وقال سعد بن أبي وقاص- ﵁ مكيل من عذرة بمكيل من حب. وهذا يدل على إباحته وليس بنص, وقياس قولنا أنه مباح لأن أعيان النجاسة لم تحصل فيه, بل جاورته ويفارق الجلالة, حيث أن أعيان النجاسة حصلت فيها.
فرع آخر
لو اختلطت ظروف خل بظروف خللت لم يجز بيع شيء منها بالاجتهاد.
فرع آخر
لو اشترى الكافر عبدًا مسلمًا فيه قولان:
أحدهما: البيع باطل نص عليه [ق ٨٨ أ] في الإملاء وينصره أصحابنا في الخلاف وبه قال أحمد ومالك في رواية.
стр. 2301
والثاني: البيع جائز نص عليه في عامة كتبه ولكن يباع عليه, وبه قال أبو حنيفة وجمهور العلماء, لأنه يملكه بالإرث, وإذا أسلم في يده يصح شراؤه. ووجه الأول أن الإسلام إذا منع استدامة الملك منع ابتداءه كما في النكاح ولا خلاف أنه يحرم عليه بيعه منه.
فرع آخر
إذا وكل كافر مسلمًا في شراء مسلم لم يصح الشراء إذا قلنا: لا يجوز كما لا يجوز أن يكون وكيلًا في النكاح, ولا يكون المحرم وكيلًا في شراء الصيد. ورأيت بعض أصحابنا قال: وفيه وجهان:
أحدهما: يجوز لأن الملك يقع للمسلم وكذلك في النكاح.
فرع آخر
هل يجوز للكافر أن يشتري أباه المسلم على قول الإملاء؟ وجهان وقيل: قولان, أحدهما: لا يجوز لأنه لابد من جريان ملك عليه وفيه إذلال وإن كان ساعة, والثاني: وهو الأظهر يجوز لأنه لا ضرر عليه في أن يحكم عليه بالملك يلحظ بل أقل ويتوصل به إلى العتق الذي هو إعزاز.
فرع آخر
لو قال المسلم: اعتق عبدك المسلم عن كفارتي فأعتقه جاز, ويدخل في ملكه ويخرج منه بالعتق؛ لأنه ليس بتمليك بل هو [ق ٨٨ ب] إبطال الرق فيه, والملك يحصل فيه حكمًا كما يملكه بالإذن حكمًا. وقيل: فيه وجهان.
فرع آخر
لو اشترى عبدًا مسلمًا يسري العتق فيه؟ وجهان:
أحدهما: كما لو اشترى أباه وقيل: لا يجوز وجهًا واحدً لأنه يحصل العتق باختياره ويتوقف عليه بخلاف ذلك.
فرع آخر
إذا جوزنا سلمة في العبد المسلم ينصب الحاكم نائبًا حتى يقبض له.
فرع آخر
إذا قلنا تصح هبته منه فعلم به قبل التسليم يمنع من التسليم لأنه قبل القبض لا يلزم.
стр. 2302
فرع آخر
إذا أوصى به بعبدٍ مسلم, فإذا قلنا: الوصية لا تملك إلا بالقبول فحكمه حكم الشراء, وإن قلنا: يملك بالموت يصح لأنه يحصل بغير اختياره كالإرث, وكون المسلم قاصدًا إلى تمليك أباه لا يمنع كما لو اشترى من كافر عبدًا مسلمًا بشرط الخيار, ثم أفسخ العقد أو وجد به غيبًا فرده عليه صح, وقد ذكرناه في كتابه "الوصية".
فرع آخر
إذا باع الكافر عبدًا مسلمًا بثوب ثم وجد بالثوب عيبًا له رد الثوب وهل يسترد العبد المسلم؟ وفيه وجهان:
أحدهما: لا يسترد بل يسترد قيمة ويجعل وكأن العبد مالك.
والثاني: يسترد لأنه الفسخ بالعيب قطع [ق ٨٩ أ] العقد فيه يعود إلى ملكه ويجري ذلك مجرى استدامة الملك.
فرع آخر
إذا باع العبد المسلم ثم تقاتلا, فإن فلنا الإقامة عقد لا يجوز, وإن قلنا: فسخ فيه وجهان كما في المسألة قبلها.
فرع آخر
إذا باع الكافر العبد المسلم بشرط الخيار يصح لأنه صار معرضًا للزوال, فإن أراد الفسخ قلنا الملك للبائع يصح إلا أنه إذا كثر ذلك منه يلزمه الحاكم بأن يبيع بيعًا تامًا, وهذا لأنه ليس بابتداء ملك وإنما هو منع من الزوال, وإن قلنا ملكه زوال ففي جواز الفسخ وجهان كمسألة العبد بالثوب.
