← Фикх шафии

Фикх шафии · id 16934

بحر المذهب للروياني

عَبْد الواحِد الرُّوْياني

Полный текст (7 151 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.

стр. 3256

وأنها من نتاج قومه أو بلده فصالحه منها على شقٍص لم يصح الصلح، فإن عرفا الأوصاف الثلاثة فهل يصح الصلح؟ قولان: أحدهما: يصح لأنه لو أحضرها بهذه الأوصاف لزمه قبولها، والثاني: لا يصح لأن السّلم فيها بهذا القدر لا يصح حتى توصف الألوان ونحوها مما يختلف الثمن لأجله، فإذا قلنا: الصلح صحيح يأخذ الشفيع بقيمة خمٍس من الإبل أقلها قيمًة إذا كانت بالأوصاف التي ذكرناها، فإن لم تكن الإبل موجودة قال في القديم: تجب خمسون دينارًا أو ستمائة درهم، وقال في الجديد: تلزم قيمتها بالغة ما بلغت، فإن عرفا البدل المقدَّر ومقداره أو عرفا مقدار القيمة فصالحه منها صح الصلح ويأخذ الشفيع بمثل ذلك، وإن لم يعرفا أو عرف أحدهما: دون الآخر لم يصح الصلح ولا شفعة، وقال بعطر أصحابنا بخراسان: إذا كانت الجناية عمدًا وقلنا: الواجب هو القود فحسب هل يصح الصلح مع كون الدية مجهولة عند المتعاقدين؟ قولان بناًء على أن مطلق العفو هل يوجب المال أم لا؟ فإن قلنا: لا يوجب جاز وكأن المصالحة وقعت عن نفس القود وهو معلوم، وإن قلنا: يوجب المال لم يجز إلا أن يكون معلومًا على ما ذكرنا لأنه مصالحة عن المال. مسألة: قال: " ولوْ اشترى ذمَّي منْ ذمي شِقصًا بخمٍر" الفصل وهذا كما قال: إذا اشترى مشرك من مشرك شقصًا فإن للشريك المشرك أن يطالب بالشفعة إن كان الثمن حالًا والعقد صحيحًا، وإن تبايعا بخمٍر أو خنزير فلا شفعة، فإن كانوا تعاقدوا وتقابضوا وسلَّم المشتري الشقص لم نتعرض لهم فيه ولو كان الشريك مسلمًا لا شفعة له وإن تقابضوا لأنه لا عوض هناك يمكن أخذها منه، وقال أبو حنيفة: له الشفعة بقيمة الخمر وللذمي الشفعة بمثل الخمر بناءً على أصله أن الخمر مال [١٠٥/ أ] لهم وهذا غلط لأنه وقع العقد بثمن حراٍم فلا شفعة كما لو وقع بميتة أو دم. مسألة: قال: "والمسلمُ والذميُّ في الشفعة سواءٌ". وهذا كما قال: إذا باع ذمي شقصًا من ذمي وكان شريكه فيه مسلمًا يستحق الأخذ بالشفعة، ولو باع من مسلم وشريكه ذمي فالذمي يستحق الشفعة على المسلم وبه قال كافة العلماء، وقال الشعبي والحسن وعثمان البتي والحارث العكر وأحمد والحسن بن صالح ابن حي: لا شفعة للذمي على المسلم لما روي أن النبي ﷺ قال: "لا شفعة لذمي على مسلّم"، وروي: "لا شفعة لنصراني" وهذا غلط للعمومات الواردة في الشفعة ولأنه خيار يثبت لدفع الضرر عن المال فاستوي فيه المسلم والذمي كالرد بالعيب، وأما للخبر لا أصل له.

стр. 3257

فرع تثبت الشفعة للبدوي على الحضري خلافًا للشعبي وتثبت الشفعة للغائب على الحاضر خلافًا للنخعي وتثبت الشفعة في دور مكة، وقال أبو حنيفة: لا تثبت بناءً على قوله: لا يجوز بيعها. فرع آخر لو كان أحد الشريكين غائبًا وله وكيل فقال الوكيل: قد اشتريت منه نصيبه فهل يكون للحاضر أخذه بالشفعة، قال ابن سريج: فيه وجهان أحدهما: ليس له لأن إقراره لا يقبل على موكله ويكتب الحاكم إلى حاكم البلد الذي فيه الغائب ليستدعيه ويسأله عنه، والثاني: يؤخذ عنه بالشفعة وبه قال أبو حنيفة ويذكر الحاكم في السجل صورة الحال وينظر في الغائب فإن صدَّقه صح أخذه السابق، وإن كذّبه ولا بينة هناك كان القول قوله مع يمينه، فإذا حلف استحق الشقص وأجرة المثل في مدة ما أمسكه الشريك وأرش النقص إن دخل فيه النقص وهل يرجع الشفيع على الوكيل لأنه غرَّه؟ وجهان وقد مضى نظير هذه المسألة. فرع آخر لو أحال المشتري البائع على الشفيع بثمن الشقص فوزنه له عن المشتري برئ المشتري من الثمن ومن الشفعة. فرع آخر لو [١٠٥/ ب] اشترى رجل من رجل شقصًا وله شفيعان فقال المشتري: اشتريت لأحدهما: فصدقه المشترى له وكذبه الآخر وقال: بل اشتريته لنفسك كان النقص بين الشفيعين نصفين لأن للمكذب أن يأخذ نصف الشقص سواء اشتراه لنفسه أو لشريكه وعلى ما قال ابن سريج: أنه لا يكون للمشتري الشريك شفعة تجب ها هنا أن لا يكون للمكذب شفعة لأن شراء الشريك بتصادقهما عليه ولم يوجد ذلك، ولو قال الأخ المكذب: حلّفوا أخي أن الشقص اشتري لي لم يحلّف لأنه لا فائدة في استحقاقه على ما بيناه من أن الحكم لا يختلف بين أن يكون اشتراه لنفسه أو للشريك. فرع آخر لو قال المشتري في هذه المسألة: اشتريت هذا الشقص من رجل لا يملكه فصدقه أحد الأخوين وكذبه الآخر لا شفعة للمصدق لأنه أقر أنه لا يملكه، ولو قال: ملكت هذا الشقص بهبٍة فصدقه أحدهما في ذلك وكذبه الأخر وقال: ملكته بالابتياع بطلت شفعة المصدق لأنه أقر أنه ملك بالهبة ولا شفعة في الهبة، وأما المكذب يدعى أنه ملك الشقص بابتياع وأنه يستحق عليه الشفعة فيه وهو ينكر فإن أقام للمدعي بينة بالبيع استحق وإلا فالقول قول المنكر مع يمينه ولا شفعة.

стр. 3258

فرع آخر لو اشترى شقصًا فيه شفعة فمات الشفيع وله وارثان فقال المشتري: إن الوارثين قد عفوا ولا بينة له بذلك فأنكر فحلف الواحد ونكل الآخر لم يكن للمشتري أن يحلف من أجل نكول الناكل، لأنه لو صح عفوه كان للذي لم يعف أن يطلب جميع الشقص بالشفعة فلا يفيده اليمين شيئًا فإذا ثبت هذا فإن الوارث الحالف لا يستحق الكل إلا بيمين منه لقد عنا صاحبه هذا الناكل عن اليمين، فإذا حلف أخذ الكل، وإن لم يحلف كان الناكل على شفعته وأخذا معًا ذكره ابن الحداد. فرع آخر لو اشترى [١٠٦/ أ] شقصًا فيه شفعة ثم ارتد فقتل أو مات قبل رجوعه إلى الإسلام كان للشفيع الأخذ بالشفعة لأنها وجبت له ويكون المطالب بذلك الإمام أو من ينوب عنه، وهكذا لو ارتد الشفيع وقتل بالردة أو مات كانت الشفعة للمسلمين والنظر في ذلك إلى الإمام. فرع آخر لو بيع شقصٌ وله شفيعان فعفا أحد الشفيعين والآخر غائب ثم مات الغائب والحاضر العافي وارثه كان له أن يأخذ بالشفعة، لأنه وإن عفا فإنما يأخذها من وجٍه غير الوجه الذي عفاها منه، وكذلك لو شهد شاهد بدين لأبيهما فقال أحدهما: لا أحلف مع الشاهد فمات أخوه وهو وارثه كان له أن يحلف ويأخذ ما يصيب الأخ من الدين لأن هذا لبس أتى اليمين عليه ذكره ابن الحداد، وعلى هذا لو ورث رجلان الشفعة عن أبيهما فعفا أحدهما: ثبت للآخر استيفاء الكل فإن مات والعافي وارثه ثبات له استيفاؤه بالنيابة عن موروثه. فرع آخر لو كانت الأرض بينهما نصفين فباع أحدهما قطعة بعينها بطل البيع في نصيب شريكه وهل يبطل قي نصيب نفسه؟ قولان فإذا قلنا: لا يبطل أخذه شريكه بالشفعة فيكون له نصف تلك القطعة المبيعة بالشفعة. فرع آخر لو كان في يد رجل نصف دار فادعى مدٍع عليه أنه يستحق سدسها فأنكر المدعى عليه وانصرف المدعي ثم قال له المدعى عليه: خذ مني السدس الذي ادعيته منها بسدس دارك فأجابه إلى هذا صح ولم يكن صلحًا على الإنكار ووجبت الشفعة للشفيع يأخذها من المدعي بقيمة سدس داره. فرع أخر لو كانت دار بين شريكين نصفين فوكل أحدهما شريكه في بقع نصف نصيبه وهو ربعها وقال: إن اخترت أن تبيع نصف نصيبك مع نصيبي صفقًة واحدًة فافعل فباع

стр. 3259

الوكيل نصفها الربع بحق الوكالة والربع بحق الملك صح في الكل [١٠٦/ ب] والموكل شريك حين بيع نصيب الوكيل والوكيل شريك حين بيع نصيب الموكل فللموكل الشفعة فيما باعه الوكيل من نصيب ننه وهل للوكيل الشفعة فيما تولى بيعه من نصيب الموكل؟ قد ذكرنا وجهين. فرع آخر إذا اشترى بعيرًا وشقصًا بعبٍد وجاريٍة وقيمة البعير والشقص مائتان كل واحٍد منهما مائة وكذلك العبد والجارية قيمتهما مائتان كل واحٍد منهما مائة تليت الشفعة في الشقص بنصف قيمة العبد والجارية فإن تلف البعير قبل القبض بطل فيه العقد، وهل يبطل في الشقص على القولين في تفريق الصفقة؟ فإن قلنا: يبطل بطل في الكل وسقطت الشفعة وإن قلنا: يصح في الشقص صح فيه بنصف العبد والجارية وأخذه الشفيع بقيمة ذلك، وإن تلف العبد بطل العقد فيه وهل يبطل في الجارية؟ على طريقين فإذا قلنا: يصح في الجارية بطل العقد في نصف البعير ونصف الشقص وأخذ الشفيع نصف الشقص بنصف قيمة الجارية. فرع آخر قال ابن سريج: لو كانت دار بين اثنين فادعى أحد الشريكين على الآخر بأن النصف الذي في يده اشتراه من زيد وصدّقه زيد على ذلك، وقال الشريك: ما اشتريته وإنما ورثته مني أبي ولا شفعة لك فأقام الشفيع شاهدين شهدا بأن زيدًا ملك هذا الشقص ميراثًا عن أبيه ولم يشهدا بأكثر من ذلك، قال محمد بن الحسن: تثبت الشفعة للشفيع ويقال له: إما أن تدفع الشقص إليه وتأخذ الثمن أو ترده على البائع ليأخذه الشفيع من البائع ويأخذ الثمن فيدفعه إليك قال: وإنما كان كذلك لأن الشاهدين شهدا لزيد بالملك وعليه بالبيع، وقال ابن سريج: هذا غلط ولا شفعة لهذا المدعي بذلك لأن البينة لم تشهد بالبيع، أما إقراره فليس بينه وبين المشتري منازعة فثبت إقراره وإنما نقرّ [١٠٧/ أ] على المشتري بالشفعة وليست الشفعة من حقوق العقد على البائع فلا يقبل فيها قول البائع ولا شهادته مقبولة لأنه يشهد على فعل نفسه قال: وهذا بمنزلة أن يحلف رجل: إني ما اشتريت هذه الدار من زيد فيقول زيد: أنا بعتها منه وقد كانت ملكًا لزيد فإنه لا يقبل إقراره عليه في الحنث في يمينه كذلك ها هنا. فرع آخر? لو كانت الدار بين أربعة أرباعًا اشترى اثنان منهم من واحد نصيبه وهو الربع استحق الذي لم يشتر عليهما الشفعة واستحق كل واحٍد من المشتريين الشفعة على صاحبه. وفرع أبو العباس هذا على ما قاله المزني من أن المشتري إذا كان شريكة لا يسقط حقه من الشفعة وجعل الدار ثمانية وأربعين سهمًا، فالربع اثنا عشر بينهما، وذكر فيها أربع مسائل إحداها أن يطالب كل واحد منهم بشفعته فيقتسمون السبع أثلاثًا فيحصل لكل

стр. 3260

واحٍد منهم أربعة أسهم. والثانية أن يعفو كل واحٍد من المشتريين عن صاحبه ويطالب الذي لم يشتر فإنه يأخذ من كل واحٍد منهما نصف ما في يده لأنه فيما اشتراه كل واحٍد شريكه في الشفعة إذ لا شفعة فيه إلا لهما فيحصل للذي لم يشتر نصف السهم ستة أسهم، ولكل واحٍد من المشترين ثلاثة أسهم. والثالثة أن يعفو الذي لم يشتر خاصًة فكل واحٍد من المشتريين يأخذ نصف ما في يده فيكون ذلك بقدر ما اشتراه لكل واحٍد ستة أسهم. والرابعة أن يعفو الذي لم يشتر عن أحدهما دون الأخر فإنه يأخذ ممن لم يعف عنه سهمين ويبقى معه أربعة يأخذ منهما المعفو عنه سهمين، ويأخذ الذي لم يعف عنه من المعفو عنه ثلاثة أسهم نصف ما في يده لأنه لا شفيع في هذا السهم سواهما فيحصل مع كل واحٍد [١٠٧/ ب] منهما على خمسة ومع العافي سهمان. وفرع أبو العباس على ذلك إذا كان أحدهما حاضرًا والآخر غائبًا والحكم في ذلك على ما ذكرنا فلا فائدة في تكراره. فرع آخر قال ابن الحداد: ولو كانت دار بين ثلاثة نصفها لأحدهم والنصف الآخر بين الآخرين نصفين فاشترى صاحب النصف من أحد شريكيه ربعه، والثالث: غائب، ثم باع صاحب الثلاثة الأرباع، ربعًا منها لرجلٍ ثم قدم الشريك الغائب كان له أن يأخذ ما يحصه من البيع الأول بالشفعة، ويأخذ المبيع الثاني جميعه لأنه لا شفيع فيه سواه، فإن أراد أن يأخذ حقه من الأول وعنا عن الثاني قال ابن الحداد: أخذ من المشتري الثاني سهمًا من ستة، ومن الأول سهمين من ستة فرض الربع ستة أسهم والأصل أربعة وعشرون لأنه أقل عدد ينقسم منه وإنما كان كذلك لأن صاحب النصف لما اشترى الربع كان الربع المشترى بينه وبين الشريك الغائب نصفين وهذا على المذهب، والمشهور في أن المشتري يشارك الشفيع إذا كان شريكًا فيما اشتراه وعلى أحد القولين في أن الشفعة على عدد الرؤوس فإذا باع الربع مما في يده وفي يده ثلاثة أرباع فقد باع ثلث ما في يده وهو ستة أسهم وبقي في يده اثنا عشر سهمًا وللغائب بشفعته ثلاثة أسهم فإذا قدم أخذ من المشتري سهمًا ثلث ما استحقه لأنه حصل له ثلث ما كان في يد بائعه وأخذ من الأول سهمين. فأما إذا قلنا: إن الشفعة على قدر الأنصباء فالذي يستحق الغائب سهمان من الستة لأن ملكه مثل نصف ملك المشتري حصل في المبيع من السهمين ثلثها فيأخذ من المشتري الأول سهما وثلثًا، ومن الثاني ثلثي سهم هذا إذا عنا عن الثاني، وإن عفا عن الأول فأخذ من البيع الثاني أخذ من المشتري ما اشتراه وهو [١٠٨/ أ] ستة أسهم لأن شريكه بائع فلا تثبت له الشفعة، وإن أراد أن يأخذ الشفعة بالعقدين أخذ جميع ما في يد الثاني وأخذ من الأول إن قلنا: إن الشفعة على عدد الرؤوس سهمين، وإذا قلنا: على قدر النصيب سهمًا وثلثًا.

