← Фикх шафии

Фикх шафии · id 16934

بحر المذهب للروياني

عَبْد الواحِد الرُّوْياني

Полный текст (7 151 стр.). Показаны 3746–3785 · переход к 3751.

стр. 3746

قال في الحاوي: يعني أنه إن كان لا يصلح إلا للهو: فالوصية باطلة. وإن كان يصلح لغير اللهو: فالوصية به جائزة. ثم الكلام في التفضيل على ما مضي. فأما الشبابة التي ينفخ فيها مع طبل الحرب، وفي الأسفار فالوصية بها جائزة. مسألة: قال الشافعي -رحمه الله تعالى-: «ولو قال عودًا من القسي لم يعط قوس ندافٍ ولا جلاهق وأعطي معمولة أي قوس نبل أو نشاب أو حسبان». قال في الحاوي: وهذا صحيح. إذا أوصى لرجل بقوس من القسي، فمطلق القوس يتناول قوس السهام العربية دون قوس النداف. والجلاهق الذي يرمي عنها البندق، فلا يعطي إلا قوس السهام العربية سواء أعطاه قوس نشاب وهي الفارسية، أو قوس نبل وهي العربية أو قوس حسان والخيار فيها إلى الوارث لاشتراك الاسم في جميعها، ولا يلزمه أن يدفع الوتر معه، لأنه يسمي قوسًا بغير وتر، وهكذا لو أوصي له بدابة: لم يعط سرجها، أو عبد: لم يعط كسوته. فأما إن قال: أعطوه قوسًا من قسي، وله قوس نداف، وقوس جلاهق: أعطي قوس الجلاهق التي يرمي عنها، لأنها أخص بالاسم. فإن لم يكن له إلا قوس ندف دفع إليه. ولو اقترن بكلامه ما يدل على مراده: عمل على ما دل عليه كلامه من القسي الثلاث، والله أعلم. مسألة: قال الشافعي -رحمه الله تعالى-: «وتجعل وصيته في الرقاب في المكاتبين ولا يبتدأ منه عنق». قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا أوصى بثلثه في الرقاب، صرف في المكاتبين، وبه قال أبو حنيفة. وقال مالك: يشتري به رقاب يعتقون. وأصل هذا اختلافهم في سهم الرقاب في الزكاة، هل ينصرف في العتق أو في المكاتبين. فمالك يقول: يصرف في العتق. والشافعي وأبو حنيفة: يصرفانه في المكاتبين، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿إنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠]. فأثبت ذلك لهم بلام الملك، والعبد لا يملك فيصرف إليه، والمكاتب يملك فوجب صرفه إليه، ولأنه مصروف في ذوي الحاجات، ولأن مال الزكاة مصروف لغير نفع عاجل يعود إلى ربه فلو صرف في العتق لعاد إليه الولاء. فصل: فإذا تقرر أن سهم الرقاب في الزكاة يصرف إلى المكاتبين. وجب أن يكون سهام الرقاب في الوصية مصروفًا في المكاتبين، لأن مطلق الأسماء المشتركة محمولة على عرف الشرع المعتبر فيه.

стр. 3747

مسألة: قال الشافعي -رحمه الله تعالى-: «ولا يجوز في أقل من ثلاث رقاب فإن نقص ضمن حصة من ترك». قال في الحاوي: وهذا صحيح؛ لأن الثلاثة أقل الجمع المطلق، فلم يجز أن يتصرف سهم الرقاب في أقل من ثلاث. وإن زاد على الثلاثة كان حسنًا ولو اقتصر على الثلاقة مع وجود الزيادة أجزأ. ولا يلزم أن يسوي بينهم في العطاء، وسواء كان مال الوصية من جنس كتابتهم، أو من غيره. والأولى أن يدفعه إلى سيد المكاتب بإذنه فإن دفعه إلى المكاتب دون سيده أجزأ. ولو أبرأه السيد بعد أخذه، وقبل استهلاكه، لم يسترجع منه في الوصية، واسترجع منه في الزكاة؛ لأن الوصايا يجوز دفعها إلى الأغنياء بخلاف الزكاة. فلو لم يجد من المكاتبين ثلاثة: دفع إلى من وجد منهم ولو واحدًا. ولو وجد ثلاثة: لم يجز أن يقتصر على أقل منهم. فإن دفعه إلى اثنين من وجود الثالث: ضمن حصته وفيها وجهان حكاهما أبو إسحاق المروزي: أحدهما: يضمن الثلث، وقد أشار إليه الشافعي في الأم، لأن التفضيل جائز مع الاجتهاد، فإذا عدل عن الاجتهاد، لزم التسوية. والثاني: يضمن قدر ما كان يؤديه اجتهاده إليه لو اجتهد، لأن القدر الذي تعدي فيه. مسألة: قال الشافعي -رحمه الله تعالى-: «فإن لم يبلغ ثلاث رقاب وبلغ أقل رقبتين يحدهما ثمنًا وفضل فضل جعل الرقبتين أكثر ثمنًا حتى يعتق رقبتين ولا يفضل شيئًا لا يبلغ قيمة رقبة». قال في الحاوي: وهذه مسألة أغفل المزني صورتها، ونقل جوابها، وقد ذكرها الشافعي نصًا في الأم. وصورتها في رجل قال: أعتقوا بثلثي رقابًا. أو قال حرروا بثلثي رقابًا. فهذا يشتري بثلثه رقاب يعتقون عنه ولا يصرف في المكاتبين، لأن ذكر العتق والتحرر صرفه عنهم. وأقل ما يشتري به ثلاث رقاب إذا أمكنوا. اعتبارًا بأقل الجمع فإن اتسع للزيادة على الثلاث: اشتري به ما بلغوا، ولا يقتصر على الثلاث مع إمكان الزيادة بخلاف صرف في المكاتبين حيث جاز الاختصار على الثلاثة مع إمكان الزيادة؛ لأنه يجوز أن يعطي الواحد من المكاتبين قليلًا أو كثيرًا، ولا يجوز في عتق الرقبة أن يزيد على ثمنها ولا

стр. 3748

يتقص منه. فإن لم يبلغ مال الوصية ثمن ثلاث رقاب صرفه في رقبتين: فإن فضل من الرقبتين، ليكون أكثرهما ثمنًا، فتكون أكثر ثوابًا. وإن كان يقدر بالفضلة على بعض ثالثة، ففيه وجهان، حكاهما أبو إسحاق المروزي: أحدهما: أنه يشتري بالفضلة بعض ثالثة، لأن ذلك أقرب إلى الثلاث الكاملة. والثاني: وهو الظاهر من كلام الشافعي أنها تزد في ثمن الرقبتين؛ لأن النبي ﷺ سئل عن أفضل الرقاب فقال: «أكثرها ثمنًا، وأنفسها عند أهلها». ولأن في تبعيض الرقبة في العتق، إدخال ضرر على الرقبة، وعلى مالك الرقبة فيها، فكان رفع الضرر أولى. وأما إن اتسع الثلث لأكثر من ثلاث رقاب، فاستكثار العدد من استرخاص الثمن أولى من إقلال العدد مع استكثار الثمن وجهًا واحدًا، لقوله ﷺ : «من أعتق رقبة، أعتق الله بكل عضو منها، عضوًا منه من النار، حتى الذكر بالذكر، والفرج بالفرج». مسألة: قال الشافعي -رحمه الله تعالى-: «ويحزيء صغيرها وكبيرها». قال في الحاوي: وهذا كما قال. إذا أوصى أن يصرف ثلث ماله في عتق الرقاب، جاز أن يعتق عنه الذكور والإناث في إعتاق الخناثى وجهان: وجاز أن يعتق عنه الصغار والكبار، لانطلاق الاسم على جميعهم. وفي جواز عتق من لا يجزيء في الكفارة من الكبار، والزمني وجهان: تخرجا من اختلاف القولين في نذر الهدى، هل يلزم فيه ما يجوز في الأضاحي؟ أحدهما: يلزم، فعلي هذا، لا يجزئه إلا عتق من هي سليمة من العيوب المضرة. والثاني: لا يلزم: ويجوز أن يهدي كل مال، فعلي هذا يجزئه عتق الكافرة، والمؤمنة. فصل: وإذا أوصى أن يعتق بثلث ماله رقاب، أو اشتري بثلث ماله رقابًا، وأعتقوا ثم ظهر عليه دين يستوعب التركة، نظر في الرقاب، فإن كانوا قد اشتروا بعين الثلث: بطل الشراء لاستحقاق الثمن في الدين، ورد العتق لعدم الملك، وإن كانوا قد اشتروا في ذمة الوارث، لا بعين المال من الثلث نفذ عتقهم على الوارث، لثبوت الشراء في ذمته، ولزومه صرف الثلث في الدين. فصل: وإذا أوصى بعتق عبد بألف درهم، فكان الثلث خمسمائة درهم، اشترى بها عبدًا وأعتق عنه.

стр. 3749

وقال أبو حنيفة: لا يجوز أن يعتق عنه بأقل من الألف، ويكون عجز الثلث عنها مبطلًا للوصية بالعتق، لأنه جعل الألف صفة في العتق مع العجز لعدم الصفة، وصار كقوله: أعتقوا عبدي الأسود، فإذا عدم الأسود، لم يجز أن يعتق غيره للوصية بالعتق، لأنه جعل الألف صفة في العتق فلم يصح العتق مع العجز لعدم الصفة وصار كقوله: أعتقوا عبدي الأسود، فإذا عدم الأسود، لم يجز أن يعتق غيره. وهذا فاسد، لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم». ولأنها وصية إذا عجز الثلث عنها، لم يسقط حكم ما احتمله منها، قياسًا على سائر الوصايا؛ ولأن العتق إذا ضاق الثلث عن احتمال جميعه، رد إلى ما احتمله الثلث من أجزائه، كالوصية بعتيق عبد بعينه، ولم يذكر للألف صفة، فتكون شرطًا، وإنما ذكرها قدرًا وجعلها في العتق حدًا. مسألة: قال الشافعي -رحمه الله تعالى-: «ولو أوصي أن يحج عنه ولم يكن حج حجة الإسلام فإن بلغ ثلثه حجة من بلده أحج عنه من بلده وإن لم يبلغ من حيث بلغ. قال المزني ﵀ والذي يشبه قوله أن يحج عنه من رأس ماله؛ لأنه فيقوله دين عليه». قال في الحاوي: وجملة ذلك أن للميت في الحج عنه حالتين: حالة يوصي به، وحالة لا يوصي به، فإن لم يوصي به، فلا يخلو حاله من أحد أمرين: إما أن يكون عليه حج واجب، أو لا حج عليه، فإن لم يكن عليه حج. لم يجز أن يتطوع عنه بالحج. وإن كان عليه حجة الإسلام، فمات قبل أن يوصي بها، فوجب أن يحج عنه من رأس ماله بأقل ما يوجد من ميقات بلده، وكذلك يخرج عنه من رأس ما وجب عليه من زكاة وكفارات وإن لم يوص بها. وقال أبو حنيفة: لا يصح لاحج عنه، ولا الزكاة، إلا بوصية منه، وهذا فاسد، لما ذكرناه في الحج، ولأن ما تعلق وجوبه بالمال، لزم أداؤه عنه، وإذا لزم أداؤه عنه، فمن رأس المال كالديون. ويخرج منه أجرة المثل من الميقات، لا من بلده، وإن كانت استطاعت من بلده شرطًا من وجوب، لأنه إذا كان حيًا، لزم أدواة بنفسه فصارت بضع المسافة معتبرة في استطاعته فإذا مات، لم يتعين في النائب عنه أن يكون من بلده، وإنما لزم أن يؤتي بالحج من ميقات بلده، فلذلك اعتبر أجرة المثل من ميقات بلده. فصل: وإن أوصى أن يحج عنه فلا يخلو حاله من أحد أمرين.

стр. 3750

إما أن يكون حج أو ليس عليه حج فإن كان عليه حج فلا يخلو حاله من ثلاثة أقسام: أحدها: أن يجعل الحج من رأس ماله فهذا على ضربين: أحدهما: أن يذكر قدر ما يحج به عنه. والثاني: أن لا يذكر فإن لم يذكر قدر ما يحج به عنه أخرج عنه من رأس ماله قدر أجرة المثل من ميقات بلده ولا يستفاد بوصيته إلا للإذكار والتأكيد وإن ذكر قدر ما يحج به عنه فله ثلاثة أحوال: أحدها: أن يكون قد أجرة المثل في الميقات فيخرج ذلك من رأس ماله. والثاني: أن يكون أقل من أجرة المثل من ميقات بلده ولا يستفاد بوصيته وإن وجد من يحج به وإلا تمم من أجرة المثل وكان جميعه من رأس المال. والثالث: أن يكون أكثر من أجرة المثل من الميقات فتكون الزيادة على أجرة المثل وصية في الثلث لا تجوز أن يدفع إلى وارث وإن تراجع عينه، لأنه لا وصية لوارث فهذا حكم القسم الأول إذا جعل الحج من رأس ماله. فصل: والقسم الثاني: أن يوصي بالحج من ثلثه. فهذا على ضربين: أحدهما: أن يجعل كل الثلث مصروفًا إلى الحجة الواجبة، فهذا يحج عنه بالثلث من بلده إن أمكن، ولا يجوز أن يدفع إلى وارث إن زاد على أجرة المثل، ويجوز أن يدفع إليه إن لم يزد، فإن عجز الثلث عن الحج من بلده: أحج به عنه من حيث أمكن من طريقه. فإن عجز إلا من ميقات البلد أحج به عنه من ميقات بلده. فإن عجز عن الحج من ميقات بلده وجب إتمام أجرة المثل ميقات بلده من رأس المال، فصار فيها دور، لأن ما يتمم به أجرة المثل من رأس ماله يقتضي نقصان ثلث المال مثاله: أن يكون ماله مائة درهم، وأجرة المثل أربعون درهمًا، فإن أردت أن تعرف قدر الثلث وقدر ما يتم به الثلث من رأس المال أسقطت من المال قدر أجرة المثل وذلك أربعون درهمًا يكون الباقي ستين درهمًا ثم زدت عليه مثل نصفه فيصير تسعين درهمًا، فهو المال الباقي بعدما أخذ تمام الثلث، فإذا أخذت ثلثه، كان ثلاثين درهمًا، وضممت إليه العشرة الباقية من المائة صارت أربعين درهمًا، هي قدر أجرة المثل، فمنها ثلاثون درهمًا هي ثلث المال، وعشرة دراهم من رأس المال وعرضه. والثاني: أن لا يجعل كل الثلث مصروفًا إلى الحج بل يقول أحجوا عني من ثلثي رجلًا فهذا على ضربين: أحدهما: أن يذكر قدرًا كأنه قال: أحجوا رجلًا بمائة درهم. فلا يزاد عليها إن وجد، ويستأجر من يحج بها من حيث أمكن من بلده، أو من ميقاته. وإن لم يوجد من يحج بها من ميقاته: وجب إتمامها من رأس المال، لا من ثلثه، لأنه القدر الذي جعله

стр. 3751

في الثلث: هو المائة، لا ما زاد عليها. والثاني: أن لا يذكر القدر فيخرج من ثلثه قدر أجرة المثل. ثم فيها وجهان: أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي، والظاهر من كلام الشافعي أجرة المثل من بلد الموصي، لأن الوصية في الثلث تقتضي الكمال. والثاني: أجرة مثل الميقات، كما لو جعله من رأس المال، وما يزاد عليه تطوع لا يخرج إلا بالنص. فإن عجز الثلث عن جميع الأجرة تمم جميعًا مثل أجرة الميقات من رأس المال. فلو كان في الثلث مع الحج عطايا ووصايا، ففي تقديم الحج على الوصايا وجهان حكاهما ابو إسحاق المروزي: أحدهما: يقدم على الحج على جميع الوصايا في الثلث، لأنه مصروف في فرض، ثم يصرف ما فضل بعد الحج في أهل الوصايا. والثاني: أن يسقط الثلث بين الحج، والوصايا بالحصص، لأن الحج وإن وجب فحمله في الثلث، فساوي في الثلث أهل الوصايا، ثم تمم أجرة المثل من رأس المال. وعلى هذين الوجهين: لو كانت عليه ديون واجبة، وأوصي بقضائها من ثلثه، ففيه وجهان: أحدهما: يقدمون على أهل الوصايا. والثاني: يحاصونهم، ثم يستكملون الوصايا من رأس المال. فهذا حكم القسم الثاني، إذا جعله من ثلثه. فصل: والقسم الثالث: أن يطلق الوصية بالحج، فلا يجعله في الثلث ولا من رأس المال، فالذي نص عليه الشافعي في المناسك في كتابه الجديد أنه يحج عنه من رأس المال. وقال في هذا الموضع من الوصايا بالحج عنه من ثلثه فاختلف أصحابنا: فكان أبو الطيب بن سلمة، وأبو حفص بن الوكيل يخرجان ذلك على قولين: أحدهما: يكون من راس المال كما لو يوص به، لوجوبه كالديون. والثاني: أنه يكون من الثلث، ليستفاد بالوصية، ما لم يكن مستفادًا بغيرها. وقال أبو علي بن خيران: ليس هذا على الاختلاف قولين، بل الحكم على حالين، فالذي جعله في الثلث هو أجرة مثل السير من بلده إلى الميقات والذي جعله من رأس المال، هو أجرة المثل من الميقات. وقال أبو إسحاق المروزي: وقال أبو علي بن أبي هريرة: إنه يكون ذلك من رأس المال قولًا واحدًا. والذي قاله ها هنا أنه يكون في الثلث إذا صرح بأنه في الثلث توفيرًا عن ورثته. ألا تراه قال: فإن لم يبلغ، تمم من رأس المال. فإن قلنا: إنه يكون من رأس المال: أحج عنه من ميقات بلده. وإن قلنا: يكون من الثلث، فعلي وجهين: أحدهما: من بلده، والثاني: من ميقات بلده.