فرع آخر
لو استأجره لعمل في ذمته كالخياطة وغيرها يجوز لأنه لا صغار في ذلك, وإن استأجره لعمل مقدر أيامًا فيه طريقان:
أحدهما: يجوز قولًا واحدًا لأنه عمل في مقابلته عوضًا فلا صغار فيه, ولا بعقد الإجارة ولا يثبت له يد لأن الأجير إن كان حرًا فهو في يد نفسه, وإن كان عبدًا ففي يد مولاه, ولأنها تنقضي بمضي الزمان بخلاف الملك, وقيل: فيه وجهان لأنه فيه نوع ملك واستدلال.
فرع آخر
إذا قلنا: لا يجوز فاشتري عبدً كافرًا, ثم أسلم العبد قبل قبضه هل يتمكن من قبضه [ق ٨٩ ب] ليبيعه؟ لا نص فيه, وقال بعض أصحابنا: يمكن ليصبح بيعه عليه وهو
стр. 2303
ظاهر المذهب. ومن أصحابنا من قال: يقبضه القاضي عنه ويبيعه وهذا أقيس عندي. وقيل: يأمر بأن يوكل مسلمًا حتى يقبض له, ثم يباع. وقيل: يبطل البيع بإسلامه وكلاهما ضعيف.
فرع آخر
قال بعض أصحابنا بخراسان: إذ قلنا: يصح شراءه فاشتراه هل يتمكن من قبضه؟ وجهان:
أحدهما: يمكن وهو صحيح.
الثاني: لا يمكن بل يؤمر بأن يوكل مسلمًا حتى يقبضه ثم يباع. وقيل: ينصب الحاكم نائبًا مسلمًا حتى يقبض له ثم يأمره بالبيع, فإن باع وإلا باع الحاكم عليه.
فرع آخر
لو هب عبدًا كافرًا, ثم أسلم العبد قبل القبض هل تبطل الهبة؟ وجهان:
أحدهما: تبطل بخلاف البيع؛ لأن القبض في الهبة كالقبول في البيع.
والثاني: لا تبطل كالبيع.
فرع آخر
لو اشتراه بشرط الخيار, ثم أسلم قبل انقضاء الخيار هل يبطل البيع؟ قال والدي- ﵀ يحتمل قولين, أحدهما: يبطل, والثاني: لا يبطل ولهما إجازة البيع وفسخه, فإن أجازاه أجبر المشتري على إزالة ملكه.
فرع آخر
إذا قلنا: يجوز بيعه ويجبر على إزالة ملكه فكاتبه هل يزول الاعتراض؟ قولان:
أحدهما: [ق ٠٩ أ]: لا يزول فتفسخ الكتابة ويباع, والثاني: يزول الاعتراض, وبه قال أبو حنيفة لأنه عرضه لعين الحرية.
فرع آخر
لو اشترى الكافر مصحف القرآن العظيم, فإن قلنا: لا يجوز شراءه للعبيد المسلم فهذا أولى, وإن قلنا: يجوز ذلك ففي هذا قولان والفرق أن العبد يدفع عن نفسه سوء ما يراد به بخلاف المصحف ولأنه لا عرض له من المصحف إلا الابتدال وقد يقصد من العبد لخدمته واقتناؤه.
فرع آخر
بيع أحاديث الرسول- ﷺ من أصحابنا من قال: هو كالمصحف وقال في
стр. 2304
"الحاوي": يجوز وجهًا واحدًا ويفسخ خوفًا من تبديلهم. والثاني: لا يفسخ لأنهم ربما استدلوا منها على صحة الإسلام ويكون سببًا للدخول فيه.
فرع آخر
إذا قلنا: لا يشتري مسلمًا فاشتري عبدًا مرتدًا, وقال والدي- ﵀ يحتمل قولين:
أحدهما: لا يجوز لأن أحكامه ملحقة بأحكام المسلم.
والثاني: يجوز لاستوائهما وهو كالقولين في المرتد هل يقبل بالنصراني قولان.
فرع آخر
لو زوج الكافر أمته من كافر فحملت منه, ثم أسلم الوالد فصار الحمل مسلمًا بإسلامه هل يجبر الكافر على إزالة ملكه فيها لأنه ممنوع من استدامة ملكه على [ق ٩٠ ب] المسلم ولم يمكنه ذلك إلا ببيع الأم فأجبرناه.
فرع آخر
قال أصحابنا: لا يمنع بيع عقده الكافر من كافر سواء كان العبد صغيرًا أو كبيرًا, ويتصور ذلك إذا سباه مع أحد أبويه, وقال بعض أصحابنا: الأولى أن لا يبيع منه الصغير, وقال أحمد: لا يجوز لأنه يتشاغل بدين السيد, فيكفر وهذا غلط لأنه من أجرى عليه حكم الشرك فإسلامه مظنون فلا يراعي ذلك كما في البائع.
فرع آخر
لا تجوز التفرقة بين الأم وولدها في البيع, فإن فرق هل يصح البيع؟ قال بعض أصحابنا: لا يصح قولًا واحدًا, وبه قال أبو يوسف. ومن أصحابنا من قال: فيه قولان, قال في "الجديد": لا يصح, وقال في "القديم": يصح, وبه قال أبو حنيفة؛ لأن المنع لا يعود إلى البيع فأشبه البيع وقت, وهذا غلط لما روي أبو داود في سنته أن عليًا- ﵁ فرق بين الأم وولدها في البيع فنهاه رسول الله ﷺ قال: "من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة". وأما ما ذكره لا يصح لأنه لمعنى البيع وهو ما يلحقه من الضرر بالفرقة ولا يجوز هذا برضاها [ق ٩١ أ].