стр. 3261

فرع آخر قال ابن الحداد: إذا اشترى شقصًا فيه شفعة وأوصى به ومات ثم جاء الشفيع والموصى له يطالبان به كان للشفيع، ويدفع الثمن إلى الورثة دون الموصى له لأنه لم يوص له إلا بالشقص وقد سقط حقه. فصل في الحيل في إبطال الشفعة بالجوار مباحة قبل العقد وبعده لأنها حيلة في إبطال ما ليس بواجب، وأما الحيلة في إبطال الشفعة بالمشاركة نظر، فإن كان بعد وجوبها لا يحل ذلك لأنه حق وجب، وإن كان قبل وجوبها قال ابن سريج: يكره ذلك فإن فعل صح، وقال أبو بكر الصيرفي في كتاب" الحيل": هو مباح. ومن جملة الحيل ما يُزهّد الشفيع في الآخذ لكثرة ثمنها مثل أن يكون ثمن الشقص مائة فيشتريه بألف ثم يدفع المشتري إلى البائع بالثمن ما قيمته مائة كالثوب ونحوه فيكون الثمن ألفًا والذي دفع مائة أو يبيع من الذي عزم على البيع جارية وهي تساوي مائة فإذا ثبت الألف على البائع أخذ منه شقصًا بالألف الذي هو ثمن الجارية فيملكها المشتري بألٍف وهى تساوي مائة فلا ينشط الشفيع لأخذه، إلا أن في المسألة الأولى الغرر يكون على المشتري للشقص لأنه يثبت عليه الألف وربما لا يرضى الثاني أن يأخذ منه ما يساوي مائة، وفى المسألة الثانية الغرر على بائع الشقص لأنه ربما لا يختار صاحب الجارية أن يأخذ منه النقص بألٍف فتبقى الجارية التي تسوى مائة بألٍف في يده وهذا اتفاًق، ومن ذلك أن يشتري بألٍف وقيمتها مائة ثم يبريه عن تسعمائة وفيه [١٠٨/ ب] غرر على المشتري أيضًا وهذا عند الشافعي ومن ذلك أن يهب البائع الشقص من المشتري ويهب للمشتري الثمن من البائع. ومنها أن يكون الثمن جزافًا فيزن مائة في التقدير ويطرح فيها شيئًا من الفضة جزافًا فلا يعلم مبلغ الثمن، فإذا جهل مبلغه سقطت الشفعة. ومنها أن يشتري نصيب الباني من بناء الدار سوى العِرصة فلا شفعة ثم يهب نصيبه من العرصة فلا شفعة أيضًا. ومنها أن يكون الشقص يساوي ألفًا فيبيع نصفه منه ويهب منه النصف ويكتب الوثيقة أنه باع نصفه منه بألٍف ووهب النصف فلا يستحق الشفيع الموهوب ويأخذ المبيع بالألف ولا يرضى بذلك فيترك الشفعة وهذا أسلم. وأما الحيل على قول أبي حنيفة أن الشفعة تثبت للجار هو أن يهب له بعض الدار ثم يشتري ما بقي أو يشتري منه كل الدار إلا العرصة التي عليها سور الدار، فإذا لم يدخل ذلك في البيع لم تجب الشفعة للجار ثم يقر له بالعرصة، أو يشتري كل البناء دون العرصة ثم يهب له العرصة فالشفعة في كل هذا لا تجب. فإن كان قراحًا اشتراه إلا قدر شبرًا أو ذراع من جانب الشفيع فيزول الملاصقة وتسقط الشفعة إذا لم يكن شريكًا في الطريق ومن هذا الجنس كثير وفيما ذكرناه كفاية وبالله للتوفيق.

стр. 3262

كتاب القراض قال: وروي عن عمر بن الخطاب ﵁ للخبر وهذا كما قال: اعلم أن عقد القَراض جائز وهو أن يدفع إلى رجل دراهم أو دنانير ليتجر فيها فما يرزق الله تعالى من الربح بينهما على ما يتشارطانه ويسمى هذا العقد باسمين القَراض والمضاربة، والقراض اسم حجازيُّ، والمضاربة [١٠٩/ أ] اسم عراقيٌّ. واشتقاق انقراض من القَرض الذي هو القطع، ولهذا سمي المقراض مقراضًا فمعناه قطع ربّ المال من ماله قطعة ويُسلمها إلى العامل ثم قطع للعامل قطعة من الربح. وقيل: اشتقاق القراض من المقارضة التي هي الموازاة والمساواة يقال: تقارض الشاعران إذا تناشدا ووازن كل واحٍد منهما الآخر بشعره، وقال أبو الدرداء: قارض الناس ما قارضوك فإن تركتهم لم يتركوك على هذا المعنى وهذا لأن المال من أحدهما: والعمل من الآخر، ويحتمل أن يكون ذلك لاشتراكهما في الربح. واختلفوا في اشتقاق المضاربة فقيل: هو من الضرب في المال بالتصرف والتقليب برأيه واجتهاده يقال: فلان يضرب الأمور ظهرًا لبطن ومنه قوله تعالى: ﴿وإذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ﴾ [النساء: ١٠١] أي: تصَّرفتم فيها بالسفر. وقيل: هو من ضرب كل واحٍد منهما في الريح بسهم. وأما التسمية فالمقابض يكسر الراء رب المال لأنه هو الذي يضرب بالمال ويقلبه يقطع قطعة من ماله والمقارّض بفتح الراء العامل في المضاربة يقال للعامل: مضارب يكسر الراء لأنه هو الذي يضرب بالمال ويقلبه ولم يشتق لرب المال من المضاربة اسم بخلاف انقراض. وقال بعض أصحابنا: هو اسم رب المال وبه قال جماعة من العلماء وهو غلط لما روي عن علقة ﵁ أنه قال: إذا خالف المضارب فلا ضمان هما على ما شرطا" والمخالفة أبدًا من جهة العامل. فإذا تقرر هذا فالأصل في جواز القراض الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ﴾ [المزمل: ٢٠] الآية. وأما السنة فما روي أن النبي ﷺ ضارب [١٠٩/ ب] خديجة ﵂ بأموالها إلى الشام وأنفذت معه لخدمته عبدًا لها يقال له مَيسرة. وقال ابن عباس ﵁: كان العباس ﵁ إذا دفع مالًا مضاربةً اشترط على صاحبه أن لا يسلك به بحرًا ولا ينزل به واديًا ولا يشتري به ذات كبٍد رطبٍة

стр. 3263

فإن فعل فهو ضامن فرفع شرطه إلى النبي ﷺ فأجازه. وأما الإجماع ما ذكره الشافعي رحمة الله عليه عن عمر ﵁ وتمام الحديث أن عبد الله وعبيد الله ابني عمر ﵃ لما انصرفا من غزوة نهاوند اجتازا بالعراق وعليها أبو موسى الأشعري ﵁ فقال لهما: إني أريد أن أصلكما بشيء وليس عندي ما أصلكما به ثم قال: نعم عندي من مال بيت المال مائة ألف درهم فأعطيكماها لتتجرا بها وتُسلما المال إلى أمير المؤمنين بالمدينة والربح لكما فأخذا المال واشتريا به من متاع العراق فربحا فيه بالمدينة ربحًا كثيرًا ثم أخبرا عمر بذلك فقال: أوَ أعطى كل رجل من المسلمين مثل ما أعطاكما؟ قالا: لا فقال عمر: أبناء أمير المؤمنين إنما أعطت لمكانكما منى فأدَّيا المال والربح اجعله في بيت المال، فسكت عبد الله ولم يراجع أباه بشيء، وقال عبيد الله وهو أصغرهما: أرأيت لو تلف هذا المال أما كان من ضماننا قال: نعم قال: فالربح إذا فأعاد عمر كلامه فراجعه عبيد الله فقال عبد الرحمن بن عوفٍ ﵁: يا أمير المؤمنين لو جعلته قَراضًا ففعل فأخذ منهما المال ونصف الربح. فإن قيل: كان المال قَراضًا فكيف جعله قرضًا؟ قلنا: قال أصحابنا: كان قرضًا صحيحًا لأن أبا موسى أراد أن يحمله [١١٠/ أ] إلى المدينة وخاف عليه فجعله قرضًا وكان الربح لهما، ولكن عمر ﵁ استطاب قلبهما عن نصف الربح وللإمام أن يفعل ذلك بطيب قلب الصاحب والغرض التورع من أنه تقرب إليهما لمكانه، ولهذا قال: كأني بأبي موسى يقول: أبناء أمير المؤمنين، ومن أصحابنا من قال: كان قرضًا فاسدًا إذ كان شرط رد المال بالمدينة فحكمه حكم المغصوب غير أن عمر ﵁ رآها أهلًا لوضع بعض مال بيت المال فيهما والربح للمغصوب منه على أحد القولين. وقيل كان قراضًا فاسدًا وبلغ أجر مثلهما نصف الربح. وقال الشافعي في كتاب اختلاف العراقّيين: روى أبو حنيفة عن حميد بن عبد الله بن عبيد عن أبيه عن جده أن عمر بن الخطاب ﵁ أعطاه مال يتيم مضاربًة وكان يعمل به في العراق. وروى الشافعي أيضًا عن مالك عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب عن أبيه عن جده أن عثمان ﵁ قارضه.

стр. 3264

وروى قتادة عن الحسن أن عليًا ﵁ قال: إذا خالف المضارب فلا ضمان هما على ما شرطا. وروي عن ابن مسعوٍد وحكيم بن حزام أنهما قارضا والمسلمون أجمعوا على جوازه فلا يحل مخالفتهم. واعلم أن المشهور في جواز القَراض إجماع الصحابة والأشبه أن هذا الإجماع انعقد فيما بينهم عن ضرٍب من القياس على المساقاة والخبر في المساقاة مشهور عن رسول الله ﷺ ووجه القياس ظاهر وهو أن الأشجار لا تؤاجر حتى يرتفق صاحبها بأجرتها فوردت الشريعة بنوع معاملٍة مخصوصٍة عليها يكون سببًا لتوفر مرافقها على مالكها والدراهم والدنانير بهذه المثابة لأنها غير قابلة عقد الإجارة [١١٠/ ب] فكان عقد المضاربة سببًا لتوفر مرافقها على مالكها، وفي أثر عمر ﵁ دليل على الوالي إذا أراد إيصال المال إلى حضرة الخليفة يجوز له إسلافه ويجوز للقارض تسلفه لأن ذلك من للنظر وهو أولى من أن يبعث إلى حضرته أمانة. مسألة: قال: "ولا يجوز القراض إلا في الدراهم والدنانير". الفصل وهذا كما قال: يجوز القراض في الدراهم والدنانير ولا يجوز فيما عداهما سواء كان له مثل أو لا، وقال طاوس وابن أبي ليلى والأوزاعي: يجوز على العروضي كلها، فإن كان له مثلّ رد مثله عند المفاصلة، وإن لم يكن له مثل رد قيمته لأنه يجوز أن يكون ثمنًا فجاز أن يكون رأس مال القراض وهذا غلط فإن موضوع القراض على أن لا يقتسما من الربح شيئًا ما لم يسلم إلى رب المال رأس المال، وأن لا يجوز لأحدهما: أن ينفرد بجميع الربح وأن لا يستحق من الربح شيئًا إلا بعلمه وأن يكون المال من أحدهما: والعمل من الآخر، فإذا تعاقدا القراض على شيء من ذلك، فلن كان مما له مثلُّ فأراد أن يعزلا مثل رأس المال فيجوز أن يكون قد زاد في حال المفاصلة سعره فلا يمكن شراء مثل رأس المال إلا بجميع ما في يد العامل من المال فيؤدي إلى أن ينفرد رب المال بجمع الربح وهذا لا يجوز، ولن كان مما لا مثل له فيجب أن يعزلا القيمة التي كانت السلعة وقت عقد القَراض ويجوز أن يكون قيمتها قد زادت قبل تصرف العامل فيستحق جزءًا من الربح قبل التصرف، ويجوز أن يكون قد نقصت فيحتاج أن يتمَّها من حصته من الربح وذلك يؤدي إلى أن يكون من جهته جزء من رأس المال وهذا كله مخالف لموضوع عقد القراض، فإن قيل: يبطل هذا بالدنانير فإن قيمتها تختلف وتزيد وتنقص قلنا: قيمة الدنانير بالفضة لا يختلف وإن زادت قيمتها لعارٍض فالزيادة يسيرة لا حكم لها. فإن قيل: أليس جوَّزتم الشركة فيما له مثل من الحبوب والأدهان [١١١/ أ] فما

стр. 3265

الفرق؟ قلنا: الفرق أن الشريكين إذا عزلا رأس المال عند المفاصلة، فإن كانت قيمتها زائدة فالزيادة لهما، وإن كانت ناقصًة فالنقصان عليهما فلا يؤدي إلى استبداد أحدهما: بالربح وليس كذلك في القراض فإنه يؤدي إلى استرداد رب المال بجمع الربح على ما بيناه فافترقا. وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل يجوز القراض في ذوات الأمثال؟ وجهان وليس بشيء. فرع قال الشافعي رحمة الله عليه: إذا دفع رجل إلى رجل سبيكة من ذهب أو فضٍة وجعلها رأس المال في القراض لا يجوز ولفظه في "المختصر" ولا يجوز إلا بالدراهم والدنانير التي هي أثمان الأشياء وقيمتها والسبيكة والنُقرة ليست منها فلا يجوز لأنها متقوّمة ويضمن عند الإتلاف بالقيمة وهو المشهور عن أبي حنيفة، وحكي عنه جوازه في النقرة. فرع آخر لا يجوز في الدراهم المغشوشة قليلًا كان الغش أو كثيرًا، وقال أبو حنيفة: إن كان الغش أكثر من النصف لا يجوز، وإن كان أقل يجوز لأن الاعتبار بالغالب في الأصول وهذا غلط لأنها مغشوشة فأشبه إذ كان الغش أكثر، وأما اعتبار الغالب لا يصح لأن المقصود مجهول غالبًا كان أو مغلوبًا. فرع آخر لا يجوز في الفلوس وإن تعامل بها بعض أهل البلاد وبه قال أبو حنيفة وأبو يوسف، وقال محمد: يجوز استحسانًا، ويحكى هذا عن أبي حنيفة لأنه ثمن في بعض البلاد وهذا غلط لأنه ليس بثمٍن غالبًا فأشبه الثياب. فرع آخر لو دفع إليه شبكًة ليصطاد بها ويكون الصيد بينهما نصفين لم يجز فإن اصطاد كان الصيد له ولصاحب الشبكة أجر مثلها، وكذلك لو أعطاه غزلًا لينسجه وما يحصل من الربح بينهما نصفين لم يجز والثوب لصاحب الغزل وللحائك أجر مثله، وكذلك لو دفع بغلًا إلى رجل وقال: آجره [١١١/ ب] فيما ترى واعمل عليه وانقل عليه ما ترى من لبن وطين وغير ذلك فما كان من فضٍل فهو بيننا فالقراض فاسد والفضل كله لصاحب البغل وللعامل أجر مثله. فرع آخر لو دفع إليه كرّ حنطة مضاربة على أن يشتري به ويبيع فما رزق الله من شيء فهو بينهما كانت المضاربة فاسدًة، فإن اشترى وباع وربح أو خسر فالربح لرب المال والخسران عليه، وللعامل أجر مثله فيما عمل.

