Полный текст (7 151 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.
стр. 2661
العبد ولا يرجع المشتري على المحيل بشيء، لأنه مقر بأن المحتال ظلمه فلا يرجع عليه بما ظلمه به غيره. ولو أقام البينة على أن الحوالة كانت ثمنه سُمعت البينة في ذلك لأنهما لم يكذباها.
مسألة: قال: وَلَوْ أَحَالَ رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَضَمِنَهُ لَهُ ثُمَّ اخْتَلَفَا.
الفصل
وهذا كما قال: إذا أحال رجل على رجل بألف درهم وبعثه له ثم اختلفا لا يخلو اختلافهما من أحد أمرين: إما أن يكون في لفظ الحوالة فيقول المحيل: ما تلفظت بلفظ الحوالة فأنت وكيلي في قبضه، وقال المحتال: تلفظت بلفظ الحوالة فالحق لي استوفيته لنفسي، فالقول قول المحيل مع يمينه، لأن الأصل أن حق المحتال في ذمة المحيل وحق المحيل في ذمة المحتال عليه والمحتال مدعي لانتقاله فكان عليه البينة، وإما أن يتفقا على لفظ الحوالة مثل أن يقول: أحلتك على فلان بألف درهم ولم يقل بالألف الذي لك عليَّ وقبله المحتال على هذا الإطلاق، ثم اختلفا فقال المحيل: أردت بها الوكالة، وقال المحتال: أردت بها الحوالة قال المزني: القول قول المحيل وبه قال أبو حنيفة ﵀ وصوّبه أبو إسحاق وابن أبي هريرة وغيرهما ﵏، لأنهما لو اختلفا في اللفظ كان القول قوله فكذلك إذا اختلفا في معناه لأن الأصل أن حق كل واحد منهما ثابت في الذمة التي وجب فيها والمحتال يدعي انتقال حقه وتملك الحق الذي كان للمحيل في ذمة غيره فكان عليه البينة.
ومن أصحابنا من خالف المزني، وقال: القول قول المحتال، لأن الظاهر معه فإن لفظ الحوالة موضوع لإسقاط الدين بعوض دون التوكيل وهذا اختيار ابن سريج ﵀، والأول هو المشهور. فإذا ثبت هذا فلا يخلو المحتال من أحد أمرين: إما أن يكون قد قبض المال من المحال عليه أو لم يكن قبض، فإن كان قد قبض فقد برئ [١٥/ أ] المحال عليه لأنه دفعه إليه بإذن صاحبه. فإن كان باقيًا في يده وكان المحيل غير ممتنع من أداء حق المحتال أخذ المال من يده ودفع إليه حقه. وإن كان ممتنعًا كان للمحتال أخذه بحقه.
ومن أصحابنا من قال: إذا أخذ منه المحيل ما قبضه فهل يرجع هو عليه بحقه وجهان:
أحدهما: لا يرجع عليه لأنه أقر بأنه برئ من حقه بالحوالة.
والثاني: يرجع وهو الأصح لأن هذا المحيل قد أخذ ما قبضه هو، فإن كان صادقًا في الوكالة فحقه عليه باقٍ، وإن كان كاذبًا فما أخذه منه أخذه بغير حق فكان له المطالبة بدينه، فإنه واجب عليه بقولهما. وإن كان تالفًا نظر فإن كان قد تلف بغير صنع
стр. 2662
منه لا شيء عليه، لأنهما اتفقا على براءته، فإن المحيل يقول: كنت وكيلي فلا ضمان عليك فيما تلف في يدك والمحتال يقول: تلف مالي. وإن كان قد أتلفه كان عليه ضمانه وقد وجب عليه مثل حقه فيتقاضان. وإن لم يكن قبضه من المحال عليه لم يكن له مطالبة المحال عليه بالمال، لأن الحوالة لم تثبت له، والوكالة قد أنكرها فلا تكون له المطالبة بوجه وللمحيل مطالبة المحال عليه بالمال الذي في ذمته، وهل يجوز للمحتال مطالبة المحيل؟ وجهان:
أحدهما: لا مطالبة له لأنه أقر أنه لا حق له في ذمته.
والثاني: له مطالبته لأن الحاكم قد حكم بأنه كان وكيلًا فله أن يرجع بما له على المحيل؟ ولو خالف وقبض هل يضمن؟ وجهان، بناء على أنها هل تكون حوالة فاسدة؟ أو وكالة فاسدة؟ فإن قلنا: حوالة فاسدة يضمن، وإن قلنا: وكالة فاسدة لا يضمن، ذكره في «الحاوي».
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن كان في الابتداء لفظ الحوالة فالقول قول المحتال قولًا واحدًا، وصورة ما ذكر المزني أنه قال: اقبض من فلان ما لي عليه وهو ألف درهم ثم اختلفا ماذا أراد به الحوالة أو الوكالة، فالقول قوله إنه أراد الوكالة، وإنما يفيد هذا الاختلاف إذا كان الآمر قد أفلس فلو ثبتت الحوالة لكان حق المحتال قد وصل اليد ولم يحتج إلى مزاحمة الغرماء. وإن كانت وكالة احتاج إلى مزاحمة الغرماء. فإن قال قائل على هذا لمَ صور المزني المسألة بلفظ الحوالة، وقال في آخر التصوير: وتصادقا على الحوالة والضمان، قلنا: المصنف قد يصور المسألة أحيانًا بعين لفظ متخاصمين [١٥/ ب] وأحيانًا بمعنى لفظهما لا بعين عبارتهما، فصورة المسألة ما ذكرنا أنه قال: اقبض من فلان ألف درهم، ثم اختلفا فقال المأمور: كنت محتالًا، وقال الآمر: كنت وكيلًا، قال هذا القائل: ولو قال المأمور: قلت لي: خذ ومرادك الحوالة، أو مرادك الوكالة لم يقبل منه دعوى المراد ولا يسمع في ذلك دعوى الضمائر، وحكي عن ابن سريج أنه قال: بالوجهان فيه مبنيان على أصل وهو إذا ضرب مكفوفًا فقده باثنين ثم اختلف هو وولي المقدود أنه كان حيًا أو ميتًا فيه قولان:
أحدهما: القول قول الولي لأن الأصل بقاء الحياة.
والثاني: القول قول الجاني لأن الأصل براءة الذمة، كذلك هاهنا الأصل بقاء المحيل في ذمة المحال عليه وحقيقة اللفظ للحوالة، فكانت المسألة على وجهين. وأما قوله: «وضمنها له» قد قيل: ذكره تأكيدًا ولا يكون ضمان المحال عليه شرطًا في صحة الحوالة، وقيل: إنه شرط في صحة الحوالة وهذا قول المزني والزبيري والاصطخري، ومن قال يعتبر فيها رضا المحال عليه. وقيل: إنه صور في الحوالة على من لا حق
стр. 2663
عليه للمحيل فيجري مجرى الضمان، ولا يصح إلا برضاه.
مسألة: قال المزني ﵀: ولو قال المحتال أحلتني عليه لأقْبِضَهُ لك.
الفصل
وهذا كما قال هذه المسألة بالعكس مما تقدم وهي أن: يقول المحيل أحلتك بما لك عليَّ حتى تقبضه لنفسك، وقال المحتال: كنت وكيلًا لك وإنما يقع هذا الاختلاف إذا كان المحال عليه مفلسًا أن يكون المال تلف في يد القابض فيكون القول قول المحتال مع يمينه على قول المزني وأكثر أصحابنا، ويكون القول قول المحيل على قول ابن سريج لأن الظاهر معه. فإذا قلنا بالأول: فحلف حكمنا بأنه وكيله وأن حقه باقٍ في ذمة المحيل، ثم لا يخلو إما أن يكون قد قبض الألف أو لا فإن لم يكن قبض كان للمحتال قبض حقه من المحيل، وهل يرجع المحيل على المحال عليه؟ وجهان:
أحدهما: يرجع لأن الحاكم حكم بأن المحتال وكيله وما قبض. ولأن إقراره بها للمحتال مشروط بسقوط حقه من ذمته وما سقط هاهنا.
والثاني: لا يرجع لأنه معترف بأن ذمة المحال عليه قد برئته بالحوالة عن حقه. وليس له بعد ما حلف أنه كان وكيلًا أن يقبض الحق من المحال عليه، لأنه صار معزولًا بقول المحيل. وإن كان قد قبض [١٦/ أ] الحق برئت ذمة المحال عليه، لأنه قبض ما عليه للمحيل بأمره. ثم لا يخلو الألف المقبوض من أحد أمرين: إما أن تكون قائمة، أو تالفة، فإن كانت قائمة والمحتال يقول: هو في يدي أمانة للمحيل لأني وكيله في الحفظ له، والمحيل يقول: بل الألف له لأنه قبضه لنفسه فيقول الحاكم للمحتال: أنت تدعي على المحيل ألفًا وله في يدك ألفًا فأمسكه لنفسك. وإن كانت الألف تالفة نظر فإن كان بتفريط من المحتال فعليه ضمانه للمحل وله على المحيل ألف فيتقاصان على ما نقوله في المقاصة، وإن تلف بغير تفريط فالمذهب أنه لا يضمنه ويرجع إلى المحيل بحقه لأنه ثبت أنه وكيل بيمينه، والتوكيل لا يضمن إلا بالتعدي. وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان:
أحدهما: هذا.
والثاني: لا ينفعه يمينه في أن لا يضمن ما تلف في يده فيحلف الآمر ويغرمه ما قبض وتلف في يده، وإنما ينفعه يمينه في أنه لا حوالة والصحيح ما ذكرنا.
فرع
لو قال: ضمنت لك مالك على فلان على أنه بريء منه فالحكم فيه مبني على ما ذكرنا من الخلاف، فعلى قول المزني: يكون حوالةً بلفظ الضمان، وعلى قياس قول ابن سريج: يكون ضمانًا باطلًا اعتبارًا بظاهر اللفظ.
стр. 2664
فرع آخر
لو قال: أحلتك على زيد على أني ضامن للمال حتى تقبضه فعلى قياس قول المزني: يكون ضمانًا بلفظ الحوالة فيصح إذا قبل المحال عليه، وعلى قياس قول ابن سريج: يكون حوالة فاسدة اعتبارًا بظاهر اللفظ، وما اقترن به من فساد الشرط.
مسألة: قال: وَلَوْ كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَأَحَالَهُ المَطْلُوبُ بِهِ عَلَى رَجُلٍ عَلَيْهِ أَلْفَ دِرْهَمٍ ثُمَّ أَحَالَهُ المُحْتالُ بِهِ عَلَيْهِ عَلَى ثَالِثٍ.
الفصل
وهذا كما قال: المحال عليه إذا أحال المحتال على آخر صحت الحوالة لأنه دين يجوز أن يأخذ عنه عوضًا فجاز أن يحيل به، وهذا يدل على أن مال الحوالة بمنزلة المقبوض لأن التصرف فيه جائز مجرد العقد. وعلى هذا أبدًا يكون المحتال واحدًا والمحال عليه يتكرر. ولو أن الأخير أحاله على الأول ما أحال عليه، وإن تكرر المحتال دون المحال عليه مثل أن قبل الحوالة فتحول الحق إلى ذمة المحال عليه ثم المحتال أحال به آخر عليه ثم المحتال الثاني أحال به آخر عليه ثم الثالث أحال به آخر عليه فكل هذا [١٦/ ب] صحيح، لأنها حوالة بحق ثابت، فلا فرق بين أن يتكرر المحتال أو المحال عليه، وليست الحوالة في ذلك كالضمان، لأن الحوالة كاسمها إحالة حق من ذمة إلى ذمة، والضمان كاسمه ضم ذمة إلى ذمة، وتضمين حق في ذمة. وأما قول المزني ﵀: «فأحاله على رجل له عليه ألف درهم» دليل على أنه لا تصح الحوالة على من لا حق عليه.
فرع
لو كان له على رجل ألف درهم فقال لآخر: لا حق له عليه أحلتك بألف درهم على فلان على أنك إذا أخذت منه فأنت بريء مني، قال ابن سريج: لا يصح هذا الشرط، والظاهر أنه وكالة لأنه لا يجوز أن يكون حوالة ولا حق له عليه ولا يجوز أن يكون هبة له لأنه هبته ما في ذمة الغير لا تجوز. فإن مات المحال عليه لم تبطل الوكالة، وإن مات المحيل بطلت، لأن الوكالة تبطل بموت الموكل.
فرع آخر
لو أحاله على رجل بدين له عليه ثم دفع المحيل المال الذي كان عليه إلى المحتال صح قضاؤه للدين عن المحال عليه، ولا يرجع به عليه لأنه قضى عنه الدين بغير إذنه، وقال أبو حينفة: له الرجوع به ولا يكون متبرعًا بناءً على أصله أن الدين باقي في ذمة المحيل من طريق الحكم، ولهذا يرجع عليه عند تعذره، وهذا غلط لأنه لا يملك إبطال الحوالة وإسقاط حقه عن المحال عليه فما يدفعه يكون تبرعًا فلا رجوع به.
стр. 2665
فرع آخر
لو أحال بدين مؤجل إلى سنة على رجل له عليه دين مؤجل إلى سنة صحت الحوالة ثم إن مات المحيل لم يحل دين المحتال لأن الدين قد سقط عنه بالحوالة، ولو مات المحال عليه حَلَّ الدين لأن الدين المؤجل يحل بموت من عليه. وإن مات المحتال لم يحل الدين.
فرع آخر
لو كان له على رجل ألف درهم فأحاله على رجلين له عليهما ألف درهم على كل واحدٍ منهما خمسمائة تصح الحوالة، وللمحتال أن يأخذ خمسمائة من أحدهما وخمسمائة من الآخر. وإن كان أحاله عليهما بشرط أن يكون كل واحد منهما ضامنًا عن صاحبه ما عليه فهل تصح الحوالة؟ قال ابن سريج: فيه وجهان: أحدهما: تصح لأنه ضمان دين مستقر وهذا اختيار أبي حامد وهو الأشبه. والثاني: لا تصح لأن الحوالة معروف ورفق فإذا حصل فيها طلب الزيادة خرجت عن معناها وصارت ربا كالقرض الذي يجر المنفعة وهاهنا طلب الزيادة فإنه كان له مطالبة واحد [١٧/ أ] والآن يطالب اثنين وهذا اختيار القاضي الطبري ﵀. ومن قال: بالأول أجاب عن هذا بأن الزيادة الممنوعة في القدر أو الصفة وهذه الزيادة ليست بواحد منهما، ولهذا جازت الحوالة على من هو أغنى منه وأسهل أداء. وعلى هذا الخلاف إذا كان دينه بغير رهن فأحاله بدين على رهن.
فرع آخر
إذا اشترى من رجل دراهم بدنانير في الذمة ثم أحاله على رجل بالدنانير في المجلس وتفرّقا، قال القاضي الطبري: قال بعض أصحابنا: تصح الحوالة ولا يبطل الصرف، قال القاضي: وهذا عندي إذا كانا قد تخايرا وسقط الخيار فأما مع بناء الخيار لا تصح الحوالة. وعلى هذا إذا أحال برأس مال السلم في المجلس بعد التخاير ثم تفرّقا، لم يبطل السلم هكذا ذكر في مجرّد المذهب، وقال في «المنهاج» من أصحابنا من قال: الحوالة قبض وهو عندي غلط، لأنه لا تصح الحوالة في عوض الصرف قبل التفرق ورأس مال السلم أيضًا، وهذا خلاف ما ذكر في المذهب وهذا أصح، وقد ذكرنا فيما مضى أن التخاير في الصرف يبطله إذا لم يكن قبض عوض الصرف. وسمعت بعض أصحابنا بخراسان: ذكر فيه وجهين، وقال: المنع أسلم في النظر وليس مذهب.
