Полный текст (7 151 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.
стр. 2486
وقال أبو إسحاق: يحتمل هذا وجوبًا ههنا أنه أراد الشافعي أنهما يفسخان الرهن الأول ويرهنانه بالك. والثاني: ذكره على أحد القولين. والثالث: جوز علي القولين؛ لأنه يتعلق به مصلحة الرهن علي ما تقدم بيانه، وقد بينا الفرق.
مسألة:
قال: "فإن كان السَّيدُ أمر العبد بالجناية".
الفصل:
إذا أمر عبده المرهون بالجناية علة إنسان بقطع طرفه أو قتله، فإن كان العبد بالغًا عاقلًا مميزًا فالسيد آثم والعبد هو الجاني وعليه القصاص، لأن اختياره أقوى من أمر سيده إياه، فإن عفا المجني عليه أو وليه علي مال بيع العبد في الجناية على ما بيناه، وإن كان صبيًا مميزًا فكذلك السيد آثمًا، والجاني هو العبد، إلا أنه لا قصاص عليه لأنه لم يبلغ ويباع في الجناية، وإن كان صبيًا غير مميز أو كان بالغًا أعجميًا لا يميز فالسيد هو الجاني ويكون العبد كالآلة. قال الشافعي ههنا:
فبيع في [٢٤٦ ب] الجناية كلف السيد أن يأتي بمثل قيمته تكون رهنًا مكانه" واعترض علي الشافعي في ذلك فقيل: إذا كان السيد هو الجاني وجب أن يتعلق الأرش بذمته ولا يتعلق برقبة العبد ولا يباع فيه، ولا يخرج من الرهن فقوله: "بيع في الجناية وكلف أن يأتي بمثل قيمته" غلط لا شك فيه.
والجواب: قلنا: من أصحابنا من أخذ بظاهر كلام الشافعي وقال: يباع العبد في الجناية؛ لأنه وإن كان كالآلة للسيد فقد حصل منه مباشرة القتل، وقال: في المسألة وجهان، وهذا ظاهر مذهب الشافعي، وهذا غلط بل مذهب الشافعي ما ذكرنا، وهذا العبد كالآلة، ولو رهن سكينًا ثم قتل بها لم يكن الأرش بالسكين تعلق كذلك ههنا.
وتأول ما قال الشافعي ههنا أنه لم يقل يباع في أرش الجناية، بل قال: "فبيع"،وأراد إن باعه بعض الحكام باجتهاده لم ينقض، وكلف السيد أن يأتي بقيمته فتكون رهنًا مكانه، لأنه كان هو السبب في بيعه وإخراجه من الرهن. ومن أصحابنا من قال: تأويل المٍسألة أن البينة قامت علي العبد بالجناية فقال السيد: أنا أمرته بالجنياة بيع العبد للبينة كان إقرار السيد لا يقبل على المجني عليه في إسقاط حقه من رقبة العبد، ويلزم قيمته للمرتهن؛ لأن إقراره على نفسه مقبول.
ومن أصحابنا من قال: إنما لا يباع [ق ٢٤٧ أ] العبد إذا كان السيد موسرًا فيؤخذ أرش الجناية من سائر ماله، فأما إذا كان معسرًا يباع العبد لأنه وإن كان كالآلة للسيد فإنه مباشر للفعل، وإذا لم يصل إلى الأرش من جهة السيد بعناه، فإذا أيسر السيد أخذنا منه
стр. 2487
قيمته للمرتهن، وعلى هذا لو أمر صبيًا لا يميز بقتل رجل فقتله فعفا ولي الجناية عن القصاص إلي الذمة والآمر معسر والصبي القاتل موسر تؤخذ الدية من مال الصبي ويرجع الصبي علي الآمر إذا أيسر في أحد الوجهين، والصحيح أنه لا يؤخذ من ماله بحالٍ؛ لأن الجناية المنسوبة إلى الآمر وهو كالآلة.
مسألة:
قال: "ولو أذن له برهنه فجنى فبيع في الجناية فأشبع الأمرين أنه غير ضامن".
الفصل:
إذا طلب من رجل عبدًا ليرهنه على دراهم يستقرضها لنفسه أو شيء يشتريه يثمن في ذمته إلي أجل فأعطاه إلى رجل، فأعطاه إياه فرهنه، نص الشافعي في " كتاب الرهن الصغير" فيه علي قولين:
أحدهما: أن السيد بمنزلة المعير والراهن بمنزلة المستعير وتكون أحكام العبد أحكام العارية؛ لأن في الضمان يتعلق الحق بذمة الضامن، وههنا لا يتعلق بالذمة شيء فدل أنه عارية.
والثاني: أن السيد بمنزلة الضامن للحق في رقبة عبده والراهن بمنزلة المضمون عنه. ونص [ق ٢٤٧ ب] على هذا في "الرهن الكبير".
وهذا أصح لأنه عقد وثيقة فالإذن فيه كالإذن في الضمان عنه مالًا، ولأن أعيان ماله كالذمة، بدليل أنه يشتري بعين ماله ويشتري في الذمة، فإذا صح أنه يضمن في الذمة صح الضمان في ماله، ولأن منافع هذا العبد لسيده، فلو كانت عارية لكانت منافعه للمستعير دون السيد.
فإذا تقرر هذا وقبض العبد علي ذلك ورهنه هل يصح؟ إن قلنا: كالضمان صح. وإن قلنا: كالعارية فالمذهب أنه يصح أيضًا.
وقال ابن سريج: لا يصح الرهن؛ لأن العارية عقد جائز ومتى صح هذا الرهن لزم وخرج عن مقتضى العارية فلا يجوز، وهذا لبس بشيء؛ لأن العارية لا تلتزم وله مطالبة الراهن بفكه متى شاء، ولأن العارية قد تلزم، وذلك إذا أعاره حائطًا ليبني عليه جذوعًا، فإذا صح هذا فإذن أذن له في رهنه ثم رجع نظر، فإن رجع قبل إقباض الرهن صح، وليس للمستعير أن يرهنه. وإن رجع بعد الإقباض لم يقدح هذا الرجوع في عقد الرهن؛ لأنه وقع بإذنه.
فإذا ثبت هذا، فإن قلنا إنه عارية يجوز أن يستأذن السيد في رهنه، وإن لم يبين مقدار الحق وجنسه وهل هو حال أو مؤجل، لأنه يجوز أن يعير عبدًا، ولا يبين جهة الانتقاء، ويعير دابة مطلقًا ويحمل عليها إلى أن [ق ٢٨٤ أ] يسترد صاحبها، وقد قيل: إذا قال: ارهنه بما شئت فرهنه بقدر قيمته جاز، وإن رهنه بأكثر من قيمته فيه وجهان،
стр. 2488
والأصح أنه يجوز. فإذا قلنا: إنه لا يجوز فهل يبطل في الكل أو قدر الزيادة؟ وجهان. وإذا قلنا: إنه ضمان لا يجوز إلا أن يبين مقدار الحق الذي يرهنه به وجنسه، وهل هو حال أو مؤجل؟ فإذا قلنا: إن ذلك شرط أو قلنا: ليس بشرط ولكنه ذكره وعينه لا يجوز مخالفته، فإن خالفه نظر فإن خالفه في الجنس لم يصح الرهن قولًا واحدًا، وإن خالفه في الصفة فأذن له في المؤجل فرهنه في حال أو إلى مدة دونه فالرهن باطل، وإن خالفه في المقدار فأذن له في رهنه بمائة فرهنه بمائة وعشرة اختلف أصحابنا فيه؛ فمنهم من قال: يبطل في الزيادة، وهل في المقدار المأذون؟ فيه قولا بناء على تفريق الصفحة. ومنهم من قال: يبطل في الكل قولًا واحدًا، وعليه نص الشافعي؛ لأنه بمنزلة الوكيل إذا خالف في المقدار يبطل بيعه قولًا واحدًا، ألا ترى أنه لو أذن لرجل في بيع عشرة أقفزة من الطعام بدينار فباع أثني عشر قفيزًا لم يصح بيعه في الكل كذلك ههنا. وإن رهنه بأقل من ذلك جاز؛ لأنه أراد خيرًا لأنه إذا لم يخالف ورهنه بما أذن فيه [ق ٢٨٤ ب] من الجنس والمقدار والصفة، فهل للسيد أن يطالبه فكاكه قبل محل الحق؟ نص في "الرهن الصغير" علي قولين، وبني القولين على أنه عارية أو ضمان. فإذا قلنا: إنه عارية كان له مطالبته بفكاكه؛ لأن له أن يرجع في العارية في أي وقت شاء. وإن قلنا: ضمان ليس له أن يطالب المضمون عنه بفكاكه قبل محل الحق، كالضمان ليس له أن يطال المضمون عنه بخلاصه قبل محل الحق، ولا شك أنه يطالبه بفكاكه لأنه وإن كان ضمانًا توجه عليه المطالبة فيلزمه التخلص منه. فإذا قلنا: له أن يطالبه بفكاكه وقلنا: ليس له فكاكه قبل محل الحق فطالبه به، فإن قضى دينه وفكه رده علي سيده، وإن عجز عن قضاء دينه كان للمرتهن أن يطالب سيده ببيعه، فإن لم يفعل سأل الحاكم ببيعه، فإذا باعه قضى الدين من ثمنه كان للسيد أن يرجع علي الراهن بالضمان علي القولين؛ لأنا إن قلنا عارية فقد ملكت في يده. وإن قلنا: ضمان فقد ضمن عنه في رقبة عبده وغرم فله الرجوع عليه بما غرم.
وأما قدر ما يرجع عليه مبني على ما بيع فيه، وفيه ثلاث مسائل:
إحداها: بيع بثمن مثله، وكان ثمن مثله مائة رجع السيد بالمائة على القولين جميعًا.
والثانية: بيع بدون ذلك ولكن بما لا يتغابن الناس بمثله، مثل إن باعه بتسعين فبكم [ق ٢٤٩ أ] يرجع عليه؟ على القولين؛ إن قلنا: عارية رجع بالمائة؛ لأن العارية تضمن بقيمتها أبدًا. وإن قلنا: ضمان رجع عليه بتسعين لأنه ما غرم عليه إلا تسعين.
والثالثة: بيع بمائة وخمسين وقيمته مائة يبني على القولين؛ فإن قلنا: عارية ضمن مائة لا غير؛ لأنه قيمة العارية. وإن قلنا؛ ضمان رجع بمائة وخمسين؛ لأنه قد غرم عنه هذا القدر. هكذا ذكره جماعة أصحابنا.
وقال القاضي الطبري: يرجع بما باع قولًا واحدًا وإن قلنا عارية؛ لأن ثمن العبد ملك صاحبه وبيع العبد واجب عليه، ولهذا لو سقط حق المرتهن رجع العبد عليه، فإذا قضى بثمنه دينه رجع به عليه، وإنما يضمن القيمة إذا كان الثمن دونها وهذا صحيح.
стр. 2489
ولو هلك العبد بغير البيع في الدين من غير تفريط من الراهن، مثل إن مات حتف أنفه، أو جني بعد القبض جناية فبيع فيها، هل يضمن الراهن؟ قولان: فإذا قلنا: إنه عارية ضمن. وإن قلنا إنه ضمان لا يضمن، وبه أجاب ههنا؛ لأن القبض غير مضمون عليه وقد هلك بغير تفريط ولم يغرم الضامن عنه شيئاً.
وقال أبو حنيفة: يرجع عليه بما سقط بذلك من حق المرتهن؛ لأن عنده الرهن مضمون بالدين.
فرع
لو طالبه بفكاكه عند حلول الحق فلم يفعل ففكه [ق ٢٤٩ ب] السيد من ماله وقضى الدين، فإن قضاه بغير إذن الراهن فلا رجوع له، وإن قضاه بإذن الراهن كا له الرجوع به سواء شرط الرجوع عليه أو لم يشرط؛ لأنه قضى عنه بإذنه إذا قلنا إنه ضمان، وإن قلنا إنه عارية فقد تعلق الحق برقبة العبد، فإن قضى عنه بإذنه لم يحتج إلى شرط الرجوع.
فرع آخر
لو أعاره ليرهنه بحق إلي أجل، والحق إلي أجل إنما يكون في البيع فرهنه بالحق فقبض السيد عنه بإذنه قبل محله رجع به عليه في المال؛ لأنه يرجع علي الوجه الذي قضاه وقد قضاه عاجلًا فيرجع عاجلًا.
فرع آخر
لو اختلفا فقال السيد: قضيت عنك بإذنك. وقال الراهن: بغير إذن فالقول قول الراهن مع يمينه. قال في "الأم": وإن شهد المرتهن للسيد أنه قضاه بإذن المرتهن قبلت شهادته؛ لأنه لا يجر بها نفعًا ولا يدفع عن نفسه ضرًا؛ لأنه يسلم للمرتهن ما دفع إليه، سواء كان بإذنه أو بغير إذنه. وهكذا لو ادعى السيد أنه قضى بعض الحق بإذن الراهن وأقام على ذلك بينة، وكان للمرتهن شاهدًا في هذه قبلناه ورجع عليه بما قضى عنه.
فرع آخر
لو استعار من رجل عبدًا فرهنه بمائة عند اثنين صح وكان إفراد كل نصف عنه بعقد منفرد، فللراهن أن يقضي أيهما شاء [ق ٢٥٠ أ] خمسين ويخرج نصف العبد من يده عن الراهن
فرع آخر
لو استعار رجلان عبدًا من رجلين ورهناه عند رجل بمائة، فههنا عقدان أيضًا كل
стр. 2490
نصف له عقد مفرد، فأي الراهنين قضى ما عليه خرج نصف العبد من الرهن.
فرع آخر
لو استعار واحد عبدًا من رجلين ورهنه عند واحد بمائة، فإن قضى المائة خرج جميع العبد من الرهن، وإن قضى خمسين ليخرج نصيب أحد السيدين، نص الشافعي في "الرهن الصغير" علي قولين:
أحدهما: ليس له ذلك، كما لو استعار رجل من رجل فأدى بعض الحق لا ينفك من الرهن شيء؛ لأن الراهن واحد وإن كان السيد اثنين.
والثاني: له ذلك؛ لأن الاعتبار بالملك دون العاقد فكان بمنزلة الصفقتين.
وقال في "الحاوي": هذا إذا كان المرتهن جاهلًا بالحال، فإن كان عالمًا بالحال فللراهن ذلك قولًا واحدًا، فعلى هذا إذا قضى خمسين خرج نصف العبد من الرهن ثم إن كان الرهن في دين لا خيار للمرتهن، وإن كان في بيع نظر، فإن دخل فيه مع العلم فلا خيار له، وإن كان جاهلًا قال ابن سريج: فيه قولانن يعني وجهان:
أحدهما: لا خيار له؛ لأنه حصل له رهن الكل وإنما انفك بعده.
والثاني: له الخيار؛ لأن كل الرهن لم [ق ٢٥٠ ب] يسلم بكل الحق جزء منه، وإن لم يعلم المرتهن صورة الحال ولم يقر به لا يقبل قول الراهن أنه أخذه من رجلين.
فرع آخر
لو كان عبد بين اثنين فأذن أحدهما لشريكه برهنه في حق يأخذه لنفسه فرهنه بمائة ثم أراد أن يعطي خمسين ويخرج نصيبه أو نصيب شريكه من الرهن، نص في "الرهن الصغير" على قولين كالمسألة قبلها.
