فضمن صح الضمان وجهًا واحدًا ويفارق الحر إذا ضمن الدين في مال معين في يده لا يجوز لأنه لا حاجةً للحر إلى تعيين المال لصحةُ ذمته، ولا سبيل إلى استيفاء ما في ذمته في حال رقه فافترقا. أو نقول: التعيين فيما بيد العبد ينصرف إلى الأداء دون الضمان لأن الضمان متعلق بذمته فصح، والتعيين في الحر ينصرف إلى الضمان فبطل، وعلى هذا لو عينه السيد في رقبته تعين.
وقال بعض أصحابنا: لو ضمن الحر مالًا وعين القضاء في عين من أعيان ماله يجوز ويتعلق به عنى قياس قول ابن سريج، لأن الحقوق تتعلق بأعيان الأموال كما في الرهن؛ وهذا إذا لم يكن على العبد المأذون دين، فإن كان عليه دين فهل يصير العبد محجورًا عليه في المال الذي بيده لأجل ديونه؟ قولان حكاهما ابن سريج.
أحدهما: لا حجر عليه فيما بيده إلا لسيده لكون ذلك على ملكه فعلى هذا يجوز تصرفه ما لم يحجر علته بالفلس وصح ضمانه بإذن سيده، ولو أذن له السيد في هبةُ ماله صحت هبته.
والثاني: أن العبد محجور لأجل الدين كما محجور في حق سيده لأن العبد يفاضل بما في يده لضعف ذمته بخلاف الحر؛ فعلى هذا ليس له أن يفعل ما يدخل الضرر على غرمائه بهبةٍ ولا غيرها، وإن كان بإذن سيده.
فإذا قلنا بهذا الوجه الثاني ففي ضمانه وجهان:
أحدهما: باطل لأنه صرفه إلى جهةٍ لم يثبت فيها.
والثاني: يجوز لأن الضمان لا يتعين في المال وإنما يتعين فيه الأداء؛ فعلى هذا فيه وجهان:
أحدهما: يكون فيما اكتسبه بعد الضمان وفيما فضل بعد دينه من المال الذي كان يده قبل الضمان.
والثاني: في ذمته يؤديه بعد عتقه؛ وإذا قلنا بالوجه الأول أنه لا حجر عليه فيما بيده للغرماء فضمن مالًا رجل فالمضمون له يشارك سائر الغرماء قبل الحجر عليه لأن المال للسيد وقد أذن في [٣٥/أ] ذلك.
فرع
لو ضمن السيد لعبده مالآ عن أجنبي وعليه دين من تجارةً مأذون فيها فيه مخرجان من اختلاف قوليه من غرماء العبد هل يستحقون حجرًا عليه بديونهم أم لا؟ فإن قلنا: لا حجر لهم عليه فضمان السيد له باطل، وإن قلنا: لهم الحجر عليه ضمان السيد له جائز؛ فإن قضى العبد دينه برئ السيد من ضمانه.
فرع آخر
لو كان على ذمةُ العبد دين فضمن عنه ضامن يجوز بلا خلاف فإن قيل: كيف يصح ضمانه ولا يطالب العبد به؟ قلت: الدين في ذمته لازم وإنما لا يطالب به لعجزه في
стр. 2697
حال رقه عن أدائه فكان ذلك بمنزلةُ الدين على العبد.
فرع آخر
لو ضمن العبد مالأ عن أجنبي فمذهب الشافعي ضمانه باطل، وقال ابن سريج: يجوز ضمانه لأنه لا يجوز له أن يثبت له في رقبةَ عبده مالًا لأنه يملك الرقبةً، ويجوز أن يثبت له في ذمته مال لأنه لا يملك الذمةً فعلى هذا لا يكون للسيد أن يطالب عبده بالضمان إلا بعد عتقه.
فرع آخر
المبايعةَ للعبد مع سيده هل تجوز أم لا؟ قال في "الحاوي" إن قال ابن سريج مثل ما قال في الضمان فقد جرى على القياس وكان لقوله وجه وإن كان يمنع فقد ناقض. ويحتمل أن يركب ابن سريج القياس ويجيز الأمرين كما قال في جواز بيع العبد من نفسه، ويحتمل أن يفرق بينهما بأن بيع نفسه عليه مفضي إلى عتقه فجاز وبيع غير نفسه عليه لا يفضي إلى عتقه فلم يجز لفضل مزيةُ العتق.
فرع آخر
لو ضمن العبد عن سيده شيئًا بأمره يصح فإذا عتق وغرم هل يرجع على السيد بما غرم؟ فيه وجهان:
أحدهما: يرجع عليه تغليبًا لحالة القضاء على حالةَ الضمان ذكره القاضي أبو علي الزجاجي ﵀.
والثاني: لا يرجع عليه تغليبًا لحالة الضمان على أداء حالةَ الأداء ذكره الشيخ أبو محمد الجوينى ﵀.
فرع آخر
لو ضمن المحجور عليه نظر فيه، فإن كان محجورًا عليه للسفه لم يصح ضمانه، وإن كان للفلس صح ودفع اليه ما فضل من الغرماء.
مسألة: قال: وَلَوْ ضِمْنَ عَنْ مَكَاتِبِ أَوْ مَالَا فِي يَدِيِ وَصِيِّ أَوْ مقارض أَوْ ضَامِنَ أَحَدَّ مِنْهُمْ ذَلِكَ عَنْ نَفْسُه فَالضَّمَانَ بَاطِلَ أَحَدَّ مِنْهُمْ ذَلِكَ عَنْ نَفْسُه فَالضَّمَانَ بَاطِل.
وهذا كما قال قد ذكرنا ضمان مال [٣٥/ب] الكتابةً أنه لا يجوز وأما المكاتب إذا ضمن عن الغير مالاً فإن كان بغير إذن المولى فهو كالعبد القِن. وإن كان إذن المولى فهو تبرع وفي تبرعات المكاتب بإذن المولى قولان معروفانَ ثم اعلم أن المزني أخل بالنقل حيث جمع بين الضمان عن المكاتب والوصي والمقارض، ثم عطف على ذلك
стр. 2698
فقال: أو ضمن ذلك أحد منهم عن نفسه وهذا العطف في المكاتب محال، لأن المكاتب ضامن بعقد الكتابةً نجوم العقد فلعله ظن أنه ذكر سوى المكاتب ثلاثةً من الأمناء.
مسألة: قال: وَضَمَان المَرْأَةِ كَالَّرجُلِ.
وهذا كما قال: ضمان المرأةَ يصح لأن كل من لزمه الثمن في البياعات صح ضمانه كالرجل، وقال مالك: لا تضمن المرأةَ إلا بإذن زوجها كالعبد لا يضمن إلا بإذن سيده.
مسألة: قال: " وَلَا يَجُوزُ ضُمَّانُ مِنْ لَمْ يُبْلَغْ، وَلَا مَجْنُونَ، وَلَا مبرسم يَهْذِي "
الفصل
وهذا كما قال: لا يجوز ضمان الصبي لأنه غير مكلف وهو قول جميع العلماء، لا يجوز أيضاً ضمان المجنون لأنه لا حكم لقوله وقد قال ﷺ : "رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى ينتبه". وأما المريض كان مبرسمًا يهذي لا يصح ضمانه كالمغمى عليه. وإن كان يعقل صح ضمانه فإن برئ من مرضه كان من صلب ماله، وإن مات كان محسوبًا من ثلاثةَ لأنه إتلاف مال بلا عوض، وأما قوله: يهذي قيل: إنه زيادةً ذكرها المزني لغوًا، وقيل: له فائدةً وذلك أن المبرسم يهذي في أول برسامه مع قوةُ جسمه فإذا تطاول به أضعف جسمه فلا يهذي فأبطل ضمانه في الحالةَ التي يهذي فيها لينبه على بطلانه في الحالةَ التي هي أغلظ منها وهي الحالة التي لا يهذي فيها.
وأما الأخرس فإن كان لا يعقل الإشارةً ولا الكتابةً لا يصح ضمانه، وإن كان يعقل الإشارةَ والكتابةً فأشار به وكتب قام مقام النطق فهو كالناطق يصح ضمانه؛ وإن ضمن الإشارة دون الكتابة جاز، وإن ضمن بالكتابة دون الإشارةَ لا يجوز وجها واحداً ذكره ابن أبي هريرة؛ لأن مجرد الكتابةَ لا يقوم مقام النطق لاحتمالها حتى تنضم إليه الإشارةَ فيزول احتمالها. ومن أصحابنا من قال: يجوز لأن كتابته أقوى في البيان من الإشارة قال [٣٦/أ] هذا القائل: المزني غلط في نقله حيث شرط شرطين أن يعقل الإشارةً، وأن يعقل الكتابةً وأحدهما يكفي ويغني عن الثاني. وهكذا الخلاف إذا كان لا يعقل الإشارةً ويحسن الكتابةً فكتبه ولم يشر، والصحيح عندي جوازه وإن كان ما تقدم ظاهر المذهب.
فرع
لو اختلفا فقال المضمون له: ضمنت وأنت بالغ، وقال: بل ضمنت وأنا صبي
стр. 2699
فالقول قول الضامن لأن الأصل براءة ذمته والأصل الصغر. ولو قال: ضمنت وأنت مفيق، وقال: بل ضمت وأنا مجنون، فإن لم يعرف له حالةً جنون فالقول قول المضمون له لأنه أقر بالضمان وادعى ما يوجب البطلان والأصل عدم ما العام، وإن عرف له حالةً جنون فالقول قوله لأن الأصل براءةً ذمته وعلى المضمون له إقامةَ البينةً أنه ضمن له في حال إفاقته.
فرع آخر
لو ضمن رجل المبيع فاستحق المبيع برئ الضامن، وكذلك إذا رده بمب أو إقالةً.
ولو زوج رجلًا بغير أمره وضضن المهر كان النكاح فاسدًا والثامن ساقطا، ولو ضمن صداق امرأته وأقبضها ثم ارتدت قبل الدخول بها يلزمها رد الصداق إلى الزوج ثم يلزم الزوج رد عين ما أخذ منها إلى الضامن ذكره أصحابنا بالعراق، وقال بعض أصحابنا بخراسان: لا يلزمه رد ملك العين إلى الضامن بل يغرم مثلها له وهذا أقيس.
مسألة: قال: وَضِعْفُ الشَّافِعِيِ كفالَةً الْوَجِهَ.
الفصل
وهذا كما قال: إذا كان له عليه دين يجوز ضمانه هل تصح الكفالة ببدنه رده إليه متى طالبه به أم لا؟ قال الشافعي في عامةً كتبه: إنها جائزة نص عليه في حرملةً واختلا ف العراقيين واللعان. وقال في الدعوى والبينات: يجوز ثم قال في آخر كلامه: غير أن كفالةَ الأبدان عندي ضعيفةً ضعف ذلك، واختلف أصحابنا فيه فقال أكثرهم:
المسألةَ على قولين أحدهما: يجوز وهو المشهور وبه قال كافةُ العلماء ومالك وأهل المدينة َوالليث والثوري وأبو حنيفةَ وأحمد ﵏.
والدليل عليه قوله تعالى: ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِّنَ اللَّهِ لَتَاتُنَّنِي بِهِ﴾ [يوسف: (٦٦)] ولأن ما وجب تسليمه بعقد وجب بعقد الكفالةَ بالمال في بيان الوصف يجب تسلم البدن بعقد النكاح وعقد الإجارةً،
والثاني: لا يجوز وهو القياس لأن كل مضمون إذا هلك كان على الضامن قيمته وهاهنا لا مال [٣٦/ب] عليه إذا هلك المكفول به، ولا إذا تعذر عليه تسليمه فوجب أن لا يكون مضمونًا عليه. وهذه الطريقةَ اختيار المزني وأبي إسحاق.
والطريقة الثانية أن المسألةً على قول واحد أنها تجوز لأن الشافعي قطع بجوازها في كتب ومع عليه وقوله: إنها ضعيفةَ ليس بقول ثانٍ، وإنما أراد أنها ضعيفةً من حيث القياس ولكنا أجزناها لأخبار وإجماع الناس عليها. وروي أن نفرًا آمنوا بمسيلمةَ الكذاب فأخذهم عبد الله بن مسعود ﵁ وقتل واحدًا منهم وتاب جماعةً فكفلهم عشائرهم ووافقه على هذا الرأي جرير والأشعث ﵄.
стр. 2700
فرع
إذا قلنا: إنها باطلةً فلا تفريع عليه وإن قلنا: إنها صحيحةً هل يلزم أن يكون عارفًا بالمكفول؟ له وجهان كالمضمون له المال.
فرع آخر
هل يلزم أن يكون عارفًا بقدر الحق على المكفول ببدنه؟ وجهان: أحدهما: يلزم ولا يصح إلا بعد معرفته وهو قول ابن سريج لأن عنده أن موت المكفول به يوجب على الكفيل غرم الدين وبه قال مالك حكاه عنه أصحابه، وأصحابه ينكرونه. والثاني: لا يلزم وهو مذهب الشافعي، لأنه لا يلزم المال عليه بموته عنده.
فرع آخر
لو كان الحق الذي عليه مما لا يصح ضمانه فإن كان للجهل به وهو أن يكون الدين مجهولَا فقد ذكرنا كان لكونه حدًا نظرًا فإن كان حد لله تعالى كحد الزنا وغرب لم تصح الكفالةَ قولًا واحدًا لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: "لا كفالة في حد"، ولأن حد الله تعالى مبني على الإسقاط والكفالة؛ استيثاق فلا مدخل لها فيه، وإن كان حدًا للآدمي كالقصاص وحد القذف قال الشافعي في اللعان: ولا كفالةً في حد ولا لعان، ونقل المزني في "الجامع الكبير" وتجوز الكفالةَ بمن عليه حق أو حد فمن أصحابنا من أخذ بظاهر ما نقل وتأول ما قال في اللعان أن المراد به الكفالةَ بنفس الحد ووجهه أنه حق لآدمي فصحت الكفالةً كسائر حقوق الآدميين. وقال ابن سريج: فيه وجهان: احدهما: ما ذكرنا. والثاني: لا يجوز لأنه يسقط بالشبهةَ، ولأن الكفالةَ لا تصح به فكذلك لا تصح ببدن من هو عليه، وقال جماعةً من أصحابنا: وهذا هو المذهب.
وقال أبو حامد [٣٧/أ] ﵀: يشبه أن يكون الوجهان مبنيين على أن موت المكفول به هل يوجب الحق على الكفيل؟ فمن قال: يجب ذلك لا يجوز هذه الكفالةَ لأنه يحوز وجوب الحد على الكفيل وهذا إشارةً إلى أن المذهب أنه يجوز لأن عند الشافعي لا يلزمه المال بموته ويفارق حد الله تعالى، لأن حق الآدمي مبني على الاستقصاء فيجوز الاستيثاق بالكفالة، وقال بعض أصحابنا بخراسان: في الكفالة ببدن من عليه حد الله تعالى قولان أيضا.
وهو كالقولين في أن كتاب القاضي إلي القاضي والشهادةً على الشهادةَ هل يجري في حدود الله تعالى أم لا؟ ووجه البناء أن حكم الحدود هل يجعل كحكم الأموال
стр. 2701
قولان؟ وفي هذا نظر والصحيح ما ذكرنا.
