← Фикх шафии

Фикх шафии · id 16934

بحر المذهب للروياني

عَبْد الواحِد الرُّوْياني

Полный текст (7 151 стр.). Показаны 3711–3750 · переход к 3716.

стр. 3711

للموصى له سهم، وللزوجة ثمن الباقي سهم وما بقي بين الابن والبنت للذكر مثل حظ الأنثيين. وتصح من تسعة وعشرين. ولو ترك: بنتًا، وبنت ابن، وأخًا، ووصي لرجل بمثل نصيب أحدهم: كان له مثل نصيب بنت الابن، لأن الأقل، وهو السدس، فنصفه إلى فريضة الورثة، وهي ستة، تصير سبعة أسهم، يعطي للموصي له منها سهمًا، وللبنت ثلاثة أسهم، وبنت الابن سهمًا، وللأخ ما بقي وهو سهمان. فلو ترك ثلاث زوجات، وابنًا، وبنتًا، ووصي لرجل بمثل نصيب أحدهم، ففريضة الورثة من أربعة وعشرين سهمًا، للزوجات منها الثمن ثلاثة أسهم، وهو الأقل، فيجعل للموصي له مثل نصيب إحداهن، وهو سهم واحد، فضمه إلى الفريضة، وهو أربعة وعشرين، تصير خمسة وعشرين فتقسم التركة بين الموصي له وبين الورثة، على خمسة وعشرين سهمًا، للموصي له منها سهم واحد. فلو ترك بنتًا، وخمس بنات ابنًا، وعمًا، صحت فريضة الورثة من ثلاثين سهمًا، لبنات الابن منها السدس خمسة أسهم، لكل واحدة منهم سهم، فلو وصي لرجل بمثل نصيب أحدهم، أعطيته مثل نصيب واحدة من بنات الابن، وهو سهم؛ لأنه الأقل، وضممته إلى فريضة الورثة وهي ثلاثون تصير إحدى وثلاثين سهمًا، فتقسم التركة بين الموصي له، وبين الورثة على أحد وثلاثين سهمًا، منها للموصي له سهم، ليدخل نقص العول بسهم الوصية لعى جماعتهم، ثم على هذا القياس. فصل: ولو ترك ثلاثة بنين، ووصي لرجل بمثل نصيب ابن رابع، لو كان فللموصي له الخمس؛؟ لأن له مع الأربعة الخمس، وتكون الأربعة أخماس بين البنين الثلاثة، وهي غير منقسمة، فتضرب ثلاثة في خمسة تكن خمسة عشر. للموصي له بالخمس ثلاثة أسهم، ويبقي اثني عشر سهمًا بين البنين الثلاثة لكل ابن أربعة. ولو ترك ثلاثة بنين، ووصي لرجل بمثل نصيب ابن خامس لو كان، وبنت لو كانت: كان للموصي له، ثلاثة أسهم من أربعة عشر سهمًا، وذلك سهم ابن وبنت من جملة ستة بنين وبنتين، ويبقي أحد عشر سهمًا، تقسم بين البنين الثلاث، على ثلاثة، فاضرب ثلاثة في أربعة عشر تكن اثنين وأربعين سهمًا، للموصي له تسعة أسهم، ويبقي ثلاثة وثلاثون سهمًا، لكل ابن أحد عشر سهمًا. فصل آخر: فإذا ترك ثلاثة بنين، وأوصي لرجل بمثل نصيب أحدهم، ولآخر بثلث ما يبقي من ثلثه. فوجه عملها بحساب الباب: أن تأخذ عدد البنين، وهو ثلاثة وتضم إليه نصيب أحدهم وهو واحد تصير أربعة، وتضرب به في مخرج الثلث وهو ثلاثة. تكن اثني عشر، ثم تلقي منه المثل، وهو واحد، يبقي أحد عشر، وهو ثلث المال، ثم تعرف قدر النصيب، بأن تضرب مخرج الثلث وهو ثلاثة، تكن تسعة، ثم تلقي منها المثل، وهو

стр. 3712

واحد يبقى ثمانية، فهو نصيب، فيأخذه الموصي له بمثل نصيب أحدهم، ويبقي من الثلث ثلاثة فيدفع ثلثها، وهو واحد، إلى الموصي له بثلث، الباقي من الثلث، ويبقي من الثلث سهمان، تضمها إلى الثلثين وهو اثنان وعشرون تصير أربعة وعشرين تقسم بين البنين الثلاثة فيكون لكل واحد ثمانية مثل ما أخذه الموصي له بمثل نصيب أحدهم، وتصح من ثلاثة وثلاثين سهمًا. فصل آخر: فإذا ترك ثلاثة بنين، وأوصي لرجل بمثل نصيب أحدهم إلا ثلث ما بقي من الثلاث فوجه عملها بالباب، أن تأخذ عدد البنين وهو ثلاثة، وتضم إليه نصيب أحدهم، تكن أربعة ثم اضربها في مخرج الثلث ثلاثة، تكن اثني عشر، تزيد عليها واحدًا، كما نقصت من الفصل الأول واحدًا تصير ثلاثة عشر وهو ثلث المال، ثم تعرف قدر النصيب، بأن تضرب مخرج الثلث في مثله تكن تسعة، وتزيد عليها واحدًا كما نقصت في الفصل الأول واحدًا تكن عشرة، وهو النصيب، فتنقص منه ثلث الثلاث، وهو واحدي بقي تسعة، وهي سهام الموصي له، ثم تضم الباقي من الثلث، وهو أربعة إلى ثلثي المال، وهو ستة وعشرون تكن ثلاثين، تقسم بين البنين الثلاثة، لكل ابن عشرة، وتصح من تسعة وثلاثين. فصل: وإذا ترك خمسة بنين وأوصي لرجل بمثل نصيب أحدهم، ولآخر بثلث ما بقي من ثلثه، وأوصي لأحد بنيه، أنه لا يدخل عليه ضيم فيما أوصي به ولا نقصان وأن يوفر عليه نصيبه، وهو الخمس فذلك موقوف على الإجازة من الورثة، وغن كان خارجًا من الثلث، لأن تفضيل أحد الورثة على الباقين وصية لوارث. وإذا كان كذلك وأجاز الوصية الورثة فوجه عملها بالباب أن تجعل الابن الذي وصي أن لا يدخل عليه ضيم، كالموصي له بالخمس، فتصير المسألة كأنه ترك أربعة بنين، وأوصي لرجل بمثل نصيب أحدهم، ولآخر بثلث ما يبقي من ثلثه، ولآخر بخمس ماله فتأخذ عددًا تجمع مخرج الجميع من الوصايا وهو الخمس وثلث الباقي، وذلك خمسة وأربعون، مضروب خمسة في تسعة، فاضربها في مخرج الوصايا وهو خمسة وأربعون تكن مائة وثمانين، ثم انظر سهم الموصي له بمثل نصيب أحدهم وهو واحدًا، فاضربه في مخرج الوصايا تكن خمسة وأربعين، وانقص منه ثلثه وهو خمسة عشر، لأنه أوصي بثلث ما يبقي بعده ويبقي ثلاثون فزدها على مائة والثمانين تكن مائتين وعشرة، وهي سهام جميع المال. فإذا أردت معرفة سهام النصيب، فانقص من مخرج الوصايا بثلث ثلثه وهو خمسة، وانقص منه خمس جميعه، وهو تسعة، يبقي منه بعد النقصانين أحد وثلاثون وهو نصيب كل ابن. فإذا أردت القسم فخذ ثلث المال، وهو سبعون فاعط منه الموصي له بمثل نصيب أحدهم، إحدى وثلاثين، يبقي من الثلث تسعة وثلاثون أعط منها الموصي له بثلث الباقي له من الثلث ثلثها، وهو ثلاثة عشرة واضمم الباقي، وهو ستة وعشرون إلى ثلثي

