← Фикх шафии

Фикх шафии · id 16934

بحر المذهب للروياني

عَبْد الواحِد الرُّوْياني

Полный текст (7 151 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

بحقٍ يتأخر حلوله عن وقت فسادها وهذا لا يصح؛ لأن في الثمرة لا بغية للراهن في إفسادها، فالظاهر أنه يبيعها إذا خشي عليه الفساد، وليس كذلك [ق ٢١٤ ب] العتق فإنه قربة مرغوب فيها، والظاهر أنه يقصد تحصيلها فافترقا. ولو علقه بقدوم زيد أو دخول دار ونحوه مما يجوز أن يتقدم على حلول الحق ويجوز أن يتأخر عنه ثم رهنه قال صاحب "الإفصاح": لا يجوز رهنه قولًا واحدًا؛ لأنه معقود على غررٍ. ومن أصحابنا من قال: فيه قولان؛ لأنَّا ذكرنا أن التدبير تحقق بصفة ورهنه صحيح على أحد القولين، فكذلك هذا، وهذا لأن الأصل جواز الرهن في .... وربما يحل الحق قبل وجود الصفة فيمكن الوفاء به. وهذا ضعيف؛ لأن الظاهر بقاء السيد وجواز موته لا يمنع صحة العقد كما يجوز بيع الحيوان؛ لأن الظاهر بقاء حياته، وإن كان الموت مجوزًا، وليس كذلك وقوع العتق؛ لأن وجود الصفة ممكن في كل وقت، وليس لعدم الصفة ظاهر يكون العقد مجهولًا عليه، ولأن جواز الموت عزيز لا يمكن الاحتراز منه بخلاف ذاك فافترقا، والمنصوص الأول والتعليل الذي ذكره في المدبر أليق بهذا الموضع، وعند أبي حنيفة يجوز رهنه بكل حالٍ. مسألة: قَالَ: وَلَوْ رَهَنَهُ عَصِيرًا حُلْوًا كَانَ جَائِزًا". الفصل إذا رهن عصير العنب يجوز رهنه؛ لأنه مائع يجوز بيعه فجاز رهنه. وقال [ق ٢١٥ أ] الماسرخسي: عندي العصير والفواكه الرطبة سواء؛ لأن الفواكه كما يجوز فسادها كذلك العصير إذا ترك يحدث فيها الشدة فتفسد. وهذا لم يقله غيره، وهذا لا يصح؛ لأن العصير يمكن إصلاحه بطرح الخل الذي يمنع الشدة فيجبر الراهن عليه، كما إذا رهن ثمرة رطبة يمكن تجفيفها صح الرهن وأجبر الراهن على التزام ...... والإنفاق عليه. قال: "فإن حال إلى أن يصير خلًا أو مزًا أو شيئًا لا يسكر كثيره فالرهن بحاله"؛ لأنه في الحال الثانية مال مملوك كما كان العصير في الابتداء مالًا مملوكًا، وقد يرهن الصغير فيكبر والمريض فيسعى، والمهزول فيسمن والرهن باقٍ كما كان. وقيل: نقل المزني: فإن استحال مزًا وهو سهو في النقل، وعصير العنب لا يصير مزًا. وقيل: هذا صحيح وله وجه، وهو أن عصير الشعير يستحيل مزًا فالمسألة في عصير العنب والشعير وغيرهما. وكذلك إذا طرح في عصير العنب دقيق الشعير ينقلب مزًا، وإن حال إلى أن يسكر بطل الرهن؛ لأن الملك يبطل بذلك والملك أقوى، وصار كما لو رهن عبدًا فمات في يد المرتهن. وقال أبو حنيفة: لا يبطل الملك ولا الرهن؛ لأنه يرجى عود نفسه كما لو ارتد

стр. 2452

العبد. وهذا غلط؛ لأنه لا يضمن متلفها في الحال [ق ٢١٥ ب] ولا تصح تصرفاته فيها بخلاف المرتد فإنه تصح فيه تصرفاته. وقال ابن خيران: إذا انقلبت خمرًا بينا أن العقد الأول وقع باطلًا؛ لأن ظهوره في الزمان الثاني يدل على ابتدائه في الزمان الأول. وهذا غلط؛ لأنه لو صح هذا لوجب إذا باع عصيرًا فصار خمرًا في يد المشتري يبطل البيع، ولم يقل هذا أحد. فإن عاد خلًا من غير صنعة آدمي قال الشافعي: "هو رهن"؛ لأنه لما عاد ملكه عاد بحقوقه وكان الرهن من حقوقه. فإن قيل: أليس لو انفسخ الرهن بسببٍ آخر لا يعود إلا بعقد جديد، فلم قلتم ههنا يعود من غير عقد جديد؟ قلنا: الفرق أن هناك انفسخ والملك باق فلا يعود إلا بعقد جديد من الملك، ههنا انفسخ لزوال الملك، والملك إذا زال زال بحقوقه، وإذا عاد عاد بحقوقه. فإن قيل: إذا عاد خلًا ملكه ملكًا جديدًا فينبغي أن يحتاج إلى عقد جديد. قلنا: ليس كذلك يعود ملكه السابق، بدليل أنه لو مات وفي يده خمر وعليه دين فانقلبت خلًا يقضي منه ديونه، فلو كن ملكًا جديدًا لكان للورثة. وهذا كما لو أسلمت زوجة الكافر حرم عليه وطئها وخرجت به عن حكم العقد، فلو أسلم الزوج قبل انقضاء العدة عاد حكم العقد. وفرّع أبو العباس على مسألة العصير [ق ٢١٦ أ] وهو أنه لو كان له عند رجل ألف في ذمته به رهن فصالحه منه على كر طعام وبرئت ذمته عن الألف، وزال الرهن بزوال الألف عن الذمة. ومن شرط هذا الصلح القبض قبل التفرق، فإن تفرقا قبل القبض بطل الصلح وبرئت ذمته عن الطعام وعاد الألف إليها، فإذا عاد عاد برهنه كالعصير إذا صار خمرًا ثم عادت خلًا عاد الرهن. وقال والدي ﵀: ولو قبضه قبل التفرق ثم تقايلا صحت الإقالة وتعود الدراهم إلى ذمته ولا يعود الرهن. ويحتمل أن يقال: يعود؛ لأن الدراهم وجبت عن السبب السابق لا بحكم الصلح، والرهن من حقوقها فيعود الرهن مع الحق. ولو أخذ الرهن على هذا الكر من الطعام في ذمته ثم تفرقا قبل القبض بطل الصلح وبرئت ذمته من الطعام وبطل الرهن به، وعادت الدراهم إلى الذمة برهنها. وقال ابن خيران: إذا عاد الخمر خلًا لا يعود الرهن إفساد العقد عليه على ما ذكر، وعلى ما ذكر لو كان رهنه مشروطًا في البيع ليس للمرتهن فسخ البيع. وعلى قول ابن خيران في بطلان البيع قولان كما لو شرط في أول العقد.

стр. 2453

فرع لو رهن شاة فماتت فدفع الراهن جلدها هل يعود رهنًا؟ قال ابن خيران: يعود كالخمر إذا صارت خلًا. وقال [ق ٢١٦ ب] أبو إسحاق: لا تعود رهنًا؛ لأن الرهن استحدث ملكه عليه بصنعة فلا يعود رهنًا في الملك الجديد، وفي الخمر لا صنع له فيها يعودها خلًا، وإنما عاد ملكه المتقدم بنفسه فعاد بحقه من الرهن. وقال أبو الطيب الساوي: قيل لأبي إسحاق: ما تقول في شاة ماتت فغصبها غاصب ودبغ جلدها، هل يملكه الغاصب أم لا؟ فقال: لا أقول إن الغاصب يملكها بما استحدثه من الدباغ. فقيل له: يلزمك أن تقول: الملك للغاصب؛ لأن عندك هذا ملك مستحدث يصنع من جهته كما قلت لا يعود الرهن إذا دبغه الراهن. فقال: الفرق أن فعل الغاصب لا حكم له؛ لأن يده ليس بحقٍ فوجوده وعدمه سواء. كما لو غصب من رجل كلبًا غير معلم وعلمه كان الأول أحق به، ولا حكم لفعل الغاصب فوجوده وعدمه سواء. فقيل له: قد قال الشافعي: إذا تحجر مواتًا ولم يحيه فجاء رجل فأحياه فإحياء الملك للثاني دون الأول وإن كان يد الأول بحقٍ فقال يد المتحجر لم تستند إلى ملكٍ سابق، فلما وجد سبب الملك من الثاني أبطل يده ويد صاحب الشاة أسندن إلى ملك سابق، فكانت يده أقوى وكان أحق بالملك من الثاني. قال أصحابنا: هذا الذي ذكره دليل عليه، وذلك أن يد الراهن مستندة إلى ملك سابق، فإذا عاد الملك ثبت أن الملك السابق [ق ٢١٧ أ] وقال أبو حنيفة: لا يزول ملك الراهن من الجلد بالموت، ولا يبطل حق المرتهن عن الجلد بالموت، وإذا دبغ فهو مرهون. فرع آخر لو كان له خمرة فأراقها فجمعها رجل آخر فصارت خلًا في يده، أو وهبت خمرًا من رجل فصارت خلًا في يد الموهوب له بعود الملك وفيه وجهان: أحدهما: يعود إلى الأول؛ لأنه لابد للثاني عليها فإن يده لا تقر عليها فصار كما لو غصبها من الأول فصارت خلًا في يده تكون للمغصوب منه، وهذا ظاهر المذهب. والثاني: يعود إلى الثاني؛ لأن الأول قد رفع يده عنه وقد حصل في يد الثاني، فإذا عاد ملكه كان صاحب اليد أولى به. كما لو ماتت شاة فألقاها في مزبلة فجاء إنسان ودبغ جلدها كان له، وليس كمثله الغصب؛ لأن يد الثاني تعترض فلا تصير ملكًا له. وهكذا في جلد الميتة لو ألقاها صاحبها فجاء رجل وأخذ الجلد ودبغه كان له بخلاف ما لو غصبه، وهذا أصح عندي. ويد الثاني تثبت عليها حين رفع الأول يده، وهذا إذا حل له هذا الفعل لغرض صحيح،

стр. 2454

فأما إذا حرم عليه جميع الخمر فيده لا تثبت عليها ولا يملك بذلك. فرع آخر لو صار العصير خمرًا في يد الراهن قبل القبض بطل الرهن، فإذا عاد خلًا لم يعد الرهن [ق ٢١٧ ب] ويخالف إذا كان بعد القبض؛ لأن الرهن قد لزم وصار تابعًا للملك. ولو اشترى عصيرًا فصار خمرًا في يد البائع ثم عاد خلًا فسد العقد ولم يعد ملك المشتري بعودها خلًا. والفرق بينه وبين الرهن أن الرهن عاد تبعًا لملك الراهن، وههنا بعود ملك البائع لعدم العقد، ولا يصح أن يبيعه ملك المشتري. فرع آخر لو عاد خلًا بصنعة آدمي بطرح الملح أو الخل ونحوه فإنها نجسة كما كانت ولا تحل به، وهذا التحليل حرام. وبه قال أحمد ومالك في رواية. وروي عن مالك يكره تخليلها، ولكنه إذا خللها حلت. وقال أبو حنيفة: يجوز تخليلها، وإذا صارت خلًا حل. وهذا غلط لما روي أنس ﵁ أن أبا طلحة ﵁ سأل رسول الله ﷺ عن أيتام ورثوا خمرًا فقال: "أهرقها" فقال: ألا أخللها يا رسول الله ﷺ فقال: "لا". وروي عن أنس ﵁ أنه سأل النبي ﷺ أنتخذ الخمر خلًا؟ قال: "لا". واحتجوا بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "يحل الدباغ الجلد كما يحل الخل الخمر"، قلنا: لا أصل له، ثم نحمله على ما لو تخلل بنفسه. فرع آخر لو وقع ملح بإطارة الريح فتخللت طهرت بلا شك. هكذا قال الصيمري وعندي يحتمل وجهًا آخر مما قال أصحابنا أنه إذا [ق ٢١٨ أ] وقع فيه الملح نجس، ثم بعدما صارت خلًا نفي نجاسة الملح. فرع آخر إذا خلل خمرًا بدواء فيه وجهان: أحدهما: أنه خل على الإطلاق إلا أنه تنجس. والثاني: أنه لا يسمى خلًا ولا خمرًا.

стр. 2455

فرع آخر إمساكها بنية المعالجة حرام، وإمساكها بنية أن تصير بنفسها خلًا. قال أبو حامد: لا يجوز ذلك عندي، ولكنه لو خالف فصارت خلًا بنفسها حل. وقال القفال وجماعة: يجو إمساكها إذا كانت بنية الخل، وإن كنت نجسة في هذه الحالة ولا قيمة على متلفها وإنما يحرم إمساكها إذا كان قصده الشراب أو البيع، أو يخاف على نفسه شربها، وهذا هو الصحيح عندي. وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا تخمرت وكانت بنية الخل هل تنجس؟ وجهان. وفائدته الضمان على المتلف وجواز الصلاة معها. وهكذا الوجهان في البيضة إذا صارت دمًا. وهذا غلط فاسد فسادًا ظاهرًا لا يجوز القول به بوجه. فرع آخر لو تركها في الشمس أو عرضها للهواء حتى صارت خلًا، فالمذهب أنها تحل؛ لأنها استحالت من غير شيء خالطها فصارت كالإمساك المجرد. ومن أصحابنا من قال: لا يحل لأنه ضرب من الصنعة والمعالجة. فرع آخر لو قال المرتهن: استحالت خلًا بنفسها، وقال الراهن: بل صارت خلًا بالتخليل فيه وجهان: [ق ٢١٨ ب] أحدهما: القول قول الراهن ويبطل الرهن. والثاني: القول قول المرتهن ويكون رهنًا. وهذان الوجهان مخرجان من إقرار الراهن بجناية المرهون. مسألة: قَالَ: "وَلَوْ قَالَ: رَهَنْتَكَهُ عَصِيرًا فَصَارَ فِي يَدَيْكَ خَمْرًا". الفصل لو كان العصير رهنًا في ثمن مبيع وكان البيع بشرط فاستحال خمرًا، فإن كان قبل قبضه بطل الرهن والمرتهن بالخيار بين أن يمضي البيع بغير رهن أو يفسخ، وإن كانت الاستحالة بعد قبضه بطل الرهن ولا خيار للمرتهن؛ لأن الرهن هلك بعد القبض. وإن اختلفا فقال المرتهن: صار خمرًا عندك فلي الخيار. وقال الراهن: بل صار خمرًا عندك، قال الشافعي: "فيه قولان: أحدهما: القول قول المرتهن"، وهو قول أبي حنيفة واختيار المزني؛ لأن هذا الاختلاف يعود إلى الاختلاف في أصل القبض فالمرتهن يقول: أقبضي الخمر، وإقباض

