← Фикх шафии

Фикх шафии · id 16934

بحر المذهب للروياني

عَبْد الواحِد الرُّوْياني

Полный текст (7 151 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.

стр. 2836

عليهما قولاً واحداً لأنهما لم يتلفاها ولم تثبت أيديهما عليها، وفي الضمان إنما تجب بالإتلاف أو باليد ولم يوجد من الشاهدين واحد منهما فلم يجب عليهما الضمان، وليس كذلك في الإقرار فإنه يقر بأنه غصبها منه وضمنها بيده، فإذا تعذر ردها إليه جاز أن يلزمه الضمان. فرع آخر لو قال: غصبت هذا العبد من أحد هذين الرجلين فالإقرار لازم وعليه بيان المالك منهما فإن قال: لا أعرف المالك فإن صدقاه في ذلك أخذا العبد منه وكانا فيه خصمين وان كذباه فقالا: نعلم المالك حلف لا يعلم ذلك وأخذ العبد وكانا فيه خصمين، والخصومة فيه أنه عبد لا يد لواحدٍ منهما عليه ولا لغيرهما أيضا فإن كان مع أحدهما بينة قُضي له به وان كان مع كل واحد منهما بينة تعارضتا، وإن لم يكن هناك بينة حلف كل واحد منهما لصاحبه ووقف لهما حتى يصطلحا. ولو اعترف به لأحدهما سلم إليه، وهل يحلف للأخر؟ قولان بناء على أن الضمان هل يلزمه فإن قلنا: يلزمه الضمان لو رجع عن إقراره حلف لأنه وبما يرجع فيقر له فيلزمه الغرم. وان قلنا: لا يلزمه الضمان لا يحلف. مسألة (١): قال: ولا يجوز إقرارُ العبد في المال. الفصل وهذا كما قال: ذكرنا هذه المسألة في البيع. وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا أقر بجناية أو إتلاف ووجب في ذمته ذلك بعد العتق، فكم يغرم بعد العتق وجهان أحدهما: جميع الدين بالغاً ما بلغ: والثاني: الأقل من قيمته أو الدين بناءً على أنه لو جنى بكم لفدى السيد بالأرش كاملاً أو بالأقل من قيمته أو أرش [١٢٠/ أ] جنايته وفيه قولان. قال: وكذلك لو صدقه السيد وسلم في الجناية فبيع وبقي من الأرش شيء هل يٌتبع به إذا عتق؟ قولان والأصح أنه يلزم كمال الدين بالغا ما بلغ. وقال في "الحاوي" (٢) في الباقي وجهان بناءً على أنه هل تعلق برقبته ابتداء أو بذمته ثم انتقل إلى رقبته، ولو كذبه السيد تعلق بذمته وان كان مأذوناً في التجارة. وقال أبو حنيفة: إن كان مأذوناً في التجارة قضاه مما في يده. مسألة (٣): قال: ولو قال رجل: لفلان عليّ ألفُ فأتاه بألفٍ. الفصل وهذا كما قال: إذا قال: لفلان علي ألف درهم وديعة موصولاً لم يثبت إلا وديعة ولا يضره قوله عليّ. فإن ادعى بعد ذلك تلفها وأمكن قبلت يمينه ولو قال: عليّ ألف

стр. 2837

درهم وأطلق ثم أحضر ألفاً وقال: هذا الذي أقررت لك به كان لك عندي وديعة، فإن قال المقر له: صدقت سلم إليه ذلك وبرئ، وان لم يصدقه وقال: هذا وديعة لي عندك ولكن الذي أقررت لي به دين في ذمتك فالقول قول المقر مع يمينه وعلى المقر له البينة خلافاً لأبي حنيفة، وهذا لأن قوله عليّ ألف درهم يحتمل الوديعة، لأن من عنده وديعة فعليه ردها على صاحبها وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَامُرُكُمْ أَن تُؤدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] الآية ومن توجه عليه أمر الله تعالى جاز له أن يعبر عنه بكلمة الإيجاب، وقال أبو حامد: نقل المزني أنه يقبل منه. وقال في موضع آخر: لا يقبل والقول قول المقر له مع يمينه لأن عليّ حرف إيجاب والوديعة ليت بواجبة. وقال القاضي أبو علي البندنيجي: كنا نحكي هذا القول الآخر ولا نجده للشافعي فالمسألة على قول واحدٍ على ما ذكرنا وهو المشهور. فرع لو قال: علي ألف درهم، ثم قال: كانت وديعة وقد كان تلف ولم أعلم لا يقبل لأنه أقر بوجوبه على نفسه ثم ادعى أنه لم يكن واجباً عليه لأن الوديعة إذا تلفت من غير تعد منه لا يكون عليه ضمانها فلم يقبل منه. فرع آخر لو قال: علي ألف درهم في ذمتي فجاءه بألف وقال: الألف الذي أقررت به كان وديعة وتلف وهذا بدله قبل ذلك لأنه يجوز أنه تلف بتعد منه [١٢٠ /ب] فيكون بدل ما في ذمته. ولو جاء بألف وقال: الألف الذي أقررت به هذا وهو وديعة لك فيه وجهان: أحدهما: لا يقبل لأن الوديعة لا تثبت في الذمة ويفارق هذا إذا قال: ألف عليّ ثم فسره بالوديعة، لأنه لم يصرح بالمحل فاحتمل أن يكون المراد وجوب الحفظ مع الرد وها هنا صرح بالذمة وهو الأصح. والثاني: يقبل منه لأنه يحتمل أن يكون قد تعدى فيه فثبت ضمانه في ذمته أو كان قد أتلفه وجاء ببدله فقال: كان وديعة في ذمتي. وقال بعض أصحابنا: هذا مبني على القولين في المسألة قبلها فإن قلنا: هناك لا يقبل فها هنا أولى، وإن قلنا: هناك يقبل فها هنا وجهانء وهذا لا يصح على ما يثبت بأنه ليس هناك قول آخر. مسألة (١) قال: ولو قال: له عندي ألفُ وديعة أو مضاربة ديناً كان ديناً. وهذا كما قال: إذا قال: له عندي ألف درهم وديعة ديناً، أو ألف درهم مضاربة ديناً كان ديناً عليه ولا يقبل تفسير إقراره بالأمانة بعد ذلك لأن الوديعة والمضاربة، وان كانتا أمانة فالأمانة قد تصير مضمونة بالعدوان ولفظ الدين في هذه المسألة يقين لفظ الضمان

стр. 2838

فأوجب ترك اليقين الأولى من براءة الذمة. ولو قال: أردت أنه شرط علي ضمانه لم يقبل لأنه لا يكون ديناً بذلك. فرع لو قال: لفلان عليّ ألف درهم هو وديعة دفعه إلي بشرط الضمان كان وديعة ولم يكن مضمونا بالشرط، لأن ما أصله الأمانة لا يصير مضمونا بالشرط، وكذلك ما أصله الضمان وهو المأخوذ بشرط لا يصير بالشرط أمانة وقال في "الحاوي" (١): فيه وجه آخر أنه يضمن لقوله في الابتداء: عليّ ثم قوله من بعد دفعه إلي بشرط الضمان ظاهره بشرط جواز التصرف الموجب للضمان. فرع آخر قال في كتاب "الإقرار" (٢) بالحكم الظاهر: لو أقرّ لرجل بخاتم فجاء بخاتم فقال: هذا الذي أقررت لك به، قال في موضع: يلزمه تسليمه، وقال في موضع أخر: لا يلزمه تسليمه وليست على قولين بل هي على اختلاف حالين، فإذا أتاه بخاتم وقال: هذا الذي أقررت لك به ضمان صدقه المقر له يلزمه تسليمه إليه، ولو قال: ليس هذا [١٢١/ أ] لي وخاتمي غيره فالقول قوله ولا يلزمه تسليم هذا إليه لأنه لا يدعيه. ولو قال: هذا لي والذي أقررت لي به غير هذا كان عليه تسليم هذا والقول قوله فيما يدعيه عليه لأن الخاتم واحد فلا يلزمه الثاني فالموضع الذي قال يلزمه تسليمه أراد به المسألة الأولى والثالثة، والموضع الذي قال: لا يلزمه تسليمه أراد به المسألة الثانية. مسألة (٣): قال: ولو قال: له في هذا العبد ألف درهمٍ. الفصل وهذا كما قال: إذا كان في يده عبد فقال: لفلان في هذا العبد ألف درهم، فإن هذا يحتمل وجوهاً كثيرة منها أن يقول: فيه ألف درهم نقده فيه لي أو أوصى له مورثي أو جنى عليه هذا العبد جناية أرشها ألف درهم فهو يستحق من ثمنه ألف درهم، ويحتمل أن يقول: نقده فيه لنفسه ألف درهم، فإذا كان كذلك رجعنا إلى المقر في تفسيره فإن قال: نقده لي فيه ألفاً فإنه يلزمه ألف درهم وعليه أن يعطيه إياه من أي موضع شاء من ثمن هذا العبد أو من غيره. وقال بعض أصحابنا بخراسان: لا يقبل هذا لأن قوله لفلان في هذا العبد ألف يقتضي أن يكون حقه متعلقا بعين العبد لا بالقرض. وإن قال: أردت وصية أوصى له بها مورثي فإنه يستحق بيع العبد وأعطى ألف درهم من ثمنه إلا أن يتراضيا على دفعه من غيره وإن قال: أرش جناية جنى عليه فالسيد بالخيار إن شاء أعطاه من ثمنه، وإن

стр. 2839

شاء أعطاه من سائر ماله. وإن قال: نقد فيه لنفسه ألفاً فإنه قد ملك من العبد بمقداره ونظر فيه فإن كانا قد اشترياه صفقة واحدة نقول للمقر الذي في يده العبد: فكم نقدت أنت؟ فإن قال: ألفاً كان العبد بينهما نصفين. وإن قال: ألفين كان له ثلثا العبد وللمقر له الثلث ولا يعتبر في ذلك قيمة العبد أن تكون مثل الثمن الذي ذكره أو أقل أو أكثر لأنهما قد يغبنان في الشراء فيغبنان فربما يشتريان عبداً يساوي ألفاً بألفين فيكونان مغبونين، وربما يشتريان عبداً يساوي ألفين بألفٍ فيكونان غابنين فلا تراعى القيمة. وحكى القفال عن مالك: أنه إذا كان العبد لا يساوي أكثر من ألفين لم يقبل قول المقر إذا قال: نقدت فيه ألفين لأن الظاهر يدل على كذبه [١٢١/ ب] وإن قال: اشترى هو جميع العبد بالألف فقد أقر بالعبد كله له. وإن كانا قد اشترياه ني صفقتين نقول له: لما نقد لنفسه فيه ألف درهم كم اشترى به من العبد؟ فإن قال: نصفه أو ثلثه أو سدسه كان القول قوله ني ذلك مع يمينه وكان باقي العبد له سواء كان يسوي ذلك هذا القدر أو لا يسوي. ولو قال: أردت أني رهنت بألف استقرضه منه هل يقبل منه؟ فيه وجهان: أحدهما: يقبل وهو الأصح واختيار القفال لأن الدين يتعلق بمحلين الذمة والعين فيجوز أن يكون الألف متعلقاً بالعبد وإن كان وثيقة به. والثاني: لا يقبل لأن حق الرهن في الذمة وهو أخبر أنه في العبد وهذا ضعيف لأن حق الرهن آكد من حق الجناية لتعلقه بالذمة والعين معاً، ولو فسر بأرش الجناية قبل بالإجماع. ولو قال: دفع إليّ ألفا لأشتري له بها من هذا العبد وأنقده في ثمنه فهو مدعي للإذن، فإن أنكر المقر له الإذن ني الشراء فالقول قوله وعلى المقر أن يغرم الألف. فرع لو قال: له من هذا العبد ألف فحكمه كما لو قال: في هذا العبد لأن في ومن حرفا صفة يقوم أحدهما مقام صاحبه وليس الألف جزءاً من العبد، وإنما يتوصل إليه من العبد فاستوي الحكم في قوله من وفي. فرع آخر لو قال: له من هذا العبد بقيمة ألف فهذا إقرار بملك جزء من العبد قدره بقيمة ألف فهل يصير الإقرار مقدراً بالقيمة أو يرجح فيه إلى بيانه؟ وجهان: أحدهما: وهو الأصح يرجع فيه إلى بنيانه فإن بين قدراً يتقوم بأقل من ألف قبل لأن القيمة قد تختلف ولا يقف في الأحوال على حد ولا الناس فيها مجمعون على قدر فلم يجز أن يتقدر الإقرار بها. والثاني: يتقدر إقراره بالقيمة ذكره أبو القاسم الصيمري فيقوّم العبد فإن كانت قيمته أكثر من ألف فله منه بقسط الألف. وإن كانت قيمته ألفاً ذكر عن بعض أصحابنا أنه لا يصير المقر له مالكاً لكله لأن من توجب التبعيض فلا بد من إخراج بعضه من إقراره. قال الصيمري والصحيح عندي أنه يكون إقراراً بجميعه وأن من تكون للتبعيض

стр. 2840

تارة وللتمييز تارة قال الله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠] أي فاجتنبوا الأوثان الرجس. فرع آخر لو قال: لفلان في هذا العبد شركة كان مقراً بجزء مجهول فيرجع في تفسيره إليه فبأي شي، فسره قُبل قل أو كثر لأن ذلك اشتراك، وبه قال محمد. وقال أبو يوسف: يكون له النصف لقوله تعالى: ﴿فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢] واقتضى ذلك التسوية بينهم كذلك ها هنا. وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: يكون مقراً بثلث العبد ولا يقبل تفسيره بأقل وهذا غلط لأن هذا الحد لا يتناوله لفظه ولا يلزمه إلا اليقين كما لو قال: لفلان نصيب أو سهم. مسألة (١): ولو قال: "له في ميراث أبي ألف درهم" الفصل وهذا كما قال: إذا قال: لفلان في ميراث أبي أو من ميراث أبي ألف درهم كان إقراراً بالدين على أبيه. ولو قال: له في ميراثي من أبي أو من ميراثي من أبي كان هبة إلا أن يريد إقراراً، والفرق أنه في الأول لم يضف الميراث إلى نفسه، وفي الثاني أضاف الميراث إلى نفسه ثم جعل له بعضه فكان الظاهر أنه هبة. وهكذا إذا قال: له في هذه الدار نصفها، أو من هذه الدار نصفها كان إقراراً. ولو قال: من داري هذه نصفها أو في داري هذه نصفها كان هبة إلا أن يريد إقرارا. فرع لو قال: علي في ميراثي من أبي له ألف درهم كان إقرارا على نفسه بالدين لأنه أزال الإشكال بقوله: عليّ ذكره ابن أبي أحمد ﵀. فرع آخر لو قال: له من مالي ألف درهم بحق وأطلق أو قال: بحق عرفته أو بحق لزمني أو بحق ثابت أو بحق استحقه كان ديناً لأنه أزال معنى الهبة. فرع آخر قال في كتاب الإقرار والمواهب: لو قال: له في مالي ألف درهم كان إقراراً. ولو قال: له من مالي ألف درهم كان ذلك هبة إلا أن يريد إقراراً. فمن أصحابنا من قال: هذا سهو وقع من الكاتب ولا يكون إقراراً فيها كما لا فرق بين أن يقول: في ميراثي أو في داري وبين أن يقول: من ميراثي أو من داري. ومن أصحابنا من فرق بأنه إذا قال: في مالي ألف درهم لا يتحقق دخول الألف المقر به في الإضافة لأن ما عداه من ماله يسمى مالاً [١٢٢/ ب] على الحقيقة فجعلناه إقراراً، وليس كذلك إذا قال: من مالي فإن