стр. 3713

المال، وهو مائة وأربعون تصير مائة، وستة وستون، فاعط منها الابن الذي وصي له بأن لا يدخل عليه ضيم، خمس جميع المال الذي هو مائتان وعشرة يكن اثنين وأربعين وهو سهمين، ويبقي مائة وأربعة وعشرون تقسم بين البنين الأربعة، يكن لكل ابن أحد وثلاثون، وهو مثل ما أخذه الموصي له بمثل نصيب أحدهم. ثم على هذا القياس. فصل: وإذا ترك الرجل زوجة، وابنًا، وبنتًا، وأوصي لرجل بتكملة الثلث بنصيب الزوجة. فوجه عملها بحساب الباب: أن تصحح الفريضة، وتسقط منها سهم ذوي التكملة ثم تزد على الباقي مثل نصفه، وتقسم سهام الفريضة بين أهلها فما بقي بعدها فهو للموصي له، فإذا صححت فريضة الزوجة والابن والبنت، كانت من أربعة وعشرين، فإذا ألغيت منها سهام الزوجة، وهي ثلاثة كان الباقي أحدًا وعشرين، فإذا زدت عليها مثل نصفها لم يسلم فأضعف الأحد والعشرين يكن اثنين وأربعين فزد عليها مثل نصفها وهو أحد وعشرون تصير مائة وستين، ومنها تصح سهام الفريضة مع الوصية للزوجة منها ستة، وللابن ثمانية وعشرون، للبنت أربعة عشر، وللموصي له بتكملة الثلث بنصيب الزوجة خمسة عشر. وإذا ضممت إليها سهام الزوجة، وهي ستة، صار أحدًا وعشرين، وذلك ثلث جميع المال. فلو كانت المسألة بحالها وأوصي لرجل بتكملة الثلث بنصيب البنت أسقطتها من سهام الفريضة وهي سبعة من أربعة وعشرين، يكن الباقي سبعة عشر، ثم زدت عليها مثل نصفها، وذلك غير سليم فأضعفه، ليسلم يكن أربعة وثلاثين، ونصفه سبعة عشر تكن إحدى وخمسين، ومنها تصح سهام الفريضة مع الوصية. منها للزوجة ستة، وللابن ثمانية وعشرون وللبنت أربعة عشر، وللموصي له بتكملة الثلث بنصيب البنت ثلاثة أسهم؛ لأنك إذا ضممتها إلى سهام البنت صارت سبعة عشر، وذلك ثلث جميع المال. ولو أوصي له بتكملة الثلث بنصيب الابن كانت الوصية باطلة، لأن سهام الابن أكثر من الثلث. مسألة: قال الشافعي -رحمه الله تعالى-: «ولو قال مثل نصيب أحد ورثتي أعطيته مثل أقلهم نصيبًا». قال في الحاوي: وهذا صحيح؛ لأن الوصايا لا يستحق فيها إلا اليقين، والأقل يقين، والزيادة عليه شك، فإن كان سهم الزوجة أقل، أعطيته مثل سهام الزوجة، وإن كان نصيب غيرها أقل من البنات، أو بنات الابن، أعطيته مثله. واعتبار ذلك باعتبار سهام كل واحد من الورثة من أصل فريضتهم، فتجعل للموصي له مثل سهام أقلهم، وتضمه إلى أصل الفريضة، ثم تقسم المال بين الموصي له والورثة على ما اجتمع معك من العددين، وقد بيناه.

стр. 3714

ولو وصى بمثل نصيب أكثرهم نصيبًا، اعتبرته، وزدته على سهام الفريضة ثم قسمت ما اجتمع من العددين على ما وصفنا. فعلي هذا: لو اختلف الورثة فقال بعضهم، أراد مثل أقلنا نصيبًا، وقال بعضهم: بل أراد مثل أكثرنا نصيبًا، أعطيته من نصيب كل واحد من الفريقين حصته مما اعترف به. ومثاله: أن يكون الوراثة ابنين، وبنتين، فيقول الابنان: وصي لك بمثل نصيب ذكر، وتقول البنتان: وصي لك بمثل نصيب أنثي. فوجه العمل أن يقال: لو أراد ذكرًا لكان المال مقسومًا، على ثمانية أسهم فريضة ثلاثة بنين، وبنتين، فيكون لكل ابن سهمان، ولكل بنت سهم، وللموصي له بمثل نصيب الذكر سهمان، وإن أراد أنثي كان المال مقسومًا على سبعة أسهم، فريضة ذكرين وثلاث بنات فيكون لكل ابن سهمان، ولكل بنت سهم، وللموصي له بمثل نصيب أنثي سهم. فاضرب سبعة في ثمانية، تكن ستة وخمسين. للبنتين سبعاها: ستة عشر سهمًا، وللموصي له على أن له مثل نصيب أنثي: السبع ثمانية أسهم وعلى أن له مثل نصيب ذكر الربع، أربعة عشر سهمًا، فيكون له اثني عشر وللابنين لو لم يعترفا له بمثل نصيب ذكر أربعة أسباع المال اثنان وثلاثون سهمًا، ولهما عند اعترافهما له بنصيب ذكر أربعة أثمان المال، ثمانية وعشرون سهمًا. فيرد الابنان ما بين نصيبهما، وهو أربعة أسهم على الموصي له ليأخذه مع ما حصل له من الأسهم الثمانية، فيصير له اثني عشر سهمًا، وللبنتين ستة عشر سهمًا، وللابنين ثمانية وعشرون سهمًا ويرجع بالاختصار إلى نصفها، ثم على هذا القياس. فصل: ولو ترك ابنًا، وبنتًا، وأوصي لرجل بمثل نصيب الابن، ولآخر بمثل نصيب البنت فهذا على ضربين: أحدهما: أن يوصي بمثل نصيب البنت قبل دخول الوصية عليها. والثاني: أن يكون بعد دخول الوصية عليها، فعلي هذا يكون للموصي له بمثل نصيب الابن ربع المال، وللموصي له بمثل نصيب البنت قبل دخول الوصية عليها خمس المال، فتصير الوصيتان بخمس المال وربعه، فتوقف على إجازتهما. والضرب الثاني: أن يريد بمثل نصيب البنت بعد دخول الوصية عليها، فعلي هذا يكون للموصي له بمثل نصيب الابن خمس المال وللموصي له بمثل نصيب البنت سدس المال فتصير الوصيتان بخمس المال وسدسه، فتوقف على إجازتهما ولو ابتدئ فوصي لرجل بمثل نصيب البنت، ولآخر بمثل نصيب الابن، فإن أراد قبول دخول الوصية عليه كان له خمسا المال وإن أراد بعد دخول الوصية، كان له ثلث المال ... ثم على هذا القياس. فصل: ولو ترك بنتًا، وأختًا، وأوصي لرجل بمثل نصيب البنت فقد اختلف أصحابنا في قدر ما يستحقه الموصي له على وجهين: أحدهما: له الربع نصف حصة البنت، لأنه لما تستحق مع الابن الواحد إذا أوصى

стр. 3715

له بمثل نصيبه النصف، لأنه نصف نصيب الابن، وجب أن يستحق مع البنت الواحدة النصف من النصف، لأنه نصف نصيبها. والوجه الثاني: وهو أصح له الثلث، لأنه يصير مع البنت الواحدة، كبنت ثانية، كما يصير مع الابن الواحد كابن ثان وللواحدة من البنتين الثلث وكذلك للموصي له بمثل نصيب البنت الواحدة الثلث. وعلى هذا: لو أوصي بمثل نصيب أخت مع عم، كان فيما يستحقه بالوصية وجهان: وهكذا: لو لم يرث مع البنت والأخت غيرها، لأن لكل واحدة منهما لو انفردت النصف، والباقي لبيت المال. فعلي هذا: لو وصي بمثل نصيب أخ لأم، فله في أحد الوجهين نصف السدس، وفي الآخر السدس والله أعلم. مسألة: قال الشافعي -رحمه الله تعالى-: «ولو قال ضعف ما يصيب أحد ولدي أعطيته مثله مرتين. وإن قال: ضعفين، فإن كان نصيبه مائة أعطيته ثلثمائة فكنت قد أضعفت المائة التي تصيبه بمنزلة مرةٍ بعد مرةٍ». قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا وصي لرجل بمثل ضعف نصيب أحد أولاده، كان الضعف مثل أحد النصيبين. فإن كان نصيب الابن مائة كان للموصي له بالضعف مائتين، وبه قال جمهور الفقهاء وبه قال الفراء، وأكثر أهل اللغة. وقال مالك: الضعف مثل واحد، فسوي بين المثل والضعف. وبه قال من أهل اللغة أبو عبيدة معمر بن المثني استدلالًا بقوله تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَن يَاتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا العَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣ -] فلما أراد بالضعفين مثلين، علم أن الضعف الواحد مثل واحد. واستدلوا على أن المراد بضعفي العذاب مثليه بأنه لا يجوز أن يعاقب على السيئة بأكثر مما يجوز على الحسنة. وقال الله تعالى في نساء النبي: ﴿ومَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ وتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣١] فعلم أن ما جعله من ضعف العذاب على السيئة مرتين، فدل على أن الضعف والمثل واحد والدليل على أن الضعف مثلان هو اختلاف الأسماء توجب اختلاف المسمي إلا ما خص بدليل، ولأن الضعف أعم في اللغة من المثل، فلم يجز أن يسوي بينه وبين المثل. ولأن انشقاق الضعف من المضاعفة، والتنبيه من قولهم أضعف الثوب إذا طويته بطاقتين ونرجس مضاعف: إذا كان موضع كل طاقة، طاقتين ومكان كل ورقة، ورقتين فاقتضي أن يكون الضعف مثلين. وقد روي أن عمر ﵁ أضعف الصدقة على نصاري بني تغلب، أي أخذ مكان الصدقة صدقتين، ويدل عليه قول الشاعر عبد الله بن عامر: وأضعف عبد الله إذا كان حظه على حظ لهفان من الخرص فاغر