وقال النخعي: يجوز إذا رضيت لما روي أنه فرق بين الوالدة وولدها, فقيل له في
стр. 2305
ذلك فقال: إني استأذنتها فرضيته.
فرع آخر
إلى متى يكون التحريم؟ وفيه وجهان, وقيل: قولان:
أحدهما: إلى أن يبلغ.
والثاني: وهو الأصح إلى أن يبلغ سنتين فيقعد وحده ويأكل وحده.
فرع آخر
التفريق بين الولد والوالدان, فقلنا: هناك يجوز البيع فههنا أولى. وإن قلنا: هناك لا يجوز فههنا وجهان.
فرع آخر
يجوز التفريق بين الأخوين وسائر المحارم. وقال أبو حنيفة: لا يجوز لما روي عنه ﵁ قال: وهب لي رسول الله ﷺ غلامين أخوين, فبغت أحدهما, فقال رسول الله ﷺ : "يا علي, ما فعل غلامك؟ " فأخبرته فقال: "رده رده", وهذا غلط؛ لأن القرابة التي بينهما لا تمنع القصاص فلا تمنع الفرقة بين الأخوين كابني العمة. أما الخبر فنحمله على الاستحباب.
فرع آخر
التفريق بينهم بعد البلوغ يكره, ويجوز البيع. وحكي عن أحمد: لا يجوز البيع, وهذا غلط؛ لأنه انقطع حق الحضانة بالبلوغ.
فرع آخر
إذا باع عبدًا من عبدين بشرط الخيار ثلاثة أيام حتى يختار أيهما شاء في مدة الخيار لا يصح البيع خلافا لأبي حنيفة ﵀. [ق ٩١ ب] وقيل: هذا قول الشافعي ﵀ عليه في "التقديم" لأن الشرع أثبت الخيار ثلاثة أيام, ووافقنا أنه لا يجوز في العبيد الأربعة ذلك فتقيس عليه.
فرع آخر
لو رهن جارية دون ولدها يجوز, وإذا حل الحق يباعان, فإن أراد بيع الأم دون الولد فيه طريقان؛ أحدهما: فيه قولان. والثانية: يجوز قولًا واحدًا لأنها صارت مستحقة
стр. 2306
البيع ولا يمكن أن نكلفه مع ولدها أن يبيعها؛ لأنه لا حق له في الولد. وهكذا إذا استحق بيعها في الجناية أو في الرجوع عند الإفلاس.
فرع آخر
التفريق بينهما في البهيمة يكره إلا لغرض صحيح؛ لأن في طبعها نحتا على الولد، وإنما يباح عند الفرض لأن غرضها أخل.
فرع آخر
الوصية بالحمل دون الأم، أو بالأم دون الحمل قولان؛ لأنه لو أراد أن يفرق بين الولد والأم بالوصية لا يجوز في أحد القولين كما في البيع فالحمل مثله.
فرع آخر
إذا باع ثوبًا بمائة ذهب وفضة لا يصح البيع. وقال أبو حنيفة: يصح ويكون مناصفة، وهذا غلط؛ لأن قدر كل واحد مجهول لا يصح العقد عليه، كما لو قال: بعضها ذهب.
فرع آخر
بيع الجلالة من البهيمة يجوز وأكلها جائز؛ لأن ما رعته من الأقذار [ق ٩٢ ب] صار في محل الأنجاس وهي طاهر في نفسه. وقيل: فيه وجه آخر.
فرع آخر
بيع الطنبور والعود والمزمار إن أمكن الانتفاع بها إذا فضلت يجوز ولكن يكره ذلك قبل تفصيله لبقاء المعصية فيه، وإن كان إذا انفصل لا يصلح للحطب لا يجوز. وقيل: إن لم يكن محلولاً ويصلح لمنفعه مقصودة وجهان، والأصح جوازه إمكان الانتفاع به على وجه مباح. والثاني: يجوز لأنه لا ينتفع بها على حالتها كالخبز، وإن كانت تخلل، وإن كانت محلولة ولا تصلح لمنفعة مباحة مقصود فيه وجهان؛ والأصح لا يجوز والثاني: يجوز لأنه يمكن إحراقه تحت القدر.
فرع آخر
بيع الشطرنج مكروه؛ لأن اللعب به ليس من الإباحات المطلقة.
فرع آخر
الصنم المتخذ من الحديد هل يجوز بيعه؟ وجهان:
أحدهما: يجوز لأن الصنعة المحرفة كالمعدومة ويبقى حديداً له قيمة.
والثاني: لا يجوز.