فرع آخر
لو أخذ عبدًا من رجلين ورهنه عند رجلين بمائة كان نصفه رهنًا عند أحدهما بخمسين من نصيب السيدين، والنصف الآخر من نصيب السيدين، فأقضى الراهن أحدهما خمسين خرج ما هو رهن عنده وهو نصف العبد ورجع إلى السيدين، وإن قال أحدهما: أعطيتك خمسة وعشرين أخرج نصيب أحد السيدين من يديك وهو ربع العبد هل له ذلك؟ علي القولين.
فرع آخر
لو كان عبدا لسيدين لكل واحد منهما نضفهما فاستأذن كل واحد منهما صاحبه في رهن نصيبه بخمسين فأذن له، فرهن أحدهما عبدًا عند زيد بمائة نصفه ملكه ونصفه لشريكه
стр. 2491
ورهن الآخر العبد الآخر عند زيد بمائة نصفه له ونصفه لشريكه نظر، فإن [كان] ذلك بغير شرط فالحكم فيه علي ما ذكرنا، وإن كان بشرط فيه ثلاث مسائل:
إحداها: أن يقول [ق ٢٥١ أ] لزيد: رهنت عندك هذا العبد بمائة النصف منه لي ونصفه لشريكي على أني متى قضيتك المائة خرج هذا العبد كله من الرهن، ونصيبي من العبد الآخر الذي رهنه شريكي عندك، فهذا شرط فاسد؛ لأن إطلاق العقد يقتضي أن لا يخرج بقضاء الدين غير العبد المرهون، فإذا شرط ذلك نافي مقتضى العقد فأبطله، وهذا الشرط يتضمن نقصان حق المرتهن فيبلط الرهن قولًا واحدًا.
والثاني: إذا شرط أن يخرج هذا العبد والعبد الآخر كله من الرهن فهذا أفسد من الشرط الأول يبلط به الرهن قولًا واحدًا.
والثالثة: إذا قال: متى قضيتك المائة لم يخرج عبدي من الرهن حتى يقضي شريكي دينك فيخرجان معًا، فهذا فاسد أيضًا؛ لأنه خلاف مقتضى العقد ولكنه زيادة وثيقة للمرتهن، فهل يبطل الرهن؟ قولان:
فرع آخر
لو أخذ عبدًا من رجل آخر وأذن له كل واحد منهما في رهنه بخمسين درهمًا فرهنهما بمائة درهم عند رجل واحد وعلم المرتهن بذلك فقضاه خمسين. قال بعض أصحابنا: له أن يفك أحدهما من الرهن قولًا واحدًا. وقال القاضي الطبري: هذا غلط عندي، ولا فرق بين العبدين وبين العبد الواحد فيجب أن يكون فيه قولان أيضًا كما ذكرنا في العبد الواحد.
فإذا تقرر هذا رجعنا إلى سواد "المختصر" قال [ق ٢٥١ ب] الشافعي:
"فأشبه الأمرين أنه غير ضامن".
وهذا يوهم أن الكناية راجعة إلى السيد وليست براجعة غليه، وإنما ترجع إلى المستعير بدليل أن الشافعي فرض القول في رجوعها إلي فقال:
"فأشبه الأمرين أنه غير ضامن"، وإنما اختلف قوله في ضمان المستعير، وأما المعير فلا يضمن شيئًا حتى يتوهم رجوع الكناية إليه.
ثم قال الشافعي في تعليل هذه المسألة:
"وليس كالمستعير الذي منفعته مشغولة".
وهذا اللفظ بهذا الإيجاز في غاية الإشكال لمن تأمله، ومعناه أن المستعير ههنا لا يضمن، وليس كالمستعير للاستخدام؛ لأن منفعته بالخدمة مشغولة عن معيره ومنفعة هذا العبد المستعار المرهون للمعير وهو مستخدمه، فكيف يضمنه معيره ومستخدمه معير،
стр. 2492
وإنما يضمن المستعير العارية؛ لأنه أولى بمنفعتها في مدة الاستعارة إلى أن يردها على صاحبها، وقد أخذها من غير استحقاق فقوله:
"كالمستعير الذي" وكلمة الذي في منزله المفعول لا في منزلة الفاعل، وقوله:
"بخدمة العبد" إضافة إلى الخدمة إلي الخادم لا إلى المخدوم.
وأما قوله:
"وللسيد في الرهن أن يستخدم عبده" يحتمل أنها مسألة مستأنفة، وأراد منافع الرهن للراهن خلافًا لأبي حنيفة وقد ذكرناه. ويحتمل أن يكون كما التعليل المشكل الذي شرحناه، ومعناه: وللسيد المعير عبدًا رهن أن يستخدم وليس يستخدمه المستعير، فكذلك [ق ٢٥٢ أ] فصلنا بين هذه العارية وبين سائر العواري إذا تلف العبد فجعلنا في ضمان قيمته علي المستعير؟ قولين.
فرع آخر
لو كان المرهون دابة فأراد أن يركبها بنفسه، أو كان دارًا فأراد أن يسكنها، قال في "الرهن الصغير" و"الرهن القديم": ليس له ذلك إلا بإذن المرتهن. وقال في سائر كتبه: له ذلك. فقيل: فيه قولان؛ لأنه لا يؤمن جحوده إذا عاد إلى يده وهذا لا يصح؛ لأن الجحود يتوهم إذا عاد إلى يد مستأجره أيضًا. وقيل: المسألة على حالين، فإن كان غير مأمون والجحود منه مخوف ليس له ذلك، وإن كان بخلاف هذا له ذلك.
فرع آخر
إذا أذن الراهن للعبد المرهون في الحج لم يجز إن لم يمكنه إلا بمفارقة بلد المرتهن، ويعلم إخلافه قبل حلول الدين جاز وإلا فلا يجوز.
فرع آخر
[إذا] رهنه عبدًا بحق فتطوع رجل فضمن الحق جاز، فإذا حل الدين ففيه قولان:
أحدهما: يطالب الراهن فإن عجز عدل إلى الرهن.
والثاني: يطالب المرتهن فإن عجز عن البيع أو تعذر عدل إلى الضامن.
مسألة:
قال: "والخصم فيما جنى على العبد سيده".
إذا رهن عبده وأقبضه فجنى عليه جان فقتله أو قطع يده كان الخصم فيما جنى عليه سيده لا المرتهن، فالدعوى على الجاني وتثبيته وإقامة البينة عليه إلى [ق ٢٥٢ ب] السيد
стр. 2493
دون المرتهن؛ لأن ملك الأرش ثبت للراهن دون المرتهن وإنما للمرتهن حق الإمساك، فإن أنكر الجاني الجناية على العبد ولم يكن للسيد بينة فالقول قول الجاني مع يمينه، فإن نكل عن اليمين ردت اليمين على السيد، فإن حلف استحق، وإن نكل فهل ترد على المرتهن؟ قولان على ما بيناه في رد اليمين على أم الولد في أول "كتاب الرهن".
قال الشافعي: وإن أحب يحضر المرتهن الخصومة ليعاون الراهن ويؤيده وليعلم ما يقضي الراهن به من الأرش فيأخذه رهنًا كان ذلك له، وإن لم يحضره فإن كان الراهن يأخذ الأرش ويدفعه إلى المرتهن فيكون رهنًا عنده أو عند العدل إن كان العبد رهًا عند العدل، وإن شاء جعله قصاصًا من الحق.
فرع
قال: ولو عفا المرتهن كان عفوه باطلًا؛ لأن الأرش ملك للسيد، ثم إذا أخذ السيد الأرش بعد ذلك هل للمرتهن مطالبته به؟ اختلف أصحابنا: فمنهم من قال: بطل رهنه فيه؛ لأن تحت قوله: عفوت عن الأرش، أبطلت رهني فيه فلا يكون له مطالبته به. ومنهم من قال: لا يبطل رهنه؛ لأن عفوه لم يصح فكان وجوده وعدمه سواء.
وقول الشافعي: "كان عفوه باطلًا"، يرجع إلى الأرش إلى إبطال الوثيقة وهو المذهب.
فرع آخر
قال في "الأم": ولو كان الجاني عبدًا فأراد الراهن أو المرتهن أو هما أخذ العبد من [ق ٢٥٣ أ] سيده بالأرش وأبى السيد ذلك لم يكن لهما، فإن رضي السيد ذلك وأبي الراهن، أو المرتهن أخذه بالحق لم يؤخذ بالحق وبيع بأرش الجناية، ويكون ثمنه رهنًا مكان العبد المقتول.
فرع آخر
قال: لو اختار الراهن أخذ المال من الجاني ثم فرط في أخذه حتى هرب الجاني لم يغرم شيئًا بتفريطه وليس عليه أن يضع رهنًا مكانه، وكان الجاني كعبد رهنه سيده فهرب منه.
فرع آخر
قال بعض أصحابنا بخراسان: قال الشافعي: لو عفا الراهن عن الجاني فلم نجوز عفوه وأخذ المال فجعلناه رهنًا ثم فكه بقضاء أو إبراء رده على الجاني. قال أصحابنا: فيه قولان:
стр. 2494
أحدهما: هذا هو أن عفوه موقوف.
والثاني: باطل وهما كالقولين عفو المفلس عن الدين وتصرفاته كلها.
مسألة:
قال: "ولو رهنه عبدًا بدنانير وعبدًا بحنطة فقتل أحدهما صاحبه كانت الجناية هدرًا".
قد ذكرنا هذه المسألة، وهو أن يرهن عبدين عند رجلين بحقين مختلفين فقتل أحدهما صاحبه. وفرض المسألة ههنا إذا كانت قيمة الحنطة مثل ذلك في الدنانير، فلم يكن في العفو مالٍ فائدة، فأما إذا كان الحق الذي كان العبد المقتول رهنًا به أكثر، فقد قلنا إن العفو صحيح على مالٍ فيباع العبد الجاني ويجعل ثمنه [ق ٢٥٣ ب] رهنًا مكان العبد المقتول
مسألة:
قال: "واكره أن يرهن من مشرك مصحفًا".
الفصل:
قد ذكرنا في البيع شراء الكافر مصحف القرآن والعبد المسلم، وأما الراهن اختلف أصحابنا فيه علي طريقتين:
أحدهما: فيه قولان أيضًا، ولا فرق بينهما.
والثاني: إن قلنا يجوز البيع فالرهن أولى. وإن قلنا: لا يجوز البيع أجبر على وضعه في يد عدل ولا يترك في يد المشترى.
قال الشافعي: هل رقيق لا يذل لمن يده عليه. وقيل: فيه طريقة أخرى وهي أن يصح الرهن قولًا واحدًا؛ لأنه ليس في جريان الصغار والذل عليه فإنه يوضع على يدي العدل فلأن للإنسان أن يرتهن إياه ويستديم الرهن عليه، ولا يجوز أن يستفيم عقد البيع عليه، فدل علي الفرق. ولا يجوز إلا عند عدل مسلم، وإن كان كافرًا موثوقًا به لأمانته في مثله والكراهة ههنا كراهة التبرئة لا كراهة التحريم في أحد القولين، ولهذا عطف عليها وأجبره على أن يضعها على يدي مسلم"، ولو رضي الراهن بتسليمها إلى المرتهن الكافر ولا يعتبر رضاه؛ لأن الحق في ذلك للإسلام، وكذلك إن رضي العبد أيضًا.
ثم قال: "ولا بأس برهنه ما سواهما"، وهو كما قال: يجوز أن يرهن عند المشرك ما عدا ذلك من المملوكات وإن كان سلاحًا لما روي أن النبي ﷺ [ق ٢٥٤ أ] رهن درعه عند أبي الشحم اليهودي بشعير أخذه إلى أهله، وإن كان في ذلك شوكة
стр. 2495
للمشركين يكره ذلك، ولكن قال قائل: إطلاق هذا اللفظ يدل على جواز رهن كتب الأخبار عنده وأنت منعت ذلك، قلنا: مقصود الشافعي إطلاق هذا اللفظ الأسلحة وجواز رهنها وإن كان فيها شوكة للمشركين. ولم يقصد به تعميم الجواب، لأن المعنى موجود في هذا وهو خوف الاستهانة والاستهلاك. وقد نص الشافعي في رواية الربيع علي هذا الأصل الذي ادعيناه، وهو إلحاق كتب الأخبار بكتاب الله تعالى فيما يؤول إلى الاحترام والتوقير. وعلى هذا التأويل يمنع المسافر بأخبار الرسول ﷺ إلى أرض العدو، كما يمنع المسافر بكتاب الله تعالى إلى أرضهم. قال ﷺ : "لا تسافروا بالقرآن إلى أرض الكفار". ويكره للمحدث عمن كتب الأخبار حملها إليها.
باب الرهن والحميل في البيع
مسألة:
قال: "ومعقول إذا أذن الله بالرهن أنه زيادة وثيقة".
الفصل:
في بعض النسخ "ومعقول إذا أذن الله تعالى بالرهن لأنه زيادة وثيقة لصاحب الحق".
الفصل:
قال مشايخنا: أخل المزني بالنقل ونقل كلامًا محذوف الخبر منقطع الجواب [ق ٢٥٤ ب] لأنه قال: "ومعقول إذا أذن الله تعالى بالرهن لأنه زيادة وثيقة لصاحب الحق وإنه ليس بالحق بعينه ولا جزءًا من عدده" ثم لم يعطف على هذه الجملة مقصوده جوابًا وتركها مبترة، ثم أستأنف عقيب هذه الجملة ما عطف الشافعي في الكبير عليها فيقول: فليس بمضمون ردًا على أبى حنيفة حيث جعل الرهن مضمونًا بالدين ومعناه أذن الله تعالى في الرهن لزيادة وثيقة ليس الرهن جزءًا من الدين ولا عين الدين، فكيف يسقط الدين بتلفه كما يزعم أبو حنيفة.
ومن أصحابنا من قال: هذا اللفظ مما يمكن إجراءه بنفسه مستغنيًا عن غيره علي الراويتين جميعًا، ولا عتب على المزني في ذلك ففي الرواية الأولى وهي قوله: إنه زيادة وثيقة" وسيأتي الكلام أن يقال: أذن الله تعالى بالرهن فمعول أنه زيادة وثيقة ولو جعلناه مضمونًا زائله معنى الوثيقة وعدم الرهن يكون أنفع له من وجوده. والجواب الثاني للجملة السابقة قوله: "فلو باع رجل شيئاً على أن يرهنه به" ومعنى سياق الكلام على هذا الجواب
стр. 2496
أن يقال: معقول الرهن مأذون لزيادة وثيقة لصاحب الحق وليس بالحق ولا جزء من عدده, فإذا باع بيعًا وضمنه بشرط الرهن والرهن مأذون فيه من جهة الله تعالى لم يفسد البيع [ق ٢٥٥ أ] بهذا الشرط, فاستقل الكلام بنفسه من غير إضمار جواب. وأما إذا أقرأنا باللفظ على الرواية الثانية وعلى قوله: "لأنه زيادة وثيقة" فللكلام جواب واحد وهو جواب الثاني الذي ذكره من صحة البيع مع اشتراط الرهن فيه, وقيل: قصد به الرد على مالك حيث قال: يلزم الرهن بنفس العقد ويجب على الراهن تسليمه فقال: ليس هو الحق بعينه ولا جزء من عدده حتى يحب تسليمه.