стр. 2456

الخمر لا يصح، والراهن يقول: أقبضتك العصير فصح الإقباض. ولو اختلفا في القبض فالقول قول المرتهن؛ لأن الأصل أن لا يقبض. والثاني: القول قول الراهن، وهو الصحيح؛ لأن الشدة قد تحدث كما يحدث العيب في المبيع. ولو اختلف البائع والمشتري فقال البائع: بعتك سليمًا فحدث العيب عندك. وقال المشتري: بعتنيه معيبًا فالقول قول [ق ٢١٩ أ] البائع، وهما اتفقا ههنا على أنه رهنه عينًا وأقبضها إياه، واختلفا في عيب حادث فالقول قول من ينفي ذلك. فإذا قلنا بالقول الأول فللمرتهن الخيار في فسخ البيع، ولو أراد الراهن أن يبدله رهنًا آخر ليبطل خياره في الفسخ، كان له الامتناع من قبوله؛ لأن الذي اشترطه رهنًا لم يسلم له رهنًا. وإذا قلنا بالثاني أرقنا الخمر وليس للمرتهن على الراهن بدل يرهنه لأنه وفي له بشرطه والبيع لازم. ولو أراد إمساك الخمر ليستحيل خلًا كانا ممنوعين من الإمساك في ظاهر المذهب؛ وقد ذكرنا ما قيل فيه. فرع لو اختلفا في أصل العقد فقال الراهن: رهنتك عصيرًا، فقال المرتهن: رهنتني خمرًا. قال ابن أبي هريرة: ههنا قول واحد القول قول المرتهن؛ لأن المرتهن لم يقر بعقد صحيح، والراهن يدعي ذلك فكان القول قول المرتهن مع يمينه، كما لو قال: بعتك كذا، فقال: لم أشتر كان القول قوله مع يمينه. وقال غيره من أصحابنا: فيه القولان أيضًا؛ لأنه معترف بحصول عقد وقبض، وإنما يدعي صفة في المعقود عليه والأصل عدمها. فرع آخر لو رهنه عبدًا وأقبضه في محمل ملفوفًا ثم اختلفا في موته، فقال الراهن: أقبضتك حيًّا ومات عندك، وقال المرتهن: أقبضتني ميتًا فيه [ق ٢١٩ ب] طريقان: أحدهما: القول قول المرتهن قولًا واحدًا؛ لأنه لم يقر بقبض العقد؛ لأن الميت لا يقبض، والمرتهن في العقد قد أقرّ بقبض وادعى الفساد فالقول قول من ينفي الفساد في أحد القولين. والطريق الثاني: قال أبو إسحاق وجماعة: لا فرق، وفيه قولان أيضًا، وعليه نص الشافعي في "الأم"؛ لأن القبض شرط فالاختلاف فيه كالاختلاف في العقد. وقال بعض أصحابنا بخراسان: هذا مبني على أن فساد الرهن هل يفسد البيع؟ فإن قلنا لا يفسد فالمسألة على قولين. وإن قلنا يفسد ففي اختلاف المتبايعين في

стр. 2457

المعنى المفسد للبيع قولان، والأصح قول من يدعي فساده، فههنا القول قول المرتهن ويفسد بيه البيع؛ لأنه يحتاج إلى فسخه، وقد ذكرنا بخلاف هذا فيما تقدم، وفي هذا النظر. وقال المزني: القول قول المرتهن؛ لأن الراهن مدع. قلنا: هل النزاع إلا في هذا، فإن من قال القول قول الراهن جعل المرتهن مدعيًا استحقاق لزوم البيع، والمرتهن عند التحقيق أشبه بالمدعي من الراهن على ما بيَّناه فلا معنى لما ذكرنا. فرع آخر لو كان الاختلاف بينهما في عيب بالعبد أو نحوه، فقال الراهن: كان بعد القبض. قال المرتهن: كان وقت القبض فالقول قول الراهن [ق ٢٢٠ أ] بلا إشكال. مسألة: قَالَ: "وَلَا بَاسَ أَنْ يَرْهَنَ الجَارِيَةَ وَلَهَا وَلَدٌ صَغِيرٌ". الفصل يجوز رهن الجارية ولها والد صغير دون ولدها؛ لأن هذا ليس بتفرقة. ومعنى هذا التعليل أن منافع الجارية المرهونة لسيدها، فإذا رهنها دون ولدها الصغير فلم ضم الولد إليها لتحتضنه وترضعه عند المرتهن وتكون الأم مرهونة والولد غير مرهون فليس كبيع الأم دون الولد؛ لأن تسليمها إلى المبتاع بعد تملكه إياها دون الولد تفرقة بينها وبين ولدها، وقد قال رسول الله ﷺ : "لا توله والدة بولدها" وقيل: معناه لأنه ليس بتفرقة في ثاني الحال، أي لا تباع دون الولد كالجارية إذا جنت ولها ولد صغير تباع مع الولد. فإذا تقرر هذا ينظر، فإن حل الحق فإن قضاه من قضاه فذاك، وإن أراد قضاه من ثمنها بيعت مع ولدها، وكان للمرتهن من ثمنها ما قابل قيمة جارية ذات ولد فيقال: كم قيمتها ذات ولد؟ قالوا: مائة، وكم يساوي ولدها وحده قالوا: خمسين فيكون للمرتهن من الثمن ثلثا الثمن، وإنما اعتبرنا قيمة جارية ذات ولد؛ لأنه تعلق حق المرتهن بها على هذه الصفة، وهكذا الحكم فيه إذا ارتهنها ولها ولد ولم يعلم ثم علم ورضي به [ق ٢٢٠ ب] فبيعت بغير قيمة جارية ذات ولد على ما ذكرناه. ويفارق هذا إذا رهنها حائلًا فأتت بولد مملوك من زوج أو زنا بيعًا معًا ويكون للمرتهن من ثمنها ما قابل جارية لا ولد لها؛ لأن حق المرتهن تعلق بها ولا ولد لها ولم يرض بولدها بخلاف ما تقدم، فيقال ههنا: كم تساوي ولا ولد لها؟ قالوا: مائة، وكم يساوي الولد؟ قالوا: عشرون. قلنا: يمكن للمرتهن منها خمسة أسداس الثمن.

стр. 2458

ومن أصحابنا من قال: تباع الأم دون الولد، ويجوز ذلك ههنا للضرورة كما لو كان الولد حرًا. ذكره القاضي الطبري وهذا لا يصح، الشافعي قال: "وليس تبقى الأم مع الولد"، بمعنى أوجب بيعها بأكثر من فسخ البيع في الأم لمكان الولد. فرع لو علم المرتهن بحالها لا خيار له، وإن لم يعلم أن لها ولدًا، قال جماعة أصحابنا: له الخيار في فسخ البيع المشروط فيه هذا الرهن. وقال بعض أصحابنا: إن قلنا تباع دون ولدها ففي خياره وجهان: أحدهما: له الخيار لما يلحقه من النقص في قيمتها إذا بيعت مع الولد. والثاني: لا خيار؛ لأن بيعها مع الولد لا يوجب النقص يقينًا وقطعًا، بل قد يجوز أن يحدث في قيمتها زيادة وتوفيرًا. مسألة: وَلَوْ ارْتَهَنَ نَخْلًا مُثْمِرًا فَالثَّمَرُ خَارجٌ مِنَ الرَّهْنٍ". الفصل [ق ٢٢١ أ] إذا رهن نخلًا مطلعة نظر، فإن كان الطلع قد أُبر لم يدخل في الرهن؛ لأنه لا يدخل في البيع مع أنه أقوى فلأن لا يدخل في الرهن أولى، وإن اشترطه دخل فيه، وإن كان الطلوع غير مؤبر، نص في "الأم" أنه لا يدخل في الرهن ويخالف البيع من وجهين: أحدهما: أن البيع أقوى؛ لأنه يزيل الملك. والثاني: أن ما يحدث بعد العقد من الطلع لا يدخل في الرهن ويدخل في البيع، فكذلك الموجود في حال العقد لا يدخل في الرهن ويدخل في البيع. ومن أصحابنا من ذكر قولًا آخر أنه يدخل في الرهن ونسبه إلى "القديم" ولا يعرف ذلك في "القديم" ولا يصح هذا القول، وكذلك الكلام في الحمل والصرف. وقال بعض أصحابنا بخراسان: نص في الحمل على قولين بناء على أن للحمل حكمًا أم لا. وكذلك في الطلع قولان، وما ذكرناه أصح. مسألة: قَالَ: "وَمَا هَلَكَ فِي يَدَي المُرْتَهِنِ مَنْ رَهْنٍ صَحِيحٍ أَوْ فَاسِدٍ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ". لهذه المسألة باب يأتي، والقصد بذكرها هنا أنه لا فرق بين فاسد الرهن وصحيحه

стр. 2459

في أنه أمانة لا ضمان فيه إلا بالتعدي؛ لأن ما كان أمانة بأصل الشرع في حكم عقد صحيح حاكي [ق ٢٢١ ب] فاسدة صحيحة في سقوط الضمان كالشيء المستأجر. مسألة: قَالَ: "وَإِذَا رَهَنَهُ مَا يُفْسِدُ مِنْ يَومِهِ أَوْ غَدِهِ". الفصل إذا رهن ما يفسد في مدة قصيرة، فإن كان ما يمكن استصلاحه كالرطب والعنب فإن رهنه صحيح وينظر فيه، فإن حل الحق قبل أن يخشي فساده بيع فيه، وإن كان يخشي فساده قبل محل الحق، قال الشافعي: "يشمس ويجفف" ويجب ذلك على الراهن، فإن امتنع منه يجبر عليه؛ لأنه يقصد إبطال وثيقة الرهن، وإن كان مما لا يمكن إصلاحه كالبقل والبطيخ والقثاء، فإن رهنه بحق حال جاز، وإن كان بحق مؤجل نظر، فإن كن يحل بعد فساده نظر، فإن شرط أن لا يباع عند فساده الرهن، وإن شرط أن يباع عند خوف فساده صح الرهن، ويجعل ثمنه رهنًا؛ لأن المقصود يحصل به، وإن أطلق فيه قولان: أحدهما: يصح؛ لأن الظاهر أنه لا يترك الثمرة حتى تفسد ولكنه يبيعها عند خوف الفساد فيحمل مطلق العقد عليه. والثاني: لا يجوز؛ لأنه لا يمكن بيعه عند محل الحق فلا تحصل به الوثيقة وهذا ظاهر المذهب. واختلف أصحابنا في معنى لفظ الشافعي: "وَمَنَعَنِي مِنْ فَسْخِهِ أَنَّ لِلرَّاهِنِ بَيْعَهْ قَبْلَ مَحَلَّ الحَقِّ عَلَى أَنْ يُعْطَى صَاحِبُ الحَقِّ حَقَّهُ". أذن للراهن عند خوف الفساد ببيع الثمرة بشرط تعجيل الدين من ثمنها لا يجوز ذلك وإذا قلنا: باطل فلا كلام، وإذا قلنا: صحيح [ق ٢٢٢ أ] قال بعض أصحابنا: يباع عند خوف الفساد ويوضع ثمنه رهنًا؛ لأن العرف يقتضي ذلك، ولو امتنع الراهن أو المرتهن من ذلك أجبر عليه، وقد تنتقل الوثيقة من العين إلى القيمة بأسباب وهذا من جملتها. وقال بعض أصحابنا: إذا خيف فساده فهو بالخيار بين بيعه ويكون ثمنه رهنًا، وبين تركه، وإن هلك لا يجبر على بيعه، لأنه بيع رهن قبل محل الحق. ويفارق هذا تشميس الرطب؛ لأنه من مؤنة الرهن فأوجب عليه، وههنا تكليف بيع، ونقل ملك فلا يجبر عليه وهذا أقيس، والأول أظهر؛ لأن في ضمنه الإذن ببيعه عند خوف الفساد. وقيل: الأصح جواز الرهن لهذا المعنى.

стр. 2460

فرع رهن اللحم بمنزلة رهن الثمرة التي يمكن تجفيفها؛ لأن اللحم يقدد فلا يفسد، ولو أراد الراهن بيعها أو تجفيفها ممكن الإيجاب إلى ذلك. ولو قال: أريد أن أجعل ثمنها رهنًا. فرع آخر لو رهن ما لا يفسد العبد بشرط أن يباع العبد ويجعل ثمنه رهنًا فكأنه بلا عذر، ظاهر المذهب أنه لا يجوز. وقال أصحابنا بخراسان: فيه وجهان: أحدهما: يجوز كما جاز البيع لما ذكرنا من العذر. والثاني: لا يجوز؛ لأن نقل العقد من محل إلى محل لا يمكن، كما لو نقل من عبدٍ إلى عبدٍ لا يجوز وإن تراضيا. فرع آخر لو رهن نخلًا عليها ثمرة مع الثمرة، فإن كان [ق ٢٢٢ ب] محل الحق مع إدراكها أو قبل إدراكها صح، ويباعان في الدين. وإن كان بعد إدراكها والثمرة مما يمكن إصلاحها جاز أيضًا. وإن لم يكن استصلاحها كالرطب الذي لا يجيء منه تمر طريقان: أحدهما: يصح على طريق البيع قولًا واحدًا، والقولان عند الإفراد. والثاني: فيه قولان أيضًا، وإذا قلنا: لا يصح فهل يبطل في الكل؟ قولان بناء على تفريق الصفقة. مسألة: قَالَ: "وَلَوْ رَهَنَهُ أَرْضًا بِلَا نَخْلٍ فَأَخْرَجْتُ نَخْلًا. الفصل إذا رهن أيضًا بيضاء لا غراس فيها، فنبت فيها غراس من نخل وغيره سواء نبت بنفسه مثل أن يدخل الماء النوى إليها، أو زرعها الراهن فالغراس خارج من الرهن. فإذا تقرر هذا فلا يؤمر الراهن بقلعه قبل حلول الحق؛ لأنَّا نعلم صورة بالمرتهن في الحال فإنه يجوز أن يقضي دينه من غيرها، ويجوز أني يكون ثمن الأرض وفيها غراس تفي بحق المرتهن فلا يقلع، فإذا حل الحق نظر، فإن قضي دينه من غيرها فقد خرجت الأرض من الرهن، وإن لم يقض دينه من غيرها أو لم يكن له مال سواها فلا يخلو من أحد أمرين؛ إما أن يكون عليه ديون لغيره من الغرماء، أو لا يكون غريم له غيره، فإن لم يكن له غريم