стр. 2841

لفظة من تقتضي أن يكون الألف المقر به بعين المال المضاف إلى نفسه فجعلناه هبة، وأما في الدار لا فرق بين في ومن لأن قوله: من داري هذه نصفها أو في داري هذه نصفها يقتضي أن يكون النصف المقر به داخلاً تحت إضافة الدار إلى نفسه لأن اسم الدار لا يقع إلا على النصفين جميعاً. وقيل: هذا الفرق ضعيف، لأنه يشكل بما لو قال: في ميراثي من أبي لم يكن إقراراً. وقيل: ما قاله في الإقرار والمواهب أشبه فيه وفي نظيره لأن قوله له يقتضي الملك والهبة غير المقبوضة وغير مملوكة، ولم يأت بما ينافي الملك لأن في للظرف وقوله: من مالي أضاف الملك كله إلى نفسه فنافى الإقرار فافترقا. فرع آخر قال الشافعي: ولو قال: لك علي ألف درهم إن شئت أو هويت، أو شاء فلان، أو هوى فلان فإن شاء فلان أو هوى أو شاء هو أو هوى لم يكن عليه منه شيء لأن الإقرار لا يصح معلقاً بالشرط. وهكذا لو قال: لك عليّ ألف إن شاء الله، أو إن قام فلان أو خرج فلان أو كلمت فلاناً قال الشافعي: هذا كله من جملة القمار ولا شيء عليه فإن قيل: أليس لو قال: بعتك عبدي هذا بألف إن شئت يصح فكذلك الإقرار وإلا قيل فما الفرق؟ قيل: الفرق أنه لو لم يشرط المشيئة في البيع كان القبول فيه إلى مشيئته وهو كقوله لعبده: بعتك نفسك بألف إن شئت فقال: قد شئت وقبلت صح ولزمه الألف. وكذلك لو قال لزوجته: طلقتك بألف إن شئت فقالت: قد شئت وقبلت صح أيضاً ولزمه الألف لأن ذلك من منشأه بخلاف الإقرار فإنه إخبار عن واجب عليه فلا يصح تعليقه. فرع آخر لو قال: هذا الثوب لك بألف درهم إن شئت يكون بيعاً لازماً ولا يكون إقراراً ولكل واحدٍ منهما خيار المجلس ولم يقل ها هنا: إن شئت يكون بيعا أيضاً لأن معناه إن شئت وكل مشتر إنما يلزمه إن شاء. فرع آخر قال الشافعي: ولو قال: له عليّ ألف إذا جاء رأس الشهر كان إقراراً، ولو قدم الشرط فقال: إذا جاء رأس الشهر فله عليّ ألف لم يكن إقراراً. قال أصحابنا: الفرق بينهما [١٢٣ /أ] أنه إذا قال: له عليَ ألف فقد أقر بالألف فإذا قال: إذا جاء رأس الشهر احتمل أن يكون أراد محلها أو وجوب تسليمها في ذلك الوقت فلم يبطل الإقرار. وأما إذا بدأ بالشرط فإنه لم يقر بالحق وإنما علقه بالشرط فلم يكن إقراراً. وقال القاضي الطبري: في هذا نظر ولا فرق على قياس مذهبه بين تقديم الشرط وتأخيره.

стр. 2842

فرع آخر لو قال: ما شهد به زيد عليّ فهو لازم لي لم يصر مقراً بما شهد به. وقال مالك: يلزمه جميع ما شهد به زيد، وان لم تصر بينة مسموعة لأنه ألزم ذلك نفسه. وهذا خطأ لأن هذا حوالة بالإقرار فلا يصح. فرع آخر له عليّ ألف إن مت لا يكون إقراراً أصلاً لأنه تعليق بالشرط وعند أبي حنيفة يكون إقراراً مات أو عاش. فرع آخر قال: ولو قال: لك علي ألف درهم إن شهد به علي فلان أو فلان وفلان فشهدا لم يلزمه من جهة الإقرار وهذه مخاطرة ويلزمه من جهة الشهادة إن كانا ممن تجوز شهادتهما أو أحدهما وحلف مع شاهده وقال ابن سريج: وسواء على هذا المعنى قيل له: إن فلاناً يشهد عليك بما يدعيه فيقول: هو عندي مصدق مرضي إن شهد عليّ، أو يقال له: إن فلانا يشهد عليك بما يدعيه هذا فيقول: إن شهد عليّ رضيت بذلك، أو إن شهد علي قبلت ذلك أو ألزمته نفسي، أو إن شهد علي صدقته، أو إن شهد لم أخالفه. وقال القفال: وهكذا لو قال: إن شهد علي بدينار فهو صادق لا يكون إقراراً، وإن شهد لا يلزمه شيء من جهة الإقرار لأنه إنما قال علماً منه بأنه لا يشهد عليه ذلك الرجل، ولكنه لو شهد عليه رجل بدينار فقال: هو صادق في شهادته كان إقراراً. وقال ابن أبي أحمد في "المفتاح ": لو قال: إن شهد لك عليّ فلان وفلان بألفٍ فهما صادقان كان إقراراً، وان لم يشهدا لأنهما لا يكونان صادقين إلا كان عليه الألف الآن فيلزمه وهذا اختيار القاضي الطبري ويخالف هذا إذا قال: إن شهد عليّ صدقته لأنه قد يصدق الإنسان من ليس بصادق وها هنا قال: فهما صادقان وإذا لم يكن واجباً عليه كانا كاذبين. فرع آخر لو قال: لك علي ألف [١٢٣/ب] إن قبلت إقراري فقياس المذهب أنه لا يكون إقرارا. فإن قيل: أليس المقر له إذا لم يقبل الإقرار بطل؟ قلنا: إنما يبطل إذا كذبه أو رده، فأما إذا سكت فالإقرار صحيح غير مفتقر إلى القبول. فرع آخر لو أقر بشرط الخيار كان باطلا مثل أن يقول: أقر لك بكذا على أني بالخيار يوما أو يومين لأنه إخبار عن واجب في الذمة فلا يصح بشرط الخيار. مسألة (١): قال: ́ولو قال: له عندي ألف درهم ́عارية كانت مضمونةً.

стр. 2843

وهذا كما قال: إذا قال: لفلان عندي ألف درهم عارية كانت مضمونة، لأنه وصف بكونه عارية والعارية مضمونة ويصح استعارة الدراهم والدنانير عندنا، وهو اختيار أبي إسحاق، وقيل: كيف يجوز استعارتها ولا يمكن الانتفاع بها مع بقاه عينها؟ قلنا: يمكن ذلك إذا كان صيرفياً يتركها بين يديه تجملاً وترغيباً للناس في معاملته. ومن أصحابنا من قال: يجوز استعارة الدراهم والدنانير، وعلى هذا تكون مضمونة أيضاً لأنه لا يكون عارية فاسدة وما كان صحيحه مضموناً كان فاسده مضمونا. وقال أبو حنيفة في هذه المسألة: كما قلناه ولكنه علل بعلة أخرى وذلك أن الدراهم والدنانير لا تقبل العارية فإذا قبضها باسم العارية كانت قرضاً والقرض مضمون. مسألة (١):قال: ولو أقر في عبدٍ في يدهِ لفلانٍ. الفصل وهذا كما قال: إذا كان في يده عبد فقال: هذا العبد لزيد، وقال العبد: بل لعمرو فالقول قول الذي في يده العبد. وكذلك إذا قال: الذي في يده هو لي، وقال العبد: بل لفلان غيرك فالقول قول الذي في يده لأن العبد في يد سيده ولا يكون في يد نفسه لأن العبد لا يقبل إقراره فيما طريقه المال على سيده لأنه يجوز أن يقصد الإضرار به فكان متهماً فيه. وهذه المسألة مفروضة فيه إذا كان محكوماً له بملكه وإنما حكم بملكه بأحد أسباب ثلاثة؟ أحدها: أن يرى في يده طفلاً فهو كالبهيمة، أو يكون مجهول النسب يقول: أنا عبد لفلان وقبله فلان أو يملكه بأحد أسباب الملك من غنيمة [١٢٤/ أ] أو بيع أو هبة ونحو ذلك. ولو لم يكن هكذا فقال: هذا عبدي أو عبد لفلان وقال العبد: بل أنا حر فالقول قول العبد لأن للحر على نفسه يداً فصاحب اليد بقبول توله أولى ويحلف على ذلك قال الصيمري: ويحتمل أن يقال: لا يمين عليه. ولو أقر بالرق له ثم ادعى أنه أعتقه فالقول قول السيد مع يميه لأن الأصل عدم الإعتاق. فرع لو قال: الذي ني يده هو لزيد، وقال زيد: ما ملكته قط اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: يحكم بحريته لأنه لم يبق عليه ملك لأحدٍ كما قلنا ني اللقيط إذا أقر بالرق لمن كذبه يحكم بعتقه، ومنهم من قال: يبقى على الرق لأن الأصل ملك المقر ورقه، فإذا رد إقراره من أقر له به بقي على ما كان. فإذ اقلنا بهذا الوجه الثاني ماذا يصنع به؟ قد ذكرنا من قبل فيه أوجه. فرع آخر إذا قلنا: ترفع عنه يد المقر ولا نحكم بعتقه فمن سبق إلى ادعائه ملكاً لم يمنع منه

стр. 2844

سواء سبق من اعترف له العبد بالملك أو غيره. وإذا قلنا: يقر في يده لعدم من هو أحق به يستحق باليد ٠ د فع المدعى له إلا أن تقوم له بينة بملكه ٠ فإن صدق ثانياً على ملكه لم يصر مالكاً للعبد بإقراره لأنه بإقراره الأول زال ملكه فلم ينفذ إقراره الثاني ولكن يلزمه بالإقرار الثاني رفع يده ولا يمنع الثاني ملكه، وان لم نحكم له بالملك لعدم المنازع له. فرع آخر لو كان لقيطا فقال: أنا عبد لفلان وقال فلان: ما ملكته قط نحكم بحريته نص عليه في أخر كتاب اللقيط ولا يختلف المذهب فيه لأنا لم نحكم برقه فإذا أقر لإنسان برقه فجحده المقر له بقي على الرق حتى يتبين المالك. فرع آخر لو قال: التقط رجل طفلاً ثم ادعى أنه مملوك له أو لغيره لا يقبل قوله لأنا عرفنا سبب حصوله في يده؟ وهو الالتقاط وهو حر بحكم الظاهر فلا يقبل قوله في الرق إلا ببينة، وليس كذلك في المسألة التي قال الشافعي فيها: يقبل قول السيد فيه لأن هناك لا يعرف سبب حصول العبد في يده فكان الظاهر من يده ثبوت [٢٤ /ب] ملكه فيه. مسألة (١): قال: ولو أقر أن العبد الذي تركه أبوه لفلان ثم وصل أو لم يصل، دفعه أو لم يدفعه فقال: بل لفلان آخر. الفصل وهذا كما قال: إذا مات رجل وخلف ابناً وعبداً فقال الابن: هذا العبد لفلان ثم قال: لا بل لفلان آخر موصولاً به أو منفصلاً عنه قبل تسليمه إلى الأول، أو بعده يسلم العبد إلى المقر له أو لا. وهل يلزمه قيمة العبد للثاني؟ اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: فيه قولان كما ذكرنا من قبل في نظير هذه المسألة وهو اختيار أبي إسحاق وابن أبي هريرة وجماعة وهذا يدل على أن عند الشافعي لا فرق بين أن يكون سلم إلى المقر له باختياره أو أجبره الحاكم لأن الشافعي صرح هاهنا به فبطل قول من قال بخلافه. وحكى أبو إسحاق عن بعض أصحابنا أنه سئل المقر فإن زعم أنه لم يعلم وقت ما أقر به للأول أنه للثاني وأنه إنما علم بعد ذلك لا غرم عليه قولا واحداً، لأنه على الظاهر من فعل أبيه فكان معذوراً في الرجوع عنه واستدراك الغلط وليس كذلك إذا قال: غصبتها من فلان، لا بل من فلان فإنه على إحاطة من فعل نفسه فلم يكن معذوراً في الخطأ. وإن قال: علمت ذلك فعلى قولان كما في مسألة الغصب سواء. وقال بعض أصحابنا بخراسان: ها هنا قولاً واحداً لا غرم والفرق من وجه آخر وهو أنه لم يقر

стр. 2845

ها هنا بفعل نفسه فيحتاج ضامناً متعديا بل أقر لاثنين، فإن لم يقبل قوله في أحدهما لم يلزمه غرم، كما لو خلف أبوه ألف درهم فقال رجل: لي على أبيك ألف درهم فقال: صدقت ثم قال أخر: لي على أبيك ألف درهم فقال: صدقت فالألف للأول ولا شي، عليه للثاني، ولو قالا ذلك معا فقال: صدقتما فالألف بينهما وفي الحالين لا يغرم شيئاً. فإن قيل: أليس في الاستثناء يفرق بين أن يكون موصولا أو مفصولاً فافترقوا ها هنا أيضا إذا قال: لا بل لفلان آخر؟ قلنا: الفرق أن هذا رجوع عن الإقرار فلا فرق فيه بين الموصول والمفصول بخلاف الاستثناء. فرع ذكره القفال ها هنا قال: لو قال رجل: أوصى لي أبوك بثلث [١٢٥ /أ] ماله فقال: صدقت، وقال آخر: لي على أبيك ألف درهم دينا فقال: صدقت فالمال للغريم لا للموصى له إن سبق تصديقه لصاحب الدين، وان سبق تصديقه لصاحب الوصية فالثلث له والباقي للغريم، وإن صدقهما معا فالمال بينهما على أربعة أسهم لصاحب الدين ثلاثة، ولصاحب الوصية سهم. والصحيح عند أصحابنا أن المال كله لصاحب الدين لأن حكمهما إذا صدقهما معاً حكمهما إذا ثبتا بالبينة كما في الدينين، ويخالف هذا ما لو خلف عبداً فقال رجل: نصف هذا العبد لي، وقال أخر: هذا العبد لي فقال: صدقتما فالعبا بينهما على ثلاثة أسهم إذ لو شهدنا أنه أوصى لأحدهما بالكل وللآخر بالنصف كان العبد بينهما أثلاثاً. مسألة (١): قال: وإذا شهدا علىّ رجل أنه أعتق عبده فردا ثم اشترياه. الفصل وهذا كما قال: إذا شهد رجلان على رجل أنه أعتق عبده وأنكر صاحبه وكانا فاسقين فرد الحاكم شهادتهما، ثم اشترياه عتق محليهما لأنهما قد أقرا بحريته. وكذلك لو شهد واحد فردت شهادته فنقص العدد أو أخبر بذلك ولم يشهد أو ادعى حبسه لأنه أعتق عبده ولم يمكنه إثباته ثم اشتراه فالكل سواء. فإن قيل: هلا قلتم: إن هذا الشراء باطل لأنه يقر بأنه حر ولا يجوز شراء الحر كما لو أقر بأن هذه المرأة أخته من الرضاعة ثم تزوج بها لم يصح النكاح قلنا: الفرق بينهما أن النكاح لا يعقد إلا للاستباحة وهو معترف بأنها محرمة عليه فلم يصح النكاح؟ وها هنا قصد بذل المال على طريق الفداء لغرض صحيح وهو استنقاذه من ذل الرق لعلمه بحريته فهو كبذل المال في مفاداة المسلم من ذل الأسر وكبذل المال على طلاق زوجة الغير وعتق عبده، وقد يقصد بالثراء فك العبد من الرق دون الملك فجوزناه. ويؤكده أنَّا لو صححنا النكاح لم يقتض الفرقة وها هنا إذا صححنا يقع العتق وزال