فرع آخر
لو كان لرجل على رجلين ألف درهم على كل واحد منهما خمسمائة وكل واحدٍ منهما كفيل ضامن عن صاحبه، ولرجل عليه ألف فأحاله عليهما على أن يطالب أيهما شاء، هل تصح الحوالة؟ قال ابن سريج: فيه قولان وأراد وجهان، لأنه زاد حقه بذلك
стр. 2666
فإنه كان يطلب حقه من محل واحد والآن يطلبه في محلين وهو نظير المسألة السابقة.
فرع آخر
لو كان عليه ألف إلى سنة فأحال به على رجل لا حق له عليه فقبل وقلنا: يلزم وصحت ولزمت على ما ضمنه فيقضي ذلك في محله. فإن قضاه بعد محله بإذنه رجع عليه به، وإن قضاه قبل محله لم يرجع على المحيل في الحال لأنه قد تطوع بالتقديم فهو كما لو قبل الحوالة بمكسرة ثم أعطاه صحاحًا لم يرجع إلا بالمكسر. وإن كانت المسألة بحالها وحل الحق أو كان الحق حالًا فقبل الحوالة أن يعطي المحتال، فإن قال المحال عليه للمحيل: أعطني رهنًا لما يلزمني عنك فأعطاه لم يصح لأنه لا يملك الرجوع عليه حتى يغرم.
فصل
في الدعوي في الحالة وفيه مسائل إحداها: إذا كان لزيد على عمرو [١٧ ب/ ٨] ألف ولخالد على زيد ألف فقال خالد لعمرو: قد أحالني زيد عليك وأنكر عمرو فالقول قول المحال عليه فإن حلف سقطت دعوى المحتال وللمحيل أن يقبض حقه من المحال عليه، لأن حقه باقٍ في ذمته وهو معترف له به. وأما المحتال لا يرجع على المحيل بشيء لأن قبوله الحوالة اعتراف بقبض الحق، وإن نكل المحال عليه حلف المحتال واستوفي حقه منه وكان للمحيل أن يرجع على المحال عليه بحقه لأنه يقول: أعطيته ظلمًا فلك أن ترجع عليَّ بحقك، وإن صدَّق زيد خالدًا على ما قال برئ عمرو من دينه، وإذا قلنا: لا يشترط رضا المحال عليه في الحوالة ثبتت الحوالة بتصديقه وله المطالبة ولا يضرّه تكذيب المحال عليه. وإن صدق عمرو خالدًا وجب عليه دفع المال ثم ينظر في زيد فإن صدقه فلا كلام، وإن كذبه فالقول قوله مع يمينه، فإذا حلف رجع على عمرو بالألف ولا يرجع خالد عليه بشيء لأنه أقر أنه استوفي حقه بالحوالة بإقراره، وله أن يستوفي ذلك من عمرو لتصادقهما على الحوالة، والثانية: لو كان له ألف درهم على رجلين على كل واحدٍ خمسمائة ولهما على رجل ألف درهم لكل واحد منهما خمسمائة فادّعى من له الألف عليهما أنهما أحالاه بالألف الذي عليهما على من لهما عليه ذلك الألف وأقام بذلك شاهدين نظر فإن شهد للمحتال ابناه لم تقبل شهادتهما لأبيها، وإن شهد ابنا المحيلين أو ابنان لأحدهما قبلت لأنها شهادة على أبيهما. فإن كانت المسألة بحالها وكان المدعي المحيلين ادعيا أنهما قد أحالاه بالألف عليهما نظر فإن شهد بها ابنا المحتال قبلت لأنها على أبيهما، وإن شهد لهما ابناهما لم تقبل شهادة من شهد لأبيه منهما ولكنه قد شهد لأبيه ولشريك أبيه فردت في أبيه للتهمة. وهل ترد في غير أبيه قولان، وهذا أصل كل من شهد لرجلين بحق فردت شهادته في أحدهما للتهمة، هل تقبل للآخر قولان. وإن ردت في أحدهما للعذارة مثل إن قالا: قذفنا وقذف زيدًا ردت في الكل. فإذا
стр. 2667
قلنا: ترد فلا كلام وإذا قلنا: لا ترد في حق شريك أبيه فقد حصل لكل واحد منهما شاهد واحد بما يدعيه [١٨/ أ] فيحلف معه ويستحق لأنه إثبات مال، فإن كانت المسألة بحالها فكان المحتال هو المدعى عليه هو المحال عليهما، فإن شهد له ابناه لم تقبل، وإن شهد له ابنا المحال عليه قبلت، والثالثة: إذا كان له على رجل ألف فادّعى عليه أنك أحلت به عليَّ فلان الغائب فالحق له دونك فالقول قول صاحب الحق فإن أقام هذا المدعي البينة سمعت وحكم على المحيل بسقوط حقه من المحال عليه، ولم يحكم بها للغائب لأن القضاء للغائب لا يجوز، وإذا عاد الغائب نظر، فإن ادعى ذلك وصدقّه المحيل قبض ذلك منه وإلا أقام البينة ثانياً وقضى بحاله عليه بالحوالة ولا تكفي البينة التي أقامها المحال عليه، هكذا ذكر ابن سريج، وفي هذا نظر لأنه إذا قدم من الغيبة يدعي على المحال عليه دون المحيل وهو مقر له فلا حاجة به إلى إقامة البينة، ولو دفع هذا المحال عليه إليه لم يكن لصاحب الدين مطالبته بشيء لأن المطالبة سقطت عنه بالبينة. ولو جاء إلى رجل فقال لفلان الغائب: عندك ألف؟ فقال: نعم، فقال: قد أحالني به عليه، فانكر القول، فالقول قوله. فإن أقام المحتال البينة به قال ابن سريج: حكمت بها في حقهما وحق الغائب معًا، وألزمت المحتال عليه التسليم لأنه قضاء على غائب.
стр. 2668
كتاب الضمان
قال: قال الله تعالى: ﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢]، وهذا كما قال: لا خلاف بين المسلمين في جواز الضمان، وإنما أورد المزني ﵀ الأدلة ليبين أنه أمر معهود قديم لا ليستدل بها على مخالف. والأصل في جوازه ما ذكر من الأدلة، أحدهما: قوله تعالى: ﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢]، فأخبر عن الضمان في شرع من قبلنا ولم يعقبه بنكير، فدل على جوازه.
فإن قال قائل: الحمل مجهول فكيف صح ضمانه؟ قلنا: لعله كان معلومًا عندهم، كان لو قر مقوم المقدار عند أهل البلد إذا أطلق.
وكذلك الوسق معلوم حتى علق النبي ﷺ به حكم العشر.
فإن قيل: كيف يصح أن يضمن للسارق شيئًا على رد ما سرق؟ قيل: لم يضمن الضامن للسارق شيئًا، وإنما ضمن للمسترجع من السارق. ومثل هذا الضمان جائز، فإن قيل هذا [١٨ ب/ ٨] المنادي ملتزم بقوله: وفيه جاء به حمل بعير، فما معنى قوله: وأنا به زعيم.
قيل: لعله أخبر عن الملك بالالتزام وعلى نفسه الضمان، وذلك أن يوسف صلى الله عليه أمر أن يجعل الصاع في رحل ابن يامين ثم بعث في أثرهم من قال: إنكم لسارقون صاع الملك، وكان قصده أن يمسك ابن يامين عنده، فإنه كان في شريعة يعقوب صلى الله عليه إن من سرق استبعده المسروق منه بسنة. والصحيح أن المزني جعل لفظ الزعامة حجةٌ، لأن ضمان الجعل قبل استقرار وجوبه. والزعيم الضمين وفيه لغات ضمين وزعيمٌ وحميل وكفيل وقبيل وصبير. واحتج أيضًا بقوله تعالى: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ [القلم: ٤٠]، أي: ما يقول الكفار إنا نجعل المسلمين كالمجرمين وبما ذكر من بعده. وتعلقه من هذه الآية بلفظ الزعيم، إذ ليس فيها حكم الضمان. واحتج بما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: "الزعيم غارم"، وتمام الخبر ما روى أبو أمامة الباهلي ﵁ قال: خطب رسول الله ﷺ يوم فتح مكة فقال: "العارية مؤداة والمنحة مردودة والدين مقضي والزعيم- يعني الكفيل- غارم" يعني الكفيل.
стр. 2669
واحتج بما روي عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في جنازة، فلما وضعت قال النبي ﷺ : "هل على صاحبكم من دين؟ قالوا: نعم درهمان، قال: صلوا على صاحبكم، فقال علي بن أبي طالب ﵁: يا رسول الله لهما عليَّ وأنا لهما ضامن فتقدم رسول الله ﷺ ثم أقبل على علي رضي الله فقال: "جزاك الله عن الإسلام خيرًا وفك رهانك كما فككت رهان أخيك"، فدل على أن الدين يلزم بالضمان.
وروى جابر بن عبد الله: أنّ جنازة وضعت بين يدي رسول الله ﷺ ، فقال ﷺ : " على صاحبكم من دين؟ قالوا: لا، فصلى عليه. ثم وضعت جنازة أخرى فقال: "هل على صاحبكم من دين؟ " قالوا: نعم ديناران، فقال: صلوا على صاحبكم، فقال أبو قتادة ﵁: هما عليَّ يا رسول الله وأنا لهما ضامن [١٩/ أ]، فصل النبي ﷺ عليه". قال أبو قتادة ﵁: فلقيني رسول الله بعد ثلاثٍ فقال: "ما فعلت في دين أخيك؟ فقلت: الآن قضيته، فقال: الآن بردت جلده عن النار".
ثم قال جابر ﵁: هذا نسخ حين كثرت الأموال، وأصبح النبي ﷺ يومًا خطيبًا فقال: "من خلَّف مالًا أو حقًا فلورثته، ومن خلَّف دينًا أو كلًا فكله إليَّ ودينه عليَّ، فقيل: يا رسول الله عليه وعلى كل إمام بعدك؟ فقال: وعلى كل إمام بعدي". وروي أنه قال: "من ترك دينًا فعليَّ قضاءه". فقيل: معناه إذا لم يكن له مال فعليَّ قضائه من مال الصدقات من سهم الغارمين. وقيل: معناه من ترك دينًا له ومال فعليَّ اقتضاء الدين له، واستخراجه ممن هو عليه حتى يصير مع ماله الذي تركه إلى ورثته. ثم قال المزني رحمة الله عليه: روى الشافعي رحمة الله عليه في قسم الصدقات أن رسول الله ﷺ قال: "لا تحل الصدقة لغني إلا لثلاثة"، ذكر منها رجلًا تحمل بحمالة فحلت له الصدقة.
قال المزني: فكانت الصدقة محرمًة عليه قبل الحمالة فلما تحمل لزمه الغرم بالحمالة، فخرج من معناه الأول أن حلت له الصدقة، وهذا الدليل الذي ذكره دليل واضح على صحة الضمان. ولكن المزني أخل بالنقل، لأن الشافعي ما روى الحديث هكذا، بل روي ان رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: "لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسٍة، لغاز في سبيل الله، أو لعاملٍ عليها، أو لغارمٍ، أو لرجل اشتراها بماله، أو لرجل له جار
стр. 2670
مسكين فتصدق على المسكين فأهدى المسكين الغني" فليس في هذا الحديث ذكر الثلاثة ولا ذكر الحمالة، والخبر الذي ذكر فيه الحمالة ما روي عن قبيصة بن المخارق أنه قال: فحملت حمالة فأتيت النبي ﷺ فسألته فقال: "نؤديها عنك أو نخرجها عنك إذا قدم نعم الصدقة يا قبيصة" المسألة حرمت إلا في ثلاثٍ: رجلٍ تحمل بحمالة فحلت له المسألة حتى يؤديها ثم يمسك، ورجلٍ أصابته فاقة أو حاجة حتى شهد أو تكلم ثلاثة من ذوي الحجى من قومه أن به فاقة أو حاجة فحلت له المسألة حتى يصيب سدادًا من عيش ثم يمسكه، ورجل أصابته جائحة فاجتاحت ماله فحلت له الصدقة حتى يصيب سدادًا من عيش أقوامًا من عيش ثم يمسك. وما سوى ذلك [١٩/ ب] من المسألة فهو سحت. ففي هذا الخبر ذكر الحمالة وهي الضمان وليس فيه ذكر الغني وتحليل الصدقة له، فدل على أن المزني غلط وخلط أحد الحديثين بالآخر.
فإذا تقرر هذا فالضمان يفتقر إلى ثلاثٍة: ضامن ومضمونٍ له ومضمون عنه، كالحوالة تفتقر إلى محيل ومحتالٍ ومحيل عليه، فإذا ضمن عن رجل مالًا فهل يفتقر إلى معرفة المضمون له والمضمون عنه. قال ابن سريج: فيه ثلاثة أوجهٍ:
أحدهما: أنه يجوز وإن لم يعرفهما وصورته: رجل غريب حكي له أن لعمرٍو على زيد ألف درهمٍ وهو لا يعرف واحدًا منهما فقال: أنا ضامن لعمرٍو عن زيد ذلك، وهذا لأن التزاما على طريق الوثيقة فصار كالتزام الشهادة لا يفتقر إلى معرفة الشهود له والمشهود عليه، ولأن خبر على بن أبي طالب وأبي قتادة ﵄ يدل على هذا لأنهما لم يعرفا ذلك.
والثاني: لا يجوز حتى يعرفهما لأنه لا بد من الدفع إلى المضمون له فيحتاج أن يعرفه أنه سهل المعاملة أو بخلاف ذلك من الرجوع على المضمون عنه فيحتاج أن يعرفه ليعلم أنه يؤدي ما عليه أو لا يؤدي.
والثالث: لا بد من معرفة المضمون له لأنه إثبات مالٍ له بالعقد ولا يحتاج إلى معرفة المضمون عنه لأنه لا معاملة بينهما إذا ضمن بغير إذنه ولا رجوع عليه، وهذا ظاهر مذهب الشافعي لأنه قال في اختلاف العراقيين: ولو ضمن دين الميت بعدما يعرفه ويعرف لمن هو فالضمان لازم. ونقل المزني منه إلى المختصر فشرط معرفة مقدار المال ومعرفة المضمون له وحده.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: لا يختلف المذهب أن معرفة المضمون عنه شرط وفي المضمون له وجهان ظاهر الخبرين أنه ليس بشرط لأنهما لم يقولا وأنا ضامن
стр. 2671
لمن، وفي هذا نظر والصحيح ما ذكرنا.
فإذا قلنا: يفتقر إلى معرفتهما لم يفتقر إلى إذن المضمون عنه ورضاه وجهًا واحدًا، وهل يفتقر إلى قبول المضمون له؟ قال صاحب "الإفصاح": لا يصح إلا بقبوله، وبه قال أبو حنيفة ومحمد، إلا في مسألة وهي إذا قال المريض لبعض ورثته: اضمن عني فضمن جاز، وإن كان الغرماء غيبًا ولم يسلم الدين استحسانًا، وهذا غلط لأنه إثبات مالٍ لآدمي فلم يثبت إلا بقبوله، كما في البيع والشراء.
وقال ابن سريج: فيه [٢٠/ أ] وجه آخر، لا يفتقر إلى قبوله وهو اختيار ابن أبي أحمد لأنه قال: ويتم الضمان بالضامن وحده إذا علم لمن هو، وكم هو، وإلى متى هو، وعلى من هو؟ وبه قال أبو يوسف، لأن عليًا وأبا قتادة ﵄ ضمنا من غير قبول المضمون له وأجازة النبي ﷺ . فإذا قلنا بالأول فضمن لرجلٍ مالًا فإن قبل صح ولزم، وإن لم يقبل حتى رجع الضامن فيما ضمن صح رجوعه، كما يرجع البائع عن الإيجاب قبل قبول المشتري.
فإن قال قائل: أليست الكفالة بالبدن لا تجوز إلا بإذن المكفول عنه؟ فالكفالة بالحال واجب أن لا تجوز إلا بإذن المضمون عنه. قلنا: الفرق أنه لا يمكن إحضاره إلا بإذنه فلا يصح إلا بإذنه، وأداء المال يمكن من غير إذن من عليه فجاز بغير إذنه.