فإذا تقرر هذا, لا يجوز شرط الرهن حتى يكون معلومًا لهما بالصفة والرؤية فلو قال: على أن ترهني ما في كمك وهو لا يعلم ما في كمه لأنه معنى فيه مصلحة البيع لا يثبت إلا بالشرط, ويعطيه من الرهن ما يليق بذلك الحق في العادة, وقال: يجوز شرط الضامن وإن لم يكن معينًا, وعند أبي حنيفة: لا يحتاج إلى تعيين الضامن ويحتاج إلى تعيين الرهن. وعندنا يحتاج إلى تعيين الضامن بالمشاهدة؛ لأن الصفة لا تأتي عليه, ثم إذا بطل الرهن هل يبطل البيع؟ قولان:
أحدهما: يبطل كما يبطل بالأجل المجهول.
والثاني: لا يبطل وهو اختيار المزني.
فرع
هل من شرطه أن يكون من يوضع الرهن على يديه معلومًا في العقد؟ وجهان:
أحدهما: لا يشترط ذلك ويوضع على يد من يتفقان عليه, فإذا اختلف انظر الحاكم فيه ووضعه على يد عدل [ق ٢٥٥ ب].
والثاني: يشترط ذلك فيلزم أن يبين من يكون في يده ذلك والأول أصح.
فرع آخر
لو شرط الشاهدين وأطلق يجوز, والفرق بينه وبين الرهن أنه لا عرض في أعيان الشهود؛ لأنه المقصود منهم العدالة فلم يكن من شرطه تعيينها بخلاف هذا, وأن الشاهدين معلومان بالشرع بخلاف الرهن والضامن.
فرع آخر
لو شرط إشهاد شاهدين معينين وامتنعا من الشهادة, لم يجبر المشتري على إشهاد غيرهما وللبائع الخيار لفقد الشرط, فلو أشهد المشتري غيرهما من العدول فهل يسقط خيار البائع؟ وجهان:
أحدهما: لا يسقط كما لو شرط ضامنًا فضمن آخر غيره, وهو اختيار القفال.
والثاني: وهو الأصح يسقط لأن الشهادة لا تختلف باختلاف الشهود.
стр. 2497
فرع آخر
(لو) شرط ضمينًا هل يبطل البيع؟ قولان أيضًا كما قلنا في الوهن المجهول, والأصح أنه لا يبطل لأنه عقد مضموم إلى عقد بالشرط يفتقر إلى إيجاب وقبول, فجاز أنه لا يتعدى فساد أحدهما إلى الآخر بخلاف الجهالة من الثمن, لأنها جهالة في صلب العقد فكذلك الجهالة في الأجل جهالة في صفة العقد فيبطل البيع قولاً واحدًا.
فرع آخر
لو آتاه برهن أنفس من الرهن المعين أو بضمين أيسر من المعين له أن لا يقبل ويفسخ البيع.
فرع آخر
لو قال: ضمنت لك عن فلان ألف درهم على أنني [ق ٢٥٦ أ] أعطيك بها رهنًا ففي صحة الضمان وجهان:
أحدهما: يصح أنخ رهن شرط مع وجوب الحق, فعلى هذا الضامن بالخيار بين أن يعطيه الرهن أو يمنعه.
والثاني: الضمان فاسد لأنه وثيقة, فإذا شرط فيه الاستئناف بالرهن صارت وثيقة الضمان واهية فبطلت.
فرع آخر
لو أعطاه رهنًا بألف على أن قلانًا يضمن الألف كان في صحة الرهن وجهان كما ذكرنا في الضمان, لأن شرك الضمان في الرهن كشرط الرهن في الضمان.
أحدهما: الرهن الصحيح والمشروط ضمانه بالخيار بين أن يضمن أو لا يضمن.
والثاني: باطل لوهاء الاستئناف بالرهن عند شرط الضمان فيه.
فرع آخر
لو كان بالدين رهن وضامن يجوز, فإذا حل الحق فيه قولان وحكاهما القاضي أبو حامد أن لصاحب الحق مطالبة الضامن وليس له بيع الرهن إلا بعد تعذر استيفائه من الضامن, لأنه يمكن استيفاؤه من غير إزالة ملكه عنه.
والثاني: له بيع الرهن واستيفاء حقه من ثمنه وليس له مطالبة الضامن إلا بعد التعذر؛ لأن الرهن بيده أخذه لاستيفاء حقه. والصحيح أن يقال: صاحب الحق بالخيار بين مطالبة الضامن وبين بيع الرهن؛ لأن ضمان الحق لا يمنع مطالبة غيره ومطالبة غيره له لا يمنع مطالبة الضامن والمضمون عنه سواء.
стр. 2498
فرع آخر
[ق ٢٥٦ ب] لو أحاله بالألف على أن يعطى المحال به رهنًا ففي جوازه وجهان مبنيان على أنهما بيع أو عقد إرفاق, فإن قلنا بيع يجوز اشتراط الرهن فيها, فعلى هذا يبطل القدح الشرط الباطل فيها. والثاني: لا تبطل لخروجها عن عقود والمعارضات والتحاقها بعقود الإرفاق.
فرع آخر
لو وهب له عبدًا وأذن له في رهنه صح ولم تتم الهبة؛ لأن الإذن بالرهن ليس بقبض, ثم إن أقبض المرتهن ثم الرهن بالعقد السابق عن إذنه والقبض الحادث عن إذنه تتم الهبة؛ لأن قبضه رهنًا غير قبضه هبه ويكون حكم هذا كحكم المعاري في الرهن.
فإذا تقرر ما ذكرنا, رجعنا إلى سواء المختصر قال: "لم يجبر الراهن على تسليم الرهن" وقد ذكرنا هذا فيما مضى وإذا امتنع فللبائع الخيار, وكذلك لو شرط الضمين فامتنع من الضمان كان له الخيار, وإن اجتهد المشتري في تخليصه ولم يوجد منه تفريط في ذلك. قال الشافعي ههنا: " وليس للمشتري رد البيع لأنه لم يدخل عليه نقص يكون له به الخيار".
وقصد به الرد على مالك فإنه أثبت للمشتري الخيار في الفسخ, لأن المشتري إذا كان معه ضامن ضمنه عنه كانت المطالبة عليه أخف منها إذا انفرد بها, ولا معنى لهذا التعليل؛ لأن الحميل لو ضمن أيضًا كان للبائع تخصيص المشتري بالمطالبة والإعراض عن [ق ٢٥٧ أ] مطالبة الحميل.
المسألة:
قال: "ولو أصاب المرتهن بعد القبض بالرهن عيبًا".
الفصل:
إذا أصاب بالرهن المشروط عيبًا بعد القبض والعيب متقادم كان له رده وفسخ عقده؛ لأن ذلك يؤدي إلى الضرر به عند محل الحق وبيع الرهن في الدين, فإن اختلفا أنه حدث بعد القبض أو قبله فهو كالاختلاف في العيب بالمبيع, وقد ذكرنا فيه ثلاث مسائل.
مسألة:
قال: "ولو قتل الرهن بردةٍ أو قطع بسرقةٍ".
الفصل:
إذا رهن مرتدًا أو سارقًا, وقد ذكرنا أن الرهن صحيح وبينا حكمه وإن حدث ذلك
стр. 2499
بعد القبض لم يكن له فسخ البيع, وإن حدث ذلك بعد الرهن وقبل القبض فله الخيار في فسخ البيع, وقال المزني:
في هذا دليل على أن البيع وإن جهلاً الرهن أو الحميل غير فاسدٍ, وإنما له الخيار في فسخ البيع أو إثباته لجهله بالرهن أو الحميل".
وجوابه أن يقال: الرهن مجهولاً كان باطلاً إبطال البيع بفساد الرهن المشروط في صلبه, فأما إذا خرج المرهون مرتدًا أو سارقًا فالرهن في الأول صحيح, لأن المرتد قابل للبيع والرهن والهلاك طارئ فهو كموت العبد فافترقا.
مسألة
قال: "ولو مات في يده وقد دلس فيه بعيبٍ قبل أن يختار فسخ [ق ٢٥٧ ب] البيع لم يكن له أن يختار لما فات من الرهن".
معناه: أن العبد المرهون إذا مات في يد المرتهن, ثم اطلع على عيب به ولم يكن أطلع عليه قبلٍ موته لم يكن له خيار فسخ البيع لا لأجل موته ولا لأجل عيبه؛ لأن الرهن قد قبض قبضًا فلا يوجب موته خيارًا, ولم يطلع على العيب في وقت يمكنه الرد ففات حقه من العيب, وسواء كان الرهن على ذلك العيب فكتمه تدليسًا أو لم يكن علمه, وذكر الشافعي التدليس تنبيهًا على عدم التدليس.
وهكذا لو اطلع المرتهن على العيب فلم يتيسر له رده وفسخ عقده حتى مات العبد لا خيار له أيضًا, وليس للمرتهن بأرش العيب ليكون رهنًا على ما ذكرنا من قبل, وعلى هذا لو رهنه عبدين فأقبضه أحدهما فتلف في يد المرتهن, ثم تلف الآخر في يد الراهن لم يكن له فسخ البيع لأنه لا يمكنه أن يرد عليه ما قبضه, وإنما يثبت الرد بالعيب إذا أمكنه رد ما قبض على صفته كما في البيع, إلا أن في البيع له الأرش لأن في مقابلته عوضًا بخلاف الرهن.
مسألة:
قال: "ولم يشترطا رهناً [في البيع] فتطوع المشتري فرهنه".
الفصل
إذا لم يشترط الرهن في عقد البيع فتطوع المشتري فرهنه وأقبضه لم يكن له فسخه حتى يقضي جميع الحق؛ لأن الرهن يصير لازمًا بمضامة القبض, كما لو تبرع رجل [ق ٢٥٨ أ] بضمان دين لا يجد خلاصًا إلا بقضاء أو إبراء كذلك ههنا ولو رهن في هذا الموضع, ثم امتنع عن الإقباض لم يكن له خيار فسخ البيع لأنه لم يدخل في العقد هذا الشرط.
стр. 2500
مسألة:
قال: "ولو اشترطا أن يكون المبيع نفسه رهنًا فالبيع مفسوخ".
أن يكون المبيع رهنًا بالثمن نظر, فإن اشترط في عقد البيع أن لا يخرجه من يده ويكون رهنًا عنده حتى يوفيه الثمن لم يصح؛ لأنه رهن ما يملك ولا البيع أيضُا؛ لأنه شرط تأخير تسليم جميع البيع إلى أن يستوفي جميع الثمن, وذلك يخالف مقتضى البيع؛ لأن مقتضاه أن لا يجبر البائع على تسليم البيع أو لا يجبر المشتري على تسليم الثمن, ولأنه إذا وفي بعض الثمن يجبر على تسليم ما يقابله من البيع, فإذا شرط خلافه بطل, وإن شرط أن يسلمه إليه, ثم يرد عليه ليكون رهنًا في يده لا يجوز أيضًا؛ لأن التسليم الذي يقتضيه البيع مطلق, وقد شرط تسليمه غير مطابق فكان مخالفًا لمقتضى البيع كما لو قال: أسلمه إليك, ثم تهبه لي, ولأنه لا يلزمه التسليم المبيع حتى يقبض الرهن, وهذا نقيض تسليم المبيع قبل قبض الرهن فلا يجوز.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن كان الثمن مؤجلاً لا يجوز هذا الشرط ويبطل به البيع؛ لأن [ق ٢٥٨ ب] حكم المؤجل أن يجب تسليم البيع في الحال ولا يجوز حبسه لاستيفاء الثمن, وإن كان الثمن حالاً, فإن قلنا: إذا تنازعا في البداية بالتسليم يجبران معًا أو لا يجبران أو يبدأ بالبائع لا يجوز هذا الشرط أيضًا, وإن قلنا البداية بالمشتري وهو القول المخرج, اختلف أصحابنا في هذا؛ فمنهم من قال: يجوز أن يشترط أن لا يخرجه من يده ويكون رهنًا عنده حتى يوفيه الثمن؛ لأن مقتضى العقد الحبس حتى يقبض الثمن فلا فرق بين أن يقول: على أنه رهن عندي, أو يقول: على أن لا أسلمه إليك حتى أقبض الثمن, ومنهم من قال: لا يجوز ذلك؛ لأن الارتهان حكم آخر والحبس لاستيفاء الثمن حكم آخر والملك بعد لم يتم على المبيع فشرط ارتهانه ورهنه فاسد.
مسألة:
قال: "ولو قال الذي عليه الحق: أرهنك على أن تزيد لي في الأجل".
الفصل
إذ كان لرجل على رجل دين مؤجل إلى شهر فقال من عليه الدين: أرهنتك هذا الشيء بالدين الذي لك على أن تزيدني في أجله ففعل كان الرهن باطلاً؛ لأن الرهن جعله بدلاً عن الأجل فلا يجوز الحق لازم, كان قبل, وصار ما يزيد أن من الأجل مردودًا كأنه لم يكن, ولا فرق بين حق لازم عن قرص أو [ق ٢٥٩ أ] بيع أو غيرهما؛ لأن الزوائد لا تلحق أصل الدين بعد الانبرام.
مسألة:
قال: "وإذا أقر أن الموضوع على يديه قبض الرهن جعلته رهنًا".
стр. 2501
إذا تبايعا عبدًا بألف وأقر معًا أنه دفع برهن مقبوض وأنه على يد عدل وأنكر العدل ذلك لزم الرهن في حق المتراهنين, فإن كان عبد المرتهن وتراضيا على بقيته في يده جاز, وإن اختلفا جعله الحاكم على يدي عدل, وهكذا لو كان في يد الراهن, وقال: عاد إلى الخدمة وإن تراضيا بكونه وإلا جعله الحاكم على يدي عدل, وهذا لأن العدل وكيل فلا يسمع إنكاره مع إقرار الموكل, كما لو وكل ببيع سلعة فقال الوكيل: بعتها من فلان وصدقه المشتري, وقال الوكيل: ما بعتها منه قبل قول الموكل وحكم بصحة البيع, ولا خيار المرتهن في فسخ البيع لأنه قد اعترف بقبض الرهن بالثمن, وإن كان الرهن تالفًا فادعى المتراهنان أن العدل أتلفه مفرطًا فيه لم يقبل قولهما عليه, والقول قوله مع يمينه: فإذا حلف بريء فيكون المبيع برهن ملك بعد قبضه باعترافهما فلا خيار للمرتهن في فسخ البيع, هذا إذا تقارا على ذلك, فأما إذا اختلفا فقال الراهن: قبض العدل وتلف في يده وأنكر المرتهن ذلك, فالقول [ق ٢٥٩ ب] قوله: فإذا حلف كان له خيار الفسخ, فغن أقام الراهن البينة بما يدعيه نظر, فإن شهد له غير العدل الذي يدعي الراهن بالقبض وأنكر المرتهن لا يقبل إقرارهما عليه, وهكذا لو أقر المرتهن والعدل بالقبض وأنكر الراهن لم يقبل قول عليه وشهادة العدل عليه لا تقبل أيضًا.
مسألة:
قال: "وأيهما مات قام وارثه مقامه".
