← Фикх шафии

Фикх шафии · id 16934

بحر المذهب للروياني

عَبْد الواحِد الرُّوْياني

Полный текст (7 151 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.

стр. 3291

فرع آخر لو قال: خذ هذا المال فاشتر به وبع لم يزد عليه فلا خلافه أنه لا يكون قراضاً صحيحا، وهل يكون قراضاً فاسداً أو معونةً؟ وجهان أحدهما: أنه استعانة بعمله فهو كما لو قال: اشتر وبع على أن يكون كل الربح لي فعلى هذا لا أجرة للعامل، والثاني: أنه قراض فاسد لأنه الأغلب من حال أمره فعلى هذا يكون للعامل أجر مثله حصل فيه ربح أو لا. فرع آخر لو قال: خذ هذا الألف قراضاً ولك ربح نصفه لم يجز خلافاً لأبي حنيفة وأبي ثور، ولو قال: ولك نصف [(١٢٨) / ب] ربحه جاز والفرق ظاهر وهو أن هناك يصير منفردا بربح أحد النصفين من غير أن يكون لرب المال فيه حق، وعاملاً في النصف الأخر من غير أن يكون له فيه حق وهذا ليس من حكم القراض. فرع آخر لو قال: خذ هذا المال واعمل فيه على أن ما سهل الله تعالى من الربح كان بيننا نصفين يصح ويكون قراضاً, وان لم يتلفظ به لأنه ذكر ما يقتضيه القراض من العمل والاشتراك في الربح فهو كما لو قال: ملكتك هذا المال بكذا صح ويكون بيعا وإن لم يتلفظ بلفظ البيع. فرع آخر لو قال: قارضتك على هذا المال على أن تعمل فيه نما رزق الله تعالى من ربح فهو لك كان هذا قرضاً فاسدا لأنه شرط شرطاً ينافي مقتضى عقد القراض فأبطله. فرع آخر لو قال: قارضتك على هذا المال على أن الربح كله لي كان قراضاً فاسدا أيضاً، وهل يستحق العامل أجر المثل؟ وجهان أحدهما: قاله المزني: لا أجرة له لأنه متطوع بعمله، والثاني: قاله ابن سريج: له الأجرة لأنه عمل في قراضٍ فاسدٍ فهو كما لو نكح بلا مهر، وقال أبو حنيفة: يكون بضاعة والربح كله لرب المال ولا أجرة للعامل. فرع آخر لو قال: خذ هذا المال على أن الربح كله لك ولم يقل قراضاً فهو قرضٍ صحيح، وقال في "الحاوي": فيه وجهان أحدهما: يكون قرضاً، والثاني: يكون قراضاً فاسداً لأن القرض غير منطوق به. فرع آخر لو قال: خذ هذا المال واعمل فيه على أن يكون الربح كله لي فهو بضاعة، ومعنى البضاعة أن يعطيه مالا يتجر به له لا بعوضٍ استعانةً به فيكون كل الربح لرب المال ولا

стр. 3292

أجرة للعامل لأنه لم يتلفظ بلفظ القراض ولا بمعناه، وذكر معنى البضاعة فيصير بضاعة قال ابن سريج: والأصل في هذه المسائل على قول الشافعي أن كل لفظةٍ موضوعة [١٢٩/ أ] لعقدٍ, فإذا وصل بها ما ينافيها بطلت، ألا ترى لو قال: بعتك بلا ثمنٍ وأجرتك بلا أجرةٍ لم يصح وكل لفظة تحتمل عقدين تميز بالصلة فإذا قال: ملَّكتك بالثمن كان بيعاً، ولو قال: بلا عوضٍ كان هبة لأن لفظ التمليك يحتمل البيع والهبة وإذا قال: ملكتك منافع هذه الدار شهراً بعشرةٍ كان إجارة، ولو قال: بلا أجرة كان عارية كذلك ها هنا إذا قال: قارضتك يقتضي اشتراكهما في الربح فإذا شرط خلاف ذلك بطل، ولو قال: أقرضتك يقتضي أن يكون الربح كله للمستقرض، فإذا قال: على أن الربح لي أو بيننا وكان قرضا فاسداً، وإذا قال: أبضعتك هذا المال على أن الربح بيننا أو لك كان فاسداً أيضا، ولو قال: خذ هذا ينظر إلى ما يصلح للقراض أو القرض والبضاعة، فإذا شرط ذلك عمل عليه. وقال بعض أصحابنا بخراسان عن ابن سريج أنه قال: إذا قال: قارضتك على أن لا شيء لك من الربح أو على أن جميع الربح لي فيه وجهان أحدهما: يراعى المعنى ويكون بضاعة، وبه قال أبو حنيفة، والثانى: يراعى اللفظ فهو قراض فاسداً وكذلك في ضده، ولو قال: على أن جميع الربح لك ففي الوجه الأول قرض صحيح وفي الثاني هو قراض فاسد، وكذلك لو قال: أبضعتك على أن جميع الربح لك ففي أحد الوجهين هو قرض صحيح مراعاة للمعنى وفي الوجه الثاني هو بضاعة غير أن العامل لم يتبرع بالعمل فله أجر مثله وهذا غير مشهور عن ابن سريج عند أصحابنا بالعراق، وقال مالك: إذا قال: قارضتك على أن يكون كل الربح لك أو لي يصح القراض ويكون الربح لمن شرط وكأنه وهبه من صاحبه وهذا غلط لأن الهبة لا تصح قبل حصول الموهوب. فرع آخر لو قال: خذ هذا وابتع به على أن ما وزق الله تعالى من ربحٍ يكون بيننا نصفين لم يجز لأنه لم يأذن له في البيع، ولو قال: خذ هذا واعمل فيه على أن ما رزق الله [(١٢٩) / ب] تعالى من ربح يكون بيننا صح لأن قوله: واعمل فيه يقتضي إطلاقه البيع والشراء على حسب ما يعمل في القراض، وليس كذلك إذا خص الابتياع وأمسك عن البيع فإن الظاهر منه أنه لم يأذن له إلا في الابتياع. فرع آخر لو قال: قارضتك في هذا المال على أن لك نصف الربح إلا عشرة دراهم لم يصح لأنه يجوز أن لا يكون فيه الربح إلا عشرة دراهم فينفرد به رب المال دون العامل فيؤدي ذلك إلى خلاف ما يقتضيه عقد القراض.

стр. 3293

فرع آخر لو قال: قارضتك على أن يكون لك شركة في الربح أو شرك لم يصح، وروى عن محمد بن الحسن أنه قال: شركة يصح وكان له النصف، ولو قال: شرك لم يصح, وقال أصحاب مالك: يصح ويكون له مضاربة المثل. مسألة: قال: "فإنْ قارضهُ على دنانيرَ فحصلَ في يدهِ دراهم". الفصل وهذا كما قال: إذا قارضه على دنانير فحصل في يده دراهم وأراد المفاصلة كان على العامل صرف الدراهم إلى الدنانير لأن المقاسمة عند المفاصلة إنما ترد على النقد الذي لاقاه العقد، وكذلك إذا قارضه على دراهم فحصل في يده دنانير وأراد المفاصلة كان على العامل صرفها إلى الدراهم, ولو كان رأس المال دراهم صحاحاً وحصل في يده مكسرة باع المكسرة بالصحاح، فإن لم يكن بينهما فضل يمكن بيع أحدهما بالآخر متماثلاً، وان كان بينهما فضل باع المكسر بالذهب ثم الذهب بالصحاح من الدراهم قال أبو إسحاق: إلا أن يرضى رب المال أن يقبض منه ما حصل عوضاً من رأس المال بقيمة يتفقان عليها فيكون ذلك جائزاً ويتقاسمان الفضل من رأس المال، وان باع مقدار رأس المال وفضل فضل قال ابن أبي هريرة: إن تراضيا على قسمته اقتسماه، [(١٣٠) / أ] وإن أراد أحدهما بيعه كان لمن أراد البيع بيعه لأن له في ذلك بغية وهي أن العرض قد يشترى جملة بأكثر ما اشتري متفرقا، قال صاحب "الإفصاح": فإن كان ذلك مما لا يختلف فيه حكم التفريق والجمع لم يجبر الممتنع على البيع وهذا لأنه مشترك بينهما والمال المشترك لا يجب على أحد الشريكين بيعه وتصريفه من جنس إلى جنسٍ فيقتسمان ذلك على صفته، وان كان مما يختلف فيه حكم الجمع والتفريق أجبر على البيع على ما ذكرنا. مسألة: قال: "وإنْ دفع مالاً قراضاً في مرضِهِ وعليهُ ديونٌ". الفصل وهذا كما قال: إذا قارض المريض رجلاً بماله في مرضه المخوف فالقراض صحيح لأنه عقد يبتغى منه طلب الربح كالبيع ونحوه، فإذا تقرر هذا فما شرطه للعامل من الربح يحتسبه من رأس المال دون الثلث، وإن كان أكثر من أجرة المثل لأن اعتبار الثلث إنما يكون إذا أخرج من ماله شيئاً من غير عوض، وها هنا لم يخرج من ماله شيئاً والربح يحصل بتصرف العامل وعمله فلا يكون من الثلث، فإن قيل: أليس إذا آجر داره وحابى في أجرتها تعتبر المحاباة من الثلث ولم يخرج من ماله شيئاً؟ قلنا: الفرق أن منافح الدار تجري مجرى المال بدليل أنه تجوز المعاوضة عليها وليس كذلك منافع الدراهم لأنه لا تجوز المعاوضة

стр. 3294

عليها وإنما يحصل الربح بتقليب العامل وتصرفه فهو فائدة عمله فافترقا. فإن قيل: ما تقولون إذا ساقي في مرضه وشرط للعامل من الثمرة أكثر من أجرة المثل قلنا: من أصحابنا من قال: يعتبر رأس المال كالقراض سواء, ومنهم من قال: تعتبر تلك الزيادة من الثلث وهو الأصح، والفرق أن ثمرة النخل حادثة من عين ماله فهي جارية مجرى العين وليس كذلك الربح لأنه [(٣٠) / ب] متولد من تصرف العامل دون عين الدراهم والدنانير فافترقا، ولهذا لو غصب نخلة فأثمرت كانت الثمرة لصاحب النخل، ولو اتَّجر الغاصب في الدراهم المغصوبة فربح كان الربح للغاصب في أحد القولين، فإذا تقرر هذا ومات رب المال بعد عقد القراض من ذلك المرض فالعامل أحق بحصته من الربح من سائر الغرماء سواء قلنا: يملك العامل الربح بالظهور أو بالقسمة لأن حقه متعلق بعين المال فكان بمنزلة المرتهن والمجني عليه فيقدم على سائر الغرماء، ولو قال الوارث للعامل: أعطيك حقك من غير عينه ليس له ذلك وله أن يعطي سائر الغرماء ديونهم من غير عين المال لأن له اختصاصاً في هذه العين وهو كالشريك فيه. مسألة: قال: "فإن اشترى عبداً فقالَ العامل: اشتريته بمالي لنفسي". الفصل وهذا كما قال: إذا اشترى العامل سلعةً في ذمته وفيها ربح فقال: اشتريتها لنفسي، وقال رب المال: اشتريتها للقراض فالقول قول العامل مع يمينه لأن يده عليه ثابتة ولأن المرجع في شرائه إلى قصده ونيته فيقبل قوله فيما نواه، وهكذا لو اشترى سلعة فيها خسران فقال: اشتريتها لمال القراض، وقال رب المال: بل اشتريتها لنفسك فالقول قول العامل أيضاً لما ذكرناه، ولو أقام رب المال بينة على إقراره تقبل وإن أقام البينة في المسألة الأولى أنه عقد بعين مال القراض فيه وجهان أحل هما: قاله ابن أبي هريرة: تسمع ويحكم بها عليه لأن العقد على عين مال القراض لا يكون إلا في القراض، والثاني: وهو الأظهر: لا تسمع لاحتمال أن ينوي بالعقد على العين أن يكون لنفسه فيبطل، ولا يبطل في مال القراض. فرع لو قال الوكيل: اشتريت أو بعت وأنكر رب المال ذلك قد ذكرنا [(١٣١) / أ] قولين، ولو قال العامل ذلك وأنكر رب المال قيل: فيه قولان أيضا وقيل: يقبل قول العامل قولاً واحداً وهو الأظهر لأنه عقد تسليط وتبسيطٍ في التصرف ويتعذر عليه إقامة البينة في كل بيع وشراء في الغالب فيسمع قوله في ذلك بخلاف الوكيل. مسألة: قال: "ولو قال: اشتريت هذا العبد بجميع الألف القراضِ، ثم اشتريت هذا العبد الثاني بذلك الألف".

стр. 3295

الفصل وهذا كما قال: صورة المسألة أن يافع إليه ألفاً ويقارضه عليه فاشترى عبداً للقراض بألف فإن الألف الأول يكون للقراض، والثاني: لا يكون للقراض لأن العامل إنما يجوز أن يشتري للقراض بقدر رأس المال فلا يصح شراء الثاني للقراض، ولا فرق بين أن يكون الشراء الأول بعين الألف أو مطلقاً لأنه إن كان بعين الألف فقد استحق في ثمن العبد الأول فلا يبقى للثاني شيء, وإن كان مطلقاً بنية القراض فقد صار مال القراض مستغرقاً بثمنه وإن لم يصح معيناً, وهل يصح الشراء في حق العامل؟ قال المزني: يلزم العبد الثاني العامل وظاهره أنه لا فرق بين أن يشتريه بعين الألف أو في الذمة، وقال أصحابنا: هذا لا يصح على أمل الشافعي لأنه إذا اشترى بعين الألف بطل الشراء لأنه ملكه البائع الأول إن كان الشراء بعين الألف واستحق عليه تسليمه إليه، وان كان في الذمة فلم يصح الشراء بعينه ثانياً بحال لا له ولا للعامل، وان كان الشراء في الذمة ونقد هذا الألف في ثمنه فالابتياع صحيح والعبد يكون للعامل، فإذا نقد الألف في ثمنه ضمنه لأنه قد تعدى في ذلك وأما الربح الذي يحصل في هذا العبد فيه قولان على قوله في الجديد يكون للمشتري وعليه ضمان الألف، وعلى قوله في القديم: يكون لمالك الألف. وقال بعض أصحابنا بخراسان: لعل المزني أراد بقوله: جميع الألف القراض أن يشتري الأول في الذمة على نية القراض فلذلك صح البيع الثاني لأن عين الألف ما صارت مستحقة في العقد السابق فيحتمل أن المزني صحح [(١٣) / ب] العقد الثاني في الحكم عند تكذيب البائع إياه في كون الألف مستحقة بالعقد الأول لأن من اشترى شيئاً بأعيان دراهم وتلك الدراهم في يده ثم ادعى أن هذه الدراهم التي عينها في العقد مستحقة بعقد سابق عقدته لم يقبل قوله وهذا أقرب من التأويل الأول وذلك بعيد. مسألة: قال: "وإنْ نهى ربَّ المال أنْ يشتري ويبيع". الفصل وهذا كما قال: قد ذكرنا الحكم إذا فسخ رب المال القراض وأنه إذا كان الحاصل عرضا له أن يبيع، ولو قال رب المال: لا تبعه فإني أقوم العرض كله وأدفع إليك قدر ما يحصل من الربح له ذلك في أصح الوجهين. مسألة: قال: "ولوْ قال العاملُ: ربحت ألفاً ثم قال: غلطتُ". وهذا كما قال: إذا قال العامل: ربحت ألفاً فلما كان عند المفاصلة قال: غلطت ورجعت إلى الحساب فتيقنت أنه كان بخلاف ذلك, أو كذبت خوفاً أن تنزع المال من يدي لم يقبل رجوعه لأنه رجوع عن الإقرار السابق وإسقاط لحق رب المال الذي ثبت بإقراره.