ومن أصحابنا من قال: لو خاطب المضمون له بالضمان فتمام الضمان موقوف على المضمون له بلا خلاف.
وهل يشترط قبوله أو رضاه؟ وجهان:
أحدهما: وهو اختيار ابن سريج يشترط قبوله لفظًا لأنه عقد وثيقة يفتقر إلى لفظ الضامن فيفتقر إلى لفظ المضمون له كالرهن، فعلى هذا لو تراخى القبول لم يجز، كما في البيع والرهن.
والثاني: لا يفتقر إلى قبوله لفظًا، لأن الضمان لو كان كالرهن لا يفتقر إلى مواجهة فدل على أنه موقوف على الرضا دون القبول، فعلى هذا إذا رضي بما يدل على الرضا في مجلس الضمان جاز، وإن تراخى عن حال الضمان.
وإن لم يظهر منه الرضا بالضمان حتى فارق المجلس لا ضمان وللضامن أن يرجع عن ضمانه قبل رضا المضمون له، لأن الضمان لم يتم وإن رضي بالضمان لا رجوع للضامن فيه لأنه تم.
مسألة: قال: وَإِذَا ضَمِنَ رَجُلٍ حَقَّاً فَلِلْمَضْمُونِ لَهُ أَنْ يَاخُذَ أَيَّهُمَا شَاءَ.
وهذا كما قال: إذا ضمن رجل عن رجلٍ دينًا يتوجه المطالبة على الضامن والمطالبة لا تسقط عن الأصل، بل تبقى عليه ويتجدد على الضامن ويكون المال متعلقًا بكل
стр. 2672
واحدٍة من الذمتين وله مطالبة من شاء منهما به، سواء كان قادرًا على قبضه من المضمون عنه أو غير قادر عليه، لأن الضمان ليس بنقل الدين عن الذمة، بل هو انضمام ذمة إلى ذمٍة، وبه قال أبو حنيفة وعامة الفقهاء. وقال [٢٠/ ب] ابن أبي ليلى وابن شبرمة تبرأ ذمة المضمون عنه وينتقل الحق إلى ذمة الضامن كما في الحوالة، ولكن لو تعذر استيفاؤه من الضامن يرجع إلى المضمون عنه، وكذلك في الحوالة وهو قول داود واحتجوا بقوله ﷺ لعليّ ﵁: "فكَّ الله رهانك كما فككت رهان أخيك" وقال ﷺ لأبي قتادة: "هما عليك والميت منهما بريء". ولأن بقاء الدين عليه يؤدي إلى أن يصير الدين الواحد دينين وهذا لا يجوز. وهذا لما روي أن النبي ﷺ قال في خبر أبي قتادة: "الآن برّدت على أخيك جلده" فلو تحول الحق بعقد الضمان لبرّد عليه جلده بعقد الضمان قبل الأداء وإنما قال هذا بعد الأداء ولأنه وثيقة أطلق فلا يتحول الحق بها كالرهن. وأما الخبر الأول قلنا: كان امتناع من الصلاة عليه وبالضمان فكَهُ من هذا حتى صلى عليه رسول الله ﷺ . وأما الخبر الثاني قلنا: أراد أن الميت بريء من الرجوع في تركته وأنك تؤدي متطوعًا. وأما قوله: يصير الدين الواحد دينين غلط لأنه لا يأخذ منهما بل يأخذ من أحدهما، وإن كان يتعلق بهما حق الاستيفاء كما يتعلق بذمة الراهن وعين المرهون. وقال مالك فيما حكى أصحابنا عنه لا يطالب الضامن إلا تعذر مطالبة المضمون عنه: وبه قال أبو ثور وجعله ابن أبي هريرة قولًا محتملًا وجعله لنفسه وجهًا. وهذا غلط لأن الحق تعلق بالذمتين فله استيفاؤه من كل واحدٍ منهما كما لو ضمن الحق ضامنان. وقال محمد بن جرير: له الخيار في أن يبتدئ بمطالبة أحدهما عنه، فإذا طالب أحدهما عنه، فإذا طالب أحدهما لم يكن له مطالبة الآخر بشيء وهذا أيضًا غلط لما ذكرنا.
فرع
لو كان الضمان بشرطٍ كان لصاحب الحق مطالبته على موجب الشرط مثل أن يكون له عليه الدين حالًا فيضمنه مؤجلًا إلى شهرٍ ويطالب المضمون عنه في الحال، ولا يطالب الضامن إلا إذا حل أجله، وكذلك لو كان المال عليه إلى شهرٍ فضمنه إلى شهرين جاز أن يطلبه بعد شهرين. فإن قيل: عندكم الدين الحال لا يتأجل [٢١/ أ] فكيف تأجل ها هنا على الضامن؟. قيل: الدين لم يثبت على الضامن حالًا وإنما ثبت عليه ما يضمنه وقد ضمنه ابتداء مؤجلًا والدين يتأجل في ابتداء ثبوته إذا كان ثبوته بعقد.
فرع آخر
لو كان الدين عليهما مؤجلًا فمات الضامن قبل محل الدين حل عليه الدين في تركته وله أن يطالب ورثته بقضائه، وليس له مطالبة المضمون عنه لأن الدين لم يحل عليه. ثم إذا قبض من ورثة الضامن برئ من عليه أصل الحق من حقه ولم يكن لورثة الضامن
стр. 2673
أن يرجعوا على المضمون عنه حتى ينقضي الأجل لأن الدين عليه مؤجل فلا يجوز المطالبة به من قبل محله، وحكي عن زفر أنه قال: لهم مطالبته به قبل الأجل لأن الضامن ضمن يأمره مع علمه أنه يحل عليه بموته. وهذا غلط لأنه أدخله في المؤجل وهذا الحلول كان من غير اختيار فصار كما لو عجل الدين قبل محله لا يرجع عليه في الحال. وهكذا لو مات المضمون عنه يحل الدين عليه، ولا يجوز له مطالبة الضامن لأنه لم يحل عليه فإذا استوفاه من تركته سقط عن الضامن والمضمون عنه.
فرع آخر
لو كان الدين مؤجلًا فضمنه حالًا فيه ثلاثة أوجه:
أحدهما: لا يصح الضمان لأن الضامن فرع المضمون عنه فلا يستحق مطالبته دون أصله.
والثاني: يصح الضامان ويكون حالًا كما يجوز أن يضمن الحال مؤجلًا.
والثالث: يصح الضامن ويكون مؤجلًا لأجله وسقط قوله حالًا لأن الفرع لا يكون أقوى من الأصل وهذه الأوجه ذكرها ابن سُريج والأصح عندي الوجه الأول لأن المضمون له يجبر على التأجيل وقد ضمن له عاجلًا ولا يُجبر الضامن على التعجيل فيكون الفرع أقوى من الأصل فلا وجه إلا إبطال الضمان. وقال في "الحاوي": لا يصح الوجه الثاني لأن حال الضامن أضعف من حال المضمون عنه، ثم لا يلزم المضمون عنه حالًا فالضامن أولى والمذهب الوجه الثالث ويقال له: الأولى لك أن تعجل القبض بشرطك فإذا أَبَيت إلا الأجل المستحق لم تجبر ويكون اشتراطك التعجيل تطوعًا منك لا يلزم إلا بالقبض.
فرع آخر
إذا قلنا: يصح ويكون حالًا فضمن مطلقًا ثم اختلفا فقال الضامن: ضمنته على [٢١/ ب] وصفه فهو مؤجل وقال المضمون له: ضمنته مالًا فعليك التعجيل فالقول قول الضامن لأنه اعترف بما ضمن.
مسألة: قال: "فإنْ ضمنَ بأمرهِ وغرمَ رجعَ بذلكَ عَليه".
وهذا كما قال: إذا ضمن عن رجل مالًا وأداه لا يخلو من أربعة أحوال:
أحدهما: أن يكون الضمان والأداء بأمره فيرجع على المضمون عنه وبه قال مالك وأحمد وأبو يوسف ﵏، وقال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله: إن قال: اضمن عني يقتضي إقرارًا منه بالحق، وإذا أطلق يصير كأنه قال: تطوع عليه أو وهب له هذا وإذا كان مخالفًا له فقد يأمره بالنقد عنه فقلنا: يرجع عليه استحسانًا. وقالا: الزوجة والولد كالمخالط وهذا غلط ضمن بأمره ودفع فأشبه إذا كان مخالطًا له أو
стр. 2674
قال: اضمن عني. وأما ما ذكره لا يصح لأن قوله: "انقده" يقتضي أن يكون ذلك عنه لأنه لا يأمر إلا بذلك في الظاهر وليس فيه ما يدل على الأمر بالهبة.
والثاني: أن يكون الضمان بغير أمره والأداء بغير أمره، فلا يرجع عليه وبه قال كافة العلماء، وقال مالك وأحمد في إحدى الروايتين: يرجع عليه وهذا غلط لخبر عليّ وأبي قتادة ﵄ ووجه الدليل أن النبي ﷺ ما كان يصلي على ميت عليه دين دعا لا وفاء له فلو ثبت لهما الرجوع بما ضمنا لما صلى عليهما رسول الله ﷺ لبقاء الدين عليهما للضامنين. ولأن تبرع بذلك فلا يرجع عليه كما لو أطعم عبده. ولأنه دين غيره بغير أمره فلا يرجع عليه كما لو كان القاضي عدوًا للمقضي عنه ووافقونا أنه لا يرجع ها هنا. والثالث أن يكون الضمان بغير أمره والأداء بأمره فالمذهب أنه لا يرجع عليه لأن الدين قد وجب عليه بغير أمره والأداء من مقتضى الوجوب السابق دون أمره، وهذا ظاهر كلام الشافعي لأنه قال: فإن تطوع بالضمان لم يرجع ولم يفرق بين أن يكون الأداء بأمره أو بغير أمره. ومن أصحابنا من قال: يرجع عليه لأن الرجوع إنما يثبت بالأداء دون الضمان وهذا الأداء كان بأمره فيرجع عليه ومن أصحابنا من قال: يُنظر فإن قال: أدِّ ما ضمنته لترجع به عليّ له الرجوع إذا أدى ولو قال: أدِّ ما ضمنته عني فيه وجهان أحدهما: يرجع لأنه أمره بالغرم عنه. والثاني: لا يرجع [٢٢/ أ] لأنه يحتمل أنه أراد به التطوع. والرابع: أن يكون الضمان بأمره والأداء بغير أمره فظاهر المذهب أنه يرجع به عليه لأنه قال: وإن ضمن بأمره وغرم رجع به عليه ولم يشترط أن تكون الغرامة بإذنه وبه قال ابن أبي هريرة وصاحب "الإفصاح" وهذا لأن الأمر بالضمان يقتضي الأداء وقد لزمه الحق بإذنه فإذا أدى رجع كما لو أعاره عبدًا فرهنه بأمره ثم بيع العبد في دينه رجع به عليه ولهذا يملك مطالبته بتخليصه، وقال القاضي الطبري: نص الشافعي على هذا في كتاب "النكاح والطلاق" من رواية الربيع وفي "الإملاء" على مسائل مالك من رواية حرملة.
ومن أصحابنا من قال: فيه ثلاثة أوجه: أحدهما: هذا، والثاني: لا يرجع عليه لأنه دفع بغير إذنه فصار كما لو ضمن بغير إذنه، والثالث: قاله أبو إسحاق: إن كان مضطرًا إلى أدائه بأن كان المضمون عنه غائبًا أو كان حاضرًا ولم يحضره المال فطالب الضامن فأداه رجع عليه، وإن كان المضمون عنه حاضرًا مليًا فلم يطالبه بتخليصه من الضمان وأداه إلى المضمون عنه لم يرجع.
ومن أصحابنا من قال: إن أداه بعد المطالبة والمحاكمة له الرجوع قولًا واحدًا، وإن أداه قبل المطالبة فهل يرجع؟ وجهان، وهكذا الخلاف إذا وكل رجلًا أن يشتري له عبدًا بألف فاشتراه فطالب الوكيل بالثمن فإن أدى من ماله فهل يرجع إلى الموكل؟ فعلى قول أبي إسحاق إن كان مضطرًا إلى أدائه بأن كان الموكل غائبًا أو حاضرًا إلا أنه لم يحضره المال فطالبه البائع بالأداء فأداه كان له الرجوع عليه وإن لم يكن مضطرًا فلا
стр. 2675
رجوع. وعلى قول ابن أبي هريرة: يرجع عليه إلا أن يكون قال له: لا تَزِنْ عني فإذا وزن لم يرجع عليه وقيل: فيه ثلاثة أوجه لأن قبول الوكالة مع العلم بأن الثمن يتعلق بذمته بمنزلة الضمان عنه لأمره.
فرع
لو قال الضامن للمضمون عنه: أضمن عنك لفلان كذا فقال: نعم كان هذا أمرًا بالضمان وقال أبو حنيفة: لا يكون أمرًا وهذا غلط لأنه لو قال: اضمن عني لفلان كذا كان أمرًا وهذا أوكد في الأمر.
فرع آخر
لو قال لرجل: أَدِّ عني ديني كان له الرجوع عليه في أصح الوجهين ولو قال: أدِّ دين فلان ولم يقل: عني لا رجوع في أصح الوجهين.
مسألة: قال: وكَذَلِكَ كُلُّ ضَامِنٍ في دَيْنٍ [٢٢/ ب] وَكَفَالَةٍ فيْ دَيْنٍ وَأُجْرَةٍ وَمَهْرٍ.
الفصل
وهذا كما قال: الكلام الآن في بيان الحقوق التي يصح ضمانها والتي لا يصح، والحقوق على أربعة أضرب حق مستقر في الذمة كالثمن بعد قبض المبيع والقرض والأجرة بعد انقضاء المدة بعد الدخول والعوض في الخلع وقيم المتلفات وأَروش الجنايات كل هذا يصح ضمانه.
والثاني: حق لازم إلا أنه غير مستقر كالثمن قبل قبض المبيع والمهر قبل الدخول والأجرة قبل انقضاء المدة والسلم في الذمة نص الشافعي على جواز ضمانه لأنه يؤول إلى الاستقرار والسقوط بالهلاك أمر مشكوك فيه وقيل: إنه في الظاهر مستقر في الحال والهلاك مشكوك فيه فكان الحكم للظاهر. وقال أحمد في رواية: لا يصح ضمان المُسلَم فيه لأنه يؤدي إلى استيفاء المسلم فيه من غير المسلم إليه فلا يجوز كالحوالة وهذا غلط لأنه حق لازم فصح ضمانه كالقرض. ولا يشبه الحوالة لأنه يطالب فيها ببذل الحق، وفي الضمان يطالب بنفس الحق.
والثالث: حق غير لازم ولا يفضي إلى اللزوم وهو مال الكتابة لأن المكاتب يقدر على الامتناع من الأداء مع القدرة على الأداء فضمانه باطل لأنه لا يجوز أن يكون الفرع أقوى من الأصل.
والرابع: حق غير لازم ولكنه يفضي إلى اللزوم وهو الجعل في الجعالة قبل الفراغ من العمل فيه وجهان:
стр. 2676
أحدهما: لا يجوز ضمانه لأنه غير لازم في الحال ولا يؤول العقد إلى اللزوم لأنه يجوز للعامل والمعمول له الرجوع عن ذلك ولا يلزم العقد بحالٍ.
والثاني: يجوز لأنه يؤول إلى اللزوم والاستقرار إذا رده بخلاف مال الكتابة وهذا أشبه.
فرع
ضمان الثمن في مدة الخيار هل يجوز أم لا؟ فيه طريقان:
أحدهما: يجوز وجهًا واحدًا لأن الشافعي نص على أنه إذا باع شيئًا على أن يعطيه جميلًا بعينه جاز والثمن غير لازم حتى يتفرقا, وإذا جاز شرط الضمان جاز الضمان ويخالف مال الجعالة لأن ثبوته بالعقد آكد من ثبوت مال الجعالة ألا ترى أن مال الجعالة لا يصير لازمًا بالعقد حتى ينضم إليه العمل والثمن يصير لازمًا بالعقد بالتفرق أو بمضي مدة الخيار.