إذا مات الراهن والرهن على يدي عدل ومات المرتهن قام وارث كل واحد منهما, فقام الميت والعدل بحفظه للراهنين كما كان يحفظه للمرتهنين, وأما العدل إذا ما أحدهما قبل قبض الرهن كيف حكمه, وإذا مات أحدهما بعد القبض, فإن مات الراهن حل عليه الدين ونقول لوارثه: إما أن تقضي دين المرتهن من غير الرهن وتأخذ الرهن وتوفيه حقه, فإن امتنع منها باع الحاكم الرهن وأوفاه حقه, وغن مات المرتهن فالدين المؤجل لا يحل على الراهن لأن الأجل حق الراهن دون المرتهن, فيرث وارثه الدين في ذمة الراهن بحقه من الوثيقة, وقام مقام مورثه في حفظ الرهن, فإن قال الراهن: لا أرضى بحفظ [ق ٢٦٠ أ] الوارث ذكرنا أنه يوضع على يدي عدل بخلاف ما لو كان المرتهن حيًا, فقال: لا أرضى بكونه في يده لا يلتفت إلى قوله حتى تتبين الجناية.
مسألة:
قال المزني: "وجملة قوله في اختلاف الراهن والمرتهن".
الفصل:
إذا اختلف الراهن والمرتهن في قدر الحق لا يخلو إما أن يكون مستقرًا أو غير
стр. 2502
مستقر, فإن كان مستقرًا كالقرص وقيمة المتلفات وثمن البيع فقال المرتهن: الحق ألف ورهنتني هذه العبد به, وقال الراهن: لا بل الحق خمسمائة فالقول قول الراهن؛ لأن الأصل أن لا رهن إلا في المقدار الذي أقر به الراهن فيحلف على ذلك, وعلى المرتهن البينة فيما يدعيه من الزيادة, وقول الزيادة, وقول الشافعي:"فيما لا يشبه أو يشبه" أراد به الرد على مالك حيث قال: إن كانت قيمة العبد ألفًا فالقول قول المرتهن, وإن كانت خمسمائة فالقول قول الراهن؛ لأنه الظاهر أن الرهن يكون بقدر الدين, وهذا غلط لقوله ﷺ :"البينة على المدعي واليمين على من أنكر" ولم يفضل. ولأنهما لو اختلفا في أصل الحق فالقول قول الراهن فكذلك إذا اختلفا في قدره, وإن كان الحق غير مستقر مثل ثمن المبيع قبل القبض فقال: "بعكته بألف على رهن هذا العبد, وقال المشتري: بل بخمسمائة على رهن هذا العبد تحالفًا؛ لأنه اختلاف المتبايعين [ق ٢٦٠ ب] في قدر الثمن, وإن كان اختلافهما في قدر الرهن, فإن كان الحق مستقرًا فقال: رهنتني عبدين به, وقال الراهن: رهنتك عبدًا واحدًا فالقول قول الراهن, وإن كان الحق غير مستقر فقال: بعكته على رهن هذين العبدين, وقال المشتري: على رهن هذا العبد الواحد تحالفا لأنه اختلاف المتبايعتين في قدر الرهن, وهكذا لو قال المشتري من غير شرط الرهن يتحالفان, فإذا تحالفا قد ذكرنا حكمه فيما تقدم, ولو اختلفا في أصل وجود الرهن, فقال الراهن: لم أرهنك شيئًا, وقال المرتهن: رهنتني فالقول قول الراهن. وكذلك لو تصادقا على وجود الرهن واختلفا في تعيينه, فقال المرتهن: رهنتني هذه الجارية التركية, وقال الراهن: بل هذه الهندية, فالقول قول الراهن أيضًا, وكذلك لو قال المرتهن: رهنتني هذين العبدين, وقال الراهن: رهنت أحدهما بعد أن افقا على ان الشرط في البيع كلا العبدين فالقول قول الراهن أيضًا؛ لأن الأصل أنه لم يرهن, وإن شرط ذلك, فإن قيل: فما معنى قول المزني:"والقول قول المرتهن في الرهن" قلنا: نحن نجعل القول قوله في كثير من المسائل غير ما ذكرنا, وذلك أنهما أنهما لو اختلفا في وجود الرهن المشروط في العقد فقال الراهن: قد وفيت لك بشرطك [ق ٢٦١ أ] ورهنت عندك ما اشترطت فليس لك فسخ البيع, وأنكر المرتهن ذلك فالقول قول المرتهن فيحلف ويفسخ. وكذلك لو تصادقا في الرهن, ثم ادعى الراهن على المرتهن أنك أذنت لي في بيته, وقد بعته أو في إعتاقه وقد أعتقته فالقول قول المرتهن, وكذلك لو اختلفا في فكاك الرهن بعد الانفلات فالقول قول المرتهن, وكذلك إذا اختلفا بعد تلف الرهن في حالة التعدي في قدر قيمته فالقول قول المرتهن.
وقال أبو حامد: تأويله أنه إذا كان في بيع متحالفًا يبدأ بيمين البائع وهو المرتهن فقوله: "القول قول المرتهن" يعني في البداية, وقال في "الحاوي": الصحيح أنه إذا
стр. 2503
اختلفا في البيع فقال الراهن: ابتعت بلا رهن, وقال المرتهن: ما بعتك إلا برهن فالقول قول الراهن أنه لزمه بغير رهن, والقول قول الراهن أنه لزمه بغير رهن, والقول قول المرتهن في الرهن أنه وثيقة بالحق. ألا ترى أنه قال بعده: "ويحلف كل واحد منهما على دعوى صاحبه" وهما لا يتحالفان إلا في مسألة البيع: فأما في تلفه بتعدٍ أو غيره فإنما يحلف أحدهما. إذا حلفا هكذا لا يلزم الراهن ولا يلزم البائع إمضاء بلا رهن وكان بالخيار بين أن يفسخ البيع وبين إمضائه بلا رهن, وقال: ههنا يبدأ المشتري باليمين بلا خلاف في المذهب؛ لأن يمينه لإنكار عقد الرهن ويمين البائع لفسخ البيع بعدم الرهن فيقدم المشتري, فإن قيل: إذا كانت [ق ٢٦١ ب] المسائل مختلفة هكذا فما بال المزني أطلق اللفظ إطلاقًا, قلنا: يحتمل أنه أراد أحد قسمي المسائل ويحتمل أنه أراد بهذا الإطلاق ما عطف عليه قوله: "فيما شبه" ردًا على مالك على ما ذكرنا, فمتى ادعى المرتهن على الراهن أنك لم تسلم إلي ما اشترطناه رهنًا على فسخ البيع وأنكر الراهن فالقول قول المرتهن, سواء أشبهت الحال ما قال الراهن أو أشبهت ما قال المرتهن.
فرع:
لو اختلف الراهن والمرتهن في صفة الحق, فقال: رهنتني عبدك سالمًا في ألف حال, فقال الراهن: بل في ألف مؤجل, فإن اتفقا على أن للمرتهن ألفًا حالاً وألفًا مؤجلاً, ثم اختلفا هكذا فالقول قول الراهن مع يمينه ما رهنته من الألف الحال, ويخرج سالم من الرهن في المؤجل والحال. أما في الحال بيمين الراهن, وأما في المؤجل فبإنكار المرتهن, وإن اتفقا على أن الألف واحد, وأن سالمًا رهن به واختلفا في حلوله وتأجيله ففيه قولان:
أحدهما: القول قول المرتهن ويصير [سالم] رهنًا بألف حالٍ.
والثاني: القول قول الراهن أن الألف مؤجل ويصير سالمًا رهنًا في ألف مؤجل.
وهذان القولان مبنيان على أن من أقر بدين مؤجل هل يقبل في الأجل قولان.
فرع آخر
لو قال المالك: بعتك عبدي الذي في يدك بألف فقال: بل رهنته بألف حلف صاحب اليد ما اشتريت وحلف المالك ما رهنت والألف [ق ٢٦٢ أ] وجاب عليه, لأنه مقر يقبض الألف وقد حلف دافع الألف إلى ما اشتريت فيجب رد الألف, وعلى عكسه لو قال: رهنته بألف فقال: بل بعتنيه حلف المالك ما بعت, وأما الراهن فباطل لأن المرتهن لا يدعيه ويجب رد الألف؛ لأن صاحب الألف يقول: أنا زعمت أنه لا دين لي عليك لكن بحكم إن اشتريت العبد بما دفعت فإذا حلفت أنك لم تبع فرد المال الذي أقررت بقبضه.
стр. 2504
مسألة:
قال:" ولو قال رجل لرجلين وهنتماني عبدكما هذا بمائةٍ وقبضته منكما".
الفصل:
إذا باع رجل من رجلين شيئًا بألف ردهم, ووجب على كل واحد منهما خمسمائة درهم, فادعى البائع عليهما أنهما رهناه عبدًا لهما بالألف الذي له عليهما. فإن صدقاه جميعًا كان رهنًا, فإن أحدهما حصته خرج نصف العبد من الرهن.
وقال أبو حنيفة: لا يخرج من الرهن شيء, وهذا غلط؛ لأن رهن رجلين من رجل بمنزلة الصفقتين. وإن صدقه أحدهما وكذبه الآخر كان نصيب المصدق رهنًا ويكون القول قول المكذب مع يمينه, فإذا حلف لم يكن نصيبه رهنًا.
فإن كان المصدق عدلاً للمرتهن على شريكه فتقبل شهادته ويحلف المرتهن معه, واستحق رهن نصيبه لأن لا يجر بشهادته منفعة ولا يدفع عن نفسه بها مضرة, فلم يكن فيها [ق ٢٦٢ ب] معنى يوجب ردها, وإنما قلنا: يجكم في الرهن بالشاهد واليمين؛ لأن المقصود من الرهن المال ويثبت بالشاهد واليمين ما يكون المقصود منه المال, ولو قال كل واحد منهما: أنا لم أرهن نصيبي وإنما رهن صاحبي نصيبه عندك فالقول قول كل واحد منهما مع يمينه, وإن شهد كل واحد منهما على صاحبه للمرتهن وهو عدل فقد حصل شاهد واحد على كل واحد منهما فيخلف معه ويحكم له برهن جميع العبد, فإن قيل: كان يجب أن تقبلوا شهادة الذي شهد أولاً دون الذي شهد ثانيًا كما قال الشافعي في شاهدين شهدا على رجلين بقتل رجل وشهد المشهود عليهما على الشاهدين بالقتل تقبل شهادة الأولين فقط, قلنا: الفرق أن هناك الآخران واقعان عن أنفسهما فلم تقبل شهادتهما وههنا ليس واحد من هذين دافع عن نفسه بشهادته شيئًا بشهادته فقبلناها.
قال أبو حامد: هكذا قال أصحابنا ولكنه سهو عندي, والذي يجيء على المذهب أنه لا تقبل شهادتهما؛ لأن المرتهن معترف أن كل واحد منهما جحد حقًا ومنع حقًا وكذب في إنكاره, ومن كذب المشهود له شاهده لا تقبل شهادته.
قال أصحابنا: هذا لا يصح, لأن التخاصم لا يثبت فسق أحد المتخاصمين لجواز أن يلحق أحدهما بشبهته فيما يدعيه وينكره, ولهذا لو تداعا رجلان حقًا وتخاصما فيه [ق ٢٦٣ أ] ثم شهدا عند الحاكم بشيء آخر لم ترد بذلك شهادتهما, وإن كان أحدهما لابد ظالمًا فلم تكن الدعوى عنه جرحًا فيه ولا عداوة؛ لأنه يشهد لخصمه لا عليه.
فرع
لو ادعى رجلان على رجل أنه رهنهما عبده بألف فأقر لأحدهما بالنصف وأنكر الآخر فشهد المقر له على المقر لصاحبه بما يدعيه.
стр. 2505
قال بعض أصحابنا بخراسان: لا تقبل شهادته نص عليه الشافعي وهو اختيار القفال, قال أصحابنا: هذا إذا ملكا ذلك الرهن ميراثًا لهما فلا يثبت الرهن في جزء إلا وكان بينهما, فأما إذا ملكاه بالشراء فتقبل شهادته لشريكه؛ لأن أحد الشريكين في الدار لو شهد في الثاني لمدعي على المدعي عليه قبل, ولو صدقهما يصير رهنًا منهما. فعلى هذا لو قضى دين أحدهما ينفك نصف الرهن.
وقال أبو حنيفة: لا ينفك فإذا انفك نصفه, ثم أراد أن يتصرف في النصف الذي انفك عن الرهن نظر, فإن كان لا يحتمل القيمة هل ينقسم؟ قولان بناء على أنها بيع أو إفراز حق وفيه قولان.
فرع آخر
إذا كان لرجلين على رجلين ألف درهم فرهناهما داراً كانت هذه الصفقة كأربعة عقود, فإن عقد الواحد مع الاثنين كالعقدين, وعقد الاثنين مع اثنين عقود فيكون كل بيع من الدار ههنا بربع الألف, فإذا ادعيا عليهما أنكما رهنتما عندنا هذه الدار بألف نظر [ق ٢٦٣ ب] فإن كذا هما معًا فالقول قول الراهنين, وإن صدقاهما فالدار رهن عندهما معًا, وإن صدقه أحدهما صار نصف الدار عنده رهنًا بخمسمائة وإن صدقًا معًا أحدهما صار نصف الدار عنده رهنًا بخمسمائة عليهما, وإن صدق أحدهما واحدًا منهما صار ربع الدار رهنًا عنده بمائتين وخمسين, ولو صدق أحدهما أحد المدعيين وكذب الآخر وصدق الآخر الذي كذبه الأول, وكذب الذي صدقه الأول ثبت على كل واحد ربع الألف الذي أقر هو له ورهن ربع الدار منه وهو نصيب هذا, والذي ثبت الرهن فيه وهو نصف الدار وهو النصف من نصيب هذا, ونصيب ذلك. وبيان هذا أن المدعيين زيد وعمرو والمدعى عليهما خالد وبكر وصدق خالد زيدًا دون عمرو, وبكر صدق عمرًا زيد فإقرار خالد لزيد حصل بنصف الدار رهنًا بخمسمائة غير أن زيدًا ليس يدعي منه إلا النصف فالنصف الآخر لا يثبت, فكذا إقرار بكر لعمرو حصل بنصف الدار رهنًا بخمسمائة غير أنه ليس يدعي منه إلا النصف فالنصف الآخر لا يثبت.
قال ابن سريج: ما أتيت على هذه المسألة إلا احتجت إلى الفكر حتى أثبته على حاشية الكتاب.
مسألة:
قال: "وإن كان له رجلٍ ألفان إحداهما برهنٍ والأخرى بغير رهنٍ فقضاه ألفًا".
الفصل:
لو كان لرجل [ق ٢٦٤ أ] عر رجل ألفان أحدهما برهن والآخر بغير رهن فقضى
стр. 2506
ألفًا ثم اختلفا, فقال القاضي: قضيت الذي بالرهن, وقال المرتهن: بل قضيت أولف الذي بلا رهن ففيها ثلاث مسائل:
إحداها: أن يكون اختلافهما لفظ القاضي فقال المرتهن: أنت قلت حين القضاء هذا عن الذي بلا رهن, وقال الراهن: قلت في حال القضاء هذا عن الذي بالرهن فالقول قول القاضي مع يمينه؛ لأنه في الابتداء لو قال: أقضي الذي هو بالرهن لم يكن للمرتهن أن يمتنع منه, فإذا اختلفا بعد قضائه كان القول قوله مع يمينه, ولأنه هو الفاعل له فيرجع إليه في صفته كالمطلق يرجع إليه في مقدار الطلاق, ولأنه الألف ملكه فلا يزول ملكه عنه إلا على الصفة التي يدعيها, كما لو قال: بعتك عبدي بألف وقال: بل رهنته عندي فالقول قوله أنه ما اشتراه حتى لا يلزمه الألف.