стр. 3752

والذي قاله ها هنا إذا كان الحج واجبًا، وسواء كان حج الإسلام، أو نذرًا أو قضاء. ومن أصحابنا من فرق بين حجة النذر وغيرها. فجعل حجة النذر في الثلث؛ لأنه تطوع بإيجابها على نفسه، وسوى الأكثرون بينها وبين الواجبات. فصل: ولو كان ما أوصى به عنه من الحج تطوعًا، ففيه قولان: أحدهما: أن الوصية باطلة. والثاني: جائزة. فإذا قيل ببطلان الوصية: كان الحج عن الأجير، لا عن المستأجر عنه، وفي استحقاقه للأجر قولان: فإذا قيل بجواز الوصية، نظر مخرج كلامه فيها، فله فيه أربعة أحوال: أحدها: أن يقول أحجوا عني بمائة درهم من الثلث. والثاني: أن يقول أحجوا عني بما اتسع له الحج من الثلث. والثالث: أن يقول: أحجوا عني بالثلث. والرابع: أن يقول أحجوا عني. فأما الحال الأول: وهو أن يقول: أحجوا عني بمائة درهم من الثلث فلا يزاد عليها، ولا ينقص، مع احتمال الثلث لها. ثم لا يخلو إما أن يسمي من يحج بها، أو لا يسميه، فإن لم يسميه: دفعت إلى من يحج بها واحدًا من أفضل ما يوجد، ثم لا تخلو المائة من ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون بقدر أجرة المثل، إما من بلده، أو من الميقات، فتدفع إلى وارث، أو غير وارث، لأنها وإن كانت في الثلث وصية، فهي في مقابلة عمل، فلم تصر له وصية وصارت كالموصي يشتري عبدًا يعتق عنه، جاز أن يشتري من الوارث، وإن كان ثمنه في الثلث، لأنه في مقابلة بدل. والقسم الثاني: أن يكون بقدر أجرة المثل، فتدفع إلى أجنبي، ولا يجوز أن تدفع إلى وارث، لأن فيها وصية بالزيادة. والقسم الثالث: أن يكون أقل من أجرة المثل. فإن وجد من يحج عنه أحججناه، وارثًا كان، أو غير وارث، فإن لم يوجد من يحج بها، بطلت الوصية بالحج، وعادت ميراثًا، ولم يزد في الثلث على أهل الوصايا، كمن أصوى بمال لرجل، فرد الوصية، عادت إلى الورثة، دون أهل الوصايا. وإن سمي من يحج بها بمائة لم يعدل بها عنه إلى غيره، مع إمكان دفعها إليه. ثم لا تخلو حالها من ثلاث أقسام: أحدها: أن يكون بقدر أجرة المثل فتدفع إلى المسمي لها، وارثًا كان، أو غير وارث، فإن لم يقبلها المسمي بها، فدعت حينئذ إلى غيره.

стр. 3753

والثاني: أن يكون أكثر من أجرة المثل فلا يخلو المسمي لها من أن يكون وارثًا أو غير وارث. فإن كان وارثًا: فالزيادة على أجرة المثل وصية يمنع منها الوارث، فإن وصي بأجرة المثل منها: دفعت إليها دون غير وردت الزيادة على الورثة. وإن لم يرض إلا بالمائة كلها، منع منها، ولم يجز أن تدفع إليه لما فيها من الوصية لها، وعدل إلى غيره بأجرة المثل دون المائة، لأن الزيادة على أجرة المثل وصية بمسمي، ويعود الباقي ميراثًا. وإن كان المسمي غير وارث دفعت إليه المائة إن قبلها، وإن لم يقبلها عدل إلى غيره باجرة المثل، وعادت الزيادة عليها ميراثًا. والثالث: أن تكون المائة أقل من أجرة المثل، فإن قنع المسمي بها، دفعت إليه، وارثًا كان أو غير وارث. وإن لم يقنع بها، ووجد غيره مما يقنع بها، دفعت إليه، لأنه ليس فيها وصية للمسمي فتبطل بالعدول. وغن لم يوجد من يحج عادت ميراثًا، ولم يرجع إلى الثلث. فأما إن عجز الثلث عن احتمال المائة كلها: أخرج منها قدر ما احتمله الثلث فيصير هو القدر الموصي به، فيكون على ما مضي. فصل: وأما الحال الثانية: وهو أن يقول: أحجوا عني بثلثي، فلا يجوز أن يصرف الثلث، إلا في حجة واحدة، وإن اتسع لغيرها، لأنه عين عليها فتصير كالوصية بمائة درهم، في أن يسمي من يحج عنه، أو يسميه فتكون على ما مضي من التقسيم والجواب. فإن أمكن أن يحج عنه بالثلث من بلده، لم يجز أن يقتصر بالحج عنه من ميقاته، وإن قصر عنه الثلث، فمن حيث أمكن، حتى ينتهي إلى الميقات، فإن قصر عن الميقات، ولم يوجد من يحج به بطلت الوصية وعادت ميراثًا. فصل: وأما الحالة الثالثة: وهو أن يقول: أحجوا عني بثلثي حجًا فيصرف الثلث فيما اتسع من الحج، ولا يقتصر على حجة واحدة، مع اتساعه لأكثر منها، ولا يزاد أحد على أجرة مثله من بلد الموصي، لا من ميقاته، لأن كل ذلك تطوع، فاعتبر فيه أكمل الأحوال. فإن اتسع الثلث لثلاث حجج، فاقتصر في صرفه على حجتين ضمن الموصي الحجة الثالثة في ماله، فلو اتسع الثلث لحجتين، وفضلت فضلة، لم تتسع لحجة ثالثة من بلده، نظر فيها. فإن أمكن أن يحج بها عنه من ميقاته صرفت في حجة من الميقات، وإن لم يمكن أن يصرف من الميقات وإلا ردت على الورثة ميراثًا، ولم يزد على الحجتين بخلاف الفاضل عن ثمن الرقبتين، لأن أثمان الرقاب تختلف، فردت الفضلة في أثمانها لوفور الأجر بتوافر أثمانها وأجور الحج غير مختلفة. فلو أمكن صرف الفضلة في عمرة: لم تصرف فيها، لأن الوصية في الحج، لا من العمرة. فصل: وأما الحال الرابعة: وهو أن يقول: أحجوا عني ولا يذكر بكم، فيحج عنه حجة واحدة، بأجرة المثل من بلده، لا من ميقاته، إن احتمل الثالث ذلك. وإن لم يحتمل، فمن حيث احتمل الثلث ذلك من الميقات، وإن لم يحتمل حجة من الميقات:

стр. 3754

بطلت الوصية، وعادت ميراثًا. مسألة: قال الشافعي -رحمه الله تعالى-: «ولو قال: أحجوا عني رجلًا بمائة درهم وأعطوا ما بقي من ثلثي فلانًا وأوصي بثلث ماله لرجلٍ بعينه فللموصي له بالثلث نصف الثلث وللحجاج والموصي له بما بقي من الثلث، نصف الثلث ويحج عنه رجل بمائة». قال في الحاوي: وصورتها من رجل قال في وصيته: أحجوا عني رجلًا بمائة درهم، وأعطوا ما بقي من ثلثي فلانًا، وأوصي بثلث ماله لرجل ثالث. فهذا رجل قد أوصي بثلثي ماله. فإن أجاز الورثة ذلك دفع إلى الموصي له بالثلث ثلث المال كاملًا ولا يشاركه فيه أحد، ودفع الثلث الآخر مائة درهم، إلى الموصي له بالثلث ثلث المال كاملًا، ولا يشاركه فيه احد، ودفع الثلث الآخر مائة درهم، إلى الموصى له بالحج، بالثلث ولا يشاركه فيه أحد. فإن بقيت من الثلث بعد ذلك رقبة: دفعت إلى الموصى له بما بقي من الثلث، وسواء قلت النفقة أو كثرت. فإن لم يبق من الثلث بعد المائة شيء، فلا شيء إلى الموصى له بما بقي، لأنه لم يبق منه شيء. فهذا حكم الوصية إذا أجازها الورثة. فأما إذا لم يجزها: ردت الوصايا كلها إلى الثلث: ثم نظر: فإن كان الثالث مائة درهم فما دون، فلا شيء للموصي له بما بقي من الثلث: وانقسم الثلث الموصي له بالمائة بالحج، والموصي له بالثلث نصفين، يتعادلان فيه، كما يتعادل أهل الوصايا، إذا ضاق الثلث عنها: فإن لم يجد بما احتمله الثلث من المائة من يحج عنه، عادت ميراثًا، ولم تعد على الموصي له بالثلث، ولا على الموصي له، بما بقي من الثلث. وإن كان الثلث أكثر من مائة درهم، فإن الموصي له بالمائة في الحج، والموصي له بما بقي من الثلث، يعادلان الموصي له بالثلث، وإحدى الوصيتين تعادل الأخرى فيقسم الثلث بينهما نصفين، أو أعطي الموصي له بالثلث نصفه. وهو السدس ودخل عليه من نقص العول: نصف وصيته، لأن وصيته، رجعت إلى نصفها. وأما النصف الآخر من الثلث ففيه وجهان: أحدهما: وهو الظاهر من كلام الشافعي، وبه قال أبو إسحاق المروزي وأبو علي بن أبي هريرة، يقدم فيه الموصي له بالمائة في الحج، على الموصي له بما بقي من الثلث حتى يستوفي مائة، ثم يأخذ الآخر بقيته؛ لن الوصية بما بقي بعد المائة، لا تستحق قبل كمال المائة لاستحالتها فعاد صاحب الثلث به توفيرًا على صاحب المائة، بما يعاد الجد بالأخوة من الأب، توفيرًا على الأخ من الأب والأم. فعلى هذا: إن كان نصف الثلث، مائة درهم فما دون، أخذه الموصي له بالمائة، ولا شيء للموصي له بما بقي.

стр. 3755

وإن كان نصف الثلث أكثر من مائة دهم، أخذ منه الموصي له بالمائة، مائة درهم كاملة، وأخذ الموصي له بما بقي الفاضل على المائة بالغًا ما بلغ. والثاني: وهو قول أبي العباس بن سريج: أن الموصي له بالمائة والحج، والموصي له بما بقي من الثلث يتعادلان فيه. وإن كان من الثلث مائتي درهم: فهما متساويان فيه لو كمل. وإذا عاد الثلث الذي جعل لهما إلى نصفه، وهو مائة درهم جعلت المائة بينهما نصفين، ليكون فيه متساويين. ولو كان الثلث، مائة وخمسين درهمًا، فللموصي له بالمائة مثل ما للموصي له بما بقي فيكون نصف الثلث وخمسة وسبعون درهمًا بينهما على ثلاثة، لموصي له بالمائة، نصف ما كان يأخذه من الثلث، وهو خمسون درهمًا. وللموصي له بما بقي: نصف ما كان يأخذه من الثلث، وهو خمسة وعشرون درهمًا. وإن كان الثلث ثلاثمائة: كان للموصي له بما بقي ثلثي ما للموصي له بالمائة، فيكون نصف الثلث، وهو مائة وخمسون درهمًا وللموصي له بما بقي وهو مائة درهم. ولو كان الثلث أربعمائة درهم: كان للموصي له بما بقي ثلاثة أرباع فيكون نصف الثلث وهو مائتا درهم بينهما على أربعة أسهم. فللموصي له بالمائة ربع ما كان يأخذه وهو مائة وخمسون. وللموصي له بما بقي ثلاثة أرباع ما كان يأخذه وهو مائة وخمسون. ثم على هذا القياس. هذا فيما زاد أو نقص. وهذا أصح الوجهين، لأنه إنما أوصي بالمائة لصاحب المال من كل الثلث، لا من بعضه، فلم يجز أن يأخذ نصف الثلث ما كان يأخذه من جميعه. فصل: فأما إذا ابتدأ بالوصية بثلث ماله لرجل. ثم أوصي بأن يحج عنه رجل بمائة درهم، ثم أوصي بالباقي من ثلثه لآخر. فقد اختلف أصحابنا في الموصي له بالباقي في هذا المسألة على وجهين: أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي: أنها باطلة؛ لأن تقدم الوصية بالثلث، يمنع أن يبقي شيء من الثلث. فعلي هذا: إن أجاز الوصية الورثة بالثلث وبالمائة: إمضاء. وإن لم يجيزوها: ردًا إلى الثلث، وتعادل فيه صاحب الثلث والموصي له بالمائة، ثم ينظر قدر الثلث، فإن كان مائة درهم، فقد تساوت وصيتها، فيقتسمان الثلث بينهما نصفين. وإن كان الثلث، خمسمائة درهم، كان الثلث مقسومًا بينهما على ستة أسهم، للموصي له بالثلث خمسة أسهم، وللموصي له بالمائة سهم. والثاني: وهو قول ابن أبي هريرة، أن الجواب في هذه المسألة إذا قدم الوصية بالثلث، كالجواب في المسألة الأولى، إذا أخر الوصية بالثلث؛ لأن إذا أوصي بالمائة بعد الثلث، علم أنه لم يرد ذلك الثلث، لأن الوصية الأولى قد استوعبته، ولولا ذلك، لبطلت الوصية بالمائة، وإنما أراد ثلثًا ثانيًا.