والثاني: فيه وجهان أيضًا [٢٣/أ] كما في الجعالة لأنه غير لازم في الحال والاول أصح فإن قيل: على هذا ليست الحوالة بالثمن في مدة الخيار لا تجوز في قول فما الفرق؟ قلنا: فرق بينهما كما يفرق بين ضمان الطعام في ذمة المُسلم إليه فيجوز وبين الحوالة فلا يجوز. وأما مال الجعالة بعد العمل يصح ضمانه بلا خلاف.
فرع آخر
ضمان دين الأجنبي على المكاتب يجوز لأنه لازم وفي ضمان دين السيد على المكاتب من جهة المعاملة وجهان:
أحدهما: لا يجوز لأنه يسقط بالتعجيز كالنجوم.
والثاني: يجوز لأنه لازم في الحال, وإن كان يتوهم سقوطه بفسخ الكتابة. وقال بعض أصحابنا بخراسان: هذان الوجهان مبنيان على أنه هل يستدام الدين عليه بعد عجزه؟ وفيه وجهان.
فرع آخر
ضمان مال المسابقة مبني على القولين فإن قلنا: إنها بمنزلة الإجازة يصح ضمانه, وإن قلنا: إنها بمنزلة الجعالة فقد ذكرنا فيه وجهين.
فرع آخر
لنفقة الزوجات ثلاثة أحوال مستقرة وهي ما وجب لزمان ماض. ولازمة غير مستقرة وهي نفقة يومها من صلاة الغداة فهذان يجوز ضمانهما ونفقتها في المستقبل فيها قولان قال في "الجديد": تجب يومًا بيوم فعلى هذا لا يصح ضمانها. وقال في "القديم": تجب لها بالعقد وتستقر بمضي المدة فعلى هذا يصح ضمان زمان معلوم فيقول: ضمنت نفقة عشر سنين ويضمن نفقة المعسرين لأنها أقل نفقة تجب لها. وعلى هذا يجوز
стр. 2677
ضمان نفقة الأقارب إذا وجبت, وإن كانت قد تسقط بمضي الزمان اعتبارًا بلزومها وقت الضمان.
فرع آخر
ضمان دية النفس وأرش الجرح هل يجوز أم لا؟ قال أبو إسحاق ﵀: إن كان ذهبًا أو ورِقًا وعرفاه جاز الضمان. وإن كان إِبلًا اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: يجوز ضمانه وأخذ البدل عنه ومنهم من قال: لا يجوز لأن الصفة التي وجبت الدية فيها بها لا يجوز عقد الشراء عليها وهو كالرقاب والطعام أوجبت في الكفارة مطلقة ولا يجوز العقد عليها على الإطلاق كذلك ها هنا. وقيل: الوجهان مبنيان على القولين في جواز الصلح عنها على مالٍ
فرع آخر
ضمان الأعيان هل تجوز أم لا؟ إن كانت العين أمانة [٢٣/ب] لا تجوز كالمال في يد الوصي أو الوكيل أو المقارض لأنها غير مضمون عليهم. وإن تعدوا فيها وصارت مضمونة عليهم هل يجوز ضمانها وكذلك ضمان المغصوب والعارية؟ قال في "الإفصاح": فيه وجهان:
أحدهما: يجوز لأنه مال لزمه أداؤه فصح ضمانه كالدين في الذمة وبه قال أبو حنيفة وأحمد رحمهما الله.
والثاني: لا يجوز وهو المذهب لأنه إن ضمن العين نفسها فالأعيان لا تثبت في الذمم, وإن ضمن قيمتها فهو ضمان ما لم يجب وضمان مجهول فلا يجوز. وقال ابن سريج: فيه قول آخر للشافعي وهو غير صحيح وقال أيضًا: هذان الوجهان مبنيان على كفالة البدن وفيها قولان فإن قلنا: إنها تجوز فهذا أولى لأن هذه الأعيان مضمونة والبدل غير مضمون.
فرع آخر
إذ قلنا: إنه يجوز فهذا أولى يؤخذ الضامن بتسليم العين إن كانت باقية, فإن تعذر صار كالمعسر بالحق. وإن تلف العين خرّج ابن سريج فيه وجهين:
أحدهما: بطل كما لو تكفل ببدن من عليه رجل ثم مات المكفول ببدنه.
والثاني: ينتقل الضمان إلى القيمة لأن القيمة تقوم مقام العين عند تلفها ولا يمنع الحوالة قدرها من لزوم ضمانها لأنها تفرعت عن أصل معلوم وهذا غلط لأن العين إن كانت باقية فالواجب ردها. وذلك مما قد يعجز عنه الضامن ويقدر, وإن تلفت يلزم قيمتها ولم يضمنها الضامن وفيها جهالة. وقيل: فيه وجهان بناء على أصله في كفالة البدن متى مات المكفول ببدنه هل يلزم الكفيل ما في ذمته من الدين؟ وجهان قال أبو حامد: هذا لا يصح لأن مذهب الشافعي أن المكفول به مات لا يلزم الكفيل شيء
стр. 2678
فكيف يصح هذا التخريج؟.
فرع آخر
إذا دفع الثوب إلى القصار أو إلى الخياط فإن قلنا: إنه أمانة لم يصح الضمان عنه وإن قلنا: إنه مضمون عليه ففي الضمان وجهان على ما ذكرنا.
فرع آخر
ذكر المزني في كلامه ضمان العهدة, وضمان العهدة أن يشتري رجل من رجل عينًا من الأعيان فيضمن ضامن عن البائع عهدة المبيع وهي أنه متى خرج مستحقًا ضمن له الثمن, فإن كان البائع لم يقبض الثمن لم يصح الضمان لأن في هذه الحالة لو خرج المبيع مستحقًا لم يجب على البائع رد شيء وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجه آخر أنه [٢٤/أ] يجوز للحاجة وليس بشيء. وإن كان البائع قبض الثمن صح الضمان عن البائع نص عليه الشافعي في آخر كتاب "الإقرار" وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد, وفيه قول آخر خرجه ابن سريج أنه لا يجوز وهو اختيار ابن أبي أحمد وهو القياس, واحتج بأنه ضمان مال لم يجب بعد. ولأنه ضمان عين وهو الثمن وذلك لا يجوز. ولأنه مجهول لأنه لا يعلم هل يستحق جميعها أو بعضها, وهذا لا يصح لأن الحاجة تدعو إلى الوثيقة على البائع ولا يمكن الوثيقة عليه إلا بالضمان لأن الوثائق ثلاث: الشهادة, والرهن, والضمان. فأما الشهادة فلا يستوفي فيها الحق, وأما الرهن فلا يجوز في ذلك بالإجماع لأنه يؤدي إلى أن يبقى أبدا مرهونًا فلم يبق إلا جواز الضمان وأما قوله: إنه ضمان ما لم يجب فقد بيّنا أنه يجوز ها هنا للحاجة وإن لم يجب. وأيضًا هذا ضمان ما وجب لأنه إن لم يكن المبيع مستحقًا فلا ضمان عليه, وإن كان مستحقًا فقد وجب ضمان الثَّمَن على البائع بقبضه إيّاه وإذا ضمن ذلك فقد ضمن حقًا واجبًا في الباطن, وإن كنا لا نعلم وجوبه ظاهرًا فلهذا جوزنا ولهذا لا يجوز هذا الضمان إلا بعد قبض البائع الثمن. وأما قوله: إنه ضمان عين فقد ذكرنا فيه الخلاف. ولأنه جوز للحاجة ما ذكرنا, ومن أصحابنا من قال: إن كان هذا الضمان بعد أن تصرف البائع في الثمن ولم يبقَ في يده منه شيء يجوز لأنه ضمان ما في ذمة البائع, وإن كان الثمن قائمًا في يده فهو ضمان عين فيكون على وجهين. وأما الجهالة فلا تصح لأنه ضمن الجملة, فإن خرج بعضه مستحقًا فقد وجب عليه بعض ما ضمنه.
فرع آخر
إذا جوزنا ضمان العهدة فألفاظ ضمان العهدة أن يقول: ضمنت لك عهدة هذا البيع والعهدة في الحقيقة عبارة عن الصك المكتوب فيه الثمن ولكن الفقهاء يستعملونها عبارة عن الثمن لأنه مكتوب في العهدة فيصح, وحكي عن أبي يوسف أنه قال: العهدة كتاب الابتياع فإذا ضمن العهدة كان ضامنًا للكتاب وهو عين لا يصح ضمانها, وهذا لا يصح لأنه إذا ثبت للعرف اسم للاسم عرف ينصرف الأصلان إليه وهذا في العرف عبارة عن
стр. 2679
الدرك وضمان الثمن ويفسد [٢٤/ب] بهذا عما يجاوزه من الثمن ويقرب منه. ولو قال: ضمنت لك الدرك فيه كان عبارة عن العهدة أيضًا. ولو قال: ضمنت لك الثمن إن بانت مستحقة فهو صريح في الباب وكذلك لو قال: ضمنت لك ثمنه. ولو قال: ضمنت لك خلاصك منه قال أصحابنا: هذا عبارة عن العهدة أيضًا.
فرع آخر
لو قال: ضمنت لك خلاص المبيع كان باطلًا لأن المستحق ربما لا يسلمه بعد أن استحقه. وحكي عن ابن سريج أنه قال: لا يضمن الخلاص إلا أحمق ومعناه ان يضمن أنها لو استحقت يشتريها الضامن من مالكها ويسلمها إليه. فإن قيل: أنتم تقولون هذا وقد نص الشافعي في الإقرار على جوازه فقال: ولو ضمن له ضامن عهدتها أو خلاصها كان للمشتري أن يرجع على الضامن بالثمن؟ قلنا: تأويله أنه أراد خلاصك منها, وهذا لأن خلاصه إذا كان متعلقًا بها جازت إضافته إليها كما يضاف المصدر إلى الفاعل والمفعول به وقيل: أراد وخلاصها وقد صارت أو بمعنى الواو كقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧] يعني ويزيدون وقوله: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آَثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤] يعني: وكفورًا فمعناه ضمن عهدتها وخلاصها معًا فيلزمه الضمان بقوله: ضمنت لك العهدة لا بقوله: وخلاصها وهذا بين في كلامه لأنه قال: يرجع على الضامن بالثمن إذا استحقت ولم يقل: كان عليه خلاص الدار.
فرع آخر
إذا ضمن خلاص المبيع وقلنا: لا يجوز فإن كان هذا في البيع فسد البيع لأنه شرط فاسد. وكذلك إذا شرطه في مدة الخيار فسد البيع. وإن شرطه بعد لزوم البيع لم يصح الضمان ولم يؤثر في البيع. وإن ضمن عهدته وخلاص المبيع بعد لزوم البيع فسد في الخلاص ولم يؤثر في العقد. وهل فسد في ضمان العهدة؟ قولان بناء على القولين في تفريق الصفقة.
فرع آخر
اعلم أنه يكتب في بعض الوثائق: ضمنت لك قيمة ما يحدث في المبيع من بناء وغراس إذا ظهر الاستحقاق وذلك لا يجوز عندنا لأنه ضمان مجهول وضمان ما لم يجب. وإن قدره فقال: من درهم إلى ألف لا يجوز لمعنى واحد وهو أنه ضمان ما لم يجب. وعند أبي حنيفة يجوز ذلك بناءً على أصله في جواز ضمان المجهول [٢٥/أ] وجواز ضمان ما لم يجب. فإن ذكر هذا في كتاب الوثيقة وأفرده عن ضمان العهدة بطل ذلك وصح ضمان العهدة. وإن قرنه بضمان العهدة هل يتعدى بطلانه إلى بطلان العهدة؟ قولان بناء على تفريق الصفقة, وإن ضمن البائع ذلك لم يصح ضمان ما يحدث والعهدة واجبة عليه بغير ضمان. وإن شرطه في أصل البيع بطل البيع.
стр. 2680
فرع آخر
إذا جوزنا ضمان العهدة فإن سلمت له الدار فقد بان أنه ما كان ضامنًا بشيء, وإن لم يسلم له الدار لا يخلو, إما أن يبطل ذلك بأمر حادث أو بمعنى قارن العقد, فإن كان بأمرٍ حادثٍ مثل الاحتراق في يده أو في يد البائع قبل القبض أو تقايلا فعادت إلى البائع بالإقالة أو غصبها غاصب منه فلا شيء على الضامن لأنه إنما ضمن عنه الاستحقاق الموجود عند العقد ولم يوجد ذلك. وإن كان ذلك بأمر قارن العقد, فإن كان بغير تفريط من البائع لم يرجع به عليه وعلى الضامن وهو الأخذ بالشفعة بل يرجع بالثمن على الشفيع. وإن كان بتفريط من البائع, فإن كان التفريط تدليسًا بعيب أصاب المشتري به عيبًا فرده بالعيب يرجع بالثمن على البائع ولا يرجع به على الضامن لأنه ليس يدرك نص عليه الشافعي وكذلك لو فسخ البيع في مدة الخيار, لا يرجع بالثمن على الضامن. ومن أصحابنا من قال: فيه وجهان:
أحدهما: هذا.
والثاني: أن الرجوع به على الضامن لأنه استحق الثمن بسبب, فإن العقد حصل بتفريط البائع فكان له الرجوع به على الضامن كما لو استحق وهذا لا يصح لأن الضامن إنما ضمن ما وجب وهذا لم يكن واجبًا. ولأن ملكه زال عنه بسبب حادث فأشبه إذا تلف في يد البائع. ولو كان فيه عيب وحدث عند المشتري عيب آخر يكون له رده وله الرجوع بأرش العيب ويرجع به على البائع. وهل يرجع به على الضامن؟ على ما ذكرنا من الخلاف.
وقال ابن سريج: فإن صرح وقال: ضمنت لك كل دَرَك يلحقك من عيب وغيره يرجع به عند وجود العيب على الضامن وكذلك في أرش العيب. وقال القاضي الطبري: لا يصح ضمان الأرش بحال وجهًا واحدًا لأنه مجهول ولم يجب بعد لأن الأرش لا يجب بالعقد وإنما يجب بتعذر الرد بحدوث عيب آخر في يده فلا وجه [٢٥/ب] لما ذكر بعض أصحابنا. وإن كان التفريط بالاستحقاق فإن المستحق يأخذ ما استحقه ويتصرف فيه. ثم لا يخلو الاستحقاق من أحد أمرين إما أن يكون في الكل أو في البعض, فإن كان في الكل رجع على من شاء منهما بالدرك. وإن استحق البعض أو كان المبيع عبدين فاستحق أحدهما بطل البيع في المستحق. وهل يبطل فيما عداه؟ قولان فإذا قلنا: يبطل في الكل رجع بحصة المستحق على من شاء منهما, وبغير المستحق وجهان: أحدهما: يرجع به أيضًا على من شاء منهما لأنه لحقه بسبب الاستحقاق.
والثانى: يرجع به على البائع وحده دون الضامن وهذا أصح لأن الدرك لحقه في نصف الثمن, وفساد البيع في النصف الآخر ليس من جهة الدرك لأن الدرك هو
стр. 2681
الاستحقاق وذلك لم يستحق. وإذا قلنا: يبطل في المستحق وحده فالمشتري بالخيار بين الإمساك أو الرد. فإن أمسك بكم يمسك؟ قولان أحدهما: بكل الثمن أو يرده. والثانى: بالحصة أو يرده. فإن قلنا: بالكل فلا رجوع على أحد. وإن قلنا: بالحصة رجع بحصة المستحق على من شاء منهما إن أمسك الباقي. وإن زاد الباقي رجع بحصة المستحق على من شاء منهما وبحصة غير المستحق على من يرجع؟ وجهان على ما ذكرنا.