والثانية: اتفقا على أنه ما نطق بشيء حين القضاء واختلفا في نيته فالقول قول القاضي لأنه أعلم بنيته.
والثالثة: اتفقا على أنه قضاه مطلقًا ولم يبين أحدهما في حال القضاء. قال أبو إسحاق: كان للقاضي أن يصرفه إلى أيهما شاء ولا يمين عليه في ذلك, كما لو طلق إحدى امرأتيه لا يعنيها له أن يجعله في أيهما شاء. وكذلك لو كان له مال حاضر ومال غائب فدفع الزكاة [ق ٢٦٤ ب] وأطلق له أن يعينها عن أحد المالين أيهما شاء, قال ابن أبي هريرة: تكون الألف عن الألفين نصفين؛ لأن كل واحد منهما مساوٍ للآخر في القضاء فلم ينصرف إلى أحدهما دون الآخر, ويفارق الزكاة لأنه لا مطالب بها فله الاختيار في الصرف إلى أيهما شاء, وههنا المرتهن مطالب بها, وأما الطلاق لا يمكن قسمته بين الزوجات بخلاف هذا والأول أصح, فإذا قلنا بقول ابن أبي هريرة: لو اتفقا بعد الدفع على أن تكون الألف قضاء من أحد الألفين فيه وجهان:
أحدهما: يجوز ذلك لأنه ما كان له قبل الدفع جاز بعد الدفع.
والثاني: وهو الأصح لا يجوز ذلك؛ لأن الإبراء قد حصل بالدفع فلا يجوز نقل دين بدين. وعلى ما ذكرنا قال أصحابنا: لو أقرض مشرك مشركًا بألفين فقضاه ألفًا, ثم أسلمنا فإن اتفقا على أنه دفع هذا عن الربح يقر عليه رأس المال, وإن اتفقا دفع رأس المال لم يبق عليه شيء لأنه ربح القرض يسقط بالإسلام. وإن اختلفا فالقول قول الدافع, فإن قال: لم يكن لي بينة له أن يصرف إلى أصل المال حتى لا يبقى عليه شيء على قياس قول أبي هريرة عليه نصف رأس المال وهو خمسمائة. وعلى هذا لو كان لرجلين على رجل ألف درهم فوكلا باستيفائه فدفع المديون خمسمائة [ق ٢٦٥ أ] إليه وقال: هي خاصة فلان فهي له كما قال وإن لم يقل ولم ينو نظر, فإن وكله الدافع ليكون وكيله في الإيصال إلى المستحق فله الخيار بعد ذلك, بل يقول: اصرفه إلى فلان. وكذلك لو كان عين أحدهما فله أن يصرف إلى الآخر, وإن كان لم يوكل لكن دفع إليه بحكم أنه وكيل المستحقين وأطلق, فعلى الوجهين:
стр. 2507
أحدهما: يكون بينهما تصفين.
والثاني: يكون له الخيار كما ذكرنا. ولو كانت المسألة بحالها وأبرأ المرتهن من أحد الألفين, ثم اختلفا فقال الراهن: أبرأتني من الألف الذي به الرهن وقال المرتهن: لا من الألف الذي لا رهن به فالقول قول المرتهن ههنا, لأنه هو الفاعل للإبراء سواء قال: تلفظت به, أو قال: نويت, كما كان قول القاضي في المسألة قبلها. وإن أطلق فعلى الوجهين كما ذكرنا, ولو كان المالان مختلفين ألف والآخر تسعمائة والمدفوع ألف.
قال بعض أصحابنا على ما قال ابن أبي هريرة: يقع من كل واحد منهما خمسمائة ويحتمل أنه على قدر المالين عند تفاوتهما, فإن قال قائل: أصل الشافعي أن الخصمين إذا تداعيا واختلفا فادعى أحدهما على صاحب نية وضمير إلا ملفوظًا وأنكر الخصم ذلك, فالقول قول المنكر ولا يمين عليه, فكيف اشترط الشافعي اليمين في هذه المسألة؟ قلنا: [ق ٢٦٥ ب] الشافعي صور المسألة في لفظ اختلفا فيه لا في النية اختلفا فيه لا في نية اختلفا فيها, فأما إذا تنازعا في النية فالقول قله ولا يمين عليه وهكذا ذكره الشيخ أبو محمد الجويني.
وقال القاضي الطبري وجماعة: يلزمه اليمين في النية أيضًا؛ لأنه وإن كان الكلام في النية وأقر بأني نويت كما زعمت لزمه الإقرار, وإن لم يقبل الرهن فلابد من اليمين, ولكن لو قال القابض: ما نويت ولكن أنا نويت أن يكون من المال الذي لا رهن به فههنا لا يمين على الدافع لأنه لابد عن القابض عليه شيئًا, والقول قول الدافع بلا يمين لأن الحكم لنيته لا لنية القابض.
مسألة:
قال: "ولو قال رهنته هذه الدار التي يديه بألفٍ ولم أدفعها إليه فغصبنيها".
الفصل
لو ادعى الراهن على المرتهن فقال: رهنته هذه الدار التي في يد المرتهن ولم أسلمها إليه ولكنه غصبنيها, وأنكر المرتهن الغصب فالقول الراهن في عدم التسليم؛ لأن الأصل عدمه. وكذلك لو قال: الراهن: رهنتها إياه ثم تكارها مني رجل فأنزلها المرتهن فالقول قول الراهن أيضًا. وهكذا لو قال الراهن: تكارها هو بنفسه فنزلها وما سلمتها إليه تسليم الرهن, فالقول قول الراهن أيضًا للعلة السابقة.
واعلم أن الشافعي أطلق قوله في هذه [ق ٢٦٦ أ] المسائل وجعل القول في جميعها قول الراهن مع يمينه, ومعلوم أن الرجل إذا أنكر غصبًا يدعي عليه فالقول قوله مع يمينه أنه غير غاصب. ومراد الشافعي في هذه المسائل أن القول قول الراهن في تسليم الرهن في جميع ما يدعيه. وأما إذا ادعى الراهن على المرتهن توابع الغصب وعهدته فالقول قول
стр. 2508
المرتهن ما غصبتها؛ لأن الأصل عدم الغصب وبراءة الذمة كما جعل كما جعل القول في التسليم قول الراهن؛ لأن الأصل عدم التسليم وكذلك البائع إذا قال: لم أقبض فحق الحبس له فيه باق فالقول قوله وكذا الواهب.
قال القفال: ولو شاهدنا أنه بعد عقد الرهن سلم العين إلى المرتهن ولم يقل خذه رهنًا ثم ادعى أنه أودعه إياها على جهة أخرى فالقول قوله مع يمينه أيضًا, وقال جماعة أصحابنا: في هذا نظر ويحتمل أن يقال: إذا أطلق القبض يقع عن قبض الرهن وكذلك في البيع يصير مسلمًا للبيع.
فرع
لو كان عبدان في يديه لرجلين فقال لسيدهما رهنتهما عندي بألف, فقال السيد: إنما رهنت أحدهما عندك بغير عينه لم يكن واحد منهما رهنًا, وكان الألف عليه بإقراره بلا رهن؛ لأنه لا يجوز في الأصول أن يقول: رهنتك أحد هذين العبدين نص عليه في "الأم" [ق ٢٦٦ ب].
فرع آخر
لو كان في يديه عبد فقال لسيده: رهنته عندي بألف دينار, وقال السيد: لا بل بألف درهم فالقول قول السيد سواء قال العبد: صدق المرتهن أولاً لأنه لا يقبل قول العبد فيه.
فرع آخر
لو قال: رهنتك داري بألف وقبض الدار ولم أقبض الألف منك, وقال المرتهن: بل قبضت الألف فالقول قول الراهن لأنه لم يقر بأن عليه ألفًا, فإذا حلف لا شيء عليه والدار خارجة من الرهن.
فرع آخر
لو كان لرجل عند رجل ألف فقال من عليه الحق: رهنتك عبدي هذا وقال المرتهن: بل رهنته عندي وعند زيد بألفين ألف لي وألف له قبلك فالقول قول الراهن.
قال الشافعي: ويكون العبد رهنًا عند هذا المرتهن, قال الشيخ أبو حامد: وهذا لا يجيء على مذهبه بل نصفه يكون رهنًا عند هذا ونصفه خارج من الرهن؛ لأنه إذا أقر أنه رهنه عندهما بألفين كان نصفه رهنًا عنده ونصفه رهنًا عند الآخر, لأن عقد الواحد مع الاثنين كالعقدين المنفردين, وقول المنفردين, وقول الشافعي"كان رهنًا عنده أراد كان قدر حقه منه رهنًا
стр. 2509
بألف, فإن قال: رهنتكه بالألف الذي قبلي, فقال المرتهن: صدقت والألف الذي أقررت به لي نصفه لزيد قبل قول المرتهن في الدين ويكون الراهن على ما اعترف المرتهن به [ق ٢٦٧ أ].
[ق ٢٦٧ أ] باب الزيادة في الرهن وما يحدث فيه
قال: روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "والرهن محلوب ومركوب".
إذا رهن رهنًا كان نماؤه ومنافعه من نتاج ولبن وولد وثمرة شجر وركوب ملكًا للراهن لا حق للمرتهن فيه, وبه قال مالك, وأحمد, وروى الخرقي عن أحمد عن أحمد أنه أراد أنه اعتق المرتهن على الرهن كان له الانتفاع بقدر ما أنفق, وإن لم يأذن الراهن له في النفقة, وروى صاحب "الحاوي" عن أحمد أن جميع نماء الرهن ومنافعه ملك للمرتهن دون الراهن ينفق على الرهن فالنماء والمنافع له, وإن كان المرتهن المنفق فكله له, وبه قال قوم من أهل المدينة.
وروي عن أحمد, وإسحاق أنهما قالا: للمرتهن أن يشرب من لبنها. وقال أبو حنيفة: المنافع تعطل فلا ينتفع به الراهن ولا المرتهن والنماء والنماء المتميز منه مرهون كالأصل. وهذا غلط لما روى أبو هريرة رضي الله أن النبي ﷺ قال: "الرهن محلوب ومركوب, وعلى الذي يحلبه ويركبه نفقته" ومعلوم أن نفقة الرهن على راهنه فكذلك له كربه. ودره أيضًا. قال الشافعي: أصل المعرفة [ق ٢٦٧ ب] بهذا الباب أن للمرتهن حقًا في رقبة الرهن دون غير. ومما يحدث مما يتميز عنه غيره, ومعناه أن وثيقته متعلقة بالرقبة لا بزوائده, فإذا حدث زيادة ممتازة فهو غير الرهن ولاحق له فيما هو غير الرهن.
وأما الفوائد التي هي غير متميزة كالسمن والكبر تكون رهنًا مع الأصل لأنه لا سبيل إلى تمييزها. وحكي عن مالك أنه قال: ما كان من جنس الرهن كالولد يدخل في الرهن وما لم يكن من جنسه كالثمار لا يدخل في الرهن. وهذا غلط لأن كل واحد منهما نماء متميز لا فرق بينهما.
فرع
الصوت الحادث بعد عقد الرهن للراهن يستوفيه وينتفع به, وأما الصوف الذي كان
стр. 2510
موجودًا وقت الرهن, قال الشافعي: لا يدخل في الرهن وكذلك اللبن الموجود وقت العقد, وقد ذكرنا هذا فيما تقدم. قال الربيع: وفيه قول آخر يدخل كلاهما في الرهن وإنما لا يدخل ما يحدث من بعد. فعلى هذا إن احتاج إلى جزه جزه الراهن ويضع رهنًا مع الشاة واللبن المتسارع إليه الفساد, فيبيع ذلك اللبن الموجود عند العقد ويضع ثمنه رهنًا مع الشاة, وهذا اختيار بعض أصحابنا بخراسان. واختلف أصحابنا في هذا فمنهم من قال: فيهما قولان, وقيل: هذان القولان مبنيان على أنه إذا رهن [ق ٢٦٨ أ] أرضًا وفيها غراس هل يدخل الغراس في الرهن؟ قولان.
وقال بعض أصحابنا: قولاً واحدًا, لا يدخلان فيه, وما ذكره من كيسه؛ لأن الصوب واللبن نماء متميز فلا يدخل في العقد وإن كان موجودًا وقت العقد كالولد. وقال ابن أبي هريرة: يدخل الصوف دون اللبن؛ لأن الصوف متصل يستبقي بخلاف اللبن.
فرع آخر
قال أصحابنا: كل شجرة يقصد ورقها كالآس والورد والتوت أو يقصد غصنها كالخلاف فحكمها حكم الصوف واللبن لا يدخل في الرهن على ما نص عليه الشافعي في الصوف واللبن.
فرع آخر
لو أتت المرهونة بولد من زنا أو زوج أو ولدت البهيمة, وقد ذكرنا أن ذلك الولد لا يدخل في الرهن ويكون الولد في يده أمانة وهل له استدامة إمساكه بغير إذن الراهن؟ قال أصحابنا: في ولد الوديعة يكون أمانة وهل له إمساكه بغير إذن المودع؟ وجهان وكذلك ههنا. ثم اعلم أن الشافعي لما تكلم ههنا في ولد المرهونة. ذكر بعض أصحابنا في هذا الموضع حكم الأولاد ما يتبع أمه منها وما لا يتبع فقال: أما ولد المبيعة إن حدث بعد البيع يكون ملكًا للمشتري من حيث إن الأم ملكه, وإن كان موجودًا عند البيع دخل في البيع قولاً واحدًا, وهل يأخذ قسطًا من [ق ٢٦٨ ب] الثمن؟ قد ذكرنا قولين. ولا يجوز للبائع حبسه لاستيفاء الثمن بل يلزمه تسليمه إلى المشتري على ما ذكرناه من قبل, وأما ولد المقبوضة سومًا مضمون كالأم سواء قولاً واحدًا وأما ولد العارية هل يضمنون؟ وجهان:
أحدهما: مضمون كولد المغصوبة.
والثاني: لا يكون مضمونًا, ثم في أحد الوجهين يلزمه رده إلى صاحبه ولا يجوز له حبسه مع قدرته على رده في الوجه الثاني لا يلزمه رده حتى يطالبه صاحبه كما قلنا في ولد
стр. 2511
الوديعة في أحد الوجهين, وأما ولدت قبل موت الموصي لا يدخل في الوصية, وإن ولدت بعد موت الموصي وقبول الوصية فهو للموصي له, وإن ولدت قبل قبوله فهو مبني على القولين فإن قلنا: يملك بالقبول فهو للوراثة, وإن قلنا: مراعى فإن قيل كان له وإن رد كان للورثة, وأما ولد الوديعة فالصحيح أنه لا يكون وديعة لأنه لم يوجد منه قبول في استحفاظه, وقد حصل في يده, من غير اختيار صاحبه فهو في معنى الثوب تلقيه الريح في داره لا يجوز له إمساكه مع القدرة على رده؛ فإن أمكنه رده فأمسكه مع القدرة على رده فعليه ضمانه, وفيه وجه آخر يكون وديعة كالأصل, وأما ولد الأضحية يدخل في حكمها قولاً واحدًا, وأما ولد المكاتبة فيه قولان:
أحدهما: [ق ٢٦٩ أ] مملوك للسيد يتصرف فيه.
