← Фикх шафии

Фикх шафии · id 16934

بحر المذهب للروياني

عَبْد الواحِد الرُّوْياني

Полный текст (7 151 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

أن يكون معينًا أو غير معين وهذا غريب ضعيف. وقال هذا القائل: ولو قال: اشتريت منه متاعًا وهذا المتاع بألف فإن سلم سلمت ولم يقدم الإقرار بالمال أو قال: بعت داري من فلاٍن بألٍف ولم أقبض الثمن نقول لا يلزمه شيء إلا أن يوافقه المقر له. وأما قول الشافعي في (المختصر): ولا يلزمه الثمن إلا بالقبض يحتمل معنيين: أحدهما: أنه أجاب على القول الذي يقول: يجبر البائع على البداية بتسليم المبيع. ويحتمل أن يكون الكلام في هذه المسألة مستمرًا على جمع أقاويله ويكون صورته بظاهرها في بائع يدعى أنى سلَّمت السلعة إلى المشتري وصارت يدي فارغًة عنها والمشتري يجحد التسليم فيحلف ولا يلزمه الثمن بحال، لأن القبض صار منتفياً بيمينه وليس ينتظر في مستقبل وقته وإنما الأقاويل في سلعة يعترف البائع بأنها باقية في يده غير مسلمة إلى مبتاعها. مسألة (١):قال: (ولو شهَد شاهٌد على إقراِرهِ بألٍف). الفصل وهذا كما قال: إذا شهد شاهٌد على إقرار رجٍل بحق بألف درهم (١٤١/ب] وشهد آخر على إقراره بألفين فإن أضافاه إلى سببين مختلفين فقال أحدهما: من ثمن ثوب، وقال الآخر: من ثمن عبد أو دار فهما مالان مختلفان. فإن ادعاهما حلف مع كل واحٍد منهما يمينًا واستحق ثلاثة آلاف. وإن ادعى أحدهما حلف مع شاهده واستحق. ولو قال أحدهما: أقر عندي بألف لزمه في شعبان، وقال الآخر: أقر عندي بألفين لزماه في شهر رمضان فالجواب فيه على ما ذكرنا. وإن أطلقاه فإنه يثبت ألف درهم بشهادتهما ويبقى الألف الآخر، فإن ادعاه حلف مع شاهده واستحقه، والفرق بين هذه المسألة وبين المسألتين الأوليين أنه يجوز أن يكون الألف الذي شهد به أحد الشاهدين أحد الألفين اللذين شهد بهما الشاهد الآخر وليس كذلك في المسألتين الأوليين فإنه لا يجوز أن يكون الألف أحد الألفين فافترقا. وهكذا لو اختلفا في صفتهما فقال أحدهما: من ضرب كذا، وقال الآخر: من ضرب آخر، أو قال أحدهما: مؤجل، والآخر قال: حال لا يثبت بشهادتهما شيء وبه قال مالك، وقال أبو حنيفة: لا يثبت بشهادتهما شيء في جميع هذه المسائل. وهذا غلط لأنه اتفقت شهادتهما على الألف لفظًا ومعنى فوجب أن يثبت كما لو شهد أحدهما بألٍف وشهد الآخر بألٍف وخمس مائة ثبت الألف بشهادتهما بالاتفاق. فإن قال قائل: أي فائدة في قول الشافعي رحمة الله عليه: فإن زعم الذي شهد بألف أنه شك في الألفين وأثبت ألفًا فقد ثبت له ألف بشاهدين؟ قلنا: قصد به التنبيه على موضع تصوير المسألة لأن المسألة مصورة في الإقرار الواحد فربما يقول قائل: إذا كان الإقرار واحدًا فما عذر هذين الشاهدين في اختلاف شهادتيهما وكيف يختلف الاستماع إذا كان اللفظ واحدًا؟ فبَّين الشافعي عذر

стр. 2872

أحد الشاهدين بأن يقول: إني شاك في الألف الثاني وعلى يقين من الألف الواحد وقد يتطاول الزمان على الشهادة فيحل [١٤٢/أ] للشاهد أن يؤدي منها ما يستيقنه ويسكت عما يرتاب فيه. فرع إذا ألزمه الحاكم ألفًا فيما ذكرنا من المسألة المختلف فيها يتوقف عن إحلافه في الألف الثاني حتى يسأل الشاهد بالألف هل عنده علم منه؟ فإن قال: لا علم لي به أحلف المدعي مع شاهده الآخر وقضى له بالألف الثاني. وإن قال: كنت أعلم استحقاق المدعي له ولكن قبضه من المقر به فشهدت له بالألف الباقي ولم أشهد له بالألف المقبوض قيل للمدعي: حصل لك ألف بشاهدين وألف ثاٍن بشاهد واحد وعليك بقبضه شاهد واحد فإن لم تحلف مع شاهدك لم يحكم به. وإن أجاب إلى اليمين مع شاهده هل يجوز للحاكم أن يحلفه معه؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يحلفه لأن الشاهد بقبضه قابل الشاهد في إثباته فتعارضا فلم يجز إحلافه مع وهاء الشهادة وتعارضها. والثاني: يحلفه لأن يمينه مع شاهده لكمال بينته يجري مجرى شاهد آخر ولا يجوز للحاكم أن يمنع شاهدًا ثانيًا أن يشهد به فكذا لا يمنع المدعي أن يحلف عليه فعلى هذا إذا حلفه الحاكم مع شاهد فقد تمت له البينة عليه بشاهد ويمين فيقال: للشهود عليه: قد لزمك الألف الثاني بشاهد ويمين ولك بدفعه شاهد فإن حلفت معه تمت بينتك على دفعه بشاهدين ويمين فسقط عنك، وإن لم تحلف لزمك لأن البينة به عليك تامة والبينة لك بدفعه غير تامة. فرع آخر لو كانت الدعوى منه ألفًا فشهد له أحد الشاهدين بألف وشهد الآخر بألفين هل يكون باقتصاره في الدعوى على ألف مكذباً للشاهد له بألفين؟ فيه وجهان: أحدهما: يكذب للزيادة في الشهادة على ما ادعى وعلى هذا ترد شهادته في جميع الألفين ويبقى معه الشاهد بألف فيحلف معه ويستحقه. والثاني: وهو الأصح لا يكون مكذبًا له لجواز اقتصاره في الدعوى على بعض حقه ويجوز أن يقبض من حقه ما لم يعلم الشاهد يقبضه إلا [١٤٣/ب] أن يظهر في الدعوى تكذيب الشاهد مثل أن يدعي ثمن عبده ألفًا فيشهد بأن ثمنه ألفان فترد الشهادة لتكذيبها بالدعوى. فرع آخر لو شهد شاهد على إقراره بألف وشهد آخر على إقراره بثلاثة آلاف. قال بعض أصحابنا: لا يثبت الألف ها هنا بشاهدين لأن الشهادة ما كملت على لفظ ألف بخلاف المسألة قبلها، لأن صيغة الألف صحيحة في لفظ الألفين. وهذا عندي إذا شهدا على

стр. 2873

اللفظ المسموع منه، فأنا إذا شهد بالمعنى ففي ثلاثة الآلاف ألف، ويجوز أن يكون سمع هذا الواحد ألف وألف وألف ولم يسمع الشاهد الأول إلا ألفًا واحدًا فشهد هذا بلفظ أنه أقر بثلاثة ألاف. مسألة (١): قال: (ولو أَقر أنُه تكفَل له بماٍل، على أنُه بالخياِر). الفصل وهذا كما قال: قد ذكرنا أن ضمان المال بشرط الخيار لا يجوز خلافًا لأبى حنيفة ﵀ وذكرنا أنه إذا قال: ضمنت لفلاٍن ألف درهم على أني بالخيار أو تكفلت ببدنه على الخيار هل يبعض إقراره؟ قولان: أحدهما: يبعض فالقول قول المقر له مع يمينه على نفي الخيار وبه قال أبو حنيفة ﵀ لأنه وصل إقراره بما يرفعه، ولا يقبل كما لو قال: له علَّي ألف إلا ألفًا. والثاني: لا يبعض والقول قوله فإذا حلف لا شيء عليه وهو اختيار المزني وأبي إسحاق لأنه أقر بحق وعزاه إلى سبب ثبوته منه، وإن أدى إلى رفعه كما لو قال: علّي ألف من ثمن هذا المبيع ولم أقبضه. وليس هذا كما لو قال: علّي ألف إلا ألفًا لا يقبل لأنه نفى الحق من حيث أثبته فيكون راجعًا عن إقراره فلا يقبل بخلاف هذا. واحتج المزني بأن قال: إذا قال البائع: بعتك هذا الشيء على أني بالخيار وأنكره المشتري كان القول قول البائع كذلك ها هنا فاختار أن الإقرار لا يبعض وهذا لأن البائع لما قال: بعت عبدي بشرط الخيار ثلاثة أيام فقد رفع بآخر الكلام أوله لأن أول كلامه يلزمه تسليم العبد إلى المشتري وآخر كلامه [١٤٣/أ] يوجب تخييره في تسليمه وقبل قوله في هذا ولم يبعض كلامه الموصول كذلك ها هنا. قلنا: قال ابن أبي هريرة: إن كان المزني أراد به خيار الثلاث لا يصح السؤال لأن الشافعي نص أنهما إذا اختلفا في شرط خيار الثلاث يتحالفان وقال أبو إسحاق: ذكر الشافعي في كتاب اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى أن هذا مثل الاختلاف في الثمن يتحالفان ثم يفسخ البيع كما يفسخ إذا اختلفا في الثمن. وإن أراد به خيار أكثر من ثلاثة أيام فالقول قول البائع مع يمينه، والفرق بين البيع والكفالة أن البيع موضوع على جواز شرط الخيار فيه فلم يدع خيارًا يخالف أصله وموضوعه فقبل منه، وليس كذلك في عقد الضمان لأنه لا مدخل لشرط الخيار فيه، وإذا ادعى ذلك ادعى ما ينافي أصل الضمان وموضوعه فلم يقل منه. وقال بعض أصحابنا بخراسان: يحتمل أن تكون مسألة البيع على هذين القولين ويحتمل أن تسلم وإن كانت الدعوى في خيار ثلاثة أيام والفرق أن البائع بدعوى الخيار لا يرفع أصل البيع لأنه مع الخيار يكون بيعًا صحيحًا ولكنه ادعى استيفاء بعض حقه مع بقاء أصل البيع، والأصل أن الملك له فكان قوله مقبولًا. وفي مسألة الكفالة دفع بآخر

стр. 2874

كلامه جميع أوله لأن الإقرار يبطل إذا قبلنا قوله في الخيار ولا يلزمه شيء فافترقا، واحتج المزني أيضًا بأن قال: قد قال الشافعي: إنه إذا أقر بشيء وصفه ووصله قبل قوله ولم أجعل قوًلا واحدًا إلا حكمًا واحدًا يريد به أنه إذا قال: لفلاٍن علي ألف درهٍم مكسر يقبل. والجواب أن وصف الألف بالمكسر لا يرفع أصل الإقرار بخلاف مسألتنا. واحتج أيضًا بأن قال: ومن قال: أكفله في الدراهم مقرًا وفي الأجل مدعيًا لزمه إذا أقر بدرهم نقد البلد لزمه، فإن وصل إقراره بأن يقول: طبري جعلته مدعيًا لأنه ادعى نقصًا من وزن الدرهم ومراده بهذا [١٤٣/ب] الكلام أن يفرض الاحتجاج في مسألة أخرى من فروع هذين القولين وهي أنه لو قال: لفلان علّي ألف درهم إلى سنة ففي المسألة طريقان أحدهما فيها قولان: أحدهما: وبه قال أبو حنيفة: يلزمه الألف حالًا ويكون مدعيًا في الأجل فيطالب بالبينة عليه. والثاني: وهو الصحيح: لا يلزمه حالًا ويقبل قوله في الأجل. ومن أصحابنا من قال: يقبل في الأجل قوًلا واحدًا لأن الدين يثبت حالًا ومؤجلًا والتأجيل يوجب سقوطه فنصر المزني هذا القول وقال: يلزم من قال بخلافه إذا أقر بدرهم ووصل إقراره فقال: طبري أن لا يقبل هذه الصفقة، فلما قبل قوله طبري قبل قوله إلى أجل قلنا: المذهب كما قلت في الأجل والفرق ظاهر أن دعوى الأجل لا ترفع إقراره السابق بخلاف مسألتنا. وإن قلنا: لا تقبل فالفرق بينه وبين أن يقول: طبري مع أنا ذكرنا في الطبري قوًلا آخر ضعيفًا أنه لا يقبل أيضًا هو أن التأجيل في المال إنما يثبت من جهة رب المال فكذلك تقدير ذلك الأجل، فإذا قال المقر: علّي ألف إلى سنة فقد ادعى على رب الدين أنك أجلتني إلى سنة فعليه البينة، فأّما إذا قال: علّي درهم طبري فأصل إقراره وقع بما دون الدرهم لأن الطبري ناقص عن وزن مكة، واسم الدرهم ينطلق عليه وليس في هذا الإقرار دعوى منه على رب المال حتى يطالبه بالبينة فافترقا. ثم اعلم أن المزني أوجز عبارته في هذا الموضع إيجازًا غير مستحسن فقال: ومن قال: أجعله في الدراهم مقرًا وفي الأجل مدعيًا لزمه إذا أقر بدرهم نقد البلد لزمه معنا لزمه أن يقول: إذا أقر بدرهم لزمه نقد البلد فحذف أن يقول. وقدم وأخر فقال: نقد البلد لزمه ومراده لزمه نقد البلد. ثم احتج بمسألة أخرى فقال: ولزمه لو قال: علّي ألف إلا عشرة أن يلزمه ألفًا وله أقاويل كذا وأراد [١٤٤/أ (وله مسائل كذا. وجوابنا عنه أن في الاستثناء لم يرفع جميع إقراره بصلته بخلاف مسألتنا، ونظيره من الاستثناء أن يقول: علّي ألف إلا ألفًا، وعلى ما ذكرنا إذا قال: استقرضت منه دينارًا وقضيته يلزمه الدينار قوًلا واحدًا لأن قوله: له علّي دينار أقر بثبوت الدينار في ذمته الآن وما بعد ذلك رجوع عن الإقرار ذكره القفال ﵀.

стр. 2875

فرع لو ابتدأ فقال: ما ضمنت له إلا بشرط الخيار لا يلزمه بهذا القول شيء بلا خلاف لأنه إذا ابتدأ بقوله: إنما فمعلوم صيغة كلامه أنه يريد أن يصل الضمان بغير فتصير الصلة لتقدم إمارتها كالمتقدمة على إقراره فيقبل قوله في ذلك. مسألة (١): قال: (ولو ضمَن لُه عهدَة داٍر اشتراهَا وَخلاصهَا). الفصل وهذا كما قال: قد ذكرنا هذه المسألة واعلم أن ضمان العهدة وضمان الخلاص واحد في المعنى بخلاف ما حكي عن بعض السلف أن ضمان العهدة ضمان الثمن وضمان الخلاص ضمان تخليص الدار للمشتري بأن يشتريها الضامن من المستحق ويسلمها إلى المشتري وهذا عندنا فاسد. وإذا أطلق لفظ الخلاص صح البيع وانصرف اللفظ إلى الثمن، ولهذا جمع الشافعي بين اللفظتين في هذا الفصل وجعل مرجعها إلى الثمن، وتخصيص الاستحقاق بالذكر يدل على أنه لو كان فساد البيع بشرط باطل لا يطالب الضامن في أصح الوجهين. واعلم أن هذه المسألة ليست من مسائل الإقرار فكان الأولى بالمزني أن يذكرها في كتاب الضمان فكأنه أغفلها في ذلك الكتاب ثم استدركها ها هنا عقيب مسألة ما لو أقر أنه تكفل بشرط الخيار فألحق مسألة الكفالة بمسألة الكفالة. فرع (٢) لو ضمن الدرك بغير أمر البائع يجوز عندنا وقال [١٤٤/ب] ابن أبي ليلى وزفر: لا يجوز إلا بأمر البائع لالتزامه حكم عقده. وهذا غلط لأن الضرورة تدعو إلى ضمان الدرك لما بالناس من الحاجة الماسة إلى التوثق في أموالهم وقد لا يوثق بذمة البائع لهوانها فاحتيج إلى التوثق عليه بغيره فجوزناه بكل حاٍل. فرع آخر إذا جوزنا ضمان الدرك يجب غرم الثمن عند استحقاق المبيع. وحكي عن شريج القاضي وسوار بن عبد الله وعثمان البتي ﵏ أنه يوجب تخليص المبيع للمشتري ما كان موجودًا إلا أن يتلف فيغرم مثله. وإن كان المبيع دارًا أو عقارًا. وقال عبيد الله العنبري: لو كان ضامن الدرك عالمًا بالاستحقاق عند ضمانه يلزمه تخليص المبيع، وإن لم يعلم لزمه غرم ثمنه وهذا غلط لأمرين: أحدهما: أن استحقاق المبيع موجب لفساد العقد وفساده يمنع من استحقاق ما يضمنه وإنما يوجب الرجوع بالمدفوع. والثاني: تخليص المستحق غير ممكن عند امتناع المستحق فلم ينصرف الضمان إليه.