فرع آخر
لو بان أن البيع كان فاسدًا لا باستحقاق بل بسبب أوجب فساده فيه وجهان: أحدهما: يطالب به ضامن العهدة كما لو كان بالاستحقاق. والثاني: لا يطالبه لأنه لا يمكنه إمساك المستحق حتى يرد عليه الثمن ويمكنه إمساك المبيع بيعًا فاسدًا ليرد عليه الثمن فلا حاجة به إلى الرجوع على ضامن العهدة ذكره القفال ﵀.
فرع آخر
لو قبض رجل ألف درهم من دين له على رجل فضمن له ضامن نقصها في الوزن أو الصفة صح, وجرى ذلك مجرى ضمان الدرك وخرج عن باب ضمان المجهول وضمان مالم يجب. ثم إذا ادعى القابض أنها نقصت مائة درهم فإن صدقه الدافع والضامن كان بالخيار في الرجوع إلى ما شاء من الدافع أو الضامن, وإن كذباه كان قوله مقبولًا على الدافع مع يمينه لأن الأصل بقاء دينه فإذا حلف استحق [٢٦/أ] الرجوع عليه بالنقص, وهل يقبل قوله على الضامن حتى يرجع عليه بالقبض؟ وجهان: أحدهما: يقبل على الضامن كما يقبل على من كان عليه أصل الحق. والثاني: وهو الأصح لا يقبل عليه لأنه لم يكن دينه ثابتًا قبل هذا عليه والأصل براءة ذمته. ولو كذبه الدافع وصدقه الضامن له أن يرجع على كل واحدٍ منهما لأن كل قوله على الدافع مقبول, فلو رجع على البائع الضامن لا يرجع على الدافع لإنكاره.
فرع آخر
لو ضمن له نقص الصفة وهو أن يبدل ما كان رديئًا فإن صدقه الدافع والضامن أنه كان فيها كان بالخيار في الإبدال. فإن أراد أخذ البدل من الدافع فله أن يمتنع من دفع البدل إلا بعد استرجاع الرد المبدل. وإن أراد الأخذ من الضامن لم يمن له أن يمتنع ليسترجع المبدل لأنه لا يملكه وقيل للضامن: لك أن تفسخ القضاء في القدر المردود وتدفع إليه بوزنه جيدًا ويكون الرد مع القابض ليرد على الدافع.
فرع آخر
لو كذبه الدافع والضامن فإن عيبًا لا يخرجها من جنس الدراهم لم يقبل قول القابض على واحد منهما, وإن كان يخرجها من جنس الدراهم كالزائف والصفر
стр. 2682
المطلي فقول القابض مقبول على الدافع وهل يقبل على الضامن؟ على ما ذكرنا من الوجهين والفرق أن المعيب إذا كان من جنس الفضة جاز أن يكون قضاء من الفضة فلم يقبل قوله في ادعاء الرد لأنه يصير مبتدئًا لإثبات حق والرضا بل لا يجوز أن يكون قضاء من الفضة فكان حقه باقيًا لا يسقط بقبضه فلم يصر بادعاء الرد مبتدئًا لإثبات حق فهذا فرق ما بينهما, ولو صدقه الضامن وكذبه الدافع كان له أن يرجع بالبدل على الضامن وللضامن ها هنا أن يمنع من دفع البدل له باسترجاع الرد بخلاف ما ذكرنا إذا صدقاه لأن الضامن مع تكذيب الدافع لا يقدر أن يرجع عليه بالبدل فكان له استرجاع الرد ليتوصل به إلى بعض حقه.
فرع آخر
لو ضمن له نقص الدراهم ولم يذكر نقص الوزن أو نقص الصفة كان ضامنًا لنقص الوزن بلا خلاف. وهل يضمن نقص الصفة؟ وجهان حكاهما ابن سريج أحدهما: يضمن لانطلاق النقص على الأمرين. والثاني: لا يضمن [٢٦/ب] لأن عرف الناس في مثله على نقص الوزن دون الصفة.
فرع آخر
لو استقرض من رجل قرضًا بشرط أن يرهن عنده رهنًا فقال أجنبي للمرتهن: ضمنت لك تسليم هذا الرهن إليك كان ناكلًا لأن للراهن الامتناع من تسليم الرهن. فإن قال قائل: ما معنى قول المزني: "وكذلك كل ضامن في دين وكفالة بدين" وهما مسألة واحدة؟ وقيل: يحتمل أنه أراد كفالة الوجه وأجاب على قول التصحيح ومراده أن ضمان الدين لازم وكفالة البدن في الدين كفالة لازمة. ويحتمل أن يريد بذلك ضمان الضمان ومراده أن من ضمن دينًا عن المديون فالضمان له لازم ومن ضمن عن الضامن دينًا فالضمان لازم على الثاني كما كان ضمان الاول صحيحًا لازمًا وتقديره: أو ضمان في كفالة بدين, فإن قال قائل ها هنا: وإن أداه بغير أمره كان متطوعًا لا يرجع به عليه وقيل: هذا بسطرين فإن ضمن بأمره وغرم رجع به عليه ولم يعتبر الإذن عند الأداء وهذا مناقضة, والمسألة خلاف بين أصحابنا ولكن لا يستحسن أن يجيب في سطر على مذهب وفي السطر الثاني على مذهب آخر قلنا: يحتمل أن يكون ما ذكره أولًا حكاية عن الشافعي, وما ذكره ثانيًا من عنده يدل عليه نظم تصنيفه لأنه قال بعد النص الاول قال المزني: "وكذلك كل ضامن في دين" الفصل: أو يكون تجوزًا في العبارة عن واحد.
مسألة: قال: فّإِنْ أُخِذَ الضَّامِنُ بِالحَقِّ وَكَانَ ضَمَانُهُ يَأمُرُ الذِيْ هُوَ عَلَيْهِ فَلَهُ أَخْذُهُ بِخَلاَصِهِ.
стр. 2683
الفصل
وهذا كما قال: إذا ضمن رجل عن رجل مالًا فلو كان كان بغير أمره لم يكن له مطالبة المضمون عنه بخلاصه منه لأنه لا معاملة بينهما, وإن كان بأمر وقال ابن أبى هريرة: وإن كان مؤجلًا لم يحل عليه لم يكن له مطالبته بخلاصه. وإن كان حالًا فإن له مطالبته بخلاصه سواء طالبه المضمون له بالمال أو لم يطالبه, كما لو أعطاه عيناً ليرهنه فحل الحق كان له مطالبته بكفالة سواء طالبه المرتهن بالمال أو لم يطالبه. ولأن عليه ضررًا في بقائه لأنه قد يتلف مال المضمون عنه فلا يمكنه الرجوع عليه. ومن أصحابنا من قال: ليس له أن يطالبه بخلاصه حتى يطالبه المضمون له بالمال, وهذا ظاهر ما نقله المزني [٢٧/أ] لأنه قال: فإن أخذ الضامن بالحق وكان ضمانه بأمر الذي هو عليه فله أخذه بخلاصه فشرط أن يؤخذ الضامن بالحق فدل على أنه إذا لم يؤخذ به فلا مطالبة له بخلاصه. وهذا يفارق الرهن, لأن على صاحب العين ضررًا في كونه مرهونًا في الحال ولا ضرر على الضامن في وجوب الدين في ذمته قبل المطالبة به. وأما المال فلا يجوز له أن يرجع به إلا بعد أن يغرمه للمضمون عنه.
فرع
إذا قلنا: ليس له أن يطالبه بخلاصه إذا لم يطالبه صاحب الحق قال ابن سريج: للضامن أن يقول للمضمون له: إما أن تبرئني من الحق, وإما أن تطالبني به لأطالب المضمون عنه بنكال ذمتي.
فرع آخر
لو ضمن ألفًا بأمره ثم دفع المضمون له إلى الضامن ألفًا, قال ابن سريج: يُنظر فيه فإن جعله رسولًا ووكيلًا في قضاء الدين به عنه جاز , وإن قال: خذه بدلًا عما سيجب لك علي بالقضاء عني فيه وجهان:
أحدهما: يصح ويملكه الضامن ملكًا مراعًى وله التصرف فيه, وهو كتعجيل الزكاة والكفارة قبل وجوبها.
والثاني: لا يصح لأنه أعطى بدلًا عما يجب له في الثاني فلا يصح. فعلى هذا يكون ضامنًا لما قبضه لأنه قبضه قبضًا فاسدًا. وعلى الوجه الأول إن قضي عنه الألف تبينا أنه ملك الألف, لم يقبض منه ولكن برئت ذمة المضمون عنه من وجه آخر فعليه رد الألف.
فرع آخر
إذا ضمن عن رجل بأمره فطولب بالمال الذي ضمنه فقضاه على الوجه الذي ضمن رجع عليه بما قضى بلا إشكال. وإن قضى أفضل منه من جنسه كأنه قضى الصحاح مكان المكسرة لم يرجع عليه إلا بالمكسرة التي ضمنها, لأنه تبرع بالزيادة, وإن قضى عن الصحاح مكسرة أو عن البيضاء سوداء رجع بالمكسرة والسوداء, لأنه لا يرجع عليه
стр. 2684
إلا بما غرم, ولهذا لو أبرأه من جميع الحق لم يرجع بشيء, فكذلك إذا أسقط صفة من صفاته. ولو قضاه بغير جنس الحق الذي ضمن كأنه دفع إليه بالألف ثوبًا أو غيره جاز وسقط الدين وله [٢٧/ب] الرجوع على المضمون عنه بأقل الامرين من الألف وقيمة الثوب لأن قيمة الثوب إن كانت أكثر فلا يلزمه إلا ما ضمنه عنه, وإن كانت أقل فلا يلزمه إلا ما غرم عنه, هذا مذهب الشافعي. وقال ابن سريج: يرجع بما ضمن في هذه المسألة والتي قبلها وهذا غلط لما ذكرنا.
فرع آخر
لو ضمن بأمره فطولب الضامن بأداء ما ضمنه وحبس به فأراد الضامن أن يحبس المضمون عنه قبل أداء المال فيه وجهان:
أحدهما: له ذلك لأن له مثل ما عليه.
والثاني: ليس له ذلك لأنه لم يستحق قبل الغرم عليه مالًا حتى يحبسه به والحبس عقوبة.
فرع آخر
ولو سقط عنه الحق بإبراءٍ قد ذكرنا أنه لا يرجع على المضمون عنه, لأنه لم يغرم شيئًا, ولو قال: وهبت الحق منك أو تصدقت عليك يكون كالإبراء عندنا. وقال أبو حنيفة: يكون كالاستيفاء حتى يرجع الضامن على المضمون عنه.
فرع آخر
لو أدى الضامن المال ثم وهبه من الضامن بعد القبض ففي رجوعه على المضمون عنه قولان مخرجان من الزوجة إذا وهبت صداقها لزوجها ثم طلقها زوجها قبل الدخول هل يرجع بنصف الصداق؟ قولان.
فرع آخر
لو أبرأ الضامن المضمون عنه من مال الضامن قبل أدائه عنه, هل يصح الإبراء؟ وجهان مخرجان من الوجهين في جواز تعجيل القضاء قبل أن يغرم, فإن قلنا: يجوز التعجيل صح الإبراء وإن قلنا: لا يجوز ذلك لا يجوز الإبراء.
فرع آخر
لو كان المضمون عنه صغيرًا والضامن ضمن بأمر أبيه, ثم طولب الضامن بالغرم فإن كان المضمون عنه على صغره لم يجز له أن يأخذ الأب بخلاصه. وإن بلغ له أن يأخذ الابن دون الأب. ولو كان غير الأب أمره بالضمان ليس للضامن أن يطالب الآمر بخلاصه بحال لأنه أمره من لا ولاية له.
فرع آخر
لو ضمن ذمي لذمي عن مسلم ثم صالحه على خمر هل يصح الصلح؟ فيه وجهان:
стр. 2685
أحدهما: يصح لأنه بين كافرين. والثاني: لا يصح, لأنه متصل [٢٨/أ] بحق مسلم. فإذا قلنا: يصح فبماذا يرجع؟ فإن قلنا: إذا صالح المسلم على ثوب يرجع بقيمة الثوب فها هنا لا يرجع بشيء, وإن قلنا هناك: يرجع بجميع الحق فكذلك ها هنا يرجع بأصل الحق.
فرع آخر
لو لم يكن الضمان بإذن المسلم فالصلح جائز على معنى أنا نُعوض عنه فلا نبطله, ويحتمل وجهًا آخر أنه باطل لما ذكرنا أنه يبرأ به ذمة المسلم لما ذكرنا.
فرع آخر
لو صالح صاحب الحق مع الضامن صلح حطيطةٍ يرجع بما صالح عليه بلا خوف.
مسألة: قال: "وَلَوْ ضَمِنَ عَنِ الأَوَّلِ بِأَمْرِهِ ثُمَّ ضَمِنَ عَنِ الضَّامِنِ ضَامِنُ بِأَمْرِهِ فجائز".
الفصل
وهذا كما قال: قد بينا أنه يصح ضمان الدين الذي على الضامن لأنه لازم مستقر, ثم لصاحب الحق أن يطالب من شاء منهم, فإن طالب فقبض الحق من بعضهم برئ الجميع. وإن أحالهم له بعضهم على آخر فكذلك برئ الجميع لان الحوالة كالقبض. وإن أبرأ واحدًا منهم فإن أبرأ الأصيل برئ هو وبرئ الضامنان, وإن أبرأ الضامن الأول برئ هو والضامن الثاني, ولا يبرأ المضمون عنه لان الضامن الثاني فرع للضامن الاول, والضامن الأول فرع لمن عليه الدين, فإذا برئ الفرع لم يبرأ الاصل. ولو ضمن الأصل عن الضامن أو ضمن الضامن الأول عن الثاني لا يجوز لان الحق واجب في ذمته فلا يفيد هذا الضمان شيئًا. ولو ضمن رابع وخامس عن الضامن يجوز أيضًا وإن كثروا ولصاحب الحق مطالبة الكل على ما ذكرنا. فإن قلنا: أليس لا يجوز أن يأخذ بالرهن رهنًا وهو وثيقة كالضمان فما الفرق؟ قيل: الفرق أن الضمان بحق ثابت في الذمة, والرهن بحق متعلق بالعين لا بالدين فافترقا. ولو قبض الحق من الضامن الثاني فإن كان ضمن عن الأول بإذنه رجع عليه. وهل يرجع الأول على الأصل؟ إن كان ضمن عنه بإذنه رجع عليه وإلا فلا. وإن كان الثاني ضمن عن الأول بغير إذنه لم يكن له الرجوع على الضامن الأول, فإن لم يرجع عليه لم يكن للضامن الأول الرجوع على الأصل لأنه لم يغرم.
فرع
لو ضمن عن الأصل ضامن من غير أمره ثم قال الأصيل لرجل: اضمن عن هذا الضامن ما ضمنه عني [٢٨/ب] فضمن بإذنه دون إذن الضامن وأدى المال رجع إلى
стр. 2686
الأصيل. وإن كان بإذنهما جميعًا رجع على أيهما شاء، وبمثله لو قال لرجل: اقضِ دين فلان أو اضمن عن فلان ففعل لم يرجع على الآمر لأنه لا غرض له في قضاء غير دين الغير فذلك الأمر لا يفيد شيئًا، وها هنا له غرض في قضاء الدين الذي هو عليه، وإن كان هناك ضامنٌ فسواء بين أن يقول: اضمن عن ضامني ذكره القفال. وقيل: فيه وجهان مبنيان على ما لو قال: اقضِ ديني، فإن قلنا هناك لا يرجع فها هنا لا يرجع، وإن قلنا: هناك يرجع فها هنا يرجع.