стр. 3756

فإذا أوصى بعد المائة بما بقي من الثلث دل على أنه أراد ما بقي من الثلث الثاني وصار موصيًا بثلثي ماله فإذا امتنع الورثة من إجازته، رد الثلثان إلى الثلث فجعل نصف الثلث لصاحب الثلث، وكان النصف الآخر بين الموصي له بالمائة وبين الموصي له بالباقي على ما مضي من الوجهين. فصل: وإذا أوصي بعبده لرجل، وأوصي بباقي الثلث لآخر قوم العبد بعد موت الموصي، فإن كانت قيمته الثلث فصاعدًا فالوصية بالباقي من الثلث باطلة. وإن كانت قيمته أقل من الثلث، مثل أن يكون قيمة العبد ألف درهم والثلث ألف وخمسمائة، فالوصية بالباقي من الثلث جائزة وقدرها خمسمائة درهم. فلو نقتص قيمة العبد بعد ذلك عن الألف مثل أن يصير أعود فيساوي بعد عوره سبعمائة، فلا يزاد الموصي له بالباقي على الخمسمائة التي كانت قيمة الثلث بعد قيمة العبد سليمًا عند الموت ولا يحتسب للعبد في الثلث إذا كان عوره بعض قبض الموصي له إلا سبعمائة، ويكون نقصه بالعور، كالشيء التالف من التركة. وعلى هذا: لو زادت قيمة العبد على الألف بعد الموت وقبل قبض الموصي له حتى صار يساوي ألف درهم ومائتي درهم، لم ينقص الموصي له بالباقي عن الخمسمائة التي كانت بقية الثلث من قيمة العبد بعد موت الموصي فلو مات العبد بعد موت الموصي، وقبل قبض الموصي له: لم تبطل الوصية بباقي الثلث، وقوم العبد حيًا عند موت الموصي، ولو مات الموصي له في حياة الموصي، بطلت الوصية به. فأما الوصية بالباقي من الثلث بعد موت العبد فينظر: فإن جوز أن ينتهي قيمة العبد إن كان حيًا إلى استغراق الثلث: صار الوصية بالباقي من الثلث باطلة، لتردد بين الثبوت والإسقاط. وإن علم قطعًا أن قيمته لا تجوز أن تستغرق الثلث: كانت الوصية بالباقي من الثلث جائزة، ورجع فيها إلى قول الوارث مع يمينه إلى توزع، وبالله التوفيق. مسألة: قال الشافعي -رحمه الله تعالى-: «ولو أوصى بأمة لزوجها وهو حر فلم يعلم حتى وضعت له بعد موت سيدها أولادًا فإن قبل عتقوا ولم تكن أمهم أم ولد حتى تلد منه بعد قبوله بستة أشهر فأكثر؛ لأن الوطء قبل القبول وطء نكاح ووطء القبول وطء ملك». قال في الحاوي: أعلم أن لهذه المسألة ثلاث مقدمات لا يصح جوابها إلا بتقرير مقدماتها: أحدها: الحمل هل يكون له حكم يختص به؟ أو يكون تبعًا لا يختص بحكم وفيه قولان:

стр. 3757

أحدهما: أن له حكمًا مخصوصًا، ويصح أن يكون معلومًا، وأن الحامل إذا بيعت يقسط الثمن عليها، وعلى الحمل المستجد في بطنها، لأنه لما صح أن يعتق الحمل فلا يسري إلى أم ويوصي به لغير مالك الأم، دل على اختصاصه بالحكم وتمييزه عن الأم. والثاني: أن الحمل يكون تبعًا لا يختص بحكم ولا يكون معلومًا؛ لأنه لما سري عتق الأم إليه صار تبعًا لها كأعصابها، ولما جاز أن يكون موجودًا أو معدومًا: لم يجز أن يكون معلومًا فهذه مقدمة. والثانية: وهي أقل مدة الحمل وهي ستة أشهر لا يجوز أن يحيي ولد وضع لأقل من ستة أشهر اعتبارًا بالعرف المعهود ثم بالنص الوارد. قال تعالى: ﴿وحَمْلُهُ وفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]. فلما كان الفصال حولين كاملين، دل على أن الستة الأشهر الباقية هي أقل مدة الحمل. فإن ولدت زوجة رجل لأقل من ستة أشهر من عقد نكاحها، وولدت أمة لأقل من ستة أشهر من وطء سيدها: كان الولد منتفيًا عنه، وغير لاحق به. والثالثة: ملك الوصية متى يحصل للموصي له، ويدخل في ملكه؟ وفيه قولان منصوصان: أحدهما: أنه يملك الوصية بالقبول. واختلف أصحابنا فيما قبل القبول وبعد الموت، على هذا القول، هل تكون باقية على ملك الموصى، أو داخلة في ملك الورثة على وجهين: أحدهما: وهو قول ابن سريج وأكثر البصريين، أن ملك الوصية منتقل عن الميت إلى ورثته، ثم بالقبول يدخل في ملك الموصي له لزوال ملك الموصي بالموت. والثاني: وهو قول أبي إسحاق المروزي، وأكثر البغداديين أن الوصية باقية على ملك الموصي بعد موته حتى يقبلها الموصي له فتدخل في ملكه بقبوله، وتنتقل إليه عن الموصي، لأن الوصية تملك عنه كالميراث. ووجه هذا القول، بأن الوصية تملك بالقبول هو أنها عطية فلم يجز أن يتقدم الملك على قبولها كالهبات. قال الشافعي: «وهذا قول ينكسر». والثاني: وهو أصحهما أن القبول يدل على حصول الملك بالموت، فيكون الملك موقوفًا، فإن قبل حمل على تقدم ملكه. وإن لم يقبل دل على عدم ملكه. ووجه هذا القول: هو أنه امتنع أن يبقي للميت ملك. وأن الوارث لا يملك الإرث، اقتضي أن يكون الملك موقوفًا على قبول الموصي له ورده وحقه في القبول باق، ما لم يعلم. فإن علم، فإن كان عند إنقاذ الوصايا، وقسمة التركة فقبوله على الفور فأقبل، وإلا بطل حقه في الوصية، فأما بعد علمه، وقبل إنفاذ الوصايا وقسمة التركة، فمذهب الشافعي وقول جمهور أصحابه، أن القبول فيه على التراخي، لا على الفور. فيكون ممتدًا ما لم

стр. 3758

يصرح بالرد، حتى تنفذ الوصايا، وتقسم التركة، لأنه لما لم يعتبر القبول مع الوصية، اعتبر نفاذ الوصية. وحكي أبو القاسم بن كج عن بعض أصحابنا أن القبول بعد علمه على الفور، لأنها عطية كالهبات. وحكي ابن عبد الحكم عن الشافعي قولًا ثالثًا أن الوصية تدخل في ملك الموصي له بغير قبول ولا اختيار، الميراث. فاختلف أصحابنا في تخريجه قولًا ثالثًا للشافعي. فخرجه أبو علي بن أبي هريرة وأكثر المتأخرين من أصحابنا قولًا ثالثًا تعليلًا بالميراث، وامتنع أبو إسحاق المروزي، وأكثر المتقدمين من أصحابنا من تخريجه قولًا ثالثًا، وتأولوا رواية ابن عبد الحكم بأحد تأويلين: إما حكاية عن مذهب غيره، وإما على معني أنه بالقبول يعلم دخولها بالموت في ملكه. وفرقوا بين الوصية والميراث، بأن الميراث عطية من الله تعالى، فلم يراع فيها القبول. والوصية عطية من آدمي، فروعي فيها القبول. فهذه مقدمات المسألة. فصل: فإذا تقررت المقدمات، فصورة المسألة في رجل تزوج أمة رجل ثم أوصي السيد بها للزوج. فلا يخلو حال الزوج من أن يقبل الوصية بها بعد موت الموصي أو يرد، فإن رد الوصية ولم يقبلها: فالنكاح بحاله والأمة ملك لورثة الموصي وأولادها موقوفون لهم. فإن قبل الوصية فلا يخلو حالها من أن تأتي بولد، أو لا تأتي بولد، أو لا تأت فإن لم تأت بولد فالنكاح قد بطل بالملك، لأن النكاح والملك تتنافي أحكامهما، فلم يجتمعا، وغلب حكم الملك، لأنه أقوى. فإن قيل بالقبول قد ملك: انفسخ نكاحها حين القبول، وكان الوطء قبله وطئًا في نكاح، وبعده وطئًا في ملك، ولا استبراء عليه بحدوث الملك، لأنها لم تزل فراشًا له. فإن قيل القبول يبني عن ملك سابق من حين الموت، انفسخ نكاحها حين الموت، وكان وطئه قبل الموت وطئًا في نكاح وبعد الموت وطئًا في ملك. فإن قيل فلم قال الشافعي، على هذا القول، لأن الوطء قبل القبول وطء نكاح وبعد القبول وطء ملك وهو قبل القبول وبعده وطء ملك. وإذا كان بعد الموت؟ ففيه ثلاثة أجوبة: أحدها: أنه غلظ من المزني في النقل. والثاني: أنه منقول من القول الأول أنه بالقبول يملك. والثالث: أن معناه أن الوطء قبل زمان القبول وطء نكاح يعني قبل الموت. فصل: وإن أتت بولد. فعلي ثلاثة أقسام: أحدها: أن تضعه قبل موت الموصي. والثاني: أن تضعه بعد موت الموصي، وقبل قبول الموصي له. والثالث: أن تضعه بعد قبول الموصي له. فأما الأول: وهو أن تضعه قبل موت الموصي فهذا على ضربين: أحدهما: أن يكون موجودًا عند الوصية.

стр. 3759

والثاني: أن يكون حادثًا بعدها. فإن كان موجودًا عند الوصية، مثل أن تضعه لأقل من ستة أشهر من حين الوصية، ففيه قولان من اختلاف قوليه في الحمل هل له حكم أم لا؟ فإن قيل لا حكم له: فالولد مملوك للموصي ومنتقل عنه إلى ورثته وإن قيل للحمل حكم فهو للموصي له، وكأن الموصي وصي له بالأم والولد، ثم قد أعتق الولد عليه بالملك، وصار له ولاؤه. ولا تصبر أمه به أم ولد، لأنها ولدته من نكاح. ويعتبر في الثلث قيمة كل واحد من الأم والولد يوم موت الموصي. وإن كان حادثًا بعد الوصية، مثل أن تضعه لستة أشهر فصاعدًا من حين الوصية فهو مملوك للموصي قولًا واحدًا ومنتقل عنه إلى ورثته. فصل: وأما القسم الثاني: وهو أن تضعه بعد الموت الموصي وقبل قبول الموصي له فهذا على ثلاثة أضرب: أحدها: أن يكون موجودًا عند الوصية. والثاني: أن يكون حادثًا بعد الوصية وقبل موت الموصي. والثالث: أن يكون حادثًا بعد موت الموصي، وقبل قبول الموصي له. فإن كان موجودًا عند الوصية: فهو أن تضعه لأقل من ستة أشهر من حين الوصية ففيه قولان بناء على اختلاف قوليه في الحمل هل له حكم أم لا؟ فإن قلنا: للحمل حكم: فالوصية بهما معًا، وفيما تقوم عليه وجهان حكاهما ابن سريج. أحدهما: تقوم عليه الأمة حاملًا، يوم موت الموصي، فإن خرجت قيمتها كلها من الثلث: صحت الوصية بها وبولدها. وإن خرج نصفها من الثالث كان له نصفها، ونصف ولدها. والثاني: أنه تقوم الأم يوم موت الموصي، ويقوم الولد يوم ولد، ويعتبر قيمتها جميعًا من الثلث، فإن احتملها الثلث صحت الوصية بهما، وإن عجز الثلث عنهما، أمضي له من الوصية بهما: قدر ما احتملهما الثلث منهما من غير تفضيل. ثم إذا صحت الوصية لهما، لاحتمال الثلث لهما، فقد عتق عليه الولد بالملك، وله ولاؤه لحدوث عتقه بعد رقة. فلم تصر الأم به أم ولد، لأنها علقت به في نكاح. فهذا إذا قلنا إن للحمل حكمًا. وإذا قلنا: إن الحمل لا حكم له. ففيه قولان بناء على اختلاف قوليه، في قبول الوصية هل يقع به التمليك؟ أو يدل على تقدم الملك بالموت فإن قيل: إن القبول هو الملك، فالولد مملوك، وفيه وجهان: أحدهما: أنه مملوك للموصي ومضموم إلى تركته ثم منتقل عنه إلى ورثته. والثاني: أنه حادث على ملك الورثة من غير أن يثبت عليه للموصي ملك. وإن قيل إن القبول يدل على تقدم الملك بالموت كان الولد للموصي له وقد عتق عليه بالملك، وله ولاؤه، ولا تكون أمه به أم ولد، وفيما يقوم في الثلث وجهان على ما ذكرنا. وإن كان

стр. 3760

الولد حادثًا بعد الوصية، وقبل الموت، فهو أن تضعه لأكثر من ستة أشهر من حين الوصية، ولأقل من ستة أشهر من حين الموت، ففي الولد قولان بناء على اختلاف قوليه في القبول. فإن قلنا: إن القبول هو المملك، فالولد للورثة، فإن جعل للحمل حكم، فقد ثبت عليه ملك الموصي، ثم انتقل إلى ورثته وإن لم يجعل للحمل حكم ففيه وجهان: أحدهما: يكون للموصي وتنتقل عنه إلى الورثة. والثاني: يكون للورثة ولم يثبت على ملك الموصي. ولا يحتسب عليهم من تركته. وإن قلنا: إن القبول يدل على تقدم الملك، فالولد للموصي له وقد عتق عليه بالملك، وله ولاؤه، ولا تصير الأم به أم ولد، وفيما يقوم في الثلث وجهان: أحدهما: تقوم الأم حاملًا عند الموت لا غير. والوجه الثاني: تقوم الأم عند الموت، ويقوم الولد عند الوضع وتعتبر قيمتها جميعًا من الثلث. وإن كان حادثًا بعد موت الموصي، وقبل قبول الموصي له، فهو أن تضعه لأكثر من ستة أشهر من حيث موت الموصي. فإن قيل: إن القبول هو المملك، فالولد مملوك لورثة الموصي لم يجر عليه للموصي ملك وجهًا واحدًا. وإن قيل: إن القبول يدل على تقدم الملك بالموت، فالولد حر لم يجر عليه رق، ولا عليه، وقد صارت الأم به، أم ولد، لأنها علقت به في ملك الموصي له، ولا يقوم الولد عليه في الثلث وجهًا واحدًا، لأنه لم يجر عليه رق، وإنما تقوم الأم عند الموت، وقد كانت عنده حائلًا. فصل: وأما القسم الثالث: وهو أن تضعه بعد قبول الموصي له، فهذا على أربعة أضرب: أحدها: أن يكون موجودًا عند الوصية. والثاني: أن يكون حادثًا بعد الوصية وقبل موت الموصي. والثالث: أن يكون حادثًا بعد موت الموصي وقبل القبول. والرابع: أن يكون حادثًا بعد القبول. فإن كان موجودًا عند الوصية، مثل أن تضعه لأقل من ستة أشهر من حين الوصية بالولد للموصي له على القولين معًا سواء قيل إن للحمل حكم، أو قيل إنه يكون تبعًا، لأنه إن قيل إن له حكمًا، فهو مع الأم موصي بهما وإن قيل: يكون تبعًا فحكمه معتبر بحال الولادة، وهي مولود في ملك الموصي له. وإذا كان له فقد عتق عليه بعد رقه، فله ولاؤه، فلا تكون أمه بعد أم ولد. وإن كان حادثًا بعد الوصية، وقبل الموت: فهو أن تضعه لأكثر من ستة أشهر من وقت الوصية، ولأقل من ستة أشهر من حين الموت ففيه قولان: أحدهما: أنه مملوك للموصي، وهذا على القول الذي يقول إن الحمل حكمًا.