стр. 3266

فرع آخر لو دفع إليه عرضًا وقال: بعه فإذا نضَّ ثمنه فقد قارضتك على ثمنه لم يجز، وقال أبو حنيفة: يجوز وهذا غلط لأنه عقدٌ لا يصح على المجهول فلا يصح تعليقه بالشرط كالبيع ولأن ثمنه مجهول فلا يجوز عليه القراض ولأنه عقد مضاربٍة على دراهم يحصل في الثاني فأشبه إذا قال: قارضتك على دراهم أرفها ونحو ذلك. فرع آخر لو قال: وكلتك في بيع هذه السلعة وصرف ثمنها في سلعٍة أخرى وصفها كان التوكيل في البيع صحيحًا وفي التوكيل بالشراء قولان فإن قلنا: يصح فالفرق أن من شرط عقد القراض وجود المال وليس ها هنا مال، وأما الوكالة فعقدها يصح على غير مالٍ لأنه إذا قال: وكلتك قي أن تشتري عبدًا أو ثوبًا ولم يسلم إليه مالًا يصح الوكالة فدل على الفرق. فرع آخر لو كان له قي يد رجل وديعة فقارضه عليه صح القراض لأنه في يد العامل أمانة فهو بمنزلة كونه في يد ربّ المال ولو كان في يده مال غضبه عليه فقارضه عليه فيه وجهان أحدهما: لا يصح لأن مال القراض أمانة وهذا المال في يده مضمون عليه فلا يوجد فيه معنى القراض، والثاني: وهو المذهب يصح لأنه مقبوض له كالوديعة، وأما ما ذكره لا يصح لأن الشافعي قال: إذا رهن عنده المال المغضوب يصح، وإن كان مقتضى الرهن الأمانة فكذلك إذا تعدى العامل باستعمال القراض ضمن والقراض [١١٢/ أ] بحاله. فرع آخر لو أبرأه من ضمانه ثم قارضه عليها قال في "الحاوي": يجوز وجهًا واحدًا لأنه صار وديعة بالإبراء والوجهان إذا لم يصرح بالإبراء وإذا قلنا: إنه باطل فما يحصل من الربح والخسران فلرّب المال لأنه عمل فيه بإذنه. فرع آخر إذا قلنا: إنه يصح فيه قال أصحابنا: إذا اشترى شيئًا به للقراض وسلم إلى البائع صح وبرئ من ضمانه لأنه سلمه بإذن صاحبه وقبل تسليمه إلى البائع يكون مضمونًا عليه، وقال أبو حنيفة ومالك: يزول عنه ضمان الغصب بنفس عقد المضاربة كما قال في الرهن، وقال في "الحاوي": فيه ثلاثة أوجه أحدها: برئ من ضمانه بالعقد لأنه صار مؤتمنًا عليه، والثاني: لا يبرأ كما لا يبرأ بالارتهان، والثالث: ما لم يتصرف فيه فضمانه باٍق، وإذا تصرف فيه ودفعه في ثمن ما ابتاعه به برئ من ضمانه إن عقد عليه

стр. 3267

بعينه ولم يبرأ إن عقد عليه في ذمته لأن ني التعيين مدفوع إلى مستحقه بإذن مالكه فصار كرده عليه وفيما تعلق بذمته يكون مبرئًا لنفسه فلا يبرأ. فرع آخر إذا كان له في ذمة رجل مال فقال له: اعزل المال الذي في ذمتك وقد قارضتك عليه بكذا وكذا فعزل المال لم يصح تعيينه بالدين لأنه لا يجوز أن يكون قابضًا لغيره من نفسه ولا يبرئ ذمته بيده ويكون الدين باقيًا في ذمته فإن اشترى شيئًا للقراض نظر، فإن اشتراه بعين المال كان ملكة له ولم يكن قراضًا لأن المال ملكه فنيّته القراض لا تؤثر في الشراء، وإن اشترى شيئًا للقراض بثمن مطلٍق ودفع المال فيه اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: يكون المشتري للقراض ويكون قراضًا فاسدة لأنه علقه بشرٍط وهو عزل المال الذي في ذمته فهو كما لو قال: بع هذا العبد واجعل ثمنه قراضًا وقد برئ من الدين بدفع ثمن ما اشتراه كأنه دفعه بإذن صاحبه وله أجر المثل والربح لرب الدين، ومنهم من قال: وهو الأصح [١١٢/ ب] لا يكون قراضًا لا صحيحًا ولا فاسدًا وما اشتراه له ولا يصح أن يشتري بنية القراض إلا إذا كان في يده مال القراض وهذا المال الذي في يده، فإذا اشترى وقع الشراء له ويكون الدين باقيًا في ذمته وهكذا الحكم إذا قال: قارضتك في الدين الذي عليك، وذكر القاضي الطبري عن أبى سريج أنه قال: هل يصح القراض في الدين الذي عليها وجهان أحدهما: ما ذكرنا، والثاني: يصح لأنه بمنزلة الوكيل فهو كما لو قال: اشتر لي سلعة بألٍف ثم قال: ادفع الألف الذي عليك في ثمنه وهذا غير مشهور. فرع آخر لو قال: قارضتك في مالي على فلان وهو ألف على أن تتقاضى وتأخذ ثم تتصرف فيه والربح بيننا كان فاسدًا وللعامل أجر المثل في التقاضي والتصرف بعد الأخذ والربح والخسران للأمر وإنما بطل، لأنه شرط عليه عملًا سوى عمل القراض والفرق بين هذه المسألة وبين التي قبلها حيث قلنا: الربح والخسران هناك للعامل أن هناك قبضه من نفسه فاسد لأنه يصير مبرئًا لنفسه بنفسه فعاد الربح إليه لحدوثه من ملكه وها هنا وكيلٌ فيه لرب المال وكان الربح له، ولو كانت المسألة بحالها ولم يشترط عليه أن يقبض بل قال: أنا أقبض وأسلم إليك لم يجز أيضًا لأن رأس المال في القراض يجب أن لا يكون دينًا بل يكون عينًا، ثم إن تبرع العامل بقبضه من فلان وتصرف كان له أجر مثل التصرف دون الأخذ والتقاضي، ولو قال: إذا قبضته فقد قارضتك عليه فهو أفسد لأنه على العقد يحظر غير أنه إذا فعل لا يجب له أجرة القبض والتقاضي لأنه شيء قبل القراض وعلى هذا لو قال: يعني هذه السلعة وخذ ثمنها واجعله قراضًا لم يصح. فرع آخر لو قال: قارضتك على ألف درهم وكان له على رجل ألف درهم ثم قال للذي عليه

стр. 3268

الألف: احمل إليه صح، لأنه لا فرق بين أن يعطيه بنفسه وبين أن يأمر غيره ليعطيه. فرع آخر لو قارضه على مالٍ [١١٣/ أ] مجهول المقدار لم يجز لأنه لا يمكن عزل رأس المال عند المفاصلة، وقال أبو حنيفة: يجوز والقول قول العامل في قدره قال: ولو أقام كل واحٍد منهما بينة على القدر فبينة رب المال أولى لأنه خارج. فرع آخر لو دفع إليه كيسين في كل واحٍد ألف درهم على أن يكون أحد الألفين قراضَا، والثاني: وديعة فيه وجهان أحدهما: يجوز ويكون قراضًا صحيحًا لأنه معقود على ألف درهم معلوم لتساوي الألفين، والثاني: لا يجوز للجهل بمال القراض من مال الوديعة. فرع آخر ينعقد القراض بلفظ القراض ويلفظ المضاربة وبما يؤدي معناه لأن المقصود هو المعنى فجاز بما دل عليه كالبيع يجوز يلفظ التمليك. فرع آخر لا يجوز إذا كان مال القراض دراهم أن يشتري بالدنانير لأن الشراء بغير مال القراض خارجٌ عن القراض ويكون الشراء للعامل، ولكن يجوز إذا كان المال دراهم وكان الشراء بالدنانير أوفق أن يبيع الدراهم بالدنانير ثم يشتري حينئذ بالدنانير. مسألة: قال: "وإن قارضة وجعل رب المال معه غلامه". الفصل وهذا كما قال: إذا قارض مع رجل وشرط رب المال معه غلامه على أن ما رزق الله تعالى من الربح يكون بينه وبين العامل والغلام أثلاثًا نص الشافعي على جوازه وبه قال أبو حنيفة، واختلف أصحابنا في تأويل هذه المسألة فمنهم من قال: أراد شرط لعبده ثلث الربح ولم يشترط عمله مع العامل لأن من شرط القراض أن يكون العمل من واحد والمال من آخر، ولا يجوز أن يشترط رب المال عمل نفسه وعمل عبده منزلة عمله فلا يجوز اشتراطه فإذا كان كذلك فما شرطه للعبد يكون للسيد لأن العبد لا يملك شيئٍا فكأنه شرط لنفسه ثلثي الربح وللعامل الثلث وهو الطاهر من كلام الشافعي ها هنا وفي "الأم" لأنه لم يشترط عمل العامل فيها ولم يذكره بوجٍه وهذا هو الصحيح هكذا ذكره [١١٣/ ب] القاضي أبو حامد والقاضي الطبري. وقال أبو إسحاق وابن سريج وجمهور أصحابنا: أراد به شرط عمل الغلام معه ليكون عونًا له على تصرفه ويكون عمل العبد تابعًا للعامل يرجع إليه ويعمل برأيه وتدبيره فيدخل على طريق التبع ويخالف أن يشترط عمل رب المال لأنه لا يجوز أن يدخل تابعا للعامل في تدبيره وماله.

стр. 3269

فرع لو شرط أن يكون المال في يد غلامه أو يعمل برأيه لا يجوز لأنه لم يتكامل تسليط العامل على المال، وكذلك لو قال: أنا أحفظ المال وكلما اشتريت أديت الثمن من عندي لا يجوز، وقال في "الحاوي": إذا قال: المال بيدي أو مع وكيلي فأنت المتصرف فيه بالبيع والشراء فيه وجهان أحدهما: لا يجوز لما ذكرنا، والثاني: يجوز لأنه مطلق للتصرف في للعقود فجاز أن يستوثق بغيره في حفظ المال. فرع آخر لو جعل عليه مشرفًا فإن ردَّ إلى المشرف تدبيرًا أو عملًا لا يجوز لأن العامل فيه محجور عليه، وإن ردَّ إليه مشارفة عقوده ومطالعة عمله من غير تدبير ولا عمل فيه وجهان كما مضى لأنه حافظ. فرع آخر قال ابن سريج تفريعًا على مسألة العبد: لو دفع إليه ألفًا قراضًا وبهيمة يستعين بها في ركوبه وينقل المتاع عليها جاز ويكون على سبيل الإعانة منه له، وكذلك لو دفع إليه مالًا في كيسٍ وقال: انتفع بالكبس جاز. فرع آخر لو شرط لنفسه ثلث الربح والثلث للعامل والثلث لغلام العامل جاز ويكون الثلثان للعامل. فرع آخر لو قال: ثلث الربح لي، وثلث لدابتي، وثلث لك فيه وجهان أحدهما: لا يجوز، والثاني: إن تقارا أنه أراد لنفسه وأضاف إلى دابته يجوز. فرع آخر لو شرط ثلث الربح لأجنبي كزوجة رب المال أو صديقه أو مكاتبه نظر، فإن شرط عمل الأجنبي مع العامل جاز وصار كأنه قارض مع نفسين، وإن لم يشترط عمل الأجنبي لم بجز لآن الربح في القراض [١١٤/ أ] يستحق لمالٍ أو عملٍ وهذا خارج عنهما. فرع آخر لو قال: الثلث لي والثلثان لك وتدفع الثلث إلى امرأتك أو إلى فلان فإن أوجب ذلك عليه كانت المضاربة فاسدة قياسًا على ما قال الشافعي فيمن اشترى شيئًا على أن يهب بعضه كان الشرط باطلًا، وإن لم يوجب ذلك عليه إلا أنه جعل للعامل ثلثي الربح

стр. 3270

على أن يعطي هو امرأته النصف كانت المضاربة جائزة وثلثا الربح للعامل فإن شاء أعطى امرأته، وإن شاء منعها قياسًا على ما قال الشافعي في كتاب الصداق: إذا نكحها على ألفين على أن تعطى إياها ألفًا جاز والألفان لها ولها الخيار في أن تعطى أباها هبة أو تمنعه. مسألة: قال:"ولا يجوز أن يقارضة إلى مدة من المدّدِ". وهذا كما قال: اختلف أصحابنا في معنى هذه المسألة فمنهم من قال: معناه إذا قال: قارضتك إلى سنٍة على أن لا يجوز لواحٍد منهما فسخه والرجوع فيه في أثناء السنة لا يجوز لأن موضوع هذا العقد على أنه جائَّز يفسخ متى شاء، فإذا شرط خلاف موضوعه بطل، ومنهم من قال: معناه إذا قال: قارضتك إلى سنة فإذا مضت السنة لا يجوز لك أن تتصرف فيه بالبيع والشراء فهذا لا يجوز خلافًا لأبي حنيفة وهذا لأنا إذا منعناه من البيع منعناه من حقه من الربح لأن الربح لا يظهر إلا بالبيع ويخالف المساقاة تجوز مع ضرب المدة لأنها بالإجارات أشبه، ولهذا كانت لازمة ولا يجوز مطلقًا بخلاف انقراض ولأن هذا شرط ليس من مصلحة العقد ولا له فيه منفعة فيفسد، ولو قال: قارضتك إلى سنة فإذا انقضت السنة، فإن كان في يدك متاع فبعه، وإن كان في يدك ناض فلا تشتر شيئًا كان جائزًا لأن هذا مقتضى عقد القراض وحكي أبو الطيب الساوي فيما علقه من الزيادات على الشرح عن أبي إسحاق: يبطل القراض ها هنا لأنه عقد عقدًا وشرط حله فهو كما لو تزوجها على أن يطلقها وليس بشيء لما ذكرنا [١١٤/ ب] وإن أراد أن ابتداء العقد يكون بعد مضى شهر لا يجوز لأنه علق العقد بمضي وقٍت. فرع لو قال: خذ هذا المال قراضًا ما أقام العسكر أو إلى قدوم الحاج فإن شرط لزومه في هذه المدة كان باطلًا، وإن شرط فسخه بعدها في الشراء دون البيع فيه وجهان أحدهما: يجوز لأن لهما ذلك كما لو قال: إلى شهر على هذا المعنى، والثاني: لا يجوز لأن لجهالة المدة قسطًا من الغرر وتأثيًرا في الفسخ. الفصل مسألة: قال:" ولا أنْ يشترط أحدهما على صاحبه درهمًا ينفردْ به". الفصل وهذا كما قال: إذا قال: قارضتك في هذا المال على أن ما رزق الله تعالى من الربح يكون لي منه درهم وما بقي يكون بيننا نصفين لم يجز، لأنه يجوز أن يكون جمع الربح درهمًا واحدًا فيؤدي إلى أن ينفرد بالربح، وكذلك لو قال: الدرهم لك والباقي بيننا، ولو قال: الثلث لي والباقي بيننا نصفين جاز لأن الأجزاء معلومة وتقديره الثلثان

