← Фикх шафии

Фикх шафии · id 16934

بحر المذهب للروياني

عَبْد الواحِد الرُّوْياني

Полный текст (7 151 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.

стр. 2941

على المعطي والممتنع. والثاني: أن يصح منهم أن ينفردواً بإخراجها، فعلى هذا تكون ولايته خاصة على الممتنع دون المعطي، والله أعلم. باب الأنفال مسألة (١) قال الشافعي ﵀: "ولا يخرج من رأس الغنيمة قبل الخمس شيء غير السلب للقاتل، قال أبو قتادة ﵁: خرجنا مع رسول الله عام حنين. قال: فلما التقنيا كانت المسلمين جولة فرأيت رجلاً من المشركين قد علا رجلاً من المسلمين. قال: فاستدرت له حتى أتيته من ورائه فضربته على حبل عاتقه ضربة فأقبل علي فضمني ضمة وجدت منها رمح الموت ثم أدركه الموت فأرسلني فلحقت عمر. فقال: ما بال الناس؟ قلت: أمر الله ثم إن الناس رجعوا، فقال رسول الله ﷺ : "ومن قتل قتيلاً له عليه بينة فله سلبه" فقمت من يشهد لي؟ ثم جلست يقول وأقول ثلاث مرات. فقال ﷺ "ومالك يا أبا قتادة؟ فاقتصصت عليه القصة فعال رجل من القوم: صدق يا رسول الله وسلب ذلك القتيل عندي فأرضه منه. فقال أبو بكر ﵁ لاها الله إذا لا يعمد إلى أسد من أسد الله تعالى يقاتل عن الله وعن رسوله فيعطيك سلبه. فقال رسول الله ﷺ : "صدق فأعطه إياه" فأعطانيه فبعت الدرع واتبعت به مخرفاً في بني سلمة فإنه لأول مال تأثلته في الإسلام (٢). وروي أن شبر بن علقمة قال: بارزت رجلاً يوم القادسية فبلغ سلبه اثني عشر ألفاً فنفلنيه سعد". قال في الحاوي: وهذا كما قال من قتل من المسلمين مشركاً في معركة الحرب فله سلبه، سواء شرطه الإمام له أو لم يشترطه، ولا يخمسه. وقال أبو حنيفة: ليس له سلبه إلا أن يشترطه الإمام له فيعطيه للشرط من جملة الخمس استدلالاً بعموم قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٤١]. ورواية معاذ أن النبي ﷺ قال: "ليس للمرء إلا ما طابت به نفى إمامه" وبرواية عوف بن مالك الأشجعي قال: خرجت مع زيد بن حارثة في غزوة مؤتة ورافقني رجل من أهل اليمن فقتل رومياً فأخذ سلبه، فلما فتح الله على المسلمين بعث إليه خالد بن الوليد فأخذ منه السلب فأتيته فقلت: يا خالد، أما علمت أن رسول الله ﷺ قضى بالسلب للقاتل؟ قال: بلي، لكن استكثرته، قلت: لتردنه عليه أو لأعرفنكم عند رسول الله ﷺ أن

стр. 2942

يرده، فاجتمعنا عند رسول الله ﷺ فقصمت عليه قصة اليمنى، فقال رسول الله ﷺ : "يا خالد اردده عليه قال عوف: فقلت يا خالد ألم أقل لك؟ فقال رسول الله ﷺ : وما ذاك" فأخبرته فغضب وقال: "يا خالد لا ترده عليه، هل أنتم تاركون لي أمراي؟ لكم صفوة أمرهم وعليهم كدره" (١). قال أصحاب أبي حنيفة: فلو استحقه القاتل لما استجاز أن يمنعه منه لغضب ولا غيره، قالوا: وتد روي أن معاذ بن عوف ومعاذ بن عمرو قتلا أبا جهل يوم بدر فأعطى النبي ﷺ سلبه معاذ بن عمرو، فلو كان للقاتل من خص به أحدهما. واستدلوا من طريق القياس بأن قالوا: كل مال يستحق بالتحريض على القتال يجب أن يتعلق استحقاقه بشرط الإمام كالنفل، ولأن السلب لو استحق بالقتل لوجب إذا قتل مولياً أو رماه من صفة بسهم فقتله أن يستحق سلبه، فلما ثبت أنه لا يستحقه مع وجود القتل ثبت أنه لا يستحق بالقتل، ولأن السلب لو صار بالقتل ملكاً للقاتل لوجب إذا وجد قتيلاً عليه سلب لا يعرف قاتله أن لا يغم به؛ لأنه قد صار ملكاً لمسلم لا يعرف، وفي إجماعهم على قسمة في الغنيمة دليل ملى أنه غير مستحق بالقتل. ودليلنا ما رواه أبو مالك الأشجعي عن نعيم بن أبي هد عن سمرة بن جندب قال رسول الله ﷺ : "من قتل قتيلاً نله سلبه" وروى أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال يوم خيبر: "من قتل كافراً فله سلبه" (٢) فقتل أبو طلحة الأنصاري يومئذ عشرين كافراً فأخذ أسلابهم. ووجه الدليل من هذا الخبر: أنه ابتداء شرع بين فيه فاستحق به السلب وهو القتل، واعتمد الشافعي على ما رواه عن مالك عن يحيى بن سعيد عن عمر بن كير عن أبي محمد مولى أبي قتادة قال: خرجا مع رسول الله ﷺ عام حنين، فلما التقينا كان للمسلمين جولة قال: فرأيت رجلاً من المشركين قد علا رجلاً من المسلمين، فاستدرت له حتى أتيته من ورائه، قال: فضربته على حبل عاتقه ضربة، فأقبل علي فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت، ثم أدركه الموت، فأرسلني فلحقت عمر بن الخطاب ﵁ فقلت له: ما بال الناس؟ فقال أمر الله، ثم إن الناس رجعوا فقال رسول الله ﷺ : "من قتل قتيلاً فله سلبه" فقمت فقلت: من يشهد لي؟ فجلست ثم قال رسول الله ﷺ : "من قتل قتيلاً له عليه بينة فله سلبه" فقمت ثم قال رسول الله ﷺ : مالك يا أبا قتادة فاقتصصت عليه القصة، فقال رجل من القوم: صدق يا رسول الله وسلب ذلك القتيل عندي فارضه عني، فقال أبو بكر الصديق ﵁ لا هلم الله إذن لا يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله وعن رسوله فيعطيك سلبه، فقال رسول الله ﷺ : "فأعطه إياه" قال أبو قتادة

стр. 2943

فأعطانيه فبعث الدرع فابتعت به مخرقاً في بني سلمة فإنه لأول مال تأثلته في الإسلام، ووجه الدلالة منه أن وسول الله ﷺ قال: ذلك بعد الوقعة، وإجازة الغنيمة وبعد قتل أبي قتادة للكافر، فعلم أنه يستحق بالقتل لا بالشرط، فإن حملوا على شرط تقدم منه لم يصح من ثلاثة أوجه: أحدها: أنه إثبات ما لم ينقل. والثاني: أنه بيان شرع وإن تقام كما يكون بيانه، لأنه نقل سبب علق عليه حكم. والثالث: أنه لو تقدم شرط لأخذه أبو قتادة ولم يدعيه أو لا يشهد لنفسه على قتله، فإن قيل: فالنبي ﷺ جعل السلب للقاتل بالبينة، وقد أعطاه أبا قتادة بغير بينة فدل على أنه أعطاه نفلاً لاحقاً، فعن ذلك جوابان: أحدهما: أن من كان يده على السلب فقد صدقه فلم يحتج إلي بينة. والثاني: روى أنه شهد لأبي قتادة اثنان عبد الله بن أنيس والأسود بن خزاعي، ويدل عليه من القياس أنه مال مغنوم، يستحق بسبب لا يفتقر تقديره إلى اجتهاد الإمام، فوجب أن لا يعتبر فيه شرط الإمام لسهم الغانمين طرداً أو النقل عكساً؛ ولأنه ذو سهم تحرر بنفسه في قتل كافر فقاتل فوجب أن يستحق سلبه قياساً عليه إذا شرطه الإمام له، وأما الجواب عن الآية فمن وجهين: أحدهما: أن السلب خارج فيها؛ لأنه قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٤١] وليس السلب ما غنموه وإنما غنمه أحدهم. والثاني: أنه بيان لما فيه من الإجمال، وأما الجواب عن قوله: ليس لأحد إلا ما طابت به نفس إمام فمن وجهين: أحدهما: أن نفس الإمام إمام الأئمة رسول الله ﷺ قد طابت به فكانت أوكد من أن تطيب به نفس إمام من بعده. والثاني: أنه عام يحمل على النفل، ويخص منه السلب، وأما حديث عوف بن مالك فهو دلل لنا من ثلاثة أوجه: أحدهما: أن عوفاً وخالد اتفقا على أن السلب للقاتل، ولكن استكثره خالد، واستحقاق السلب لا يسقط بالكثرة. والثاني: أن عوفاً حين أخبر به رسول الله ﷺ لم يسأل عن الشرط. والثالث: أنه أمر خالداً برده على القاتل، فأما قوله لخالد حين غضب: "لا ترده" فتأديب منه لعوف حتى لا ينبسط الرعايا على الأمراء، ويحتمل أن يكون قد رده من بعد. وأما الجواب عن إعطائه سلب أبي جعل لأحد قاتليه فالمروي أن ابني عفراء اثخنا أبا جهل جراحاً، وخر صريعاً فأتاه ابن مسعود ليجز رأسه، فقال له أبو جهل: من أنت؟ فقال ابن مسعود، فقال له أبو جهل: ابن أم عبد رويعينا بالأمس فمكن يديك وجز الرقبة مع الرأس إذا لقيت أمك فأخبرها أنك قتلت أبا الحكم ففعل ذلك، وأخذ رأسه مع

стр. 2944

الرقبة، وكان قصد أبي جهل أن يكون ذلك أبهى لرأسه، ثم أخبر أمه بذلك فقالت: والله أعتق تسعين رجلاً من قومك، ودفع النبي ﷺ إلى ابني عفراء أو إلى أحدهما (١) بحسب اختلاف الرواية؛ لأنه قد كان أثخنه بالجراح وبإثخان المقتول يستحق السلب لا بإماتة نفسه وروحه وأما الجواب عن قياسهم على النفل فالمعنى فيه افتقار النفل إلى تقدير الإمام، وليس كذلك السلب. وأما الجواب عن قولهم: لو كان مستحقاً بالقتل لاستحقه إذا قتله مولياً أو رماه بسهم، فهو أنه مستحق بقتل على صفة وهو أن يكون للقاتل مغراراً بنفسه ويكف شر المقتول بقتله، وهو إذا رماه لم يغرر، وإذا قتله مولياً فقد كف المولى شر نفسه، ألا تراه لو استحقه بشرط الإمام لم يستحقه، إلا على علي هذه الصفة، وأما الجواب عن قولهم: لو كان السلب مستحقاً بالقتل لوجب أن لا يغنم سلب مقتول لا يعرف قاتله فهو أنه قد يستحق بقتل على صفة لم يغنم بغنيمة فيمنع من قسمه، فلذلك قسم، ألا ترى لو شرطه الإمام لكان مغنوماً إذا لم يتيقن مستحقه؛ لجواز أن يكون القتل على صفة لا يستحق بها. فصل وأما مالك فاستدل على تخميس السلب بقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] ولأنه مال مغنوم فأشبه الغنائم، ودليلنا ما قدمناه من الأخبار من إعطاء النبي ﷺ السلب من غير تخميس. وروي أن سلمة بن الأكوع قتل رجلاً فقال النبي ﷺ من قتله؟ قالوا: سلمة بن الأكوع قال: له سلبه" (٢). وهذا نص. وروى سفيان عن الأسود بن قيس عن شبر بن علقمة قال: قتلت رجلاً يوم القادسية فبلغ سلبه اثني عشر ألفاً فنفلنيه سعد" (٣)؛ ولأن أهل الغنيمة أقوى من أهل الخمس لأمرين: أحدهما: كثر سهمهم. والثاني: حضورهم الوقعة مع القتل، ثم كانوا مع قربهم لا يشاركون القاتل في السلب، فلأن لا يشاركه أهل الخمس الذين هو أضعف أولى، والجواب عن الآية قد مضى وقياسهم على الغنيمة مدفوع بهذا الاستدلال. فصل فإذا ثبت أن السلب للقاتل من غير تخميس فهو له من أصل الغنيمة قليلاً، كان أو

стр. 2945

كثيراً وقال بعض أهل العراق: هو له في الخمس سهم النبي ﷺ المعد لوجوه المصالح، فإن زاد السلب عليه ردت الزيادة إلى القسمة اعتباراً بالنفل المستحق من الخمس، وهذا غير صحيح؛ لأن قتيل سلمة بن الأكوع جعل رسول الله ﷺ سلبه له أجمع، وكان جميع الغنيمة - لأنه لم يغنم سواه، ولأن ما استحق من غير اجتهاد ولا شرط كان من أصل الغنيمة دون الخمس كالسهام، وخالف النفل الذي لا يستحق إلا باجتهاد أو شرط. فصل فإذا صح ما وصفنا من استحقاق السلب من أصل الغنيمة من غير تخميس، فقد اختلف أصحاب الشافعي فيه: هل هو ابتداء عطية من رسول الله ﷺ ؟ أو بيان لمجمل الآية من قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] على قولين: أحدهما: أنه ابتداء عطية. والثاني: أنه بيان لمجمل الآية، ولهذا القولين بيان نذكره من بعد، والله أعلم مسألة (١) قال الشافعي ﵀: "فالذي لا أشك فيه أن يعطى السلب من قتل مشركاً مقبلاً مقاتلا من أي جهة قتله مبارزاً أو غير مبارز وقد أعطى النبي ﷺ سلب مرحب من قتله مبارزاً وأبو قتادة غير مبارز ولكن المقتولين مقبلان ولقتلهما مقبلين والحرب قائمة مؤنه ليست له إذا انهزموا أو انهزم المقتول وفي حديث أبي قتادة ﵁ دل على أن النبي ﷺ قال: "من قتل قتيلا له عليه بينه" يوم حنين بعدما قتل أبو قتادة الرجل فأعطاه النبي ﷺ ذلك حكم عندنا. قال الشافعي: ولو ضربه ضربة فقد يديه أو رجليه ثم قتله آخر فمان سلبه للأول وإن ضربة وهو ممتنع فقتله آخر كان سلباً للآخر ولو قتله اثنان كان سلبه بينهما نصفين وهذا صحيح". قال في الحاوي: إذا ثبت أن السلب للقاتل من أصل الغنيمة من غير تخميس فاستحقاق القاتل معتبر بأربعة شروط: أحدها: أن تكون الحرب قائمة والقتال مستمراً، فإن قتله بعد انقضاء الحرب وانجلاء الواقعة فلا سلب له. والثاني: أن يكون المقتول مقبلاً على الحرب، سواء كان يقاتل أو لا يقاتل: لأنه وإن لم يقاتل فهو رد لمن تقاتل، فأما إن قتله وهو مولي عن الحرب تاركاً لها فلا سلب له إلا أن يكون قد فر فيكون له سلبه؛ لأن الحرب كر وفر، ولكن فرق بين أن يقتله من أمامه أو من وارثه في استحقاق سلبه؛ لأن أبا قتادة قتل المشرك الذي أخذ سلبه من ورائه.