فرع آخر
لو ثبت الحق ثم تكفل رجل ببدن المدعى عليه فمات المكفول به قبل تسليمه إليه برئ الكفيل ولا قيء عليه على ما ذكرنا. وبه قال أبو حنيفة، وقال ابن سريج: فيه وجهان;: أحدهما: هذا. والثاني: يلزمه المال لأنه المقصود من هذه الكفالةَ وهذا غلط لأنه لم يتكفل بالمال فلا يلزمه ما لم يتناوله كفالته كما لو تكفل بمائةً درهم لا يلزمه أكثر منها؛ ولأنه لو كفل بالمال لا يلزمه إحضار النفس فكذلك إذا تكفل بالنفس لا يلزمه إحضار المال ولا فرق بينهما.
فرع آخر
إذا قلنا: يلزمه المال فهو الذي ثبت على ذمته وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه
وجهان: أحدهما: هذا. والثاني: يغرم الأقل من دينه أو الحق الذي عليه وهو
كالقولين فيمن أراد أن يفدي عبده الجاني هل يفدي بإرش الجاه بالغًا ما بلغ آخر بالأقل من قيمته أو أرش جنايته.
فرع آخر
لو قال: تكلفت ببدنه إلى وقت كذا فإن لم أسلمه إليك في هذا الوقت فعليّ ما عليه أو ما تدعيه أو كذا وكذا درهما فالكفالةَ باطلةً لأنها كفالةً معلقةً بصفةً وبه قال محمد وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: يجوز فإن لم يوافقه به وجب عليه المال.
فرع آخر
لو لم يمت ولكنه غاب غيبةً لا يعرف موضعه لا يلزمه شيء كما لو مات على ظاهر المذهب وإن عرف موضعه وأمكنه إحضاره وأجل إلى وقت يمكن فيه الذهاب والمجيء، فإن جاء به وإلا حبسه [٣٧/ب] الحاكم له ذكره القاضي أبو حامد في جامعه. وقال ابن شبرمة: يحبس في الحال لأن الحق قد توجه عليه وهذا غلط؛ لأن الحق وإن توجه عليه فإن يعتبر فيه إمكان التسليم ولا يمكنه ذلك.
فرع آخر
كل موضع أجزنا الكفالةً هل يفتقر إلى إذن المكفول به؟ قال عامة أصحابنا: يفتقر إلى الإذن ولا يجوز من دون إذنه وهو ظاهر المذهب وهو اختيار ابن أبي أحمد وقال ابن سرج: يجوز ذلك من غير إذنه لأنه وثيقةً بالحق فأشبه ضمان المال وهذا غلط لأنه يوجب تسليم النفس وذلك لا يمكن إلا بتمكين المكفول به، ولا يلزمه طاعته إذا لم تكن الكفالةَ بإذنه وفي المال يمكنه أداء الماء فافترقا.
فرع آخر
إذا قلنا: يصح كما قال ابن سرج فتكفل به من غير إذنه قال: إذا طالب المكفول له
стр. 2702
بإحضاره يلزمه أن يحضر معه لا من ناحيةُ الكفالةَ ولكن من ناحيةً الوكالةً فكأنه وكله بإحضاره فيلزمه أن يحضر معه، ولو لم يقل له أحضره بل قال: اخرج إلي من كفالتك فطالبه الكفيل بالحضور هل يلزمه أن يحضر معه؟ قال ابن سريج: فيه وجهان:
أحدهما: لا يلزمه لأن قوله اخرج إليّ من كفالتك معناه أعطني، ما عليك من الحق فعلى هذا له حبسه حتى يخرج إليه من كفالته ولا يلزم المكفول به قال أصحابنا: هذا يدل على فساد ما قاله لأنه يحبسه على ما لا يقدر عليه وهذا لا في الشرع.
والثاني: يلزمه الحضور معه لأن قوله هذا يتضمن الإذن له في إحضاره ومعناه التوكيل
فرع آخر
إذا تكفل ببدن صبي أو مجنون صحت الكفالة لأن الحق يجب عليهما في ذمتهما وقد يحتاج إلى إحضارهما للشهادةً عليهما بالإتلاف ثم إنما تصح الكفالةَ بهما بإذن الولي لأن إذنهما لا يصح، وإن كان من غير إذن الولي لم يجز إلا على قول ابن سريج، ثم إن كانت الكفالةً بإذن وليه فطولب بإحضاره كان للكفيل مطالبة وليه بإحضاره من حيث وجوب الحق على الصبي لا من ناحية الكفالةَ. وقال في "الحاوي": "ظاهر مذهب الشافعي رحمةُ الله عليه أنه لا يحوز وإن أمره الأب بالكفالةً لان أمر الأب [٣٨/أ] سؤال وطلب لا يتعلق عليه حكم به". وعلى قول ابن سريج يجوز ذلك.
فرع آخر
إذا جوزنا على ما قال ابن سريج تجوز الكفالة به غائبًا كان أو حاضرًا، محبوسًا كان أو مطلقًا، لأنه يمكنه تسليم المحبوس وإحضار الغائب، وإن كانت الغيبةُ منقطعةً ولا يمكنه إحضاره لا يجوز وقال أبو حنيفة: لا تجوز الوكالة ببدن المحبوس والغائب وهذا غلط لأن كل وثيقةً صحت مع الإطلاق والحضور صحت مع الغيبةً والخبر كالشهادة والضمان.
فرع آخر
لو كانت الكفالةً بإذنه فطالبه المكفول له بإحضاره يلزمه الإحضار ويلزمه الحضور معه حتى يبرئ ذمته عن الكفالةَ، وإن كان المكفول له غير مطالب برده له إحضاره وتسليمه إليه كما لو أعاره للرهن كان له مطالبةُ الراهن فكاكه كذلك هاهنا.
فرع آخر
كل موضع أجزنا الكفالةً لا يخلو من أحد أمرين إما أن تكون مطلقةً، أو مقيدةً؛ فإن كانت مطلقةً كانت حالةً وكان له المطالبة به متى شاء ولزمه تسليمه في [موضع] الكفالةَ.
стр. 2703
وإن كانت الكفالةً مقيدة وهو أن يتكفل به إلى أجل لا يخلو الأجل من أحد أمرين إما أن يكون معلومًا أو مجهولًا، فإن كان مجهولًا مثل إن قال: تكلفت ببدنه إلى العطاء أو الحصاد لا يصح وهو الأصح، في المذهب، وفيه وجه آخر يصح كالعاريةً والإباحةً لأنه حق لا يقابله عوض؛ وهذا غلط لأنه ضمن في ذمته مالأ بعقد فلا يجوز إلى أجل مجهول كالثمن في البيع، ويفارق العاريةً لأنه لو قال: أعرتك أحد هذين الثوبين يجوز وله الانتفاع بأحدهما، ولو قال: تكفلت لك بأحد هذين لا يجوز. وإن كان إلى أجل معدوم هو قولًا واحدًا، فإذا صحت إلى أجل لم تجب المطالبةَ به قبل انقضاء الأجل وفيه وجه آخر لا تجوز إلا مطلقة.
فرع آخر
لو شرط عليه تسليمه في موضع بعينه فقال: أسلمه إليك في المسجد الأعظم أو مجلس الحكم رده تسليمه إليه فيه فإن سلمه إليه في موضع آخر نظر فإن كان بقرب مجلس الحكم ولا يتعذر عليه حمله إليه، وإذا امتنع لحقه الغوث من جهةُ الحاكم والمعونة في حمله لزمه تسليمه وفيه [٣٨/ب] وجه آخر لا يلزمه قبوله إلا في الموضع الذي عينه لأن عليه مؤنةً في حمله إلى الموضع الذي عينه، وإن قلت وإن كان في طرف من البلد ولا يمكنه حمله إلى مجلس الحكم ويخاف هربه منه أو امتناعه عليه لم يلزمه تسلمه.
فرع آخر
إذا وجب تسلمه فأبى أن يقبله أجبره الحاكم على قبوله، فإن لم يقبله تسلمه الحاكم وبريء الكفيل قال ابن سريج: فإن لم يكن حاكم أشهد على إحضاره عدلين وبرئ الكفيل.
فرع آخر
لو لم يحمله إلى الحاكم مع القدرةَ عليه وأشهد على امتناعه رجلين ظاهر ما قال الشيخ أبو حامد: إنه لا يبرأ، وقال القاضي الطبري: يبرأ ويكفي الإشهاد على امتناعه وهذا أقيس لآن مع وجود صاحب الحق لا يلزمه تسليمه إلى من ينوب عنه من حاكم أو غيره.
فرع أخر
لو كان هناك يد حائلة مثل سلطان قام أو متغلب عليه لم يكن هذا تسليما كتسليم المبيع سواء.
فرع أخر
لو كانت الكفالةً مؤجلةً فحل الأجل فإن كان المكفول به حاضرًا فالحكم فيه كما لو كانت الكفالةً مطلقةً، وإن كان غائباً فإن كانت غيبته غيبةً منقطعة لا يملك مطالبته
стр. 2704
بإحضاره ويتوقف إلى وقت القدرةً، وإن لم م غيبته منقطعةً يلزمه إحضاره على ما ذكرنا. ولو طولب بإحضاره والمكفول في محبس الحاكم بحق فقال الكفيل للمكفول له: احضر محبس الحاكم حتى أسلمه إليك يحضر معه ويسلمه إليه في الحبس ينظر بينه وبين المحبوس، فإن أخرجه من الحبس لسماع البينة عليه أو الدعوى فإذا رخ رده إلى الحبس، وإن ثبت عليه الحق حبسه بالحقين وإن لم يثبت حبسه بالأول على ما كان. وقال المزني: لا يبرأ الكفيل بهذا لأنه يمكنه أن يقضي دينه من الحبس ويحضره له. وقال أيضا: لو خرج المكفول به إلى دار الحرب يلزمه إحضاره من دار الحرب لأنه لم يمت ولا يبرأ ما لم يحضر وهذا غلط؛ لأن التسليم في الحبس، ممكن على ما ذكرنا فلا حاجةَ إلى إخراجه من الحبس. وأما إذا لحق بدار الحرب لا يقدر على إحضاره ظاهرًا فصار كالمعسر بالحق وعندنا يلزمه أن يفعل ها يغدر عليه [٣٩/أ] من أسباب التسليم ولا يلزمه الزيادة للتعذر.
فرع آخر
لو كان محبوسًا عند غير الحاكم لا يبرأ ولا يلزمه تسليمه لأنه على استيفاء حقه منه بخلا ف ما إذا كان في حبس الحاكم.
فرع آخر
لو تكفل به في مصر فرده إليه في مصر آخر فإن كانت بينته في مصر الحاكم لم يلزمه قبوله فيه حتى يسلمه إليه في المصر الذي تكفل ببدنه فيه. وإن لم تكن له بينةُ ولا كان حاكمه يعلم أن حقه عليه يلزمه قبوله في المصر الآخر.
فرع آخر
لو لقيه المكفول به في الموضع المشروط وقال: اشهدوا أني سلمت نفسي إليه من كفالةَ فلان برئ الكفيل، ذكره القاضي أبو حامد في "الجامع" لأن القصد حصوله في يده فلا فرق بين أن يكون بالكفل أو بنفسه وحده.
فرع آخر
لو أحضره قبل انقضاء الأجل نظر فإن كان عليه في قبوله ضرر لم يلزمه قبوله، والضرر أن يكون بينته بالحق غائبةً وحجته متعذرةً أو لم يكن اليوم يوم مجلس الحكم للحاكم، وإن لم يكن في قبوله ضرر يلزمه قبوله، كمن أتي بالدين قبل محله يلزمه القبول إذا لم يكن عليه ضرر ذكره أبو حامد في "الجامع".
فرع آخر
لو تكفل ببدنه رجلان فرداه معا برءا؛ لأن رده أحدهما دون شريكه وقال المزني: يبرأ شريكه أيضا كما لو قضى أحد الضامنين المال يبرأ الضامن الآخر وهذا غلط لأن الحق باق على المكفول به فلا يسقط حق الوثيقة عن الكفيل الأخر من غير
стр. 2705
أن يؤخذ منه الإحضار، ويفارق قضاء الدين لأن الحق قد سقط فسقطت الوثائق به وها هنا سقطت الوثيقةُ عن أحدهما مع بقاء الحق فصار كما لو كان بالحق رهون فانفك أحدها مع بقاء الحق لم ينفك الباقي.
فرع آخر
لو تكفل كل واحد منهم المكفول به وببدن الآخرين جاز لأن عليهما حقا وصار كل واحد منهم كفيلًا بمن عليه الحق وكفيلًا الكفيلين، فإن رده واحد منهم برئ بالرد من كفالة الأصل وبرئ صاحباه من كفالتهما به لأنهما فرع له وبقي كل واحد كفيلًا بالأصل وكفيلًا بصاحب الباقي معه وقال أبو حامد: إذا رد أحدهم [٣٩/ب] بريء الآخران كما قال المزني، وذكره القاضي الطبري في المذهب المجرد أن هذا هو المذهب لأن المكفول به عند الشافعي البدن دون المال فإحضار أحدهم البدن وتسليمه إليه بمنزلةُ قضاء الدين في ضمان المال وهذا غير مشهور. وذكر في "المهذب" أن القاضي الطبري اختار خلاف ما قال المزني، وعندي الصحيح ما قاله المزني وعلى قياس قول ابن سريج لا يبرأ الآخران لأن المال عنده مضمون في هذه الكفالة، فإذا كان المال باقيا عليه لم يبرأ الآخران في هذه الكفالةً وفى ضمان المال.
فرع آخر
لو كان لرجلين على رجل ألف فتكفل به رجل لهما فرده على أحدهما برئ وكان عليه رده إلى شريكه لأن عقد الرجل مع الرجلين في حكم العقدين.
فرع آخر
لو تكفل ببدن رجل ثم تكفل بالكفيل كفيل آخر ثم ثالث بالثاني فكله صحيح؛ وإن مات من عليه الدين برئ الكفلاء على قول الشافعي، وإن مات الكفيل الأول برئ من بعده من الكفلاء ولم يبرأ الأصل، وإن مات الكفيل الثاني برئ هو ومن بعده من الكفالةً ولا يبرأ الكفيل الأول ولا صاحب الحق والحكم فيه إذا أحضره واحد من الجملةً فالحكم فيه إذا مات والإبراء عن الكفالةَ كالموت سواء.
فرع آخر
لو تكفل ببدن رجل عليه دين ثم قال المكفول له: لا حق لي قبل المكفول به هل برأ الكفيل والمكفول به بذلك؟ قال ابن سريج؛ يحتمل معنيين يعني وجهين:
أحدهما: أنه مقر بأنه لا حق له قبله على العموم لا في بدنه ولا في ذمته فبرئ بذلك هو والكفيل لان هذا نفي في نكرةً فيقتضي استغراق الجنس.
والثاني: يرجع في تفسيره إليه فإن قال: أردت لا دين عليه ولا حق في ذمته برئ من الحق ومن الكفالة، وإن قال: أردت لا حق لي في يده على سبيل الأمانةً والوديعةً والعاريةً إلى الكفيل أو المكفول به، فإن صدقاه على ذلك فالكفالة بحالها، وإن
стр. 2706
كذباه فالقول قوله مع يمينه لأنه أعلم بما نواه وأعرف بما قصده فيحلف وتبقى الكفالةً بحالها.
فرع أخر
لو عاد المكفول له إلى (١) المكفول به [٤٠/أ] ولازمه بالحق فلقيه الكفيل فقال: دعه وأنا على ما كنت عليه عادت كفالته ولأن هذا الكلام يحتمل استئناف الكفالةً ويحتمل الإخبار عن أنه على الكفالةً وأيهما كان فقد ألزم نفسه الكفالة؛ وكذلك لو قال: دعه فقد عدت إلى ما كنت عليه عادت كفالته، لأن هذا استئناف كفالة ذكره ابن سريج.