стр. 3271

لي والثلث لك، ولو شرط رب المال على العامل أن يوليه سلعًا وصفها لا يجوز. والتولية أن تدفع السلعة التي اشتراها إليه بالثمن الذي اشتراها به وهذا لأنه يجوز أن يكون الربح في هذه السلعة فيؤدي إلى انفراده بجمع الربح، ولو قال: قارضتك في هذا المال على أنك إذا اشتريت ما يصلح لكسوتي من العمامة أو الطيلسان أو غير ذلك أعطيتني حتى ألبسه في جدَّته ثم أرده عليك فلا يجوز لأنه يجوز أن يكون فيها من الربح مقدار استعماله ولبسه ليؤدي إلى انفراده بجميع الربح، وكذلك لو شرطا أن يرتفقا معًا لا يجوز أيضًا وصور الشافعي المسألة إذا شرط أحدهما: لأنه أظهر الأحوال، ولو شرط أن لا يشتري إلا من فلانٍ بعينه لا يجوز لأنه يجوز أن لا يبيعه فلان أو يغالبه في الثمن أو تنقطع السلعة عنده فيكون الشرط مانعًا من طلب الربح في مال القراض فلم يصح وبه [١١٥/ أ] قال مالك. وقال أبو حنيفة: يجوز لأنه يجوز في نوٍع خاٍص وكذلك في رجلي خاص وهذا غلط لما ذكرنا، وحكي عن الماسرجسي أنه قال: إن كان هذا الفلان بيعًا يكثر المتاع عنده ويحمل التجار عنه ولا ينقطع المتاع عنده في العادة يجوز لأن الطاهر أنه يتمكن من طلب الربح والفضل فيه ولا أعرف هذا لغيره من أصحابنا، وقال القاضي الطبري: هذا الذي قاله صحيح، ولو شرط أن لا يتجر إلا في سلعة واحدة بعينها كان باطلًا خلافًا لأبي حنيفة وهذا لأن صاحبها ربما لم يبعها، وإذا باعها واشتراها ثم باعها لا يمكنه شراءها منه فلا يمكنه التصرف وطلب الربح من جهته. فرع لو شرط أن يتجر في صنٍف مخصوٍص من المال لا ينقطع في الشتاء والصيف مثل الدقيق والطعام والتمر والثياب جاز لأنه قد يحسن التجارة في هذا الصنف دون غيره، ولو شرط أن يتجر في نوع يوجد في بعض السنة مثل الرطب أو الخيار أو البطيخ ونحو ذلك يجوز وهو اختيار أبي حامد وهو الأصح لأنه عام الوجود في وقته فهو بمنزلة سائر السلع وتعلقه بمدة لا يضر لأنا بينا أن تعليق عقد القراض بمدة جائز إذا لم يكن ممنوعًا من بيع المتاع الحاصل في يده، ومن أصحابنا من قال: لا يجوز لأن الشافعي اشترط بقاؤه في الصيف والشتاء ولأنه يصير بمنزلة العقد المطلق بمدٍة فلا يجوز وهذا اختبار القفال قال: لا يجوز إلا أن يقول: تتصرف في الرطب في وقته ماذا انقضى وقته تنصرف في كذا فيجوز حينئذ. وقال في "الحاوي": إن قارضه فيه في غير أوانه لم يجز، وإن قارضه في أوانه جاز، ثم إذا انقطع فيه وجهان أحدهما: بطل بانقطاعها، والثاني: بقي على حاله في كل عاٍم أتت فيه تلك الثمرة فيتجر فيها بالعقد الأول.

стр. 3272

فرع آخر لو كان القراض في نوع موجود في كل الزمان فانقض في بعض الزمان نقلته أو عزته فالقراض على حاله وجهًا [١١٥/ ب] واحدًا، وكذلك إن انقطع لجائحٍة لأن العقد قد كان ممكن الاستدامة. فرع آخر لو أذن في جنٍس لا يعم وجوده كلحم الصيود ببغداد ونحو ذلك مما يوجد نادرًا فالقرار باطل، وكذلك لو أذن في العود الرطب أو الياقوت الأحمر أو الخيل البلق أو العبيد الخصيان لا يجوز سواء وجده أو لا لأنه كان على غير ثقٍة من وجوده إلا أن يكون في مكان يوجد ذلك فيه غالبًا فيجوز. فرع آخر لو قال: اتجر في البز له أن يتجر في القطن والكتان والإبريسم والصوف الملبوس، ولا يجوز أن يتجر في البسط والفرش، وهل يجوز أن يتجر في الإنبات والأكسية؟ وجهان أحدهما: يجوز لأنها ملبوسة، والثاني: لا يجوز لخروجها عن اسم البز عرفًا ولا يقال لبائعه: بزازًا بل يقال: كسائي. فرع آخر لو أذن له أن يتجر في الطعام اقتصر على الحنطة، وقال محمد: يجوز في الدقيق أيضًا. فرع آخر قال أبو حنيفة: لو قال: خذه على أن تنجر به في الحنطة لم يجز في غيرها، ولو قال: خذه والجر به في الحنطة جاز أن يتجر به في غيرها لأنه مشورة منه وعندنا هما سواء لأنه في الحالين غير آذٍن فيما سوى الحنطة. فرع آخر لو قال: قارضتك على هذا المال لتشتري به نخيلًا أو دواب وتحبس وفاءها وما تحصل من الثمن أو النتاج يكون بيننا نصفين لا يجوز، لأن عقل القراض موضوع على طلب الريح بالتصرف من البيع والشراء والثمرة والنتاج نماءً يحمل من غير التصرف وكان مخالفًا لعقد القرار فلا يجوز، وكذلك لو قال: اشتر عقارًا للأجرة لا يجوز. فرع آخر ل ودفع إليه ألفين مختلطين فقال: اعمل فيهما على أن يكون لي ربح أحد الألفين ولك ربح الألف الآخر فالقراض فاسد، قال أبو ثور: يصح وهو قول أبي حنيفة لأنه لا فرق بين أن يشترط [١١٦/ أ] نصف ربح المال وبين أن يشترط ربح نصف المال وهذا غلط لما ذكرنا أن من شأن القراض أن يشترك رب المال والعامل في ربح جميعه، وقد

стр. 3273

شرط ها هنا أن ينفرد كل واحد بربح بعضه كما لو كان الألفان متميزين. فرع آخر: لو أبضع رب المال عامله في مال القراض بضاعة لنفسه يختص بربحها جاز، وقال مالك: لا يجوز، وإن كان من غير شرط لأنه كالمعمول عليه بالشرط وهذا خطأ لأنه تطوع كما لو أبضعه شراء ثوٍب يكتسبه أو طعام يقتاته. فرع آخر إذا كان القراض فاسدًا فتصرف فيه فربح أو خسر فالربح لرب المال والخسران عليه وللعامل أجر مثله لأنه لم يشرع في العسل متبرعًا، ولا فرق بين أن يكون أجر مثله مثل المشروط أو أقل منه أو أكثر لأن الفساد الواقع في أصل العقد يوجب الرجوع إلى المثل قليلًا أو كثيرًا وهذا الربح يطيب لرب المال لأن الفساد وجد في أصل العقد لا في العقود التي باشرها العامل، وقال مالك: إن كان في المال ربح له الأجرة، وإن لم يكن ربح فلا أجرة له وهذا غلط لأن عمل العامل كان في مقابلة المسمى فإذا لم تصح التسمية وجب رد عمله عليه وذلك غير ممكن فيلزم له أجرة المثل كما في الإجارة الفاسدة، وحكي أصحاب مالك عنه أن له قراض المثل يعني يجب له ما تقارض به مثله وهذا غير مشهور. مسألة: قال: "ولو سافر بمال القراض كان له أن يكتري". الفصل وهذا كما قال: إذا تصرف في مال القرار لم يخل من أحد أمرين إما أن يتجر فيه حضرًا أو سفرًا فإن اتجر حضرًا فعليه أن يعمل بنفسه ما جرت العادة أن يعمله رب المال في ماله من شراء الثوب وطيّه وتقليبه على من يشتريه [١١٦/ ب] وعقد البيع وقبض الثمن وشد الكيس وختمه، وما لم لجر عادته به كان أن يستأجر من يعمله كالنّداء على الأمتعة ونقل الأمتعة من مكان إلى مكان لأن ذلك من مصالحه، وما لا بد منه في ثمنه وطلب فضله فإن خالف العادة وعمل بنفسه ما كان له أن يستأجر له فلا أجرة له على عمله فيه، وإن لم يعمل بنفسه ما يلزمه بل استأجر من ينوب عنه فعليه ضمان الأجرة وعلى هذا الذي ذكرنا أجرة الوزّان في مال انقراض فيما يثقل وفيما يخف كالعود والمسك على العامل أن يزنه بنفسه لأن عادة التجار به جارية، وأما نفقته على نفسه من المأكول والمشروب والملموس والمركوب ففي خاص ماله لا في مال القراض، فإن خالف فأنفق منه شيئًا فقد تعدى وعليه الضمان وإن شرط أن تكون هذه المؤن من حصته أو المؤن التي ذكرنا أنها من المال تكون من حصة العامل لا يجوز لجواز أن لا يبقى من الربح إلا بقدر ما يذهب في المؤن. وإن كانت التجارة في السفر

стр. 3274

فاعلم أولًا أنه ليس له أن يسافر بالمال بغير إذن رب المال كما قلنا في الوديعة. وقال أبو حنيفة: له أن يسافر به، وقال أبو يوسف: له أن يسافر به إلى حيث لا يلزمه إليه مؤونة وهذا غلط لأن الغالب من السفر الخوف فلا يجوز ذلك، فإن سافر من غير إذنه ضمن، وإن سافر بإذن مالكه فكل ما يعمله رب المال بنفسه في ماله إذا سافر فعليه أن يعمله بنفسه مثل الإشراف على رفع المتاع وجمعه في مكاٍن واحٍد وإحرازه وليس عليه أن يلي الرفع والحط بنفسه ولا نقله من مكاني إلى مكاٍن بل يستأجر من يلي عنه هذا فإن خالف [١١٧/ أ] فالحكم ما ذكرنا في الحضر. وأما نفقته على نفسه من اللباس والمركوب والمأكول والمشروب نقل المزني: وله النفقة بالمعروف، وروى البويطي عن الشافعي أنه قالب وليس للعامل أن يأكل ولا يكتسي من مال القراض في سفر ولا حضر إلا بإذن صاحبه، واختلف أصحابنا فيه قال أبو إسحاق: المذهب ما نقله البويطي أنه ليس له أن ينفق على نفسه من مال المضاربة، ولا نعلم للشافعي في قديم ولا جديد أنه ينفق على نفسه وقوله ها هنا له النفقة بالمعروف أراد به المؤن التي ذكرناها من كراء الجمل والرفع وكراء البيت الذي يحفظ فيه وبه قال أكثر أصحابنا، ومن أصحابنا من قالب فيه قولان: أحدهما: هذا لأنه ربما لم يكن الربح إلا مقدار نفقته فيؤدي إلى الاسترداد بالربح ولأنه استحق نصيبه من الربح بالعمل فلا يستحق شيئًا آخر. والثاني: له أن ينفق على نفسه من مال القراض وبه قال مالك وأبو حنيفة لأنه سافر لأجل هذا المال فوجب أن تكون نفقته منه كما نقول في كراء الجمل والبيت الذي يحفظ فيه المال ونحو ذلك، وهذه الطريقة اختارها أبو حامد وجماعة وهذا ظاهر ما نقل المزني ولا يجوز تأويله بما فكره أبو إسحاق لأن ذلك لا يسمى نفقة بل يسمى كراء، فإذا قلنا: له النفقة اختلف أصحابنا فيها فمنهم من قال: ينفق جميع ما يحتاج إليه من نفقة الحضر والسفر، ومنهم من قال: ينفق ما زاد بالسفر وأما ما يحتاج إليه من نفقة الحضر فلا تأثير للمال فيها فتجب نفقة مركوبه في سفره وملبوسه المختص بالسفر ونحو ذلك وبه قال مالك وأبو حنيفة وهذا أصح. وحكي عن مالك أنه قال: له أن ينفق منه ما جرت العادة بمثله لأهل الأسواق وذلك أن يتغذى ولا يرجع للغذاء إلى بينه ويعطي السقاء قطعة ونحو ذلك ويجوز لم ذلك في الحضر أيضًا وعلى هذا هل يجب أن يجب أن يكون مقدار ما ينفق معلوما مشروطًا [١١٧/ ب] في عقد القراض؟ قولان: أحدهما: يجب أن يكون مقدار ما ينفق معلومًا مشروطًا في عقد القراض لأن تقديرها أدفع للجهالة. قال المزني في "الجامع الكبير": والذي أحفظ أنه لا يجوز القراض إلا على نفقة معلومة في كل يوم وثمن ما يشتريه ليلبسه في عمله. والثاني: لا تتقدر لأنه قال ها هنا: وله النفقة بالمعروف ولم تتقدر، وقال ابن سريج: قدير النفقة ضعيف، وقال أبو إسحاق: تقديرها يتعذر وهو ضعيف جدا لأن

стр. 3275

الأسعار تختلف تقل وتكثر والاحتياط للمال أن لا تقدر فإنه إن فضل شيء عن نفقة الرخص استرد به العامل، وقال أبو حامد: لا يلتفت إلى ما حكاه في "الكبير" ولعله خلاف الإجماع وهذا لأنها مؤونة في مال انقراض فلا تتقدر. فرع لا يلزم فيها أجرة الحمام والحجّام ولا ثمن الدواء، وقال أبو حنيفة: له في نفقته أجرة حمامه وحجامه وما احتاج إليه من دوايه وما قرب من شهواته وهذا غلط لأن نفقة الزوجات أكد منها ولا يلزم في مال القراض كذلك هذا، ولأن ذلك لا يختص بسفره ولا بعمله كصداق زوجته. فرع آخر لو أقام في سفره مدة انتظار بقع مال القراض وقبض ثمنه فهو كما لو كان في سفره. فرع آخر إذا أراد المفاصلة فكل ما حصل في يده من آلة السفر والثياب والكسوة مثل الكساء والسفرة ونحو ذلك ردها إلى المال وباعها كلها، وقال القاضي الطبري: رأيت في كتاب "التهذيب" لابن القفال يقول: في رد الكسوة وجهان كما نقول في كسوة المعدة على الزوج إذا انقضت العدة هل يلزم الرد؟ قولان. فرع آخر لو ادعى العامل قدر النفقة وخالفه رب المال فالقول قول العامل إذا كان محتملًا، وفيه وجه آخر القول قول رب المال وهو من اختلاف الوجهين في ادعاء العامل رد المال على ربه. فرع آخر [١١٨/ أ] لو سافر من غير إذنه وتصرف ني ذلك البلد صح تصرفه إذا لم ينتقص ثمن ما بيع لاختلاف أسعار البلدين، فإن انتقل إلى بلد رخص بأقل مما كان في بلده لا يجوز. فرع آخر لو كان معه في السفر ماله مع مال انقراض فإن قلنا: لا ينفق من مال انقراض كانت نفقته من خالص ماله، وإن قلنا: تلزم نفقته من مال القراض أنفق ها هنا من المالين بالحصة، فإن قلنا: تلزم كل النفقة كانت على قدر المالين، وإن قلنا: تلزم قدر الزيادة للسفر يلزم قدر الزيادة على الماليين بالحصة. فرع آخر لو سافر بإذن رب المال فاجتمع رب المال والعامل فوجده وقد نضّ نأخذه رب المال عنه هناك فهل على رب المال نفقة الرجوع إلى البلد للعامل؟ نصَّ في أمالي