стр. 3716

أراد به إعطائه مثلي جائزة اللهفان. فأما الآية: فعنها جوابان: أحدهما: ما قاله أبو العباس عن الأثرم عن بعض المفسرين أنه جعل عذابهن إذا أتين بفاحشة ثلاثة أماثل عذاب غيرهن فلم يكن فيه دليل. والثاني: أن الضعف قد يستعمل في موضع المثل مجازًا، إذا صرفه الدليل عن حقيقته. وليست الأحكام معلقة بالمجاز وإنما تتعلق بالحقائق. فصل: فأما إذا أوصي له بضعفي نصيب ابنه، فقد اختلفوا فيه على ثلاثة مذاهب: أحدهما: وهو مذهب مالك، أن له مثلي نصيبه، لأنه جعل الضعف مثلًا فجعل الضعفين مثلين. والمذهب الثاني: وهو مذهب أبي ثور أنه له اربعة أمثال نصيبه، لأنه لما استحق بالضعف مثلين، استحق بالضعفين أربعة أمثال. والمذهب الثالث: وهو مذهب الشافعي، وجمهور الفقهاء، أن له بالضعفين ثلاثة أمثال نصيبه. فإذا كان نصيب الابن مائة استحق بالضعفين ثلاثمائة؛ لأنه لما أخذ بالضعف سهم الابن ومثله حتى استحق مثليه وجب أن يأخذ بالضعفين بسهم الابن ومثليه فيستحق به ثلاثة أمثال، فعلي هذا: لو أوصي له ثلاثة أضعام نصيب ابنه استحق أربعة أمثاله، وبأربعة أضعافه: خمسة أمثاله. وكذلك فيما زاد، والله أعلم بالصواب. مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: «ولو قال لفلان نصيب أو حظ أو قليل أو كثير من مالي ما عرفت لكثير حدًا ووجدت ربع دينار قليلًا تقطع فيه اليد ومائتي درهم كثيرًا فيها زكاة وكل ما وقع عليه اسم قليل وقع عليه اسم كثير وقيل للورثة أعطوه ما يقع عليه اسم ما قال الميت». قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا أوصي لرجل بنصيب من ماله، أو حظ، أو قسط، أو قليل أو كثير ولم يجد ذلك بشيء فالوصية جائزة ويرجع في بيانها إلى الورثة فما بينوه من شيء كان قولهم فيه مقبولًا فإن ادعي الموصي له أكثر منه أحلفهم عليه، لأن هذه الأسماء كلها لا تختص في اللغة، ولا في الشرع، ولا في العرف بمقدار معلوم، ولا لاستعمالها في القليل والكثير حد، لأن الشيء قد يكون قليلًا إذا أضيف إلى ما هو أكثر منه، ويكون كثيرًا إذا أضيف إلى ما هو أقل منه. وحكي عن عطاء، وعكرمة أن الوصية بما ليس بمعلوم من الحظ والنصيب باطلة للجهل بها. وهذا فاسد: لأن الجهل بالوصايا لا يمنع من جوازها ألا ترى أنه لو أوصي بثلث ما له وهو لا يعلم قدره جازت الوصية مع الجهل بها. وقد أوصي أنس بن مالك لثابت البناني بمثل نصيب أحد ولده.

стр. 3717

فصل: فأما إذا أوصي له بسهم من ماله، فقد اختلف الناس فيه فحكي عن ابن مسعود والحسن البصري، وإياس بن معاوية، وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل أن له سدس المال. وقال شريح: يدفع له سهم واحد من سهام الفريضة. وقال أبو حنيفة: يدفع إليه مثل نصيب أقل الورثة نصيبًا، ما لم يجاوز السدس، فإن جاوزه أعطي السدس. وقال أبو يوسف، ومحمد: يعطي نصيب أقلهم مثل نصيبًا ما لم يجاوز الثلث، فإن جاوزه، أعطي الثلث. وقال أبو ثور: أعطيته سهمًا من أربعة وعشرين سهمًا. وقال الشافعي: السهم اسم عام لا يختص بقدر محدود لانطلاقه على القليل والكثير، كالحظ والنصيب، فيرجع إلى بيان الوارث. فإن قيل: فقد روي ابن مسعود: أن النبي ﷺ فرض لرجل أوصي له سهمًا سدسًا. قيل: هي قضية في عين، يحتمل أن تكون البينة قامت بالسدس واعترف به الورثة. وإذا ثبت أنه يرجع فيه إلى بيان الورثة قبل منهم ما بينوه، من قليل أو كثير، فإن نزعوا، أحلفوا فإن لم يبينوا لم يخل حالهم من أن يكون عندهم بيان، أو لا يكون فإن لم يكن عندهم بيان: رجع إلى بيان الموصي له. فإن نوزع حلف. وإن لم يكن عند الموصي له بيان وقف الثلث على ما يكون من بيان أحدهما، وتصرف الورثة في الثلثين، وإن كان عندهم بيان، فأبوا أن يبينوه ففيه وجهان من اختلاف قوليه فيمن أقر بمجمل وامتنع أو يبين أحدهما: يحبس الورثة حتى يبين. والثاني: يرجع إلى بيان الموصي له والله اعلم. مسألة: قال الشافعي -رحمه الله تعالى-: «ولو أوصي لرجل بثلث ماله ولآخر بنصفه ولآخر بربعه فلم تجز الورثة قسم الثلث على الحصص وإن أجازوا قسم المال على ثلاثة عشر جزءًا لصاحب النصف ستة ولصاحب الثلت أربعة، ولصاحب الربع ثلاثة حتى يكونوا سواءًا في العول». قال في الحاوي: وصورتها في رجل أوصي لرجب بنصف ماله، ولآخر بثلثه، ولآخر بربعه. فقد عالت المسألة على كل حاله فلا يخلو حال ورثته من ثلاثة أحوال أما أن يجيزوا جميعًا، أو لا يجيزوا جميعًا، أو يجيز بعضهم، ويرد بعضهم فإن أجازوا جميعًا: قسم المال بينهم على قدر وصاياهم، وأصلها من اثني عشر، لاجتماع الثلث والرابع، وتعول بسهم، وتصح من ثلاثة عشر، لصاحب النصف ستة أسهم ولصاحب الثلث أربعة أسهم، ولصاحب الربع ثلاثة أسهم. وكان النقص بسهم العول داخلًا على جميعهم، كالمواريث وهذا متفق عليه، لم يخالف أبو حنيفة ولا غيره فيه، والله أعلم. فصل: وإن رد الورثة الوصايا بكل المال رجعت إلى الثلث، وكان الثلث مقسومًا