стр. 2846

الملك وهذا القائل يقول: لا نقول في الحقيقة إنه شراء بل هو بذل مال على طريق الفداء لغرض صحيح. وقيل: هذا بيع صحيح من جهة البائع لأنا لما وددنا شهادته بقينا [١٢٥ /أ] على ملك مالكه كما كان قبل شهادته ويبنى العقد على من حكم الشرع بقوله ثم يحكم على المشتري بالعتق لإقراره السابق لأنَّا لم نقبل قوله قبل الشراء لأن الحق لغيره فإذا ارتفع حق الغير ألزمناه حكم غيره. قوله: فإذا ثبت هذا فإن أقر البائع بعد البيع بأنه كان قد أعتقه لزمه رد الثمن عليه وعتق العبد عليه وكان الولاء له لأن قول المالك مقبول في حرية الرقبة المملوكة سواء أقر ابتداء أو أقر بما جحده من قبل. وان أصر على تكذيبه عتق العبد عليه على ما ذكرنا ويكون الولاء موقوفا لأن الشاهد يقول: عتق على البائع وهو يقول: بل عتق على المشتري والولاء له فكل واحد منهما ينفي الولاء عن نفسه، فإذا ما شهد العبد الذي حكمنا بحريته وترك مالاً، قال الشافعي: يكون المال موقوفاً حتى يتصادقا أو تقوم البينة عليه. قال المزني: هذا غلط لا يجوز أن يوقف جميع التركة وإنما يوقف ما فضل عن مقدار الثمن الذي وزنه، فأما مقدار الثمن فإن له أن يأخذه من التركة فإنه إن كان صادقاً في شهادته عليه بالعتق لم يجز أخذ الثمن منه وعليه رده عليه، وإن كان كاذباً فإن جميع ما خلف العبد له فإذا كان كذلك كان مقدار الثمن مستحقاً له بيقين. قلنا: اختلف أصحابنا في الجواب عن هذا فقال أبو إسحاق وجماعة: الجواب على ما قال المزني. ومراد الشافعي بقوله: يكون موقوفا يعني أن إرثه بالولاء يكون موقوفاً والدين يأخذه بمقدار الثمن فليس ذلك أخذاً بالولاء. ومن أصحابنا من قال: غلط المزني فيما قاله بل لا يستحق هذا المشتري شيئاً لأنه بذل المال فدية تطوعا بالتقرب إلى الله تعالى ولا يجوز الرجوع بالتطوع. وأيضاً قد اختلف جهة الأخذ ها هنا لأنا لو أعطيناه من التركة شيئا لا نعلم أنا نعطيه كسب عبده أو نعطيه مال مولى غيره على جهة القصاص. قال القفال: وهو كما لو قال: بعتك جاريتي وقال: ما بعت مني ولكن زوجتها مني واستولدها بالنكاح فالقول قولان المستولد أنه لم يشترها والجارية أم ولد بإقرار السيد لا سبيل [١٢٦ /أ] له إلى بيعها وليس للمستولد وطأها لاختلافهما في الجهة أنه يطأها بملك يمين أو نكاح. وكذلك لو اشترى امرأته ليس له وطأها في زمان الخيار لأنه لا يدري أنكاح أم ملك يمين؟ والأول أصح وقد نص الشافعي في كتابه الإقرار بالحكم الظاهر بخلاف هذا، وهذا لأن مشتري الأسير من المشرك متطوع بما بذل من ثمنه على وجه الفدية ثم له ارتجاعه متى قدر عليه وقد قال الشافعي: لو أسلم المشرك والمال في يده كان عليه أن يرده ولباذله أن يأخذه لأنه لم يملك ذلك كذلك هنا، وأما ما ذكره لا يصح لأن في المال لا يضر الاختلاف في جهة الاستحقاق بخلاف الفرج لأن في المال

стр. 2847

يجري البذل والإباحة بخلاف البضع، ولهذا لو ادعى عليه ألفا من ثمن متاع فقال: بل له عليّ ألف من جهة القرض ولم يدع المدعي سوى ألفاً واحداً ثبت الألف كذلك ها هنا. مسألة (١): قال: ولو أقر فقال: له عليّ دراهم ثم قال: هي نقض أو زييفُ. الفصل وهذا كما قال: اعلم أن مقادير الدراهم مختلفة في البلاد فدراهم الإسلام أوسطها وهي الوازنة التي وزن كل درهم منها ستة دوانيق، وكل دانق منها ثماني حبات، ووزن كل عشرة منها سبعة مثاقيل وهي معنى قول الناس وزن سعة وهي الدراهم الهرقلية وهي أوسطها. والثاني: البغلية وهي أعلاها ووزنها ثمانية دوانيق مزيد على دراهم الإسلام ثلث وزنه. والثالث: الطبرية طبرية الشام وزنها أربعة دوانيق بنقص عن دراهم الإسلام ثلث وزنه. وقيل: وزنه نصف وقيراط. وقد يكون خلاف ذلك كالدرهم الخوارزمي وزنه ثلاثة أرباع درهم. فإن أقر بألف درهم مطلقاً نظر في البلد الذي أقر بما فيه، فإن كان وزنه الوازنة وهو وزن الإسلام لزمه وزن الإسلام بلا خلاف. ولو قال: له مائة درهم عدداً أو اشتريته بمائة درهم عدداً، قال في كتاب الإقرار والمواهب: لزمته وازنة، وقال أصحابنا: يلزمه مائة درهم عدداً ووزنا ألحق العدد بحق النطق [١٢٦/ ب] والوزن بحق العادة وهذا في البلد الذي عادتهم الوزن على ما بيناه وهذا لأن كونها عددا لا ينافي الوازنة. وإن كان في بلد وزنه الناقصة مثل أن يقر بالطبرية أو بخوارزم فالمنصوص في "الإقرار والمواهب" أنه ينصرف إلى وزن البلد لأنه يعين والاعتبار بعاداتهم القائمة بينهم كما لو أطلق البيع بالدراهم في هذا البلد ينصرف إليها. وقال القاضي أبو حامد ﵀: نص عليه أيضاً في باب الإقرار بالحكم الظاهري، وقال بعض أصحابنا: وهو اختيار أبي حاما: يلزمه الوازنة دراهم الإسلام لأن الإقرار إخبار عما في الذمة لا يعلم وقت الوجوب فاحتمل الوازنة وغيرها فترك الاحتمال إلى عرف الشريعة وعرف البلاد في الإقرار غير معتبر وان كان معتبرا في البيع. وعلى هذا إن كان في بلد يتعاملون بها عدداً فقال: عليّ دراهم أو عشرة قال ابن أبي أحمد: يجب أن يلزم عدداً وهذا قياس قول الشافعي في الوزن الناقص. ولو قال: ألف درهم في بلد وزنه الوازنة وقال نقض نظر، فإن ذكر ذلك غير متصل بإقراره لم يقبل قوله لأن قوله نقض استثناء بعض الوازنة والاستثناء في الإقرار لا يقبل منفصلا، وإن كان متصلاً فيه طريقان: أحدهما: وهو المنصوص يقبل لأنه استثناء في الحقيقة فقبل متصلاً كما لو قال: عليّ ألف إلا خمسين.

стр. 2848

ومن أصحابنا من قال: فيه قولان: أحدهما: هذا، والثاني: لا يقبل لأن قوله نقص رفع الوازنة كلها فكان كقوله: عليّ ألف درهم قضيتها هل يقبل قوله في القضاء؟ قولان والصحيح الأول لأن الدراهم يعبر بها عن الوازنة وعن الناقصة فقد صرفها عن ظاهره إلى مستعمل فقبل. فرع لو قال: لفلان علي درهم صغير فهو صغير وازن إذا ما كان للناس دراهم صغار وازنة وهكذا لو قال: دريهم صغيرة. وان كان للناس دراهم ناقصة الوزن فالقول قوله مع يمينه أنه أراد بالصغر ناقص الوزن. وان لم يكن للناس دراهم صغار لزمه الوازنة الوافية. فرع آخر لو قال: علي درهم كبير لزمه الوازن وهو [١٢٧ / أ] درهم من دراهم الإسلام لأن ذلك هو الكبير في عرف الناس. فإن فسره بأكبر منه قُبل، وان كان في البلد كبار "فقد" لزمه ذلك. فرع آخر لو قال: لفلان علي دراهم ثم قال: هن زيف رجعنا في تفسيره إليه، فإن فسره بزيف لا فضة فيه أصلاً لا يقبل منه لأن قوله: ألف درهم يقتضي فضة. وان فسره بزيف فيه فضة فإن قاله متصلاً قبل منه، وإن قاله منفصلا لم يقبل منه لأن ذلك نقصان ما أقر به فحكمه حكم الاستثناء، وقال القاضي الطبري: مقتضى المذهب أنه يقبل وان ذكره منفصلا لأن الشافعي قال بعد هذه المسألة (١): ولو قال: هن من سكة كذا وكذا صدق مع يمينه كان أدنى الدراهم أو وسطها وأدنى الدراهم هي المغشوشة قال: وقول الشافعي: ثم قال: هي نقض أو زيف لم يصدق، أراد: هي زيف جميعها رصاص أو نحاس وهذا لا يصح لأن قوله: أو في الدراهم يعود إلى السكة والدليل على هذا أن المغشوشة خارجة عن ضرب الإسلام كالنقص. وعلى هذا قياس ما ذكرنا إذا كان في بلد يتعاملون فيه بالدراهم المغشوشة فأطلق الإقرار ينبغي أن لا يلزمه إلا منها كما قلنا في النقص. فرع آخر لو قال: علي ألف درهم من سكة كذا يعني من ضرب بلا كذا فعبر بالسكة عن الضرب والسكة هي الحديدة التي يضرب عليها بها الدراهم قبل منه سواء قاله متصلاً بإقراره أو منفصلاً على ما ذكرنا وسواء كان يجوز في غير ذلك البلد أو لا يجوز كما لو قال: عليّ ثوب رجعنا في تفسيره إليه وقبلنا قوله فيه سواء فسره بثوب بلده أو بلد

стр. 2849

غيره. وقيل: المراد بالسكة ها هنا ضرب البلد إذا كان فضة ولم يكن فيها حمل وغش لأن هذا هو الظاهر من الدراهم المعروفة المعتادة في الإسلام. وقول الشافعي (١): "جائزة بغير ذلك البلد أو غير جائزة "، يريد أنّا نقبل قوله في السكة، وإن كان ضرب ذلك السلطان لا يؤخذ في غير ذلك البلد لاسمه [١٢٧ /ب] أو لرداءة الفضة لا لنقصان العيار. والدليل على صحة هذا أن الشافعي لما ذكر هذه المسألة في كتاب "الإقرار والمواهب " على ما نقله المزني قال: ولو قال: عليّ دراهم سود فوصل الكلام فهي سود فشرط فيه الوصل فدل على أنه إذا قطع لم يقبل لنقصان الفضة وقال المزني: يلزمه من سكة البلد إذا أطلق وهو مذهب أبي حنيفة واحتج بأنه لو قال: عليّ دريهم أو دريهمات لزمته وازنة بسكة البلد فالدراهم بذلك أولى أن لا يقبل إلا بسكة تلك البلد. قال: ولا يشبه الثوب نقد البلد كما لو اشترى بدراهم سلعة جاز لمعرفتهما بنقد البلد، ولو اشتراها بثوب لم يجز لجهلهما بالثوب، فدل أن النقد شيء معلوم يمكن صرف الدراهم المطلقة إليه وليس الثوب بمعلوم يمكن صرف المطلق إليه وقصده بهذا الانفصال عن قياس الشافعي على الثوب. وأجاب أصحابنا عن هذا بأنه: لا وجه لتقريب الإقرار من البيع في ذلك لأن الإقرار يحتمل الإجمال الذي لا يحتمل إليه فجاز أن يرد مجمله إلى تفسير صاحب اللغة وان كان بعد زمان لا إلى نقد البلد بخلاف البيع، ولهذا لو قال: لفلان عليّ شيء يصح إقراره. ولو قال: اشتريت منك هذا الثوب بشيء لم يكن بيعاً وإن فسره عن قرب. ويؤكده أنا لو لم نحمل في البيع على نقد البلد بطل العقد، والظاهر من قصدهما صحة العقد بخلاف الإقرار فإنه لا يبطل. وأما الدريهمات إن فسرها برداءة الجوهر من سكة أخرى يقبل أيضا، وإنما لا يقبل في نقصان الوزن والغش فلا فرق بينهما. وإنما ألحقنا لفظ التصغير بغير التصغير لأن العادة جارية باستعمال هذا اللفظ المصغر على معنى الاستقلال لا على معنى النقصان من الوزن، ولأّنا لا نجد الدريهم المصغر معهوداً آخر في الوزن يصرف إقراره إليه فصرفناه إلى ما كان معهوداً من لفظ الدرهم غير المصغر بخلاف السكة. فإن قال قائل: قول المزني (٢) "إذا قال: علي دريهم أو دريهمات فهي وازنة قضاء على قوله: علي دراهم فهي وازنة " يقتضي أن يكون اعتراضه على قول الشافعي فهي وازنة لا على قوله: في سكة بلدة أخرى قلنا: [١٢٨/ أ] هذا إيجاز من المزني ومراده قضاء على قوله فهي وازنة وسكتها سكة بلدته أو يستحيل أن يعترض بقوله فهي وازنة على قوله: فهي وازنة، وعلم المزني أن ذلك مفهوم من عبارته. وقيل: يحتمل كلام المزني معنى آخر وهو أن يكون مراده بأول كلامه الاعتراض على مسالة النقص بالعكس ومراده بآخر كلامه الاعتراض على مسألة السكة التي

стр. 2850

استشهد الشافعي فيها بالثوب فالاعتراض الأول أن الشافعي قال: لو قال: لفلان عليّ دراهم ثم قال: هي نقص لم يصدق، وظاهر كلام الشافعي يقتضي التسوية بين جميع البلدان ولا يجوز التسوية لأن الرجل إذا كان يكن خوارزم ووزنها ناقص فقال: في تلك البلدة هذا التفسير يقبل اعتبارا بنقد بلده كما لو كان مستوطن نيسابور فقال: لفلان عليّ دراهم ثم قال: أردت ناقصة الوزن لم يقبل ويلزم وزن بلده ولا يقبل منه تفسيره بوزن خوارزم فكذلك لا يلزم من كان مستوطن خوارزم تفسير إقراره بوزن نيسابور هذا معنى قوله في قوله إذا قال: علي دريهم أو دريهمات فهي وازنة قضاءً على قوله: عليّ دراهم فهي وازنة. ثم استأنف الاعتراض الثاني على المسألة الأخيرة فقال: ولا يشبه الثوب نقد البلد وتقديره وجوابه كما مضى. قلنا: إنما صور الشافعي هذه المسألة في بلدة كاملة الوزن، والمصنف إذا صور المسألة على أغلب صورة فلا عتب عليه فليس بينك وبين الشافعي خلاف في ذلك. قال هذا القائل: فإن قال قائل: إذا علقت حكم الوزن ببلد المستوطن فعلق في السكة والرداءة أيضاً قلنا: ظاهر الاحتمال أن يكونا سواء فإذا قال بخوارزم: علي ألف درهم وطباعهم رديئة لم يلزمه خالص النقرة وقيل تفسيره إذا فسر بها كما يصرف بيوعهم المطلقة إليها ويحتمل أن تلزم الجياد. فإن أصحابنا قالوا فيمن قال لامرأته: إن أعطيتني ألف درهم فأنت طالق تلزم الدراهم الخالصة ويتعلق الاستحقاق بنقد البلد كذلك ها هنا. ولو كان لأهل البلد وزن معلوم ينقص ما شاء أن ينقص [٢٨ /ب] عن وزن العامة في دنانير أو دراهم فاشترى رجل سلعة بمائة درهم فله نقد البلد على ما ذكرنا لا أن يشترط شرطاً فيكون له شرطه إذا كان البائع والمشتري عالمين بنقد البلد. وإن كان أحدهما جاهلاً فادعى البائع الوازنة قيل له: أنت بالخيار بين أن تسلمه بنقد البلد أو تنقص البيع بعد أن يتحالفا. فرع آخر لو قال: غصبته ألف درهم وديعة ثم قال: هي نقص أو زيف مفصولا فالذي يقتضيه المذهب أنه لا يقبل كما لو قال: له عليّ ألف درهم ثم قال هذا. وقال أبو حنيفة: يقبل في الغصب والوديعة لأنه إيقاع فعل في عين وذلك لا يقتضي سلامتها كما لو أقر بغصب عبدٍ ثم جاء به معيباً. وهذا غلط لأن الاسم يقتضي الوازنة غير الزيوف فلا يقبل بخلاف الاسم كما لو قال: له عليّ ألف درهم ثم فسر بهذا. وأما ما ذكروا لا يصح لأنه وإن كان فعلاً في عين يقتضي وقوعه فيما سماه دون غيره، ويفارق العبد لأن العيب لا يمنع إطلاق الاسم فيه. مسألة: قال (١): "ولو قال: له علي درهم في دينار".