стр. 3296

وقال مالك: إن كان في موضع يكون هناك موسم فقال: إنما قلت ذلك لخوف نزع المال من يدي قبل وقت الموسم قبل ذلك منه، ولو لم يكذب نفسه ولكن قال: كنت ربحت ثم خسرت قبل منه لأنه ليس برجوع عن الأول ولا تكذيب له وهذا إذا أمكن الخسران في مثل تلك المدة، وكذلك لو قال: رد المشتري علي بالعيب واسترجع الثمن ثم تلف الشيء في يدي قبل منه لأنه أمين ولا يخرج بتلك الكذبة السابقة عن قبول يمينه لأنه لم يأت بتعدٍ ولا جحود في أمل المال بل كذب في الربح فهو في أصل المال أمين على أن الكذب لم يظهر ها هنا لأنه قال: رُدَّ عليّ وتلف، ولو ظهر الكذب بأن قال: لم أربح فلم يقبل ثم قال: تلف فهو أمين أيضا يقبل قوله مع يمينه. فرع إذا قال: ربحت ألفاً ثم قال: غلطت فلم يقبل فأل إحلاف رب المال فإن ذكر شبهة محتملة يستحق بها إحلافه، وإن لم يذكر شبهة [(١٣٢) / أ] فيه وجهان أحدهما: قاله ابن سريج وابن خيران: له إحلافه لإمكان قوله، وقال أبو إسحاق: لا يحلف لما تقدم من إقراره. مسألة: قال: "وإنِ اشترى العاملُ أو باعَ بما لا يتغابن الناسُ بمثله". الفصل وقد ذكرنا هذه المسألة بالشرح فلا معنى للإعادة. مسألة: قال: "وإذا اشترى في القراض خمراً أو خنزيراً أو أم ولد". الفصل وهذا كما قال: جملته أنه لا يجوز للعامل أن يبيع الخمر ولا أن يشتريه سواء كان العامل نصرانياً أو مسلماً، وقال أبو حنيفة: إن كان العامل نصرانياً له أن يشتري الخمر ويبيع، وقال أبو يوسف ومحمد: يصح الشراء منه دون البيع لأنه يدخل ما يشتريه في ملكه أولاً ويجعل كأنه اشترى عصيراً فصار في يده خمراً فيكون ذلك لرب المال ولا يمكن بيعها من جهة المسلم وهذا غلط لأنه مائع نجس كالدم، فإذا تقرر هذا فلو اشترى خمراً أو خنزيراً أو أم ولد ودفع الثمن فالشراء باطل وهو للمال ضامن في قياس قوله: ويسترجع المال من البائع، فإن كان قد تلف كان لرب المال أن يطالب العامل أو البائع فإن رجع على العامل رجع العامل على البائع, وإن رجع على البائع لم يرجع على العامل لأنه دخل على أن يكون تلفه من ضمانه, وقال أصحابنا بخراسان: إنما يضمن العامل إذا علم أنه خمرا أو أم ولد, فإن لم يكن علم فبان ذلك لم يضمن لأن الاحتراز منه لا يمكن. ومن أصحابنا من قال: في الخمر يضمن لأنه لم يتأمل بل فرَّط بخلاف أم الولد،

стр. 3297

واختار الشيخ أبو حامد أنه يلزمه الضمان لأنه دفع الثمن بغير حق وحكم ضمان المال لا يختلف بالعلم والجهل. فرع إذا قارض رجل رجلين بألف درهم على أن لهما نصف الربح صح القراض ولكل واحد منهما ربع الربح لأن العقد مع الاثنين بمنزلة العقدين فكأنه قارض كل واحد منهما على خمسمائة ويكون نصف ربحها لرب المال ونصفه للعامل، فإن قيل: إذا قارض اثنين بمالٍ واحدٍ وعملا فيه وقسما الربح فقد حصل بينهما [(١٣٢) / ب] شركة الأبدان وعندكم لا تصح شركة الأبدان قلنا: هما ليسا شريكين وإنما يعملان على المال المشترك بينهما في القراض، ولأن كل واحد منهما يعمل على نصف المال ولا اعتبار باشتراكهما في العمل فيه، ألا ترى أن في شركة العنان يعملان في المال والربح بينهما على قدر المالين ولا اعتبار بعملهما, وان كان له تأثير في الربح كذلك ها هنا وعلى ما ذكرنا يجوز أن يسوَّى بينهما في الربح، ويجوز أن يفاضل فيشترط لأحدهما: النصف وللأخر الثلث ونحو ذلك ويكون كأنه قارض أحدهما: في نصف المال بنصف الربح وللآخر في نصغه بثلث الربح وشرط لأحدهما: النصف وللآخر الثلث فيجوز، وقال مالك: لا يجوز لأنهما شريكان بأبدانهما فلا يجوز تفاضلهما في الربح كالمنفردين وهذا غلط لأن هذا بمنزلة العقدين فجاز أن يشترط في أحدهما أقل من الآخر كما لو انفردا وقد بينا أن هذا ليس بشركة الأبدان. فرع آخر لو دفع رجلان إلى رجلٍ ألف درهم هو بينهما نصفان وشرطاً له الثلث ولهما الثلثين جاز وان قالا له: لك النصف ولفلان الثلث, ولشريكه السادس لم يصح لأن المال لهما فيجب أن يشتركا في الربح على قدر المالين بالسوية، وإن شرطا له من نصيب أحدهما: تسعى الربح ومن نصيب صاحبه أربعة أتساع الربح ويكون الباقي بينهما لم يصح، وقال أبو حنيفة: يصح وهو اختيار أبي ثور وهذا غلط لأن صحتها من ثمانية عشر فيأخذ العامل من نصيب أحدهما: من تسعة سهمين ويبقى له سبعة ومن نصيب الآخر من تسعة أربعة ويبقى له خمسة فيؤدي إلى انفراد أحدهما بزيادة الربح وقولهما: يكون الباقي بيننا يقتضي التسوية بينهما في الباقي، ولو قالا: ويكون الباقي سبعة أتساعه لفلان وخمسة أتساعه لفلان صح ذلك لأنهما لم يشترطا التسوية بينهما في الباقي وهذا العقد بمنزلة العقدين فيجوز أن يشترط لأحدهما من نصيبه الربح أكثر مما يشترط الأجر. [(١٣٣) / أ] فرع آخر لو دفع إلى رجل ألفاً قراضاً على أن يعطيه ألفاً بضاعةً لم يجز نص عليه في "الأم" لأنه لم يرض بأن يكون عوض عمله في القراض ما شرط له من الربح حتى يعمل له في

стр. 3298

الألف الذي هو بضاعة عملاً ويكون له ربحه ينفرد به وكأنه شرط لنفسه بعض الربح هن أحد الألفين وجميع الربح من الألف الآخر وهذا لا يجوز. فرع آخر قال: لو دفع إليه ألف درهم قراضاً ثم دفع إليه ألفاً آخر وقال له: ضمه إلى الأول حتى يكون الكل قراضاً لم يصح إن كان قد تصرف في الأول، وان لم يكن تصرف فيه صح لأنه إذا تصرف في الأول يجوز أن يحصل فيه خسران وفي الثاني ربح فيجبر الخسران في أحدهما: بربح الآخر ولا يجوز أن يجبر أحد العقدين بالآخر، وعلى هذا إن كان قد اشترى بالألف الأول متاعاً وباعه ونضَّ الثمن جاز ضم الآخر إليه لأن هذا المعنى مأمون فيه فيكون بمنزلة ما لو لم يتصرف فيه، ولو قال له: ضم إليه ألفاً من مالك ويكون الربح بيننا على الثلث والثلثين لم يصح لأن هذه شركة ويجب أن يكون الربح على قدر رأس المال، ولو عمل فربح كان الربح بينهما نصفين على قدر المالين ويكون للعامل نصف أجر مثله على رب المال, ولو قال: ضم إليه ألفا آخر واعمل فيه وما يحصل من الربح كان بيننا نصفين ولك السدس من نصيبي بحق العمل صح ويكون ذلك قراضاً في الألف والاختلاط بماله لا يمنع صحته لأن القراض يجوز في المال المشاع، وقال أصحاب مالك: لا يجوز أن تضم إلى القراض شركة وهذا غلط لأنه لم يجعل أحد العقدين شرطا في الآخر فجاز. فرع آخر لو اختلف العامل ورب المال في مقدار الربح فقال رب المال: شرطت لك النصف منه، وقال العامل: بل شرطت الثلثين تحالفا, فإذا حلفا انفسخ عقد القراض وكان لرب المال رأس المال والربح وللعامل أجر مثله وهذا لأنهما لما تحالفا بقي على الجهالة فانفسخ، وان حلف أحدهما [(٣٣) / ب] ونكل الآخر عن اليمين حكم له عليه، وقال أبو حنيفة: القول قول رب المال مع يمينه وهذا غلط لأنهما اختلفا في صفة عقدٍ فيتحالفان كما لو اختلف المتبايعان في الثمن. فرع آخر لو دفع إليه مالاً فنضَّ في يده ثلاثة آلاف واتفقا على حصة العامل وأن المشروط له النصف واختلفا في رأس المال فقال العامل: رأس المال ألف والربح ألفان، وقال رب المال: بل رأس المال ألفان والربح ألف فالقول قول العامل لأن المال في يده ورب المال مدعي عليه، ومن أصحابنا من قال: يتحالفان إذا اختلفا في مقدار الربح والأول أصح، وقال في "الحاوي": فيه لأصحابنا وجهان مخرجان من اختلاف قوليه في العامل هل هو وكيل أو شريك أحدهما: القول قول رب المال إذا قلنا: إن العامل

стр. 3299

وكيل مستأجر وبه قال زفر، والثاني: القول قول العامل, إذا قلنا: إنه شريك مساهم وبه قال محمد وهذا أصح وعن أبي حنيفة روايتان. فرع آخر لو أحضر العامل ثلاثة ألاف وقال: رأس المال منها ألف والربح ألف، والثالث: لي أو وديعة في يدي أو هو دين علي من قراضي وادعاه رب المال وبحاً فالقول قول العامل مع يمينه لمكان يده، وكذلك لو لم يكن ربح، واختلفا في قدر رأس المال فالقول قول العامل بلا إشكالٍ. فرع آخر لو اشترى العامل عبداً ثم اختلفا فقال رب المال: كنت نهيتك عن ابتياعه, وقال العامل: ما نهيتني عنه فالقول قول العامل لأن رب المال يدعي خيانته فلا يقبل قوله عليه. فرع آخر إذا دفع إلى رجلين مالاً قراضاً على أن له نصف الربح ولهما النصف نصفين بينهما فعملا ونضَّ المال ثلاثة ألاف, ثم اختلفوا فقال رب المال: رأس المال ألفان والربح ألف لي منه خمسمائة ولكما خمسمائة لكل واحد منكما مائتان وخمسون فكذبه أحدهما وصدقه الأخر فهذه المسألة مبنية على ثلاثة أصول أحدها أن رب المال والعامل [(١٣٤) / أ] إذا اختلفا في مقدار رأس المال فالقول قول العامل، والثاني: أن العامل لا يأخذ قسطه من الربح حتى يسلم لرب المال رأس ماله، والثالث: أن العاملين كالعامل الواحد في حكم الربح والخسران فإذا كان القول قول من كذبه فحلف ثبت أن رأس المال ألف وأن الربح ألفان في حقه يأخذ خمسمائة ويبقى هناك ألفان وخمسمائة يقول المصدق لرب المال: لك ألفان رأس مالك وقد بقي خمسمائة لك ثلثاها ولي ثلثها، لأن شريكي لو أنصف أخذ مائتين وخمسين ويبقى سبعمائة وخمسون لك ثلثاها ولي ثلثها فلما أخذ خمسمائة غصبنا معاً على مائتين وخمسين فيكون مناً بالحصة يكون ثلثا ما بقي لك ولي الثلث كما لو كان جميع الربح مائة وخمسين فغصب أجنبي منها مائتين وخمسين يكون منا معاً كذلك ها هنا فيفيد قولنا: القول قول العامل في قدر رأس المال أنهما لما اختلفا ها هنا كان القول قوله ويفيد قولنا: لا يأخذ العامل شيئا من الربح حتى يحصل رأس المال لصاحبه أن ما غصبه العامل يحتسب من الربح لا من رأس المال, ويفيد قولنا: إنهما يجريان مجرى عامل واحدٍ أن العامل المصدق لا يمكنه أن يقول: لا يلزمني حكم ما أخذه ذلك العامل بل استحق كمال نصيبي من الربح ويقال له: أنت وهو كالعامل الواحد فما يأخذه محسوب من حقك ويصير كما لو تلف شيء من المال.

стр. 3300

فرع آخر يجوز لولي اليتيم أن يقارض في مال اليتيم ولا يأذن له بالتصرف نساء بحالٍ لأن في ذلك غررًا، ولا فرق بين أن يكون الولي أبًا أو جدًا أو قيّمًا أو وصيًا نصَّ عليه في "البويطي" وإنما يجوز أن يدفع إلى من يجوز له أن يودع ماله عنده وهذا لقوله ﷺ "ابتغوا في أموال اليتامى لا تأكلها الزكاة". فرع آخر لو اشترى العامل من مال القراض عبدًا أو [١٣٤ ب] أمّةً فأراد رب المال أو العامل أن يزوج العبد أو الأمة وامتنع الآخر لم يجبر الممتنع منهما عليه لأن في ذلك نقصان قيمتها، وإن اتفقا عليه كان لهما عليه كان لهما ذلك ويفارق هذا أمة المأذون له في التجارة إذا أراد السيد تزويجها فإنه إن لم يكن عليه دين جاز له تزويجها لأنه لا حق فيه للعبد وإنما الحق للسيد، وإن كان عليه دين لم يجز تزويجها وإن وافقه العبد لأن حقوق الغرماء ما تعلقت بما في يده وفي مال المضاربة لا حق لغيرهما وكذلك لا يجوز لواحدٍ منهما أن يكاتبه لأن الكتابة كالإتلاف، ألا ترى أنه لو كاتب عبده في مرضه اعتبر قيمة العبد من الثلث، ولو اتفقا عليه جاز ثم إذا أدى المال وعتق قال في حرملة: فإن لم يكن في المال فضل فالولاء لرب المال، وإن كان فيه فضل فالولاء بينهما ولا يجوز لواحدٍ منهما وطئها إذا كان أمة سواء قلنا: يملك بالظهور أو بالقسمة لأنه يستضر العامل بنقصان قيمتها بالإحبال. فرع آخر لو اشترى رب المال سلعة من مال القراض من العامل لم يجز لأنه مال والعامل وكيله يتصرف فيه بإذنه ويفارق المولى يجوز له أن يشتري من مكاتبه ما في يده لأنه يتصرف فيه من غير إذن السيد فهو معه بمنزلة الأجنبي، وقال أبو حامد: قال بعض أصحابنا: يجوز للسيد أن يشتري من المأذون إذا ركبته الديون لأنه حق الغرماء ثم قال لا يصح لأنه ملك السيد ويحتمل أن يريد هذا القائل أن السيد يأخذه بقيمته كما يدفع قيمة العبد الجاني ولا يكون بيعًا ويحتمل أن يقال مثل هذا في مال القراض. فرع آخر لو دفع رجل إلى رجل ألف درهم قراضًا فاشترى العامل به عبدًا فتلف الألف قبل أن تدفع إلى البائع قال في "البويطي": كان المبيع للعامل والثمن عليه ولا شيء على رب المال، وظاهر هذا أن القراض زال بهلاك المال قبل تسليمه [١٣٥/ أ] إلى البائع،