فرع آخر
لو ضمن في الابتداء بشرط أن يعطي المضمون عنه ضامنًا بما ضمن هل يصح؟ فيه وجهان ذكره أصحابنا بخراسان والأصح أنه لا يجوز هذا الضمان إذ لا خيار في الضمان، ولو ضمن بالخيار كان باطلًا وهذا لأن من جوز هذا الضمان بهذا الشرط قال على المضمون عنه أن يعطي للضامن ذلك الضامن المشروط، فإن لم يضمن فلان فلهذا الضامن الخيار في أن يرضى بلا ضامن أو يفسخ الضمان ويبرئ نفسه. قال هذا القائل: وأصل الوجهين ما قاله ابن سريج، وهو أن بنفس الضمان هل ينعقد بين الضامن والمضمون عنه حكم أم لا؟ فيه وجهان ولهذا الخلاف خمس فوائد: أحدها: هذه المسألة، والثانية: ما ذكرنا، أنه لو حبس الضامن بالحق هل له أن يقول: احبسوا المضمون عنه معي على ما سبق بيانه. والثالثة: ما ذكرنا أنه لو أبرأ الضامن المضمون عنه عما سيغرم هل يصح أم لا؟ والرابعة: لو صالح عما سيغرم على بعضه هل يصح أم لا؟ والخامسة: لو أعطى المضمون عنه الضامن ضامنًا بما يضمن هل يجوز أم لا؟.
مسألة: قال: وَلَوْ كَانَ لَهُ عَلَى رَجُلَيْنِ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَفِيْلٌ ضَامِنٌ عَنْ صَاحِبِهِ.
الفصل
وهذا كما قال: لو كان له على رجلين ألف درهم على كل واحدٍ منهما خمسمائة وكل واحد منهما كفيل ضامن عن صاحبه بأمره فله مطالبة من شاء منهما بألف، خمسمائة أصلٌ وخمسمائة ضمان. ثم لا يخلو إما أن يقبض أو يبرئ، فإن قبض ألفًا من أحدهما [٢٩/ أ] برئ عن خمسمائة أصلًا وبرئ شريكه عن ضمانها وبرئ عن خمسمائة ضمانًا وبرئ شريكه عن أصلها. وإن قبض من أحدهما خمسمائة نُظِر فإن عيّنها باللفظ أو بالنية كان عما عينها، وإن عيّن الأصل برئ من الأصل وبرئ شريكه من ضمانها، وإن عيَّن الضمان برئ منه وبرئ شريكه من أصلها. وإن قبض خمسمائة مبهمةً غير معينة بقولٍ ولا بنيةٍ فيه وجهان: أحدهما: له أن يعينها في أي الدينين شاء وهو المذهب كما لو أعتق عبده عن كفارته وكان عليه كفارتان له تعيين العتق عن أيهما
стр. 2687
شاء. والثاني: يكون من الدينين معًا مائتان وخمسون عن الأصل ومائتان وخمسون عن الضمان لأن الإطلاق يقتضي التسوية بينهما. وإن أبرأ أحدهما من الألف برئ من الأصل وبرئت ذمة شريكه من ضمانها وبرئ عن خمس مائةٍ ضمانًا ولم يبرأ ذمة شريكه عن أصلها. وإن أبرأ أحدهما عن خمسمائة فإن عين بالقول أو بالنية كان على ما عين. فإن أبرأه عن الأصل برئ منه وبرئت ذمة شريكه عن ضمانها، وإن أبرأه عن الضمان برئ منه ولم يبرأ ذمة شريكه عن أصلها. وإن أبرأه عن خمسمائة مبهمةٍ فيه وجهان على ما ذكرنا. فإن جعلها عن الضمان له أن يطالب الذي لم يبرئه بألفٍ خمسمائة أصلٌ وخمسمائة ضمان. وإن أراد أن يطالب المبرئ عنه يطالبه بخمسمائة التي هي الأصل.
فرع
لو كانت هذه الكفالة في بيع بطل البيع وهي أن يقول: بعتكما هذا العبد بألف على أن كل واحدٍ منكما ضامن على صاحبه لأنه لم يبع النصف من هذا بخمسمائة إلا بأن يضمن له الدين الذي له على غيره.
فرع آخر
لو كان له عليهما ألف على كل واحدٍ منهما خمسمائةٍ وكل واحدٍ منهما كفيل ضامنٌ عن صاحبه ثم ضمن ثالث عن أحدهما الألف الذي في ذمته صح وكان له مطالبة أي الثلاثة منهم شاء. فإن طالب الثالث فقبض الحق منه برئت ذمة الشريكين ولم يكن للثالث أن يرجع على من لم يضمن عنه منهما وهل له [٢٩/ ب] أن يرجع على من ضمن عنه منهما؟ نُظر فإن كان ضمن عنه بغير أمره لم يرجع، وإذا لم يرجع لا يرجع هو على شريكه. وإن كان قد ضمن بأمره رجع به عليه، وهل يرجع هو على شريكه أم لا؟ أمّا مال الأصل فلا يرجع على شريكه، وأمّا مال الضمان فإن كان قد ضمن عن شريكه بأمره رجع عليه وإلا لم يرجع.
فرع آخر
قال القفال: قال ابن سريج: لو قضى في المسألة السابقة أحدهما خمسمائة ثم اختلفا فقال صاحب الحق: قضيت عن صاحبك، وقال الدافع: لا بل عن نفسي وحلف فلصاحب الحق أن يطالب الذي لم يقبض شيئًا بخمسمائة لأنه يقول: إن صدقت صاحبك فعليك خمسمائة، وإن صدقتني وكذبت صاحبك فنصيبه عليه باقٍ وأنت ضامن لذلك. أو يقول: لي على صاحبك خمسمائة وأنت أقررت بأنه أدى عنك خمسمائة فله عليك خمسمائة فأنت غريم غريمي فأطالبك به كما لو كان له على رجل ألف وتعذر عليه استيفاؤه فأقر رجل لذلك الرجل الذي عليه المال بألفٍ وأنكر المقر له فلصاحب الحق أن يقول له: عليك ألف ولي عليه ألف فأدِّ حقي كما لو ظفرت بشيء من ماله فلي أخذه بحقي عند التعذر، وبعدما حلف الدافع إني دفعت عن نفسي فلصاحب الحق أن يطالبه بالنصف الآخر الذي هو ضامنٌ فيه لأنه يقول: إنما قلت: إنك دفعت
стр. 2688
المضمون ظنًا مني أو دلني ظاهر الحال على ذلك فلما حلفت أنك ما دفعت إلا نصيبك فالمضمون عليك باقٍ.
فرع آخر
لو ضمن ثلاثة أنفسٍ عن رجل ألف درهم كان على كل واحدٍ ثلاثة إلا أن يقول كل واحد منهم أنا ضمن لجميعه.
فرع آخر
لو كان المضمون له مريضًا فأبرأ الضامن ومات من مرضه فإن خرج من الثلث برئ، ى وإن لم يخرج من الثلث برئ من مقدار الثلث وكان الضمان باقيًا فيما زاد عليه.
مسألة: قال: "وَلَوْ أَقَامَ الرَجُلٌ البَيِّنَةَ أَنَّهُ بَاعَ مِنْ هّذَا الرَّجُلِ وَمِنْ رَجُلٍ غَائِبٍ عَبْدًا بِألْفِ دِرْهَمٍ وَقَبَضَاهُ مِنْهُ".
الفصل
وهذا كما قال: إذا قدَّم رجل رجلًا إلى الحاكم وادعى عليه أنه باع منه ومن رجل آخر غائب عبدًا بألف درهم، وإن كل واحد منهما كفيل ضامن عن صاحبه بأمره وأنه مطالبٌ له بالألف فلا [٣٠/ أ] يخلو المدعى عليه إما أن يقرّ به أو ينكره، فإن أقر به لزمه. فإذا قدم الغائب فإن صدقه على إقراره رجع بنصف الألف عليه، وإن لم يصدقه لا يقبل إقرار المدعى عليه على الغائب ولم يكن له الرجوع عليه. وإن أنكر المدعى عليه لا يخلو إما أن يكون له بينة أو لا بينة له، فإن لم تكن له بينة فالقول قوله مع يمينه فإذا حلف برئ. ثم إذا قدم الغائب لا يخلو إما أن ينكر أو يقر فإن أنكر فالقول قوله مع يمينه. وإن أقر يلزمه خمسمائة درهم وهي التي لزمته بالشراء، فأمّا ما لزمه بالضمان عن صاحبه فقد سقط عنه لأن صاحبه قد برئ عنه بيمينه، وإذا برئ المضمون عنه برئ الضامن ومن أصحابنا من قال: ما لزمه بالضمان لم يسقط عنه ويؤخذ بإقراره لأن اليمين لم يبرئه من الحق بل أسقط عنه المطالبة في الظاهر ولهذا تسمع البينة عليه، وإذا أقامها لزم الضامن. وإن كانت له بينة فأقامها فإنه يقضى بها على الحاضر بألف درهم نصف بالشراء ونصفه بالضمان فإذا قدم الغائب فإن كان الحاضر لما قدم إلى الحاكم وأنكر قال: ما اشتريت وما ضمنت فإنه قد كذّب بينة المدعي وأقر بأن ما غرمه ظلم لحقه من جهة المدعي فلا يرجع به على الغائب. وإن أنكر الشراء وسكت عن الضمان كان له الرجوع عليه بخمسمائة لأنه لم يكذب البينة، قال ابن أبي هريرة: وهكذا إذا قال: لا أقر ولا أنكر فسمع الحاكم عليه البينة وقضى بها عليه رجع هو على الغائب وهذا جواب عن سؤال يقال: الخصم الحاضر أنكرها ادعى المدعي من الشراء والضمان فكيف يرجع على الغائب بنصف الألف وهو يزعم أن المدعي مبطل في
стр. 2689
دعواه، لأنه على ما ذكرنا لم يقل: إن المدعي مبطل في دعواه حتى لو قال ذلك لا يرجع. وقيل: لعله وكل بالخصومة وكيلًا فلم يبطل حق رجوعه بإنكار وكيله فلهذا قال: ورجع على الغائب. وقيل: وهو الصحيح جحوده لمدافعة خصومة الخصم لا يمنعه من الرجوع إذا توجه الحكم عليه لأنه لو اشترى من رجل عبدًا وقبضه فجاء مستحق وادعى أنه مغصوب [٣٠/ ب] فأنكر المشتري وقال: بل كان ملكًا للبائع حين باعه مني وهو اليوم ملكي، ثم أقام المستحق بينة على الغاصب واسترجع العبد منه كان له أن يرجع على البائع بثمن العبد ولا يمنعه نسبة ملك العبد إلى البائع في مدافعة الخصومة عن الرجوع لأنه يقول: كانت تلك المقالة مني صادرة على الظاهر لدفع الخصومة، فإذا توجه القضاء عليّ ثبت لي حق الرجوع عليك كذلك ها هنا، وقيل: تأويله أن الحاضر صدق المدعي في ذلك غير أن المدعي قال: وأنا أقيم البينة بما ادعى عليك ليثبت الحق على الغائب فسمع الحاكم ذلك وقضى بها ها هنا له الرجوع لأنه ليس فيه تكذيب البينة. وقيل: تأويله أنه لم يجب بقوله ما اشتريت وما ضمنت ولكن قال: لا يلزمني دفع هذا المال من الوجه الذي تذكره فيحتمل أنه قضى ذلك المال مرةً.
وقيل: تأويله أن الحاضر أنكر الضمان عن الغائب على ظاهر ما قال المزني، فلما قبض منه الألف قال: قد ظلمني هذا المدعي وأخذ مني ألفًا لا يستحقه وأعلم أن لك قبل الغائب ألفًا أقدر على أخذه بالبينة التي أقمت فقد وجد مالًا لمن عليه مال لا يقدر على أخذه فكان له أخذه بحقه، فعلى هذا التأويل هذا الحاضر لا يرجع على الغائب بما ضمن عنه وإنما يرجع بمال الغاصب عنده. وهذا التأويل لا يستقيم لأنه إذا أنكر جملة ما ادعاه المدعي وقال: لا تستحق عليّ ولا على الغائب بسبب هذه الدعوى، فكيف يرجع عليه بسبب هذه البينة؟ وإن لم ينكر ما ادعاه على الغائب وإنما أنكر الضمان عند فقد سقط عنه بأدائه عنه في الظاهر، وما ذكره من حكم الباطن ففي الظاهر لا يجوز أخذ ماله. قال المزني: وهذا مما يجامعنا عليه من أنكر القضاء على الغائب يعني به أبا حنيفة فإنه وافقنا في المسألة، لأن له اتصالًا بالحاضر وهو الضامن ينوب عن الغائب في الخصومة. وقال أبو إسحاق: هذا ليس بإلزام لأنهم يقولون بجواز القضاء على الغائب إذا كان هناك خصم حاضر وقال غيره: هذا وإن كانوا يقولونه فهو حجة عليهم، لأنه أثبت البيع و [٣١/ أ] الثمن على الحاضر والغائب وإنما قيد المزني هذه المسألة بالقبض لأن المدعي إذا لم يدّع أن المشتري قبض السلعة مني لم يستحق طلب الثمن على المشهور من مذهب الشافعي رحمة الله عليه.
فرع
ولو شهدت البينة ولم يعين الغائب باسمه ونسبه فهل يحكم بها على الحاضر بالألف؟ قال صاحب "الإفصاح": يحتمل وجهين:
стр. 2690
أحدهما: لا يحكم عليه لأن بهذه الشهادة لا يثبت المال على الغائب، وإذا لم يثبت على الغائب لم يجز أن يثبت على الحاضر عنه.
والثاني: يُحكم عليه بالألف لأن البينة لو شهدت على رجل بأن عليه لفلان ألف درهم من جهة الضمان قبلت هذه الشهادة وقضي عليه بالألف، وإن لم يكن المضمون عنه معينًا.
مسألة: قال: وَلَوْ ضَمِنَ عَنْ رَجُلٍ بِأَمْرِهِ أَلْفَ دِرْهَمٍ عَلَيْهِ لِرَجُلٍ فَدَفَعَها بمحضره ثُمَّ أَنْكَرَ الطَّالِبُ أَنْ يَكُونَ قَبَضَ.
الفصل
وهذا كما قال: إذا ضمن رجل عن رجل ألف درهم فطالب المضمون له الضامن به فدفعه إليه ثم جحد القابض ما قبضه فالقول قوله مع يمينه لأن الأصل عدم القبض. وقد قال المزني: "حلف وبرئ" وليس معنى قوله: "برئ" أن عليه دينًا برئ منه لأنه طالب الدين، ولكن المراد به براءته عما توجه عليه من دعوى القبض والبراءة مرة تكون عن الدين ومرة عن الدعوى في الخصومة. ثم إذا حلف لا يخلو إمّا أن يكون دفعه إليه بحضرة المضمون عنه أو بغيبته، فإن كان بحضرته كان المضمون له أن يطالب أيهما شاء بالألف. فإن طالب المضمون عنه بما كان عليه دفعه إليه ليزن ألف درهم له وألف درهم للضامن، لأنه يقر بأن الضامن قد استحق الألف عليه وأن الظلم لحقه من جهة المضمون له، وهذا هو الذي نقله المزني واختاره أبو إسحاق.
ومن أصحابنا من قال: لا يرجع الضامن عليه لأنه فرط في ترك الإشهاد ولم يقبض الدين قضاء يبرئ ذمة المضمون عنه به فلا يرجع عليه كما لو دفع بغيبة المضمون عنه ولم يشهد وهذا غلط والفرق بينه وبين حالة الغيبة أن الأمر هناك مفوض إلى الضامن فإذا ترك الإشهاد فرط فلا يرجع [٣١/ ب] وها هنا الأمر مفوض إلى المضمون عنه فإنه حاضر، فكان سبيله أن يحتاط لنفسه، فإذا لم يفعل كان التفريط من جهته فاستحق الضامن الرجوع عليه.
وفرع ابن سريج على هذا فقال: لو ادعى الضامن أنه قضى الدين وصدق المضمون له وكذبه المضمون عنه فيه وجهان:
أحدهما: القول قول المضمون عنه لأن الضامن منهم في قوله والمضمون له يشهد على فعل نفسه فلا تقبل شهادته على فعل نفسه.