فرع آخر
لو قال رجل لرجل: فلان ملازم فلانا فاذهب فتكفل به ففعل كانت الكفالةً لازمة للمباشر دون الآمر، لأن المباشر فعل ذلك اختياره والآمر بذلك على طريق الحث والإرشاد ولا يلزم المكفول به الحضور مع الكفيل لأنه ما تكفل به بإذنه ذكره ابن سريج.
فرع آخر
لو تكفل ببدن رجل عليه دين ثم قال الكفيل: بريء المكفول به من الدين وأنكر المكفول له قال ابن سرج: القول قول المكفول له لأن الأصل بقاء الحق فإن حلف فالكفالة والحق بحالهما، وإن نكل حلف الكفيل وبرئ من الكفالةً ولا يبرأ المكفول به من الحق لأنه لا يجوز أن يبرأ بيمين غيره.
فرع آخر
لو قال الكفيل بعد أن تكفل به: تكفلت ببدنه ولا حق عليه فالقول قول المكفول له لأن الظاهر صحةَ الكفالة؛ وهل يحلف؟ قال ابن سريج: فيه وجهان: أحدهما: لا يحلف لأن دعوى الكفيل خالف ظاهر قوله. والثاني: لأن ما ادعاه ممكن فأحلفناه ليزول الإشكال، فإن حلف فلا كلام، وإن لم يحلف رددنا اليمين على الكفيل؛ لأنه يجوز أن يعلم أنه لا حق له عليه بقوله: لا حق لي عليه.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا تكفل ببدن رجل قبل ثبوت حق المدعى عليه بالبينة أو بالإقرار فعلى الكفيل إحضاره مجلس الحكم ولا بد من الإذن ها هنا ليمكنه إحضاره عند القاضي والكفالةَ واقعةً على إحضاره، فإن تعذر الإحضار بموت أو غيبةً بطلت الكفالةً إلا أن يكون الميت لم يتغير ويقول الشهود: نحن نشهد على وجهه لا على اسمه ونسبه فعلى الكفيل مؤونةً إحضاره مجلس الحك- ليشهدوا على وجهه ذكره بعض أصحابنا بالعراق والمشهور الأول وقال في "ألحاوي": إذا كان له بينة تشهد
стр. 2707
على عينه لا بأس بإحضار الميت مجلس الحكم [٤٠/ب] أو بحضور الحاكم موضع الميت، ليسمع البينةَ على عينه، وعلى هذا في الكفالةً وجهان: أحدهما: أنها باقية ويؤخذ الكفيل بإحضار الميت والثاني: أنها تبطل لأن الميت مقدور عليه لإقامةً الشهادةً عليه فلم يحتج إلى الكفيل.
فرع آخر
لو شرط الخيار في الكفالة أو ضمان المال بطلت الكفالة. وقال أبو حنيفة: يبطل الشرط وتجوز الكفالةً وهذا غلط لأنه عنده لا يجوز فيه شرط الخيار، فإذا شرطه بطل كالسلم والصرف.
فرع آخر
لو قال: تكفلت بشرط الخيار وأنكر المكفول له الشرط قال في "الأم" و"المواهب" فيه قولان:
أحدهما: يسقط إقراره لأن الإقرار لا يتبعض وقد وصل إقراره بما يبطله.
والثاني: إقراره فتصح الكفالةَ ويبطل قوله بشرط الخيار لأن الحكم لزمه بأول قوله فإذا وصله بما يسقطه سقط الأخير وبقي الأول، وأصل هذا إذا قال: عليّ درهم قضيته يبطل إقراره؟ قولان: وقال بعض أصحابنا: على قياس هذا إذا قال: تكفلت ببدن فلان ولا حق لك عليه هل يبطل إقراره؟ قولان أيضًا.
فرع أخر
لو كان له على رجل حق وله بمن عليه الحق كفيل فقال آخر للمكفول له: تكفلت لك ببدن من عليه الحق بشرط أن تبرأ من كفالةَ فلان وأقوم مقامه، قال ابن سريج: يجوز ومن كالحوالةً على الثاني، وقال أبو حامد: فيه عندي نظر وينبغي أن لا تصح لأنه شرط أن يبرئ غيره من الحق وهذا شرط لا يلزمه الوفاء به.
فرع آخر
لو كان له ألف على رجلين فقال له أجنبي: تكفلت لك ببدن هذا الغريم فإن جئتك به وإلا آنا كفيل يدن الأخر فالكفالةَ باطلةً فيهما.
فرع أخر
اللفظ التي تصح به الكفالة أن يقول: قد كفلت لك بنفس فلان وهذا عرف أهد العراق أو يقول: كفلت له بوجه فلان وهذا عرق أهل الحجاز، وإن ذكر عضوًا يعبر به عن الجملة كالعين والرأس والوجه والرقبة تجوز. وإن كان لا يعتبر به عن الجملة فإن كان لا يحيا بفقده كالكبد والفؤاد والطحال يجوز ويكون كقوله بنفسه؛ وكذلك إذا قال: بنصفه ونحو ذلك يجوز لأنه لا يمكنه إحضار ذلك إلا [٤١/أ] بإحضار
стр. 2708
الكل. وإن كان يحيا النفس مع فقده كاليد والرجل ونحو ذك فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز لأنه ينفرد البدن عنها وربما تذهب اليد وتبقى الكفالةَ فيستحيل الإشارة في الكفالة.
والثاني: يجوز لأنه لا يمكن إحضارها على صفتها إلا إطار البدن وهذا أظهر، وقال أبو حامد والقاضي الطبري: لا تصح الكفالةَ في شيء مما ذكرنا لأن ما لا يسري إذا خص به عضوًا لا يصح كالبيع والنكاح.
فرع آخر
لو أن رجلًا تكفل بالمال الذي عليه وسماه وقال: إن وافيتك به غدًا فآنا بريء من المال فوافاه به عن الغد أو لم يوافه به فالكفالةُ باطلةً.
فرع آخر
لو ادعى رجل قبل عبد دعوى فكفل مولاه بض جاز، وإن كفل بمال لزمه فإن أدى عنه بعد عتقه رجع عليه، وإن أدى عنه قبل عتقه فيه قولان:
أحدهما: لا يرجع بشيء
والثاني: أنه يضرب بما أدى عنه مع غرمائه أن كل الضمان بأمره ابن سريج: وهذا أحب إلي.
فرع أخر
لو تكفل رجل عن رجل بط في على أن يجعل له جعلاً فالضمان باطل والجعل غير لازم وإن لم يشترط الجعل في عقد الضمان جاز ولا جعل له.
فرع آخر
لو أبرأ الطالب الكفيل من المال وأبرأ من عب أصل المال أو قال: أنت في حل هل يبرأ قبل القبول؟ قال القاضي أبو عليّ الزجاجي: فيه قولان أحدهما: بريء وإن لم يقبل وهو الأصح. والثاني: لا يبرأ إلا بعد القبول.
فرع آخر
إذا تكفل ببدن المكاتب لسيده لم يصح لأن الحق الذي عليه غير لازم له فلا تصح الكفالة به.
فرع آخر
لو مات الكفيل بطلت الكفالة. وقال في "الحاوي": يحتمل على قول ابن سريج أن تبطل الكفالةَ لأنها قد تفضي إلى ما يتعلق التركةَ ولا نص عندي في هذا.
فرع أخر
لو مات المكفول له لا تبطل الكفالةً؛ فإن خلف ورثةً وغرماء ووصى بإخراج الثلث فإن كان المستحق على المكفول به لا يتعلق بالمال كان المستحق، (للكفالة) الوارث
стр. 2709
وحده. (وإن) كان مالأ لم يبرأه الكفيل إلا بتسليمه إلى الورثةً والغرماء والوصي جميعًا. ولو سلمه إلى الورثةَ دون الغرماء والوصي أو إلى الغرماء دون الورثة [٤١ أ/ب] لم يبرأ. ولو سلمه إلى الورثة والغرماء وأهل الوصايا دون الوصي ففي براءته وجهان حكاهما ابن سريج: أحدهما: يبرأ لأنه سلمه إلى مستحقيه وإنما الوصي نائب ووسيط. والثاني: لا يبرأ حتى يكون الوصي في جملة من يسلمه إليه، لأن للوصي ولايةً على أهل الوصايا كولي الطفل.
فرع آخر
قال بعض أصحابنا بخراسان: لو ضمن اثنان عن رجل مائةَ درهم على أن كل واحد منهما ضامن لما على صاحبه جاز، وكان كل واحد منهما ضمن شيئين ضمن عن الأصيل نصف المال وعن الكفيل الآخر نصف المال بخلاف البيع لا يصح بهذا الشرط على ما ذكرنا، ثم إن صاحب الحق بالخيار إن شاء طالب الأصيل، وإن شاء طالب هذا الضامن، وإن شاء طالب الضامن الآخر، وإن شاء طالب كل واحدٍ منهما بخمسين ثم يقال للدافع: إن دفعت النصف الذي على الأصل فارجع على الأصيل، وإن دفعت الذي أنت فيه كفيل الكفيل فارجع على صاحبك لكن صاحبك يرجع عليك أيضًا فيتقاضان فلا فائدةَ فيه، وإنما فائدته تظهر إذا قال أحدهما: دفعت النصف الذي أنا فيه ضامن الأصيل وقال الآخر: وأنا دفعت النصف الذي أنا فيه ضامن عن الكفيل فيقول له: ارجع على صاحبك ثم يقول لصاحبه: ارجع بالكل على الأصيل ولو غرم احدهما كل المائةَ فله أن يطالب صاحبه بخمسين، وهل له أن لا يرجع عليه بل يرجع بالكل على الأصيل؟ نُظر كان الأصيل أذن له أن يضمن النصف عن الكفيل الآخر فله ذلك لآنا ذكرنا أن الأصل إذا قال لرجلٍ: اضمن عني ضامني فضمن وكان الضامن الأول ضمن بإذن الأصيل فله الرجوع بما غرم عن الآمر. وإن لم يكن أذن له في ذلك فلا يرجع عليه؛ ولو كانت المسألةً بحالها وهو أن اثنين ضمنا وكل واحدً منهما ضمن عن صاحبه بالإذن، ثم إن أحدهما صالح المضمون عنه عما سيغرمه على عشرة دراهم ففي صحةَ الصلح ذكرنا وجهين: فإن جوزنا الصلح فغرم المائةً لم يرجع بشيء على المضمون عنه ولا على الكفيل الآخر، لأنه لو رجع على الكفيل لرجع الكفيل على الأصل. والثاني: أنه لا يجوز الصلح فعلى هذا القول له قد قبضت [٤٢/ أ] عشرةً؛ فإن شئت فخذ الباقي وهو تسعون من الأصيل، وإن شئت فخذ منه أربعين ومن الكفيل الأخر خمسين.
فرع آخر
في أخذ السفتجةً بالمال جائز وربما تكون بدين ثابت، وربما تكون بقرض حادث فأما بدين ثابت إذا سأل صاحبه من عليه أن يكتب له به إلى بلد لم يلزمه إلا أن
стр. 2710
يشاء فلو اتفقا جاز. وإما بقرضٍ حادثٍ فهو على ضربين.
أحدهما: بشرط أن يكتب له فقد ذكرنا أنه قرض باطل سواء شرطه المقرض أو المقترض.
والثاني: أن يكون قرضًا مطلقًا ثم يتفقان على كتب سفتجةً فيجوز؛ فإن كانت بلغةُ الحوالةً فوردت عليه لزمه أداؤها بأربع شرائط أن يعترف بدين المكاتب، وأن يعترف بدين المكتوب له، وأن يعترف بأنه كتاب المحيل، وأن يعترف بأنه كتبه مريدًا به الحوالة؛ فإذا اعترف بهذه الشرائط لزمه ما فيها سواء فه لفظًا أو لا.
فرع آخر
لو اعترف بدينهما أو بالكتابة وأنكر أن يكون الكاتب أراد به الحوالة فالمذهب الذي يوجبه القياس أنه لا يلزمه، ومن أصحابنا من متى اعترف بالكتابةً والدين تلزمه الحوالة، وإن أنكر الإرادة اعتمادًا على العرف وأن الوصول إلى الإرادةً متعذر.
فرع آخر
لو لم يعترف بالكتاب ولكنه أجاب إلى دفع المال ليكون مضمونًا عليه إلى أن تصح الحوالة جاز؛ ثم اختلف أصحابنا في أن له استرجاعه منه قبل صحة الحوالةً أم لا؟ على وجهين: أحدهما: ليس له اعتبارًا بالشرط وأن له استرجاعه بعد العلم ببطلان الحوالة. والثاني: وهو اختيار الزبيري من أصحابنا يجوز له استرجاعه متى شاء ما لم تثبت صحة الحوالة لأن المال لا يلزمه قبلها.
فرع آخر
لو كانت السفتجة بلفظ الأمر والرسالة لم يلزم المكتوب إليه دفعه إلا أن لفظا سواء اعترف بالكتاب والدين أم لا، وبه قال محمد ﵀، وقال أبو يوسف: إذا قرأها وتركها ترك رضا لزمته وقال بض العراقيين: إذا أثبتها في حسابه أزمته، وعندنا لا يلزمه شيء من هذا؛ وكذلك لو كتب على ظهرها أنها صحيحة قد قبلتها حتى يخمنها لفظًا. ثم لا يلزم الكاتب إلا [٤٢/ب] أن يعترف بها لفظًا ولا يلزم باعترافه الخط. ومن أصحابنا من قال: إن اعترف بالخط لزمه وهو قول من قال: إن المكتوب إليه إن اعترف بالخط في الحوالة يلزمه وهو غير صحيح في الموضعين.
فرع آخر
قال والدي ﵀: لو كان رجلان لكل واحد منهما على الأخر دين اسم أحدهما زيد واسم الآخر عمرو فسأل زيد عمرًا أن يجعل ماله عليه قصاصًا أم لا؟ نظر يلزم عمرو ذلك أم لا؟ نظر فإن كان عمرو موسرًا لزمه أن يفعل ما سأله زيد لأن كل واحدٍ من الحقين معجل ولمن عليه الدين دفعه من أي مال شاء، فإذا أراد زيد أن يدفع
стр. 2711
ما عليه مما له على عمرو لزمه قبوله، وإن كان عمرو معسرا لم يلزمه فعل المقاصة لأنه يستحق الأنظار بما عليه ومطالبةَ زيد بالحق معجلًا فلا يلزمه أن يجعل المؤخر قصاصًا عن المعجل الثابت في الحال وجوبًا وأداءً لأن فيه إلحاق ضرر به كالدين المؤجل مع الحال.
فرع آخر
إذا كان له على آخر دين لا يتمكن من قبضه ولمن عليه الدين دين على آخر فقبضه، منه صاحب الدين الأول لتمكنه منه صح القبض وبرئ من عليه الدين، لأن الدين كعين المال ذكره والدي ﵀ قال: وعلى هذا لو كان للمديون عين مغصوبةً في يد رجل فتمكن صاحب الدين من قبضها فقبضها والمديون ممتنع من قضاء دينه صح القبض
وبرئ الغاضب من الضمان فكذلك القول في الدين. قال: ويحتمل آن لا يبرأ الغاصب لأن بعض أصحابنا قال: صاحب الدين إذا قبض من مال المديون الممتنع من غير جنس حقه فتلف في يده قبل بيعه واستيفاء الحق من ثمنه هل يكون من ضمانه؟ وجهان: فإذا قلنا: لا يلزمه الضمان يبرأ الغاصب فيما ذكرنا، لأن القابض كالوكيل في الأمانةً فكان مثله في رفع الضمان؛ وإذا قلنا: يلزمه الضمان لا يبرأ لأنه ضامن وصل المغصوب إلى يده بغير إذن صاحبه فصار كالغاصب من الغاصب. قال: والأوضح عندي أن يبرأ الغاصب وجها واحدًا كما يبرأ من عليه الدين في مسألةَ الدين، ولا يمكن أن يقال خلافه لأنه لو لم يبرأ لما جاز للقابض قبضه لأنه لا حق له على المقبوض منه [٤٣/أ] وإنما يجوز له استيفاء الحق منه بشرط أن يصير ملكًا للمديون؛ لأول.