стр. 3718

بينهم بالحصص على ثلاثة عشر سهمًا، كما اقتسموا كل المال مع الإجازة. فيكون لصاحب النصف ستة أسهم، ولصاحب الثلث أربعة أسهم، ولصاحب الربع ثلاثة أسهم. وبه قال الشافعي، ومالك، وأبو يوسف، ومحمد، وأحمد، وإسحاق. وقال أبو حنيفة: أرد من وصية صاحب النصف ما زاد على الثلث، يستوي في الوصية صاحب الثلث، وصاحب النصف، ويكون الثلث مقسومًا بينهم على أحد عشر سهمًا. لصاحب النصف أربعة، ولصاحب الثلث أربعة، ولصاحب الربع ثلاثة، استدلالًا بأمرين: أحدهما: أنه لا يملك الزيادة على الثلث، لاستحقاق الورثة لها، فيبطل حكمها وصار كمن وصي بماله ومال غيره، تمضي الوصية في ماله، وترد في مال غيره. والثاني: أن الزيادة على الثلث تضمنت تقديرًا وتفصيلًا، فلما بطل التقدير، بطل التفصيل. وتحريره: أنه أحد مقصودي الزيادة، فوجب أن يبطل كالتقدير. ودليلنا: هو أنه لما قصد تفضيلهم في كل المال، قصد تفضيلهم في كل جزء منه قياسًا على الغرماء. ولأنهم تفاضلوا في الوصية، فوجب أن يتفاضلوا في العطية قياسًا على صاحب الثلث والربع، ولأنهم يأخذون المال على التفاضل عند الكمال، فوجب أن يأخذوه على التفاضل عند العجز قياسًا على صاحب الثلث والربع، ولأن كل شخصين جعل المال بينهما على التفاضل، لزم عند ضيق المال، أن يتقاسماه على التفاضل كالعول في الفرائض، ولأنه لو كانت الوصية بالنصف والثلث مالًا والرد مقدر كمن أوصي لزيد بألف درهم هي ثلث ماله، ولعمرو بألف وخمسمائة، هي نصف ماله، لتفاضلا مع الإجازة والرد، فوجب إذا كانت الوصية بالنصف والثلث مطلقًا أن يتفاضلا مع الإجازة والرد. ويتحرر من هذا الاعتلال قياسان: أحدهما: أن ما تفاضلا فيه مع التقدير يتفاضلان فيه مع الإطلاق كالإجازة. والثاني: أن ما تفاضلا فيه مع الإجازة تفاضلا فيه مع الرد كالمقدر. وأما الجواب عن استدلالهم بأن الوصية بما زاد لا يملكهم فصارت في حق غيره: فهو أن الرد وإن استحق فليس بمستحق في واحد دون غيره وسواء على الورثة انصراف الثلث إلى أهل الوصايا على استواء، أو تفاضل فيبطل حقهم فيه، ويرجع إلى قصد الموصل فيه. وقولهم: إن الزيادة على الثلث قد تضمنت تقديرًا وتفضيلًا، فيقال: ليس بطلان أحدهما موجبًا لبطلان الآخر، ألا ترى أن كل النصف يعد الثلث زيادة على الثلث ولو لزم ما قالوا، لبطلت وصية صاحب النصف بأسرها. فلما لم تبطل بالرد إلى الثلث، لم يبطل حكم التفضيل بالرد إلى الثلث، والله أعلم. فصل: وأما إذا أجاز الورثة الوصية لبعضهم وردوها لبعضهم مثل أن يجيزوا صاحب الثلث ويردوا صاحب النصف والربع، فتسم الوصايا من تسعة وثلاثين سهمًا، لأنها أقل ما ينقسم ثلاثة على ثلاثة عشر، فيعطي صاحب النصف ستة أسهم من ثلاثة

стр. 3719

عشر من الثلث، فيكون ثلاثة من تسعة وثلاثين. ويعطي صاحب الربع ثلاثة أسهم من ثلاثة عشر من الثلث فتكون ثلاثة من تسعة وثلاثين. وأما صاحب الثلث ففيه وجهان: أحدهما: أنك تعطيه ثلث جميع المال، مع دخول العول عليه، كالذي كان يأخذه، لو وقعت الإجازة لجميعهم فعلي هذا يأخذ أربعة أسهم من ثلاثة عشر من جميع المال فيكون ذلك اثنا عشر سهمًا من تسعة وثلاثين. والوجه الثاني: أنه يأخذ ثلث جميع المال كاملًا من غير عول، لأنه إنما أخذ الثلث عائلًا مع عدم الإجازة لجميعهم لضيق المال عن سهامهم وإذا أجازوا ذلك لبعضهم، اتسع المال لتكمل سهم من أجيز له منهم. فعلي هذا يأخذ ثلاثة عشر من تسعة وثلاثين، ثم على هذا القياس ولو أجيز لصاحب النصف وحده، أو لصاحب الربع وحده، أو لهما أو أحدهما مع صاحب الثلث. فصل: ولو أوصي لرجل بجميع ماله، ولآخر بثلث ماله وأجاز الورثة ذلك لهما كان المال مقسومًا بينهما على أربعة أسهم، لأنه مال وثلث، يكون أربعة أثلاث، فيكون لصاحب المال ثلاثة أسهم، ولصاحب الثلث سهم. وقال داود: يكون لصاحب المال ثلثا المال، ولصاحب الثلث جميع ثلث المال. قال: لأنه لما أوصي بالثلث بعد الكل، كان رجوعًا عن ثلث الكل وبني ذلك على أصله في إبطال العول. وهذا أصل قد تقدم الكلام معه فيه فلو رد الورثة ذلك. كان الثلث مقسومًا بينهما على أربعة أسهم لصاحب المال ثلاثة أسهم، ولصاحب الثلث سهم. وقال أبو حنيفة: الثلث بينهما نصفين، إبطالًا لما زاد على الثلث عند الرد وقد تقدم الكلام معه فلو أجاز الورثة لصاحب الثلث، وردوا صاحب الكل، كان لصاحب الكل ثلاثة أسهم من أربعة من الثلث، فيكون له ثلاثة أسهم من اثني عشر سهمًا. وأما صاحب الثلث فعلي وجهين: أحدهما: يكمل له سهمه مع العول: فعلي هذا يأخذ ثلاثة أسهم من اثني عشر سهمًا، ويبقي منها بعد الوصيتين ستة أسهم ترجع على الوارث. والوجه الثاني: يكون له الثلث مع غير عول، فعلي هذا يأخذ أربعة أسهم، ويبقي بعد الوصيتين خمسة ترجع على الوارث. فلو أجاز الورثة لصاحب الكل، وردوا لصاحب الثلث: أخذ صاحب الثلث سهمًا من اثني عشر فإن أعيل سهم صاحب الكل مع الإجازة له أخذ تسعة أسهم ويبقي بعد الوصيتين سهمان للوارث فإن أكمل سهمه من غير عول، أخذ جميع الباقي وهو أحد عشر سهمًا، وهو دون الكل بسهم زاحمه فيه صاحب الثلث ولم يبق للوارث شيء وبالله التوفيق.

стр. 3720

مسألة: قال الشافعي -رحمه الله تعالى-: «ولو أوصي بغلامه لرجل وهو يساوي خمسمائة وبداره لآخر وهي تساوي ألفًا وبخمسمائة لآخر والثلث ألف دخل على كل واحدٍ منهم عول نصف وكان للذي له الغلام نصفه وللذي له الدار نصفها وللذي له خمسمائة نصفها». قال في الحاوي: وهذا كمال قال: إذا ضاق الثلث عن الوصايا، فللورثة حالتان: حالة يجيزون، وحالة يردون، فإن ردوا: قسم الثلث بين أهل الوصايا، بالحصص، وتستوي فيه الوصية بالمعين والمقدر. وحكي عن أبي حنيفة: أن الوصية بالمعين، مقدمة على الوصية بالمقدر استدلالًا بأن القدر يتعلق بالذمة فإذا ضاق الثلث فيها زال تعلقها بالذمة، وهذا غير صحيح، لأن محل الوصايا في التركة سواء ضاق الثلث عنها أو اتسع لها، فاقتضي أن يستوي المعين والمقدر مع ضيق الثلث، كما يستويان مع اتساعه؛ ولأن الوصية بالمقدر أثبت من الوصية بالمعين، ولأن المعين إن تلف بطلت الوصية به والمقدر إن تلف بعض المال: لم تبطل الوصية. فإذا تقرر استواء المعين، والمقدر مع ضيق الثلث عنهما: وجب أن يكون عجز الثلث داخلًا على أهل الوصايا بالحصص فإذا أوصي بعبده لرجل، وقيمته خمسمائة درهم، وبداره الآخر وقيمتها ألف درهم وبخمسمائة لآخر، فوصاياه الثلاثة كلها تكون ألفي درهم. فإن كان الثلث ألفين فصاعدًا، فلا عجز، وهي ممضاة. وإن كان الثلث ألف درهم، فقد عجز الثلث عن نصفها، فوجب أن يدخل القول على جميعها، ويأخذ كل موصي له بشيء نصفه، فيعطي الموصي الموصى له بالعبد نصفه وذلك مائتا درهم وخمسون درهمًا. ويعطي الموصي له بالدار نصفها وذلك خمسمائة. ويعطي الموصي له بالخمسمائة نصفها وذلك مائتا درهم وخمسون درهمًا. صار جميع ذلك ألف درهم. وعلى قول أبي حنيفة: تسقط الوصية بالخمسمائة المقدرة، ويجعل الثلث بين الموصي له بالعبد والدار، فيأخذ كل واحد منهما ثلثي وصيته لدخول العجز بالثلث عليهما. فلو كان الثلث في هذه الوصايا خمسمائة درهم فهو ربع الوصايا الثلاث. فيعطي كل واحد ربع ما جعل له. ولو كان الثلث ألفًا وخمسمائة، فيجعل لكل واحد منهم ثلاثة أرباع وصيته ثم على هذا القياس والله أعلم. فصل: وإن أجاز الورثة الوصايا كلها مع ضيق الثلث عنها، ودخول العجز بالنصف