стр. 2307
فرع آخر
السم الذي يقتل قليله لا يجوز بيعه لعدم المنفعة، وإن كان يقتل كثيره دون قليله أو يتقل مع غيره ولا يقتل بانفراده، وهو من شيء طاهر علق الشافعي القول فيه، وخرَّجه أصحابنا على قولين:
أحدهما: يجوز لقصوره على حال الأول.
والثاني: لا يجوز كالأول.
ومن أصحابنا من قال: يجوز بيعه قولًا واحدًا، وكذلك إن كان يصلح للدواء في ظاهر [ق ٩٢ ب] البدن إذا لم يصل إلى الجوف أو إذا خلط بغيره من الأدوية لا يقبل ويجوز السلم فيه. ومن أصحابنا من قال: يجوز بيع قليله الذي لا يقتل دون كثيره، وهذا لا وجه له؛ لأن كل جنس جاز بيع قليله جاز بيع كثيره.
فرع آخر
لو اتفقنا على أنهما يظهران العقد خوفًا وتلجئة ولا يجوز بيعًا، ثم تبايعا بعد ذلك يصح البيع والاتفاق السابق على العقد لا يتبع صحة العقد. وكذلك إن اتفقا أن يتبايعا بألفٍ ويظره ألفين فتبايعا بألفين يلزم البيع ولا يؤثر فيه الاتفاق السابق. وهكذا روي عن أبي يوسف وأبي حنيفة أنه لا يصح البيع إلا أن يتفقا على أن الثمن ألف درهم فتبايعاه بمائة دينار فيكون الثمن مائة دينار استحسانًا. وبه قال أبو يوسف ومحمد؛ لأنه إذا تقدم الاتفاق صار كالهازلين بالعقد فلا يصح العقد، وهذا غلط؛ لأن الشرط السابق للعقد لا يؤثر فيه كما لو اتفقا على شرط فاسد ثم عقدا العقد لا يثبت فيه.
فرع آخر
لو باع عبدًا بثمن مؤجل فما سلم العبد حتى حل الأجل له الامتناع من تسليم العبد قبل قبض ثمنه، وإن لم يكن له ذلك قبل حلوله؛ لأن هذا وقت المطالبة بالثمن بحكم العقد، فصار كما لو كان حالًا [ق ٩٣ أ] في الابتداء. وفيه وجه آخر لا سبيل له إلى الامتناع اعتبارًا بالرهن المبذول بعد البيع بلا شرط ولا امتنع الراهن من إقباضه لم يكن للمرتهن فسخ البيع. هكذا ذكره والدي ﵀، والثاني: وهو ظاهر مذهب الشافعي عندي.
فرع آخر
لو باع لحمًا على أنه لحم الميتة فإذا هو لجم المذكى، قال والدي ﵀: يحتمل أن يقال: لا يصح البيع لاشتراط ما لو تحقق منع البيع، ويحتمل أن يقال: يصح البيع؛ لأن الجنس واحد والعين قابلة للبيع.
стр. 2308
فرع آخر
إذا ألحق الزيادة في البيع. قال القفال ﵀: الصحيح أنه إن كان في زمان المجلس ثبت، وإن كان في خيار الشرط لا يثبت، لأن زمان المجلس لحالة العقد في الصرف والسلم.
وقال بعض أصحابنا: الصحيح أنه لا يثبت بحالٍ، لأنه لو قال: بعتك بعشرة فقال: اشتريت بخمسة عشر لا يصح حتى يتبداء إيجاباً آخر بخمسة عشر، والزيادة في حال العقد ممتنع إلا باستئناف إيجابٍ.
فرع آخر
إذا اشترى شيئين تتصل منفعة أحدهما بالآخر، وقلنا في العبدين يجوز رد أحدهما بالعيب، فههنا وجهان ينبنيان على ما لو غصب فرد خف وقيمة الزوج عشرة وتلف في يده، ورجع قيمة الفرع إلى درهمين هل للمالك خمسة أو ثمانية؟ فإذا قلنا خمسة جعلنا كل فرد كعين مفردة [ق ٩٣ ب] فيجوز كأحدهما دون الآخر، وعلى الوجه الآخر وهو قول أبي حنيفة لا يجوز؛ لأنه يرد ناقص القيمة.
فرع آخر
لو أن رجلين وكلا وكيلاً حتى يشتري لهما عبدًا فاشترى فوجدا به عيباً، قال ابن الحداد: لا يجوز أن يفرق في الرد؛ لأن العاقد واحد. وفيه وجه آخر يجوز؛ لأن المعقود له متعدد.
وقال القفال: إن كان البائع يحلم أن وكيل رجلين فلأحدهما الرد؛ لأنه علم أنهما ربنا لا يتفقان على رأيٍ واحد، فقد رضي أن يرد عليه مُبغضًا، وإن كان اعتقد البائع أنه يشتري لنفسه أو اعتقد أنه وكيل واحد لا يفرق، لأنه ما رضي.