والثاني: القول قول الضامن ويرجع على المضمون عنه لأن المضمون له قد اعترف بأن الدين الذي في ذمة المضمون عنه صار لغيره وهو الضامن فيقبل لأنه أقر بما هو ملكه لغيره. ولأن الإقرار يقوم مقام البينة ولو ثبت القبض بالبينة رجع كذلك إذا ثبت
стр. 2691
الإقرار. وإن طالب الضامن وقبض منه ألف درهم فإن الضامن يرجع على المضمون عنه بالألف الأول وهو الذي دفع إلى الطالب بحضرة المضمون عنه ولا يرجع بالألف الثاني لأنه يقر أنه ظلم لحقه من جهة الطالب.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجه آخر يرجع بالألف الثاني دون الألف الأول لأن البراءة به وقعت للمضمون عنه وهو ضعيف. وإن كان الضامن دفعه إلى الطالب في غيبة المضمون عنه لا يخلو إما أن يشهد عليه أو لم يشهد، فإن لم يشهد عليه لا يخلو إما أن يكون قد أمره بالإشهاد، أو منعه من الإشهاد، أو لم يأمره ولم يمنعه منه فإن كان قد منعه منه نُظر صدق الضامن في قوله كان الحكم فيه كما لو دفعه بحضرته. فإن جحده كان القول قوله مع يمينه وعلى الضامن البينة، فإذا حلف برئ من دعوى الضامن ويكون المضمون له بالخيار إن شاء طالب الضامن، وإن شاء طالب المضمون عنه، فإن طالب المضمون عنه وزن ألف درهم له ولا يلزمه أن يزن للضامن شيئًا، وإن طالب الضامن وزن له ألف درهم. وهل يرجع على المضمون عنه؟ المذهب أنه يرجع بالألف الثاني لأن بالأول لم تحصل البراءة وإنما حصلت بالثاني وهذا اختيار القاضي أبي حامد ﵀، ومن أصحابنا من قال: لا يرجع بشيء لأن بالألف الأولى لم تحصل البراءة، والثاني يقر الضامن أنه ظلم لحقه من جهة [٣٢/ أ] المضمون له وأن البراءة حصلت بالألف الأول الذي قبضه.
قال صاحب "الإفصاح": ولو قال قائل: هذا القول كان مذهبًا ومن أصحابنا من قال: يرجع بالألف الأول لأن ذمته برئت به في الباطن، وإن كان قد أمره بالإشهاد عليه فترك الإشهاد فإنه مفرط بترك الإشهاد مضيع لما دفعه إليه فلا يجوز أن يرجع به على المضمون عنه وإن صدقه المضمون عنه، ثم ينظر في المضمون له، فإن طالب المضمون عنه وزن له ألف درهم ولا يلزمه أن يزن للضامن شيئًا. وإن طالب الضامن لزمه أن يزن له ألف درهم ثانيًا وهل يرجع على المضمون عنه؟ على ما ذكرنا. وإن لم يأمره بالإشهاد ولم يمنعه منه قال أبو إسحاق: يلزمه الإشهاد، فإن لم يشهد كان مقبوضًا ولا يرجع على المضمون عنه وإن صدقه، كما لو أمره بالإشهاد لأن أمره بالدفع يقتضي دفعًا مبرئًا وذلك بالإشهاد عليه حتى إذا جحده تكون شهادتهما حجة عليهم.
وقال ابن أبي هريرة: يحتمل أن له الرجوع لأن الدفع وقع بأمره ولم يأمره بالإشهاد حتى يكون مفرطًا فيه، فصار كما لو دفعه بحضرته والأول المشهور، وقد فرقنا بين حالة الحضرة وحالة الغيبة. وإن كذبه فإن قلنا: لو صدقه لم يرجع عليه فلا يمين عليه.
وإن قلنا: إذا صدقه رجع عليه فعليه اليمين على نفي العلم. وأما المضمون له إن شاء رجع على المضمون عنه، وإن شاء رجع على الضامن على ما ذكرنا. فإن رجع على المضمون عنه فلا كلام، وإن رجع على الضامن بالألف فإن قلنا: إنه لو لم يرجع
стр. 2692
عليه رجع بالألف الذي دفعه رجع ها هنا أيضًا به، والثاني ظلم لا يرجع به وإن قلنا: بالوجه المشهور أنه لا يرجع فها هنا هل يرجع؟ على ما ذكرنا من الخلاف وفيه وجه آخر ذكره ابن أبي هريرة يرجع بأحد الألفين لا يعينه، قال القاضي الطبري: وهو الصحيح عندي لأن البراءة حصلت بالألفين جميعًا بالألف الأول في الباطن، وبالألف الثاني في الظاهر وقد كان يمكنه تحصيل البراءة منه بألف واحد ففرط فيه فإذا كان كذلك حصل له على المضمون عنه من الألفين ألف واحد من غير تعيين.
ومن أصحابنا من رتب فقال: هل يرجع عليه؟ وجهان فإذا قلنا: يرجع فيه وجهان: [٣٢/ ب] أحدهما: يرجع بالألف الأول، والثاني: بالألف الثاني، وفيه وجه ثالث: يأخذ الألفين لا يعينه وقيل: يرجع بأقلهما لأن الأقل إن كان أقل فهو لا يدعي إلا هو، وإن كان الثاني أقل استحق الرجوع به في الحكم فلا يرجع بأكثر منه هذا كله إن لم يكن أشهد عليه. فإن كان قد أشهد عليه لا يخلو إما أن يشهد شهودًا يثبت بها الحق أو لا يثبت بها الحق أو مختلف فيها، فإن كان شهودًا يثبت بها الحق مثل رجلين أو رجل وامرأتين عدولٍ فإن الضامن يقيمها فإذا ثبت القضاء كان له الرجوع على المضمون عنه، فإن مات الشهود أو غابوا أو فسقوا واعترف المضمون عنه أن الضامن كان قد أشهد كان للضامن أن يرجع عليه بما قضى عنه لأنه لم يكن مفرطًا، والحكم فيه كما لو دفعه بحضرة المضمون عنه.
وإن أشهد شهودًا لا يثبت بها الحق فإن كانت ترد بأمر ظاهر مثل الفسق الظاهر والرق والكفر لم يكن له الرجوع على المضمون عنه لأن مفرط في ذلك. وإن كانت ترد شهادتهم بأمرٍ خفي مثل الفسق الخفي فيه وجهان: أحدهما: لا يرجع لأنه أمره حين لم يحصل المقصود من الشهود، والثاني: يرجع لأن الجرح والتعديل إلى غيره فلا يكون مفرطًا ولأنه أمر يستبطن فكان معذورًا في الخطأ فيه. ومعنى الوجهين: أنه يُكتفى بظاهر العدالة في شهود النكاح أو تعتبر حقيقة العدالة كما عند الحاكم على وجهين. وإن أشهد بينة مختلفًا فيها مثل العدل، فإن كان باقيًا حلف معه وحكم له. وإن كان قد مات فيه وجهان: أحدهما: يكون مفرطًا لأن الشاهد الواحد ليس ببينة تامة في الابتداء. ولأن الحاكم ربما كان لا يرى الحكم بالشاهد واليمين. والثاني: لا يكون مفرطًا وهو الصحيح لأنه لو كان حيًا لم يكن مفرطًا فلا يصير مفرطًا بموته.
مسألة: قال: وَلَوْ ضَمِنَ لِرَجُلٍ مَا قَضَى لَهُ بِهِ عَلَى آخَر.
الفصل
وهذا كما قال: إذا قال: ضمنت لك ما قضى لك على فلان، أو شهدت لك ببينتك
стр. 2693
عليه، أو ضمنت لك مالك على فلان لم يَجُز لأنه ضمان مجهول. ولو قال: ضمنت لك ما تُداين فلانًا أو تُقرضه أو تُعامله به لم يَجٌز [٣٣/ أ] لمعنيين: أحدهما: أنه ضمان ما لم يجب. والثاني: أنه ضمان المجهول وبه قال ابن أبي ليلى والثوري والليث وأحمد ﵏، وقال أبو حنيفة ومالك: يصح ضمان المجهول وضمان ما لم يجب لأنه يصح تعليقه بالغرر والخطر ولهذا جاز ضمان الدرك وهو مجهول ولم يجب. وهذا غلط لأنه إثبات مال في الذمة بعقد لآدمي فلم يجز في المجهول كالبيع. وقد بينا ضمان الدرك. وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قول مخرج من ضمان الدرك أنه يجوز كما قال أبو حنيفة: خرجه ابن سريج رحمهما الله. وقيل: إنه مخرج من قوله القديم: يصح ضمان نفقة الزوجات وهذا غير مشهور.
فرع
لو قال: ضمنت لك ما تداين به فلانًا من درهم إلى مائة لم يجز أيضًا لمعنى واحد وهو أنه ضمان ما لم يجب. وقيل: فيه وجهان تخريجًا من ضمان نفقة الزوجات، وفيه قولان. ولا يصح هذا التخريج لأنه في القديم يرى وجوب النفقة بالعقد، وحكي عن أبي إسحاق أنه قال: يجوز هذا للحاجة الداعية إليه. وهذه العلة غير صحيحة لأنه لا حاجة لأنه يمكنه الصبر حتى يجب الحق عليه.
فرع آخر
لو قال: أقرض زيدًا ألف درهم وعليّ ضمانه فالمذهب أنه لا يجوز وقال في "الحاوي": فيه وجهان: أحدهما: هذا. والثاني: يجوز لأنه ضمان مقترن بالقرض فصح اجتماعهما وهذا اختيار ابن سريج. وهكذا لو قال: عبدك هذا من زيد بألف وأنا ضامن بخمسمائة هل يلزمه الضمان؟ وجهان ذكرناه في البيع.
فرع آخر
لو كان عليه دين فجهل قدره فقال: ضمنت لك عنه من درهم إلى ألف درهم قال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قولان: أحدهما: لا يجوز وهو الأقيس لأنه مجهول. والثاني: يجوز وهو ظاهر المذهب لأن الجملة معلومة فهو ضامن لكل قدرٍ من الألف. وعندي أن ظاهر المذهب أنه لا يجوز، وكذا ذكره أصحابنا بالعراق.
فرع آخر
لو قال: هذا الرجل وكيلي فكل ما أعطيته لي فهو عليّ فما أعطاه لزمه ضمانه للتوكيل دون عقد الضمان فإنه إذا أعطاه يصير بمنزلة دفعه إلى الموكل فإن يد الوكيل يد الموكل.
стр. 2694
فرع آخر
لا يجوز الضمان المعلق بالصفة قبل [٣٣/ ب] أن يقول: إذا جاء رأس الشهر فقد ضمنت لك الألف الذي على فلان وهذا لأنه يقتضي أن يكون وجود الصفة سببًا في وجوب الحق عليه وهذا محال. وحكي عن أبي حنيفة أنه يجوز ذلك.
فرع آخر
لو ذكر أجلًا في الضمان غير معين الوقت ولكنه يعرف الجملة لفصح النصارى فيه قولان حكاهما ابن سريج. أحدهما: لا يجوز كما في البيع. والثاني: يجوز لأنه موضوع للرفق. وهكذا لو قال: إلى الحصاد أو الجذاذ أو الدباس ولو قال: إلى مجيء المطر وقدوم الغزاة لا يجوز قولًا واحدًا؛ لأنه لا يعرف أصلًا.
فرع آخر
إذا قلنا: لا يجوز هذا الشرط هل يبطل به الضمان؟ قولان مبنيان على الضمان بشرط الخيار يبطل الخيار وفي بطلان الضمان قولان.
مسألة: قال: وَلَو ضَمِنَ دَيْنَ مَيٍّتٍ بَعْدَمَا يَعْرِفُهُ وَيَعْرِفُ لِمَنْ هُوَ فَالضَّمَانُ لاَزِمَ.
الفصل
وهذا كما قال: يجوز ضمان دين الميت سواء حلَّف وفاءً أو لم يحلِّف، وبه قال مالك وابن أبي ليلى وأبو يوسف ومحمد. وقال الثوري وأبي حنيفة: لا يجوز إلا إذا ترك وفاء أو كان به ضامن وهذا غلط لخبر عليّ وأبي قتادة ﵄. وروي عن أنس ﵁ أنه قال: أتى النبي ﷺ برجل يصلي عليه فقال: عليه دّين؟ قالوا: نعم، فقال: "إن ضمنتم دينه صليت عليه". ولأن الديَن على الميت صحيح مستقر بدليل أن سمرة بن جندب قال: صلى رسول الله ﷺ بعض الصلوات فلما انصرف قال: "ها هنا من بني فلان أحد إن صاحبكم فلانًا قد احتبس عن الجنة بدين عليه فإما أن تفدوه من عذاب الله وإما أن تسلموه". وأما قوله: بعدما يعرفه أراد معرفة المضمون عنه وهذا يدل على أحد وجهي أصحابنا. فإن قيل: يحتمل أن يكون معناه يعرف مقدار الدين قلنا: يحتمل هذا، ولكن ذكر قبله بسطرٍ ضمان المجهول فيبعد أن يقصد التكرار وهذا اختيار القفال ﵀. ولو أطلق الضمان عن الحق ولا يدري أنه حالّ أو مؤجل فالمذهب أنه يجوز، ولزمه على بينته في الحلول والتأجيل. وقال بعض شيوخنا: لا بد أن يعلم أنه حالّ أو مؤجل. [٣٤/ أ]
стр. 2695
مسألة: قال: "وَلَا تَجُوزُ كَفَالَةُ العَبْدِ المَاذُونِ فِي التِّجَارَةِ".
الفصل
وهذا كما قال. الكلام الآن فيمن يصح ضمانه وفيمن لا يصح، وأصل هذا أن كل من صح بيعه صح ضمانه. فإن كان الضامن عبدًا لا يخلو من أحد أمرين إما أن يكون مأذونًا له في التجارة، أو غير مأذون له في التجارة، فإن كان غير مأذون لا يخلو من أحد أمرين إما أن يكون بإذن سيده أو بغير إذنه، فإن كان بإذنه فالضمان صحيح. ثم هل يتعلق بكسبه أو يلزم في ذمة العبد حتى يؤديه بعد العتق؟ قد ذكرنا فيما تقدم وجهان:
أحدهما: وهو اختيار صاحب "الإفصاح" يتعلق بكسبه فإن لم يكن له كسب ففي ذمته كالمهر والنفقة إذا أذن له بالنكاح وهذا لأن المقصود من الضمان أداء الحق، فإذا أذن فيه فقد رضي بتعلقه بكسبه.
والثاني: يلزم في صحته وهو الأصح لأن الإذن بالضمان إذن بالمعاملة فصار كما لو ابتاع مالًا بإذن سيده كان الثمن في ذمته دون كسبه ويفارق النكاح لأنه استمتاع لا يحصل له إلا بالمهر والنفقة فتعلق ذلك بكسبه لإذنه فيه. وإن كان هذا الضمان بغير إذنه قال ابن سريج: فيه قولان وأراد وجهان: أحدهما: يجوز وهو اختيار أبي إسحاق وابن أبي هريرة ويكون المال في ذمته يتبع به إذا عتق لأنه في ضرر على السيد فيه ويخالف النكاح لأن يضر بالسيد فإنه يقتضي الإنفاق وتعطيل منافعه بالكسب له.
قال هذا القائل: وقول الشافعي: ولا يصح كفالة العبد المأذون له في التجارة أراد إذا ضمن في المال دون الذمة. والثاني: لا يجوز وهو اختيار الإصطخري وهو ظاهر المذهب لأنه تبرع واستهلاك في الحقيقة فلا يجوز دون إذن السيد وهذا اختيار ابن سريج. وإن كان العبد مأذونًا فإن ضمنه في ذمته من غير إذن سيده فالحكم ما ذكرنا، قال القفال: والصحيح أنه لا يجوز، لأنه ليس من التجارة فلا يتناوله الإذن. وقال أبو حنيفة: يجوز، لأنه من جملة ما تدعو إليه التجارة وهذا غلط لما ذكرنا ولأنه ربما يجد مرجعًا وربما لا يجد فيكون استهلاكًا ومخاطرة فلا يجوز. وإن ضمنه في المال الذي في يده لم يجز بلا خلاف. وإن ضمن بإذن السيد في الذمة جاز. وهل يكون في ذمته أو كسبه؟ وجهان [٣٤/ ب] على ما ذكرنا.