стр. 2876

فرع آخر لو ابتاع أرضًا فبني فيها وغرس أشجارًا ثم استحقت منه قال أهل العراق: للمشتري أن يرجع بقيمتها قائمة على الباع ثم يكون المستحق مخيرًا بين أخذها من البائع بقيمتها مقلوعة وبين إجباره على قلعها. وقال أهل المدينة: إن كان المشتري جاهلًا بالغصب عند غرسها وبنائه كان المستحق مخيرًا بين أن يعطيه قيمة ذلك قائمًا، أو يقره ويكون شريكًا له بالغرس والبناء، وإن كان عالمًا أخذ بالقلع ولا شيء له على البائع في الحالين، وقال الشافعي: المشتري مأخوذ بقلع غرسه عالمًا كان أو جاهلًا وغرم ما نقص من قيمة الأرض بقلعه عالمًا كان أو جاهلًا، ثم إن كان جاهلًا له أن يرجع على البائع بما بين قيمة غرسه وبنائه قائمًا ومقلوعًا وبما غرم من نقص (١٤٥/أ] الأرض بالقلع لأنه قد ألجأه بالغرم إلى التزام ذلك ولا رجوع له بشيء منه إن كان عالمًا وهذا أصح المذهب اطرادًا وأقواها حجاجًا ثم لا رجوع للمشتري بشيء من ذلك على ضامن الدرك بحاٍل لأنه لا رجوع بغرم وجب بالغرور وليس بثمن مستحق بالعقد. فرع آخر لو قال: لفلان في هذه الدار حق ثم فسره بأنه باب، أو جذع، أو قماش وسكن سنة يقبل. وقال أبو حنيفة: لا يقبل حتى يبين حقًا في التربة كما لو قال: له في هذه الدار سهم. وهذا غلط للفرق الظاهر وهو أن السهم شائع والحق متميز. فرع آخر لو قال: لفلان علّي ألف درهٍم إلا مائة قضيته إياه يكون استثناًء صحيحًا يرجع إلى المقضي دون القضاء ويصير مقرًا بتسعمائة قد ادعى قضاءها. وقال أبو حنيفة: يكون مقرًا بألٍف مدعيًا لقضاء مائة فيلزمه الألف ولا تقبل منه دعوى القضاء فجعل الاستثناء متوجهًا إلى القضاء دون المقضي. مسألة (١): قال: (ولو أقَّر أعجمي بأعجمَّيٍة كانَ كالإقراِر بالعربيِة). وهذا كما قال: الإقرار يصح بالعجمية كما يصح بالعربية، لأن العجمية لغة كالعربية، ولأن هذه الألفاظ عبارة عما في النفس وإنما ندل عليه بحسب المواضعة، فإذا كان اللفظ موضوعاً لشيء دل عليه. فإذا ثبت هذا فلو أقر أعجمي بالعربية أو عربي بالعجمية فإن اعترف أنه عالم بما أقر به لزمه. وإن قال: ما علمت معناه فإن صدقه المقر له لا يلزمه شيء. وإن كذبه فالقول قول المقر مع يمينه لأن الظاهر من حال الأعجمي أن لا يعرف العربية ومن حال العربي أن لا يعرف العجمية. مسألة (٢): قال: (ولو شهدوا على إقرارِه ولْم يقولوا: بأنه صحيح العقِل).

стр. 2877

الفصل وهذا كما قال: إذا شهد شاهدان على إقرار رجل بمال ولم يقولا: إنه كان حين أقر به عاقلًا بالغًا غير محجور صحت شهادتهما لأن الظاهر من حال [١٤٥/ب] الشاهد أنه لا يحمل الإقرار ممن لا يصح إقراره من صبي أو مجنون أو محجور عليه، وإن تحمله فلا يشهد به عليه وهذا مثل ما يقول: إذا شهد على رجل أنه باع هذه الدار من فلان وقبض الثمن حكم بالبيع، وإن لم يقولا: إنه باع بثمن مباح معلوم غير مجهول لأن الظاهر من حال الشاهد أنه لا يشهد بذلك إلا وقد علم أنه باع بثمن مباح معلوم وأن البيع وقع صحيحًا وأن تسليم الدار عليه واجب فكذلك في الإقرار. ولو قالا: وهو صحيح العقل كان تأكيدًا ويكتب في الوثائق ذلك للتأكيد والاحتياط. وقال ابن أبي ليلى: لا يحكم الحاكم بشهادتهما لاحتمال أن يكون مجنونًا أو مكرهًا حتى يصرحا بما يزيل الاحتمال. وهذا غلط لأن الحكم يتعلق بالأغلب من الأحوال والأغلب من الأحوال الصحة والسلامة. فإذا تقرر هذا فلو ادعى المشهود عليه الجنون عند الإشهاد عليه لم يقبل دعواه إلا أن يعرف له جنون سابق، أو كان يجن ويفيق فالقول قوله. وقال في (التقريب): في الحرية جوابان أحدهما: الأصل الحرية. والثاني: لا يجوز حتى يشهد بالحرية يوم أقر ويخرج أمر العقل على هذين الجوابين. وهكذا لو شهدا على أمٍر يتعلق جوازه بصحة بدن المقر لم يجز حتى يقولا: كان يومئذ صحيح البدن والعقل وكذلك طواعية المقر على هذا الخلاف لأن الأصل أن لا إكراه حتى يحدث ولهذا كانت الشهادة على الإكراه أولى من الشهادة على الطواعية، لأنها بالإكراه أثبتت معنًى يجوز إخفاؤه على الطواعية. وقال في (الحاوي) (١): قال أبو حامد: إذا ادعى الإكراه يقبل منه بخلاف الجنون والفرق أن أحكام المكره مختلف فيها وأحكام المجنون متفق عليها وهذا غلط لأن ما احتملته الشهادة من معاني الرد فهو مانع من قبولها كالجهالة بالعدالة وفي إنفاذ الحكم بها مانع من احتمال الإكراه كما في إنفاذه مانع من احتمال الجنون، ولو فرق بينهما بأن فقد العقل أظهر لكان أعذر وإن لم يكن في الحالين عذر. [١٤٦/أ] فرع لو ادعى رجل على رجل ألفًا وأقام به بينة فقال المدعى عليه: صدقت قد قبضتنيه لا يقبل قوًلا واحدًا، وكذلك إذا قال: صدقت هو علّى إلى سنة كما لو قال: صدقت هو علّي إلا خمسين لا يقبل.

стр. 2878

فرع آخر ولو قال: له علّي في هذه السلعة ألف درهم، قال ابن أبي أحمد: سئل عن قوله كما لو قال: له في هذه السلعة ألف درهم وقد ذكرنا ذلك. وقال القفال: هذا غلط ولا يختلف المذهب في هذا اللفظ أن عليه ألفًا في ذمته سواء كانت السلعة تساوي ألفًا أو أقل أو أكثر وأخطأ في النقل عن الشافعي، وإنما قال الشافعي ذلك إذا لم يقل علّي. فرع آخر قال ابن أبي أحمد: كل من أقر بشيء ثم رجع لم يقبل رجوعه إلا في حدود الله تعالى مثل حد الزنى والشرب ونحوه، وقال أبو ثور: لا يقبل رجوعه. وهذا غلط لأن ماعزًا لما أقر بالزنا أعرض عنه رسول الله ﷺ (أربع مرات حتى يرجع). وروي أنه ﷺ أتي بلص قد اعترف فقال: (ما أخالك سرقت) فقال له: (مرتين وثلاثًا ثم أمر بقطعه فعرض للرجوع). ولو أقر بسرقٍة توجب القطع ثم رجع لا يقبل في المال رجوعه قوًلا واحدًا. وهل يقبل رجوعه في القطع؟ قال القفال: فيه قولان: أحدهما: يقبل فيبعض إقراره فيغرم ولا يقطع. والثاني: لا يقبل فيقطع ولا يبعض إقراره. وهما كالقولين في العبد إذا أقر بالسرقة يقطع وهل يغرم في رقبته؟ قولان والنكتة الجامعة بين المسألتين أن الحكمين إذا تعلق أحدهما بالآخر فثبت أحدهما هل (يستتبع) الآخر؟ قولان. وأما قاطع الطريق إذا قتل هل للآدمي حق في قتله؟ قولان: أحدهما: للآدمي فيه حق فعلى هذا يعتبر في وجوب القتل به التكافؤ. والثاني: أنه لا حق للآدمي فيه ويقتل حدًا فلا يعتبر فيه التكافؤ، وعلى هذا إذا مات القاتل في قطع الطريق هل لولي المقتول في تركته الدية؟ فوجهان. وعلى هذا لو أقر بالقتل في قطع [١٤٦/ ب] الطريق ثم رجع فإن قلنا: لا حق للآدمي فيه يسقط برجوعه وإن قلنا: فيه حق للآدمي فحق الآدمي لا يسقط برجوعه، وهل يسقط حق الله تعالى؟ وجهان: أحدهما: لا يسقط حتى إن عفا الولي يتحتم قتله. والثاني: يسقط حتى لو عفا الولي لم يجب قتله. فرع آخر قال ابن أبي أحمد: كل سكران يصح إقراره إلا اثنين: أحدهما: أن يكون قد أكره على شرب الخمر قاله نصًا. والثاني: أن يشرب وعنده أن الشراب غير مسكر فسكر. قال القفال: أما الأول فكما قال، وأما الثاني نص الشافعي على أنه لو شرب شرابًا وعنده أنه غير مسكر فإذا هو مسكر يلزمه إعادة الصلاة. قال أصحابنا: أراد أنه إذا علم أن الشراب في جنسه مسكر إلا أنه تناول منه قدرًا يسيرًا كان عنده أنه لا يسكر فأسكره فها هنا تلزمه إعادة الصلاة ويصح إقراره أيضًا، فأما إذا كان عنده أن ذلك الشراب غير مسكر لا قليله ولا كثيرة فشرب منه فأسكره فلا تلزمه إعادة الصلاة، ولا يصح إقراره وهو مسألة ابن أبي أحمد. وقال القفال: في هذا الموضع واختياري في السكران أنه كالصاحي في جميع الأحكام فأوقع طلاقه وأصحح

стр. 2879

بيعه ونكاحه لأنه لا خلاف أنه لو قتل في حال السكر لم يجعل خطأ وأنه يقتص منه وإذا قذف يحد. وقال أبو عبد الله الفارسي (الختن) في شرح (التلخيص): يجوز إقراره ولا يجوز بيعه لأن المقصود معاقبته وزجره عن العود إلى سكره كما عوقب بقضاء الصلاة وحد الشرب والبيع أحد طرفيه له فلا يصح. قال: ولو لزمه حد الله تعالى بإقراره ورجع في حال سكره لا يقبل رجوعه لأنه له ولكن ُيتأنى به حتى يصح رجوعه بعد إفاقته، وإذا ارتد صحت ردته حتى لو قتله قاتل في حال سكره يهدر دمه ولكن يترك قتله إلى أن يستتاب بعد الإفاقة. فرع آخر لو باع إنسان شيئًا فادعى المشتري أنه صغير لا يصح [١٤٧/أ] بيعه لا ُيحلف لأن المدعي يقر بأنه لا يستحق عليه اليمين لصغره. فإن ادعى ذلك بعد بلوغه وأنه كان في حال البيع صغيرًا حلف. فرع آخر لفظ الترك صريح في الإبراء قاله بالفارسية أو العربية ذكره أصحابنا. فرع آخر لو أقر بالجارية لآخر وأخبر أنها له منذ سنة ولها ولد حادث في أثناء السنة هل عليه تسليم الولد؟ وجهان: أحدهما: يلزم وهو الأظهر لأنه حدث في الزمان الذي كانت الجارية فيه ملكًا للمقر له. والثاني: لا يلزم لاحتمال أن تكون الجارية للمقر له والولد للمقر بطريق الوصية. وهذا لا يصح لأنه لو أقر بجاريٍة حامل يلزمه تسليم الحمل معها والاحتمال لاستثناء الولد بالوصية قائم. فرع آخر لو قال: هذه الشاة لفلان ثم قال: حملها لفلان يحكم بها للأول لأنه دخل الحمل في الإقرار الأول نم رجع إلى الثاني. ولو قال: حملها لفلان والشاة لفلان آخر لزمه الإقرار كما قال. والله أعلم. وهذا آخر المجلدة الثامنة من بحر المذهب بخط المصنف ﵀ وكان قد فرغ من إتمامها ليلة الثلاثاء السادس والعشرين من شوال من شهور سنة سبع وسبعين وأربعمائة. والحمد لله رب العالمين وصلاته على محمد خير خلقه وآله الطاهرين كذا وجدته في النسخة المنقولة من خط المصنف ﵀. (١٤٨/ب] الله ناصر كل صابر حسبي ربي وحده توكلت على الله وحده ولا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 2880

باب إقرار الوارث بالوارث قال الشافعي رحمة الله عليه (١): (الذي أحفظ من قول المدنيين فيمن ترك ابنين فأقر أحدهما بأخ). الفصل وهذا كما قال: اعلم أنه إذا قال الرجل: هذا ابني ُنظر فإن كان صغيرًا لم يلحقه إلا بثلاثة شروط: احدها: أن يكون مجهول النسب فإنه إذا كان معروف النسب لم يصح إقراره. والثاني: أن يمكن أن يكون منه بأن يكون سنه يحتمل أن يكون ولده. والثالث: ألا ينازعه فيه منازع. فإذا وجدت هذه الشرائط ثبت نسبه. فإن بلغ الصغير بعد أن ألحقناه به وأنكر أن يكون ابنه لم يلتفت إلى إنكاره وجرى ذلك مجرى ملك عبٍد صغيٍر في يده وثبت بذلك ملكه فلما كبر جحد الملك لا تسمع دعواه، ولكن له طلب يمينه على ذلك. وإن كان المقر به بالغًا عاقلًا يعتبر ما ذكرنا من الشرائط ويعتبر شرط آخر وهو أن يقبل المقر به ذلك منه إن أنكر ذلك لم يثبت نسبه. والحكم في الابن المجنون الكبير كالحكم في الصبي سواء. وعلى هذا لو أقر بأنه أبوه يكون كإقراره بابن كبير ويعتبر فيه ما ذكرنا من الشرائط. وإن كان الأب مجنونًا فلا يثبت النسب بإقرار الابن ويحتاج إلى بينٍة حتى تسمع دعواه ويحتاج الابن إلى أن يكون من أهل الدعوى بالبلوغ والعقل هكذا ذكر في (الحاوي) (٢) ولا أدري الفرق بين الأب المجنون والابن المجنون. ويمكن أن يقال: الابن بعد الجنون يعود إلى ما كان في حال صباه ولا يمكن أن يقال مثله في الأب والله أعلم. وكل موضٍع ألحقنا به فلا فصل بين أن يكون للمقر به وارث سوى المقر أو لم يكن، ولا فصل بين أن يقر مسلم بمشرك، أو مشرك بمسلم، أو حر بعبد، أو عبد بحر، الباب واحد. وأما إذا مات الرجل يلحق النسب به [١٤٨/أ] بأحد أمرين ببينة تقوم عليه أو إقرارًا لوارث عليه به. وقال أبو حنيفة ﵀: لا يثبت إلا أن يكونوا عدد الشهود من رجلين أو رجل وامرأتين. وقال مالك: يثبت النسب بإقرار الوارث أصلًا وإن كانوا جماعة ولكن يستحق الميراث. واحتج الشافعي في هذا بحديث رسول الله ﷺ في ابن وليدة زمعة وتمام الحديث ما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: (اختصم عند رسول الله ﷺ سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة وقال سعد: يا رسول الله إن أخي عتبة أوصاني فقال: إذا قدمت مكة فانظر ابن أمة زمعة فأقبضه فإنه ابني، وقال عبد بن زمعة: يا رسول الله هو أخي