стр. 2461

غيره نظر في الأرض إذا بيعت من غير الغراس فيها، فإن كان [ق ٢٢٣ أ] ثمنها يفي بالحق بيع [الأرض] وحدها، وإن كان لا يفي بالحق لنقصان قيمتها بوجود الغراس فيها يجبر الراهن أن يبيع الأرض مع الغراس ويأخذ من جملة الثمن قيمة الأرض بيضاء لا غراس فيها، وبين أن يبيع الأرض وحدها ويجبر بالنقص الذي دخل في ثمنها بالغراس من سائر ماله وبين أن يقلع الغراس ويسلم الأرض مسراه من غير غراسٍ. وإن كان هناك غرماء غيره لا يجوز للحاكم قلع الغراس؛ لأنه ينقص قيمة الغرس فيؤدي إلى الإضرار بالغرماء، ولكنه يبيع الأرض مع الغراس ويأخذ من جملة الثمن قيمة أرض بيضاء لا غراس فيها للمرتهن ويعطي الباقي لسائر الغرما. فإن قيل: أليس قلتم في الأمة إذا بعناها مع الولد فدخل في ثمنها نقص يضم الولد إليها في المبيع لا يجبر النقص من الثمن الولد؟ قلنا: لأن ضم الولد إلى الأم في البيع واجب بالشرع لا صنع للراهن فيها، فلم يجب جبران النقص، وليس كذلك الغراس؛ لأنَّا ضممناه إلى الأرض لسقيه الراهن الغراس في الأرض لا للوجوب بالشرع. وأيضًا هناك ثبت للمرتهن حق الرهن في أرض بيضاء ثم حدث الغراس، وههنا وجود الولد متقدم على الراهن ودخل فيه راضيًا بنقص الولد فلم يجب جبران النقص. فوزانه أن تكون الجارية [ق ٢٢٣ ب] المرهونة زنت فمات بالولد بعد الرهن، يكون حكمها واحد على ما ذكرنا. فإذا تقرر هذا ههنا إشكال، وذلك أن الشافعي قال: "فَأَعْطَى المُرْتَهِنُ ثَمَنَ الأَرْضِ وَالْغُرَمَاءُ ثَمَنَ النَّخْلِ". وهذا يقتضي أن يختص الغرماء بثمن النخل دون المرتهن في جميع الأحوال، ولا خلاف أنه ينظر في قيمة الأرض التي وصلت إلى المرتهن لما بيعت، فإن كانت وفق حقه اختص الغرماء بثمن النخل، وإن تقاصرت عن حقه خاصصهم في ثمن النخل ببقية حقه، وكذلك إن كانت قيمة الأرض أكثر من حق المرتهن رد الفضل على سائر الغرماء بتحاصصون فيه. وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا بيعت الأرض مع النخل ففي كيفية توزيع الثمن على الأرض والنخل وجهان: أحدهما: تقوّم الأرض بيضاء، ثم تقوّم مع النخل، ثم يوزع الثمن أي قدر كان عليهما، مثل أن تكون قيمة الأرض بيضاء ألفًا وبيع الغراس ألفًا ومائة وبيعا بألفٍ وزع الألف على أحد عشر سهمًا. والثاني: تقوّم الأرض بيضاء والنخل قائمة لو انفرد كل واحد منهما ثم يوزع الثمن عليهما حتى إن زاد الثمن على قيمتها فالزيادة لها بالحصة وإن نقص بالنقصان عليهما. مثل أن يقال: الأرض بيضاء تساوي ألفًا والنخل وحدها قائمة تساوي مائتين، ثم إذا بيع قدر بيع [ق ٢٢٤ أ] قسم على السهام الاثني عشر، وإن كانت لو قوّمت الأرض مع

стр. 2462

النخل لا تبلغ إلا ألفًا ومائة، وإن كانت قد زادت قيمتها بذلك مثل إن كانت قيمتها ولا نخل بها مائة وقيمة النخل مائة وقيمتها معًا ثلاثمائة بيعًا معًا، ويكون للمرتهن ما قابل قيمة الأرض وللغرماء ما قابل قيمة النخل ونقسط الزيادة بينهما؛ لأن الزيادة بهما معًا. فرع إذا رهنه أرضًا قد دفن فيها النوى لا يخلو إما إن علم المرتهن أو لا فإن لم يعلم فله الخيار إذا علم؛ لأن يتبين النقص بذلك، ثم إن رد جاز وإن اختار الإمساك أو كان علم بالنوى المدفون، أو علم بالنخل فيها فرهنها دون نخلها فالحكم في الكل واحد، وهو أنه لا يقلع النخل في الحال على ما ذكرنا. ولكن إذا حل الحق وبيعت مع الأرض قسط الثمن عليهما ويدفع إلى المرتهن قيمة أرض فيها غراس؛ لأنه لما رضي بذلك استحق قيمتها على تلك الصفة، ولا يقلع ههنا بحالٍ. وهذا إذا كان هناك غرماء وقد حجر عليه بفلس، فأما إذا لم يكن ذلك فالأرض تباع في الحق وحدها سواء كان ثمنها وفق الحق أو دونه أو فوقه، وقيل في كيفية التوزيع وجهان على ما ذكرنا. مسألة: قَالَ:"وَلَوْ رَهَنَهُ أَرْضًا وَنَخْلًا ثُمَّ اخُتَلَفَا". الفصل إذا رهنه أرضًا واتفق على أن الراهن قال: بحقوقها فوجدت فيها [ق ٢٢٤ ب] نخل، واختلف فقال الراهن: حدث النخيل بعد العقد فهي خارجة من الرهن، وقال المرتهن: كانت موجودة حال العقد فهي داخلة في الرهن لم يخل من ثلاثة أحوال؛ إما أن يمكن ما قال الراهن دون المرتهن، أو ما قال المرتهن دون الراهن، أو ما قالا ممكن فإن أمكن ما قال الراهن دون المرتهن، مثل إن عقد الرهن من عشر سنين والنخل يومئذٍ فسل سنةٍ ونحو ذلك فالقول قول الراهن بلا يمين، وإن أمكن ما يقول المرتهن دون الراهن مثل أن يعقد الرهن منذ سنة النخل باسق طويل، فقال الراهن: حدث بعد العقد فالقول قول المرتهن بلا يمين، وإن أمكن الأمر وأشكل ذلك فالقول قول الراهن مع يمينه؛ لأنهما متفقان على أن النخيل ملك الراهن واختلفا في حدوث عقد الرهن عليهما والأصل أن لا عقد. وقال المزني: "القول قول المرتهن لأن يده على النخيل"، وهذا سهو منه؛ لأن اليد إنما تدل على الملك لا على العقد، فإذا حلفا الراهن يحلف بالله الذي لا إله إلا هو أن هذه النخل أحدثتها بعد العقد على الأرض، وهكذا لو رهن مع النخيل واختلفا هكذا في بعض النخيل فيها، فإذا حلف يكون حكمه حكم المسألة قبلها. قال أصحابنا: فإن كان هذا الرهن في البيع فاختلفا في وقوع البيع على رهن النخيل

стр. 2463

[ق ٢٢٥ أ] الذي تداعيا به فيجب أن يتحالفا، وقد حلف الراهن فيقال للبائع المرتهن: أتقنع أن تكون الأرض رهنًا بلا نخيل، فإذا قنع فلا كلام، وإن لم يقنع قيل للراهن: أتسمح أن يكون النخيل رهنًا مع الأرض؟ فإن سمح فلا كلام، وإن لم يسمح قيل للبائع: قد حلف الراهن ولم تحلف أنت، فاحلف أنت لقد رهنتها بنخلها، وإن حلف قيل له: أنت بالخيار بين أن تقيم على البيع أو تفسخ؛ لأن محل الرهن ما سلم لك. وقال بعض أصحابنا بخراسان: هذا إذا قال الراهن قد كانت هذه النخيل فيها ولكن استثنيتها، وقال المرتهن: ما استثنيت. أو قال الراهن: رهنت الأرض دون النخيل، وقال المرتهن: بل مع النخيل. فأما إذا قال: رهنتك جميع النخيل التي في الأرض لكن هذه النخلة بعينها لم تكن حينئذٍ، وقال المرتهن: قد كانت فالقول قول الراهن لأنهما ما اختلفا في صفة العقد وكيفيته، وفي هذا نظر؛ لأنه يقول: كان الشرط هذه النخلة بعينها مع الباقي وهو ينكر ذلك فهو اختلاف في قدر الرهن المشروط فيتخالفان كما ذكرنا. مسألة: قَالَ: "وَلَوْ شَرَطَ لِلْمُرْتَهِنِ إِذَا حَلَّ الحَقَُ أَنْ يَبِيعَهُ لَمْ يَجُزْ". إذا شرط الراهن بعد عقد الرهن أن الحق إذا حل عليه باع المرتهن الرهن لنفسه واستوفي حقه منه، فإن هذا توكيل باطل وشرط فاسد؛ لأن الإنسان لا يجوز [ق ٢٢٥ ب] أن يكون وكيلًا لغيره في حق نفسه؛ لأنه متهم فيه فإنه يريد أن يروج البيع، ويريد الراهن أن يتربص به ويستقصي في طلب الزيادة في ثمنه فلم يجز. فإن قيل: أليس لو دفع المسلف إليه دراهم إلى المسلف ليشتري به طعامًا صح. قلنا: لو وكله بأن تشتريه لنفسه لم يجز، وإن وكله ليشتريه له دون نفسه جاز. والفرق بينهما أن هذا الشراء لا حق له فيه، وإنما هو للسلف فجاز أن يكون وكيلًا لغيره في حق غيره، وليس كذلك بيع الرهن فإنه حقه، فلم يجز أن يكون وكيلًا لغيره في حق نفسه. فإن قيل: أكثر ما فيه أنه توكيل فاسد، وإذا باع الوكيل وكالة فاسدة يجوز، فلم لا يجوز ههنا؟ قلنا: فساد الوكالة إذا كان لمعنى يرجع إلى عقد البيع منع صحة البيع، وقد بيَّنا أن الوكالة ههنا ترجع إلى عقد البيع، وهو أنه إذا باع فإنما يبيع لغيره في حق نفسه وذلك لا يجوز. وقال أبو حنيفة ومالك وأحمد: يصح التوكيل ههنا ويملك بيع الرهن؛ لأنه إذا جاز توكيل غير المرتهن فيه جاز توكيل المرتهن فيه، وهذا غلط لما ذكرنا. وقال أبو حنيفة ومالك وأحمد: يصح التوكيل ههنا ويملك بيع الرهن؛ لأنه إذا جاز توكيل غير المرتهن فيه جاز توكيل المرتهن فيه، وهذا غلط لما ذكرنا. وإذا ثبت أن البيع باطل كان للمرتهن مطالبة الراهن ببيعه وإيفاء حقه من ثمنه، فإن امتنع منه رفعه إلى الحاكم ليبيع عليه ويدفع ثمنه إليه، وإن كان هذا شرطًا في عقد الرهن

стр. 2464

فإنه شرط (فاسد) في عقد الرهن [ق ٢٢٦ أ] فهل يفسد الرهن ههنا؟ أصل ذلك إن كان رهن شرط من شرطًا فاسدًا إن كان نقصانًا في حق المرتهن بطل قولًا واحدًا، وإن كان زيادة في حقه فيكون على قولين. وكل موضع قيد الرهن وكان على بيع هل يبطل البيع بفساده؟ قولان. وهذا كله إذا كان الراهن غائبًا عن مجلس البيع، فإن كان حاضرًا فباع المرتهن بحضرته، فإنه إذا أراد تعجيل البيع وتضييع حق المرتهن فيه منعه منه. وقال أبو حامد: لا يجوز ذلك عندي أيضًا، وقول الشافعي: "لَمْ يَجُرْ أَنْ يَبِيعَ لِنَفْسِهِ إِلَّا بأَنْ يَحْضُرَهُ رَبُّ الرَّهْنِ"، أراد رب الرهن بيعه إذا حضره دون المرتهن؛ لأنه لا يجوز أن يكون وكيلًا فيما يتعلق بحق نفسه. قال الشافعي: "فَإِن امْتَنَعَ أَمَرَ الحَاكِمُ بِبَيْعِهِ" والأول أصح وهو ظاهر النص. فرع لو قال: إذا حل الحق بعه لي واقبض الثمن ثم استوف منه حقك فالبيع وقبض الثمن جائز في استيفائه لنفسه. قال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز ذلك ولابد من أمين موفي ومستوفي. والثاني: يجوز ذلك إذا ائتمنه عليه غير أنه يحتاج إلى أن يزنه مرة أخرى على نفسه وما لم يستوفه لنفسه فهو أمانة في يده كالرهن، وإذا استوفي دخل في ضمانه. وهكذا الحكم في كل [ق ٢٢٦ ب] من باع مال غيره في حق نفسه بتولية، مثل إن وكل سيد العبد الجاني المجني عليه في بيع العبد بما تعلق له برقبته، أو وكل الحاكم أمينه في بيع مال الغير في حق نفسه. مسألة: قَالَ: "وَلَوْ كَانَ الشَّرْطُ لِلْعَدْلِ جَازَ بَيْعُهُ". الفصل إذا شرطا أن يصغاه على يدي عدلٍ جاز الشرط وتكون يد العدل يد الراهن ووثيقة للمرتهن، وقال ابن أبي ليلي وداود: لا يجوز هذا القبض؛ لأن القبض من تمام هذا العقد فتعلق بأحد المتعاقدين كالإيجاب والقبول. وهذا غلط؛ لأنه قبض في عقد فصح فيه التوكيل كسائر القبوض، ويفارق العقد؛ لأن الإيجاب إذا كان لشخص كان القبول منه؛ لأنه مخاطب بخلاف هذا. فإذا تقرر هذا، فإن اتفقا على نقله عن يده جاز؛ لأن الحق لهما فجاز نقله.

стр. 2465

برضاهما، وإن اختلفا نظر الحاكم فيه، فإن كان عدلًا ثقة أقره في يده، وإن كان فاسقًا انتزعه من يده. وكذلك المرتهن إذا كان الراهن نقله من يده ويرفعه إلى الحاكم حتى ينقله عنه إلى غيره، وإن وكل الراهن هذا العدل ببيعه إذا حل الحق جاز؛ لأنه لا حق له في هذا البيع. فإن قيل: هلا قلتم إن هذه الوكالة لا تصح لأنها وكالة بصفة، كما لو قال: إذا قدم الحاج أو جاز رأس الشهر [ق ٢٢٧ أ] فقد وكلتك، فإن هذه وكالة باطلة. قلنا: في مسألتنا الوكالة مطلقة غير مؤقته، وإنما البيع فيها مؤقت فجاز بخلاف ذاك. فإذا تقرر هذا، فإن اتفقا على عزله عن الوكالة جاز، وإن عزله أحدهما فإن كان هو الراهن انعزل؛ لأنه وكيله في البيع، وإن عزله المرتهن اختلف أصحابنا فيه؛ فمنهم من قال: ينعزل وهو المذهب؛ لأن الشافعي قال: "جَازَ بَيْعُهُ مَا لَمْ يَفْسَخَا أَوْ أَحَدُهُمًا"؛ لأن الوكالة متعلقة بحقهما فبطل رجوع كل واحد منهما. وقال أبو إسحاق: لا ينعزل؛ لأن العدل وكيل الراهن في البيع دون المرتهن، ألا ترى أن الراهن لو انفرد عن المرتهن بالتوكيل صح، ولو انفرد المرتهن بالتوكيل في بيعه لم يصح إلا أن يدعي خيانة العدل ويقيم عليه البينة، فيكون له منعه من البيع. قال: وقول الشافعي: "مَا لَمْ يَفْسَخَا أَوْ أَخَدُهُمَا" أراد ما لم يمنعه الراهن عنه بيعه؛ لأنه إن كان وكيل الراهن فلا يبيع إلا بإذن المرتهن. وقال أبو حنيفة ومالك: ليس للراهن أن ينفرد بعزله؛ لأن هذه الوكالة صارت من حقوق الراهن فلم يكن للراهن إسقاطه. وهذا غلط؛ لأنها وكالة فكان للموكل فسخها كسائر الوكالات. وأما ما ذكروا لا يصح؛ لأن الوكالة عقد بانفراده سوى الرهن كما لو باع شيئًا بشرط الرهن [ق ٢٢٧ ب] لا يقال العقد من حكم البيع وهو عقد آخر كذلك ههنا. فإذا تقرر هذا، ينظر إذا حل الحق، فإن اتفقا على البيع جاز العدل أن يبيعه، وإن أذن له أحدهما، فإن أذن له الراهن به لم يكن له بيعه حتى يستأذن المرتهن؛ لأنه له فيه حقًا، وإن أذن له المرتهن به هل يحتاج إلى استئذان الراهن في البيع؟ وجهان: قال أبو إسحاق: لا يحتاج إلى استئذان؛ لأنه قد وكله في البيع وأذن مرة فلا يحتاج إلى الإذن ثانيًا. وقال ابن أبي هريرة: يلزمه أن يستأذنه؛ لأنه ربما كان له غرض فيه، وهو أن يقضي الحق من عنده ونقله من الراهن.