стр. 2851

الفصل وهذا كما قال إذا قال: لفلان علي درهم في دينار فقد أقر بالدرهم ويرجع في الدينار إليه لأنه يحتمل في دينار لي فإني استقرضت منه درهماً فوزنته في ثمن هذا الدينار ويحتمل شركة له في الدينار بقدر الدرهم ويحتمل في دينار هو وهن به، وإذا احتمل ذلك كان القول فيه قوله فإن قال: أقررت بالدينار فالقول قوله، وان قال: أردت درهماً ودينارا فهما للمقر له وتقديره: عليّ درهم مع دينار وتستعمل كلمة في بمعنى مع. وان قال: أطلقت هكذا ولا نية لي لم يلزمه إلا درهم وإنما قول المزني: فإن أراد درهماً وديناراً وإلا فعليه درهم إيجاز في الكلام وترك في الجواب إحدى المسألتين اجتزاء بجواب المسألة الأخرى كما يقول القائل: إن أعطيتني هذا الثوب بدينارين وإلا اشتريت هذا السيف بدينار معناه إن أعطيتني هذا الثوب بدينارين اشتريته بهما، وإن لم تعطه اشتريت السيف بدينار. فرع لو قال: لفلان علي درهم في عشرة دراهم إن قال: أردت الحساب فهو كما قال يكون مقرا بالعشرة. وإن قال: [١٢٩/ أ] أردت درهماً في عشرة فالقول قوله مع يمينه وعليه درهم كما لو قال: عليّ عشرة في ثوب لا يكون مقراً بالثوب. فرع آخر لو قال: له خمسة دراهم في ثوب فإن معناه أسلمت إليه خمسة في ثوب فإن قال المقر له: صدق فيما قال فهو عقد سلم، فإن كان قبل التفرق فالمقر بالخيار إن شاء أقبض الخمسة، وان شاء منع. وان كان بعد الفرق فقد بطل السلم وبرئت ذمة المقر عن الخمسة، وإن كذبه المقر له وقال: الخمسة التي أقررت بها دين عليك فالقول قول المقر لأن المقر وصل بإقراره ما أسقط الإقرار ولو قال: أردت ني ثوب لي وهو ظرف له فالقول قوله. ولو قال: خمسة دراهم في ثوب اشتريته مؤجلا فإن صدقه كان إقرارا باطلا لأنه يصير دراهم من سلم افترقا عنه قبل القبض. وان كذبه نفي بطلانه قولان بناء على القولين إذا قال: ضمنت منه مالاً على أني بالخيار. فرع آخر لو قال: له عليّ ثوب مروي في خمسة دراهم إلى أجل فإن صدقه كان له عليه الثوب دون الخمسة. وإن كذبه فله عليه الخمسة دون الثوب لأن تقدير كلامه أنه أعطاني خمسة دراهم سلماً في ثوب مروي مؤجل، فإذا صدقه يكون اعترافاً بعقد سلمٍ يستحق فيه الثوب المسلم فيه دون الثمن، وان كذبه كان منكرا للعقد فاستحق به الثمن. ولو قال المقر له: لي عليه الثوب مطلقاً فالقول قوله مع يمينه ويرجع في تفسير الثوب إلى المقر، ولو قال: أردت أن الثوب لي ظرفاً للدراهم فالقول قوله، كما لو قال: عندي جراب فيه تمر كان مقرا بالجراب دون التمر.

стр. 2852

مسألة (١): قال: ولو قال: له علي درهم ودرهم. الفصل وهذا كما قال إذا قال: لفلان علي درهم ودرهم يلزمه درهمان لأن الواو حرف بين حروف العطف الذي يقتضي اشتراك الثاني في معنى الأول كقول القائل: رأيت زيداً وعمراً فقد اشترك زيا وعمرو في الرؤية فكذلك ها هنا اشترك الثاني والأول في الوجوب. وكذلك لو قال: درهم ثم درهم لأن حروف ثم [١٢٩/ ب] من حروف العطف كالواو، وإنما يختلفان في أن الواو يقتضي عطفاً بلا مهملة، وثم تقتضي مهملة. فرع لو قال: علي درهم ودرهم ودرهم فعليه ثلاثة دراهم. ولو قال: أنت طالق وطالق وطالق يقع طلقتان ويرجع في تفسير الثالثة إليه فإن أراد الاستئناف وقعت، وان أراد التكرار لم تقع. وان لم تكن له نية فقولان. والفرق بين الإقرار والطلاق أن الطلاق يؤكد بالطلاق ويغلظ به على طريق الإرهاب والتخويف في العادة كما يؤكد بالمصدر فيقال: أنت طالق طلاقا. وهذا لا يحتمل في الإقرار فلم نحمله على التكرار ولهذا لا يقال: عليّ درهم ودرهم. أو الإقرار إخبار فلا يحتمل التأكيد والطلاق إيقاع فجاز أن يؤكد بالتكرار. وقال ابن خيران: إن في الإقرار أيضا قولان وليس بشي،. وكذلك لو قال: علي درهم ثم درهم ثم درهم وقال: أردت بالثالث التكرار ولا فرق بين المسألتين. فرع آخر لو قال: علي درهم ودرهمان فهي ثلاثة دراهم. ولو قال لزيد علي درهم مع عمرو يرجع إلي بيانه فإن بين الأظهر من حالتي إقرار. وهو الإقرار لزيد بدرهم هو مع عمرو يقبل، وان بين اليقين أنه مقر بدرهم لزيد وعمرو معا يقبل ومثله في الطلاق أن يقول: يا هند أنت طالق مع زينب كان قاذفاً للأولى دون الثانية. مسألة (٢): قال: وإن قال علي درهم فدرهم. الفصل وهذا كما قال: إذا قال: علي درهم فدرهم احتملت الفاء العطف واحتملت التفضيل فيكون معناه: فدرهم خيرا منه، أو فدرهم لازم لي، فإن أراد العطف كان إقرارا بدرهمين، وان أراد الصفة وهي اللزوم أو التفضيل فالقول قوله مع يمينه. وقال الشافعي في الطلاق: لو قال: أنت طالق فطالق تقع طلقتان. واختلف أصحابنا في ذلك فقال ابن خيران: لا فرق ففي كليهما قولان على سبيل

стр. 2853

التكملة والتخريج: أحدهما: يلزمه درهمان وتقع طلقتان لأن الفاء للعطف كالواو وبه قال أبو حنيفة. والثاني: يلزمه درهم وتقع طلقة واحدة لأنه يحتمل [١٣٠/أ] الصفة وهي اللزوم فكأنه قال: فدرهم لازم لي أو فطلاق لازم لي. ومن أصحابنا من قال: في الإقرار يلزمه درهم قولاً واحدا وفي الطلاق يقع طلقتان على ما نص عليهما فيهما، والفرق أن الإقرار يدخله التفضيل دون الطلاق لأنه إيقاع وأيضا الذمة بريئة في الأصل. وقوله: فدرهم متردد بين احتمالين بين أن يكون لبيان تأكيد اللزوم مما فسر الشافعي، وبين إذا يكون لإيجاب درهم فإذا فسر بالتأكيد قبل استصحاباً لأصل براءة الذمة وفي الطلاق لكل واحدة من هاتين اللفظتين ظاهر وقوع مستأنف وليس ها هنا أمل نستصحبه قال صاحب "الإفصاح": ووزان الطلاق من الإقرار أن يقول: أنت طالق طلقة فطلقة يريد به الصفة فيقبل منه كما في الإقرار. فإن قيل: ها هنا أيضا أصل وهو بقاء ملك النكاح قلنا: زال ذلك الأصل بظاهر لفظ الطلاق. فإن قيل: وكذلك زال ظاهر براءة الذمة بظاهر الإقرار قلنا: للإقرار ظاهر آخر وهو أن المكرر منه قد يعود إلى الواحد بالتفسير عد التطاول والاتصال بخلاف الطلاق، ألا ترى أن رجلا لو قال يوم السبت: لفلان عليّ درهم وقال يوم الأحد: لفلان عليّ درهم ثم قال: أردت درهما واحداّ قبل بخلاف الطلاق. ولو أطلق وقال: ما أردت به تأكيد الدرهم الأول. قال بعمر أصحابنا بخراسان: يلزمه درهمان لأن كل لفظة منهما صالحة لإيجاب درهم بظاهرها إلا أن يريد تأكيداً. وظاهر ما قال أصحابنا بالعراق أنه لا يلزمه إلا درهم واحد. ولذلك لو قال: عليّ درهم بل درهم أو درهم لكن درهم فالحكم فيه كالحكم في الفاء. مسألة (١):قال: ولو قال: درهم تحت درهم. الفصل وهذا كما قال: إذا قال: عليّ درهم تحت درهم أو فوق درهم، روي المزني عن الشافعي عليه درهم لأنه قد يجوز أن يقول: فوق درهم في الجودة أو تحته في الرداءة. وقال في كتاب [١٣٠/ ب] "الإقرار والمواهب": يلزمه درهمان إلا أن يقول: علي درهم فوق درهم في الجودة أو تحت درهم في الرداءة. وقال الربيع: قال الشافعي رحمة الله عليه في الإقرار بالحكم الظاهر: عليه درهمان وليس هذا بمذهب الشافعي بل يلزمه درهم لأنه يمكن أن يقول: درهم تحت درهم لي، أو فوق درهم لي فحصل في هذه المسألة قولان والصحيح ما نقل المزني وهكذا لو قال: فوقه درهم أو تحته درهم. وقال أبو حنيفة ﵀: إذا قال: فوق درهم لزمه درهمان، وإذا قال: تحت درهم لزمه درهم واحد. واحتج بأن فوق يقتضي في الظاهر الزيادة، وقوله: تحت

стр. 2854

درهم يقتضي دون درهم وهذا غلط لأن فوق يقتضي الزيادة في الجودة كما يقتضي تحت الدون ولا فرق بينهما. ولو قال: له عليّ درهم مع درهم قال الشافعي في كتاب "الإقرار والمواهب": كان هكذا فسوّى بين المسألتين فدل على أنه أيضا على قولين. ونقل المزني ههنا أنه يلزمه درهم واحد أيضاً إذا قال: أردت مع درهم لي ولو قال مع درهم لك كان مقرا بهما. وهكذا إذا قال: معه درهم ذكره أبو حامد ﵀ وقال: المسألة على قول واحد يلزمه درهم واحد. وهكذا لو قال: درهم معه دينار أو مع دينار ففي الدينار طريقان أيضا. ولو قال: عليّ درهم قبله درهم أو قبل درهم، أو بعده درهم أو قبله دينار، أو بعده دينار قال الشافعي في كتاب "الإقرار والمواهب" يلزمه كلاهما هكذا وواه المزني لأن ظاهر قوله: قبل درهم راجع إلى الزمان فكأنه قال: قد وجب اليوم لفلان درهم وقبل اليوم درهم آخر وليس كقوله: فوق درهم أو تحت درهم فإن لفظ الفوق يحتمل المكان، ويحتمل الجودة. وقال في هذا الكتاب بعد هذا بأسطر لو قال: له عليّ دينار قبله قفيز حنطة كان عليه دينار ولم يكن عليه القفيز وهذا قول أخر في هذه المسألة حكاه القاضي الطبري ولم يحكه غيره من أصحابنا. وقال بعض شيوخنا: في هذه الحروف الخمسة قولان وهي تحت، وفوق ومع، وقبل، وبعد، أحدهما: يلزمه درهمان [١٣١/ أ] لأن العرف يقصد بها الضم فهي بمنزلة الواو. والثاني: يلزمه درهم واحد لما ذكره الشافعي وهذا هو الطريق الصحيح. وظاهر رواية المزني يوجب الفرق بين قبل وبعد، وبين ما سواهما ففي فوق وتحت ومع يلزمه درهم وقد نصره كثير من أصحابنا على ما ذكرنا ولكنه خلاف ما ذكره الشافعي في الأمل والأولى تفريق الجميع على القولين لأن الفرق بينهما ليس بواضح. ولو قال: درهم قبله درهم وبعده درهم قال أبو حامد: يلزمه ثلاثة وهو على ما ذكرنا من الخلاف، وقال القفال: وهكذا الفروق إذا قال: عليّ درهم على درهم أو عليه درهم. مسألة (١) قال: ولو قال: عليّ قفيزٌ لا بل قفيزانِ. الفصل وهذا كما قال: إذا قال: لفلان علي قفيز حنطة لا بل قفيزان أو قفيز حنطة بل قفيزان يلزمه قفيزان لأنه استدرك زيادة على ما أقر به. وقال زفر: يلزمه ثلاثة أقفزة وبه قال داود. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: القياس أن يلزمه ثلاثة أقفزة ولكن يلزمه قفيزان استحساناً وهذا غلط لأن قوله: قفيزاً إقرار بقفيز فإذا قال: لا بل قفيزان ما نفى الأول لأنه لا يصح أن ينفيه وقد أثبته بل نفى الاقتصار عليه يعني عندي أكثر منه وهو قفيزان فصار كما لو قال: قفيز لا بل أكثر منه يلزمه قفيز وشيء، ولو كان نفيا للأول لكان يلزمه قفيزان وشيء. وهكذا الخلاف لو قال: علي دينار لا بل ديناران أو قال: درهم

стр. 2855

لا بل درهمان ولا فصل بين أن يقول: لا بل درهمان أو يقول: بل درهمان هذا في الجس الواحد. فأما إذا قال: له تغيز بٍّر لا بل درهمان أو قفيز حنطة لا بل قفيزان شعير أو دينار لا بل درهمان كان مقراً بالكل لأن الحنطة لا تدخل في الدراهم ولا الحنطة في الشعير ولا الدينار في الدرهم وقصده الرجوع عما ذكر أولاً بما ذكر آخراً لا الاستدراك فيثبت الدرهمان بآخر الإقرار ولم يصح الرجوع عن الإقرار بالبر بخلاف المسألة قبلها. فرع لو كان هذا الإقرار بعين قائمة فقال له هذا القفيز بل هذان القفيزان كان مقراً [١٣١ /ب] بثلاثة أقفزة كان الأول لا يدخل في الآخرين لكون العين قائمة مشار إليها وعلى هذا "أبداً" متى كان الإقرار بجنس غير معين دخل الأول في الآخر، ومتى كان معيناً أو من جنسين لا يدخل الأول في الأخر. فرع آخر لو قال: علي درهم لا بل درهم لزمه درهم لأنه أقر بدرهم ثم جحده بقوله لا ثم استدركه بقوله: بل درهم وثبت عليه فلزمه الدرهم وقال في "الحاوي" (١): فيه وجه آخر يلزمه درهمان لأنه إذا لم يزد على الأول لم يكن استدراكاً وكان رجوعاَ فلزماه معاً. وهذا لا يضر لأنه يحتمل أنه أراد أن يستدرك زيادة فتذكر أنه لا زيادة عليه فلم يستدرك. فرع آخر لو قال: لفلان علي دينار فقفيز حنطة لا يلزمه إلا دينار لأن قوله قفيز حنطة يحتمل العطف ويحتمل أن يكون معناه فقفيز حنطة خير منه أو أنفع منه، وإذا احتمل الأمرين ألزمناه اليقين وهو الدينار وطرحنا الشك. وقال أبو حنيفة: يلزمه كلاهما. وقد ذكرنا ما قال أصحابنا في نظيره. ولو قال: عليّ دينار، وقفيز حنطة أنه ثم قفيز يلزمه كلاهما كما لو قال: درهم ثم درهم أو دينار ثم دينار لأنه عطف ولا فرق بين عطفه على جنسه أو على جنس آخر. ولو قال: درهم لا بل قفيز حنطة يلزمه كلاهما. فرع آخر لو قال: عليّ ألف درهم أو لا لم يلزمه شيء لأنه شك فكأنه شك هل له علي ألف درهم أو لا؟ وقال أبو حنيفة: عليه الألف لأنه راجع عنه بعد إثباته وهذا غلط لأن الشك أليق بهذا الكلام وأشبه بمفهوم الخطاب. ولو قال: عليّ ألف درهم بل لا يلزمه لأنه قد أثبت وقصد الرجوع بعده.