стр. 2881

وابن أمة أبي ولد على فراش أبي، فقال رسول الله ﷺ : (هو لك يا عبد بن زمعة الولد للفراش وللعاهر الحجر). وروي أنه قال: (هو لك هو أخوك يا عبد بن زمعة من أجل أنه ولد على فرا شه) يعني فراش أبيه، فإن قال قائل: كانت سودة بنت زمعة أخت عبد بن زمعة وليس في الخبر أنها اعترفت بالنسب فكيف ثبت النسب؟ قلنا: يحتمل أنها اعترفت أيضًا ولم ينقل خلافه. وأيضًا روي أن زمعة مات كافرًا وابنه عبد بن زمعة يومئذ كافر وسودة كانت مسلمة فكان الابن مستغرقًا جميع ميراثه فثبت نسبه بإقراره وحده، فإن قيل: روي أنه ﷺ قال لسودة: (احتجبي منه لا يراك فصلًا). وروي أنه قال):احتجبي منه فإنه ليس لك بأخ) قلنا: إنما قال لها ذلك لأنه رأى على الغلام شبهًا بينًا بعتبة فاحتاط لها فما رآها الغلام قط. وأما قوله: (فإنه ليس لك بأخ) لم يثبت، فإن ثبت فمعناه ليس بأخ لك شبهًا، وإن كان أخًا لها بحكم الفراش. فإذا تقرر هذا فإنما يثبت النسب بإقرار الوارث إذا كان يحوز جمح الميراث. فإن كان لا يجوز لم يثبت نسبه ولا فرق بين أن يكون الإنكار من الأكثرين أو من [١٤٨/ب] واحد من جملتهم فلو خلف ابنًة واحًدة وخمسين ابنًا فأقر به البنون دون البنت لم يثبت نسبه، ولكن الشافعي فرضها إذا خَّلف ابنين فأقر أحدهما بأخ ثالث فقال: هذا أخي ابن أبي، أو قال: هذا ولد على فراش أبي لن يثبت نسبه ولم يشاركه فيما في يده من الميراث في الحكم قوًلا واحدًا وبه قال ابن سيرين. وقال مالك وابن أبي ليلى وأبو حنيفة وأصحابه وأحمد وعبيد الله العنبري: لا يثبت النسب ولكن يثبت الميراث. ثم اختلفوا فقال مالك وابن أبي ليلى وأبو يوسف ومحمد وعثمان البتي: يأخذ ثلث ما في يده كأنهم ثلاثة، وقال أبو حنيفة: يأخذ نصف ما في يده كأنهما اثنان. وهذا غلط لأنه أقر بنسٍب لم يثبت فلا يثبت به الإرث كما لو أقر بمعروف النسب. فرع إذا علم أنه أخوه وأن المنكر يظلمه في الإنكار هل يلزمه فيما بينه وبين الله تعالى أن يدفع إليه من سهمه الذي ورثه قدر حقه منه أم لا؟ فيه وجهان أحدهما: لا يلزمه لأنا حكمنا بإبطال النسب الذي هو سبب استحقاقه. والثاني: وهو المذهب الصحيح يلزمه لأن بطلان النسب في ظاهر الحكم دون باطنه ونحن نلزمه في باطن الحكم دون ظاهره، ولو عاد هذا المنكر وأقر به ثبت نسبه وورث مما في يدهما فإصراره على الإنكار لا يبطل حقه مما في يده. فرع آخر إذا قلنا بالمذهب الصحيح ففيما يستحقه عليه وجهان: أحدهما: يلزمه دفع الفاضل من سهمه إذا اشتركوا وهو السدس الزائد على الثلث كما قال مالك لأنه يقول: نحن ثلاثة أخوة لكل واحٍد منا ثلث التركة وفي يدي نصفها

стр. 2882

فلك ثلث ما في يدي، وثلث ما في يد أخي وقد غصبك على ذلك، ولهذا لو قامت البينة به استحق الثلث من يد كل واحتي منهما وهذا اختيار القاضي الطبري ﵀. والثاني: يلزمه دفع نصف ما في يده إليه لأنه مقر أنه وإياه في مال أبيه سواء ولأنه يقول: قد غصبنا أخي على [١٤٩/أ] نصف التركة وهذا بيننا. قال أبو حامد: وأصل الوجهين القولان فيما إذا أقر أحد الابنين بدين على أبيه وأنكره الآخر هل يلزمه الدين في كل ما في يده أم بقدر حصته؟ فيه قولان. وقال في (الحاوي) (١): فيه وجه ثالث يلزمه دفع ثلث ما في يده ويضمن له سدس ما في يد أخيه إلا أن يكون قاسمه بحكم حاكم فلا يضمن مما في يد أخيه شيئًا. وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا أقر أحد الابنين بابن وأنكره الآخر هل يثبت الإرث به؟ قولان: أحدهما: يثبت كما قال أبو حنيفة. وعلى هذا كيف يثبت؟ قولان على ما ذكرنا وهذا غلط عندي. فرع آخر الأولى للأب والابن في ادعاء النسب أن يقول الابن المدعي لمن ادعاه: أنا ابنك، ويقول الأب لمن ادعاه ابنًا: أنت ابني لأن النسب يرجع إلى الأب فأضيف الدعوى فيه إليه ولو قال الابن: أنت أبي، أو قال الأب: أنا أبوك صحت الدعوى حكمًا وإن فسدت اختبارًا. فرع آخر إذا صحت الدعوى من الابن فأنكر الأب يلزمه اليمين فإن حلف انتفى. ثم ليس لأحد من عصبات الأب أن يقر بنسبه سواء كان الأب حيًا أو ميتًا لبطلان النسب بيمين الأب هكذا ذكر في (الحاوي) (٢) وهو الصحيح عندي. وذكر أبو حامد وجماعة أنه إذا أقر به وارثه بعده ثبت نسبه وورث وإن كان الأب نفاه باللعان وهو القياس. فرع آخر لو أقر الأب ببنوته ولحق به وصار ولدًا صحيحًا فعاد بعد إقراره فأنكره وتابعه الابن على الإنكار وصدقه فإن كان الفراش معروفًا لم ينتف نسبه، وإن كان الفراش مجهولًا ففي رفعه باجتماعهما على نفيه وجهان: أحدهما: قاله أبو علي الطبري وغيره: ينتفي وترتفع الأبوة وعلى هذا قال الصيمري: لو بلغ فقال: أنا ابن فلان دونه سمع منه، وقال أبو حامد وجماعة: لا يرتفع كما لا يجوز رفع ما ثبت بالفراش المعروف وإن اجتمعا على نفيه. فرع آخر لو ادعى الأب ولدًا بعد موته وهو صغير لحق به [١٤٩/ب] وورثه، وقال أبو

стр. 2883

حنيفة: إن كان الولد موسرًا لم يلحق به لأنه متهم في ادعائه لإرثه. وهذا غلط لأنه لو أقر الزمن الفقير بابن صغير موسر لحق به مع التهمة كذلك ها هنا، وهذا المعنى وهو أنه وجد الإمكان وعدم المنازع. فرع آخر لو مات رجل كبير مجهول وترك مالًا فقال رجل: هذا ابني أو أبي لم يثبت النسب ولم يرثه والفرق بين هذا وبين الصغير الميت أن الصغير لو كان حيًا لم يعتبر تصديقه، والكبير لو كان حيًا اعتبر تصديقه، فإذا كان ميتًا لم يثبت نسبه إلا ببينة. ومن أصحابنا من قال: فيه وجه آخر يثبت نسبه والميراث لأنه إنما يعتبر تصديقه إذا كان من أهله والميت ليس من أهله نمار كالبالغ المجنون وهذا اختيار جماعة من أصحابنا، قال أبو حامد: وهذا هو المذهب والصحيح ما تقدم وهو اختيار القاضي الطبري. فرع آخر إذا أقر الورثة بنسٍب هل يعتبر فيه إقرار الزوج والزوجة؟ وجهان: أحدهما: وهو اختيار البغداديين: لا يعتبر لأنه لا حق لها في النسب ولأن ميراثهما على طريق المفاوضة وهذا ضعيف. فرع آخر هل يراعى فيمن ادعى أنه أخ لأم تصديق الأخ للأب إذا كان وارثًا فيمن ادعى أنه أخ لأب هل يراعى تصديق الأخ للأم إذا كان وارثًا على ما ذكرنا من الوجهين؟ فعلى قول البغداديين يراعى لكونه وارثًا، وعلى قول البصريين لا يراعى لأنه لا نسب بينهما. فرع آخر لو قال لامرأته: هي أختي من النسب فكذبته ثبت التحريم. قال ابن أبي هريرة: وكذلك لو كانت معروفة النسب، لأنه أقر بتحريم ممكن. ولو قال لامرأته وهي أكبر سنًا من أبيه: هي أختي من النسب تحرم عليه لأن هذا الإقرار محال قطعًا ويقينًا فلا يتعلق به حكم، كما لو قال: أرضعتني وإياها حواء امرأة آدم ﷺ لا نحرمها عليه. فرع آخر لو قال أحد الابنين: هذه زوجة أبي وأنكر الآخر اختلف أصحابنا فيه فمنهم [١٥٠/أ] من قال: لا يثبت الميراث لأن الزوجية لا تثبت إلا بإقراٍر أو بينة كالنسب، ومنهم من قال: يثبت الميراث. والفرق أن إقراره بالزوجية يتضمن حقًا عليه ولا يتضمن حقًا له لأنه لا يرث من امرأة أبيه فهو بمنزلة إقرار أحد الأخوين بالدين يلزمه لأنه لا حق له في مقابلته وهناك أقر بما يتضمن حقًا له وحقًا عليه، فإذا لم يثبت ماله وهو أن المجهول لو مات ليس له من ميراثه شيء فلا يثبت ما عليه أيضًا كما لو قال: اشتريت من هذا الرجل دارًا بألف

стр. 2884

ولم أقبضه منه، فقال: ما بعت منك شيئًا وأقررت لي بالألف فإذا أخذك بإقرارك، كانت هذه المؤاخذة ظلمًا منه كذلك ما هنا. فإذا قلنا بهذا: فيه وجهان أحدهما: يأخذ نصف الثمن من حصة المقر وهو المذهب، والثاني: يأخذ منه ثمن ما في يده. فرع آخر لو كان ثلاثة أخوة فأقر اثنان باخ آخر وأنكر الثالث فإن كان المقران فاسقين فالحكم على ما ذكرنا، وإن كانا عدلين فشهدا به قبلت شهادتهما ويثبت النسب والميراث، وإن لم يشهد لم يثبت شيء أصلًا. وقال أبو حنيفة: يثبت النسب والميراث بإقرار اثنين منهم، وكذلك يثبت بإقرار رجل وامرأتين من الورثة لأنهم على عدد الشهود. وربما يعتبرون العدالة فيهم. وهذا غلط لأنه إقرار من بعض الورثة فلا يثبت به النسب كما لو أقر به الواحد منهم، والدليل على أنه إقرار أنه لا يعتبر فيه لفظ الشهادة ولا تقدم الدعوى. فرع آخر لو مات وترك ابنًة واحدًة وكانت مولاة لأبيها مثل أن يكون اشترته فعتق عليها فأقرت بنسب قل إقرارها، لأنها تحوز جمع الميراث النصف بالبنوة والنصف الباقي بالولاء. فرع آخر لو لم تكن هذه الابنة مولاة لأبيها فأقرت بنسب لا يثبت شيء لأنه ليس لها إلا نصف الميراث والباقي لجماعة المسلمين (١٥٠/ ب (وعلى هذا لو كان هناك ابنتان أو أكثر فأقرتا بابنة أخرى، أو بابن آخر لم يثبت شيء لأنهما لا تحوزان كل الميراث. فرع آخر لو صدقها الإمام قال أبو حامد وجماعة: ثبت نسب وورث لأنه نائب المسلمين فوجد الإقرار بالنسب ممن يحوز كل الميراث. وعلى هذا لو لم يخلف أحدًا وارثًا غير المسلمين فأقر السلطان بنسب واحد يثبت أيضًا بإقراره النسب والإرث لأن الإمام نافذ الإقرار في حق بيت المال. وقال في (الحاوي) (١): هذا غلط لأن الإمام لا يملك حق ببيت المال حتى ينفذ إقراره ولا يتعين حق المستحقين من المسلمين حتى يراعي إقرارهم فيه فإقراره لغو ولا يثبت النسب ها هنا إلا بالبينة، ثم إقرارها عند البينة لغو وهذا صحيح عندي. وعلى ما ذكرنا لو ترك ابنًة وأختًا من الأب والأم فأقرتا بنسب يثبت النسب والميراث، لأن الأخت مع الابنة عصبة تحوزان كل الميراث، وعند أبي حنيفة لا يثبت النسب، لأنه ليس ببينة على ما ذكرنا لو أقر بابن ابنة وابنه بت يثبت النسب والميراث إذا وجدت

стр. 2885

الشرائط التي ذكرناها في الأخ. وكذلك إذا أقر الابن الواحد بابن آخر للميت يثبت النسب والميراث عندنا وبه قال أبو يوسف وهو رواية عن أبى حنيفة والمشهور عنه أنه لا يثبت به النسب وهذا لأنه حق يثبت بالإقرار فلم يعتبر فيه العدد كالدين. فرع آخر لو لم يخلف إلا مولى فأقر بابن يثبت نسبه لأنه وارث يحوز جميع التركة. فرع آخر لو ترك ابنين أحدهما كبير والآخر صغير فأقر الكبير بابن آخر لم يثبت النسب لأن الصغير وارث، فإذا بلغ فإن صدقه ثبت النسب والميراث، وإن كذبه لم يثبت شيء. ولو ترك ابنين أحدهما عاقل والآخر مجنون فأقر العاقل به لم يثبت النسب، لأن المجنون وارث [١٥١/أ] فإن أفاق المجنون وكذبه لم يثبت النسب، وإن صدقه ثبت النسب. فرع آخر هل يجب أن يوقف ميراث المقر به من حصة المقر إلى أن يبلغ الصبي أو يعقل المجنون؟ فيه وجهان أحدهما: لا يوقف كما لا يوقف من حصة الصغير أو المجنون لأن النسب لم يثبت. والثاني: يوقف منه قدر حصته اعتبارًا بصحة إقراره ما لم يبطل بإنكار أخيه. فرع آخر لو مات هذا الصغير أو المجنون يراعى إقرار وارثه. فإن كان وارثه الأخ ثبت نسب المدعي بالإقرار السابق منه. فرع آخر لو ترك ابنين بالغين عاقلين فصدقه أحدهما وكذبه الآخر قد ذكرنا أنه لا يثبت نسبه. فإن مات المكذب فورثه المصدق ففي ثبوت نسب وجهان: أحدهما: أنه يثبت لأن المصدق صار حائزًا للإرث كله وهذا اختيار جماعة من أصحابنا وشبهوه بما لو نفى ولده باللعان ومات فأقر به وارثه لحق به نسبه. والثاني: لا يثبت نسبه لأن تكذيب شريكه في الميراث مبطل للدعوى. قال في (الحاوي) (١): وصار هذا كتكذيب الأب في حياته يكون مبطلًا لنسبه وإن أقر به الوارث بعده. وهذا على ضد ما ذكره جماعة أصحابنا وهو غريب ولكنه أصح عندي، ويخالف هذا إذا كان أحدهما مجنونًا أو صبيًا فمات لأن النسب كان موقوفًا على إقراٍر منتظر فإذا مات قام وارثه مقامه. فرع آخر لو ترك ابنين أحدهما كافر والآخر مسلم فإن كان الميت كافرًا فالوارث هو الكافر،