стр. 2946

والثالث: أن يكون القاتل في قتله مغرراً بنفسه إما بأن يقتله مبارزة أو غير مبارزة، وإذا خرج القاتل عن صفة فغرر، فأما إذا قتله من الصف بسهم رماه فلا سلب له. والرابع: أن يكون المقتول ممتنعاً بسلامة خمسه حتى قتل ليكون في القتل كف لشره وأما أن كان قد صار بجراح قد تقدمت غير ممتنع فسلبه لمن كفه ومعه دون من قتله؛ لأن النبي ﷺ أعطى سلب أبي جهل ابن عفراء دون ابن مسعود وإن كان هو القاتل؛ لأنهما صرعاه فجرحاه وكفاه عن القتال، وصفة الكف الذي يتعلق به استحقاق السلب أن يجتمع شرطان: أحدهما: أن يناله من الجراح ما يعجز معه عن القتال فيصير به مكفوف الشر، وسواء قطع أطرافه الأربعة أو بعضها أو كان الجراح في غير أطرافه، وقد روى المزني: ولو ضربه فقد يديه أو رجليه ثم قتله آخر فإن سلبه الأول" وروى الربيع: "ولو ضربه فقطع يديه ورجليه" وليس ذلك على اختلاف قولين فيما يصير به مكفوفاً كما وهم فيه بعض أصحابنا، وإنما الاعتبار فيه بأن يصير بالجراح عاجزاً عن القتال صريعاً. والثاني: أن لا تطول به مدة الحياة بعد الجراح، فيكفي شر رأيه وتدبيره فيصير باجتماع هذين الشرطين سلبه للجارح الأول دون الثاني القاتل. وأما إن جرحه لا تطول مدة الحياة بعدها لكنه قد يقاتل معه فلا سلب لجارحه؛ لأن ما كفى شر قتاله والسلب لقاتله ولو ناله بالجراح ما كفه عن القتال وأعجزه عنه أبداً، لكن طالب به مدة الحياة بعدة ففي سلبه قولان من قتل الشيوخ: أحدهما: السلب لجارحه دون قاتله إذا قيل إن الشيوخ والرهبان لا يقتلون. والثاني: لقاتله دون جارحه إذا قيل يقتلون، فهذه الشروط التي ذكرنا يستحق السلب بها، وقال أبو داود وأبو ثور: "من قتل قتيلاً فله سلبه" وهذا خطأ: لأن النبي ﷺ أعطى سلب أبي جهل لابن عفراء دون ابن مسعود، وان كان قاتلاً، وقيل: إنه تقلد منه سيفه وحده. مسألة (١) قال الشافعي: ﵀: "والسلب الذي يكون للقاتل كل ثوب يكون عليه وسلاحاً ومنطقته وفرسه إن كان راكبه أو ممسكه وكل ما أخذ من يده". قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا كان السلب مستحقاً بالقتل الذي وصفناه انتقل الكلام فيه إلى ثلاثة فصول: أحدها: فيمن يستحق السلب من القاتلين. والثاني: فيمن يستحق سلبه عن المقتولين.

стр. 2947

والثالث: فيما يكون سلباً مستحقاً بالقتل. فأما الفصل الأول وهو: القاتل الذي يستحق السلب فهو كل ذي سهم في الغنيمة من فارس وراجل فله سلب قتيله. فأما من لا سهم له في الغنيمة فضربان: حدهما: من لا سهم له لكفره. والثاني: لنقصه. فأما م سهم له بكفره كالمشرك إذا قتل مشركاً فلا سلب له إن قتل؛ لأن السلب غنيمة نقلها الله تعالى عن المشركين إلى المسلمين فلم يجز أن ينقل عنهم إلى المشركين وإنما يعطون إذا قاتلوا أجراً من سهم المصالح لا سهماً من الغنيمة. فأما ما لا سهم له لنقصه كالعبيد والصبيان، والنسا، ففي استحقاقهم في السلب قولان مبينان على اختلاف قوليه في السلب، هل هو ابتداء عطية من رسول الله ﷺ ؟ أو بيان لمجمل الآية؟ فإن قيل إنه ابتداء عطية منه ﷺ أعطيه القاتل عبداً كان أو صبياً أو امرأة؛ لعموم قوله ﷺ : "من قتل قتيلاً له سلبه" وإن قيل إنه بيان لمجمل الآية لم يعط العبد والصبي والمرأة وإن كانوا قاتلين؛ لأن تملك السهم من الغنيمة مستحق لمجرد الحضور؛ فلما ضعفوا عن تملكه كانوا عن تملك السلب أضعف، والله أعلم. فصل وأما ما يستحق سلبه من المقتولين فهم من جاز قتله من المشركين، والمشركون على ثلاثة أقسام: مقاتلة ومن دونهم، من الذرية، ومن فوقهم من الشيوخ والرهبان. فأما المقاتلة فسلب من قتل سهم لقاتله، لأن قتلهم مباح له، سواء قاتلوا أو لم يقاتلوا. وأما الذرية وهم النساء والصبيان فإن قاتلوا كان قتلهم مباحاً وللقاتل سلب ما قتله منهم، وإن لم يقاتلوا حرم قتلهم؛ لنهي النبي ﷺ عن قتل النساء والولدان، ولا سلب لقاتلهم؛ لحظر قتلهم عليه لكنه يكون مغنوماً؛ لأنه مال مشرك. وأما الشيوخ والرهبان فإن قاتلوا جاز قتلهم، وكان للقاتل سلب من قتله منهم وإن لم يقاتلوا ففي جواز قتلهم قولان: أحدهما: يجوز قتلهم، فعلى هذا يكون سلبهم للقاتل. والثاني: لا يجوز قتلهم، فعلى هذا الأسلوب لقاتلهم ويكون مغنوماً. فصل وأما ما يستحق سلباً فما ظهر عليه في الوقعة من مال المقتول وهو على ثلاثة أقسام: أحدها: ما يكون سلباً، وهو ما كان راكبه من فرسه أو بغير، ومستجناً به من درع

стр. 2948

ومغفر ومتق به من ترس ودرقه ومقاتل به من سيف أو رمح، فهذا كله مع ما على الفرس من سرج ولجام، وما على المقتول من حلي ولباس سلب يستحقه القاتل. والثاني: ما لا يكون سلباً ويكون غنيمة، وهو ما في رحله من مال ورحل وسلاح وخيل، فهذا كله غنيمة يشترك فيها جميع الجيش، ولا يختص القاتل بشيء منه. والثالث: ما اختلف قوله فيه وهو كلما كانت يده عليه من المعركة قوة على القتال، وإن كان غير مقاتل به في الحال كالفرس الذي بجنبه عدة لقتاله أو هميان النفقة الذي في وسطه قوة ليستعين بها على قتاله ففيه قولان: أحدهما: يكون سلباً؛ لأنه قوة له على قتالنا فصار كالذي يقاتل به. والثاني: يكون غنيمة ولا يكون سلباً؛ لأنه غير مقاتل به وان كان قوة له كالذي في رحله. فصل وإذا أسر المسلم مشركاً غرر بنفسه بين الصفين في أسره ولم يقتله ففي استحقاق سلبه قولان: أحدهما: لا يستحقه لقوله ﷺ : "من قتل قتيلاً فله سلبه" وهذا لم يقتله ولا كفى المسلمين شره، فعلى هذا إن قتله بعد أسره فإن كان والحرب قائمة فله سلبه، وإن قتله بعد انقضاء الحرب فعلى وجهين: أحدهما: يستحقه؛ لأنه قتله بسبب كان منه في وقت الحرب. والثاني: لا سلب له؛ لأن الحرب قد انقطع حكمها بانقضائها. والثاني: أنه يستحق سلب أسره، وإن لم يقتله؟ لأن تغريره لنفسه في الأسر أعظم، ولأن من قدر على الأسر فهو على القتل أقدر، فإن سلمه إلى الإمام حياً أعطاه الإمام سلبه، وكان مخيراً فيه بين أربعة أقسام: بين أن يقتل، أو يمن عليه، أو يسترقه، أو يفادي، فإن قتله أو من عليه فليس للذي أسره غير سلبه، وإن استرقه أو فادى به على مال كان حكم استرقاقه ومال فدائه كحكم السلب فيكون على قولين: أحدهما: غنيمة إذا قلنا إن السلب مغنوم. والثاني: لمن أسره إذا قلنا: إن السلب لمن أسره. مسألة (١) قال الشافعي ﵀: "والنقل من وجه آخر نفل رسول الله ﷺ من غنيمة قبل نجد بعيراً. وقال سعيد بن المسيب: كانوا يعطون النفل من الخمس. قال الشافعي ﵀: "نفلهم النبي ﷺ من خمسه كما كان يصنع بسائر ماله فيما فيه صلاح

стр. 2949

المسلمين وما سوى سهم النبي ﷺ من جميع الخمس لمن سماه الله تعالى فينبغي للإمام أن يجتهد إذا كثر العدو واشتدت شوكته وقل من بإزائه من المسلمين فينقل منه إتباعاً لسنة رسول الله ﷺ وإلا لم يفعل وقد روي النفل في البداءة والرجعة الثلث في واحدة والربع في الأخرى. وروى ابن عمر أنه نفل نصف السدس وهذا يدل على أنه ليس للنفل قد لا يجاوزه الإمام ولكن على الاجتهاد". قال في الحاوي: وهذا صحيح. قد ذكرنا في أول الباب أن النفل في كلامهم هو زيادة من الخير، وهو هاهنا الزيادة من الغنيمة يختص بها بعض الغانمين دون بعض. وقد تكون من أربعة أوجه: أحدهما: السلب، يستحقه القتل من أصل الغنيمة من غير شرط على ما قدمناه. والثاني: ما ادعى إلى التحريض على القتال والاجتهاد في الظفر، مثل: أن يقول الإمام أو أمير الجيش من يقدم في السرايا إلى دار الحرب فله كذا وكذا، ومن فتح هذه القلعة فله كذا وكذا، أو من قتل فلاناً فله كذا، أو من أقام كميناً فله كذا، فهذا جائز، سواء جعل ما بذله مقدراً في الغنيمة كقوله: فله ألف دينار أو جعله شائعاً في الغنيمة كقوله: فله ربع الغنيمة أو ثلثها، أو جعله مقدار بالسهم فيها كقوله: فله نصف مثل سهم، كل ذلك سواء، والدليل على جوازه إذا دعت الحاجة إليه ما رواه الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ بعث سرية قبل نجد فغنموا إبلاً كثيرة فكانت سهامهم اثني عشر بعيراً او أحد عشر بعيراً ثم نفلوا بعيراً (١). وروى زيد بن حارثة عن حبيب بن مسلم أن النبي ﷺ نفل الثلث بعد الخمس في بدائه (٢). وروى مكحول عن أبي أمامة عن عبادة بن الصامت أن النبي ﷺ كان ينفل في البداءة الربع وفي الرجعة الثلث (٣). وفيه لأصحابنا ثلاثة تأويلات: أحدهما: أن البداءة أن يبتديء بإنفاذ سرية إلى دار الحرب فجعل لها الربع، والرجعة أن ينفذ بعدها سرية ثانية فيجعل لها الثلث فيزيد الثانية، لأنها تدخل بعد علم أهل الحرب بالأولى. والثاني: أن البداءة أن ينفذ سرية في ابتداء دخوله دار الحرب فيجعل لها الربع، وللرجعة أن ينفذها بعد رجوعه عن دار الحرب، فيجعل لها الثلث؛ لأنها برجوع الجيش

стр. 2950

أكثر تغريراً من الأولى؟ والثالث: أن البداءة أن يبتدئ بالقول فيقول من يفتح هذا الحصن وله الربع إما من غنائمه وإما مثل من ربع سهمه فلا يجيبه أحد فيرجع فيقول ثانية من يفتحه وله الثلث فيجاب إليه فيكون القول الأول بداءة والثاني رجعة، وإذا كان كذلك، فليس يتحدد الأقل في البداءة بالربع: لأن ابن عمر روى أنه نفل نصف السدس بعيراً من اثني عشر ولا يتحدد الأكثر في الرجعة بالثلث؛ لأنه معتبر بالحاجة الداعية وكان تقديره في الأقل والأكثر موكلاُ إلى اجتهاد الإمامء ولو أداه اجتهاده إلى أن يبذل في البداءة بدخول الحرب أكثر مما كان ببذله في الرجعة منهما؛ لأن أهل الحرب في البداءة متوفرون وفي الرجعة مهزمون جاز ثم يكون هذا النفل الذي جعل لهم في البداءة والرجعة من سهم المصالح وهو خمس الخمس سهم رسول الله ﷺ المصروف بعده في وجوه المصالح لرواية أبي الزناد عن سعيد بن المسيب قال: كان الناس يعطون النفل من الخمس يعني خمس الخمس؛ ولأنه مبذول في المصالح فأشبه سائر المصالح؛ ولأنه لما تقدر بشرط الإمام واجتهاده بخلاف السلب كان مأخوذاً من سهم المصالح لأمن أصل الغنيمة بخلاف السلب، وحكى ابن أبي هريرة قولاً ثانياً أنه كالرضخ المستحق من الغنيمة على ما سنذكره: لأن الربع في البدا، ة والثلث في الرجعة أكثر من خمس الخمس: لأن الثلث سهم من ثلاثة، وخمس الخمس سهم من خمسة وعشرين وسهماً وهذا ليس بصحيح، وفيما ذكرناه تأويلان، وهما له جوابان: أحدهما: أنه جعل الربع في البداءة والثلث في الرجعة، مما اختصت تلك السرية بغنيمة وقد يجوز أن يكون ذلك خمس خمس جميع الغنائم ثم التي أجازها جميع الخمس وأقل منه. والثاني: أنه يجوز أن تكون الزيادة على خمس الخمس تممها رسول الله ﷺ من غير ذلك من أمواله التي خص بها وهي أربعة أخماس الفيء وخمس وخمسه وما يصطفيه لنفسه. فصل والوجه الثالث: من النفل وهو الرضخ والرضح من وجهين: أحدهما: ما يرضخ به الإمام لمن لا سهم له من العبيد والصبيان الذين يشهدون الوقيعة والثاني: ما يرضخ به لمن اشتد بلاؤه في الحرب من فارس وراجل زيادة على سهمه لحسن أثره ولا يبلغ بالرضخ الزائد سهم فارس ولا راجل فقد فعل رسول الله ﷺ ذلك ونفل ابن مسعود سيف أبي جهل ونفل سعد بن أبي وقاص يوم بدر سيف سعيد بن العاص وكان يسمى ذا الكاشفة وفي الرضخ قولان: أحدهما: من أصل الغنيمة.