стр. 3276

حرملة على قولين أحدهما: له مطالبته بها لأنه إنما سافر بإذنه ليذهب ويرجع إلى بلده، والثاني: لا نفقة له لرجوعه لأن عقد القراض قد زال فأشبه إذا مات العامل لا يجب على رب المال دفنه وهذا مبني على ما مبنى فإن قلنا: ينفق لذهابه ينفق لرجوعه أيضًا، وإن قلنا: لا ينفق لذهابه لا ينفق لرجوعه. واعلم أن الشافعي رحمة الله عليه صوَّر جواز استئجار الأجير في حالة السفر دون حالة الإقامة، وقد بينا أنه لا فرق فيما لا يعمل بنفسه في العادة وإنما صوَّر في حالة السفر لأن الحاجة إلى الأعوان أكثر هناك وهي أظهر الحالتين. مسألة: قال: " وإن اشترى وباع بالدَّين فضامن". الفصل وهذا كما قال: إذا اشترى المضارب معيبًا له الرد بالعيب لأن رب المال فوض إليه الاجتهاد وإقامة مقام نفسه وهذا إذا كان الخط في الرد، فإن كان فيها مع العيب فضل وربح ظاهر ليس للعامل أن يرد ولا لرب المال أن يرد أيضًا لأن لكل واحٍد منهما حقًا، فإن اجتمعا على الرد جاز لأن الحق لهما وإن اختلفا في للنظر نظر الحاكم فيما فيه الحظ والنظر وقد بينا في كتاب الوكالة أن له أن يشتري المعيب بخلاف الوكيل وذكرنا [١١٨/ ب] الفرق بينهما. مسألة: قال: "وإنِ اشترى وباع بالدَّين فضامن." الفصل وهذا كما قال: إذا نص رب المال للعامل على صفة للتصرف فقال: بع بثمن مثله وبأقل وبأكثر نقدًا أو نساءً بنقد البلد وبغير نقده كان له ما نص عليه، وإن أطلق فلا يجوز إلا بثمن المثل نقدًا بنقد البلد كما قلنا في الوكيل خلافًا لأبي حنيفة. فرع لو خالف ما ذكرنا لا يخلو إما أن يمنع بدين أو يشتري بدين فإن باع بدين كان باطلًا فإن سلم السلعة إلى للمشتري صار ضامنًا لها، فإن كانت باقية أخذها، وإن كانت تالفة رجع إليه بقيمتها وله تضمين العامل والمشتري واستقرار الضمان على المشتري، وإن اشترى وهو أن يسلم في طعام أو ثياب لا يخلو إما أن يكون بعين مال انقراض أو في الذمة بشرط أن يوفي الثمن من مال انقراض أو في الذمة مطلقًا، فإن كان بعين مال انقراض فالشراء باطل ولا يجوز له تسليمه إليه فإن سلمه استرجعه على ما بيناه، وإن كان في الذمة بشرط أن بوفيه الثمن من مال انقراض فالشراء باطل كما لو عينه، وإن كان في الذمة مطلقة يلزمه الشراء ويوفر الثمن من مال نفسه ولا يقبل قوله أنه كان اشتراها بمال انقراض فان فيه إفساد البيع على البائع وذلك لا يقبل منه، وإن ذكر أنه

стр. 3277

يشتريه لرب المال فيه وجهان واختار أبو إسحاق أنه يصح الشراء للعامل لأن الشراء يصح أم يقع له فإذا سمى فيه غيره بغير إذنه بطلت التسمية ووقع له بخلاف البيع لأنه لا يصح أن يقع له، والأقيس أنه يبطل ولا ينقذ على العامل أيضًا لأنه عين الشراء له فلا ينصرف إلى غيره. فرع آخر لو باع بدون ثمن المثل وكان الغبن في العادة عشرة في مائة فباع بخمسين وتلف فإن طالب المشتري يطالبه بكل القيمة، وإن طالب العامل فيه قولان أحدهما: يطالبه بكل القيمة، والثاني: يطالبه بما انحطَّ عما لا يتغابن الناس بمثله وهو التسعون لأنه هو الذي تعدى [١١٩/ أ] فيه ويضمن الباقي للمشتري وقد ذكرنا نظيره في الرهن. فرع آخر لو نهاه عن البيع والشراء بالتقدم لا يلزم العامل لما فيه من التغرير بخلاف الوكيل وصار عقد القراض باطلًا بهذا الشرط. فرع آخر لو قال للعامل: اعمل فيه برأيك لم يجز له أن ينصرف نساء لأن عمله برأيه ينصرف إلى تدبيره واجتهاده في وفور الأرباح والتماس النماء دون المساء نص عليه في "الأم" قال أصحابنا: وكذلك لو قال: اصنع ما شنئت، وافعل ما ترى كان كالمطلق. فرع آخر لا يجوز له مع إذن النَّساء أن يشتري ويبيح سلمًا لأن عقد السلم أكثر غررًا من النَّساء في الأعيان، فإن أذن له في الشراء سلمًا جاز، وإن أذن له في البيع سلمًا لم يجز، والفرق بينهما أن وجود الحظ غالبة في الشراء وعدمه في البيع والمقصود منه طلب الحظ. فرع آخر لو قارضه على ماٍل وأذن له في الشراء بالّنساء لم يكن له أن نشتري شيئًا بأكثر من مال القراض قدرًا لأن ما زاد عليه خارج منه. مسألة: قال: "وهو مُصَدَق في ذهاٍب المالِ مع يمينه". وهذا كما قال: العامل أمين في المال الذي في يده فإن تلف من غير تفريط لا ضمان عليه، وإن ادعى التلف فالقول قوله إذا احتمل وإن لم يحتمل مثل أن يدعي قطع الطريق ولم يعرف في ذلك السفر قطع أو قال: خسرت خمسمائة من جملة الألف في ساعة واحدة بعد قبض المال لا يقبل، وهل يصدق في دعوى رد المال؟ قد ذكرنا فيما مضى والصحيح أنه يقبل لأن معظم المنفعة فيه لرب المال فهو كالوديعة. واعلم أن

стр. 3278

الشافعي عطف هذا على ما تقدم فضامن إلا أن يأذن له فإذا صار ضامنًا ثم ادعى التلف لم يكن مصدقًا فنقول: لم يقصد رد العطف إلى هذا الفصل على التخصيص بل رده إلى أصل الكتاب فبَّين أن العامل في الأصل أمين كسائر الأمناء. مسألة: قال: "وإنِ اشترى منْ يعتقٌ على رب المالِ". الفصل وهذا كما قال: إذا اشترى العامل أبا [١١٩/ ب] رب المال لا يخلو من أحد أمرين إما أن يكون اشتراه بعين مال القراض، أو اشتراه في الذمة للقراض، فإن اشتراه بعين مال القراض فالشراء باطل لأنه اشترى ما لم يتناوله إذن رب المال لأنه إنما أذن له في شراء ما يجوز له التصرف فيه وطلب الربح من جهته وهذا لا يمكن في هذا العبد لأنه يعتق على ابنه ويحل ذلك محل ما لو أذن له في صنفي من المال فاشترى غيره بعين مال انقراض كان الشراء باطلًا لأن إذنه لم يتناوله فكذلك ها هنا. وإن اشتراه في الذمة كان الشراء له ولزمه ثمنه من سائر ماله فإن نفذ مال القراض ضمن هذا إذا اشتراه من غير إذن رب المال، فإن اشتراه بإذنه لا يخلو من أحد أمرين إما أن يكون في المال فضل أو لا فضل فيه، فإن لم يكن فيه فضل عتق العبد ونظر فيه فإن لم يستغرق جميع مال انقراض انفسخ انقراض في مقداره وصح في الباقي وإن استغرق جميع مال القراض فإن عقد القراض ينفسخ في الجميع، وإن كان في المال فضل كان العتق من رأس المال ويكون بمنزلة ما لو أخذ يعصى المال كان من رأس المال فإن لم يستغرق جمع رأس المال انفسخ القرار قي مقداره وبقي الباقي صحيحًا والربح يكون بينهما، وإن استغرق مقدار رأس المال انفسخ انقراض واقتسما الربح بينهما، وإن استغرق جمع رأس المال والربح. فإن قلنا: العامل لا يملك شيئًا من الربح فقد عتق العبد لأن جمع المال كان على ملك رب المال وإن قلنا: العامل يملك حصته من الربح، فان كان علم أنه أبوه فاشتراه عتق جميعه عليه لأنه اشتراه لأجله، وإذا اشترى الإنسان بماله لغيره أباه بإذنه عتق عليه كذلك ها هنا، وإن كان لم يعلم بأنه أبوه واشتراه بإذنه يعتق عليه بمقدار ملك رب المال منه وما هو ملك للعامل لا يعتق إلا أن يكون لرب المال مال غيره فنقوّمه عليه ونعتقد بالقيمة، ولو لم يكن في المال ربح ولكنه لما اشترى العبد بالألف كان يساوي ألفين في الحال فالحكم [١٢٠/ أ] هكذا. وقال في "الحاوي": هل يكون عقد ابتياعه داخلة في عقد قراضه أم لا؟ فيه وجهان أحدهما: قاله أبو حامد: أنه داخلٌ فيه وإنما خرج منه بعد العنق بحكم الشرع فعلى هذا إن لم يكن في ثمنه فضل لو كان على رقه فلا شيء للعامل فيه، وإن كان فيه

стр. 3279

فضل رجع العامل على رب المال بقدر حصته من فضله، والثاني: وهو الصحيح أنه غير داخل في عقد قراضه لخروجه عن حكمه فعلى هذا يكون للعامل في شرائه أجرة مثله سواء كان في ثمنه فضل أو لم يكن لأنه دخل في شرائه على عوني منه فصار كالمشتري فرق بين القرار الفاسد، ولو اشترى العبد المأذون له في التجارة أبا سيده لا يخلو من ثلاثة أحوال إما أن يكون أذن له فيه، أو نهاه، أو أطلق الإذن في التصرف، فإن كان أذن له في شراء أبيه صح الشراء وعتق الأب عليه وإن نهاه عنه فاشتراه لا يصح الشراء قولًا واحدًا، وإن كان قد أطلق له الإذن فيه قولان: أحدهما: يجوز، والثاني: لا يجوز نص عليهما في كتاب الدعوى والبينات ونص ها هنا أنه يجوز قال أبو إسحاق: ولا فرق بين أن يكون الشراء في الذمة أو بعين المال، وجه الأول أن العبد لا يشتري لنفسه وإنما يشتري لسيده فحسب فإذا أطلق الإذن كان إذنًا في جميع ما يصح شراؤه فإذا لم يستثن أباه كان إذنًا في شرائه وشراء غيره ويخالف العامل فإنه يشتري لنفسه ولرب المال لأجل انقراض فلم يحتج رب المال معه إلى استثناء ما يؤدي إلى تلف ماله، فإن اشترت ما يحل له التصرف فيه وإلا كان الشراء لازمًا له والعبد المأذون له في التجارة لا ذمة له ولا يشتري إلا لسيده، فإذا لم يستثن ما يؤدي إلى عتقه عليه كان الإذن المطلق متناولًا له. ووجه القول الثاني وهو الأصح، واختاره المزني أن إذنه تناول شراء ما يحل له التصرف فيه فلا يتناول من يعتق عليه كالعامل في القراض. وقد قال المزني: لأنه لا ذمة له وهو غير مستقيم لأن للعبد ذمة، وإن لم يكن مأذونًا فكيف إذا كان مأذونًا؟ والتعليل [١٢٠/ ب] الصحيح ما ذكرنا وهو معنى قول الشافعي لأنه مخالف ولا مال له أي: ليس كعامل القرار يمكن صرف الشراء إليه لأن له مالًا بخلاف المأذون وهذا إذا لم يكن عليه دين، فإن كان عليه دين من جهة التجارة، فإن كان قد نهاه عن شرائه فالشراء باطل، لأنه لو لم يكن عليه دين كان باطلًا فكيف إذا كان عليه دين، وإن كان قد أطلق الإذن؟ فإن قلنا: إذا لم يكن عليه دين لا يصح فإذا كان عليه دين أولى أن لا يصح. وإن قلنا: هناك يصح فهل يصح الشراء ها هنا؟ قولان: أحدهما: يصح ويباع العبد ولا يعتق، والثاني: يبطل الشراء وهذا أحسن قاله أبو إسحاق، وقال ابن أبي هريرة: وجهان: أحدهما: لا يصح، والثاني: يصح ويعتق ويكون دين الغرماء في ذمة السيد فحصل ثلاثة أوجه أحدها: يبطل الشراء، والثاني: يصح الشراء ولا يعتق، والثالث: يصح ويعتق والدين في ذمة السيد وهذا مثل الراهن إذا أعتق المرهون هل ينفذ؟ قولان. وقال أبو حنيفة: إن لم يكن السيد دفع إليه المال بل أذن له بالتجارة صح الشراء وعتق على مولاه، وإن كان دفع إليه مالًا لم يصح الشراء كما في المضاربة وهذا غلط لأنه إذن مطلق في الشراء فلا يتناول من يعتق على الإذن كما لو دفع إليه المال، وإن أبا نفسه لا يخلو إما أن يكون في المال ربح أم لا، فإن لم يكن فيه ربح

стр. 3280

صح الشراء وملك رب المال لأن العامل وكيل في الشراء له فصح أن يكون وكيلاً في شراء أبيه له فإن بيع هذا العبد قبل أن يظهر في المال ربح فلا كلام، وإن بقى في يده حتى ظهر فيه ربح فهل يعتق على العامل شيء منه؟ فيه قولان بناءً على وقت ملك العامل حصته وفيه قولان فإن قلنا: يملك بالقسمة فلا يعتق شيء منه عليه، وإن قلنا: يملك بالظهور فهل يعتق عليه قدر حصته منه؟ وجهان أحدهما: لا يعتق لأنه لم يستقر ملكه عليه لأنه وقاية للمال، والثاني: يعتق فعلى هذا ينظر، فإن كان العامل موسرا قوم عليه نصيب رب المال وعتق كله بالثمن الذي اشتراه به لا بقيمته، وان كان معسرا عتق نصيبه واستقر الرق [١٢١/ أ] في نصيب رب المال وانفسخ القراض في ذلك القار لأنه قد تبين نصيب العامل منه هكذا قال أصحابنا. وقال في "الحاوي": انفسخ القراض به في جميع المال بكل حال بخلاف ما لو اشترى أب رب المال بإذنه بطل من القراض بقدر ثمنه، والفرق أن أبا رب المال محسوب عليه من وأس المال فبطل من القراض بقدره ولم يبطل جميع عقده وأب العامل محسوب عليه من ربحه فسواء كانت حصته من الربح بقدر ثمنه أو أكثر يبطله لأن أخذ بعض الربح كأخذ كله في الفسخ, وإن كان في المال ربح فإن قلنا: لا يملك الربح بالظهور وهو الذي نص عليه ها هنا أو قلنا: يملك بالظهور ولا يعتق عليه صح الشراء، وان قلنا: يملك ويعتق عليه فهل يصح الشراء؟ وجهان أحدهما: يصح لأنهما شريكان في المال وأحد الشريكين إذا اشترى من يعتق عليه صح شراؤه، والثاني: لا يصح لأنه يؤدي إلى تنجز حق العامل قبل رب المال ولأنه إذا عتق بعضه نقص قيمته فيستضر به رب المال، فإذا قلنا: الشراء باطل, فإن كان بعين المال بطل، وان ك ن في الأمة وقع الملك له دون رب المال ويعتق, وان قلنا: الشراء صحيح عتق قدر نصيبه منه، فإن كان العامل موسراً قوم عليه ما بقي، وان كان معسراً عتق عليه قدر نصيبه واستقر الرق في نصيب رب المال، واختار المزني أنه لا يعتق على القولين معاً واحتج بأنه لا يملك من الربح شيئا إلا بالقسمة مما ذكرنا في كتاب الزكاة فلا نعيده. فرع إذا كان رب المال في القراض امرأة فاشترى العامل زوجها، فإن كان بإذنها صح الشراء وكان القراض بحاله لأنه لا يعتق عليها وينفسخ نكاحها، وان كان بغير إذنها فالمنصوص في "الإملاء" أن الشراء فاسد لأن الإذن يتناول شراء ما لها فيه حظ ولا حظ لها في شراء زوجها لأنها تستضر به في فسخ النكاح وارتفاع حقها من النفقة والكسوة، فهو كما لو اشترى من يعتق على رب المال، ومن أصحابنا من قال: يصح الشراء وبه قال أبو حنيفة [١٢١/ ب] لأنه اشترى ما يمكنه طلب الربح فيه فإن قلنا: لا