стр. 3721

عليها ففي إجازتهم قولان: أحدهما: أن إجازتهم ابتداء عطية منهم لأمرين: أحدهما: أن ما زاد على الثلث منهي عنه، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه. والثاني: أنهم لما كانوا بالمنع مالكين لما منعوه، وجب أن يكونوا بالإجازة معطين لما أجازوه. فعلي هذا: قد ملك أهل الوصايا نصفها بالوصية لاحتمال الثلث لها ولا يفتقر تمليكهم لها إلى قبض. ونصفها بالعطية، لعجز الثلث عنها ولا يتم ملكهم إلا بقبض. القول الثاني: وهو أصح، وبه قال أبو حنيفة: أن إجازة الورثة تنفيذ وإمضاء لفعل الميت، وأن ذلك مملوك بالوصية دون العطية لأمرين: أحدهما: أن ما استحقوه بالخيار في عقود الميت لا يكون الورثة بالإمضاء لها عاقدين كالمشتري سلعة إذا وجد وارثه بها عيبًا فأمضي الشراء ولم يفسخه: كان تنفيذًا ولم يكن عقدًا، فكذلك خياره في إجازة الوصية. والثاني: أن لهم رد ما زاد على الثلث في حقوق أنفسهم، فإذا أجازوه سقطت حقوقهم منه، فصار الثلث وما زاد وعليه سواء في لزومه لهم فإذا استوي الحكم في الجميع مع اللزوم: اقتضي أن يكون جميعه وصية لا عطية فعلي هذا: يلزمهم نصف الوصايا بالوصية من غير إجازة لاحتمال الثلث لها. ونصفها بالإجازة بعد الوصية من غير قبض يعتبر، ولا رجوع يسوغ. فصل: وأما العطايا في المرض: فهي مقدمة على الوصايا إذا ضاق الثلث عنها، لأن تلك ناجزة، وهذه موقوفة، فلو ضاق الثلث عن عطايا المرصد قدم الأسبق. ولو ضاق الثلث عن الوصايا: لم يقدم الأسبق، لأن عطايا المرض تملك بالقبض المترتب، فثبت حكم المتقدم، والوصايا كلها تملك بالموت فاستوي فيها حكم المتقدم والمتأخر إلا إن رتبها الموصي فيمضي على ترتيبه ما لم يتخلل الوصايا عتق. فإن تخللها عتق فإن كان واجبًا في كفارة أو نذر قدم على وصايا التطوع، وإن كان تطوعًا ففيه قولان: أحدهما: أن العتق مقدم على جميع الوصايا لقوته بالسرايا في غير الملك وبه قال من الصاحبة: عبد الله بن عمر، ومن التابعين شريح والحسن، ومن الفقهاء: مالك والثوري. والقول الثاني: أن العتق والوصايا كلها سواء في مزاحمة الثلث؛ لأن جميعها تطوع. وبه قال من التابعين: ابن سيرين، والشعبي ومن الفقهاء: أبوثور. فصل: ولو أوصي رجل أن يشتري عبد زيد بألف درهم وأن يعتق عليه فاشتراه

стр. 3722

الموصي بخمسمائة، وأعتق عنه، والبائع غير عالم فقد اختلف الناس في الخمس مائة الباقية من الألف: فحكي عن سفيان الثوري: أنها تدفع إلى البائع، وجعلها وصية له. فحكي عن أحمد بن حنبل: أنها تدفع إلى الورثة وجعلها تركة. وحكي عن إسحاق بن راهوية أنها تصرف في العتق، وجعلها وصية له، ومذهب الشافعي أنه ينظر قيمة عبد زيد الموصي له بشرائه وعتقه فإن كان يساوي ألفًا فليس فيها وصية فيعود الباقي من ثمنه إلى الورثة. وإن كان يساوي خمسمائة عاد الباقي إلى زيد البائع، لأنها وصية له وإن كان يساوي سبعمائة. فالوصية منها بثلاثمائة درهم، فتدفع إلى البائع؛ وترد المائتان على الورثة ميراثًا. فصل: وإذا أوصي بعتق أمه على أنها لا تتزوج، أعتقت على هذا الشرط، فإن تزوجت لم يبطل العتق، ولا النكاح. ووجب الرجوع عليها بقيمتها ولا يعود ميراثًا؛ لأن عدم الشرط منع من إمضاء الوصية، ونفوذ العتق يمنع من الرجوع فيه. فلو طلقها الزوج لم يستحق استرجاع القيمة، لأن شرط الوصية قد عدم بتزويجها وإن طلقت، فإن أوصي لأم ولده بألف درهم على أن لا تتزوج وأعطيت الألف على هذا الشرط، فإن تزوجت استرجعت الألف منها بخلاف العتق؛ لأن استرجاع المال ممكن، واسترجاع العتق غير ممكن. فرع: وإذا أوصي بعتق عبد، فاشتري الوصي أبا نفسه فأعتقه عن الموصي: أجزأ سواء كان العتق تطوعًا، أو واجبًا. ولو اشتري أبا الموصي فأعتقه: فإن كان عن واجب لم يجزئ وإن كان تطوعًا أجزأ. فصل: ولو أوصي رجل بعبده لرجل، وقيمته مائة درهم، وبسدس ماله لآخر، وماله خمسمائة درهم. فقد حكي عن ابن سريج فيها قولين: أحدهما: ان العبد بين الموصي له بالعبد وبين الموصي له بالسدس على سبعة أسهم.، لأن السدس إذا انضم إلى الكل صار سبعة يأخذ الموصي له بالعبد ستة أسباعه، ويأخذ الموصي له بالسدس سبعة ثم يعود صاحب السدس إلى الأربعمائة الباقية من المال فيأخذ سدسها، وذلك ستة وستون درهمًا، وثلثا درهم، إذا ضمت إلى قيمة العبد، وهي مائة درهم، صار الجميع مائة درهم وستة وستون درهمًا وثلثي درهم. وهي ثلث جميع المال من غير زيادة ولا نقصان. والقول الثاني: أن خمسة أسداس العبد يختص بها الموصي له بالعبد، لأنه لم