стр. 2856

فرع آخر لو قال: علىّ دينار مثله قفيز حنطة كان مقرأ بالدينار دون القفيز. فرع آخر لو قال: عليّ عشرة لا بل تسعة لزمه عشرة لأنه لا يصلح نفي الاقتصار وقد استدرك دون ما أقر به، ولا يصلح للتفضيل فيكون معناه بل تسعة خير منها فسقط هذا فلم يبق إلا نفي العشرة فيلزمه الكل كقوله عشرة إلا عشرة. فرع آخر لو قال: علي درهم وثلاثة دراهم كان مقرأ بأربعة. [١٣٢ / أ] وكذلك لو قال: ثلاثة دراهم ودرهم ولو قال: درهمان ودرهمان كان مقراً بأربعة. فرع آخر لو قال: له عندي ما بين الواحد والعشرة يلزمه ثمانية دراهم وهي بين الواحد والعاشر. ولو قال: لفلان من واحد إلى عشرة اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: يلزمه ثمانية وبه قال زفر فيعد ما بعد الواحد ولا يعد العاشر، وهذا لأن الأول والعاشر حدان لا يدخلان في المحدود وقال القاضي أبو علي الزجاجي: حكاه الساجي عن الشافعي. ومنهم من قال: يلزمه تسعة وهذا أصح فيدخل الدرهم الأول ولا يدخل العاشر، وحكي هذا عن أبي حنيفة وهذا لأن الأول ابتداء الغاية والعاشر هو الحد فيدخل الابتداء فيه ولم يدخل الحد. ومن أصحابنا من قال: يلزمه عشرة ذكره القفال وغيره وبه قال محمد لأن الحد إذا كان من جنس المحدود دخل فيه. فرع آخر لو قال: علي ما بين الدرهم إلى العشرة ذكر ابن أبي أحمد عن الشافعي أنه قال: يلزمه تسعة، وقال القفال: هذا مذهب أبي حنيفة ومذهبنا أنه يلزمه عشرة وبه قال محمد. ولو قال: أو ما بين دوهم إلى عشرين أو عليّ ما بين العشرة إلى العشرين. قال ابن أبي أحمد عن أبي حنيفة: يلزمه في كليهما تسعة عشر فيلزمه الدرهم الأول دون الدرهم الأخير قال القفال: ومذهبنا أنه يلزمه عشرون فيهما لأنه إنما ذكر العشرين حداً وغاية لا أنه أخرج العشرين من جملة الوجوب. قال: وهكذا لو قال: أنت طالق ما بين الواحد إلى ثلاثة طلقت اثنتين عندهم وعندنا تطلق ثلاثا لأنها غاية قال: ووافقنا أبو حنيفة أنه إذا قال: أبرأتك من درهم إلى عشرين وكان له عليه مائة درهم برئ من عشرين. وكذلك لو قال: أبرأتك ما بين درهم إلى عشرين. فرع آخر لو قال: له ما بين هذا الحائط إلى هذا الحائط لم يلزمه الحائطان عندهم وهكذا مذهبنا لأن المقصود في الحائطين التحديد، والمقصود في الدراهم التعديد لا التحديد.

стр. 2857

مسألة (١): قال: ولو أقر له يوم السبت [١٣٢ /ب] بدرهم وأقر له يوم الأحد بدرهم الفصل وهذا كما قال: إذا شهد شاهدان عند الحاكم على رجل أنه أقر عندهما يوم السبت أن لفلان عليه ألف درهم وشهد آخران أنه أقر عندهما يوم الأحد عندي له بألف درهم لا يخلو من أحد أمرين إما أن يضيفا الألفين إلى جهة واحدة أو إلى جهتين مختلفتين مثل أن يشهدا عليه أنه أقر يوم السبت بألف درهم من ثمن عبد، وشهد آخران أنه أقر عندهما بألف درهم من ثمن ثوب فهما مالان مختلفان ويحكم الحاكم عليه بألفين. وان أضافا إلى جهة واحدة من ثمن ثوب أو عبد يلزمه ألف درهم واحد وبه قال مالك وأبو يوسف ومحمد. وقال أبو حنيفة: إن كان في مجلسين يلزمه ألفان وان كان في مجلس واحد فيه روايتان. وعلى هذا لو أقر بألف في مجلسٍ وبألفين في مجلسٍ وبثلاثة في مجلس وادعى أنه ليس عليه إلا الثلاثة يقبل عندنا خلافاً لأبي حنيفة. وهذا لأن الإقرار إخبار فإذا أقر بذلك احتمل التكرار واحتمل الاستئناف والأمل براءة الذمة. ولو قال في أحدهما: استقرضته أمس، وقال في الآخر: استقرضته اليوم يلزمه المالان بلا خلاف سواء كان في مجلس واحدٍ أو مجلسين. مسألة (٢): قال: وإذا قال: له علي ألف درهم وديعة فكما قال. الفصل وهذا كما قال قد مضت هذه المسألة وقد ذكرنا أنه إذ وصل باللفظ فقال: له علي درهم وديعة يقبل. ولو قال بعد ذكر ذلك هلك قبل قوله. ولو قال موصولا: له عليّ ألف درهم وديعة هلك أو له عندي ألف درهم وديعة هلك هل يقبل؟ قولان، أحدهما: يقبل. والثاني: لا يقبل لأنه إذا هلك لم يكن عليه ولا عنده وهو بناء على القولين في تبعيض الإقرار إذا قال: له عليّ ألف درهم قضيته أو علي ألف درهم أحلته على فلان أو من جهة ضمان فاسد. فرع لو قال: أودعني فلان ألفاً فلم أقبضه أو قال: أقرضني أو أعطاني ألفاً فلم أقبض يقبل قوله إذا كان متصلاً ولا يقبل إذا كان منفصلاً هكذا ذكره أصحابنا. وقال في "الحاوي" (٣): لو قال: اقرضني فلان ألفاً ثم قال بعد ذلك: لم اقبضه [١٣٣/ ا] يقبل ولا يلزمه خلافاً لأبي حنيفة وصاحباه، وهذا لأن القرض يلزم بالقبض

стр. 2858

ولم يقر به وهذا أصح عندي. وكذلك إذا قال: نقدني ألفا فلم أقبضه. وقال أبو يوسف: لا يصدق لأن قوله نقدني يفهم منه القبض ولهذا يقال بع بالنقد ويراد به القبض وهذا لا يصح لأنه أضاف ذلك إلى المقر له فصار بمنزلة قوله: أعطاني وأقرضني. وقيل: ألفاظ الإقرار خمسة: له عليّ، له عندي، له بيدي، له قبلي، له في ذمتي. فإن قال: له في ذمتي ثم ادعى أنها وديعة وهلكت أو كانت باقية فقد ذكرنا. ولو قال: له في يدي وقال: هي وديعة ثم قال: هلكت موصولاً لا يقبل لاستحالة أن يكون بيده ما قد هلكت. والثاني يقبل لاحتمال أن يريد أنه كان بيده وقد ذكرنا نظيره. ولو قال: له قبلي ألف درهم يحتمل ما في الذمة من الديون ويحتمل ما في اليد من الأعيان فإذا بين أحدهما صار بالإرادة مقتضى كلامه وقد ذكرنا حكمهما. ولو قال: له علي ألف درهم يقتضي ما كان مضمونا في الذمة من عين ودين ويخالف قوله في ذمتي من وجه وذلك أنه يقتضي الدين ولا يقتضي العين إلا على وجهٍ من المجاز وقد ذكرنا فيه الوجهين. ولو قال: له عندي ألف درهم يشتمل هذا فيما بيده من عين مضمونة أو أمانة ويشتمل فيما في الذمة من دين مضمون وخالف قوله بيدي من وجد وهو أن ما بيده لا ينصرف إلى ما ذمته بخلاف هذا. مسألة (١): قال: ولو قال: له من مالي ألف درهم سئل. الفصل وهذا كما قال: إذا قال: لفلان من مالي ألف درهم سئل فإن قال: أردت الهبة والدين فالقول قوله لأن ما بعد قوله: من مالي أنه أضاف جميع المال إلى نفسه ثم اقتطع منه طائفة بالهبة فرجعنا إلى قوله وقد مضت هذه المسألة، ومراد الشافعي القول قوله أي مع يمينه وإنما استحلفناه لأن قوله من مالي ألف درهم وإن احتمل الهبة بظاهر واحتمل أنه عليه ألف درهم ديناً يلزمه نقده من ماله وكيفية استحلافه أن يحلف بالله ما أردت بهذا اللفظ إقراراً وإنما أردت به هبة. [١٣٣/ ب] ولو مات هذا المقر لا يلزم في تركته شيء ما لم يقر ورثته بأنه أراد به الإقرار دون الهبة. ولو اعترف ورثته أنه أراد الإقرار ثبت الألف ديناً على الميت لإقرارهم بذلك ثم يلتزمون قضاءه على الحصص، وان اعترف بعضهم وجحد بعضهم لم يؤاخذ الجاحد باعتراف المعترف ثم ذكر بعد هذا إذا قال: له من هذه الدار نصفها أو قال: له من داري هذه نصفها وقد ذكرنا شرح هذا وجملته أنه إذا أضافها إلى نفسه منعت الإضافة حمل الكلام على ظاهره. مسألة (٢): قال: ولو قال: هذه الدار لك هبة عارية، أو هبة سكنى. الفصل وهذا كما قال: إذا قال: هذه الدار لفلان هبة عارية أو هبة سكنى كان له أن يخرجه

стр. 2859

منها متى شاء ويصح إقراره لأنه لما قال: هذه الدار لفلان فقد أقر له برقبتها ومنفعتها فإذا قوى به هبة عارية فقد أخرج الرقبة عن حكم الإقرار وبقى المنفعة فقد استثنى بعض المقر له فقبل وإنما قلنا: له الرجوع لأن ما سكنه فقد قبضه وما لم يسكنه فهو هبة لم يقبضها فكان له أن يرجع فيها. ولو قال: له في هذه الدار حق سكنى فقد أقر بمدة مجهولة فكان القول قوله في قدرها يوما أو أكثر أو أقل. ولو قال: لك فيها سكنى إجارة بدينار في الشهر فقد أقر بأنه أجرها بدينار في الشهر فإن قبل المقر له ذلك فهي له وإلا فلا شيء له، نص عليه في "الإقرار والمواهب". قال أصحابنا: وهذا يدل على أنه إذا قال: آجرتها كل شهر بدرهم صح في الشهر الأول وهو أحد وجهي أصحابنا. ولو لم يسم شيئاً لك فيها إجارة كان المرجع في تفسيره إليه. وهكذا لو قال: له في هذه الدار حق، وأطلق. فرع لو كانت دار بين رجلين فأقر أحدهما بنصفها لرجل، وكذبه الشريك قال أبو حنيفة: كان للمقر له بالنصف ثلث الدار وللمقر السدس تكملة النصف والنصف الباقي للشريك المكذب وعلة ذلك أن المكذب للمقر بالنصف يقول: لي ولشريكي النصف والنصف الباقي لك أيها المقر له فيكون ذلك مثلا مالي فإذا انفرد [١٣٤ / أ] الشريك لتكذيبه بالنصف صار النصف الباقي بيننا أثلاثاً لي منهم سهم واحد، ولك منه سهمان مثلا مالي. وحكى أبو العباس بن وجاء النصيري عن الشافعي في هذه المسألة أن مذهبه سؤال المقر بالنصف أله في الدار باقي ملك أم لا؟ فإن قال: لا شيء لي في الدار صح إقراره فيها بالنصف وكان النصف الآخر للشريك، وان قال: لي نصفها لزمه الإقرار بربعها وكان الربع الأخر له والنصف للشريك لأن المقر أقر من حقه وحق شريكه فقبل إقراره على نفسه وود على شريكه، ولهذا وجه صحيح على ما ذكر وفيه وجه أخر محتمل أنه يلزم إقراوه في النصف كله. فرع آخر لو كانت الدار مشاعة بين رجلين فأقر أحدهما ببيت منها لرجل وكذبه الشريك. قال أبو حنيفة: يكون إقراره مردودا ما لم يقتسما، فإذا اقتسما وصار البيت للمقر لزمه بالإقرار المتقدم تسليمه إلى المقر له، ولو صار البيت للشريك ضرب المقر له مع المقر بقيمة البيت فيما صار له بالقسمة، وعلى ما حكاه ابن رجاء عن الشافعي يكون للمقر له بالبيت ربع البيت مشاعاً، وعلى ما ذكرنا من التخريج له نصف البيت مشاعا لا يجوز أن يختصا دونه بقسمة، فإن اقتسما وصار البيت في حصة المقر لزمه تسليم جميعه إلى المقر له. وان صار للشريك لزم المقر أن يعوض للمقر له قيمة ما بقي من البيت بعدما صار له بالإقرار من ربع أو نصف وإنما لزم غرم القيمة لأنه صار معاوضاً عليه بالقسمة.

стр. 2860

فرع آخر لو قال: هذه الدار لفلان إلا بناءها كان إقراراً بالأرض دون البناء. وقال أبو حنيفة: يلزمه الإقرار بجميع البناء لأن الدار لا تسمى بغير بناء. وهذا غلط لأنه لو قال: هذه الدار لزيد إلا نصفها صح الإقرار بنصفها، وان كان النصف بانفراده لا يسمى داراً لأن الاستثناء بغير حكم الجملة عن إطلاقها. فرع آخر لو أقر له بحائط لم يدخل أرض الحائط في إقراره خلافاً لأبي حنيفة، ووافقنا أنه لو أقر [١٣٤ / ب] له بنخلةٍ لم يدخل قرارها في الإقرار. فرع آخر لو قال: هذه الدار لزيد، وهذا البيت منها لي كان كقوله: إلا هذا البيت. وقال أبو حنيفة: لا يصح ذلك لأنه استثناف رجوع في البيت بعد الإقرار به وهذا غلط لأن ألفاظ الاستثناء مختلفة وهذا من جملته. وهكذا الخلاف إذا قال: هذا الخاتم لزيد وفصه لي. مسألة (١): قال: "ولو أقر للميت بحق". الفصل وهذا كما قال: إذا قال: لفلان علي ألف درهم وقد مات وهذا الصبي ابنه وهذه المرأة زوجته قد ذكرنا أنه يكون إقرارا لهما بالألف ويلزمه الدفع إليهما ويفارق هذا مسألة الوكالة على ما ذكرنا، هذا إذا لم يكن له ابن معروف النسب، فإن كان له ابن معروف النسب، فإن صدقه يلزمه أن يدفع الثمن إلى المرأة والباقي بينهما نصفين. وإن كذبه يلزمه دفع جميع الألف إلى الابن المعروف. وهل يلزمه أن يغرم للمرأة والصغير ما أقر لهما به على الاختلاف الذي ذكرنا في قوله: هذه الدار لفلان لا بل لفلان آخر. قال المزني: هذا عندي خلاف قوله في الإقرار بالوكالة وهذا عندي أصح ومراده أن في مسألة الوكالة يجب الدفع إلى الوكيل فأوهم أن المسألتين على قولين واختار جوابه في كتاب الإقرار على جوابه في كتاب الوكالة وعامة مشايخنا على الفرق على ما بينا، ولو كان الوارث صغيرًا فقال: وهذا وصية لم يلزمه الدفع إلى الوصي لأنه لا يبرأ بل يدفع إلى الحاكم حتى يبرأ. مسألة (٢) قال: ولو قال: بعتك جاريتي هذه فأولدتها. الفصل وهذا كما قال: لو أن رجلا وطئ أمة تسلمها من سيدها ثم قال السيد: بعتكها بألف في ذمتك فلي عليك ثمنها وقال الواطئ: بل زوجتنيها فلك علي المهر، فإن لم