стр. 2886

وإن كان مسلمًا فالوارث هو المسلم ويعتبر إقرار الوارث منهما. وكذلك إذا كان أحدهما قاتل أبيه لم يرثه القاتل وكان الاعتبار بإقرار الابن الذي ليس بقاتل، فإن أقر به الابن الذي ليس بقاتل ثبت نسبه وأن جحده القاتل. فرع آخر إذا وجد الإقرار من الابن الذي ليس بقاتل [١٥١/ ب] هل يتوارث المقر به والقاتل؟ فيه وجهان: أحدهما: يتوارثان لأن البنوة ثبتت بإقرار الوارث. والثاني: لا يتوارثان لأن إقرار الأخ الذي ليس بقاتل لا يقبل على أخيه القاتل فلا تثبت الأخوة بينه وبين القاتل، بما يقبل إقراره في حق الأب لأنه وليه ووارثه. فرع آخر لو خَّلف ابنًا فأقر الابن بابن آخر للميت، ثم أقرا جميعًا بابن آخر ثبت نسب الثالث لاتفاقهما عليه. فإن قال الثالث: هذا الثاني ليس بأخينا لم يثبت نسب الثاني لآن الاتفاق لم يحصل من الابنين جميعًا عليه وإنما أقر أحدهما وثبت نسبه بإقرارهما وهذه المسألة تلقب بأدخلني أخرجك، والعامة تستعمل هذا المثل كثيرًا. ومن أصحابنا من قال: لا يسقط نسب الثاني لأن نسب الثالث ثبت بإقرار الأول والثاني فلا يجوز أن يسقط نسب الأصل بالفرع. فرع آخر لو مات عن ابن فأقر بابن آخر فقال ذاك: أنا ابن الميت ولكنك لست بابنه فالمشهور أنه يثبت نسب لمقر به، ويقال للمقر: ثبت نسبك، وفيه وجه آخر أنهما أخوان ويرثان، وهذه المسألة نظير المسألة المتقدمة، وقال القفال ﵀: هذا غلط لأن هذا المقر معروف النسب ولو ذلك لم يقبل إقراره فكيف يكلف إثبات نسبه والذي يحتاج إلى إثبات نسبه بالبينة كيف يقبل إقراره؟ فأقول: في المسألة وجهان: أحدهما: أنهما يرثان وهما أخوان. والثاني: لا يثبت نسب المقر به إذ لا فرق بين أن يكذبه، وبين أن يقول له: لست ممن يصح إقرارك بالنسب. فرع آخر لو أقر الابن الوارث بآخرين في وقت واحد فصدق كل واحد منهما صاحبه فثبت نسبهما وميراثهما، وإن كذب كل واحد منهما صاحبه لم يثبت نسب واحٍد منهما لأنه يحصل له إقرار أخ دون أخ، لأن صدق أحدهما صاحبه وكذبه الآخر ثبت نسب المصدق دون المكذب. وقال القفال: إذا صدقا ولكن كذب كل واحد منهما صاحبه فيه [١٥٢/ أ] وجهان أحدهما: ما ذكرنا. والثاني: يثبت نسب الكل ويرثون. فرع آخر لو أقر الابن الوارث بنسب أحد التوأمين ثبت نسبهما، وإن أقر بهما وكذب أحدهما

стр. 2887

الآخر لم يؤثر (التكذيب) في نسبهما لأنهما لا يفترقان في النسب. فرع آخر لو أقر رجل بعٍم فإن كان الجد لم يخلف إلا الأب المقر وأبوه لم يخلف إلا أباه ثبت النسب، وإن كان خلف الجد غير أبيه وأبوه غير هذا المقر لم يثبت، وإن انقرض كلهم ورجعت مواريثهم إلى هذا المقر صح حينئذ إقراره على الصحيح من المذهب. فرع آخر قد ذكرنا أنه إذا أقر بنسب على غيره يقبل وهذا لا يخلو من أربعة أحوال إما أن يقر على أبيه وابنه، أو أخيه، أو جده، وإنما يقبل في الإرث إذا كان ثبوت إرثه لا يؤدي إلى نفيه فإن كان يؤدي إلى نفيه يثبت النسب دون الإرث، وبيان هذا أنه إذا مات رجل وخلف أخًا لا وارث له غيره فأقر هذا الأخ بابن أخيه الميت قال أكثر أصحابنا: يثبت النسب ولا يرث لأَّنا لو ورثناه يخرج الأخ من أن يكون وارثًا، وإذا لم يكن وارثًا لم يقبل إقراره بالنسب، وإذا لم يقبل إقراره لم يبت نسب الابن ولا ميراثه فإثبات الميراث له يؤدي إلى نفي نسبه وميراثه فأثبتنا النسب وأسقطنا الميراث. وقال ابن سريج ﵀: يحتمل وجهًا آخر أنه يرث له رشد ويحجب المقر لأنه لا خلاف بين أصحابنا أنه إذا كان للميت ابن واحد فأقر بأخ لم يثبت له رشد إن كان بإقرار ويخرج من أن يكون جميع الورثة ولا يصح الإقرار إلًا من كل الورثة. وقال القاضي الطبري ﵀: هذا خطأ وهو خلاف الإجماع ولا يشبه المسألة التي ذكرها لأنه إذا كان المقر به كبيرًا فقد اتفقا على ذلك، وإن كان صغيرًا لم تعتبر موافقته فقد أقر كل من يعتبر إقراره. ومن أصحابنا من نصر ما قال ابن سريج وقال: الصحيح ما ذكره لأَّنا إذا أثبتنا النسب فالمال مستحق به ولا يجوز إثباته دون المال ولا يجوز توريث الأخ مع [١٥٢/ب (وجود الابن الذي هو من أهل ميراثه والعذر عما ذكره ابن سريج غير صحيح لأنه إذا كان المقر صغيرًا يجب أن لا يثبت إرثه حتى يبلغ فيقر لأنه وإن كان صغيرًا فهو وارث، ألا ترى أنه إذا كان الوارث ابنين أحدهما صغير أو مجنون فأقر البالغ العاقل بأخ آخر لم يقبل ولا يقال: لا يعتبر موافقة الصغير أو المجنون والدليل على صحة هذا أنه لو ثبت له ملك عبٍد بشهادة شاهدين فقال: هذا العبد لفلان ثبت به ملك فلان، وإن كان بإقراره خرج من أن يكون حين الإقرار مالكًا وإقرار غير المالك لا يثبت به الملك وإنما يثبت لأنه لولا إقراره لكان محكومًا له بالإرث بالملك كذلك ها هنا يثبت بإقراره الإرث لأنه لولا إقراره لكان محكومًا له بالإرث فكذلك من ثبتت يده على عين فأقر بها لخيره حكم بها للمقر له، وإن كانت يد من لا يملك لا حكم لها في الإقرار كذلك ها هنا. ويمكن أن يجاب عن هذا بأنه يجوز إثبات النسب دون الإرث لأنه لا يؤدي إثباته

стр. 2888

إلى نفيه ونفي غيره وإثبات الإرث يؤدي إلى نفيه ونفي غيره وقد يمتنع الإرث بعوارض من القتل والرق واختلاف الدينين وهذا عارض آخر يمتع الإرث مع ثبوت النسب. ونظير هذه المسألة مسائل كثيرة نذكر بعضها ها هنا وهي إذا أعتق رجل عبدين، ثم ادعى مدع على مولاهما أن العبدين ملكه وأن مولاهما كان غصبه عليهما أو أعتق غير ملكه وشهد للمدعي هذان المعتقان وهما عدلان لا تقبل شهادتهما لأنها لو قبلت سقطت وسقطت الحرية فأثبتنا الحرية وأسقطنا الشهادة. وكذلك لو أعتق عبدين في مرضه أو أوصى بعتقهما فأعتقا بعد وفاته فجاء رجل وادعى على الميت دينًا يستغرق التركة وشهد له المعتقان بذلك لم تقبل شهادتهما لأنها تجر إلى سقوطها وسقوط حريتهما، فحفظنا الحرية وأسقطنا الشهادة. [١٥٣/أ] وكذلك لو أعتق موسر جاريًة له في مرضه وتزوج بها ثم مات لم ترثه، لأنها لو ورثت كانت أحد الورثة وكان عتقها وصية لها ولا وصية للوارث وليس على أصلنا امرأة لا ترث زوجها مع اتفاق الدين والسلامة من القتل والرق إلا هذه. وكذلك لو أوصى المريض بابنه فقبله ومات عتق ولم يرث لمثل هذه العلة. فرع آخر لو ترك الميت أخًا فادعى مدع أنه ابن الميت وأنكره الأخ ونكل عن اليمين فردت اليمين على المدعى فحلف ثبت نسبه. وفى ميراثه قولان مبنيان على أن يمينه بعد نكوله هل تجري مجرى البينة أم الإقرار؟ فإن قلنا: تجري مجرى الإقرار لا ميراث وإن ثبت نسبه كما لو أقر بنسبه لما في توريثه من حجبه. وإن قلنا: تجري مجرى البينة يرث الابن كما لو قامت بينة نسبه. فرع آخر لو خَّلف زوجه وأخًا فأقرت الزوجة بابن الميت وأنكره الأخ لم يثبت النسب ولكن المشاركة في المال تثبت فيما بينها وبين الله تعالى على أحد الوجهين فإن كانت التركة في يدها أخذ الأخ منها ثلاثة أرباعها ويترك في يدها الربع ثم يجب عليها أن تدفع الثمن إلى المقر به، ولو كانت التركة في يد الأخ أخذت الثمن دون الزيادة لأنها لا تدعي سواه هكذا ذكره أصحابنا. وقيل: لها أخذ الربع منه، لأنه لا يلزمها ذلك في الحكم، ثم إذا أخذت الربع تأخذ الثمن وتدفع الثمن الآخر إلى المقر به. فرع آخر إذا أقر ببنوة صبي لم يكن ذلك إقرارًا بزوجيه أمه وقال أبو حنيفة: إن كانت مشهورة بالحرية كان ذلك إقرارًا بزوجيتها، لأن أنساب المسلمين تحمل على الصحة وذلك أن تكون ولدته منه في نكاح صحيح. وهذا لا يصح لأنه أقر بولٍد فلا يكون إقرارًا بزوجيه أمه كما لو لم تكن معروفة الحرية وما ذكره لا يصح لأَّنا نحمله على الصحة ونثبت

стр. 2889

النسب من الوطء في النكاح الفاسد والشبهة [١٥٣/ب] فلا ضرورة إلى إثبات النكاح الصحيح. فرع آخر لو مات رجل عن ابن لا وارث له غيره، وخلف عبدًا يساوي ألفًا لا مال له سواه فقال له رجل: أوصى لي أبوك بثلث تركته فلم يجبه حتى قال آخر: لي على أبيك ألف فصَّدقهما هذا ولا بينة لواحد منهما كان لمدعي الوصية ربع العبد، ولمدعي الدين ثلاثة أرباعه يباع في دينه لأنهما لما استويا في التصديق لهما بكلمة واحدة صار العبد مقسومًا على عبٍد وثلث وذلك أربعة أسهم سهم للوصية وثلاثة أسهم للدين، ولو كان صدق مدعي الدين قبل مدعي الوصية صار العبد مستحقًا في الدين وبطلت الوصية، ولو صدق مدعي الوصية قبل مدعي الدين كان لصاحب الوصية ثلث العبد ولصاحب الدين ثلثاه يباع في دينه ذكره في (الحاوي) (١). فرع آخر لو قال العبد: أعتقني أبوك في صحته، وقال رجل: لي على أبيك ألف وقيمة العبد ألف ولا مال له سواه فصدقهما معًا صار نصف العبد حرًا، ونصفه لصاحب الدين يباع في دينه. ولو كان سبق إقراره للعبد فصار جميعه حرًا ولا شيء لصاحب الدين. ولو سبق إقراره لصاحب الدين صار له جميعه ولم يعتق شيء منه. فرع آخر إذا قال: نصف فلان ابني أو أخي هل يكون إقرارًا بالنسب؟ قال والدي ﵀: يحتمل وجهين. فرع آخر لو قال: فلان أخي ثم قال: أردت به الأخوة من الرضاع قال والدي ﵀: يجب أن لا يقبل لأن اللفظ وإن كان محتملًا فالأظهر من محتمليه الأخوة من جهة النسب ولهذا لو قال: أردت به أخوة الإسلام لم يقبل وإن كان الله تعالى قد قال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات: ١٠]. فرع آخر لو ادعى زوجية صغيرة في يده قال ابن الحداد: يقبل، وقال غيره: لا يقبل بخلاف الرق والنسب والفرق أنه هناك يدعى ملك رقبة [١٥٤/أ] ويده عليها ثابتة، وها هنا يدعي منفعة البضع ولا يثبت اليد عليها. فرع آخر لو قال لعبده وهو أكبر سنًا منه: أنت ابني لا يقبل ولا تقع الحرية به، وقال أبو

стр. 2890

حنيفة: يعتق. ولو كان العبد صغيرًا ولكنه معروف النسب من غيره فقال: أنت ابني هل يعتق؟ وجهان لأنه يحتمل أن يكون ابنه. مسألة (١): قال: وقال في المرأِة تقدُم من أرِض الروم ومعها ولٌد فيدعيِه رجٌل بأرِض الإسلاِم أنِه ابنِه. الفصل وهذا كما قال: إذا قدمت المرأة من أرض الروم ومعها صبي فادعى رجل بأرض الإسلام وقال: إنه ابني وكان الصبي مجهول النسب ثبت نسبه منه لأن ذلك ممكن بأن يكون خرج إلى بلد الروم، أو جاءت المرأة إلى بلد الإسلام وهذا كما نقول: لو تزوج بامرأة وغاب عنها أو لم يغب فأتت بولٍد قبل أن تزف إليه لستة أشهر بعد العقد يلحقه الولد لإمكان اجتماعهما، ولو تزوجها بحضرة الحاكم وطلقها في الحال ثلاثًا ثم أتت بولد لستة أشهر بعد العقد يلحقه الولد لإمكان اجتماعهما من حين العقد لم يلحق به لأن الوطء لهذا العقد غير ممكن ها هنا. وقال أبو حنيفة: يلحق به لوجود العقد وهذا خلاف ظاهر لأنه منفى عنه قطعًا ويقينًا فيستحيل الحكم بثبوت نسبه، فإن قال قائل. عند الشافعي لا يثبت النسب في موضع من المواضع إلا باحتمال وقوع الوطء فكيف أثبت النسب ها هنا مع قوله لا يعرف أنه خرج إلى أرض الروم؟ قلنا: لم ُيرد الشافعي به أن هذا الرجل لم يدخل الروم قط، ألا ترى أنه لم يقل يعرف أنه لم يخرج إلى أرض الروم بل قال: لم يكن يعرف أنه خرج أي: ولم يعرف أنه لم يخرج والاحتمالان موجودان وهذا من الإمكان وهو كالاحتمالين فيما ذكرنا إذا تزوج بامرأٍة وغاب عنها، أو لم يغب ولم يعرف الزفاف. ولو تيقنا أنه لم يصل إلى تلك [١٥٤/ب] البلدة بآن شاهدناه طول عمره لم يغب عنا أو غاب عشرة أيام لا يتأتى في مثلها الخروج إلى تلك البلدة بحال وثبت أن المرأة لم تخرج أيضًا من تلك البلدة إلى الآن لم يثبت النسب هكذا ذكر جماعة أصحابنا وهو الصحيح. وقال أبو حامد: ويمكن أنه بعث بماِئِه إليها فاستدخلته وعلقت منه فيثبت النسب به أيضًا قال: ولا اعتبار بما يقول الأطباء أن الماء إذا برد لا يخلق منه الولد لأن هذا مظنون والبيض يبرد ويخلق من الفرخ والنسب يلحق بأدنى الإمكان. وهذا غير صحيح. وقد قال صاحب (الحاوي) (٢): ما ذكره تعليل قبيح ومذهب شنيع لأنه وطء وإحبال بالمراسلة ثم حيث حصل الإمكان لو قالت المرأة: ليست بولدك لا يلتفت إلى قولها لأن النسب حق الولد وقد أقر به الزوج.