стр. 3723

يوص به لغيره، والسدس الباقي يكون بين الموصي له بالعبد، والموصي له بالسدس نصفين، لأنه موصي به لهما، فيصير العبد بينهما اثني عشر سهمًا، للموصي له بالعبد منها أحد عشر سهمًا، وللموصي له بالسدس سهم، ثم يعود صاحب السدس فيأخذ سدس الأربعمائة الباقية. وذلك تمام ثلث جميع المال. ولكل من القولين وجه، والأول أشبه. فصل: ولو أوصي لرجل بثلث ماله، ولآخر بفرس قيمته سوى الفرس ألفي درهم فالوصيتان تزيد على الثلث بمثل ثلثيه، لأن المال ثلاثة آلاف درهم، والوصيتان بفرس قيمته ألف درهم، وبثلث الألفين وهو درهم وستة وستون درهمًا، وثلثا درهم. فإذا أسقطت الزيادة على الثلث، عند رد الورثة، سقط خمسا الوصيتين ورجعت إلى ثلاثة أخماسه، لأن الألف منها ثلاثة أخماسها، ثم في قسمة ذلك بين صاحب الفرس والثلث قولان على ما حكاه ابن سريج: أحدهما: وهو الأول منهما: أن ثلاثة أخماس الفرس مقسومة بين صاحب الثلث، وصاحب الفرس على أربعة أسهم لصاحب الفرس ثلاثة أسهم، ولصاحب الثلث سهم فيصير الفرس مقسومًا على عشرين سهمًا منها لصاحب الفرس: تسعة أسهم، وذلك أربعة أعشاره ونصف عشرة، وقيمة ذلك أربعمائة وخمسون درهمًا ولصاحب الثلث ثلاثة أسهم، وذلك عشرة ونصف عشرة، وقيمة ذلك مائة وخمسون درهمًا ثم يأخذ صاحب الثلث ثلث أخماس الألفين، وذلك أربعمائة درهم فيصير مع صاحب الثلث خمسمائة وخمسون درهمًا من الفرس والمال، ومع صاحب الفرس أربعمائة وخمسون درهمًا من الفرس، فتصير الوصيتان ألف درهم هو ثلث جميع المال. وهذا القول هو الأشبه بمذهب الشافعي. والقول الثاني: أن ثلاثة أخماس الفرس مقسوم بين صاحب الفرس، وصاحب الثلث، على ستة أسهم، منها خمسة أسهم لصاحب الفرس، وسهم لصاحب الثلث؛ لأن ثلثي ذلك يسلم لصاحب الفرس، والثلث موصي به لصاحب الثلث، وصاحب الفرس، فصار بينهما، فيصير الفرس مقسومًا على عشرة أسهم منها لصاحب الفرس أربعة أسهم، وذلك أربعة أعشاره، وقيمة ذلك، أربعمائة، ولصاحب الثلث سهمان وهما عشرة وقيمة ذلك مائتا درهم. ثم يأخذ صاحب الفرس حقه من ألفين وذلك أربعمائة درهم. فصار مع صاحب الفرس الثلث ستمائة درهم من الفرس. ومع صاحب الفرس أربعمائة من الفرس وهما جميعًا ألف درهم ثلث جميع التركة وهذا قياس قول أبي حنيفة، والله اعلم بالصواب. مسألة: قال الشافعي -رحمه الله تعالى-: «ولو أوصي لوارث وأجنبي فلم يجيزوا

стр. 3724

فللأجنبي النصف ويسقط الوارث». قال في الحاوي: وللورثة أن يعترضوا في الوصية من وجهين: أحدهما: فيما زاد على الثلث، لأن غاية ما يستحقه الميت من جملة ما له بالوصية لقوله ﷺ لسعد: «الثلث والثلث كثير» فإن أوصي باكثر من الثلث، لزمت الوصية في الثلث، وكانت الزيادة عليه موقوفة على إجازة الورثة وردهم. والثاني: في اعتراض الورثة الوصية لقول النبي ﷺ : «إن الله تعالى قد أعطي كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث». فإن أوصي لوارث فمذهب المزني، وهو أحد قولي الشافعي مخرج من كلام له من بعض كتبه أنها باطلة، لا تصح وغن أجازها الورثة للنهي عنها، ولثبوت الحكم بنسخها. والقول الثاني: وهو الذي نص عليه الشافعي في جميع كتبه أنها موقوفة على إجازة الورثة كالزيادة على الثلث. وعلى هذا القول يكون التفريع فعلي هذا لو أوصي لوارث بثلث ماله، ولأجنبي بثلث ماله، فقد استحق الورثة المنع في الوجهين من الزيادة على الثلث لوارث وغير وارث، ومن الوصية لوارث وإن احتملها الثلث. وإن كان كذلك: فللورثة أربعة أحوالي: أحدها: أن يجيزوا الأمرين، الوصية للوارث، والزيادة على الثلث، فتمضي الوصية. والحال الثانية: أن يجيزوا الزيادة على الثلث، ويمنعوا الوصية للوارث فيأخذ الأجنبي الثلث كاملًا، لأنهم لم يعترضوا عليه في الزيادة، وكملت وصيته. والحالة الثالثة: ان يردوا الزيادة على الثلث، ويجيزوا الوصية للوارث فيكون الثلث بين الأجنبين والوارث نصفين، ويأخذ كل واحد منهما سدسًا، لاشتراكهما فيما رجعت إليه الوصية. والحال الرابع: أن يردوا الزيادة على الثلث، ويمضوا الوصية للوارث، فيكون للأجنبي السدس، لأن ما زاد مردود في حقهما معًا فصار الثلث لهما، ثم منع الوارث منه فصار سهمه ميراثًا وأخذ الأجنبي سهمه منه لو كان الوارث له مشاركًا فلو كانت الوصية لأجنبي ووارثين، ولم يجيزوا: كان للأجنبي ثلث الثلث، لأنه أحد ثلاثة أشركوا في الثلث. ولو كانت لأجنبيين ووارث. كان لهما ثلث الثلث، والاعتبار بكونه وارثًا، عند الموت لا وقت الوصية. فعلي هذا، لو كان وارثًا ثم صار عند الموت غير وارث: صحت له الوصية. ولو أوصي له وهو غير وارث ثم صار عند الموت وارثًا: ردت الوصية. ولو أوصي لامرأة أجنبية ثم تزوجها: بطلت الوصية، ولو أوصي لزوجته، ثم طلقها: صحت الوصية، والله أعلم.

стр. 3725

فصل: ولا تصح إجازة الورثة إلا من بالغ، عاقل، جائز الأمر. وإن كان فيهم صغير أو مجنون، أو محجور عليه بسفه: لم تصح منه الإجازة، ولا من الحاكم عليه، ولا من وليه لما في الإجازة عليه من تضييع حقه، ولا ضمان على الولي المجيز، ما لم يقبض، فإن أقبض، صار ضامنًا لما أجازه من الزيادة. فصل: وإذا أجاز الورثة الزيادة على الثلث، ثم قالوا: كنا نظن أن الزيادة يسيرة، أو كنا نظن ماله كثيرًا، أو كنا لا نرى عليه دينًا: كان القول قولهم مع أيمانهم. فإن قيل إن الإجازة ابتداء عطية منهم، بطلت في الزيادة على الثلث، لأنها هبة جعلوا بعضها، فطلت. وإن قلنا إنها تنفيذ وإمضاء، قيل لهم قد لزمكم من إمضاء الزيادة القدر كنتم تظنوه يزيد على الثلث لأنكم قد علمتموه، وبطلت الزيادة فيما جعلتموه فإن اختلفوا مع الموصي له في القدر الذي علموه: كان القول فيه قولهم مع أيمانهم. فصل: وإذا مات رجل وترك ابنين، فادعي رجل أن أباهما وصي له بثلث ماله، فصدقه أحدهما، وكذبه الآخر، حلف المكذب ولا شيء عليه في حصته وفيما يلزم الصمدق وجهان: أحدهما: يلزمه ثلث حصته، وهو سدس جميع المال. والوجه الثاني: يلزمه سدس جميع المال من حصته. وهذان الوجهان: مخرجان من اختلاف قوليه في إقرار أحد الابنين بدين، فلو صدقه أحدهما على جميع الثلث، وصدقه الآخر على السدس. لزم المصدق على السدس نصف السدس، وفيما يلزم المصدق على الثلث وجهان: أحدهما: نصف الثلث، وهو السدس. والثاني: ثلاثة أربع الثلث، وهو الربع. والله أعلم بالصواب. مسألة: قال الشافعي- رحمه الله تعالى-: «وتجوز الوصية لما في البطن وبما في البطن إذا كان يخرج لأقل من ستة أشهر فإن خرجوا عددًا ذكرانًا وإناثًا فالوصية بينهم سواء وهم لمن أوصي بهم له». قال في الحاوي: وهذه المسألة مشتملة على فصلين: أحدهما: الوصية بالحمل. والثاني: الوصية للحمل. فأما الوصية للحمل فجائزة، لأنه لما ملك بالإرث، وهو أضيق، ملك بالوصية التي هي أوسع. ولو أقر للحمل إقرارًا مطلقًا بطل في أحد القولين. والفرق بينهما: أن الوصية