стр. 2861

يكن أحبلها فإنهما يختلفان لأن كل واحٍد منهما يدعي على صاحبه عقدًا ينكره فالقول قول المدعي عليه مع يمينه في نفي ما يدعيه صاحبه عليه. ثم يُنظر فإن حلفا معًا لا يلزم الواطئ التبرئ ليمينه ولا يلزم السيد التزويج ليمينه وحكمنا بزوال العقد [١٣٥/ أ] وللسيد ببيعها بلا خلاٍف لأنه لم يعتبر فيها بما يمنع البيع، وإنما أقر بها للواطئ بثمن يملكه عليه، فإذا لم يملك على الواطئ الثمن الذي ادعاه لم يملك عليه الواطئ الأمة التي أقر بها. وقيل: ترجع الجارية إليه وعلى أي وجٍه ترجع فيه وجهان: أحدهما: يرجع كما يرجع البائع في السلعة إذا أفلس المشتري وتعذر عليه ثمنها لأن الثمن ها هنا تعذر فيحتاج السيد أن يقول: فسخت البيع ثم يعود ملكًا له في الظاهر والباطن. والثاني: أنها ترجع إليه على معنى أنه له قبل المشتري ثمنها وقد تعذر عليه الوصول إليه وقد ظفر بهذه الجارية من ماله فكان له أخذها وبيعها بجنس حقه وقبض ذلك بدينه. وفائدة الوجهين إباحة الوطء للبائع فعلى الوجه الأول يحل له وعلى الثاني لا يحل له إذا كان على يقين مما ادعى لأنه على ملك الواطء باعتقاده وإنما ظلمه بمنع الثمن وجعل له بيعها ليتوصل إلى ثمنها. وعلى هذين الوجهين لو فضل من ثمنها بعد بيعها زيادة على الثمن الذي ادعاه من ثمنه هل يسوغ له تملكها؟ فإن قلنا بالوجه الأول يجوز له تملكها، وإن قلنا بالوجه الثاني لا يجوز له تملكها ويلزمه ردها إليه وهو لا يسترد فماذا يفعل بها؟ قد ذكرنا من قبل. ولا خلاف أنه يحرم على الواطئ إصابتها بعد بيعها ولا يستحق صاحب الجارية على الواطئ مهرها لأنه لا يدعي ذلك عليه وإن كان يعترف هو له به. ولو نكل عن اليمين فهو نكول عن يمين نفي فإنكاٍر فيرد عليهما بالإثبات فيحلف السيد عليّ إثبات البيع وحلف الواطئ عليّ إثبات التزويج فإن نكلا عنهما أيضًا لم يحكم لواحٍد منهما بما ادعى وحرمت على الواطئ لنكوله عما ادعاه بالنكاح وهل تحرم على السيد؟ وجهان على ما ذكرنا. وإن حلف السيد أو نكل الواطئ حكم له بالشراء وحكم عليه بالثمن وحرمت على السيد وفي تحريمها على الواطئ في الحكم وجهان: أحدهما: تحل لأنهما قد اتفقا على حصول الاستباحة وإنما اختلف في جهتها [١٣٥/ ب] وهذا أصح عندي. والثاني: لا تحل لأنه لم تثبت واحدة من الحالتين بقوله وهو اختيار القفال. وإن حلف الواطئ ونكل السيد حكم له بالتزويج وهي حرام على السيد، حلال للواطئ وجهًا واحدًا. وإن حلفا معًا قضي بيمين السيد في الشراء ولزوم الثمن على الواطئ لأن تزويجه لها لا يمنع جواز بيعها وابتياعها وهي حرام على السيد حلال للواطئ، وإن حلف السيد في الابتداء ونكل الواطئ فهذه اليمين من السيد إنما هي لنفي ما ادعاه الواطئ من التزويج، وقد نكل الواطئ عن يمين إنكاره لما ادعاه السيد في الشراء فترد على السيد

стр. 2862

اليمين ليحلف ثانيًة على إثبات ما ادعى من الشراء فتكون يمينه الأولى لنفي التزويج، واليمين الثانية لإثبات الشراء فيحرم على السيد وفي تحريمها على الواطئ وجهان. فإن نكل عنها فلا ثمن له والجارية في يده محرمة عليه وعلى الواطئ جميعاً. وإن حلف الواطئ في الابتداء ونكل السيد فهذه اليمين من الواطئ إنما هي لنفي ما ادعاه السيد من الشراء وقد نكل السيد عن يمين إنكاره لما ادعاه الواطئ من التزويج فيرد على الواطئ اليمين ليحلف بها ثانيًة على إثبات ما ادعي من التزويج فتكون يمينه الأولي لنفي الشراء، واليمين الثانية لإثبات التزويج فإذا حلف حكم بها زوجة له، فإذا طلقها أو زال النكاح بفسخ رجعت إلى سيدها في الحكم وكانت في الباطن على ما يعلمه فإن كان صادقًا فهي ملكً للمشتري لا يحل له وطئها، وإن نكل عن هذه اليمين وعادت إليه على ما مضى بيانه. وإن كان كاذبًا في دعواه، والواطئ كان صادقًا يحل له وطئها. وإن نكل عن هذه اليمين الثانية فليست له بزوجة وهي محرمة عليه وللسيد في الحالين بيعها لبقاء ملكه بإنكار الشراء. وأما إذا أحبلها وأولدها فهي مسألة الكتاب، ودعوى كل واحٍد منهما تتضمن أحكاماً فدعوى السيد تتضمن استحقاق الثمن وأن الأمة أم ولده وأن الأولاد [١٣٦/أ (أحرار ودعوى الواطئ الزوجية تتضمن إقرارًا بالمهر وثبوتًا للزوجية وأن الأمة وأولاده مرقوقون للسيد فيقبل قول كل واحدً منهما فيما يضره ولا يقبل فيما ينفعه لأنه متهم فيما ينفعه ويكون القول قول الواطئ مع يمينه فيحلف أنه لم يشتر منه هذه الجارية. فإن حلف فالوطء محرم على السيد لإقراره بأنها أم ولد لغيره، وهل يحل وطئها لمدعى الزوجية؟ فإن كان يعلم أنه صادق فيما يدعيه من النكاح يحل له وطئها فيما بينه وبين الله تعالى، لأنها امرأته وهذا إذا كان ممن يَحِلُّ له نكاح الإماء. وهل تحل له في الحكم؟ وجهان على ما ذكره: أحدهما: يحل لاتفاقهما على إباحته له إما بالملك أو بالزوجية كما لو قال لغيره: بعتك أمتي وقبضت ثمنها وقال: بل وهبتنيها يجوز باتفاق أصحابنا أن يطأها وإن اختلف في سبب الإباحة. والثاني: وهو اختيار صاحب (الحاوي) (١) لا يحل لأنهما بإنكار العقدين أبطلا أن يكون للواطئ أمةً ولا زوجةً، وصار كما لو قال لآخر: بعتك أمتي بألٍف ولم أقبط الألف وقال: بل وهبتنيها لا يجوز له أن يطأها بالاتفاق لأنهما وإن اتفقا على سبب الإباحة فللمستحق المنع من الإصابة إلا بعد قبضه وخالف حال المقر بقبضه، ويحكم بأن الأمة صارت أم ولد للواطئ بإقرار السيد، وأن الولد خلق حرام. ولا يستحق عليه الثمن إلا ببينٍة وقد برئ من الثمن لما حلف. وهل للسيد أن يرجع عليه بشيء؟. اختلف أصحابنا فيه منهم من قال: يستحق الرجوع على الواطئ بأقل الأمرين من ثمن الجارية أو مهرها فإنه واجب باتفاقهما جميعاً. ومنهم من قال: لا يستحق عليه

стр. 2863

شيئاً لأنا حكمنا بعدم الشراء بيمين الواطئ والنكاح الذي اعترف به وجوب المهر له لا يدعيه سيدها فلم يثبت له، ولا خلاف أنه لا يرجع البائع في الأمة بل يقر في يد من هي في يده لأن البائع أقر بأن ملكها [١٣٦/ب (انتقل إليه وأنها تلفت في يده بالإحبال فهو كما لو قال: بعت عبدي من زيد وأعتقه، وأما النفقة فنفقة الأولاد على الأب الواطئ بلا خلاف، لأنهم عتقوا، والولد إذا عتق وجبت نفقته على أبيه المناسب دون مولاه المعتق. وأما نفقة الأم فإن قلنا: يحل له أن يطأها فالنفقة عليه. وإن قلنا: لا يجوز له أن يطأها سقطت نفقتها بلا خوف. وأين تجب نفقتها؟ فيه وجهان: أحدهما: تحب في كسبها إن كان لا في من لزمته النفقة ملك الكسب. والثاني: وبه قال أبو إسحاق وابن أبي هريرة: نفقتها على السيد ويكون كسبها موقوفًا لأنه متهم في إسقاط النفقة فلم تسقط عنه ومقر بالكسب لغيره فلم يؤخذ منه. والأول أصح. وقيل قال أبو إسحاق: فيه قولان أي وجهان: أحدهما: في كسبها. والثاني: على السيد من غير تفضيل بين أن يحل وطئها أو لا يحل وذاك أصح. وأما الميراث فهو ثلاث مواريث: ميراث الواطئ، وميراث الأولاد الأم، فأما ميراث الواطئ فلأولاده لكونهم أحرارًا ولا شيء للأم لأن أحسن أحوالها أن تكون أم ولدٍ تتحرر عند موته. وأما ميراث الأولاد فلأبيهم ولا شيء لأمهم قبل موت الأب في حكم أم الولد. وإن كان موت الأولاد بعد موت الأب فللأم الثلث من تركتهم لأنها صارت حرة ثم الباقي بعده لعصبته إن كانت، وإن لم يكونا فموقوف لا مستحق بالولاء الموقوف. وأما ميراثها فإن كان موتها بعد عتقها بموت الواطئ فموروث لأولادها إن كانوا، وإن لم يكونوا أو ماتوا قبل موتها كان مالها موقوفًا لأنه لا يعلم أن الولاء للسيد أو للواطئ وكل واحٍد منهما يدفع عن نفسه فكان موقوفًا إلى أن ينكشف أمره. وإن كان موتها قبل عتقها بموت الواطئ فلا ميراث لأولادها ويكون موقوفًا بين الواطئ والسيد لأنه مستحق بالملك لا بالإرث والملك موقوف. فإن طلب السيد باقي ثمنها من الموقوف من مالها حين قضي له على الواطئ بالمهر الذي هو أقل أو طلب جميع الثمن حين لم يقبض له الواطئ بشيء فله ذلك [١٣٧/أ (ويدفع إليه وهذا لأن المشتري يقول: هذه مملوكتك وجميع تركتها لك والبائع يقول: بل هي أم ولدك واستحق عليك الثمن فكان له اخذ الثمن م التركة والفضل موقوف لأن أحداً لا يدعيه. ويفارق المسألة قبلها حيث لا يجوز للبائع هناك أخذ الثمن من تركتها لأنه يقول: هذه الشركة لوارث المشتري بحق الولاء والثمن استحقه على المشتري في ذمته فلا يجوز له أن يأخذه من مال وارثه. فإن قال قائل: لم قال الشافعي: وولاؤها موقوف وأعرض عن ذكر ولاء الولد وقد حكمنا بحريتها جميعاً بإقرار السيد؟ قلنا: لأن حرية الولد مستفادة بإقرار السيد وفي ضمن إقراره أن لا ولاء على ذلك

стр. 2864

الولد إذ خلق حراً لم يمسه الرق فلذلك لم يتكلم في ولاء أم الولد لأن معليها الولاء وهو كما لو قال واحٌد: أنا عبدك فقال: بل أنت حر الأصل لا ولاء عليه. ولو رجع كل واحٍد منهما عما ادعاه، فأن رجع سيدها عن دعوى البيع سقط الثمن عن الواطئ ولا يقبل رجوعه في إسقاط حقها من الحرية وحق أولادها من الحرية، وإن رجع الواطئ عن دعوى الزوجية قبل رجوعه في وجوب الثمن عليه وثبوت الولاء له. وإن نكل الواطئ عن اليمين رددنا اليمين على سيدها، فإن حلف استحق الثمن وهل يحل للمبتاع وطئها؟ وجهان على ما ذكرنا. وتكون الجارية أم ولد الواطئ ويكون الولد حراً. وإذا حلف الواطئ أنه لم يشترها وادعى الزوجية هل يحلف السيد؟ وجهان: أحدهما: لا يحلف لأنه قد أقر بأنها أم ولده ولو عاد وأقر أنها أمته زوجها منه لم يقبل فلا فائدة في عرض اليمين عليه. والثاني: يحلف لأنه ربما يمتنع من اليمين فيرد اليمين على المدعي فإذا حلف حكم له بالزوجية ويطأها بالنكاح. مسألة (١): قال: (وَإِذَا َقاَل: لَا ُأِقُّر َولَا ُانِكُر). الفصل وهذا كما قال: إذا قدم رجل رجلًا إلى الحاكم فادعى عليه مالًا فقال: لا أقر ولا أنكر فإن الحاكم يقول له: هذا ليس بجواب فإما إقرار وإما إنكار مع اليمين فإن أجبت وإلا جعلتك ناكلًا. ويستجيب للحاكم أن يقول له ذلك [١٣٧/ب (ثلاث مرات وأن ينذره فيقول: إن عرضت اليمين عليك هذه الكرة فنكلت رددت اليمين على خصمك ثم لا أقبل يمينك. فإن قال مرة واحدة ورد اليمين أجزأه، وإذا جعله ناكلًا ورج اليمين على المدعي فحلف حكم له بما ادعاه، ورد اليمين بأحد أمرين إلا أن يقول: حكمت عليك بأنك ناكل أو بأن يقبل على المدعي فيقول: احلف فحينئذ لا ينفع المدعي عليه: قوله أنا أحلف إلا أن يرضي المدعي بذلك فيكون سقطًا لحقه. وهكذا إذا أنكر ثم نكل عن اليمين رد اليمين على المدعي فإذا حلف حكم له. وقال أبو حنيفة يحكم بمجرد النكول ها هنا ولكن إذا قال: لا أقر ولا أنكر لا يجعل ناكلًا بل يحبس حتى يقر أو ينكر. فرع لو قال: أقر قال في (الإفصاح): لا يكون إقرارًا بالمال لأنه يحتمل أني أقر أن دعواه باطلة أو أقر أن الله واحد. وكذلك لو قال: أنا أقرُّ لك، أو أنا مقر لك لا يكون إقرارًا بالمال لأنه موعد. أو أقر لك بالفضل والعلم.

стр. 2865

فرع آخر لو قال: أنا أقر بما تدعيه لا يكون إقرارًا أيضاٍ لأن معناه أقر بعد. ولو قال: أنا مقر بما يدعيه كان إقرارًا. فرع آخر لو قال: أنا مقر فيه وجهان: أحدهما: قال أبو حامد: لا يكون إقرارًا لأنه يحتمل أن يريد أنا مقر ببطلان دعواك. والثاني: وهو الأصح يكون مقرًا لأنه إذا كان جواباً عن الدعوى أنصرف الإقرار إليها وكان أبلغ جواباً من نعم ذكره في (الحاوي) (١). فرع آخر لو قال في جواب الدعوي: لا أنكر لا يكون إقرارًا لأنه يحتمل لا أنكر لله تعالى قدره أو لا أنكر أنه هذا الدعوى باطلة أو لا أنكر فضلك. وكذلك لو قال: لا أقر ولا أنكر. ولو قال: لا أنكر دعواه أو لا أنكر ما يدعيه يكون إقرارًا بالمال. فرع آخر لو قال في جواب الدعوى: لا أنكر أن يكون محقاً لم يكن إقرارًا لاحتمال أن يريد محقاً في دينه أو اعتقاده ولو قال: لا أنكر أن يكون محقاً في هذه الدعوى كان مقرًا. فرع آخر لو قال في جواب الدعوى: بلي أو نعم أو أجل أو صدق أو أي لعمري كان مقرًا بجميع ذلك لأنها في محل الجواب تصديق، وإن كانت مختلفة المعاني. ولو قال: لعل وعسى ويوشك لم [١٣٨/أ (يكن مقرًا لأنها ألفاظ للشك والترجي وكذلك لو قال: أظن وأقدر وأحسب وأتوهم. فرع آخر لو قال له الحاكم حين ادعى عليه رجل ألفاً: ما تقول؟ فقال: نعم، قال بعض أصحابنا: يكون إقرارًا لأن تقديره نعم له على ما يدعيه، ولو قال: بلى قال بعض أصحابنا: لا فرق بينهما في الحكم ذكره القاضي الطبري وفي هذا نظر لأنه قال له الحاكم: ما تقول؟ فقوله: نعم عقيبه يحتمل أن لا يكون إقرارًا إلا أن يقول له الحاكم: ما تقول فيما يدعيه عليك؟ فإذا قلنا: ها هنا نعم يكون إقرارًا. فرع آخر لو قال: له ألف على في علمي كان إقرارًا لأنه إنما يقر بما في علمه. وقال أبو حنيفة: لا يكون إقرارًا لتشككه.