стр. 3281

يصح الشراء فالحكم ما ذكرنا إذا اشترى من يعتق على رب المال. مسألة: قال: "ومتى شاءَ ربُّهُ أخذَ مالَهُ قبلَ العملِ وبعدَهُ". وهذا كما قال: عقد القراض عقد جاز غير لازم وأيهما أراد فسخه كان له، فإذا فسخه أحدهما، فإن كان المال ناضاً سلم العامل رأس المال إليه، وإن كان سلعة لم يكن له منع العامل من بيعها لاح فيه ربح أو لم يلح لأنه قد يجد راغبا يزيد في ثمنه اللهم إلا أن يقول رب المال للعامل: أنا أعطيك القيمة بقول المقومين فلا يكون للعامل البيع. وقال في "الحاوي": إذ كان لا يرجو في ثمنه فضلا ولا يأمل ربحاً يمنع من بيعه، وان كان يرجو فضلاً لا يمنعه من بيعه، ولو بذل رب المال له حصته من ربحه ومنعه من بيعه فهل له بيعه؟ وجهاك مخرجان من قوله في السيد إذا بذل قيمة العبد الجاني وامتنع من بيع العبد ولا يفي بالأرش هل له ذلك أم لا؟ وهذا لأنه ربما يزيد راغب في ثمنه فيكون البيع أوفق له من القويم، ولو دعاه رب المال إلى البيع وامتنع، فإذ كان امتناعه لغيره ترك لحقه منه أجبر على بيعه لتنقطع علقته منه، وإن كان امتناعه تركا لحقه منه فيه وجهاك أحدهما: لا يجبر ملى بيعه لأن ذلك يلزم لحقيهما وها هنا يبطل أن يكوك حقاً لهما، والثاني: يجبر على بيعه وهو الأصح لأن رد أمل المال مستحق عليه كما أخذه. فرع لو كان المال ديناً مثل إن كان رب المال أذن له بالبيع ناء فإن على العامل الاقتضاء سواء كان في المال ربح أو لا ربح فيه, وقال أبو حنيفة: إن كان في المال وبح كان عليه أن يقتضيه، فإن لم يكن فيه ربح لا يلزمه ذلك وهذا غلط لأن ذلك مقتضاه رد رأس المال على صفته والدين لا يجري مجرى العين فهو كما لو كان عرضاً يلزمه بيعه. فرع آخر إذا ادعى العامل ظهور الربح في المال وطالبه بالقسمة لم يجبر المالك عليها ما لم [١٢٢/ أ] يعترف بظهور الربح أو يتحاسبا فيظهر لهما الربح, ولا يلزم رب المال أن يحاسبه إلا بعد حضور المال لأنه قد لا يصدق فيما يجبر به من وفوره أو سلامته, فإذا حضر المال تحاسبا فإن ظهر ربح تقاسما. فرع آخر لو رضي رب المال والعامل بالمحاسبة عليه مع غيبة المال عنهما ففي جوازه وجهان أحدهما: يجوز لأنه احتياط لهما تركه. والثاني: لا يجوز وقيل: إن الشافعي نص عليه

стр. 3282

في موضعٍ من كتابه لأنهما يتحاسبان على جهالة فلا يجوز. فرع آخر إذا أراد العامل بيعه يلزمه بيعه في الحال وليس له إمساكه إلى وقت نفاقه، وقال مالك: إن كان بمكة أو ببلد بها موسم له أن يؤخر بيعه إلى وقت الموسم وهذا غلط لأن حقه معجل فلا يجبر على تأخيره. فرع آخر لو تركه العامل إلى رب المال ولا ربح فيه فارتفع السوق وباعه رب المال بربح هل للعامل طلب نصيبه من الربح؟ ظاهر المذهب أنه ليس له ذلك، وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان أحدهما: ليس له ذلك لأنه ترك حقه وإنما ظهر الربح بعده بفعل رب المال وهو البيع، والثاني: له ذلك لأنه ترك حقاً لم يكن حاصلا ثم ظهر وسبب ظهوره شراء العامل فحقه ثابت وعفوه غير نافذ. فرع آخر إذا طلب رب المال أو العامل قسمة الربح مع بقاء عقد القراض وامتنع الآخر لم يجبر عليه لأن لكل واحد منهما غرضا صحيحاً في الامتناع منه لأن رب المال يقول: الربح وقاية لمالي والعامل يقول: لا آمن أن أخر فأحتاج إلى رد ما أخذته، فإن اتفقا على القسمة جاز, فإن خسر بعد ذلك كان على العامل أقل الأمرين من نصف الخسران أو جميع ما أخذه من الربح لأن الربح والخسران حصلا في عقد واحد فجبر أحدهما بالآخر. مسألة: قال: "فإنْ ماتَ ربُّ المالِ صار لوارثِه". الفصل وهذا كما قال: جملته أن القراض يبطل بموت أحد المتقارضين [(١٢٢) / ب] بلا خلاف لأنه عقد جائز فيبطل بالموت كالشركة، ثم لا يخلو إما أن يموت رب المال أو العامل، فإن مات رب المال انفخ وقام وارثه مقامه في المال لأن الملك انتقل إليه، ثم لا يخلو إما أن يختار هو والعامل أن يقيما على الفخ الذي حصل بالموت أو اختار تجديد القراض فإن اختار المقام على ذلك فالحكم فيه كما لو انفسخ بالفسخ، فإن كان المال ناضاً ولم يكن العامل تصرف فيه فهو رأس المال نفسه, وإن كان تصرف فيه فإن حصل ربح فبينهما وان لم يحصل ربح فالكل لرب المال، وان كان عرضاً فللعامل بيعه فإذا باع، فإن لم يكن فيه ربح فهو لرب المال, وان كان ربح فهو بينهما، وان اختار ابتداء القراض نظر، فإن كان المال ناضاً صح لأنه إن لم يكن ربح فهو تقارض على مال له مفرز, وان كان ربح فإنه يقارض على رأس المال ونصيبه من الربح

стр. 3283

فيكون قراضاً على المشاع ويجوز ذلك عندنا، وان كان المال عرضا اختلف أصحابنا فيه قال أبو إسحاق: يجوز لأنه إنما لا يجوز ابتداء القراض على العروض وهذا ليس بابتداءٍ بل هو بناء على أمل القراض الذي عقده رب المال في هذا المال فجاز ذلك ويؤكده أن ملك الوارث في أحكامه مبني على ملك المورث في القديم وفي بعض كتبه الجديد حتى استجاز بناء حول الوارث في الزكاة على حول المورث، فجاز تقرير القراض ها هنا من غير أن يصير المال ناضاً. قال القاضي الطبري: وهذا ظاهر مذهب الشافعي، وقال سائر أصحابنا: وهو اختيار ابن أبي هريرة وأبي حامد وهو القياس لا يجوز ذلك لأن القراض الأول بطل بالموت وهذا ابتداء قراض ثان فلا يجوز بالعرض وما قاله أبو إسحاق ينكسر بما لو دفع مالأ قراضاً فعمل فيه العامل وحصل المال عروضاً ثم تفاسخا القراض ثم أرادا أن يعقدا معه القراض لا يجوز، [(١٢٣) / أ] وان كان مبنياً على ما سبق وقول الشافعي: إن رضي ترك العامل على قراضه أراد إذا كان المال ناضاً، وإن مات العامل انفسخ أيضا ثم إن اختار المالك ووارث العامل ابتداء القراض، فإن كان ناضاً جاز، وان كان عرفا لم يجز بلا خلاف بين أصحابنا بالعراق، والفرق ما ذكره أبو إسحاق وذلك أن وارث رب المال قد ورث المال وخلفه فيه فكان إقراره إياه على المال بمنزلة الاستدامة فجاز على العرض وليس كذلك وارث العامل لأنه لا يرث شيئا فلم يجز أن يقر عليه إلا على الوجه الذي يجوز الابتداء وهو أن يكون ناضاً. وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا جعل الشافعي أحكام الوارث مبنية على أحكام المورث يحتمل أن يقال: يجوز تقرير القراض بين الوارثين بعد موت المتقارضين من غير أن يصير المال ناضاً ذكره الإمام أبو محمد الجويني وهذا غريب, وقال أيضا: قال الشافعي: إذا مات المال فإن رضي ترك المقارض على قراضه وإلا فقد انفسخ قراضه، وظاهره أنه لو أواد وارث المال تقرير العامل على ذلك القراض من غير استئناف عقد كان له ذلك, ثم قال: إذا مات العامل لم يكن لوارثه أن يعمل مكانه فظاهره أنه لا يجوز تقريره على القراض بالعقد الأول، ومعلوم أن القراض من الجانبين عقد جائز فالواجب التسوية بين الموتتين، فإن قلنا في رب المال: إذا مات لا يجب الاستئناف ففي العامل يجب أن نقول مثل ذلك وان قلنا في العامل لا يجوز إلا الاستئناف ففي المالك كذلك فمن أصحابنا من يتأول آخر كلامه على موافقة أوله فنقول: معنى قوله: لم يكن لوارثه أن يعمل إذا لم يرض بعمله رب المال فإن رضي كان له أن يعمل كما قال في موت الملك ووارثه، ومن أصحابنا من يفصل بين الموتتين على ظاهر النصين [(١٢٣) / ب] فقال: يجوز لوارث رب المال تقرير القراض نازلاً في ذلك منزلة أبيه لأن أصل الملك في هذا الجانب فيخلف الوارث مورثه في حق الملك وليس من جانب العامل أصل الملك فافترقا، وأصحابنا بالعراق قالوا: يفتقر إلى تجديد العقا في كلا الموضعين وهو الصحيح، وقال القفال: تقرير المالك الوارث استئناف عقد، وان كان بلفظ التقرير ويجوز ذلك.

стр. 3284

فرع إذا مات رب المال فأذن الورثة للعامل بالمقام على القراض وهم يجهلون قدر المال فيه وجهان مخرجان الأول: لا يجوز لأنه معقود بمال مجهول، والثاني: يجوز لأنه مبتدئ بعقد صحيح ولو مات العامل فأذن رب المال لوارثه بالمقام على القراض وكانا جاهلين بقدر المال لم يجز وجهاً واحداً، والفرق أن المقصود في القراض المال من جهة ربه والعمل من جهة العامل فإذا مات رب المال كان المقصود من الأمرين باقياً فجاز استصحاب العقد المتقدم لبقاء مقصوديه ولم يبطل لحدوث الجهالة فيه وفي موت العامل فقد أحد المقصودين فلا يمكن استصحاب العقد المتقدم فبطل بحدوث الجهالة فيه. فرع آخر قد ذكرنا أنه إذا مات رب المال والمال عروض عند موته يجوز للعامل بيعه من غير إذن الورثة، وإن مات العامل لا يجوز لوارثه أن يبيع العروض قولا واحداً، والفرق أن رب المال رضي بتصرف العامل فثبت ذلك في حق وارثه ولم يرض بتصرف ورثة العامل ولم يأتمنهم على ذلك فلا يجوز لهم أن يتصرفوا فعلى هذا لا يبيع وارث العامل حتى يأذن رب المال به أو يرفعه إلى الحاكم ليأمر ببيعه، وقال بعض أصحابنا: لا فرق بينهما وليس للعامل أن يبيع أيضا بعد موت رب المال ولا يلزم وارث رب المال أن يمكنه من الانفراد [٢٤/ أ] ببيعه ولا يلزم حكم أمانة مورثه، ولهذا لو كان لمورثه وديعة ولم يعلمه المودع فمن، وان كان المالك رضي بأمانته فعلى هذا للوارث أن يمكنه من البيع ويمنعه من قبض الثمن أو يسأل الحاكم أن يأمر من بيعه لأن غرضه تحصيل ربح إن كان فيه دون استحقاقه البيع وهذا حسن. فرع آخر لو كان الوارث صغيراً وبطل القراض بموت مورثه يرفع الأمر إلى القاضي حتى يقيم قيَماً للصبي يقاسمه، وكذلك إن كان الوارث بالغاً ولكن على الميت دين أو وصية لا يترك العامل على القراض الأول بل يقاسم حتى يقضي الدين وينفذ الوصية. فرع آخر لو كان الميت رب المال ولم يجدد القراض تباع جميع الأعيان للمقاسمة من ثياب أو أداة سفرٍ وغير ذلك مما قل أو كثر، وقال مالك: لا يباع الميزان والسفرة والكيل ونحو ذلك وهما للمالك دون العامل وبني ذلك على عادة الناس وهذا غلط لأنها مشتراة بمال القراض فيباع كغير ذلك. مسألة: قال: "وإن قارضَ العاملُ بالمالِ آخرَ بغيرِ إذنِ صاحبه".

стр. 3285

الفصل وهذا كما قال: إذا قارض العامل بمال القراض رجلاً آخر لا يخلو من أحد أمرين، إما أن يكون بإذنه أو بغير إذنه، فإن كان بإذنه كأن رب المال قال له: قارضتك بهذا المال ولك أن تقارض إنساناً آخر فهذا بمنزلة الوكيل فالقراض الثاني صحيح إن لم يشترط لنفسه جزءً من الربح لأن مقتضى القراض أن لا يستحق الربح إلا بالمال أو العمل والعامل الأول لا مال له ولا عمل فلا يجوز له شرط الربح لنفسه, فإن عمل الثاني بعدما شرط العامل الأول لنفسه ربحاً وحصل ربح فكله لرب المال وللعامل أجر مثله، هران كان من غير إذن رب المال فالقراض الثاني فاسد لأن رب المال رضي باجتهاد العامل الأول ولم يرض باجتهاد العامل الثاني ويصير الأول ضامناً بدفعه إلى الثاني ثم إن عمل الثاني ينظر، فإن لم يحصل ربح أخذه رب المال وان حصل ربح فهو [(١٢٤) / ب] مبني على مسألة وهي أن الغاصب إذا اتجر في المال المغصوب أو المودع تصرف من غير إذن المودع وربح لمن يكون الربح؟ فيه قولان: قال في القديم: يكون الربح لرب المال, وقال في الجديد: ينظر، فإن كان ابتاعه بعين المال كان باطلاً, وإن ابتاعه في الذمة ونقد الثمن من الغصب أو الوديعة فالثراء صحيح والربح له وعليه ضمان الأصل لصاحبه، فإذا قلنا بقوله القديم وهو قول مالك فوجهه أنا لو جعلنا ذلك للغاصب لأدى إلى خفر الأمانات وتسليط الظلمة والغاصبين على المال فعلى هذا نقل المزني عن الشافعي أنه قال: لصاحب المال شطر الربح ثم يكون للذي عمل شطره مما يبقى قال أبو إسحاق: هذا صواب ويكون الربح بين رب المال وبين العامل الأول لأنه وإن تعدى في المال فلم يسقط الشرط الذي بينهما في الربح كما لو سافر بالمال وربح كان الشرط باقياً، وان كان في المال متعدياً وإذا أذن له في السفر في البر فسافر في البحر كان ضامناً للمال والشرط باق ثم النصف الذي للعامل بينه وبين العامل الثاني نصفين لأن الثاني دخل مع الأول على أن ما رزق الله تعالى من ربح كان بينهما والذي رزق الله تعالى هذا النصف والنصف الذي أخذه رب المال في حكم التآلف وكأنه لا ربح إلا هذا فكان بينهما. ومن أصحابنا من غلط المزني في النقل وقال: يجب أن يكون للعامل الثاني على الأول نصف أجرة مثله مع ربع الربح لأنه دخل على أن يحصل له نصف الربح فإذا حصل له وبعد وجع بنصف أجرة مثله، ألا ترى أن القراض لو كان فاسداً ولم يحصل له من الربح شيء رجع بجميع أجرة المثل. وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن كان اللفظ على أن ما رزق الله تعالى بيننا نصفين فكما ذكر المزني، وان قال: على أن الربح بيننا نصفين فهل يستحق مع ربع الربح نصف أجرة مثله؟ وجهان أحدهما: لا يستحق لأن لفظهما ما تناول إلا ما يصيبهما من الربح فذلك بينهما، والثاني: يستحق على ما ذكرنا [(١٢٥) / أ] وإذا قلنا بقوله الجديد وهو الصحيح فوجهه أنه إذا اشترى في ذمته فقد ملكه وإذا نقد الثمن من المغصوب لا