стр. 3761

والثاني: إنه للموصى له، إذا قيل إن الحمل تبع. فعلي هذا يعتق عليه بعد رقه. ويكون له عليه الولاء، ولا تصير أمه به أم ولد. وإن كان حادثًا بعد موت الموصي، وقبل القبول فهو أن تضعه، لأكثر من ستة أشهر من حين الموت، ولأقل من ستة أشهر من حين القبول، ففيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه حر من حين العلوق، لم يجر عليه حكم رقم، وأن أمه به أم ولد. وهذا على القول الذي يجعله بالقبول مالكًا. ويجعل الحمل تبعًا من حين الموت. والثاني: أنه حر بعد رقه وعليه الولاء لأبيه، ولا تكون أمه به أم ولد. وهذا على القول الذي يجعله بالقبول مالكًا ويجعل الحمل تبعًا. والثالث: أنه مملوك لورثة الموصي دون الموصي له. وهذا على القول الذي يجعله بالقبول مالكًا، ويجعل للحمل حكمًا. وهكذا: لو ولدت أولادًا، وكان بين أولهم وآخرهم أقل من ستة أشهر فحكمهم حكم الولد الواحد، لأنهم من حمل واحد ولوكان بين بعضهم وبعضهم ستة أشهر لاختلف حكمهم لاختلاف حملهم وإن كان حادثًا بعد القبول فهو أن تضعه لستة أشهر فصاعدًا من حين قبوله، فهذا حر الأصل، لم يجر عليه رق، ولا ولاء عليه للأب، وتصير الأم به أم ولد، لأنها علقت به في ملك لا في نكاح. مسألة: قال الشافعي -رحمه الله تعالى-: «فإن مات قبل أن يقبل أو يرد قام ورثته مقامه فإن قبلوا فإنما ملكوا أمة لأبيهم وأولاد أبيهم الذين ولدت بعد موت سيدها أحرارًا وأمهم مملوكة وإن ردوا كانوا مماليك وكرهت ما فعلوا. قال المزني: لو مات أبوهم قبل الملك لم يجز أن يملكوا عنه ما لم يملك، ومن قوله: أهل شوال ثم قبل كانت الزكاة عليه وفي ذلك دليل على أن الملك متقدم لولا ذلك ما كانت عليه زكاة ما لا يملك». قال في الحاوي: هذا صحيح. وجملته أن موت الموصي لا يخلو أن يكون في حياة الموصي له أو بعد موته. فإن مات الموصي له في حياة الموصي، فالذي عليه جمهور الفقهاء أن الوصية له قد بطلت، وليس لوارثه قبولها بعد موت الموصي. وحكي عن الحسن البصري أن الوصية لا تبطل بموته ولورتثه قبولها وهذا فاسد من وجهين: أن الوصية في غير حياة الموصي غير لازمة. وما ليس بلازم من العقود يبطل بالموت، ولأن الوصية له، لا لورثته وهو لا يملك الوصية في حياة الموصي. وإن مات الموصي له، بعد موت الموصي، لم يخل حال الموصي له قبل موته من ثلاثة أحوال: أحدها: أن يكون قد رد الوصية قبل موته فقد بطلت برده: وليس لوارثه قبولها بعد موته إجماعًا.

стр. 3762

والثانية: أن يكون قد قبلها قبل موته، وبعد موت الموصي، فقد ملكها أو انتقلت بموته إلى وارثه. وسواء قبضها الموصي له في حياته، أم لا، لأن القبض ليس بشرط في تملك الوصية. والثالثة: أن يموت قبل قبوله ورده. فعلي مذهب الشافعي: يقوم وارثه مقامه في القبول والرد، ولا تبطل الوصية بموته قبل القبول. وقال أبو حنيفة: إذا مات قبل القبول، بطلت الوصية له كالهبة، وهذا فاسد:، لأن ما استحقه في التركة لم يسقط بالموت كالدين، ولأن كل سبب استحق به تملك عين بغير اختيار مالكها، لم يبطل بموته، قبل تملكها كالرد بالعيب. وفارقت الوصية الهبة، من حيث إن الهبة قبل القبض غير لازمة فجاز أن تبطل بالموت، والوصية قبل القبول لازمة، فلم تبطل بالموت. فصل: فإذا ثبت أن الوصية لا تبطل بموت الموصي له قبل الرد والقبول، فورثته يقومون مقامه في القبول والرد، ولهم ثلاثة أحوال: حال يقبل جميعهم الوصية، وحال يرد جميعهم الوصية، وحال يقبلها بعضهم ويردها بعضهم. فإن قبلوها جميعًا فعلي القول الذي يجعل القبول دالًا على تقدم الملك، فالملك للوصية بقبول الورثة، هو الموصي له، لا الورثة فعلي هذا يكون أولاد الأمة أحرارًا، لأن الأب لا يملك ولده ويجعلها له أم ولد في الموضع الذي تصير بالولادة أم ولد. فأما القول الذي يجعل القبول ملكًا، فقد اختلف أصحابنا، هل تدخل الوصية في ملك الموصي له بقبول ورثته أم لا؟ على وجهين: أحدهما: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة، وأبي حامد المروروذي أن الوصية يملكها الورثة دون الموصي له، الحدوث الملك بقبولهم. فعلي هذا لا يعتق الأولاد الذين ولدتهم بعد القبول، ولا تصير الأمة بعد، أم ولد، لأن الأخ يملك أخاه. وعلى هذا: لو كانت الوصية مالًا: لم يقص منها ديون الموصي له. والثاني: وهو الظاهر من مذهب الشافعي، وبه قال أكثر البصريين وحكاه أبو القاسم بن كج عن شيوخه. أن الوصية يملكها الموصي له بقبول ورثته، وإن كان القبول مملكًا؛ لأنها لو لم تدخل في ملكه، لبطلت، لأن الورثة غير موصي لهم، فلم يجز أن يملك الوصية من لم يوص له. فعلي هذا قد أعتق الأولاد الذين ولدتهم بعد القبول، وصارت ممن يجب أن تصير به أم ولد. وعلى هذا لو كانت الوصية مالًا: قضي منها ديون الموصي له. فصل: فإذا ثبت حرية الأولاد على ما وصفنا لم يخل حال الورثة القابلين للوصية أن يسقطوا بالأولاد، أو لا يسقطوا.

стр. 3763

فإن لم يسقطوا بالأولاد، كالأخوة والأعمام، عتق هو والأولاد، ولم يرثوا، لأن توريثهم مخرج لقابل الوصية من الميراث، وخروجهم من الميراث: يبطل قبولهم للوصية، وبطلان الوصية موجب لرق الأولاد، وسقوط ميراثهم. فلما أفضي توريثهم إلى رقهم وسقوط ميراثهم منعوا الميراث، ليرتفع رقهم، وتثبت حريتهم، كما قلنا في الأخ إذا أقر بابن أن نسب الابن يثبت ولا يرث. فصل: ولو رد الورثة بأجمعهم بطلت الوصية بردهم لها، وكان الأولاد عبيدًا للورثة، وكذلك أمهم. قال الشافعي ﵁: وكرهت ذلك لهم: لما فيه من استرقاق أولادهم، وأنهم قد خالفوا ظهر فعله لو كان حيًا. فأما إذا قبل بعض الورثة الوصية وردها بعضهم: كانت حصة من رد موقوفة لورثة الموصي، وحصة من قبل إنهم قد دخلوا في ملك الموصي له. ويقوم ما بقي من رق الأولاد في حصة القابل من تركته، إن كان موسرًا بذلك، ويصير جميع الأولاد أحرارًا يرثون إن لم يحجبوا القابل الموصي له. وإن كان معسرًا فلا تقويم في تركته ولا يرث هؤلاء الأولاد، لأن حريتهم: لم تكمل، ولا تقويم على القابل، لأن العتق كان على غيره. وإن قيل: إنهم لم يدخلوا في ملك الموصي له لم يعتق شيء من حصة القابل من الورثة إذا كان ممن يجوز أن يتملك أولاد الموصي له. فصل: وإذا كان الموصي له بزوجته مريضًا فقبل الوصية في مرضه المخوف. فقد اختلف أصحابنا في أولاده منها: إذا أعتقوا بقبوله، هل يرثونه إذا مات من مرضه ذلك؟ فالذي عليه قول الأكثرين منهم: أنهم لا يرثون، لأن عتقهم في مرضه بقبوله وصية لهم، ولو ورثوا، منعوا الوصية، وإذا منعوها عادوا رقيقًا لا يرثون، فلذلك عتقوا ولم يرثوا، كما لو اشتراهم في مرضه. وقال أبو العباس بن سريج: يرثون بخلاف من اشتراه منهم، لأن من اشتراه قد خرج ثمنه من ماله فصار إخراج الثمن وصية من ثلثه، فلذلك لم يرثوا، وليس كذلك إذا قبل الوصية بهم، لأنه لم يخرج أثمانهم من ماله فيصيروا من ثلثه، فلذلك لم يكن قبولهم صية، وإذا لم يكن ذلك وصية لم يمنعوا الميراث، ولو كان قاله عند الوصية مريضًا، فلم يقبلها حتى مات، ثم قبلها ورثته، بعد موته: كان ميراث الأولاد على ما ذكرنا، لأنها وصية له في حال لو قبلها: كان ميراث الأولاد على ما ذكرنا، فكذلك إذا قبلنا ورثته بعد موته. ولو كانت الوصية له في صحته فلم يقبلها حتى مات: لم يسقط ميراث هؤلاء الأولاد بقبول ورثته. فأما المزني: فإنه نص ما اختاره من أن القبول يدل على تقدم الملك بالموت وهو أصح القولين، والله أعلم بالصواب.

стр. 3764

مسألة: قال الشافعي -رحمه الله تعالى-: «ولو أوصي بجارية ومات ثم وهب للجارية مائة دينار وهي تسوي مائة دينار وهي ثلث مال الميت وولدت ثم تحبل الوصية فالجارية له ولا يجوز فيما وهب لها وولدها إلا واحد من قولين الأول أن يكون ولدها وما وهب لها من ملك الموصي له وإن ردها فإنما أخرجها من ملكه إلى الميت وله ولدها وما وهب لها؛ لأنه حدث في ملكه. والقول الثاني أن ذلك مما يملكه حادثًا بقبول الوصية. وهذا قول منكر لا نقول به لأن القبول إنما هو على ملك متقدم وليس بملك حادث. وقد قيل: تكون الجارية وثلث ولدها وثلث ما وهب لها. قال المزني -رحنه الله-: هذا قول بعض الكوفيين. قال أبو حنيفة: تكون له الجارية وثلث ولدها. وقال أبو يوسف ومحمد بن الحسن: يكون ثلثا الجارية وثلثا ولدها. قال المزني: وأحب إلى قول الشافعي لأنها وولدها على قبول ملك متقدم. قال المزني: وقد قطع باتلقول الثاني إذ الملك متقدم وإذا كان كذلك وقام الوارث في القبول مقام أبيه فالجارية له بملك متقدم وولدها وما وهب لها ملك حادث بسبب متقدم. قال المزني: وينبغي في المسألة الولى أن تكون امرأته أم ولد وكيف تكون أولادها بقبول الوارث أحرارًا على أبيهم ولا تكون أمهم أم ولد لأبيهم وهو يجيز أن يملك الأخ أخاه وفي ذلك دليل على أن لو كان ملكًا حادثًا لولد الميت لكانوا له مماليك وقد قطع بهذا المعني الذي قلت في كتاب الزكاة فتفهمه كذلك نجده إن شاء الله تعالى». قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا وهب للجارية الموصي بها مال وولدت أولادًا من رق لم يخل حال أولادها، وما وهب لها من ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون في حياة الموصي، فهو ملكه وصائر إلى ورثته بعد موته ومحسوب في ثلثي التركة. والثاني: أن يكون حادثًا بعد قبول الموصي له. فذلك ملك له لحدوثه بعد استقرار ملكه. والثالث: أن يكون حادثًا بعد الموت، وقبل القبول، فيكون على القولين في القبول. فإن قيل إن القبول هو المملك فذلك ملك الورثة دون الموصي له، وهل يحتسب به عليهم من ثلثي التركة، على وجهين من اختلاف ما ذكرنا من الوجهين في الموصي به قبل القبول، هل يكون باقيًا على ملك الميت أو متنقلًا إلى ورثته، فإن جعناه باقيًا على ملك الميت، كان ما حدث من الهبة والأولاد محسوب على الورثة.

стр. 3765

وإن جعلناه متنقلًا إلى الورثة لم يحتسب على الورثة، فهذا حكم القول الذي يجعل الوصية بالقبول مملكة. وقال الشافعي: وهذا قول ينكر اهـ. وإن قيل: إن القبول يدل على تقدم الملك بالموت، فأولاد الجارية وما وهب لها ملكًا للموصي له، لا يحتسب به من الثلث، لأن الميت لم يملكه. إلا أن الشافعي قال على هذا القول وإن ردها فإنما أخرجها من ملكه إلى الميت وله ولدها وما وهب لها. واختلف أصحابنا، فكان بعضم يجعل ذلك خارجًا على القول الذي رواه عنه ابن عبد الحكم، أن الوصية تدخل في ملك الموصي له بالموت كالميراث، فكذلك إذا رد الوصية بعد الموت، فقد أخرجها من ملكه وملك ما حدث من كسبها وولدها. وقال آخرون: بل هذا خارج منه على القول الذي يجعله بالقبول مالكًا من حين الموت. واختلف من قال بهذا في تأويل كلامه على وجهين: أحدهما: أن معناه وإن رد فكأنما أخرجها من ملكه؛ لأنه قد كان له أن يتملكها، فإذا ردها، فقد أبطل ملكه، وقوله: «وله ولدها وما وهب لها» يعني لوارث الموصي. والثاني: أنه محمول على أنه قبلها ثم ردها بالهبة. هذا جواب أبي علي بن أبي هريرة فهذا شرح مذهب الشافعي في كسبها وولدها. وقال أبو حنيفة: «للموصي له الجارية، وثلث ولدها، وثلث ما وهب لها» تعليلًا بأنه لا يجوز أن يملكها الموصي له بالوصية إلا ما صار للورثة مثلاه، وقد صار إليهم مثلًا الجارية فلذلك صار جميعها للموصي له، ولم يصر إلهيم مثلًا الولد والكسب فلذلك صار للموصي له من ذلك ثلثه، وللورثة ثلثاه. وقال أبو يوسف ومحمد: له ثلثا الجارية، وثلثا ولدها وكسبها. ولست أعرف تعليلًا محتملًا ما ذكراه وكلا هذين المذهبين فاسد، لأن الكسب والولد تبع لمالك الأصل فإن كانت الجارية عند حدوث النماء والمكسب بعد الموت وقبل القبول ملكًا للورثة: فلهم كل الكسب ولا يجوز أن يملك منه الموصي له شيئًا. وإن كانت ملكًا للموصي له، فله كل الكسب، ولا يجوز أن يملك منه الورثة شيئًا. فأما تبعيض الملك في النماء والكسب من غير تبعيض ملك الأصل وجه له، وليس بلازم أن يملك الورثة مثلي ما يملكه الموصي له بعد استقرار ملكه، كما لا يلزم فيما حدث من ذلك بعد القبول، وإنما يلزم ذلك فيما ملك من تركة بينهم. فصل: فأما لا يتميز من الزيادة، كالسمن وزيادة البدن، إذا حدث بعد موت الموصي وقبل قبول الموصي له، فهو للموصي له، ومحسوب عليه من الثلث، لأن ما اتصل من الزيادة تبع لأصله يتنقل مع الأصل إلى حث انتقل. فصل: فأما الوصية إذا ردها. فللموصي له في ردها أربعة أحوال: أحدها: أن يردها في حياة الموصي، فلا يكون لرده تأثير كما لا يكون لقبوله له،

