← Фикх шафии

Фикх шафии · id 16934

بحر المذهب للروياني

عَبْد الواحِد الرُّوْياني

Полный текст (7 151 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.

стр. 2906

ضمن وإذا أودعها غيره وصاحبها حاضر عنه سفره ضمن فإن لم يكن حاضراً فأودعها أميناً يودعه ماله لم يضمن". قال في الحاوي: وهذا صحيح متى ما لم يجد حاكماً ولا ثقة يستودعها إياه فدفنها في الأرض فهذا على ضربين: أحدهما: أن يكون الموضع المدفونة فيه سابلاً لا تحجير عليه يمنع من الوصول، فدفنها في مثله عدوان يوجب الضمان، سوا، أعلم بها أحداً أو لم يعلمه، لأن ما تصل إليه الأيدي معرض للتلف. والثاني: أن يكون الموضع حصياً حريزاً كالمنازل المسكونة التي لا تصل اليد إليها إلا من أراد، فلا يخلو حاله من أحد أمرين: إما أن يعلم بها أحداً أو لا يعلم بها أحداً، فإن لم يعلم بها أحداً ضمنها، لأنه قد ربما أدركته منيته فلم يوصل إليها، فصار ذلك تغريراً، وإن أعلم بها ثقة مؤتمناً صح، وهل يراعى في الإعلام بها حكم الشهادة أو حكم الائتمان؟ على وجهين: أحدهما: حكم الشهادة فعلى هذا لا يجزئه أقل من شاهدين عدلين، أو شاهد وامرأتين ويرى الشاهدان ذلك عند دفنه ليصح تحملها لذلك، فإذا فعل ذلك خرج عن التعدي، وسقط الضمان عنه ولم يلزمه أن يأذن للشاهدين من نقلها عند الخوف. والثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة أنه يراعى فيه حكم الائتمان، فعلى هذا يجوز أن يعلم بها واحداً ثقة، سواء كان رجلاً أو امرأة، ويجوز أن لا يراها، وهل يلزمه أن يأذن له في نقلها إن حدث بمكانها خوف أم لا؟ على وجهين: أحدهما: يلزمه ذلك لما فيه من فضل الاستظهار، فإن لم يفعل ضمن. والثاني: لا يلزمه، لما في نقلها من التعريض للأخطار، فإن نقلها المؤتمن عليها على هذا الوجه عند حدوث الخوف بمكانها ففي ضمانه وجهان من اختلافهم على هذا الوجه، هل يكون إعلامه بها يجري مجرى الخبر أو مجرى الأمانة؟ فأحد الوجهين: أنه يجري مجرى الخبر، فعلى هذا لا يجوز له نقلها، فإن نقلها ضمن، ويجوز أن يكون عبداً، وأن يكون بعيداً عنها، وليس له يد عليها. والثاني: أن يجري مجرى الأمانة، فعلى هذا يجوز له نقلها، ولا يجوز أن يكون عبداً ولا أن يبعد عنها، وتكون يده عليها، فأما إذا دفنها على ما وصفنا مع وجود حاكم مأمون، أو عدل موثوق به يودعها عنده ففيه وجهان: أحدهما: لا يجوز ويضمن إن فعل. والثاني: يجوز ولا ضمان عليه. فصل فأما إذا ترك الوديعة في بيت المال فقد قال الشافعي: "يضمن وليس هذا الجواب

стр. 2907

على الإطلاق؛ واختلف أصحابنا من تأويله، فقال بعضهم: أراد به إذا كان مالكها حاضراً، ولو كان غائباً لم يضمن، وهذا تأويل من قال: لا يجوز دفع الوديعة إلى الحاكم مع وجود صاحبها وقال آخرون: إنما أراد به إذا لم يعلم صاحب بيت المال بها ولمن هي، فإن أعلمه بها ولمن هي لم يضمن، وهذا قول من لا يجوز دفعها إلى الحاكم مع حضور صاحبها. مسألة (١) قال الشافعي ﵁: "وإن تعدى فيها ثم ردها في موضعها فهلكت ضمن لخروجه بالتعدي من الأمانة". قال في الحاوي: أعلم أن التعدي الذي يجب به ضمان الوديعة فعلى سبعة أقسام: أحدها: التفريط في الحرز، ذلك مثل أن يضعها في غير حرز أو يكون قد وضعها في حرز، ثم أخرجها إلى ما ليس بحرز، أو يكون قد أعلم بمكانها من أهله من لا يؤمن عليها، فهذا وما أشبهه من التفريط عدوان يجب به الضمان. والثاني: الاستعمال، مثل أنه يستودعه ثوباً فيلبسه أو دابة فيركبها أو بساطاً فيفترشه فهذا وما شاكله عدوان يجب به الضمان. والثالث: خلطها بغيرها، وذلك ضربان: أحدهما: أن يخلطها بمال نفسه، كما لو أودع دراهم فخلطها بدراهم حتى لم تتميز، فهذا عدوان يوجب الضمان، وكذلك لو خلطها بدراهم غير المودع أيضاً. والثاني: أن يخلطها بمال المودع، كأنه أودع وديعتين من جنس واحد فخلط إحداهما بالأخرى، ففي تعديه وضمانه بذلك وجهان: أصحهما يضمنها، لأن مالكها لما ميزها لم يرض بخلطها، ولكن لو خلطها بما يتميز منها مثل أن يخلط دراهم بدنانير لم يضمن، إلا أن يكون خلط الدراهم بالدنانير قد نقص قيمته من الدنانير فيضمن قدر النقصان. والرابع: الخيانة، وهو أن يخرجها ليبيعها، أو لينفقها، فهذا عدوان يجب به الضمان وكذلك لو جحدها. والخامس: التعرف لها، مثل أن تكون دراهم فيزنها، أو يعدها، أو ثياباً فيعرف طولها وعرضها، ففي تعديه وضمانه بذلك وجهان: أحدهما: يضمن، لأنه نوع من التصرف. والثاني: لا يضمن، لأنه قد ربما أراد به فضل الاحتياط. والسادس: التصرف من بعض ما استظهر به المودع من حرزها وذلك ضربان:

стр. 2908

أحدها: أن يكون منيعاً بالقفل الذي يفتحه، فهذا عدوان يجب به الضمان. والثاني: أن يكون غير منيع كالختم يكسره، والشداد يحله، ففي ضمانه بذلك وجهان أصحهما يضمن، لما فيه من هتك الحرز، ولذلك قال عمر ﵁ لشريح: طينة خير من طينة يعني أن طينة الختم تنفي التهمة. والسابع: أن ينوي الخيانة والتعدي، فقد كان أبو العباس بن سريج يرى أن ذلك موجب لضمانها ويجعل النية فيها، كالفعل من وجوب الضمان، استدلالاً بأن النية من تملك اللقطة يقوم مقام التصرف من ثبوت المالك، فكذلك ضمان الوديعة، والذي عليه جمهور أصحابنا أنه لا يضمنها بالنية، لأن النية إنما تراعى في حقوق الله تعالى لا من حقوق الآدميين، ولو جاز أن يصير متعدياً بالنية لجاز أن يصير خائناً وسارقاً بالنية، ولأن النية ما أثرت في حرزها فلم تؤثر في ضمانها، غير أنه يأثم بها، فأما اللقطة فمع النية من تملكها علم ظاهر وهو انقضاء حق التعريف، إن كان من أصحابنا من لم يجعله مالكاً مع النية إلا بالتصرف. وقال أبو حامد المروزي: يجعله مالكاً مع النية إلا بالتصرف فإن نوى حبسها لنفسه، وإن لم يرده علي ربما ضمنها، وإن نوى أن يخرجها من حرزها إخراج عدوان لم يضمنها، وهذا أصح. والفرق بينهما: أنه إذا نوى أن لا يردها أمسكها لنفسه فضمنها، وإذا نوى أن يخرجها فقد أمسكها لمالكها فلم يضمنها. فصل فإذا استقر ضمان الوديعة من أحد هذه الأقسام بالتعدي ثم كف عن تعديه وأعادها إلى حرزها لم يسقط عنه الضمان. وقال أبو حنيفة ومالك: قد سقط عنه الضمان، استدلالاً بأن الحكم إذا ثبت لعلة زال بزوالها كالشدة المطربة في الخمر، والردة الموجبة للقتل، قالوا: ولأنه قد يضمن الوديعة بالإخراج كما يضمن المحرم الصيد بالإمساك، فلما كان إرسال المحرم للصيد بعد إمساكه مسقطاً للضمان وجب أن يكون إعادة المستودع لها بعد الإخراج مسقطاً للضمان، قالوا: ولأنه لما كان لو أخرجها من حرز المستودع سارق فضمنها سقط عنه الضمان بردها كان أولى إذا أخرجها المستودع فضمنها أن يسقط عنه الضمان بردها. ودليلنا هو أنه ما ضمنت به الوديعة لم يسقط بارتفاع سببه كالجحود، ولأن من ضمن باليد لم ينفرد بإسقاط الضمان كالغاضب، ولأن الضمان إذا وجب بالإخراج من الحرز لم يخرج بالرد إلى الحرز كالسارق، ولأنه قد خرج بالتعدي في الأمانة، فلم يعد إليها باستئناف أمانة وإلا كان أمين نفسه، ولأن الضمان إذا تعلق بذمته لم يكن له سبيل إلا إبراء نفسه بنفسه فأما استدلالهم بأن الحكم إذا ثبت لعلة زال بزوالها فالعلة لم تزل، لأن التعدي الأول انقطع ولم يرتفع، وأما إرسال المحرم للصيد فإنما سقط عنه الضمان، لأنه قد أعاده إلى حقه. ومثاله من الوديعة أن يعيدها إلى مالكها، وأما السارق من المستودع فقد اختلف

стр. 2909

أصحابنا في سقوط الضمان عنه إذا رده المستودع على وجهين: أحدهما: لا يسقط الضمان عنه لأنه غير مالكه. والثاني: قد سقط عنه الضمان، لأن المستودع على أمانته فصار عودها إلى يده كعودها إلى المالك، وليس كذلك إذا كان المستودع هو الضامن له، لأنه قد خرج من الأمانة. فصل فإذا ثبت أن ضمان التعدي باق وإن كف عنه فسقوطه عنه يكون بردها على مالكها أو وكيل مالكها في قبضها، فأما إبراء المودع له من ضمانها فإن كان بعد تلفها واستقرار عزمها في ذمته صح الإبراء إذا كان بعد تلفها، وإن كان مع بقائها ففي سقوط ضمانها وجهان: أحدهما: وهو قول المروروزي قد سقط الضمان، لأن الإبراء استئمان. والثاني: أن الضمان لا يسقط عن الغاصب بالإبراء قبل الرد، ولأن الإبراء إنما يتوجبه إلى ما استقر من الديون في الذمم لا إلى ما في الأيدي من الأعيان، وإنما هبات الأعيان لا تسقط ضمانها، فعلى هذا لو أعادها المستودع إلى حرزها بإذن مالكها كان سقوط الضمان عنه على هذين الوجهين، والله أعلم. مسالة (١) قال الشافعي: "ولو أودع عشرة دراهم فأنفق منها درهما ثم رده فيها ولو ضمن الدرهم". قال في الحاوي: قد ذكرنا أن من وجوب الضمان بكسر الختم وحل الشداد وجهان: فأما إذا أودع دراهم غير مختومة ولا مشدودة فأخرج منها درهماً لينفقه قد ضمنه وحده ولا يضمن غيره، فإن رده بعينه ولم ينفقه لم يسقط عنه ضمانه، فإن خلطه بالدراهم، نظر فإن تميز عنها ضمنه وحده ولم يضمن جمع الدراهم وإن لم يتميز عنها ففي ضمان جميعها وجهان: أحدهما: يضمن جميعها، لأنه قد خلط مضموناً بغير مضمون فصار بذلك متعدياً فضمن الجميع وهذا مذهب أبي حامد المروروزي، والبصريين. والثاني: لا يضمن، لأن كل ذلك مال واحد قد آثر مالكه خلطه فلم يكن في خلطه خلاف غرضه، وهذا مذهب أبي علي بن أبي هريرة، والبغداديين، وإن أنفق ذلك الدرهم ورد بدله وخلطه بالدراهم فلا يخلو حال ذلك الدرهم الذي رده بدلاً من ثلاثة أقسام:

стр. 2910

أحدها: أن لا يتميز من جميع الدراهم، فيصير بخلطه متعدياً في الجميع، لأنه قد خلط الوديعة بمال نفسه، فصار ضامناً بجميعها. والثاني: أن يتميز ذلك الدرهم دون غيره مما يتميز ويصير كمن خلط دراهم الوديعة بدنانير نفسه عن جميع الدراهم فليس عليه، إلا ضمان ذلك الدرهم دون غيره. والثالث: أن يكون مما يتميز عن بعض الدراهم ولا يتميز عن بعضها، مثل أن تكون بعض الدراهم بيضاء وبعضها سوداء، والدراهم المردودة فيها أبيض أو أسود، فيضمن من ذلك ما لا يتميز عن الدرهم المردود بدلاً ولا يضمن ما تميز عنه. مسألة (١) قال الشافعي: "ولو أودعه دابة وأمره بعلفها وسقيها فأمر من فعل ذلك بها في داره كما يفعل بدوابه لم يضمن وإن بعثها إلى غير داره وهي تسقى في داره ضمن وإن لم يأمره بعلفها ولا بسقيها ولم ينهه فحبسها مدة إذا أتت على مثلها لم تأكل ولم تشرب هلكت ضمن وإن لم تكن كذلك فتلفت لم يضمن وينبغي أن يأتي الحاكم حتى يؤكل من يقبض منه النفقة عليها ويكون ديناً على ربها أو يبيعها فإن أنفق على غير ذلك فهو متطوع". قال في الحاوي: وصورتها في رجل أودع رجلاً دابة فلا يخلو حاله عند إيداعها عنده من ثلاثة أقسام: أحدها: أن يأمره بعلفها. والثاني: أن ينهاه عن علفها. والثالث: أن لا يأمره ولا ينهاه. فأما القسم الأول: وهو أن يأمره بعلفها فعليه أن يربطها في حرز مثلها ويعلفها ويسقط عند حاجتها وقدر كفايتها، فإن علفها مع دوابه في منزله وكان حرزاً جاز وإن لم يكن حرزاً ضمن، وإن علفها مع دوابه وفي غير منزله فإن لم يكن حرزاً أو كان إلا أن القيم بها إذا لم يشاهده قصر في علفها ضمن، وإن كان حرزاً والقيم بها إذا أفرده بعلفها مع غير دوابه لم يقصر في علفها لم يضمن، ومراد الشافعي ﵁ بإطلاق الضمان ما ذكرنا، وهو قول جمهور أصحابنا. وقال أبو سعيد الإصطخري: متى عزلها عن دوابه وعلفها وفي غير إصطبله ضمنها بكل حال، لأن الظاهر من فعل نظيره لنفسه أن اصطبله أحرز، وعلفها مع دوابه أحوط، فإذا ثبت ما وصفنا من مال حرزها وعلفها فلا يخلو حاله في الإذن من أحد أمرين: إما أن يشترط له الرجوع أو لا يشترط له الرجوع، فإن شرط له الرجوع فقال: أنفق عليها