стр. 2891

فرع لو بلغ هذا الابن وأنكر الأبوة قد ذكرنا أنه لا يسمع قوله وقال القفال: إنما لا يسمع قوله إذا شاهدنا فراشًا وولادة على فراشه، فأما إذا لم نشاهد ذلك كما في هذه الصورة فيه قولان: والأقيس أنه يسمع قوله والقول قوله أنه ليس بابن له. والقول الثاني: أنه لا يسمع قوله لأن فيه نقص الحكم السابق. قال: وكذلك الحكم في الرق إذا قال: هذا الصغير عبدي فبلغ العبد وأنكر هل يقبل إنكاره؟ قولان والأصح أنه يقبل وأصل المقولين أن اللقيط في دار الإسلام إذا حكمنا بإسلامه بظاهر الدار فبلغ وامتنع من الإسلام هل يجعل مرتدًا يقتل؟ فيه قولان وهذا غريب والمشهور ما سبق. مسألة (١): قال: وإذا كانت له أمتاِن لا زوج لواحدٍة منهما. الفصل وهذا كما قال: صورة المسألة أن يكون للرجل أمتان فولدتا ولدين فأقر السيد بأحدهما لا بعينه يلحقه في الجملة ويعتبر فيه شرطان: أحدهما: أن لا يكون لهما زوج فإنه إن كان لكل واحدٍة منهما زوج يلحق الولد بالزوج عند الإمكان دون السيد. والثاني: [١٥٥/أ] أن لا يكون أقر بوطئهما ولا بوطء واحدٍة منهما فإنه إذا أقر بوطئ أمته تصير فراشًا له عندنا ويلحقه ولدها بالإمكان من غير إقراٍر بالولد. ثم إذا وُجد الشرطان وأقر على ما ذكرنا لحقه نسب واحٍد منهما لا بعينه ونرجع إلى بيانه فنقول له: عين الذي هو ابنك فإن عينه كان حرًا. وقلنا له: كيف استولدتها؟ فإن قال: استولدتها في ملكي فقد أقر بأن الولد حر الأصل وأنه لا ولاء عليه وأن الجارية أم ولده تعتق بموته، وإن قال: استولدتها بوطء شبهٍة فالولد حر الأصل وهل تصير أم ولده؟ قولان. وإن قال: استولدتها في نكاح فقد أقر بأن الولد قد مسه الرق وأنه عتق عليه وله ولاؤه وأن الجارية ليست بأم ولده. وإن ادعت الأخرى أن المستولدة هي فالقول قوله مع يمينه، فإن حلف سقطت دعواها ورقت ورق ولدها. وإن مات قبل أن ُيعّين وخّلف وارثًا رجعنا إلى تعيينه، فإن عينه كان بمنزلة تعيين المورث ونسأله كيف استولدها في ملك اليمين أو في وطئ الشبهة أو في النكاح على ما بيناه، فإذا أقر به عملنا عليه. وإن قال الوارث: لا أعلم كيف أستولدها؟ اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: ظاهر ما قال الشافعي هاهنا: أنه يحمل على أنه استولدها في ملك اليمين ويحكم لها بالحرية لأنه أقر بولدها وهي في ملكه. وقال أبو إسحاق وجماعة: وهو الأصح قياسًا لا يحكم لها بالحرية وهي رقيقة لأن الأصل الرق، ويحتمل أن يكون الاستيلاد

стр. 2892

في النكاح فلا نوقع العتق بالشك. وإن قال الوارث: لا أعلم أيهما ابنه فالقول قوله مع يمينه إذا ادعى عليه أنه يعلم. ثم قال الشافعي: أرى القافة لأنه لا فرق بين أن يتردد الولد بين والدين وبين أن يتردد فلا يدري أيهما ولده. فإن قيل: إذا كان [١٥٥/ب] المقر ميتًا كيف يرى القافة؟ قلنا: يجوز أن يكون القاف رأى المقر في حياته أو قبل دفنه وإن لم يكن شاهد قط نظر إليهما وإلى عصبة المقر الميت مثل أبيه وأخوته وأعمامه فيجد فيهم الشبه ثم الاحتياط للحاكم إذا رجع إلى القافة أن يستحضر جماعة منهم. ولهذا ذكرهم الشافعي بلفظ الجماعة ولو اقتصر على واحٍد منهم ففيه خلاف بين أصحابنا والمشهور جوازه لأن القائف يعتمد الاجتهاد وإلحاق الشبه بالأصل فصار كالحاكم. ثم إذا ألحق القائف به أحدهما ورثناه منه لأن النسب إذا ثبت استند ثبوته إلى حالة الحيرة، ثم إذا جعلنا الولد ولده جعلناها أم ولده وعتقت عليه على ما قال الشافعي. وصور الشافعي إذا كانت الولادة في ملكه لأنه قال: وإذا كانت أمتان لا زوج لواحدٍة منهما فولدتا ولدين فنفى عنهما الزوج ثم أثبت الولادة في الملك بحرف التعقيب وهو قوله: فولدتا ولدين. ثم الولد الثاني الذي لم يلحقه القافة به رقيق موروث وأمه رقيقة. وإن أشكل على القافة أو لم يكن قافه فإنه لم يجعل واحد منهما ابنه كان الإلحاق بعد الموت مع عدم القافة لا يتصور إلا بالانتساب والانتساب بعد البلوغ حيث يتصور الانتساب، وفي هذه المسألة لا سبيل إليه بعد البلوغ أيضًا. فإن قيل: ِلَم قلتم هكذا؟ وأي فرق بين هذه المسألة وبين رجلين تنازعا مولودًا وفقدت القافة فبلغ الغلام أمرتموه بالانتساب إلى واحد منهما؟. قلنا: الفرق أن في تلك المسألة يتيَّسر الانتساب لأنه إذا راجع نفسه وتأمل دواعيها إلى أحدهما بما بينه وبينه من القرابة والأبوة أمكنه الانتساب وكذا الاعتماد على قوله إذا انتسب وها هنا إذا أمرناهما الانتساب تعذر الفصل إذ لا خيار بين أحد أمرين إما أن ينتسبا جميعًا إليه فلا يكون أحدهما أولى من الثاني، أو ينتسب أحدهما فيحتمل أن يكون المنتسب غير ولد وغير المنتسب ولدًا. [١٥٦/أ] فإن قيل: هناك أيضًا إذا انتسب إلى أحدهما احتمل أن يكون الذي انتسب إليه غير والٍد والذي لم ينتسب إليه والد. قلنا: إذا أمرنا الولد بالانتساب إلى أحد المدعيين فلا بد له من أن ينتسب إلى أحدهما وليس له الانتفاء عنهما جميعًا، ولا الانتساب إليهما جميعًا. وقوله: أصل في نسبه فإن نسبه حقه فيمكننا تعليق الحكم بقوله ونتبين فائدة أمرنا إياه بالانتساب فلذلك كلفناه الانتساب فأما الولدان والوالد واحدة فلا فائدة في أمرنا إياهما بالانتساب وكان الأمر به في الابتداء محالًا لما كان الحكم به في الانتهاء محالًا. فإذا ثبت هذا أقرعنا بين الولدين لإثبات الحرية في أحدهما لا لإثبات النسب، فإن النسب لا يثبت بالقرعة فأيهما حرج سهمه أعتقناه لأن السيد إذا قال: أحدهما ولدي فقد أقر بشيئين لذلك

стр. 2893

الولد بنسبه وحريته، وقد تعذر إثبات النسب وأمكن إثبات الحرية بالقرعة. وهذا كما لو شهد رجل وامرأتان بالسرقة قد يثبت المال دون القطع. وقال ابن خيران ﵀: يصير بالقرعة ابنًا حرًا لأن الحرية تثبت له بالولادة فلم يجز أن يرتفع أصلها ويثبت حكمها. وهذا غلط لأن القرعة لا تدخل لتمييز الأنساب المشتبهة فتدخل التمييز الحرية المشتبهة بدليل أنه لو تنازع رجلان في ولٍد لا يقرع بينهما في نسبه. ثم إذا حكمنا بحرية الولد بالقرعة حكمنا بحرية واحد، لأَّنا نعلم يقينًا أن واحدًة من الأمتين أم ولده تعتق بموته فأولاهما هذه. ثم هل يوقف ميراث ابن؟ فيه وجهان: أحدهما: يوقف وهو اختيار المزني لأنا تيقنا أن أحدهما ابنه وإن جهلنا عينه. والثاني: لا يوقف وهو ظاهر المذهب لأن وقف الميراث إنما يكون في أمر معلوم أشكل حاله ويرجى زواله فلا يصح وقفه كما لا يوقف الميراث في الأخوين إذا غرقا ولا يدرى أيهما مات أولًا وهذا [١٥٦/ب] اختيار القاضي الطبري وجماعة ﵏. فعلى هذا يكون الميراث كله. للوارث المعروف نسبه إذ كان أو لبيت المال إن لم يكن. وقال أبو حنيفة ﵀: إذا قال: أحد هذين ولدّي عتق من كل واحد منهما نصفه ولا يرثان شيئًا ويستسعى كل واحد منهما بعد بلوغه في نصف قيمته فيؤدي ويعتق الكل. وقال ابن أبى ليلى كما قال أبو حنيفة وزاد بأن قال: هما يرثان ميراث ابن لكل واحد منهما نصفه يستعين به عند الاستبطاء على أدائه للعتق. مسألة (١): قال: (وسمعَته يقوُل: لو قاَل عند وفاتِه لثلاثِة أولاٍد لأمتِه: أحَد هؤلاِء ولدي). الفصل وهذا كما قال: هذه المسألة والتي قبلها سواء، وإنما تختلفان في الصورة فالمسألة الأولى ولدان من أمتين، والمسألة الثانية ثلاثة بنين من أمٍة واحدٍة فأقر بأحدهم ولم يكن تقَّدم منه إقرار بوطء، ولم يكن لها زوج على ما بيناه فإنه يطالب بالتعيين، فإن قال: هو الأكبر حكمنا بحريته وثبوت نسبه منه، وسألناه عن الأم كيف استولدها؟ فإن قال: استولدتها في ملكي فقد أقر بأنها علقت منه بًّحر في ملكه فتكون أم ولد له. وقلنا له: ما تقول في الآخرين؟ فإن قال: هما مني ألحقناهما به، وإن قال: ليسا مني وإنما أتت بهما من زوج أو زنًا حكم بأنهما مملوكان له ومنع من التصرف فيهما بما يزيل ملكه عنهما لأنهما ابنا أم ولده فيكون حكمهما حكم الأم ويعتقان بعتقها. ومن أصحابنا من قال: فيه وجهان: أحدهما: هذا. والثاني: أنهما مملوكان على الرق لا يعتقان بعتق الأم بموت السيد لأنه يمكن أن يكون الابن الأكبر ابنه منها والأوسط والأصغر لم تثبت لهما حرمة الاستيلاد بأن يطأ الراهن جاريته المرهونة من دون إذن المرتهن فتأتي بولد يكون الولد حرًا ولا يمنع بيعها في حق المرتهن في أحد

стр. 2894

القولين، فإذا بيعت وزَّوجها المشتري فأتت بولدين من زوجها أو زنت [١٥٧/أ] فأتت بولدين فا شتراهما الراهن مع الولدين بعد ذلك صارت أم ولد له بالوطء المتقدم وولداها مملوكان له ولا يجوز إثبات الحرية بالشك، كما لا يجوز إثبات النسب بالشك. ولذلك قال في القديم؛ لو وطئ جارية غيره بالشبهة فولدت منه ولدًا حرًا ثم زوجها المالك فأتت بولدين من زوجها أو زنت فأتت بولدين ثم اشتراهم الواطئ بالشبهة صارت أم ولده بالإحبال المتقدم وكان الولدان مملوكين لا يعتقان بموته وهذا لأنها ولدتهما في حال لم تكن فيها أم ولد. وإن أقر بالأوسط ثبت نسبه منه وكان الأكبر مملوكًا وسئل عن الأصغر فإن قال: استولدتها في النكاح لم تصر أم ولده وله أن يتصرف فيها. وإن قال: استولدتها بوطء شبهٍة ففيه قولان على ما ذكرنا من قبل. وقال في (الحاوي) (١): إذا عين الأكبر وقال: وطئتها في ملكي صار حرًا وارثًا، وهل يلحق به الأوسط والأصغر؟ وجهان: أحدهما: يلحقان به ويصير الثلاثة كلهم أولاداً يرثونه لأنها بالأول صارت فراشاً فلحق ولٍد جاءت به من بعده. والثاني: يلحق به الأكبر دون الأوسط والأصغر لاحتمال أن يكون وضعت الأول في ملكه ثم بيعت عليه في رهن فولدت الأوسط والأصغر من زوج ثم اشتراها والولدين معًا [فصار لحقوقهما به شكًا على تجويز مترجح] والأنساب لا تلحق بالشك. فإذا قلنا بهذا الوجه الثاني هل يكونان في حكم أم الولد يعتقان بموت السيد؟ وجهان على ما ذكرنا. وإن مات قبل البيان كان الرجوع إلى بيان الورثة على ما ذكرناه. فإن عين الأصغر تعين نسبه وحريته، وسألناه عن الولادة ليخبرنا بما [١٥٧/ب] يعلمه من ذلك لا باجتهاده فإن قال: لا أعرف قد ذكرنا وجهين، وظاهر النص أنه يحمل على الاستيلاد بالملك، وإن عين الوارث الأوسط تعين، فإن قال: استولدها في الملك قال: فالولد حر الأصل والأمة أم ولده والأكبر مملوك، وفي الأصغر وجهان على ما ذكرنا، هكذا ذكره أصحابنا. وقال أبو حامد: الابن المعروف في هذه المسألة لا يقوم مقام الأب في البيان، ولهذا لم يعلق الشافعي رحمة الله عليه ببيانه، وهذا لأن المقصود إثبات النسب والسب إنما يثبت بإقرار جميع الورثة وليس هذا الابن جميع الورثة فإن الميت لم يمت حتى اعترف بالابن الثاني وهذا على ما ذكر ﵀، وهكذا في المسألة قبلها وهو سهو من أصحابنا والله أعلم. ثم اعلم أن الخائف مستعمل في هذه المسألة كما في المسألة الأولى، ولم يذكر الشافعي ها هنا اكتفاء بما ذكر في الفصل الأول فإن ألحقت القافة به الأصغر ثبت نسبه منه وورث ونظر في إقرار المقر فإن قال: أحدهم ولدي استولدتها في ملكي صارت أم ولده وعتقت في موته ورق الأكبر والأوسط. وإن كان قال: استولدتهما في نكاح فهي