فرع آخر
إذا جوزنا الكفالةَ بالبدن من غير إذن المكفول به فطالب الكفيل يلزمه الخروج إليه ويسأله المجيء إلى الحاكم على سبيل التوكيل عن صاحبه على ما ذكرنا، فإذا خرج إليه وأخبره هل يلزم المدعي عليه وهو المكفول ببدنه إجابته إلى ذلك؟ وجهان كما إذا خرج نفس صاحب الحق إليه وسأله الحضور معه عند الحاكم هل يلزمه الحضور معه؟ وجهان: أحدهما: لا يلزمه ما لم يقم البينةُ عليه. والثاني: يلزمه. وهكذا إذا حمل ختم الحاكم أو عونه هل يلزمه الحضور عند الحاكم بنص ذلك؟ وجهان: والأصح أنه يلزمه. ولو أن صاحب الحق طالب الكفيل برد المكفول عليه ولم يأمره بإحضاره عند الحاكم فهل ذك أمر منه بإحضاره؟ وجهان ذكرهما ابن سريج ﵀.
فرع آخر
إذا أراد أن يؤخر من عليه الدين مما عليه فادعى صاحب الدين أنه مؤجل ولا يلزمه قبضه إلى انقضاء الأجل إما للمؤونةً أو لخوف الفساد وادعى من عليه الدين أنه حال
стр. 2712
وعليه أن يقبضه أو يبرئه منه فهل القول قول صاحب الدين أو من عليه الدين؟ قال والدي ﵀: يحتمل وجهين وأصل هذا إذا ادعى من عليه الدين عقيب إقراره التأجيل وادعى من له الدين الحلول فيه قولان.
فرع آخر
إذا زعم الضامن أن المضمون له أبرأه من ضمانه وأحضر شاهدين أحدهما المضمون عنه فإن كان الضمان من غير أمر المضمون عنه صحت الشهادة، وإن كان بأمره لا تصح.
تم الجزء الخامس حسب تقسيم المحقق
ويليه إن شاء الله الجزء السادس
وأوله: كتاب الشركةْ
стр. 2713
بحر المذهب
في فروع المذهب الشافعي
تأليف
القاضي العلامة فخر الإسلام شيخ الشافعية
الإمام أبي المحاسن عبد الواحد بن إسماعيل الروياني
المتوفى سنة ٥٠٢ هـ
تحقيق
طارق فتحي السيد
الجزء السادس
يحتوي على الكتب التالية:
الشركة - الوكالة - الإقرار - الوديعة - قسم الفيء والغنائم
الصدقات - العارية - الغضب
دار الكتاب العلمية
стр. 2714
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتاب الشركة
تحريت فيها مذهب الشافعي رحمة الله عليه. قال المزني ﵀: "الشركةُ من وجوٍه".
الفصل
وهذا كما قال: الأصل في الشركة وجوازها الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فقول الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ الآية [الأنفال: ٤١] فأضاف الغنيمة إلى الغانمين ثم قطع منها الخمس لأهله فحصلت أربعة أخماس مشتركة بين الغانمين [٤٣/ ب] والخمس مشترك بين أهله. وأيضاً قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢] وأيضاً قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِنْ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية [ص: ٢٤]. والخلطاء هم الشركاء. وأما السنَّة ما روى جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من كان له شرك في رَبْعٍ أو حائط فلا يبعه حتى يُؤذن شريكه (١). وروي أن البراء بن عازب وزيد بن أرقم ﵄ كانا شريكين فاشتريا فضة بنقد ونسيئة فبلغ رسول الله ﷺ فأمرهما أن ما كان بنقد فأجيزوه، وما كان نسيئة فردوه" (٢). وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "يد الله على الشريكين ما لم يتخاونا" (٣). وروي أنه ﷺ قال: يقول الله تعالى: "أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه فإذا خان احدهما صاحبه خرجت من بينهما" (٤) رواه أبو هريرة ﵁. وروى مجاهد أن قيس بن السائب ﵁ قال: "إن رسول الله ﷺ كان شريكي في الجاهلية وكان خير شريك لا يشاري ولا يماري" (٥) المشاراة اللجاج.
وأما الإجماع فلا خلاف بين المسلمين في جوازها. فإذا تقرر هذا ذكر المزني أنه تحرى كتاب الشركة على مذهب الشافعي وهذا يوهم أنه ليس للشافعي شيء في الشركة
стр. 2715
وليس كذلك لأن للشافعي كتاب الشركة في اختلاف العراقيين ونقل الربيع والبويطي شيئًا منها. وقيل: قوله الشركة من وجوه غلط بل الصحيح إذا شركة من وجه واحد وهو أن يجعلا شريكين في المال، وإنما أسباب الشركة كثيرة من الإرث والهبة للجماعة والغنيمة والشراء، بين جماعة. ولأنه ذكر وجوهًا وكلها جهات الشيوع لا حقيقة ما يسمى شركة، فإن اسم الشركة في الشريعة وعرف اللسان يقتضي مع الشيوع صفة أخرى وهي أن يأذن كل واحد منهما للآخر في التصرف، وجملة ذلك أن الشركة مباحة إذا كان الشريكان مسلمين فإن كان أحدهما مسلمًا والآخر كافرًا كرهناه، سواء كان المتصرف المسلم أو الكافر.
وحكي عن الحسن البصري [٤٤/ أ] ﵀ أنه قال: إن كان المتصرف المسلم لا يكره وان كان المتصرف الكافر أو هما كره لأن الكافر يتصرف في المباح والحرام بخلاف المسلم وهذا غلط لما روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: أكره أن يشارك المسلم اليهودي والنصراني والمجوسي لأنهم يربون والربا لا يحل ولا مخالف له. ولأن مال اليهود ليس بطيب فإنهم يبيعون الخمور ويتعاملون بالربا فكرهت مشاركتهم.
ثم أعلم أن الشركة على ستة أضرب في الرقاب والمنافع، وفي الرقاب دون المنافع، وفي المنافع دون الرقاب. وفي المنافع المباحة، وفي حقوق الأبدان، وفي حقوق الأموال.
فأما التي في الرقاب والمنافع معًا: فالشركة في الأعيان المملوكة كالعقار والحيوان والنيل والبغال والحمير والثياب ونحو ذلك.
وأما في الرقاب دون المنافع وفي المنافع دون الرقاب بأن يوصى لجماعة بمنفعة دارٍ على التأبيد فتكون المنفعة دون الرقبة مشتركة بين الموصى لهم بها والرقبة دون المنفعة مشتركة ين الورثة.
واختلف قول الشافعي في الوقت على قولين: أحدهما: تنتقل رقبة الوقف إلى الله تعالى لا إلى مالك فعلى هذا يكون أهل الوقف شركاء في المنافع دون الرقاب. والثاني: أنها تنتقل إلى الموقوف عليه فعلى هذا يكون أهل الوقف شركاء في المنافع والرقاب معًا.
وأما الشركة في المنافع المباحة فهي مانع الكلب إذا مات وله ورثة وخلف كلابًا كانوا شركاء في منافعها والمنفعة غير مملوكة لهم لأنها لا تضمن بالغصب. وهكذا لو أوصى بمنفعة كلب لجماعة.
وأما الشركة في حقوق الأبدان فالقصاص، وحد القذف إذا ورثوا قصاصًا أو حد قذف كانوا فيه شركاء، وإنما يختلفان من وجه وهو أن القصاص حق لهم ولكل واحٍد منهم قدر نصيبه من الميراث، وحد القذف حق لهم ولكل واحٍد منهم تمامه حتى لو ترك واحد منهم حقه كان للباقين الاستيفاء، ولو عفا عنه الكل إلا واحدًا كان لذلك الواحد أن يستوفيه.
وأما الشركة في حقوق الأموال: فالآخذون بالشفعة يستحقون [٤٤/ ب] الشفعة بالشقص الذي هو شركة بينهم. والقصد من هذا الكتاب الشركة لابتغاء الفضل
стр. 2716
بالتصرف وكل هذه الأقسام يرجع إلى قسمين شركة في الأعيان، وشركة في المنافع، وكلها ينقسم قسمين: أحدهما: شركة تحصل بين قوم بغير اختيارهم وهو الميراث. وشركة لا تحصل بغير تراضٍ وهي ما عدا الميراث إلا أن يختلط مالان فيكون المالان شركة بينهما بغير اختيارهما.
وقيل: الشركة من ثلاثة أوجه في الأعيان، وفي المنافع وفي الحقوق. فالذي في الأعيان من وجوه شركة التجارة بالشراء، مشتركًا والهبة والميراث وفي المنافع والحقوق ذكرنا. ومن جملتها حق الرد بالعيب وخيار الشرط ونحو ذلك. وذكر المزني بيان القسمة ها هنا وليس هذا موضعه ولكنا نشير إلى طرف منها فالقسمة جائزة في الأموال المشتركة ولا يفتقر فيها إلى لفظ بيع كما قسم ﷺ خيبر من غير بيع. والقرعة جارية في كل قسمة تشبه قسمة الغنائم وإنما تجوز فيما يحتمل القسمة، فإن ما لا يحتملها تؤدي القسمة فيها إلى إضاعة المال. وإنما يقسم إذا دعا بعض الشركاء، إلى القسمة ولا يجبر الحاكم عليها قبل ذلك.
وقال: لا يجوز قسمة رقاب الأوقاف، وعلل بأنه ارتفع الملك عنها وهذا يوهم أنا إذا حكمنا بالملك للموقوف عليهم جازت لهم القسمة وليس المذهب هكذا بل هم ممنوعون عن قسمة الرقبة على جميع الأقاويل. ومعنى قوله: لارتفاع الملك عنها أي لارتفاع الملك الكامل عنها، ونحن وإن حكمنا بالملك لهم في أحد القولين فهو موصوف بالضعف، ألا ترى أنه لا يستحق به الشفعة والقسمة حتى لمن تكامل ملكه؟! فإن تراضوا على المهايأة للسكنى سنة فسنة فلا بأس لأن المهايأة قسمة المنافع وملك لهم على الإطلاق. وقوله: (سنة فسنة) ربما يوهم ذلك تقديرًا بالسنة وليس كذلك إليهم في السكني، فإن شاءوا زادوا وإن شاؤوا نقصوا. وتلطف المزني فنص على المدة الطويلة في المهايأة تنبيهًا على جوازها في المدة القصيرة، إذ لو نص على المدة القصيرة لم يحصل التنبيه على المدة الطويلة. وإن كانت أرضًا تزرع فالمهايأة على مدة لإمكان الزراعة والحصاد لتتوفر الفائدة [٤٥/ أ) وأما غلة الأوقاف من ثمارها وأجرتها تجوز قسمتها بلا إشكال.
مسألة: قال (١): والذي يشبه قول الشافعي أنه لا تجوز الشركة في العروض.
الفصل
وهذا كما قال: هذا نص قول الشافعي رحمة الله عليه في "البويطي" ولكن ذكره المزني من عنده، وجملته أن العَرَض بفتح الراء كل ما يتمول من النقود وغير النقود. والعَرْض بسكون الراء، كل ما يتمول إلا النقود وبفتح الراء أعم.
وجملته أن الأموال في الشركة على ثلاثة أضرب نقود، وعرض لا مثل له وعرض له
стр. 2717
مثل، فأما النقود: فالشركة فيها جائزة إذا كان المالان على صفة لا يعرف مال أحدهما عند الخلط عن الآخر.
فأما العرض الذي لا مثل له كالثياب والعقار والحيوان فلا تصح فيها الشركة، فإذا كان لكل واحد منهما عبد أو ثوب ونحو ذلك فالشركة فيها لا تصح بعقد الشركة فإن قالا: اشتركنا في هذين العبدين أو الثوبين ولم تنعقد الشركة، وبه قال جماعة العلماء. وقال ابن أبي ليلى: تصح الشركة في العروض كلها، وحكي عن مالك أنه قال: تصح الشركة في العروض كلها إلا فيما فيه الربا من الحنطة والشعير.
وحكي عنه أنه قال: تصح ويكون رأس المال قيمتها واحتج بأن مقصود الشركة أن يملك أحدهما نصف مال الآخر وتكون أيديهما عليه وهذا موجود في العروض فتصح الشركة فيها وهذا غلط لأن هذه الشركة لا تخلو إما أن تكون واقعة على أعيانها، أو على أثمانها، أو على قيمتها فلا يجوز الأول لأن الشركة توجب أن لا يتميز مال أحدهما عن الآخر وأن يرجع عند المفاصلة إلى رأس المال ولا مثل لها فيرجع إليه وقد تزيد قيمة جنس أحدهما دون الآخر فيستوعب بذلك جميع الربح أو تنقص قيمته فيؤدي ذلك إلى أن يشاركه الآخر في ثمن ملكه الذي ليس يربح، وان ما يتلف من مال الشركة يختصر به أحدهما وهو مالك العين ولا يجوز أن تكون واقعة على أثمانها لأن ذلك يكون مضاربة معلقة بشرط وهو بيع الأعيان، ويكون أيضًا عقد الشركة على ما لا يملكان حال العقد ويكون أيضًا عقد الشركة على مجهول، ولا يجوز أن تكون واقعة على قيمتها لمثل هذا المعنى فدل أنها باطلة فيها وهذا جواب [٤٥ / ب] عما ذكره من الدليل.
فإذا تقرر هذا فإن أحبا أن يكونا شريكين فيها بغير عقد الشركة صح من وجود أحدها: ما قاله المزني: يشتري نصف عبد صاحبه بنصف عبد نفسه، فإذا تبايعا صار العبدان بينهما ويجب أن يتعاقدا البيع من غير شرط تصرف كل واحد فيه فإن ذلك يفسد البيع، ثم إذا تعاقدا البيع من غير شرط إذن كل واحٍد منهما لصاحبه في التصرف في العرضين جميعًا ويكون تصرف كل واحٍد منهما بحسب إذن صاحبه على ما بيناه. وهذا إذا اتفقت القيمتان، فإن اختلفت القيمتان فكانت قيمة أحدهما ألفًا وقيمة الأخر ألفين، فالوجه أن يشتري ثلثي العبد الذي قيمته ألف بثلث عبده الذي قيمته ألفان فيكون العبدان شركة بينهما لأحدهما ثلث العبدين، وللآخر ثلثا العبدين. وقول المزني: "ويتقابضا" لم يرد به أن القبض شرط في صحة البيع، وإنما ذكره لأنه شرط في الشركة فإن كل واحد من الشريكين يتصرف في جميع مال الشركة ولا يصح ذلك قبل القبض منه أو من وكيله. ثم لو باعا عرضيهما بعد التقابض فربحا فالربح بينهما على قدر المالين.