стр. 2911

لترجع علي، أو أنفق علي ففي وجوب تقديره للنفقة وجهان: أحدهما: يجب تقديرها لتنتفي الجهالة عن ضمانها، وليزول الخلف بينهما في قدرها، فعلى هذا إن أنفق عليها من غير تقدير المودع كان متطوعاً لا يرجع بنفقته، وإن قدر له قد أرجع به، وإن زاد عليه كان متطوعاً. والثاني: لا يجب تقديرها لأن لنفقتها حداً يراعى فيه كفايتها فلم يحتج إلى التقدير، فعلى هذا يجوز إذا كان المالك هو الآذن في النفقة أن يتولاها المستودع بنفسه، ويقبل قوله في قدرها إذا لم يدع سرفاً، وإن لم يشترط له الرجوع بالنفقة حين أذن فيها ففي جواز رجوعه بها وجهان: أحدهما: يرجع اعتباراً بالأغلب من حال الإذن. والثاني: لا يرجع لاحتمال الإذن. فصل وأما القسم الثاني: وهو أن ينهاه عن علفها فلا يجوز له في حق الله تعالى أن يدع علفها، لأنها ذات نفس يحرم تعذيبها، ونهى ﷺ عن ذبح البهائم (١) إلا لمأكلة، وقال: "في كل ذات كبد حرى أجر" (٢) وعليه أن يأتي الحاكم حتى يجبر المالك على علفها إن كان حاضراً أو يأذن له من علفها ليرجع به إن كان غائباً، فإن علفها من غير حكم حاكم لم يرجع، وإن تركها فلم يعلفها حتى هلكت فالمحكي عن جمهور أصحابنا أنه لا يضمن، وهذا قول أبي العباس بن سريج وأبي إسحاق المروزي، وغيرهما، لأن نهيه عن النفقة إبراء من ضمان الذمة. وقال أبو سعيد الإصطخري: يضمن، وهو الأصح عندي، لأنه شرط قد منع الشرع منه فكان مطرحاً، وعلى كلا الوجهين لا يسقط عنه المأثم، وإنما الوجهان في الغرم، وعلى هذين الوجهين لو أذن له السيد في قتل عبده كان في سقوط الغرم عن قاتله وجهان، وقد حكاهما ابن أبي هريرة، وزعم أنهما مخرجان من اختلاف قوليه في الرهن إذا أذن للمرتهن في وطء الجارية المرهونة: هل يسقط عنه المهر بالإذن أم لا؟ على قولين فأما إن أمر بقطع يده أو جلده لم يضمن وجهاً واحداً، لاحتمال أن يكون الأمر بقطعه حداً في سرقة والجلد حداً في زنا، والله أعلم. فصل وأما القسم الثالث: وهو أن لا يأمره بعلفها ولا ينهاه فعليه علفها، لما يلزمه في الشرع من حرمة نفسها، فإن لم يعلفها حتى هلكت في مدة إن لم تأكل فيه تلفت فعليه غرمها.

стр. 2912

وقال أبو حنيفة: لا غرم عليه، استدلالاً بأن الأمر إنما يضمن الحفظ دون العلف فلم يكن منه تقصير فيما تضمنه المر فلم يضمن، وتعلقاً بأنه لو رأى بهيمة تتلف جوعاً فلم يطعمها لما ضمن، فكذلك هذه وهذا فاسد، لأن ما وجب بالشرع فهو كالمقترن بالأمر، وقد "نهي النبي ﷺ أن تتخذ الروح غرضاً" (١) وذكر في صاحبة الهرة التي دخلت بها النار ما يدل على أنه لا يجوز ترك البهيمة بلا علف، ولأن علفها من شروط حفظها، فلما كان حفظها واجباً وإن جاز أن تبقى بغير حافظ فأولى إن يكون علفها واجباً غذ ليس يجوز أن تبقى بغير غلف وبهذا بطل استدلاله. فأما من رأى بهيمة غيره تموت جوعاً فلم يطعمها فإنما لم يضمنها، لأنه لم يتعين عليه حفظها، وليست كالوديعة التي تعين عليه حفظها، فإذا ثبت وجوب علفها عليه وأنه يضمنها إن لم تعلف فالطريق إلى رجوعه بعلفها أن يأتي الحاكم حتى ينظر حال مالكها، فإن كان حاضراً ألزمه علفها، وإن كان غائباً نظر أولى الأمرين له من بيعها إن خاف أن يذهب في علفها أكثر منها أو النفقة عليها إن رأى ذلك قليلاً، فإن رأى الحاكم أن يأذن للمستودع في النفقة عليها، فهل يلزمه تقديرها له أم لا؛ على ما ذكرنا من الوجهين في المالك لو كان هو الأذن، وهل يجوز أن يتولى النفقة عليها بنفسه أو ينصب له أميناً يأخذها منه؛ على وجهين ذكرناهما في "اللقطة" فإن اتفق المستودع عليها من غير حكم حاكم، فإن قدر على استئذان الحاكم كان متطوعاً بالنفقة، ومن لم يقدر على استئذانه ففي رجوعه بالنفقة ثلاثة أوجه: أحدهما: يرجع بها أشهد أو لم يشهد، لوجوبها عليه، وعدم من يحكم بها له. والثاني: لا يرجع بها أشهد، أو لم يشهد، لأن لا يكون حاكم نفسه. والثالث: أنه أمر اشهد رجع وإن لم يشهد لم يرجع، لأن الإشهاد غاية إمكانه. مسألة (٢) قَاَلَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ أَوْصَى المُودِعُ إِلَى أَمِينٍ لَمْ يَضْمَنْ فَإِنْ كَانَ غَيْرَ أَمِينٍ ضَمِنَ". قال في الحاوي: وهذا صحيح، إذا حضر المستودع الموت، فإذا كان مالكها حاضراً، أو وكيله لم يجز أنه يوصي بها، كما لا يجوز إذا أراد السفر مع حضور مالكها أن يودعها، إن كان مالكها غائباً وليس له وكيل حاضر فإن لم يقدر على حاكم جاز أن يوصي بها إلى أمين وإن قدر على الحاكم ففي جواز الوصية بها غيره وجهان على ما ذكرنا في السفر، فإذا جاز له الوصية بها مع عدم الحاكم ومع وجوده في أحد الوجهين اختار

стр. 2913

لها أميناً، فإن اختار لها أميناً قد اختاره لوصية نفسه كان أولى ولا ضمان عليه، وفي وجوب الإشهاد عليه بها وجهان، وإن اختار لها أميناً غير من اختاره لوصية نفسه، ففي ضمانه وجهان: أحدهما: لا يضمن، وهو قول الأكثرين من أصحابنا، كما لو أوصى ببعض ماله إلى رجل وبعضه إلى غيره. والثاني: وهو قياس أبي سعيد الإصطخري في علف الدابة في غير منزله أنه يضمن، لأن الظاهر ممن اختاره بنفسه أنه أظهر أمانة قلنا إن أوصى بها إلى غير أمين لم يجز، سواء جعله وصي نفسه أم لا؛ وسواء علم فسقه أم لا؛ لأن العمد والخطأ في ضمان الأموال سواء فإن فعل، نظر فإن سلمها إليه ضمنها لتفريطه فيها، وإن لم يسلمها إليه عند الوصية حتى هلكت ففي ضمانه لها وجهان: أحدهما: أنه لا يضمنها، لأنه ما أحدث فيها فعلاٌ. والثاني: يضمنها، لأنه قد سلط عليها، وإن لم يقبضها فصار ذلك عدواناً فوجب الضمان، فأما إن لم يوص بها حتى مات نظر، فإن لم يقدر على الوصية لمفاجأة الموت لم يضمن، وإن قدر عليها ضمن وبالله التوفيق. مسألة (١) قَاَلَ الشَّافِعِيُّ: "فَإِنْ انْتَقَلَ مِنْ قَرْيَةٍ آهِلّةٍ إِلَى غَيْرِ آهِلّةٍ ضَمِنَ". قال في الحاوي: اختلف أصحابنا في نقل هذا اللفظ، فذهب أبو إسحاق المروزي إلى أن الرواية فيه: "ولو انتقل من قرية أهله" يعني: كثير الأهل "إلى غير أهله" يعني: قليلة الأهل. وذهب أبو علي بن أبي هريرة إلى أن المراد بقوله: "ولو انتقل من قرية أهله" يعني: وطن أهله إلى غير وطن أهله. وجملة ذلك: أن لا يخلو حال القرية التي انتقل إليها من أن تكون آمنة أو غير آمنة، فإن كانت عبر آمنة كان ضامناً ينقل الوديعة إليها، وإن كانت آمنة لم يخل حاله من أن تكون قريبة أو بعيدة فإن كانت بعيدة ضمن لما في نقلها من إبعادها عن مالكها، فإن كانت قريبة لم يخل حال الطريق من أن يكون آمناً أو مخوفاً، فإن كان مخوفاً ضمن وإن كان آمناً لم يخل حال القرية التي انتقل عنها من أن تكون مخوفة أو آمنة، فإن كانت مخوفة لا يأمن على الوديعة فيها من غارة أو حريق، أو غرق لم يضمن، وإن كانت آمنة ففي ضمانه وجهان: أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي: أنه لا يضمن على ما قدمته من رواية

стр. 2914

اللقطة، وكما لو نقلها من محلة إلى أخرى. والثاني: وهو الأصح عندي، أنه يضمن، لأن من إخراج المال عن القرية تغرير لم تدع إليه ضرورة. مسألة (١) قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَإِنْ شَرَطَ أَنْ لاَ يُخْرِجَهَا مِنْ هَذَا المَوْضِعَ فَأَخْرَجَهَا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةِ فَإٍنْ كَانَ ضَرُورَةٍ وَأَخْرَجَهَا إِلَى حَرْزٍ لَمْ يَضْمَنْ".ٍ قال في الحاوي: وجملة حال المودع أنه لا يخلو من أن يعين للمستودع على حرز أو لا يعين، فإن لم يعين على حرز فعليه أن يحرزها حزر مثلها ويجوز له نقلها من ذلك الحرز إلى حرز مثله أو آخر لضرورة أو غير ضرورة إذا لم يكن النقل مخوفاً، لأنه قد كان له في الابتداء أن يحرزها حيث شاء فلذلك يجوز أن ينقلها حيث شاء وسواء أحرزها مع ماله أو نقلها مع غير ماله، وعلى قياس قول أبي سعيد الإصطخري متى أحرزها مع غير ماله أو نقلها مع غير ماله ضمن كالدابة. فصل فإن عين على حرز يحرزها فلا يخلو حاله من أن ينهاه عن إخراجها من ذلك الحرز أو لا ينهاه، فإن لم ينهاه عن إخراجها من الحرز الذي عينه جاز إحرازها فيه، سواء كان حرزاً لمثلها أو لم يكن، لأن مالكها باليقين قد قطع اجتهاده في الاختيار، فإن أخرجها من ذلك الحرز فذلك ضربان: أحدهما: لضرورة أمن غشيان نار، أو حدوث غارة، فلا ضمان عليه بإخراجها منه إذا كان الطريق في إخراجها مأموناً، ولو تركها مع حدث هذه الضرورة لكان لها ضامناً لأنه فرط بتركها. والثاني: أن ينقلها من ذلك الحرز إلى غيره من غير ضرورة حدثت، فلا يحلو حال الحرز الذي كانت فيه، والحرز الذي نقلت إليه من أربعة أقسام: أحدهما: أن يكون المعين غير حريز والمنقول إليه حريزاً، فلا ضمان عليه. والثاني: أن يكون المعين حريزاً، والمنقول غير حريز، فعليه الضمان. والثالث: أن يكون المعين غير حريز والمنقول غير حريز، فعليه الضمان، لأنه قد عدل عن التعيين إلى غيره اختياراً. والرابع: أن يكون المعين حريزاً والمنقول إليه حريزاً في الحرز المعين فإن لم يكن لرب الوديعة جاز نقلها ولم يضمن، لأن حقه في الإحراز دون الحرز، وإن كان ملكاً لرب