стр. 2466

فرع قال في "الأم": وإن مات العدل, فإن اتفق الراهن والمرتهن على وضعه في يد عدل آخر جاز, وأن تنازعا حمل إلى الحاكم فيجعله على يد عدلٍ آخر, وليس لأحدهما أن ينفرد به, لأن لكل واحد منهما فيه حقًا. فرع آخر لو كان الرهن في يد المرتهن فمات المرتهن, فإن رضي الراهن أن يكون على يد الوارث جاز, وإن لم يرضه واتفقا على عدلٍ يكون عنده جاز, وإن اختلفا جعله الحاكم عند العدل, وليس للوارث إمساك الرهن بغير إذن الراهن, لأنه ما وثق به, وإنما وثق بمورثه, وإن كان وارث المرتهن طفلاً وكان [ق ٢٢٨ أ] أبوه أوصى إلى رجل بالنظر في ماله ما لم يكن للوصي إمساك هذا الرهن أيضًا بغير إذن الراهن. مسألة: قال: "وَلَو بَاعَ بِمَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثلِهِ فَلَم يٌفَارِقهُ حَتَّى جَاءَ مَنْ يَزِيدُهُ قَبلَ الزِيادَةِ, فَإِن لَم يَفعَل فَبيعُهُ مَردُودٌ". إذا أذنا بالبيع نظر, فإن صرحا له فقالا: بع نقدًا بنقد البلد بألفِ لم يجز له أن يخالف شيئًا مما أذنا له به غير أن له يبيع بأكثر من ألفٍ إن قدر عليه, وإن لم يصرها بشيء بل وقع الإذن بالبيع مطلقًا اقتضى ثلاثة أشياء, وهي أن بيعه بثمن مثله نقدًا بنقد البلد, فإن خالف منها بطل البيع. وقال أبو حنيفة: له أن يبيع كيف شاء. وهكذا الخلاف في الوكيل المطلق بالبيع غير العدل. فإذا تقرر هذا وخالف ما ذكرنا, فإن كان البيع قائمًا رده, وإن كان تالفًا فللمرتهن أن يضمن من شاء من المشتري والعدل والراهن, فإن رجع على المشتري رجع بأقل الأمرين من قيمته أو قدر الحق, ولا يرجع المشتري على أحد بشيء؛ لأن الشيء تلف في يده عن بيع فاسد فاستقر الضمان عليه وإن رجع على الراهن رجع بحق نفسه, وللراهن أن يرجع على من شاء من العدل والمشتري بكمال قيمة المبيع, فإن رجع على العدل رجع على المشتري بكمال قيمة المبيع, فإن رجع على العدل رجع على المشتري, وإن [ق ٢٢٨ ب] رجع على المشتري لم يرجع على أحد هذا إذا كان الخلاف في النقد, وإن كان الخلاف في نقصان الثمن فالذي له أن يبيع بثمن مثله أو لا يتغابن الثاني بمثله في العادة, مثل أن يكون ثمن مثله عشرة والمغابنة في مثله بدرهم فباعه بتمامه فالبيع باطل, وإن باع بتسعة جاز, وهذا يختلف باختلاف أجناس الأموال, فإن اللؤلؤ لتثمينه يتغابن

стр. 2467

فيها الناس بمائة درهم أو بخمسين ونحو ذلك, وكذلك العبيد والإماء ولا يُعد هذا غبنًا فاحشًا. وإذا أبطلنا البيع وكان المبيع تالفًا له أن يرجع به على العدل. نص في "نختصر الرهن" على قولين: المذهب: أن له الرجوع بكمال قيمته أيضًا وهو عشرة. والثاني: يرجع عليه بتغابن الناس بمثله, وهو ما حط عن تسعة إلى ثمانية فيرجع عليه بدرهم واحد؛ لأنه القدر الذي تعدى فيه, ثم هو يرجع بالتسعة على المشتري. والأول: أصح؛ لأنه أخرج العين من يده على وجه لم يجز له فيضمن جميع قيمتها. ولو أن المشتري اشتراه بما يتغابن الناس بمثله لم يرجع عليه بشيء, ولكن يلزمه تمام القيمة ههنا كذاك العدل. ومثل ما قال أصحابنا في الزكاة إذا لم يعط واحدًا من الأصناف مع القدرة يضمن نصيله, وكم يضمن؟ وجهان: أحدهما: القدر الذي لو أعطاه في الابتداء جاز؛ لأن التفضيل جائز [ق ٢٢٩ أ] والثاني: القدر الذي يخصه سوى بينهم. هذا إذا خالف, فإن لم يخالف فباعه بثمن مثله أو ما يتغابن الناس بمثله فالبيع صحيح. وإن جاءه زائد فزاد في الثمن نُظر, فإن كان ذلك بعد لزوم البيع لم تنفع الزيادة, وإن كان قبل لزوم البيع, مثل أن يزيد في الثمن في مدة خيار المجلس أو خيار الشرط, قال الشافعي: "عليه قبول الزيادة" فإن لم يفعل فالمذهب أن البيع ينفسخ؛ لأن كل ما يكون في مدة الخيار, فهو كما يكون حالة التعاقد, ولو زيد حالة التعاقد فباع بدون الزيادة وبطل البيع كذلك ههنا. وعلى هذا إن تلفت السلعة في يده ضمن قيمة السلعة بالزيادة. ومن أصحابنا من قال: لا تبطل, لأن الزيادة مظنونة فلا ينفسخ بها العقد, وهذا يبطل بحالة التعاقد فإنها مظنونة أيضًا. وقال بعض أصحابنا بخراسان: لو قال الثاني بعدما زاد: بدا لي ولا أزيد بل إن البيع الأول لم يبطل, وهذا كما أنه لو بذل الابن الطاعة لأبيه في الحج يلزمه أن يأمره به, وإن رجع عن الطاعة قبل أن يحج أهل بلده بأن أنه لم يجب وإنما يحكم وجوبه إذا ثبت على الطاعة حتى يحجوا. قال القفال: لكيفية قبول [ق ٢٢٩ ب] الزيادة باستئناف العقد الثاني مع المشتري الثاني من غير فسخ العقد الأول, فتضمن العقد الثاني فسخًا للبيع السابق, وإنما جعلنا قبول الزيادة معلقًا بالعقد؛ لأنه لو فسخ الأول بلفظ الفسخ ربما يمتنع الثاني فيبطل المقصود من العقدين, وهذا معنى قول الشافعي: "قبل الزيادة", وهذا يدل على صحة أحد الوجوه إذا باع البائع في زمان المجلس من آخر صح, وانفسخ البيع الأول فلا

стр. 2468

يحتاج إلى أن يقول: فسخت البيع الأول. مسألة قال: "وَإذَا بِيعَ الرَّهِنُ فَثَمَنَهُ مِنَ الرَّاهِنِ حَتَّى يَقبِضَهُ المُرتهَنٌ" إذا باع العدل الرهن بيعًا صحيحًا فثمنه من ضمان الراهن إلى أن يقبضه المرتهن؛ لأن ثمن المبيع قائم مقام المبيع. ولو هلك المبيع في يد العدل وهو أصل لا ضمان على العدل؛ لأنه أمين, فكذلك إذا هلك الثمن. ثم للمرتهن مطالبة الراهن لحقه, وبه قال أحمد. وقال أبو حنيفة ومالك: من ضمان المرتهن. فأما أبو حنيفة بناه على أصله أن الرهن مضمون على المرتهن والثمن بدله. وأما مالك فيقول: الثمن للمرتهن وبيع له فكان من ضمانه. وهذا غلط؛ لأن العدل وكيل الراهن في البيع والصمن ملكه وهو ظامين له في قبضه فكان من ضمانه, أما قوله "الثمن للمرتهن" لا يصح؛ لأنه للراهن وإنما تعلق به الاستيفاء له. وأما قول الشافعي ههنا [ق ٢٣٠ أ] "فَثَمَنَهُ مِنَ الرَّاهِنِ" أراد من ضمانه كما قال ﷺ : "لا يغلق الرهن من راهنه" يعني من ضمان راهنه, وذلك عادة العرب في حذف المضاف. مسألة: قال: "وَلَو مَاتَ الرَّاهِنُ فَأَمَرَ الحَاكِمُ عَدلاً فَبَاعَ الرَّهنُ وضَاعَ الثَّمَنُ مِن يَدَي العَدلِ فَاستَحَقَّ الرَّهنُ". الفصل: إذا كان الرهن على يدي عدلٍ وقد وكلاه ببيعه عند محل الحق, فمات الراهن, وكان الحق خالاً أو حل عليه الحق بوفاته انفسخت الوكالة, فإن أراد الوارث قضاء الحق من غير الرهن أو من عنده جاز, وإن امتنع نصب الحاكم أمينًا ليبيع هذا الرهن, إما ذلك العدل أو غيره, فإذا باع الرهن وسلمه إلى المشتري وقبض الثمن فتلف الثمن في يد الأمين وخرج الرهن مستحقًا فالكلام فيه أربعة فصول؛ في المستحق, والمرتهن, والعدل, والمشتري. وهكذا لو كان هذا في مفلس قد نصب الحاكم ليبيع ماله فباع عينًا من ماله وسلمها إلى المشتري وقبض الثمن فضاع من يده وخرج المبيع مستحقًا يكون الكلام في المستحق والغرماء والأمين والمشتري. فبدأ بالمستحق فيأخذ عين ماله؛ وإن كان مع المستحق بينة حلف المستحق مع يمينه؛ لأنا نقضي بالبينة بغير يمين المدعي

стр. 2469

[ق ٢٣٠ ب] إلا في ثلاث مسائل: الميت والغاصب, والصبي, والمجنون سواء قلنا يحلف أو لا يأخذ خقه وينصرف. وأما المرتهن: فقد بان له أن الرهن كان باطلاً وأن حقه بغير وثيقة, فإن كان الرهن في دين فلا خيار له, وإن كان في بيع فله الخيار, وإن اختار المقام على البيع كان أسوة الغرماء. أما العدل: فلا ضمانة عليه؛ لأنه أمين الرهان في حفظ ملكه, وأمين المرتهن في حفظ وثيقة, وواسطة بين البائع والمشتري وقد تلف الشيء في يده من غير تفريط؛ لأنه وإن كان قد قبض الثمن بغير حق فقد سلمه إليه مالكه ليسلمه إلى مستحقه في الظاهر. هكذا ذكر جماعة أصحابنا. وقال القفال: إذا نصب الراهن والمرتهن عدلاً فوقع الأمر على هذا الوجه يرجع المشتري بالثمن على العدل؛ لأنه جفعه إليه ثم يرجع هو على الراهن لأنه يصدقه على أنه وكيل, وإن كان العدل منصوبًا من جهة القاضي هل للمشتري الرجوع على العدل أم لا عهدة على العدل بل يرجع في مال الراهن؟ وجهان: أحدهما: لا رجوع على القاضي إذا تولى البيع بنفسه وهو ظاهر كلام الشافعي. والثاني: يرجع على العدل كما في المسألة الأولى. قال: وقول الشافعي: "لَم يَضمَنِ العَدلُ" أي لم يضمنه ضمانًا لازمًا وقصده الرد على أبي حنيفة حيث فال: العهدة [ق ٢٣١ أ] على العدل للمشتري ثم يرجع هو على الراهن, وهذا خلاف النص والصحيح ما ذكرنا. ولا رجو على العدل في الصورة الأولى إذا صدق المشتري أنه عدل وواسطة في العقد, أو ذكر العدل عند العقد أنه وكيل لما ذكنا من العلة, وأما المشتري يرجع بالدرك في مال من بيع عليه وهو المفلس, أو الميت أو الراهن, وكذلك كل من باع على الغير مالً وهم ستة: الأب, والجد, والوصي, والحاكم, والوكيل, والأمين. ووافقنا أبو حنيفة في الحاكم والأمين, وخالفنا في الوكيل, والأب, والجد, والوصي فقال: يلزممهم العهدة ويرجع المشتري عليهم ثم يرجعون على من بيع المال عليهم بما ضمنوا. وقال مالك: يرجع المشتري على المرتهن ويعود دينه في ذمة الراهن كما كان, لأنه بيع له, وهو لما ذكرنا من قبل. فإذا تقرر هذا, فإن كان في الماء وفاء بدين المرتهن والمشتري جميعًا قضيا معًا منه. وإن لم بكن فيه وفاء بهما نقل المزني وحرملة أنه أسوة الغرماء, ولا فصل بين المفلس ولا مسألة الميت إذا بيع في تركته شيء رهنًا كان البيع أو غير رهن. واختلف أصحابنا في هذا على طريقتين؛ فمنهم من قال: المسألة على قولين: أحدهما: أنه أسوة الغرماء وهو الأصح, لأنه بذل الثمن لتحصل له السعة إذا [ق ٢٣١ ب] استحقت بالبينة بعد حصوله له فاستحق الرجوع بالثمن, فإذا كان تالفًا ثبت

стр. 2470

حقه في الذمة كالمرتهن فهما سواء. والثاني: يقدم على الغرماء؛ لأن في تقدمة مصلحة, إذ لو لم يقدم لم يشتر أحد من مال المفلس خوفًا من أن يخرج مستحقًا فيضيع ماله, فقدمناه كما قدمنا أجرة الخياط والحمال ونحو ذلك. ومن أصحابنا من قال: هو على اختلاف حالين, فالموضع الذي يقدم على الغرماء ما إذا كان للمفلس أعيان مال موجودة ههنا يقدم, والموضع الذي قال إنه أسوة الغرماء أراد إذا لم يكن له أعيان مال بحالً, وإن لم يكن له غير الذي يبيع عليه ففات الحجر عنه ثم ملك بعدها مالاً فاعيد الحجر عليه ههنا يكون المشتري أسوة الغرماء قولاً واحدًا, ومنهم من قال: فيه قولان. فرع لو باع العدل برضاهما وتلف الثمن في يده وخرج المبيع مستحقًا فلا عهدة على العدل على ما ذكرنا. ولو دفع الثمن إلى المرتهن فالمشتري يرجع على الراهن أيهما شاء. وهذا غلط للمعنى الذي ذكرنا من قبل. فرع آخر قال ابن سريج: لو كان الرهن على يدي عدل فباعه بإذنهما وقبض الثمن وسلمه إلى الراهن, وسلمه الراهن إلى المرتهن وقبض المشتري المبيع ثم أصاب به عيبًا فله رده, والرد [ق ٢٣٢ أ] على الراهن؛ لأنه هو البائع وله الرجوع بالثمن ولكنه لا يرجع على المرتهن؛ لأن قبضه وقع صحيحًا مستقرًا وقد دفععه الراهن إليه بحقٍ ودخل في ملك الراهن أولاً, ولهذا لو أراد الراد أن يحبسه ويقضي دينًا من مال آخر له ذلك. ويفارق هذا إذا استحق الرهن من يد المشتري له أن يطالب المرتهن بماله؛ لأنه قبض الثمن ولم يكن مستحقًا له فافترقا في الرجوع عليه. وأما الراهن: إن كان قد ذكر في العقد أنه وكيل للراهن وبيع له فلا رجوع إليه, وكانت الحكومة بين الراهن والمشتري دون العدل, فإن كان للمشتري بينة بأن العيب كان موجودًا حال العقد أو بعد العقد وقبل القبض رجع بالثمن عليه, وإن لم يكن له بينة نظر فإن كان عيبًا لا يحدث مثله كالإصبع الزائد له رده بلا يمين, وإن كان يحدث مثله فالقول قول الراهن, وإن أطلق العدل البيع ولم يقل إنه وكيل الراهن في بيعه فالحكومة بين العدل وبين المشتري؛ لأن الظاهر أنه تصرف لنفسه فكانت العهدة عليه. وهذا أصل في تصرف الوكيل متى ذكر أنه وكيل تعلق الحكم بموكله, ومتى أطلق تعلق به, فإذا كانت ....... وبين المشتري, فإن كان للمشتري فإن كان للمشتري بينة أن العيب كان موجودًا رد العبد ورجع بالثمن على العدل [ق ٢٣٢ ب] ورجع العدل به على الراهن, وإن لم يكن معه بينة

