← Фикх шафии

Фикх шафии · id 16934

بحر المذهب للروياني

عَبْد الواحِد الرُّوْياني

Полный текст (7 151 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

ويجبر المتولين والأغنياء وأولادهم الناس على الإشباع والكفاية، لأن الأسعار وإن ارتفعت فلا يكاد يعدم الفقراء من يتصدق عليهم بثمن الطعام. واحتج مالك ﵀ بما روى عن عمر ﵁ أنه مر بحاطب في سوق المصلي [ق ١٥١ ب] وبين يديه غرارتان فيهما زبيب، فسأله عن سعرها كل مدين بدرهم، فقال له: حدثت بعير مقبل من الطائف وهم يعتبرون بسعرك، فإما أن ترفع في السعر، وإما أن تدخل زبيبك البيت فتبيعه كيف شئت. فدل على جواز التسعير. وروى عن علي ﵁ أنه سعر على قوم طعاماً فخالفوه فحرقه عليهم من الغد. والجواب ما ذكره الشافعي ﵀ قال: هذا الذي رواه مالك بعض الحديث، وتمام الحديث: أنه لما رجع حاسب نفسه كل ليلة لما جرى في يومه فوجد في حسابه أنه سهر الحاطب، فأتى حاطباً في جوف الليل، وقال: إن الذي قلت ليس بعزيمة مني ولا قضاء، وإنما هو شيء أردت به الخير لأهل البلد، فحيث شئت فبع وكيف شئت فبع. قال الشافعي: وهذا الحديث يقتضي ليس بخلاف لما روى مالك، ولكنه روى بعض الخبر أو رواه من رواه عنه، وهذا أتى بأول الخبر وآخره، ثم أشار إلى ما ذكرنا من القياس. وأما لفظ الحديث: "فسعر له مدين لكل درهم"، قرئ بتنوين اللام ورفع الدرهم "لكل درهم"، وهو اختيار القفال. ومعناه: كل مد بدرهم. وقرئ بتنوين اللام وخفض الدرهم، ومعناه: بعه مدين بدرهم. وهذا يحتمل اللفظان ثبتت به الرواية، ولا يختلف الحكم بذلك، وفي هذا الأمر دليل على أن الإمام إذا أمر بشيء وهو يريد به المصلحة وليس ذلك بحتم في الشرع فعليه تبيينه للمأمور على أن [ق ١٥٢ أ] مرادي بذلك المصلحة وليس ذلك بحت في الشرع لئلا يظن المأور خلافه. ولهذا أتى عمر ﵁ حاطباً في داره نبه على ذلك. وقال أصحابنا: المستحب للإمام أن يباشر مطالعة أحوال الأموال، ولا يرتفع عن ذلك كما كان عمر ﵁ يفعل. وأما خبر علي ﵁ فلا يصح وهو متروك بالإجماع. فرع إذا جوزنا التسعير في الطعام هل يجوز في علف البهائم؟ وجهان، لأن لها حرمة بالروح. فرع آخر إذا سعر الإمام فخالفه له أن يعزره، وهل يصح البيع؟ وجهان:

стр. 2382

أحدهما: لا يجوز، لأنه صار محجوراً عليه، ويجوز الحجر على الخصوص. والثاني: يجوز، لأنه لو باع في بيته يجوز. فرع آخر الاحتكار محرم في الجملة لما روي عن النبي ﷺ أنه نهى عن احتكار الطعام. وروى ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "الجالب مرزوق والمحتكر ملعون" وروى: "المحتكر ممحوق". وقال مالك ﵀: لا يجوز في الطعام وغيره من السلع. وقال: ليست الفواكه من الحكرة. وقال أحمد ﵀: لا احتكار إلا في الطعام خاصة لأنه قوت. وقال: في مثل مكة والمدينة والثغور، فأما في بغداد والبصرة فلا، لأن السفن تخترقها. وروى أن عمر ﵁ خرج مع أصحابه فرأى طعاماً كثيراً قد ألقى على باب مكة، فقال: ما هذا الطعام؟ فقالوا: جلب إلينا، فقال: بارك الله فيه [ق ١٥٢ ب] وفيمن جلبه. قيل له: إنه قد حكر، فقال: ومن حكره؟ فقيل: فلان مولى عثمان وفلان مولاك، فأرسل إليهما وقال: ما حملكما على احتكار طعام المسلمين؟ فقالا: نشتري بأموالنا ونبيع. فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من احتكر على المسلمين طعامهم لم يمت حتى يضربه الله بالجذام أو الإفلاس". وقال الراوي: فأما مولى عثمان فباعه، وقال: والله لا احتكر أبداً. وأما مولى عمر فلم يبعه، فرأيته مجذوماً مخدوشاً. قال صاحب "الإفصاح": معناه إذا احتكر في الأوقات التي يضطر الناس إلى ما احتكره ومس حاجتهم إليه. فأما إذا نقص السعر لكثرة الطعام وسعته فاشتراه طلباً للربح فيه كان جائزاً. وروى سعيد بن المسيد عن معمر بن أبي معمر أن النبي ﷺ قال: "لا يحتكر إلا خاطئ". فقيل لسعيد: إنك تحتكر، قال: ومعمر كان يحتكر. وتأويله أن المحرم نوع على ما ذكرنا. قال أصحابنا: وهكذا لو جلبه من بلد الرخص إلى بلده ليبيعه وقت الغلاء والحاجة بسعر اليوم يجوز؟ وربما يكون هذا حسنه، لأنه ينتفع به الناس. وكذلك إذا ارتفع من طعام فحبسه زماناً ليبيه وقت الحاجة يجوز إن كانت نيته أن لا يبيعه وقت حاجتهم وجوز مغالتهم إياه فهو حرام. وفي هذا روى ابن عمر ﵄ أن

стр. 2383

النبي ﷺ قال: "من احتكر طعاماً أربعين ليلة بريء من الله، وأيما [ق ١٥٣ أ] أهل عرصة أصبح فيهم امرؤ جائع فقد برئت ذمة الله منهم". ومن أصحابنا من قال: الاحتكار مكروه والنهي نهي كراهةٍ، والصحيح ما ذكرنا. وبه قال مالك وأبو حنيفة. فرع روى عن علي بن أبي طالب ﵁ أن النبي ﷺ نهى عن بيع المضطر، وبيع الغرر، وبيع الثمرة على نخلها قبل أن تدرك. وأراد: إذا اضطر إليه بالإكراه عليه فلا يصح. وقيل: أن يضطر إلى البيع لدين أو مصادره فيبيع بالوكس للضرورة. فالمستحب أن لا يبتاع على هذا الوجه ولكن يعان ويقرض ويمهل إلى اليسار، فإن عقد جاز في الجملة. باب ابتياع ذي الحق من أخذه وما لا يلزمه قبوله مسألة: قال: "وأصل ما يلزم المسلف قبول ما سلف فيه أنه يأتيه به من جنسه". وهذا كما قال: إذا أتى المسلم إليه بالمسلم فيه لا يخلو من ثلاثة أحوال، إما أن يأتي به على الصفة التي تناولها العقد، أو أزيد منها، أو دونها. فإذا أتى به على الصفة لزمه قبوله، فإن امتنع من قبوله قيل له: إما أن تقبضه أو تبرئه من الحق، لأن له عرضاً أن تبرأ ذمته من حقك، فإن فعل وإلا قبضه الحاكم عنه وبريء المسلم إليه منه، لأن الحاكم ينوب عن الممتنع بولايته عليه، وليس للحاكم الإبراء، لأن الولي يملك القبض ولا يملك الإبراء. وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قول [ق ١٥٣ ب] لا يجبر على قبوله كمن لا حق قصاص لا يقال: إما أن تأخذ أو تبرئ. وهذا ضعيف، لأن في القصاص ذمته بريئة، وقد خرج من المأثم بالتمكين، ولأن هناك لا ضرر وههنا ضرر، لأنه ربما يطالبه بعد ذلك وقد أعسر، وهذا إذا لم يكن له غرض إلا براءة ذمته، فإن كان هناك غرض آخر بأن كان يحتاج في حفظه إلى مؤنة أو يخاف هلاك المال يجبر على قبوله وجهاً واحداً، فإن اختلفا في الوصف الذي شرطاه سئل أهل الخبرة، فإن قالوا: قد وجد هذا الوصف فيه أجبر على قبوله.

стр. 2384

قال الشافعي رحمة الله عليه: ويعتبر أقل ما يقع عليه اسم الوصف الذي شرطاه وإن كان هناك أجود منه، وإن أتى به دون صفته لم يلزمه قبوله، لأنه لا يجبر على إسقاط حقه. وإن أتى به فوق حقه لا يخلو إما أن يأتيه فوق صفته أو بنوع آخر أجود من نوعه، أو بجنس آخر خير من جنسه، فإن أعطاه من نوعه أجودهما شرط يلزمه قبوله، لأنه أتاه بما تناوله العقد وزيادة تابعة لما تناوله العقد تنفعه ولا تضره. ويفارق هذا إذا اشترى شيئاً بعينه وأعطاه من نوعه خيراً منه لا يلزمه قبوله، لأن العقد تناول عيناً فلا يصح في عين أخرى إلا بعقد جديد وفسخ الأول، وههنا ما يقبضه يعين فيه العقد الأول، وإن أتى به زائد القدر لا يلزمه قبول الزيادة، لأنه يمكن تمييزها ولا تكون [ق ١٥٤ أ] الزيادة تابعة لما تناوله العقد، بل هذا ابتداء هبة، وإن قبلها كانت هبة تفتقر إلى ما تفتقر فيه الهبة، وإن أتى بجنس آخر من المسلم فيه، مثل أن يسلم في التمر فيأتيه بالزبيب، أو يسلم في الشعير فيأتيه بالحنطة لا يجبر على قبوله، لأن هذا غير المعقود عليه، وإن أراد قبوله لم يجز، لأنه بيع المسلم فيه قبل القبض. ولو أتى بشاة حمراء بدل شاة سوداء يجوز إذا رضي، وإن كان نوعاً غير النوع الذي أسلم، مثل أن يأتي بالضأن بدل المعز، أو أتى بالزبيب الخراساني بدل الزبيب الرازي لم يلزمه قبوله، لأنه يختلف فيه الغرض. وإن كان ما أتى به أكثر قيمة، وهل يجوز أن يتراضيا؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز، لأن ذلك بيع المسلم فيه كما قلنا في الجنسين. وبه قال أبو إسحاق. والثاني: وبه قال ابن أبي هريرة: يجوز، لأنهما جنس واحد ويضم أحدهما إلى الآخر كالزكاة. وهذا أصح. وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قولان، وهو غريب. وقال أبو حامد ﵀: يجوز قبوله، وهل يلزم قبوله؟ فيه وجهان: أحدهما: يلزمه قبوله - وهو الصحيح - لأن زيادة النوع كزيادة الصفة، ولأنه لو لم يكن المبيع لم يجز قبوله. ولأن الشافعي رحمة الله عليه قال: "وأصل ما يلزم السلف قبول أن يأتي من جنسه" فاعتبر الجنس فقط ولا يصح هذا، لأن الشافعي قال: وإن كان زائداً يصلح ما يصلح له [ق ١٥٤ ب] ما أسفله فيه أجبر على قبضه، وقد يصلح أخذ النوعين لما لا يصلح الآخر فأخذ الزبيين يصلح للخل ولا يصلح الآخر له، وأخذ اللحمين يصلح في اللون من الآخر، ويخالف زيادة الصفة، لأن الغرض فيه موجود مع زيادة بالغة. وأما جواز الأخذ فلا أسقط ما عدمه من صفة النوع الذي عينه، فهو يأخذ كما يأخذ الرديء عن الجيد، ولا يشبه الجنس الآخر لا يجوز أخذه، لأنه لا يدخل في صفاته ولا في بعضها فافترقا. وعلى هذا أتى بثوبه مروي فكان ثوب هروي فهو زيادة النوع

стр. 2385

فرع لو أتى بجاموس بدل بقرة هل يجوز قبوله؟ وجهان. ولو أسلم في حمار وحشي فأتاه بأهلي، فإن قلنا لا يجوز في الجاموس فههنا أولى. وإن قلنا يجوز في الجاموس فههنا وجهان: فرع آخر لو اسلم في غنم فأعطاه غنماً خرجت من الظباء، والغنم فيه ثلاثة أوجه: أحدهما: يجوز قبوله. والثاني: لا يجوز. والثالث: إن كانت الأم غنماً يجوز قبوله وإلا فلا يجوز. مسألة: قال: "وإن كانت حنطة فعليه أن يوفيه إياها نقية من التبن". وهذا كما قال. إذا كان الحق حنطة فعليه أن يوفيه حنطة خالصة ليس فيها مدر ولا شعير ولا نصل ولا زوان، فإن جاء بها وفيها دقاق التبن أو التراب، فإن كان كثيراً لم يلزمه قبولها، فإن كان الشرط وزناً لا يلزمه [ق ١٥٥ أ] قبوله بحال، لأنه يأخذ قسطاً في الميزان. مسألة: قال: "وليس عليه أن يأخذ التمر إلا جافاً". وهذا كما قال: إذا كان الحق تمراً يلزمه ما يفع عليه اسم التمر، وهو إذا بلغ أول وقت الادخار، وليس له أن يطالبه بما تناهي خفافه، فلو أعطاه ما جاوز حد الرطب ولم يبلغ حد الادخار لم يلزمه قبوله، لأنه خفة. وقال مالك ﵀: إذا اسلم في جيد له أوسط ما ينطلق عليه الاسم. فرع يلزمه أن يقبل من أقاع التمر ما ألصق بها، لأنه أحفظ لها، ولا يلزمه أن يأخذ ما انفصل منها كالنوى. فرع آخر لو اسلم في لحم الطير والسمك، قد ذكرنا أنه لا يلزمه أخذ الرأس. وقال بعض أصحابنا