стр. 3726

أحمل للجهالة له من الإقرار. ألا ترى أنه لو أوصي لمن في هذه الدار صح. ولو أقر له لم يصح. فإذا قال: قد أوصيت لحمل هذه المرأة بألف نظر حالها إذا ولدت، فإن وضعته لأقل من ستة أشهر من حين تكلم بالوصية لا من حين الموت صحت له الوصية لعلمنا أن الحمل كان موجودًا وقت الوصية. وإن وضعته لأكثر من أربع سنين من حين الوصية: فالوصية باطلة لحدوثه بعدها، وأنه لم يكن موجودًا وقت تكلمه بها. وإن وضعته لأكثر من ستة أشهر من وقت الوصية، ولأقل من أربع سنين، فإن كانت ذات زوج أو سيد يمكن أن يطأها فيحدث ذلك منه: فالوصية باطلة لإمكان حدوثه فلم يستحق بالشك. وإن كانت غير ذات زوج أو سيد يطأ، فالوصية صحيحة، لأن الظاهر تقدمه والحمل يجري عليه حكم الظاهر في اللحوق، فكذلك في الوصية. فصل: فإذا صحت الوصية فسواء كان الحمل حرًا، أو مملوكًا، لأن الوصية للمملوك جائزة، إلا أنها في المملوك لسيدة، وفي الحر له، دون غيره. ثم إن وضعت حملها ذكرًا أو أنثي، فالوصية له. وإن وضعت ذكرًا وأنثي كانت الوصية بينهما نصفين، لأنها هبة لا ميراث، إلا أن يفضل الموصي الذكر على الأنثى. لو على هذه فيحمل على تفضيله. فلو قال: إن ولدت غلامًا فله ألف، وإن ولدت جارية فلها مائة، فولدت غلامًا: استحق ألفًا، وإن ولدت جارية استحق الغلام ألفًا والجارية مائة. وإن ولدت خنثي دفع إليه مائة، لأنها يقين، ووقف تمام الألف حتى يستبين. وهكذا لو قال: إن كان في بطنك غلام فله ألف، وإن كان في بطنك جارية فلها مائة، فولدت غلامًا أو جارية، كان للغلام ألف وللجارية مائة. فلو ولدت غلامين، أو جاريتين، صحت الوصية، وفيها ثلاثة أوجه حكاها ابن سريج. أحدها: أن للورثة أن يدفعوا الألف إلى أي الغلامين شاؤوا والمائة إلى الجاريتين شاؤوا؛ لأنها لأحدهما فلم تدفع إلى أحدهما، ورجع فيها إلى بيان الوارث، كما لو أوصي له بأحد عبديه. والوجه الثاني: أنه يشترك الغلامان في الألف، والجاريتان في المائة، لأنها وصية لغلام وجارية، وليس أحد الغلامين أولى من الآخر فشرك بينهما، ولم يرجع فيه إلى خيار الوارث، بخلاف الوصية بأحد العبدين اللذين يملكهما الوارث، فجاز أن يرجع إلى خياره فيهما. والوجه الثالث: أن الألف موقوف بين الغلامين، والمائة موقوفة بين الجاريتين حتى يصطلحا عليهما بعد البلوغ؛ لأن الوصية لواحد فلم يشرك فيها بين اثنين وليس للوارث فيها خيار، فلزم فيها الوقف. فصل: ولو قال: إن كان الذي في بطنك غلام فله ألف، وإن كان الذي في بطنك جارية فلها مائة، فولدت غلامًا وجارية.

стр. 3727

فلا شيء لواحد منهما، بخلاف قوله: إن كان في بطنك غلام فله الألف، لأنه إذا قال: إن كان الذي في بطنك غلام فقد جعل كون الحمل غلامًا شرطًا في الحمل والوصية معًا، فإذا كان الحمل غلامًا وجارية لم يوجد الشرط كاملًا فلم تصح الوصية. وإذا قال: إن كان في بطنك غلام، فلم يجعل ذلك شرطًا في الحمل وإنما جعله شرطًا في الوصية فصحت الوصية. وهكذا لو قال: إن كان ما في بطنك غلامًا، فهو كقوله إن كان الذي في بطنك فإن وضعت غلامًا وجارية فلا وصية. وكذلك لو قال: إن كان حملك ذكرًا فكان ذكرًا وأنثي فلا وصية فلو قال إن كان الذي في بطنك غلامًا فله ألف، ولدت غلامين ففي الوصية وجهان: أحدهما: باطل كما لو ولدت غلامًا وجارية، لأنه لم يكن كل حملها غلامًا. والوجه الثاني: أنها جائزة، لأن كل واحد منهما غلام فاشتركا في الصفة، ولم تضر الزيادة، فعلي هذا يكون على الوجوه الثلاثة التي حكاها ابن سريج من قبل أنها ترجع إلى بيان الورثة في دفع الألف إلى أحدهما. والثاني: يشتركان جميعًا فيها. والثالث: توقف الألف بينهما حتى يصطلحا عليها، والله أعلم. فصل: ولو قال: قد أوصيت لحمل هذه المرأة من زوجها، فجاءت بولد نفاه زوجها باللعان، ففي الوصية وجهان: أحدهما: وهو قول ابن سريج أن الوصية باطلة، لأن لعانة قد نفي أن يكون منه. والوجه الثاني: وهو قول أبي إسحاق المروزي، أن الوصية له جائزة؛ لأن لعان الزوج منه، إنما اختص بنفي النسب دون غيره من أحكام الأولاد. ألا ترى أنها تعتد به، ولو قذفها به قاذف حد. ولو عاد فاعترف بنسبة لحق به، ولكن لو وضعت بعد أن طلقها ذلك الزوج ثلاثًا ولدًا لأكثر من أربع سنين من وقت الطلاق، ولأقل من ستة أشهر من حين الوصية، فلا وصية لها وهو ليس منه، وبخلاف الملاعن الذي يجوز أن يكون الولد منه. فصل: وإذا وضعت الموصي بحملها ولدًا ميتًا، فلا وصية له، كما لا ميراث له، ولو وضعته حيًا، فمات، صحت الوصية، وكانت لوارث الحمل، كالميراث ولو ضرب ضارب بطنها، فألقت جنينًا ميتًا، كان فيه على الضارب غرة ولا وصية له، كما لا ميراث له، والله أعلم. فصل: وأما الوصية بالحمل فجائزة، كجوازها بالمجهول. فإذا أوصي بحمل جاريته لرجل، فولدت لأقل من ستة أشهر من حين الوصية، صحت الوصية به، سواء وضعته غلامًا أو جارية. وإن ولدت لأكثر من ستة أشهر، ولا أقل من أربع سنين: فإن كان لها زوج يمكن