стр. 2471

فإن كان عيبًا يحدث مثله نظر, فإن كان أفر الراهن والعدل معًا أن العيب كان موجودًا حال العقد رده على العدل ورجع عليه بالثمن, ورجع العدل على الراهن. وإن كذبه العدل والراهن معًا فالقول قول العدل؛ لأن معه سلامة العقد, فإن حلف العدل سقطت دعوى المشتري, فإن نكل رددنا اليمين على المشتري, فيحلف ويرد العبد ويرجع بالثمن على العدل, ثم لا يرجع العدل به على الراهن؛ لأنه يقول: العيب حادث والرد باطل والرجوع عليَّ بالثمن ظلم, وإن كان العدل صدق المشتري وحصل الخلاف بينه وبين الراهن, قال القاضي أبو الطيب: الذي عندي أن القول قول العدل؛ لأنه أمينه فيقبل قوله عليه. وكلام أصحابنا يدل على أنه لا يقبل قوله عليه والله أعلم. مسألة: قال: "وَلَو بَاعَ العَدلُ فَقَبَضَ الثَّمَن فَقَالَ: ضَاعَ, فَهوَ مُصَدَّقُ". إذا باع العدل وقبض الثمن, ثم ادعى أن الثمن ضاع من يده فالقول قوله لأنه أمين. فإن اتهم أحلف كالمودع سواء, فإذا حلف حكمنا أن الثمن من ضمان الراهن خلافًا لأبي حنيفة على ما ذكرنا. مسألة: قالَ: "وَلَو قَالَ: دَفَعَتهٌ إِلَى المٌرتَهِنِ وأَنكَرَ [ق ٢٣٣ أ] ذَلِكَ المُرتهَنُ فَالقَولُ قَولَهُ وَعَلَى الدَّافِعِ البَينَةُ". إذا ادعى العدل دفع الثمن إلى المرتهن وأنكر المرتهن ذلك لا يقبل قوله على المرتهن, وعلبه البينة أنه دفعه إليه, والقول قول المرتهن مع يمينه؛ لأنه ليس بوكيله ولا أمينه. وفال أبو حنيفة: يقبل قول العدل عليه مع يمينه, وإذا حلف سقط حق المرتهن لا على جهة أنه أثبت القبض على المرتهن بيمينه ولكن لأجل أنه يصبر كأنه تلف الثمن في يده, ولأن العدل أمين فقيل قوله في إسقاط الضمان عن نفسه, ولا يقبل في إيجاب الضمان على غيره. وهذا غلط؛ لأنه ليس وكيل للراهن في دفع الدين إلى المرتهن, وإنما هو وكيل للمرتهن في حفظ الراهن له فلا يقبل قة=وله فيما ليس بوكيل فيه من جهته عليه. وأما ما ذكره لا يصح؛ لأنه إذا لم يقبل قوله عليه وجبت أن لا يسقط حقه ولا يكون بمنزلة الإتلاف؛ لأنه لم يدع التلف. فإذا تقرر هذا فإذا حلف المرتهن حكمنا أنه لم يقبض شيئًا من العدل, وأن حقه باق, ثم هو بالخيار إن رجع على الراهن؛ لأن حقه ثابت في ذمته وبين أن يرجع على .......... لأنه لم يثبت ما ادعاه فكان له المطالبة, وإن ضمن الراهن رجع الراهن على العدل؛ لأنه وإن كان قد دفعه بإذنه بق ٢٣٣ ب] وكان وكيلاً فيه, فإنه أذن له في دفع يبرئه, فإذا دفع إليه دفعًا غير مبرئ كان ضامنًا, وإن

стр. 2472

صدقه أنه دفعه, قال أصحابنا: فإن كان دفعه بحضرة الراهن واعترف الراهن بذلك لم يرجع الراهن على العدل؛ لأنه إذا حضر كان التفريط في ترك الإشهاد منسوبًا إليه. وهكذا إذا لم يكن بحضرته إلا أنه كان قد أشهد عليه شاهدين أو شاهدًا وامرأتين ثم ماتا أو فسقا فلا ضمان عليه قولاً واحدًا. وإن أشهد عليه شاهدًا واحدًا ومات فيه وجهان: أحدهما: يضمن لأن الشاهد الواحد ليس ببينة فقد فرط فيه. والثاني: لا يضمن وهو اختيار القاضي الطبري؛ لأن الشاهد مع اليمين بمنزلة الشاهدين, فكان له أن يعول على يمينه مع الشاهد الواحد, وإن رجع على العدل لا يرجع على الراهن؛ لأنه يقول: ظلمني المرتهن فيما أخذ مني ثانيًا. مسألة: قال: "وَلَو بَاعَ بِدَينٍ كَانَ ضَامِنًا" أي: إذا باع وسلم. فأما مجرد البيع لا يوجب الضمان, وأراد أنه ضامن القيمة؛ لأن ضمان الثمن إنما يتوجه عند صحة البيع وهذا البيع في الأصل فاسد, وقد ذكرنا هذه المسألة. مسألة: قال: "وَلَو قَالَ لَهُ أَحدَهُمَا: بِعْ بِدَنَانِير, وَقَالَ الآخرُ: بِع بِدِرهَم". الفصل. إذا اختلفا في جنس الثمن الذي يباع الرهن به [ق ٢٣٤ أ] فقال الراهن للعدل: بعه بالدراهم, وقال المرتهن: بالدنانير لم يكن له بيعه حتى يتفقا على ما يباع؛ لأن لكل واحد منهما حقًا فيه, فإن لم يتفقا رفع إلى الحاكم حتى ينظر فيه, فإن كان كل واحد منهما يريد غير نقد البلد باعه الحاكم بنقد البلد, فإن كان جنس حقه منه صرفه إليه, وإن لم يكن جنس حقه صرفه في جنس حقه ووفاه إياه, وإن كان ما يقوله الآخر ليس بنقد البلد وما يقوله الآخر نقد البلد على ما ذكرنا لا؛ لأنّا قدمنا قوله ولكن لأنه يقتضيه الحكم وإن كان ما يقوله كل واحد منهما نقد البلد وكان في البلد نقدان, فإن كان أحدهما أغلب باعه بالأغلب, وإن استويا باعه بالأحظ, وإن استويا باعه بجنس حقه باع بما هو أسهل صرفًا إلى جنس الحق, فإن استويا عين الحاكم. قال أصحابنا: وكذلك إذا كان حقه دراهم فقال المرتهن: أريد البيع بالدنانير وقال الراهن: أريد بالدراهم ويحصل من ثمنه مقدار حقه بيع بالدراهم ولا يراعى قول المرتهن؛ لأنه لا غرض له في هذا الموضع. وعلى هذا لو كان الأرفق به أن يباع بجنس

стр. 2473

الدين, وإن لم يكن نقد البلد باع به أيضًا, ذكره بعض [ق ٢٣٤ ب] أصحابنا بخراسان. مسألة: قال: "فَإِن تَغَيَّرَت حَالُ العَدلِ فَأَيُّهُمَا دَعَا إلَى إخراجِهِ كَانَ ذَلِكَ لَهُ". إذا تغيرت حال العدل بفسق أو ضعف عن القيام به من كبر أو علة أو حدث عداوة لهما أو لأحدهما, فإن اتفقا على نقله من يده إلى غيره نقل إليه, وإن اختلفا فيمن ينقل إليه رفع إلى الحاكم حتى ينقله إلى يد من يراه, وإن اختلفا في حدوث معنى من الثلاثة نظر الحاكم فيه, فإن ثبت عنده نقله من يده, وقال أصحابنا: ومن جملة تعديله أنه يجني عن المرهون عمدًا, فإن جنى خطأ لم يقدح ذلك في عدالته, وإن وجب عليه غرم الجناية فيأخذه القاضي ويرده عليه ليحفظه كما حفظ الأصل المجني عليه, كما لو جني غيره وأخذ الأرش جاز أن يوضع عند هذا العدل إذا لم يتفقا على إخراجه من يده كالأصل سواء. مسألة: قال: "وَلَو أَرَادَ العَدلَ رَدَّهُ وَهُمَا حَاضِرَان". الفصل. إذا أراد العدل عزل نفسه عن الحفظ ورد الرهن لا يخلو الراهن والمرتهن من ثلاثة أحوال: إما أن يكونا حاضرين, أو أحدهما حاضرًا والآخر غائبًا, أو غائبين, فإن كانا حاضرين كان له الرد عليهما لأنه [٥٢٣ أ] أمينها متبرع بالحفظ عليهما وليس له الرد على أحدهما لأنه أمين لكل واحد منهما والحق لهما, وللراهن حق الملك وللمرتهن حق الوثيقة. فإن خالف فرده على أحدهما فقد تعدى ويؤخذ منه قيمته تكون رهنًا مكانه إن تلف سواء سلمه إلى الراهن أو إلى المرتهن, ولهذا لو أتلفه الراهن تؤخذ قيمته وتكون رهنًا, وإن أراد رده إليهما فامتنعا من قبوله مضى إلى الحاكم وعرفه حتى يجبرهما على قبوله, فإن امتنعا قبل هو عنهما, فإن حمله إلى الحاكم وسلمه إليه مع حضورهما كان عليه الضمان؛ لأن الحاكم لا يلي على رشيد وإنما ينوب عنهما عند الامتناع, وفي هذا الموضع يلزم الضمان على الحاكم أيضًا, وإن كان أحدهما غائبًا والآخر حاضرًا لم يكن له دفعه إلى الحاضر, فإن دفعه إليه ضمن الآخر جميع قيمته, فإن قيل: هلا قلتم يضمن النصف. وقيل: الفرق أن هناك لكل واحد منهما نصفها, وههنا ملك الجميع لأحدهما ووثيقة للآخر, ولهذا لو أتلفه الراهن يلزمه تمام قيمته للراهن فلهذا ضمن كله. وإن كانا غائبين فإن كان لهما وكيل حاضر في استرجاع الودائع والرهون رده على

стр. 2474

[ق ٢٣٥ ب] وكيلهما, وإن لم يكن لهما وكيل فإن كان للعدل عذر من مرض أو سفر رده إلى الحاكم إن قدر عليه سواء كانت الغيبة طويلة أو قصيرة, وإن لم يكن للحاكم كان له أن يضعه على يد ثقة يودع ماله عنده لأنه موضع ضرورة كما نقول في المودع, وإن لم يكن له عذر, وقال: لست أختار التبرع بهذا الحفظ نظر في غيبتها, فإن كانت بعيدة رده إلى الحاكم ليحفظه وليس له رده إلى غير الحاكم ههنا؛ لأنه لا حاجة به إليه, وإن سلمه إلى غير الحاكم ضمنه, ثم إن شاء الحاكم فولى حفظه بنفسه وإياه قصده الشافعي بقوله: "لَم أَرَ أَن يَضطَّرَّهُ عَلَى حَبسِهِ وإِنَما هِيَ وِكَالَةٌ لَيسَت لَهُ فِيهَا مَنفَعَةٌ" فإن لم يكن حاكم في هذه المسألة ليس له أن يودع عند غيره لأنه لا حاجة, وإن كانت الغيبة قريبة وهي ما لا يقصر فيها الصلاة ولم يقبله وأمره بالتوقف حتى يكتب إليهما ويعلمهما بذلك فيختارا لأنفسهما من يحفظ الرهن عليهما كما قلنا في الحاضرين سواء لأنهما في حفظ المقيمين, وإن سلم العدل إلى ثقة في داره, فإن كان منفردًا بالحفظ فعليه الضمان, وإن لم يكن منفردًا بالحفظ. وإنما أعطاه ليحمله إلى صندوق أو خزانة فلا ضمان عليه؛ لأنه لم يخرجه عن يده وقبضه وسلطانه, وإنما [ق ٢٣٦ أ] استعان بغيره في حفظه فهو كما لو كانت دابة فسلمها إلى سائس يحفظها ويعلفها ويسقيها. فرع لو جعل المتراهنان الرهن في يد عدلين جاز ويكونان أمينين في الحفظ لهما, فإن أراد أحد العدلين أن يسلمه إلى العدل الآخر ليكون كله في يده, قال ابن سريج: فيه قولان يعني وجهان: أحدهما: لا يجوز, فعلى هذا يكون يدهما عليه معًا, وإذا سلم إليه ما في يده وهو نصفه فعليه ضمانه لأنه الذي تعدى فيه, وإنما تثبت يدهما عليه بأن يتركاه في بيت أو موضع يكون يد كل واحد منهما ثابتة عليه. والثاني: يجوز لأنه يشق عليهما ذلك. فإن قيل: أليس قال الشافعي: "إذا أوصى إلى اثنين لم يكن لأحدهما التصرف دون الآخر قولاً واحدًا" قلنا: الفرق على هذا الوجه لأنه لا يشق اجتماع الوصيين على التصرف وههنا اجتماعهما على الحفظ يشق عليهما. وقال أبو حنيفة: فإن كان مما لا ينقسم جاز لكل واحد منهما إمساك جميعه, وإن كان مما ينقسم لم يجز واقتسماه. وهذا غلط قياسًا على ما لم ينقسم, وقال أبو يوسف ومحمد: يجوز أن يضعاه في يد أحدهما بكل حالٍ. وهذا لا يصح لأن المتراهنين لم يرضا إلا بخفضهما جميعًا.

стр. 2475

فرع آخر [ق ٢٣٦ ب] إذا قلنا بالوجه الثاني فاختلفا, وفال كل واحد منهما لا أسلم كله إلى صاحبي, فإن كان مما لا ينقسم أقر في أيديهما, وإن كان مما ينقسم ولا صرر في قسمته كالحبوب والأدهان قسمناه بينهما ويكون عند كل واحد منهما نصفه, فإن ترك جميعه في يد صاحبه ههنا. قال ابن سريج: لا ضمان عليه على هذا الوجه كما لو كان فيما لا ينقسم وكما لو كان قبل القسمة, وقيل: عليه الضمان لأنه لا ضرر عليه في إمساكه نصيبه فحصل وجهان, ولأنه لما قسم انفرد كل واحد منهما بنصيبه من الأمانة فلا يجوز تفويضه إلى صاحبه بخلاف ما قبل القسمة. فرع آخر لو جعلا الرهن على يدي عدل ووكلاه ببيعه إذا حل الحق فلما حل قال: بعته وقبضت ثمنه وضاع مني أو أتلف في يدي, فإن صدقاه في القبض, وكذباه في الضياع والتلف وصدقاه في البيع. قال ابن سريج: فيه قولان وأراد وجهان: أحدهما: يقبل قوله وتبرأ ذمة المشتري لأنه أمينهما في التصرف فيقبل قوله فيما يتضمن ذلك التصرف وقبض الثمن من جملته. والثاني: لا يقبل قوله لأن قوله: قبضت الثمن من المشتري إبراء منه فلا يقبل قوله في ذلك. فرع آخر لو كذباه في البيع فقال: قد بعت وسلمت وقالا: [ق ٢٣٧ أ] ما بعت فهذه المسألة مشهورة بالقولين: أحدهما: يقبل قوله عليهما. والثاني: لا يقبل. فرع آخر لو أتلف أجنبي الرهن في يد العدل أخذت منه قيمته وجعلت رهنًا مكانه في يد العدل؛ لأن أمانته لم تبطل بجناية الأجنبي, وهذه القيمة مستفادة من الرهن فهي ........ يكون أمينًا في حفظه ولا يجوز له بيع قيمته بجنس حقه. وكذلك لو كان للمتلف مثل فأخذ مثله لم يكن له بيعه؛ لأن الوكالة بالبيع تعلقت بعين الرهن, فإذا بطلت وكالته, فلا يجوز له بيع بدله إلا بإذن محدد من الراهن. ذكره ابن سريج.