стр. 2386

بالبصرة: إن كان الطير صغيراً لا يحتمل أن يباع مبضعاً لزمه فيه أخذ الرأس والرجلين. وكذلك فيما صغر من الحب يؤخذ الرأس والذنب، لأنه يؤكل معه ويطبخ معه إلا أن يشترط قطع ذلك، كالعظم، وبهذا القول وجه ولكن المذهب خلافه، ولا فرق بين صغار ذلك وكباره، لأن الرأس والرجلين تتميز عن اللحم والعظم، داخل في اللحم، واللحم متراكب عليه فافترقا. فرع آخر أخذ الجلد مع اللحم، فإن كان لحم إبل أو بقر أو غنم لم يلزمه قبوله، وإن كان لحم طير أو حوت لزمه، لأنه مأكول معه ولا يكاد ينفصل عنه فكان أولى [ق ١٥٥ ب] أن يلزم قبوله من العظم الذي قد ينفصل عنه ولا يؤكل معه. وهكذا لو كان السلم في لحوم الجدي الصغار لزمه قبول الجلد فيه كما ذكرنا من المعرف المعتاد في أكله معها، وأنه لا يتميز في الغالب عنها. مسألة: قال: "وإن أعطاه مكان كيل وزناً، أو مكان وزن كيلا أو مكان جنس غيره لم يجز بحال". وهذا كما قال. كل موضع أراد قبض ما في ذمته فإنما يقبضه على الوجه الذي لزم في الذمة لو كان كيلاً فكيلاً، وإن كان وزناً فوزناً، ولا يأخذ مكان الكيل وزناً ولا مكان الوزن كيلاً، لأنه لا يعلم هل أخذ بعض حقه أم أكثر، أو فوق حقه. فإن خالف بغير ما وجب له كان وجب له قفيز طعام فأخذ مائة وعشرين رطلاً كان القبض فاسداً، فإن كان الطعام قائماً كلناه، فإن خرج وفق حقه فذلك، وإن كان دون حقه فعليه الفضل، وإن كان أكثر رد الفضل، وإن كان تالفاً فإن اتفقا على شيء حمل الأمر عليه، وإن اختلفا في القدر أو نفس الطعام فالقول قول القابض. وقال مالك، والثوري، والأوزاعي: إذا أصدقه في الابتداء فالقول قول البائع. وهو غلط، لأن الأصل عدم القبض وطريق القبض كان فاسداً ههنا. ولو تصرف هذا القابض قبل الكيل هل يصح؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز لأنه بيع المسلم فيه قل قبضه. والثاني: وهو [ق ١٥٦ أ] اختيار أبي إسحاق يجوز، لأنه دخل في ضمانه. وقد مضى نظير هذه المسألة. فإن قال قائل: إذا استحق عليه حنطة كيلاً فأعطاه وزناً فقد استوفي حنطة وحقه حنطة، فلم قال الشافعي: "فإنه بيع المسلم فيه قبل أن يستوفي"؟ قلنا: شبهه بالبيع بخلاف الرابع في الاستيفاء، فجعل بدل الاستيفاء كبدل المستوفي وذلك غير بعيد. وتقدير اللفظ

стр. 2387

ههنا لأنه كبيع المسلم فيه قبل الاستيفاء. ويحتمل أن يقال: جمع الشافعي بين المسائل الثلاث وانعطف تعليله على المالية وحدها، وهي قوله: "أو مكان جنس غيره". والعلة في المسألتين الأوليتين غير هذه وهي ما ذكرنا. ثم ذكر أن الاعتبار في الكيل والوزن بالحجاز، وبصاع رسول الله ﷺ دون سائر الأصع خلافاً لأبي حنيفة. وفائدة هذه المسألة في الربا لا في السلم، لأن السلم في المسلم في الكيل بالوزن يجوز، وقد ذكرنا قبل هذا. فرع روى علقمة بن عبد الله عن أبيه قال: نهى رسول الله ﷺ أن تكسر سكة المسلمين الجائزة بينهم إلا من بأس. وأراد به كسر الدراهم المضروبة على السكة. وقيل: إنه كره لما فيه من ذكر الله تعالى. وقيل: كره لما فيه من الرصعة وفيه تضييع المال. وقال ابن سريج ﵀: كانوا يرصون الدراهم [ق ١٥٦ ب] ويأخذون أطرافها فنهوا عنه. وقال بعض أهل العلم: إنما كره قطعها وكسرها من أجل التدنيق. وقال الحسن: لعن الله الدانق وأول من أحدث الدانق. فرع آخر إذا مات المسلم إليه قبل الأجل وهناك ضامن عنه ولم يوجد الشيء، فالصحيح أن السلم باق والمسلم بالخيار في أصح الوجهين، فإن فسخ سقط الضمان. وإن مات الضامن فله مطالبة ورثته بالشيء إن وجد، وإن غرموه لم يرجع على المضمون عنه إلا بعد أجله إن كان ضمان أبيهم بأمره، وإن عدم الشيء فلا مطالبة له عليهم. فرع آخر إذا جعل المسلم فيه قبل قبضه هذا فالميت المسلم إليه لم يجزئه وإن كان المسلم إليه امرأة قالت: تزوجني عليه لم يجز. وكذلك الخلع. مسألة: قال: "لوجاء [بحقه] قبل محله". الفصل: وهذا كمال قال. إذا جاءه بالحق قبل محله لا يخلو من أحد أمرين، إما أن يكون له

стр. 2388

غرض في تأخيره إلى وقت محله مثل أن يكون رطباً أو لحماً أو غير ذلك مما يخاف تغييره وفساده إلى المحل أو كان شيئاً له حجم يحتاج إلى حفظه إلى مكان مثل القطن ونحوه إن كان يخاف تلفه، مثل الحيوان فيلزمه مؤنة علفة فلا يلزمه قبوله، وإن كان لا يخاف فساده ولا له مؤنة ولا يحتاج في حفظه إلى مؤنة كالدراهم والدنانير والرصاص [ق ١٥٧ أ] والحديد ونحو ذلك ينظر، فإن كان الوقت مخوفاً فلا يجبر أيضاً على قبوله. وقال بعض أصحابنا: إن كان الخوف موجوداً عند العقد هل يلزمه القبول؟ وجهان. وإن كان الوقت آمناً على قبوله لأنه لا غرض له في تأخير قبوله. وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قولان: أحدهما: هذا والثاني: لا يلزمه، لأنه ربما يستقرضه صديق له فيستحي أن يرده وما أشبه ذلك، فيريد أن لا يكون في يده ذلك. قال هذا القائل: إن كان للدافع غرض في ذلك مثل فك رهن أو إبراء ضامن، أو نجوم كتابة يريد أن يعتق بأدائه يلزم المستحق قبوله قولاً واحداً. وفيه ورد الحديث أن أنس بن مالك ﵁ كاتب سيرين، فجاء بالنجم قبله محله، فأبى أن يأخذه، فرفعه سيرين إلى عمر ﵁ وقال: أنه يريد أن أموت ويأخذ مالي وأولادي، فقال عمر ﵁: لتأخذنه ولأجعلنه في بيت المال وأحكم بعتق سيرين. وروى أنه أخذه منه وقال: اذهب فقد عتقت. قال هذا القائل: وهذا في غير السلم، فأما المسلم اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: هو من الجملة الثانية، لأن للمؤدي غرضاً في ذلك، وتلك أشياء ....... من إنقاذ المسلم فيه من أيدي الناس فينفسخ السلم أو يثبت فيه الخيار [ق ١٥٧ ب] للمسلم. ومنهم من قال: ليس هذا من الأغراض وهو من الجملة الأولى فيه قولان. وقال في "الحاوي": لو كان في سوق ينتظر ويتوقع زيادة سعر فيه وجهان: أحدهما: أنه قصد صحيح، وهذا عذر في تأخيره فلا يلزمه أخذه. والثاني: هذا المعنى لا يختص بالمسلم وإنما يختص بالسلم فلم يجز له عذر في تأخير القبض ويجبر على أخذه. فرع إذا أسلم ثوباً في ثوب فيه أوجه. أحدهما: يجوز حتى يتفاوتا في بعض الأوصاف.

стр. 2389

والثاني: لا يحتاج إلى هذا، ولكن إطلاق العقد يقتضي ثوباً آخر للعادة كما في نقد البلد، فإذا بقى بذلك الثوب لا يلزمه قبوله، فإن قبل كان تقليلاً واسترجاعاً لرأس المال. والثالث: يجوز، وإذا أتى به يلزمه قبوله. فرع آخر إذا جوزنا فجاء بذلك الثوب وألزمناه القبول فأراد إقالة السلم هل يجوز؟ وجهان: أحدهما: لا يجوز، لأن الإقالة ترد على عين ........ لا على ما في الذمة فيؤدي إلى أن يصير عين الثوب عوضاً ومعوضاً في الإقالة فلا يصح. والثاني: يجوز يقابلان في القيمة كما لو هلك رأس المال. فرع آخر لو قال: بعتك بعشرة من نقد كذا، فإن كان انقطع عن أيدي الناس بطل، لأنه لا يقدر على تسليمه، وإن كان موجوداً في تلك البلدة إلا أنه يحتاج في تحصيله إلى كلفة وطلب يصح نقداً [ق ١٥٨ أ] كان أو نسيئة. وإن كان عزيز الوجود نظر، فإن كان موجوداً عند المشتري أو كان مؤجلاً، ويمكنه تحصيله في تلك البلدة يصح. فإن لم يكن موجوداً عند المشتري والثمن حال لا يصح، لأنه التزم بالعقد تسليم ما لا يقدر عليه. وإن كان النقد لا يوجد في تلك البلدة ويوجد في بلدة أخرى، وإن كان الثمن حالاً أو مؤجلاً بأجل قصير لا يتمكن من إحضاره في تلك المدة لا يصح، وإن كان يتمكن من إحضاره يصح، ثم أن أحضره فلا كلام. وإن تعذر، فإن قلنا: أخذ البدل عن الثمن لا يجوز فحكمه حكم المسلم فيه إذا انقطع. وإن قلنا: يجوز أخذ البدل عنه يستبدل ولا يفسخ العقد. وقال بعض أصحابنا: للبائع فسخ العقد، لأنه تعذر وصوله إلى الثمن المستحق بالعقد كما لو أفلس. فرع آخر قال المسلم إليه: الجنس المستحق في هذه السنة فيه قلة ولا آمن أن يكون عند المحل منقطعاً فيطالبني برد رأس المال، فهل هذا غرض صحيح حتى يجبر المسلم على الاستبقاء إذا لم يكن فيه ضرر؟ وجهان: أحدهما: يجبر لأنه أمر محتمل. والثاني: لا يجبر لأنه أمر موهوم. فرع آخر لو جاء به غير مكان العقد ولا عرض في الموضع وليس فيه التزام غرامة، فهل

стр. 2390

يلزمه [ق ١٥٨ ب] قبوله؟ وجهان: فرع آخر لو جاء به وفي نقله مؤنة فقال: أنا التزم هذه الغرامة وأعطني أجرة النقل لا يلزمه قبوله في غير المكان المشروط. فرع آخر لو جاء بالمسلم فيه وخلى بينه وبين المالك. فإن قلنا: التخلية في البيع قبض فههنا وجهان، والفرق أن هناك الملك ثابت له في العقود عليه قبل القبض، والذي ترك عنده ملكه فجعلناه قابضاً له وههنا ليس الملك فيه له وإنما يملك بالاستيفاء ولم توجد حقيقة القبض فلم ينقل الملك فيه إليه.

стр. 2391

كتاب مختصر الرهن من كتابين جديد وقديم أعلم أن الرهن في اللغة دوام مال من عليه الحق ويبقيه بما عليه من الحق وهو مشتق من الثبوت والدوام تقول العرب: رهن الشيء إذا ثبت والنعمة الرهنة هي الثابتة الدائمة. ويقال: رهن رهناً ورهنت الشيء فهو مرهون ولا يقال: أرهنت إلا في شاذ اللغة. ولا يجوز أن يقال: أرهنته بمعنى ارتهنته، ولا يقال: أرهن إذا غل في السلعة، وأرهن ابنه إذا جعله رهينة وخاطر به. وقال ابن فارس: أهل الرهن حبس الثمن على حق، يقال: فلان رهن بكذا. قال الله : ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨] أي محبوس حتى يخرج من حقوق الله تعالى، ويجمع الرهن على رهون ورهان [ق ١٥٩ أ] والأصل في جواز الرهن الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿إذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] فأمر بالكتابة في الدين، ثم قال: ﴿وأَشْهِدُوا إذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] فأمر بالإشهاد، ثم قال: ﴿وإن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ ولَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] فأمر بالرهن في الدين وأخيراً من صفته أن يكون مقبوضاً. وقيل: معناه فارهنوا كقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] أي فحرروا، وقرئ هذا بقرائتين فرهن، فرهان، والرهان جمع وقوله رُهُن جمع الجمع. وقال الزجاج: يحتمل أن يكون ذلك جمع رهان أيضاً كما يقال: سقف وسقف وقيل: قوله: "فرهان" مستعمل في السبق والنضال، وفي قوله: "فرهن" مستعمل في المعاملات. والرهينة ليست من هذين بل هي مستعملة في أرهان النفوس. وأما السنة فروى جعفر بن محمد عن أبيه النبي ﷺ رهن درعه عند أبي الشحم اليهودي. وهذا مرسل رواه الشافعي ﵀. وروى مسنداً عن عكرمة، عن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ رهن درعه عند يهودي وأخذ منه شعيراً لأهله، وقيل: عدل النبي ﷺ في هذا عن أصحابه إلى اليهودي خوفاً أن يحابوه، واختلفوا هل مات قبل فكاكه أم لا؟ [ق ١٥٩ ب] قيل: مات