стр. 2915

الوديعة ففيه وجهان: أحدهما: يجوز نقلها ولا يضمنها تغليباً لحكم الحفظ المعتبر مع الإطلاق، ويضمنها اعتباراً بالتعيين القاطع للاختيار. والثاني: لا يجوز له نقلها اعتباراً بالتعيين القاطع للاختيار. فصل وإن نهاه مع التعيين على الحرز عن إخراجها منه فلا يخلو حال الحرز من أن يكون للمودع أو المستودع، فإن كان للمودع فسواء كان مالكاً أو مستأجراً شرطه واجب، وليس للمستودع نقلها من غير ضرورة، فإن نقلها مع ارتفاع الضرورة ضمنها، سواء نقلها من دار إلى دار، ضمن أو نقلها من بيت إلى بيت ضمن. وقال أبو حنيفة: إن نقلها من دار إلى دار ضمن وإن نقلها من بيت إلى بيت أو من صندوق إلى صندوق لم يضمن احتجاجاً بأن الدور المختلفة قد تتباين في الإحراز والبيوت في الدار الواحدة لا تتباين، وهذا فاسد من وجهين: أحدهما: أن البيوت من الدار الواحدة قد تختلف في الحرز كاختلاف الدور. والثاني: أن في نقلها مع التعيين تصرفاً غير مأذون فيه، فصار به متعدياً وجملة ذلك أن له في نقلها من بلد إلى بلد. والثاني: من دار إلى دار. والثالث: من بيت إلى بيت. والرابع: من صندوق إلى صندوق، فعندنا يضمن إذا نقلها في هذه الأحوال الأربعة مع التعيين، وعند أبي حنيفة يضمن في حالتين في البلد والدار ولا يضمن في حالتين في البيت والصندوق، وغن كان الحرز للمستودع ففي لزوم ما شرطه للمودع عليه من أن لا يحرزها منه وجهان: أحدهما: قول ابن أبي إسحاق المروزي، أنه شرط واجب، ومتى أخرجها منه لغير ضرورة ضمن، لأن المودع لم يرض لإحراز ماله إلا ما عينه. والثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة أنه شرط لا يجب، وإن أخرجها من غير ضرورة له لا يضمن، لأنه لا يملك الحرز وليس يستحق إلا الحفظ. فصل فأما إذا دعت الضرورة إلى إخراجها من الحرز الذي عينه لحفظ الوديعة فيه من غشيان نار أو حدوث حريق فهذا على ضربين: أحدهما: أن ينص المودع على أن لا يخرجها منه في هذه الأحوال. والثاني: أن لا ينص، فإن لم ينص على ذلك بل نهي عن إخراجها منه على

стр. 2916

الإطلاق جاز مع حدوث هذه الضرورات المتجددة إحراجها، لأن نهيه عن إخراجها، إنما هو لفرط الاحتياط في حفظها، فلم يجز تكرها في مكان يفضي إلى تلفها، فإن تركها ولم ينقلها حتى تلفت فعليه الضمان، لتفريطه بالترك وإن نص على أن لا تخرج منه، وإن غشيت نار، أو حديث غارة، فإن كان حيواناً يخاف على نفسه من غشيان النار كان هذا فيه شرطاً باطلاً ولزم إخراجه مع النهي عنه، كما يلزم علفه، وإن نهي عنه، فإن أخرجه لم يضمنه، وإن تركه ففي ضمانه وجهان كالدابة إذا شرط عليه أن لا يعلفها، وإن لم يكن حيواناً يخاف تلف نفسه ففي لزوم شرطه وجهان بناء على اختلاف الوجهين المحكيين عن أبي إسحاق المروزي في الوكيل إذا وكل من شراء عبد بعينه بعشرة فاشتراه بأقل منها، فإن لم ينهه الموكل عن شرائه بأقل من عشرة صح الشراء، وإن نهاه ففي لزوم شرط وصحة عقده وجهان: أحدهما: الشرط باطل، والشراء صحيح. والثاني: أن الشرط اللازم، والشراء الباطل كذلك هذا الشرط، وهذا الموضع يخرج على هذين الوجهين: أحدهما: يلزم لقطع الاجتهاد بالنص، فعلى هذا إن أخرجه ضمن وإن تركه لم يضمن. والثاني: لا يلزم تغليباً لحكم الاحتياط في نصه، فعلى هذا إن أخرجه لم يضمن، وإن تركه ففي ضمانه وجهان على ما ذكرنا في الدابة المنهي عن علفها إذا لم يعلفها، فأما مؤنة إخراجها ونقلها فإن منع كان متطوعاً به، وكذلك لو كان له ولم يجب عليه كان متطوعاً به، وإن وجب عليه كان كالعلف على ما مضى. مسألة (١) قّالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ قَالَ المُودِعُ أَخْرَجْتُهَا لَمَّا غَشِيتَنْي النَّارُ، فَاِنْ عَلِمَ أَنَّهُ قَدْ كَانَ فِي تِلْكَ النَّاحِيَةِ نَارٌ، أَوْ أَثَرٌ، يَدُلُّ فَلقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِيِنِه". قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا أخرج الوديعة من حرز شرط عليه أن لا يخرجها منه فقد ذكرنا أنه إن كان لضرورة لم يضمن، إن كان بغير ضرورة ضمن، فلو اختلف المودع والمستودع، فقال المستودع: أخرجتها لنار غشيت أو لغارة حدثت فلا ضمان علي، وقال المودع: بل أخرجتها بغير سبب فعليك الضمان فلا يخلو حال هذه الدعوى في غشيان النار وحدوث الغارة من ثلاثة أقسام: أحدهما: أن يعلمه عياناً أو خيراً أو يرى لذلك أثراً، فالقول قول المستودع مع يمينه بالله تعالى أنه أخرجها لذلك، وإنما يلزمه اليمين وإن علمنا حال العذر، لجواز أن يكون

стр. 2917

إخراجه لها لغير هذا العذر، وسواء كان حدوث ذلك من داره أو من جواره. والثاني: أن يعلم كذب ما ادعاه من حدوث والغارة فدعواه مردودة بيقين كذبه، ولا يمين على المودع لاستحالة الدعوى. والثالث: أن يكون ما ادعاه ممكناً لجواز أن يكون قد حدث، ويجوز أن لا يكون فيقال للمستودع ألا علمت من الحال السلامة، والظاهر من إخراجك التعدي، فإن أقمت البينة بحدوث الخوف ينتقل بها عن الظاهر جعلنا حينئذٍ القول قولك مع يمينك بأنك أخرجتها بغليان النار وحدوث الغارة، وإن لم تقم بينة تنقلها عن الظاهر غلبنا حكم الظاهر وجعلنا القول قول المودع مع يمنيه بالله بأنه لم يحدث من الناحية ناراً ولا غارة، لأن الظاهر معه، ويصير ضامناً للوديعة، فأما إن نقلها خوفاً من حدوث غارة أو نار فلم تحدث غارة ولم تغشى نار فإن كانت أمارات صدق دعواه ظاهرة ودواعيه غالبة لم يضمن، وإن كان ظناً وتوهماً ضمن. مسألة (١) قال الشافعي: "ولو قال دفعتها إلى فلان يأمرك فالقول قول المودع ولو قال: دفعتها إليك فالقول قول المودع". قال في الحاوي: وهما مسألتان: أحدهما: أن يدعي المستودع رد الوديعة على مالكها. والثانية: أن يدعي دفعها إلى غير مالكها بإذنه، فالقول قوله في الرد مع يمينه، سواء كان المودع قد أشهد عليه عند الدفع للوديعة إليه أو لم يشهد. وقال مالك: إن المودع قد أشهد عليه عند الدفع لم يقبل قول المستودع في الرد، وإن لم يشهد عليه فقبل قوله استدلالاً بأنه إذا لم يشهد عليه فقد رضي بأمانته قبل قوله عليه، فإذا أشهد عليه لم يرض بأمانته فلم يقبل قوله عليه، وهذا فاسد من وجهين: أحدهما: أنه لما كان قوله من التلف مقبولاً مع الشهادة وعدمها، وجب أن يكون قوله من الرد مقبولاً مع الشهادة وعدمها. والثاني: أنه لما كان قول الوكيل مقبولاً في الحالتين، وقول المقرض والمستعير في الرد غير مقبول في الحالتين، كان المستودع ملحقاً بأحد الأصلين في أن يكون قوله في الرد مقبولاً في الحالتين أو مردوداً في الحالين فلما كان في أحد الحالين مقبولاً وجب أن يكون من الآخر تقرر. فإذا تقرر مقبول القول في الرد فإنما يقبل قوله ما كان على أمانته فلو ضمنها بتفريط أو عدوان لم يقبل قوله في الرد، وكان القول قول المودع يمينه، وله الغرم، وهكذا لو

стр. 2918

مات المودع فادعى المستودع رد الوديعة على وارثه لم يقبل قوله؛ لأنه إن لم يصر بموت المودع ضامناً فقد صار بموته خارجاً من عقد الوديعة وولاية النظر، ولأنه يصير مدعياً للرد على غير من ائتمنه فصار كالوصي الذي لا يقبل قوله في رد مال اليتيم عليه وهكذا لو مات المستودع فادعى وارثه رد الوديعة على المودع لم يقبل قوله عليه، لما ذكرنا مع المعنيين: ارتفاع العقد بالموت، وعدم الائتمان في الوارث. فصل وأما المسألة الثانية: وهو أن يدعي رد الوديعة على غير المودع بأمر المودع فقوله غير مقبول فيما ادّعاه على المودع من الأمر والدفع. وقال أبو حنيفة: قول في ذلك مقبول، كما لو ادعى ردها عليه، لأنه على أمانته، وهذا فاسد لأمرين: أحدهما: أنه لما لم يقبل قوله على المدفوع إليه فأولى أن لا يقبل على المودع الذي ليس بمدفوع إليه. والثاني: هو قرينة ودليل أنه قد ادعى على المدفوع إذناً لم يتضمنه عقد الوديعة فلم يقبل قوله فيه، وفي ادعاء الرد يكون مدعياً لما تضمنه عقد الوديعة فقبل قوله فيه، والله أعلم. فصل فإذا ثبت أنه غير مقبول القول، فيما ادعاه من الإذن والدفع فلا يخلو حال المودع من أحد أمرين: إما أن يقر بالإذن أو ينكره، فإن أنكر الإذن فالقول قوله مع يمينه، والمستودع ضامن للوديعة بما ادعاه من دفعها إلى غير مالكها، ثم لا يخلو حال الوديعة من أن تكون باقية في يد المدفوع إليه أو تالفة، فإن كانت باقية فعلى المستودع استرجاعها من المدفوع إليه وردها على المودع المالك، وللمودع مطالبة أيهما شاء بالرد، وإن لزم من الرد مؤنة التزمها المستودع لأن بعدو أنه لزمت. وإن كانت الوديعة تالفة فلا يخلو حال المدفوعة إليه من أن يكون مقراً بقبضها أو منكراً، فإن كان منكراً فالقول قوله ولا يمين عليه، وهو من المطالبة، وإنما لم يجب عليه يمين لأن المالك لا يدعيها عليه، والدافع مقر له بالإبراء إلا أن يدعي دفعها إليه قرضاً أو غارية ولا وديعة فيكون له عليه الثمن، ثم للمودع الرجوع بغرمها على المستودع. فصل وإن كان المدفوع إليه مقراً بقبضها منه فالمودع بالخيار في الرجوع بغرمها على أيهما شاء، فإن رجع بها على المستودع كان له، لعدوانه بالدفع، وإن رجع بها على المدفوع إليه كان له، لعدوانه بالقبض، فإذا رجع بهما على أحدهما وأراد الغارم لهما

стр. 2919

الرجوع بها على صاحبه نظر في سبب الدفع فستجده على خمسة أقسام: أحدهما: أن يقول أمرني بدفعها قرضاً. والثاني: عارية. والثالث: قضاء من دين. والرابع: هبة. والخامس: وديعة، فإن قال: أمرني بدفعها قرضاً، أو عارية فالحكم فيهما سواء لاشتراكهما في الضمان، فإن كان المالك قد رجع بالعزم على الدافع به على الآخذ، وإن كان قد رجع بالغرم على الآخذ لم يرجع بالآخذ به على الدافع، وإن قال: أمرني أن أدفعها قضاء من دين فإن كان المودع معترفاً بالدين وحلوله، وكانت الوديعة من جنسه فلا رجوع له بالغرم علة واحد منها، لأنها مستحقة في دينه، وإن لم يأذن بها، وإن كان منكراً للدين كان له الرجوع بالغرم على أيهما شاء، فإن رجع به على الدافع نظر فإن صدق الأخذ من الدين لم يرجع الدافع عليه بالغرم وإن لم يصدقه رجع به عليه، وإن رجع به على الآخذ لم يرجع الآخذ به على الدافع بكل حال، سواء صدقه على دينه أو كذبه، وإن قال الدافع: أمرني بدفعها هبه، نظر فإن رجع المودع الغرم على الدافع لم يرجع على الآخذ، وإن رجع بالغرم على الآخذ لم يرجع الآخذ على الدافع وإن قال الدافع: أمرني بدفعها وديعة نظر فإن رجع المودع على الدافع لم يرجع الدافع على الآخذ، وإن رجع بالغرم على الآخذ ففي رجوع الأخذ به على الدافع وجهان: أحدهما: أن لا رجوع له، لأنه مقر أنه مظلوم به. والثاني: يرجع به لن الدافع ألجأه إلى الغرم بائتمانه له ودفعه إليه فهذا حكم المودع إذا أنكر الإذن. فصل وإن أقر المودع أنه قد أذن له في الدفع فهذا على ضربين: أحدهما: أن يكون المدفوع إليه مقراً بالقبض، فالدافع يتبرئ من الضمان ولا غرم عليه، سواء صدقه المودع على الدفع أو كذبه، لأن المراعي من جهة المودع الإذن وقد أقر به، والمراعي من جهة المدفوع إليه القبض وقد أقر به. والثاني: أن يكون المدفوع إليه منكراً للقبض، فلا يخلو حال المودع المقر بالإذن من أن يكون مصداقاَ للدافع أو مكذباً، فإن كان مكذباً له فالدافع ضامن، وادعاؤه للدفع غير مقبول على المودع لتكذيبه ولا على المدفوع إليه لإنكاره. وإن كان المودع مصدقاً له على الدفع فهو على ضربين: أحدهما: أن يكون حاضراً عند الدفع. والثاني: أن يكون غائباً، فإن كان حاضراً عند الدفع فلا ضمان على الدافع، لأن

стр. 2920

التوثق بالإشهاد مع حضور الإذن إنما يتوجه إليه دون الدافع على الصحيح من المذاهب فلم يكن من الدافع تفريط بترك الإشهاد، ولذلك لم يضمن. فصل والضرب الثاني: أن يكون المودع المصدق على الدفع والآذن غائباً عن الدفع، فلا يخلو حال الدفع المأذون فيه من ستة أقسام: أحدهما: أن يكون قرضاً. والثاني: أن يكون عارية والحكم في هذين القسمين سواء، والدافع ضامن لما دفع وأنه صدقه الآذن على الدفع، لأنه قد كان يجب عليه أن يشهد على الدفع ليتمكن الآذن بالشهادة أن يرجع ببدل القرض وقيمة العارية، فصار بترك الإشهاد مفرطاً، فلزمه الغرم وإن كان مصدقاً فلو كان قد أشهد شاهدين عدلين فماتا لم يضمن، لأن ما يلزمه من الإشهاد قد فعله، ولكن لو كان قد أشهد عبدين، أو كافرين لزمه الضمان، ولو أشهد شاهدين فاسقين، فإن كان فسقهما ظاهراً وإن كان باطناً ففي ضمانه وجهان: أحدهما: يضمن كالفسق الظاهر، لأنه الشهادة بردهما. والثاني: يضمن، لأن من الحكام من لا يحكم بها فصار ذلك تقريراً. فصل والقسم الثالث: أن لا يكون الأمر بالدفع قضاء لدين فهذا على ضربين: أحدهما: أن يكون على المودع فيه شهادة فيضمن الدافع، لأنه لم يشهد بالدفع فيبرأ المودع من المطالبة بالدين، وإن لم يكن على المودع فيه شهادة ففي ضمان الدافع فيه وجهان: أحدهما: لا يضمن، لأن للمودع أن يحلف على الدين إن طولب به فيبرأ المودع من المطالبة بالدين، وإن لم يكن على المودع فيه شهادة ففي ضمان الدافع فيه وجهان: أحدهما: لا يضمن، لأن للمودع أن يحلف على الدين إن طولب به فيبرأ. والثاني: أنه ضامن، لأن إذنه يضمن دفعاً لا يتعقبه مطالبة ولا يتوجه فيه يمين، فصار بمخالفة من ترك الشهادة مفرطًا والله أعلم. فصل والقسم الرابع: أن يكون الأمر بالدفع هبة. فإن قيل: إنه المكافأة فيها لا تستحق لم يضمن الدافع بترك الإشهاد. وإن قيل: إن المكافأة مستحقة ضمن، لأن الأمر لا يصل إليها بترك الإشهاد.