стр. 2895

مملوكة وقد ورث الابن جزءًا منها وعتق عليه ولا يقوم عليه الباقي لأنه دخل في ملكه بغير اختياره. وإن كان قد أطلق ولم يبين فعلى الاختلاف الذي ذكرنا. وإن ألحقت القافة به الأكبر ثبت نبه منه وعتق وورثه ونظر في إقراره على ما ذكرنا. وإن ألحقت القافة به الأوسط حكمنا بحريته ونسبه وكان الأكبر رقيقاً وفى الأصغر وجهان إذا قال: كنت استولدتها في ملكي على ما ذكرنا. وإن ألحقت القافة به اثنين من الثلاثة لم يلحقا به لأنه أقر بواحٍد منهم ولكن خرج من نفته القافة [١٥٨/أ] منهم أن يكون في حكمهم وصار حكم النسب مترددًا بين الاثنين من غير تعيين ولا يستفاد بهذه القيافة إلا خروج نسب المنفي منهم والحكم برقه من بينهم. وإن لم تكن قافه أو كانت فأشكل أقرعنا على ما ذكرنا للحرية فإن خرجت القرعة على الأكبر عتق، وهل تصير أم ولده؟ رجعنا إلى إقراره كما بيناه، وهل يعتق الأوسط والأصغر؟ وجهان على ما ذكرنا فقس إذا خرجت القرعة على الأوسط والأصغر. وقال في (الحاوي) (١): إنما يقرع بين كلها إذا قال: وطئتها في غير ملكي ومات قبل البيان فالجارية على الرق ولا يثبت نسب واحد منهم ولكن يقرع للحرية، فإذا خرجت القرعة على أحدهم عتق وحده ورق الآخران بلا خلاف. وإن قال: وطئتها في ملكي ففي ثبوت نسب الأصغر وجهان: أحدهما: يثبت إذا قلنا: ثبوت نسب أحد الثلاثة ببيان المقر أو القافة يوجب ثبوت نسب من دونه لأن الأصغر على هذا الوجه ثابت النسب في الأحوال كلها، قال ابن سريج ﵀: وهذا مذهب المزني ﵀ وإنما حذفه الكاتب من كلامه فعلى هذا تسقط القرعة بين الأخوين ويرقان. والثاني: لا يثبت نسب الأصغر إذا قلنا. نسب أحدهم لا يوجب ثبوت، نسب من دونه. فعلى هذا هل يعتق الأصغر؟ وجهان: أحدهما: يعتق إذا قلنا: ثبوت نسب أحدهم يجعل من دونه ولد أم ولد فعلى هذا تسقط القرعة بين الأخوين ويرقان. والثاني: لا يعتق إذا قلنا: ثبوت نسب أحدهم لا يجعل من دونه ولد أم ولد فعلى هذا يقرع بين الثلاثة ليعتق أحدهم بالقرعة تمييزًا للحرية، فإذا قرع أحدهم عتق وحده ورق من سواه والأم حرة في الأحوال كلها لأنها أم ولد بأحد الثلاثة، ولا يرث من عتق بالقرعة لأن نسبه لم يثبت. فإذا تقرر هذا [١٥٨/ب] اعترض المزني ﵀ على هذه المسألة اعتراضين: أحدهما: على الميراث. والثاني: على الحرية فقال: في الميراث يلزمه على قوله المعروف أن يجعل لهذا الابن المجهول من هؤلاء الثلاثة مورثًا موقوفًا وهو نصف ماله ويكون النصف للابن المعروف لأَّنا بينا أن أحدهم ابنه وإن جهلنا عينه كما قال الشافعي: أحدهم حر وإن لم نعرف عينه، ولا يجوز بيع جميعهم. وكما قال فيمن طلق نساءه إلا واحدة ثلاثًا ثلاثًا ولم يبين يوقف ميراث واحدٍة منهن حتى يصطلحن هكذا ها

стр. 2896

هنا. قلنا: قد بينا فيما مضى أن في وقف الميراث وجهين: أحدهما: يوقف كما قال المزني ومعنى قول الشافعي: ولا ميراث له أي في الحال لا يتعجل قسطه ما لم يبن سببه. والثاني: لا يوقف وهو ظاهر كلام الشافعي وهو المذهب لذوات البيان ولا يكون علمنا بأن فيهم ابنًا موجبًا لوقف ميراثه عند ذوات البيان كالعربي إذا مات مجهول العصبة لا يوقف ميراثه، وإن علمنا أن له في العرب عصبًة. وعلى هذا الوجه الثاني وحكم ثبوت نسب الأصغر في أحد الوجهين فالتركة بينه وبين الابن المعروف. وإن لم يحكم بثبوت نسب الأصغر فا لتركة كلها للابن المعروف. وإن قلنا بالوجه الأول أنه يوقف الميراث يوقف نصف التركة وكان نصفها للابن المعروف إن لم يحكم بثبوت سب الأصغر، وإن حكم بثبوته كان بينهما. وأما الجواب عن احتجاج المزني بالحرية قلنا: الفرق أنا وجدنا إلى إثبات الحرية سبيلًا بالقرعة المشروعة لها وما وجدنا إلى إثبات النسب سبيلًا، وإذا لم يثبت النسب لم يثبت الميراث. وأما الجواب عن مسألة الطلاق فالفرق أن النكاح كان مستيقنًا وهو سبب الميراث وقد استيقن من نسائه واحدًة فوقفن الميراث ليتبين سببه إلى أن تتعين المستحقة منهن وها هنا النسب سبب الميراث ولم نجد إلى إثباته سبيلًا. فاستحال إثبات [١٥٩/أ] الإرث قبل إثبات سببه. وأيضًا إيقاف الميراث على المعروف للمجهول النسب يقتضي أن يرث المعروف النسب من المجهول النسب ونحن لا نورثه منه فلا نوقف الميراث عليه لمن لا نورثه منه، وليس كذلك ورثة ألميت المطلق زوجته لأنهم لا يرثون الزوجة إن ورثت فلهذا أوقفنا الميراث عليهم حيث لم يسقط لهم حق. وأيضًا إذا وقفنا ميراث زوجٍة جاز أن تصطلح الزوجات عليه أن الزوجة إحداهن وإذا وقفنا للوارث من الأولاد لم يكن لهم أن يصطلحوا على أن أحدهم الوارث ويخرج الباقون أنفسهم من النسب لأن أحدًا لا يملك إخراج نفسه من النسب. وأما الاعتراض الثاني قال: وأنا أقول في الثلاثة الأولاد إن كان الأكبر من الثلاثة هو الابن فهو حر، والأوسط والأصغر حران لأنهما ابنا أم ولد، وإن كان الأوسط هو الابن فهو حر والأصغر حر بأنه ابن أم ولد، والأكبر رقيق لأنه ولد قبل الاستيلاد. وإن كان الأصغر هو الابن فهو حر بالبنوة، فيجب بهذا التقسيم أن يكون الولد الأصغر حرًا بكل حال لا شك فيه، وكيف أدخله الشافعي في القرعة؟ وكيف أرقه إذا خرجت عليه قرعة الرق؟. نم إن المزني اتبع هذا التقسيم تقريرًا لكلامه من وجه آخر فقال: حرية الأوسط ممكنة في حالين ويرق في حال وحرية الأكبر ممكنة في حاٍل ويرق في حالين، ويمكن أن بكونا رقيقين للابن المعروف وللابن المجهول نصفين، ويمكن أن يكون الابن هو الأكبر فيكون الثلاثة أحرارًا، وإذا عرفت تقسيم المزني عرفت هذا التقرير وأنه تكرير لذلك الكلام بعبارة ثانية، ثم لما أثبت حرية الأصغر تكلم في تفريع وقف الميراث كما وقف من قبل

стр. 2897

فقال: فالقياس عندي على معنى قول الشافعي في الوقف إذا لم أدر أنهما حران، أم عبدان، أم عبد وحران، أن يوقفا أو ميراث ابن حتى [١٥٩/ب] يصطلحوا معناه: يدفع إلى الابن المعروف نصف الميراث ويحكم بحرية الابن الأصغر ويوقف نصف الميراث للابن المجهول من هؤلاء الثلاثة. قلنا: قد قطعت القول بحرية الأصغر مع اكتمال رقه على ما ذكرنا من المسألتين، وإذا اشتراها بعد الاستيلاد لا تصير أم ولد عندنا خلافاً لمذهبك ومذهب أهل العراق. ومن أصحابنا من قال: الأصغر حر بيقين إلا أنا نقول: يقرع بينهم فإن خرجت القرعة على الأكبر بالحرية أعتقته وأعتقت الآخرين، وإن خرجت على الأوسط أعتقته وأعتقت الأصغر فتكون فائدة القرعة عتق غير الصغر فقط السؤال. وأما الذي اختار لنفسه من وقف الميراث قد ذكرنا فيه وجهين. وروي عن المزني أنه اختار لنفسه مذهباً آخر وهو أن يلحق به الأصغر ويوقف الأكبر والأوسط لأنه يجوز أن يكونا ابنين له ويدفع إلى الابن المعروف ربع الميراث ويدفع إلى الصغير ربع الميراث ويوقف النصف للأكبر والأوسط وهذا في بعض نسخ المزني. وهذا غلط لأن المقر لم يقر إلا بنسب واحد من الثلاثة وأمكن ما قاله على ما بيناه فلم يجز أن يلحق به أكثر منه، ولا أن يوقف الميراث لأكثر من واحد. مسالة (١): قال: "وتجوز الشهادة أنهم لا يعرفون له وارثاً غير فلان". الفصل وهذا كما قال: إذا شهد رجل على رجل وادعى أنه وارثه لم تسمع دعواه حتى يعين سبب ميراثه وقرابته لأنه يجوز أن يعتقد أنه يرثه بالحكم والحاكم لا يرى ذلك. ثم إذا بين وسمعت دعواه لا تقبل إلا ببينة ولا يقبل إلا شاهدان ذكران لأن النسب لا يثبت بشاهد وامرأتين ولا بشاهد ويمين. ولو شهدا أنه وارثه لم تسمع شهادتهما حتى يذكرا سبب ميراثه كما ذكرنا. ولو بينا فقالا: نشهد أنه ابنه أو أخوه أو عمه نظر في الشاهدين، فإن كانا من أهل المعرفة الباطنة بالميت فشهدا أن هذا [١٦٠/أ] ابنه أو أخوه ولا نعلم وارثاً غيره قبلت شهادتهما ويسلم المال إلى المشهود له، ولا يطالب بإقامة الكفيل. وإن كانا من أهل المعرفة الظاهرة قبلت شهادتهما على إثبات ميراث المشهود له، ولا تقبل شهادتهما على نفي غيره ونظر في الوارث الحاضر فإن كان ممن له فرض مقدر مثل الزوجين أو الأبوين أو الجدة فإن الحاكم يدفع إلى المرأة مقدار حقها بيقين وهو ربع الثمن عائلاً لأنه يجوز أن يكون له ثلاث نسوة غيرها وأبوان وبنات فيكون للنسوة الثمن، وللأبوين السدسان، وللبنات الثلثان والفريضة من أربعة وعشرين وتعول بثلاثة فتصير من سبعة وعشرين. وإن كان أباً أو أماً أو جدة فله السدس عائلاً على ما بيناه، وإن كان الحاضر ممن لا فرض له مقدر ولا يحجب عن الميراث

стр. 2898

مثل الابن فإن الحاكم لا يسلم إليه المال في الحال حتى يكتب إلى البلاد التي كان دخلها الميت وسئل عنه فإذا فعل ذلك فلم يظهر له وارث سوى المشهود له يسلم إليه المال. وإن كان المشهود له ممن يحجب عن الميراث فالأخ والعم. قال أبو إسحاق: لا يدفع إليه شيء لأن ميراثه مشكوك فيه فلا يدفع بالشك. وقال غيره من أصحابنا: وهو الصحيح يدفع إليه الميراث كما قلنا في الابن لأن سؤال الحاكم وبحثه ظاهر في أنه لا وارث له سواه فجرى ذلك مجرى أن تشهد البينة أنه لا نعلم له وارثاً سواه. ثم إذا دفعنا المال إلى هذا الوارث. قال الشافعي: ها هنا يستحب أن يؤخذ منه كفيل لئلا يظهر وارث آخر فنكون قد احتطنا له. وقال في الدعوى والبينات: لا أعطيه شيئاً إلا بكفيل، فقيل: قولان، وقيل: وجهان؛ والقولان أولى لما ذكرنا والصحيح أنه احتياط. وقيل: القولان في غير الابن، فأما الابن يدفع إليه من غير كفيل وهو ضعيف. ولو أن الشهود قطعوا بشهادتهم وقالوا: لا وارث له غيره وكانت شهادتهم مقبولة على معنى [١٦٠/ب] لا نعلم له وارثاً غيره، وقد يطلق الرجل هذا اللفظ ومعناه العلم، ولو أطلقوا على الإحاطة وقال: نشهد على أن لا وارث له قطعاً وإحاطة كان هذا منهم خطأ ولكن لا ترد شهادتهم لأنه يؤول بهم إلى العلم ونهاهم الحاكم عن مثل هذا القطع. وقال أبو حنيفة: القياس أن ترد شهادتهم لأنهما كذبا ولكن لا أردها استحساناً وهذا لا يصح لأنه يؤول إلى العلم ويجري عندهم مجرى القطع كقول عائشة ﵂: "ما ترك رسول الله ﷺ ديناراً ولا درهماً" تعني في علمنا وقال ابن أبي ليلى: لا يدفع إليه المال حتى يقطع الشهود أن لا وارث له سواه. وهذا غلط لأن القطع بذلك لا يمكن لجواز أن يكون استولد ولداً سراً، وإنما يمكن الرجوع إلى ظافر الحال فإن كان عالماً بسفره ومقامه لا يخفى عليه وارثه في الغالب فيحكم بشهادته إذا قال: لا أعلم. ولو قال: بلغنا أن له وارثاً آخر لا يجوز للقاضي أن يقسم الميراث مع الجهالة بعددهم حتى يعلم كم هو. وهل يدفع إلى الحاضر نصيبه؟ على ما ذكرنا. فإن تطاولت المدة ولم يثبت عند القاضي عدد الغائبين طولب الحاضر بكفيل حتى يتكفل بالميراث لأنا لا نأمن من أن ينصرف من الغيبة وارث سواه وقد قلنا في يد المدفوع إليه. فإن قال قائل: كيف عطف الشافعي قوله: فإن تطاول ذلك دعي الوارث بكفيل على قوله: إن قالوا: بلغنا أن له وارثاً غيره؟ لأن الشهود إذا قالوا: بلغنا أن له وارثاً غيره فالواجب على القاضي أن لا يدفع جميع الميراث إلى الحاضر وإن جاءه بالكفيل قلنا: معنى قول الشهود: بلغنا أن له وارثاً غيره: أن لا نتحقق ذلك ولكنا قد سمعناه ولا نشهد عليه وقد يقرع سمع الرجل مما لا يتحققه ثم لا يكون الخبر صدقاً وربما يكون كذباً فتوقف القاضي لاحتمال الصدق فلما تطاولت المدة وانتشر خبر وفاة المقر في الأقطار لم يظهر [١٦١/أ] وارث خفي غلب على قلب الحاكم أن ما بلغهم لم يكن له حقيقة فلذلك أقدم على القسمة واحتاط بالكفيل.