стр. 2951

والثاني: من أربعة أخماس على ما سنذكره. فصل والوجه الرابع: من النفل أن يقول الإمام أو أمير الجيش قبل اللقاء: من غنم شيئاً فهو له تحريضاً للمسلمين؛ لما يخاف من كثرة العدو وقوة شوكتهم، فالذي نص عليه الشافعي وهو المشهور من مذهبه، والمعول عليه من قوله أن هذا القول لا يوجب اختصاص كل إنسان بما أخذه، الواجب رد جميعه إلى المغنم، وإخراج خمسه، وقسمة أربعة أخماسه في جميع من شهد الوقعة. وقال أبو حنيفة: وهذا شرط لازم، ومن أخذ شيئاً فهو له، ولا يخمس؛ لأنهم على ذلك غزواً وبه رضوا. وقال الشافعي: ولو قاله قائل كان مذهباً، فمن أصحابنا من خرجه قولاً له ثانياً استدلالاً بأن النبي ﷺ قال يوم بدر: من أخذ شيئاً فهو له ودليل القول الأصح في أن هذا الشرط لا حكم له عموم قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] وقول أبي بكر ﵁ موقوفاً عليه ومسنداً عن رسول الله ﷺ أنه قال: "الغنيمة لمن شهد الوقعة" فلم يجز أن يختص بها بعضهم؛ ولأن من استحق الغنيمة من غير شرط الإمام لم يسقط حقه لشرط الإمام كما لو شرطها لغير القائمين. فأما قوله ﷺ يوم بدر: "من أخذ شيئاً فهو له" فليس بثابت، ولو ثبت لم يكن فيه دليل؛ لأن غنائم بدر كانت خالصة لرسول الله ﷺ ويضعها حيث شاء حتى جعلها الله تعالى بعد بدر لمن شهدها بعد إخراج خمسها، والله أعلم. باب تفريق الغنيمة مسألة (١) قال الشافعي ﵀: "كل ما حصل مما غنم من أهل دار الحرب من شيء قل أو كثر من دار أو أرض أو غير ذلك قسم إلا الرجال البالغين فالإمام فيهم مخير بين أن يمن أو يقتل أو يفادي أو يسبي وسبيل ما سبي أو أخذ منهم من شيء على إطلاقهم سبيل الغنيمة وفادى رسول الله ﷺ رجلاً برجلين". قال في الحاوي: اعلم أن جميع ما ظهر عليه المسلمون عنوة من المشركين على ثلاثة أقسام: قسم هي أموال منقولة، وقسم هي أرض ثابتة، وقسم هم آدميون مقهورون، فأما الأموال المنقولة، كالفضة، والذهب، والسلاح، والآلة، والعروض، والأمتعة، والخيل، والرقيق فالواجب إخراج خمسها لأهل الخمس على ما يأتي بيانه ثم يقسم أربعة أخمساها

стр. 2952

بين جميع من شهد الواقعة بالسوية من غير تفضيل إلا ما استحقه بفرسه ولا يفضل ذا شجاعة على غيره، ولا من قاتل على من لم يقاتل، ولا يعطى من الغنيمة من لم يشهد الواقعة. وقال أبو حنيفة للإمام أن يفاضل بينهم في القسم، وليس له أن يعطي من لم يحضر الواقعة استدلالاً بأن النبي ﷺ فاضل بين الناس في غنائم حنين. وقال مالك: يجوز أن يفاضل بينهم، ويعطي منها من لم يحضر معهم استدلالاً بأن النبي ﷺ قسم من غنائم بدر لثمانية لم يشهدوا بدرا منهم: عثمان وطلحة. والدليل عليهما عموم قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال:٤١] فاقتضى أن يكون الباقي بعد الخمس لمن غنم كمل قال: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُث﴾ [النساء:١١] فدل على أن الباقي للأب إذا اقتضت الآية أن يكون أربعة أخماس الغنيمة للغانمين أوجب بذلك التسوية ما لم يرد نص بالتفضيل وأن لا يشاركهم غيرهم لظاهر التنزيل. وروى عبد الله بن عمرو أن رجلاً أخذ من المغنم جبة غزل من شعر فأتى النبي ﷺ وقال: أخذت هذه لأصلح بها بردعة بعيري، فقال النبي ﷺ : "أما ما كان له ولبني عبد المطلب فهو لك" فقال الرجل: أما إذا بلغت ما أرى فلا أرب لي بها (١)، فلو جاز التفضيل لفضل بهذا القدر اليسير ولأن ما اشتركوا في سبب تملكه أوجب تساويهم في ملكه كالاشتراك في صيد واحتشاش، فأما تفضيل رسول الله ﷺ بين الناس في غنائم حنين، فإنما فعل ذلك بالمؤلفة قلوبهم، فألف عدداً منهم كل واحد منهم بمائة بعير منهم: أبو سفيان بن حرب وصفوان بن أمية، وعيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، واستعتب العباس بن مرداس فقال (٢): أتجعل نهبي ونهب العبيد ... بين عيينه والأقرع وما كان حصن ولا حابس ... يفوق مرداس في مجمع وما كنت دون أمري منهما ... ومن تضع البوم لا يرفع فقال النبي ﷺ : "اقطعوا لسانه عني" (٣).

стр. 2953

وأمر له بخمسين بعيراً، وكان ما فعله النبي ﷺ من إعطاء المؤلفة قلوبهم إما من سهمه من الخمس، وإما لأن رسول الله ﷺ ثبت بحنين مع ثمانية من أصحابنا وانهزم جميع الناس؛ فصارت جميع الغنائم له فصنع بها ما شاء وتألف بها من شاء، ولذلك قالت الأنصار حين رأوه قد تألف قريشاً أن رسول الله ﷺ قد عزم أن يرجع إلى قومه فقال رسول الله ﷺ : "يا معشر الأنصار إنكم لتكثرون عند الفزع وتقلون عند الطمع، ولو سلك الناس شعباً ويسلك الأنصار شعباً لسلكت شعب الأنصار أما ترضون أن ينصرف الناس بالشاة والبعير، وتنصرفون برسول الله ﷺ فقالوا: رضينا (١)، فكان ما فعله من التفضيل بحنين محمولاً على ما ذكرنا، وأما غنائم بدر فكانت خالصة له فوضعها فيمن شاء من حاضر وغائب على تساوي وتفضيل. فصل وأما ما لا ينقل من الدور والأرضين فحكمه عندنا حكم الأموال المنقولة، يكون خمسه لأخل الخمس، وتقسم أربعة أخماسه بين الغانمين. وقال أبو حنيفة: الإمام في الأرضين مخير بين ثلاثة أشياء بين أن يقسمها على الغانمين، أو يقسمها على المسلمين، أو يقرها في أيدي أهلها المشركين بخراج يضربه عليها، وجزية على رقاب أهلها، تصير خراجاً بعد إسلامهم لا تسقط عن رقابهم. وقال مالك: قد صارت بالغلبة وفقاً على المسلمين، فأما أبو حنيفة فاستدل بما روي عن عمر بن الخطاب لما فتح أرض السواد، أراد أن يقسمه بين الغانمين، فشاور علي بن أبي طالب رضوان الله عليهما، فقال دعها تكون عدة للمسلمين، فتركها ولم يقسمها وضرب عليها خراجاً، وروي أنه لما فتحت مصر، كان الأمير عمرو بن العاص، قال له الزبير أقسمها بين الغانمين، فقال: لا حتى أكتب إلى عمر فكتب إليه فأجابه عمر حتى يغدو فيهما حبل الحبلة (٢)، ولأنه لما جاز أن يصالحهم على خارجها قبل القدرة جاز أن يكون مخيراً فيها بعد القدرة كالرقاب. وأما مالك فاستدل بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر:١٠] فكان هذا الدعاء منهم لأجل ما انتقل إليهم من فتوح بلادهم التي استبقوها وفقاً عليهم، وبما روي أن النبي ﷺ فتح مكة عنوة فلم يقسمها وقسم غنائم هوازن ولم يقسم أرضهم؛ فدل على أن الأرض تصير وفقاً لا يجوز أن تقسم؛ ولأن الغنائم كانت على عهد من سلف من الأنبياء تنزل ناراً من السماء تأكلها فأحلها الله تعالى بعدهم لرسول الله ﷺ ولأمته والنار إنما تختص بأكل المنقول دون الأرضين فدل على اختصاص المنقول بالغنيمة المستباحة دون الأرضين والدلالة عليها

стр. 2954

عموم قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال:٤١] وروى مجمع بن جارية أن النبي ﷺ قسم خيبر بين الغانمين على ثمانية عشر سهماً، وذلك أن الغانمين كانوا ألفاً وأربعمائة، منهم مائتا فارس أعطى كل فارس ثلاثة أسهم، فكان لهم ستمائة سهم ولألف ومائتي رجل ألف ومائتا سهم؛ صارت جميع السهام ألفاً وثمانمائة سهم فقسمها على ثمانية عشرة منهم، وأعطى كل مائة سهماً (١)، ولذلك روى أن عمر ﵁ مالك مائة سهم من خيبر ابتاعها، وقال لرسول الله ﷺ أني قد أصبت ما لم أصب قط مثله، وقد أحببت أن أتقرب إلى الله تعالى فقال النبي ﷺ : "حبس الأصل وسبل الثمرة (٢)؛ فدلت قسمتها وابتياع عمر لها المائة سهم منها على أنها طلق مملوك ومال مقسوم. وروي أن النبي ﷺ ظهر على بني قريظة، فقسم عقارهم من الأرضين والنخيل قسمة الأموال. وروى عن النبي ﷺ أنه قال: "عصبة الله ورسوله فخمسها لله ورسوله ثم هي لكم مني (٣) إنما قربه؛ ولأنه مال مغنوم فوجب أن يقسم كالمنفول، ولأن ما استحق به قسمة المنفول استحق به قسمة غير المنقول كالميراث. وأما الجواب عن استدلال أبي حنيفة أن عمر ﵁ شاور علياً ﵇ في قسم السواد، فأشار عليه بالترك، فهو أن عمر ﵁ قسم أرض السواد بين الغانمين، واشغلوه أربع سنين ثم رأى أن الغانمين قد تشاغلوا به عن الجهاد، فاستنزلهم عنه فنزلوا؛ وترك جرير بن عبد الجبلي، وأكثر قومه وكانت نخيلة ربع الناس، فأبت طائفة منهم أن ينزلوا فعاوضهم عنه وجاءته أم كرز، فقالت: إن أبي شهد القادسية، وأنه مات ولا أنزل عن حقي إلا أن تركبني ناقة زلولاً، عليها قطيفة حمراء، وتملأ كفي ذهباً، ففعل حتى نزلت عن حقها، وكان قدر ما ملئ به كفها ذهباً نيفاً وثمانين مثقالاً، فلولا أن قسمة ذلك واجبة، وأن أملاك الغانمين عليها مستقرة، لما استنزلهم عنها بطيب نفس ومعاوضة، فلما صارت للمسلمين شاور عليها فيها فقال: دعها تكون عدة لهم، فوقفها عليهم، وضرب عليها خراجاً هو عند الشافعي أجرة وعنا أبي العباس بن سريج ثمن، وأما أرض مصر فبعض فتوحها عنوة وبعضها صلح، ولم يتعين نزاع عمرو والزبير في أحدهما فلم يكن فيه دليل. وأما الجواب عن قياسه عن الرقاب فهو أنه منتقض بالمنقول، فإن عمر صالح نصارى العرب على مضاعفة الصدقة على مواشيهم وزروعهم وسائر أموالهم وكان ذلك

стр. 2955

خراجاً باسم الصدقة ثم لا يمنع ذلك من وجوب قسمة في الغنيمة كذلك الأرضون؛ ثم سلم من هذا النقص لكان المعنى في الرقاب أنها ليست في وقت خيار الإمام فيها مالاً، وإنما يصير بالاسترقاق مالاً، وليس للإمام بعد الاسترقاق خيار. وأما الجواب عن استدلال مالك بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر:١٠] فهو أن هذا منهم لم يتعين أنه للمعنى الذي ادعاه، وقد يكون ذلك منهم لتمهيد الأرض لهم، وإزالة المشركين عنهم، ونصرة الدين بجهادهم ثم بما صار إليهم من بلاد الفيء ومواريث العنوة. وأما الجواب عن فتح مكة فتحت عندنا صلحاً، فالكلام في فتحها يأتي، وأما أرض هوازن فلم تغنم؛ لأن قتالهم لم يكن فيها، ونما قوتلوا بعد خروجهم منها إلى حنين، وأحرزوا أموالهم في أوطاس فلما أظفر الله تعالى بهم، وغنمت أموالهم، وسبيت ذراريهم، أتوا رسول الله ﷺ يدلون إليه بحرمة الرضاع؛ ن حليمة مرضعة رسول الله ﷺ كانت من هوازن، وقالوا: لو كنا ملحنا للحارث بن أبي شمر ونزلنا معه منزلنا منك لوعى ذاك، وأنت خير الكفيلين وقولهم ملحنا: أي وضعنا وأنشد شاعرهم: أمنن علينا رسول الله في كرم فإنك المرء نرجوه وننتظر أمنن على نسوة قد كنت ترضعها إذ فوك تملؤه من محضها الدرر فقال: اختاروا أموالكم، أو ذراريكم، فقالوا: خيرتنا بين أموالنا وأحسابنا فنختار أحسابنا على أموالنا، فقال أما ما كان لي ولبني هاشم فلله ولكم، وقال المهاجرون والأنصار: وأما مالنا فلله ولرسوله، ولكم فانكفوا إلى ديارهم التي لا تملك عليهم آمنين، وقد أسلموا. وأما الجواب عن استدلالهم بأكل النار المنقول دون الأرضين فكان هو المغنوم، فهو أنه استدلال ركيك وضعه إسماعيل بن إسحاق القاضي ثم فيه دليل على أن الأرض لم تكن تحل للأنبياء من قبل فوجب أن تحل لنبينا ﷺ لقوله أعطيب ما لم يعط نبي من قبلي أحلت لي الغنائم على أن النار لا تأكل الفضة والذهب، ولا يمنع ذلك من أن تكون غنيمة مقسومة كذلك الأرض. فصل وأما الآدميون المقدور عليهم، والمظفور بهم من المشركين فضربان: عبيد وأحرار. وأما الأحرار فضربان: ذرية ومقاتلة. فأما الذرية فهم النساء والصبيان ومنهم لا يصيرون بالقهر والغلبة، مرقوقين وليس للإمام فيهم خيار وعليه أن يقسمهم بين الغانمين بعد إخراج خمسهم وقد نهي رسول