ولو حبسا ماليهما فارتفعت السوق فهما في ارتفاع السوق سواء ويحتمل أن يكون مراد المزني بالحبس التحبيس وهو الوقف والله أعلم. ولو عارضا ذلك بعرض آخر
стр. 2718
فهما في ملك العرض الثاني سواء لأنهما كانا في العرض سواء.
ثم اختلف أصحابنا في أنهما هل يفتقران إلى العلم بقيمة العرضين؟ على وجهين:
أحدهما: يفتقران إليه ليعلما ما يحصل لهما من فضل أو يرجع عليهما من عجز.
والثاني: لا يفتقران إليه لا ليعلما ما يحصل لهما من فضل أو يرجع لأنهما لما
تساويا في ربحه ونقصه لم يكن بهما حاجة إلى تمييز الربح من الأصل، فإن قيل: لم قيد المزني أصل المسألة بالنصف وما معنى التقدير به، ولو تبايعا ثلثًا بثلثين أو ثلثًا بثلث جاز. قلنا: لا بد للمصنف من عبارة الإفهام فإن عاد قال: نصفًا بنصف، وإن شاء قال: بعضًا ببعض ولو قال: بعضًا ببعض كان أولى وأعم ولكنه لعله أراد أن يفرغ عليه قوله لا فضل لأحدهما على الآخر في الربح فصور المسألة في المناصفة ليستقيم [٤٦/ أ] التفريع.
فإن قال قائل: ما معنى قول المزني: ولا تجوز الشركة في العروض ولا فيما يرجع في حال المفاصلة إلى القيمة العروض؟. قلنا: ليس كذلك وله بالعروض مقصود وهو ما سوى النقود وبقوله: ما يرجع في حال المفاضلة إلى القيمة مقصود آخر وهو النقود المختلفة وذلك أن بضاعة أحد الشريكين لو كانت دنانير هروية وبضاعة الآخر دنانير نيسابورية لم تجز الشركة بينهما لأنهما وإن خلطتا كانتا ممتازتين، وكذلك إذا كانت إحديهما مكسرة والأخرى صحيحة أو إحديهما عتيقة والأخرى حديثة فيحتاج إلى التقويم عند المفاصلة لإيصال كل واحد منهما إلى حقه. وعند أبي حنيفة يجوز، وإن اختلفا في الجنس والنوع والصفة.
وقال أيضا: يجوز وإن كان لأحدهما دنانير وللآخر دراهم لأنهما يجريان مجرى الجنس الواحد. وقيل: في لفظ المزني خلل لأنه قال في أول الكتاب: الشركة من وجوه الغنيمة ونظائرها، ثم قال: والذي يشبه قول الشافعي أنه لا تجوز الشركة في العروض، ومعلوم أن الغنائم والمواريث قد تكون عروضًا، ومراد المزني بما ذكر في أول الباب بيان شيوع الأملاك ومراده في هذا الموقع شركة التصرف وكان ينبغي أن يهذب الألفاظ فيقول بعدما ذكر وجوه الشركة: لا تصح شركة التصرف في العروض ليستقيم ذلك.
والوجه الثاني ذكره البصريون: أن يشتري نصف عبد صاحبه بمائة ويبيع من صاحبه نصف عبده بمائة ويتقاصان الثمن أو يتباريانه فيبقى العبدان شركة بينهما وهذا قريب مما قاله المزني، وما قاله المزني أحصر.
والوجه الثالث ذكره البغداديون أن يكون لكل واحٍد منهما عرض فيشتركا في شراء متاع بثمن في ذمتهما ثم يدفع كل واحٍد منهما عرضه بما عليه من ثمن المتاع، وهذا في الحقيقة لا يكون شركة في العروض بل هو شركة في المتاع بثمن في الذمة وكان العرض عوضًا فيه، وذكر أبو العباس ابن سريج: هذا الوجه أن يكون لكل واحٍد منهما عبدًا فيشتريان عبدين بألف فيكون على كل [٤٦/ ب] واحٍد منهما من الثمن خمسمائة
стр. 2719
فيعطي كل واحد منهما عبده الذي ينفرد به بما عليه من الثمن فيكون العبدان المبيعان بينهما وهذا يصح إذا وقع الشراء مطلقًا ونقد كل واحٍد منهما ما عليه، فإن كان على شرط لا يصح.
وإن كان لكل واحٍد منهما عبد فاشتريا بهما ثوبًا فقد ذكرنا في صحة البيع قولين:
أحدهما: لا يجوز لأنه تتفاوت قيمة العبدين ولو بأدنى شيء فلا يدري كل واحٍد منهما كم حصته من الثوب وقت الشراء.
والثاني: يجوز ثم يوزع الثوب على قيمة العبدين، ثم يصيران شريكين في الثوب شركة صحيحة. وقد قال ابن سريج: القولان فيه كالقولين في الصداق إذا تزوج أربع نسوة على صداق واحد. وقال أبو إسحاق: هذا باطل قولًا واحدًا، والفرق أن الصداق تبع لعقد النكاح الذي لم يكن للإجماع تأثير في فساده فكان الصداق بمثابته وها هنا الثمن المقصود والجهالة فيه تمنع صحته فافترقا.
وأما العروض التي لها مثل كالحبوب والأدهان والتمور اختلف أصحابنا فيه، قال ابن سريج وأبو إسحاق: يجوز فيها الشركة كالأثمان لأن الحنطة إذا اختلطت بالحنطة تعذر التمييز، ويؤمن فيه المعاني التي ذكرناها فيما لا مثل له لأنه متى تغيرت قيمة أحدهما تغيرت قيمة الأخر ويفارق المضاربة لأنه ربما يزيد قيمة جنس رأس المال فينفرد رب المال بجميع الربح، وذلك لا يجوز، وهذا أصح وهو ظاهر كلام المزني لأنه قال: "ولا فيما يرجح في حال المفاصلة فيه إلى القيمة" فدل أنها تصح فيما يرجع فيه إلى المثل. ومن أصحابنا من قال: لا تجوز فيها الشركة وهو ظاهر المذهب؛ لأنه قال في "البويطي": ولا تجوز الشركة إلا في الدراهم والدنانير، وهذا لأنها ليست بنقد فلا يجوز فيها عقد الشركة كما لا تجوز المضاربة وبه قال أبو حنيفة ﵀.
فرع
قال أبو حامد في "الجامع": "تصح الشركة في كل شيء يتقارب أجزاؤه ويختلط ولا يتميز إذا كانت قيمة ما يختلط به سواء"، وهذا لأن قيمة أحدهما إذا كانت أكثر فخلطاهما نقصت قيمته بالخلط، ولا يجوز أن يشترط فيما يلحقهما ضررًا بالشركة فإن كانت حنطتان قيمة إحداهما أكثر من قيمة الأخرى [٤٧/ أ] فخلطاهما لم يكونا شريكين شركة التجارة حتى يبيعا، فإذا باعا كان الثمن مشتركًا بينهما، فإذا أذن كل واحد منهما لصاحبه في التصرف في نصيبه نفسه صارا شريكين.
فرع آخر
لا تجوز الشركة في الفلوس والمزيفة والزرنيخة والدراهم المغشوشة، لأن الفضة فيها مجهولة ويجب أن يكون مال الشركة معلومًا.
فرع آخر
متى صححنا الشركة بينهما فلكل واحٍد منهما أن يتصرف في قدر ملكه بما شاء من
стр. 2720
التصرف، وفي النصف الذي لشريكه لا يتصرف إلا بالإذن صريحًا على ما ذكرنا. وقال في "الإفصاح": إذا قالا: نتشارك في هذين المالين وفعلًا ذلك وخلطا يجوز لكل واحٍد منهما أن يتصرف في نصيب شريكه من غير تجديد الإذن لأن قولهما: نتشارك يحمل على الشركة الصحيحة وهي إطلاق التصرف لكل واحٍد منهما في جميع المال.
قال: ولأن فائدة عقد الشركة هذا وإلا فالاشتراك حاصل باختلاط المال قبل العقد وهذا هو العرف في موضوع اللفظ، وبه قال أبو حنيفة وهو اختيار ابن سريج، والمذهب المنصوص ما ذكرنا لأن حدوث الشركة في المال لا يوجب التصرف في جميعه كما لو ورثا مالًا.
فرع آخر
إذا أذن أحدهما لصاحبه في التصرف نظر، فإن كان إذنًا مطلقًا بأن قال: تصرف بما شئت من أنواع التصرف تصرف فيما شاء. وإن قيد فقال: لا تتجر إلا في النوع الفلاني اختص بذلك النوع، وسوا، كان ذلك مما يعم وجوده أو لا يعم ويفارق القراض حيث قلنا: لا يجوز إلا فيما يعم وجوده لأن القصد منه حصول الربح والفضل، فإذا كان مما لا يعم وجوده لا يحصل المقصود، والقصد من الشركة الإذن في التصرف فيجري مجرى الوكالة وهذا يحصل فيما لا يعم وجوده.
فرع آخر
لو أذن أحدهما لصاحبه دون الآخر فالذي لم يؤذن له يتصرف في ملك نفسه فحسب والمأذون يتصرف في الكل على ما ذكرنا.
فرع آخر
لا يجوز لواحد منهما أن يسافر بالمتاع إذا كان الإذن مطلقًا في التصرف، فإن أذن له في السفر جاز له أن يسافر به في الأسفار المأمونة في الغالب.
مسألة (١): قال: وشركة المفاوضة [٤٧/ ب] عند الشافعي ﵀ لا تجوز.
الفصل
وهذا كما قال: شركة التجارة على أربعة أضرب: أحدها: شركة العنان. والثاني: شركة المفاوضة. والثالث: شركة الأبدان. والرابع: شركة الوجوه:
فأما شركة العنان فحكمها يأتي.
وأما شركة المفاوضة فاشتقاقها من التفويض بغير التوكيل فهي باطلة، وبه قال جماعة العلماء. وقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي: هي صحيحة. وحكى أصحاب مالك عنه أنها جائزة في الجملة.
وصورتها عند أبي حنيفة أن يكونا حرين مسلمين ويخرج كل واحٍد منهما جميع ما
стр. 2721
يملكه من ورق وعين ويكونا في الربح متساويين ويكون مالهما سواء ويقولان: تفاوضنا شركة المفاوضة أو تشاركنا شركة المفاوضة تم بموجبها أن كل ما لزم أحدهما هن ضمان أو إتلاف مال بالغصب كان الآخر شريكًا فيه إلا في الجناية على الأحرار فقط وكل ما استفاده أحدهما من وجوه التجارة كلها كان بينهما. وإن كان من غير التجارات كالصيود والهبات والميراث نظر، فإن لم يكن من جنس الأثمان فهما على الشركة، وإن كان من جنس الأثمان فهما على نفس الشركة ما لم يقبضه فإذا قبضه زالت المفاوضة وصارت شركة عنان. قال: ولا تجوز بين حر ومكاتب، ولا بين مسلم وذمي ولا عند تفاوت ماليهما ولا عند اشتراط تفاضل الربح، ولا يجوز أن ينفرد أحدهما بشيء من النقود خارجًا عن الشركة. قال الشافعي (١) رحمة الله عليه: لو كانت شركة المفاوضة صحيحة فليس في الدنيا عقد باطل ما القمار إلا هذا أو القمار أقل منه. واحتجوا بقوله ﷺ : "إذا تفاوضتم فأحسنوا المفاوضة". وروي أنه قال: "فاوضوا فإن في المفاوضة بركة" وهذا غلط لأنها شركة لا تصح بين حر ومكاتبة، ولا بين مسلم وذمي، ولا عند تفاضل المال فلا يصح أصلًا وفيها غرر من وجوه ويشتمل على عقود باطلة فلا وجه لتجويزها. وأما الخبر: غير معروف، وإن ثبت أراد المفاوضة في الحديث والمشاورة والمناظرة في العلوم وفي هذا المعنى قال ﵇: "لا تجادلوا فإن المجادلة من الشيطان". ولو خالفا واشتركا على ما قال أبو حنيفة ﵀ [٤٨/ أ) كان لكل واحد من الربح بقدر ماله ويرجع كل واحد منهما على صاحبه بأجرة مثل عمله على ماله.
وأما شركة الأبدان فباطلة وصورتها يشترك صانعان على أن يعملا فما رزق الله تعالى من فضل كان بينهما كالنجارين والحائكين والخياطين ونحو ذلك فكله باطل سواء اتفقت الصنعتان أو اختلفتا. وقال أبو حنيفة: يصح ذلك بكل حال إلا في الاحتطاب والاحتشاش والاغتنام. وقال أحمد: يجوز في جميعها. وقال مالك: يجوز مع اتفاق الصنعتين، ولا تجوز مع الاختلاف لأن الحاجة تدعو إلى ذلك في الصنعة الواحدة ويتقارب الكسبان فيها. وهذا غلط لأنها شركة على غير مال فلا تجوز كما لو اختلف الصنعتان وهذا على مالك. وكما لو كان في الاحتشاش ونحوه وهذا على أبي حنيفة. وأما ما ذكره لا يصح لأنه لا حاجة إلى هذه الشركة ويكفي جواز الاستعانة بالإجارة وإذا كانت الصنعتان متفقتين قد يختلف كسبهما ويتقارب عند اختلاف الصنعتين فلا اعتبار بما ذكره. واحتج أحمد بما روي "أن سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود وعمار بن ياسر ﵃ اشتركوا فيما يغنمونه فأتى سعد بأسيرين ولم يأتيا بشيء فشرك رسول الله ﷺ بينهما" (٢). وهذا غلط لما ذكرنا، ولا حجة في هذا الخبر "لأن
стр. 2722
غنائم بدر كانت لرسول الله ﷺ وكان له أن يدفعها إلى من يشاء" فدفعها إليهم لهذا. وقال بعض أصحابنا: للشافعي قول آخر إنه تجوز شركة الأبدان، لأن الشافعي قال في كتاب "الإقرار": ولو أقر أحد الشريكين على صاحبه بمال لم أقبل إقراره، سواء كانا شريكين في المال أو العمل.
وقال ابن أبي هريرة: فَرّع الشافعي هذا على قول من أجاز شركة الأبدان دون مذهب نفسه. أو أراد اشتركا في المال على أن يعملا جميعًا فيه مناعة واحدة فالمسألة على قول واحد أنها لا تجوز. فإذا تقرر هذا، فلو اشتركا وعملا لا يخلو عملهما من أحد أمرين، إما أن يكون عمل كل واحٍد منهما متميزًا عن عمل صاحبه أو غير متميز، فإن كان متميزًا مثل أن يكون أحدهما خاط قميصًا والآخر قميصًا آخر أو نجر أحدهما بابًا والآخر [٤٨/ ب] بابًا آخر أو حاك أحدهما ثوبًا والأخر ثوبًا آخر فإن لكل واحدًا منهما أجرة ما عمله لا يشاركه صاحبه فيها، وإن كان غير متميز مثل أن يكونا نجرا بابًا واحدًا أو نسجا إزارًا واحدًا، أو خاطا ثوبًا واحدًا قسما الأجرة على قدر أجور أمثالهما.
وأما شركة الوجوه: فهي أن يكون رجلان وجيهان في السوق يشتركان على أن ما يشتري كل واحد منهما ويبيعه بجاهه يكون بينهما نصفين. ومن أصحابنا من قال: تفسيرها أن يكون رجل وجيه في السوق قال لآخر لا جاه له: أنا آخذ المتاع بجاهي وأعطيك حتى تتصرف فيه ويكون ما يحصل من الربح بيننا نصفين، فأحدهما يحصل المتاع، والآخر يتصرف فيه، ويكون من أحدهما الشراء ومن الآخر البيع.