стр. 2392

قبل (فكاكه). وقيل: فكه قبل موته، لأنه ﷺ قال: "نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضي عنه" والصحيح أنه مات قبل فكاكه لما روى عكرمة، عن ابن عباس ﵄ توفي رسول الله ﷺ ودرعه مرهونة عند رجل من اليهود بثلاثين صاعاً من شعير. وأما الخبر الذي ذكرنا فمحمول على من مات ولم يترك وفاءه. وأما الإجماع: فلا خلاف بين المسلمين فيه. ثم أعلم أن أصل الوثائق بالحقوق ثلاث، رهن، وضمين، وشهادة لا تختلف باختلاف المكان، وكل وثيقة جازت سفراً، وكل ما جاز سفراً جاز حضراً. والإشهاد خوف التجاحد، والرهن، والضمين خوف الإفلاس والمنع. وقال مجاهد، وداود - رحمها الله -: لا يجوز الرهن إلا في السفر عند عدم الكاتب. واحتج بقوله : ﴿وإن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ ولَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] فشرط في السفر وعدم الكاتب، وهذا غلط لخبر اليهودي فكان ذلك الرهن بالمدينة، ولأن كل وثيقة تجوز في السفر تجوز في الحضر كالضمين، وأما الآية الكريمة التي ذكرناها قلنا: ذكر فيها السفر، لأن الغالب أن الكاتب والشهود لا تنعدم إلا في السفر لأشرط. مسألة: قال "أذن الله بالرهن في الدين، والدين حق فكذلك كل حق لزم [ق ١٦٠ أ] في حين الرهن". الفصل وهذا كما قال: الأمر بالكتابة والإشهاد والرهن أمر ندب لا وجوب، لأنه تعالى قال: ﴿َإنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] ولهذا قال الشافعي - رحمة الله عليه - أذن الله تعالى في الرهن ولم يقل أمر بالرهن. وأعلم أن هذه الإشارة إلى أن الآية وردت في دين مخصوص وهو دين السلم ولكن لا يختص جواز الرهن بذلك والكلام الآن في فصلين: أحدهما: فيما يجوز أخذ الرهن: والثاني: في الوقت الذي يجوز أخذ الرهن فيه. أما الأول فكل حق لازم في الذمة يجوز أخذ الرهن به، وقيل: كل حق ثابت في الذمة يصح استيفاءه من الرهن، وهذا الحد أولى وذلك مثل الأثمان في المبيعات والقرض. وأما الصلح، ومال الحوالة، وما الضمان، والأجرة في الإجازة، والمهر في

стр. 2393

النكاح، والعوض في الخلع، وقيم المتلفات وأرش الجنايات إذا كان محمداً واستقرت في ذمة الجاني، فإن أخل الشرطان أو أحدهما فكان الحق غير لازم لا يجوز أخذ الرهن به، فمن ذلك البيع لو قال المشتري للبائع: أعطني به وهذا لا يجوز، لأن عين البيع لا تثبت بنفي الذمة وكذلك سائر الأعيان في المغصوب والعارية، ويجوز ذلك، لا يجوز أخذ الرهن، وقال مالك ﵀: [ق ١٦٠ أ] كل عين مضمونة بالتلف يجوز أخذ الرهن عليها قبل التلف كالمغصوب ولا يجوز ذلك في الأمانة. وقال أبو حنيفة ﵀: كل عين كانت مضمونة بنفسها جاز أخذ الرهن بها ولا يجوز أخذ الرهن بالبيع، لأنه مضمون بفساد العقد. وهذا غلط، لأن قبل هلاك العين في يده لم يثبت الدين في الذمة ولا يصح أخذ الرهن به كالبيع، وإنما اشترطنا اللزوم لأن الله تعالى ذكر الرهن في الدين، والدين اسم للحق اللازم فرع لا يجوز أخذ الرهن بمال الكتابة، وقال أبو حنيفة: يجوز وهذا غلط، لأنه غير ثابت، لأن للعبد إسقاطه بتعجيز نفسه، لأنه إذا تعذر مال الكتابة لا يستوفي من الرهن فلا معنى له. وقيل: فيه وجهان لأصحابنا وليس بشيء. فإن قيل: الثمن قبل التفوق ليس بلازم وكذلك مدة الخيار الثلاث فيجب أن لا يجوز أخذ الرهن به كمال الكتابة. قلنا: الفرق أن الثمن قبل التفرق يؤول إلى اللزوم، فيكون في معنى اللازم خلاف مال الكتابة حق أيضاً، ولا يجوز أخذ الرهن به، وكيف عطف قوله فكذلك كل حق لازم على قوله: "والدين حق" قلنا: اللفظ الشافعي - رحمة الله عليه - ما ذكر في الأم: "والدين حق لازم" فكذلك حق لزم والمزني - رحمه الله تعالى - أخل [ق ١٦١ أ] بالنقل فحسن العطف وسقط السؤال. فرع آخر لا يجوز أخذ الرهن في الأمانات من الودائع ومال القراض والشركة ونحوها. وأما الجعل في الجعالة فإن كان بعد عمل العامل يجوز أخذ الرهن به لأنه لازم في الذمة، وإن كان قبل عمل العامل مثل إن قال: من جاء بعبدي الآبق فله دينار. فقال له رجل: أعطني به رهناً وأنا آتيك به، فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز لأنه غير لازم كمال الكتابة. والثاني: يجوز لأنه يؤول إلى اللزوم كالثمن في مدة الخيار، لأنه يلزم بالعمل دون العقد خلاف الثمن فيصير لازماً بالعقد فافترقا، ولهذا لا يوصف الحق بالوجوب قبل العمل خلاف الثمن وهذا أصح وهو اختيار صاحب "الإفصاح" والقاضي الطبري.

стр. 2394

فرع آخر وفي عقد السبق والرمي ينظر، فإن لم يكن محلل فهو جعالة، وإن كان هناك محلل ففيه قولان: أحدهما: أنه جعالة. والثاني: أنه إجازة وقد مضى حكم الجعالة في الجعالة، والأوجه في الإجازة. فرع آخر الدية على العاقلة لا يجوز أخذ الرهن بها قبل الحلول، لأنا لا نعلم هل يجب عليه ذلك عند الحول أم يجوز أن يموت أو يفتقر. وأما الحول فقد استقر على الموسر عند حلول الحول فيجوز أخذ الرهن به. فرع آخر المنافع على ضربين معينة وفي [ق ١٦١ ب] الذمة فالمعينة ما كانت مؤقتة بمدة، مثل أن يقول: أجرتك عبدي هذا شهراً للخياطة فلا يجوز أخذ الرهن بها، لأنه لا يمكن استيفاؤها من ثمن الرهن إذ لا يجوز استبدال الأجير كالعين المبيعة، وأما التي في الذمة مثل أن يقول: استأجرتك لتحصل لي خياطة ثوب كذا أو بناء كذا فيجوز أخذ الرهن فيه لأنه حق مستقر في الذمة له قيمة فيمكن استيفاؤها العمل من الرهن غير ممكن. فرع آخر كل حق يجوز أخذ الرهن به يجوز أخذ الضامن به، وفي الجعل الجعالة قبل العمل وجهان كما في الرهن وجهان، وكل حق لا يجوز أخذ الرهن به لا يجوز أخذ الضامن به إلا في مسألة واحدة وهي عهدة المبيع لا يجوز أخذ الرهن بها، وهو أن يقول المشتري للبائع: لا آمن أن يكون المبيع مستحقاً، فأعطني رهناً بالثمن الذي قبضته مني لا يجوز. وهل يجوز أخذ الضامن بها؟ نص الشافعي - رحمة الله عليه - أنه يجوز، وقال ابن سريج: فيه قول مخرج لا يجوز، لأنه ضمان ما لم يجب، والمذهب الأول وليس بضمان ما لم يجب، لأنه لم يكن المبيع مستحقاً فلا ضمان، وإن كان مستحقاً فهو ضمان مال واجب. والفرق بين جواز أخذ الضمان به وبين الرهن [ق ١٦٢ أ] أن البائع إنما باع المبيع لينتفع بالثمن، فإذا دفع رهناً بالعهدة تعطل عليه الرهن بإزاء الثمن فلا يحصل له منفعة البيع، وإذا أقام ضميناً لا يلحقه ضرر في ذلك، لأنه لا يتعطل شيء من منافع ماله فجاز. ومن أصحابنا من قال: لا يجوز ضمان الدرك حتى يقبض الثمن، ثم يضمن بعد ذلك

стр. 2395

ويكون ضمان الأعيان يصح في أحد الوجهين وفي هذا نظر، وأما الوقت الذي يجوز أخذ الرهن فيه فله ثلاثة أحوال: حالة بعد لزوم الحق وهو بعد وجود المبيع والقرض ونحو ذلك فيجوز أخذ الرهن فيها بلا خلاف. وحالة عند لزوم الحق وهو أن يقول: بعينه بألف وعندي هذا رهن به عندك، فيقول البائع: بعتكة بألف على أن ترهني عبدك هذا، فقال: اشتريت ورهنت يجوز لا يحتاج إلى أن يقول بعد ذلك ارتهنت، لأن الاستدعاء في الرهن قد وجد من البائع، ثم وجد الجواب، ثم لا يلزم هذا الرهن قبل القبض، فإن لم يقبض كان له فسخ البيع، وهذا إنما جوزناه للحاجة بأنه لم يعقده مع ثبوت الحق كان لمن عليه الحق بالخيار يبين أن يرهن وبين أن لا يرهن، وإذا شرطه في العقد صار من حقوقه إلا أنه لا يجبر عليه، ولكن متى امتنع ثبت له الخيار على ما ذكرنا، وقد قال أبو إسحاق العباس: يقتضي أنه لا يجوز [ق ١٦٢ ب] هذا الرهن، لأنه قبل لزوم الحق ولكن الشافعي - رحمة الله عليه - أجاره لوقوع الحاجة. فإن قيل: لم قال: "فكذلك كل حق لزم في حين الرهن" وما تقدم الرهن ومقتضى هذا اللفظ أن الرهن لا ينعقد حتى يكون الدين واجباً قبل عقد الرهن وفي حين عقد الرهن. قلنا: لا يشترط هذا لما بينا أن العقدين لو وقعا معاً كان جائزاً. ومعنى اللفظ في حين الرهن أو ما تقدم الرهن بإثبات الألف، وقيل: إن الشافعي قال بالألف، فغلظ المزني في النقل. وحالة قبل العقد عقد الرهن مثل أن يقول: خذ عبدي هذا رهناً عندك على أن تقرضني غداً، ثم أقرضه في وقته أو غداً لا يجوز الرهن، لأنه ما سبق الحق لا يكون وثيقة به حين لزومه كالشهادة، فإذا لم يكن رهناً يكون أمانة في يده، لأنه مأخوذ يسوم الرهن والمأخوذ رهناً أمانة، فكذلك المأخوذ يستوفيه، وقال مالك وأبو حنيفة - رحمهما الله -: يصح ذلك رهناً إذا قبض الحق، ووافقنا مالك في أن الضمان قبل الحق لا يجوز فنستدل به ونقيس عليه. فرع آخر لو قال: ألق متاعك في البحر وعلي ضمانه يصح، وليس ذلك بوثيقة، بل هو بدل مال على عوض صحيح، كما يقول: طلق امرأتك وعلى ألف درهم، أو اعتق عبدك وعلى كذا، لأنا جوزنا هناك قبله لأنه لا يمكنه [ق ١٦٣ أ] ضمانه بعد إلقائه في البحر ولا مع إلقائه بخلاف الرهن. ولو أراد الرهن به أو الضمين قبل الإلقاء لا يجوز وبعد الإلقاء يجوز كلاهما لأنه استقر الضمان عليه. فرع آخر إذا جوزنا نفقة الزوجة في قوله القديم فهل يجوز أخذ الرهن به وجهان: أحدهما: يجوز كالضمان.

стр. 2396

والثاني: لا يجوز كالدرك. مسألة: قال: "وَلاَ مَعْنَىِ للرَّهْنِ حَتَّى يَكُونَ مَقْبُوضًا ". الفصل وهذا كما قال، الرهن قبل القبض لا يلزم وإذا قبضه يلزم به جهة الراهن ولا يلزم من جهة المرتهن، فمتى قال: أبطلت الرهن أو فسخته زال الرهن. نص عليه الشافعي- ﵀ وقال مالك: يلزم بنفس العقد ويجبر على القبض كما قال في الهبة. وهذا غلط؛ لأن الله تعالى لم يحكم بصحة الرهن إلا بصفة وهي أن يكون مقبوضًا، ولأنه عقد إرفاق من شرطه القبول فلا يلزم إلا بالقبض كالقرض، ولأنه قال، لو مات الراهن لا يجبر وارثه على الإقباض. فدل أنه يلزم قبل القبض. وقال أحمد- ﵀: إن لم يكن مكيلًا ولا موزونًا يلزم من غير قبض بنفس العقد فنفس على المكيل حجة عليه. فإذا تقرر هذا قال الشافعي: من جائز الأمر حين رهن وحين أقبض، وفيه أربع مسائل: أحدها: أن يكونا [ق ١٦٣ ب] جائزي الأمر حين الرهن إلى حين القبض فيصح بلا إشكال. والثانية: أن يكونا جائزي الأمر حين القبض ولم يكونا جائزي الأمر وقت الرهن، أو أحدهما لم يكن جائز الأمر في تلك الحالة بأن كان ميتًا أو مجنونًا أو محجورًا عليه لسفه أو فلس لا يصح؛ لأن العقد لم يصح فلا يصح الإقباض من غير عقد. الثالثة: أن يكونا جائزي الأمر حين العقد ولم يوكنا جائزي الأمر أو أحدهما وقت القبض لا يصح ولا يلزم الرهن، لأن القبض شرط في صحة الرهن فافتقر إلى الرشد كالعقد. والرابعة: أن يكونا جائزي الأمر وقت الرهن والإقباض، ويمكن تخلل بينهما جنون أو حجر، فظاهر المذهب أن ذلك لا يؤثر ويصح وهو ظاهر النص ههنا؛ لأنه قال: "من جائز الأمر حين رهن وحين قبض "فاعتبر الطرفين دون الوسط، وقد قال بعد هذا: "لو مات المرتهن قبل القبض فللراهن تسليم الرهن إلى وارثه وبيعه ولم يبطل بالموت "فالجنون أولى أن لا يبطله. وقال أبو إسحاق: يبطل الرهن بالجنون قبل القبض لأنه عقد جاز فبطل بالجنون كالوكالة والشركة، وهذا اختيار جماعة من أصحابنا بخراسان، وقالوا: ذا هو المذهب ومراد الشافعي بما ذكر بقاء صفة جواز الأمر من وقت العقد إلى وقت [ق ١٦٤ أ] الإقباض