стр. 2956

الله ﷺ عن قتل النساء والصبيان لكونهم مالاً مغنوماً وقسم سبي بني المصطلق بين الغانمين، واصطفى صفية بنت حيي من سبي خبير وقسم سبي هوازن بين الناس حتى استنزله هوازن فنزل واستنزل. وأما المقاتلة فللإمام فيهم بالخيار اجتهاداً ونظراً بين أربعة أشياء ومنها ما رآه صالحاً: أحدهما: القتل. والثاني: الاسترقاق. والثالث: الفداء بمال أو رجال. والرابع: المن، فإن كان ذا قوة يخاف شره أو ذا رأي يخاف مكره قتله، وإن كان مهيناً ذا كد وعمل استرقه، وإن كان ذا مال فأداه بمال، وإن كان ذا جاء فأداه بمن في أيديهم من الأسرى، وإن كان ذا خير ورغبة في الإسلام من عليه وأطلقه من غير فداء، فيكون خيار للإمام أو أمير الجيش، فمن أسر من المشركين بين هذه الأربعة الأشياء بين القتل أو الاسترقاق أو الفداء بمال، أو رجال، أو المن. وقال أبو حنيفة: هو بالخيار بين شيئين: القتل، أو الاسترقاق، وليس له الفداء والمن. وقال صاحباه أبو يوسف ومحمد: هم بالخيار بين ثلاثة أشياء: بين القتل أو الاسترقاق أو الفداء برجال وليس له الفداء بماء ولا المن، ونحن ندل على كل واحد من ذلك على انفراده. وأما القتل فالدليل على جوازه قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة:٥] الآية وقتل رسول الله ﷺ من الأسرى أربعة أنفس صبراً، ومنهم: أبو عزة الجمحي وعقبة بن أبي معيط وابن خطل وابن النضر بن الحارث، فأما أبو عزة الجمحي فإنه أسر يوم بدر فقال: يا محمد من علي، فمن عليه، فلما عاد إلى مكة ط قال: "سخرت بمحمد، وعاد لقتاله يوم أحد فقال النبي ﷺ : "اللهم أوقع أبا عزة" فما أسر غيره، فأتي به فقال: يا محمد من علي فقال النبي ﷺ : "أمن عليك حتى تأتي مكة فتقول في نادي قريش: سخرت من محمد مرتين، لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين، اقتلوه" (١) فقتل. وأما عقبة بن أبي معيط فلما أسر أمر رسول الله ﷺ بقتله، فقال: من المصيبة فقال: النار، وأما أبا خطل فإن النبي ﷺ لما دخل مكة عام الفتح أباح دم ستة هو منهم، فتغلق بأستار الكعبة فهو آمن" وكان النبي ﷺ استثنى الستة وقال: "اقتلوهم وإن تعلقوا بأستار الكعبة" فلما أقر بذلك قال: "اقتلوه" (٢) فقتل.

стр. 2957

وأما النضر بن الحارث فإن النبي ﷺ أمر بقتله حين أسر فقتل فلما دخل النبي ﷺ مكة عام الفتح استقبلته قتيلة بنت النضر بن الحارث وأنشدته (١): أَمُحَمَّدٌ وَلَدْتُكَ خَيْرُ نَجِيبَةٍ مِنْ قَوْمِهَا وَالفَحْلُ فَحْلٌ مُعْرِقُ مَا كَانَ ضَرّك لَوْ مَنِنْتَ وَرُبَّمَا مَنَّ الفَتى وَهُوَ المَغِيطُ المُخْنِقُ فَالنضْرِ أَقْرَبُ مَنْ تَرَكْتَ قَرَابَةً وَأَحَقَّهُمْ إِنْ كَانَ عَتِقَ يَعْتِقُ فقال النبي ﷺ لأبي بكر ﵁ لو سمعت شعرها ما قتلته. فهذا دليل على جواز قتل الأسرى من المشركين. وأما الدليل على جواز استرقاقهم، فقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ [محمد: ٤] وفي الآية تأويلان: أحدها: إذا أثخنتموهم بالظفر فشدوا الوثاق بالأسر. والثاني: إذا أثخنتموهم بالأسر فشدوا الوثاق بالاسترقاق وقد استرق رسول الله ﷺ بني قريظة وهوزان ورجلًا من بني عقيل، فقال له قد أسلمت، فقال: لو أسلمت قبل هذا لكنت قد أفلحت كل الفلاح. فصل وأما الفداء والمن فالاستدلال أبي حنيفة على المنع منهما بقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧] ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنْ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٨] يعني من أموال الفداء في أسرى بدر وإذا منعت الآية من الفداء بمال كانت من الفداء بالمن لمن بغير مال أمنع، وقال تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] ﴿فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥] فأمر بقتلهم ونهى عن تخليتهم بعد أخذهم وحصرهم إلا بإسلامهم فدل على تحريم المن والفداء ولأنه لما لم يجز المن عليهم بسلاحهم وعبيدهم ولا منع السلاح والعبيد عليهم، وذلك تبع يقل ضرورة قصدًا لإضعافهم، فكان بأن لا يمن عليهم بأنفسهم ولا يفادوا بمال عن رقابهم أولى؛ لأن الضرر بهم أعظم، وإضعافهم بالقتل والاسترقاق أبلغ ولأن المصلحة في حظر المن والفداء ظاهرة؛ لأنهم إذا تصوروا جوازها عندنا أقدموا على الحرب تعويلًا على الفداء بعد الأسر ورجاء المن، وإذا تصوروا أنه لا خلاص لهم من القتل إذا أصروا كان ذلك أحجم لهم عن الأقدام وأمنع من القتال، وإن كانت المصلحة فيه ظاهرة كان ما دعى إليها لازمًا.

стр. 2958

والدليل على جواز المن والفداء، قوله تعالى: ﴿فَإِذا لَقِيتُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [محمد: ٤] ﴿فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد: ٤] وقال مجاهد: حتى لا يبقى في الأرض دين غير الإسلام، فكان المن والفداء صريحًا في هذه الآية وليس لهم نسخ ذلك بقوله تعالى ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] لأمرين: أحدهما: أنه إذا أمكن استعمال الآيتين لم يجز أن تنسخ إحداهما الأخرى، واستعمالهما ممكن في جواز الكل، ويعتبر كل واحد منهما باجتهاد الإمام ورأيه. والثاني: أن الأمر بالقتل على وجه الإباحة دون الوجوب، وإباحته لا تمنع من العدول عنه إلى غيره ويدل على جواز المنّ خاصة ما رواه جبير بن مطعم: أن النبي ﷺ قال لأسارى بدر: "لو كان مطعم بن عدي حيًا ثم كلمني في هؤلاء النتنى لأطلقتهم له" (١) وهو لا يقول ذلك إلا لجوازه عنده. وروي سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة أن النبي ﷺ بعث خيلًا قبل نجد فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال، فربطوه إلى سارية من سواري المسجد، فخرج إليه رسول الله ﷺ وقال: "ما عندك يا ثمامة"؟ قال: عندي يا محمد خبر إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت فتركه، حتى إذا كان من الغد ذكر مثل هذا: فقال رسول الله ﷺ : "أطلقوا ثمامة" فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل ثم دخل المسجد فقال: "أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله"، وكتب إلى قومه فأتوه مسلمين (٢). وقد منَّ رسول الله ﷺ على أبي عزة الجمحي يوم بدر على أن لا يعود لحربه أبدًا فعاد يوم أحد وأسره، ومنّ رسول الله ﷺ على أبي العباس بن الربيع وكان صهره على ابنته زينب. ويدل على جواز الفداء رواية عمران بن الحصين أن النبي ﷺ فادى رجل برجلين رواه الشافعي مفسرًا أن عمران بن الحصين قال: بعث رسول الله ﷺ سرية فأسروا رجلًا من بني عقيل، فاستوثق منه، وطرح في الحرة فمنّ به النبي ﷺ فقال: "فيما أخذت وفيم أخذت سالفة الحاج" يعني العضباء قال: أخذت بجريرة حلفائكم من ثقيف قد أسروا مسلمين فقال العقيلي: إني جائع فاطعمني وعطشان فاسقني، وأنا مسلم فخلني فقال النبي ﷺ : "لو قلت هذا قبل هذا أفلحت كل الفلاح" يعني: قبل أن تسترق وفاده برجلين، وحبس العضباء وهي ناقته التي خطب عليها بمنى في حجّة الوداع (٣).

стр. 2959

فإن قيل: كيف يفادى به بعد إسلامه. قيل: لأنه كان مسترقًا فصارات مفاداته عتقًا؛ ولأنه لما جاز الاعتياض عنه بالفداء مع خروجهم من دارنا بالجزية مع إقرار هو في دارنا جاز الاعتياض عنهم بالفداء مع خروجهم من دارنا أولى. وتحريره أنه اعتياض رقبة مشركة فجاز كالحرية؛ ولأنه لما جاز تآلف المشركين بإعطائهم سهم المؤلفة كان تآلفهم بالمنّ أولى، وربما كان المن أبلغ في تآلفهم أثرًا أو أعم صلاحاء. وحكي أن الحجاج أتى بأسير من الخوارج من أصحاب قطري بن الفجاءة، وكان يعرفه فلما رآاه منّ عليه فعاد إلى قطري، فقال له قطري: عد إلى قتال عدو الله الحجاج فقال: هيهات علا يدًا مطلقها واسترق رقبة معتقها، وأنشد يقول: أُقَاتِلُ الحًجَّاجَ عَنْ سُلْطَانِهِ بِيَدٍ تُقِرُّ بِأَنَّهَا مُوْلَاتُه إِنّي إِذَنْ لأّخُو الدَّنَاءةِ وَالَّذِي شَهدت بِأَقْبَح فِعْلِهِ غَدَرَاتُه مَاذَا أَقُولُ إذَا وَقَفْتُ إِزَاءَه فِي الصَّفِّ وَاحْتَجَّتْ لَهُ فِعْلاتُه لَا قَولَ جَاٍر عَلَى أَنَّي إِذنضلاَ حَقَّ مَنْ جَارَتْ عَلَيْهِ وَلَاتُه وَتَحَدَّثَ الأَقْوَام أَنَّ ضَائِعًا ... عَرَسَتْ لِذِي مِحّبْبنطَل نَحَلَاتُه وإن كان المنّ بهذه المنزلة من التآلف والاستصلاح جاز إذا أدى الاجتهاد إليه أن يفعل. فأما الجواب عن استدلالهم بقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧] فهو أن سبب نزول هذه الآية أن النبي ﷺ شاور أصحابه في أسرى بدر فقال أبو بكر: هو قومك وعشيرتك فاستبقهم لعل الله أن يهديهم، وقال عمر: هم أعداء الله ورسوله كذبوك وأخرجوك فاضرب أعناقهم، فمال رسول الله ﷺ بعد انصرافه عنهم إلى قول أبي بكر وأخذ فداء الأسرى ليتقوا به المسلمون فقيل إنه فدى كل بأربعة آلاف درهم، وقيل: أربعمائة درهم، وقال للمهاجرين: أنتم عالة يعني فقراء، فنزلت هذه الآية إنكارًا على نبيّه في فداء أولئك الأسرى، فقال النبي ﷺ : لو عذبنا في هذا الأمر يا عمر ما نجا غيرك في إنكار هذا الفداء فكان دليل على إباحة الفداء من ثلاثة أوجه: أحدها: قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧] وهو كثرة القتل فاقتضى إباحة ذلك بعد الإثخان في الأرض وقد أثخن رسول الله ﷺ في الأرض وكثرة القتل وكذلك المسلمون بعده. والثاني: قوله تعالى: ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنْ اللَّهِ سَبَقَ﴾ [الأنفال: ٦٨] وفيه تأويلان: أحدهما: لولا كتاب من الله سبق في أنه سيحل لكم الغنائم لسهمكم في تعجلها من

стр. 2960

أهل بدر عذاب عظيم قاله ابن عباس وأبو هريرة والحسن وعبيدة. والثاني: لولا كتاب من الله سبق في أهل بدر أن يعذبهم لمسهم فيما أخذوا من فداء أسرى بدر عذاب عظيم قال مجاهد وسعيد بن جبير. والثالث: قول الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً﴾ [الأنفال: ٦٩] يعني به مال الغنيمة والفداء، والله أعلم. وأما الجواب عن قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة:٥] فهو أنه على طريق الإباحة وإن أخرج مخرج الأمر؛ لأنه بعد حظر، وإذا أباحت هذه الآية القتل لم تمنع من جواز المنّ والفداء. وأما الجواب عن تحريم المنّ عليهم لسلاحهم وعبدهم؛ فمن وجهين: أحدهما: أن السلاح والعبيد والمال لا يجوز للإمام إتلافه فلم يجز له المنّ به، وليس الرجال الأحرار مال لأنه يجوز له إتلافهم فجاز له المنّ بهم. والثاني: أن السلاح والعبيد قد دخلا في ملك الغانمين فلم يكن للإمام في المنّ بهما اجتهاد. ولم يدخل الرجال الأحرار في ملك الغانمين، فجاز أن يكون للإمام في المنّ عليهم اجتهاد. وأما الجواب عن قولهم إنه لا مصلحة في المنّ والفداء فهو إننا نجوزه مع ظهور المصلحة فيمن يرجئ إسلامه أو تآلف قومه ويمنع عند عدم المصلحة وظهور الضرر، والله أعلم. مسألة (١) قال الشافعي ﵀: "لا ينبغي للإمام أن يعزل خمس ما حصل بعدها وصفنا كاملًا ويقر أربعة أخماسه لأهلها ثم يحسب من حضر القتال من الرجال المسلمين البالغين ويرضخ من ذلك لمن حضر من أهل الذمة وغير البالغين من المسلمين والنساء فينفلهم شيئًا لحضورهم ويرضخ لمن قاتل أكثر من غيره وقد قيل: يرضخ لهم من الجميع". قال في الحاوي: وهذا صحيح، وجملة مال الغنيمة أنه لصنفين: لحاضر، وغائب فأما الغائبون فهم أهل الخمس يستحقونه بأوصافهم لا بحضورهم ولا يزاد منهم حاضر لحضوره على غائب لغيبته. وأما الحاضرون فضربان: أحدهما: من تفرد منهما بحق معين لا يشاركه فيه غيره وهو القاتل يستحق سلب قتيله لا يشارك فيه وقد مضى حكمه.