стр. 2899

فرع إذا مات وخلف ابنين فأقر أحدهما بدين على أبيه وأنكر الآخر، نظر فإن كان المقر عدلاً جاز أن يقضي بشهادته مع شاهد أخر، أو مع امرأتين، أو مع يمين المدعي. وإن لم يكن عدلاً حلف المنكر ولم يلزمه شيء. وأما المقر ففيه قولان: أحدهما: يلزمه كل الدين في حصته وبه قال أبو حنيفة ﵀ وهو اختيار ابن سريج ﵀ لأن الدين قد يتعلق ببعض التركة إذا هلك بعضها كما يتعلق بجميعها فوجب قضاءه من جهة المقر. والثاني: وهو الصحيح: لا يلزمه إلا بقدر حصته، لأنه لو لزمه بالإقرار كل الدين لم تقبل شهادته بالدين لأنه يدفع بهذه الشهادة عن نفسه ضرراً. فرع آخر لو قال: علي ألف أخذته منه قال المتقدمون من أصحابنا: هو كما لو قال: دفعه إلي لو فسره بالوديعة تقبل وقال أبو حنيفة: لا يقبل لأن الأخذ يقتضي الغصب ظاهراً. قال القفال: يحتمل أن يكون هذا مذهبنا. فرع آخر قال صاحب "التلخيص" ﵀: ثلاثة أحوال في الذمة لا يجوز مطلق الإقرار بأنها لغيرهم الصداق، وعوض الخلق، وأرش الجناية عن البدن قال أصحابنا: هذا لأن بضع غير ذات الزوج لها فابتداء ذلك عوضه بالنكاح لا يكون إلا لها وعند الخلع لا يكون إلا له. وكذلك الأرش الذي هو عوض جزء من البدن لا يكون إلا للمجني عليه، فإذا أطلق عليه الإقرار أنها لغيره فهو كذب وإنما تصير لغيره بحوالة صحيحة على شروطها وليس في مجرد الإقرار ما يوجب ذلك. وقال القفال: "لم يبت" الوجه فقالت: المال الذي في ذمة الزوج من المهر لفلان من جهة أني أحلته على الزوج به بدين كان علي يصح، وإن أطلقت فقالت: هو لفلان ولم تفسر هل يصح الإقرار؟ قولان أحدهما: يصح لأن وجه الصحة محتمل، والثاني: لا يصح وهذان القولان مبنيان على أنه [١٦١/ب] لو أقر للحمل مطلقاً هل يصح أم لا؟ فيه قولان وحكي القفال عن صاحب "التلخيص" أنه قال: لو قالت: صداقي الذي تزوجني عليه لفلان فهو هبة لم تقبض، ولو قالت: بحق ثابت فأضافتها إلى نفسها إضافة تعريف ويكون إقراراً قال القفال: إذا لم تبين زوجها فهو على ما ذكرت من القولين. وإن فسرت بالحوالة كان صحيحاً. والله أعلم. وهذا آخر كتاب الإقرار ويتلوه في التي تليه كتاب العارية إن شاء الله تعالى والحمد لله حمد الشاكرين وصلاته على خير خلقه محمد وآله الطاهرين.

стр. 2900

كتاب الوديعة قال (١) الشافعي ﵀: "وإذا أودع رجل وديعة فأراد سفراً فلم يثق بأحد يجعلها عنده فسافر بها براً أو بحراً ضمن". قال في الحاوي: أما استيداع الودائع فمن التعاون المأمور به، والإرفاق المناوب إليه، قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة:٢]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء:٥٨]. وقال تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ [البقرة:٢٨٣]﴾. وقال : ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَامَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَامَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِماً﴾ [آل عمران:٧٥]. وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "أد الأمانة إلى من ائتمنه، ولا تخن من خانك" (٢). وروى أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: "تقبلوا إلي بست أتقبل بالجنة" قالوا: وما هي يا رسول الله؟ قال: "إذا حدث أحدكم فلا يكذب وإذا اؤتمن فلا يخن، وإذا وعد فلا يخلف وغضوا أبصاركم، واحفظوا فروجكم وكفوا أيديكم" (٣). وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "على اليد ما أخذت حتى تؤديه" (٤) وقد استودع رسول الله ﷺ ودائع القوم، وكان يسمى في الجاهلية لقيامة بها محمد الأمين، فلما أراد الهجرة إلى المدينة تركها عند أم أيمن- ﵂، وخلف علياً- ﵇ لردها على أهلها، ولأن بالناس إلى التعاون بها حاجة ماسة وضرورة داعية لعوارض الزمان المانعة من القيام على الأموال، فلو تمانع الناس فيها لاستضروا وتقاطعوا.

стр. 2901

فصل فإذا ثبت أن ذلك من التعاون المأمور به لم يحل حال من استودع وديعة من ثلاث أحوال: أحدها: أن يكون ممن يعجز عنها، ولا يثق بأمانته نفسه فيها، فهذا لا يجوز له أن يقبلها. والثانية: أن يكون أميناً عليها قادراً على القيام بها وليس غيره ممن يقوم بها فهذا ممن قد تعين عليه قبولها، ولزمه استيداعها، كمن تعين الشهادة على الشاهد إذا لم يوجد من يتحملها سواه، وكما يلزم الإنسان خلاص نفس يقدر على إحيائها إذا لم يوجد غيره، لأن حرمة المال كحرمة النفس. والثالثة: أن يكون أمينا عليها، وقادراً على حفظها، وقد يوجد غيره من الأمناء عليها، فهذا مندوب إليه، وإن لم تجب عليه. فصل فإذا قبل الوديعة كان قبولها من العقود الجائزة له المقام عليها والرجوع فيها، وليس عليه إذا قبلها معرفة ما فيها، بل يجوز أن يستودعها وهو لا يعلم ما فيها، بخلاف اللقطة التي يلزمه معرفتها لما يلزمه من تعريفها، ثم عليه القيام بحفظها من حرز مثلها، فإن فرط كان ضامناً وإن لم يفرط فلا ضمان عليه، وحكي عن أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه أن المستودع إن اتهم في الوديعة ضمنها، استدلالاً بما روي أن رجلاً أودع عند أنس بن مالك ستة آلاف درهم، فسرقت من بين ماله، فتخاصما إلى عمر فقال: هل أخذ معها من ثيابك شيء؟ قال: عليك الغرامة (١). فروي أن أنس بن مالك قال لابن سيرين وقد حمل معه رجل متاعاً إلى البصرة: يا أنس، احفظه كيلا تغرمه كما غرمني عمر، وهذا قول شاذ واضح الفساد، لرواية المثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ أنه قال: "ليس على المستودع ضمان" (٢). وروي أن رجلاً أودع عند جابر وديعة، فتلفت، فتحاكما إلى أبي بكر فقال: ليس على المؤتمن ضمان (٣)، وهو قول منتشر من الصحابة لا يعرف بينهم فيه تنازع، ولأن تضمين الوديعة يخرج عن حكم التعاون وعقود الإرفاق، فأما أنس فإنما ضمنه عمر لتفريطه، فقد قيل: إنه دفعها إلى خادمه، وإلا فقد حرم الله تعالى صحابة نبيه ﷺ عن أن تتوجه إليهم تهمة. فصل فإذا تقرر ما وصفنا، فصورة مسألة الكتاب في رجل استودع وديعة فأراد سفراً،

стр. 2902

فالوديعة لا تحبسه عن السفر، لأن النبي ﷺ لم يمتنع عن الهجرة لأجل ما كان عنده من الودائع، ولأن استدامة الوديعة غير لازم، وردها على مالكها متى شاء المستودع جائز، وإذا كان ذلك فعليه إذا أراد سفراً ومالكها حاضر أن يردها عليه. فلو قال لمالكها: لست أدفعها إليك إلا أن تشهد على نفسك بقبضها ففي وجوب الإشهاد عليه ثلاثة أوجه: أحدها: لا يجب، لأن قوله في الرد مقبول، فعلى هذا يكون المنع منها لأجل الإشهاد متعدياً، وهذا أصح الوجوه. والثاني: أن إشهاد المالك على نفسه واجب، لأن يتوجه على المستودع يمين أو نوزع في الرد، فعلى هذا لا يكون بالمنع منها لأجل الإشهاد متعدياً. والثالث: أن ينظر، فإن كان المالك قد أشهد على المستودع عند دفعها إليه لزمه الإشهاد على نفسه عند ردها عليه، وإن لم يشهد عند الدفع لم يلزمه الإشهاد على نفسه عند الرد، وإن لم يردها على مالكها مع حضوره فلا يخلو حاله فيها من ثلاثة أقسام: أحدها: أن يسافر بها معه. والثاني: أن يدفعها إلى غيره. والثالث: أن يخلفها في حرزه. فإن سافر بها ضمن، سواء كان سفره مأموناً أو غير مأمون. وقال أبو حنيفة: لا ضمان عليه إذا كان سفره مأموناً، استدلالاً بأن الذي عليه في الوديعة حفظها، فإذا حفظها في أي مكان كان من حضر أو سفر كان مؤدياً لحق الأمانة فيها، قال: ولأنه لما جاز أن يحفظها في أي موضع شاء من البلاد إذا كان مأموناً كان له ذلك في غير البلد إذا كان مأموناً. والدليل على تعديه إذا سافر بها قول النبي ﷺ : "إن المسافر وماله على قلت إلا ما وقى الله" (١) يعني على خطر، وروي عنه ﷺ أنه قال: "السفر قطعة من العذاب يمنع أحدكم طعامه وشرابه ورقاده" (٢) ولان السفر مخوف في الغالب، وأمنه نادر لا يوثق به. ولذلك يمنع السيد مكاتبه من السفر، ويمنع ولي اليتيم من السفر بماله، ولأن في السفر بالوديعة من التغرير بها إحالة بينها وبين مالكها بإبعادها عنه، وهذا عدوان، ولأن العرف في حفظ الودائع وإحرازها جاز في الأمصار دون الأسفار، فكان الخروج عن العرف فيها عدواناً، وليس بما استدل به من أن المقصود هو لحفظ الوجه، لأنه يلزمه مع الحفظ أن لا يخاطر بها ولا يغرر،

стр. 2903

وهو بالسفر مغرر ومخاطر. وقوله: "إنه لما لم يختص حفظها بمكان من المصر دوم مكان فكذلك في السفر" فلا وجه له، لأن المصر يتساوى حكم أماكنه المأمونة، والسفر مخالف للمصر. فصل وإن دفعها مع حضور مالكها إلى غيره، لم يخل حال من دفعها إليه من ثلاثة أقسام: أحدها: أن يدفعها إلى وكيل مالكها. والثاني: أن يدفعها إلى الحاكم. والثالث: أن يدفعها إلى أجنبي يستودعها إياها، فإن دفعها إلى وكيل مالكها لم يخل حاله من ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون وكيلاً خاصاً في قبض ودائعه، فله دفعها إليه مع حضور المالك لأن يد الوكيل كيد الموكل. والثاني: أن يكون وكيلاً خاصاً في غير قبض الوديعة، فهذا في حق الوديعة كالأجانب لا يجوز دفعها إليه، لأن الوكيل في شيء لا يكون وكيلاً في غيره. والثالث: أن يكون وكيلاً عاماً في كل شيء، ففي جواز ردها عليه وجهان بناء على اختلاف الوجهين في صحة الوكالة العام: أحدهما: أنها لا تصح، فعلى هذا لا يجوز ردها عليه. والثاني: تصح، فعلى هذا يجوز ردها عليه، فإن طالب المستودع الوكيل أن يشهد له على نفسه بقبض الوديعة منه لزم الوكيل الإشهاد بذلك على نفسه وجهاً واحداً، لأن قول المستودع مقبول على المودع فجاز أن لا يلزم الإشهاد، وقوله غير مقبول على وكيله، فلذلك لزمه الإشهاد، وسواء كان المستودع قد قبضها من المودع أو من وكيله في لزوم الإشهاد، وسواء كان الوكيل عدلاً أو فاسقاً في جواز دفعها إليه، لأن للمودع أن يوكل من شاء من عدل أو فاسق بخلاف الوصي. فصل وإن دفعها إلى الحاكم مع وجود المالك ففي ضمانه وجهان: أحدهما: يضمن، لأن مالكها رشيد لا يولى عليه. والثاني: لا ضمان عليه، لأن يد الحاكم نائبه عن كل مالك، فعلى هذا إن دعاه المستودع إلى الإشهاد على نفسه بالقبض قبل الحاكم أنت بالخيار في الإشهاد على نفسك، أو في إعلام مالكها بالاسترجاع فإن أخذها واجب عليك، وأنت مخير في أيهما شئت.

стр. 2904

فصل وإن دفعها مع حضور مالكها إلى أجنبي ائتمنه عليها فاستودع إياها ضمنها، لأمرين: أحدهما: أنه لا ضرورة مع حضور المالك إلى دفعها إلى غيره، فصار كالسفر بالمال. والثاني: أن المالك رضي بأمانته دون أمانة غيره، فصارت يد من ائتمنه عليها يد غير مأذون فيها، فصارت متعدية، ولزم الضمان وكان مالكها مخير بين مطالبة المستودع الأول إن تلفت أو مطالبة الثاني. وقال أبو حنيفة: له مطالبة الأول دون الثاني، ووافق في الغاصب إذا أودع أن للمالك مطالبة أيهما شاء، وهو دليل عليه في الوديعة لأنه ليس للمستودع أن يودع، كما ليس للغاصب أن يودع، فصار المستودع منها جميعاً يده غير محقة فلزمه الضمان، وسواء علم بالحال أو لم يعلم، لأن العمد والخطأ في ضمان الأموال سواء، فإذا ثبت أن له مطالبة أيهما شاء بغرمها، فإن أغرمها الثاني نظر، فإن علم بالحال لم يرجع بما غرمه على الأول، وإن لم يعلم ففي رجوعه عليه بغرمها وجهان. وإن أغرمها الأول نظر فإن كان الثاني عالماً بالحال رجع الأول عليه بما غرم، وإن لم يعلم ففي رجوعه عليه وجهان مخرجان من اختلاف قوليه في الغاصب إذا وهب ما غصبه ثم غرمه هل يرجع بالغرم على الموهوب له أم لا؟ على قولين: وعلى مالك الوديعة أن يشهد على نفسه بقبض الهبة، لأنها مضمونة بخلاف قبض الوديعة التي هي غير مضمونة. فصل وإن لم يدفعها إلى أحد مع حضور مالكها وخلفها وسافر ضمنها وقال: إن خلفها مع أمواله لم يضمن، وهذا فاسد، لأن الحرز بغير حافظ لا يكون حرزاً، وتغريره بماله لا يكون في الوديعة عذراً، فهذا حكم الوديعة إذا كان المودع حاضراً، والله أعلم. فصل فأما إذا كان المودع غائباً عند إرادة المستودع فهذا على ضربين: أحدهما: أن يكون له وكيل في قبضها. والثاني: أن لا يكون له. فإن كان له وكيل فوكيله هو المستحق بقبضها، لأن يد الوكيل كيد الموكل ويكون الحكم في عدول المستودع إلى غيره كالحكم من عدوله عن المودع مع حضوره على ما ذكرنا من التقسيم والجواب، وإن لم يكن له وكيل فالمستحق لقبضها هو الحاكم، فإن دفعها إليه لزمه الإشهاد على نفسه بالقبض، فإن عدل عن الحاكم مع كونه مأموناً فدفعها

стр. 2905

إلى أمين ثقة ففي ضمانه وجهان: أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي: لا ضمان عليه، وهو ظاهر كلام الشافعي، لأن الأمين عليها يمكن أن يحاكمه المودع منها إلى الحاكم ويقيم البينة بما عنده ولا يمكن أن يفعل ذلك مع الحاكم. والثاني: وهو قول أبي سعيد الإصطخري، وأبي علي بن خيران، وابن أبي هريرة يضمن، لأن اختيار الحاكم واختيار الأمين اجتهاد ولأن نظر الحاكم عام ونظر الأمين خاص، فإن لم يجد حاكماً، أو كان إلا أنه غير مأمون جاز أن يختار لها أميناً ثقة يستودعه إياها؛ لأنه لا يقدر على غير ذلك في حفظها، ولأن النبي ﷺ أودع ما خلفه من الودائع عند أم أيمن حين هاجر واستخلف علياً في الرد ﵁ وهل يلزمه الإشهاد عند دفعها إليه أم لا: أحدهما: يلزمه الإشهاد عليه خوفاً من تغير حاله وحدوث جحوده، فعلى هذا إن لم يشهد عليه ضمنها. والثاني: لا يلزمه الإشهاد عليه، لأنه ينوب عن المالك، ولأن قول الأمين في الرد مقبول، فعلى هذا إن لم يشهد عليه لم يضمنها فإن لم يجدا ثقة يستودعه إياها لم يخل حينئذ حال المصر والسفر من أربعة أقسام: أحدها: أن يكون المصر مخوفآ بغارةء أو حريقء والسفر مأمونآء فعليه أن يسافر بالمال معه، لأنها حال ضرورة هي أحفظ وأحرز، فإن تركها وسافر كان ضامناً، وإن سافر بها لم يضمنها. والثاني: أن يكون المصر مأموناً والسفر مخوفاً، فعليه تركها في المصر على ما سنذكره، ولا يجوز أن يسافر بها، فإن سافر بها ضمن. والثالث: أن يكون المصر مخوفاً والسفر مخوفاً، فلا يجوز أن يسافر بها لأنه إذا استوي الخوفان كان خوف السفر أعم. والرابع: أن يكون المصر مأموناً والسفر مأموناً، ففي جواز السفر بها وجهان: أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي، والظاهر من كلام الشافعي: لا يجوز أن يسافر بها، فإن سافر بها ضمن، لأن السفر أخطر. والثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة: يجوز أن يسافر بها، ولا ضمان عليه، لاستواء الأمن في الحالين، وفضل حفظه لها بنفسه في السفر، والله أعلم. مسالة (١): قال الشافعي: "وإن دفنها في منزله ولم يعلم بها أحداً يأتمنه على ماله فهلكت