стр. 2397

فجعل قولان مخرجان. وقال الماسرجسي: كان أبو إسحاق- ﵀ يقول ذلك، ثم رجع عنه وقال: لا يبطل الرهن؛ لأن الراهن يؤول إلى اللزوم بخلاف الشركة فهي كالبيع في مدة الخيار، ولأن الوكالة تبطل بموت الوكيل والموكل والرهن لا يبطل بموت المرتهن بالإجماع فافترقا. فرع لو رهن السكران شيئًا. قال بعض أصحابنا بخراسان: صح رهنه في أصح القولين؛ لأن حكمه حكم الصاحي وحكمه يأتي مشروحًا إن شاء الله. فرع آخر إذا قلنا: لا يبطل الرهن بالجنون فرهن وهو جائز الأمر ثم زال عقله ثم أقبضه وهو مجنون لا حكم لإقباضه ثم ينظر فيه، فإن كان له فيه غبطة حتى يجوز له ابتداء عقد الرهن في مثلها جاز له تسليمه إليه، وهذا بأنه كان له مشروطًا في بيع فيه قبل أن يسلم الرهن فسخه البائع، وإن لم يكن غبطة بأن لم يكن مشروطًا في عقد بيع لا يجوز له تسليمه هكذا ذكره جماعة أصحابنا، وقال بعضهم في موضع الغبطة وجهان: أحدهما: لا يجوز له تسليمه، لأنه ليس للولي أن يخرج من ماله ما ليس بلازم له. وهذا ضعيف عندي. فرع آخر لو كان له غرماء سواه وقد حجر عليه لا يجوز له تسليمه إلى واحد [ق ١٦٤ ب] منهم؛ لأن حق جماعتهم عنهم تعلق به وبيع في حقوقهم، ولا فرق بين أن يكون الراهن قد أذن للمرتهن في قبضه قبل الحجر أو لم يكن قد أذن لم يكن قبضه. فرع آخر لو خرس الراهن، قال في "الأم": إذا خرس أو زال عقله قبل قبض الرهن لم يكن للمرتهن القبض، قال أصحابنا: أراد إذا صار بحيث لا يفهم إشارته ولا تعقل إرادته فهو كالحجر عليه، فأما إذا عقلت إشارته فهو كالناطق، فإن قيل قال في "الأم": "متى زال عقل الراهن قبل قبضه لم يكن للران القبض لأنه لم يسلطه على قبضه "وهذا يدل على أنه لو سلطه على قبضه ثم زال عقله يجوز له قبضه، قلنا: له تأويلان: أحدهما: فرض المسألة فيه إذا رهنه عينًا في يد المرتهن وديعة أو غيرها وأذن بقبضها وأتت مدة يمكنه القبض فيها، ثم زال عقل الراهن فلا يقدح في (الرهن) لأنه

стр. 2398

زال بعد لزوم الرهن. والثاني: فائدة هذا أنه إذا أذن به، ثم زال عقله، ثم اختلف وليه والمرتهن فقال المرتهن: قبضت قبل زوال عقله، وقال الولي بعد ذلك فالقول قول المرتهن؛ لأن العين في يده. ولو كان هذا الإختلاف قبل الإذن في القبض لم يكن القول قول المرتهن. مسألة قَالَ: "وَمَا جَازَ بَيْعُهً جَازَ رَهْنُهُ " [ق ١٦٥ أ]. الفصل وهذا كما قال. كل عين يجوز بيعها يجوز رهنها من مشاع وغيره لا يفترقان في الجواز بحالِ، وإنما يفترق في الأموال، وبه قال مالك، والأوزاعي وابن أبي ليلى، وعثمان البتي، وسوار القاضي، وعبيد الله العنبري، وأبو ثور، وداود، وأحمد- ﵏، وقال أبو حنيفة- ﵀: لا يصح رهن المشاع ولو طرأت الإشاعة هل يبطل الرهن؟ روايتان. وهذا غلط؛ لأن كل عين جاز بيعها جاز رهنها كما تقرر. وهذه المسألة مبينة على أن استدامة القبض شرط عنده في صحة الرهن، وبه قال مالك- ﵀ وعندنا ليست بشرط لأنه عقد من شروطه القبض، ولا يعتبر استدامته كالهبة مع أبي حنيفة، والقرض مع مالك، ثم إذا رهن المشاع لا يلزم إلا بالقبض وبقبضه المرتهن كما يقبضه المشتري، فإن اتفق المسترهن والشرك على أن يكون في يد أحدهما كان في يده، وإن تنازعا وقال كل واحد منهما: يكون في يدي فالحاكم ينتزعه من أيديهما ويكري عليهما أو يضعه على يدي عدِل. وقال ابن القاص: الأساء على أربعة أضرب؛ منها ما يجوز بيعه ورهنه وما لا يجوز بيعه ولا رهنه كالوقف والمكاتب وأم الولد والكلب ونحوها، ومنها ما يجوز بيعه ولا يجوز رهنه وبيعه كجارية [ق ١٦٥ ب] لها ولد صغير يجوز رهنها على الإنفراد ولا يجوز بيعها على الإنفراد، ومنها ما اختلف القول في وهو الطعام الرطب، والمدبر، والثمرة قبل بدو الصلاح يجوز بيعها وفي رهنها قولان، وهذا غير صحيح لأنه ليس على قولنا ما يجوز بيعه ولا يجوز رهنه، والأمة غذا كان لها ولد صغير يجوز رهنها وبيعها أبيضًا لأنها تباع مع ولدها، وإن لم يجز بيعها وحدها في أحد القولين ويجوز رهنها وحدها؛ لأن البيع يفرق بينهما والراهن لا يفرق، فكذلك اختلفت الأحوال في الحقيقة وكذلك الطعام الربك يجوز رهنه بحق حاِل، وفي المؤجل كلام نُنبه عليه في موضعه إن شاء الله تعالى، فإن قال قائل: علة الشافعي على هذا الإطلاق تنتقص بالدين، فإنه إذا كان له في ذمة غريمه دين مستقر يجوز بيع ذلك منه بعين على معنى الاستبدال، ولا يجوز رهنه. قلنا: قصد الشافعي- ﵀ به إبطال مذهب من منع رهن المشاع ولم يقصد تحرير

стр. 2399

الاعتدال والثاني العلة محورة عن هذا؛ لأن ما جاز بيعه جاز رهنه وقبضه فقيد الرهن بقبضه، والدين إذا رهن كان رهنًا لا يتأتي قبضه، والعلة والحكم يعترض كل واحد منهما على الآخر ثم يشتغل بالمناقضة [ق ١٦٦ أ] فربما يدفع بالحكم وربما يدفع بطلب الاعتلال، ومن أصحابنا من قال: يجوز رهن ما في الذمة عند الغير كما يجوز الهبة في أحد الوجهين، وهذا خلاف النص. وهكذا الجواب إن قيل ينتقض بالمنافع يجوز بيعها بعقد الإجارة ولا يجوز رهنها مع أن الإجارة ليست ببيع على الإطلاق. فرع آخر لو كانت دار بين رجلين فرهن أحدهما بينهما ماعًا من بيت منها. قال ابن سريج- ﵀: إن كان بإذن شريكه يجوز، وإن كان من غير إذنه فيه وجهان: أحدهما: يجوز كما لو رهن جميع حقه منها. والثاني: لا يجوز لأنه قد يقاسمه شريكه فيقع هذا البيت في نصيب غير الراهن فيستضر بذلك. مسألة: قَاَلَ: "وَلَوْ مَاتَ الْمُرْتَهِنُ قَبْلَ الْقَيْضِ فَلِلرَّاهِنِ تَسْلِيمُ الرَّهْنِ إِلَى وَارِثِهِ وَمَنْعُهُ ". وهذا كما قال. نص الشافعي- ﵀ ههنا على أن الرهن لا يبطل بموت المرتهن. وقال في موضع آخر: "إن مات الراهن قبل القبض لم يكن للمرتهن أن يقبض الرهن وكان أسوة الغرماء، فقال جماعة من أصحابنا: معناه أنه الفسخ بموت الراهن، واختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: ينقل جواب إحدى المسألتين إلى الأخرى [ق ١٦٦ ب] وفيهما قولان: أحدهما: يبطل بموت كل واحد منهما. والثاني: لا يبطل أصلًا. ومنهم من قال: يبطل بموت الراهن دون المرتهن، والفرق أن الحق يحل بموت الراهن فلا معنى للرهن بعد الحلول ولا يحل بموت المرتهن فيحتاج وارثه إلى قبض المرتهن. وقال أبو حامد- ﵀: قول واحد لا يبطل بالموت أصلًا. ونص في غير موضع على أنه لا يبطل بموت واحد منهما. وقوله في موت الراهن المرتهن أسوة الغرماء لا يقتضي بطلان الرهن، ولكن معناه لا يجوز تخصيصه به لأجل الغرماء، فإن رضوا به

стр. 2400

جاز. وقيل: قال أبو إسحاق- ﵀: يبطل بالموت كما يبطل بالجنون وقد بينا فساده. وإذا تقرر هذا نظر، فإن مات المرتهن قام وارثه مقامه في الدين، والدين بحاله والراهن بالخيار إن شاء قبض، وإن شاء منع فإن أقبض فلا كلام، وإن منع نظر، فإن كان في دين فلا خيار لوارث المرتهن، وإن كان في بيع له الخيار في إمضاء البيع وصحته، وإن مات الراهن حلّ عليه الحق إن كان مؤجلًا وتعلق بتركته وهذا الرهن من تركته، فإن لم يكن عليه دين سواه والوارث بالخيار بين أن يقبضه من عين هذا الرهن أو من غيره إلا أن يتراضيا بتأخير الحق وقبض هذا الرهن به بالعقد الأول فيصح، وإن كان عليه دبن [ق ١٦٧ أ] سواء فالمرتهن أسوة الغرماء ولا يكون أحق بالرهن من غيره إلا أن يتطوعوا بإفراده، فإذا أقبضه الوارث كان أحق به من غيره. وقال أبو حنيفه- ﵀: إذا شرط الرهن في البيع يجبر الراهن على إقباضه لأنه بالشرط صار صفة العقد لازم. وهذا غلط لما ذكرنا. فرع لو مات البائع قبل إقباض المشتري الرهن وورث ممن لا يجوز أمرهم لصغرهم، فإن لم يكن لهم حظ في إمضاء البيع بلا رهن يجب على وليم أن يفسخ البيع، وإن كان لهم في إمضائه حظ لوفور الثمن، فإن كان الراهن والمشتري معسرًا أو غير أمين فعلى الولي أن يفسخ أيضًا، وإن كان أمينًا موسرًا في وجهان: أحدهما: يفسخ أيضًا لجواز تغير حاله. والثاني: لا يفسخ لما فيه من وفور الحظ، وإن كان العقد تم بغيره، وهذان الوجهان مخرجان من الوجهين في ولي ورثة الراهن هل يجوز له إقباض الرهن إذا كان في إقباضه حظ لهم أم لا؟ فرع آخر قال في "الأم ": ولو رهن عبدًا ثم باعه أو كاتبه أو أعتقه أو أصدقه زوجة أو رهنه ثانيًا وأقبضه بطل الرهن الأول، لأنه أزال ملكه ومات بالعقد الأول وإن أجاره لا يبطل؛ لأن الإجارة لا تنافي عقد الرهن فإنه لو أرهنه ثم [ق ١٦٧ ب] أجره صح وكان رهنًا بحاله. وهكذا لو رهن جارية ثم زوجها لا يبطل الرهن لأنه عقد على المنفعة فلا ينافي عقد الرهن على الرقبة، وقال بعض أصحابنا في الإجارة: إذا قلنا لا يجوز بيع المستأحر ينظر، فإن كانت مدة الإجارة تنقضي قبل حلول الحق لم يكن ذلك فسخًا، وإن كانت لا تنقذي إلا بعد حلوله بزمان كانت فسخًا للرهن.

стр. 2401

فرع آخر قال الشافعي- ﵀: "لو دبره كان رجوعًا عن الرهن ذكره في "الأم "، وفيه قول آخر لا يكون رجوعًا على الرهن، حكاه الربيع والقاضي أبو حامد، لأن تدبيره لا يمنع بيعه والأول المشهور؛ لأن موجب التدبير بالعتق وهو ينافي الرهن بدليل أنه لو رهنه ولم يقبضه كان رجوعًا، وإن كان ذلك لا يمنع من بيعه لأن موجبه ينافي الرهن الأول. فرع آخر لو قال: فسخت الرهن انفسخ، ولو أقر بأنها ملك لغيره بطل الرهن أيضًا، ولو رهنها وأقبضها بطل أيضًا، ولو وهبها ولم يقبضها نص الشافعي أنه يبطل ولا يختلف في هذا أصحابنا. وحكي عن الربيع أنه قال: يبطل تخريجًا لأنه لم يزل ملكه وهو غلط لما ذكرنا. فرع آخر لو وطئها فالرهن بحاله، ولو أذن للمرتهن في القبض، ثم جن [ق ١٦٨ أ] أو أغمى عليه وحجر عليه بطل إذنه ولم يكن للمرتهن قبضه، وإن أذن له ثم رجع عن إذنه قبل أن يقبض صح الرجوع، كما لو أذن له في بيع أو نكاح، ثم رجع وإن رجع بعد القبض لم ينفعه لأنه لزم بالقبض. مسألة: قَالَ: "وَلَوْ قَالَ: أَرْهَنُكَ دَارِي عَلَى أَنْ تُدَايِنَنِي فَدَايَنَهُ لَمْ يَكُنْ رَهْنًا حَتَّى يَعْقِدَ الرَّهْنَ مَعَ الحَقِّ أَوْ بَعْدَهُ ". وهذا كما قال: ههنا إبهام يوهم أن الرهن والمداينة لو كانا معًا لا يجوز، وهو في قوله "أرهنك داري على أن تداينني فداينه، وإزالة هذا الإبهام معناه تدايني غدًا أو بعد غد لا في حال المعاقدة، والدليل على أن هذا مراده أنه قال في آخره: "لم يكن رهنًا حتى يعقد مع الحق أو بعده "ولما أثبت الألف ههنا حيث قال: "أو بعده "ظهر غلط المزني- ﵀ حيث قال في حين الرهن وما تقدم الرهن من غير الألف فدل هذا على إثبات الحق والألف هناك أيضًا. مسألة: قَالَ: "وَيَجُوزُ ارْتِهَانُ الحَاكِمِ وَوَليِّ المَحْجُورِ عَلَيْهِ وَرَهْنُنُمَا عَلَيْهِ فِي النَّظَرِ لَهُ ".