стр. 2961

والثاني: ما كان حقه مشتركا غير معين وهم ضربان: أحدهما: ما كان له سهم قدر. والثاني: من عين له رضخ غير مقدر، فأما أصحاب السهام المقدرة فهم أهل القتال قد تعذرت سهامهم في الغنيمة بأعداد رؤوسهم لا يفضل فيها إلا الفارس بفرسه بما سنذكره من تفصيله على الراجل. وأما أصحاب الرضخ فهم من لم يكن من أهل الجهاد، وهم خمسة أصناف: الصبيان، والمجانين، والنساء، والعبيد، وأهل الذمة، يرضخ لهم من الغنيمة لحضور الواقعة بسبب غيابهم، ويفضل من قاتل على من لم يقاتل، ولا يبلغ برضخ أحدهم سهم فارس ولا رجل وقال الأوزاعي، بسهم لجميع هؤلاء وهو في الغنيمة كغيرهم ن أهل الجهاد استدلالا بقول النبي ﷺ : "الغنيمة لمن شهد الواقعة" وتعليلا بأنهم شهدوا الواقعة فأسهم لهم كأهل الجهاد. ودليلنا قوله تعالى: ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنْ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٨] فلما كان الوعد فيما أخذوه متوجها إلى أهلها الجهاد كان السهم فيما غنموه مستحقاً لأهل الجهاد، ولأن سهم الغنيمة في مقابلة فرض الجهاد فلما خرج هؤلاء من الفرض خرجوا من السهم، ولأن كل هؤلاء قد حضروا مع رسول الله ﷺ في غزواته فرضخ لهم ولم يسهم حتى أنه استعان بيهود بني قينقاع فرضخ لهم ولم يسهم، وفيما ذكرنا تخصيصا لقوله ﷺ : "الغنيمة لمن شهد الواقعة " على أننا نجعلها لجميعهم، وإنما نفاضل بين أهل الرضخ والجهاد. فصل فإذا ثبت أنه يرضخ لهؤلاء الخسمة ولا يسهم، فالرضخ يتقدر باجتهاد الإمام ورأيه أو من يتخلفه الإمام من أمير جيش أو قاسم يغنم؛ فيقع التفضيل بينهم بحسب تفاضلهم في القتال. فإن قيل: فهلا سوى بينهم وان تفاضلوا كالغانمين. قيل: لأن سهام الغانمين مقدرة، فلم يعتبر فيهم التفاضل كدية الحر، والرضخ غير مقدر فاعتبر فيه التفاضل كغنيمة العبد، ولا يبلغ بالرضخ سهم فارس ولا راجل؛ لأنه تبع للسهام فنقص عن قدرها كحكومات الجراح على الأعضاء لما كانت تبع للأعضاء لم تبلغ بأرشها ديات تلك الأعضاء. فصل فإذا ثبت هذا فمن أين يكون الرضخ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: من أصل الغنيمة قبل إخراج خمسها كالسلب لأنهم أعوان، فصاروا كحافظي الغنيمة وحامليها الذين أعطون أجورهم من أصل الغنيمة، فعلى هذا يبدأ من

стр. 2962

الغنيمة بإعطاء السلب وأجور الحفظة والحمالين ثم الرضخ ثم يخمس الباقي، فيعزل خمسه لأهل الخمس، وتقسم أربعة أخماسه في الغانمين. والثاني: أن يرضخ لهم من أربعة أخماس الغنيمة؟ لأنهم أضعف من الغانمين حكماً فلم يجز أن يكونوا أقوى حقاً؛ فعلى هذا يبدأ بالسلب ثم بالأجوز ثم بالخمس ثم بالرضخ ثم يقسم الباقي بين الغانمين. والثالث: أنه يرضخ لهم من سهم المصالح العامة: لأنهم من جملتها وهو أضعف الأقاويل ذكره الشافعي في بعض منصوصاته. مسألة (١) قال الشافعي ﵀: " ثم يعرف عدد الفرسان والرجالة الذين حضروا والقتال فيضرب كما ضرب رسول الله ﷺ للفرس سهمين وللفارس سهماً وللراجل سهماً وليس يملك الفرس شيئاً إنما يملكه صاحبه لما تكلف من اتخاذه واحتمل من مؤنته وندب الله تعالى إلى اتخاذه لعدوه ". قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا أفرد الإما خمس الغنيمة على أربعة أخماسها يبدأ بالغانمين، فقسم فيهم أربعة أخماس الغنيمة، وقدمهم، على أهل الخمس لثلاثة معاني: أحدهما: لحضورهم وغيبة أهل الخمس. والثاني: أنه في مقابلة اجتهادهم فصار معاوضة وحق أهل الخمس مواساة. والثالث: أن يهم ملك أهل الخمس خمسهم؛ فكانوا أقوى في الغنيمة منهم فإذا شرع في قسمتها فيهم لم يخل حالهم من ثلاثة أقسام: إما أن يكونوا رجاله لا فارس فيهم، أو فرساناً لا رجال فيهم أو يكونوا فرساناً ورجالاً. فإن كانوا رجالة لا فارس فيهم أو فرساناً لا رجال فيهم سوى بينهم، وقسمها على أعداد رؤوسهم ولم يفضل شجاعاً على جبان، ولا محارباً على كاف، لأن جميعهم حاضر مكثر، ورد مهيب كما يسوي في المواريث بين البار والعاقء والمحسن والمسيء لتساويهم في النسب. وان كانوا فرساناً ورجالة فضل الفارس على الراجل. واختلفوا في قدر ما يفضل به، فذهب الشافعي: إلى أنه يعطي الفارس ثلاثة أسهم، سهماً له وسهمين لفرسه، ويعطي الراجل سهماً واحداً، وبه قال من الصحابة عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب ﵄ ومن التابعين: عمر بن عبا العزيز والحسن البصري، وابن سيرين، ومن الفقهاء: مالك مع أهل المدينة، والأوزاعي مع أهل الشام،

стр. 2963

والليث بن سعد مع أهل مصر، وأحمد وإسحاق مع أصحاب الحديث، والثوري أبو يوسف ومحمد مع أهل العراق، إلا أبا حنيفة وحده فإنه تفرد عنهم فأهب إلى أنه يعطي الفارس سهمين والراجل سهما استدلالاً برواية عبيد الله بن عمر العمري عن نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ أعطى الفارس سهمين فبرواية المقداد قال: أعطاني رسول الله ﷺ سهماً لي وسهماً لفرس وبرواية مجمع بن حارثة الأنصاري قال: قسم رسول الله ﷺ خيبر على ثمانية عشر سهما وكان الجيش ألفا وخمسمائة فمنهم ثلاثمائة فارس فأعطى الفارس سهمين، والراجل سهماً؛ لأنه جعل لثلاثمائة فارس ستمائة سهم حتى صار لكل مائة منهم سهم واحد من خيبر (١). ومن القياس: أنه حيوان يسهم له: فوجب أن لا يزاد على سهم كالراجل، ولأن الفرس تبع ألا تراه لو حضر بلا صاحبه لم يهم له، ولو حضر صاحبه بلا فرس أسهم له، ولا يجوز أن يكون سهم التابع أفضل من سهم المتبوع، ولأن عناء صاحبه أكثر تأثيرا وتأثيره أظهر لأنه هو المقاتل دون الفرس، وسهم الغنيمة إنما يستحق بحسب العناء وعلى قدر البلاء: فلم يجز أن يفضل ما قل تأثيره على ما كثر قال أبو حنيفة: لأن في إعطاء الفرس سهمين وصاحبه سهماً تفضيلاً للبهيمة على الآدمي وإني لأستحي أن أفضل بهيمة على آدمي. قال أصحابه: ولأن القياس يقتضي أن لا يسهم للفرس: لأنه آلة كالسلاح: ولأنه بهيمة كالبغال، ولكن صرنا إلى إعطائه سهماً واحداً بالإجماع ومنع القياس من الزيادة عليه. ودليلنا ما رواه عبيد الله بن عمر العمري عن نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ أسهم للراجل ولفرسه ثلاثة أسهم سهماً له، وسهمين لفرسه (٢). وهذا حديث صحيح رواه أئمة الحديث، وقد روى جابر وأبو هريرة مثله عن رسول الله ﷺ وروى الزهري عن مالك بن أوس بن الحدثان عن عمر بن الخطاب وطلحة والزبير قالوا: كان النبي ﷺ يسهم للفارس ثلاثة أسهم: سهماً له وسهمين لفرسه (٣). وهذا إخبار عن استدامة فعله، لكن الحديث الأول أشهر وأصح: لأن مدار هذا على بشر بن معاذ، وفيه لين. وروى ابن عباس إن النبي ﷺ قسم يوم خيبر للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهم (٤). وروى الشافعي أن الزبير بن العوام كان يضرب في المغنم بأربعة أسهم سهماً له؛ وسهمين لفرسه، وسهم لأمه صفية (٥)؛ لأنهما من ذوي القربى وكل هذه الأخبار نصوص

стр. 2964

تمنع من الخلاف. فإن قيل: فيحمل السهم الثالث في هذه الأخبار على أن النبي ﷺ دفعه إلى الفارس نقلاً كما نقل الربع في البداءة والثلث في الرجعة فعل ذلك أربعة أجوبة: أحدهما: أن السهم عبارة عن المستحق لا عن النفل. والثاني: أن النفل يستحق بالشرط وليس في الفرس شرط. والثالث: أن النفل لا يكون للفرس. والرابع: أن حكم السهم الثالث كحكم الهمين المتقدمين، فلما لم يكونا نفلاً لم يكن الثالث نفلاً. ثم الدليل من جهة القياس أنه مقدر يزيد على مقدر على وجه الرفق، فوجب أن يكون بالضعف قياساً على المسح على الخفين، لما مسخ المقيم يوماً وليلة أرفق المسافر بثلاثة أيام وليالهن؛ ولأن مؤنة الفرس أقصر لما يتكلف من علوفه وأجره خادمه وكثرة آلته فاقتضى أن يكون المستحق به أكثر، ولأنه في الحرب أهيب، وتأثيره في الكر والفر أظهر. فاقتضى أن يكون سهمه أوفر. فأما الجواب عن حديث عبيد الله بن عمرو العمري فمن ثلاثة أوجه: أحدهما: أنه عند أصحاب الحديث ضعيف وأخوه عبد الله أقوى عندهم منه وأصح حديثاً، وقد روينا عنه خلاف ما رواه. والثاني: أن خبر عبد الله أزيد من خبره والأخذ بالزيادة أولى. والثالث: أنه يحمل سهم الفارس على الزيادة استحقها بفرسه على السهم الراتب لنفسه فيصير ذلك ثلاثة أسهم كما روينا استعمالاً للروايتين فيكون أولى من إسقاط إحداهما بالأخرى كما روي في صلاة العيدين، أن النبي ﷺ كبر في الأولى سبعا وفي الثانية خمساً فحملنا ذلك على التكبير الزائد على التكبيرة الراتبة في الإحرام والقيام. وأما حديث المقداد فقد روت عنه بنته كريمة أنه قال: أعطاني رسول الله ﷺ ثلاثة أسهم: سهماً لي، وسهمين لفرس فتعارضت الروايتان عنه وسقطتا واستعملنا على ما وصفنا. وأما حديث مجمع بن حارثة فعنه جوابان: أحدهما: ما قاله أبو داود أن مجمعاً وهم في حديثه: أنهم كانوا ثلاث مائة فارس، وإنما كانوا مائتي فارس. والثاني: أنه قد روي عنه أنهم كانوا ألفاً وأربعمائة فهم مائتا فارس وهذه الرواية أصح من وجهين: أحدهما: أن رواية ابن عباس توافقهما. والثاني: أن هذا الجيش هم أهل الحديبية، وقد اتفق أهل السير على أن عدتهم

стр. 2965

ألف وأربعمائة وأما الجواب عن قياسهم على الراجل لعلة أنه حيوان يسهم له فهو أن الفرس لا يسهم له، وإنما يسهم لصاحبه لأجله؛ فكان الوصف غير سليم ثم المعنى في الفرس أن مؤنته أكثر وبلائه أظهر فجاز أن يكون ما يستحق به أكثر. وأما قولهم أنه تابع فلا يجوز أن يكون سهمه أكثر من مهم المتبوع. فالجواب عنه أن كلا السهمين للمتبوع ليس للتابع سهم وهو أكثر، على أن ذلك لو جاز أن يمنع من الزيادة لجاز أن يمنع من المساواة؛ لأنه إذا لم يجز أن يزيد على المتبوع لم يجز أن يساويه. وأما قولهم أن عناء صاحبه أكثر لأنه هو المقاتل. فالجواب عنه أن كلا العنائين مضاف إلى صاحبه إلا أن تأثيره لفرسه أكثر من تأثيره لنفسه؛ لأنه بالفرس يلحق إن طلب ولا يلحق إن هرب. وأما قول أبي حنيفة: "إنني أستحي أن أفضل بهيمة على آدمي" فيقال له لئن استحييت أن تفضل بينهما فاستحي أن تساوي بينهما وأنت قد سويت ثم يقال له: ألست قد فضلت قيمة البهيمة إذا تلفت على ذمة الحر إذا قتل ولم يوجب ذلك الاستيحاء، فكذلك في السهم على أنه ليس السهم للبهيمة فيستحي من تفضيلها بهء وإنما هو لصاحبها والبهيمة لا تملك. وأما قولهم: أن القياس يمنع من الهم للبهيمة فهذا قياس قد أبطله النص فبطل. فصل فإذا ثبت أن للفارس ثلاثة أسهمء فالفرسان هم أصحاب الخيل دون البغال والحمير والمطايا والفيلة، لقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠] ولقوله ﷺ : "يا خيل الله اركبي" (١) وقال ﷺ : "الخيل معقود بنواصيها الخير" (٢) ولأنها هي المختصة بالكر والفر دون البغال والحمير وإذا كان كذلك فالخيل كلها سواء لا فرق بين عتيقها وبزاذينها ومقارفها وهجنها؛ والعتيق: ما كان أبواه عربيين والبرذون: وما كان أبواه أعجميين. المقرف: ما كانت أمه عربية وأبوه أعجمي. والهجين: ما كان أبوه عربياً وأمه أعجمية وبهذا قال أبو حنيفة ومالك وقال الأوزاعي: إن كان الفرس عتيقاً أسهم له سهمان وان كان برذوناً لم يسهم له، (وإن) كان