стр. 3286

تبرأ ذمته وما دفعه مضمون عليه فلا يمنع ذلك من حصول الملك والربح له، وأما ما ذكره القائل الأول لا يصح لأن ذلك لا يوجب تغيير حكم البيع ويكفي في ذلك الإثم والمنع من الاغتصاب من جهة الإمام والمسلمين فعلى هذا قال المزني: إن كان اشترى بعين المال فالشراء باطل، وإن كان في الذمة فالشراء جائز والربح والخسران للمقارض الأول وعليه الضمان وللعامل الثاني أجر مثله في قياس قوله. واختلف أصحابنا في هذا أيضاً فمنهم من مترب المزني وقال: إن الثاني اشترى للأول فالملك وقع له والربح حصل في ملكه فكان الربح له، وللثاني أجرة المثل فيما عمله ويفارق الغاصب لأنه اشترى لنفسه فكان الربح له، ومن أصحابنا من خطأه فيه وقال: يجب أن يكون رأس المال لرب المال والربح كله للعامل الثاني ولا شي، ~مل الأول من الربح لأن الربح إذا كان للغاصب الذي يتصرف في المال ويعمل فيه على قوله الجديد يجب أن يكون ها هنا للعامل الثاني لأنه هو الذي تصرف في المال وهو ضامنه والأول أصح. ومن أصحابنا من قال: اعترض المزني في جوابه في القديم وقال: هذا قول قديم يعني وقف العقود فإن الشافعي جوّز وقف العقود في هذه المسألة حيث قال: لرب المال أن يأخذ شطر الربح، وان كان العامل الثاني تصرف بغير إذن رب المال فمن أصحابنا من سلَّم المزني ما ادعى أن هذا جواب على القول القديم. ومن أصحابنا من لم يسلم ذلك وقال: هذا قول جديد في وقف العقود والشافعي يجوز في الجديد الوقف لا سيما إذا كان فيه مصلحة أموال الناس وها هنا مصلحة لأنه ربما يدفع مالأ إلى رجل للتصرف على جهة القراض فيذهب العامل ويشتري ما شاء الله أن يشتري وينوي في عقوده صرفها إلى نفسه [(٢٥) / ب] ثم يؤدي الأثمان من المال الذي في يده لولا ذلك المال لامتنع الناس من معاملته، فإذا استفاد الأرباح الكثيرة بسبب ذلك المال رجع بأصل المال بعد عشرين سنة إلى صاحبه ويقول: ما اشتريت بعين المال شيئاً ولا بنية القراض، وإنما كنت أشتري لنفي وهذا مالك فخذه ولا شيء لك في الربح وقد يغصب المال ويفعل هكذا فقلنا: في مثل هذا الموضع رب المال بالخيار إن شاء أجاز تلك العقود واستفاد أرباحها وان شاء لم يجزها واقتصر على أصل ماله فأخذه، وكذلك ما عقا العامل بعين المال من العقود وقد مال ابن سريج إلى هذا القول مراعاة للمصلحة، وأما ضمان المال يجب عليهما ولرب المال أن يطالبهما به فإن طالب الأول لم يرجع الأول على الثاني، وان طالب الثاني رجع على الأول لأنه غره وقيل: في الرجوع قولان. وقال أكثر أصحابنا بالعراق: لا يعرف وقف العقود عند الشافعي لا في القديم ولا في الجديد ولا يصح بناء هذه المسألة على هذا لأن البيع الموقوف أن يبيع مال غيره وها هنا إذا اشترى في ذمته فلنفسه اشترى فكيف يقف على إذن غيره؟ وقيل: حصل في هذه المسألة خمسة أوجه: أحدها: أن كل الربح لرب المال ولا شيء فيه للعاملين وبه

стр. 3287

قال ابن سريج على قوله القديم: الربح للمغصوب منه, والثاني: نصف الربح لرب المال والنصف الآخر للعامل الأول وللعامل الثاني على العامل الأجرة مثله وبه قال أبو إسحاق على قوله في القديم وهذا أقيس, والثالث: نصف الربح لرب المال والنصف الباقي بين العاملين وبه قال ابن أبي هريرة على قوله في القديم وهذا ضعيف لأن المضاربة فاسدة والشرط لا يثبت في الفاسد, والرابع: الربح كله للعامل الثاني وهذا مذهب محكي على قوله في الجديد, والخامس: الربح كله للعامل الأول ويرجع العامل الثاني على العامل بأجرة مثله وبه قال ابن أبي هريرة على قوله في [(١٢٦) / أ] الجديد وهو اختيار أبي حامد ووجه أن العامل الثاني إنما يصح تصرفه في الذمة وما اشتراه في الذمة بنية الشراء للعامل الأول يقع للأول فيكون الربح له لأنه اشتراه بإذنه وباعه بإذنه ويفارق الغاصب لأنه اشتراه لنفسه. فرع لو قال له رب المال: اعمل فيه برأيك جاز إذ يدفع منه قراضاً إلى غيره، وعند أبي حنيفة وعندنا لا يجوز له ذلك لأن هذا يقتضي أن يكون عمله فيه موكولاً إلى رأيه وإذا قارض به كان العمل لغيره. فرع آخر لو أذن له في مقارضة غيره ولم يأذن له في العمل بنفسه فهذا وكيل في عقد القراض مع غيره وينظر, فإن كان عين من يقارضه لم يجز أن يعدل عنه إلى غيره، وان لم يعين اجتهد فيمن يراه أهلاً له من ذوي الأمانة والخبرة, فإن قارض أميناً غير خبير بالتجارة لم يجز، وكذلك على العكس لو قارض خبيراً بالتجارة غير أمين لم يجز حتى يجتمع الشرطان الخبرة والأمانة فإن عدل إلى مقارضة نفسه فضمن وجميع الربح لرب المال قولاً واحداً, وإن قلنا: الربح للغاصب في أحد القولين لأنه صار بمقارضة نفسه مشترياً لرب المال ولا أجرة له لأنه متطوع بالعمل. فرع آخر لو عيَّن من يقارضه فعدل إلى مقارضة غير من عينه رب المال ضمن هو والعامل وكل ربحه لرب المال لأنه اشتراه له ولا أجرة له على رب المال وهل يرجع بأجرته على الوكيل الغارّ؟ وجهان مخرجان من اختلاف قوليه في الزوج المغرور هل يرجع بالمهر الذي غرمه على الغار. فرع آخر لو تعدى العامل من غير هذا الوجه الذي ذكرنا, فإن كان لصرف مال القراض في ثمن ما لم يؤمر به ضمن وبطل معه من القراض, وهو كما لو قارض غيره بالمال متعدياً, وإن كان تعديه لتغريره بالمال مثل إن سافر من غير أمره, فإن كان فعل ذلك مع بقاء عين المال بيده ضمنه وبطل القراض [(١٢٦) / ب] بتعديه لأنه صار مع تعديه في عين

стр. 3288

المال غاصباً، وان كان قد فعل ذلك مع انتقال عين المال إلى عروض مأذونٍ فيها ضمنها بالتعدي ولم يبطل به القراض لاستقراره بالتصرف والشراء ذكره في "الحاوي". مسألة: قال: "ولو حالَ الحولُ على سلعةٍ في مالِ القراضِ". الفصل وهذا كما قال: قد ذكرنا هذه المسألة في كتاب الزكاة واختار المزني أنه لا يملك العامل الربح إلا بالقسمة واحتج بأن الشافعي قال: لو اشترى العامل أباه لا يعتق عليه ولا فائدة في هذه الحجة لأن الشافعي أجاب به على أحد القولين، ثم احتج بما احتج الشافعي لهذا القول فقال: لو كان له ربح قبل دفع المال إلى ربه لكان به شريكاً، ولو خسر حتى لا يبقى إلا قدر رأس المال كان فيما بقي شريكاً لأن من ملك شيئاً زائداً ملكه ناقصاً وهذا مقابل بأنه يملك العامل مطالبة رب المال بالقسمة وتسليم حصته من الربح إليه فدل على أنه ملكه وهذا أصح. فرع لو سقاه النخل اختلف أصحابنا في زكاة الثمرة على طريقتين إحديهما فيه قولان كما في القراض لأن في كل واحد منهما من أحد الجانبين مال ومن الجانب الأخر عمل. والثانية تجب الزكاة عليهما في المساقاة قولاً واحداً، والفرق أنه استقر ملكه على الثمرة حتى لو بقي منها ثمرة واحدة كانت مشتركة بينهما وفي القراض الربح وقاية لرأس المال ولم يستقر عليه ملك العامل فافترقا والله أعلم. باب قال المزني: وهذه مسائل تحريت فيها مذهب الشافعي من ذلك قال: ولو دفع إليه ألف درهم فقال: خذه فاشتر بها هروياً أو مروياً. الفصل وهذا كما قال: إذا دفع إليه ألفا قراضاً وقال: اشتر به هروياً أو مروياً بالنصف أجمع أصحابنا على فساده كما قال المزني: واختلف أصحابنا في تعليله فقال ابن أبي هريرة: إنما فسد لأنه لم يبين أي الجنسين يشتري بل قال: هروياً أو مروياً [(١٢٧) / أ] ولم يعّين فلم يصح وهو معنى قوله: لأنه لم يبين، حتى لو خيره بين الهروي والمروي تفويضا إلى اجتهاده صح, وإن لم يتلفظ بلفظ القراض ولا بلفظ المضاربة، وقال أبو إسحاق: فسد لوجهين أحدهما: أنه قال: بالنصف ولم يبين بكون النصف لرب المال فيكون فاسداً لأنه لم يبين ما يستحقه العامل أو بكون النصف للعامل فيكون صحيحا ويكون الربح بينهما نصفين، فلما لم يبين ذلك فد، وقوله: هروياً أو مرويا تنويع الحال لا شمك، والثاني: أنه قال: اشتر ولم يأذن له في البيع والقراض يقتضي أن

стр. 3289

يملك العامل الشراء والبيع جميعاً بأن يقول: خذه قراضاً أو ينص عليه فيقول: خذه وبع واشتر، ومن أصحابنا من قال: فد لأنه شرط التجارة فيما لا يعم وجوده وهذا ليس بشيء لأن الهروي والمروي يعم وجود كل واحد منهما، ومن أصحابنا من قال: فسد لأنه لم يتلفظ بلفظ موضوع لهذا العقد واقتصر على قوله: خذه ولفظ الأخذ لفظ صالح لمعانٍ مختلفة ومعنى قول المزني: لأنه لم يبين أي لم يبين جهة الدفع، فإذا تقرر هذا قال: فإن اشترى فجائز وله أجر مثله وإنما جاز الشراء لأنه مأذون فيه، وان لم يصح القراض وإنما وجب أجر المثل لأنه لم يتبرع بالعمل, ولو باع فباطل لأن البيع بغير أمره إذا لم ينزله منزلة عامل القراض بل نزلناه منزلة الموكل بالشراء وليس في لفظه أمر بالبيع وهذا يدل على صحة العلة الثانية التي ذكرها أبو إسحاق. مسألة: قال: "فإن قال: خذها قراضاً أو مضاربة على ما شرط فلان من الربح لفلانٍ". الفصل وهذا كما قال: إذا دفع دراهم أو دنانير إلى رجل وقال: خذها قراضاً على ما شرط فلان لفلان وهما عالمان بذلك الشرط كان ذلك القراض جائزاً, لأن الشرط المعلوم لهما قام مقام شرطهما بينهما، ألا ترى أن رجلاً لو قال لرجل: بعتك هذا العبد بما باع به فلان عبده من فلان وكانا عالمين بأنه باعه منه [(١٢٧) / ب] بألفٍ جاز وانعقد بألفٍ كذلك ها هنا، ولو كانا جاهلين أو أحدهما بما شرط فلان لغلان كان باطلاً، ولو كانا عند العقد جاهلين ثم علما لم ينفع العلم الحاصل بعد العقد. مسألة: قال: "ولو قالَ: خُذْهَا على أن يكونَ لكَ ثلثُ الربحِ وما بقي فلي منه الثلث ولك الثلثان فجائزٌ". الفصل وهذا كما قال: شرط صحة القراض أن تكون أجزاء الربح معلومة لهما فإذا قال: قارضتك على هذا الألف على أن ثلث ربحه للعامل وما بقي من الربح فثلثه لرب المال وثلثاه للعامل جاز لأن الأجزاء معلومة وحصته من تسعة أسهم ثلثها ثلاثة وتبقى ستة فيكون ثلثها سهمين وثلثاها أربعة فيكون لرب المال سهمان من تسعة وللعامل سبعة وصار في التقدير كأنه شرط للعامل سبعة أتساع الربح والباقي لرب المال. فرع لو قال: خذ هذا المال قراضاً ولم يزده حكي ابن سريج أنه قال: يجوز ويكون الربح بينهما نصفين لأن هذا هو الغالب من أحوال القراض فحكم إطلاقه يحمل عليه

стр. 3290

وهذا غلط لأنه لو جاز هذا لجاز إطلاق البيع من غير ذكر الثمن ويحمل على الثمن المثل وهو القيمة. فرع آخر لو قال: قارضتك على أن نصف الربح لي لم يجز القراض لأن العامل لا يستحق الربح إلا بالشرط، فإذا لم يشترط له شيئاً لم يصح، ومن أصحابنا من قال: يصح لأن قوله: قارضتنى اقتضى أن يكون الربح بينهما نصفين، فإذا قطع النصف لنفسه كان الباقي للعامل والمذهب الأول. فرع آخر لو قال: قارضتك على أن لك نصف الربح جاز لأن رب المال يستحق الباقي من غير شرط، ومن أصحابنا من قال: لا يصح ها هنا أيضاً لأنه سكت عن الشرط لأن المتقارضين فلم يجز كما لو سكت عن الشرط للعامل والمذهب الأول والفرق بينهما ظاهر, وذلك أن رب المال يستحق الربح بماله لأنه نماء المال والعامل يستحقه بالعمل فإذا قار له نصيباً كان الباقي تابعاً للمال ولهذا [(١٢٨) / أ] قلنا: شركة العنان لا تحتاج إلى تقدير الربح بينهما لأنه تابع لماليهما. فرع آخر لو قال: على أن لك النصف ولي السدس صح على هذا القول الصحيح لأن الثلث الباقي له من غير شرط. فرع آخر لو قال: قارضتك على أن ما سهل الله تعالى من ربح كان بيننا قال ابن سريج: يصح ويكون بينهما نصفين لأنه قوله: بيننا يوجب الاشتراك والتسوية، ومن أصحابنا من قال: لا يصح لأن قوله: بيننا يحتمل بيننا نصفين ويحتمل ثلثاً وثلثين فما شرطه له من الربح مجهول فلا يصح والمذهب الأول وهو اختيار أبي حامد لأنه لما سوى في الإضافة كان بينهما نصفين كما لو قال: هذه الدار لزيد ولعمرو اقتضى أن يكون بينهما نصفين. فرع آخر لو قال: قارضتك على هذا المال بالنصف أو الثلث والثلثين قال ابن سريج: يصح ويكون المسمى من الربح راجعاً إلى العامل لأن الربح كله لرب المال والعامل إنما استحق منه سهما بالشرط، فإذا شرط انصرف الشرط إلى ما يفتقر إلى الشرط وهو نصيب العامل دون ما لا يفتقر إلى الشرط، وفيه وجه أخر لا يصح على ما ذكرنا. فرع آخر لو اختلفا في هذه المسألة فقال العامل: شرطته لي فالعقد صحيح، وقال رب المال: بل شرطت لنفسي قال ابن سريج: القول قول العامل لأن الظاهر معه على ما بيناه.