стр. 2402

الفصل وهذا كما قال: جملة هذا أن الرهن ضربان: ضرب برهن في حق نفسه يكون مطلق التصرف فيما له في الحظ، وفيما لاحظ له فيه، وضرب برهن في حق غيره فنقول: [ق ١٦٨ ب] الناظر في حق الغير خمسة؛ الأب، والجد، والوصي من قبل أحدهما، والحاكم، وأمين الحاكم، وكلهم ولي أسباب الولاية تختلف فالأب والجد يليان أنفسهما، والوصي يلي من قبل أحدهما، والحاكم يلي من قبل الإمام، والأمين يلي عن الحاكم. وكذلك جهات التصرف تختلف فالأب والجد يختصان بأنه يجوز: لكل واحد منهما أن يرهن له من نفسه ويرتهن لنفسه منه، كما يجوز لهما ذلك في البيع والشراء، وليس ذلك لمن عداهما من الأولياء؛ لأن التهمة منتفية عنهما لكونهما كاملي الشفقة بخلاف غيرهما. فإذا تقرر هذا فالكلام في فصلين. أحدهما: في الإرتهان، والثاني: في الرهن. فأما الإرتهان فلا يخلو إما أن يكون في بيع أو قرض، فإن كان في بيع. قال الشافعي- رحمة الله تعالى-: "لا يجوز إلا أن يبيع فيفصل "وفيه مسائل: أحدها: إذا كان له عبد يساوي مائة نقدًا فباعه إلى سنة، فإن باعه بمائة إلى سنةٍ فالبيع باطل سواء كان برهن أو بغير رهن؛ لأنه باعه بأقل من ثمنه، وإن باعه بمائة وعشرين بشرط أن تكون المائة نقدًا والعشرون إلى سنة جاز، لأنه فضل بغير غرر، وإن باعه بمائة وعشرين إلى سنة بغير رهن فالبيع باطل؛ لأن فيه غررًا. وإن باع برهن [ق ١٦٩ أ] ولا يسوي مؤجلًا أكثر من ذلك، فنص الشافعي أنه يجوز، وهو اختيار أبي إسحاق وجماعة، لأنه لا يمكنه أن يبيع فيفصل هكذا في غالب العادة، وقد أمرناه بالتجارة وطلب الربح. ومن أصحابنا من قال: لا يجوز لأنه تغرير بماله معناه يأخذ رأس المال نقدًا والزيادة إلى سنة، فإذا جوزنا ذلك وأخذ رهنًا لم يجز حتى يشهد بالحق مع أخذ الرهن، ويكون المشتري ثقة مليًا يؤمن من جهته الجحود والعجز عن إبقاء الثمن في الظاهر. وقيل: يجوز للولي أن يبيع مال اليتيم ثمنًا بخمس شرائط؛ أن يكون في الثمن فضل، وأن يكون المشتري ثقة موسرًا، وأن يكون الأجل مقتصدًا غير بعيد؛ لأن في بعده تغريرًا بالدين. وحده بعض أصحابنا بالسنة حتى إن كان الأجل زائدًا على السنة لا يجوز؛ وأكثر أصحابنا على أنه لا يتقدر بل يعتبر فيه عرف الناس، وشاهد الحال لأنه يختلف باختلاف السلعة والعادات. وأن يأخذ منه رهنًا، والخامس: أن يشهد عليه على ما ذكرنا فلو أدخل بهذه الشهادة فوجهان: أحدهما: يبطل البيع والرهن كما لو أخل بأحد الشروط الأربعة. والثاني: لا يبطل لأنه تأكيد والرهن أقوى استئنافًا من [ق ١٦٩ ب] الشهادة ذكره في "الحاوي "وعندي لا يلزمه أخذ الرهن لأنه بخلاف عرف التجارة في زماننا، وإن كان

стр. 2403

الارتهان في ذي نظر، فإن كان يدين ل قبل ل أرش من جناية أو دين عن أبيه إلى أجل جاز وهو احتياط، وإن كان في قرض فالقرض لا يجوز إلا بشرطين: أحدهما: أن يخاف هلاك ماله لنهب أو غرق. والثاني: أن يكون المقترض ثقة يودع ماله عنده، وإذا وجد الشرطان فأقرض وأخذ الرهن به يجوز؛ لأن الرهن وثيقة لا تضر وأمانة، وإن هلكت لا شيء عليه، وإن سلمت استوفي من ثمنها، فإن عدم الشرطان أو أحدهما لا يجوز إقراض ماله، فإن أقرض صار ضامنًا، ومن أصحابنا من قال: لا يجوز قرضه بحاٍل لأن ترك المال، وإن كان مخوفًا فالقرض مخوف أيضًا، فلم يجز أن يتعجل أحد الخوفين. ذكره في "الحاوي ". وهو ضعيف لأن القرض أقل عذرًا فجاز. فرع إذا ارتهن في حال النهب والفتنة لا ينبغي أن يرتهن منقولًا لأنه يخاف الهلاك على الرهن كما يخاف على ماله، ولكن يرتهن على ما لا يخاف عليه من أرض أو غيرها. فرع آخر لو رأى الحظ في أن لا يرتهن شيئًا لا يرتهن، وذلك بأن لا يأمن أن يرفع إلى [ق ١٧٠ أ] حاكم حنفي سقوط الدين بتلفه. وقال في "الحاوي ": يعتبر في صحة القرض ثلاثة شروط؛ أن يقرض لرجلِ ثقة ملئ، وأن يأخذ منه رهنًا فيه وفاء بالمال. ومن أصحابنا من قال: لا يجوز أن يأخذ رهنًا على القرض بخلاف البيع؛ لأن القرض إنما يجوز عند الخوف على المال فجوز أن لا يأخذ الرهن خوفًا عليه وهذا لا يصح؛ لأن المال إن تلف كان من ضمان المولى عليه، ولو تلف الرهن: لا يكون من ضمانه، فلم يجز له أن يخرجه من يده مع الإمكان. والثالث: أن يشهد عليه، وإن لم يشهد فيه وجهان على ما ذكرنا، وما تقدم أصح عندي. فرع آخر له أن يبيع ماله عند وجود شرطي جواز القرض نساء، ويكون أولى. ذكر أصحابنا. فرع آخر لو أقرض في غير موضع الجواز وتلف ذلك في يد المستقرض يجوز الإرتهان به، وهو في الحقيقة غرامة يتلف لا قرض، وما دامت العين باقية فهي واجبة الرد، والإرتهان بالعين لا يجوز.

стр. 2404

فرع آخر الأم تلي مال الولد بغير توليةِ في أحد الوجهين، وظاهر المذهب أنها لا تلي من غير تولية. فإذا قلنا: إنها تلي ذلك قامت أم الأم مثلها عند عدم الأم، وفي أب الأم وجهان على هذا الوجه [ق ١٧٠ ب]: أحدهما: له ذلك؛ لأن الأم إذا استحقت هذه الولاية فهو أولى. والثاني: ليس له ذلك كما لا حضانة له ولا إرث. فرع آخر إذا أراد الأب أن يبتاع مال ولده فيه وجهان: أحدهما: يعقد لفظًا فيقول: بعت كذا من مال ابني على نفسي بكذا وقبلت ذلك لنفسي. والثاني: يعقد بنيته دون لفظه؛ لأن الإنسان لا يخاطب نفسه، والأول أصح؛ لأنه لا يكون مخاطبًا نفسه؛ لأنَّا نجعل أحد اللفظين عن نفسه والآخر عن ابنه، فيصير كأنه مخاطب. ذكره في "الحاوي ". فرع آخر المكاتب هل يجوز له أن يرهن شيئًا؟ قال الشافعي رحمة الله عليه ههنا: ومن قال إنه لا يجوز ارتهانه إلا فيما يفضل من ولي أو أب لابن طفل، أو عبد مأذون له في التجارة فلا يجوز له أن يرهن شيئًا؛ لأن الرهن أمانة والدين لازم، فالرهن نقص عليهم وظاهر هذا أنه يجوز للمكاتب والمأذون أن يبيعا نساء بالفضل ويأخذ رهنًا. وقال الشافعي في "الكتابة ": غير أن المكاتب لا يبيع بدين ". واختلف أصحابنا في هذا، فمنهم من قال: هما لولي اليتيم فيما ذكرنا من المسائل، وقول الشافعي: "لا يبيع المكاتب بدين "معناه: بغير رهن، وهذا اختيار القفال. أو أراد إذا لم يكن [ق ١٧١ أ] فيه حظ. ومنهم من قال: لا يجوز لهما أن يبيعا بالدين إلا بإذن السيد لهما في ذلك صريحًا، وهو المراد ههنا، لأنه يأخذ رهنًا لا يتصرف فيه، ويخرج ما لا يتصرف فيه فلا يجوز. وتأويل ما قال ههنا: أن يبيع بمائة نقدًا وأخذ الرهن بالثمن حتى يحمله من البيت فيجوز ذلك في حقهما. وهذا اختيار القاضي الطبري ﵀. فرع آخر لو لم يدفع السيد إلى العبد المأذون مالًا وقال له: تصرف، هل له أن يتصرف بثمن

стр. 2405

مؤجل ومعجل؟ لأنه لا ضرر للسيد في ذلك حتى يحصل في يده فضل فيكون ذلك للسيد، ثم يكون حكمه حكم المكاتب والمأذون الذي دفع السيد إليه مالًا. وأما رهن مالِ من اليتيم، والمجنون، والمحجور بدين مؤجل في قرض أو ابتياع فلا يجوز إلا بشرطين: أحدهما: أن يكون الإقراض له أصلح من بيع ماله في نفقته، مثل أن يتوقع له عليه عقارًا ونماء ماشية أو ثمار أو زرع، أو دين يحل ل، أو يقدم مال غائب أو يكون له سلعة كاسدة يتوقع لها موسم. والثاني: أن يكون المرتهن لذلك ثقة يودع ماله عنده فههنا يجوز. وكذلك لو اشترى له ما يسوي ألفًا بخمسنائة ويرهن ما يسوي خمسمائة به فلا بأس؛ لأنه إن تلف حصل له ربح [ق ١٧١ ب] خمسمائة، والظاهر أنه لا يتلف، وهذا إذا كان لا يباع إلا برهن. وكذلك لو وقع نهب أو حريق يخاف على ماله، أو وجد أمينًا يشتري به شيئًا لا يرد عليه التلف من العقار ولا يتبعه إلا بشرط الرهن فرهن، ولا يتصور أن يستقرض منه شيئًا فيرهن في هذه الحالة ماله؛ لأنه يخاف على القرض الذي يأخذه ما يخاف على ارهن الذي تسلمه، فإن لم يوجد الشرطان أو أحدهما فيبيع ماله أصلح من رهنه والإقتراض له فلا يجوز رهنه، وهذا لأن الدين لازم والرهن أمانة، فيكون تلف الرهن عند المرتهن بغير ضمان ويبقى الدين عليه بحاله. وأما المكاتب والمأذون فليس لهما أن يرهنا من مالهما شيئًا إلا بإذن السيد، أو في الحال التي يجوز لولي اليتيم أن يرهن من ماله على ما بيناه. ولو قال للمأذون له تاجر تصرف كيف شاء حتى يفضل معه شئ فيكون كما لو دفع إليه مالًا، فإن قال قائل: ما معنى قول الشافعي- ﵀: "ورهنهما عليه في النظر له "في المسألة الأولى؟ قلنا: يحتمل معنيين: أحداهما: أراد بالرهن الإرتهان: فكأنه قال: يجوز ارتهان الحاكم وولي المحجور عليه إذا كان له ارتهانهما في النظر له. قالوا: وفي قول: "ورهنهما "واو الحال لا واو العطف، ولا بعد العبارة عن الإرتهان بالرهن [ق ١٧٢ أ] وعن الرهن بالإرتهان. والثاني: وهو الأصح أراد بالرهن حقيقة الرن لا إرتهان، وهما مسألتان اثنتان. قالوا: (و) حرف العطف لا واو الحال بدليل أنه قال: "ورهنهما له "ولو كان المراد به الإرتهان: "ورهنهما له في النظر له "ألا ترى أنه ذكر الإرتهان بهذه العبارة فقال: "ويجوز ارتهان الحاكم وولي المحجور عليه له "راجع إلى المحجور لا إلى الإرتهان. فإن قيل: التفسير يدل على أنه أراد به الإرتهان لا الرهن؛ لأنه قال: "وذلك أن يبيعا فيفضلا ويرتهنا "فاشتغل ببيان الإرتهان دون الرهن. قلنا: يجوز أن يجمع بين المسألتين ثم يعطف على إحداهما يفسرها ويعرض عن تفسير الأخرى، أو يؤخر تفسير الأخرى.

стр. 2406

فإن قيل: لو كان المراد بالرهن حقيقة الرهن كما ذكرت مسألة الرهن بعد هذه المسألة وقد كررها حيث قال: "ومن قلت لا يجوز ارتهانه ... " إلى أن قال: فلا يجوز أن يرهن شيئًا ". قلنا: يحتمل أن يكون هذا التكرير لكمال التقرير، فإنه جمع في أول الفصل بين مسألة الرهن ومسألة الإرتهان، ثم بدأ بنفس الإرتهان ثم رجع إلى مسألة الرهن لتفصيل القول فيها، فبين فيه معنى النظر الذي أطلقه في أول الفصل وهو ظاهر [ق ١٧٢ ب]. فرع آخر لو رهن الوصي عبد اليتيم ثم استعاره الوصي من المرتهن بعد القبض نظر، فإن استعاره لليتيم فلا ضمان؛ لأن له الانتفاع به، وإن كان مرهونًا، وإن استعاره لنفس لم يجز وضمن، وإن استعار مطلقًا ضمن؛ لأن الظاهر أنه استعاره لنفسه. فإن قال: استعرته لليتيم لم يقبل قوله فيه وضمن. فرع آخر لو خلف تركة وعليه ديون فأوصى إلى رجل بقضاء دينه من تركته فرهن الوصي شيئًا من تركته عند بعض غرمائه لم يجز، وإن كان الغريم واحدًا فرهنه عنده لا يجوز أيضًا؛ لأنه جعل إليه قضاء الدين فقط فلا ينصرف إلى غيره. فرع آخر لا يجوز للعامل في القراض أن يرهن أو يرتهن إلا بإذن رب المال، وإذا أذن له في الرهن لا يجوز إلا أن يحد له الدين الذي يقع الرهن به. نص عليه الشافعي ﵀. مسألة: قَالَ: "وَلَوْ كَانَ لابْنِهِ الطَّفْلِ عَلَيْهِ حَقَّ أَنْ يَرْتَهِنَ لَهُ شَيْئًا مِنْ نَفْسِهِ ". الفصل: وهذا كما قال. قد ذكرنا هذه المسألة، وظاهر كلام الشافعي رحمة الله عليه ههنا أنه رهن ماله عند نفسه أو رهن مال نفسه عنده يقتصر على أحد شطريه، فيقول: ارتهنت له من نفسي كذا وكذا، أو رهنت عبدًا من ماله على كذا وكذا، لأن الشافعي [ق ١٧٣ أ] اقتصر في تصوير المسألة على ذكر أحد السطرين، وفيه وجه أنه يفتقر إلى التلفظ بالشرطين كما في الشخصين المتعاقدين، وهذان الوجهان في البيع والشراء، وقد ذكرنا.