стр. 2966

مقرفاً أو هجينا أسهم له سهم واحد. وقال أحمد بن حنبل: يهم للعتيق سهمان ولغيره من الخيل سهم واحد استدلالا بأن المختصة بالكر والفر هي العتق فاختصت بالسهم الأوفى وكان ما سواهما بالنقص أولى وهذا خطأ لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠] ولأن العتيق وان كان أحد وأسرع فالبرذون أشد وأبهى وأصبر فصار اختصاص العتيق بالحدة في مقابلة اختصاص البرذون بالشدة فتقابلا واستويا، ولأن أصحاب الخيل لما يستوي عربيهم وعجميهم في السهم فالخيل أولى بأن يستوي عربيها وعجميها في السهم، وفيما ذكرناه دليل وانفصال والله أعلم. مسألة (١) قال الشافعي ﵀: "ومن حضر بفرسين فأكثر لم يعط إلا لواحد لأنه لا يلقى إلا بواحد ولو أسهم لاثنين لأسهم لأكثر ولا يسهم لراكب دابةٍ غير دابة الخيل". قال في الحاوي: وهذا صحيح. إذا حضر الفارس الوقعة بأفراس لم يعه إلا أسهم فرس واحد، ولو حضرها بمائة فرس، وبه قال أبو حنيفة ومالك وأكثر الفقهاء، وقال الأوزاعي والثوري وأحمد وإسحاق: يسهم لفرسين، ولا يهم لأكثر استدلالاً بما روى مكحول أن الزبير بن العوام حضر خيبر بفرسين فأعطاه النبي ﷺ خمسة أسهم: سهم له، وأربعة أسهم لفرسيه (٢)؛ ولأن الثاني عدة مجيئها يراوح بينه وبين الأول إن أعيا أو زمن فكان تأثيرهما أكثر مع ما قد تكلفه لهما من زيادة المؤنة، وهذا خطأ. ودليلنا ما رواه أبو عاصم عن نافع عن ابن عمر أن الزبير بن العوام حضر خيبر معه أفراس فلم يسهم النبي ﷺ إلا لفرس واحد (٣). وروي أن النبي ﷺ حضر خيبر ومعه ثلاثة أفراس: السكب والظرب والمرتجز فلم يأخذ الهم إلا لواحد؛ لأنه لا يقاتل إلا على واحد منهما ولو تحول عنه صار تاركاً له ويكون الثاني إن انتقل إليه كالثالث في أنه قد يجوز أن ينتقل إليه ولا يسهم له فكذلك الثاني، ويصير ما سوى الأول زينة واستظهار لا يتعلق به حكم الاستحقاق كخدم الزوجة لا تستحق إلا نفقة واحدة منهم لوقوع الكفاية به ويصير ما عداه زينة وزيادة واستظهاراً. وأما حديث مكحول فقد روينا عن ابن عمر خلافه وهو صحابي خبره مسند وذاك تابعي خبره مرسل وأما استدلالهم أن الثاني وقد تكلف له زيادة مؤنة فهذا مال الثالث أيضا ولا يوجب لهم له فكذلك الثاني.

стр. 2967

فرع وإذا حضر الرجل الوقعة بفرس يقاتل عليه أسهم له، لأنه قد هيب به وقد يقاتل عليه إن احتاج إليه، وهكذا لو قاتل في الماء أسهم له؛ لأنه قد ربما انتقل إلى البئر وقاتل محليه، وهكذا لو قاتل على حصار حصن أسهم لفرسه، لأنه عدة يلحق به أهل الحصن إن هربوا أو يرهبهم به إن حوصروا. فرع وإذا غضب الرجل فرساً، فشهد به الوقعة، أسهم للغرس للحضور مع الغاضب، لظهور التأثير فيه، وحصول الإرهاب به، وليس ذلك معصية، وان كان الغصب معصية، وإذا كان سهم الفرس المغصوب مستحقاً، ففي مستحقه وجهان مخرجان من اختلاف قوليه في ربح المال المغصوب. فإن قيل: إنه للغاصب بعمله، جعل سهم الفرس المغصوب للغاصب لقتاله. وان قيل: إن ربح المال المغصوب لرب المال بحق ماله، جعل سهم الفرس المغصوب لماله بحق ملكه، ولكن لو كان صاحب ممن حضر الوقعة فغصب فرسه غاصب قاتل عليه كان سهم الفرس لمالكه دون غاصبه، وجهاً واحداً؛ لأنه قد استحقه بالحضور فلم يسقط بالغصب، ويكون على الغاصب أجرة المثل كان السهم لغيره لوجوبها بالغصب. فرع ولو استعار فرساً أو استأجره، فشهد به الوقعة نظر، فإن استعاره أو استأجره للقتال عليه ملك سهمه، لتملكه هذه المنفعة بالعارية والإجارة، وان استعاره، أو استأجره للركوب دون القتال، ممار كالغاصب فيكون في سهمه وجهان. فرع وإذا حضر رجل بفرس فضل منه الفرس نظر، فإن حضر لم يخرج عن الوقعة ومصاف القتال أسهم له، وان خرج عنها وتجاوز مصاف القتال لم يسهم له. وقال بعض أصحابنا: يسهم له لبقائه وخروجه عنه بغير اختياره، وهذا خطأ، لأن الأعذار لا تؤثر في تملك الأموال لو ضل صاحبه من حضور الوقعة حتى فاتته، لم يسهم له، وان كان معذوراً. فرع وان خلف الرجل فرسه في معسكر الحرب، ولم يشهد به وقعة القتال، لم يهم له، لأن مالكه لو تأخر في المعسكر عن حضور الوقعة لم يسهم له، ففرسه أولى أن لا يسهم له ولكن لو استخلفه أمير الجيش بالمعسكر على حفظه وحراسته حظراً من هجوم العدو عليه أسهم له ولفرسه؛ لأنه قد يكون أنفع للجيش من حضوره معهم، وهكذا لو أن

стр. 2968

أمير الجيش أفرد منهم كميناً ليظفر من العدو بغرة، أسهم لهم، وان لم يشهدوا الوقعة؛ لأنهم عون فيها يخافهم العدو ويقوى بهم الجيش. مسألة (١) قال الشافعي ﵀: "وينبغي للإمام أن يتعاهد الخيل فلا يدخل إلا شديد أو لا يدخل حطماً ولا قمحاً ضعيفاً ولا ضرعاً. مال المزني ﵀: القحم الكبير والضرع الصغير ولا أعجف رازحاً وإن أغفل فدخل رجل على واحدة منها فقد قيل: لا يشهد له لأنه لا يغني غناء الخيل التي يهم لها ولا أعلمه أسهم فيما مضى على مثل هذه" قال في الحاوي: وهذا كما قال: ينبغي للإمام أن يتعاهد خيل المجاهدين وتجهيزها، ولا يدخل فيها حطماً وهو الكبير ولا ضرعاً وهو الصغير، ولا أعجف رازحاً، وهو الهزيل الذي لا حراك به لأنها لا تفي غناء الخيل الشديدة وقد تضر من وجهين: أحدهما: عجزهما عن النهضة وعجز راكبها عن المقاتلة. والثاني: فيق الغنيمة بالإسهام لها على ذوي العناء والشدة، فلو دخل رجل بواحد من هذه الضعيفة العاجزة عن عناء الخيل السليمة نظر، فإن كان الإمام أو أمير الجيش قد نادى فيهم ألا يدخل أحد من الجيش بواحد، منها فلا سهم لمن دخل بها لأن في البغال التي لا سهم لها ما هو عناء منها، وان لم يناد فيهم بذلك، فقد قال الشافعي هاهنا وفي الأم قيل لا يسهم، وقيل: يسهم لها فاختلف أصحابنا فكان أبو علي بن خيران يخرج ذلك على قولين: أحدهما: لا يسهم لما ذكرنا من التعليل، فعجزها عن العناء كالبغال والحمير. والثاني: يسهم لها؛ لأن اختلاف القوة والضعف لا يوجب اختلافهما في السهم كالمقاتلة وقال أبو إسحاق المروزي: ليس ذلك على اختلاف قولين، وإنما هو على اختلاف حالين، فقوله يسهم لها إذا أمكن القتال عليها مع ضعفها، وقوله: لا يمهم لها إذا لم يمكن القتال عليها لضعفها. مسألة (٢) قال الشافعي ﵀: "وإنما يسهم للفرس إذا حضر صاحبه شيئاً من الحرب فارساً فأما إذا كان فارساً إذا دخل بلاد العدو ثم مات فرسه أو كان فارساً بعد انقطاع الحرب وجمع الغنيمة فلا يضرب له ولو جاز أن يسهم له لأنه ثبت في الديوان حين دخل لكان صاحبه إذا دخل ثبت في الديوان ثم مات قبل الغنيمة أحق أن يسهم له".

стр. 2969

قال في الحاوي: وهذا صحيح. وهذه المسألة تشتمل على فصلين: أحدهما: فيمن دخل أرض العدو فارساً، ثم نفق فرسه أو باعه أو أجره قبل حضور الوقعة حتى حضرها راجلا، لم يسهم له. وقال أبو حنيفة: يسهم له إذا زال عن ملكه بعد دخول الحرب وان لم يشهد الوقعة. وقال محمد بن الحسن: إن زال ملكه عنه بغير اختياره كنفاقه أو سرقته أسهم له، وان زال باختياره كبيعه أو هبته، لم يسهم له، وقد روى عن أبي حنيفة مثله، وروى عنه مثل قولنا، فصار عن أبي حنيفة ثلاث روايات أشهرها الأولى. والثاني: فيمن دخل أرض العدو راجلاً، ثم ملك قبل تقضي الحرب فرساً بابتياع أو هبة فحضر به الوقعة أسهم له. وقال أبو حنيفة: لا يسهم له اعتباراً في استحقاق السهم بدخول دار الحرب فارساً في الفصلين معاً استدلالاً لقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠] فكان المأمور به هو الإعداد، وقد أعده بدخول دار الحرب فاستحق سهمه. وروي عن علي بن أبي طالب ﵇ أنه قال: "ما غزى قوم في عقر دارهم إلا ذلوا" فدل على أن دخول دار الحرب قد حصل الإذلال والقهر، فاستحق به السهم، قالوا: ولأن سهم فرسه في مقابلة ما تكلفه من مؤنته، وقد تكلفها فاستحق السهم بها، وربما حرروا هذا الاعتلال قياساً فقالوا: لأنه دخل دار الحرب فارساً مجاهداً، فاستحق سهم الفارس كالحاضر للواقعة والدليل على أن اعتبار استحقاق السهم في الفصلين معاً بحضور الوقعة لا بدخول دار الحرب قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٤١] فاعتبر بملك حال المغنم إجازته، فلم يجز أن يملك قبلها، لأن الفرس تابع والمالك متبوع، فلما كان موت المالك المتبوع بعد دخول دار الحرب وقبل الوقعة يمنح من استحقاق سهمه فالفرس التابع أولى أن يكون موته مانعاً من استحقاقه. وتحريره قياساً أنه ذو سهم مات قبل حضور الوقعة، فلم يسهم له كالمالك ولأن يا المسلمين على ما دخل إلى دار الإسلام أثبت وأقوى منها على ما في دار الحرب، فلما استوي اعتبار سهم الغارس والفرس في دار الإسلام، كان أولى أن يعتبر في دار الحرب بحضور الوقعة. ويتحرر من هذا الاعتلال قياسان: أحدهما: أن كل حال منع ما قبلها من استحقاق سهم الفارس منع من استحقاق سهم الفرس قياساً على دار الإسلام. والثاني: أن كل مغنم منع بدار الإسلام من استحقاقه منعت دار الحرب من

стр. 2970

استحقاقه قياساً على موت الفارس. فأما الجواب عن الآية، فهو أن المأمور به هو القتال بعد الاستعداد لا الاقتصار على الاستعداد ألا ترى أن لو استعد ولم يحضر لم يسهم له، ولو حضر ولم يستعد أسهم له، فإن قيل: فالرهبة قد وقعت بالفرس في دخول دار الحرب قبل الرهبة بالفارس لا بالفرس، ثم ليت الرهبة من الفارس بدخوله دار الحرب موجبة لهمهء فكذلك لفرسه. وأما قول علي بن أبي طالب ﵇: "ما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا"، فالجواب عنه أنه جعل الغزو في الدار هو الإذلال لا دخول الدار على أن الغنيمة لا تملك بالإذلال، وإنما تملك بالغلبة والإجازة وأما الجواب عن استدلالهم بما تكلفه من مؤنته، فهو أنه ليس تكلف المؤنة موجباً لملك السهم في المغنم، ألا تراه لو تكنها لفرسه فهلك قبل دخول دار الحرب، أو تكلفها لنفسه وهلك بعد دخول دار الحرب لم يسهم لواحد منها، فبطل التعليل بذلك. مسألة (١) قال الشافعي ﵀: "ولو دخل يريد الجهاد فمرض ولم يقاتل أسهم له". قال في الحاوي: أما الصحيح إذا حضر الواقعة فله سهمه، قاتل أو لم يقاتل لأن رسول الله ﷺ بعث سرية من حنين إلى أوطاس فغنمتء فقسمها رسول الله ﷺ بينهم وبين من أقام بحنين، ولم يحضر معهمء فكان الحاضر معهم وان لم يقاتل أولى أن يشركهم ولأنه إذا حضر هيب وكثر وأرهب وخوف، فصار حضوره مؤثرا كالمقاتل؛ ولأنه ليس من عادة جميع الجيش أن يقاتل بعضهم، ويكون الباقون رداً لهم لتقوى نفى المقاتل بحضور من لا يقاتل. وأما إذا أحضرها وهو مريض أو كان صحيحاً فمرض فهذا على ضربين: أحدهما: أن يكون مريضا يقدر على القتال كالصداع والسعال ونفور الطحال والحمى القرنية، فهذا يسهم له، لا يختلف فيه لعدم تأثيره، وقله خلو الأبدان من مثله. والثاني: أن يكون مريضا لا يقدر على القتال معه ففي استحقاقه للسهم ثلاثة أوجه لأصحابنا: أحدها: وهو ظاهر نص الشافعي هاهنا أنه يهم له لقوله ﷺ : "الغنيمة لمن شهد الوقعة"، ولأنه مهيب ومكثر كالصحيح؛ ولأنه قد ينفع برأيه أكثر من نفعه بقتاله. والثاني: أن لا يسهم له ويعطي رضخاً؛ لأنه مسلوب النهوض بالمرض فصار كالصبي والمجنون. والثالث: أنه إن كان مريضا يخرج به، من أهل الجهاد كالعمى وقطع اليدين أو