стр. 3301

واختلف أصحابنا في تأويلها على طريقين فمنهم من قال: إذا تلف الألف لا يخلو من أحد أمرين إما أن يتلف قبل الشراء فإن تلف قبل الشراء مثل إن اشترى عبدًا بألفٍ ثم بان له أن الألف قد هلك قبل الشراء فقد زال القراض وبطل وانقطع تصرف العامل في القراض، فإن ابتاع بعد هذا شيئًا كان له دون رب المال ولا شيء على رب المال وهذه مسألة "البويطي"، وإن كان التلف بعد حصول الشراء كان المبيع لرب المال قراضًا وعليه تسليم ألفٍ آخر في ثمنه لأن المبيع له لا للعامل، ثم إذا دفع الألف في ثمنه فأي الألفين يكون قراضاً؟ اختلف أصحابنا فيه على هذه الطريقة على وجهين: أحدهما: التالف من رأس المال والقراض الألف الآخر وهذا ليس بشيء والمذهب أن الألفين معًا قراض وأن التالف من الربح لا من رأس المال، فإن ربح العامل شيئًا كان من التالف حتى يرد الألفين معًا وما ربح بعدهما فله قسطه منه وبه قال أبو حنيفة ومحمد، وحكي عن مالك أن رب المال بالخيار بين أن يدفع ألفاً آخر تكون هي رأس المال دون الأول وبين أن لا يدفع ويكون الشراء للعامل، وقال ابن سريج: المبيع للعامل والثمن عليه ولا شيء على رب المال على ظاهر ما قاله في "البويطي" لأنه إن كان التلف قبل الشراء فلا إشكال فيه، وإن كان بعده تحول الملك إلى العامل لأنه قد تعذر عليه وزن الثمن من مال رب المال فتحول المبيع إليه قال: ولو كان مثل هذا في الوكيل فيه وجهان أحدهما: ينقلب إلى الوكيل والثمن عليه، ولا شيء على الموكل كما في القراض. والثاني: يكون للموكل وعليه أن يدفع ألفًا آخر ولم يذكر القاضي الطبري غيره، وقال بعض أصحابنا بخراسان: في مسألة القراض قولان، وقال في "الحاوي": لهذه المسألة مقدمة وهي أنه لو دفع إليه ألفين فتلف أحدهما بعد أن اشترى به [١٣٥/ ب] عرضًا وتلف العرض قبل بيعه فيه وجهان أحدهما: أنه قراض لتلفه بعد التصرف فيه في الابتياع فيكون رأس المال ألفي درهم وعلى العامل أن يجبر الألف التالف، والثاني: الألف التالف لا يكون قراضًا لتلفه قبل كمال التصرف في ببيع ما اشترى به فعلى هذا يكون رأس المال ألف درهم ولا يلزم العامل أن يجبر بالربح الألف التالف لأنه لم يصر قراضًا، فإذا تقرر هذا ففي مسألتنا وجهان أحدهما: الشراء للعامل وهذا على الوجه الذي نقول ما تلف بعد الشراء وقبل البيع خارج من القراض، والثاني: الشراء في القراض وهذا على الوجه الذي نقول: ما تلف بعد الشراء قبل البيع داخل في القراض فعلى هذا يلزم رب المال أن يدفع ألفًا ثانيًا ويصير رأس المال ألفي درهم وعلى العامل جبره بالربح.

стр. 3302

فرع آخر لو أعطاه ألفي درهم قراضًا فتلف ألف قبل أن يتجر كان تلفه من رأس المال وينفسخ القراض فيه لأن رأس المال بعينه قد تلف هكذا قال عامة أصحابنا، وحكي عن أبي حامد أنه قال: هكذا قال أصحابنا ولكنه خلاف النص لأنه نصَّ في "الجامع الكبير" للمزني: أنه يكون التالف من الربح لا من رأس المال، وإن كان قبل أن يتجر وهكذا حكاه القاضي أبو علي الزجاجي ووجهه أن المال يصير قراضًا في يد العامل بالقبض فلا فرق بين أن يتلف قبل التصرف أو بعده، وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان أحدهما: أن رأس ماله ألفا درهم لأنه وإن لم يضمن التالف من جهة أنه يغرم يضمنه من جهة أنه يجبر ذلك بالربح، والثاني: ما ذكرنا. فرع آخر لو اشترى بكلا الألفين وباع ونضَّ الثمن فالتالف من الربح بال خلافٍ، ولو اشترى بالألفين عبدين ثم تلف أحد العبدين فيه وجهان أحدهما: يكون التالف من الربح [١٣٦/ أ] وهو الصحيح لأن المال قد دار في القراض فما يتلف يكون من الربح، والثاني: يتلف من رأس المال ويكون حكمهما حكم ثمنيهما لأنهما بدلان عن الأصل وهذا ليس بشيء. فرع آخر لو دفع ألفًا قراضًا فعمل العامل به وخسر مائة وأخذ منه رب المال مائة ثم عمل العامل بالباقي فصار ألفًا وخمسمائة وأراد أن يعلما قدر رأس المال ليقتسما الربح فوجه العمل فيه أن يقال: لما خسر في الألف مائة لزم تقسيطها على التسعمائة فيكون قسط كل مائة درهم أحد عشر درهمًا وتسعًا، فلما استرجع رب المال مائة تبعها قسطها من الخسران وهو أحد عشر درهمًا وتسع وهو القدر المسترجع من الألف ويبقى رأس المال ثمانمائة وثمانية وثمانون درهمًا وثمانية أتساع درهم، فلو كان قد خسر العامل المال ثمانمائة وثمانية وثمانون درهمًا وثمانية أتساع درهم، فلو كان قد خسر العامل مائتي درهم واسترجع رب المال مائة صار رأس المال ثمانمائة وخمسة وسبعين درهمًا لأن القسط كل مائة من الخسران خمسة وعشرون درهمًا ثم على هذا القياس. فرع آخر لو أذن للعامل بالبيع نسيئة أو بالشراء سلمًا ففعل ثم جحد العامل معه ضمن العامل لأنه فرط بترك الإشهاد، ولو أذن بالبيع معجلًا وأذن له في تسليم المبيع أولًا ففعل ثم حلف المشتري على الثمن وجحد فلا ضمان على العامل لأن العادة لم تجر بالإشهاد في البيع الحال فلم يفرط في ترك الإشهاد. فرع آخر لو قارضه على مالين بعقدين فخلط العامل أحد المالين بالآخر ضمن خلافًا لأبي حنيفة.

стр. 3303

فرع آخر لو أخذ من رجل مائة درهم قراضًا فاشترى بها جارية للقراض، وأخذ من آخر مائة درهم قراضًا فاشترى بها جارية أخرى للقراض واختلطتا ولم يعلم الأولى من الثانية قال في أمالي حرملة: فيه قولان أحدهما: هما لربي المال تباعان معًا، فإن لم يكن في المال فضل أخذ كل واحد منهما مائة ولو كان فيه فضل فالفضل على ما شرطا، وإن كان خسران كان على العامل لأنه [١٣٦/ ب] حصل بنسيانه وتفريطه قال أصحابنا: وفي هذا نظر لأن المتعدي لا يضمن نقصان السعر كالغاصب ولعله أراد الخسران بنقصان العين، والثاني: ينقلب ملكهما إلى العامل لأنه فرط في الاختلاط وعليه قيمتها كما لو أتلفهما يلزمه قيمتهما. فرع آخر لو أخذ مالًا قراضًا لا يمكنه القيام به والتصرف في فتلف بعضه ضمنه لأنه فرط بأخذه حين لا يمكنه القيام به. فرع آخر لو اشترى العامل ما يعلم أنه لا فضل فيه لا في الحال ولا في ثاني الحال لم يجز. فرع آخر لو كان مال القراض عبدًا فقتله عبد لأجنبي وجب القصاص علي قاتله، فإن لم يكن في المال فضل فلرب المال القصاص والعفو، فإن اقتص فلا كلام وزال القراض، وكذلك إن عفا على غير مال، وإن عفا على مال نظر، فإن عفا على قدر القيمة ولم يكن حال العفو في المال فضل فالكل لرب المال والقراض بحاله لأن بدل مال القراض على من أتلفه يقوم مقامه، وإن كان في حال العفو فضل كان الفضل بينهما على الشرط، وإن قتل وفي المال فضل حين القتل ليس للعامل أن يقتص وحده ولا لرب المال وحده أن يقتص، فإن اتفقا نظر، فإن عفوا على غير مال زال القراض، وإن عفوا على مال كان المال قراضًا والفضل بينهما على الشرط، وإن عفا أحدهما: سقط القصاص كالوليين إذا عفا أحدهما: سقط القصاص كالوليين إذا عفا أحدهما، ومن أصحابنا من قال: هل يسقط بعفو العامل؟ وجهان بناءً على أنه شريك أو وكيل، ولو قتل خطأ أخذت القيمة وكانت في مال القراض بلا إشكالٍ. فرع آخر لو سرق المال من يد العامل هلي يكون العامل خصمًا في المطالبة به من غير توكيل من مالكه؟ وجهان أحدهما: قال ابن سريج: يكون خصمًا فيه وكيلًا في المطالبة به لأن عقد القراض قد تضمنه، والثاني: وهو قول الأكثرين لا يكون خصمًا فيه لأن عمله مقصور على البيع والشراء، وقال صاحب "الحاوي": الأول أشبه بالصواب لأن عقد القراض موجبٌ [١٣٧/ أ] على العامل استبقاء ماله وحفظ أصله، ألا ترى أنه لو

стр. 3304

استرجع من سارقه كان قراضًا بمتقدم عقد. فرع آخر لو قدم مائة دينار وألف درهم فقال: قارضتك على أحدهما: بالنصف لم يصح لأنه جهالة فتمنع صحته. فرع آخر لو دفع إلى رجل مائة دينار فخسر خمسين فقال لصديق له: خسرت خمسين وأخشى إن علم صاحب المال أخذه مني فأقرضني خمسين حتى أضمها إلى ما عندي وأريه إياها ثم أردها ففعل وأراها صاحب المال فأخذ المال وفسخ القراض، ثم أقام المقرض البينة بما فعله قال الشافعي في أمالي حرملة: ليس له استرجاع الخمسين لأنه أقرضه إياها وملكها وزال ملكه عنها إلى غيره فصار كما لو تلفت في يده فلم يكن له الرجوع إلى العين بل كان حقه في ذمة المستقرض. فرع آخر لو اشترى بمال القراض جارية قد ذكرنا أنه لا يجوز لواحدٍ منهما وطئها، فلو أذن أحدهما لصاحبه بالوطئ فإن أذن رب المال للعامل لم يجز لأن الوطء لا يستباح بالإباحة، وإن أذن العامل لرب المال، فإن كان في المال ربح وقلنا يملكه العامل بالظهور لم يستبح وطئها، وإن لم يكون في المال ربح أو قلنا: لا يملك العامل الربح بالظهور جاز له وطئها كما لو أذن المرتهن للراهن بالوطئ يجوز. فرع آخر لو دفع إلى رجلٍ أرضًا على أن يغرسها العامل بغرسٍ من عنده على أن تكون الأرض بينهما والغراس بينهما فالمعاملة فاسدة قال ابن سريج: هذه ليست بشركة ولا قراض فتكون الأرض لرب الأرض والغراس للعامل ولرب الأرض على العامل أجره مثل أرضه، فإن طالبه رب الأرض بالقلع، فإن كان لا ينقص قيمته بالقلع فعليه القلع ولا شيء له على رب الأرض، وإن كان ينقص كان لرب المال مطالبته به وعليه ما نقص، وإن اتفقا على ترك الغراس بالأجرة فلا كلام، وإن اختلفا فقال رب الأرض: اقلع غرسك وعليّ ما نقص [١٣٧/ ب] وقال رب الغراس: بل أنا أقره في أرضك بالأجرة قدمنا قول رب الأرض، ولو قال رب الغراس: اقلع وعليك ما نقص، وقال رب الأرض: بل تقره وعليك الأجرة قدمنا قول صاحب الغراس، ويقال لرب الأرض: أعطيك قيمة الغراس فيكون الغراس مع الأرض لي، وقال الغارس: اقلع وعليك ما نقص قدمنا قول العامل، ولو كان بالضد فقال العامل: أعطني قيمة غرسي ليكون لك مع الأرض، وقال رب الأرض: بل اقلع وعليّ ما نقص قدمنا قول رب الأرض، وإن اختلفا في القيمة والأجرة فقال رب الأرض: خذ القيمة ليكون الكل لي، وقال العامل: بل أقره ولك الأجرة أو قال رب الأرض: أعطني الأجرة وأقره في أرضي وقال: بل

стр. 3305

أعطني القيمة ليكون الكل لك لم يجبر واحدٌ منهما على ما يطلبه الآخر، ولو كان مكان الغراس زرع لم يملك رب الأرض مطالبته بقلعه لأن له غاية ينتهي إليها ومتى قلع هلك ولم يحصل الزارع على شيء ولكنه يلزمه أجر المثل إلى الحصاد. فرع يجوز أن يضارب مع رجلٍ بماله ثم يضارب مع آخر، وقال أحمد: لا يجوز إذا كان فيه ضرر على الأول فإن ضارب ثانيًا وكان في المال ربح رده على شريكه الأول وهذا غلط لأنه عقد جائز فلا يمنع العقد مع غير المعقود معه كالوكالة. وبالله التوفيق والعصمة.