стр. 3766

لو (قبل) في هذه الحال تأثيرًا، وخالف فيه خلافًا يذكره بعد. والثانية: ان يردها بعد موت الموصي، وقبل قبوله: فالرد صحيح قد أبطل الوصية، ورد ذلك إلى التركة، ولا يعتبر فيه قبول الورثة ويكونوا فيه على فرائضهم. فإن قال: رددت ذلك لفلان. قال الشافعي في الأم: احتمل ذلك معنين: أحدهما: وهو أظهرهما، أن يريد لرضا فلان، أو لكرامة فلان، فإن أراد ذلك، صح الرد، وبطلت الوصية، وعادت إلى التركة. والثانية: أن يريد بالرد لفلان: هبتها له فلا تصح هبته لها قبل القبول، لأنه لم يملكها بعد. ولو قبلها: صح إذا وجدت فيها شروط الهبة، ولا يكون فساد هذه الهبة مبطلًا للوصية، ومانعًا من قبولها، لأن هبته لها إنما اقتضت زوال الملك بعد دخولها فيه. والثالثة: أن يردها بعد قبول الوصية وقبل قبضها ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه لا تصح إلا بلفظ الهبة إيجابًا وقبولًا، لدخول الوصية في ملكه بالقبول. فعلي هذا تعود الوصية للورثة خصوصًا دون أهل الدين والوصايا، ويكون الذكر والأنثى فيها سواء، لأنها هبة لهم محضة. والوجه الثاني: أنه يصح ردها بلفظ الرد دون الهبة، لكن لا يتم إلا بالقبول، لأنها وغن دخلت في ملكه فهي كالإقالة. وإن كان ملك المشتري فيها ثابتًا، فإنه ينتقل بغير لفظ الهبة، لكن لا بد فيها من قبول، كذلك الوصية بعد القبول. فعلي هذا: تعود بعد الرد والقبول تركة، يجري فيها حكم الدين والوصايا، وفرائض الورثة. والثالث: أنها تصح بالرد من غير قبول، لأنها وإن كانت ملكًا للموصي له بقبولها، فملكه لها قبل القبض، غير منبرم، فجرت مجرى الوقف إذا رده الموقوف عليه بعد قبوله وقبل قبضه. صح رده، ولم يفتقر الرد إلى القبول، وإن كان ملكًا، ثم تكون الوصية بعد الرد تركة. فصل: وإذا رد الوصية بما يدل له على الرد: لم يملك ذلك المال ولم يبطل حقه في الوصية بالرد. وقال مالك: يملك المال، ويصح الرد ومثله يقول في الشفعة، إذا عفي عنها على مال بذل له. وهذا خطأ في الموضعين، لأن أخذ العوض على ما لم يستقر ملكه عليه باطل كالبيع، والله أعلم. مسألة: قال الشافعي -رحمه الله تعالى-: «ولو أوصى له بثلث شيء بعينه استحق ثلثاه كان له الثلث الباقي إن احتمله ثلثه». قال في الحاوي: إذا أوصي له بثلث دار هو في الظاهر مالك لجميعها فاستحق ثلثا

стр. 3767

الدار، وبقي على ملك الموصي ثلثها. فالثلث كان الموصي له إذا احتمله الثلث وهو قول الجمهور: وقال أبو ثور: يكون له ثلث الثلث، استدلالًا بأنه: لما أوصي له بثلثها، وهو في الظاهر مالك لجميعها، تناولت الوصية ثلث ملكه منها، فإذا بان أن ملكه منها الثلث، وجب أن تكون الوصية بثلث الثلث، لأنه كان ملكه منها، كمن أوصي بثلث ماله، وهو ثلاثمائة درهم، فاستحق نها مائتان كانت الوصية بثلث المائة الباقية. وهذا فاسد من وجهين: أحدهما: أن ما طرأ من استحقاق الثلثين، ليس بأكثر من أن يكون عند الوصية غير ملكه للثلثين. وقد ثبت أنه لو أوصي له بثلث دار قدر ملكه: كان له جميع الثلث إذا احتمله الثلث، كذلك إذا أوصي له بثلثها فاستحق ما زاد على الثلث منها. والثاني: هو أن رفع يده بالاستحقاق كزوال ملكه بالبيع وقد ثبت أنه لو باع بعد الوصية بالثلث منها ما بقي من ثلثها صحت الوصية بكل الثلث الباقي بعد البيع، فكذلك تصح الوصية بالثلث الباقي بعد المستحق وليس لما ذكره من الاستدلال بثلث المال وجه؛ لأن الوصية لم تعتبر إلا من ثلث ملكه، وملكه هو الباقي بعد الاستحقاق. ولو فعل مثل ذلك في الوصية بالدار فقال: قد أوصيت لك بثلث ملكي من هذه الدار فاستحق ثلثاها كان له ثلث ثلثها الباقي، والله أعلم. فصل: فإذا تقرر أن له جميع الثلث بعد استحقاق الثلثين، فقد قال الشافعي في الوصايا في كتاب «الأم» بعد أن ذكر مسألة الاستحقاق. ولو أوصي بالثلث من دار أو أرض، فأذهب السيل ثلثيها، وبقي ثلثها، فالثلث الباقي للموصي له، إذا خرج من الثلث وقيل: إن الوصية موجودة وخارجة من الثلث أهـ. فسوى الشافعي بين استحقاق الثلثين مشاعًا، وبين ذهاب ثلثها بالسيل تجوزًا في أن الوصية تجوز بالثلث الباقي بعد الاستحقاق والتلف بالسيل. والذي أراه الفرق بين المسألتين من أن استحقاق الثلثين لا يمنع من إمضاء الوصية بالثلث الباقي كله. وذهاب الثلثين منها بالسيل بمنع أن تكون الوصية بجميع الثلث الباقي ويوجب أن تكون الوصية بثلث الثلث الباقي. والفرق بينهما أن الوصية بالثلث منها هو ما تبع من جميعها، فإذا استحق ثلثاها لم يمنع أن يكون الثلث الباقي سائغًا في جميعها فصحت الوصية في جميعه. وإذا هلك ثلثاها بالسيل، يجوز إن لم يكن الثلث الباقي منها هو الثلث المشاع في جميعها، فوجب أن تكون الوصية بثلث ما بقي وثلث ما هلك فيكون حكم الإشاعة في الجميع باقيًا. ألا ترى لو أن رجلًا اشترى من رجل نصف دار جميعها بيده، ثم استحق بعد الشراء نصفها: كان النصف الباقي هو المبيع منها، ولو لم يستحق نصفها ولكن أذهب

стр. 3768

السيل نصفها، كان للمشتري نصف ما بقي بعدها أذهب السيل منها. فإن قيل: فليس لو أوصي له برأس من غنمه فهلك جميعها إلا رأسًا منها بقي: فإن الوصية تتعين فيه ولا يكون الهالك وإن كان متميزًا من الوصية وغيرها فهلا كان ما ذهب بالسيل مثل ذلك؟ قيل الوصية برأس من غنمه يوجب الإشاعة في كل رأس منها وإنما جعل إلى الوارث أن يعنيه فيما شاء من ميراثه، وليس كذلك الوصية بثلث الدار، لأن الثلث شائع في جميعها فافترقا. فإذا تقرر ما وصفته من مذهب الشافعي في التسوية بين الاستحقاق، والتلف، وما رأيته من الفرق بين الاستحقاق والتلف، تفرع على ذلك ما يصح به الجوابان. فمن ذلك أن يخلف رجل ثلاثمائة درهم، وثلاثين دينارًا وقيمتها ثلاثمائة درهم، ويوصي بثلث ماله لرجل، فيكون له ثلث الدنانير، وثلثا الدراهم، فإذا أراد الورثة أن يعطوه ثلث الجميع من أحدهما، لم يكن ذلك لهم، لأن الموصي جعله في الجميع مشاركًا لهم فلو تلف من الدنانير عشرون، وبقي منها عشرة، كان له ثلث العشرة الباقية، وثلث الثلاثمائة درهم كلها. فأما إذا أوصي لرجل بثلث الدنانير بعينها، وأوصي لآخر بثلث الدراهم بعينها، فهلك من الدنانير عشرون، وبقي منها عشرة وسلمت الدراهم كلها. فعلي الوجه الذي أراه أن يكون للموصي له بثلث الدنانير ثلث العشرة الباقية وهو ثلاثة دنانير وثلث دينار، وللموصي بثلث الدراهم، ثلث الثلاث مائة وهو مائة درهم. وعلى الظاهر مما قاله الشافعي، يكون للموصي له بثلث الدنانير من العشرة الباقية ستة دنانير وثلثي دينار. ويكون للموصي له بثلث الدراهم من جميع الثلاث مائة ستة وستون درهمًا، وثلثا درهم قيمة الجميع ثلاثة عشر دينارًا وثلث دينار، ويبقي مع الورثة ثلاثة دنانير وثلث، ومائتان وثلاثة وثلاثون درهمًا وثلث، وقيمة الجميع ستة وعشرون دينارًا وثلثا دينار، وهو ضعف ما صار إلى الموصي له. وهكذا لو كانت الوصيتان لرجل واحد. ووجه العمل في ذلك أن يقال: الوصيتان تعادل عشرين دينارًا من ستين دينارًا، فإذا تلف من التركة عشرون دينارًا فهو ثلث التركة، ويرجع النقص على الوصيتين معًا دون أحدهما، فنقص من كل واحد منهما الثلث. فالموصي له بثلث الدنانير كان له قبل التلف عشرة دنانير فصار له بعد التلف ثلثاها، وذلك ستة دنانير وثلثا دينار، وللموصي له بثلث الدراهم، كان له قبل التلف مائة درهم، فصار له بعد تلف الدنانير ثلثا الدراهم، وذلك ستة وستون درهمًا، وثلثا درهم. وعلى هذا: لو أوصي لرجل بسدس الدراهم بأعيانها، وسدس الدنانير بأعيانها والتركة بحالها: كان له خمسة دنانير وخمسون درهمًا، فلو تلف من الدراهم مائتا درهم وبقيت مائة درهم مع جميع الدنانير، وهي ثلاثون دينارًا، فعلي الوجه الذي رأيته: يكون للموصي له خمسة دنانير وستة عشر درهمًا وثلث درهم، وهو سدس كل واحد من المالين. وعلى الظاهر من مذهب الشافعي يكون للموصي له ثلاثة دنانير وثلث دينار، وثلاثة وثلاثون درهمًا وثلث درهم.، لأنه يجعل نقص أحد المالين راجعًا إلى المالين، وقد نص الثلث من الوصية بسدس كل واحد من المالين الثلث. فصار مع الموصى له

стр. 3769

ثلاثة دنانير وثلث دينار، وثلاثة وثلاثون درهم وثلث درهم قيمة الجميع ستة دنانير وثلثا دينار، وذلك سدس الأربعين الباقية من التركة عينًا وورقًا. فصل: في خلع الثلث: قال مالك بن أنس ﵀ عليه- «إذا أوصي الرجل بمائة دينار له حاضرة، وترك غيرها ألف دينار دينًا غائبة، فالورثة بالخيار بين إمضاء الوصية بالمائة كلها عاجلًا سواء أمضي الدين وسلم الغائب أم لا، وبين أن يسلوا ثلث المائة الحاضرة، وثلث الدين من المال الغائب، ويصير الموصي له بالمائة شريكًا بالثلث في كل التركة وإن كثرت، وسمي ذلك خلع الثلث، واستدلالًا بأن للموصي له ثلث ماله، فإذا غير الوصية في بعضه فقد أدخل الضرر عليهم بتعيينه فصار لهم الخيار بين التزام الضرر بالتعيين، وبين العدول إلى ما كان يستحقه الموصي فهذا دليل مالك وما عليه في هذا القول. واستدل إسماعيل بن إسحاق بأن تعيين الموصي للمائة الحاضرة من جملة التركة الغائبة، بمنزلة القبول للجاني إذا تعلقت الجناية في رقبته فسيده بالخيار بين أن يفديه بأرش جنايته أو تسليمه. فهذا مذهب مالك، ودليلاه. ومذهب الشافعي: أن الموصي له ثلث المائة الحاضرة، وثلثاها الباقي موقوف على قبض الدين ووصول الغائب، لا يتصرف فيه الوارث ولا الموصي له، وإذا قبض الدين ووصل من الغائب ما يخرج المائة كلها من ثلثه، أمضيت الوصية بجميع المائة. وإن وصل ما يخرج بعضها أمضي قدر ما احتمله الثلث منها، فإن بريء الدين وقدم الغائب: استقرت الوصية في ثلث المائة الحاضرة، وتصرف الورثة في ثلثيها، لأنها صارت جميع التركة. واختلف أصحابنا إذا انتظر بالوصية قبض الدين، ووصول الغائب، هل يمكن الموصي له من التصرف في ثلث المائة على وجهين: أحدهما: يمكن من التصرف فيها، لأنه ثلث محض. والثاني: يمنع من التصرف فيها، لأنه لا يجوز أن يتصرف الموصي له فيما لا يتصرف الورثة في مثليه، وقد منع الورثة من التصرف في ثلث المائة الموقوف، فوجب أن يمنع الموصي له من التصرف في الثلث الممضي. والدليل على فساد ما ذهب إليه مالك: أنه يأول إلى أحد أمرين يمنع الوصية منها، لأنه إذا خير الورثة بين التزام الوصية في ثلث كل التركة أو إمضاء الوصية في كل المائة. فكل واحد من الأمرين يخارج عن حكم الوصية، لأنهم إذا اختاروا منعه من كل المائة، فقد ألزمهم ثلث كل التركة، وذلك غير موصي له، وإن اختاروا ألا يعطوا ثلث التركة، فقد ألزمهم إمضاء الوصية بكل المائة، فعلم فساد دليل مذهبه بما يأول إليه حال كل واحد من الخيارين. وأما جعلهم تعيين الوصية بالمائة الحاضرة، أدخل ضرر، فالضرر قد رفعناه بوقف الثلثين فعلي قبض الدين، ووصول الغائب، فصار الضرر بذلك مرتفعًا، وإذا زال الضرر

стр. 3770

ارتفعت الجناية منه فبطل الخيار فيه. فإذا تقرر ما وصفناه بفرع على ذلك أن يوصي بعتق عبد حاضر وباقي تركته التي يخرج كل العبد من ثلثها دين غائب فيعتق في العبد ثلثه ويوقف ثلثاه على قبض الدين ووصول الغائب. فإذا قبض أوصل منهما، أو من أحدهما كما يخرج كل العبد من ثلثه عتق جميعه، وهل يمكن الورثة في خلال وقف الثلثين الموقوفين من العبد أم لا؟ على وجهين: أحدهما: يمكنون من ذلك لئلا يلزمهم إمضاء الوصية بما لا ينتفعوا بمثليه وهذا على الوجه الذي يقول إن الموصي له بالمائة إذا وقف ثلثيها وهذا على الوجه الذي يقول إن الموصي له بالمائة إذا وقف ثلثيها منع من التصرف في ثلثها اعتبارًا بالتسوية. فعلي هذا إن تلف الدين، وتلف الغائب، استقر ملكهم على ما وقف من ثلثيه وجاز لهم بيعه. وإن قبض من الدين أو قدم من الغائب ما يخرج جميعه من ثلثه رجع العبد عليهم بما أخذه من كسبه وأجرة خدمته، وليس للورثة أن يرجعوا على العبد بما أنفقوا عليه، أو استخدموه، لأنه قد كان لهم إجازة عتقه، فصاروا متطوعين بالنفقة عليه. والثاني: أنهم يمنعون من ذلك، كما يمنعون من التصرف بالبيع، لأن الظاهر نفوذ الوصية بعتقه، وهذا على الوجه الذي يجوز للموصي له التصرف في ثلث المائة. وإن منع الورثة من التصرف في ثلثيها فعلي هذا إن برئ الدين وتلف الغائب: رق ثلثاه، ورجع الورثة بثلثي كسبه. فصل: وإذا مات رجل وترك ابنين وترك عشرة دراهم عينًا، وعشرة دراهم دينًا على أحد الابنين وأوصي لرجل بثلث ماله: فلمموصي له الثلث، ثلث العين وثلث الدين فيصير ذلك بينهم على ثلاثة أسهم، سهم للموصي له، ويبقي سهمان بين الابنين. وفي استيفاء الابن حقه من دينه وجهان: أحدهما: أنهم يشتركون في العين والدين فلا يستوفي من عليه الدين حقه من الدين لاستحقاق للتسوية بينهم في العين والدين كما لو كان الدين على أجنبي. فعلي هذا تكون العشرة العين بينهم أثلاثًا، يأخذ الموصي له ثلثها، ثلاثة دراهم وثلث، ويأخذ كل واحد من الابنين ثلاثة دراهم وثلث ويبرأ من عليه الدين من ثلث ما عليه وهو قدر حقه، ثلاثة دراهم وثلث ويبقي عليه ستة دراهم وثلثان منها ثلاثة دراهم وثلث للموصي له، وثلاثة دراهم وثلث للابن الآخر، وعلى هذا القياس لو كانت الوصية بالربع أو الخمس. والثاني: أن من عليه من الابنين يستوفي حقه منه، ويختص بالعين الموصي له والابن الذي ليس عليه دين. وهذا اختيار ابن سريج، وعليه فرع؛ لأنه لا معني، لأن يأخذ من عليه الدين من التركة ما يلزم رده إلى التركة، ويجعل بدل أخذه بقدر حقه ورده قضاها من دينه. فعلي هذا يكون وجه العمل فيه: أن تكون التركة وهي عشرون دينارًا عينًا ودينًا بينهم