стр. 2921

فصل والقسم الخامس: أن يكون المر بالدفع استيداعاً لها عند المدفوع إليه، ففي ضمانه وجهان بناء على اختلاف الوجهين في وجوب الإشهاد فيمن أودع لغيره مالاً: أحدهما: يجب عليه أن يشهد، فعلى هذا يضمن. والثاني: لا يجب عليه أنه يشهد، فعلى هذا لا يضمن. فصل والقسم السادس: أن يكون الأمر بالدفع، لأنها وديعة للمدفوع إليه أمره المودع بردها عليه، فلا يخلو حال المودع الأمر بالرد من أحد أقسام: أحدها: أن يردها على يد هذا المستودع من غير أمر ولا عار، فيكون الآمر متعدياً ضامناً، وقول الدافع غير مقبول في الرد على المالك، وهل يكون للأمر الرجوع إذا أغرمها على الدافع إذا لم يشهد عند الدفع على الوجهين. والثاني: أن يردها بغير أمر لكن بعذر، فلا ضمان على الآمر على ما ذكرنا من حال عذره بسفر أو غيره، ولا يقبل قول الدافع المأمور في الرد على المالك. وقال أبو حنيفة: قول مقبول عليه كما يقبل قول الآمر عليه، وهذا فاسد لأن المالك قد ائتمن الآمر على نفسه فجاز أن يقبل قوله عليه، ولم يأتمن المأمور فلم يقبل قوله عليه. والثالث: أن يكون قد ردها بأمر مالكها لكن لم يعين له من يردها معه فلا ضمان على الآمر إذا صدقه المالك في الرد، لأنه لم يأتمنه على نفسه وإذا كان كذلك صار المأمور له يعمل ضامناً لها من حق المالك لا من حق الآمر على الدافع إلى المأمور، وقول المأمور غير مقبول على المالك من حق المالك. والرابع: أن يكون قد ردها بأمر مالكها وتعيينه له على المأمور أن يردها معه، فقول المأمور هاهنا مقبول في الرد على المالك، لأن المالك قد ائتمنه على نفسه بالتعيين عليه إن كان المالك مصدقاً للآمر في الدفع إلى المأمور، وان لم يصدقه فالآمر ضامن، وقوله في الدفع إلى المأمور غير مقبول. مسألة (١) قال الشافعي: "ولو حولها من خريطة إلى أحرز أو مثل حرزها لم يضمن فإن لم يكن حرزاً لها ضمن". قال في الحاوي: وهذا صحيح.

стр. 2922

والحكم في نقل الوديعة من خريطة إلى أخرى، أو من صندوق إلى صندوق، كنقلها من بيت إلى بيت، ومن دار إلى دار وان خالفنا أبو حنيفة خلافاً تقدم الكلام معه فيه، وإذا كان هذا هكذا فلا يخلو أن تكون الخريطة مختومة مشدودة أم لا، فإن كانت مشدودة مختومة فكسر ختمها وحل شدها ونقلها إلى غيرها فعليه الضمان، ولو لم ينقلها بعد كسر الختم وحل الشداد ففي ضمانه وجهان، وإن كانت الخريطة غير مشدودة ولا مختومة فهذا على ضربين: أحدهما: أن تكون الخريطة للمستودع؛ لأن الدراهم كانت مرسلة فأحرزها المستودع في خريطة فله نقلها إلى مثلها أو أحرز، فإن فعل فلا ضمان لعذر كان أو غير عذر، وإن نقلها إلى أدون منها مما لا يكون حرزاً لها ضمن. والثاني: أن تكون الخريطة للمالك، فليس له نقلها من تلك الخريطة إلى غيرها إلا من عذر، فإن نقلها من غير عذر ضمن، سواء نقلها إلى أحرز منها أم لا، وإن نقلها من عذر فلا ضمان عليه، فلو اختلفا في صفة النقل هل هو لعذر أو غير عذر فالقول قول المالك مع يمينه، لأن الظاهر إخراجها عدوان إلا أن يكون من عذر. مسألة (١) قال الشافعي: "ولو أكرهه رجل على أخذها لم يضمن". قال في الحاوي: اختلف أصحابنا في مراد الشافعي بهذه المسألة في الإكراه على أخذ الوديعة. فقال أبو علي بن أبي هريرة: هي مصورة في مالك مال أراد أن يودعه عند رجل فامتنع عليه فأكرهه على أن دفعها إليه، فأخذها المستودع منه كرهاً فلا ضمان عليه وإن كان مكرهاً في الأخذ، لأنه مؤتمن إلا أن يكون منه عدوان أو تفريط، فيضمن، لأنه وإن كان مكرهاً، فقد صار حفظها عليه بعد حصولها في يده واجب، فإذا خالفه ضمن، فإن لم يحسن التزام حفظها سلمها إلى الحاكم، فسقط الحفظ والضمان عنه بتسليمها إليه إذا كان المالك ممتنعاً من استرجاعها. فصل وقال أبو إسحاق المروزي: هي مصورة في رجل تبل وديعة طوعاً، ثم تغلب عليه متغلب فأكرهه على أخذها منه، فهذا على ثلاثة أقسام: أحدها: أن يأخذها المتغلب بنفسه من غير أن يدفعها المستودع ولا دلالة عليها، فهذا غير ضامن لها، لأنه لا يقدر على دفع الأيدي الغالبة. والثاني: أن يدفعها بنفسه مكرهاً ففي ضمانه وجهان:

стр. 2923

أحدهما: وهو قول أبي سعيد الإصطخري، لا ضمان عليه، لأنه لا يلزمه أن يقي مال غيره بنفسه، كما لو صال عليه فحل فغلبه. والثاني: وهو قول أبي إسحاق المروزي: أنه ضامن لها، لأنه ليس له أن يقي نفسه بمال غيره، كما لو ألقى في البحر مال غيره، وقد جعل هذان الوجهان بنا، على الوجهين من الصائم إذا أكره على الفطر فأكل بنفسه وتخريجاً من القولين في المكره على القتل، فعلى هذين الوجهين لو امتنع من دفعهما وحلف إنكاراً لها فإن جعلناه ضامناً للدفع كانت يمينه يمين مكره لا يتعلق بها حنث، وإن لم نجعله ضامناً بالدفع حنث. والثالث: أنه لا يدفعها بنفسه ولكن يدل عليها فتؤخذ بدلالته فمذهب الشافعي لا ضمان عليه، لأن الدلالة سبب والأخذ مباشرة، فصار كالمحرم إذا دل على صيد لم يضمنه، وقال بعض أصحابنا البصريين: يضمن لأنه في الوديعة ممنوع من العدوان والتفريط والدلالة واحد منهما، فضمن بها وإن كان معذوراً. مسألة (١) قال الشافعي: "ولو شرط أن لا يرقد على صندوق هي فيه فرقد عليه كان قد زاده حرزاً". قال في الحاوي: أما نومه على الصندوق من غير أن ينهاه المالك عنه فهو زيادة حرز لا يضمن به إجماعاً، فأما إذا نهاه عن النوم عليه فذلك ضربان: أحدهما: أن لا يقصد بنهيه التخفيف عنه والترفيه عليه، فمتى نام عليه لم يضمنه. والثاني: أن يقصد بالنهي عن النوم عليه الكراهة خوفاً من التنبيه عليه، ففي ضمانه إذا نام عليه وجهان: أحدهما: وهو الظاهر من مذهب الشافعي وقول الأكثرين من أصحابنا أنه لا يضمن لأنه قد زاده حرزاً، فصار كمن أودع خريطة فجعلها من خريطة ثانية. والثاني: وهو قول مالك، يضمن لما فيه التنبيه عليها والإغراء بها، وهكذا لو أمره أن يقفلها بقفل واحد فقفلها بقفلين كان ضمانه على هذين الوجهين، وهكذا لو أمره أن يدفنها في أرض ليس عليها حائط. فدفنها فيها وبني عليها حائط كان على هذين الوجهين، وهكذا لو أمره أن يتركها في بيت لا يحفظه أحد فأقام فيه من يحفظه فسرقت فإن كان الحافظ لها سرقها ضمن، وان سرقها غيره فضمانه على وجهين. مسألة (٢) قال الشافعي: "ولو قال: لم تودعني شيئاً ثم قال: قد كنت استودعتنيه فهلك ضمن".

стр. 2924

قال في الحاوي: وصورتها: في رجل أوع رجلاً وديعة ثم طالبه بها فجحدها وقال: لم تودعني شيئاً، ثم عاد فاعترف بها وقال: قد كنت استودعتها وتلفت، أو قامت بها البينة عليه، فادعى بتلفها لم يقبل منه لأمرين: أحدهما: أنه قد صار بالجحد متعدياً فضمنها، ومن ضمن وديعة لم تسقط عنه الغرم بتلفها. والثاني: أنه بالإنكار الأول قد أكذب نفه بادعاء التلف، فعلى هذا لو أقام بينة على تلفها فهذا على ضربين: أحدهما: أن تشهد له البينة بتلفها بعد الجحود، فلا تسمع، والغرم واجب عليه، لأنها تلفت بعد الضمان ولو سأل إحلاف المودع أنه لا يعلم بتلفها لم يكن ذلك له. والثاني: أن تشهد له البينة بتلفها قبل الجحود، ففي استماعها والحكم بها وجهان: أحدهما: يسمح ويحكم بها، ويسقط عنه الغرم، لأنها تلفت قبل ضمانها بالجحود. والثاني: وهو اختيار أبي علي بن أبي هريرةء أنها لا تسمع ولا تسقط عنه الغرم، لأنه قد كذب لها بالجحود المتقدم. فصل ولو قال حين طولب الوديعة: ليس لك معي وديعة، أو لا حق لك في يدي، ثم أقر بها وادعى تلفها قبل منه، لأنه ليس في القولين تكاذب، ومن تلفت الوديعة منه فلا وديعة معه ولا يده، وخالف حال المنكر لها لما فيه من تكاذب القولين، والله أعلم. مسألة (١) قال الشافعي: "وإن شرط أن يربطها في كمهء فأمسكها بيد، فتلفت لم يضمن ويده أحرز". قال في الحاوي: هكذا روى المزني أنه لا يضمن ويده أحرز، وروى الربيع في الأم أنه يضمن وكمه أحرز، فاختلف أصحابنا وكان بعضهم يحمل اختلاف الروايتين على اختلاف قولين: أحدهما: وهو ما رواه المزني هاهنا أنه لا يضمن، ويده أحرز من كمه، لأنها قد تسرق من كمه ولا تسرق من يده. والثاني: وهو ما رواه الربيع في "الأم" (٢) أنه يضمن وكمه أحرز من يده لأن اليد حرز مع الذكر دون النسيان والكم حرز مع الذكر والنسيان وامتنع أبو إسحاق المروزي، وأبو علي بن أبي هريرة، وكثير من أصحابنا من تخريج ذلك على قولين، وحملوا رواية