стр. 3306

كتاب المساقاة مسألة: قال الشافعي ساقى رسول الله ﷺ أهل خيبر الخبر الفصل. وهذا كما قال: المساقاة عقد صحيح وهو أن يكون للرجل نخيل فيدفعها إلى رجل على أن يسقيها ويلحقها ويصرف جريدها مدةً معلومةً ويكون ما يخرج من الثمرة بينهما على ما يتشارطان والمساقاة مشتقة من السقي فكأن العقد لما كان واقعًا على السقي سمي [١٣٨/ أ] باسمه، فإن قيل: لم خصَّ باسم السقي وه يقع على غير السقي من التلقيح وغيره قلنا: لأن هذه العبارة أخف من أن يقال: ملاقحة أو مساعفة أو مجاردة ونحو ذلك ولأن المقصود ليبقى والباقي تابع له بساقٍ وقيل: لأن موضع النخل والشجر يسمى سقيًا والأصل في جوازها ما روى ابن عباس أن النبي ﷺ لما افتتح خيبر وأجلى أهلها أتوه وقالوا: نحن أعلم بأمر النخيل منكم فأعطونا نكفيكم فساقاهم على ذلك وقال: "أقركم ما أقركم الله على التمر بيننا نصفين" وإنما قال هذا لأنهم لا يرون الفسخ فخاف أن يظنوا أنه أمر لازم لا يجوز رده فشرط ذلك عليهم ولا يجوز لأحدنا هذا الشرط لأنا لا ندري كم يقرهم الله تعالى وجاز ذلك لرسول الله إذ كان يوحى إليه بأمر الله تعالى فيهم، ثم بعث عبد الله بن رواحة ليخرص عليهم فاستقبلوه بحليّ نسائهم رشوةً له ليخفف لهم في الخرص فقال: هذا سحت في ديني فأرادوا أن يستدرجوه بالكلام فقالوا: أنت أحب من تقدم علينا من هذه الجهة أنت ابن أختنا وكانت أمه خيبرية فقال عبد الله: أما أنا فقد قدمت من عند رجل هو أحب إلى من نفسي التي بين جنبّي، وقدمت على قومٍ أبغض إلى من القردة والخنازير، فقالوا: إذًا لا يمكنك أن تعدل بيننا فقال: حبي إياه لا يحملني على الميل إليه، وبغضي إياكم لا يحملني على الحيف بكم ثم خرص عليهم مائة ألف وسقٍ فقالوا: أجحفت بنا فقال: إن شئتم فلكم، وإن شئتم فلي يعني إن شئت خليت بينكم وبينها وتردون عليّ النصف بهذا الخرص، وإن شئتم خليتم بيني وبينها وأرد عليكم النصف فقالوا: هذا هو العدل وبه قامت السموات والأرض فأخذوا ذلك وضمنوا له التمر بخرصه فروي أنه لم ينقص علما قال بعشرة أوسقٍ، وروى جابرٌ: "خرصها أربعين ألف وسقٍ"، وروى ابن عمر رضي الله [١٣٨/ ب] عنهما أن النبي ﷺ عامل أهل خيبر على شطر ما يخرج منها من ثمرٍ وزرعٍ. واعلم أنه لابد فيها من شرطين أحدهما: أن تكون مدتها معلومة، والثاني: أن

стр. 3307

يكون نصيب العامل معلومًا بجزءٍ مثل النصف أو الثلث ونحو ذلك وهو لنا قال جماعة الفقهاء مالك والثوري والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبو يوسف ومحمد، وروي ذلك عن أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وسعيد بن المسيب وسالم بن عبد الله بن عمر ﵃، وقال أبو حنيفة وحدة: المساقاة باطلة ووافقة زفر. وحكي عن النخعي أنها مكروهة واحتجوا بالقياس على المزارعة وهذا غلط للخبر الذي ذكرنا. فإن قيل: هذا الخبر صار منسوخًا بما روي عن النبي ﷺ "أنه نهى عن المخابرة" هي معاملة أهل خيبر قلنا: المخابرة هي المزارعة واشتقاقها من الخبّار وهو الأرض اللنية، والخبّير الأكار وقال: قال الشافعي في "المختصر": المخابرة باطلة لما روى رافع بن خديج أن النبي ﷺ نهى عن المخابرة ولم تردّ إحدى سنَّتيه بالأخرى وقصد به الرد على أهل العراق فإن منهم من قال: تجوز المخابرة قياسًا على المساقاة وبه قال محمد، ومنهم من أبطل المساقاة قياسًا على المخابرة وبه قال أبو حنيفة ونحن لا نرد سنَّة بسنَّةٍ لأن النبي ﷺ أجاز المساقاة فأجزناها وأبطل المخابرة فأبطلناها. واعلم أن المزارعة والمخابرة باطلتان وصورة المزارعة أن يقول صاحب الأرض لرجل: ازرع هذه الأرض ببذري وآلتي والزرع بيننا. والمخابرة أن يقول: ازرع ببذرٍ وآلةٍ من عندك. وتمام خبر رافع بن خديج ما روي عن ابن عمر ﵁ أنه قال: كنا نخابر أربعين سنةً ولا نرى بذلك بأسًا حتى أخبرنا رافع بن خديج أن النبي صلى الله ﷺ نهى عنها فتركناها لقول رافع وهذا دليل على أن العمل بالمنسوخ [١٣٩/ أ] جائز ما لم يبلغ النسخ المأمور واعلم أن الخبر الذي ذكرنا يدل على أن المساقاة إذا صحت بينهما يجوز الخرص فيها. وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قولان أحدهما: هذا، والثاني: لا يجوز لأن تلك كانت معاملة بين الكفار والمسلمين فاحتمل نوعًا من الغرر بخلاف ما إذا كان بين المسلمين وفيه دليل على أن الثمرة إذا حرصت جاز تسليمها إلى العامل بعد أن يضمن لمالك النخيل حصته من الثمن وكما ضمنت اليهود حصة المسلمين ويجوز تسلميها إلى المالك أيضًا إذا ضمن حصة العامل وفيه دليل على أنها إذا سلمت إلى العامل بعد الضمان يتبسط العامل في جميعها بيعًا وأكلًا وانتفاعًا وأن الخرص تضمين وهو أحد القولين، ثم اعلم أن المساقاة جائزة في الكرم أيضًا كما تجوز في النخل. واختلف أصحابنا في الكرم هل قال به الشافعي نصًا أو قياسًا؟ فمنهم من قال: قاله نصًا وهو ما روى ابن عمر ﵁ "أن النبي ﷺ عامل أهل خيبر على الشطر مما يخرج من النخل والكرم"، وري أنه ساقي في النخل والكرم ومنهم من قال وهو

стр. 3308

الأشبه: أنه قال به قياسًا على النخل لاشتراكهما في وجوب الزكاة فيهما وبدون ثمرتهما وإمكان خرصهما، وقال داود: لا يجوز الخرص في الكرم اعتبارًا بالنص وهذا غلط لما ذكرنا ولأنه لو كان الاعتبار بعين النص لما جازت المساقاة بالثلث والربع لأن النص ورد في المساقاة بالنصف فدل أن الاعتبار بالمعنى وهو ما قلنا، وقال الليث بن سعد: تجوز المساقاة فيهما إذا لم يكن بعلًا ولا يجوز فيما كان بعلًا، وأما ما عدا النخل والكرم على ضربين قولًا واحدًا، وحكي عن مالك أنه قال: تجوز في المقاتي والمطابخ والباذنجان وفي كل ما لم يبدُ صلاحه لحدوث ثمرها مرةً بعد مرةً وهذا خطأ لأن ما لم يكن [١٣٩/ ب] شجرًا يابسًا فهو بالزرع أشبه والمخابرة على الزرع باطلة بالاتفاق، والثاني: ما له أصل ثابت كالزيتون والتفاح والتين والسفرجل ونحو ذلك ففيه قولان قال في القديم: يجوز، وبه قال مالك وأبو يوسف ومحمد لما روى الدارقطني بإسناده "أن النبي ﷺ عامل أهل خيبر بالشطر مما يخرج من النخل والشجر" ولأنها تثمر في كل حولٍ فهي كالنخل والكرم، وحكي عن مالك أنه قال: لو كان له زرع فاشتد جاز أن يدفعه إلى من يقوم بعمله من السقي وغيره ويكون بينهما، وقال في الجديد: لا يجوز وهذا ظاهر المذهب لأن ما لا تجب الزكاة في نمائه لا تجوز المساقاة عليه كالتوت ونحوه، وأما النخل والكرم ينميان بالعمل فالنخل يفتقر إلى اللقاح والكرم إلى الكساح ولا يحصل نماؤهما إلا بالعمل بخلاف سائر الأشجار لأنه يثمر من غير عمل عليه فافترقا، وقال بعض أصحابنا بخراسان: هذان القولان مبنيان على أن الخرص هل يدخل فيما عدا النخل والكرم؟ وفيه قولان والأصح أنه يجوز فيها. فرع المساقاة عقد لازم يفتقر إلى مدةٍ معلومةٍ كالإجارة ولا يلزم على هذا الكتابة لأنها تفتقر إلى مدتين، والفرق بينهما وبين القراض أن المقارض يتصرف في رقبة المال بإذن صاحبه كالوكيل والمساقي لا يتصرف في رقبة المال بل يعمل بعوضٍ يحصل له فهو كالأجير والإجارة من العقود اللازمة. فرع آخر هل يدخل العرجون في المساقاة؟ وجهان: أحدهما: يدخل لأنه يصرم مع الرطب، والثاني: لا يدخل لأنه لا يدّخر عليه وينتفع به دونه فإن الأغداق يقطف عنها الرطب ويرمى بها فلم يدخل فيها. فرع آخر سواقط النخل من السعف والليف لرب النخل، فلو شرطا أن يكون بينهما فيه

стр. 3309

وجهان أحدهما: يجوز لأنها نماء كالثمرة، والثاني: لا يجوز لأنها ليست من معهود النماء ولا [١٤٠/ أ] مقصوده. فرع آخر لا يجوز فيما لا ثمرة له بلا خلافٍ كالخلاّف والتوت الذكر والقص الفارسي ونحو ذلك. فرع آخر هل يجوزن على نخلٍ غائبٍ بشرط خيار الرؤية؟ قد قيل: فيه قولان والأصح أنها لا تجوز قولًا واحدًا، والفرق أن البيع تعدى على الغرر، فإذا دخل عليه غرر العين الغائبة بخيار الرؤية قوي على احتماله وعقد المساقاة غرر فيضعف عن احتمال غررٍ آخر. فرع آخر يلزم أن يعقداه بلفظ المساقاة فإن عقداه بلفظ الإجارة فقال: استأجرتك للعمل فيها كان باطلًا لأن الإجارة فيها لا تصح، فإذا عقد بلفظ الإجارة الصرف إليها فبطل. فرع آخر لو قال: عاملتك عليها بالعمل فيها على الشطر من ثمرها فيها وجهان أحدهما: يجوز لأن عقد المساقاة هكذا، والثاني: لا يجوز لأن هذا من أحكام العقد فلم يعقد به العقد وهذا كاختلاف أصحابنا في البيع بلفظ التمليك هل يجوز أم لا؟ فرع آخر لو أراد العامل أن يساقي غيره عليها مدة مساقاته جاز بمثل نصيبه فما دونه كالإجارة ولا يجوز بأكثر من نصيبه لأنه لا يملك الزيادة ويخالف العمل لا يقارض لأنه يتصرف في حق رب المال لأنه لا يلزم، وهذا تصرف في حق نفسه للزوم العقد فملك الاستنابة في تصرفه. مسألة: قال: "وتجوزُ المساقاةُ سنينَ". وهذا كما قال: المدة في المساقاة كالإجارة تجوز سنةً وفي الزيادة قولان أحدهما: لا تجوز الزيادة، والثاني: وهو الصحيح المنصوص ها هنا أنه تجوز الزيادة عليها فإذا قلنا: تجوز نص الشافعي في الإجارة أنها تجوز ثلاثين سنة والمساقاة في حكمها، واختلف أصحابنا في هذا فمنهم من قال: ذكره تحديدًا فلا تجوز الزيادة، وقال بعضهم: تجوز الزيادة وإنما ذكره على سبيل التكثير دون التحديد فتجوز الإجارة إلى الوقت الذي يبقى ذلك الشيء إليه غالبًا والمساقاة مثلها، وقال بعض أصحاب الحديث [١٤٠/ ب] تجوز المساقاة من غير تقدير بمدة لأن النبي ﷺ "ما قدر لأهل خيبر مدةً"، وقال أبو ثور: إن قدرت بمدةٍ لزمت إلى انقضائها وإن لن تقدر بمدة صحت وكانت على سنة واحدة وهذا غلط قياسًا على عقد الإجارة. وأما ما ذكره لا يصح لأنه يحتمل

стр. 3310

أن رسول الله ﷺ ذكر المدة ولم ينقل. فرع إذا جوزناها سنين هل يلزم ذكر نصيب كل سنة؟ ففي الإجارة قولان وفي المساقاة طريقان أحدهما: فيه قولان، والثاني: قاله أبو إسحاق يلزم قولًا واحدًا لأن ثمار النخل تختلف باختلاف السنين ومنافع الإجارة لا تختلف. فرع آخر لو ساقاه ثلاث سنين على أن الثمر في السنة الأولى بينهما نصفين، وفي السنة الثانية أثلاثًا وفي السنة الثالثة أرباعًا جاز، ذكره أكثر أصحابنا كما في الإجارة، ومن أصحابنا من قال: لا يجوز حتى يتساوى نصيبه في جميع السنين لأنها عقود مختلفة في عقدٍ كما لو أسلم في قفيز حنطة وقفيز شعير في عقد واحد لا يجوز وهو ضعيف. فرع آخر يلزم أن تقدر بالشهور التي قد أجرى الله تعالى العادة بأن الثمار تطلع فيها إطلاعًا متناهيًا فإن تأخر اطلاع الثمرة فيها بحادثٍ ثم اطلعت بعد تقضيها فالصحيح من المذهب أن العامل شريط فتكون الثمرة بينهما، وإن انقضت مدة المساقاة قبل اطلاعها لأن ثمرة هذا العام حادثة على ملكها ولا يلزمه العمل بعد انقضاء المدة، وإن استحق الثمرة إلا فيها يختص بالثمرة من التأبير والتلقيح، ومن أصحابنا من قال: العامل أجير فعلى هذا لا حق له في الثمرة الحادثة بعد انقضاء المدة ولا يستهلك عمله غير بدلٍ فيحكم له حينئذ بأجرة المثل. فرع آخر لو ساقاه عشر سنين على أن له نصف الثمرة في سنةٍ منها فإن لم يعينها لا يجوز، وإن عينها فإن كانت غير السنة الأخيرة لا يجوز لأنه شرط عليه بعد حقه من الثمرة عملًا لا يستحق عليه [١٤١/ أ] عوضًا، وإن كانت السنة الأخيرة فيها وجهان أحدهما: يجوز كما يجوز أن العمل في جميع السنة، وإن كانت الثمرة في بعضها، والثاني: لا يجوز لأنه يعمل مدةً يثمر فيها ولا يستحق شيئًا من ثمرها وبهذا خالف السنة الواحدة. فرع آخر لو ساقاه عشر سنين فاطلعت ثمرة السنة العاشرة بعد تقضيها لم يكن للعامل فيها نصيب لتقضي مدته وزوال عقده، ولو اطلعت قبل تقضي تلك السنة ثم تقضت ولم يبد صلاحها وهي طلع أو بلح بعد كان له حقه منها لحدوثها في المدة ثم إن قلنا: إنه أجير فعليه أن يأخذ حقه منها طلعًا أو بلحًا وليس له استبقاء حقه إلى بدء الصلاح، وإن قلنا: إنه شريك كان له استبقاؤها على النخل إلى بدء الصلاح وتناهي الثمرة. فرع آخر لو ساقاه على النخل فاطلعت بعد قبض العامل لها وقبل عمله فيها استحق نصيبه من