стр. 3771

على ثلاثة أسهم، يستحق بكل سهم منها في التركة ستة دراهم وثلثان، فيبرأ من عليه الدين من قدر حقه وهو ستة دراهم وثلثان، من الدين عليه، ويبقي عليه ثلاثة دراهم، وثلث. وتقسم العشرة العين بين الموصي له والابن الآخر بالسوية، فيأخذ الموصي له خمسة، ويبقي له من استكمال الثلث، درهم وثلثان، يرجع به على من عليه الدين، ويأخذ الابن الآخر خمسة، ويرجع بباقي حقه، وهو درهم وثلثان على أخيه، وقد استوفوا جميعًا حقوقهم. فعلي هذا: لو كانت الوصية بالربع والتركة بحالها: قيل التركة في الأصل على أربعة أسهم سهم وهو الربع للموصي له، ويبقي ثلاثة بين الابنين لا تصح، فأبسطها من ثمانية يخرج الكسر منها فتقسم العشرون العين والدين على ثمانية أسهم، سهمان منهما للموصي له بالربع، وثلاثة أسهم لكل ابن فيسقط من دين من عليه الدين قدر حقه من جميع التركة، وهو ثلاثة أثمان العشرين، سبعة دراهم ونصف، وتقسم العشرة العين بين الموصي له، والابن الآخر على خمسة أسهم، فيأخذ الموصي له بسهم منها أربعة دراهم ويأخذ الابن بثلاثة أسهم منها ستة دراهم، ويبقي على صاحب الدين درهمان ونصف وهي بين أخيه والموصي له على خمسة أسهم منها لأخيه ثلاثة أسهم، درهم ونصف، ينضم إلى ما أخذه من العين وهو ستة، تصير سبعة دراهم ونصف وهو جميع حقه. وللموصي له من بقية السدس سهمين، درهم واحد، ينضم إلى ما أخذه من العين وهو أربعة، تصير خمسة دراهم وهم جميع الربع الذي أوصي له به. وعلى هذا: لو كانت الوصية بالخمس، كانت التركة على خمسة أسهم، منها سهم للموصي له، وسهمان لكل ابن فيأخذ صاحب الدين سهمين من دينه وهو ثمانية دراهم، ويبقي عليه درهمان، وتكون العشرة العين بين أخيه والموصي له ثلاثة أسهم، سهمان للأخ، ستة دراهم وثلثان، وسهم للموصي له، ثلاثة دراهم وثلث، ويكون الدرهمان الباقيان على صاحب الدين بين أخيه، والموصي له على ثلاثة، ثلثاه لأخيه وهو درهم وثلث ويصير مع ما أخذه ثمانية دراهم وثلثه للموصي له وهو ثلثي درهم، يصير مع ما أخذه أربعة دراهم، ثم يتفرع على هذا الوجه. والمسألة الثانية: أن يكون على الابن مع دين أبيه، عشرة دراهم دين لأجنبي، وقد فلس بها في حال حياة الأب. ففيما يستحقه الابن من العشرة العين وجهان ذكرهما ابن سريج: أحدهما: أن يختص بها أخوة الموصي له، دون غريمة؛ لأنه قد أخذ منها بإزائه من دينه، فيكون الجواب على ما مضي، ويبقي عليه دين الغريم بكماله. والثاني: أن حقه من العين مال مكتسب، فلا يختص به بعض الدين ويستوي فيه شركاؤه والغريم. ويشبه أن يكون تخريج هذين الوجهين من اختلاف قوليه من الشفعة، إذا ورث الأخوان دارًا، ثم مات أحدهما وخلف ابنين، فباع أحد الابنين حقه في الدار ففي

стр. 3772

مستحق الشفعة قولان: أحدهما: أنها لأخيه والموصي له دون عمه. والثاني: أن الشفعة بين أخيه وعمه. فعلي هذا تكون حصة صاحب الدين بين أخيه والموصي له وغريمه. فإذا قيل بهذا الوجه، فطريق العمل به أن يقال: يبرأ صاحب الدين من ثلث دينه وهو ثلاثة دراهم وثلث قدر حقه منه، عليه ثلثاه ستة دراهم وثلثان ثم تقسم العشرة العين أثلاثًا ويأخذ كل واحد من الموصي له والأخ ثلثها ثلاثة دراهم وثلث، ويبقي ثلاثة دراهم وثلث هي حصة صاحب الدين، فتقسم بين غرمائه على قدر ديونهم، والذي عليه لأخيه ثلاثة دراهم وثلث قدر ميراثه من دينه، وللموصي له ثلاثة دراهم وثلث قدر الوصية له من دينه، وعليه لغريمه عشرة دراهم، فتقسم الثلاثة والثلث بينهم على خمسة أسهم، ويأخذ الأخ بسهمه منها، ثلثي درهم، ويبقي له درهمان، وثلثان، ويأخذ الموصي له بسهم منها ويبقي له درهمان وثلثان، ويأخذ الغريم بثلاثة أسهم منها، درهمين، ويبقي له ثمانية دراهم. ثم يتفرع على هذا أن يترك عشرة عينًا، وعشرة دينًا على أحد ابنيه ولا وارث له غيرهما، ويوصي لرجل بثلثي دينه، فتقسم العشرة العين نصفين، يأخذ الابن الذي لا دين عليه نصفها خمسة، ويبقي خمسة هي حصة الابن الذي عليه الدين، فتصرف فيما يستحق عليه من دينه، وفي مستحقها وجهان حكاهما ابن سريج بينا على الوجهين الماضيين: أحدهما: أنها تقسم بين أخيه، وبين الموصي له، بثلثي الدين على قدر حصتهما، وذلك على خمسة أسهم، لأن الباقي لأخيه، ودرهم وثلثان وللموصي له بثلث الدين ستة دراهم وثلثان، فيكون للأخ سهم من الخمسة ويأخذ به من الخمسة درهمًا واحدًا، ويبقي من حقه ثلث درهم، ويرجع به على أخيه، ويكون للموصي له أربعة دراهم من خمسة، ويأخذ بها من الخمسة أربعة دراهم، ويبقي له من وصيته درهمان وثلثان، ويرجع بها على الذي عليه الدين، وقد بريء الذي عليه الدين من ستة دراهم وثلثين. والثاني: أن الخمسة العين التي هي حصة الابن الذي عليه الدين مع العين مختص بها الموصي له بثلثي الدين دون الأخ، لأنه قد صار إلى الأخ منها أربعة، للموصي له من بقية ثلثي الدين درهم وثلثان، ويرجع به على من عليه الدين، ويبقي للآخر درهم وثلثان، يرجع به على أخيه. وفي هذا الفصل مندقيق المسائل فقه وحساب، وما أغفلناه كراهة الإطالة والضجر والله المعين وبه التوفيق. مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: «ولو أوصي بثلثه للمساكين نظر إلى ماله فقسم

стр. 3773

ثلثه في ذلك البد». قال في الحاوي: ولو أوصي بثلثه للمساكين دخل معهم الفقراء، ولو أوصي به للفقراء دخل معهم المساكين. قال الشافعي: «لأن الفقير مسكين، والمسكين فقير، وإنما يتميز الطرفان، إذا جمع بينهما بالذكر» أهـ. فالفقير هو الذي لا مال له، ولا كسب. والمسكين: هو الذي له مال أو كسب لا يغنيه. فالفقير أسوأ حالًا من المسكين على ما يستدل عليه في قسم الصدقات. فإذا أوصي بثلث ماله للمساكين. قسم في ثلاثة فصاعدًا من المساكين أو من الفقراء والمساكين. أو من الفقراء دون المساكين. وهكذا إذا أوصي بثلث ماله للفقراء. قسم في ثلاثة فصاعدًا من الفقراء، أو من المساكين والفقراء، أو من المساكين دون الفقراء، لأن كلا الصنفين في الانفراد واحد. ثم قسم ذلك بينهم على قدر حاجاتهم فإن كان فيهم من يستغني بمائة ومنهم من يستغني بخمسين أعطي من غناه مائة سهمان وأعطي من غناه خمسين سهمًا واحدًا. ولا يفضل ذو قرابة بقرابته، وإنما يقدم ذو القرابة على غيره إذا كان فقيرًا لقرابته، لأن للعطية له صدقة، وصلة، وما جمع ثوابين كان أفضل من التفرد بأحدهما. فإذا صرف الثلث في أقل من ثلاثة من الفقراء والمساكين ضمن. فإن صرفه حصته في اثنين كل في قدر ما يضمنه وجهان: أحدهما: وهو الذي نص عليه الشافعي في كتاب الأم: إنه يضمن ثلث الثلث، لأن أقل الأجزاء ثلاثة، والظاهر مساواتهم فيه. والثاني: أنه يضمن من الثلث قدر ما لو دفعه إلى ثالث آخر، فلا ينحصر بالثلث، لأن له التسوية بينهم والتفضيل. ولو كان اقتصر على واحد، فأحد الوجهين أنه يضمن ثلثي الثلث. والثاني: أنه يضمن أقل ما يجزئه في الدفع إليهما. فلو أوصي بثلث ماله للفقراء والمساكين: صرف الثلث في الصنفين بالتسوية ودفع السدس إلى الفقراء، وأقلهم ثلاثة، وإن صرفه في أحد الصنفين ضمن السدس للنصف الآخر وجهًا واحدًا. ثم عليه صرف الثلث في فقراء البلد الذي فيه المال، دون المالك، كالزكاة، فإن تفرق ماله: أخرج في كل بلد ثلث ما فيه، فإن لم يوجدوا فيه، نقل إلى أقرب البلاد إليه

стр. 3774

كما قلنا في زكاة المال، فأما زكاة الفطر ففيه وجهان: أحدهما: أنها تخرج في بلد المال، دون المالك كزكاة المال. والثاني: أنها تخرج في بلد المالك، دون المال، لأنها عن فطرة بدنه، وطهور لصومه. فإن نقل الزكاة عن بلد المال إلى غيره كان في الأجزاء قولان. وأما نقل الوصية: فقد اختلف أصحابنا: فمنهم من خرجه على قولين كالزكاة ومنهم من قال: يجزئ قولًا واحدًا، وإن أساء؛ لأن الوصية عطية من آدمي فكان له أن يضعها حيث شاء. فصل: فإذا فرق الثلث فيما وصفنا من الفقراء والمساكين، لم يملكوه إلا بالقبول والقبض، قولًا واحدً، وهكذا كل وصية علقت بصفة لا يلزم استيعاب جنسها وإنما القولان فيمن كان مسمي في الوصية. والفرق بينهما: أن من تعين بالعطية لم يملك إلا بها، ومن تعين بالوصية ملك بها. مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: «وكذلك لو أوصي لغازين في سبيل الله فهم الذين من البلد الذي به ماله». قال في الحاوي: وهذا صحيح: إذا جعل ثلث ماله مصروفًا في الغارمين. والغارمون ضربان: ضرب استدانوا في المصالح العامة كتحمل للدية «العمد» أو غرم مال في إصلاح ذات البين، أو تيسير الحج، أو إصلاح سبيلهم. فهذا الصنف من الغارمين، لا يراعي فقرهم، ويجوز أن يعطوا مع الغني. والثاني: أن يستدينوا في مصالح أنفسهم، فيراعي فيهم الفقر، ولا يجوز أن يعطوا مع الغني والقدرة. ثم ينظر فيما استدانوا: فإن كانوا صرفوه في مستحب أو مباح: أعطوا، وإن صرفوه في معصية: فإن لم يتوبوا منها لم يعطوا، لما في إعطائهم من إعانتهم عليها وإغرائهم بها. وإن تابوا ففي إعطائهم وجهان: وأحدهما: «لا يعطون» لهذا المعني. والثاني: يعطون لارتفاعها بالتوبة. وأقل ما يصرف الثلث في ثلاثة فصاعدًا في الغارمين، وأي الصنفين أعطي منهم أجزأ، ويكون ما يعطيهم بحسب غرمهم، قال الشافعي: «ويعطي من له الدين عليهم، أحب إلى، ولو أعطوه في دينهم رجوع أن يسع». فإن صرفه في اثنين: غرم للثالث، وفيه وجهان:

стр. 3775

أحدهما: يضمن ثلث الثلث. والثاني: أنه يضمن أقل ما يجزئه أن يعطيه ثالثًا ويكون ذلك خاصًا بغارمي بلد المال، ومن كان منهم ذا رحم، أولى لما في صلتها من زيادة الثواب، فإن لم يكونوا فجيران المال، لقوله تعالى: ﴿والْجَارِ ذِي القُرْبَى والْجَارِ الجُنُبِ والصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ [النساء: ٣٦]. ولقوله ﷺ : «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه». قال الشافعي: «وأقصى الجوار بينهم أربعين دارًا، من كل ناحية» أهـ. هكذا لو أوصي لجيرانه كان جيرانه منتهي أربعين دارًا من كل ناحية. وقال قتادة: الجار: الدار والداران. وقال سعيد بن جبير: الذين يسمعون الإقامة. وقال أبو يوسف: هم أهل المسجد. ودليلنا: ما روي أن رجلًا كان نازلًا بين قوم فأتي النبي ﷺ ليشكوهم، فبعث النبي ﷺ أبا بكر وعمر وعليًا ﵃، وقال: اخرجوا إلى باب المسجد، وقولوا: ألا إن الجوار أربعون دارًا». فصل: ولو أوصي بإخراج ثلثه في سبيل الله وجب صرفه في الغزاة، كما قلنا في الزكاة، ويصرف ذلك في ثلاثة فصاعدًا من غزاة البلد الذي فيه ماله، على حسب مغازيهم، في القرب، والبعد، ومن كان منهم فارسًا، أو راجلًا، فإن لم يوجدوا في بلد المال، نقل إلى أقرب البلاد فيه. فصل: ولو أوصي بإخراج ثلثه في بني السبيل صرف فيمن أراد سفرًا، إذا كان في بلد المال سواء كان مجتازًا، أو مبتدئًا بالسفر. فلو أوصي بثلثه في الأصناف الثمانية: صرف فيهم وهم أهل سهمان الزكاة وقسم بين أصنافهم بالتسوية وجاز تفضيل أهل الصنف، بحسب الحاجة، كما قلنا في الزكاة، إلا في شيء واحد وهو أن الزكاة إذا عدم صنف منها، رد على باقي الأصناف، وإذا عدم في الوصية أهل صنف لم يرد على باقي الأصناف ونقل إلى أهل ذلك النصف في أقرب بلد يوجد فيه، فإن عدموا، رجع سهمهم إلى ورثة الموصي. والفرق بين الوصية والزكاة: أن الوصية لما تعينت للأشخاص، تعينت للأصناف، والزكاة لما لم تتعين للأشخاص، لم تتعين للأصناف. فصل: ولو قال: اصرفوا ثلثي في سبيل الخير، أو في سبيل البر، أو في سبيل الثواب.