стр. 2925

المزني في سقوط الضمان على أنه ربطها في كمه ثم أمسكها بيده فلا يضمن، لأن يده مع كمه، وحملوا رواية الربيع في وجوب الضمان على أنه تركها في يده ولم يربطها في كمه فيضمن، لأن كمه أحرز من يده. فصل فأما إذا شرط عليه أن يمسكها في يده فربطها في كمه فمن جعل يده أحرز ضمنه، ومن جعل كمه أحرز خرج ضمانه على وجهين من اختلاف الوجهين في نص المودع هل يقطع اجتهاد المستودع، ولو أمره أن يحرزها في جيبه فأحرزها في كمه ضمن لأن جيبه أحرز ولو أمره أن يحرزها في كمه فأحرزها في جيبه كان ضمانه على هذين الوجهين. فصل ولو دفع إليه وديعة ولم يشترط عليه أن يضعها في كمه ولا في جيبه ولا في يده فإن وضعها في كمه وربطها كان حرزاً سواء ربطها من داخل كمه أو من خارجة. وقال أبو حنيفة: إن جعلها من ظاهر كمه وربطها من داخله لم يضمن؛ لأنها تصير بعد الربط داخله في كمه، وإن جعلها داخل كمه وربطها من خارجه ضمن، لأنها تصير بعد الربط خارجة من كمه، وهذا القول لا وجه له؛ لأن الكم به يصير حرزاً لا بانفراده فاستوي الأمران، فأما إن تركها في كمه ولم يربطها، نظر فإن كان ذلك خفيفاً قد ربما يسقط منه، وهو لا يعلم به ضمن، وإن كان ثقيلاً، ولا يخفي عليه حال سقوطه لم يضمن ولو ترك الوديعة في جيبه، فإن لم يزره عليها فمن، وان زره عليه لم يضمن، لأن الجيب أحفظ لها إذا أمن سقوطها منه لبعده من السارق، فلو كان الجيب مثقوباً وهو لا يعلم به فسقطت أو حصلت بين قميصه وهو لا يشعر بها فسقطت ضمنها، ولو تركها في يده، فإن كان منزله قريباً كانت يده أحرز، وإن كان منزله بعيداً فإن كانت خفيفة لا يأمن السهو عنها ضمن ولم تكن يده حرزاً، وان كانت ثقيلة يأمن السهو فيها لم يضمن، فأما الخاتم إذا لبسه من أصبعه كانت حرزاً، وان كانت ثقيلة يأمن السهو فيها لم يضمن، فأما الخاتم إذا لبه من أصبعه كانت حرزاً إذا كان متماسكاً في خنصره، ولو كان واسعاً لم يكن حرزاً، ولو لبس الخاتم المستقر فيه خنصره ففي البنصر من أصابعه لم يضمن، لأنها أغلظ، ولو لبسه في الإبهام ضمنه، لأنه لا يستقر فيها وان غلظت، ولو لبس الخاتم في إحدى يديه ثم نقله إلى اليد الأخرى فإن كان ذلك لعمل أراد أن يعمله بتلك اليد لم يضمن وان كان بغير سبب ضمن. فصل وإذا حمل ما ني كمه أو جيبه أو يده إلى منزله من الوديعة فعليه إحرازه فيه، ولا يكون كمه ولا جيبه ولا يده حرزاً له بعد حصوله في منزله، فإذ منزله أحرز له فلو خرج

стр. 2926

بها في جيبه أو كمه أو يده من منزلة ضمن. فصل ولو أودع وديعة وهو في دكانه فحملها إلى منزله فإن كان الدكان حرزاً لمثلها ضمن، وان لم يكن حرزاً لم يضمن إذا حملها إلى منزله، وهكذا لو أودع وديعة وهو في منزله فحملها إلى دكانه، فإن كان منزله حرزاً لمثلها ضمن، وإن لم يكن حرزاً لمثلها وكان الدكان أحرز فلا ضمان عليه ولو أودع وديعة وهو في دكانه فوضعها بين يديه فسرقت فإن كان وضعه لها ارتياداً لموضع من دكانه يحرزها فيه لم يضمن لعدم تفريطه، وإن كان استرسالاً وإمهالاً ضمن. فصل ولو أودع وديعة وهو في منزله فأحرزها فيه، ثم دخل من سرقها منه فإن دخل بغير إذنه لم يضمن، وإن دخل بإذنه ضمن إذا نالتها يده ولو سرقها بعض أهل منزله من زوجة، أو خادم، أو ولد نظر في سارقها فإن كان مشهوراً بالرقة ضمن، لأن تمكين مثله من منزل فيه وديعة لغيره أو ترك الوديعة في منزل تركها في مثله تفريط، وإن كان غير مشهور بذلك نظر فإن كان أخذها من وراء حرز في المنزل كباب وقفل ولم يضمن، لأنه لا ينسب إلى التفريط، وإن كانت بارزة تمتد إليها يده في المنزل نظر فإن كانت الوديعة دراهم أو حلياً أو ثياباً جرت العادة أن يكون حرزها من المنازل مفرداً عن مواضع ساكنيه ضمن، وان كان خافياً لا يحرز مثله إلا فيه ظواهر المنازل لم يضمن، والله أعلم بالصواب. مسألة (١) "وإذا هلك وعنده وديعته بعينها فهي لربها وإن كانت بغير عينها مثل دنانير أو ما لا يعرف بعينه خاص رب الوديعة الغرماء". قال في الحاوي: وأما موت المستودع فمبطل لعقد الوديعة، لأنه مالكها لم يأتمن وارثه عليها، فإن كان مالكها حاضراً وجب على الوارث ردها عليه فإن لم يفعل ضمن، وإن كان مالكها غائباً لزم الوارث إعلام الحاكم بها حتى يأمره فيها بما يراه حظاً لمالكها من إحرازها في يد الوارث أو نقلها إلى غيره، فإن لم يعلم الحاكم بها ويستأذنه فيها ضمن، وهكذا لو مات رب الوديعة بطل العقد، ولزم المستودع ردها على وارثه، لأنها صارت بالموت ملكاً للوارث والوارث لم يأتمنه عليها، فإن لم يفعل ضمن إلا أن يستأنف الوارث إيداعها عنده فتصير وديعة مبتدأه، ولو أن المالك المودع جن، أو حجر عليه بالسفه لبطل الوديعة، وكان على المستودع ردها على وليه، لأنه خرج بالجنون والسفه أن يكون ذا نظر في ماله، فإن لم يفعل المستودع ذلك ضمن، ولو جن المستودع أو حجر

стр. 2927

عليه بالسفه كان على وليه رد الوديعة على ربها، فإن لم يفعل ضمنها الولي، لزوال الائتمان بطروء الجنون والسفه والله أعلم. فصل فإذا تقرر ما وصفنا ومات المستودع فلا يخلو حال الوديعة من أحد أمرين: إما أن تكون موجودة بعينها أو غير موجودة، فإن كانت موجودة وعينها باقية لزم الوارث تسليمها إلى مالكها وذلك بأحد ثلاثة أمور. إما بوصية الميت، وإما بإقرار الوارث، وإما ببينة يضمنها المودع، فإن لم تكن بينة ولا وصية وأنكر الوارث وادعاها مالكاً، فالقول فيها قوله مع يمينه، هذا إذا كانت الوديعة موجودة بعينها فأما إذا لم توجد الوديعة بعينها فهذا على ثلاثة أقسام: أحدهما: أن يعلم تلفها بغير تفريط إما بوصية الميت أو ببينة تشهد بذلك فلا ضمان من تركة البيت، فإن أكذب المالك الميت في وصيته بتلفها فله إحلاف الورثة ثم هم براء. والثاني: أن يعلم أنها تفلت بتفريطه وتعديه إما بوصية أو ببينة تشهد له بذلك، فهي مضمونة من ماله ويحاص المالك بها جميع الغرماء،. والثالث: أن يجهل حالها فقد قال الشافعي (١): ويحاص رب الوديعة الغرماء، فاختلف أصحابنا في ذلك على أربعة مذاهب: أحدهما: وهو ظاهر كلام الشافعي: أنها مضمونة من تركة الميت، وهو قول أبي حنيفة، لأن الظاهر من ثبوت يده عليها أنها تلفت بفعله. والثاني: أنها غير مضمونة من تركته وهو قول ابن أبي ليلى، لأن الأصل بقاؤه على أمانته. والثالث: أنه إن وجد في تركته من جنسها كانت مضمونة فيها، وان لم يوجد من جنسها شيء في تركته لم يضمن، وهذا قول أبي حامد المروروزي لأن الظاهر من وجود جنسها أنها فيه أو منه. والرابع: أنه إن ذكر في وصيته عند موته أن عنده وديعة كانت مضمونة في تركته، وإن لم يذكر ذلك لم يضمن، لأنه لا يوصي بالوديعة إلا وهي عنده أو عليه، ثم إذا صارت على ما ذكرنا من هذه الوجوه مضمونة من تركته، فإن لم يكن في التركة من جنسها شيء حاص رب الوديعة بها جميع الغرماء، وان كان في التركة شيء من جنسها فيها وجهان: أحدهما: يتقدم بها على الغرماء اعتباراً بالظاهر من الجنس أنه منها. والثاني: يكون أسوتهم ولا يتقدم عليهم اعتباراً باليقين في الاشتراك.

стр. 2928

مسألة (١) قال الشافعي: "ولو ادعى رجلان الوديعة مثل عبد أو بعير فقال هي لأحدكما ولا أدري أيكما هو قيل لهما هل تدعيان شيئاً غير هذا بعينه؟ فإن قالا: لا أحلف المودع بالله ما يدري أيهما هو ووقف ذلك لهما جميعاً حتى يصطلحا فيه أيقيم أحدهما بينه وأيهما حلف مع نكول صاحبه كان له". قال في الحاوي: وصورتها: من رجل بيده عبد أو بغير ادعاه كل واحد من رجلين أنه أودعه إياه، فلا يخلو حال صاحب اليد في جوابه لهما من ستة أحوال: أحدهما: أنه ينكرهما ويدعيه ملكا لنفسه. والثاني: أن ينكرهما ويقر بأنه وديعة لغيرهما. والثالث: أن يقر بأنه وديعة لأحدهما يعرفه بعينه. والرابع: أن يقر بأنه وديعة لهما معاً. والخامس: أن يقر بأنه وديعة لأحدهما لا يعرفه بعينه. والسادس: أن يقر أنه وديعة ليس يعرف مودعها هل هما أو أحدهما؟ أو غيرهما؟. فأما القسم الأول: وهو أن ينكرهما ويدعيه مالكاً لنفسه فالقول قوله مع يمينه ما لم يكن لواحد من المدعين بينة، فإن حلف بالله أنها له بريء من مطالبتها وتصرف فيما بيده تصرف المالكين، فإن نكل عن اليمين ردت عليهما، إن لم يكن لهما بينة، فإنه سبق أحدهما بالدعوة بريء بإحلافه، وإن ادعيا معاً ففيه وجهان: أحدهما: يقدم بالقرعة من قرع منهما. والثاني: يقدم باجتهاده من رأى منهما، فإن حلف أحدهما دون الآخر قضى بها للحالف دونه الناكل، وان نكلا معاً، فلا حق فيهما لواحد منهما، وكانت في يد المدعى عليه ملكاً وإن حلفا معاً نزعت من يده ثم فيها وجهان: أحدهما: تقسم بينهما ملكاً. والثاني: توقف بينهما حتى يصطلحا. فصل وأما القسم الثاني: وهو أن ينكرهما ويقر بأنها وديعة لغيرهما فللمدعين حالتان: أحداهما: أن يسألاه عن مالكها. والثاني: أن لا يسألاه، فإن لم يسألاه عن مالكها جاز، ولم يكن للحاكم أن يسأله، وكان القول فيها قوله مع يمينه أنه لا حق فيهما لهما، ولا لواحد منهما، ولا

стр. 2929

يحلفه أنهما لغيرهما، فإن حلف أقرت في يده وديعة لمن يقر له بها، فإن نكل ردت اليمين عليهما، فإن نكلا أقرت في يده وديعة لمن هي له، وإن نكل حلف أحدهما ونكل الآخر سلمت إلى الحالف منهما، ثم نظر الحاكم فمان كانت الوديعة مما لا تنقل لم يطالب المدفوعة إليه بكفيل، وإن كانت مما تنقل طالبه بكفيل إن كان غير أمين، لأنه قد سمع أنها ملك الغائب لم يكن منه إقرار ولا قامت عليه بينة وإن حلفا معاً ففيه وجهان: أحدهما: تنزع من يده ويقسم بينهما، ويطالبه الحاكم بكفيل لمالكها. والثاني: أنها توقف في يد صاحب اليد ولا تتنزع من يده، فإن قالا المدعيان: لا نرضى بأمانته ضم الحاكم إليه أميناً يرضيان بهء وإن سأل المدعيان صاحب اليد عن مالكها حين أقر بها لغيرهما وجب عليه إن كان حاضراً أن يذكره، ولم يجب عليه إن كان غائباً، لأن ذكر الحاضر يفيد، وذكر الغائب لا يفيد وإذا كان هذا سأله الحاكم أحاضر مالكها أم غائب؟ فإن قال: غائب لم يسأله عنه، وكان على ما مضى، وإن قال: حاضر، سأله عنه، فإن ذكره صار هو الخصم في الوديعة، وإن لم يذكره حبسه الحاكم حتى يذكره لامتناعه من بيان ما لزمه. فصل وأما القسم الثالث: وهو أن يقر بأنها وديعة لأحدهما بعينه فالقول قوله وفي وجوب اليمين عليه قولان: أحدهما: عليه اليمين، لإنكاره الآخر. والثاني: أنه لا يمين عليه، لأنه لو رجع لم يقبل، فإذا قلنا: لا يمين عليه أو عليه اليمين فحلف فهي للمصدق منهما، فإن استأنف المكذب الدعوى على المصدق سمعت منه، وإن قلنا: عليه اليمين فنكل عنها ردت على المكذب، فإن نكل عنها استقرت الوديعة مع المصدق، وإن حلف ففيها ثلاثة أوجه حكاها أبو القاسم بن كج _ ﵀ _: أحدهما: أنها تقسم بينهما، لأن يمين المكذب بعد النكول تساوي الإقرار للمصدق فاستويا. والثاني: أنها تنتزع من يد صاحب اليد وتوقف بينهما حتى يصطلحا. والثالث: أنه يحكم بها للأول ويغرم للمكذب الحالف بعد نكوله قيمتها، لأنه قد صار بالإقرار المتقدم كالمتلف لها. فصل وأما القسم الرابع: وهو أن يقر بأنها وديعة لهما معاً فالقول في ذلك قوله، وقد صار مصدقاً لكل واحد على النصف مكذباً له على النصف الآخر فهل يحلف من تكذيبه على النصف الأخر يمين أم لا؟ على ما ذكرنا من القولين، ثم الجواب إن حلف أو نكل

стр. 2930

على ما مضى، فإذا جعل ذلك بينهما واستأنف كل واحل منهما الدعوى على صاحبه في النصف الذي بيده سمعت. فصل وأما القسم الخامس: وهو أن يقر بأنها وديعة لأحدهما لا يعرفه بعينه فهي مسألة الكتاب، فهذا على ضربين: أحدهما: أن يدعيا علمه. والثاني: أن لا يدعياه، فإن لم يدعيا علمه فلا يمين عليه، ويتحالف عليه المدعيان، فإن نكلا أقر في يد صاحب اليد حتى يصطلحا وإن حلف أحدهما حكم به للحالف منهما، وإن حلفا معاً ففيه وجهان: أحدهما: أنه يقسم بينهما. والثاني: أنها توقف في يا صاحب اليد حتى يصطلحا، وإن ادعيا علمه أحلف بالله تعالى أنه لا يعلم لمن هي منهما، فإن حلف بريء وتحالف المدعيان فإن نكل فقد حكي عن أبي حنيفة أنه قال: أقسم الوديعة بين المدعيين وأغرمه القيمة فتكون بينهما، وعند الشافعي: لا غرم عليه إن نكل، ولذلك قال الشافعي (١): قيل لهما هل تدعيان شيئاً غير هذا بعينه؟ فإن قالا: لا أحلف، ووقف ذلك لهما رداً على من زعم أنه يغرم القيمة لهما، لأنهما ما ادعيا إلا وديعة عينها باقية ولم يستهلكها على أحدهما بالإقرار بها لغيره، وكيف يغرم قيمة لا يدعيانها وما ادعياه كان لهما. فإن قيل: فإحلاف المستودع لا يفيد على هذا القول شيئاً الاستواء الحكم فيه إن نكل؟ قيل: قد كان بعض أصحابنا يذهب لأجل هذا إلى أن اليمين غير واجبة، وذهب جمهورهم إلى وجوبها، لأنها موضوعة للزجر وإن لم يتعلق بها غرم، وقد يجوز إذا عرضت عليه اليمين أن ينزجر بها فيبين علماً قد كتمه، فعلم به، فلذلك وجبت، وإذا كان كذلك ولم يكن في يد المستودع بيان تحالف المدعيان، فإن نكلا أقرت الوديعة في يد المستودع، فإن حلف أحدهما قضي بها للحالف منهما، وإن حلفا معاً فعلى وجهين أحدهما، يقسم بينهما بأثمانهما. والثاني: يكون موقوفاً بينهما، وهو ظاهر، قاله الشافعي ﵁ حتى يصطلحا عليها وأين توقف على وجهين: أحدهما: في يد المستودع على ما كانت من قبل. والثاني: ينتزع من يده ويقرها الحاكم في يد من يرضيانهء لأن المستودع قد صار بالنكول والإنكار خصماً.