وأصل هذا مسألة ذكرها الشافعي رحمة الله عليه في الرهن قال: إذا اشترى الرجل لنفسه ولشريكه عبدًا ورهن بالثمن عين مالٍ مشتركٍ، ثم إن أحدهما وفر نصيبه من الثمن ينفك نصيبه من الرهن في أحد القولين، وهل للبائع الخيار بسبب خروج بعض الرهن من يده قبل وصوله إلى كمال حقه؟ قال الشافعي: إن كان عالمًا بأنه يشتري لنفسه ولشريكه والرهن مشترك لا خيار، وإن كان اعتقد أنه يشتري لنفسه على الخصوص أو لشريكه وأن الراهن الواحد له الخيار.
فرع آخر
لو أن رجلين وكلا وكيلًا حتى باع عبدًا مشتركًا بينهما من وكيل [ق ٩٤ أ] رجلين فيه خمسة أوجهٍ:
قال ابن الحداد: لا يجوز رد البعض أصلًا بالعيب.
стр. 2309
وقال أبو زيد المروزي: العقد متعدد من الطرفين ويجعل كل واحد من البائعين بائعًا ملكه من رجلين فلهما أن يردا على أحد البائعين نصف العبد؛ لأنه جمع ما يملكه من جهته، ولأحدهما أن يرد النصف عليهما لأنه جميع ما يملكه من جهتهما، وله أن يرد الربع على أحدهما؛ لأنه جميع ما يملك.
وقال القفال: إن علما أن وكيل الشراء وكيل رجلين يجعل كل واحد منهما بائعًا ملكه من رجلين، وإن كان جاهلين بأنه وكيل شخصين فليس لأحدهما أن يرد نصيبه ولكن يجتمعان فيردان على أحدهما نصيبه؛ لأنه ليس له فيه إضرار.
وقال أبو إسحاق: العقد من جانب المشتري متحد دون جانب البائع فيكون حكمه حكم الوالد يشتري من رجلين فلهما أن يردا نصيب أحد البائعين وليس لأحدهما أن يرد نصيبه عليهما.
وعلى طريقة بعض أصحابنا العقد متعدد من الجانبين معاً، ويصير كل واحد منهما باع ملكه من رجلين، ولو وكلا رجلين في بيع عبدهما من رجلين آخرين أو من وكيل رجلين، فعلى الطرق كلها يصير كأن كل واحد منهما باع ملكه من رجلين.
فرع آخر
لو ادعى البائع هلاك البيع وأنكر المشتري [ق ٩٤ ب] قال بعض أصحابنا، لا يقبل قوله، كما لو ادعى الغاصب هلاك المغصوب، والصحيح أنه يقبل قوله بخلاف الغاصب؛ لأن هناك لا حق للغائب أصلاً من مقابلته بخلاف البائع.
فرع آخر
لو أبرأ البائع عن ضمان البيع لا يبرأ بخلاف الغاصب في أحد الوجهين، والفرق أن ضمان الغاصب ضمان يد، واليد تقبل التبديل؛ لأن المودع إذا تعدى يضمن وإذا أودع عنده صار أميناً، فجاز أن يبرأ بالإبراء، بخلاف ضمان العقد؛ لأن حكم العقد لا يغير مع بقائه.
فرع آخر
إذا هلك المبيع قبل القبض. قال بعض أصحابنا: هل يرتفع العقد من أصله أو من وقته؟ فيه وجهان:
أحدهما: من وقته؛ لأن الهلاك وجد في الحال.
والثاني: من أصله؛ لأنه علة بطلانه عدم تأكده، والسبب الضعيف إذا بطل بطل بالكلية، ولهذا الكفن على البائع بالإجماع.
وفائدة الوجهين في الزوائد هل ترد على البائع أم لا؟
стр. 2310
فرع آخر
هل يتصرف المشتري في زوائد المبيع قبل القبض؟ وجهان بناء على ما هلك المبيع هل ترد الزوائد إلى ملك البائع؟ فإن قلنا: تعود لا يجوز [لأن] تصرفه متردد بين أن يكون مصادقًا ملكه أم لا.
فرع آخر
لو اشترى عبدًا بثوب وقبض العبد يتصرف فيه وإن كان عوضه غير مقبوض، فلو باع هذا العبد [ق ٩٥ أ] ثم تلف الثوب قبل القبض بطل البيع الأول، وهل ينفسخ البيع الثاني؟ قولان مبنيان على أن هلاك المبيع هل يرفع العقد من حينه أو من أصله؟
فإن قلنا: يرفع من أصله بطل الثاني وإلا فلا.
وإن قلنا: لا يبطل الثاني وهو الأصح يلزمه رد قيمته كما لو قال شقصًا فأخذه الشفيع.
فرع آخر
إذا تخمر العصير قبض قبض المشتري ذكرنا قولين هل يبطل البيع أم لا؟ فإن قلنا لا يبطل فالمشتري بالخيار، فإن لم يفضخ فصار خلاً في يد البائع وسلم الخل ورضيه مضى العقد على الصحة، وإن سلمه إليه خمرًا فالقبض فاسد، فإن تخللت في يد المشتري هل يؤمر بتسليم الثمن؟ وجهان مبنيان على أن من غصب خمرًا فصار خلًا في يده هل يلزمه رده على المغصوب؟ وجهان: فإن قلنا لا يرد فههنا الخل للمشتري بحكم اليد وسقط حكم العقد.