стр. 3311

تلك الثمرة لحدوثها في يده، ولو أطلعت قبل قبضه وتصرفه فيها فإن قلنا إنه أجير لكم يكن له في تلك الثمرة نصيب لارتفاع يده، وإن قلنا: إنه شريك استحق نصيبه من تلك الثمرة لأنها بعد العقد حادثة عن ملكهما وعلى العامل أجرة مثل ما استحق عليه من العمل فيها. فرع آخر لو قال: ساقيتك على هذه النخيل سنةً ولم يذكر قدر نصيبه قال ابن سريج: يجوز وتكون الثمرة بينهما نصفين حملًا على عرف الناس في المساقاة، ولو قال: عاملتك على هذه النخيل سنة ولم يذكر قدر نصيبه لم يجز لأنه ليس للمعاملة عرفٌ، والمشهور عند أصحابنا أنه يجوز فيها لأن نصيب العامل مجهول. مسألة: قال: "وإذا ساقاهُ على نخلٍ وكانَ فيهِ بياضٌ لا يوصلُ إلى عملهِ إلا بالدخول إلى النخلِ". الفصل وهذا كما قال: إذا كان بين النخيل بياض لا يخلو إما أن يكون سيرًا أو كثيرًا، فإن كان يسيرًا يجوز أن يزارع فيه ولكن لا يدخل في عقد المساقاة إلا بالشرط [١٤١/ ب] وقال مالك: له أن يزرع البياض بغير إذن مالكه إذا كان أقل من الثلث وهذا غلط لأن العقد لا يصح إلا بالتسمية كسائر العقود، فإذا تقرر هذا فلو قال: ساقيتك على النخل على كذا أو زارعتك في الأرض على كذا يجوز قولًا واحدًا وهذا روي أن النبي ﷺ لما دفع النخل إلى أهل خيبر دفع البياض إليهم على أن لهم نصف النخل والزرع ولرسول الله ﷺ النصف وكان الزرع كما وصفنا بين ظهراني النخيل يسيرًا، ولولا الخبر لما جوّزناه ولا فرق بين أن يسوي بينهما في الحصة أو يخالف بينهما فيقول: ساقيتك على النخل بالنصف وخابرتك على الأرض بالدفع. وقال في "الحاوي": إذا خالف فيه وجهان قال البغداديون: يجوز، وقال البصريون: لا يجوز لأنهما إذا تفاصلا تميزًا ولم يكن أحدهما: تبعًا ولا متبوعًا، ولا فرق بين أن يأتي بلفظٍ والصريح في كل واحدٍ منهما نحو ما ذكرنا من لفظ المساقاة والمخابرة وبين أن يأتي بلفظٍ يجمع الأمرين معًا فيقول: عاملتك على الأرض والنخل معًا بالنصف مما تخرجه من ثمرٍ وزرعٍ، ولو قال: ساقيتك في النخل على أن أزارعك في البياض لم يجز لأنه جعل عقد المزارعة شرطٍا في عقد المساقاة فلا يجوز كما لو قال: أساقيك على هذا البستان على أن أساقيك في بستانٍ آخر، ولو عقدا على النخل ولم يعقدا على البياض ثم عقدا على البياض عقدًا مستأنفًا لا يخلو إما أن يكون مع العامل في النخل أو مع غيره، فإن كان مع غيره لا يجوز قولًا واحدًا، وإن كان مع العامل هل يجوز؟ فيه وجهان:

стр. 3312

أحدهما: يجوز للضرورة فإنه لا يمكن تعهد النخل إلا بتعهده ويؤدي إلى اشتراك الأيدي فيه. والثاني: لا يجوز وهو اختيار البصريين من أصحابنا لأنه جوّز ذلك تابعًا للمساقاة فلا يجوز إفراد التابع بالعقد وعلى هذين الوجهين اختلفوا فيمن اشترى نخلًا ذات ثمرةٍ لم يبد صلاحها، ثم اشترى الثمرة [١٤٢/ أ] في عقدٍ آخر بغير شرط القطع فأحد الوجهين يجوز لأنه تبع لأصلٍ صار إلى مشترٍ واحد فصار كما لو جمعهما في عقدٍ واحد، والثاني: لا يجوز لتفرد كل عقد بحكمه وعلى هذا إذا بدا الصلاح في بعض ثمار النخيل فباع الكل مطلقًا ثم عقد معه على ما لم يبد فيه الصلاح مطلقًا هل يكون تابعًا للأول؟ وجهان فإن قال قائل: إذا جوزتم المخابرة على البياض تبعًا للمساقاة فهلا جوزتم إجارة النخل تبعًا لإجارة الأرض؟ قلنا: الفرق أن المساقاة والمخابرة تتجانسان لأن الثمار واجد يوجد من أصول باقية فجاز العقد عليهما تبعًا لتجانسهما، ومنافع الأرض في الإجارة آثار وفي النخل أعيان فلم يتجانسا ولم يجز العقد عليهما تبعًا لاختلافهما، ولو كان البياض كثيرًا والنخيل قليله قال أبو إسحاق: لا تجوز المزارعة فيه لأنه لا يجوز أن يكون الكثير تابعًا للقليل، ومن أصحابنا من قال: يجوز لأن الضرورة في اليسير والكثير واحدة وهي أنه لا يمكن سقيها إلا بسقي النخيل فإذا قلنا: لا يجوز يؤاجر الأرض ويساقي على النخل. فرع لو كان البياض في ناحية متميزًا عن النخيل لا يجوز أن يزارعه فيه بحالٍ لا منفردًا ولا مجموعًا لأنه لا ضرورة إلى تجويزها. فرع آخر إذا جوزنا وعقد عليهما عقدًا واحدًا هل يجب أن يكون البذر لرب المال أو للعامل؟ وجهان أحدهما: يجب أن يكون لرب المال لأنه أصل النماء كالنخيل، والثاني: يجب للعامل لأن الأصل هو الأرض والبذر يجري مجرى المؤن فيكون على العامل وقيل: البذر على من شرط منهما وكذلك البقر، ولو شرط البذر على العامل والبقر على رب المال وجهان لأن عمل البقر ينقطع قبل خروج الزرع وإدراكه. فرع آخر لو شرطا التبن لصاحب البذر والحب للثاني وجهان، ولو شرطا أن يكون التبن والحب لهما جاز. فرع آخر لو كان بين [١٤٢/ ب] النخل المساقاة زرع لرب النخل كالموز والبطيخ وقصب

стр. 3313

السكر فساقاه على النخل والزرع معًا على أن يعمل فيها بالنصف منها فيه وجهان تجوز المساقاة في الزرع تبعًا للمساقاة في النخل كما تجوز المخابرة تبعًا للمساقاة، والثاني: لا تجوز، والفرق أن المساقاة على الزرع هي استحقاق بعض الأصل والمخابرة على الأرض لا يستحق فيها شيء من الأصل. فرع آخر لو كان في البياض بين النخيل زرع ثابت هل يجوز المزارعة عليه؟ وجهان مبنيان على القولين في الثمرة الخارجة هل تجوز المساقاة عليها أم لا. فرع آخر إذا زرع العامل البياض من غير إذن رب النخل قال الشافعي: هو كمن زرع أرض غيره لغير إذنه يعني أنه بمنزلة الغاصب، وقد ذكرنا، وقال أبو حنيفة: إذا زرع أرض غيره وقلعه مضر بالأرض أجبر الزارع على أخذ قيمته مقلوعًا إذا أراد صاحب الأرض، وعندنا لا يجبر عليه. فرع آخر لو قال: ساقيتك على النخل والأرض بالنصف لم يصح في الأرض لأن المساقاة لا يتناولها وصح في النخل ويجب أن يبنى هذا على تفريق الصفقة. مسألة: قال: "ولا تجوزُ المساقاةُ إلا على جزءٍ معلومٍ" الفصل وهذا كما قال: إذا ساقاه على جزء معلوم من الثمار يجوز كما قلنا في القراض، ولا فرق بين أن يشترط له الأقل ولرب المال الأكثر أو بالضد من هذا ولا يجوز حتى يكون السهم معلومًا من جميع ثمرة النخل، ولو ساقاه على أن لرب المال ثمرة نخلاتٍ بعينها وثمرة الباقي للعامل أو على أن للعامل ثمرة نخلاتٍ بعينها ولرب المال ما بقي أو على أن لرب المال صاعًا منها وما فضل للعامل أو على أن للعامل صاعًا منها ولرب المال ما بقي فالكل باطل لأنه يفضي إلى أن ينفرد أحدهما: بكل الثمار ولا شيء لصاحبه فيه، فإن عمل فله أجر مثله فيما عمل والثمرة كلها لرب النخل وهكذا الحكم في كل موضع حكمنا بفساد المساقاة. مسألة: قال: " ولو دخلَ في النخلِ على الإجارة" [١٤٣/ أ]. الفصل وهذا كما قال: هذه المسألة ليست من كتاب المساقاة وإنما هي من كتاب الإجارة، وإنما ذكرها الشافعي ها هنا ليبين الفرق بين المساقاة والإجارة فإن المساقاة جائزة على ثمرةٍ لم تخلق ولا تجوز الإجارة عليها إلا بعد وجودها، فإذا ثبت هذا نقول: إذا استأجر

стр. 3314

رجلًا ليعمل له عملًا ثمرة النخل لا تخلوا الثمرة من أن يكون معدومة أو موجودة، فإن كانت معدومة لا يجوز أن يستأجر على بعضها، وإن كانت موجودة لا يخلو إما أن يكون قد بدأ فيها الصلاح أو لم يبد، فإن كان قد بدأ فيها الصلاح فالإجارة جائزة من غير شرط القطع سواء جعل جميع الثمرة له أو جزءًا معلومًا منها أو ثمرة نخلاتٍ بعينها، وإن لم يبد فيها الصلاح لا يجوز العقد عليها إلا بشرط القطع كما قلنا في البيع وإذا شرط القطع، فإن شرط له جميع الثمرة جاز لأنه إذا جاز أن يكون مبيعًا جاز أن يكون أجرةً، وإن شرط له جزءًا معلومًا لا يجوز لأنه لا يقدر على قطعه إلا بقطع جميعه ولا سبيل له إلى قطع نصيب صاحبه بوجهٍ من الوجوه فلم يصح العقد عليه بهذا الشرط، وإن كان بلفظ المساقاة لا يخلو إما أن تكون الثمرة موجودة أو معدومة، فإن كانت معدومة جاز، وإن كانت موجودة قال في "الأم" إذا ساق على ثمرةٍ حصلت جاز لأنه إذا جاز والثمرة معدومة كان جوازها والثمرة موجودة أولى لأن الغرر أقل وبه قال مالك. وقال في "البويطي": إذا ساق عليها وقد خلقت لم تجز فالمسألة على قولين ووجه ما قال في البويطي أن الثمرة إذا ظهرت دخلت في ملكه فلا يجوز أن يشترط سهمًا من عين ملكه كما في القراض، ولأن علة جوازها أن يكون لعلمه تأثير في حصول الثمرة كما يكون في القراض لعمل العامل تأثير في حصول الربح وهذا أصح وهذا إذا كان بقي من العمل عليها ما فيه مستزاد في الثمار مثل السقي وتصريف الجريد وقطع الحشيش المضر [١٤٣/ ب] بالنخل، فأما إذا لم يبق من العمل عليها ما فيه مستزاد في الثمرة مثل إن بلغت أوان الجداد لا يجوز قولًا واحدًا. وقال بعض أصحابنا بخراسان: يجوز قبل بدو الصلاح قولًا واحدًا وبعد بدو الصلاح وجهان، وقال المزني: إن كان قبل بدو الصلاح يجوز وبعده لا يجوز، وقال أبو ثور: إن احتاجت إلى القيام بها حتى تطيب جاز وإلا فلا يجوز، وقال أبو يوسف ومحمد: إن كانت تزيد جاز وإلا فلا يجوز. مسألة: قال: "وكلُّ ما كانَ فيه مستزاد في الثمرةِ من إصلاحِ الماءِ". الفصل وهذا كما قال: الأعمال التي تعمل في النخل على ثلاثة أضرب أحدها ما كان مستزادًا في الثمرة ولا يزاد لأجل النخل مثل التلقيح والسقي وتصريف الجريد وإصلاح الآبار والأجاجين وهي المواضع التي يجتمع الماء فيها تحت النخيل وقطع الحشيش المضر بالنخل وإدارة ثور الدولاب واللقاط عند اللقاط والصرام عند الصرام ونحو ذلك يستحق على العامل من غير شرط، فإن شرطها في عقد المساقاة على رب النخل لم

стр. 3315

يصح قال القفال: ومن جملة هذا تنقية البئر أو النهر من الحمأ الذي فيه لا من تراب آخر طرح فيه فطمت به. وقال بعض أصحابنا: في اللقاط والجداد وجهان أحدهما: ما ذكرنا، والثاني: لا يلزم العامل إلا بشرط لتكامل الثمرة بغيره، وقال في "الحاوي": السقي وقطع الحشيش المضر بالنخل مما يعود نفعهما إلى النخل والثمرة معًا، فإن كان مما لا تصلح الثمرة إلا به كالسقي فيما لا يشرب بعروقه من النخل فهو على العامل يستحق من غير شرط، وإن كان مما يشرب بعروقه كنخيل البصرة فهو وغيره من الشروط التي تكون من هذا الجنس على ثلاثة أوجه أحدها أنها على العامل والشرط فيه تأكيد لما يه من صلاح النخل وزيادة الثمرة، [١٤٤/ أ] والثاني: أنها على رب النخل واشتراطها على العامل يبطل العقد لأنه بصلاح النخل أخص منه بصلاح الثمرة، والثالث: يجوز اشتراطها على العامل لما فيه من زيادة الثمرة، ويجوز اشتراطها على رب النخل لما فيه من صلاح النخل، وإن أغفل لم يلزم واحدًا منهما، أما العامل فلأنه لا يلزمه إلا ما كان من موجبات العقد أو من شروطه، وأما رب النخل فأنه لا يجبر على تثمير ماله. وقال أبو إسحاق: إذا أهمل ذكر هذا العمل في العقد ولم يشترط على واحدٍ منهما لم يصح العقد لأنه ليس أحدهما: بالتزامه بأولى من الآخر حكاه القاضْي الطبري. والثاني: ما يراد لأجل النخل وليس فيه مستزاد في الثمرة مثل سد الحظار وإصلاح الدولاب وحفر الأنهار لاستخراج الماء فهذا كله على رب المال، فإن شرط على العامل بطل عقد المساقاة. وقال بعض أصحابنا: يبطل الشرط وتصح المساقاة بناءً على الشرط الزائد في الرهن يبطل ولا يبطل الرهن في أحد القولين، وقال مالك: يجوز أن يشترط على العامل كل ما يعود نفعه إلى رب النخل من عمارة الحائط ونحوها، والثالث: ما يراد للنخيل والثمرة كالثور الذي يدير الدولاب وكسح النهر لإجراء الماء فيه ونحو ذلك قال أكثر أصحابنا يجوز شرطها على العامل ويجوز شرطها على رب المال وإن أطلق بطل هكذا ذكره القاضي الطبري وقد ذكرنا في ثلاثة أوجه وقيل: ثور الدولاب كبناء الدولاب ولا يجوز شرطه على العامل قولًا واحدًا وهذا أقيس عندي، وكذلك كسح الأنهار لإجراء الماء إلا على ما وصفنا، وقال بعض أصحابنا: كل ما قلنا أنه على العامل إذا شرطه على رب المال يبطل العقد إلا السقي فإنه قال في البويطي: إذا شرط سقي الماء على رب المال يجوز لأن الشافعي قال: لو ساقاه على بعلٍ جاز والبعل لا يشرب بعروقه من غير سقي وبالله التوفيق.