стр. 2931

فصل وأما القسم السادس: وهو أن يقر أنها وديعة في يدع وليس يعلم هل هي لهما أو لغيرهما، فالقول قوله مع يمينه، ثم يتحالف المتداعيان فإن نكلا أقرمته في يده، وإن حلف أحدهما دفعت إليه، وهل يأخذه الحاكم بكفيل المالك لها لو حضر على وجهين من اختلاف قوليه في الوارث إذا دفعت إليه التركة ولم يقم بينة بعد طول الكشف بأن لا وارث سواه، وان حلف معاً فعلى وجهين: أحدهما: أنها تقسم بينهما، وفي أخذ الكفيل من كل واحد منهما وجهان. والثاني: أنهما توقف، وفي الموقوفة على يده وجهان: فصل وإذا أودع رجلاً دابة ثم أذن له في ركوبها جاز أن يركبها، ثم هو قبل الركوب مستودع لا يضمن، فإذا ركب صار مستعيراً ضامناً، فإن ترك الركوب لن يسقط عنه الضمان إلا بالرد، فإن أذن له المودع بعد الكف عن الركوب أن يؤجرها لم يسقط عنه ضمانها قبل تسليمها إلى المستأجر، وفي سقوطه عنه بعد تسليمها وجهان من عدوان المستودع إذا أبرئ منه، والله أعلم. فصل وإذا أذن المودع للمستودع في إجارة الدابة التي أودعها إياه فهو على أمانته في يده، فإذا أخرجها وسلمها فقد ارتفعت يده، فإذا انقضت مدة الإجارة لم يجز أن يسترجعها إلا بإذن، ولو أعادها بإذنه جاز أن يسترجعها من المستغير بغير إذنه. والفرق بينهما: أنها في الإجارة منتزعة من يده بعقد واجب، وفي العارية بعقد جائز فصل وإذا دفع الرجل وديعة إلى صبي استودعه إياها كام مغرراً بماله، لأن الصبي لا يباشر حفاظ ماله فكيف مال غيره، فإن تلفت في يد الصبي لم يخل تلفها من ثلاثة أقسام: أحدهما: أن تتلف بغير تفريط ولا جناية فلا ضمان عليه فيها، لأن البالغ لا يضمنها. والثاني: أن تتلف بتفريط منه فلا ضمان عليه، وإن ضمنها البالغ، لأن حفظها لا يلزمه لأن صاحبها هو المفرط دونه. والثالث: أن تتلف بجنايته، ففي وجوب ضمانها في ماله وجهان: أحدهما: أنها غير مضمونة عليه، لأن مالكها هو الذي سلطه على استهلاكها فصار كما لو باعه شيئاً فاستهلكه لم يضمنه.

стр. 2932

والثاني: أنها مضمونة في ماله، لأن الائتمان عليها ليس بإذن في استهلاكها، فصار كمن أباح صبياً شرب ماء في داره وأكل طعامه فدخل واستهلك عليه في منزله شيئاً من ماله كان مضموناً عليه. فصل وإذا أودع صبي رجلاً وديعة لم يكن للرجل أن يقبلها منه، لأن الصبي لا نظر له في مال نفسه، فإن قبلها الرجل منه ضمنها حتى يلمها إلى وليه، أو الحاكم فإن ردها على الصبي لم يسقط الضمان عنه، فلو كان عند أخذ الوديعة من الصبي خائفاً عليها من أن يستهلكها فأخذها ليدفعها إلى وليه أو إلى الحاكم فهلكت في يده ففي ضمانه لها وجهان: أحدهما: لا يضمنها، لأنه قصد خلاصها. والثاني: يضمنها، لأن يده عليها بغير حق، وهو أن الوجهان من اختلاف قوليه في المحرم، إذا خلص طائراً في جارح أو حية فتلف، ففي ضمانه بالجزاء، قولان، والله أعلم بالصواب.

стр. 2933

كتاب قسم الفيء وقسم الغنائم مسألة (١) قال الشافعي ﵀: "أصل ما يقوم به الولاة من جمل المال ثلاثة وجوه أحدها ما أخذ من مال مسلم تطهيراً له فذلك لأهل الصقات لا لأهل الفيء والوجهان الآخران ما أخذ من مال مشرك كلاهما مبين في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ وفعله فأحدهما الغنيمة قال ﵎: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال:٤١] الآية: والوجه الثاني هو الفيء قال الله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [الحشر:٧] الآية. قال الشافعي ﵀: "فالغنمة والفيء يجتمعان في أن فيهما معا الخمس من جميعها لمن سماه الله تعالى له في الآيتين معاً سواء ئم تفترق الأحكام في الأربعة أخماس الغنيمة بما بين الله ﵎ على لسان رسوله ﷺ وفي فعله فإنه قسم أربعة أخماس الغنيمة على ما وصفت من قسم الغنيمة وهي الموجف عليها بالخيل والركات لمن حضر من غني وفقير والفيء هو ما لم يوجف عليه بخيل وركاب فكانت سنة رسول الله في قرى عربية أفاءها الله عليه أربعة أخماسها لرسول الله ﷺ خاصة دون المسلمين يضعه حيث أراه الله تعالى قال: عمر بن الخطاب ﵁ حيث اختصم إليه العباسي وعلي ﵁ في أموال النبي ﷺ كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب فكانت لرسول الله ﷺ خاصة دون المسلمين فكان ينفق منها على أهله نفقة سنة فما فضل جعله في الكراع والسلاح عده في سبيل الله ثم توفي رسول الله ﷺ فوليها أبو بكر بمثل ما وليها به رسول الله ﷺ ثم وليها عمر بمثل ما وليها رسول الله ﷺ وأبو بكر فوليتكماها على أن تعملا فيها بمثل ذلك فإن عجزتما عنها فادفعاها إلي أكفيكماها. قال الشافعي: وفي ذلك دلالة على أن عمر ﵁ حكي أن أبا بكر وهو أمضيا ما بقي من هذه الأموال التي كانت بيد رسول الله ﷺ على ها رأيا رسول الله ﷺ يعمل به فيها وأنه لم يكن لهما مما لم يوجف عليه من الفيء ما للنبي ﷺ أنهما فيه أسوة المسلمين وكذلك سيرتهما وسيرة من بعدهما وقد مضي من كان ينفق عليه رسول الله ﷺ ولم أعلم أحداً من أهل العلم. قال: إن ذلك لورثتهم ولا خالف

стр. 2934

في أن تجعل تلك النفقات حيث كان رسول الله ﷺ يجعل فضول غلات ملك الأموال فيما فيه صلاح للإسلام وأهله مال رسول الله ﷺ : "لا يقتسمن ورثتي ديناراً ما تركت بعد نفقة أهلي ومؤنة عاملي فهو صدقة" قال: فما صار في أيدي المسلمين من فيء، لم يوجف عليه فخمسه حيث قسمه رسول الله ﷺ وأربعة أخماسه على ما سأبينه وكذلك ما أخذ من مشرك من جزية وصلح عن أرضهم أو أخذ من أموالهم إذا اختلفوا في بلاد المسلمين أو مات منهم ميت لا وارث له أو ما أشبه هذا مما أخذه الولاة من المشركين فالخمس فيه ثابت على من قسمه الله له من أهل الخمس الموجف عليه من الغنيمة وهذا هو المسمى في كتاب الله ﵎ الفيء وفتح في زمان رسول الله ﷺ فتوح من قرى عربية وعدها الله ورسوله قبل فتحها فأمضاها النبي ﷺ لمن سماها الله له ولم يحبس منها ما حبس من القرى التي كانت له ﷺ ومعنى قول عمر لرسول الله خاصة يريد ما كان يكون للموجفين وذلك أربعة اخماس فاستدللنا بذلك أن خمس ذلك كخمس ما أوجف عليه لأهله وجملة الفيء ما رده الله على أهل دينه من مال من خالف دينه". قال في الحاوي: أما الغنيمة من الغنم، والغنم مستفاد بغير بدل، قال امرؤ القيس (١): وقد طوفت في الأفاق حتى رضيت من الغنيمة بالإياب وأما الفيء: فهو الرجوع ومنه قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّه﴾ [الحجرات:٩] أي ترجح، ولذلك قيل لما بعد الزوال من الظل فيء لرجوعه والأنفال لما قبل الزوال فيء، إلا على وجه المجاز، قال امرؤ القيس (٢): تيممت العين التي عند ضارج يفيء عليها الطلح عرمضها طامي والغنيمة كل مال أخذ من المشركين قهراً- بقتال - بإيقاف خيل أو ركاب سمي غنيمة، لاستفتاحه بغير بدل. والفيء: كل ما أخذ من المشركين عفواً بغير قتال ولا إيجاف خيل ولا ركاب. سمي فيئاً لرجوعه إلى أولياء الله تعالى وأهل طاعته بعد خروجه عنهم إلى أعدائه وأهل معصيته.

стр. 2935

وقال عطاء بن السائب: الغنيمة ما ظهر عليه من أموال المشركين، والفيء، ما ظهر عليه من الأرضين، وهذا قول شذ به عن الكافة فكان مطرحاً معمل في الفيء من قول الله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [الحشر:٧]، ولم يقل من القرى. والأصل في الغنيمة قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: ٤١]. والأصل في الفيء قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الحشر:٧] الآية. فصل وقد كانت الغنيمة محرمة على من تقدم من الأنبياء، وكانت تجمع فتنزل نار من السماء فتحرقها إلى أن أحلها الله تعالى لرسوله ﷺ لقوله ﷺ : "أعطيت خمساً لم يعطهن نبي قبلي" إلى أن قال: "وأحلت لي الغنائم" (١) الحديث. فجعلها الله تعالى في صدر الإسلام ملكاً لرسوله ﷺ خالصاً دون غيره بقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [الأنفال: ١] والأنفال: هي: الغنائم؛ لأن النفل في كلامهم هو الزيادة من الخير، ومنه صلاة النافلة، وقال لبيد بن ربيعة (٢). إن تقوى ربنا حير نفل وبإذن الله ريثي والعجل فسميت الغنائم أنفالاً، لأنها زيادة مال مستفاد، وفي السبب الذي نزلت هذه الآية من أجله ثلاثة أقاويل: أحدهما: أن أهل بدر شكوا في غنائمها فأنزل الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَال﴾ [الأنفال:١]. ولم يعلموا حكم إباحتها وحظرها حتى سألوا رسول الله ﷺ عنها فأنزل الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١]. والثاني: أن شبان المقاتلة يوم بدر تسارعوا إلى القتال، وثبت الشيوخ تحت الرايات، فلما فتح الله عليهم مال الشبان: نحن أحق بالغنائم لقتالنا، وقال الشيوخ: لا تستأثروا علينا فإنا كنا ردا، لكم، فانزل الله تعالى هذه الآية فيهم (٣). والثالث: أن من شهد بدراً من المهاجرين والأنصار اختلفوا وكانوا أثلاثاً في الغنائم أيهم أحق بها فنزلت هذه الآية فيهم، وجعلها الله ولرسوله دونهم حسماً لتنازعهم، فقسمها رسول الله ﷺ فيهم على رأيه واجتهاده وأدخل منهم ثمانية لم يشهدوا بدراً، منهم عثمان بن عفان، وطلحة ﵃ أما عثمان فلتشاغله بتمريض زوجته رقية بنت