стр. 2866

فرع آخر (١) لو قال الشاهد: أشهد أن لفلان على فلان ألف درهمٍ في علمي صحت الشهادة عندنا على قياس ما ذكرنا وبه قال أبو يوسف. وقال أبو يوسف. وقال محمد وأبو حنيفة: لا تصح شهادته. فرع آخر (٢) لو قال الطالب: اقض الألف الذي لي عليك فقال: نعم أو أجل أو غداً أو أنظرني به أو أنا في ذاك كان إقرارًا. ولو قال: أنظرني أو أرفق بي أو أنفذ رسولك إلي أو سهل الله ذلك أو انظر في حسابي لم يكن إقرارًا لاحتماله. فرع آخر لو قال: اشتر عبدي هذا فقال: لا أفعل لم يكن إقرارًا خلافاً لأبي حنيفة لأن إنكار الجواب لا يكون إقرارًا بالجواب. ولو قال: نعم أو كم الثمن كان إقرارًا. وكذلك لو قال له: أعطني غلة ضيعتي أو أسرج دابتي فقال: نعم كان إقرارًا. فرع آخر (٣) لو قال في جواب الدعوى: خذ أو اتزن لم يكن إقرارًا لأنه يحتمل خذ الجواب مني واتزن حقاً إن كان لك على غيري. ولو قال: خذها أو أتزنها قال الزبيري: يكون إقرارًا لأن هاء الكناية في الجواب ترجع إلى ما تقدم من الدعوى. وقال جمهور أصحابنا: لا يكون إقرارًا فيهما لأنه يقال ذلك استهزاءً. وقال القفال ﵀: لا نص للشافعي فيه والظاهر عندي أنه [١٣٨/ب (لا يكون إقرارًا، وقال ابن أبي أحمد في أدب القاضي: مذهب الشافعي أنه لا يكون إقرارًا قلته تخريجاً وذلك أنه لم يجعل طلبه للصلح وأخذ العوض على ذلك إقرارًا وجعل الصلح على الإنكار باطلاً كذلك ها هنا. وكذلك إذا قال: انتقده. فرع آخر لو أجاب عن الدعوي فقال: صحاحٌ لم يكن إقرارًا. ولو قال: هي صحاحٌ قال الزبيري: يكون إقرارًا لأنه إقرار بصفتها فكان إقرارًا بها لأن بالصفة إقرارا بالموصوف وقال جمهور أصحابنا: لا يكون إقرارًا لأنها صفة ترجع إلى المذكور م الدعوى ولا يجوز أن يكون صفةً لإقرارٍ لم يكن. فرع آخر لو قال: له علي ما في حسابي أو ما خرج بخطي أو أقر به زيد عني لا يكون إقرارًا لأنه مُحيل بالإقرار على غيره وليس بمقر.

стр. 2867

فرع آخر لو قال: عليك ألف فقال: إنما لك مائة تلزمه مائة. فرع آخر لو قال: أقرضتك مائة فقال: ما اقترضت من أحد سواك، لم يكن إقرارًا. فرع آخر لو قال في جوابه: ثبت أو ليتني ما فعلت، أو هي التوبة، كان إقرارًا. فرع آخر لو قال لرجل: لا تخبر فلاناً أن لزيد علي ألفًا لم يكن إقرارًا. فرع آخر لو قال: كان له علي ألف درهم أو كان له عندي ألف درهم قال بعض أصحابنا: لا يكون إقرارًا لأن رجلًا لو ادعى ذلك عند الحاكم لم يسمع دعواه بأن يقول: كان لي على هذا ألف درهم. وقال أبو حامد: عندي يكون إقرارًا لأنه أقر بأنه كان له عليه فلا يبرأ بقوله ويخالف الدعوى لأن قوله مقبول على نفسه دون غيره. فرع آخر لو قال: وصل هذا العبد إلي على يدي فلان، أو ملكته على يديه، أو قبضته على يديه لم يكن مقرًا بذلك لزيد لأنه أقر بأن زيداً أعانه على ذلك قاله نصًا. ولو قال: ملكته من زيد فقد اعترف له به وادعى أنه ملكه منه، ولو قال: قبضته من زيد كان اعترافاً له بالملك في اليد، فإن كذبه فلان في انتقاله إليه كان القول قوله مع يمينه، فإذا حلف رده إليه. فرع آخر لو قال: أبرأني من [١٣٩/أ (دعواه، لم يكن إقرارًا بالمال، ولو قال: أبرأني مما يدعيه كان إقرارًا بالمال. قال ابن أبي أحمد في (أدب القاضي): هكذا قال جمهور أصحاب الكوفي والشافعي وهو الصحيح عندي على مذهب الشافعي قلته تخريجاً وذلك أني لا أعلم بين أصحابنا خلافاً أن رجلًا لو قال: بالله لأبرئن اليوم فلاناً من مال لا يبرأ من يمينه حتى يبرئه من ماٍل عليه. فرع آخر لو قال: علي ألف لزيد أو عمرو فيه وجهان أحدهما: لا شيء عليه لواحدٍ منهما لأنه شاك في الإقرار له فصار كقوله: علي ألف أو لا. والثاني: يكون مقرًا لأحدهما بالألف وإن لم يعينه فيؤخذ بالبيان ولا يسقط الإقرار كما لو أقر بواحدٍ من عبدين لم يبطل إقراره للجهل بعين المقر به فكذلك لا يبطل للجهل بعين المقر له. ويخالف هذا

стр. 2868

قوله: عليّ ألف أو لا لكونه شاكاً في ثبوت الإقرار وسقوطه وهو ها هنا متيقن للإقرار شاك في مستحقه فافترقا. مسألة (١): قال: (وَلَو قَالَ: وَهَبْتُ لَك َدارِي هَذِه وَقَبَضْتُهَا). الفصل وهذا كما قال: إذا أقر رجل فقال: وهبت داري من فلان وقبضتها، أو حازها أو صارت في يده أو حصلت في يده فقد أقر له بملكها بالهبة لأن الهبة تملك بالعقد والقبض معًا وقد أقر بذلك، فإن ادعى بعد ذلك أنه لم يكن قبضها وأنه يريد أن يرجع فيما وهبه له وطلب يمين الموهوب له قد ذكرنا هذه المسألة في كتاب الرهن وحكمهما واحد والمذهب أن له طلب يمينه لأنه ربما توهم أن التسليم بالقول تسليم. وقد حكي المزني لفظ هذه المسألة ولم يذكر في ظاهرها لدعوى الواهب تأويلًا محتملًا بعد إقراره السابق بالهبة والقبض ومطلق دعوى الواهب غير مسموع لأنه يكون مكذباً نفسه بنفسه ولهذا لو قال: كذبت فيما اعترفت له بالقبض لم يسمع فالمسألة محمولة على أنه يدعي التأويل مثل ما ذكرنا أني توهمت أن التسليم بالقول تسليم، أو ذكرت ذلك عن لسان وكيلي وقد كذب ونحو ذلك هكذا ذكر أبو إسحاق ﵀. ولو قال: وهبتها له ولم يقر بالإقباض قال الشافعي: [١٣٩/ب (فإن كان في يد الموهوب له فهو قبض بعد الإقرار وهذا فرعه على ما نص في الرجل إذا وهب لغيره عينًا في يديه فمضت يمكن القبض فيها صارت مقبوضة، وإن لم يأذن له في القبض فعلى هذا يكون قد أقر بالهبة والقبض معًا، وإن كانت في يد الواهب أو في يد وكيل الواهب ثم اختلفا فقال الموهوب له: قبضتها وملكتها وأنكر الواهب فالقول قوله سواء قال: وهبتها وملكتها أو قال: خرجت إليه منها لأنه قد يقول: ملكها معتقدًا مذهب مالكٍ أن الهبة تملك بالعقد ولا يزول ملكه باعتقاده الباطل وكذلك قوله خرجت إليه منها لأنه يحتمل خرجت قولاً ويحتمل خرجت فعلًا. وإن كانت الدار في يد الموهوب له وقال: وهبتها منه وخرجت إليه منها قال ابن أبي أحمد: قال الشافعي: القول قول الموهوب له. وقال القفال: استعمل الشافعي الظاهر في هذا الموضوع لأنه إذا قال: خرجت إليها منها ووجدت في يد الموهوب له فالظاهر أنه أراد بما قال إقباضًا والقبض بالعيان مكذب للواهب في إنكاره له وحصل الإذن فيه بإقراره فتمت الهبة. وعلى ما ذكرنا إذا أقر أنه أقرض من فلان ألف درهم وقبضه ثم قال: ما كان قبضه وإنما أقررت لأقبض أحلفنا المقر له لاحتمال ذلك بحكم العادة على ظاهر ما ذكر ها هنا من غير تفصيل. وعلى قول أبي إسحاق لا يحلف إلا أن يدعي تأويلًا محتملًا على ما ذكرنا.

стр. 2869

واعلم أن المزني ذكر المسألة الأولى وذكر فيها تعليل المساءلة الأخيرة وهي إذا اختلفا في القبض فإنه قادت لأنه لا تتم الهبة إلا بالقبض عن رضا الواهب وهذا تعليل الاختلاف في القبض فأما تعليل المسألة الأولى أن العادة جارية بالإقرار قبل القبض، ولهذا أطلق الشافعي الجواب في وجوب التحليف. مسألة (١): قال: ولو أقَّر أنه باعَ عبدُه من نفسِه بألٍف. الفصل وهذا كما قال: اعلم أنه إذا قال لعبده: أنت حر على ألٍف [١٤٠/أ (أو قال: أنت حر بألٍف أو قال: إن ضمنت لي ألفًا فأنت حر فقبل العبد ذلك على الفور صح وعتق ووجب عليه المال. ولو قال: أنت حر وعليك ألف درهم يعتق ولا شيء عليه، ولو قال: أنت حر إن أعطيتني ألف درهٍم فإنه لا يعتق إلا بدفع الألف إليه فإن أعطاه من ماله لم يعتق. وإن أعطاه من ماٍل أوصى له به أو وهب له منه عتق وعلى هذا يحمل قوله: أنت حر إن أعطيتني ألف درهم، فأما ماله الحاضر الذي في يد عبده يحمل عليه قوله هذا. ولو قال: بعتك نفسك بألف درهٍم فقد ذكرنا فيما تقدم والإشارة ها هنا أن المزني نقل أنه يصح. وقال الربيع: فيه قوًل آخر البيع باطل. فقيل: قول واحد يجوز وهو اختيار أبي إسحاق وابن أبي هريرة. وقيل: في المسألة قولان أحدهما: البيع صحيح وهو المذهب المنصوص في كتبه لأن المقصود من هذا البيع الحرية بعوض يثبت في الذمة فأشبه الكتابة. وقال أبو إسحاق: هذا عتق بشرط ضمان المال وسماه الشافعي بيعًا ويصح منه ضمان المال في مقابلة الحرية وهذا لأن الإنسان لا يملك نفسه فهو عبارة عن إسقاط حق الرق عنه وجرى ذلك مجرى عتقه على ماٍل فيثبت المال مع عتقه ولا يكون ثابتًا قي ذمة عبده. والثاني: لا يصح لأن البيع لا بد من أن يكون عوضه دينًا أو عينًا والعبد لا يملك العين والدين لا يثبت في ذمته، ولهذا لو أتلف عليه شيئًا لم يجب ضمانه عليه ولو جاز هذا لكان في معنى الكتابة الحالة ولا تجوز الكتابة عند الشافعي. والأول أصح على ما ذكرنا ويفارق الكتابة الحالة لأن العتق فيها يقف على أداء المال والحلول غرر فيها بخلاف هذا فإنه يتنجز العتق فيه ويحصل المقصود ويتمكن من تحصيل المال بعده فيصح. فإذا قلنا: يصح البيع فأقر السيد أنه باعه من نفسه بألف درهم فإن صدقه العبد عتق ولزمه الألف في ذمته، وإن كذبه يحلف وبرئ من الثمن ويعتق العبد بقوله: إني بعته من نفسه [١٤٠/ب] لأن تحت قوله: إني بعته من نفسه أنه حر وأن الذي استحقه عليه هو ألف درهم فقط فقبل إقراره بالعتق ولم يقبل إقراره على غيره بالمال. ولو قال: بعت هذا العبد من فلاٍن بألف درهم وأنكر ألفلان أن يكون اشتراه حلف

стр. 2870

وبرئ من الثمن ويعود العبد إلى البائع وعلى أي وجه يعود؟ ذكرنا وجهين، والفرق أن ملك المشتري يجوز أن يلحقه الفسخ فإذا تعذر الوصول إلى الثمن من جهة المشتري عاد ملكه إلى البائع كما لو تعذر بالإفلاس والحرية لا يقبل الفسخ فلا يعود إلى ملكه بعد إقراره بالحرية، ولهذا لو باعه من نفسه بألٍف وقبله العبد وعتق ثم أفلس بالألف لا يجوز له فسخ البيع ورد العبد إلى الرق فافترقا. وهكذا لو أقر أنه باع هذا العبد من فلاٍن بألف درهم وأنه أعتقه فأنكر الشراء حلف وبرئ من الثمن وعتق العبد بإقراره. وهكذا لو قال لأبيه وأبوه حر: كنت بعتك ابنك بألٍف وقبلته منى فأنكر العبد يعتق ويحلف أبوه أنه ما اشتراه وبرئ من الثمن. وهكذا إذا قال: بعتك جاريتي هذه وأولدتها فأنكر المشتري. وهكذا لو قال: طلقتك على ألف درهم وقبلته مني وأنكرت حلفت وبرئت من الألف وبانت منه بطلقةٍ لأنه مُقر بأنها بانت منه. مسألة (١):قال: ولو أقَّر لرجُل بذكر حًّق مْن بيٍع ثَم قاَل: لم أقْبض المبَيع. الفصل وهذا كما قال: فيه مسائل: أحدها: إذا قال: لفلان علّي ألف وسكت ثم قال بعد مدةٍ: من ثمن مبيع لم أقبضه، لا يقبل قوله لأنه يريد إسقاطه بعد الثبوت والقول قول المقر له مع يمينه: فإذا حلف أنه ليس على ما ذكر اسحق الألف. والثانية أن يقول: علي ألف درهم من ثمن مبيع وسكت عليه ثم قال بعده: لم أقبضه فالقول قول المقر مع يمينه، ولا فرق بين أن يكون متصلًا أو منفصلًا عنه لأن قوله: لم أقبض المبيع لا ينافي قوله: لفلان علي ألف درهم والأصل عدم القبض. فإن ادعى البائع أنه أقبضه إياه حلف المشتري [١٤١/أ (وبرئ. وهكذا لو قال: بعت داري من فلان ثم قال متصلًا به أو منفصلًا عنه: لم أقبض الثمن لم يجبر على تسليم الدار إليه والقول قوله مع يمينه أنه ما قبض ثمنها. والثالثة: أن يقول: لفلان علّي من ثمن مبيع لم أقبضه لم يلزمه دفع الألف إليه حتى يقبض المبيع ويلزم البائع إقامة البينة أنه قبضه، ولا فرق بين أن يكون المبيع معينًا أو غير معين وبه قال أبو يوسف ومحمد. وقال أبو حنيفة: إن عين المبيع قبل منه سواء وصل بإقراره أو فصل، وإن أطلق لا يقبل منه ويلزمه الألف لأنه إذا أطلق فقد وصل إقراره بما يبطله لأنه مبيع مجهول وفي المجهول لا يلزم الثمن. وهذا غلط لأنه أقر بحق في مقابلته حق لا ينفك عنه، فإذا لم يسلم ماله لم يلزمه ما عليه كما لو قال: بعت هذا من فلاٍن وقال فلان: ما ابتعت لا يلزمه تسليم العبد إليه. وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قول آخر إنه بالمال مقر وللبيع مدع ولا فرق بين