стр. 2407

مسألة: قَالَ: "وَإِذَا قَبضَ الرَّهْنُ لَمْ يَكُنْ لِصَاحِبِهِ إِخْرَاجه مِنَ الرَّهْنِ حَتَّى يَبْرَأَ مِمَّا فِيهِ مِنَ الحَقِّ ". وهذا كما قال. قد ذكرنا أن الرهن لا يلزم إلا بالقبض، وإذا قبض لزم من جهته؛ لأنه وثيقة، فلو لم يلزم لم تحصل الوثيقة، ثم ما دام جزء من الدين عليه وإن كان يسيرًا لا يخرج شئ من الرهون من الرهن، وكل جزء منه مرهون بكل الحق وبكل جزء منه، فإن كان الرهن كرا من طعام فذهب كله إلا قفيزًا كان القفيز رهنًا بالدين كله، ولو قضى الدين كله إلا حبة كان الكل رهنًا بالحبة. فرع لو رهنه مائة شاة بمائة درهم على أن كل شاة في مقابلة درم فدفع درهمًا، قيل له: أدفعت عن شاة بعينها؟ فإن قال نعم أخذها، وإن قال: بل دفعت عن الجملة خرج عشر كل شاةِ من الرهن. وقيل: متى تفاوتت القيم ليس له أخذ شيء من الرهن، وإن تساوت أخذ منها شاة. مسألة: قَالَ: "وَلَوْ أَكْرَى الرَّهْنَ مِنْ صَاحِبِهِ أَوْ أَعَارَهُ إِيَّاهُ لَمْ يَنْفَسِخ الرَّهْنُ ". وهذا كما قال. قد قيل: أراد به إذا أكرى الراهن [ق ١٧٣ ب] الشيء المرهون من المرتهن أو أعاره إياه لينتفع به لم يبطل الرهن. ولو تلف تحت يده عند الاستعارة ضمن؛ لأنه مستعير. وقال أبو حنيفة: إذا اكترى وارتهن فأخرهما يبطل أولهما. وقيل: إن الشافعي فسره بهذا في الرهن الصغير. وقيل: أراد به أن المرتهن لو أكرى من الراهن لا معنى للكري، إذا المنافع ليست ل حتى يكري، ولكن مع هذا لا ينفسح الرهن. وأما الإعارة يجوز أن يطلق هذا اللفظ ويراد به تمكين الراهن مع الانتفاع ولا يبطل به الرهين أيضًا. وقيل: وهو الصحيح أراد إذا أكري الراهن المرهون من المرتهن، ثم المرتهن أكرى منه أو إعارة ينفسخ الرهن، وتجوز الإجازة الثانية في أحد الوجهين، وإن كان الراهن مالك الرقبة فهو كالوجهين في جواز إجازة المستأجر من المالك: أحدهما: يجوز كما يجوز من غيره. والثاني: لا يجوز لأن المنافع من ضمان المالك فلا يجوز أن يضمن له بعد الإجارة وهي مضمونة عليه، وكيفما قلنا فالرهن به لا يبطل. وكذلك إذا كانت المنفعة

стр. 2408

للمرتهن بوصية فأجرها من الراهن وقصد به الرد على أبي حنيفة حيث قال: استدامة القبض شرط في صحة الرهن، وإذا استحق على المرتهن قبضه بطل الرهن. مسألة: قَالَ: "وَلَوْ رَهَنَهُ [ق ١٧٤ أ] وَدِيعَةِّ لَهُ فِي يَدِهِ ". وهذا كما قال. إذا رهنه شيئًا في يد المرتهن كالوديعة، والغصب، والعارية، والمأخوذ سومًا، أو تحوز ذلك صح؛ لأن ذلك أقرب إلى قبضه، ولابد من قبض بعد العقد، وهل يفتقر إلى الإذن بالقبض؟ قال ههنا: لابد من الإذن فيه ومضى مدةِ يتأتى فيه القبض. وقال في "الإقرار والمواهب ": إذا وهب عينًا في يد الموهوب به له فقلبها تمت؛ لأنه قابض لها بعد الهبة، ولو كانت في يد غيره فقبضها بغير إذن الواهب لم يكن له ذلك. واختلف أصحابنا في المسألتين على طريقين: قال أبو إسحاق ﵀: لا فرق بينهما فينقل بجوابه من كل واحدة من المسألتين إلى الأخرى ويجعل على قولين: أحداهما: لابد من اعتبار الإذن فيهما؛ لأن الشيء في يده على غير قبض الرهن والهبة، فلا يصير قبض هبةٍ ورهن إلا بإذن. والثاني: لا يعتبر الإذن فيهما؛ لأن إقراره على العقد إذن منه بالقبض، ولأنه لما لم يفتقر إلى الإذن في القبض. وقال بعض أصحابنا: المسألتان على ظاهرهما، والفرق أن الهبة تنقل الملك هي أكد من الرهن، كما لو باع لا يفتقر إلى الإذن في القبض، ويصير مقبوضًا له عقيب العقد. وهذا ضعيف. ومن أصحابنا من قال قولًا واحدًا يعتبر الإذن فيهما، وأراد بها ذكر في [ق ١٧٤ ب] الهبة إذا أذن في القبض، ولكنه أضمر هناك، وفي الرهن صرح وهذا أصح. والفرق بين الرهن والهبة والبيع أن البيع يوجب القبض فلا حاجة فيه إلى الإذن من البائع إذا كان الشيء في يده، والرهن والهبة لا يوجبان القبض؛ لأنهما تبرع فيحتاج فيما إلى إذنِ. وإذا تقرر هذا وأذن له بقبضه، فإن كانت الوديعة حاضرة في المجلس فأتى من الزمان ما يمكنه تناولها ورفعها من موضعها فقد صارت مقبوضة عن الرهن، وإن كانت غائبة عنهما. فإذا أتى من الزمان ما يمكنه الوصول إليها وتناولها فقد صارت مقبوضه؛ لأن قبض الشيء حصوله في يده من غير مانع إلا أن تكون الوديعة مما يزول بنفسه كالعبد والحيوان الذي هو غير مُوثق في موضع ببيعه، فلا يتحقق كونه في الموضع الذي تركه فلا

стр. 2409

يصح القبض حتى يصير إليه، أو يصير وكيله إليه مشاهدة نص عليه في "الأم "، وهو اختيار أبي إسحاق. ومن أصحابنا من قال: لابد أن يحضره ويشاهده، وإن كان عنده أنه لم يخرج من يده؛ لأن الشافعي ﵀ قال: "ولو كان في المسجد والوديعة في بيته لم يكن قبضًا حتى يصير إلى منزل وهو فيه" وهذا غلط وتأويل هذا اللفظ ما ذكرنا. وقال أبو حامد: المنصوص في "الأم "هذا وهو المذهب، وغلط أبو إسحاق [ق ١٧٥ أ] حيث حمل هذا على الحيوان دون العقار والثياب، ولفظه في "الأم "أنه لا فرق بين الحيوان وغيره، والعلة فيه أن يجوز حدوث حادث من سرقة أو حريق أو غصب ونحو ذلك في الكل. ثم قال: ومن أصحابنا من قال: لو أخبر مخبر أنه شاهده اقتصر على خبره، ويحصل القبض بمضي المدة. وقال: وهذا ليس بشيء، وما ذكرنا أولى، ذكره القاضي الطبري ﵀ وهو الظاهر، وقول الشيخ أبي حامد أقيس. وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قولان، فإن قيل: دعوى القولين محال لأن الشافعي قال أولًا: "فجاءت مدة يمكنه فيها القبض فهو قبض "، ولم يشترط الرجوع إلى منزله، ثم عطف على هذا أنه لا يصير قبضًا حتى يصبر إلى منزله وهما عطفان متقاربان؛ وأعرض الشافعي عن ذكر القولين في. قلنا: يحتمل أنهما مسطوران للشافعي في موضعين متباعدين فجمعهما المزني متعطفًا أحدهما على الآخر، وقد فعل مثل هذا كثيرًا. وقال حرملة من عنده: يلزم الرهن بنفس العقد ههنا ولا يحتاج إلى مضي المدة، ولم يساعده غيره من أصحابنا. وهذا غلط؛ لأن الرهن لا يلزم إلا بالقبض، وجملة ما ذكرنا أنه لا يحتاج فيه إلى النقل والتحويل لكونه في يده قولًا واحدًا، وهل يحتاج إلى الإذن في القبض؟ [ق ١٧٥ ب] على الاختلاف الذي بيناه. وهل يحتاج إلى المصير إليه ومشاهدته؟ على التفصيل الذي ذكرناه. فإذا تقرر هذا، لو تلف هذا الرهن بعد الحكم بالقبض انفسخ ولا خيار للمرتهن سواء كان في دين أو بيع، وإن كان التلف قبل الحكم بالقبض بطل الرهن. فإن كان في دين فلا خيار للمرتهن، وإن كان في بيع له الخيار، وحكم الوالد في مال الولد إذا رهنه من نفسه مثل هذا في هذه المسائل. مسألة: قَالَ: "وَلاَ يَكُونُ القَبْضُ إِلَّ مَا حَضَرَهُ المُرْتَهِنُ أَوْ وَكِيلُهُ ".

стр. 2410

وهذا كما قال. يحتمل أن يكون هذا ابتداء مسألة والرهن عين في يد الراهن فلا يكون قبضًا إلا أن يكون القبض من المرتهن أو وكيله ومشاهده، فإن اقتصر على القبض بالقول لم يكن قبضًا كما لا يكون قبضًا في المبيع، ولو وكل الراهن أن يقبض له من نفسه لا يجوز؛ وإنه لا يجوز أن يقبض من نفسه شيئًا لغيره. وعلى هذا لو أذن لعبد الراهن أو أم ولده بالقبض لا يلزم؛ لأن يده يد الراهن. ولو أذن لامرأة الراهن ومكاتبه بالقبض يلزم؛ لأن يده ليست يد الراهن. وقوله: "لاَ حَائل دُونَهُ": معناه لا يتم قبض الراهن إذا كان بينه وبين الرهن حائل يجول بينه وبين القبض يتنوع أنوعًا كثيرة يستغني عن ذكرها. ويحتمل أن يكون هذا [ق ١٧٦ أ] عطفًا على المسألة قبلها، وهي إذا كانت العين في يد المرتهن وهي غائبة عنهما لا يكون قبضًا إلا أن يحضره المرتهن أو وكيله، ويشاهده حال القبض، وهذا أشبه. لا أعتبر الحضور المجرد، وإنما يكفي ذلك فيما كان وديعة عند المرتهن، فأما ما كان في يد الراهن فيحتاج فيه إلى النقل والتحويل. مسألة: قَالَ: "وَالإِقْرَارُ بِقَبْضِ الرَّهْنِ جَائِزٌ إِلاَّ فِيمَا لاَ يُمْكِنُ فِي مِثْلِه ". وهذا كما قال. إذا رهن رجل عند رجل شيئًا يحضره شاهدين ثم رهنًا ليقبضه المرتهن ورجعا، وأقر الراهن بأن المرتهن قبضه وأمكنه ذلك يصح إقراره، ويجوز للشاهدين أن يشهدا عليه عند الحاكم لو تنازعا، وإن لم يمكن ذلك إلا نادرًا ولا غالبًا، مثل أن يرهنه دارًا بمكة وهما بمصر فأقر في يومه أن المرتهن قبضه لم يصح إقراره، ولم يجز للشاهدين أن يهدا عليه بذلك لعلمهما بكذبه واستحالة كون ما أقرّ به، وهذا أصل في الإقرار متى أمكن صدقه لزمه، وإلا فلا يلزم. ولهذا لو قال لزوجته: أمي من الرضاع وهي أكبر سنًا منه بحيث يختمل ذلك لزمه. وإن كانت في سنه أو أصغر سقط إقراره. فرع لو اختلفا بعدها رهن وأذن في قبضه فقال المرتهن: قبضه وأنكر الراهن. قال في "الأم ": "القول [ق ١٧٦ ب] قول المرتهن ". وقال في مسألة قبلها: "القول قول الراهن "وليست المسألة على قولين، بل على اختلاف حالين، والذي قال: "القول قول الراهن "إذا وجد في يد الراهن فقال المرتهن قبضته ورددته إليك. والذي قال: "القول قول المرتهن "؛ لأن الظاهر من حصوله في يده بعد إقراره بالإذن في القبض أنه باستحقاق، ولا يقبل قول الراهن: رجعت عن الإذن بالقبض ثم قبض من غير إذني.