стр. 2936

رسول الله ﷺ ، وأما طلحة فلأن رسول الله ﷺ قد كان أنفذه ليتعرف خبر العير وأبي سفيان، ثم أن الله تعالى نسخ هذه الآية بقوله سبحانه: أضاف إنه تعالى مال الغنيمة في الغانمين ثم استثنى من خمسه لرسوله س ومن سمى معه أهل الخمس بقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: ٤١]. الآية، فلما أضاف الله تعالى مال الغنيمة في الغانمين ثم استثنى من خمسة لرسول ﷺ ومن سمى معه أهل الخمس بقوله تعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: ٤١] دل على أن الباقي من أربعة أخماسه مالك للغانمين كما قال تعالى: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُث﴾ [النساء:١١]. فدل إضافة المال إليهما على استثناء الثلث منه لللأم يوجب أن يكون الباقي للأب، ثم يدل على ذلك ما روي عن أبي بكر الصديق ﵁ تارة موقوفاً (١) عليه وتارة مسنداً عن رسول الله ﷺ أنه قال: "الغنيمة لمن شهد الوقعة" فصار مال الغنيمة مقسوماً على خمسة وعشرين سهماً، خمسة منها لأهل الخمس وهم رسول الله ﷺ وذوي القربى، واليتامى، والمساكين وابن السبيل، وفيه خلاف يذكر من بعد وأربعة أخماسه وهو عشرون سهماً تقسم بين الغانمين لا يجوز أن يشاركهم فيه غيرهم، ولا يفضل ذو غنى على غيره، فهذا حكم مال الغنيمة. فصل وأمال مال الفيء، وهي الأموال الواصلة من المشركين بغير قتال ولا إيجاف ولا ركاب، كالذي انجلى عنه المشركون خوفاً ورعباً، كالأموال التي صالحونا بها عن أنفسهم وديارهم، وأموالهم استكفافاَ وتورعاً، والمأخوذة من عشور أموالهم إذا دخلوا علينا فجاراً والجزية التي نقرهم بها في دارنا، وقال: الخراج المضروب على أراضيهم، والأرضين المأخوذة عفواً منهم، وقال: من مات في دارنا ولا وارث له منهم، كل ذلك فيء، لأنه واصل بغير قتال ولا إيجاف ولا ركاب، هذا هو المنصوص عليه من مذهب الشافعي في الجديد، وله في القديم قول آخر: أن الفيء في جميع ذلك ما انجلى عنه المشركون من ذلك خوفاً ورعباً، لقوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الحشر:٧] وما سواه من الجزية والخراج وعشور تجارتهم وميراث من مات منهم لا يكون فيئاً، ويكون مصروفاً في المصالح ولا يخمس، والقول الأول من قوله أصح، لاستواء جميعها في الوصول إلينا بغير قتال ولا إيجاف خيل ولا ركاب، وإذا كان جميع ذلك فيئاً فقد كان رسول الله ﷺ في صدر الإسلام يملك جميع الفيء كما ملك جميع الغنيمة، ولذلك ملك أموال بني النضير، فكانت مما أفاء الله عليه لم يشاركه فيها أحد وصارت من صدقاته التي تصدق بها إلى أن أنزل الله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ [الحشر:٧] الاية،

стр. 2937

فاختلف الناس حينئذ، فيما استقر حكم الفيء، عليه على ثلاثة مذاهب: أحدهما: وهو قول أبي حنيفة: أن مال الفيء مصروف في وجوه المصالح ولا يخمس استدلالاً بأن النبي ﷺ كان يصرفه فيها. والثاني: وهو قول مالك: أن مال الفيء مقسوم على خمسة أسهم لرسول الله ﷺ كأحد أهل الخمس، ولا يختص بأربعة أخماسه، واستدلالاً بقوله ﷺ : "مالي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود فيكم" (١). والثالث: وهو مذهب الشافعي ﵁: أن خمسه مقسوم على خمسة، منها لرسول الله ﷺ ، وأربعة أخماسه له خاصةء فيكون جميع مال الفيء مقسوماً على خمسة وعشرين سهماً، منها أحد وعشرين سهماً لرسول الله ﷺ وأربعة أسهم هي لأربعة أصناف هم: ذوو القربى، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل. والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ [الحشر:٧] فأضاف الله تعالى الفيء إلى رسوله كما أضاف الغنيمة إلى الغانمين، ثم استثنى من استثناء في سهم الغانمين فوجب أن يكون إطلاق ما جعل له من الفيء محمولاً على المقدار المجهول لهم من الغنيمة وهو الخمس، ويكون الباقي بعده، لمن أضاف المال إليه وهو الرسول ﷺ كما كان الباقي من الغنيمة لمن أضافها إليه وهم الغانمون. وروى الشافعي قال: سمعت ابن عيينة يحدث عن الزهري أنه سمع مالك بن أوس بن الحدثان يقول: سمعت عمر بن الخطاب، والعباس بن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب يختصمان إليه في أموال النبي ﷺ فقال عمر: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف المسلمون عليها بخيل ولا ركاب، فكانت لرسول الله ﷺ خالصاً دون المسلمين، فكان رسول الله ﷺ ينفق منها على أهله نفقة سنة فما فضل منها جعله في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله (٢)، ثم توفي رسول الله ﷺ فوليها أبو بكر ﵁ بمثل ما وليها به رسول الله ﷺ ثم وليتها بمثل ما وليها رسول الله ﷺ وأبو بكر الصديق ﵁ ثم سألتماني أن أوليكماها فوليتكماها على أن لا تعملا فيها إلا بمثل ما وليها به رسول ﷺ وأبو بكر الصديق ﵁ ثم وليتماها ثم جئتماني تختصمان، أتريدان أن أدفع إلى كل واحل منكما نصفاً أتريدان مني قضاء غير ما قضيت بينكما، أو لا؟ فلا والذي بإذنه تقوم السماوات والأرض، لا أقضي بينكما قضا، غير هذا فإن عجزتما عنها فادفعاها إلي اكفيكماها فوجه الدلالة أن هذا الخبر يقتضي كل مرة بأن جميع الفيء، ملك لرسول الله ﷺ وظاهر الآية تال على أن كل الفيء مقسوم على خمسة فاقتضى الجمع بينهما أن يكون معنى

стр. 2938

الخبر أن أربعة أخماسه خالص لرسول الله ﷺ ومعنى الآية أن خمسه مقسوم على خمسة حتى يستعمل على وجه لا يتنافيا ولا يسقط واحد منهما بالآخر، ثم يدل على أبي حنيفة أن ما يملك من المشركين لم يكن جميعه خمساً كالغنيمة، ثم يدل عليها أنه لما كان أربعة أخماس الغنيمة ملكاً للغانمين للوصول إليها بالرعب من المقاتلة وجب أن يكون أربعة أخماس الفيء ملكاً لرسول الله ﷺ للوصول إليه بالرعب منه، قال النبي ﷺ : "نصرت بالرعب فالعدو يرهبني مسيرة شهر أو شهرين" (١). فأما الجواب عن استدلال أبي حنيفة بأن النبي ﷺ كان يصرف ذلك في المصالح، فهو أن أمواله كان يصرفها في طاعة الله، ولا يدل لقربه إلى الله تعالى بها على أنه غير مالك لها. وأما الجواب عن استدلال مالك بقول النبي ﷺ : "مالي فيما أفاء الله عليكم إلا الخمس" فهو أنه محمول على الغنيمة دون الفيء؛ لأنه أضاف ذلك إلينا، والغنيمة هي المضافة إلينا، فأما الفيء، فهو مضاف إليه لا إلينا. فصل فإذا تقرر ما وصفنا من حكم الغنيمة والفيء فالذي ملك الله تعالى رسوله منهما مما يبين. أحدهما: خمس الخمس من الفيء والغنيمة. والثاني: أربعة أخماس الفيء، فأما الصغر من الغنيمة فقد كان مخصوصاً به، فيصطفي من الغنيمة ما شاء من جارية وثوب وعبد وفرس، وما جرى مجرى ذلك، وكانت صفية بنت حيي مما اصطفاها لنفسه بخيبر، ثم أعتقها وتزوجها وقيل: إنها سميت صفية لأنه اصطفاها لنفسه، وكانت الصفايا مما يختص بها ملوك العرب من جاهلية، ومنه قول الشاعر (٢): لك المرباع فيها والصفايا ... وحكمك والنشيطة والفضول فصار رسول الله ﷺ مالكاً لربعة أموال، مالين من الغنيمة، وهو خمس الخمس، والصغى، ومالين من الفيء وهو خمس، وأربعة أخماسه. فأما حكم ذلك بعد وفاته فهو أن ما كان قد ملكه من ذلك في حياته كأموال بني

стр. 2939

النضير، والنصف من فدك، والثلث من وادي القرى، وثلثه حصون من خيبر الكتيبة، والوطيح، والسلالم فهذه صدقة تصدق بها في حياته لا تورث عنه، وما ملك من ذلك بعد وفاته فسهمه من خمس الخمس من الفيء والغنيمة مصروف بعده في المصالح من الكراع والسلاح، وأرزاق المقاتلة والقضاة والأئمة، وعمارات المساجد، وقناطر السائلة، وأما سهمه من أربعة أخماس الفيء ففي مصرفه قولان: أحدهما: في المقاتلة من الجيش الذي يذبون عن البيضة ويمنعون عن الحرفة ويجاهدون العدو، لأن النبي ﷺ ملكه في حياته لرعب العدو منه ورعب العدو بعده من الجيش المقاتلة، فملكوه بعده ما ملكه، فعلى هذا يصرف جميعه فيهم وإن فضل عن كفايتهم ولا يصرف منه شي، في غير ذلك من وجوه المصالح. والثاني: أنه يصرف جميعه في المصالح كلها، لأن رسول الله ﷺ كان يملك ذلك ويصرفه فيها، فمن المصالح إعطاء الجيشء وأرزاق المقاتلة، وما قدمناه ذكر مما فيه إعزاز الإسلام وصلاح المسلمين، فعلى هذا لا تزداد جيوش المقاتلة على قدر كفاياتهم، لخروج الزيادة عن المصالحة، وأما الصفى فقد سقط حكمه وبطل أن يستحقه أحد بعده. فصل فإذا تقرر أن سهم النبي ﷺ بعده من الفيء والغنيمة مصروف فيما وصغنا فالإمام الناظر فيه كأحد أهل الجيش فيما يستحق منهء وهو قدر كفايته، يأخذه رزقاً كأرزاق الجيش. وقال: لا يملك الإمام بعد الرسول ﷺ من الفيء والغنيمة ما كان يملكه رسول الله ﷺ فيصير مالكاً لخمس الخمس من الفيء والغنيمة، ولأربعة أخماس الفيء استدلالاً برواية أبي بكر الصديق ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ما أطعم الله نبياً طعمة ثم قبضه إلا جعلها للذي أتى بعده (١). وهذا القول خطأ، والدليل على فساده قوله ﷺ : "مالي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، والخمس مردود فيكم" (٢) فصار مردوداً عليها بعد موته لا على الخليفة من بعده، ولأن الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم من بعده لم يتملكوا من ذلك ما كان يملكه، فانعقد به الإجماع على رد ما خالفه. فأما الخبر المستدل به فمعناه: ما أطعم الله نبياً طعمة إلا جعل النظر فيها لمن يأتي بده لا ملكاً له. فصل فإذا ثبت أن النبي ﷺ لا يورث، وأن الخليفة بعده لا يملكه ثبت من التعليل الذي

стр. 2940

ذكرناه أن مصرفه فيما وصفناه، فإذا كان كذلك فالفيء والغنيمة يجتمعان من وجهين، ويفترقان من وجهين، فأما وجها الاجتماع. فأحدهما: أن كل واحد منهما مأخوذ من مشرك. والثاني: أن كل واحد منهما بخمس. وقال أبو حنيفة: مال الفيء لا يخمس، وفي نص الآية ما يدفع قوله. وأما وجه الافتراق: فأحدهما: في الاسم، فإن كل واحد منهما يختص باسم والثاني: في حكم أربعة أخماسها فإن مصرفهما مختلف. فصل فأما قول الشافعي في صدر هذا الباب "أصل ما يقوم به الولاة من جعل المال ثلاثة وجوه: أحدها: ما أخذ من مال مسلم تطهيراً له فذلك لأهل الصدقات لا لأهل الفيء، والوجهان الآخران ما أخذ من مال مشرك، وكلاهما مبين في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ وفعله" فجعله نظر الإمام في الأموال مختص بثلاثة أموال: أحدها: ما أخذ من المسلمين من صدقات أموالهم تطهيراً لهم وهي الزكاة. والثاني: ما أخذ من المشركين عنوه وهو الغنيمة. والثالث: ما أخذ من المشركين عفواً وهو الفيء، وكل واحد من هذه الأموال الثلاثة منصوص في كتاب الله على وجوبه وجهة مصرفه، وليس قيام الإمام به إلا قيام نيابة إلا أنه في الزكاة ينوب عن معطيها ومستحقها معاً، وفي الفيء والغنيمة ينوب عن مستحقها دون معطيها، لأن نيابته عن المسلمين لا عن المشركين، ثم إن أصحابنا اعترضوا على هذا الفصل، من كلام الشافعي من وجهين: أحدهما: قالوا: قد جعل الشافعي نظر الإمام مقصوراً على النظر في ثلاثة أموال، وقد ينظر الإمام في الموات وفي المعادن الباطنة، والجواب عنه أنه إنما قد خص الأموال الثلاثة بنظره لاختصاص وجوبها لكتاب الله وتعين مستحقها في كتاب الله وليس غيرها مساوياً لها في هذين الحكمين فتميزت في نظره. والثاني: أن قالوا: قد جعل الإمام مختصاً بالولاية على الصدقات ولو أخرجها أربابها أجزاء فلم يكن يختص بالولاية عليها، والجواب عنه أن يقال لهم أما الأموال الباطنة، وإن جاز لأربابها أن ينفردوا بإخراجها فولايته فيها على من امتنع من أدائها أن يأخذها منه جبراً فلو لم يكن له ولاية عليها لما اعترض عليهم في أخذها جبراً منهم، وأما الأموال الظاهرة قولان: أحدهما: أنه لا يصح من أربابها أن ينفردوا بإخراجها، فعلى هذا تكون ولايته عامة