وقد ذكرهما صاحب "الإفصاح" على الاختصار فقال: شركة الوجوه أن يقول: مني المال ومنك التصرف، أو يكون ما يكتسب بجاهه فهو بينهما فعندنا لا تجوز هذه الشركة. وحكي عن أبي حنيفة أنه أجازها وقيل: هي أن يكون الرجل ذا جاه فيقول لغيره: اشترِ على جاهي متاعًا والربح بيننا.
وتسمى شركة الجاه أيضًا. وقيل شركة الجاه أن يكون الجاه لأحدهما وشركة الوجوه أن يكون الجاه لهما. وهذا خلاف في العبارة والحكم فيهما سواء وهو البطلان والعلة ما ذكرنا في شركة الأبدان. فإذا تقرر هذا فإن اشتركا هكذا وتصرفا لا يخلو حال مشتري المتاع، فإن اشتراه لنفسه فهو مالك له ولا شيء للآخر في ربحه ولا عليه خسرانه. وإن اشتراه كله لصاحبه لا يصح، لأنه أذن له في شراء نصفه، ويكون الشراء لازمًا له في النصف الزائد على القدر الذي أذن له فيه، والنصف المأذون فيه يلزم الآمر على الشروط التي يذكرها، ولا يخرج على قولي تفريق الصفقة لأن الصفقة لم تختلف في الصحة والفساد. وإن اشتراه بينهما فهو في النصف مشتر لنفسه فلزمه وفي النصف الآخر في حكم المشتري لموكله فيصح بثلاثة شرائط: أن يكون وصف له النوع الذي يتجر فيه سواء كان نوعًا واحدًا أو أنواعًا لأن الإذن في شراء ما لم يوصف باطل. والثاني: أن يقدر له المال الذي يشتري به لأن ما لم يقدره لا نهاية له بخلاف [٤٩/ أ]
стр. 2723
شركة المال والقراض فإن المال مقدر فلا نحاج إلى تقديرهما بالذكر. والثالث: أن ينوي في عقد الشراء أنه له ولصاحبه سواء كان المأذون في ابتياعه معيًا أو لا.
وقال أبو حنيفة: إن كان معينًا مثل إن قال: اشتر لي هذا العبد صح الشراء للموكل بغير نية وهذا غلط قياسًا على غير المعين. وأما ما يشتريه المضارب والشريك في المال يحتاج إلى نية أنه في مال المضاربة والشركة. ثم إذا صح الشراء لهما بهذه الشرائط فللمشتري على شريكه نصف أجرة مثله فيما اشترى وباع.
وقال أبو حنيفة: ليس لواحٍد منهما أجرة عمله لأن العمل في الشركة لا يقابل شيئًا من الربح فلم يكن لوجوده تأثير. وهذا غلط لأن حكم الشركة إذا زال بفسادها غلب فيها حكم الوكالة على عوض فاسد، وذلك موجب لأجرة المثل. وإذا صح الشراء لأحدهما فدفعه إلى صاحبه وتصرف فيه فإن جميع الثمن بما فيه من الربح لصاحبه وله أجرة مثله عليه فيما عمله. وأعلم أنه على التفسير الأول كل واحٍد منهما يشتري، وعلى التفسير الثاني أحدهما يشتري، والحكم على ما ذكرنا فيما يكون مأذونًا وما لا يكون مأذونًا.
مسألة (١): قال: والشركة الصحيحة أن يخرج كل واحد منهما دنانيير مثل دنانير صاحبه.
الفصل
وهذا كما قال: الكلام الآن في الشركة الرابعة وهي الشركة الصحيحة وتسمى: شركة العنان، وأجمع العلماء على صحتها.
واختلفوا في معنى تسميتها بالعنان فمنهم من قال: العنان المماثلة والمساواة يعني تساويًا فيها كتساوي عناني فرس الرهان عند الابتداء بالسير يقفان معًا لا يسبق عنان أحدهما عنان صاحبه. وقيل: معناها المساواة أيضًا ولكن فتاوى عناني فرس الرهان في السير والكَرّ والإجهاز إذا تسابقا تساويا في التمكن من التصرف في العنانين. وقيل: هي مشتقة من عنَّ الشيء إذا عرض فكل واحد من الشريكين عنَّ له أن يشارك صاحبه. أو جعل كل واحد لصاحبه أن يتجر فيما عنَّ له أي عرض. وقيل: معناه أن عنان الدابة يقصرها على تصرف مخصوص كذلك المال في شركة العنان يقصر [٤٩/ب] على التصرف المخصوص فليس لأحدهما أن يتصرف ولا يهب منه بعد أن كان ذلك له قبل الخلطة.
وقال أهل اللغة: العنان من المعانة وهي المعارضة والمعارضة المساواة ومنه قيل: تعارض الخبران والقياسان يعني تساويا، والعنان مأخوذ من هذا، وهو أن سيريه يتساويان معًا، وعان كل واحد منهما صاحبه وكل واحد من الشريكين عارض صاحبه بمثل ماله وفعاله. والأصل فيها شركة المساواة والمماثلة. وقال أهل العراق: اشتقاقها
стр. 2724
من العناء فإن الفارس إذا ركب كانت إحدى يديه في العنان والأخرى يتصرف فيها كيف شاء، كذلك مالهما الذي في الشركة مقصور على الشركة وما بقي يتصرف فيه كيف شاء، كذلك وفرق بينها وبين المفاوضة التي لا تصرف لأحدهما في غير شركة المفاوضة لأنه لا يجوز أن يكون لأحدهما مال من جنس الأثمان خارجًا عنه.
وجملته: أنها لا تصح إلا بأربع شرائط: إحداها أن يكون ما يخرجه كل واحٍد منهما مثل ما يخرجه الآخر جنسًا ونوعًا وصفًة وصفة الجنس أن يكون دراهم أو دنانير أو لا يكون منهما. وصفة النوع أن يكون سكة واحدة راضية أو غزية أو نيسابورية ولا يكون بعض من واحد أو بعض من آخر. والصفة أن تكون صحاحًا أو مكسرة ولا يكون منهما وهذا لأنهما لا يختلطان والخلط شرط عندنا. وقال مالك: لا يشترط الخلط ولكن يشترط أن تكون يدهما على المالين، أو يد وكيلهما وهذا غلط لأنهما إذا كانا متميزين فمال كل واحدٍ منهما يتلف منه دون صاحبه فلا تنعقد الشركة كما لو لم يكن في يدهما. وهل تفتقر هذه الشركة إلى وجود المماثلة في المقدار؟
قال عامة أصحابنا وهو المذهب: لا تفتقر إليه ويجوز التفاضل فيه فيكون لأحدهما ألف وللآخر ألفان. وقال أبو القاسم الأنماطي: لابد فيها من المماثلة في القدر، لأن الشافعي ﵀ قال: والشركة الصحيحة أن يخرج كل واحد منهما دنانير مثل دنانير صاحبه، ولم يفرق بين الصفة والمقدار وهذا لأنهما يتفاضلان في الربح على استوائهما في العمل فكما لا يجوز التفاضل [٥٠/ أ] في الربح مع التساوي في المال، لا يجوز التفاضل في الربح مع التساوي في العمل. وهذا غلط لأن العمل في الشركة تابع للمال والمال هو الأصل فلم يصح اعتبار العمل بالمال. ومراد الشافعي بما ذكر المثل في الجنس والصفة دون القدر.
والشرط الثاني: في خلط المالين، فلو اشتركا ولم يختلطا لم يجز على ما ذكرنا. وقيل: يشترط خلط المالين ثم العقد فيقولان: اشتركنا بعدما خلطنا.
والثالث: أن يأذن كل واحد منهما لصاحبه في التصرف، ولو خلطا ولم يأذنا في التصرف لا يجوز التصرف وقد ذكرنا. وذكر بعض أصحابنا بخراسان أنه يشترط تعيين النوع الذي يتصرفان فيه خلافًا لأبي حنيفة. وأما قول المزني: فإن اشتريا لا يجوز أن يبيعه أحدهما دون صاحبه أراد أنهما لو خلطا المالين واشتريا شيئًا معًا من رجل لا يجوز لأحدهما أن يبيع ذلك الشيء إلا بإذن صاحبه، وقد صرح المزني بهذا في "الجامع الكبير".
ومن أصحابنا من قال: هذا راجع إلى شركة العروض، ومعناه إذا باع أحدهما نصف عرضه بنصف عرض صاحبه لا يجوز لأحدهما أن يبيع دون صاحبه والأول أصح. ثم قال المزني: "فإن جعل كل واحٍد منهما لصاحبه أن يتجر في ذلك كله بما رأى من أنواع التجارات قام في ذلك مقام صاحبه فما ربحًا أو خسرًا فلهما وعليهما نصفين". فإن قال قائل: كيف قام مقام صاحبه وصاحب الملك يبيع بما عز وهان من
стр. 2725
الثمن فينبغي أن يجوز له البيع أيضا بما عز وهان من الثمن؟ قلنا: معنى قوله: قام مقام صاحبه في أمل جواز البيع لا في صفة البيع والمحاباة. ولو قال: بع بما ترى أو تصرف ما ترى يجب مراعاة النظر فلا يجوز له أن تبيع بالمحاباة ولا بما يتغابن الناس بمثله، ولو قال: به بما شئت له أن يبيع بالمحاباة.
فإن قال قائل: ما الفرق بين قوله: "بعْ ما ترى" وبين قوله: "بع بما شئت" وكل واحد منهما تفويض إلى مراده؟. قلنا: الفرق أنه إذا قال: بع بما شئت ظاهره الرضا بمشيئتهء وإذا قال: به بما ترى فقد وكله إلى الرأي والرأي هو الاجتهاد. على أنه إذا قال: بع بما شئت والحال تدل على أن مراده بما شئت من نقد أو عرض [٥٠ / ب] وليس المراد الغبن والمحاباة ليس له المحاباة، فإن لم تدل قرينة الحال ومقامة اللفظ على ذلك فظاهر اللفظ أنه خيره من جميع الوجوه.
والرابع: أن يكون الربح على قدر المالين فإن شرطا التفاضل في الربح مع التساوي في قدر المال أو التساوي في الربح مع التفاضل في قدر المال فالشركة باطلة وبه قال مالك، لأن المال هو الأصل في الشركة والربح في مقابلته والعمل تابع له بدليل أنهما إذا أطلقا عقد الشركة كان الربح على قدر المالين، فإذا شرطا شرطًا يخالف مقتضى عقد الشركة فسد الشرط وتفسد به الشركة ومن أصحابنا من قال: يفسد الشرط وتصح الشركة حكاه القاضي الطبري.
قال أبو حنيفة: يجوز شرط التفاضل والنقصان في الربح بخلافه رأس المال، ولا يجوز شرط التفاضل والنقصان في الخسران.
وقال ابن أبي ليلى: يجوز الشرط في الربح والخسارة. فإذا تقرر هذا هل يكون بطلان شرط التفاضل فيها موجبًا لبطلان الشركة على معنى بطلان الإذن في التجارة بالمال المشترك وجهان:
أحدهما: أنه يبطل الإذن لبطلان الشرط فلا يجوز لأحدهما أن يتصرف، فإن تصرفه كان كمن تصرف في مال مشترك عن شركة فاسدة.
والثاني: أن اشتراط التفاضل وإن بطل بالشرع لا يوجب ذلك بطلان الإذن فيجوز أن يتجر كل واحٍد منهما بجميع المال ويكون الربح مقومًا بالحصص. وعلى هذا إذا عملا اقتسما الربح على قدر المالين ويثبت لكل واحد منهما على صاحبه نصف أجرة مثله فيما عمله، فإن تصرفه حصل في ملك نفسه وملك غيره فيسقط نصف الأجرة ويرجع على صاحبه بنصف الأجرة، فإن كانتا سواء تقاصيا، وإن اختلفتا رجع من له الفضل على صاحبه بالفضل لأنه لم يلم له الربح المشروطء فإذا لم يلم المسمى وجب أن يرجع إلى أجرة مثله كما نقول في المضاربة الفاسدة.
فإن قيل: العمل في الشركة لا يقابله العوض وإنما العوض في مقابلة المال في الشركة الصحيحة فكيف خالفتم هذا في هذا الموضع؟ وهذا سؤال أبي حنيفة ﵀. لأن عنده لا تجب الأجرة للعامل في الشركة الفاسدة كما في [٥١ / أ] الصحيحة.
стр. 2726
وقيل: الفاسد يخالف الصحيح، ألا ترى أن المضاربة إذا كانت صحيحة ولم يكن في المال ربح لا يستحق المضارب شيئًا في مقابلة عمله؟ وإن كانت فاسدة استحق أجره مثله كذلك ها هنا. وإن كان مالهما مختلفين رجع صاحب القليل على صاحب الكثير بأجرة مثله من زيادة العمل. فإن كان مال أحدهما ألف ومال الآخر ألفين كان لصاحب الألف على صاحب الألفين ثلث أجرة مثله هذا إذا كان عملهما سواء، فإن تفاضلا في العمل لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون عمل صاحب الأكثر أتى، أو عمل صاحب الأقل أكثر فإن كان عمل صاحب الألفين أكثر مثل إن كانت أجرة صاحب الألفين مائتين وصاحب الألف مائة سقط من أجرة صاحب الألف ثلثها ثلاثة وثلاثون وثلث وثلث بقي له الثلثان ستة وستون وثلثان لأجل عمله على مال صاحبه وسقط من عمل صاحب الألفين ثلثا أجرته مائة وثلاثة وثلاثون وثلث وبقي له الثلث لأجل عمله على مال صاحبه ستة وستون وثلثان وهو القدر الذي بقي لصاحب الألف فيتقاصان ولا فضل بينهما. وإن كان عمل صاحب الألف أكثر وصاحب الألفين أقل فكانت أجرة صاحب الألف مائتين وصاحب الألفين مائة فيسقط من أجرة صاحب الألف ستة وستون وثلثان، ويبقى له لأجل عمله على مال شريكه مائة وثلاثة وثلاثون وثلث، ويسقط من أجرة صاحب الألفين ثلثاها لأجل عمله على مال نفسه ويبقى ثلثها لأجل عمله على مال صاحبه فيتقاصان فيما تساويا فيه وهو ثلاثة وثلاثون وثلث بمثلها ويفضل لصاحب الألف على صاحبه مائة.
ولو كان مال أحدهما ألفًا ومال الآخر ألفين وشرطا أن يكون الربح نصفين بشرط أن يعمل أحدهما، فإن كان بشرط أن يعمل صاحب الأكثر كانت باطلة. وإن كانت بشرط أن يعمل صاحب الأقل وحده كان قراضًا على مال مشاع وقد جعل له صاحب الألفين قسطا من الربح في مقابلة ماله وتمام النصف بقدر عمله على مال شريكه. فإن قيل: القراض في المشاع لا يجوز [٥١/ ب] فكيف جوزتم ها هنا؟.
قلنا: إنما لا يجوز إذا كان مشاعًا من غير العامل، فأما إذا كانت إشاعته مع العمل يجوز لأن هذه الإشاعة لا يمنعه من التصرف. وإن كانا في المال سواء مثل إن كان لكل واحد منهما ألف وشرط أن يعمل أحدهما وله نصف الربح لم تكن شركة فإنهما شرطا العمل على أحدهما وحده ولا قواضًا لأنهما ما شرطا في مقابلة عمل العامل شيئًا من الربح، فتكون بضاعة دفعها إليه بغير عوض فلا يستحق شيئًا من الأجرة. وقيل: الشركة من طريق العقد شبه شركة العنان وشركة العروض. وشركة المفاوضة، وشركة المفاضلة وشركة الجاه، ويقال الوجه. وشركة الأبدان وقد ذكرنا حكم الكل.