стр. 2971

الرجلين، أو الزمانة المقعدة فلا يسهم له. وان كان مريضاً لا يخرج به أهل الجهاد فيرجى زواله بالعود إلى الصحة كالحمى الشديدة، ورمد العين، وانطلاق الجوف أسهم له؛ لأن الفرق بين الأمرين في فرض الجهاد فرق بينهما في استحقاق الهم، والله أعلم. مسألة قال الشافعي ﵀: "ولو كان لرجل أجير يريد الجهاد فقد قيل يسهم وقيل يخير بين أن يسهم لأ وتطرح الإجارة ولا يسهم له وقيل يرضخ له". قال في الحاوي: وجملة ذلك، أن الأجير إذا حضر الواقعة لم يخل حال إجارته من أحد أمرين: إما أن تكون ثابتة في ذمته أو معينة في رقبته. فإن كانت في الذمة أسهم له؛ لأن ثبوت الحقوق في الذمم، السهم في المغنم كالديون. وان كانت معينة في رقبته وعلى يديه فعلى ضربين: أحدهما: أن تكون مقدرة بالعمل. والثاني: أن تكون مقدرة بالزمان. فإن كانت المنفعة فيها مقدرة بالعمل كرجل استأجر لخياطة ثوب أو صناعة حلي فهذا على ضربين: أحدهما: أن تكون إجازة لازمة لا يقدر على فسخها. والثاني: أن تكون إجارة يقدر على فسخها فإن كانت لازمة لا يقدر على فسخها ففي استحقاقه للسهم قولان: أحدهما: لا سهم له؛ لأن منفعته بالعقد مستحقة فأشبه العبد فعلى هذا يرضخ له وهو على إجارته مستحق لأجرته؛ لأنه لم يعتض عن منفعته فانصرفت إلى إجارته. والثاني: أنه يسهم له؟ لأن استحقاق منافعه بالعقد لا يمنع من استيفاء أحكام قربه كالحج، ومن هذا الوجه خالف أحكام العبد فعلى هذا إن كان حضور الوقعة لا يمنع من منافع إجارته كأجير يخدم من حضر الوقعة فله الأجرة مع السهم كما يكون له الحج مع الأجرة وان كان حضور الوقعة يمنع من منافع إجارته فهذا على ضربين: أحدهما: أن يدعوه المستأجر إلى خدمته فيأبى ويغلبه على منافع نفسه. فهذا يرد من الأجرة ما قابل مدة حضوره لئلا يجمع فيها بين بدلين وقد امتلكها في إحدى الجهتين.

стр. 2972

والثاني: لا يدعوه المستأجر إلى خدمته ففي استحقاق الأجر وجهان: أحدهما: لا يستحقها تعليلاً بما ذكرنا. والثاني: يستحقها، لأن الأجرة في مقابلة التمكين من الخدمة، والتمكين موجود وان لم يقترن به الاستيفاء، وان كانت الإجارة تقدر على قسمها ففيه ثلاثة أقاويل: أحدهما: لا يسهم له سواء أقام عليها من بعد أو فسخ. والثاني: يسهم له سواء أقام عليها من بعد أو فسخ. والثالث: أنه مخير بين أن يقيم على الإجارة فلا يسهم له ويعطي رضخاً وتكون له الأجرة، وبين أن يفسخ فيسهم له وتسقط الأجرة. فإذا قيل: يسهم له فسواء قاتل أو لم يقاتل له سهمه كغيره من الجيش. وإذا قيل: لا يسهم له كان ذلك حكمه ما لم يقاتل في حضوره، فأما إذا قاتل وأبى فإنه يستحق على هذا القول السلب إن قتل قتيلاً، وفي استحقاقه للسهم وجهان: أحدهما: وهو قول أكثر البصريين منهم أبو الفياض يستحق الهم لبلائه وظهور عنائه. والثاني: وهو الظاهر من قول أبي إسحاق المروزي، والأصح عندي أنه لا سهم له؛ لأن من لم يستحق السهم بالحضور إذا لم يقاتل لم يستحقه وان قاتل كأهل الرضخ طرداَ وأهل الجهاد عكساً. مسألة (١) قال الشافعي ﵀: "ولو أفلت إليهم أسير قبل تحرز الغنيمة فمد قيل يسهم له وقيل لا يسهم له إلا أن يكون قتال، فيقاتل فأرى أن يسهم له". قال في الحاوي: إذا كان في أيدي المشركين أسير أفلت منهم وقت القتال وصار إلى المسلمين، فلا يخلو حاله من أن يختلط بالجيش أو لا يختلط فإن لم يختلط وتوجه إلى وطنه فلا حق له في الغنيمة، وان اختلط في الجيش فلا يخلو حاله من ثلاثة أقسام: أحدهما: أن يحضر قبل تقضي الحرب فهذا يهم له قاتل أو لم يقاتل. وقال أبو حنيفة: لا يسهم له إلا أن يقاتل؛ لأنه ما قصد الجهاد ولا تكلف له وهذا خطأ؛ لقوله ﷺ : "الغنيمة لمن شهد الوقعة" ولأن من أسهم له إذا قاتل أسهم له، وان لم يقاتل كسائر الجيش؛ ولأن ما عاناه من شدة الأسر وذله لا يجوز أن يكون سبباً لحرمانه فأما نية القصد وتكلف المؤن فليس بشرط في سهم غيره فكذلك في سهمه. والثاني: أن يحضر بعد الوقعة وقبل إجازة الغنيمة ففي استحقاقه للسهم قولان بناء

стр. 2973

على اختلاف قوليه متى يملك الغانمون الغنيمة. فأحد القولين: أنه لهم بانقضاء الحرب أن يتملكوها، فعلى هذا يسهم منها لأسير لأنه قد شاركهم في سهم التملك لها. والثاني: أنهم يتملكونها بشرطين: القتال عليها والإجازة لها. فعلى هذا لا سهم لأسير بحضوره بعد أن ملك الجيش أن يتملكها. فإذا قيل: يسهم له، فبحسب حاله فارسا كان أو راجلا، وإذا قيل: لا يسهم له، فإن حضر بعد قم الغنيمة فلا رضخ له فيها، وان حضر قبل قسمتها رضخ له منها، ويحتمل وجها آخر أن لا يرضخ له لفوات زمان والله أعلم. مسألة (١) قال الشافعي ﵀: "ولو دخل تجار، فقاتلوا لم أر بأساً أن يسهم لهم وقيل لا يسهم لهم". قال في الحاوي: إذا اتبع الجيش تجار وصناع قصدوا كسب منافعهم وصنائعهم في جهاد عدوهم فإن تأخروا عن الوقعة لم يسهم لهم وان حضروها نظر فإن قاتلوا أسهم لهم: لأنهم بالقتال قد عدلوا عن قصد الكسب إلى نية الجهاد وان لم يقاتلوا ففيه قولان: أحدهما: لا سهم لهم وهو قول أبي حنيفة لقوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات". والثاني: يسهم لهم لقوله ﷺ : "الغنيمة لمن شهد الوقعة، ولأنه لما لم تمنع التجارة والصناعة من الحج لم تمنع من الجهاد، فإذا أسهم لهم اعتبرت أحوالهم فرساناً ورحالة. وإذا قيل: لا يسهم، أعطوا رضخا لا يختلف فيه لإدراكهم زمان الاستحقاق. مسألة (٢) قال الشافعي ﵀: " ولو جاءهم مرد قبل أن تنقضي الحرب فحضروا منها شيئاً قل أو كثر شركوهم في الغنيمة فإن انقضت الحرب ولم يكن للغنيمة مانع لم يشركوهم". قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا ألحق بالجيش في دار الحرب مرد لم يدخل حال المرد من ثلاثة أقام: أحدهما: أن يدركوا الوقعة قبل نقضي الحرب فيكونوا شركاء للجيش في الغنيمة سوا، قاتلوا معهم أم لا وسواء احتاج الجيش إليهم أم لا؛ لقوله ﷺ : "الغنيمة لمن حضر الوقعة"، ولأن لورودهم تأثيراً في القوة وربما كان سبباً للظفر. والثاني: أن يدركوهم بعد تقضي الحرب، وانجلاء الوقعة، وقبل إجازة الغنيمة.

стр. 2974

والإجازة أن (يستولي) عليها الملمون ويولي عنها المشركون ونأمن رجعتهم في الحال فتكمل الإجازة بهذه الشروط الثلاثة فإن انخرم شرط منها لم تكمل الإجازة فإذا كان حضور المرد بعد تقضي الحرب وقبل الإجازة فهل يشركونهم فيها أم لا على القوين الماضيين نصاً، وتخريجاً. والثالث: أن يدركوهم بعد تقضي الحرب وبعد إجازة الغنيمة على ما ذكرنا من صفة الإجازة فلا حق لهم في الغنيمة والجيش أحق بها من المرد. وقال أبو حنيفة: المرد شركاء الجيش في الغنيمة إذا أدركوهم في دار الحرب وان أحرزت الغنائم ما لم يقتسموها أو يكن الإمام قد باعها ولو كان المرد أسرى لحقوا بالجيش في دار الحرب بعد إجازة الغنائم لم يشركوهم. واستدل على مشاركة المرد لهم بأنهم جيش اجتمعوا على نفل الغنيمة من دار الحرب، فوجب أن يشركوا فيها قياسا على الحاضرين قبل الحرب: ولأن لما كان الرد مشاركاً وجب أن يكون المرد مشاركاً لأن كلا الغريقين عون وللجيش بهما قوة، ولأن الغنيمة لا تملك إلا بالإجازة إلى دار الإسلام فصار المرد مدركاً لها قبل إجازتهما. ودليلنا قوله ﷺ : "الغنيمة لمن شهد الوقعة" والذي شهدها الجيش دون المرد فوجب أن يكون أحق بهما من المرد. وروي أن النبي ﷺ أمر أبان بن سعيد على سرية قبل نجد فقدموا على النبي ﷺ بخيبر، وقد فتحها وأجازها فسأله أن يسهم له ولأصحابه منها فأبى! فدل على اختصاص الجيش بها دون المردء ولأن لحوقهم بالجيش بعد إجازة الغنيمة يمنع مشاركتهم في الغنيمة قياساً على الأسرى ولأن كل غنيمة لا يسهم للأسرى منها لم يسهم للمرد منها قياساً على ما نفل أو أقسم. وأما الجواب عن قوله: أنهم اجتمعوا على نفل الغنيمة فليس النفل علة في التملك إلا ترى أن الأسرى لو نفلوا لم يتملكوا وكذلك الأجراء على النفل. وأما استدلالهم بالردء فهم والمراد سواء أن أدرك الوقعة أسهم لهم كالرد وان لم يدرك الرد الوقعة لم يسهم لهم كالمرد. وأما قوله: إن الغنيمة يمكن إجازتها إلى دار الإسلام فليس للدار تأثيراً في تملكها وإنما تملك بمجرد الإجازة على ما ذكرنا من الشروط المعتبرة والله أعلم بالصواب. مسألة (١) قال الشافعي ﵀: "ولو أن قائداً فرق جنده في وجهين فغنمت إحدى الفرقتين أو غنم العسكر لم تغنم واحدة منهما شركوهم لأنهم جيش واحد كلهم ردء لصاحبه وقد مضت خيل المسلمين فغنموا بأوطاس غنائم كثيرة وكثر العساكر بحنين

стр. 2975

فشركوهم وهم مع رسول الله ﷺ ولكن لو كان قوم مقيمين ببلادهم منهم طائفة فغنموا لم يشركوهم وان كانوا منهم قريباً لأن السرايا، كانت تخرج من المدينة فتغنم فلا يشركهم أهل المدينة ولو أن إماماً بعث جيشين على كل واحد منهما قائد وأمر كل واحد منهما أن يتوجه ناحية غير ناحية صاحبه من بلاده عدوهم فغنم أحد الجيشين لم يشركهم الآخرون فإذا اجتمعوا فغنموا مجتمعين فهم كجيش واحد". قال في الحاوي: وهذا صحيح وللسرايا متقدمة على الجيوش حالتان: إحداهما: أن تسري من جملة جيش خارج في الجهاد. والثانية: إن تسري من جملة جيش مقيم. فأما الحالة الأولى وهو أن تسري من جملة جيش خارج في الجهاد فصورتها أن يخرج الإمام لجيشه أو يستخلف على الجيش أميراً فينفذ السرايا من جملة الجيش الخارج ففيه ثلاث مسائل: فالمسألة الأولى: أن يتقدم من جملته سرية واحدة إلى بعض الجهات؛ فتكون السرية والجيش شركاء بجميع ما غنموه، فإن غنمت السرية شاركهم الجيش، وان غنم الجيش شركتهم السرية وسواء كان تفرد السرية إلى الجهة التي يقصدها أو إلى غيرها، وهذا قول الجمهور. وقال الحسن البصري يتميز حكم السرية عن الجيش ويختص كل واحد منهما بما غنمه استدلالاً بقوله ﷺ : "الغنيمة لمن شهد الوقعة " وهذا خطأ لأن النبي ﷺ حين هزم هوازن بحنين أسرى قبل أوطاس سرية غنمت فقسم غنائمهم في الجميع. وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: "المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم ويجير عليهم أقصاهم وهم يد على من سواهم يرد مشدهم عل مضعفهم ومتسريهم على قاعدهم، لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده" (١) فأخبر أن السرايا ترد على القاعد ولأنهم جيش واحد وكل واحد منهما ردا لصاحبه ألا ترى أن الجيش إن احتاج إليها رجعت إليه وان احتاجب إليه لحق بها. والمسألة الثانية: أن ينفذ من الجيش سريتين إلى جهة واحدة في طريق واحد أو طريقين فيكون الجيش والسريتان جيشاً واحداً إن غنمت السريتان اشتركتا مع الجيش، وان غنمت إحداهما شركتهما الأخرى والجيش، وان غنم الجيش شاركته السريتان؛ لما ذكرنا من النص والتعليل. والمسألة الثالثة: أن ينفذ سريتين إلى جهتين مختلفتين فتكون السريتان مشاركتين للجيش والجيش مشارك للسريتين وهل تكون إحدى السريتين مشاركة للأخرى أو لا؟ على وجهين:

стр. 2976

أحدهما: تكون مشاركة لها؛ لأنها من جملة جيش واحد فصار الكل جيشاً واحداً. والثاني: أن لكل واحد من السريتين حكم نفسها لا تشارك الأخرى ولا يشاركها؛ لأن الجيش أصل السريتين وليست إحدى السريتين أصله للأخرى. فصل وأما الحالة الأخرى وهو أن يكون الجيش مقيماً والسرايا منه نافذة ففيها ثلاث مسائل: إحداها: أن ينفذ الإمام من جملة جيشه المقيم سرية فتغنم فتختص السرية بغنيمتها ولا يشركها الجيش المقيم سواء أسرت إلى موضح قريب أو بعيد، لأن النبي ﷺ كان ينفذ السرايا من المدينة فلا يشركهم أهل المدينة، ولأن الغنيمة للمجاهدين وليس المقيم مجاهداً. والمسألة الثانية: أن ينفذ الإمام من جملة جيشه المقيم سريتين إلى جهة واحدة في طريق واحد أو طريقين فتكون السريتان جيشاً واحداً، أيهما غنمت شاركتها الأخرى، ولا يشاركهما الجيش المقيم لكون غير مجاهد. والمسألة الثالثة: أن ينفذ الإمام من جملة الجيش المقيم سريتين إلى جهتين مختلفتين وقد أفرد كل سرية منهما بقائد فإن اجتمعت السريتان على جهة واحدة فهم شركاء في غنائمها دون الجيش المقيم، وان انفردت كل سرية بالجهة التي نفذت إليها لن تشاركها الأخرى في غنائمها، ولا يشارك الجيش واحدة منها؛ لأن كل واحدة من السريتين إذا اختصت بجهة لم تكن ردا للأخرى فصارت جيشاً منفردا فلو انضم نفراً من إحدى السريتين إلى الأخرى وغنموا شاركوها في غنائمهم، لأنهم بالانضمام إليها قد صاروا من جملتها فإذا جاز النفر سهمهم منها فهل يشاركهم فيه باقي أصحابه من السرية الأخرى أو لا؟ على وجهين: أحدهما: يشاركونهم فيه، لأن جميعهم جيش واحد، فعلى هذا لو كان باقي السرية غنمت شاركهم فيها النفر المنفرد عنهم. والثاني: أن هؤلاء النفرد يختصمون بما أخذوا من السرية التي انضموا إليها؛ لأنهم لما صاروا من جملتها بالانضمام إليها خرجوا من جملة سريتهم بالانفراد عنها؛ فعلى هذا لو أن الباقين من سريتهم غنموا لم يشاركوهم كما لم يردوا عليهم، والله أعلم. باب تفريق الخمس مسألة (١) قال الشافعي ﵀: "قال الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال:

стр. 2977

٤١] الآية وروي أن جبير بن مطعم قال: إن رسول الله ﷺ لما قسم سهم ذي القربى بين بني هاشم وبني المطلب أتيته أنا وعثمان بن عفان ﵁ فقلنا: يا رسول الله هؤلاء إخواننا من بني هاشم لا ينكر فضلهم لمكانك الذي وصفك الله به منهم أرأيت إخواننا من بني المطلب أعطتهم أوتركتنا وإنما قرابتنا وقرابتهم واحد، فقال رسول الله ﷺ : "إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد هكذا وشبك بين أصابعه"، وروي جبير بن مطعم أن رسول الله ﷺ لم يعط بني عبد شمس ولا بني نوفل من ذلك شيئا". قال في الحاوي: وقد مضى الكلام في أربعة أخماس الغنيمة، فأما خمسها وخمس الفيء فهما سواء، ولأربعة أخماس الفيء حكم يخالف حكم خمسه، وخمس الفيء والغنيمة مقسوم على مذهب الشافعي على خمسة أسهم: سهم كان لرسول ﷺ في حياته ويصرف بعده في مصالح المسلمين العامة، وسهم لذوي القربى من بني هاشم وبني المطلب باق لهم ما بقوا، وسهم لليتامى، وسهم المساكين، وسهم لبني السبيل. وقال أبو العالية الرياحي: يقسم الخصى على ستة أسهم: سهم منها لله تعالى مصروف في رياح الكعبة وزينتهاء ثم الخمة الأسهم بعده على ما وصفناه وقال بعض العلماء: يقسم الخمس على أربعة أسهم أسقط منها سهم رسول الله ﷺ بموته. وقال أبو حنيفة: يقسم الخمس على ثلاثة أسهم سهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لبني السبيل وقال بعض العلماء نقسم الخمس على أربعة أسهم أسقط منها سهم رسول الله ﷺ وسهم ذي القربى. وقال مالك: يصرف الخمس من أربعة أخماس الفيء في وجوه المصالح. فأما أبو العالية فاستدل بقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الانفال: ٤١] فذكر الله تعالى نفسه من المستحقين فاقتضى أن يكون له ودليلنا ما روى محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه أن النبي ﷺ قال: "ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس مردود فيكم " فلو كان مقسوماً على ستة لقال إلا السدس، وروى ابن عمر أن النبي ﷺ كان يقسم الخمس على خمسة أسهم. فأما الآية فالجواب عنها أن تقديم ذكر الله تعالى إنما هو للتبرك باسمه، ولإباحة المال بعد حظره، والا فجميع الأموال له، ولتغلظ حظر ذلك على غير من سماه. وأما أبو حنيفة فاستدل على أن سهم رسول الله ﷺ سقاط بأمرين: أحدهما: أن من ملك في حياته حقا كان بعد موته، إما موروثاً، واما ساقطا فلما لم يكن سهم رسول الله ﷺ موروثاً سقط. والثاني: أنه كان يملك سهمه من الخمس كما كان يملك من الغنيمة الصفى فلما سقط حقه من الصفى بموته سقط سهمه من الخمس به. واستدل أيضا على أن لا حق لذوي القرب فيه إلا بالفقر من جملة اليتامى

стр. 2978

والمساكين؛ بقوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧] فحظروا بهذا التعليل على الأغنياء وثبوت حقهم فيه يوجب التسوية بين الفقراء والأغنياء؛ فدل على سقوطه بما روي عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: دعاني عمر بن الخطاب ﵁ وقد عزل لنا سهم ذي القربى فقلت إن بني هاشم عنه في غناء وان بالمسلمين حلة وفاقة فإن رأيت أن ترده عليهم، فلما تركه للغني دل على أنهم كانوا يأخذونه بالفقر. قال: ولأن كل مال لم يجز صرفه إلى أغنياء غير ذي القربة لم يجز صرفه إلى أغنياء ذي القربى كالصدقات، ولأنهم صنفه مسمى في الخمس؛ فوجب أن لا يستحقوه مع الغني كاليتامى والدليل على ما قلناه وهو أن سهم رسول الله ﷺ ثابت في رواية محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: مالي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود فيكم: فدل رده ثبوته وان تغير حكمه، لا على سقوطه. وروى الزهري عن مالك بن أوس بن الحدثان عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا وكاب فكانت لرسول الله ﷺ دون المسلمين، وكان ينفق منها على أهله نفقة سنة، فما فضل جعله في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله، ثم توفي رسول الله ﷺ فوليها أبو بكر مثل ما وليها رسول الله ﷺ ثم وليها عمر بمثل ما وليها رسول الله ﷺ وأبو بكر فموضع الدلالة من هذا الخبر أن أبا بكر وعمر ﵄ سلكا بحقه بعد وفاته مسلكه بحقه في حياته؛ فدل على بقائه وثبوته؛ ولأن ما استحق من سهام الخمس لم يسقط كسائر السهام. فصل والدليل على أن سهم ذوي القربى ثابت يستحق مع الغنى والفقر، قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الحشر: ٧] فأضاف الخمس إلى خمسة أصناف بلام التمليك، وجمع بينهم بواو التشريك، فاقتضى الظاهر تساويهم بجميعهم بالأوصاف التي أضافها الله تعالى إليهم، وهو إنما وصفهم بأي القربى فدل على استحقاقهم إياه باسم القرابة لا بالفقر وقال تعالى: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ [الروم: ٣٨] قال السدي: هم ذوي القربى من رسول الله ﷺ من بني هاشم وبني المطلب وروى الشافعي عن مطرف بن مازن عن معمر بن راشد عن ابن شهاب قال: اخبرني محمد بن جبير عن أبيه قال لما قسم رسول الله ﷺ سهم ذي القربى بين بني هاشم وبني المطلب أتيته أنا وعمان بن عفان فقلت: يا رسول الله هؤلاء لإخواننا من بني هاشم لا ننكر فضلهم لمكانك الذي وضعك الله منهم أرأيت إخواننا من بني المطلب أعطيتهم وتركتنا وإنما قرابتنا واحدة فقال رسول الله ﷺ إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد

стр. 2979

كذا وشبك بين أصابعه (١)، وفي بعض الروايات لم يفترقوا في جاهلية ولا إسلام. والدلالة في هذا الخبر من وجهين: أحدهما: أن عثمان بن عفان وجبير كانا من أغنياء قريش، سألاه لما أعطيت بني هاشم وبني المطلب وحرمتنا، ونحن وهم في القرابة سواء؟ فلم يجعل سبب المنع الغني فدل على أن الغني فيه كالفقير. والثاني: أنه كان في بني هاشم وبني المطلب أغنياء وفقراء وقد أعطاهم. وكان من عبد شمس أغنياء وفقراء وقد حرمهم؛ فدل على أنه اعتبر القرابة دون الفقر. فإن قيل: النبي ﷺ أعتبر النصرة دون القرابة؟ لأن هاشماً والمطلب وعبد شمس ونوفل كانوا أخوة وكلهم بنو عبد مناف، وقد خص النبي ﷺ سهم ذوي القربة بني هاشم وبني المطلب دون بني عبد شمس ونوفل وجميعهم في القرابة سواء، لما قال في ضم بني المطلب إلى بني هاشم بأنهم شيء واحد، ولم يفترقوا في جاهلية ولا إسلام ليعلمهم أن بني عبد شمس وبني نوفل قد خالفوهم في الجاهلية والإسلام، فدل على أن العطاء إنما كان لأجل الندرة التي ميزتهم بها دون القرابة التي قد اشتركوا فيها فاختلف أصحابنا لأجل ذلك في سبب الاستحقاق على ثلاثة أوجه: أحدهما: أن الاستحقاق بالقرابة وحدها دون النمرة، ولأنهم ليس للنصرة فيها تأثير، لأنه لم يذكره عثمان وجبير في طلبها ولا ذكره النبي ﷺ في منعهما ودفع ذلك لمن لا نصرة فيه من صغير وكبير ورجل وامرأة ومنع من ظهرت من غيرهم، وان لم يكن من بني المطلب من قام بالنصرة مقام أبي بكر وعمر وعثمان وأبي دجانة وخالا بن الوليد فمنعهم وأعطى من بني المطلب من هو أقل نصرة منهم، فدل على أنهم استحقوا ذلك بالقرابة لا بالنصرة. والثاني: أن الاستحقاق بالقرابة والتقديم بالنصرة كما نقول في الأخوين أحدهما لأب وأم، والآخر لأب ابنهما في التعصيب بالأب سواء، ويقدم أحدهما على الآخر للأم، وان اشتركا في التعصيب، كذلك بني المطلب وان شاركوا بني عبد مناف وبني نوفل في القرابة قاموا عليهم بما اختصوا به من النصرة. فإن قيل: فإذا كان التقديم بالنصرة فهلا زال حكمهما بزوالها، وقد زالت اليوم، قيل: النصرة في الآباء أوجبت ثبوت حكمها في الأبناء، كما تقول في تمييز كفرة أهل الكتاب على المشركين في قبول الجزية أن حرمة آبائهم حين كانوا على حق أوجبت ثبوتها لأبنائهم وإن زالوا عن الحق. والثالث: أن الاستحقاق بالقرابة وحدها، والمنع مع وجودها لسبب آخر كما نقول

стр. 2980

في ابنين أحدهما قاتل أنهما وإن استويا في البنوة فالقاتل ممنوع بعلة، فكذلك بنو عبد الشمس وبنو نوفل وان ساووا بني هاشم وبني المطلب في القرابة، فقد كان منهم ما يسقط به حقهم كما يسقط حق الابن القاتل. فإن قيل: جبير بن مطعم راوي هذا الحديث أسلم بعد فتح خيبر فلم يلتفت إلى حديثه في أحكام غنائمها فعن ذلك جوابان: أحدهما: أنه لم يعين الخبر في خمس خيبر، وقد كان بعدها غنائم يحمل خبره على خمسها. والثاني: قد كان أكثرها فيئاً فيستغل في كل عام فكان خمسة باقياً. وروي أن الفضل بن العباس استشفع إلى رسول الله ﷺ بعلي رضوان الله عليهما في عمالة الصدقات فغضب رسول الله ﷺ وقال: "أليس في خمس الخمس ما يغنيكم عن أوساخ الناس"، فجعل لهم خمس الخمس تنزيهاً عما يملك بالفقر من الصدقات؛ فم يجز أن يستحقوه بالفقر المشروط في الصدقات، ويدل على ذلك حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى، وقد روي على وجهين يكون في أحدهما نصاً مسنداً، فهو ما رواه عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: سمعت علياً ﵁ يقول: اجتمعت أنا والعباس وفاطمة وزيد بن حارثة عند النبي ﷺ ، فقلت: يا رسول اله أرأيت إن تولينا حقنا من هذا الخمس في كتاب الله فاقسمه في حياتك كي لا ينازعنا أحد بعدك فافعل، قال: فقال رسول الله ﷺ : "نفعل ذلك" فولاينه رسول الله ﷺ فقسمته في حياته، ثم في رواية أبي بكر حتى كانت آخر سنة من سني عمر، فإنه أتاه مال كثير فعزل حقنا ثم أرسل إلي فقلت: لنا عنه العام غناء، وبالمسلمين الآن حاجة فاردده عليهمء فرده عليهمء فلقيت العباس بعدما خرجت من عند عمر فقال يا علي: حرمتنا لا ترد علينا أبدأ، وكان راجلاً داهياً فلم يدعني إليه أحد بعد عمر. فدل قول علي للنبي ﷺ إن رأيت إن تولينا حقنا على أنه حق يختص بهم لا يتحق بالفقر الذي هو في غيرهم. وأما الوجه الذي يكون إجماعاً منعقداً فهو ما رواه الحكم بن عيينة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: لقيت علياً ﵇ عند أحجاز الركب فقلت له: بأبي وأمي ما فعل أبو بكر وعمر في حقكم أهل البيت من الخمس فقال علي: أما أبو بكر فلم يكن في زمانه أخماس وما كان فقد أوفاناه، وأما عمر فلم يزل يعطينا حتى جاءه مال السوس والأهواز أو قال مال فارس الشافعي يشك، فقال عمر: إن المسلمين فله فإن أجبتم تركتم حقكم فجعلناه في خلة المسلمين حتى يأتينا مال أو فيكم حقكم، فقال العباس لعلي: لا تطعمهم في حقنا، فقلت يا أبا الفضل ألسنا أحق من أجاب أمير المؤمنين، ودفع خلة المسلمين، فتوفي عمر قبل أن يأتيه مال فيقضيناه.
следующие страницы →