стр. 2411

مسألة: قَالَ: فَإِنْ أَرَادَ الرَّاهِنُ أَنْ يُحَلِّفَ لَهُ المُرْتَهِنَ أَنَّهُ قَبَضَ مَا كَانَ أَقَرَّ لَهُ بِقَبْضِِ أَحْلَفْتَهُ ". وهذا كما قال. إذا أقر الراهن بأن المرتهن قد قبض الرهن ثم اختلفنا فقال الراهن: أقررت له بالقبض ولم يكن قبض لا يقبل قوله. فلو قال: أحلفوا المرتهن أنه قبض، قال الشافعي رحمة الله عليه: "أَحْلَفْتُهُ ". واختلف أصحابنا في هذا، قال ابن خيران وجمهور أصحابنا: يحلف، وهو ظاهر المذهب؛ لأنه دعوى لو صدقه فيها بطل إقراره، فإذا كذبه له استحلافه، ولا فرق بين أن يقول: إنما أشهد على نفسي وأقررت بقول وكيلي وقد بان لي أنه كذب فيه. أو قال: إنما توليت بنفسي عقد الرهن، وإنما قبضته بالقول، وإقراري مستند إلى قبض من جهة الفعل، وهذا لأنه عذر موهوم يحتمل ذلك، وجرت العادة [ق ١٧٧ أ] أن يقر بذلك قبل فعله ليفعله، وهكذا في البيع جرت العادة أن يقر البائع بقبض الثمن وإن لك يكن قبض ليقبض، فحلف المرتهن بالله لقد كان القبض قبضًا كاملًا وكذلك يحلف المتري ولم يكن على التأويل الذي ذكره الراهن أو البائع. وقال أبو إسحاق: المسألة على رهن غائب في بلد آخر فقال: أقررت بالقبض بكتاب لم يكن صحيحًا، أو كان وكيل كاذبًا فيحلف عليه له، فأما إذا كان الراهن حاضرًا فأقرَّ بقبضه لا يحلف المرتهن؛ لأنه لا عذر له فيما كان حاضرًا فلا يسمع دعواه بالقبض بعد إقراره به، وهذا لا يصح. ونص في "الأم "أنه يحلف بكل حاٍل. ذكره أبو حامد ﵀. فرع لو أقر هكذا ثم قال: أقررت وكذبت ولم يكن على حسب على ذكرنا، لا يحلف ولا يقبل قوله في ذلك. ونظير هذه المسألة لو أقر لرجل بماٍل وأشهد على إقراره ثم قال: كذبت ما له عليَّ حق، ولكن وعدته لم يقبل ولا يلتفت إلى قوله، فلو قال: أحلفوه حلف على قبول أكثر أصحابنا؛ لأنه قد يقر له على وعٍد يعده. وعلى قول أبي إسحاق لا يحلف إلا أن يضيفه إلى وكيله وأنه بان له كذبه. ولو قال: ما أقررت فحلفوه لا يحلف. وقال قال: هو ثمن خمر أو نحوها يحلف وحملته أنه لابد من تأويل يذكره حتى [ق ١٧٧ ب] يستحق الاستحلاف. فرع آخر لو قامت البينة على فعل القبض وما هدتهم فقال: ما أقبضه فاحلفوه لا يحلف؛ لأن فيه

стр. 2412

تكذيب الشاهدين. وهكذا لو قامت عليه البينة بالحق لا يحلف لئلا يؤدي إلى تكذيب البينة. مسألة: قَالَ: "وَالقَبْضُ فِي العَبْدِ وَالثَّوْبِ وَمَا يَحُولُ أَنْ يَأُخُذَهُ مُرْتَهِنُهُ ". الفصل: وهذا كما قال. قد بيَّنا في "كتاب البيع "أن القبض يختلف باختلاف المقبوضات. وجملته أن كل قبض يدخل به البيع في ضمان المشتري يلزم به الرهن. وإن كان سهمًا من عقار قبضه كما يقبض المشاع. ولا تفتقر صحة القبض إلى حضور الشريك ولا يتم القبض إلا بالتخلية بينه وبين كلها؛ لأن الشقص الشائع يتعذر قبضه ممتازًا ولا يتميز قبل القسمة فلابد من تسليم كلها حتى يصير النصف مُسلمًا. وإن كان المشاع فيما ينقل ويحول كالثياب والجواهر والحيوان لا يصح الإقباض إلا يحضور الشريك؛ لأن الشيء لا ينقل من مكان إلى مكان إلا يحضره مالكه؛ فإذا وقع القبض فإن اتفقوا أن يكون عند واحٍد من الثلاثة عند المرتهن بعضها رهنًا وبعضها وديعة، أو عند الرهن، أو عند الشريك بعضها رهنًا وبعضها وديعة وإلا وضع على يدي عدل أو يؤاجره الحاكم إن كان لا يضره الاستعمال. فإن قيل: إذا كان العدل وكيلًا لما كيف يتكامل قبض [ق ١٧٨ أ] الجوهرة ويده يد الراهن كما كانت يد المرتهن. قلنا: العدل يقبض للمرتهن ويحفظ للراهن فإذا قبض العدل الجوهرة استخلص القبض للمرتهن، وهو مشروع من جهة مالك الرهن، وإن اتفقوا على أن يكون مهايأة من الشريك والمرتهن فيكون عند الشريك أيامًا وعند المرتهن أيامًا جاز أيضًا. فرع لو خلى بينه وبين الدار وفيها قماش للراهن صح التسليم في الدار. وقال أبو حنيفة ﵀: لا يصح التسليم؛ لأنها مشغولة بملك الرهن. قال: وكذلك إذا رهن دابة عليها حمل للراهن وسلم الكل إليه لم يصح قبض الدابة. وهذا لا يصح؛ لأن كل ما كان قبضًا في البيع كان قبضًا في الرهن. فرع آخر إذا رهن عنده دارًا فخلى بينه وبينها وهما فيها، ثم خرج الراهن صح القبض. وقال أبو حنيفة: لا يصح حتى يخلي بينه وبينها بعد خروجه؛ لأنه إذا كان في الدار يده عليها فلا تصح التخلية .......... تحصل بقوله ورفع يده عنها، ألا ترى أن بخروجه من

стр. 2413

الدار لا تزول يده، وبدخوله إلى دار غيره لا تثبت يده عليها، وههنا بخروجه منها حقق قوله فلا معنى لإعادة التخلية. فرع آخر إذا رهن رجل عند آخر شيئًا بدين إلى أجل على أنه لم يقبضه إلى محله كان مبيعًا منه بالدين، فالرهن [ق ١٧٨ ب] والبيع فاسدان. أما الرهن فلأنه مؤقت بمحل الدين، ومن شأن الرهن أن يكون مطلقًا. وأما البيع فمعلق بزمان مستقبل، فيكون هذا الرهن في يد القابض في المدة غير مضمون؛ لأنه مضمون بحكم بيع فاسد وحكم الفاسد من العقد حكم الصحيح في الضمان. فرع آخر لو قال: رهنتك هذا إلى سنة، فإن قضيتك فالعبد لي، وإن لم أقضك فالعبد لك بيعًا به فالرهن جائز والبيع باطل. والفرق بينه وبين المسألة الأولى أن ههنا أخرج مخرج الخبر فلم يقدح في صحة الرهن وبطل البيع لتعلقه بالصفة، وهناك أخرج مخرج الشرط بقوله: علىَّ وكلاهما بطل؛ لأنه شرط في الرهن ما ينافيه. فرع آخر لو كان الرهن أرضًا في هذه المسألة التي ذكرناها فغرس فيها، فإن كان قبل انقضاء المدة فقد غرس بإذن الراهن، وإن كان فاسدًا فقد تضمن الإذن في التصرف فيكون الراهن مخيرًا بين ثلاثة أشياء إما أن يقر غرسه، أو يدفع إليه قيمته، أو يجبره على تلفه ويضمن له ما نقص. فرع آخر لو تزوج العبد امرأة بألف بإذن سيده، ثم إن السيد ضمن هذا الألف عن عبده وأعطاه العبد نفسه رهنًا بالألف لا يجوز؛ لأن أصل الدين مضمون عن العبد فلم يجز أن [١٧٩ أ] يجعله رهنًا في الدين؛ لأن ثبوت الوثيقة غير الموثق فيه، ونظيره من الضمان أن يضمن زيد عن عمرو ألفًا ثم يعود عمرو يضمنه عن زيد فيكون ضمان زيد باطلًا. مسألة: قَالَ: "وَلَوْ كَانَ فِي يَدَيَّ المْرُتَهِنِ بِغَضْبِ ". الفصل: وهذا كما قال. إذا غصب من رجل شيئًا ثم رهنه المالك عند الغاصب قبل أن

стр. 2414

يقبضه منه فعقد الرهن يصح، ويحتاج إلى قبض الرهن، وذلك بمضي المدة والإذن في القبض على ما ذكرنا، وهذا العقد لا يزيل ضمان الغصب. وقال أبو حنيفة، ومالك، وأحمد، والمزني ﵏: يزيل ضمان الغصب، وعند أبي حنيفة يصبر مضمونًا ضمان الراهن؛ لأن عنده الرهن مضمون. وذا غلط؛ لأن استدامة الرهن لا تنافي ضمان الغصب. وأعلم أن الشافعي ﵀ عليه احتج في "الأم "على هذه المسألة بأن قبضه من نفسه لا يبرئه من الضمان، ألا ترى أنه لو أذن المشتري للبائع في قبضه المبيع بثمن من نفسه فقبضه لا يبرأ من الضمان. قال أصحابنا: يمكن أن يفرق بينهما فبقال في المبيع: لم يصح القبض وههنا صح القبض، وإنما صح ههنا لأنه قبض بنفسه بإذن غيره، والبائع قبض لغيره من نفسه، ويصح أن يقبض لنفسه؛ لأن الشيء في يده فلا يقبض لغيره؛ لأنه لا يصل إلى يد غيره. وهكذا [ق ١٧٩ ب] الحكم لو رهن عنده المأخوذ سومًا أو ببيع فاسد. فرع آخر لو رهن عنده ثم دفعه الغاصب إلى المالك ثم أقبضه منه المالك برئ من ضمان الغاصب؛ لأنه رجع إلى يد صاحبه. ولو أبرأه من ضمان الغصب ثم رهنه إياه لم يكن مضمونًا أيضًا؛ لأن الضمان حق للمغصوب منه، فإذا أبرأ منه سقط. ومن أصحابنا من قال: لا يجوز هذا الإبراء؛ لأن الإبراء من ضمان العين لا يجوز، وضمان القيمة يجب بعد. وهذا لا يصح؛ لأن سبب الضمان قد وجد فصح الإبراء منه، ألا ترى أنه لو حفر بئرًا فمات ووقع فيها إنسان كان مضمونًا في تركته كما لو كان حيًا؛ لأن سبب الجناية كان منه في حال الحياة، كذلك ههنا. فرع آخر لو شرط وضعه على يدي عدل فوضعه الغاصب برئ من الضمان؛ لأن العدل وكيل الراهن. فرع آخر لو جعله وديعة عنده فيه وجهان: أحدهما: لا يزول الضمان كالرهن؛ لأن الراهن أمانة كالوديعة. والثاني: يزول الضمان وهو الصحيح؛ لأن الوديعة تنافي الضمان لكونها أمانة محضة يرجع نفعها إلى الغير خاصة بخلاف الوهن. ولهذا لو تعدى المودع في الوديعة خرج من كونها وديعة، ولو تعدى المرتهن في الرهن لا يخرج من الرهن.

стр. 2415

فرع آخر لو أجبر المغصوب [ق ١٨٠ أ] من الغاصب لا يزول الضمان بلا خلاف على المذهب؛ وهكذا ذكره جمهور أصحابنا. وقال في "الحاوي ": إن قلنا بالوديعة يزول الضمان، فالإجارة أولى. وإن قلنا بالوديعة لا يزول الضمان ففي الإجارة وجهان: أحدهما: لا يبرأ لأنها أمانة كالوديعة. والثاني: يبرأ لأن الإجازة صنف من النوع يستحق فيها عوضًا. فرع آخر لو جعله مضاربة في يده في وجهان كما في الوديعة. وقال في "الحاوي "فيه وجه ثالث هو صحيح عندي أنه ما لم يتصرف في العامل بحق المضار؛ فالضمان باق، وإن تصرف فيه بإتباع شيء، فإن ابتاع في ذمته ونقل المال لم يسقط الضمان، وإن ابتاع بعين المال سقط الضمان. والفرق أنه إذا اشترى بعين المال كان دافعًا للمال إلى مستحقه عن إذن المالك فيبتدئ من حصته، وإذا اشترى في ذمته كان قاضيًا لدين تعلق بذمته لم يبرأ من ضمانه. فرع آخر لو أعاره شيئًا ثم رهنه عند المستعير، فإن لم يكن منعه من الانتفاع لا يزول الضمان، وإن منعه من الانتفاع به اختلف أصحابنا فيه. قال الداركي: كان أبو إسحاق يقول: يزول ضمان العارية؛ لأن ضمان الغصب أكد من ضمان العارية. ومن أصحابنا من قال: لا يزول الضمان كما لا يزول [ق ١٨٠ ب] ضمان الغصب، وهو الصحيح. وقيل: هما مبنيان على أن العارية هل تبطل بهذا الرهن؟ وفيه وجهان: أحدهما: لا تبطل العارية بحدوث الرهن، وله أن ينتفع بها كما قبل الرهن، فعلى هذا ضمانها باق. والثاني: تبطل العارية. فعلى هذا يرتفع ضمانها ويفارق المغصوب؛ لأنه لم يرتفع الغضب بالرهن فلم يرتفع حكمه. فإذا تقرر هذا، قال المزني ﵀: يشبه أصل قوله إذا جعل قبض الغصب في الرهن جائزًا كما جعل قبضه في البيع جائزًا، أم لا يجعل الغاصب في الرهن ضامنًا، إذ الرهن عنده غير مضمون لكن الغصب مضمون. وإنما يلزم هذا الضمان بسبب الغصب

стр. 2416

السابق، ولا يشبه الرهن المبيع؛ لأن البيع يزيل الملك فلا يستحيل اقتران الضمان به كالجناية والرهن. مسألة: قَالَ: "وَلَوْ رَهَنَهُ دَارَيْن فَقَبَضَ إِحْدَاهُمَا وَلَمْ يَقْبِضِ الأثخْرَى". الفصل وهذا كما قال. إذا رهنه عينين لا يخلو إما أن يكون مما ينقل أو مما لا ينقل، فإن كانت مما ينتقل فنقلت إحداهما كما كان قبل القبض انفسخ العقد فيه، وهل ينفسخ في الأخرى؟ مبني على ذكرناه في البيع وفي طريقان: أحدهما: لا ينفسخ في الباقي قولاً واحدًا؛ لأن الفسخ طرأ على العقد. والثاني: فيه قولان؛ فإذا قلنا ينفسخ في الباقي اختلف [ق ١٨١ أ] أصحابنا في العلة، فقيل لجهالة العوض، فعلى هذا لا ينفسخ الرهن، لأنه لا عوض فيه ........ اجتمع الحلال والحرام، فعلى هذا في الرهن الباقي قولان: فإذا قلنا ينفسخ أو لا ينفسخ في الباقي، فإن كان مشروطًا في بيع ثبت الخيار للبائع في فسخ البيع لتعذر ما شرطه في العقد عليه، وإن رضي بالبيع ما لم يكن له المطالبة بالرهن إلا أن تكون إحدى العينين باقية. وإن قلنا: لا ينفسخ العقد فله إمساكها، وهذا لجميع الثمن، وبكل جزء منه، وإن لم يكن مشروطًا في بيع فليس له المطالبة؛ لأن العقد تعلق بعينه. فإن قيل: هلا قلتم أنه ينفسخ لأن الرهن في يده أمانة كما قلتم في العين المستأجرة إذا تلفت في يد المستأجر كانت من ضمان الأجير؟ قلنا: الرهن وإن كان أمانة فالوثيقة منه من ضمان المرتهن؛ لأن ذلك حصل في يده على ما يستحقه بالعقد فكان من ضمانه. وأما العين المستأجرة فالذي استحقه بالعقد المنفعة والعين غير معقود عليها، وإذا تلفت العين انفسخ العقد في المنفعة التي لم تحصل في يده؛ لأنها تتحدد فلها افترقا. وإن كان مما لا ينتقل ولا يحول، من أن يرهن داريين فإن احترقت إحداهما قبل القبض فقد تلف خشبها وذلك يأخذ قسطًا من الثمن في البيع، ويكون بمنزلة المنقول، وقد [ق ١٨١ ب] مضى حكمه. وإن انهدمت ولم يتلف منها إلا التالف فذلك لا يقابله الثمن، إلا أنها تنقض بالانهدام فيثبت المرتهن الخيار إن كان الرهن مشروطًا في بيع ولا يبطل الرهن. فإن قيل: أليس قلتم إذا انهدمت الدار المستأجرة انفسخت الإجارة، فقولوا في الرهن مثله؟ قلنا: الإجارة عقد على المنفعة، والمنفعة تعذرت به، وههنا استئناف بالعين وهي باقية.