стр. 2476

فرع آخر لو غصبه غاصب من يد العدل وجب رده إليه, وإذا رده إليه زال عنه الضمان لأن الراهن رضي بتسليمه إليه. فرع آخر لو جعلاه على يد عدل ووكلاه ببيعه عند محل الحق فحل الحق قال ابن سريج: فإن كان الرهن مقبوضًا جاز ذلك, وإن كان غير مقبوض نظر, فإن قال: بعه رهنًا لم يجز لأنه لا يصير رهنًا قبل القبض, وإن قال: بعه مطلقًا جاز له البيع ويصير كما لو وكله ببيع سائر أملاكه الذي لم ير ههنا. فرع آخر قال: ولو جعلاه على يد صبي لم يكن رهنًا؛ لأنه لا يصح قبضه لنفسه فكيف يصح لغيره, وإن وكلاه بالبيع لم يجز أيضًا لأنه ليس من أهل [ق ٢٣٧ ب] البيع, وإن جعلاه على يد عبد وأذنا له في البيع لم يجز للعبد لأنه مستحق المنافع لسيده فلا يستعملها في حق غيره, وعلى هذا لا يصح قبضه. ولا فرق بين أن يكون مأذونًا في التجارة أو غير مأذون ولا فرق بين أن يكون بجعل أو غير جعل. فرع آخر لو جعلاه في يد كاتب فإن كان بغير جعل فهو كالعبد, وإن كان يجعل يجوز, لأنه يملك إتلاف منافعه بعوض, وإن كان لا يملك التبرع بمنافعه. فرع آخر لو جعلاه على يد ذمي جاز؛ لأنه يكون وكيلاً للمسلم في البيع والحفظ. وكذلك إذا جعلاه على يد العاهد, فإن أراد أن يخرج إلى دار الحرب كان لمن شتء من المتراهنين انتزاعه من يده. فرع آخر لو كان الراهن والعدل ذميين وكان الرهن خمرًا والمرتهن مسلم فباع الذمي الخمر وأخذ ثمنها فالرهن لا يصح, وهل يجبر المرتهن على قبول الثمن أم لا؟ قال ابن سريج: فيه وجهان: أحدهما: لا يلزم قبوله لأنه حرام بالشرع وهو الأصح واختاره القاضي الطبري. والثاني: يلزمه قبوله؛ لأن هذا الثمن صار مالاً من أموال الذمي بالقبض, ألا ترى أنَّا نقرهم عليه, ولهذا قال عمر بن الخطاب ﵁ في أهل الذمة في الخمر: ولهم بيعها وخذوا منهم عشور أثمانها, فعلى هذا قلنا له [ق ٢٣٨ أ] إما أن تقبض أو تبرئ.

стр. 2477

فرع آخر لو سافر المرتهن بالعبد المرهون ضمنه, وإذا عاد إلى البلد لم يزل ضمانه, وللراهن أن يسأل الحاكم لينقل العبد من يده لما ظهر من يكربه وليس للراهن نقله بنفسه. فرع آخر لو أخذ المرتهن من يد العدل فقد تعدى فيه وضمنه, فلو أراد رده إلى العدل برئ من ضمانه. وكذلك لو أخذه الراهن من يده ضمنه, فإن أراد رده إلى يده. زال الضمان لأنه رد إلى الوكيل. فرع آخر لو كان الرهن عبدًا فقتله المرتهن يلزمه قيمته وتكون رهنًا مكانه ثم ينظر, فإن كان القتل عمدًا لم يرد القيمة إليه لأنه فسق بالقتل, وإن اتفقا على كون القيمة عند عدل جاز, وإن اختلفا فالحاكم ينصب من يكون في يده, وإن كان القتل خطأ ردت قيمته إلى يد المرتهن على ما ذكرنا في أرش الجناية كما لو كان القاتل أجنبيًا, وإنما يصح هذا بأن يقبض الراهن القيمة ثم يردها إلى يد المرتهن لتتميز عن أعيان ماله. ولو كان الحق حالاً فقد وجب على المرتهن القيمة حاله وله على المرتهن دين, وإن اتفقا في الجنس يتقاصان ويترادان الفضل, وإن كانا من جنسين لم تصح المقاصة ولكن الراهن يقبض القيمة ويصرفها إلى جنس حقه ويقبضه إياها. فرع آخر لو اختلفا فقال المرتهن: رهنتني العبد [ق ٢٣٨ ب] الذي هو في يدي بالحق الذي لي عليك, وقال الراهن: ما رهنته وإنما الذي رهنته قد أتلفته وعليك قيمته, فالقول قول الراهن في الموجود أنه لم يرهنه؛ لأن الأصل أنه لا رهن والقول قول المرتهن فيما يدعي عليه من الإتلاف؛ لأن الأصل أن لا قتل ولا غرم. فرع آخر قال في "الأم": لو وكل وكيلاً ليرهن عند آخر شيئًا على عشرة دراهم يأخذها منه فرهنه ثم اختلفا فقال الوكيل: أخذت عشرة ورهنته بها, وقال المرتهن: بل رهنته على عشرين وبهذا كان قد وكلتك, فالقول قول الوكيل مع يمينه. وقال أبو حامد ههنا: لا نزاع بين الموكل والراهن والمرتهن ههنا وفيه نظر لأن المرتهن إذا ادعى إذن الراهن يقبض العشرين له أن يحلفه, لأنه لو أقر به لزمه, وإن تصادق الوكيل والمرتهن وأنكر الموكل فالقول قول الموكل مع يمينه لأنه ينكر الإذن, فإذا حلف كان الشيء رهنًا بعشرة وضمن

стр. 2478

الوكيل للمرتهن عشرة لأنه أقرّ له بالقبض والراهن ينكره فكان عليه ضمانه. ومن أصحابنا من قال: "إذا صدق المرتهن الوكيل أن له الموكل بذلك ليس له أن يطلبه بضمان هذه العشرة, وهذا صحيح. فرع آخر لو رهن الوكيل بها عبدًا للموكل, ثم اختلفا فقال الوكيل: إنما أديت لك في رهن الثوب [ق ٢٣٩ أ] دون الثوب, وقال الوكيل: أمرتني برهن العبد دون الثوب فالقول قول الموكل مع يمينهح لأنه يدعي عليه الإذن, فإذا حلف لم يكن واحد منهما رهنًا لأنه لم يلزم رهن العبد, والأصل أن لا رهن والمرتهن يفي الرهن في الثوب فسقط حقه منه وبقي الدين بلا رهن. فرع آخر لو أقام كل واحد منهما بينة على ما ذكر, قال الشافعي في باب الرسالة في الرهن من "الأم": "كانت بينة الرسول أولى ولا تعارض فيهما. وإن قال: نهيتك عن رهن العبد وأقام على ذلك بينة, قال الشافعي: لا يتعارضان أيضاف وبينة الرسول أولى لأنه يجوز أن نهاه عن رهن العبد, ثم أذن له فيه, ويجوز أن يكون نهاه بعد ما رهنه فلا ينفعه رجوعه. فرع آخر لو رهن أمه فجني عليها أجنبي فألقت جنينًا ميتًا وجب فيه عشر قيمة أمه يأخذه السيد ولا يكون رهنًا؛ لأن ولد الرهن لا يدخل في الرهن, وإن نقصت الأم نظر, فإن كان نقصانًا لا أثر له فلا شيء عليه, وإن كان نقصانًا له أثر مثل الجرح أخذ منه أرشه ويكون رهنًا معها أو قصاصًا من الحق. فرع آخر لو كانت بهيمة فألقت جنينًا نظر , فإن كان ميتًا يلزمه أرش ما نقص من الأم ولا يجب فيه شيء مقدر ويكون هذا الأرش رهنًا معها وإن خرج [ق ٢٣٩ ب] الجنين حيًا, ثم مات قال في "الأم" فيه قولان: أحدهما: تجب قيمته لأنه خرج حيًا يمكن تقويمه. والثاني: يجب عليه أكثر الأمرين من قيمته أو نقصان الأم لأن النقص مضمون والولد مضمون ولا يجوز الجمع بينهما فوجب أكثر الأمرين. قال بعض أصحابنا: فإن كان الأكثر نقصان الأم كان المأخوذ رهنًا, وإن كان

стр. 2479

الأكثر قيمة الولد كان المأخوذ للراهن لأنه قيمة الولد. فرع آخر لو برئ الراهن من الدين بقضاء أو حوالة أو إبراء زالت الوثيقة وبقي الرهن أمانة في يد العدل إن كان في يديه كالوديعة وليس عليه رده قبل المطالبة؛ لأنه متمسك بالإذن فهو كالوديعة المجردة سواء. وقال أصحابنا: يجب أن يقال إذا أبرأه المرتهن ولم يعلم الراهن به أن يعلمه ذلك أو يرده عليه؛ لأنه لم يرض بتركه في يده بعد زوال الوثيقة بخلاف ما لو علم فسكت لأنه رضي بتركه في يده. فرع آخر لو ادعى المرتهن رد الرهن على الراهن وأنكر الراهن ذلك. قال ابن سريج: القول قول الراهن بخلاف المودع, والفرق أن المرتهن يمسكه لمننفعة نفسه فلم يقبل قوله في رده على صاحبه كامستأجر يدعي رد ما استأجر لا يقبل قوله, والمودع قبضه لمنفعة صاحبه لا لمنفعة نفسه فقيل قوله في [ق ٢٤٠ أ] الرد على صاحبه. وقال بعض أصحابنا: وكذلك الوكيل بغير جعل يقبل قوله كالمودع. فرع آخر إذا حل الحق طولب الراهن بالدين فإن امتنع, قال أبو إسحاق: حبسه الحاكم وأجبره على البيع, فإن أقام على الارتفاع باعه عليه وهكذا إذا كان عليه دين من غير رهن فامتنع من أدائه ........ وخالفنا أبو حنيفة في كلتا المسألتين فقال: لا يباع عليه وربما يسلمون المسألة الأولى لأنه لما رهن فقد رضي ببيعه عليه عند الامتناع. فرع آخر لو رهنه شيئًا فتلف في يد المرتهن, ثم جاء مستحق فاستحقه. قال ابن سريج فيه جهان: أحدهما: للمستحق أن يطالب الراهن دون المرتهن؛ لأن الراهن هو الغاصب ولم يكن من المرتهن غصب ولا إتلاف, فإذا رجع عليه به لم يرجع الراهن على المرتهن بشيء؛ لأن يد المرتهن يد الراهن. والثاني: له أن يرجع على من شاء منهما, وبه قال جميع أصحابنا, والوجه الأول غريب, وقال القاضي الطبري: أشار إليه الشلفعي في موضع من الأم حتى رأيت بعض أصحابنا يقول: فيه قولان, فإذا قلنا بالمذهب فإن رجع على الراهن لم يرجع على المرتهن وإن رجع على المرتهن رجع المرتهن على الغاصب لأنه غيره, ومن أصحابنا من

стр. 2480

قال لا يرجع المرتهن على الراهن؛ لأن [ق ب] التلف في يده وأمسكه لمنفعة نفسه وهو ضعيف, ولو كان أتلفه المرتهن بجناية فللمستحق أن يطالب من يشاء منهما, فإن رجع على المرتهن لم يرجع على الراهن, وإن رجع على الراهن رجع على المرتهن ما غرم فيحصل الضمان مستقرًا على المرتهن في هذه المسألة ويستقر الضمان على الراهن في المسألة قبلها. فرع آخر لو كان عبدًا فأبق في يد المرتهن وخرج مستحقًا كان حكمه حكم ما لو تف في يده, وإن كان الرهن ماشية فتوالدت, ثم تلفت في يده مع النتاج ثم خرجت مستحقة كان في الأولاد والأمهات وجهان: أحدهما: يرجع المستحق على الغاصب دون المرتهن. والثاني: يرجع على من شاء. قال ابن سريج: وما فاته من الرهن فهو في المودع مثله. فرع آخر لو باع من رجل عبدًا بألف درهم فجاء أجنبي فدفع إلى البائع, ثم خرج العبد مستحقًا كان على البائع رد الألف على الباذل دون المبتاع, لأنَّا بينَّا أن المبتاع لم يكن عليه شيء, وأن البذل لم يصح عنه, وإن وجد المبتاع به عيبًا فرده على البائع. قال ابن سريج فيه وجهان: أحدهما: يرده على الباذل لأنه إسقاط حق وليس بتمليك للمشتري. والثاني: يرجع إلى المشتري. وهكذا الحكم في الأجنبي إذا بدل صداق [ق أ] امرأته, ثم طلقها قبل الدخول بها هل يرجع نصفه إلى الباذل أو إلى زوجها قال أصحابنا: فيه وجهان قياسًا على ما ذكر ابن سريج لأنه لا فرق بينهما. فرع آخر لو أقر أجنبي أنه قبل المرهون فكذبه المرتهن دون الراهن تؤخذ القيمة منه للراهن ولا تكون رهنًا؛ لأنه لا يدعيها المرتهن, ولو مات المرتهن واعترف وارثه بما قال الراهن لم يكن له حق في القيمة أيضًا؛ لأنه لا يثبت له ما لم يثبت لموروثه. قال والدي ﵀: ويحتمل أن يقال: يدفع إليه القيمة لتكون رهنًا عنده لأن صاحب الحق في هذه الحالة الوارث قياسًا على ما قال الشافعي إذا أقام المدعي للوقف شاهدًا واحدًا, ولم يحلف معه ثم مات وأراد وارثه أن يحلف له ذلك في أحد القولين. وهكذا لو أقر بحق إلى هذا الوارث؟ يخرج على هذين الوجهين. ولو صدقه

стр. 2481

المرتهن وكذبه الراهن أخذت منه قيمته ويكون رهنًا عنده, فإذا حل الحق وقضى حقه من غيرها ردت القيمة إلى المقر؛ لأنه أقرَّ لمن لا يدعيه. وفيه وجه آخر يوضع في بيت المال, وإن لم يقبض الراهن دينه من غيرها قضى منها. فرع آخر لو رهنه مالاً [ق ٢٤١ ب] فقبضه المرتهن من غير إذن الراهن فاسترجعه الراهن ثم أذن له فقبضه بغير قبض ثاني. وكذلك لو قبض المشتري المبيع قبل أداء الثمن فاسترجعه البائع ثم اعتبر القبض مستأنفاً ولا يصح القبض السابق. فرع آخر إذا باعه الراهن بإذن المرتهن وقبل انقطاع الخيار رجع عن الإذن, هل يبطل البيع؟ وجهان, والأشبه أنه لا يبطل. ذكره والدي ﵀. قال: ولو أذن بهبته فوهبه ولم يقبضه صح رجوع المرتهن في أصح الوجهين. قال: والأصح ههنا أنه يصح الرجوع؛ لأن الرهن لم يبطل بعد هذه الهبة, ألا ترى أن الراهن لو فسخ الهبة عاد الملك رهنًا, وفي البيع إذا فسخ الراهن البيع بحق خياره يحتمل وجهين, ويتبنى ذلك على مسألة العصير ينقلب خمرًا ثم يصير خلاً وفيه قولان: وعندي فيما ذكره نظر, والأصح أنه لا يصح الرجوع لما ذكرنا أن الهبة تنافي مقتضى عقد الرهن, وأن يتصل بها القبض, ولا يعود الرهن بفسخ البيع, ويفارق مسألة العصير للمعنى الذي ذكرنا فيها فيما تقدم. فرع آخر لو قال الراهن للمرتهن: بعت هذا المرهون منك فقال المرتهن: قبلته لا يصح إلا أن يكون المرتهن سأله البيع منه أولاً, ثم إذا أجابه هل يحتاج إلى قوله قبلت؟ قد ذكرنا في "البيع". ولو وكل الراهن [ق ٢٤٢ أ] المرتهن بيعه, قال أبو الفياض: إن كان بحضرته جاز, وإن كان بغيبته فيه وجهان. فرع آخر لو أذن الراهن بيع المرهون مطلقًا فباعه بثمن مؤجل فإن الحق حالاً لم يجز لمعنى الإصرار, وإن كان مؤجلاً جاز, وليس كالوكيل بالبيع؛ لأن الراهن يبيع لنفسه بخلاف الوكيل, ويحتمل أن يقال: لا يصح البيع؛ لأن المرتهن رفع البيع بقول يقتضي الحلول, وله أن يخص رفع المنع لجهة دون جهة, ألا ترى أنه لو أذن له ببيعه حالاً لا يجوز أن يبيعه مؤجلاً.