стр. 2871

أن يكون معينًا أو غير معين وهذا غريب ضعيف. وقال هذا القائل: ولو قال: اشتريت منه متاعًا وهذا المتاع بألف فإن سلم سلمت ولم يقدم الإقرار بالمال أو قال: بعت داري من فلاٍن بألٍف ولم أقبض الثمن نقول لا يلزمه شيء إلا أن يوافقه المقر له. وأما قول الشافعي في (المختصر): ولا يلزمه الثمن إلا بالقبض يحتمل معنيين: أحدهما: أنه أجاب على القول الذي يقول: يجبر البائع على البداية بتسليم المبيع. ويحتمل أن يكون الكلام في هذه المسألة مستمرًا على جمع أقاويله ويكون صورته بظاهرها في بائع يدعى أنى سلَّمت السلعة إلى المشتري وصارت يدي فارغًة عنها والمشتري يجحد التسليم فيحلف ولا يلزمه الثمن بحال، لأن القبض صار منتفياً بيمينه وليس ينتظر في مستقبل وقته وإنما الأقاويل في سلعة يعترف البائع بأنها باقية في يده غير مسلمة إلى مبتاعها. مسألة (١):قال: (ولو شهَد شاهٌد على إقراِرهِ بألٍف). الفصل وهذا كما قال: إذا شهد شاهٌد على إقرار رجٍل بحق بألف درهم (١٤١/ب] وشهد آخر على إقراره بألفين فإن أضافاه إلى سببين مختلفين فقال أحدهما: من ثمن ثوب، وقال الآخر: من ثمن عبد أو دار فهما مالان مختلفان. فإن ادعاهما حلف مع كل واحٍد منهما يمينًا واستحق ثلاثة آلاف. وإن ادعى أحدهما حلف مع شاهده واستحق. ولو قال أحدهما: أقر عندي بألف لزمه في شعبان، وقال الآخر: أقر عندي بألفين لزماه في شهر رمضان فالجواب فيه على ما ذكرنا. وإن أطلقاه فإنه يثبت ألف درهم بشهادتهما ويبقى الألف الآخر، فإن ادعاه حلف مع شاهده واستحقه، والفرق بين هذه المسألة وبين المسألتين الأوليين أنه يجوز أن يكون الألف الذي شهد به أحد الشاهدين أحد الألفين اللذين شهد بهما الشاهد الآخر وليس كذلك في المسألتين الأوليين فإنه لا يجوز أن يكون الألف أحد الألفين فافترقا. وهكذا لو اختلفا في صفتهما فقال أحدهما: من ضرب كذا، وقال الآخر: من ضرب آخر، أو قال أحدهما: مؤجل، والآخر قال: حال لا يثبت بشهادتهما شيء وبه قال مالك، وقال أبو حنيفة: لا يثبت بشهادتهما شيء في جميع هذه المسائل. وهذا غلط لأنه اتفقت شهادتهما على الألف لفظًا ومعنى فوجب أن يثبت كما لو شهد أحدهما بألٍف وشهد الآخر بألٍف وخمس مائة ثبت الألف بشهادتهما بالاتفاق. فإن قال قائل: أي فائدة في قول الشافعي رحمة الله عليه: فإن زعم الذي شهد بألف أنه شك في الألفين وأثبت ألفًا فقد ثبت له ألف بشاهدين؟ قلنا: قصد به التنبيه على موضع تصوير المسألة لأن المسألة مصورة في الإقرار الواحد فربما يقول قائل: إذا كان الإقرار واحدًا فما عذر هذين الشاهدين في اختلاف شهادتيهما وكيف يختلف الاستماع إذا كان اللفظ واحدًا؟ فبَّين الشافعي عذر

стр. 2872

أحد الشاهدين بأن يقول: إني شاك في الألف الثاني وعلى يقين من الألف الواحد وقد يتطاول الزمان على الشهادة فيحل [١٤٢/أ] للشاهد أن يؤدي منها ما يستيقنه ويسكت عما يرتاب فيه. فرع إذا ألزمه الحاكم ألفًا فيما ذكرنا من المسألة المختلف فيها يتوقف عن إحلافه في الألف الثاني حتى يسأل الشاهد بالألف هل عنده علم منه؟ فإن قال: لا علم لي به أحلف المدعي مع شاهده الآخر وقضى له بالألف الثاني. وإن قال: كنت أعلم استحقاق المدعي له ولكن قبضه من المقر به فشهدت له بالألف الباقي ولم أشهد له بالألف المقبوض قيل للمدعي: حصل لك ألف بشاهدين وألف ثاٍن بشاهد واحد وعليك بقبضه شاهد واحد فإن لم تحلف مع شاهدك لم يحكم به. وإن أجاب إلى اليمين مع شاهده هل يجوز للحاكم أن يحلفه معه؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يحلفه لأن الشاهد بقبضه قابل الشاهد في إثباته فتعارضا فلم يجز إحلافه مع وهاء الشهادة وتعارضها. والثاني: يحلفه لأن يمينه مع شاهده لكمال بينته يجري مجرى شاهد آخر ولا يجوز للحاكم أن يمنع شاهدًا ثانيًا أن يشهد به فكذا لا يمنع المدعي أن يحلف عليه فعلى هذا إذا حلفه الحاكم مع شاهد فقد تمت له البينة عليه بشاهد ويمين فيقال: للشهود عليه: قد لزمك الألف الثاني بشاهد ويمين ولك بدفعه شاهد فإن حلفت معه تمت بينتك على دفعه بشاهدين ويمين فسقط عنك، وإن لم تحلف لزمك لأن البينة به عليك تامة والبينة لك بدفعه غير تامة. فرع آخر لو كانت الدعوى منه ألفًا فشهد له أحد الشاهدين بألف وشهد الآخر بألفين هل يكون باقتصاره في الدعوى على ألف مكذباً للشاهد له بألفين؟ فيه وجهان: أحدهما: يكذب للزيادة في الشهادة على ما ادعى وعلى هذا ترد شهادته في جميع الألفين ويبقى معه الشاهد بألف فيحلف معه ويستحقه. والثاني: وهو الأصح لا يكون مكذبًا له لجواز اقتصاره في الدعوى على بعض حقه ويجوز أن يقبض من حقه ما لم يعلم الشاهد يقبضه إلا [١٤٣/ب] أن يظهر في الدعوى تكذيب الشاهد مثل أن يدعي ثمن عبده ألفًا فيشهد بأن ثمنه ألفان فترد الشهادة لتكذيبها بالدعوى. فرع آخر لو شهد شاهد على إقراره بألف وشهد آخر على إقراره بثلاثة آلاف. قال بعض أصحابنا: لا يثبت الألف ها هنا بشاهدين لأن الشهادة ما كملت على لفظ ألف بخلاف المسألة قبلها، لأن صيغة الألف صحيحة في لفظ الألفين. وهذا عندي إذا شهدا على

стр. 2873

اللفظ المسموع منه، فأنا إذا شهد بالمعنى ففي ثلاثة الآلاف ألف، ويجوز أن يكون سمع هذا الواحد ألف وألف وألف ولم يسمع الشاهد الأول إلا ألفًا واحدًا فشهد هذا بلفظ أنه أقر بثلاثة ألاف. مسألة (١): قال: (ولو أَقر أنُه تكفَل له بماٍل، على أنُه بالخياِر). الفصل وهذا كما قال: قد ذكرنا أن ضمان المال بشرط الخيار لا يجوز خلافًا لأبى حنيفة ﵀ وذكرنا أنه إذا قال: ضمنت لفلاٍن ألف درهم على أني بالخيار أو تكفلت ببدنه على الخيار هل يبعض إقراره؟ قولان: أحدهما: يبعض فالقول قول المقر له مع يمينه على نفي الخيار وبه قال أبو حنيفة ﵀ لأنه وصل إقراره بما يرفعه، ولا يقبل كما لو قال: له علَّي ألف إلا ألفًا. والثاني: لا يبعض والقول قوله فإذا حلف لا شيء عليه وهو اختيار المزني وأبي إسحاق لأنه أقر بحق وعزاه إلى سبب ثبوته منه، وإن أدى إلى رفعه كما لو قال: علّي ألف من ثمن هذا المبيع ولم أقبضه. وليس هذا كما لو قال: علّي ألف إلا ألفًا لا يقبل لأنه نفى الحق من حيث أثبته فيكون راجعًا عن إقراره فلا يقبل بخلاف هذا. واحتج المزني بأن قال: إذا قال البائع: بعتك هذا الشيء على أني بالخيار وأنكره المشتري كان القول قول البائع كذلك ها هنا فاختار أن الإقرار لا يبعض وهذا لأن البائع لما قال: بعت عبدي بشرط الخيار ثلاثة أيام فقد رفع بآخر الكلام أوله لأن أول كلامه يلزمه تسليم العبد إلى المشتري وآخر كلامه [١٤٣/أ] يوجب تخييره في تسليمه وقبل قوله في هذا ولم يبعض كلامه الموصول كذلك ها هنا. قلنا: قال ابن أبي هريرة: إن كان المزني أراد به خيار الثلاث لا يصح السؤال لأن الشافعي نص أنهما إذا اختلفا في شرط خيار الثلاث يتحالفان وقال أبو إسحاق: ذكر الشافعي في كتاب اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى أن هذا مثل الاختلاف في الثمن يتحالفان ثم يفسخ البيع كما يفسخ إذا اختلفا في الثمن. وإن أراد به خيار أكثر من ثلاثة أيام فالقول قول البائع مع يمينه، والفرق بين البيع والكفالة أن البيع موضوع على جواز شرط الخيار فيه فلم يدع خيارًا يخالف أصله وموضوعه فقبل منه، وليس كذلك في عقد الضمان لأنه لا مدخل لشرط الخيار فيه، وإذا ادعى ذلك ادعى ما ينافي أصل الضمان وموضوعه فلم يقل منه. وقال بعض أصحابنا بخراسان: يحتمل أن تكون مسألة البيع على هذين القولين ويحتمل أن تسلم وإن كانت الدعوى في خيار ثلاثة أيام والفرق أن البائع بدعوى الخيار لا يرفع أصل البيع لأنه مع الخيار يكون بيعًا صحيحًا ولكنه ادعى استيفاء بعض حقه مع بقاء أصل البيع، والأصل أن الملك له فكان قوله مقبولًا. وفي مسألة الكفالة دفع بآخر

стр. 2874

كلامه جميع أوله لأن الإقرار يبطل إذا قبلنا قوله في الخيار ولا يلزمه شيء فافترقا، واحتج المزني أيضًا بأن قال: قد قال الشافعي: إنه إذا أقر بشيء وصفه ووصله قبل قوله ولم أجعل قوًلا واحدًا إلا حكمًا واحدًا يريد به أنه إذا قال: لفلاٍن علي ألف درهٍم مكسر يقبل. والجواب أن وصف الألف بالمكسر لا يرفع أصل الإقرار بخلاف مسألتنا. واحتج أيضًا بأن قال: ومن قال: أكفله في الدراهم مقرًا وفي الأجل مدعيًا لزمه إذا أقر بدرهم نقد البلد لزمه، فإن وصل إقراره بأن يقول: طبري جعلته مدعيًا لأنه ادعى نقصًا من وزن الدرهم ومراده بهذا [١٤٣/ب] الكلام أن يفرض الاحتجاج في مسألة أخرى من فروع هذين القولين وهي أنه لو قال: لفلان علّي ألف درهم إلى سنة ففي المسألة طريقان أحدهما فيها قولان: أحدهما: وبه قال أبو حنيفة: يلزمه الألف حالًا ويكون مدعيًا في الأجل فيطالب بالبينة عليه. والثاني: وهو الصحيح: لا يلزمه حالًا ويقبل قوله في الأجل. ومن أصحابنا من قال: يقبل في الأجل قوًلا واحدًا لأن الدين يثبت حالًا ومؤجلًا والتأجيل يوجب سقوطه فنصر المزني هذا القول وقال: يلزم من قال بخلافه إذا أقر بدرهم ووصل إقراره فقال: طبري أن لا يقبل هذه الصفقة، فلما قبل قوله طبري قبل قوله إلى أجل قلنا: المذهب كما قلت في الأجل والفرق ظاهر أن دعوى الأجل لا ترفع إقراره السابق بخلاف مسألتنا. وإن قلنا: لا تقبل فالفرق بينه وبين أن يقول: طبري مع أنا ذكرنا في الطبري قوًلا آخر ضعيفًا أنه لا يقبل أيضًا هو أن التأجيل في المال إنما يثبت من جهة رب المال فكذلك تقدير ذلك الأجل، فإذا قال المقر: علّي ألف إلى سنة فقد ادعى على رب الدين أنك أجلتني إلى سنة فعليه البينة، فأّما إذا قال: علّي درهم طبري فأصل إقراره وقع بما دون الدرهم لأن الطبري ناقص عن وزن مكة، واسم الدرهم ينطلق عليه وليس في هذا الإقرار دعوى منه على رب المال حتى يطالبه بالبينة فافترقا. ثم اعلم أن المزني أوجز عبارته في هذا الموضع إيجازًا غير مستحسن فقال: ومن قال: أجعله في الدراهم مقرًا وفي الأجل مدعيًا لزمه إذا أقر بدرهم نقد البلد لزمه معنا لزمه أن يقول: إذا أقر بدرهم لزمه نقد البلد فحذف أن يقول. وقدم وأخر فقال: نقد البلد لزمه ومراده لزمه نقد البلد. ثم احتج بمسألة أخرى فقال: ولزمه لو قال: علّي ألف إلا عشرة أن يلزمه ألفًا وله أقاويل كذا وأراد [١٤٤/أ (وله مسائل كذا. وجوابنا عنه أن في الاستثناء لم يرفع جميع إقراره بصلته بخلاف مسألتنا، ونظيره من الاستثناء أن يقول: علّي ألف إلا ألفًا، وعلى ما ذكرنا إذا قال: استقرضت منه دينارًا وقضيته يلزمه الدينار قوًلا واحدًا لأن قوله: له علّي دينار أقر بثبوت الدينار في ذمته الآن وما بعد ذلك رجوع عن الإقرار ذكره القفال ﵀.

стр. 2875

فرع لو ابتدأ فقال: ما ضمنت له إلا بشرط الخيار لا يلزمه بهذا القول شيء بلا خلاف لأنه إذا ابتدأ بقوله: إنما فمعلوم صيغة كلامه أنه يريد أن يصل الضمان بغير فتصير الصلة لتقدم إمارتها كالمتقدمة على إقراره فيقبل قوله في ذلك. مسألة (١): قال: (ولو ضمَن لُه عهدَة داٍر اشتراهَا وَخلاصهَا). الفصل وهذا كما قال: قد ذكرنا هذه المسألة واعلم أن ضمان العهدة وضمان الخلاص واحد في المعنى بخلاف ما حكي عن بعض السلف أن ضمان العهدة ضمان الثمن وضمان الخلاص ضمان تخليص الدار للمشتري بأن يشتريها الضامن من المستحق ويسلمها إلى المشتري وهذا عندنا فاسد. وإذا أطلق لفظ الخلاص صح البيع وانصرف اللفظ إلى الثمن، ولهذا جمع الشافعي بين اللفظتين في هذا الفصل وجعل مرجعها إلى الثمن، وتخصيص الاستحقاق بالذكر يدل على أنه لو كان فساد البيع بشرط باطل لا يطالب الضامن في أصح الوجهين. واعلم أن هذه المسألة ليست من مسائل الإقرار فكان الأولى بالمزني أن يذكرها في كتاب الضمان فكأنه أغفلها في ذلك الكتاب ثم استدركها ها هنا عقيب مسألة ما لو أقر أنه تكفل بشرط الخيار فألحق مسألة الكفالة بمسألة الكفالة. فرع (٢) لو ضمن الدرك بغير أمر البائع يجوز عندنا وقال [١٤٤/ب] ابن أبي ليلى وزفر: لا يجوز إلا بأمر البائع لالتزامه حكم عقده. وهذا غلط لأن الضرورة تدعو إلى ضمان الدرك لما بالناس من الحاجة الماسة إلى التوثق في أموالهم وقد لا يوثق بذمة البائع لهوانها فاحتيج إلى التوثق عليه بغيره فجوزناه بكل حاٍل. فرع آخر إذا جوزنا ضمان الدرك يجب غرم الثمن عند استحقاق المبيع. وحكي عن شريج القاضي وسوار بن عبد الله وعثمان البتي ﵏ أنه يوجب تخليص المبيع للمشتري ما كان موجودًا إلا أن يتلف فيغرم مثله. وإن كان المبيع دارًا أو عقارًا. وقال عبيد الله العنبري: لو كان ضامن الدرك عالمًا بالاستحقاق عند ضمانه يلزمه تخليص المبيع، وإن لم يعلم لزمه غرم ثمنه وهذا غلط لأمرين: أحدهما: أن استحقاق المبيع موجب لفساد العقد وفساده يمنع من استحقاق ما يضمنه وإنما يوجب الرجوع بالمدفوع. والثاني: تخليص المستحق غير ممكن عند امتناع المستحق فلم ينصرف الضمان إليه.
следующие страницы →