فرع آخر
لو أبق قبل القبض. قيل: فيه وجه أنه يبطل البيع أيضًا، ولو كان طيرًا فطار فلو كان متوحشًا بطل، وإن كان يرجى عوده الحمام ولكن لم يكن مألوفًا فهو كالإباق، وإن كان مألوفًا لا يبطل، وإن وقع في الماء فإن كان الماء قليلًا يمكن استخراجه منه لا يبطل، وإن كان لا يقدر عليه قطعًا ولكن يرجى الوصول إليه فهو كالإباق، وإن كان في بحر لا يرجى الوصول [ق ٩٥ أ] إليه. وإن كان أرضًا وقع عليها حل فهو كالهالك.
فرع آخر
لو باعه لبنًا فضة بدينار على أن وزنه مائة، فتفرقا وكان وزنه تسعين فللمشتري الخيار، وإن كان زائدًا فلا خيار له، وهل للبائع الخيار إذا قال: عندي أن الوزن مائة، فإن كذبه المشتري وقال: كان عالمًا به فلا خيار، وإن صدقه وجهين، وإن باعه وأخبر أن وزنه مائة لا على طريق الشرط فزاد أو نقص فلا خيار.
стр. 2311
فرع آخر
إذا باع مد عجوة ودرهم بمدي عجوة لا يجوز في المد الذي مع الدرهم في قدر ما يقابله من المدين لأجل الذي وفي الدرهم، وفيما يقابله من الدين قولا تفريق الصفقة؛ لأنه ليس من الدرهم والمدين.
فرع آخر
لو باع درهمًا ودينارًا بدرهم ودينار من ضرب واحد، فحيث لا يتفاوت قطعًا، أو صاع حنطةٍ وصاع شعير بصاع حنطة وصاع شعير من صرة واحدة، قد ذكرنا أنه يجوز، وهو اختيار الجماعة. واختيار القاضي الحسين أيضاً.
ومن أصحابنا من قال: لا يجوز؛ لأنَّا لا نقول يقابل الدينار بالدرهم ولكن الدينار يقابل بما يخصه من الدينار والدرهم؛ لأنه لو خرج الدينار مستحقاً وأراد أن يجيز العقد في الدرهم، أو وجده معيباً وأراد الرد لا يسترد في مقابلة الدينار، بل يسترد بعض الدينار وبعض الدرهم [ق ٩٦ أ] باعتبار التقسيط بالقيمة. مثاله: قيمة الدينار عشرة دراهم معه درهمًا فيكون الجميع أحد عشر، فيجعل الدينار أحد عشر جزءًا من الدرهم، فيكون بين الذهب والفضة تفاوت في القيمة، فيحتاج أن يقسط الدينار على ما حصل في مقابلته من الدينار والدرهم، فإذا قسطا يؤدي إلى التفاضل، أو الجهل بالتماثل على ما سبق ذكره.
فرع آخر
لو ميز الصغار من الكبار في نوع واحدٍ من التمر فباع صاعًا من الصغار وصاعًا من الكبار بصاع من الصغار وصاع من الكبار فهي كالمسألة التي قبلها. وإن لم يميز وأراد أن يبيع صاعين بصاعين ولا شك أنه يشتمل على عوض على الصغار والكبار فما حكم العقد؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز إذا كان بين أجزاء العوض تفاوت عن البعض في تحقيق المقابلة، والتقسيط ويؤدي ذلك إلى الربا، هو اختيار القاضي حسين.
والثاني: إن كان في كل واحد منهما صغار وكبار وكانت الصغار ظاهرة فيما بين الكبار بحيث يتبين ذلك للناظر إليه من غير تأمل لا يصح العقد، وإن لم يكن الصغار ظاهرة فيما بين الكبار بالعقد صحيح. كما لو باع أرضاً فيها معدن ذهب بذهب، فإن كان المعدن ظاهرًا لا يصح، وإن لم يكن ظاهرًا يصح. فعلى هذا يحتاج أن يفرق بين أن تكون الصغار [ق ٩٦ ب] مختلطة بالكبار، وبين أن تكون منفردة؛ لأنه لو التقط الصغار من الجملة وميزها عنها ثم باع الصغار والكبار بالصغار والكبار، فيكون الحكم على ما تقدم ذكره.
стр. 2312
والفرق أن عند التمييز كل نوع مقصود في نفسه، وعند الاختلاط بالجملة مقصودة، وكل نوع في نفسه غير مقصود ويظهر تمثيله، وهو أن الاختلاط لو باع صاعين بدرهمين ثم خرج أحد الصاعين مستحقًا لا يسترد بإزائه درهمًا، وإنما يسترد ما يقابله باعتبار القيمة، وأصحاب أبي حنيفة يلزمون هذه المسألة فيقولون، إن خلط الصيحاني بالبرني، أو الكبار بالصغار ثم باع صاعًا، بصاع يجوز عند ......... ولو أفرد كل واحد ثم باع المفرد من جانب آخر لا يجوز. وهذا مشكل وإن سلمنا والصحيح ما ذكرنا.