فروع
من كتاب البويطي ذكرها أبو العباس ابن سريج ﵀ وشرحها.
أحدها: إذا اشترك أربعة: من واحد الأرض، ومن آخر البذر ومن آخر العمل، على أن يزرع العمل وما يحصل من الغلة يكون بينهم أرباعًا فهذه معاملة فاسدة لأنها ليست
стр. 2727
بشركة ولا قراض ولا إجارة فإن الشركة تفتقر إلى اختلاط المالين وهذه الأموال لا تختلط، والقراض مبني على أن يأخذ العامل المال ويعمل ببدنه فإذا تفاضلا رجح رب المال بمثل رأس المال واقتسما الربح، وهذا لا يمكن ها هنا والإجارة تفتقر إلى أجرة معلومة ومدة معلومة وذلك معدوم، فثبت أنها معاملة فاسدة، فإذا ثبت فسادها فالزرع يكون لصاحب البذر لأنه عين ماله ولا أجرة له إن كان عمل شيئًا لأنه يحصل على ماله ويرجع كل واحد من الثلاثة عليه بأجرة مثل ماله فيكون لصاحب الأرض أجرة مثل أرضه، ولصاحب الفدان أجرة مثل بقرة وللأكّار أجرة مثل عمله.
والثاني: إذا اشترك أربعة من واحٍد بيت الرحى ومن الأخر الحجر ومن الآخر البغل ومن الآخر العمل على أن ما رزقه الله تعالى من فضل كان بينهم فهذه أيضا معاملة فاسدة، فإن أصابوا شيئًا جعل لكل واحد منهم أجر مثله وقم ما حصل من المسمى بينهم على قدر [٥٢ / أ] عملهم. قال أبو العباس ﵀: فإن استأجرها رجل فالإجارة على قسمين أحدهما: أن يستأجرها بعينها فقال: استأجرت هذا البيت، وحجر هذا، وبغل هذا وعمل هذا، جميعا ليطحنوا أكرارًا معلومة بأجرة معلومة فهل تصح الإجارة؟ على قولين كما لو تزوج أربع نسوة معا بألف هل يصح الصداق؟ قولان:
أحدهما: يصح لأن جملة الأجرة معلومة فلا يضر جهالة أبعاضها.
والثاني: لا تصح لأن عقد الواحد مع الأربعة في حكم أربعة عقود وما يحصل لكل واحد من الأجرة مجهول، فإذا قلنا: الإجارة باطلة سقط المسمى وكان لكل واحد منهم أجر مثله. وإذا قلنا: إنها صحيحة استقر لهم الأجرة المسماة ويكون لكل واحٍد منهم بحصة أجرة مثله من المسمى على ما ذكرنا، وعلى هذا خرج جواب الشافعي.
والقسم الثاني: أن يستأجرهم في ذمتهم فيقول: استأجرتكم لتطحنوا لي كذا وكذا بكذا فتصح الإجارة قولًا واحدًا لأن الإجارة معقودة على ما في الذمة فيقول وهي معلومة وما يخص كل واحٍد منهم معلوم وهو ربح الأجرة، وإذا ثبت أن الإجارة صحيحة فعملوا كان ما عملوه شركة بينهم فيجب لكل واحد منهم ربح الأجرة. وإن طحنوه في هذا الدكان فقد طحنوه في معاملة فاسدة فيتراجعون بينهم بأجر المثل. وإن عقد العقد مع واحد منهم فاستأجره ليطحن له كذا بمائة فإن نوى في حال العقد أنه يعقد العقد عن نفسه وعن شركائه أو نطق بذلك كان كما لو عقا مع الأربعة وحكمه على ما ذكرنا. وإن أطلق ولم ينو شيئًا ولا نطق به لزمه العقد في نفسه فإن طحن هو وشركاؤه كان له جميع المسمى ولكل واحد منهم عليه أجرة مثله.
والثالث: لو اشترك ثلاثة من واحد البغل ومن آخر الراوية ومن الثالث العمل على أن يستقوا الماء وما يرزق الله تعالى من فضل يكون بينهم فهذه معاملة فاسدة لما ذكرنا. فإذا استقى العامل الماء قال الشافعي في موضٍع:
"الماء له وحده" وقال في موضع: "الماء لهم بالسوية"، واختلف أصحابنا فيه على طريقين: أحدهما: أنه على
стр. 2728
اختلاف [٥٢ / ب] الحالين فالموضع الذي قال: الماء له وحده أراد إذا كان العامل قد جمع الماء لنفسه في بركة أو مصنع ثم أخذ منه وباعه والذي قال: الماء لهم أراد إذا استقى الماء من مباح كدجلة والفرات وهذا إذا استقى لجماعتهم، فإن نوى أن يكون الماء له وحده يكون له وثمنه له وعليه لصاحب البغل والراوية أجر مثل ذلك. ومنهم من قال: إن كان الماء مجموعًا فلا شك أن ثمنه له، وإن كان في موضع مباح فقولان:
أحدهما: له وحده لأنه مباح يملك بالتناول فإذا تناوله ملكه وكان ثمنه له.
والثاني: يكون بينهم لأنه وإن كان مباحًا فإنما تناوله على أنه بينهم فكان على ما تناوله كما لو وكلوه في ذلك. فإذا قلنا: الماء بينهم فلكل واحٍد منهم على صاحبه أجر مثل ما كان من جنبته فإن فضَل فضْل اقتسموا ذلك على هذه الحصص، وإن نقص عن الأجرة كان على حسابها. قال أبو العباس ﵀: ويجيء في هذه المسألة ما ذكرناه من القسمين في المسألة الثانية على تفصيلها.
مسألة (١): قال: "ومتى فسخ أحدهما الشركة انفسخت".
وهذا كما قال: الشركة إذا محت وأذن كل واحد من الشريكين لشريكه في التصرف ثم أراد أحدهما الفسخ أو هما فإن ذلك جائز وينفخ العقد لأن كل واحد منهما وكيل لصاحبه وموكل له والوكالة من العقود الجائزة فكذلك ما يجري مجراها فإذا ثبت هذا فيه ثلاث مسائل.
أحدها: إذا قال أحدهما لشريكه: عزلتك انعزل عن التصرف في جميع المال وبقي تصرفه منه في قدر نصيبه والعازل على ما كان له التصرف في جميعه في النصف منه بحق ملكه وفي الباقي بأنه على الإذن.
والثانية: أن يعزل كل واحد منهما صاحبه فإذا عزل وقع العزل فالمال على الشركة ولكل واحد منهما التصرف في نصيب نفسه.
والثالثة أن يقول أحدهما: فسخت الشركة فقد عزل شريكه وعزل نفسه عن التصرف في مال شريكه لأن فسخ الشركة معناه زوال إذن كل واحد منهما عن التصرف لصاحبه فإن أراد استئناف الشركة أذن كل واحد منهما لصاحبه بالتصرف فيه. ولو اشترى شيئًا بعد الفسخ على نية [٥٣ / أ] الشركة لا ينصرف إلى الشركة ولكنه للمشتري إن اشتراه في الذمة، وإن كان بعين مال الشركة دخل في حكم تفريق الصفقة.
وقال القاضي الطبري: إذا قال: فسخت الشركة نظر فإن أراد في جنبة صاحبه له أن يتصرف في جمع المال، وإن أراد في جنبتهما جميعًا لم يجز لواحد منهما التصرف في حق صاحبه والمشهور ما ذكرنا أولًا. وقول المزني: انفسخت الشركة أراد بفسخ الشركة المنع من التصرف لأن المال مشترك بينهما فلا ينقسم بقول أحدهما: فسخت. وقوله: "م يكن لصاحبه أن يبيع ويشتري حتى يقتسما" غلط؛ لأنه إن كان مراده لم
стр. 2729
يكن لصاحبه أن يبيع حصة نفسه له أن يبيع حصة نفسه شائعة قبل القسمة، وإن أراد حصة غيره ليس له بيعها بعد الفسخ لا قبل القسمة ولا بعدها. وأيضًا لا معنى لقوله: "م يكن لصاحبه" بل كان ينبغي أن يقول: لم يكن لواحٍد منهما أن يبيع حصة صاحبه ولا أن يشتري له لما ذكر أنه عزل نفسه وعزل صاحبه. وهذا الكلام دليل على أن لفظ معاقدة الشركة يوجب الإذن في التصوف، وقد ذكرنا فيه وجهين لأنه جعل الفسخ نهيًا عن التصرف. فإن قيل: أليس رب المال إذا منع المضارب من التصرف لم يمنع من بيع المتاع الذي في يده؟ فما الفرق بين المسألتين؟ قلنا: الفرق أن المضارب لا حق له في عين المال وإنما حقه في الربح وإنما يعلم الربح بعد البيع وسلامة رأس المال لديه فجوزنا له البيع ليعلم ما يستحقه من الربح، وليس كذلك الشريكان فإن المال بينهما نصفان فيكون المباع بينهما فلا حاجة لواحد منهما إلى بيعه فلذلك منعناه منه ووزان البيع في الشركة الشراء لأنه لا حاجة به إلى الثمن.
مسألة (١): قال: وإن مات أحدهما انفسخت الشركة.
وهذا كما قال: إذا مات أحد الشريكين لم يكن للأخر أن يتصرف في حصة الميت لأن إذن كل واحد منهما لصاحبه في التصرف عقد جائز بدليل أن لكل واحد منهما أن يرجع عنه في حال الحياة فوجب أن يبطل بالموت كالوكالة. ومراد المزني أيضًا من قوله: انفسخت الشركة أنه [٥٣/ ب] لا يجوز له أن يتصرف في حصة الميت. فإذا تقرر هذا فلا يخلو الميت إما أن يكون عليه دين، أو أوصى بإخراج الثلث من ماله أو لا دين عليه ولا وصية، فإن لم يكن دين ولا وصية لا يخلو وارثه من أحد أمرين إما أن يكون بالغًا عاقلًا أو يكون طفلًا أو مجنونًا، فإن كان بالغًا عاقلًا فهو بالخيار إن شاء قاسم الشريك، وإن شاء حدد كل واحٍد منهما لصاحبه الإذن في التصرف فيكونا شريكين، ولا فرق بين أن يكون الحظ في القسمة أو في تجديد العقد يفعل ما شاء.
قال أبو إسحاق: وينبغي للوارث أن لا يأذن له في التصرف حتى ينص جميع ذلك فيعلم مبلغ ما خلفه الميت ثم يتصرفان بعد ذلك فإنه لا يؤمن أن يظهر على الميت دين وهذا احتياط وليس بواجب، فإن قيل هما جهلا قدر المال المعقود عليه، فكيف تصح الشركة بتجديد الإذن ها هنا؟. قيل: لا يلزم معرفة الوزن بدليل أنهما لو اشتركا ووضع أحدهما دراهم في كفة، ووضع الأخر بإزائها في كفة ولم يعلما وزنها يصح كذلك في حق الوارث ويلزم العلم بقدر نصيب كل واحد من جملة المال من نصف أو ثلث أو ربع. فإن قيل: ليس في كلام المزني اشتراط تجديد لإذن لأنه قال: فأحب أن يقيم على شركته كأبيه فجائز. قلنا: في كلامه ما ذكرنا إذا تأملته وذلك أنه قال في ابتداء الفصل: إذا مات أحدهما انفسخت الشركة والشركة إذا انفسخت لابد من استئنافها وتجديا الإذن فيها. وإن كان الوارث طفلًا أو مجنونًا فإن الوصي أو الحاكم إذا لم
стр. 2730
يكن هناك وصي ينظر للطفل أو المجنون، فإن رأى الحظ في الشركة جدد الإذن له في التصرف، وإن رأى الحظ في القمة قاسمه فإن قاسمه وكان حظ الطفل أو المجنون في الشركة كانت القسمة باطلة مردودة لأنه ليس بمالك وإنما هو قيّمٌ للغير فلا يجوز له أن يأتي فيه إلا ما يكون الحظ فيه. وإن كان عليه دين فلا يجوز التصرف فيه حتى يقضي الدين لأنه تعلق به الدين كالمرهون، فإذا قضي الدين جاز المقام على الشركة على ما بيناه. وإن كان أوصى بإخراج الثلث فإذ كان الموصى له غير معين فلا يجوز حتى يخرج الثلث فإذا أخرج الثلث [٥٤ / أ] فالمقام على الشركة فيما بقي على ما بيناه ويصير المالان متفاضلين. وهل تجوز الشركة في المالين المتفاضلين؟ قد ذكرنا. وإن كان الموصى له معينا ملك ثلث حصة الميت فإذ أحب أحد الشريكين أو حجر عليه إلى أن يقيم على الشركة فعل، وإن أحب المقاسمة فعل.
فرع
لو جن أحد الشريكين أو حجر عليه لسفٍه بطلت الشركة وفعل وليه ما هو الأحظى من القسمة أو المقام على الشركة. وأما الإغماء فإن كان يسيرًا لم يسقط معه فرض عبادة لا تبطل الشركة لأنه مرض قد يطرأ كثيرًا وإن كثر حتى أسقط فرض صلاة واحدة بمرور وقتها بطلت الشركة.
مسألة (١): قال: ولو اشتريا عبدًا وقبضاه فأصابا به عيبًا فأراد أحدهما الإمساك والآخر الرد.
الفصل
وهذا كما قال: هذه المسألة ذكرناها في كتاب البيع ولا يختص هذا بالشركة. ولو تولى أحد الشريكين شراء العبد دون الآخر ولم يذكر عند الشراء أنه يشتريه لنفسه، ولشريكه لم يكن له أن ينفرد بالرد لأن ظاهر الحال أن العقد تعلق به وحده فلا يقبل قوله إني اشتريته للغير. وإن ذكر عند الشراء أنه يشتريه لنفسه ولشريكه هل له أن ينفرد برد نصيبه فيه وجهان: أحدهما: ليس له ذلك لأنه أوجب إيجابا واحدًا فلا يُبعّض عليه وهذا اختيار أبي إسحاق قال: ويفارق هذا إذا باشر الشراء لأنه لو أنكر المذكور أنه أمره بالشراء كانت الصفقة كلها لازمة لمتولي الشراء فالصفقة واحدة لأنها لو كانت صفقتين لتفرقت إذا أنكر الآخر. والثاني: وهو الأصح وهو اختيار ابن أبي هريرة له ذلك لأن ذكر ذلك كأنهما باشرا ذلك وأوجب لهما، وقال القاضي الطبري: لم أذكر الوجه الأول في "كتاب البيع" لضعفه. ثم إذا رد أحدهما انفسخت الشركة بينهما لأن المالين قد تميزا فصارت حصة أحدهما مالًا في ذمة البائع إن كان قد تصرف فيما قبضه أو عينًا في يده إن كان باقيًا وحصة الأخر سلعة، وإذا تميز مال كل واحد منهما بطلت الشركة.
стр. 2731
فرع
لو أن أحد الشريكين باع عبدًا، ثم ادعى البائع أنه له ولشريكه [٥٤ / ب] وباعه من غير إذنه لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون العقد مطلقًا أو مقيدًا فإن كان مطلقًا لم يقبل قول البائع على المشتري لأن ظاهر العقد الصحة وأنه يتعلق به وحده. فإن أقام الشريك الذي لم يبع البينة على أن هذا العبد بينهما حكمنا بذلك وبطل البيع في نصيبه. فإن ادعى المشتري أن البيع كان بإذنه فالقول قوله أنه لم يأذن. وإن كان العقد مقيدًا بأن قال: بعتك هذا العبا وهو لي ولشريكي نُظِر فإن صدقه شريكه في ذلك وأنه باع بإذنه صح العقد. وإن أنكر فالقول قوله فإذا حلف بطل البيع في نصيب شريكه وهل يبطل في نصيب نفسه؟ قولان بناًء على تفريق الصفقة.