стр. 2482

فرع آخر لو رهن خاتمًا فلبسه المرتهن صار ضامنًا وعليه أجرة مثله إن لبسه مدةً يكون لمثلها أجرة, ويجوز إجاره عند أصحابنا. مسألة: قال: "وِلَو جَنَي المَرهُونَ عَلَى سَيِّدِهِ فَلَهُ القَصَاصُ". الفصل: إذا جني العبد المرهون لا يخلو إما إن جنا على أجنبي, أو على سيده, أو على من يرثه السيد, فإن جني على أجنبي فقد ذكرنا حكمه أنه يقدم حق المجني عليه على حق المرتهن؛ لأن حق الأرش برقبة العبد أخص وأكد من تعلق دين المرتهن به, بدليل أن الأرش يسقط دين الراهن بموت العبد ولا يسقط دين المرتهن به. فإذا تقرر هذا, فإن كان الأرش أقل من قيمة العبد فهو الواجب, فإن اختار السيد [ق ٢٤٢ ب] الفداء بقي العبد رهنًا كما كان, وإن لم يختر الفداء يباع منه بقدر الأرش على ما ذكرنا, وإن كان أكثر من قيمة العبد فيه قولان, والأصح أنه يلزم أقل الأمرين من القيمة أو الأرش على ما ذكرنا. وإن كانت الجناية على سيده لا يخلو إما أن تكون نفسًا أو من دون النفس, مثل إن قطع يده أو رجله أو نحو ذلك فله القصاص. ويفارق هذا إذا سرق مال سيده لا يقطع؛ لأن الغالب أن مال السيد لا يكون محرزًا عن العبد, وهل للسيد أن يقتص منه لنفسه, أو يقتص له السلطان؟ وجهان: أحدهما: يجوز له كما يجوز إذا زنا. والثاني: لا يجوز له لأنه الخصم في القصاص. فإن اختار القصاص فلا كلام, وإن عفا على مالٍ قال الشافعي: "لا يثبت المال" لأن المال الذي يثبت للمجني عليه على عبده في رقبةٍ والرقبة مملوكة له ومال من أنواله فلم يجز أن يعفو على مال ويثبت له المال ويتبعه في الجناية فيبطل الرهن ويسقط حق المرتهن, وإن كانت الجناية خطأ فإنها هدر والعبد رهن لحاله على ما نص عليه الشافعي. وعلى مذهب ابن سريج يجب أن يكون له بيع العبد وإسقاط حق المرتهن منه. وإن كانت نفسًا فللوارث أن يقتص منه, فإن عفا على مالٍ نص الشافعي في [ق ٢٤٣ أ] "الأم" على قولين: أحدهما: ليس له ذلك لأنه قائم مقام مورثه وهو الصحيح. والثاني: له ذلك؛ لأن الجناية حصلت في غير ملكه.

стр. 2483

فعلى هذا يباع العبد بمقدار الدية, فيأخذ الوارث فإن بقي من العبد شيء كان رهنًا. وهكذا لو كان القتل الخطأ أو شبه العمد هل يثبت المال في رقبة العبد؟ قولان. ويشبه أن يكون أصل المسألة إذا كان القتل الخطأ وجبت الدية, فمن يستحقها على العاقلة؟ قولان: أحدهما: يستحقها المقتول بآخر جزء من أجزاء حياته ثم يخلفها للورثة. والثاني: يملكها الوارث ابتداء على العاقلة, فإذا قلنا يملكها المقتول لم تثبت ههنا. وفرع "الأم" على هذا فقال: إذا قتل السيد وله ابنان وكان القتل عمدًا فلهما القصاص والعفو, فإن اقتصا فلا كلام, وإن عفوا على مال فعلى ما مضى من القولين. فإذا قلنا: ليس لوارثه العفو على مال سقط المال. وإذا قلنا: له العفو على مال ثبت حق الذي لم يعف؛ لأن حقه من القود سقط بغير اختياره. وأما حق العافي: فإن عفا على مال ثبت, وإن عفا مطلقًا هل يثبت المال؟ قولان: بناء على موجب العمد, فإن قانا: موجبه القود فقد سقط المال, وإن قلنا: أحد شيئين ثبت المال, وإن عفا على غير مال لا يلزمه شيء, وإن جني [ق ٢٤٣ ب] على ابن سيده أو أبيه أو من يبرئه من قرابته أو مواليه ولا وارث له غيره فللسيد أن يقتص منه وله أن يعفو على ما نص عليه في "الأم" فمن أصحابنا من قال: لا يختلف المذهب فيه, ومن أصحابنا من قال: فيه قولان: كالوارث الذي ذكرنا والأول أصح, والفرق بين المسألتين أن السيد لم يكن له أن يعفو على مال فلم يكن لوارثه أيضًا, وليس كذلك موروث السيد, فإن كان له أن يعفو على مال فكان وارثه قائمًا مقامه. وقال بعض أصحابنا بخراسان: الصحيح أنه لا يثبت له ذلك لأن ابتداء الوجوب يكون الراهن الوارث؛ لأن الدية تثبت للوارث ابتداء في القول الصحيح وقال: وعلى هذا إذا كانت الجناية على طرف الابن ومات بسبب آخر حتى لم تصر جناية هذا العبد نفسًا بل وجبت دية الطرف, كذلك الابن ثم صار الإرث إلى الأب, ففي ثبوت مثل هذا للسيد على عبده وجهان, والأصح أنه كما انتقل إليه سقط, وكذلك ثبت له الدين على عبد الغير, ثم ملك العبد وأعتقه هل يبيعه بذلك الدين؟ وجهان؛ والأقيس أنه كما ملك سقط الدين وفي هذا كله نظر والأصح ما تقدم. ولو جني على مكاتب سيده, فإن كان دون النفس فللمكاتب أن يقتص منه وله أن يعفو على مال؛ [ق ٢٤٤ أ] لأن الجناية حصلت في ملك غيره وصار له ما كان لغيره, نص عليه. قال: وهكذا الحكم فيه إذا قبل المكاتب حكاه القاضي الطبري, وإن جني على سيده فإن لم يكن مرهونًا, فإن كان عمدًا له القصاص, وإن عفا على مال لا يصح على المنصوص, وفيه قول مخرج لابن سريج.

стр. 2484

وهكذا إن كانت الجناية خطأ أو عمد خطأ, ولا فرق بين أن يكون المقتول عبدًا قنًا, أو مدبرًا, أو معتقًا بصفةٍ, أو أم ولدٍ. قال في "الأم": فإن كان المقتول ممن لا يقاد به القاتل مثل قتل الوالد أو الأم فلا قصاص ولا يثبت له المال لأنه كالخطأ في ثبوت المال. وإن كان المجني عليه مرهونًا كالجاني لا يخلو من أحد أمرين؛ إما أن يكونا مرهونين عند رجلين, فإن كانت الجناية عمدًا كان للسيد أن يقتص منه وكان له أن يعفو على مال لأجل حتى حق المرتهن لا لحق السيد, فإن أقبض بطل الرهنان وبقي الحقان بلا رهن وإن عفا مطلقًا. فإن قلنا: العمد يوجب القود فقط, ويثبت المال بالاختيار لم يثبت المال. وإن قلنا: يوجب أحدهما لا بعينه ثبت المال, وإن عفا على غير مالٍ. قال الشافعي: "لم يكن للمرتهن منعه من ذلك". قال أصحابنا: هذا القول الذي نقول به الواجب في العمد القصاص, وإنما المال يثبت باختيار الولي. [ق ٢٤٤] فأما إذا قلنا: الواجب أحدهما لا بعينه ثبت له المال ههنا, ولا يجوز له إسقاطه لتعلق حق المرتهن به, فإذا تكرر هذا فكل موضع قلنا ثبت المال تعلق برقبة القاتل حقان: أرش ودين, فيقدم الأرش على الدين, فإن كانت قيمة القاتل أكثر مثل إن كانت قيمته مائتين وقيمة المقتول مائة بعنا منه بقدر قيمة المقتول يكون رهنًا, فكان المقتول والباقي بحاله, فإن لم يكن بيعه بعضه بيع كله وأخذ من ثمنه قيمة المقتول يكون رهنًا فكان المقتول وما لقي مكان المقتول, وإن كانت قيمة القاتل أقل فيه وجهان: أحدهما: ينقل القاتل برمته إلى مكان المقتول. والثاني: يباع القاتل فإن فيه فائدة, وهي أن يرغب فيه راغب فيزيد في ثمنه فيكون قدر الزيادة رهنًا مكان القاتل. وإن كانا مرهونين عند رجل واحد, فإن كان لحق واحد فلا يجوز عفوه على مالٍ؛ لأن المرتهن لا غرض له في ذلك, وإن كانا بحقين في صفقتين فإن كانت خطأ أو عمد خطأ تعلقت قيمة المقتول برقبة القاتل, وإن كانت عمدًا فالسيد بالخيار بين القصاص والعفو. فإن قيل: بطل الرهنان وبقي الحقان بلا رهن, وإن عفا على مال بيت المال, وإن عفا مطلقًا أو على غير مال فعلى قولين. فكل موضع لا يثبت المال لا يخلو [ق ٢٤٥ أ] الحقان وقيمة العبد من ثلاثة أحوال؛ إما أن يتفق الحقان والقيمتان أو تتفق القيمتان ويختلف الحقان, أو يتفق الحقان وتختلف القيمتان, فإن اتفق الحقان والقيمتان مثل إن كان كل واحد من الحقين مائة وقيمة كل واحد من العبدين مائة أقر القاتل مكانه؛ لأنه لا فائدة في بيعه ولا في نقله, هكذا قال أصحابنا.

стр. 2485

وقيل ينبغي أن يعترض على البيع فربما يرغب راغب فزاد في ثمنه فيكون قدر قيمته المقتول رهنًا مكان المقتول, وما يبقى رهنًا مكان القاتل. وإن اتفقت القيمتان واختلف الحقان, مثل إن كانت قيمة كل واحد منهما مائة وأحدهما رهن بمائة والآخر رهن بمائتين نظر فإن كان المقتول رهنًا بالمائتين خير من أن يكون رهنًا بالمائة, وهل يباع وينقل ثمنه أو ينقل بعينه؟ على الوجهين. وإن كان المقتول رهنًا بالمائة أقر القاتل مكانه ولا ينقل إلى مكان المقتول؛ لأن إقراره رهنًا بالمائتين خير من نقله رهنًا بمائه, وإن اتفق الحقان واختلفت القيمتان, مثل إن كان كل واحد من الحقين مائه وقيمة أحدهما مائه وقيمة الآخر مائتين نظر, فإن كان قيمة المقتول مائتين أقر القاتل مكانه؛ [ق ٢٤٥ ب] لأنه لا معنى في نقله إليه وإن كانت قيمة المقتول مائه وقيمة القاتل مائتين بعنا من القاتل بقدر قيمة المقتول بكون رهنًا مكان المقتول, وما بقي من القاتل يكون رهنًا مكانه, هذا كله إذا كان الحقان حالين أو مؤجلين. فإن كان أحد الحقين حالاً والآخر مؤجلاً بعنا القاتل بكل حال, وجعلت قيمته مكان المقتول رهنًا, ليكون المؤجل برهن ويستوفي المعجل الذي عليه الدين, وإن كان القاتل بالمؤجل والمقتول بالمعجل بيع القاتل ليتعجل به استيفاء الدين من ثمنه. مسألة: قال: "وإقرَارُ العَبدِ المَرهوُنِ بِمَا فِيهِ قَصَاصٌ جَائِزٌ كَالبَيِّنةِ". قد ذكرنا هذه المسألة فيما تقدم, ولا فرق ههنا بين أن يكذبه الراهن أو المرتهن أو يصدقاه وقد ذكرنا أنه إن أقر بما يوجب المال فإقراره باطل, وقول الشافعي ههنا: "باطل" يعني في حق سيده. مسألة: قال: "وَإذَا جَنَي العَبدُ فِي الرَّهنِ قِيلَ لِسَيِّدِهِ: إن فَدَيتَهُ بِجَميعِ الجِنايَةِ فَأنتَ مُطوِّعٌ وَهوَ رَهنٌ". الفصل: إلى آخر كلام المزني رحمة الله عليه, قوله: "بجميع الجناية" يدل على أن السيد إذا اختار الفداء بالأرش يلزمه بالغًا ما بلغ, وإن زاد على قيمة الرقبة, وهذا قول قديم لم ينص عليه في شيء من كتبه الجديدة, ويحتمل أن يكون مراده بهذا اللفظ المطلق دون [ق ٢٤٦ أ] الأحوال دون بعض, وهو إذا كان جميع الجناية مثل قيمة الرقبة, وإذا امتنع السيد من الفداء للمرتهن أن يفديه على القولين, ثم إذا فداه بإذنه وشرط أن يكون الرهن رهنًا بذلك أيضًا. قال الشافعي ههنا: "يجوز" وقد ذكرنا. قال المزني: يدل على أن الزيادة في الدين في الرهن الواحد يجوز.