стр. 3776

قال الشافعي: «جزئ أجزاء، فأعطيه ذو قرابته فقراء كانوا أو أغنياء، والفقراء والمساكن، وفي الرقاب، والغارمين، والغزاة، وابن السبيل، والحاج، ويدخل الضيف، والسائل، والمعتر فيهم». فإن لم يفعل الموصي: ضمن سهم من منعه إذا كان موجودًا. فصل: ولو أوصي بثلث ماله إلى رجل يضعه حيث رآه لم يكن له أن يأخذ لنفسه شيئًا وإن كان محتاجًا؛ لأنه أمره بصرفه لا بأخذه. ولم يكن له أن يصرف إلى وارث للموصي، وإن كان محتاجًا؛ لأن الوارث ممنوع من الوصية، وليس له أن يحبسه عند نفسه، ولا أن يودعه غيره. قال الشافعي ﵁: «واختار له أن يعطيه أهل الحاجة من قرابة الميت حتى يغنيهم دون غريهم، وليس الرضاع قرابة. فإن لم يكن له قرابة من جهة الأب والأم، وكان رضيعًا، أحببت أن يعطيهم، فإن لم يكن له رضيع: أحببت أن يعطي جيرانه، الأقرب منهم فالأقرب، وأقصي الجوار منتهي أربعين دارًا من كل ناحية، وأحب أن يعطيه أفقر من يجده، وأشدهم تعففًا، واستئثارًا، ولا يبقي في يده شيئًا يمكنه أن يخرجه من ساعته. مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: «ولو أوصي له فقبل أو رد قبل موت الموصي كان له قبوله ورده بعد موته وسواءٌ أوصي له بأبيه أو غيره». قال في الحاوي: أعلم أن الوصية تشتمل على أمرين: أحدهما: العطية. والثاني: الولاية. فأما العطية: فهو ما يوصي به الرجل ن أمواله، لمن أحب: فالوقت الذي يصح فيه قبول ذلك ورده، بعد موت الموصي. فإن قبل أو رد بعد موته: صح وكان على ما مضي من حكم القبول والرد. فأما في حياة الموصي: فلا يصح قبوله ولا رده. وقال أبو حنيفة: «يصح الرد ولا يصح القبول، لأن الرد أوسع حكمًا من القبول» أهـ. وهذا فاسد لأمور منها: أن الرد في مقابلة القبول، لأنهما معًا يرجعان إلى الوصية، فلما امتنع أن يكون ما قبل الموت زمانًا للقبول، امتنع أن يكون زمانًا للرد، وصار كزمان ما قبل الوصية الذي لا يصح فيه قبول، ولا رد عكسه ما بعد الموت كما صح فيه القبول، صح فيه الرد.

стр. 3777

ومنها: أن الرد في حال الحياة عفو قبل وقت الاستحقاق، فجري مجري العفو عن القصاص قبل وجوبه، وعن الشفعة قبل استحقاقها. ومنها: أنه قبل الموت مردود عن الوصية، فلم يكن رده له مخالفًا لحكمها. فصل: قال الشافعي: «وسواء أوصي له بأبيه، أو غيره» أهـ. وهذا قاله ردًا على طائفتن، زعمت إحداهما أن من أوصي له بأبيه وأمه أو بابنه فعليه قبول الوصية، ولا يجوز له ردها. وزعمت الثانية أنه إذا قبل الوصية بأبيه في حياة الموصي: صح القبول وإن لم يجب عليه، وليس له الرد بعد الموت بخلاف غيره من الوصايا. وكلا القولين عندنا خطأ، ويكون مخيرًا بعد الموت في قبوله ورده كغيره، لأنها وصية. فعلي هذا إن قبل الوصية بأبيه بعد موت الموصي عتق عليه ثم نظر. فإن كانت قبوله صحيحًا: ورثه أبوه لو مات. فلو كان عند قبوله مريضًا كان في ميراثه لو مات وجهان: أحدهما: لا يرث، لأن عتقه بالقبول وصية لا تصح لوارث. والثاني: وهو قول ابن سريج أنه يرث، لأنه لم يخرج ثمنه من ماله فيكون وصية منه. فعلي هذين الوجهين: لو قبله في مرضه ولا مال له غيره، فعلي الوجه الأول، يعتق ثلثه، ويرق ثلثاه؛ لأنه وصية له وليس الوصية منه. فصل: وأما الفضل الثاني: وهو الوصية بالولاية على مال طفل، وتفريق ثلثه، أو تنفيذ وصية، فيصح قبولها وردها في حياة الموصي، وبعد موته، بخلاف وصايا العطايا؛ لأن هذا عقد، فكان قبوله في حياة العاقد أصح وتلك عطية تقبل في زمان التمليك، وقبولها على اتراخي ما لم يتعين تنفيذ الوصايا. ولو رد الوصية في حال حياة الموصي، لم يكن له قبولها بعد موته، ولا في حياته. ولو قبلها في حياة الموصي، صحت، وكان له المقام عليها إن شاء والخروج منها إن شاء، في حياة الموصي، وبعد موته. وقال أبو حنيفة: ليس له الخروج من الوصية بعد موت الموصي، ويجوز له الخروج منها في حياته، إذا كان حاضرًا، وإن غاب، لم يجز. وهذا فاسد من وجهين: أحدهما: أن ما كان لازمًا من العقود استوى حكمه في الحياة، وبعد الموت، وما كان غير لازم بطل بالموت، والوصية إن خرجت عن أحدهما صارت أصلًا يفتقر إلى دليل. والثاني: أنه لو كان حضور صاحب الحق شرطًا في الخروج من الوصية، لكان

стр. 3778

رضاه معتبرًا، وفي إجماعهم على أن رضاه وإن كان حاضرًا غير معتبر دليل على أنه ليس بشرط. فصل: وإذا اشترى الرجل أباه في مرض موته، بمائة درهم، هي قدر ثلثه، لأنه لا يملك سوى ثلاثمائة درهم عتق عليه من الثلث، ولم يرثه، لأن عتقه إذا كان في الثلث وصية ولا يجمع له بين الوصية والوريث. ولو ورث لمنع الوصية، ولو منعها لبطل العتق والشراء، وإذا بطل العتق والشراء بطل الميراث، فلما كان توريثه، يفضي إلى إبطال الوصية والميراث، أثبتنا الوصية، وأبطلنا الميراث. فلو اشترى بعد أن عتق أبوه عبدًا بمائة درهم، وأعتقه، كان عتقه باطلًا، لأنه قد اشترى ثلثه بعتق أبيه، فرد عليه عتق من سواه. ولو كان قبل شراء أبيه أعتق عبدًا هو جميع ثلثه، ثم استوى أباه وليس له ثلث يحتمله، ولا شيئًا منه، ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن الشراء باطل؛ لأنه لو صح، لثبت الملك، لو ثبت الملك لنفذ العتق، والعتق لا ينفذ جبرًا فيما جاوز الثلث، فكذلك كان الشراء باطلًا، وسواء أفاد بعد ذلك، ما خرج ثمن الأب من ثلثه، أو لم يفد، لفساد العقد. والثاني: أن الشراء صحيح؛ لنه لم يقترف بالعقد ما يفسده وإنما عتقه بالملك حال يختص بالعاقد، فلم يؤثر في فساد العقد. فعلي هذا: يستبقي رق الأب، على ملك ولده، وإن أفاد ما يخرج به من ثمن الأب من ثلثه، عتق ولم يرث وإن لم يستفد شيئًا كان على رقه، فإذا مات الابن المشتري، صار الأب موروثًا لورثه ابنه. فإن كانوا ممن يعتق عليهم الأب، لأنهم أخوة، أو بنون، عتق عليهم بملكهم له بالميراث. وإن لم يكن الورثة ممن يعتق عليهم الأب، لأنهم أعمام أو بنو أعمام كان ملكهم موقوفًا. والثالث: أن الشراء موقوف فإن أفاد الابن ما يخرج به عن الأب من ثلثه، عتق عليه، ولم يرثه، وإن أبرأه البائع من ثمنه، عتق عليه، لأنه صار كالموهوب له، وفي ميراثه وجهان، لأن عتقه عليه بغير ثمن. وإن لم يفد شيئًا، ولا أبريء من ثمنه، فسخ البيع حينئذ، ورد الأب على البائع، لأنه لا يجوز أن يملك الابن أباه، فلا يعتق عليه، فلذلك فسخ العقد فيه. والأول: حكاه أبو حامد الإسفراييني، والوجه الثاني والثالث: حكاهما ابن سريج. فعلي هذا لو اشترى الابن أباه في مرض موته، وثمنه خارج من ثلثه ثم مات، وعليه دين يستوعب جميع تركته. فإن أمضي الغرماء ما أعتقه نفذ، وإن ردوه فهو على الرق، وفي بطلان الشراء وجهان:

стр. 3779

أحدهما: باطل، لئلا يستبقي ملك الابن لأبيه. والثاني: جائز، ويباع في دينه، لعجز الثلث عن ثمنه. ثم يتفرع على هذا: لو وهب أبوه في مرض موته، فقبله وقبضه، وكانت عليه ديون تستوعب جميع تركته، لم يبطل الهبة. وهل ينفذ عتقه، أو يباع ديون غرمائه؟ على وجهين: أحدهما: أن عتقه نافذ، لأنه لم يستهلك على غرمائه من ماله شيئًا. والثاني: جائز، ويباع في دينه، لعجز الثلث عن ثمنه. ثم يتفرع على هذا: لو وهب أبوه في مرض موته، فقبله وقبضه، وكانت عليه ديون تستوعب جميع تركته، لم يبطل الهبة. وهل ينفذ عتقه، أو يباع ديون غرمائه؟ على وجهين: أحدهما: أن عتقه نافذ، لأنه لم يستهلك على غرمائه من ماله شيئًا. والثاني: أن عتقه يرد، كما يرد عتق المباشرة، وتباع ديون غرمائه، لأن ديونهم مقدمة على العتق في المرض، والله أعلم. مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: «ولو أوصي بدار كانت له وما ثبت فيها من أبوابها وغيرها ما فيها». قال في الحاوي: وهذا صحيح، لأن الوصية إذا كانت بالدار، دخل فيها كل ما كان من الدار ولها، ولم يدخل في الوصية كل ما كان في الدار إذا لم يكن منها. الداخل في الوصية: حيطانها وسقوفها، وأبوابها المنصوبة عليه، وما كان متصلًا بها من زخرفها، ودرجها. ولم يدخل فيها ما انفصل عنها من أبوابها، ورفوفها، وسلالمها المنفصلة عنها. وجملة ذلك: أن كل ما جعلناه داخلًا في البيع «معها» دخل في الوصية بها وكل ما جعلناه خارجًا عن البيع لم يدخل في الوصية. ولم يدخل فيها ما انفصل عنها من أبوابها، ورفوفها، وسلالمها المنفصلة عنها. وجملة ذلك: أن كل ما جعلناه داخلًا في البيع «معها» دخل في الوصية بها وكل ما جعلناه خارجًا عن البيع لم يدخل في الوصية. ولو كان الموصي به أرضًا: دخل في الوصية نخلها، وشجرها، ولم يدخل فيه زرعها. ولو كان نخلها عند الوصية مثمرًا: لم يدخل ثمرها في الوصية إن كان موزًا. وفي دخوله فيها إن كان غير موز وجهان: أحدهما: يدخل كالبيع. والثاني: لا يدخل لخروجه عن الاسم وإن كان متصلًا. وهذان الوجهان مخرجان من اختلاف قوليه في دخوله في الرهن. مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: «ولو انهدمت في حياة الموصي كانت له إلا ما انهدمت منها فصار غير ثابت فيها». قال في الحاوي: وصورتها في رجل أوصي لرجل بدار فانهدمت، فلا يخلو انهدامها من ثلاثة أحوال:

стр. 3780

أحدها: أن تنهدم في حياة الموصي. والثاني: بعد موته، وبعد قبول الموصي له. والثالث: بعد موته، وقبل قبول الموصي له. فإن انهدمت في حياة الموصي، فهذا على ضربين: أحدها: أن يزول اسم الدار عنها بالانهدام. والثاني: أن لا يزول، فإن لم يزل اسم الدار عنها لبقاء بنيان فيها يسمي به دارًا: فالوصية جائزة، وله ما كان ثابتًا فيها من بنيانها. فأما المنفصل عنها بالهدم، فالذي نص عليه الشافعي: أنه يكون خارجًا عن الوصية. فذهب جمهور أصحابنا إلى حمل ذلك على ظاهره، وأنه خارج عن الوصية، لأن ما انفصل عنها دارًا، فلم يكن للموصي له بالدار فيه حق. وحكي عن أبو القاسم بن كج وجهًا آخر عن بعض أصحابنا أن نص الشافعي على خروج ما انهدم من الوصية محمول على أنه هدمه بنفسه فصار ذلك رجوعًا فيه. ولو انهدم بسبب من السماء، لا ينسب إلى فعل الموصي وكان ما انفصل بالهدم للموصي له مع الدار؛ لأنه منها، وإنما بان عنها بعد أن تناولته الوصية، وإن كانت الدار بعد انهدامها، لا تسمي دارًا، لأنها صارت عرصة لا بناء فيها، ففي بطلان الوصية وجهان: أحدهما: لا تبطل وهذا قول من جعل الآلة بعد انفصالها ملكًا للموصي له. والثاني: أن الوصية بها باطلة، وهو الأصح، لأنها صارت عرصة لم تسم دارًا. ألا ترى لو حلف لا يدخلها، لم يحنث بدخول عرصتها، بعد ذهاب بنائها. وهذا قول من جعل ما انفصل عنها، غير داخل في الوصية. فإن كان انهدامها بعد موت الموصي، وبعد قبول الموصي له، فالوصية بها ممضاة، وجميع ما انفصل من آلتها كالمتصل، يكون ملكًا للموصي له لاستقرار ملكه عليه بالقبول. فصل: فأما إن كان انهدامها، بعد موت الموصي، وقبل قبول الموصي له: فإن لم يزل اسم الدار عنها: فالوصية بحالها، فإن قبلها الموصي له فإن قيل إن القبول يبني على تقدم الملك بموت الموصي، فكل ذلك ملك للموصي له، المنفصل منها، والمتصل. فإن قيل إن القبول هو الملك فله ردها وما اتصل بها من البناء، وفي المنفصل وجهان: أحدهما: للموصي له. والثاني: للوارث.