فرع آخر
إذا قال المشتري أسقطت الأجل لا يسقط في أصح الوجهين حتى لا يكون للبائع مطالبة في الحال؛ لأن إسقاط الصيغة لأي جوز مفردًا كما لو كان في ذمته دينار صحيح فقال صاحب الدين أسقطت الصحة وجعلته قراضة.
فرع آخر
لو قال: بعتك إلى شهر ثم قبل المقبول أبطل الأجل وجعله حالًا يبطل الإيجاب بالكلية، حتى لو قال المشتري قبلت لا يتم العقد؛ لأن الإيجاب وحده ليس بواجب فضعف حكمه، فإذا وقع على صفة [ق ٩٧ أ] لا يحتمل التغيير، فإذا غير سقط مقتضاه، وهكذا لو قال: بعتك على أنك بالخيار، ثم قال قبل القبول: أسقطت الخيار بطل الإيجاب.
فرع آخر
لو كان له دين حال فأوصى أن يؤجل إلى مدة لزم في حق الورثة؛ لأن التبرع بعد الموت يلزم كالوصية بالمنفعة بخلاف العارية.
فرع آخر
لو قال: إن سفي الله مريضي فللَّه عليَّ أن لا أطالبه إلى شهر، فهو كما لو نذر عيادة المريض وتشييع الجنازة فيه وجهان.
فرع آخر
لو قال لسقَّا اسقني الماء فناوله الكوز فوقع من يده وانكسر قبل الشرب، فإن كان بلا عوض لا يضمن الماء؛ لأنه بالإباحة، والكوز مضمون لأنه عارية في يده. ولو شرق عوضًا أو أطلق والإطلاق يقتضي العوض للعادة فالماء مضمون؛ لأنه أخذ العوض والكوز مضمون دون الماء، كما لو استعار إلى مدة فانقضت ثم تلف في يده قبل أن يرد، وإن كان بالعوض لا يضمن بقية الماء؛ لأن المأخوذ على العوض القدر الذي شربه، فيكون الباقي أمانة. وعلى هذا لو لأخذ ملك غيره ليشتري نصفه فهلك لا يضمن النصف
стр. 2313
الآخر، لأنه لم يقبضه بشرط الضمان.
فرع آخر
في حد الثمن وجهان:
أحدهما: النقد الغالب، وبه قال أصحاب أبي حنيفة؛ لأن الناس في عرفهم لا يعرفون الثمن إلا النقد، وإذا أخذ [ق ٩٧ ب) النقد عن العقد يسمونه معاوضة ومقايضة.
وقال القفال ﵀: حد الثمن ما ألصق به الثمين؛ لأنه ﷺ قال في خبر الربا: "ولكن الذهب بالورق بالذهب" وكلامه لا يخلو عن فائدةٍ ولو اقتصر على قوله، لأنه من فائدته، وذلك بيان الثمن من الصيغة، فإذا باع الذهب بالورق فالورق ثمن، وإذا باع الورق بالذهب بالذهب ثمن، وعلى هذا لو قال: بعتك هذه الدراهم، بهذا الثوب، فعند عامة أصحابنا الثوب مبيع والدراهم ثمن. وعند القفال الثمن الثوب والدراهم مبيعة.
وإنما باع أحد النقدين بالآخر فعند عامة أصحابنا ليس في العقد مبيع، وعند القفال الذي خلا عن الباء مبيع.
وإذا باع أحد النقدين بالآخر فعند عامة أصحابنا ليس في العقد مبيع، وعند القفال الذي خلا عن الباء مبيع.
وإذا قال: بعتك هذا العبد بهذا الثوب ليس في العقد ثمن، وعند القفال ما اتصل به الباء ثمن.
ولو قال: اشتريت مائة درهم في ذمتك بهذا الثوب فالثوب مبيع والدراهم ثمن، ويجوز أخذ العوض عن الثمن في أحد القولين. وعند القفال الثوب رأس مال والدراهم مسلم فيها.
وإذا جوزنا السلم في الدراهم لا يجوز التصرف فيها قبل القبض. ولو قال: بعتك كرّ حنطة في ذمتي بهذا الثوب وذكر صفات الحنطة فالحنطة مسلم فيها بلا خلاف.
ولو قال: بعتك هذا الثوب بكر حنطة في ذمتك، فليس في العقد ثمن، ولكن الثوب رأس المال، والحنطة مسلم فيها، ويعتبر قبض الثوب في المجلس، وعند القفال الثوب مبيع والحنطة ثمن، فيجوز الاستبدال عن الحنطة إذا جوزنا الاستبدال عن الثمن قبل القبض، ولا يعتبر قبض الثوب في المجلس.
ولو قال: بعتك هذه الدراهم بثوب في ذمتك، فإن قلنا بالمذاهب فالدراهم ثمن والثوب مسلم فيه. وعند القفال الثوب هو الثمن ويجوز الاستبدال عنه قبل القبض والدراهم مبيعة.