فرع أخر
لو كان لرجلين عبدًا فوكل أحدهما صاحبه ببيعه فباعه ثم وجد المشتري عيبًا فأراد رد نصفه، فإن كان الوكيل ذكر أنه شركة له ذلك، وإن لم يكن ذكر ذلك فيه وجهان: أحدهما: ليس له لأن متولي العقد واحد فلا تغرق الصفقة. والثاني: له ذلك، لأن افتراق الملك من جهة البائع فوجب تفريق الصفقة ألا ترى أنه لو أنكر الإذن تفرقت الصفقة وصح العقل في حصة المتولي للعقد دون المدعى عليه الإذن.
مسألة (١): قال: ولو اشترى أحدهما بما لا يتغابن الناس بمثله.
الفصل
وهذا كما قال: إذا اشترى أحد الشريكين شيئًا بما لا يتغابن الناس بمثله فإن اشتراه في الذمة فالشراء له ويلزمه الثمن في خالص ماله. فإن نقد الثمن من مال الشركة فقد صار ضامنًا له. وإن كان اشتراه بعين مال الشركة فالشراء باطل في نصيب شريكه قولًا واحدًا، وفي نصيبه قولان بناة على تفريق الصفقة. ولو أجاز شريكه هذا الشراء لا يجوز خلافًا لأبي حنيفة. فإذا قلنا: يصح في نصيبه فقد انقسم المالان لأن الذي له فقد ملكه البائع والذي لشريكه فهو على ملكه وإذا تميز نصيب أحدهما عن نصيب الآخر انفسخت الشركة. وهكذا إذا باع أحدهما من مال الشركة شيئًا بما لا يتغابن الناس بمثله وقال في حال البيع أنه من مال الشركة أو قامت به البينة فالبيع في نصيب [٥٥/ أ] شريكه باطل قولًا واحدًا. وهل يبطل في نصيب نفسه؟ على القولين.
وعند أبي حنيفة يجوز له أن يبيع بغبن فاحش إذا أطلق الإذن. ثم لا يصير ضامنًا لنصيب شريكه بمجرد البيع إلا بتسليمه إلى المشتري لأنه يصير مفرطًا بتسليمه.
قال أبو حامد: هكذا ذكر أبو إسحاق وعلل بأن هذا موضع اجتهاد لوجود الاختلاف فيه قال أبو إسحاق: ويفارق هذا إذا باع المودع الوديعة من غير إذن صاحبها
стр. 2732
صار ضامنًا لها بمجرد البيع من دون التسليم لأنه لا يجوز له البيع بالإجماع. ولأنه غير مأذون له في بيعها أصلًا، فإذا باعها دل على أنه جاحد لصاحبها ومدعي إياها لنفسه فسقطت أمانته بمجرد البيع. قال أبو حامد: وعندي أنه يضمن بمجرد البيع، ها هنا أيضا كما في الوديعة سواء لأنه متعد بالبيع ولا فرق بين أن يكون مختلفًا فيه أو غير مختلف فيه، ألا ترى أنه لو سلم ضمن وإن كان التسليم مختلفًا فيه أيضًا.
مسألة (١): قال: وأيهما ادعى في يدي صاحبه من شركتهما شيئًا فهو مدٍع وعليه البينة.
وهذا كما قال: إذا ادعى أحد الشريكين مالا في يد الآخر وقال: إنه من جملة مال الشركة وقال الذي في يده: إنه من خاص مالي فالقول قوله مع يمينه لثبوت يده على جميعه وعلى المدعي البينة. ولو اشترى سلعة فيها ربح فقال: اشتريته بخاص مالي وقال شريكه: بل اشتريته من مال الشركة أو كان فيه خسران فقال: اشتريته من مال الشركة وقال شريكه: بل اشتريته من خالص مالك فالقول قول الذي اشتراه مع يمينه في المسألتين جميعًا لأن الاعتبار بنيته في حال الشراء فكان المرجع إليه فيها. ولأنه أميٌن في تصرفه فكان القول قوله مع يمينه.
مسالة (٢): قال: وأيهما ادعى خيانة صاحبه فعليه البينة.
وهذا كما قال: إذا ادعى أحدهما على الآخر أنه خانه ببعض مال الشركة فكتمه ولم يظهره بمقدار معلوم ووصٍف معلوم بحيث يمكن الحاكم الحكم به فإن دعواه تسمع ويكون القول قول المدعى عليه أنه ما خانه فيما يدعيه لأن الأصل أنه لم يخنه. ولو لم يبين قدر الخيانة [٥٥ /ب] لا تسمع الدعوى.
المسألة (٣): قال: وأيهما زعم أن المال قد تلف فهو أمين وعليه اليمين.
الفصل
وهذا كما قال: إذا ادعى أحد الشريكين تلف مال الشركة أو شيئًا منه فالقول قوله مع يمينه لأنه أمين كالمودع.
فرع
لو ذكر أنه تلف من مال الشركة في يده يوم كذا في شهر كذا وحلف عليه، ثم شهد شاهدان أنهما رأيا ذلك المال بعينه في يده بعد اليوم الذي ادعى تلفه؟ فيه وجهان: أحدهما: بطلت يمينه لأن البينة العادلة أولى منها فعلى هذا يغرم بالبينة ولا يسأل. والثاني: وبه قال أبو الفياض لا تبطل يمينه ولكن يسأل عن ذلك فإن ذكر وجهًا تسلم معه يمينه الماضية لم يغرم وإن لم يبين غرم.
стр. 2733
فرع آخر
لو كان في يد أحدهما ألف فقال: اقتسمناه وهو حصتي خاصة وقال الأخر: ما اقتسمنا وهو مشترك فالقول قول من يدعي بقاء الشركة لأن الأصل هذا.
فرع آخر
لو تولى أحد الشريكين الشراء فللبائع أن يأخذه بكل الثمن، فإذا أخذ منه فإن أداه من مال الشركة جاز ولا رجوع. وإن أداه من مال نفسه فإن فعل ذلك لأنه لم ينصَّ من مال الشركة ما يؤديه كان له الرجوع على شريكه بحصته منه. وإن فعل ذلك مع وجود ناض من مال الشركة ففي رجوعه على شريكه وجهان: أحدهما: يرجع عليه بالنصف منه لأنه من موجبات الشركة. والثاني: لا يرجع لأن موجبها الأداء من مالها فإذا عدل إلى مال نفسه فقد تطوع به فلم يرجع به عليه شريكه ذكره في "الحاوي" (١).
فرع آخر
لو اشترك رجلان فأخرج أحدهما دنانير والأخر دراهم وعقد الشركة لا يصح قال في "البويطي": فإن اشتريا ثوبًا فربحا قسم الربح على قدر أموالهما وحسب الصرف يوم الشراء ورجع صاحب الدراهم على صاحب الدنانير بفضل أجرته بالعمل على ماله فينظر إلى غالب نقد البلد حين الشراء ما هو ليجعل هو الأصل، ثم يقوم النقد الآخر به ويقسم الربح بينهما عليه فإن كان غالب النقود دنانير وكان لأحدهما عشرة دنانير وللآخر مائة درهم نظر كم قيمة الدراهم، فإن كانت عشرة [٦/ أ] دنانير فالمال بينهما نصفين والربح كذلك، وإن كانت أقل أو أكثر فعلى حسابه.
فرع آخر
لو ذكر أحدهما: إني بعت العبد المشترك وقبضت الثمن وتلف في يدي وخرج العبد المبيع مستحقًا وأخذه مالكه وذكر الوكيل أنه قبض ثمنه وضاع منه، قال أبو إسحاق:
يرجع المشتري بالعهدة على الوكيل ولا يرجع الوكيل على الموكل لأنه إنما يقبل قوله على موكله فيما هو أمين فيه، وأنه إن تلف لا يلزمه ضمانه ولا يقبل قوله عليه في إلزامه غرماء، فإن قامت البينة على قبضه الثمن أو أقر الموكل أنه قبضه كان له أن يرجع بالعهدة على الموكل لأنه قد ثبت قبض الثمن لموكله فثبت حق الرجوع بالعهدة عليه.
مسألة (٢): قال: وإذا كان العبد بين رجلين فأمر أحدهما صاحبه ببيعه فباعه من رجل.
الفصل
وهذا كما قال: إذا كان عبد بين رجلين فأذن أحدهما لصاحبه في بيع نصيبه مع
стр. 2734
نصيب نفسه وقبض ثمنه فباع جميع العبد بألف درهم، ثم أقر الذي لم يبع أن الذي باع قبض جميع الثمن وأنكره البائع وادعاه المشتري فإن المشتري يبرأ من نصف الثمن وهو حصة المقر لأنه يقول: قد دفع المشتري حصتي من الثمن إلى وكيلي وبرئ منه وكانت الخصومة بين البائع والمشتري. فإذا قال البائع: لم أقبض الثمن من المشتري كان القول قوله مع يمينه وعلى المشتري البينة لأن الأصل أن الثمن واجب عليه. فإن أقام البينة برئ من جميع الثمن ويقبل فيه شاهدان وشاهد وامرأتان وشاهد ويمين.
وهل تقبل شهادة شريكه المقر بأنه قبض الثمن إذا كان عدلًا؟ نُظِر فيه فإن شهد عليه بأنه قبض حصته قبلت شهادته لأنه لا يَجُزّ بها منفعة ولا يدفع مضرة. وإن شهد عليه بقبض جميع الثمن فلا تقبل شهادته في حصة نفسه وهل تقبل في حصة شريكه؟ وجهان بناءً على القولين في تبعيض الشهادة. وإن لم يكن له بينة قال البائع: يحلف ويستحق نصف الثمن فإذا حلف وقبض نصف الثمن كان له خاصة لأن الذي لم يبع مقر بتصديق المشتري مقر بأن البائع ظلم فيما يأخذه فلا يشاركه فيما ظلم وهذه علة أبي إسحاق [٥٦/ ب].
وقال جماعة من أصحابنا: العلة أن الذي لم يبع لما صدق المشتري أبرأه وصار كالقابض لحقه فكان ذلك منه فسخًا للشركة فلم يبق له في المقبوض حتى يقاسم عليه، وبقيت الخصومة بينه وبين شريكه فإن يدعي عليه انه قبض جميع الثمن فيكون القول قوله مع يمينه أنه ما قبض حصته وعلى المدعي البينة، وإن لم تكن له بينه يحلف البائع وبرئ من دعواه، وإن لم يحلف ردت اليمين على المدعي، فإذا حلق استحق عليه نصف الثمن، فإذا دفعه إليه لم يكن له أن يرجع على المشتري لأنه يقول: هذا ظلم لحقني من جهة شريكي دون المشتري فلم يجز له أن يرجع بالظلم على غير ظالمه. ولو أقام المشتري بينة على البائع بدفع الثمن إليه قد بينا أنه يبرأ من جميعه بالبينة وللشريك الذي لم يبع أن يرجع على البائع بحصته بينة المشتري من غير استئناف لها.
ولو نكل البائع عن اليمين الأولى فردت اليمين على المشتري فحلف وبرئ من جميع الثمن لا يضر هذا النكول في حق الشريك الموكل بل يدعي عليه الموكل أنه قبض الثمن، فإن حلف البائع أنه ما قبض قبلت يمينه الآن ونظير هذا أن ابنين لميت ادعى أحدهما على رجل لأبيه مالاً والآخر غائب فنكل المدعي عليه فردت اليمين على المدعي فحلف وأخذ نصفه فجاء الآخر وادعى نصيبه فللمدعي عليه أن يحلف ونكوله الأول لا يضره.
وكذلك لو اشترى رجلاً شقصًا فيه فادعى أحدهما على الشفيع أنه عفا عن الشفعة فنكل وحلف المدعي ثم جاء الآخر فادعى مثل ذلك فللشفيع أن يحلف أنه ما عفا ولا يضره نكوله الأول.
стр. 2735
وقال في "الحاوي" (١): للشريك الذي لم يبع أن يرجع على البائع بحصته بيمين المشتري وحده بعد نكول البائع عن اليمين لأن اليمين بعد النكول إما أن يجري مجرى البينة أو مجرى الإقرار وبكل واحد منهما يثبت الرجوع. وهذا لا يصح عندي لأن اليمين حجة في حق الحالف لا يدخلها نيابة فلم يثبت حق أحدهما بيمين الآخر.
وقال [٥٧/ أ] بعض أصحابنا بخراسان: من فوائد السواد أن الرجل إذا قال لوكيله: بع هذا العبد ولم يزد عليه له أن يسلم العبد ويقبض الثمن، وفيه خلاف بين أصحابنا وهذا هو الصحيح إن شاء الله لأن ذلك عادة التوكيل غالبًا لأن المزني أطلق فقال: فأمر أحدهما صاحبه ببيعه فباعه ولم يشترط في تصوير المسألة أن يوكله بالقبض والتسليم صريحًا.
فإن قيل: من أين لك أن المزني جعل للوكيل ولاية القبض في هذه المسألة؟. قيل: لأنه أبرأ المشتري من نصيب المقر لما أقر بقبض وكيله ولو لم يكن له ولاية القبض الصحيح لما أبرأه بالقبض من جهته. وقيل: للوكيل إقباض المبيع لأن الإيجاب يقتضي الإقباض فإذا قبض المبيع هل له قبض الثمن؟ وجهان: أحدهما: ليس له، والثاني: له ذلك لأن الثمن في مقابلة المثمن فإذا كان له تسليم المثمن كان له قبض الثمن. وكذلك إذا وكله بالشراء هل له إقباض المبيع؟ وجهان. وان كانت المسألة بحالها إلا أن الشريك الذي باع هو الذي أقر أن الذي لم يبع قبض الثمن كله فلا تخلو هذه المسألة من أربعة أحوال:
إما أن يكون كل واحد منهما أذن لصاحبه في قبض الثمن.
أو كان أذن الذي باع للذي لم يبع في قبض الثمن ولم يأذن الذي لم يبع للذي باع في قبض الثمن.
أو لم يأذن واحد منهما لصاحبه في قبض حصته من الثمن.
أو أذن الذي لم يبع للذي باع في قبض حصته من الثمن ولم يأذن الذي باع للذي لم يبع فيه. فإن كان أذن كل واحٍد منهما لصاحبه أو كان أذن الذي باع للذي لم يبع فإن الحكم في هذين القسمين مثل ما ذكرنا في المسألة قبلها وإنما يختلفان في الصورة على فالبائع في هذه كالذي لم يبع في الأولى والذي لم يبع في هذه كالبائع في الأولى والفقه على ما ذكرناه.
وان لم يأذن واحد منهما لصاحبه في قبض الثمن فإن المشتري لا يبرأ من شي، من الثمن فإن الباثع يقول: دفعت جميع الثمن إلى شريكي ولا يقبل قوله على شريكه في حصته فلا يبرأ منه ولا يبرأ من حصة المقر أيضًا [٥٧ /ب] لأنه يقول: دفعت حصتي إلى شريكي ولم أوكله في قبض الثمن فدفعت حصتي إلى من لا يجوز لك أن تدفع إليه، فإذا كان كذلك لم يبرأ من شيء من الثمن وللبائع مطالبته بحصته من الثمن ولا