стр. 3781

وإن لم تسم الدار بعد انهدامها دارًا، فإن قلنا إن القبول يبني على تقدم الملك: فالوصية جائزة، وله العرصة، وجميع ما فيها من متصل، أو منفصل إذا كان عند الموت متصلًا. وإن قيل إن القبول هو الملك، ففي البطلان بانهدامها وجهان على ما مضي: أحدهما: باطلة. والثاني: جائزة، وله ما اتصل بها، وفي المنفصل وجهان. فصل: فأما إذا كانت الوصية بعبد فعمي، أو زمن، في حياة الموصي أو بعد موته، فالوصية بحالها، لا يؤثر فيها عمي العبد ولا زمانته. ولو قطعت يده في حياة الموصي: فالوصية بحالها في العبد مقطوعًا، ودية «يده» للموصي، تنتقل إلى ورثته وجهًا واحدًا، بخلاف ما انهدم من آله الدار على أحد الوجهين، لأن الآلة، عين من أعيان الوصية، وليست الدية كذلك، لأنها بدل. فأما إذا قتل العبد قتلًا مضمونًا بالقيمة: ففي بطلان الوصية قولان من اختلاف قوليه في العبد المبيع إذا قتل في يد بائعه، هل يبطل البيع بقتله أم لا؟ على قولين: كذلك يجيء ها هنا في بطلان الوصية قولان: أحدهما: قد بطلت، لأن القيمة لا تكون عبدًا، وكما لو قطعت يده لم يكن أرشها له. والثاني: أن الوصية لا تبطل، لأن القيمة بدل من رقبته فأقيمت مقامها، وخالفت قيمة رقبته، أرش يده، لأن اسم العبد منطلق عليه، وبعد قطع يده فلم يستحق أرش يده، لأنه جعل له ما ينطلق اسم العبد عليه، وليس كذلك بعد قتله. ولكن لو قتله السيد بطلت الوصية به قولًا واحدًا، لأنه لا يضمن قيمة عبده في حق غيره، وكما لو أوصي له بحنطة، فطحنها، وبالله التوفيق. فصل: ولو أوصي بعتق عبده، فقتل العبد قبل عتقه، نظر: فإن قتل في حياة الموصي: بطلت الوصية بعتقه، لخروجه في حياة السيد عن أن يكون عبدًا. وإن كان قتله بعد موت السيد، فقد حكي عن المزني أن الوصية لا تبطل بعتقه، ويشتري بقيمته عبد يعتق مكانه؛ لأن قيمته بدل منه فصار كمن نذر أضحية فأتلفها بتلف، صرفت قيمتها في أضحية غيرها، ويحتمل أن تبطل الوصية، لخروج القيمة عن أن تكون عبدًا، وخالف نذر الأضحية لاستقرار حكمها والعبد لا يستقر حكمه إلا بالعتق. مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: «ويجوز نكاح المريض». قال في الحاوي: وهذا صحيح، إذا تزوج امرأة: صح نكاحها، ولها الميراث،

стр. 3782

والصداق إن لم يزد على صداق مثلها. فإن زاد: ردت الزيادة إن كانت وارثة، وأمضيت في الثلث إن كانت غير وارثة. وهكذا المريضة إذا نكحت رجلًا صحيحًا صح نكاحها وورثها الزوج، وعليه صداقها، إن كان مهر المثل فيما زاد. فإن نكحته بأقل من صداق مثلها بالمحاباة فالنقصان وصية له فترد إن كان وارثًا، وتمضي في الثلث إن كان الزوج غير وارث. وقال مالك: نكاح المريض فاسد، لا يستحق به ميراثًا، ولا يجب فيه صداق، إلا أن يكون قد أصابها فيلزمه مهر المثل من الثلث مقدمًا على الوصايا. وكذلك نكاح المريضة فاسد، ولا ميراث للزوج. وقال الزهري: النكاح في المرض جائز، ولا ميراث وقال الحسن البصري: إن ظهر منه الإضرار في تزويجه لم يجز، وإن لم يظهر منه الإضرار وظهر منه الحاجة إليه في خدمة أو غيرها جاز. ودليل من منع منه شيئان: أحدهما: وجود التهمة بإدخالها الضرر على الورثة فصار كالمتلف لماله في مرضه. والثاني: مزاحمتهم لميراثها ودفعهم على ما ترثه ولدان صار لها فصار كالمانع للورثة من الميراث. ودليلنا عموم قوله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وثُلاثَ ورُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] ولم يفرق بين صحيح ومريض، وروي عن معاذ بن جبل ﵁ أنه قال في مرضه: «زوجوني لئلا ألقي الله عزبًا». وروي عن ابنمسعود ﵁ أنه قال: «لو لم يبق من أجلي إلا عشرة أيام ما أحببت إلا أن تكون لي زوجة». وروي هشام بن عروة عن أبيه، أن الزبير ﵁ دخل على قدامه يعوده، فبصر عنده بجارية فقال قدامة: زوجني بها فقال: ما تصنع بها وأنت على هذه الحالة فقال: إن أنا عشت فثبت الزبير إن مت فهم أحق من يرثني». ولأن كل من لم يمنع من التسري بالإماء لم يمنع من نكاح الحرائر كالصحيح. ولأنه فراش لا يمنع منه الصحيح، فوجب ألا يمنع منه المريض كالاستمتاع بالإماء، ولأن عقد فلم يمنع منه المرض كالبيع والشراء، ولأنه لا يخلو عقده من أن يكون لحاجة أو لشهوة، فإن كان لحاجة لم يجز منعه وإن كان لشهوة فهي مباحة له كما أبيح له أن يلتزم بما شاء من أكل أو لبس.

стр. 3783

(فأما) الجواب عن استدلالهم بالتهمة ودخول الضرر فهو أن التهمة تبعد عمن هو في مرض موته؛ لأنه في الأعلب يقصد وجه الله والضرر لا يمنع من جواز العقود كالبيع، ولأنه إن كان ضررًا لورثته فهو منفعة لنفسه وهو أحق بمنفعة نفسه من منفعة ورثته. فأما الجواب عن استدلالهم بأن فيه مزاحمة لبعض الورثة «ودفع» لبعضهم فهو أن ما لم يمنع الصحة منه لم يمنع المرض منه كالإقرار بوارث وكالاستيلاء للأمة. فصل: فإذا ثبت إباحة النكاح في المرض، فله أن يتزوج ما أباحه الله تعالى من واحدة إلى أربع، كهو في الصحة، ولهن الميراث، إن مات من ذلك المرض أو غيره. وأما الصداق، فإن كان مهرهن، صدق أمثالهن، فلهن الصداق مع الميراث. وغن كانت عليه ديوان، شاركهن الغرماء في التركة، وضربن معهم بالحصص. وإن تزوجهن، أو واحدة منهن، بأكثر من صداق مثلها، كانت الزيادة على صداق المثل وصية في الثلث. فإن كانت الزوجة وارثة ردت الوصية، لأنه وصية لوارث. وإن كانت غير وارثة لرق أو كفر، دفعت الزيادة إليها، إن احتملها الثلث، وما احتمله منها يتقدم منها على الوصايا كلها، لأنها عطية في الحياة. وهكذا لو كانت الزوجة حرة مسلمة، فماتت قبله، صحت الزيادة لها، إن احتملها الثلث، لأنها بالموت قبله، غير وارثة. فلو كانت حين نكاحها في المرض أمة، أو ذمية، فأعتقت الأمة، وأسلمت الذمية، صارت وارثة، ومنعت من الزيادة على صداق مثلها، ولو صح المريض من مرضه، ثم مات من غيره أو لم يمت، صحت الزيادة على صداق المثل من رأس المال لوارثه، وغير وارثه. فعلي هذا: لو تزوج في مرضه ذمية على صداق ألف درهم، وصداق مثلها خمسمائة، ومات، ولا مال له غير الألف التي هي صداقها: أعطيت من الألف ستمائة وستة وستين درهمًا وثلث درهم؛ لأنها لها خمسمائة من المال، وتبقي خمسمائة هي جميع التركة، وهي الوصية لها، فأعطيت ثلثها، وذلك مائة درهم وستة وستون درهمًا، وثلث درهم، تأخذها مع صداق مثلها. ولو خلف الزوج مع الصداق خمسمائة درهم: صارت التركة بعد صداق المثل ألف درهم، فلها ثلثها، ثلاثمائة وثلاثة وثلاثون درهمًا وثلث. ولو خلف مع الصداق ألف درهم، خرجت الزيادة على صداق المثل من الثلث وأخذت الألف كلها. فصل: فإذا تزوج الرجل في مرضه امرأة على صداق ألف درهم، ومهر مثلها خمسمائة، ثم ماتت المرأة قبله، ثم مات الزوج من مرضه، ولا مال له غير الألف التي أصدقها ولا لها، فإنه يجوز من المحاباة، قدر ما احتمله الثلث، لأنها صارت بالموت

стр. 3784

قبله غير وارثه، وصاروا وارثًا لها، فزادت تركته بما ورثة منها. وإذا أرادت تركته بما ورثه منها، زاد في قدر ما يجوز من المحاباة لها، فإذا ردت منها النصف: صح لها من المحاباة، ثلاثمائة درهم، فتضم إلى صداق مثلها، وهو خمسمائة، يصير لها من الألف بصداق المثل، والمحاباة، وله النصف، وهو أربعمائة درهم يصير معه ستمائة درهم، وذلك ضعف ما خرج من المحاباة وهي ثلاثمائة درهم. ومخرجه بحساب الجبر سهل على المرياض، ولكن نذكر وجه عمله بحساب الباب لسهولته على من لم يكن له بحسب الجبر ارتياض. عمله بحساب الباب أن ننظر تركة الزوج، وهي خمسمائة درهم التي هي المحاباة من الصداق، ويضم إليه ما ورثه زوجته من صداق مثلها، وهو نصف الخمسمائة، مائتان وخمسون، تصير جميع التركة سبعمائة وخمسين درهمًا، وتستحق الزوجة منها بالمحاباة ثلثها، وهو سهم من ثلاثة وقد عاد إلى الزوج نصف بالميراث وهو نصف سهم فأسقطه من الثلث يبقي سهمان ونصف فأضعفها ليخرج الكسر منها يكن خمسة أسهم، ثم أضعف التركة لأجل ما أضعفته من السهام تكن ألف درهم وخمسمائة، ثم أقسمها على السهام الخمسة، تكن حصة كل منهم، منها ثلاث مائة، وهي قدر المحاباة. فعلي هذا: لو كانت المسألة بحالها، وخلف الزوج مع الألف التي أصدقها مائتي درهم. فطريق العمل فيها بحساب الباب الذي ذكرته أن ينظر تركة الزوج وهي سبعمائة، لأن له مائتي درهم سوى الصداق وخمسمائة محاباة من الصداق فاضمم إليها ما ورثه عن زوجته من صداق مثلها، وهو مئتان وخمسون، تصير جميع التركة تسعمائة وخمسين درهمًا تقسم على سهمين ونصف، فأضعف السهام والتركة، تكن السهام خمسة والتركة ألف درهم وتسعمائة درهم، ثم أقسمها على السهام الخمسة تكن حصة كل سهم منها ثلاثمائة درهم، وثمانين درهمًا وهو القدر الذي احتمله الثلث من المحاباة. وإذا ضممته إلى صداق المثل وهو خمسمائة صار ثمانمائة وثمانين درهمًا وقد بقي مع وارث الزوج ثلاثمائة وعشرون درهمًا وعاد إليه نصف تركة الزوجة بالميراث، وذلك أربعمائة وأربعون درهمًا يصير الجميع تسعمائة وستين درهمًا وهو ضعف ما خرج بالمحاباة، لأن الذي خرج منها ثلاثمائة وثمانون درهمًا. فلو كانت المسألة بحالها وخلف الزوج مع الألف التي أصدق خمسمائة درهم صحت المحاباة كلها، لأن بيد ورثة الزوج عنده الخمسمائة ويعود إليه نصف ميراث الزوجة وهو خمسمائة يصير بيده ألف درهم هي ضعف المحاباة. فلذلك صح جميعها، ولو لم يخلف الزوج شيئًا سوى الألف الصداق ولكن خلفت الزوجة سوى الصداق ألفًا أخرى صحت المحاباة كلها، لأنها تصير تركة الزوجة ألفي درهم، يرث الزوج نصفها وهو ألف درهم، وهي ضعف المحاباة، فلذلك صحت. فلو تركت الزوجة سوى الألف الصداق خمسمائة درهم كان الخارج لها بالمحاباة

стр. 3785

أربع مائة درهم، لأن تركة الزوجة هي الخمسمائة المحاباة وورث من الزوجة، نصف تركتها وهي ألف درهم، لن تركتها صداق مثلها، وهي خمسمائة درهم، وما خلفته سوى ذلك وهو خمسمائة درهم، فإذا أخذ الزوج نصف تركتها وهو خمسمائة درهم، وضم إلى ما اختص به من التركة، صارت تركته «ألف» درهم، تقسم على سهمين ونصف فإذا أضعف سهام التركة صارت السهام خمسة، والتركة ألفين فإن قسمتها على الخمسة كانت حصة كل سهم منها، أربعمائة درهم، وذلك قدر ما احتمله الثلث من المحاباة وقد بقي مع وارث الزوج من بقية الصداق مائة درهم، وصار إليه من تركة الزوج، بحق النصف سبعمائة درهم، فصار الجميع ثمان مائة درهم، وذلك ضعف ما خرج بالمحاباة، لأن الخارج منها أربعمائة درهم. فصل: فإذا تزوجها على صداق ألف لا يملك غيرها، ومهر مثلها خمسمائة درهم، ثم ماتت قبله وهي ذات ولد يحجب الزوج إلى الربع، ولم يخلف سوى الألف فباب العمل فيه أن يضم «ربع» الخمسمائة التي هي صداق مثلها وهي مائة وخمسة وعشرون إلى الخمسمائة التي له، وهي المحاباة تكن ستمائة وخمسة وعشرين درهمًا للزوجة منها ثلثها، وهو سهم من ثلاثة، وقد ورث الزوج أربعة وهو ربع سهم فأسقطه من الثلاثة، ويبقي سهمان وثلاثة أرباع فأبسطها أرباعًا تكن أحد عشرًا، ثم اضرب الستمائة، والخمسة والعشرين في أربعة تكن ألفان وخمسمائة فاقسمها على أحد عشر تكن حصة كل سهم منها ما تبقي، درهم وسبعة وعشرون درهمًا وثلاثة أجزا من أحد عشر جزءًا من درهم، وهو الخارج لها بالمحاباة. وإذا ضممته إلى الخمسمائة التي هي صداق المثل صارت تركتها سبعمائة وسبعة وعشرين ودرهمًا وثلاثة أجزاء من أحد عشر جزءًا من درهم الألف مائتان واثنان وسبعون درهمًا وثمانية أجزاء من أحد عشر جزءًا من درهم وورث من الزوجة ربع تركتها وذلك مائة درهم وأحد وثمانون درهمًا وتسعة أجزاء من أحد عشر جزءًا من درهم. يصير الجميع أربعمائة وأربع وخمسين درهمًا وستة أجزاء من أحد عشر جزءًا من درهم، وذلك مثل ما خرج بالمحاباة، لأن الخارج بها مائتان وسبعة وعشرون درهمًا وثلاثة أجزاء من أحد عشر جزءًا من درهم. فلو كانت المسألة بحالها ولحق ربع الزوج عول؛ لأنه كان معه من ورثتها أبوان فقد صارت فريضتها من خمس عشر للزوج منها ثلاثة فصارت معه خمسة فإذا كان كذلك فاضمم إلى تركته وهي خمسمائة المحاباة ما ورثه عن زوجته من صداق مثلها وهو خمس الخمسمائة تكن مائة درهم تصير معه ستمائة درهم للزوجة منها بالمحاباة الثلث سهم من ثلاثة قد ورث الزوج خمسة فأسقطه من الثلاثة يبقي سهمان وأربعة أخماس فأبسطه أخمسًا تكن أربعة عشر ثم اضرب تركة الزوج وهي ستمائة في خمسة تكن ثلاثة الآلف ثم اقسمها على أربعة عشر تكن حصة كل سهم منها مائتان درهم وأربعة عشر درهمًا وسبعا
следующие страницы →