فرع آخر
لو صالح من الدين على ثوب موصوف في الذمة، فإن لم يعين في المجلس فالعقد
стр. 2314
باطل؛ لأنه بيع دين بدين. ولو عين في المجلس فيه وجهان:
أحدهما: يصح؛ لأن المجلس كحالة العقد في الحكم والتعيين فيه كالتعيين عند العقد.
والثاني: لا يصح؛ لأن حالة المصالحة كان ديناً فيكون دينٍ بدينٍ، ويخالف ما لو أسلم دراهم مطلقة في شيء وأحضر في المجلس يجوز؛ لأن هناك لم يسبق لأحد البدين حكم الدينية، وههنا أحد العوضين دين قبل العقد والله أعلم.
باب السلف والرهن
[ق ٩٨ ب] قال: أخبرنا سفيان، وذكر الخبر.
وهذا كما قال: السلم والسلف واحد يقال: سلف وأسلف، وأسلم يجيء فيه سلم، ولكن الفقهاء لا يستعملونه، وكل ذلك بمعنى واحدٍ، وعقد السلم جاز وهو أن يسلم عوض حاضر بعوضٍ موصوف في الذمة إلى أجل معلوم أو حال على بينة. والأصل في جوازه الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البَقَرَة: ٢٨٢] وأراد به المسلم؛ لأن الدين إلى أجل لا يكون إلا فيه، وروى الشافعي رحمة الله عليه بإسناده عن ابن عباس ﵁ أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى قد أحله الله تعالى في كتابه وأذن فيه، ثم قرأن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البَقَرَة: ٢٨٢].
وأما السنة فما روى الشافعي رحمة الله عليه بإسناده عن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قدم المدينة وهم يسلفون في الثمن السنة وربما قال: والسنتين والثلاث فقال: "من أسلف فليسل في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم".
وروي عن أبن أبي أوفي ﵁ قال: كنا نسلف على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄ في الطعام [ق ٩٩ أ] والتمر والزبيب والشعير.
وأما الإجماع فلا خلاف بين المسلمين فيه، وهذا لأن للناس حاجة إلى ذلك؛ لأن أرباب الضياع والثمار يحتاجون إلى الإنفاق وقد لا يجدون النفقة، فجوز لهم السلم ليسترفقوا به ويرتفق المسلم بالاسترخاص.
وروي عن سعيد بن المسيب - رحمة الله عليه - رواية شاذة أنه أبطل السلم وهو خلاف وعندي أنه لا يصح عنه.
стр. 2315
مسألة
قَالَ: "وَقَدْ أَذِنَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الرَّهْنِ وَالسَّلَمٍ فَلَا بَاسَ بِأَخْذِ الرَّهْنِ والحَمِيلِ فِيهِ".
وهذا كما قال: يجوز أخذ الرهن بالمسلم فيه وكذلك الحميل وهو الضامن، فإن لم يؤد بيع الرهن المرهون بحبس الأثمان، ثم اشترى منه المسلم فيه. ولا يجوز أن يباع الرهن بحبس المسلم فيه إلا بالرضا وكذلك يطالب الضامن إن شاء.
وقال سعيد بن جبير، والأوزاعي: لا يجوز أخذ الرهن والضمين فيه، وهذا غلط لقوله تعالى: ﴿إذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ﴾ [البقرة: ٢٨٢] إلى أن قال: ﴿فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] فأجاز الرهن في المداينة فيدخل فيها السلم، ولأنه حق ثابت في الذمة فجاز أخذ الرهن به كالثمن في المبيع، وكما جاز أخذ الرهن به جاز أخذ الضمين به كالثمن.
وروي عن ابن عباس، وابن عمر ﵃ أنهما قالا: لا بأس بالرهن والحميل [ق ٩٩ ب] في السلف.
فرع
لو دفع به ضامنًا ثم هو دفع الحق إلى الضامن عند المحل، فإنه جعله رسولًا جاز، وإن قال: حد هذا قضاء من ضمانات لم يجز، ولو تلف في يده يضمن لأنه أخذه على طريق البدل.
فرع آخر
لو تفاسخا السلم وكان أخذ بالسلم رهنًا لم يكن له حبس الرهن لاسترجاع رأس المال، وقال أبو حنيفة ﵀ له ذلك. وهذا غلط لأنه لم يرهن به ولا يجوز حبسه له.
فرع آخر
اختلف أصحابنا في السلم هل هو غرر؟ على وجهين:
أحدهما: لأنه ليس بغرر كبيع العين.
والثاني: أنه غرر كالإجارة لأنه على معدوم وهو الأظهر.
فرع آخر
لو عقد السلم بلفظ البيع كقوله: بعتك هذا الدينار بقفيز حنطة موصوفة هل يكون بيعاً أو سلماً؟ وجهان:
أحدهما: يكون سلمًا بلفظ البيع فيعتبر فيه القبض في المجلس، وهذا أصح كما في
следующие страницы →