стр. 3316

كتاب الشرط في الرقيق مسألة: [١٤٤/ ب] قال: "ولا بأسَ أنْ يشترطَ المساقي على رب النخل غلمانًا يعملون معه". الفصل وهذا كما قال: إذا شرط العامل على رب المال غلمانًا يعني عبيدًا يعملون معه في المساقاة أطلق الشافعي أنه يجوز، واختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: إنما يجوز أن يعملوا من على السيد أن يعمله من سد الحظار وحفر الآبار، فإما أن يعملوا ما فيه مستزاد في الثمرة لا يجوز ذلك لأن عملهم كعمل رب المال ولا يجوز شرط ذلك، كذلك لا يجوز هذا وكما ذكرنا في القراض لا يجوز، ومن أصحابنا من تمسك بظاهر النص وقال: يجوز ذلك لأن ذلك مما يتوصل العامل به إلى تمام العمل ومقصود العقد، والفرق بينهم وبين ما لو شرط رب المال العمل معه لا يجوز أن الرقيق يجوز أن يكون في العمل والتدبير تابعًا للعامل، ولا يجوز أن يكون رب المال تابعًا وهذا اختيار عامة أصحابنا والمذهب الصحيح في القراض أنه لا يجوز ذلك، والفرق بينهما أن في المساقاة يجوز أن يشترط على رب النخل الثور وكسح النهر فجاز أن يشترط غلمانه أيضًا، وفي القراض لا يجوز أن يشترط غير الغلام فكذلك لا يجوز شرط الغلام، فإذا تقرر هذا إنما يجوز شرط الغلمان بشرطين أحدهما: أن يكون عددهم معلومًا وعملهم على طريق التبع للعامل ولا ينفردون بالتدبير، والثاني: أن العامل لا يستعملهم في غيره فإنه يكون قد انفرد بمنفعةٍ لم يشارك رب النخل فيها، واعلم أنه يقال للعامل المساقي ولرب المال أيضًا لأن كلٍ واحدٍ منهما ساقي لصاحبه والمساقى بفتح القاف أظهر لكن المساقي أصح في اللغة. فرع لو شرط غلمانًا موصوفين غير معينين يصح، وقال مالك: لا يجوز حتى يعينوا اعتبارًا بعرف أهل المدينة في تعيين العبيد في المساقاة وهذا غلط لأن الصفة تقوم مقام المشاهدة. فرع آخر لا فرق في هذا الشرط بين غلمان القراح وغيرهم، وقال مالك: [١٤٥/ أ] لا يجوز أن يشترط عمل غير غلمان القراح وهذا غلط لما قال الجميع ملك السيد فلا فرق،

стр. 3317

وحكي عن مالك أنه قال: غلمان هذا الحائط الذين كانوا يعملون فيه دخلوا في المساقاة من غير شرطٍ وهذا غلط لأنه كان يستغني بهم عن العامل وإنما أدخل العامل في الوسط ليصرف غلمانه إلى شغلٍ آخر. فرع آخر يجوز لرب المال أن يشترط على العامل غلمانًا يعملون مع نص عليه الشافعي لأن العمل أخص بالعامل من رب المال فلما جاز اشتراط ذلك على رب المال فعلى العامل أجوز. فرع آخر يجوز في حق العامل سواء عينوا أو وصفوا وأطلقوا بخلاف اشتراطهم على رب المال، والفرق أنهم في اشتراطهم على رب المال مستثنون من عملٍ وجب على العامل فوقعت الجهالة بإطلاقهم وهم في اشتراطهم على العامل داخلون في جملة المستحق عليه فلم تقع الجهالة بإلاقهم. مسألة: قال: "ونفقةُ الرقيقِ على ما يتشارطهانِ عليه". وهذا كما قال: إذا شرطا نفقة الغلمان المشروطين على العامل صح، وتكون النفقة عليه بالمعروف غير مقدرةٍ ولا موصوفةٍ لأنها استعانة فقط فلم يفتقر إلى معرفة المقدار والجنس، وقال محمد: لا يجوز حتى يقدرها لأنها تكون مجهولة وهذا لا يصح، لأنه لو وجب تقديرها لوجب بيان صفاتها ولا يجب ذلك بالاتفاق، وإن شرطا على رب المال جاز أيضًا لأن بعمل الغلمان تحصل منفعة الأصل ومنفعة الثمار فجاز شرط نفقتهم على رب المال والعامل جميعًا، ويجوز أن يشترطا أن يكون النصف على هذا والنصف على الآخر. وقال مالك: لا يجوز إلا أن تكون نفقتهم على العامل فإن شرط على المالك لم يجز وهذا غلط لأن الأصل أن نفقة المملوك على مالكه فجوزنا شرطها على العامل بالاتفاق فقول من يقول: لا يجوز شرطها على المالك محال [١٤٥/ ب] واحتج الشافعي ها هنا عليه بأن قال: وليس نفقة الرقيق بأكثر من أجرتهم، فإذا جاز أن يعملوا للعامل من غير أجرةٍ عليه لهم مع كون منافعهم لسيدهم جاز أن يعملوا له من غير نفقةٍ عليه بل تكون نفقتهم على السيد، واحتج مالك بأنهم يعملون للعامل فإن العمل كله عليه فيجب أن تكون نفقتهم عليه قلنا: النفقة على المالك لا على المنتفع كمن آجر عبده أو أعار فالنفقة على المالك والمنفعة للغير. ومن أصحابنا من قال: هذا الذي ذكرنا ظاهر كلام الشافعي والقياس يوجب أن لا تجب نفقة المملوك على غير المالك، ولا يجوز شرطها على العامل ويحتمل هذا

стр. 3318

الظاهر تأويل المقدار في النفقة المشروطة على السيد أي: إذا شرط العامل على السيد مقدارًا معلومًا لنفقة العبيد تقوم به الأبدان وتقوي على العمل كان ذلك المقدار واجبًا عليه على حسب ما يتشارطان إذ ربما تحوجهما الحالة إلى استيفاء النفقة جملةً، لأنها لو أخذت من السيد يومًا بيومٍ فربما ينقطع عمل العبيد لطلبها واستيفائها وهذا خلاف ظاهر اللفظ ذكره بعض أصحابا بخراسان. فرع لو أطلقا العقد وأغفلا عن اشتراط النفقة فيه وجهان أحدهما: يصح العقد لأن النفقة تبع العقد وهذا اختيار أبي حامد وجماعة، والثاني: لا يصح العقد للجهل بمحل النفقة وهذا اختيار القاضي الطبري، فإذا قلنا بالوجه الأول قال أبو حامد: يلزم المالك بحق الملك لأنه لا يلزم العامل إلا بالشرط ولم يوجد ذلك فلا نلزم إلا المالك، وقال في "الحاوي": فيه ثلاثة أوجه أحدهما: على العامل لاستحقاق العمل عليه، والثاني: على رب النخل لاشتراط عملهم عليه وأنه لما سقطت أجرتهم عن العامل سقطت نفقتهم عنه، والثالث: أنها من وسط الثمرة لاختصاص عملهم بها [١٤٦/ أ] فعلى هذا إن لم تأت الثمرة أخذ بها حتى يرجع بها في الثمرة إذا أنت. فرع آخر لو شرط أن تكون نفقاتهم من وسط الثمرة، فإن كان عملهم قبل حدوث الثمرة فهو باطل لعدم محلها، وإن ما لم يخلق لا يجوز أن يكون عوضًا على عمل، وإن كان عملهم بعد حدوث الثمرة، فإن كانت نفقاتهم من غير جنس الثمرة فتباع الثمرة ويصرف ثمنها في نفقاتهم لم يجز لأن الثمرة غير مستحقة والنفقة غير ثابتة في الذمة، وإن كانت نفقاتهم من نفس الثمرة يأكلونها قوتًا فيه وجهان أحدهما: يجوز لوجود محلها وأن الثمرة لما كانت لهما وجاز اشتراط النفقة على كل واحدٍ منهما جاز اشتراطهما في الثمرة التي هي لهما، والثاني: لا يجوز لأنه غير متعلقٍ بذمة ولا معلوم يستحق من عين وهذا أصح. باب مسائل المزني قال المزني: هذه مسائل أجبت فيها على معنى قوله قال: فمن ذلك لو ساقاه على نخلٍ سنين معلومة على أن يعملا الفصل. وهذا كما قال: إذا شرطا في المساقاة أن يعملا جميعًا لم يجز لأن العامل يجب أن يأخذ حصته من الثمرة بعمله، فإذا شرط عمل رب المال أخذ الحصة بعمل رب المال مع عمله فلا يجوز لأنه لا يجوز أن يشترط العمل على رب المال، كما لا يجوز لرب المال أن يشترط العمل عليه شيئًا من النخيل وأيضًا ما قال المزني لأنه أعانه معونة مجهولة الغاية بأجرةٍ مجهولة، وقال أبو

стр. 3319

إسحاق: هذه العلة غير صحيحة لأنها لو صحت لبطل عقد المساقاة لأن العامل لا يعلم أبدًا قدر علمه وبالإجماع يجوز ولوجب إذا جعل ذلك العمل معلومًا أن يجوز، ولوجب إذا أعاره الغلمان لا يجوز، وقال في "الحاوي": العلة الصحيحة أن اشتراط عمل رب المال يقتضي لزوم ذلك ولا يلزم الإنسان العمل في ماله وعمل غلمانه حق تعلَّق بماله كما [١٤٦/ ب] يتعلق به غير ذلك من الحقوق فجاز، وعلى هذا لو شرط العامل على رب المال عملًا معلومًا كالسقي والتلقيح لا يجوز على هذه العلة وعلى ما علل المزني يجوز لانتفاء الجهالة عنه. مسألة: قال: "ولو ساقاهُ على النصفِ على أنْ يساقيهِ في حائطٍ آخرَ على الثلث لم يجز". وهذا كما قال: إنما لم يجز هذا لأنه عقد معه عقدًا وشرط عقدًا آخر فصار كبيعتين في بيعة، وهكذا لو قال: ساقيتك في هذا على النصف على أن تساقيني أنت في نخيلك على النصف لم يجز كما لو قال: بعتك عبدي بكذا على أن تبيعني دارك بكذا، ثم المساقاة الثانية جائزة لأنها خالية على الشرط إلا أن تجعل إيجاب أحد العقدين إيجابًا للآخر فلا يجوز، ولو قال: ساقيتك عليهما على أن لك النصف من هذا والثلث من هذا جاز لأنه يجوز أن تجمع صفقة واحدة شيئين مختلفين بعوضين مختلفين كما لو قال: بعتك هذا العبد وهذا العبد بثلاثة آلاف درهم هذا بإلفٍ وهذا بألفين جاز. فرع إذا فسدت المساقاة للعامل أجر مثله ربح أو خسر وذكرنا عن مالك أنه إن خسر في القراض الفاسد لا يكون للعامل أجر المثل ومثله نقول في المساقاة. فرع آخر أجر المثل فيهما يختلف باختلاف المال ويعتبر بأجرة مثله في الإجارة، وحكي عن مالك أنه قال: إذا حصل الربح في القراض يعطي أجر المثل من الربح ومعناه أنه إن قارضه على النصف قراضًا فاسدًا، وقال أهل العلم: بذلك التصرف إنما يعامل في مثل هذا العمل على الثلث فله ثلث الربح لا أجر مثل عمله ومثله نقول في المساقاة الفاسدة وهذا غلط لأنه أتلف منافع نفسه على شرط العوض فإذا لم يسلم له ذلك العوض فله أجر مثله كما في الإجارة. مسألة: قال: "فإن ساقاهُ أحدهما على نصفِ نصيبه، والآخرُ على ثلثِ نصيبهِ". الفصل وهذا [١٤٧/ أ] كما قال: صورة المسألة إذا كان بستان بين رجلين فساقى أحدهما:

стр. 3320

في نصيبه على النصف والآخر في نصيبه على الثلث جاز، لأن العاقد إذا كان اثنين كان العقد عندنا بمنزلة عقدين، فإذا تقرر هذا لا يخلو البستان من أن يكون بينهما نصفين فيجوز سواء شرطا نصفين أو شرط أحدهما أقل من الآخر، وإن كان نصيبهما مختلفًا نظر، فإن اشتراطا له من نصيب كل واحدٍ منهما نصفه صح لأنه يعلم أنه يستحق على كل واحدٍ منهما نصف ثمرته، وإن اشترط أحدهما أقل والآخر أحدهما أقل والآخر أكثر مثل أن يشترط أحدهما نصف نصيبه والآخر ثلثه فإن علم صاحب الأقل من النخل وصاحب الأكثر جاز وإن لم يعلم صاحب الأقل من صاحب الأكثر لم يجز لأنه لا يدري أن من شرط له الثلث هو صاحب الأقل من النخل أو صاحب الأكثر، فإن كان صاحب الأقل كثر نصيب العامل لأنه يأخذ نصيب الأكثر، وإن كان صاحب الثلث صاحب الأكثر من النخل قل نصيب العامل فإذا كان كذلك لم يصح العقد حتى يعلم أن الذي شارطه على الثلث هو صاحب الأكثر من النخل أو صاحب الأقل، وإن كان البستان لواحدٍ فساقى عليه رجلين وشرط لأحدهما: الثلث وللآخر النصف جاز وكذلك إن شرط النصف لهما والنصف لنفسه. مسألة: قال: "ولو ساقاهُ على حائطٍ فيهِ أصنافُ ثمرٍ". الفصل وهذا كما قال: إذا كان البستان يجمع أنواعًا من النخل فساقى رجلًا عليها لا يخلو من أحد أمرين إما أن يشترط النصف من جميع ما في البستان فهذا يجوز، وإن لم يعرف مقدار كل نوع من النخل لأنه يسلم أنه يستحق نصف كل نوعٍ قل أو كثر، وإن خالف بين الأنصباء فقال: لك من الدقل النصف، ومن العجوة الثلث، ومن الصيحاني الربع لا يجوز حتى يعرف كل واحد من رب النخل والعامل قدر كل صنفٍ من النخل بالمشاهدة حتى يعلم مقدار ما يستحق عنه الأقل وما يستحق منه الأكثر وصار هذا كما لو ساقى [١٤٧/ ب] على ثلاثة حوائط لا يجوز حتى يعرف كلها. مسألة: قال: "ولو ساقاهُ على نخلٍ على أن العاملِ ثلث الثمرة ولمْ يقولا غيرَ ذلك كان جائزًا". وهذا كما قال: إذا بين نصيب العامل ولم يبين الباقي يجوز وجهًا واحدًا وما بعد نصيب العامل لرب النخل ولو بين رب النخل لنفسه نصيبًا ولم يذكر الباقي لمن يكون ظاهر المذهب أنه لا يجوز، ومن أصحابنا من جوّز اعتمادًا على المفهوم وكما أن أصحابنا اختلفوا في المفهوم اختلفوا في هذه المسألة ونظير هذا قد ذكرنا في القراض وحكمهما سواء. مسألة: قال: "ولو كانَ النخلُ بين رجلين فساقى أحدهما صاحبهُ".