стр. 3291

فرع آخر لو قال: خذ هذا المال فاشتر به وبع لم يزد عليه فلا خلافه أنه لا يكون قراضاً صحيحا، وهل يكون قراضاً فاسداً أو معونةً؟ وجهان أحدهما: أنه استعانة بعمله فهو كما لو قال: اشتر وبع على أن يكون كل الربح لي فعلى هذا لا أجرة للعامل، والثاني: أنه قراض فاسد لأنه الأغلب من حال أمره فعلى هذا يكون للعامل أجر مثله حصل فيه ربح أو لا. فرع آخر لو قال: خذ هذا الألف قراضاً ولك ربح نصفه لم يجز خلافاً لأبي حنيفة وأبي ثور، ولو قال: ولك نصف [(١٢٨) / ب] ربحه جاز والفرق ظاهر وهو أن هناك يصير منفردا بربح أحد النصفين من غير أن يكون لرب المال فيه حق، وعاملاً في النصف الأخر من غير أن يكون له فيه حق وهذا ليس من حكم القراض. فرع آخر لو قال: خذ هذا المال واعمل فيه على أن ما سهل الله تعالى من الربح كان بيننا نصفين يصح ويكون قراضاً, وان لم يتلفظ به لأنه ذكر ما يقتضيه القراض من العمل والاشتراك في الربح فهو كما لو قال: ملكتك هذا المال بكذا صح ويكون بيعا وإن لم يتلفظ بلفظ البيع. فرع آخر لو قال: قارضتك على هذا المال على أن تعمل فيه نما رزق الله تعالى من ربح فهو لك كان هذا قرضاً فاسدا لأنه شرط شرطاً ينافي مقتضى عقد القراض فأبطله. فرع آخر لو قال: قارضتك على هذا المال على أن الربح كله لي كان قراضاً فاسدا أيضاً، وهل يستحق العامل أجر المثل؟ وجهان أحدهما: قاله المزني: لا أجرة له لأنه متطوع بعمله، والثاني: قاله ابن سريج: له الأجرة لأنه عمل في قراضٍ فاسدٍ فهو كما لو نكح بلا مهر، وقال أبو حنيفة: يكون بضاعة والربح كله لرب المال ولا أجرة للعامل. فرع آخر لو قال: خذ هذا المال على أن الربح كله لك ولم يقل قراضاً فهو قرضٍ صحيح، وقال في "الحاوي": فيه وجهان أحدهما: يكون قرضاً، والثاني: يكون قراضاً فاسداً لأن القرض غير منطوق به. فرع آخر لو قال: خذ هذا المال واعمل فيه على أن يكون الربح كله لي فهو بضاعة، ومعنى البضاعة أن يعطيه مالا يتجر به له لا بعوضٍ استعانةً به فيكون كل الربح لرب المال ولا

стр. 3292

أجرة للعامل لأنه لم يتلفظ بلفظ القراض ولا بمعناه، وذكر معنى البضاعة فيصير بضاعة قال ابن سريج: والأصل في هذه المسائل على قول الشافعي أن كل لفظةٍ موضوعة [١٢٩/ أ] لعقدٍ, فإذا وصل بها ما ينافيها بطلت، ألا ترى لو قال: بعتك بلا ثمنٍ وأجرتك بلا أجرةٍ لم يصح وكل لفظة تحتمل عقدين تميز بالصلة فإذا قال: ملَّكتك بالثمن كان بيعاً، ولو قال: بلا عوضٍ كان هبة لأن لفظ التمليك يحتمل البيع والهبة وإذا قال: ملكتك منافع هذه الدار شهراً بعشرةٍ كان إجارة، ولو قال: بلا أجرة كان عارية كذلك ها هنا إذا قال: قارضتك يقتضي اشتراكهما في الربح فإذا شرط خلاف ذلك بطل، ولو قال: أقرضتك يقتضي أن يكون الربح كله للمستقرض، فإذا قال: على أن الربح لي أو بيننا وكان قرضا فاسداً، وإذا قال: أبضعتك هذا المال على أن الربح بيننا أو لك كان فاسداً أيضا، ولو قال: خذ هذا ينظر إلى ما يصلح للقراض أو القرض والبضاعة، فإذا شرط ذلك عمل عليه. وقال بعض أصحابنا بخراسان عن ابن سريج أنه قال: إذا قال: قارضتك على أن لا شيء لك من الربح أو على أن جميع الربح لي فيه وجهان أحدهما: يراعى المعنى ويكون بضاعة، وبه قال أبو حنيفة، والثانى: يراعى اللفظ فهو قراض فاسداً وكذلك في ضده، ولو قال: على أن جميع الربح لك ففي الوجه الأول قرض صحيح وفي الثاني هو قراض فاسد، وكذلك لو قال: أبضعتك على أن جميع الربح لك ففي أحد الوجهين هو قرض صحيح مراعاة للمعنى وفي الوجه الثاني هو بضاعة غير أن العامل لم يتبرع بالعمل فله أجر مثله وهذا غير مشهور عن ابن سريج عند أصحابنا بالعراق، وقال مالك: إذا قال: قارضتك على أن يكون كل الربح لك أو لي يصح القراض ويكون الربح لمن شرط وكأنه وهبه من صاحبه وهذا غلط لأن الهبة لا تصح قبل حصول الموهوب. فرع آخر لو قال: خذ هذا وابتع به على أن ما وزق الله تعالى من ربحٍ يكون بيننا نصفين لم يجز لأنه لم يأذن له في البيع، ولو قال: خذ هذا واعمل فيه على أن ما رزق الله [(١٢٩) / ب] تعالى من ربح يكون بيننا صح لأن قوله: واعمل فيه يقتضي إطلاقه البيع والشراء على حسب ما يعمل في القراض، وليس كذلك إذا خص الابتياع وأمسك عن البيع فإن الظاهر منه أنه لم يأذن له إلا في الابتياع. فرع آخر لو قال: قارضتك في هذا المال على أن لك نصف الربح إلا عشرة دراهم لم يصح لأنه يجوز أن لا يكون فيه الربح إلا عشرة دراهم فينفرد به رب المال دون العامل فيؤدي ذلك إلى خلاف ما يقتضيه عقد القراض.

стр. 3293

فرع آخر لو قال: قارضتك على أن يكون لك شركة في الربح أو شرك لم يصح، وروى عن محمد بن الحسن أنه قال: شركة يصح وكان له النصف، ولو قال: شرك لم يصح, وقال أصحاب مالك: يصح ويكون له مضاربة المثل. مسألة: قال: "فإنْ قارضهُ على دنانيرَ فحصلَ في يدهِ دراهم". الفصل وهذا كما قال: إذا قارضه على دنانير فحصل في يده دراهم وأراد المفاصلة كان على العامل صرف الدراهم إلى الدنانير لأن المقاسمة عند المفاصلة إنما ترد على النقد الذي لاقاه العقد، وكذلك إذا قارضه على دراهم فحصل في يده دنانير وأراد المفاصلة كان على العامل صرفها إلى الدراهم, ولو كان رأس المال دراهم صحاحاً وحصل في يده مكسرة باع المكسرة بالصحاح، فإن لم يكن بينهما فضل يمكن بيع أحدهما بالآخر متماثلاً، وان كان بينهما فضل باع المكسر بالذهب ثم الذهب بالصحاح من الدراهم قال أبو إسحاق: إلا أن يرضى رب المال أن يقبض منه ما حصل عوضاً من رأس المال بقيمة يتفقان عليها فيكون ذلك جائزاً ويتقاسمان الفضل من رأس المال، وان باع مقدار رأس المال وفضل فضل قال ابن أبي هريرة: إن تراضيا على قسمته اقتسماه، [(١٣٠) / أ] وإن أراد أحدهما بيعه كان لمن أراد البيع بيعه لأن له في ذلك بغية وهي أن العرض قد يشترى جملة بأكثر ما اشتري متفرقا، قال صاحب "الإفصاح": فإن كان ذلك مما لا يختلف فيه حكم التفريق والجمع لم يجبر الممتنع على البيع وهذا لأنه مشترك بينهما والمال المشترك لا يجب على أحد الشريكين بيعه وتصريفه من جنس إلى جنسٍ فيقتسمان ذلك على صفته، وان كان مما يختلف فيه حكم الجمع والتفريق أجبر على البيع على ما ذكرنا. مسألة: قال: "وإنْ دفع مالاً قراضاً في مرضِهِ وعليهُ ديونٌ". الفصل وهذا كما قال: إذا قارض المريض رجلاً بماله في مرضه المخوف فالقراض صحيح لأنه عقد يبتغى منه طلب الربح كالبيع ونحوه، فإذا تقرر هذا فما شرطه للعامل من الربح يحتسبه من رأس المال دون الثلث، وإن كان أكثر من أجرة المثل لأن اعتبار الثلث إنما يكون إذا أخرج من ماله شيئاً من غير عوض، وها هنا لم يخرج من ماله شيئاً والربح يحصل بتصرف العامل وعمله فلا يكون من الثلث، فإن قيل: أليس إذا آجر داره وحابى في أجرتها تعتبر المحاباة من الثلث ولم يخرج من ماله شيئاً؟ قلنا: الفرق أن منافح الدار تجري مجرى المال بدليل أنه تجوز المعاوضة عليها وليس كذلك منافع الدراهم لأنه لا تجوز المعاوضة

стр. 3294

عليها وإنما يحصل الربح بتقليب العامل وتصرفه فهو فائدة عمله فافترقا. فإن قيل: ما تقولون إذا ساقي في مرضه وشرط للعامل من الثمرة أكثر من أجرة المثل قلنا: من أصحابنا من قال: يعتبر رأس المال كالقراض سواء, ومنهم من قال: تعتبر تلك الزيادة من الثلث وهو الأصح، والفرق أن ثمرة النخل حادثة من عين ماله فهي جارية مجرى العين وليس كذلك الربح لأنه [(٣٠) / ب] متولد من تصرف العامل دون عين الدراهم والدنانير فافترقا، ولهذا لو غصب نخلة فأثمرت كانت الثمرة لصاحب النخل، ولو اتَّجر الغاصب في الدراهم المغصوبة فربح كان الربح للغاصب في أحد القولين، فإذا تقرر هذا ومات رب المال بعد عقد القراض من ذلك المرض فالعامل أحق بحصته من الربح من سائر الغرماء سواء قلنا: يملك العامل الربح بالظهور أو بالقسمة لأن حقه متعلق بعين المال فكان بمنزلة المرتهن والمجني عليه فيقدم على سائر الغرماء، ولو قال الوارث للعامل: أعطيك حقك من غير عينه ليس له ذلك وله أن يعطي سائر الغرماء ديونهم من غير عين المال لأن له اختصاصاً في هذه العين وهو كالشريك فيه. مسألة: قال: "فإن اشترى عبداً فقالَ العامل: اشتريته بمالي لنفسي". الفصل وهذا كما قال: إذا اشترى العامل سلعةً في ذمته وفيها ربح فقال: اشتريتها لنفسي، وقال رب المال: اشتريتها للقراض فالقول قول العامل مع يمينه لأن يده عليه ثابتة ولأن المرجع في شرائه إلى قصده ونيته فيقبل قوله فيما نواه، وهكذا لو اشترى سلعة فيها خسران فقال: اشتريتها لمال القراض، وقال رب المال: بل اشتريتها لنفسك فالقول قول العامل أيضاً لما ذكرناه، ولو أقام رب المال بينة على إقراره تقبل وإن أقام البينة في المسألة الأولى أنه عقد بعين مال القراض فيه وجهان أحل هما: قاله ابن أبي هريرة: تسمع ويحكم بها عليه لأن العقد على عين مال القراض لا يكون إلا في القراض، والثاني: وهو الأظهر: لا تسمع لاحتمال أن ينوي بالعقد على العين أن يكون لنفسه فيبطل، ولا يبطل في مال القراض. فرع لو قال الوكيل: اشتريت أو بعت وأنكر رب المال ذلك قد ذكرنا [(١٣١) / أ] قولين، ولو قال العامل ذلك وأنكر رب المال قيل: فيه قولان أيضا وقيل: يقبل قول العامل قولاً واحداً وهو الأظهر لأنه عقد تسليط وتبسيطٍ في التصرف ويتعذر عليه إقامة البينة في كل بيع وشراء في الغالب فيسمع قوله في ذلك بخلاف الوكيل. مسألة: قال: "ولو قال: اشتريت هذا العبد بجميع الألف القراضِ، ثم اشتريت هذا العبد الثاني بذلك الألف".

стр. 3295

الفصل وهذا كما قال: صورة المسألة أن يافع إليه ألفاً ويقارضه عليه فاشترى عبداً للقراض بألف فإن الألف الأول يكون للقراض، والثاني: لا يكون للقراض لأن العامل إنما يجوز أن يشتري للقراض بقدر رأس المال فلا يصح شراء الثاني للقراض، ولا فرق بين أن يكون الشراء الأول بعين الألف أو مطلقاً لأنه إن كان بعين الألف فقد استحق في ثمن العبد الأول فلا يبقى للثاني شيء, وإن كان مطلقاً بنية القراض فقد صار مال القراض مستغرقاً بثمنه وإن لم يصح معيناً, وهل يصح الشراء في حق العامل؟ قال المزني: يلزم العبد الثاني العامل وظاهره أنه لا فرق بين أن يشتريه بعين الألف أو في الذمة، وقال أصحابنا: هذا لا يصح على أمل الشافعي لأنه إذا اشترى بعين الألف بطل الشراء لأنه ملكه البائع الأول إن كان الشراء بعين الألف واستحق عليه تسليمه إليه، وان كان في الذمة فلم يصح الشراء بعينه ثانياً بحال لا له ولا للعامل، وان كان الشراء في الذمة ونقد هذا الألف في ثمنه فالابتياع صحيح والعبد يكون للعامل، فإذا نقد الألف في ثمنه ضمنه لأنه قد تعدى في ذلك وأما الربح الذي يحصل في هذا العبد فيه قولان على قوله في الجديد يكون للمشتري وعليه ضمان الألف، وعلى قوله في القديم: يكون لمالك الألف. وقال بعض أصحابنا بخراسان: لعل المزني أراد بقوله: جميع الألف القراض أن يشتري الأول في الذمة على نية القراض فلذلك صح البيع الثاني لأن عين الألف ما صارت مستحقة في العقد السابق فيحتمل أن المزني صحح [(١٣) / ب] العقد الثاني في الحكم عند تكذيب البائع إياه في كون الألف مستحقة بالعقد الأول لأن من اشترى شيئاً بأعيان دراهم وتلك الدراهم في يده ثم ادعى أن هذه الدراهم التي عينها في العقد مستحقة بعقد سابق عقدته لم يقبل قوله وهذا أقرب من التأويل الأول وذلك بعيد. مسألة: قال: "وإنْ نهى ربَّ المال أنْ يشتري ويبيع". الفصل وهذا كما قال: قد ذكرنا الحكم إذا فسخ رب المال القراض وأنه إذا كان الحاصل عرضا له أن يبيع، ولو قال رب المال: لا تبعه فإني أقوم العرض كله وأدفع إليك قدر ما يحصل من الربح له ذلك في أصح الوجهين. مسألة: قال: "ولوْ قال العاملُ: ربحت ألفاً ثم قال: غلطتُ". وهذا كما قال: إذا قال العامل: ربحت ألفاً فلما كان عند المفاصلة قال: غلطت ورجعت إلى الحساب فتيقنت أنه كان بخلاف ذلك, أو كذبت خوفاً أن تنزع المال من يدي لم يقبل رجوعه لأنه رجوع عن الإقرار السابق وإسقاط لحق رب المال الذي ثبت بإقراره.
следующие страницы →