والثاني: موقوف يعتق بعتقها, ولا نقول على هذا القول إنه داخل في عقد الكتابة ويكون مكاتبًا كالأم, بل يكون موقوفًا مع الأم لا يجوز للسيد التصرف فيه, فإن أردت مال الكتابة عتقت وعتق الولد تبعًا, وإن عجزت وفسخت الكتابة عادت رقيقة كما كانت والولد يصير رقيقًا له يتصرف فيه كيف يشاء, وفي ولد المدبرة قولان, وفي ولد المعتقة بصفة قولان:
أحدهما: هو لسيدها.
والثاني: يتبع الأم في الصفة وفي واد أم الولد لا خلاف أنه يتبعها في حرمة الولادة يعتق بموت الأم.
مسألة:
قال: "وكذلك سكنى الدار وزرع الأرض".
الفصل:
قد ذكرنا أنه لا يجوز للراهن الانتفاع بالمرهون ومنافعه له, والآن نتكلم على التفصيل, فإذا رهن دارًا فسكناها الراهن, فإن أراد أن يكريها كان له ذلك ولا يجوز أن يزيد مدة الإجارة على محل الحق سواء قلنا بيع المؤاجر لا يجوز أو قلنا يجوز؛ لأنا وإن جوزنا فالإجارة تنقص الثمن فيكون ضررًا على المرتهن, ولو كان الرهن إلى سنة فأجر أكثر من سنة فيه قولان بناء على جواز بيع المؤاجر.
فإذا قلنا: لا يجوز فهي باطلة فيما زاد على السنة وفي السنة قولان بناء على تفريق الصفقة, وإذا قلنا: يجوز صحت الإجارة [ق ٢٦٩ ب] ثم ينظر, فإن لم يكن يوكس في ثمن الرهن فهي لازمة في جميع مدتها وليس للمرتهن الاعتراض فيها, وإن كانت توكس بطلت فيما زاد على السنة, وهل يعطل في السنة؟ قولان لأن ما فعله الراهن مما يوكس في ثمن المرهون مردود كتزويج الأمة سواء رضي بذلك المرتهن فيما بعد أم لا, وإن أراد
стр. 2512
إعادتها فله ذلك قولاً واحدًا, وإن أراد أن يسكنها بنفسه أو كان عبدًا فأراد أن يستخدمه بنفسه, قد ذكرنا فيه طريقين, ومن أصحابنا من قال: ليس للراهن استخدام العبد بنفسه إذا لم يكن ثقة قولاً واحدًا بخلاف سكنى الدار على أحد القولين لأنه يقدر على إخفاء العبد دون الدار, وإذا جوزنا ذلك فالحكم في الدار والعبد سواء في فصل واحد وهو أن العبد يكون عند من يستخدمه نهارًا ويأوي بالليل إلى من يمسكه رهن, والبهيمة كالعبد سواء بعد أن يركبها أو يكريها بحيث لا يزول سلطان المرتهن عنها في جوف البلد ونحوه, ولا يجوز له إخراجها من البلد إلا بإذن المرتهن, وأما رهن الأمة فكالعبد سواء إلا في فصلين:
أحدهما: لا يكون إلا عند امرأة ثقة جاز تركها في يده باتفاقهما, فإذا كانت عنده امرأة ثقة يمنعه ذلك من الخلوة بها, فإن لم يكن عنده امرأة ثقة أو لم يكن عند العدل [ق ٢٧٠ أ] ذلك لا يجوز وضعها على يده لأنه يحصل بها الخلوة, وإذا اتفقا على ذلك لا يجوز أيضًا, ولا فرق بين أن تكون جميلة أو لا, ولو رهن جارية ولم يشرط في عقد الرهن من تكون عنده الجارية.
قال بعض أصحابنا: يجوز وجهًا واحدًا وفيما عدا الجارية وجهان, والفرق أن ما عداها يجوز أن يكون عقد المرتهن ويجوز أن يكون عند غيره, والجارية لا يجوز إلا أن تكون ثقة من النساء أو عند من عنده امرأة فلا يضر ترك الشرط وحمل مطلق العقد على وضعها في يد امرأة ثقة.
والثاني: أنه إذا أراد السيد أن يستخدمها نظر, فإن كانت لها صنعة أراد استعمالها في الصنعة في بيت المرأة الموضوعة على يدها جاز, وإن أراد أن يستخدمها في بيته, ثم ترد إلى المرأة الثقة التي وضعت على يدها نظر, فإن كانت بكرًا لم تدفع إليه؛ لأنا لا نأمل من أن يطأها فيذهب بكارتها فيكون ذلك نقصان في ثمنها, وإن كانت ثيبًا, فإن كانت ممن تحبل فكذلك لا يجوز له أن يخلو بها؛ لأنا لا نأمن أن يطأها فيحبلها فيؤدي إلى نقصان ثمنها وتلفها, وإن كانت ممن لا تحبل لصغرها أو كبرها, فإن قلنا: يجوز وطئها يجوز أن يخلو بها ويستخدمها, وإن قلنا: لا يجوز ذلك لا يجوز هذا مخافة الوطء ولا يجوز له تزويجها لأنه [ق ٢٧٠ ب] ينقص من ثمنها خلافًا لأبي حنيفة, ويجوز له أن يكريها امرأة ثقة تخدمها, وكذلك لا يجوز له تزويج العبد المرهون؛ لأن فيه ضررًا, وإن كان ثوبًا لم يكن له لبسه لأنه يضر به ويترك في يد المرتهن ليلاً ونهارًا. وكذلك ما ينتفع به مع بقاء عينه كالحنطة ونحوها تترك في يد المرتهن, وإن كان الرهن أرضًا بيضاء فمنافعها للراهن, فإن أراد البناء والغراس لم يكن له, وإن خالف وفعل فقد أساء, ولا يقلع حتى يعلم ما يكون عند محل الحق على ما بيناه, ولو قال: اقلعه وانقضه إذا حل الحق لا يمنع منه إلا أن تنقص قيمته بذلك فيمنع, قال الشافعي: ولو أراد الراهن أن
стр. 2513
يحدث فيها عينًا أو يحفر بئرًا, فإن كانا يزيدان ولا ينقصان لا يمنع, وإن كانا ينقصان يمنع ولو أراد أن يزرعها نظر, فإن كان زرعًا يضر بالأرض منع منه, فإن زرع لم يقلع لجواز أن يقضي الحق, وإذا حل الحق والزرع باق في الأرض فالحكم فيه كالحكم إذا رهن أرضًا, ثم غرسها على ما ذكرنا, وإن أراد أن يزرعها لا يضر بها فله ذلك إذا كان مما يحصد قبل محل الحق, وإذا كان الزرع فيما يتأخر, قال الشافعي: "ليس له ذلك" قال الربيع: فيه قول آخر إن له ذلك لإمكان قلعه إذا حل الحق ولم يحصده, قال بعض أصحابنا: فيه قولان, فإن قلنا: [ق ٢٧١ أ] لا يجوز يمنع, وإن قلنا: يجوز بيعها دون الزرع لا يمنع, ثم إذا زرع, وحل الحق فإن قضاه الحق ترك زرعه, وإن لم يقضه بيعت الأرض, فإن كان بيعها مع بقاء الزرع فيها وفاء لم يقلع وبيعت من مون الزرع, وإن لم يكن وفاء أخذ بقلعه إلا أن يجد من يشتريها منه بحقه على أنه يقلع الزرع ثم يقر المشتري الزرع في أرضه إن شاء متطوعًا, وإن كان بهيمة فأراد جز صوفها, ينبغي أن يجز في وقت لا يضر بالماشية ويستبقي ما يكون حفظًا. ولو رهنه نخلاً كان للراهن تأثيرها وتصريف جريتها وما يتساقط خارج من الرهن كالجريد والليف والعراجين؛ لأن كل هذا كالنماء الذي لا يتميز, وإن قيل: هذه الأشياء كانت حال العقد ولم تحدث بعد الرهن قيل: ما حدث منها قام مقامها وصار بمنزلة المنفعة خارجًا عن الأصول فكان للراهن, وإن كانت النخيل مزدحمة فأراد الراهن نقلها وتحويلها من ذلك المكان إلى مكان آخر من الأرض التي هي رهن معها لم يكن له سواء قبل التحويل أو لم يقبل. ولو أراد تحويل البعض ليزول الازدحام وكان فيه نفع لما يبقى يجوز ذلك له, والفرق أن في تحويل البعض مصلحة متيقنة بخلاف تحويل الكل حتى لو تيقنا هناك أنه أحمد للعاقبة وثبتت [ق ٢٧١ ب] حقيقته له ذلك في غير أرض الرهن لا يجوز بحال, فإن ثبت الذي حوله فلا كلام وإن لم يثبت فهو جذع مرهون مع الأصل لو كان قائمًا كالجذوع أو الجمار والقلوب فهو رهن معها, وكلما كان قائمًا كالليف والكرانيف لم يكن رهنًا فكذلك إذا قطع لم يكن رهنًا, فكذلك إذا قطع لم يكن رهنًا, وكذلك التفت نخلة وقالوا: إن حولت إلى محل آخر من الأرض المرهونة انغرست للراهن ذلك, وإن قيل: لا تنغرس أو أراد نقلها إلى أرض غير مرهونة ليس له ذلك إلا برضي المرتهن.
مسألة:
قال: "وعليه مؤنة رهونه".
إذا كان الرهن عبد أو أمة أو بهيمة فالنفقة من الطعام والشراب والعلب ونحوها على الراهن, قال ﷺ : "له غنمه وعليه غرمه".
стр. 2514
وروى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لبن الدر يحلب بنفقته إذا كان مرهونًا, والظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونًا, وعلى الذي يركب ويحلب النفقة". وروى نحو قلنا عن الشعبي, وابن سيرين, فإن قيل: أليس قلتم في الأمة المزوجة نفقتها على زوجها وملكها ومنفعتها للسيد فناقضتم الاستماع للزوج, وإذا سلمنا إلى الزوج .... معه فعلى [ذلك فإن] الاستماع من منفعتها تبطل على سيدها فلهذا أوجب النفقة على زوجها, ولو مرض المرهون واحتاج إلى الدواء وجب على الراهن ذلك.
وقال أبو حنيفة: نفقة المطعم والمشرب على الراهن ونفقة المراعاة والحفظ على المرتهن, ونفقة الدواء [ق ٢٧٢ أ] معتبرة بقيمة الرهن, فإن كانت بقدر الحق أو الحق أو أقل فهو للمرتهن, وإن كانت قيمة الرهن أكثر من الحق فهي على الراهن والمرتهن بالقسط, مثاله أن يكون الحق بقيمة نصف الرهن فالنفقة بينهما نصفان وهكذا قال في أجرة راد الآبق من الإباق, وهذا مبني على أصله أن يد المرتهن يد ضمان, وهذا غلط للخبر الذي ذكرنا, ولأنه من مؤنة الرهن فكان على الراهن كالنفقة.
فرع
لو امتنع الراهن من علاجه لا يجبر عليه لأنه قد يبرأ بغير علاج, وإن احتاج إلى فصد أو حجامة فللراهن ذلك لأنها غير مخوفةٍ في العادة. وروي أن النبي ﷺ أرخص لأبي كعب ﵁ في الفصد. وقيل: الفصد أخوف من الحجامة ولكن من العادة كلاهما غير مخوف, وقد قال ﷺ : "قطع العروق مسقمة" والحجامة خير منه, فإن لم يكن حاجة يمنع من الفصد ولا يمنع من الحجامة لاستبقاء الصحة.
فرع آخر
لو قال المرتهن: أنا أتولى المعالجة بعد امتناع الراهن عنها, فإن قال بشرط أن على الراهن ما أنفقه لم يكن له, وإنه قال: أتطوع به فإن كان فيه مصالحة ولا يخشى منه التلف لا يمنع منه.
فرع آخر
لو مات فكفنه وتجهيزه على الراهن؛ لأن المؤن بعد الموت يجب على من تجب النفقة في حياته.
مسألة:
قال: "والفرق بين الأمة تعتق أو تباع ولدها وبين [ق ٢٧٢ ب] الرهن أنه
стр. 2515
إذا أعتق أو باع زال ملكه, وحدث الولد في غير ملكه, وإذا رهن فلم يزل ملكه وحدث الولد في ملكه".
الفصل:
قصد به الرد على أبو حنيفة حيث قال: ولد المرهون يدخل في العتق: ففرق الشافعي بينهما بما ذكر, وهو فرق صحيح وقاس على ولد المؤاجرة لا يتبعها في الضمان.
مسألة:
قال: "وأكره رهن الأمة إلا أن توضع عبى يدي امرأة تقةٍ".
الفصل:
رهن الإماء في الجملة لما يخشى عليها لما يخشى عليها إلا أن يوضع على يدي امرأة ثقة فيؤمن ما يخشى عليها, وهذا لقوله ﷺ : لا يخلون رجل بامرأة فإن الشيطان ثالثهما" فإن خالف وشرط أن تكون عند المرتهن فالشرط باطل على ما ذكرنا, ولكن لا يبطل الرهن لأنه لا يعود إلى ضرر في حق أحد المتعاقدين.
مسألة:
قال: "ولو كان الرهن ماشيةً فأراد الراهن أن ينزي عليها".
الفصل:
إذا رهن ماشية فحولة, ثم أراد أن ينزيها على إناث ليست بمرهونة كان له؛ لأن ذلك نماء الفحولة, وإن كانت الماشية المرهونة إناثًا فأراد أن ينزي عليها فحولة ..... وإن قلنا للحمل حكم ولا يباع حتى تضع نظر, فإن كان الوضع يتقدن على حلول الحق كان له ذلك, وإن كان يتأخر فليس له ذلك, لأنه يمنع المرتهن من بيعها, فإن خالف فأنزي عليها فحملت فإنها لا تباع حتى تضع, ثم تباع الأم مع الولد فيعطى المرتهن قيمة [ق ٢٧٣ أ] الأم حائلاً كما قلنا في الأرض إذا رهنها بيضاء فعرس فيها نخيلاً.
وقال بعض أصحابنا: هذا على قول من قال من أصحابنا إن الحمل في البهائم زيادة من كل وجه, فإذا قلنا: الحمل نقص في البهائم لأنه يهزل اللحم يجب أن لا يكون للراهن أن ينزي عليها بحالٍ إلا بإذن المرتهن, وإن كان ظهور الحمل بعد محل الحق
стр. 2516
يجوز أيضًا؛ لأنا لا ندري عند حلول الحق أنها حملت أن لا.
فرع
إذا أراد الراهن أن يرعى ماشيته لم يكن للمرتهن منعه من ذلك إلا أنها تأوي بالليل إلى يد الموضوعة على يده, وأما المرتهن أو العدل ولو أراد أحدهما أن ينتجع نظر, فإن الموضع مخصبًا لا حاجة بها إلى الانتجاع لم يجز نقل الماشية إلا برضاهما, وإن كان الموضع مجدبًا فأيهما أراد أن ينتجع كان له؛ لأن في مقامهما فيه إضرارًا بها, فإن كان المستنجع الراهن كان المرتهن بالخيار بين أن يسلمها إليه ويرضى بأمانته وبين أن يسلمها إلى ثقة غير الراهن, وإن انتجعا إلى جهة واحدة ترك الرهن في يد المرتهن كما كان, وإن انتجعا إلى جهتين مختلفتين, قال الشافعي: يكون في الجهة التي يكون الراهن فيها؛ لأن منافعه له ويكون على يد عدلٍ إن لم يرض المرتهن أن يكون في يد الراهن.