стр. 2417

فإن قيل: قلتم لو أوصى بدا ثم انهدمت لا يدخل النقد في الوصية، وقلتم يدخل في الرهن فما الفرق؟ قلنا: الاعتبار بحالة الموت، ولهذا أوصى بثلث ماله اعتبر قدره حال الموت، فإذا انهدمت الدار فاسم الدار قد زال عن الأعيان المنفصلة عند الموت فلا يدخل في الوصية، والاعتبار في الرهن بالعقد، وما دخل في العقد استقر بالقبض، فإن كان الانهدام بعض القبض لا خيار على ما بيننا. وعلى هذا الذي ذكرنا لو كانتا باقيتين فأقبض أحدهما وامتنع من إقباض الأخرى فالمقبوض مرهون لجميع الحق؛ لأن الرهن وثيقة بكل الحق وبكل جزء من أجزائه على ما ذكرنا. وحكي عن أبي حنيفة رواية أنه كان المقبوض رهن بحصته من الحق، ثم امتناعه من تسليم الثانية لا يبطل الرهن في الذمة أقبض ........ ولا يبطل أيضًا في التي امتنع من إقباضها حتى يغير عن البطلان بعبارة صالحة، فإن بدا له بعد ذلك تسليمه إليه مسلمة كان رهنًا لازمًا بالعقد السابق، وإن أصر [ق ١٨٢ أ] على الامتناع فللبائع فسخ البيع عند الشرط؛ لأنه لم يسلم جميع الشرط. مسألة: قَالَ: "وَلَوْ أَصَابَهَا هَدْمٌ بَعْدَ القَبْضِ كَانَتْ رَهْنًا بِحَالِهَا وَمَا سَقَط مِنْ خَشَبِهَا". وهذا كما قال، إذا رهن دارًا فانهدمت بعد القبض فالرهن صحيح على ما ذكرنا وتكون الدار بطوبها وخشبها وجميع أنقاضها رهنًا؛ لأن كل ذلك أخذ في عقد الرهن على ما ذكرنا. مسألة: قَالَ: "وَلَوْ رَهَنَهُ جَارِيَةً قَدْ وَطِئَهَا قَبْلَ الْقَبْضِ". الفصل: وهذا كما قال. إذا رهن جارية ثم ظهر بها حما فأقر به المرتهن لا يخلو إما أن يكون أقر بالوطء قبل الإقباض أو بعده، فإن أقر به قبله يؤثر الإقرار فيه؛ لأنه يجوز من ذلك الوطء، ويجوز أن تحبل من غيره، والأصل جواز العقد وعدم الحبل، ولا فرق بين أن يكون هذا الإقرار منه بعد عقد الرهن أو قبله؛ لأن الرهن غير لازم في الحالين، ثم ينظر، فإن لم يظهر الحمل فلا كلام، وإن ظهر بها حمل نظر، فإن كان الوقت لا يمكن أن يكون من ذلك الوطء بأن يكون لأكثر من أربع سنين أو لدون ستة أشهر من الوطء لم يلحق بالراهن ولم تصر أم ولده ويحكم بأنها أتت به من زنا أو وطء شبهة فيكون مملوكًا للراهن والجارية رهن بحالها، وإن كان الوقت يمكن أن تكون منه بأن كان لستة أشهر فصاعدًا

стр. 2418

[ق ١٨٢ ب] أو دون أربع سنين تلحق بالراهن وصارت أم ولد له وخرجت من الراهن. وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن وضعت لأكثر من ستة أشهر ودون أربع سنين هل يبطل الرهن؟ وجهان: أحدهما: لا يبطل الر هن؛ لأن الرهن لا يبطل بالإمكان وإن كان النسب يثبت بالإمكان. والثاني: يبطل الرهن لأنا حكمنا بالعلو وقبل القبض يلحق النسب به. وقال أبو الفياض في شرحه: لا يخرج من الرهن بلا خلاف؛ لان الولد لحق به بالفراش لا بالاعتراف بالولد. وهذا غير صحيح؛ لأن خروجها من الرهن إنما يكون لماذا صارت أم ولده وهي تصير أم ولده بالفراش ما تصير أم ولده بالاعتراف بالولد، فوجب أن تخرج من الرهن إذا لحق ولدها بالفراش كما تخرج إذا لحق ولدها بالاعتراف، ثم ليس للمرتهن فسخ البيع إن كان البيع على هذا الرهن؛ لأنه دخل على بصيرة يوطئه، فإن الإقرار كان قبل العقد أو قبل القبض بعد العقد فهو بمنزلة العلم بالعيب. هكذا ذكره القاضي الطبري. وقال بعض أصحابنا: إن كان هذا الإقرار وقت العقد لا خيار، وإن كان بعد العقد قبل التسليم فله الخيار بكل حال؛ لأنه رضي بالوطء ولم يرض بالحمل الذي لا يؤول إليه الوطء، فإن الظاهر عدمه، ولهذا جوزنا الرهن حق للبائع من الفسخ بذاك، وإن أقر [ق ١٨٣ أ] بالوطء بعد الإقباض، فالولد يلحقه ولكنه متهم في هذا القول، لأنه يريد أن ينزع الرهن من يده فهل يقبل قوله في بطلان الرهن؟ قولان مخرجان بناء على القولين فيه إذا رهن عبدًا ثم قال: كنت أعتقه أو جني جناية:؛ أحدهما: يقبل؛ لان الضرر الذي يلحقه ببطلان ملكه أكثر مما يلحق المرتهن فلا يتهم انه قصد الإضرار بالمرتهن. والثاني: لا يقبل؛ لأنه يبطل حق الغير. فإن قلنا: لا يقبل فالقول قول المرتهن مع اليمين، فإن نكل ردت اليمين على الراهن، فإن نكل فهل يحلف الجارية؟ قولان. وإن قلنا: القول قول الراهن فهل تلزم اليمين؟ فيه وجهان مخرجان من القولين في الرهن إذا أقر بالجناية عنده قبل رهنه وقلنا يقبل هل عليه اليمين أم لا؟. وإذا قلنا: لا يقبل قوله في حق المرتهن فتخلصت من الرهن صارت أم ولدٍ ولا يجوز له التصرف فيها بما لا يجوز في أم الولد للإقرار السابق، وإن أنكر الرهن أن يكون الحمل فيه من كلتا المسألتين كانت الجارية رهنًا، وهذا بأن يدعى الاستبراء، وإنما يشترط دعوى الاستبراء؛ لأن الاعتراف بالوطء يوجب لحوق الولد ما لم يدع الاستبراء.

стр. 2419

مسألة: قَالَ: "وِإِنْ اغْتَصَبَهَا بَعْدَ القَبْضِ فَوَطِئَهَا فَهِيَ بِحَالِهَا". وهذا كما قال. إذا رهن جارية ثم أراد وطئها لا يخلو إما إن كانت مما يحبل مثلها أو لا يحبل [ق ١٨٣ ب] مثلها، فإن كانت ممن يحبل مثلها لا يحل له وطئها. فإن قيل: لم لا تبيحون وطئها كما تبيحون سكنى الدار وركوب الدابة. قلنا: لأن الوطء فاتحة الاستهلاك بالاستيلاد فنظيره أن يجمل على الدابة ما يخشى به عطبها فلا يجوز ذلك له، وإن كانت ممن لا يحبل مثلها لصغر أو كبر فالمذهب أن لا يحل وطئها؛ لأن الفرق بين من يحبل ولا يحبل يتعذر فحسم الباب كما حرم الخمر للسكر وحرم مثلها لمثل هذا المعنى. وهذا اختيار ابن أبي هريرة ﵀. وقال أبو إسحاق: يحل وطئها لأنه لا ضرر فيه. وهذا أقيس. وإذا منعنا الوطء لا يجوز أن يطأها دون الفرج وجهًا واحدًا؛ لأن ذلك يدعو إلى وطأها في الفرج فيمنع الإمساك ...... وقيل الأجنبية. ذكره في "الحاوي" فإن خالف ووطء لا حد عليه ولا مهر؛ لأنه صادف ملكه، ولو وجب المهر كان له فلا يجب له على نفسه شيء. ويفارق هذا إذا وطء أمة مكاتبة يلزمه المهر؛ لأن الرهن باقيه للراهن وله الانتفاع به مع استبقاء الرهن وهذا من المنافع، ومنافع مال المكاتب والمكاتبة يحول بينها وبين السيد وهي لهما بحكم عقد الكتابة، ولهذا يلزم المهر. ثم لا يخلو إما أن تحبل أو لا تحبل، فإن لم تحبل لا يخلو [ق ١٨٤ أ] إما أن تكون ثيبًا فلا شيء، وإن كانت بكرًا يلزمه أرش نقص بذهاب البكارة، لأنه إتلاف جزء منها كأطرافها، وهو بالخيار بين أن يجعل ذلك رهنًا معها أو قصاصًا من الحق. قال الشافعي رحمة الله عليه: "ولا أظن أحدًا يجعل ذلك رهنًا معها ولا يجعله قصاصًا عن الحق". واعلم أن الشافعي رحمه الله تعالى أطلق لفظ القصاص في هذه المسألة ولم يرد به حقيقة القصاص؛ لأن حقيقته أن يكون لكل واحد من الغريمين في ذمة صاحبه دين فيتقاضيان إذا كان الدينان متجانسين، وليس في ذمة المرتهن هنا دين، وإنما الدينان جميعًا في ذمة الراهن، فمراد الشافعي بذكر لفظ القصاص إذا بعض الدين؛ لأن أرش الاقتصاص موجه على السيد والخيار إليه، فإن شاء أعطاه على جهة الرهن، وإن شاء أعطاه على جهة قضاء الدين إذا كان الدين حالاً، وإن كان مؤجلاً فالمرتهن مخير بين .............. على قبول المعجل على القول المشهور، وإن أحبلها بحقه نسبه والولد حر، وصارت أم ولد في حقه، وهل ينفذ إحياله في حق المرتهن فيخرج من الرهن الحكم فيه؟

стр. 2420

وفي ابتداء العتق واحد. قال في "الأم": وإن كان سرًا نفذ إحياله وإعتاقه ويؤخذ منه القيمة، وإن كان معسر ًا فيه قولان: أحدهما: ينفذ [ق ١٨٤] وتكون القيمة في ذمته تؤخذ منه متى وجد مالاً. والثاني: لا ينفذ ويكون رهنًا بحالها. ونقل المزني ﵀ أنه إذا كان موسرًا ينفذ وإن كان معسرًا لا ينفذ. وقال في "القديم": والرهن اللطيف إذا أعتق وأجل. قال عطاء: لا ينفذ ولهذا وجه. ثم قال: وقال بعض أصحابنا: ينفذ إن كان موسرًا وإن كان معسرًا لم ينفذ، واختار هذا ونظيره. ثم قال: فإن قال قائل: لم تركت قول عطاء؟ قلنا: لأنه لا ضرر على المرتهن في العتق، لأنا لا نأخذ قيمته، فحصل من هذا أنه كان معسرًا لا ينفذ، وإن [كان] موسرًا فيه قولان، واختار الفصل بين الموسر والمعسر، والفرق ما ذكره الشافعي رحمة الله عليه أنه إن كان موسرًا يمكن أخذ القيمة منه ووضعها رهنًا مكانه فلا يؤدي إلى الإضرار بالمرتهن، وإن كان معسرًا لا يمكن ذلك. وهذا كما تقول في أحد الشريكين إذا أعتق نصيبه إن كان موسرًا ويؤخذ منه القيمة، وإن كان معسرًا لا ينفذ. وكذلك لو أعتق السيد عبد العبد المأذون إن كان عليه دين لا ينفذ، فكذلك لو أعتق السيد. وغن لم يكن عليه دين اختلف أصحابنا في المسألة على المرق؛ قال صاحب "الإفصاح" وجماعة: في الإعتاق والإحبال ثلاثة أقوال: أحدهما: لا ينفذ موسرًا كان أو معسرًا، وبه قال عطاء ﵀ [ق ١٨٥ أ] لأنه لما أعلق رقبتها بعقد الرهن أوثقها بحق المرتهن فلا يجوز مناقضة فعله بفعله عند الإحبال والإعتاق. والثاني: ينفذ موسرًا كان أو معسرًا، وبه قال أبو حنيفة وأحمد رحمهما الله؛ لأن الإعتاق والإحبال صادفا الملك الكامل، وإذا كان معسرًا عند أبي حنيفة يستسعيى العبد في قيمته، ويخالفه أحمد في ذلك، وهذا غلط؛ لأن فيه إيجاد الكسب على العبد ولا وجه له. والثالث: الفصل بين الموسر والمعسر، وبه قال مالك ﵀، وهو الصحيح على المذهب، ووجه ما ذكرنا. ولم يصرح الشافعي ﵀ بان المسألة ثلاثة أقوال، ولكن حصل ثلاثة أقوال على وجه التخريج. وقال أبو إسحاق: إن كان موسرًا ففي نفوذ إحباله وإعتاقه قولان، وإن كان معسرًا فحكمه مبني على الموسر، فإن قلنا هناك فههنا أولى. وإن قلنا هناك ينفذ فههنا
следующие страницы →