стр. 2486

وقال أبو إسحاق: يحتمل هذا وجوبًا ههنا أنه أراد الشافعي أنهما يفسخان الرهن الأول ويرهنانه بالك. والثاني: ذكره على أحد القولين. والثالث: جوز علي القولين؛ لأنه يتعلق به مصلحة الرهن علي ما تقدم بيانه، وقد بينا الفرق. مسألة: قال: "فإن كان السَّيدُ أمر العبد بالجناية". الفصل: إذا أمر عبده المرهون بالجناية علة إنسان بقطع طرفه أو قتله، فإن كان العبد بالغًا عاقلًا مميزًا فالسيد آثم والعبد هو الجاني وعليه القصاص، لأن اختياره أقوى من أمر سيده إياه، فإن عفا المجني عليه أو وليه علي مال بيع العبد في الجناية على ما بيناه، وإن كان صبيًا مميزًا فكذلك السيد آثمًا، والجاني هو العبد، إلا أنه لا قصاص عليه لأنه لم يبلغ ويباع في الجناية، وإن كان صبيًا غير مميز أو كان بالغًا أعجميًا لا يميز فالسيد هو الجاني ويكون العبد كالآلة. قال الشافعي ههنا: فبيع في [٢٤٦ ب] الجناية كلف السيد أن يأتي بمثل قيمته تكون رهنًا مكانه" واعترض علي الشافعي في ذلك فقيل: إذا كان السيد هو الجاني وجب أن يتعلق الأرش بذمته ولا يتعلق برقبة العبد ولا يباع فيه، ولا يخرج من الرهن فقوله: "بيع في الجناية وكلف أن يأتي بمثل قيمته" غلط لا شك فيه. والجواب: قلنا: من أصحابنا من أخذ بظاهر كلام الشافعي وقال: يباع العبد في الجناية؛ لأنه وإن كان كالآلة للسيد فقد حصل منه مباشرة القتل، وقال: في المسألة وجهان، وهذا ظاهر مذهب الشافعي، وهذا غلط بل مذهب الشافعي ما ذكرنا، وهذا العبد كالآلة، ولو رهن سكينًا ثم قتل بها لم يكن الأرش بالسكين تعلق كذلك ههنا. وتأول ما قال الشافعي ههنا أنه لم يقل يباع في أرش الجناية، بل قال: "فبيع"،وأراد إن باعه بعض الحكام باجتهاده لم ينقض، وكلف السيد أن يأتي بقيمته فتكون رهنًا مكانه، لأنه كان هو السبب في بيعه وإخراجه من الرهن. ومن أصحابنا من قال: تأويل المٍسألة أن البينة قامت علي العبد بالجناية فقال السيد: أنا أمرته بالجنياة بيع العبد للبينة كان إقرار السيد لا يقبل على المجني عليه في إسقاط حقه من رقبة العبد، ويلزم قيمته للمرتهن؛ لأن إقراره على نفسه مقبول. ومن أصحابنا من قال: إنما لا يباع [ق ٢٤٧ أ] العبد إذا كان السيد موسرًا فيؤخذ أرش الجناية من سائر ماله، فأما إذا كان معسرًا يباع العبد لأنه وإن كان كالآلة للسيد فإنه مباشر للفعل، وإذا لم يصل إلى الأرش من جهة السيد بعناه، فإذا أيسر السيد أخذنا منه

стр. 2487

قيمته للمرتهن، وعلى هذا لو أمر صبيًا لا يميز بقتل رجل فقتله فعفا ولي الجناية عن القصاص إلي الذمة والآمر معسر والصبي القاتل موسر تؤخذ الدية من مال الصبي ويرجع الصبي علي الآمر إذا أيسر في أحد الوجهين، والصحيح أنه لا يؤخذ من ماله بحالٍ؛ لأن الجناية المنسوبة إلى الآمر وهو كالآلة. مسألة: قال: "ولو أذن له برهنه فجنى فبيع في الجناية فأشبع الأمرين أنه غير ضامن". الفصل: إذا طلب من رجل عبدًا ليرهنه على دراهم يستقرضها لنفسه أو شيء يشتريه يثمن في ذمته إلي أجل فأعطاه إلى رجل، فأعطاه إياه فرهنه، نص الشافعي في " كتاب الرهن الصغير" فيه علي قولين: أحدهما: أن السيد بمنزلة المعير والراهن بمنزلة المستعير وتكون أحكام العبد أحكام العارية؛ لأن في الضمان يتعلق الحق بذمة الضامن، وههنا لا يتعلق بالذمة شيء فدل أنه عارية. والثاني: أن السيد بمنزلة الضامن للحق في رقبة عبده والراهن بمنزلة المضمون عنه. ونص [ق ٢٤٧ ب] على هذا في "الرهن الكبير". وهذا أصح لأنه عقد وثيقة فالإذن فيه كالإذن في الضمان عنه مالًا، ولأن أعيان ماله كالذمة، بدليل أنه يشتري بعين ماله ويشتري في الذمة، فإذا صح أنه يضمن في الذمة صح الضمان في ماله، ولأن منافع هذا العبد لسيده، فلو كانت عارية لكانت منافعه للمستعير دون السيد. فإذا تقرر هذا وقبض العبد علي ذلك ورهنه هل يصح؟ إن قلنا: كالضمان صح. وإن قلنا: كالعارية فالمذهب أنه يصح أيضًا. وقال ابن سريج: لا يصح الرهن؛ لأن العارية عقد جائز ومتى صح هذا الرهن لزم وخرج عن مقتضى العارية فلا يجوز، وهذا لبس بشيء؛ لأن العارية لا تلتزم وله مطالبة الراهن بفكه متى شاء، ولأن العارية قد تلزم، وذلك إذا أعاره حائطًا ليبني عليه جذوعًا، فإذا صح هذا فإذن أذن له في رهنه ثم رجع نظر، فإن رجع قبل إقباض الرهن صح، وليس للمستعير أن يرهنه. وإن رجع بعد الإقباض لم يقدح هذا الرجوع في عقد الرهن؛ لأنه وقع بإذنه. فإذا ثبت هذا، فإن قلنا إنه عارية يجوز أن يستأذن السيد في رهنه، وإن لم يبين مقدار الحق وجنسه وهل هو حال أو مؤجل، لأنه يجوز أن يعير عبدًا، ولا يبين جهة الانتقاء، ويعير دابة مطلقًا ويحمل عليها إلى أن [ق ٢٨٤ أ] يسترد صاحبها، وقد قيل: إذا قال: ارهنه بما شئت فرهنه بقدر قيمته جاز، وإن رهنه بأكثر من قيمته فيه وجهان،

стр. 2488

والأصح أنه يجوز. فإذا قلنا: إنه لا يجوز فهل يبطل في الكل أو قدر الزيادة؟ وجهان. وإذا قلنا: إنه ضمان لا يجوز إلا أن يبين مقدار الحق الذي يرهنه به وجنسه، وهل هو حال أو مؤجل؟ فإذا قلنا: إن ذلك شرط أو قلنا: ليس بشرط ولكنه ذكره وعينه لا يجوز مخالفته، فإن خالفه نظر فإن خالفه في الجنس لم يصح الرهن قولًا واحدًا، وإن خالفه في الصفة فأذن له في المؤجل فرهنه في حال أو إلى مدة دونه فالرهن باطل، وإن خالفه في المقدار فأذن له في رهنه بمائة فرهنه بمائة وعشرة اختلف أصحابنا فيه؛ فمنهم من قال: يبطل في الزيادة، وهل في المقدار المأذون؟ فيه قولا بناء على تفريق الصفحة. ومنهم من قال: يبطل في الكل قولًا واحدًا، وعليه نص الشافعي؛ لأنه بمنزلة الوكيل إذا خالف في المقدار يبطل بيعه قولًا واحدًا، ألا ترى أنه لو أذن لرجل في بيع عشرة أقفزة من الطعام بدينار فباع أثني عشر قفيزًا لم يصح بيعه في الكل كذلك ههنا. وإن رهنه بأقل من ذلك جاز؛ لأنه أراد خيرًا لأنه إذا لم يخالف ورهنه بما أذن فيه [ق ٢٨٤ ب] من الجنس والمقدار والصفة، فهل للسيد أن يطالبه فكاكه قبل محل الحق؟ نص في "الرهن الصغير" علي قولين، وبني القولين على أنه عارية أو ضمان. فإذا قلنا: إنه عارية كان له مطالبته بفكاكه؛ لأن له أن يرجع في العارية في أي وقت شاء. وإن قلنا: ضمان ليس له أن يطالب المضمون عنه بفكاكه قبل محل الحق، كالضمان ليس له أن يطال المضمون عنه بخلاصه قبل محل الحق، ولا شك أنه يطالبه بفكاكه لأنه وإن كان ضمانًا توجه عليه المطالبة فيلزمه التخلص منه. فإذا قلنا: له أن يطالبه بفكاكه وقلنا: ليس له فكاكه قبل محل الحق فطالبه به، فإن قضى دينه وفكه رده علي سيده، وإن عجز عن قضاء دينه كان للمرتهن أن يطالب سيده ببيعه، فإن لم يفعل سأل الحاكم ببيعه، فإذا باعه قضى الدين من ثمنه كان للسيد أن يرجع علي الراهن بالضمان علي القولين؛ لأنا إن قلنا عارية فقد ملكت في يده. وإن قلنا: ضمان فقد ضمن عنه في رقبة عبده وغرم فله الرجوع عليه بما غرم. وأما قدر ما يرجع عليه مبني على ما بيع فيه، وفيه ثلاث مسائل: إحداها: بيع بثمن مثله، وكان ثمن مثله مائة رجع السيد بالمائة على القولين جميعًا. والثانية: بيع بدون ذلك ولكن بما لا يتغابن الناس بمثله، مثل إن باعه بتسعين فبكم [ق ٢٤٩ أ] يرجع عليه؟ على القولين؛ إن قلنا: عارية رجع بالمائة؛ لأن العارية تضمن بقيمتها أبدًا. وإن قلنا: ضمان رجع عليه بتسعين لأنه ما غرم عليه إلا تسعين. والثالثة: بيع بمائة وخمسين وقيمته مائة يبني على القولين؛ فإن قلنا: عارية ضمن مائة لا غير؛ لأنه قيمة العارية. وإن قلنا؛ ضمان رجع بمائة وخمسين؛ لأنه قد غرم عنه هذا القدر. هكذا ذكره جماعة أصحابنا. وقال القاضي الطبري: يرجع بما باع قولًا واحدًا وإن قلنا عارية؛ لأن ثمن العبد ملك صاحبه وبيع العبد واجب عليه، ولهذا لو سقط حق المرتهن رجع العبد عليه، فإذا قضى بثمنه دينه رجع به عليه، وإنما يضمن القيمة إذا كان الثمن دونها وهذا صحيح.

стр. 2489

ولو هلك العبد بغير البيع في الدين من غير تفريط من الراهن، مثل إن مات حتف أنفه، أو جني بعد القبض جناية فبيع فيها، هل يضمن الراهن؟ قولان: فإذا قلنا: إنه عارية ضمن. وإن قلنا إنه ضمان لا يضمن، وبه أجاب ههنا؛ لأن القبض غير مضمون عليه وقد هلك بغير تفريط ولم يغرم الضامن عنه شيئاً. وقال أبو حنيفة: يرجع عليه بما سقط بذلك من حق المرتهن؛ لأن عنده الرهن مضمون بالدين. فرع لو طالبه بفكاكه عند حلول الحق فلم يفعل ففكه [ق ٢٤٩ ب] السيد من ماله وقضى الدين، فإن قضاه بغير إذن الراهن فلا رجوع له، وإن قضاه بإذن الراهن كا له الرجوع به سواء شرط الرجوع عليه أو لم يشرط؛ لأنه قضى عنه بإذنه إذا قلنا إنه ضمان، وإن قلنا إنه عارية فقد تعلق الحق برقبة العبد، فإن قضى عنه بإذنه لم يحتج إلى شرط الرجوع. فرع آخر لو أعاره ليرهنه بحق إلي أجل، والحق إلي أجل إنما يكون في البيع فرهنه بالحق فقبض السيد عنه بإذنه قبل محله رجع به عليه في المال؛ لأنه يرجع علي الوجه الذي قضاه وقد قضاه عاجلًا فيرجع عاجلًا. فرع آخر لو اختلفا فقال السيد: قضيت عنك بإذنك. وقال الراهن: بغير إذن فالقول قول الراهن مع يمينه. قال في "الأم": وإن شهد المرتهن للسيد أنه قضاه بإذن المرتهن قبلت شهادته؛ لأنه لا يجر بها نفعًا ولا يدفع عن نفسه ضرًا؛ لأنه يسلم للمرتهن ما دفع إليه، سواء كان بإذنه أو بغير إذنه. وهكذا لو ادعى السيد أنه قضى بعض الحق بإذن الراهن وأقام على ذلك بينة، وكان للمرتهن شاهدًا في هذه قبلناه ورجع عليه بما قضى عنه. فرع آخر لو استعار من رجل عبدًا فرهنه بمائة عند اثنين صح وكان إفراد كل نصف عنه بعقد منفرد، فللراهن أن يقضي أيهما شاء [ق ٢٥٠ أ] خمسين ويخرج نصف العبد من يده عن الراهن فرع آخر لو استعار رجلان عبدًا من رجلين ورهناه عند رجل بمائة، فههنا عقدان أيضًا كل

стр. 2490

نصف له عقد مفرد، فأي الراهنين قضى ما عليه خرج نصف العبد من الرهن. فرع آخر لو استعار واحد عبدًا من رجلين ورهنه عند واحد بمائة، فإن قضى المائة خرج جميع العبد من الرهن، وإن قضى خمسين ليخرج نصيب أحد السيدين، نص الشافعي في "الرهن الصغير" علي قولين: أحدهما: ليس له ذلك، كما لو استعار رجل من رجل فأدى بعض الحق لا ينفك من الرهن شيء؛ لأن الراهن واحد وإن كان السيد اثنين. والثاني: له ذلك؛ لأن الاعتبار بالملك دون العاقد فكان بمنزلة الصفقتين. وقال في "الحاوي": هذا إذا كان المرتهن جاهلًا بالحال، فإن كان عالمًا بالحال فللراهن ذلك قولًا واحدًا، فعلى هذا إذا قضى خمسين خرج نصف العبد من الرهن ثم إن كان الرهن في دين لا خيار للمرتهن، وإن كان في بيع نظر، فإن دخل فيه مع العلم فلا خيار له، وإن كان جاهلًا قال ابن سريج: فيه قولانن يعني وجهان: أحدهما: لا خيار له؛ لأنه حصل له رهن الكل وإنما انفك بعده. والثاني: له الخيار؛ لأن كل الرهن لم [ق ٢٥٠ ب] يسلم بكل الحق جزء منه، وإن لم يعلم المرتهن صورة الحال ولم يقر به لا يقبل قول الراهن أنه أخذه من رجلين. فرع آخر لو كان عبد بين اثنين فأذن أحدهما لشريكه برهنه في حق يأخذه لنفسه فرهنه بمائة ثم أراد أن يعطي خمسين ويخرج نصيبه أو نصيب شريكه من الرهن، نص في "الرهن الصغير" على قولين كالمسألة قبلها. فرع آخر لو أخذ عبدًا من رجلين ورهنه عند رجلين بمائة كان نصفه رهنًا عند أحدهما بخمسين من نصيب السيدين، والنصف الآخر من نصيب السيدين، فأقضى الراهن أحدهما خمسين خرج ما هو رهن عنده وهو نصف العبد ورجع إلى السيدين، وإن قال أحدهما: أعطيتك خمسة وعشرين أخرج نصيب أحد السيدين من يديك وهو ربع العبد هل له ذلك؟ علي القولين. فرع آخر لو كان عبدا لسيدين لكل واحد منهما نضفهما فاستأذن كل واحد منهما صاحبه في رهن نصيبه بخمسين فأذن له، فرهن أحدهما عبدًا عند زيد بمائة نصفه ملكه ونصفه لشريكه
следующие страницы →