стр. 2906

ضمن وإذا أودعها غيره وصاحبها حاضر عنه سفره ضمن فإن لم يكن حاضراً فأودعها أميناً يودعه ماله لم يضمن". قال في الحاوي: وهذا صحيح متى ما لم يجد حاكماً ولا ثقة يستودعها إياه فدفنها في الأرض فهذا على ضربين: أحدهما: أن يكون الموضع المدفونة فيه سابلاً لا تحجير عليه يمنع من الوصول، فدفنها في مثله عدوان يوجب الضمان، سوا، أعلم بها أحداً أو لم يعلمه، لأن ما تصل إليه الأيدي معرض للتلف. والثاني: أن يكون الموضع حصياً حريزاً كالمنازل المسكونة التي لا تصل اليد إليها إلا من أراد، فلا يخلو حاله من أحد أمرين: إما أن يعلم بها أحداً أو لا يعلم بها أحداً، فإن لم يعلم بها أحداً ضمنها، لأنه قد ربما أدركته منيته فلم يوصل إليها، فصار ذلك تغريراً، وإن أعلم بها ثقة مؤتمناً صح، وهل يراعى في الإعلام بها حكم الشهادة أو حكم الائتمان؟ على وجهين: أحدهما: حكم الشهادة فعلى هذا لا يجزئه أقل من شاهدين عدلين، أو شاهد وامرأتين ويرى الشاهدان ذلك عند دفنه ليصح تحملها لذلك، فإذا فعل ذلك خرج عن التعدي، وسقط الضمان عنه ولم يلزمه أن يأذن للشاهدين من نقلها عند الخوف. والثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة أنه يراعى فيه حكم الائتمان، فعلى هذا يجوز أن يعلم بها واحداً ثقة، سواء كان رجلاً أو امرأة، ويجوز أن لا يراها، وهل يلزمه أن يأذن له في نقلها إن حدث بمكانها خوف أم لا؟ على وجهين: أحدهما: يلزمه ذلك لما فيه من فضل الاستظهار، فإن لم يفعل ضمن. والثاني: لا يلزمه، لما في نقلها من التعريض للأخطار، فإن نقلها المؤتمن عليها على هذا الوجه عند حدوث الخوف بمكانها ففي ضمانه وجهان من اختلافهم على هذا الوجه، هل يكون إعلامه بها يجري مجرى الخبر أو مجرى الأمانة؟ فأحد الوجهين: أنه يجري مجرى الخبر، فعلى هذا لا يجوز له نقلها، فإن نقلها ضمن، ويجوز أن يكون عبداً، وأن يكون بعيداً عنها، وليس له يد عليها. والثاني: أن يجري مجرى الأمانة، فعلى هذا يجوز له نقلها، ولا يجوز أن يكون عبداً ولا أن يبعد عنها، وتكون يده عليها، فأما إذا دفنها على ما وصفنا مع وجود حاكم مأمون، أو عدل موثوق به يودعها عنده ففيه وجهان: أحدهما: لا يجوز ويضمن إن فعل. والثاني: يجوز ولا ضمان عليه. فصل فأما إذا ترك الوديعة في بيت المال فقد قال الشافعي: "يضمن وليس هذا الجواب

стр. 2907

على الإطلاق؛ واختلف أصحابنا من تأويله، فقال بعضهم: أراد به إذا كان مالكها حاضراً، ولو كان غائباً لم يضمن، وهذا تأويل من قال: لا يجوز دفع الوديعة إلى الحاكم مع وجود صاحبها وقال آخرون: إنما أراد به إذا لم يعلم صاحب بيت المال بها ولمن هي، فإن أعلمه بها ولمن هي لم يضمن، وهذا قول من لا يجوز دفعها إلى الحاكم مع حضور صاحبها. مسألة (١) قال الشافعي ﵁: "وإن تعدى فيها ثم ردها في موضعها فهلكت ضمن لخروجه بالتعدي من الأمانة". قال في الحاوي: أعلم أن التعدي الذي يجب به ضمان الوديعة فعلى سبعة أقسام: أحدها: التفريط في الحرز، ذلك مثل أن يضعها في غير حرز أو يكون قد وضعها في حرز، ثم أخرجها إلى ما ليس بحرز، أو يكون قد أعلم بمكانها من أهله من لا يؤمن عليها، فهذا وما أشبهه من التفريط عدوان يجب به الضمان. والثاني: الاستعمال، مثل أنه يستودعه ثوباً فيلبسه أو دابة فيركبها أو بساطاً فيفترشه فهذا وما شاكله عدوان يجب به الضمان. والثالث: خلطها بغيرها، وذلك ضربان: أحدهما: أن يخلطها بمال نفسه، كما لو أودع دراهم فخلطها بدراهم حتى لم تتميز، فهذا عدوان يوجب الضمان، وكذلك لو خلطها بدراهم غير المودع أيضاً. والثاني: أن يخلطها بمال المودع، كأنه أودع وديعتين من جنس واحد فخلط إحداهما بالأخرى، ففي تعديه وضمانه بذلك وجهان: أصحهما يضمنها، لأن مالكها لما ميزها لم يرض بخلطها، ولكن لو خلطها بما يتميز منها مثل أن يخلط دراهم بدنانير لم يضمن، إلا أن يكون خلط الدراهم بالدنانير قد نقص قيمته من الدنانير فيضمن قدر النقصان. والرابع: الخيانة، وهو أن يخرجها ليبيعها، أو لينفقها، فهذا عدوان يجب به الضمان وكذلك لو جحدها. والخامس: التعرف لها، مثل أن تكون دراهم فيزنها، أو يعدها، أو ثياباً فيعرف طولها وعرضها، ففي تعديه وضمانه بذلك وجهان: أحدهما: يضمن، لأنه نوع من التصرف. والثاني: لا يضمن، لأنه قد ربما أراد به فضل الاحتياط. والسادس: التصرف من بعض ما استظهر به المودع من حرزها وذلك ضربان:

стр. 2908

أحدها: أن يكون منيعاً بالقفل الذي يفتحه، فهذا عدوان يجب به الضمان. والثاني: أن يكون غير منيع كالختم يكسره، والشداد يحله، ففي ضمانه بذلك وجهان أصحهما يضمن، لما فيه من هتك الحرز، ولذلك قال عمر ﵁ لشريح: طينة خير من طينة يعني أن طينة الختم تنفي التهمة. والسابع: أن ينوي الخيانة والتعدي، فقد كان أبو العباس بن سريج يرى أن ذلك موجب لضمانها ويجعل النية فيها، كالفعل من وجوب الضمان، استدلالاً بأن النية من تملك اللقطة يقوم مقام التصرف من ثبوت المالك، فكذلك ضمان الوديعة، والذي عليه جمهور أصحابنا أنه لا يضمنها بالنية، لأن النية إنما تراعى في حقوق الله تعالى لا من حقوق الآدميين، ولو جاز أن يصير متعدياً بالنية لجاز أن يصير خائناً وسارقاً بالنية، ولأن النية ما أثرت في حرزها فلم تؤثر في ضمانها، غير أنه يأثم بها، فأما اللقطة فمع النية من تملكها علم ظاهر وهو انقضاء حق التعريف، إن كان من أصحابنا من لم يجعله مالكاً مع النية إلا بالتصرف. وقال أبو حامد المروزي: يجعله مالكاً مع النية إلا بالتصرف فإن نوى حبسها لنفسه، وإن لم يرده علي ربما ضمنها، وإن نوى أن يخرجها من حرزها إخراج عدوان لم يضمنها، وهذا أصح. والفرق بينهما: أنه إذا نوى أن لا يردها أمسكها لنفسه فضمنها، وإذا نوى أن يخرجها فقد أمسكها لمالكها فلم يضمنها. فصل فإذا استقر ضمان الوديعة من أحد هذه الأقسام بالتعدي ثم كف عن تعديه وأعادها إلى حرزها لم يسقط عنه الضمان. وقال أبو حنيفة ومالك: قد سقط عنه الضمان، استدلالاً بأن الحكم إذا ثبت لعلة زال بزوالها كالشدة المطربة في الخمر، والردة الموجبة للقتل، قالوا: ولأنه قد يضمن الوديعة بالإخراج كما يضمن المحرم الصيد بالإمساك، فلما كان إرسال المحرم للصيد بعد إمساكه مسقطاً للضمان وجب أن يكون إعادة المستودع لها بعد الإخراج مسقطاً للضمان، قالوا: ولأنه لما كان لو أخرجها من حرز المستودع سارق فضمنها سقط عنه الضمان بردها كان أولى إذا أخرجها المستودع فضمنها أن يسقط عنه الضمان بردها. ودليلنا هو أنه ما ضمنت به الوديعة لم يسقط بارتفاع سببه كالجحود، ولأن من ضمن باليد لم ينفرد بإسقاط الضمان كالغاضب، ولأن الضمان إذا وجب بالإخراج من الحرز لم يخرج بالرد إلى الحرز كالسارق، ولأنه قد خرج بالتعدي في الأمانة، فلم يعد إليها باستئناف أمانة وإلا كان أمين نفسه، ولأن الضمان إذا تعلق بذمته لم يكن له سبيل إلا إبراء نفسه بنفسه فأما استدلالهم بأن الحكم إذا ثبت لعلة زال بزوالها فالعلة لم تزل، لأن التعدي الأول انقطع ولم يرتفع، وأما إرسال المحرم للصيد فإنما سقط عنه الضمان، لأنه قد أعاده إلى حقه. ومثاله من الوديعة أن يعيدها إلى مالكها، وأما السارق من المستودع فقد اختلف

стр. 2909

أصحابنا في سقوط الضمان عنه إذا رده المستودع على وجهين: أحدهما: لا يسقط الضمان عنه لأنه غير مالكه. والثاني: قد سقط عنه الضمان، لأن المستودع على أمانته فصار عودها إلى يده كعودها إلى المالك، وليس كذلك إذا كان المستودع هو الضامن له، لأنه قد خرج من الأمانة. فصل فإذا ثبت أن ضمان التعدي باق وإن كف عنه فسقوطه عنه يكون بردها على مالكها أو وكيل مالكها في قبضها، فأما إبراء المودع له من ضمانها فإن كان بعد تلفها واستقرار عزمها في ذمته صح الإبراء إذا كان بعد تلفها، وإن كان مع بقائها ففي سقوط ضمانها وجهان: أحدهما: وهو قول المروروزي قد سقط الضمان، لأن الإبراء استئمان. والثاني: أن الضمان لا يسقط عن الغاصب بالإبراء قبل الرد، ولأن الإبراء إنما يتوجبه إلى ما استقر من الديون في الذمم لا إلى ما في الأيدي من الأعيان، وإنما هبات الأعيان لا تسقط ضمانها، فعلى هذا لو أعادها المستودع إلى حرزها بإذن مالكها كان سقوط الضمان عنه على هذين الوجهين، والله أعلم. مسالة (١) قال الشافعي: "ولو أودع عشرة دراهم فأنفق منها درهما ثم رده فيها ولو ضمن الدرهم". قال في الحاوي: قد ذكرنا أن من وجوب الضمان بكسر الختم وحل الشداد وجهان: فأما إذا أودع دراهم غير مختومة ولا مشدودة فأخرج منها درهماً لينفقه قد ضمنه وحده ولا يضمن غيره، فإن رده بعينه ولم ينفقه لم يسقط عنه ضمانه، فإن خلطه بالدراهم، نظر فإن تميز عنها ضمنه وحده ولم يضمن جمع الدراهم وإن لم يتميز عنها ففي ضمان جميعها وجهان: أحدهما: يضمن جميعها، لأنه قد خلط مضموناً بغير مضمون فصار بذلك متعدياً فضمن الجميع وهذا مذهب أبي حامد المروروزي، والبصريين. والثاني: لا يضمن، لأن كل ذلك مال واحد قد آثر مالكه خلطه فلم يكن في خلطه خلاف غرضه، وهذا مذهب أبي علي بن أبي هريرة، والبغداديين، وإن أنفق ذلك الدرهم ورد بدله وخلطه بالدراهم فلا يخلو حال ذلك الدرهم الذي رده بدلاً من ثلاثة أقسام:

стр. 2910

أحدها: أن لا يتميز من جميع الدراهم، فيصير بخلطه متعدياً في الجميع، لأنه قد خلط الوديعة بمال نفسه، فصار ضامناً بجميعها. والثاني: أن يتميز ذلك الدرهم دون غيره مما يتميز ويصير كمن خلط دراهم الوديعة بدنانير نفسه عن جميع الدراهم فليس عليه، إلا ضمان ذلك الدرهم دون غيره. والثالث: أن يكون مما يتميز عن بعض الدراهم ولا يتميز عن بعضها، مثل أن تكون بعض الدراهم بيضاء وبعضها سوداء، والدراهم المردودة فيها أبيض أو أسود، فيضمن من ذلك ما لا يتميز عن الدرهم المردود بدلاً ولا يضمن ما تميز عنه. مسألة (١) قال الشافعي: "ولو أودعه دابة وأمره بعلفها وسقيها فأمر من فعل ذلك بها في داره كما يفعل بدوابه لم يضمن وإن بعثها إلى غير داره وهي تسقى في داره ضمن وإن لم يأمره بعلفها ولا بسقيها ولم ينهه فحبسها مدة إذا أتت على مثلها لم تأكل ولم تشرب هلكت ضمن وإن لم تكن كذلك فتلفت لم يضمن وينبغي أن يأتي الحاكم حتى يؤكل من يقبض منه النفقة عليها ويكون ديناً على ربها أو يبيعها فإن أنفق على غير ذلك فهو متطوع". قال في الحاوي: وصورتها في رجل أودع رجلاً دابة فلا يخلو حاله عند إيداعها عنده من ثلاثة أقسام: أحدها: أن يأمره بعلفها. والثاني: أن ينهاه عن علفها. والثالث: أن لا يأمره ولا ينهاه. فأما القسم الأول: وهو أن يأمره بعلفها فعليه أن يربطها في حرز مثلها ويعلفها ويسقط عند حاجتها وقدر كفايتها، فإن علفها مع دوابه في منزله وكان حرزاً جاز وإن لم يكن حرزاً ضمن، وإن علفها مع دوابه وفي غير منزله فإن لم يكن حرزاً أو كان إلا أن القيم بها إذا لم يشاهده قصر في علفها ضمن، وإن كان حرزاً والقيم بها إذا أفرده بعلفها مع غير دوابه لم يقصر في علفها لم يضمن، ومراد الشافعي ﵁ بإطلاق الضمان ما ذكرنا، وهو قول جمهور أصحابنا. وقال أبو سعيد الإصطخري: متى عزلها عن دوابه وعلفها وفي غير إصطبله ضمنها بكل حال، لأن الظاهر من فعل نظيره لنفسه أن اصطبله أحرز، وعلفها مع دوابه أحوط، فإذا ثبت ما وصفنا من مال حرزها وعلفها فلا يخلو حاله في الإذن من أحد أمرين: إما أن يشترط له الرجوع أو لا يشترط له الرجوع، فإن شرط له الرجوع فقال: أنفق عليها
следующие страницы →