وقال صاحب "الإفصاح": إذا قلنا: يجب في كسبه يجب أن يتعلق فيما في يده من المال أيضًا كما قلنا في النكاح. وإن ضمنه في المال الذي في يده وقلنا: إنَّ إذنه لا يقتضي تعلق الضمان به لم يصح الضمان. ولو أذن له في الضمان فيما في يده صريحًا
стр. 2696
فضمن صح الضمان وجهًا واحدًا ويفارق الحر إذا ضمن الدين في مال معين في يده لا يجوز لأنه لا حاجةً للحر إلى تعيين المال لصحةُ ذمته، ولا سبيل إلى استيفاء ما في ذمته في حال رقه فافترقا. أو نقول: التعيين فيما بيد العبد ينصرف إلى الأداء دون الضمان لأن الضمان متعلق بذمته فصح، والتعيين في الحر ينصرف إلى الضمان فبطل، وعلى هذا لو عينه السيد في رقبته تعين.
وقال بعض أصحابنا: لو ضمن الحر مالًا وعين القضاء في عين من أعيان ماله يجوز ويتعلق به عنى قياس قول ابن سريج، لأن الحقوق تتعلق بأعيان الأموال كما في الرهن؛ وهذا إذا لم يكن على العبد المأذون دين، فإن كان عليه دين فهل يصير العبد محجورًا عليه في المال الذي بيده لأجل ديونه؟ قولان حكاهما ابن سريج.
أحدهما: لا حجر عليه فيما بيده إلا لسيده لكون ذلك على ملكه فعلى هذا يجوز تصرفه ما لم يحجر علته بالفلس وصح ضمانه بإذن سيده، ولو أذن له السيد في هبةُ ماله صحت هبته.
والثاني: أن العبد محجور لأجل الدين كما محجور في حق سيده لأن العبد يفاضل بما في يده لضعف ذمته بخلاف الحر؛ فعلى هذا ليس له أن يفعل ما يدخل الضرر على غرمائه بهبةٍ ولا غيرها، وإن كان بإذن سيده.
فإذا قلنا بهذا الوجه الثاني ففي ضمانه وجهان:
أحدهما: باطل لأنه صرفه إلى جهةٍ لم يثبت فيها.
والثاني: يجوز لأن الضمان لا يتعين في المال وإنما يتعين فيه الأداء؛ فعلى هذا فيه وجهان:
أحدهما: يكون فيما اكتسبه بعد الضمان وفيما فضل بعد دينه من المال الذي كان يده قبل الضمان.
والثاني: في ذمته يؤديه بعد عتقه؛ وإذا قلنا بالوجه الأول أنه لا حجر عليه فيما بيده للغرماء فضمن مالًا رجل فالمضمون له يشارك سائر الغرماء قبل الحجر عليه لأن المال للسيد وقد أذن في [٣٥/أ] ذلك.
فرع
لو ضمن السيد لعبده مالآ عن أجنبي وعليه دين من تجارةً مأذون فيها فيه مخرجان من اختلاف قوليه من غرماء العبد هل يستحقون حجرًا عليه بديونهم أم لا؟ فإن قلنا: لا حجر لهم عليه فضمان السيد له باطل، وإن قلنا: لهم الحجر عليه ضمان السيد له جائز؛ فإن قضى العبد دينه برئ السيد من ضمانه.
فرع آخر
لو كان على ذمةُ العبد دين فضمن عنه ضامن يجوز بلا خلاف فإن قيل: كيف يصح ضمانه ولا يطالب العبد به؟ قلت: الدين في ذمته لازم وإنما لا يطالب به لعجزه في
стр. 2697
حال رقه عن أدائه فكان ذلك بمنزلةُ الدين على العبد.
فرع آخر
لو ضمن العبد مالأ عن أجنبي فمذهب الشافعي ضمانه باطل، وقال ابن سريج: يجوز ضمانه لأنه لا يجوز له أن يثبت له في رقبةَ عبده مالًا لأنه يملك الرقبةً، ويجوز أن يثبت له في ذمته مال لأنه لا يملك الذمةً فعلى هذا لا يكون للسيد أن يطالب عبده بالضمان إلا بعد عتقه.
فرع آخر
المبايعةَ للعبد مع سيده هل تجوز أم لا؟ قال في "الحاوي" إن قال ابن سريج مثل ما قال في الضمان فقد جرى على القياس وكان لقوله وجه وإن كان يمنع فقد ناقض. ويحتمل أن يركب ابن سريج القياس ويجيز الأمرين كما قال في جواز بيع العبد من نفسه، ويحتمل أن يفرق بينهما بأن بيع نفسه عليه مفضي إلى عتقه فجاز وبيع غير نفسه عليه لا يفضي إلى عتقه فلم يجز لفضل مزيةُ العتق.
فرع آخر
لو ضمن العبد عن سيده شيئًا بأمره يصح فإذا عتق وغرم هل يرجع على السيد بما غرم؟ فيه وجهان:
أحدهما: يرجع عليه تغليبًا لحالة القضاء على حالةَ الضمان ذكره القاضي أبو علي الزجاجي ﵀.
والثاني: لا يرجع عليه تغليبًا لحالة الضمان على أداء حالةَ الأداء ذكره الشيخ أبو محمد الجوينى ﵀.
فرع آخر
لو ضمن المحجور عليه نظر فيه، فإن كان محجورًا عليه للسفه لم يصح ضمانه، وإن كان للفلس صح ودفع اليه ما فضل من الغرماء.
مسألة: قال: وَلَوْ ضِمْنَ عَنْ مَكَاتِبِ أَوْ مَالَا فِي يَدِيِ وَصِيِّ أَوْ مقارض أَوْ ضَامِنَ أَحَدَّ مِنْهُمْ ذَلِكَ عَنْ نَفْسُه فَالضَّمَانَ بَاطِلَ أَحَدَّ مِنْهُمْ ذَلِكَ عَنْ نَفْسُه فَالضَّمَانَ بَاطِل.
وهذا كما قال قد ذكرنا ضمان مال [٣٥/ب] الكتابةً أنه لا يجوز وأما المكاتب إذا ضمن عن الغير مالاً فإن كان بغير إذن المولى فهو كالعبد القِن. وإن كان إذن المولى فهو تبرع وفي تبرعات المكاتب بإذن المولى قولان معروفانَ ثم اعلم أن المزني أخل بالنقل حيث جمع بين الضمان عن المكاتب والوصي والمقارض، ثم عطف على ذلك
стр. 2698
فقال: أو ضمن ذلك أحد منهم عن نفسه وهذا العطف في المكاتب محال، لأن المكاتب ضامن بعقد الكتابةً نجوم العقد فلعله ظن أنه ذكر سوى المكاتب ثلاثةً من الأمناء.
مسألة: قال: وَضَمَان المَرْأَةِ كَالَّرجُلِ.
وهذا كما قال: ضمان المرأةَ يصح لأن كل من لزمه الثمن في البياعات صح ضمانه كالرجل، وقال مالك: لا تضمن المرأةَ إلا بإذن زوجها كالعبد لا يضمن إلا بإذن سيده.
مسألة: قال: " وَلَا يَجُوزُ ضُمَّانُ مِنْ لَمْ يُبْلَغْ، وَلَا مَجْنُونَ، وَلَا مبرسم يَهْذِي "
الفصل
وهذا كما قال: لا يجوز ضمان الصبي لأنه غير مكلف وهو قول جميع العلماء، لا يجوز أيضاً ضمان المجنون لأنه لا حكم لقوله وقد قال ﷺ : "رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى ينتبه". وأما المريض كان مبرسمًا يهذي لا يصح ضمانه كالمغمى عليه. وإن كان يعقل صح ضمانه فإن برئ من مرضه كان من صلب ماله، وإن مات كان محسوبًا من ثلاثةَ لأنه إتلاف مال بلا عوض، وأما قوله: يهذي قيل: إنه زيادةً ذكرها المزني لغوًا، وقيل: له فائدةً وذلك أن المبرسم يهذي في أول برسامه مع قوةُ جسمه فإذا تطاول به أضعف جسمه فلا يهذي فأبطل ضمانه في الحالةَ التي يهذي فيها لينبه على بطلانه في الحالةَ التي هي أغلظ منها وهي الحالة التي لا يهذي فيها.
وأما الأخرس فإن كان لا يعقل الإشارةً ولا الكتابةً لا يصح ضمانه، وإن كان يعقل الإشارةَ والكتابةً فأشار به وكتب قام مقام النطق فهو كالناطق يصح ضمانه؛ وإن ضمن الإشارة دون الكتابة جاز، وإن ضمن بالكتابة دون الإشارةَ لا يجوز وجها واحداً ذكره ابن أبي هريرة؛ لأن مجرد الكتابةَ لا يقوم مقام النطق لاحتمالها حتى تنضم إليه الإشارةَ فيزول احتمالها. ومن أصحابنا من قال: يجوز لأن كتابته أقوى في البيان من الإشارة قال [٣٦/أ] هذا القائل: المزني غلط في نقله حيث شرط شرطين أن يعقل الإشارةً، وأن يعقل الكتابةً وأحدهما يكفي ويغني عن الثاني. وهكذا الخلاف إذا كان لا يعقل الإشارةً ويحسن الكتابةً فكتبه ولم يشر، والصحيح عندي جوازه وإن كان ما تقدم ظاهر المذهب.
فرع
لو اختلفا فقال المضمون له: ضمنت وأنت بالغ، وقال: بل ضمنت وأنا صبي
стр. 2699
فالقول قول الضامن لأن الأصل براءة ذمته والأصل الصغر. ولو قال: ضمنت وأنت مفيق، وقال: بل ضمت وأنا مجنون، فإن لم يعرف له حالةً جنون فالقول قول المضمون له لأنه أقر بالضمان وادعى ما يوجب البطلان والأصل عدم ما العام، وإن عرف له حالةً جنون فالقول قوله لأن الأصل براءةً ذمته وعلى المضمون له إقامةَ البينةً أنه ضمن له في حال إفاقته.
فرع آخر
لو ضمن رجل المبيع فاستحق المبيع برئ الضامن، وكذلك إذا رده بمب أو إقالةً.
ولو زوج رجلًا بغير أمره وضضن المهر كان النكاح فاسدًا والثامن ساقطا، ولو ضمن صداق امرأته وأقبضها ثم ارتدت قبل الدخول بها يلزمها رد الصداق إلى الزوج ثم يلزم الزوج رد عين ما أخذ منها إلى الضامن ذكره أصحابنا بالعراق، وقال بعض أصحابنا بخراسان: لا يلزمه رد ملك العين إلى الضامن بل يغرم مثلها له وهذا أقيس.
مسألة: قال: وَضِعْفُ الشَّافِعِيِ كفالَةً الْوَجِهَ.
الفصل
وهذا كما قال: إذا كان له عليه دين يجوز ضمانه هل تصح الكفالة ببدنه رده إليه متى طالبه به أم لا؟ قال الشافعي في عامةً كتبه: إنها جائزة نص عليه في حرملةً واختلا ف العراقيين واللعان. وقال في الدعوى والبينات: يجوز ثم قال في آخر كلامه: غير أن كفالةَ الأبدان عندي ضعيفةً ضعف ذلك، واختلف أصحابنا فيه فقال أكثرهم:
المسألةَ على قولين أحدهما: يجوز وهو المشهور وبه قال كافةُ العلماء ومالك وأهل المدينة َوالليث والثوري وأبو حنيفةَ وأحمد ﵏.
والدليل عليه قوله تعالى: ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِّنَ اللَّهِ لَتَاتُنَّنِي بِهِ﴾ [يوسف: (٦٦)] ولأن ما وجب تسليمه بعقد وجب بعقد الكفالةَ بالمال في بيان الوصف يجب تسلم البدن بعقد النكاح وعقد الإجارةً،
والثاني: لا يجوز وهو القياس لأن كل مضمون إذا هلك كان على الضامن قيمته وهاهنا لا مال [٣٦/ب] عليه إذا هلك المكفول به، ولا إذا تعذر عليه تسليمه فوجب أن لا يكون مضمونًا عليه. وهذه الطريقةَ اختيار المزني وأبي إسحاق.
والطريقة الثانية أن المسألةً على قول واحد أنها تجوز لأن الشافعي قطع بجوازها في كتب ومع عليه وقوله: إنها ضعيفةَ ليس بقول ثانٍ، وإنما أراد أنها ضعيفةً من حيث القياس ولكنا أجزناها لأخبار وإجماع الناس عليها. وروي أن نفرًا آمنوا بمسيلمةَ الكذاب فأخذهم عبد الله بن مسعود ﵁ وقتل واحدًا منهم وتاب جماعةً فكفلهم عشائرهم ووافقه على هذا الرأي جرير والأشعث ﵄.
стр. 2700
فرع
إذا قلنا: إنها باطلةً فلا تفريع عليه وإن قلنا: إنها صحيحةً هل يلزم أن يكون عارفًا بالمكفول؟ له وجهان كالمضمون له المال.
فرع آخر
هل يلزم أن يكون عارفًا بقدر الحق على المكفول ببدنه؟ وجهان: أحدهما: يلزم ولا يصح إلا بعد معرفته وهو قول ابن سريج لأن عنده أن موت المكفول به يوجب على الكفيل غرم الدين وبه قال مالك حكاه عنه أصحابه، وأصحابه ينكرونه. والثاني: لا يلزم وهو مذهب الشافعي، لأنه لا يلزم المال عليه بموته عنده.
فرع آخر
لو كان الحق الذي عليه مما لا يصح ضمانه فإن كان للجهل به وهو أن يكون الدين مجهولَا فقد ذكرنا كان لكونه حدًا نظرًا فإن كان حد لله تعالى كحد الزنا وغرب لم تصح الكفالةَ قولًا واحدًا لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: "لا كفالة في حد"، ولأن حد الله تعالى مبني على الإسقاط والكفالة؛ استيثاق فلا مدخل لها فيه، وإن كان حدًا للآدمي كالقصاص وحد القذف قال الشافعي في اللعان: ولا كفالةً في حد ولا لعان، ونقل المزني في "الجامع الكبير" وتجوز الكفالةَ بمن عليه حق أو حد فمن أصحابنا من أخذ بظاهر ما نقل وتأول ما قال في اللعان أن المراد به الكفالةَ بنفس الحد ووجهه أنه حق لآدمي فصحت الكفالةً كسائر حقوق الآدميين. وقال ابن سريج: فيه وجهان: احدهما: ما ذكرنا. والثاني: لا يجوز لأنه يسقط بالشبهةَ، ولأن الكفالةَ لا تصح به فكذلك لا تصح ببدن من هو عليه، وقال جماعةً من أصحابنا: وهذا هو المذهب.
وقال أبو حامد [٣٧/أ] ﵀: يشبه أن يكون الوجهان مبنيين على أن موت المكفول به هل يوجب الحق على الكفيل؟ فمن قال: يجب ذلك لا يجوز هذه الكفالةَ لأنه يحوز وجوب الحد على الكفيل وهذا إشارةً إلى أن المذهب أنه يجوز لأن عند الشافعي لا يلزمه المال بموته ويفارق حد الله تعالى، لأن حق الآدمي مبني على الاستقصاء فيجوز الاستيثاق بالكفالة، وقال بعض أصحابنا بخراسان: في الكفالة ببدن من عليه حد الله تعالى قولان أيضا.
وهو كالقولين في أن كتاب القاضي إلي القاضي والشهادةً على الشهادةَ هل يجري في حدود الله تعالى أم لا؟ ووجه البناء أن حكم الحدود هل يجعل كحكم الأموال
следующие страницы →