فرع آخر
لو رهن عبدًا ثم أراد أن يختنه, قال الشافعي: كان له وبيس للمرتهن [ق ٢٧٣ ب] منعه؛ لأن ذلك سنة وزيادة وليس فيه نقص وكذلك الجارية.
وقال في "الأم": لو رهن عبدًا أو أمة صغيرين لم يمنع أن يعذرهما لأن ذلك سنة فيهما. وأراد أنه ثابت بطريق السنة لا أنه غير واجب, ويحتمل أنه أراد سنه في هذا السن واجب على البالغ, وقال أصحابنا: هذا إذا كان يبرأ قبل محل الحق فيستكمل برؤه ويعود لونه, وإن كان لا يبرأ لا يجوز له أن يفعله بغير إذن المرتهن؛ لأن ذلك يغير اللون وينقص الثمن. وكذلك إذا كان الحق حالاً ليس له, وإذا جوزنا له ذلك فإنما يجوز في هواء معتدل لا حر شديد ولا برد مفرط؛ لأنه مخوف في الحر والبرد.
فرع آخر
لو أراد أن يقطع منه شيئًا مثل السلعة أو قطع الطرق للأكلة, فإن خشي من تركه التلف ويرجى من قطعة السلامة كان له قطعه ولم يكن للمرتهن منعه, وإن كان من تركه ومن قطعه التلف من يكن لواحد منهما قطعه, وإن اتفقا على قطعه جاز لهما, وإن كان لا يخشى من تركه ويخشى من قطعه ولكن الغالب السلامة فيه وجهان, وقال أبو إسحاق: ليس له ذلك, واختاره القاضي الطبري؛ لأنه الغالب فيه المنفعة والصلاح, فصار كالمتيقن صلاحه ومنفعته, وإن كان إذا قطعه يزيد في قيمته كالأصبع الزائدة التي إذا قطعها يزيد في قيمته ويخاف من قطعها التلف ولا يخاف من تركها الضرر لا يجوز لواحد منها قطعه [ق ٢٧٤ أ] لأنه تعريض للتلف من غير حاجة, فإن كان الغالب السلامة فعلى ما ذكرنا من الخلاف.
стр. 2517
فرع آخر
لو كان الرهن دابة فاحتاج إلى توديج أو تبزيغ أو تعريب, قال الشافعي: للراهن فعله وليس للمرتهن منعه منه والتوديج للدابة مثل الفصد للآدمي والودجان: عرقان غليظان عريضان عن يمين نقرة النحر ويساره والوريدان بجنب الودجين لا يجري فيهما الدم.
وأما التبزيغ: فهو فتح الرهصة وهو الماء يجتمع في الحافز. يقال: بزغ البيطار الرهصة وذلك من الشق, ولهذا يقال: بزغت الشمس إذا طلعت. وأما التعريب: أن يشرط البيطار إشعار الدابة شرًا خفيفًا لا يضر بالعصب ثم يعالجها والأشاعر فوق الحافر, وهذا كله جائز للراهن لأن فيها مصلحة لملكه من غير ضرر.
فرع آخر
لو جني على العبد المرهون, فأخذ الأرش حيوانًا له أن ينتفع به ويكون رهنًا, ولو أراد مصالحة الجاني من ....... على عرص لم يكن له إلا برضي المرتهن.
فرع آخر
لو كان الرهن ثمرة فاحتاجت إلى إصلاح وتسوية وسقي وجداد كان على الراهن كعلف الدابة, وأن تشميتها قال في "الأم": "عليه التشميس وقال في موضع آخر: ليس عليه ذلك وهما في حالين فالذي قال عليه ذلك إذا كان الحق مؤجلاً, والذي قال ليس عليه ذلك إذا كان الحق حالاً, ولو أراد أن يحمل على [ق ٢٧٤ ب] الدابة المرهونة ما يكدهما أو يكري الدار المرهونة من القصارين والحدادين ليس له ذلك لأنه يضر بالمرتهن.
باب رهن الرجلين الشيء الواحد من الرجل
والرجل يرهن الشيء الواحد من رجلين
مسألة:
قال: " وإذا رهناه عبدًا بمائةٍ وقبض المرتهن فجائز".
إذا كان بين رجلين عبد فرهناه بمائة درهم عند رجل له عليهما جاز الرهن كما يجوز البيع, ويحتاج إلى قبض وتسليم كما نقول في رهن الواحد, وكذلك لو راهناه على التعاقب صح الرهن بعد الرهن.
ووافقنا أبو حنيفة في المسألة الأولى, وخالفنا في الثانية؛ لأنه يمنع رهن المتاع ويقول في المسألة الأولى: ليس برهن مشاع, وإذا رهنا هكذا يكون بمنزلة عقدين؛ لأن في أحد طرفيه عاقدين, فإذا وفاه أحدهما دينه أو بريء منه أنفك نصيبه من الرهن, ثم
стр. 2518
ينظر, فإن كان مما ينقسم ويتساوى أجزاؤه كالحبوب وما يكال ويوزن يجبر شريكه على مقاسمته, وإن كان عبدًا أو مواشي لا يجاب إلى القسمة؛ لأنها أعيان مختلفة والقسمة فيها مناقلة الملك للمرتهن منعهما منه, وكذلك إذا كان حجرتان فأراد أن ينقسما على أن يتعين حق كل واحد منهما في حجرة منفردة فللمرتهن منعهما, فإن كان الرهن براحًا أجزاؤه متساوية في القيمة كان بمنزلة الحبوب, وإن كان دارًا فطالب أحدهما بالقسمة [ق ٢٧٥ أ] أجبر الآخر عليها إذا لم يكن رهنًا, وإن كان رهنً فيها وجهان:
أحدهما: لا يجبر لأن ثمن نصفهما مشاعًا أكثر من ثمن نصفها مقسومًا.
والثاني: يجبر ولا يعتبر رضي المرتهن؛ لأن هذا الضرر لا يتبين فيها, فإذا قيل: قيد الشافعي كلامه بقوله معًا فقال:
"إذا رهناه معًا عبدًا بمائةً".
فما فائدة هذا التقييد إذا كان يصح الرهن سواء رهناه معًا أو أحدهما بعد الآخر على التعاقب؟ قيل: إنما قيد هكذا ليوافق مسائل الباب ترجمة الباب؛ لأنه ترجم الباب برهن الرجلين الشيء الواحد من الرجل الواحد, وأيضًا فائدته التنبيه على موضع الإجماع لأنهما إذا رهناه معًا كانت مسألة إجماع, وإذا ترتب العقد إن كانت مسألة خلاف على ما ذكرنا.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن كان مما يقسم بالأجزاء فعلى قولين بناء على أن القسمة بيع أو إقرار حق, فإن قلنا بيع لا يجوز لأنه بيع المرهون بغير المرهون, فإن يبيع نصف هذا بنصف ذاك, وإن كان مما يقسم بالقيمة لا يجوز قولاً واحدًا [٣/ ١٥١] نص عليها لأنها بيع.
قال الشيخ أبو بكر الصيدلاني, ذكره القفال, والذي في حفظي عنه أنه متى ما لم يكون في القسمة رد شيء فهو على القولين, وإن احتاجت إلى رد شيء يكون بيعًا قولاً واحدًا, وقول الشافعي ههنا: كان الذي افتك نصفه أن يقاسم المرتهن بإذن شريكه على قولنا إنه إفراز حق [ق ٢٧٥ ب] غير أن الشافعي شرط إذن الشريك.
وقال بعض أصحابنا: لا يشترط ذلك بل هو استحباب لا يجبر عليها عند الامتناع, والصحيح أنه لابد من الإذن غير أنه إن امتنع من الإذن يرفعه إلى الحاكم حتى يجبر شريكه على القسمة والأصح ما ذكرنا فيما تقدم.
مسألة:
قال: " ولو رهنه من رجلين بمائةٍ وقبضاه فنصفه مرهون لكل واحدٍ منهما".
صورته: أن يكون لرجلين على رجلين ألف درهم لكل واحد منهما ألف فرهن عندهما شيئًا بألف فالرهن صحيح كالبيع وكان بمنزلة الصفقتين, فإن اتفقا على أن يكون
стр. 2519
في يد عدل فقبضه العدل صح قبضه لهما, وإن وكلا رجلاً بقبضه لهما صح, وإن وكل أحدهما صاحبه بقبضه صح قبضه لهما, ثم إذا صار مقبوضًا فقضى دين أحد المرتهنين وأبرأه منه خرج نصفه من الرهن لم ذكرنا, وعند أبي حنيفة: يجوز هذا الرهن ولكنه موهون عند كل واحد منهما بتمامه, وإذا قضى دين أحدهما لا ينفك منه شيء, وهذا خطأ لأنه يقول: على كل واحد منهما ضمان نصفه, فإن الرهن عنده مضمون فلو كان كما قال لكان على كل واحد منهما ضمان كله.
مسألة:
قال: "ولا يجوز أن يأذن رجل لرجلٍ في أن يرهن عبده إلا بشيءٍ معلومٍ".
الفصل:
قد ذكرنا هذه المسألة وهذا جواب على أن يجري مجرى الضمان, ثم إن لم يكن المرتهن عالمًا بأن العبد [ق ٢٧٦ أ] مستعار فله الخيار في فسخ البيع المشروط فيه هذا الرهن.
إذا قلنا إنه عارية واسترده ولا يبطل خياره بأن يأتي الراهن أو المعير بعبد آخر يجعله مكانه إلا أنه يقضي الدين في الحال فيبطل به الخيار, ولو حل الحق والراهن معسر فقال المرتهن: أنا أنظر ولا أطالب الراهن بحقي. قال له: إما أن تقبض حقك, وإما أن ترضى بدين لا رهن به وترد الرهن علي, كالمضمون عنه إذا مات والدين مؤجل فقد حل عليه بموته ولم يحل على الضامن, فإن لم يطالب صاحب الدين بحقه من ورثة الميت يقول: إما أن تطلب حقك فتأخذه , وإما أن تبريني من الضمان إذ لا آمن أن يحل الحق علي فيطالبني به وقد تلفت التركة فلا يمكنني الرجوع بشيء, ذكره أصحابنا بخراسان, وقال الشيخ أبو محمد الجويني في المنهاج: ولو طالب المستعير الراهن السيد المستعير بانفكاك ذلك الرهن كان له مطالبته به, لأن ذلك من توابع إذنه, قال: وهذا معنى قول الشافعي ههنا ثم أراد أخذه بافتكاكه وكان الحق حالاً كان له ذلك" ويحتمل غير هذا المعنى واللفظ مشكل والأولى به ما ذكرت. قال: وإذا طالب المعير بالانفكاك كان بالخيار بين أن يقضي ذلك الدين من مال نفسه وافتك عبده, ثم رجع بما قضى على المستعير, وبين أن يسلم العبد للبيع [ق ٢٧٦ ب] حتى يرقى للغريم حقه من ثمنه, ولو امتنع الغريم عن قبض الحق من مال العين له ذلك لأنه ليس بغريم له, ومن يتبرع بقضاء دين على رجل لم يجب على ري الدين قبوله ولا يقال له: إما أن تقبض أو تبرئ بخلاف المديون إذا أراد القضاء أجبر رب الدين على القبض أو الإبراء , وإذا امتنع من قبض الدين من سيد والراهن معسر بيع العبد, وإن كان حالاً لهذا السيد العبد الذي له الامتناع من ماله؛ لأن حق الرهن متعلق برقبته, والرقبة محل الضمان, وليست ذمة السيد محل
стр. 2520
الضمان, هذا معنى قوله:
"وإن لم يرد ذلك الغريم أسلم عبده".
أي لم يرد الغريم قبض الدين من المعير أسلم المعير عبده المرهون ليباع في الدين, وهذا في الإشكال كالأول. ويحتمل أن يقال: معنى قوله:
" وإن لم يرد ذلك الغريم أسلم عبده المرهون".
أي علم المرتهن في الانتماء أن ذلك العبد المرهون لم يكن ملك الراهن, وإنما كان مستعارًا ولم تطب نفسه بقبض حقه من ثمن ذلك الرهن أسلم العبد المرهون, أي فكه وطلب حقه من الرهن المستعير, والذي يؤيد الاحتمال أن الشافعي قال:
وتبع في ماله حتى يوفي الغريم حقه, وإن لم يرد ذلك الغريم أسلم عبده المرهون".
فظاهر هذا الكلام أن الغريم إن لم يرد بيع ذلك العبد بشبهه وكراهة في ثمنه رده على [ق ٢٧٧ أ] سيده وطلب حقه من محله, ويحتمل أن يكون معنى قوله:
ثم أراد أخذه بافتكاكه وكان الحق حالاً كان ذلك له".
أي أراد مرتهن العبد أخذ الراهن بالافتكاك وقضى الدين كان ذلك له إذا كان الدين حالاً, وإن لم يقبضه بيع في ماله أي بيع في دينه حتى يوفي الغريم حقه, ثم قال: "وإن لم يرد ذلك الغريم أسلم عبده المرهون".
إذا حل الحق ورضي مرتهن العبد بترك المطالبة وتأخير حقه فليرد العبد على سيده على ما ذكرنا من قبل, وهذا أولى عند جماعة أصحابنا بالعراق.
مسألة:
قال: "ولو رهن عبده من رجلين وأقر لكل واحدٍ منهما بقبضه".
إذا رهن عبده عند رجلين وأقر لكل واحد منهما بالرهن والقبض, فادعى كل واحد منهما أن رهنه وقبضه كان قبل صاحبه لا يخلو من أربعة أحوال:
إما أن يكون في يد الراهن, أو في يد العدل, أو في يد المرتهن, أو في يدهم فإن كان في يد الراهن فأقر به لأحدهما دفع الرهن إليه, فإن طلب الآخر يمينه هل يحلف أم لا؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يحلف لأن اليمين تعرض على الإنسان ليرتدع فيرجع عما قوله إلى الحق, وإن رجع ههنا عن أقواله لم يقبل منه فلم يكن لعرض اليمين عليه فائدة وهو الصحيح.
والثاني: يحلف لأنه ربما ينكل عن اليمين [ق ٢٧٧ ب] فترد اليمين عليه فيصير
стр. 2521
مساويًا لصاحبه, فإذا قلنا: يحلف فحلف فالمقر له أولى بالرهن, وإن نكل عن اليمين رددنا اليمين عليه, فإن نكل فالحكم على ما بيناه, وإن حلف فيه ثلاث أوجه:
أحدهما: الرهن ينفسخ لأنهما قد تساويا فحصل أحدهما اليمين بالنكول والرد وللآخر الإقرار, ولا نعلم أيهما الأول فانفسخ الرهن إذ لا يمكن أن يجعل كله مرهونًا عند كل واحد منهما.
والثاني: يكون بينهما نصفين لتساويهما فيه.