стр. 3321

الفصل وهذا كما قال: إذا كان بستان بين رجلين فساقي أحدهما: شريكه على أن يعمل فيه فإن شرط له أكثر من نصيبه من الثمرة جاز، وتكون الزيادة في مقابلة عمله وإن شرط له مثل نصيبه من الثمرة بالملك أو أقل منه كان فاسدًا فإن عمل فيه على ذلك كانت الثمرة بينهما نصفين قال المزني: ولا أجرة له لأنه عمل من غير بدلٍ قال أبو إسحاق: وهذا صحيح لأنه دخل فيه على أن يكون متبرعًا بعمله وإنما يكون له أجر مثله إذا شرط لعمله عوضًا وكان فاسدًا وخرج ابن سريج فيه وجهًا آخر أن له أجر مثله فيما عمل في نصيب شريكه لأن عقد المساقاة يقتضي العوض، فإذا كان فاسدًا رجع إلى أجر المثل وهو كقوله: زوجتك بلا مهرٍ وبعتك بلا ثمنٍ ومن قال بالأول أجاب عن هذا بأنه يفارق النكاح لأن البضع لا يستباح بغير عوض، وإذا قال: بعتك بلا ثمنٍ يحتمل أن لا يسلم ومن سلم اعتذر بأنه لم يملك بذلك ولكنه يضمنه باليد وها هنا لم يحصل العمل في يده بل تلف في يد صاحبه فلا ضمان على واحدٍ ونظير هذه المسألة قد ذكرنا في القراض. مسألة: قال: "ولو ساقي أحدهما صاحبهُ نخلٍ بينهما سنة معروفة على أن يعملا فيها جميعًا على أنّ لأحدهما: الثلث ولآخر الثلثين لم يكن لمساقاتهما معنى". وهذا كما قال: إذا ساقى أحدهما صاحبه على أن يعملا فيه [١٤٨/ أ] لم تصح المساقاة لأنه يجب أن يكون العمل من أحدهما فإذا شرط أن يكون من كليهما عمل لا يجوز فإن عملا على ذلك كانت الثمرة مقسومة نصفين على قدر المالين ثم ينظر في العملين، فإن كان سواء لم يرجع أحدهما على صاحبه بشيء، وإن كان عمل أحدهما أكثر نظر، فإن كان صاحب الأكثر قد شرط لنفسه زيادة الثمرة على ما يستحقه بالملك كان له أجرة المثل في مقدار ماله من زيادة العمل، وإن لم يكن شرط لنفسه زيادة الثمرة فهو متبرع بالعمل فعلى قول المزني لا أجرة وعلى ما خرّجه ابن سريج له أجر المثل فيما له من زيادة العمل وهو ضعيف، وقال بعض أصحابنا: يستحب مع التساوي في العمل أن يستحل أحدهما من الثاني مخافة أن يكون عمل أحدهما فيما خفي عليهما أكثر من الثاني وكذلك جميع الأكرة والعاملين المجتمعين على الأعمال المشتركة. مسألة: قال: "ولو ساقي رجلًا على نخلٍ مساقاةً صحيحةً فأثمرت ثم هربَ العاملُ". الفصل وهذا كما قال: إذا ساقاه على نخلٍ فعمل بعض العمل ثم هرب لا تنفسخ المساقاة

стр. 3322

بهربه لأنها عقد لازم ثم إذا جاء رب النخل إلى الحاكم فاستعدى عليه لزمه أن يعدّيه فإن وجده أجبره على العمل لأنه لزمه فيجبره عليه عند الامتناع، وإن لم يجده نظر، فإن كان له مال حاضر اكترى منه من يعمل مكانه، وإن لم يجد له مالًا ووجد من يعمل ويأخذ أجرته من الثمرة اكتراه، وإن لم يجد من يؤُخّر أجرته أقرضه من بيت مال المسلمين وقضاه من الثمرة، وإن لم يكن في بيت المال مال استقرض له من غيره واستأجر، وإن تعذر ذلك أمر رب النخل بأن يكتري من مال نفسه من يقوم مقام العامل واستأجر، وإن تعذر ذلك أمر رب النخل بأن يكتري من مال نفسه من يقوم مقام العامل حتى تكون الأجرة في ذمته ويقضيه حقه من ثمرته التي هي حصته، أو يأمره بأن يعمل بنفسه حتى تكون أجرة عمله على العامل ويقضي من نصيبه. وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجه آخر أنه لا يؤتمن فيما يرجع به على الغير فيأمر واحدًا حتى يأخذ [١٤٨/ ب] منه ذلك وينفق وهذا ضعيف. وهل يجوز أن يساقي الحاكم على نصيب العامل الهارب؟ قال ابن أبي هريرة: يجوز وكذا قاله القاضي أبو الحاكم على نصيب العامل الهارب؟ قال ابن أبي هريرة: يجوز وكذا قاله القاضي أبو حامد في "الجامع" وهذا قبل بدو الصلاح فيساقي الحاكم عليها لأجل ما بقي من العمل فيها رجلًا آخر بسهمٍ مشاعٍ في الثمرة ويدفعه إليه من حصة العامل عند حصول الثمرة وتناهيها ويعزل الباقي من حصته إن بقي محفوظًا له إن عاد ويأخذ رب المال حصته. ومن أصحابنا من قال: لا يجوز ذلك وهو الأصح لأنه يجب أن تكون المساقاة من جهة أحدهما: النخل ومن جهة الآخر العمل، فأما العامل الهارب ليس له إلا العمل فلا يجوز أن يساقي على عمله الذي استحقه في النخل، وإن لم يكن لرب النخل مال وليس هناك من يساقي في نصيبه لم تخل الثمرة من أحد أمرين إما أن تكون الثمرة ظهرت، أو لم تظهر فإن لم تظهر فهل لرب النخل الفسخ؟ المذهب أن له فسخ المساقاة لأنه تعذر العمل من جهة العامل، فإذا فسخ عادت الثمرة إليه ويكون للعامل الأجرة فيما عمل ولا نقول: لا يستحق شيئًا إلا بآخر العمل كالجعالة لأن هذا عقد لازم كالإجارة. وقال في "الحاوي": الأصح عندي هذا لأنه بالتعذر ظهر عيب يثبت به الخيار في المقام عليها أو الفسخ فإن أقام عليها صار متطوعًا بالباقي من العمل وللعامل حصته من الثمرة، وإن فسخ صار العقد منفسخًا في الباقي من العمل ثم الصحيح من مذهب الشافعي لزومه في الماضي من العمل وتكون حصة العامل من الثمرة مقسطة على العملين الماضي منه والباقي فيستحق العامل منها قابل الماضي من عمله ويستحق رب النخل ما قابل الباقي من عمله مضمومًا إلى حصته وهذا حسن غريب، وإن كانت الثمرة ظاهرة قلنا لرب النخل: هذه ثمرة مشتركة بينكما فإن اخترت البيع بعنا فإذا اختار البيع نظر، فإن كان بعد بدو الصلاح بعنا الكل واكترى عن العامل من يعمل عنده بقية

стр. 3323

العمل، وإن لم يكن بدا صلاحها بيعت بشرط القطع وحفظ على العامل نصيبه [١٤٩/ أ] منها فإنه لم يبق بعد قطعها عمل، وإن كان رب المال ممتنعًا من البيع واختار أن يشتري نظر، فإن كان بعد بدو الصلاح فاشتراها جاز، وإن كان قبل بدو الصلاح هل يصح الشراء مطلقًا؟ وجهان لأن المشتري مالك النخل فإن قلنا: يصح فلا كلام، وإن قلنا: لا يصح فلا يمكن البيع بشرط القطع لأنه لا يمكن قطع البعض إلا بقطع الكل فيضر ذلك بصاحب النخل، وإذا لم نجوّز البيع هكذا أو جوّزنا ولكنه امتنع من الشراء قال المزني في "جامعه الكبير": يقال له: انصرف فما بقي لك عندي حكومة هذه الثمرة مشتركة بينكما وقد أبيتما إلا الخصومة فاذهبا حتى تصطلحا وهكذا ذكره أبو إسحاق وذكر في "الحاوي" الوجه الذي ذكرنا إذا لم يبد صلاحها هذا كله إذا رفعه رب النخل إلى الحاكم فإن أنفق عليه من غير إذن الحاكم نظر، فإن كان في البلد حاكم لم يرجع بما أنفقه وكان متبرعًا، وإن لم يكن هناك حاكم فإن لم يشهد أو أشهد ولم يشرط الرجوع لم يرجع بشيء، وإن شرط الرجوع فهل يرجع بما أنفق؟ وجهان والأصح أنه يرجع لأنه مضطر إليه وقيل: فيه ثلاثة أوجه أحدها: يرجع، والثاني: لا يرجع، والثالث: إن أشهد يرجع وإن لم يشهد لا يرجع. مسألة: قال: "ولو علمَ منه سرقة النخلِ". الفصل وهذا كما قال: إذا ساقي رجلًا على نخلٍ فالعامل أمين في النخل فإذا ادعى عليه رب النخل أنه سرق أو خان وحصر الدعوى وبين مقدار ما سرق سمع دعواه وكان القول قول العامل مع يمينه فإن حلف برئ، وإن نكل عن اليمين رددنا اليمين على رب النخل، فإذا حلف وكانت له بينة فأقامها قضي عليه بما لزمه قال المزني ها هنا واكترى الحاكم عليه من يقوم مقامه في العمل في النخل، وقال في موضع آخر: يكتري عليه من يكون معه ليحفظه من الخيانة وليس هذا باختلاف القول ولكن أي الأمرين رآه الحاكم فعله فإن رأى إزالة يده عنها ومنعه منها وإقامة غيره مقامه فيها فعل وهذا بأن يكون الرجل قويًا لا يمكنه حفظه من الخيانة، وإن رأى أن يضم إليه من يحفظه [١٤٩/ ب] فعل وتكون أجرته في مال العامل لأن العمل مستحق عليه، فإذا احتيج إلى عمل غيره بسبب كان منه وجب أن تكون الأجرة عليه وليس لرب النخل فسخه بظهور الخيانة كما لو ظهر من المرتهن خيانة في المرهون لا يفسخ الراهن الرهن، وقال أصحاب مالك: لا يقام غيره مقامه بل يحفظ من الخيانة. فرع لو كان مراد رب النخل رفع يد العامل بالخيانة عن الثمرة دون تغريم ما سرق هل

стр. 3324

تسمع الدعوى مجهولةً؟ فيه وجهان أحدهما: تسمع لاستواء الحكم في رفع يده بقليل السرقة وكثيرها، والثاني: لا تسمع إلا معلومةً لأن رفع يده بها فرع على استحقاق الغريم فيها فصار حكم الغرم أغلب فإن قلنا: تسمع يحلف العامل، فإن نكل يحلف المالك ثم يرفع الحاكم يده أو يضم إليه من مال غيره على ما ذكرنا. مسألة: قال: "وإن ماتَ قامَ وارثهُ مقامهُ". وهذا كما قال: إذا مات أحد المتساقيين لم ينفسخ عقد المساقاة لأنه عقد لازم كالإجارة، فإن كان الميت رب المال فالعامل يعمل على ما تشارطا عليه فإذا صرمها قاسم ورثته على الشرط الذي كان بينه وبين الميت، وإن كان الميت هو العامل قال المزني في "الجامع الكبير": إن عمل الوارث فيها كان له فإن أبى الوارث لا يلزمه أ، يعمل لأن العمل استحق على العامل دون الوارث، ثم قال أصحابنا: إن كان له تركة يستأجر من ينوب عنه بأجرة مؤجلة فإن تطوع رب النخل بالإنفاق أو بالقرض فعل، وإن امتنع نظر، فإن لم تكن الثمرة ظاهرة حرفًا بحرفٍ وقد شرحنا ذلك، وهكذا لو كان حيًا فضعف عن العمل. وقال أبو حامد في "الجامع": من أصحابنا من قال: يلزم الورثة أن يعملوا كما يلزم مورثهم لو كان حيًا وما ذكر المزني أراد إذا ضعف عن العمل فإنه إذا مرض اكترى عليه الحكم من يقوم بذلك، فإن لم يجد له مالًا ساقي [١٥٠/ أ] السلطان عنه في نصيبه فيكون ما يأخذه العامل الثاني من نصيب العامل العاجز، فإن لم يجد من يساقيه قال السلطان لصاحب المال: أنفق عليه فإذا فرغت أخذنا نفقتك من نصيبه فإذا فضل شيء فهو له، وإن لم يتم فيكون دينًا عليه وهكذا قال في "البويطي" وقال فيه: ويكتب عليه صكًا في ذلك قال القاضي الطبري: هذا القائل أجرى عجزه مجرى هربه هو محتمل جدًا. مسألة: قال: "ولو عملَ فيها العاملُ فأثمرت ثم استحقها ربُّهَا". الفصل وهذا كما قال: إذا عمل العامل في النخيل ثم جاء رجل وأقام البينة أنها له استحقها وسلمت النخيل إليه ونظر في الثمرة فإن لم تكن ظاهرة فللعامل أجر مثله على الغاصب إلى حين أخذ النخل من يده، وإن كانت الثمرة ظاهرة كانت لرب النخل ولا حق للعامل فيها ولا أجرة له على ربها لأنه عمل عليها بغير إذن صاحبها وعمله في النخل أثر لا عين، وهو كما لو غصب من رجل غزلًا وباعه من حائك فنسجه ثم جاء صاحبه فاستحقه بينهما يجب للحائك على صاحبه شيء ويرجع العامل على الغاصب بأجر مثله

стр. 3325

لأنه دخل على أن يحصل لعمله عوض، فإن قيل: أليس إذا تلفت الثمرة لا يرجع على الدافع بشيء فكذلك ها هنا قلنا: إذا كان عقد المساقاة صحيحًا فلم تثمر النخل أو أثمرت ثم تلفت فلا أجرة له وها هنا الثمرة باقية سالمة ولكن لا يمكنه أخذ ما شرطه لغرورٍ حصل من الدافع فيرجع بأجرة عمله، وإن كانا قد اقتسما الثمرة وأكلاها فلصاحبها المطالبة بقيمتها وله أن يطالب من يشاء من الغاصب والعامل، فإن أراد مطالبة الغاصب كان له ذلك بجميع قيمة الثمرة لأنه حال بينه وبينها بغصبه وكان هو السبب في حصولها في يده فيلزمه ضمانها، فإذا أخذ منه القيمة رجع الغاصب على العامل بنصف قيمة الثمرة لأنه أخذ النصف بعقد معاوضة وتلف في يده وبان أنه مستحق للغير فيتقرر الضمان عليه ويرجع على الغاصب بأجر مثله عمله، وإن أراد [١٥٠/ ب] صاحبها تضمين العامل ظاهر كلام المزني أن له تضمين نصف قيمة الثمرة وليس له تضمين قيمة الجميع. واختلف أصحابنا في هذا فمنهم من قال: بظاهر ما ذكره المزني لأن الثمرة لم تحصل في يد العامل بدليل أنه لا يلزمه حفظها كما يلزم العامل في القراض حفظ مال القراض فإذا لم تحصل في يده لم يضمنها وإنما يضمن القدر الذي حصل في يده وهو النصف الذي أخذه بالقسمة فعلى هذا الوجه يجب على العامل ضمان نصف الثمرة، وعلى الغاصب ضمان النصف الآخر، وإن تلفت الأصول أو شيء منها لم يجب على العامل ضمانه لأنه لم يثبت له يد عليه ولكن يجب ذلك على الغاصب وهذا اختيار القاضي الطبري. ومن أصحابنا من قال: لصاحب الثمرة تضمين العامل جميع قيمة الثمرة لأن الثمرة حصلت في يده من طريق المشاهدة لأنه كان يتصرف فيها ويعمل عليها فيثبت له اليد عليها كالعامل في القراض فعلى هذا إن هلكت أصول النخيل أو شيء منها لزم العامل ضمانه، لأن يده ثبتت عليه وهو اختيار كثير من أصحابنا وهو الأقيس لأن يده كانت مستولية على جميعها حين كانت الثمرة في يده، إذا قلنا: يضمّنه النصف فضمّنه لم يرجع العامل على الغاصب لأنه قبضه بمعاوضة وتلف في يده فاستقر ضمانه عليه على ما ذكرنا، وإن قلنا: يضمنه جميع القيمة فلا يرجع بقيمة النصف الذي قبضه عوضًا عن عمله، وهل يرجع بالنصف الآخر؟ قولان لأنه حصل في يده على أنه أمانة ثم بان أنه ضمان وكان المساقي غرَّه، وإن كانت الثمرة تلفت بآفة سماوية ولم يأكلها بُنيت على الوجهين فإن قلنا: لا يطالب إلا بالنصف فها هنا لا يرجع المستحق عليه بشيء، وإن قلنا: هناك يرجع بالكل فها هنا له الرجوع أيضًا، وإن كانت الثمرة باقية ولكنها نقصت بالجداد والتشميس فلمالكها النقصان وممن يأخذ على ما ذكرنا في كل القيمة. مسألة: قال: "ولو ساقاه على أنهُ إنْ سقاها بماءٍ سماءٍ أو نهرٍ فلهُ [١٥١/ أ] الثلث".