стр. 2941

على المعطي والممتنع. والثاني: أن يصح منهم أن ينفردواً بإخراجها، فعلى هذا تكون ولايته خاصة على الممتنع دون المعطي، والله أعلم. باب الأنفال مسألة (١) قال الشافعي ﵀: "ولا يخرج من رأس الغنيمة قبل الخمس شيء غير السلب للقاتل، قال أبو قتادة ﵁: خرجنا مع رسول الله عام حنين. قال: فلما التقنيا كانت المسلمين جولة فرأيت رجلاً من المشركين قد علا رجلاً من المسلمين. قال: فاستدرت له حتى أتيته من ورائه فضربته على حبل عاتقه ضربة فأقبل علي فضمني ضمة وجدت منها رمح الموت ثم أدركه الموت فأرسلني فلحقت عمر. فقال: ما بال الناس؟ قلت: أمر الله ثم إن الناس رجعوا، فقال رسول الله ﷺ : "ومن قتل قتيلاً له عليه بينة فله سلبه" فقمت من يشهد لي؟ ثم جلست يقول وأقول ثلاث مرات. فقال ﷺ "ومالك يا أبا قتادة؟ فاقتصصت عليه القصة فعال رجل من القوم: صدق يا رسول الله وسلب ذلك القتيل عندي فأرضه منه. فقال أبو بكر ﵁ لاها الله إذا لا يعمد إلى أسد من أسد الله تعالى يقاتل عن الله وعن رسوله فيعطيك سلبه. فقال رسول الله ﷺ : "صدق فأعطه إياه" فأعطانيه فبعت الدرع واتبعت به مخرفاً في بني سلمة فإنه لأول مال تأثلته في الإسلام (٢). وروي أن شبر بن علقمة قال: بارزت رجلاً يوم القادسية فبلغ سلبه اثني عشر ألفاً فنفلنيه سعد". قال في الحاوي: وهذا كما قال من قتل من المسلمين مشركاً في معركة الحرب فله سلبه، سواء شرطه الإمام له أو لم يشترطه، ولا يخمسه. وقال أبو حنيفة: ليس له سلبه إلا أن يشترطه الإمام له فيعطيه للشرط من جملة الخمس استدلالاً بعموم قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٤١]. ورواية معاذ أن النبي ﷺ قال: "ليس للمرء إلا ما طابت به نفى إمامه" وبرواية عوف بن مالك الأشجعي قال: خرجت مع زيد بن حارثة في غزوة مؤتة ورافقني رجل من أهل اليمن فقتل رومياً فأخذ سلبه، فلما فتح الله على المسلمين بعث إليه خالد بن الوليد فأخذ منه السلب فأتيته فقلت: يا خالد، أما علمت أن رسول الله ﷺ قضى بالسلب للقاتل؟ قال: بلي، لكن استكثرته، قلت: لتردنه عليه أو لأعرفنكم عند رسول الله ﷺ أن

стр. 2942

يرده، فاجتمعنا عند رسول الله ﷺ فقصمت عليه قصة اليمنى، فقال رسول الله ﷺ : "يا خالد اردده عليه قال عوف: فقلت يا خالد ألم أقل لك؟ فقال رسول الله ﷺ : وما ذاك" فأخبرته فغضب وقال: "يا خالد لا ترده عليه، هل أنتم تاركون لي أمراي؟ لكم صفوة أمرهم وعليهم كدره" (١). قال أصحاب أبي حنيفة: فلو استحقه القاتل لما استجاز أن يمنعه منه لغضب ولا غيره، قالوا: وتد روي أن معاذ بن عوف ومعاذ بن عمرو قتلا أبا جهل يوم بدر فأعطى النبي ﷺ سلبه معاذ بن عمرو، فلو كان للقاتل من خص به أحدهما. واستدلوا من طريق القياس بأن قالوا: كل مال يستحق بالتحريض على القتال يجب أن يتعلق استحقاقه بشرط الإمام كالنفل، ولأن السلب لو استحق بالقتل لوجب إذا قتل مولياً أو رماه من صفة بسهم فقتله أن يستحق سلبه، فلما ثبت أنه لا يستحقه مع وجود القتل ثبت أنه لا يستحق بالقتل، ولأن السلب لو صار بالقتل ملكاً للقاتل لوجب إذا وجد قتيلاً عليه سلب لا يعرف قاتله أن لا يغم به؛ لأنه قد صار ملكاً لمسلم لا يعرف، وفي إجماعهم على قسمة في الغنيمة دليل ملى أنه غير مستحق بالقتل. ودليلنا ما رواه أبو مالك الأشجعي عن نعيم بن أبي هد عن سمرة بن جندب قال رسول الله ﷺ : "من قتل قتيلاً نله سلبه" وروى أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال يوم خيبر: "من قتل كافراً فله سلبه" (٢) فقتل أبو طلحة الأنصاري يومئذ عشرين كافراً فأخذ أسلابهم. ووجه الدليل من هذا الخبر: أنه ابتداء شرع بين فيه فاستحق به السلب وهو القتل، واعتمد الشافعي على ما رواه عن مالك عن يحيى بن سعيد عن عمر بن كير عن أبي محمد مولى أبي قتادة قال: خرجا مع رسول الله ﷺ عام حنين، فلما التقينا كان للمسلمين جولة قال: فرأيت رجلاً من المشركين قد علا رجلاً من المسلمين، فاستدرت له حتى أتيته من ورائه، قال: فضربته على حبل عاتقه ضربة، فأقبل علي فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت، ثم أدركه الموت، فأرسلني فلحقت عمر بن الخطاب ﵁ فقلت له: ما بال الناس؟ فقال أمر الله، ثم إن الناس رجعوا فقال رسول الله ﷺ : "من قتل قتيلاً فله سلبه" فقمت فقلت: من يشهد لي؟ فجلست ثم قال رسول الله ﷺ : "من قتل قتيلاً له عليه بينة فله سلبه" فقمت ثم قال رسول الله ﷺ : مالك يا أبا قتادة فاقتصصت عليه القصة، فقال رجل من القوم: صدق يا رسول الله وسلب ذلك القتيل عندي فارضه عني، فقال أبو بكر الصديق ﵁ لا هلم الله إذن لا يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله وعن رسوله فيعطيك سلبه، فقال رسول الله ﷺ : "فأعطه إياه" قال أبو قتادة

стр. 2943

فأعطانيه فبعث الدرع فابتعت به مخرقاً في بني سلمة فإنه لأول مال تأثلته في الإسلام، ووجه الدلالة منه أن وسول الله ﷺ قال: ذلك بعد الوقعة، وإجازة الغنيمة وبعد قتل أبي قتادة للكافر، فعلم أنه يستحق بالقتل لا بالشرط، فإن حملوا على شرط تقدم منه لم يصح من ثلاثة أوجه: أحدها: أنه إثبات ما لم ينقل. والثاني: أنه بيان شرع وإن تقام كما يكون بيانه، لأنه نقل سبب علق عليه حكم. والثالث: أنه لو تقدم شرط لأخذه أبو قتادة ولم يدعيه أو لا يشهد لنفسه على قتله، فإن قيل: فالنبي ﷺ جعل السلب للقاتل بالبينة، وقد أعطاه أبا قتادة بغير بينة فدل على أنه أعطاه نفلاً لاحقاً، فعن ذلك جوابان: أحدهما: أن من كان يده على السلب فقد صدقه فلم يحتج إلي بينة. والثاني: روى أنه شهد لأبي قتادة اثنان عبد الله بن أنيس والأسود بن خزاعي، ويدل عليه من القياس أنه مال مغنوم، يستحق بسبب لا يفتقر تقديره إلى اجتهاد الإمام، فوجب أن لا يعتبر فيه شرط الإمام لسهم الغانمين طرداً أو النقل عكساً؛ ولأنه ذو سهم تحرر بنفسه في قتل كافر فقاتل فوجب أن يستحق سلبه قياساً عليه إذا شرطه الإمام له، وأما الجواب عن الآية فمن وجهين: أحدهما: أن السلب خارج فيها؛ لأنه قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٤١] وليس السلب ما غنموه وإنما غنمه أحدهم. والثاني: أنه بيان لما فيه من الإجمال، وأما الجواب عن قوله: ليس لأحد إلا ما طابت به نفس إمام فمن وجهين: أحدهما: أن نفس الإمام إمام الأئمة رسول الله ﷺ قد طابت به فكانت أوكد من أن تطيب به نفس إمام من بعده. والثاني: أنه عام يحمل على النفل، ويخص منه السلب، وأما حديث عوف بن مالك فهو دلل لنا من ثلاثة أوجه: أحدهما: أن عوفاً وخالد اتفقا على أن السلب للقاتل، ولكن استكثره خالد، واستحقاق السلب لا يسقط بالكثرة. والثاني: أن عوفاً حين أخبر به رسول الله ﷺ لم يسأل عن الشرط. والثالث: أنه أمر خالداً برده على القاتل، فأما قوله لخالد حين غضب: "لا ترده" فتأديب منه لعوف حتى لا ينبسط الرعايا على الأمراء، ويحتمل أن يكون قد رده من بعد. وأما الجواب عن إعطائه سلب أبي جعل لأحد قاتليه فالمروي أن ابني عفراء اثخنا أبا جهل جراحاً، وخر صريعاً فأتاه ابن مسعود ليجز رأسه، فقال له أبو جهل: من أنت؟ فقال ابن مسعود، فقال له أبو جهل: ابن أم عبد رويعينا بالأمس فمكن يديك وجز الرقبة مع الرأس إذا لقيت أمك فأخبرها أنك قتلت أبا الحكم ففعل ذلك، وأخذ رأسه مع

стр. 2944

الرقبة، وكان قصد أبي جهل أن يكون ذلك أبهى لرأسه، ثم أخبر أمه بذلك فقالت: والله أعتق تسعين رجلاً من قومك، ودفع النبي ﷺ إلى ابني عفراء أو إلى أحدهما (١) بحسب اختلاف الرواية؛ لأنه قد كان أثخنه بالجراح وبإثخان المقتول يستحق السلب لا بإماتة نفسه وروحه وأما الجواب عن قياسهم على النفل فالمعنى فيه افتقار النفل إلى تقدير الإمام، وليس كذلك السلب. وأما الجواب عن قولهم: لو كان مستحقاً بالقتل لاستحقه إذا قتله مولياً أو رماه بسهم، فهو أنه مستحق بقتل على صفة وهو أن يكون للقاتل مغراراً بنفسه ويكف شر المقتول بقتله، وهو إذا رماه لم يغرر، وإذا قتله مولياً فقد كف المولى شر نفسه، ألا تراه لو استحقه بشرط الإمام لم يستحقه، إلا على علي هذه الصفة، وأما الجواب عن قولهم: لو كان السلب مستحقاً بالقتل لوجب أن لا يغنم سلب مقتول لا يعرف قاتله فهو أنه قد يستحق بقتل على صفة لم يغنم بغنيمة فيمنع من قسمه، فلذلك قسم، ألا ترى لو شرطه الإمام لكان مغنوماً إذا لم يتيقن مستحقه؛ لجواز أن يكون القتل على صفة لا يستحق بها. فصل وأما مالك فاستدل على تخميس السلب بقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] ولأنه مال مغنوم فأشبه الغنائم، ودليلنا ما قدمناه من الأخبار من إعطاء النبي ﷺ السلب من غير تخميس. وروي أن سلمة بن الأكوع قتل رجلاً فقال النبي ﷺ من قتله؟ قالوا: سلمة بن الأكوع قال: له سلبه" (٢). وهذا نص. وروى سفيان عن الأسود بن قيس عن شبر بن علقمة قال: قتلت رجلاً يوم القادسية فبلغ سلبه اثني عشر ألفاً فنفلنيه سعد" (٣)؛ ولأن أهل الغنيمة أقوى من أهل الخمس لأمرين: أحدهما: كثر سهمهم. والثاني: حضورهم الوقعة مع القتل، ثم كانوا مع قربهم لا يشاركون القاتل في السلب، فلأن لا يشاركه أهل الخمس الذين هو أضعف أولى، والجواب عن الآية قد مضى وقياسهم على الغنيمة مدفوع بهذا الاستدلال. فصل فإذا ثبت أن السلب للقاتل من غير تخميس فهو له من أصل الغنيمة قليلاً، كان أو

стр. 2945

كثيراً وقال بعض أهل العراق: هو له في الخمس سهم النبي ﷺ المعد لوجوه المصالح، فإن زاد السلب عليه ردت الزيادة إلى القسمة اعتباراً بالنفل المستحق من الخمس، وهذا غير صحيح؛ لأن قتيل سلمة بن الأكوع جعل رسول الله ﷺ سلبه له أجمع، وكان جميع الغنيمة - لأنه لم يغنم سواه، ولأن ما استحق من غير اجتهاد ولا شرط كان من أصل الغنيمة دون الخمس كالسهام، وخالف النفل الذي لا يستحق إلا باجتهاد أو شرط. فصل فإذا صح ما وصفنا من استحقاق السلب من أصل الغنيمة من غير تخميس، فقد اختلف أصحاب الشافعي فيه: هل هو ابتداء عطية من رسول الله ﷺ ؟ أو بيان لمجمل الآية من قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] على قولين: أحدهما: أنه ابتداء عطية. والثاني: أنه بيان لمجمل الآية، ولهذا القولين بيان نذكره من بعد، والله أعلم مسألة (١) قال الشافعي ﵀: "فالذي لا أشك فيه أن يعطى السلب من قتل مشركاً مقبلاً مقاتلا من أي جهة قتله مبارزاً أو غير مبارز وقد أعطى النبي ﷺ سلب مرحب من قتله مبارزاً وأبو قتادة غير مبارز ولكن المقتولين مقبلان ولقتلهما مقبلين والحرب قائمة مؤنه ليست له إذا انهزموا أو انهزم المقتول وفي حديث أبي قتادة ﵁ دل على أن النبي ﷺ قال: "من قتل قتيلا له عليه بينه" يوم حنين بعدما قتل أبو قتادة الرجل فأعطاه النبي ﷺ ذلك حكم عندنا. قال الشافعي: ولو ضربه ضربة فقد يديه أو رجليه ثم قتله آخر فمان سلبه للأول وإن ضربة وهو ممتنع فقتله آخر كان سلباً للآخر ولو قتله اثنان كان سلبه بينهما نصفين وهذا صحيح". قال في الحاوي: إذا ثبت أن السلب للقاتل من أصل الغنيمة من غير تخميس فاستحقاق القاتل معتبر بأربعة شروط: أحدها: أن تكون الحرب قائمة والقتال مستمراً، فإن قتله بعد انقضاء الحرب وانجلاء الواقعة فلا سلب له. والثاني: أن يكون المقتول مقبلاً على الحرب، سواء كان يقاتل أو لا يقاتل: لأنه وإن لم يقاتل فهو رد لمن تقاتل، فأما إن قتله وهو مولي عن الحرب تاركاً لها فلا سلب له إلا أن يكون قد فر فيكون له سلبه؛ لأن الحرب كر وفر، ولكن فرق بين أن يقتله من أمامه أو من وارثه في استحقاق سلبه؛ لأن أبا قتادة قتل المشرك الذي أخذ سلبه من ورائه.
следующие страницы →