والثالث: يكون المقر له أولى بالرهن, ويجب على الراهن الآخر قيمة الرهن تكون رهنًا عنده بحقه قصاصًا منه؛ لأن رد اليمين بعد النكول بمنزلة الإقرار, كما لو أقر للثاني ههنا بعدما أقر للأول, وكما لو رهنه ثم أقر أنه كان قد جني على رجل ادعاها المجني عليه لم يقبل قوله وألزماه قيمته له في أحد القولين, وكذلك في مسألة الغصب إذا قال: غصبت هذه الدار من فلان لا بل من فلان, وفيه قول مخرجٍ أنه لا يغرم للثاني شيئًا, وكذلك لو أقر لواحد, ثم أقر للثاني لا يقبل ولا يغرم الثاني شيئًا وهو الصحيح, لأنه أقر للثاني بما لزمه ويجوز أن يخفي عليه في الأول ولم يتلف مالاً فلا يلزمه الغرم, وإن كان الرهن في يد العدل فهو بمنزلة ما لو كان في يد الراهن لا فرق بينهما [ق ٢٧٨ أ] وإن كان الرهن في يد أحد المرتهنين فإن أقر به للذي هو في يده فإنه أولى به لأنه قد اجتمع إليه وإقرار الراهن وهل يحلف الراهن للآخر قولان على ما ذكرنا, وإن أقر للذي في يده فيه قولان:
أحدهما: إقرار الراهن أولى من اليد فينزع من يد من هو في يده ويسلم إلى الآخر؛ لأن اليد في الرهن لا تفيد شيئًا, فإن يد المرتهن يد الراهن فلا تقوى بيده دعواه, ولأن تحت قوله: إن الآخر هو الذي رهنته وأقبضته, أو لأن الذي في يد الراهن غاصب للرهن, وأن قبضه ليس بصحيح, ولو اختلفا فقال الراهن: غصبتنيه, وقال المرتهن: بل قبضه منك كان القول قول الراهن, وإن لم يكن لهذه حكم فدل على ما قلناه.
والثاني: أن صاحب اليد أولى, كما إذا باع رجلين وسلمه إلى كل واحد منهما والمبيع في يد أحدهما فأقر به لمن ليس في يده, فإن صاحب اليد أولى من المقر له والأول أصح.
قال المزني: أولاً أصح القولين أن المصدق أولى من صاحب اليد لأنه حق من الحقوق اجتمع فيه إقرار المرتهن ورب الرهن.
وأراد دعوى المرتهن وإقرار الراهن فاستجاز تسمية الدعوى إقرارًا وليس بالعبارة المستحسنة, ثم اختار الثاني وهو أن الرهن عند [ق ٢٧٨ ب] من هو في يده؛ لأن الراهن قد أقر له بالقبض كما لو أقر لصاحبه وله فضل يد على صاحبه فلا يقبل عليه دعوى الراهن من بعد, ثم قال:
إلا أن يقر الذي في يديه أن كل واحدٍ منهما قد قبضه فيعلم بذلك أن قبض صاحبه قبله".
стр. 2522
ومعناه: أن الذي في يده الرهن من هذين الخصمين المتداعمين إن أقر بأن كل واحد منهما قد قبضه أبطل بهذا الإقرار دعواه ولزمه دفع الرهن إلى صاحبه ليكون رهنًا عنده, وذلك أن الرهن إذا كان الآن في يده وهو مقر أن صاحبه قد قبض استقينا أن قبض صاحبه قبل قبضه والمتقدم من القبضين هو الصحيح والمتأخر منهما غصب, قال أصحابنا: الذي رجع عنه المزني أصح لما بينا أن يد المرتهن لا تفيد شيئًا, وإن كان الرهن في أيديهم جميعًا, فإن نصف الرهن يكون للمقر له أولى به, لأنه قد اجتمع له في يده وإقرار الراهن, وهل حلف الراهن للآخر؟ قولان على ما ذكرنا. والصحيح أنه لا يحلف على ما ذكرنا, وفي النصف الآخر الذي صاحبه قد حصل له إقراره وحصل لصاحبه به فهل يكون الإقرار أولى أم اليد؟ قولان على ما بيناه فيكون الحكم في هذا القسم مرتبًا على ما ذكرنا قبله.
ومن أصحابنا من قال: نص الشافعي ههنا أن القول قول الراهن في جميع العبد [ق ٢٧٩ أ] وقال ابن أبي هريرة في النصف الذي في يد المرتهن الآخر على قولين, وهذا لا يصح لأنهما استويا في اليد وفضل أحدهما بالإقرار فكان الحكم له وهذه الطريقة أصح.
وقال أبو حامد: وفي المسألة التي قبلها إذا قلنا يحلف فنكل وحلف الآخر وقلنا: النكول مع رد اليمين يجري مجرى البينة على المدعى عليه يقتضي هذا القول أن يؤخذ الرهن من يد الأول وينقل إلى يد الحالف لو قامت له البينة بما يدعيه, وأصحابنا لم يذكروا هذا وعندي لا يصح هذا التخريج؛ لأن هذا يجري مجرى البينة في أحد القولين في حق الدعاء عليه إذا لم يكن هناك حق ثالث وههنا حق ثالث وهو المرتهن الآخر, فإن قيل: قلتم في المسألة الأولى: أصح القولين أنه لا يحلف وقد أقر الراهن لكل واحد من المرتهنين بقبضه كله, وهذا الإقرار إثبات حق لكل واحد منهما بلا تعيين فكيف تتوجه عليه اليمين إذا أبطل ما أثبت؟ قلنا: هذا الإقرار مطلق وليس الرهن في يد كل واحد منهما يترجح أحدهما على صاحبه باليد, ولا يبعد أن يرهنه عند واحد منهما ويسلمه إليه, ثم يرجع إليه للاستخدام فيرهنه عند الثاني ظانًا أن هذا الرهن يرد على الرهن ويسلمه إليه ثم يعود إليه للاستخدام فيعتبر لكل واحد منهما بقبضه كله [ق ٢٧٩ ب] فيكون صادقًا في إقراره على الظاهر صادقًا في تفسيره عند الاستفسار وحق الرهن والقبض للأول منهما دون الثاني إذ يستحيل أن يكون كل واحد منهما مرتهن كله بعقد صحيح فهذا في التفسير كالمؤتمن, ومعلوم أن المستودع إذا أضاف ملك الوديعة إلى مالك لم تتوجه عليه اليمين في تلك الإضافة كذلك ههنا, هذا كله إذا أقر الراهن لأحدهما فأما إذا قال: لا أعلم أنهما أول, فإن لم يدعيا علمه انفسخ الرهن, وإن ادعيا على حلف الراهن أنه لا يعلم أيهما أول قولاً واحدًا, لأنه لو رجع وبين .... قبل, فإن حلف انفسخ الرهن لأنهما عقدان أحدهما باطل لا بعينه فبطلا, كما لو زوج المرأة وليان ولم يعلم وعين السابق, ومن أصحابنا من قال: لا ينفسخ الرهن لأنه يمينه لم تكن لنفي الرهن بل كانت لنفي العلم فيكون الحكم كما لو نكل عن اليمين ينفسخ, وإن حلف أحدهما دون الآخر
стр. 2523
يقضي الذي حلف, وإن حلفا معًا فيه وجهان:
أحدهما: ينفسخ التعارض.
والثاني: يكون رهنًا بينهما نصفين لتساويهما ولا يجيء ههنا الوجه الثالث وهو إيجاب القيمة على الراهن؛ لأن الراهن لم يكن منه إقرار حصلت به حيلولة بوجه من الوجوه.
فرع
لو أقاما البينة على أنه رهنه عبده وأقبضه فقد تعارضتا [ق ٢٨٠ أ] وفي البينتين المتعارضتين أربعة أقوال: التساقط, والإقرار والقسمة, والوقف, وهل تستعمل القسمة هنا فيجعل بينهما نصفين وجهان.
باب بيع الشيئين المختلفين من نبات الأرض وغيره
قال: "وإذا رهن أرضًا ولم يقل ببنائها وشجرها".
إذا رهن أرضًا ولم يقل ببنائها وشجرها هل يدخل البناء والشجر فيه؟ قد بيناه في "كتاب البيع". وقال أبو حنيفة: هل يدخل الغراس والبناء في الرهن بالإطلاق لكن الرهن لا يصح, لأنه سلم أنه لا يدخل في البيع فكذلك في الرهن.
مسألة:
قال: "ولو رهن شجرًا وبين الشجر بياضٍ رهن دون البياض".
إذا رهن شجرًا أو نخلاً لم يدخل البياض الذي في تضاعيفهما في الرهن قولاً واحدًا؛ لأنه لا يدخل في البيع, فلأن لا يدخل في الرهن أولى. وأما الأرض التي هي نغرس الشجر لا تدخل الرهن قولاً واحدًا, وهل يدخل في البيع؟ وجهان:
أحدهما: يدخل فيه؛ لأن بقاءها به فهو بمنزلة عروقها.
والثاني: لا تدخل لأنه لا تدخل في اسم الشجر فلا يدخل في البيع وهو الأصح. وكذلك الخلاف في قرار البناء وفائدة الوجهين إذا استقلع الشجر بعد البيع هل يلزمه رد الغرس إلى البائع؟ وجهان. والفرق بين الرهن والبيع ما تقدم أنه البيع عقد قوي يزيد [ق ٢٨٠ ب] الملك فاستتبع الغرس بخلاف الرهن.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: في الرهن أيضًا وجهان, وفيه نظر.
وقال أبو حنيفة: رهن البناء والغراس دون مواضعها لا يجوز, ولا رهن الأرض واستثنى البناء والغراس لم يصح الرهن. وروى الحسن بن زياد عنه أنه يصح في الغراس؛
стр. 2524
لأن الغراس عبارة عنه وعن موضعه. وهذا غلط؛ لأنه يصح بيعه على هذا الوجه فصح رهنه.
مسألة:
قال: "وإذا رهن ثمرًا قد خرج من نخله قبل يحل بيعه ومعه النخل فهما رهن".
ذكر الشافعي ههنا ثلاث مسائل:
إحداهما: إذا رهن الأصل مطلقًا ولم يذكر الثمرة, فإن كانت مؤبرة لم يدخل في الرهن, وإن لم تكن مؤبرة فقد ذكرنا حكمها, ونص ههنا أنها لا تدخل في الرهن وهو الصحيح. وقال أبو حنيفة: يدخل في الرهن بكل حالٍ بخلاف البيع على أصله أنه لا يجوز الرهن على الأصل دون الثمرة, والعقد ينبني على الصحة. وهذا غلط؛ لأن المؤبر إذا لم يدخل البيع بالإجماع مع قوته فلأن لا يدخل في الرهن أولى.
والثانية: يرهن الأصل والثمرة فيصح الرهن فيها إن كان بدين حال, وإن كان بدين مؤجل يدرك الثمرة عند حلول الدين أو بعده يصح أيضًا, وإن كانت تدرك قبل حلوله ولا تجف إلى حلوله, فإن كانت مما تجف يحص الرهن أيضًا ولزمه الراهن [ق ٢٨١ أ] تجفيفها؛ لأن ذلك من مصلحتها وإن كانت مما لا تجف ولا تتلف فمن أصحابنا من قال: في صحة رهنها قولان, كما لو رهن طعامًا يفسد قبل المحل. ومنهم من قال: يصح ههنا قولاً واحدًا؛ لأن الثمار لو تلفت بقي الأصل, وفي الطعام لا يبقى شيء وقد تقدم ذكر هذا. فإذا قلنا: يبطل في الثمرة هل يبطل في الأصل؟ قولان بناء على تفريق الصفقة.
والثالثة: أن يرهن الثمرة منفردة, فإن كان قد بدأ صلاحها فرهنها بحق حال يجوز, سواء كانت بشرط القطع أو مطلقًا. وإن كانت بحق مؤجل فإن كان بجامع الإدراك أو قبله جاز, وإن كان يتأخر حلوله عن الإدراك, فإن كانت الثمرة مما يمكن تجفيفها جاز فتجفف وقت الصرام, وإن كانت مما لا يمكن تجفيفها هل يصح الرهن؟ قولان. وإن لم يكن بدا صلاحها فإن كان بحق حال وشرط القطع جاز؛ لأن البيع هكذا يجوز, وإن رهنها مطلقًا فيه قولان؛ أحدهما: يبطل كالبيع. والثاني: يجوز؛ لأن مقتضى الرهن بيعه بالحق, فإذا كان الحق حالاً اقتضى العقد قطعه في الحال لجري الشرط, وإن رهنها بحقٍ مؤجل بشرط القطع عند الحلول أو بلا شرط مطلقًا هل يجوز؟ قولان منصوصان:
أحدهما: لا يجوز كما لو باع مطلقًا أو بشرط القطع بعد مدة. قال أبو إسحاق: وهذا أصح نص عليه في "كتاب التفليس".
والثاني: يجوز [ق ٢٨١ ب] بخلاف البيع؛ لأن في مقابلته عوضًا هناك, فإذا أطلق يحصل الغرز بخلاف الرهن.
стр. 2525
وقيل: فيه ثلاثة أقاويل:
أحدها: يلزم شرط القطع مع حلول الدين لا في العقد قبل حلول الدين.
والثاني: يلزم شرط القطع مع العقد شرط في صحة الرهن.
والثالث: أن اشتراط قطعها ليس بواجب, لا حال العقد, ولا عند حلول الدين.
وهذه الأقوال إذا علم أن حلوله قبل بدو الصلاح. وعلى هذا لو قال الراهن: أقطعها عند حلول الدين وأبيعها. وقال المرتهن: بعها على الرؤوس النخل بشرط القطع, فالقول قول المرتهن؛ لأن قطعها تصرف لم يوجبه العقد ولا الشرط إذا جرت العادة ببيعها على رؤوس النخل. فأما إذا كانت العادة الجارية ببيعها مقطوعة فالقول قول الراهن.
فإن قلنا بالقول الأول كان حكمها حكم الطعام الرطب؛ لأن قطعها واجب, وإن كانت مما لا يبقى فقولان. وإذا قلنا بالثاني فرهنها جائز سواء كانت مما تجف أو لا, وأما الزرع إذا رهنه أخضر فهو بمنزلة رهن الثمرة قبل بدو صلاحها, وقد ذكرنا حكمها.
مسألة:
قال: وإن كان من ثمر شيء فرهنه وكان يخرج يعده غيره منه فلا يتميز الخارج".
الفصل:
إذا رهن ثمر شجرة تحمل حملاً بعد حمل في سنة كالتين والباذنجان نظر فيه, فإن كان بعد بدو الصلاح فيه يجوز بحق حالٍ, وإن رهنه بحق مؤجل نظر, فإذا كان لا يحل إلا بعد حدوث حمل آخر واختلاطه به بحيث لا يتميز عنه فالرهن بالطل؛ لأنه لا يمكن بيعه عند حلول الحق والحاجة إلى بيعه داعية.
وقال [ق ٢٨٢ أ] أبو إسحاق: إلا أن يتفقا في الابتداء, وأنهما يقطعان الخارجة قبل ظهور الحادثة, وخوف الاختلاط فيجوز, وإن كان الحق يحل قبل الاختلاط جاز الرهن, فإذا حل الحق فطالب المرتهن ببيعه بيع ووفي حق المرتهن من ثمنه, فإن دافعه الراهن به حتى حدث حمل آخر واختلط به نظر, فإن كان الحادث يتميز به الأول فالرهن بحاله ويباع المرهون, وإن كان لا يتميز ففيه قولان:
أحدهما: الرهن يبطل في الحال, لأنه لا يقدر على تسليمه ولا يمكن بيعه في الحق.
والثاني: لا يبطل؛ لأن العقد وقع صحيحًا والجهالة الطارئة لا تبطل العقد كإباق العبد للمبيع, ولأنه يمكن في حقه بأن يتطوع الراهن بتسليم الكل, وهذا أظهر.
فإذا قلنا بهذا القول قلنا للراهن: أتسمح بأن يكون الكل رهنًا؟ فإن سمح صار رهنًا
следующие страницы →