стр. 3326

الفصل وهذا كما قال: إذا قال: ساقيتك على أنك إن سقيته سيحًا أو بماء سماءٍ فلك الثلث، وإن سقيته بنضحٍ أو غربٍ فلك النصف فالمساقاة باطلة كما لو قال في القراض: قارضتك على أنك إن ربحت في البرّ فلك الثلث، وإن ربحت في التمر فلك النصف كان باطلًا والثمرة لرب النخل وللعامل أجر المثل. مسألة: قال: "وإن اشترطَ الداخلُ أنَّ أجرة الأجزاءِ من الثمرةِ". الفصل وهذا كما قال: صورة المسألة أن يشترط العامل أن الغلمان يعملون معه وتكون أجرتهم من الثمرة كانت المساقاة فاسدة بلا خلافٍ لأن مقتضى المساقاة أن يكون العمل كله على العامل فإذا شرط أن يعمل معه غيره وتكون أجرته من الثمرة فقد أسقط عن نفسه بعض العمل فلا يجوز، ولأنه لا يجوز تعليق الأجرة على ثمرةٍ معدومة ولم تخرج، ولأنه إذا كان العمل عليه يصير بهذا الشرط كأنه شرط لنفسه شيئًا خاصًا منها ولو شرط لنفسه صاعًا والباقي بينهما لا يجوز مع أن الصاع معلوم فالمجهول أولى أن لا يجوز وهكذا لو كان الأجراء غير الغلمان، ولو سمى فقال: لك النصف وللأجير الذي تستأجره السدس، قال بعض أصحابنا: يجوز وكأنه شرط للعامل ثلثي الثمرة وعندي ليس على هذا الإطلاق بل هو على ما ذكرنا فيما سبق إذا شرط الربح في القراض للزوجة أو الأجنبي وقد ذكرنا حكمه. مسألة: قال: "ولو ساقاه على وديِّ لوقتٍ يعلمُ أنه لا يثمر إليه". الفصل وهذا كما قال: الودي الفسيلان التي لم تدخل في الحمل فإذا ساقاه عليها لا يخلو من أحد أمرين إما أن يكون غير مغروس، أو يكون مغروسًا، فإن كان غير مغروس فقال له: خذ هذه الفسلان واغرسها وقد ساقيتك عليها فهذا لا يجوز، لأن المساقاة لا تجوز إلا على أصول ثابتة، وإن كانت مغروسة ثابتة لا تخلو من ثلاثة أحوال: إحداها: أن يساقيه إلى وقتِ يُعلم أنها لا تثمر فيه فهذا لا يجوز فإن عمل فلا أجرة له على قول المزني لأنه متبرع [١٥١/ ب] بعمله وقد ذكرنا وجهًا آخر أنه يستحق الأجرة. والثانية: أن يساقيه إلى وقتٍ الظاهر أنها تثمر فيه فالمساقاة صحيحة فإن أثمرت استحق ما شرطه، وإن لم تثمر فلا أجرة له لا يختلف أصحابنا فيه لأنه دخل فيه على أن تكون أجرته من الثمرة، فإذا لم تثمر والعقد صحيح لم يستحق شيئًا، وعلى هذا لو ساقاه عشر سنين والظاهر أنها تثمر في السنة الأخيرة جاز وأكثر ما فيه أنه رضي ببذل.

стр. 3327

عملٍ كثير ليحصل له سهم قليل، فإن لم تثمر في تلك السنة فلا شيء له على ما ذكرنا، ويفارق هذا إذا ساقاه سنين والنخل مما يثمر على أن له نصف الثمرة من سنةٍ واحدةٍ لم يجز لأن هناك جعل له نصف جميع ما يخرجه النخل، وها هنا جعل له بعض ما يخرجه وهو غير معلوم بالجزية من الجميع فلا يجوز، ولو فسدت المساقاة في هذه المسألة له أجر المثل لجميع السنين لا للسنة الأخيرة لأنه لم يكن متبرعًا بالعمل أصلًا. والثالثة: أن يساقيه إلى وقتٍ يجوز أن تثمر ويجوزم أن لا تثمر وليس أحدهما: بأظهر من الآخر قال أبو إسحاق: المساقاة فاسدة وهو الصحيح لأنه لا يدري هل تحصل له الأجرة أم لا، وفي هذا الموضوع له أجر مثله إذا فسدت المساقاة ولم يثمر لأنه لم يدخل على أن لا يأخذ أجرة لأنه كان يمكن أن يثمر النخل إلى هذه المدة فلم يجعله متبرعًا بعمله، ومن أصحابنا من قال: المساقاة صحيحة لأن الثمرة ممكنة كما نقول في النخيل الكبار، وكما نقول في القراض، وإن كان الربح غير متيقن وهذا غلط لأن الظاهر هناك حصول الغرض بخلاف مسألتنا، فإذا قلنا بهذا فإن لم يثمر فلا شيء للعامل على ما ذكرنا. فرع لو ساقاه على وديّ إلى وقتٍ يعلم أنه يثمر فيه على أن يكون له بعض الثمرة وبعض الودي لم يجز لأنه لا يستحق بعمله إلا ما ينمى بعمله ويزيد قياسًا على مال القراض. مسألة: قال: "ولوْ اختلفا بعدَ أن أثمرتِ النخلُ". الفصل وهذا كما قال: [١٥٢/ أ] لو ساقي رجلًا فلما أدركت الثمار اختلفا فقال العامل: ساقيني على أن لي النصف، وقال رب النخل: بل على أن لك الثلث ولي الثلثين تحالفا لأنه اختلاف في مقدار العوض في العقد فحكمه التحالف كالمتبايعين إذا اختلفا في مقدار الثمن أو المبيع تحالفا، فإن حلف أحدهما: ونكل الآخر حكم به لمن حلف، وإن حلفا معًا فسخ العقد ورجعت الثمرة إلى رب النخل ووجب عليه للعامل أجر مثله فإن أقام أحدهما: البينة حكم له بها، وإن أقاما جميعًا البينة قال المزني: ها هنا سقطتا وتحالفا، وفيه قول آخر أنهما تستعملان، وفي كيفية استعمالها ثلاثة أقوالٍ: القسمة، والقرعة، والوقف ولا يجيء ها هنا القسمة والوقف لأن اختلافهما في العقد ولا يجوز قسمة العقد ولا وقفه ويجئ فيه الإقراع فمن خرجت قرعته حكم له ببينته، وهل يحلف مع القرعة؟ قولان وهذان القولان مبنيان على أن القرعة تقدم البينة أو الدعوى، فإن قلنا: يقدم البينة وهو المذهب لا يمين عليه، وإنه قلنا أنه يقدم الدعوى ويكون دلالة على صدق دعواه فعليه اليمين وهذا ليس بشيء، وقال بعض أصحابنا

стр. 3328

بخراسان: يأتي فيه قول القسمة فيجعل قدر التفاوت بين دعوتيهما نصفين بينهما وهذا غلط لأنهما اختلفا في المشروط في العقد فيتحالفان كما لو كان قبل العمل. مسألة: قال: "ولو دفعا نخلًا إلى رجلٍ مساقاة فلمّا أثمرت اختلفوا". الفصل وهذا كما قال: إذا كان بستان بين رجلين فساقيا جميعًا رجلًا واحدًا فلما أثمرت النخيل اختلفوا فقال العامل: شرطتما لي النصف ولكما النصف فصدقه أحدهما: وكذبه الآخر وقال: بل شرطت الثلث من حصتي فإن المصدق يقاسمه على النصف ثم ينظر فيه، فإن كان عدلًا شهد للعامل على شريكه وحلف العامل معه واستحق عليه أيضًا النصف، لأن هذه شهادة لا خلل فيه بوجهٍ وبالشاهد [١٥٢/ ب] واليمين يحكم فيما طريقة المال، وإن لم يكن عدلًا تحالفا والحكم في يمينهما على ما بيناه. مسألة: قال: "ولو شرطَ له من نصيبِ أحدهما يعينه النصفُ". الفصل وهذا كما قال: إذا كان العامل واحدًا ورب النخيل اثنين فساقيا على النصف من نصيب أحدهما والثلث من نصيب الآخر فإن علموا من يكون له النصف من حصته والمال يكون له الثلث من حصته يجوز، وإن جهلوا أو أحدهم لا يجوز ويشترط أيضًا أن يعلم قدر ملك كل واحدٍ منهما على ما ذكرنا فيما سبق. فرع قال في "الجامع الكبير": لو قال: ساقيتك على هذا النخل بنصف ثمرتها على أن يكون ذلك عوض عملك جاز لأن ما يأخذه العامل يكون كذلك فشرطه لا يؤثر. فرع آخر قال: لو ساقاه على نخل في أرض الخراج كان الخراج على رب المال لأنه يجب على الأصول أثمرت أو لم تثمر. فرع آخر قد ذكرنا أن العامل شريط في الثمرة على الصحيح من المذهب وتجب الزكاة عليهما، وإذا قلنا بالوجه الضعيف تجب الزكاة على رب النخل وحده فمن أين تعتبر؟ قد ذكرنا في القراض ثلاثة أوجه ويجيء ها هنا وجهان أحدهما: في مال رب المال وحده، والثاني: في نصيبهما وبالله التوفيق.

стр. 3329

كتاب الإجارات قال: قال الله تعالى: ﴿فَإنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] الآية وهذا كما قال: اشتقاق الإجارة من الأجر، والأجر هو الثواب وسمى الله تعالى المهر أجرًا يعني عوضًا في مقابلة البضع والأصل في جواز الإجارة الكتاب والسنَّة والإجماع. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فَإنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ فأجاز الإجارة على الرضاع، واللبن قد يقل ويكثر وشرب المرضَع يقل ويكثر فلأن تجوز [١٥٣/ أ] سائر الإجارات والضرر فيه أقل أولى وأيضًا قال الله تعالى: ﴿إنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَاجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٧] فجوّز إجارة موسى ﷺ نفسه لبضع ابنة شعيب ﷺ وأيضًا قوله تعالى في قصة الخضر وموسى صلى الله عليهما: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِداَرًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف: ٧٧] فدل على جواز أخذ الأجرة في الإجارة. وأما السنَّة فما روي أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه"، وروى سعيد بن المسيب عن سعد بن أبي وقاص ﵄ أنه قال: كنا نكري الأرض بما على السواقي من الزرع فنهى رسول الله ﷺ عن ذلك وأمرنا أن نكريها بذهب أو ورق، وروى أبو أمامة التيمي قال: سألت ابن عمر: ألستم تلبون وتطوفون بين الصفا والمروة إن رجلًا أتى النبي ﷺ فسأل: عما تسألوني عنه فلم يردّ عليه حتى نزل ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِداَرًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [البقرة: ١٩٨] فتلاها عليه. وروى ابن عباس أن النبي ﷺ احتجم وأعطى الحجَّام أجره، وروي أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "قال ربكم: ثلاثة أنا خصمهم ومن كنت خصمه خصمته رجل أعطى بي عهدًا ثم غدر ورجل باع حرًا وأكل ثمنه ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى عمله ولم يوفّه أجره"، وروي أنه ﷺ قال: "ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة

стр. 3330

ومن كنت خصمه خصمته رجل أعطاني صفقةً يمينه نم غدر"، وروي " رجل أعطى بي ثم غدر" الخبر وأيضًا قال ﷺ : "مثلكم ومثل من مضى من الأمم كمثل رجل [١٥٣/ ب] استأجر أجيرًا من الصبح إلى الظهر بقيراطٍ ألا فعملت اليهود " الخبر وأيضًا روي أن النبي- ﷺ قال: "أيعجز أحدكم أن يكون كصاحب الفرق" وذكر قصةً ثلاثةً من بني إسرائيل ألجأهم المطر إلى غارٍ وذكر أحدهم إني استأجرت أجيرًا بفرق من بر فعمل ولم يأخذ أجرته فزرعه له حتى نمى وصار قدرًا عظيمًا ثم عاد الأجير فدفع إليه جميعه. وروي أن النبي ﷺ لما أراد الهجرة قال: يا عليّ ارتد لنا دليلا من الأزد فإنهم أوفى للعهد فاستأجر عبد الله بن أريقط الليثى من الأزد دليلًا إلى المدينةً، وروت عائشةً ﵂ أن النبي ﷺ وأبا بكر استأجرا رجلًا من الذيل خريتًا عالمًا بالهدايةً، وروي أن النبي ﷺ قال: "من استأجر أجيرًا فليعلمه أجره". وأما الإجماع قال الشافعي: عمل بها بعض الصحابةَ والتابعين ولا اختلاف في ذلك بين أهل العلم ببلدنا وعوام أهل الأمصار، وروي أن عليّ بن أبي طالب ﵁ آجر نفسه من يهودي فاستقى له الماء كل دلو بتمرةٍ حتى استقى بضعا وأربعين دلوًا، وروي أنه كان يستقي الماء لامرأةً يهوديةً كل دلوٍ بتمرةٍ، وقال أبو هريرة: آجرت نفسي من ابنةَ غزوان بملء بطني، وإنما استقصى الشافعي في هذا الفصل لما بلغه من قول بعض السلف وهو ابن كيسان أن الإجارةً لا تصح لأنها لا ترد على منفعةُ لم تخلق بعد إلا أن هذا القائل ليس ممن يعدّ في الفقه خلافه. وروي عن عبد الرحمن الأصم والقاشاني وإسماعيل ابن علية وبعض المتكلمين أنه لا تجوز الإجارةً ولا اعتبار بخلافهم أيضًا لأنهم ليسوا من أهل الصنعةً، وقال الشافعي: هذا القول جهل من قائله ولأن الحاجةَ داعيةً إلى جوازها لأن كل أحدٍ لا يجد دارًا يسكنها [١٥٤/ أ] ملكًا ولا يجد من يتطوع به فجوز الإجارةً كما جوّز سائر البياعات فإذا ثبت جوازها فإنما تجوز على الوجهين إما أن يعقد على مدةٍ ومعلومةً، أو على عمل معلوم ولا يجوز أن يقدر المدةَ والعمل معا فيقول: استأجرتك كخيط لي ثوبًا في يوم أو أسبوع خلافًا لأبي يوسف ومحمد لأن ذلك يؤدي إلى التضاد فإنه ربما يفرغ من العمل في المدةً ولا يمكنه أن ينصرف لأنه قد بقي بعض المدة ولا يمكن المستأجر أن يطالبه بالعمل ثانيًا لأنه تمم العمل الذي استأجره عليه وقد يمضي اليوم ولا يكون
следующие страницы →