стр. 3728

أن يطأ فالظاهر حدوثه بعد الوصية، فلا وصية، وإن لم يكن لها زوج، فالظاهر تقدمه فتصح الوصية. فصل: وأما إذا قال قد أوصيت بمن تحمله جاريتي هذه. ففي الوصية وجهان: أحدهما: باطلة، والثاني: جائزة من اختلاف الوجهين في الوصية هل يراعي بها وقت الوصية أم لا؟ ولكن لو أوصي لما تحمله هذه المرأة لم يجزها هنا قولًا واحدًا، لأن المالك ها هنا معدوم، وعدم الملك أعظم في التمليك من عدم المملوك. فإذا قيل الوصية باطلة فلا مسألة. وإذا قيل جائزة، نظر: فإن وضعته ولدًا لأقل من ستة أشهر لم تصح فيه الوصية، لأنه كان موجودًا وقت الوصية، وإنما أوصي بولد يحدث بعد الوصية. وإن وضعت ولدًا لأكثر من أربع سنين صحت فيه الوصية لحدوثه بعد الوصية. فإن وضعت ولدًا لأكثر من ستة أشهر ستة أشهر، ولأقل من أربع سنين فإن كانت ذات زوج يطأ فالظاهر حدوثه فصحت فيه الوصية. وإن لم تكن ذات زوج يطأ فالظاهر تقدمه فلم تصح فيه الوصية فأما إذا قال: قد أوصيت لمن تلده جاريتي فقد اختلف أصحابنا هل يراعي وجود الحمل حال الوصية أم لا؟ على وجهين: أحدهما: أنه يراعي وجوده حال الوصية، ويكون كقوله: «قد أوصيت بحمل جاريتي». والوجه الثاني: وهو قول أبي إسحاق المروزي أنه لا يراعي وجوده وفي أي زمان ولدته، صحت الوصية به. فصل: ولو قال: إن ولدت هذه الجارية ذكرًا فهي وصية لزيد، وإن ولدت أنثي فهي وصية لعمرو. جاز وكان على ما قال: إن ولدت غلامًا ذكرًا كان لزيد. وإن ولدت جارية أنثي كان لعمرو، وإن ولدت ذكرًا وأنثي كان لكل واحد منهما ما جعل له. ولو ولدت خنثي مشكلًا ففيه وجهان: أحدهما: لا حق فيه لواحد منهما، لأنه ليس بذكر فيستحقه زيد، ولا بأنثي فيستحقها عمرو. ويكون موروثًا. والوجه الثاني: أنه موقوف بين زيد وعمرو حتى يصطلحا عليه، لأنه لا يخلو أن يكون ذكرًا أو أنثي فإن أشكل: فلم يجز أن يملكه الورثة، وإنما الإشكال مؤثر في مستحق الوصية لا في الاستحقاق للورثة. فصل: وإذا أوصي بحمل أمته لرجل، ضرب بطنها ضارب، فألقت جنينًا ميتًا: صحت الوصية، وكان للموصي له الدية. ولو أوصي له بحمل ناقته فضرب بطنها، فألقت جنينًا ميتًا: فالوصية باطلة، وما نقصها الضرب للورثة. والفرق بينهما: أن ما في جنين الأمة بدل منه. وما في جنين البهيمة لا بدل له منها. ألا ترى أن من جنين الأدمية ديته،

стр. 3729

وفي جنين البهية ما نقص من ثمنها. فصل: ولو أوصي بحمل جارية لحمل أخرى، فلا يخلو حملهما، من أربعة أقسام: أحدها: أن يكون الحملان موجودين حال الوصية لولادتهما، لأقل من ستة أشهر، فالوصية جائزة. فمن ولدته الموصي بحملها، من غلام أو جارية، أو هما، فهو لمن ولدته الموصي لحملها من ذكر أو أنثي أو هما بالسوية بينهما. والقسم الثاني: أن يكون الحملان معدومين عند الوصية لولادتهما لأكثر من أربع سنين، فالوصية باطلة، لأنها وصية بمعدوم. والقسم الثالث: أن يكون الحمل الموصي به موجودًا عند الوصية لولادته لأقل من ستة أشهر. والحمل الموصي له معدومًا عند الوصية لولادته لأكثر من أربع سنين. فالوصية باطلة، لأنها وصية بموجود لمعدوم. والقسم الرابع: أن يكون الحمل الموصي معدومًا عند الوصية لولادته لأكثر من أربع سنين، والحمل الموصي له موجودًا عند الوصية لولادته لأقل من ستة أشهر، فالوصية باطلة، لأنها وصية بمعدوم لموجود. مسألة: قال الشافعي -رحمه الله تعالى-: «ولو أوصي بخدمة عبده أو بغلة داره أو بثمر بستانه والثلث يحتمله جاز ذلك». قال في الحاوي: الوصية بمنافع الأعيان جائزة، كالوصية بالأعيان، لأنه لما صح عقد الإجارة عليها، فأولى أن تصح الوصية بها، وسواء قيدت الوصية بمدة، أو جعلت مؤيدة. وقال ابن أبي ليلي: إن قدرت بمدة تصح فيها الإجارة: صحت. وإن لم تقدر بمدة تصح فيها الإجارة بطلت حملًا للوصية على الإجارة. وذهب الشافعي وأبو حنيفة، وجمهور الفقهاء إلى جواز الوصية بها على التأييد بخلاف الإجارة، لأن الوصايا تجوز من الجهالة كما لو أوصي بسهم من ماله وماله مجهول، بخلاف الإجارة، فإنها لا تصح مع الجهالة. فإذا صح جوازها مقدرة ومؤبدة، فقد ذكر الشافعي الوصية بخدمة العبد، وبغلة الدار وبثمرة البستان. فأما الوصية بخدمة العبد فله أن يستخدمه وله أن يؤجره. وقال أبو حنيفة: لا يجوز لمن أوصي له بخدمة عبده أن يأمره اعتمادًا على ما تضمنته الوصية من الاستخدام دون الإجارة. وهذا خطأ، لأن الوصية بالخدمة كالوصية بالرقبة، فلما كان الموصي له بالرقبة يجوز له المعارضة عليها، لأنه قد ملكها بالوصية كان الموصي له بالخدمة أيضًا يجوز له المعارضة عليها، لأنه قد ملكها بالوصية.

стр. 3730

فإذا ثبت هذا: فالوصية بخدمته ضربان: إما مقدرة بمدة ومؤبدة. فإن قدرت بمدة كأنه قال: قد أوصيت لزيد بخدمة عبدي سنة، فالوصية جائزة له بخدمة سنة. والمعتبر في الثلث منفعة السنة دون الرقبة، وفي كيفية اعتبارها وجهان: أحدهما: وهو قول ابن سريج: أنه يقوم العبد كامل المنفعة في زمانه كله، فإذا قيل مائة دينار، قوم وهو مسلوب المنفعة سنة، فإذا قيل: ثمانون دينارًا فالوصية بعشرين دينارًا وهي خارجة من الثلث، إن لم يكن على الموصي دين. والوجه الثاني: وهو الذي أراه مذهبًا أنه يقوم خدمة مثله سنة، فتعتبر من الثلث، ولا تقوم الرقبة، لأن المنافع الممتلكة في العقود والغصوب هي المقومة دون الأعيان. وكذلك في الوصايا: فإذا علم القدر الذي تقومت به خدمة السنة إما من العين على الوجه الأول، أو من المنافع على الوجه الثاني نظر، فإن خرج جميعه من الثلث، صحت الوصية له بخدمة جميع السنة، وإن خرج نصفه من الثلث، رجعت الوصية إلى نصفها، واستخدمه نصف السنة، وإن خرج ثلثه من الثلث رجعت الوصية إلى ثلثها، واستخدمه نصف السنة. وإن خرج ثلثه من الثلث رجعت الوصية إلى ثلثها، واستخدمه ثلث السنة، فإن كان في التركة مال غير العبد إذا أمكن الموصي له من استخدامه سنة، أمكن الورثة في تلك السنة أن يتصرفوا في التركة بما يقابل مثل العبد. فللموصي له أن يستخدم جميع العبد سنة متوالية حتى يستوفي جميع وصيته. والورثة يمنعون من التصرف في رقبة العبد حتى تمضي السنة، فإن باعوه قبلها كان في بيعه قولان كالعبد المؤاجر. وإن لم يكن في التركة مال غير العبد ولا خلف الموصي سواه. ففي كيفية استخدام الموصي له سنة ثلاثة أوجه حكاها ابن سريج: أحدها: أن يستخدمه سنة متوالية، ويمنع الورثة من استخدامه والتصرف فيه حتى يستكمل الموصي له سنة وصيته ثم حينئذٍ يخلص للورثة بعد انقضائها. والوجه الثاني: أن يستخدم ثلث العبد ثلاث سنين ويستخدم الورثة ثلثيه حتى يستوفى الموصي له سنة وصيته من ثلث العبد في ثلاث سنين، لأن لا يختص الموصي له بما لم يحصل للورثة مثلاه. والوجه الثالث: أنه يتهيأ عليه الموصي له والورثة، فيستخدمه الموصي له يومًا، والورثة يومين حتى يستوفي سنة وصيته في ثلاث سنين: والوجه الأول: أصح، لأنهم قد صاروا إلى ملك الرقبة فلم يلزم أن يقابلوا الموصي له بمثلي المنفعة، ولأن حق الموصي له في استخدام جميع العبد، فلم يجز أن يجعل من ثلثه، ولأن حقه متصل ومعجل فلم يجز أن يجعل مؤجلًا أو مفرقًا. فصل: فإن كانت الوصية بخدمة العبد على التأييد كأن قال: قد أوصيت لزيد بخدمة عبدي أبدًا، فالوصية جائزة إذا تحملها الثلث.

стр. 3731

واختلف أصحابنا في الذي يعتبر قيمته في الثلث على وجهين: أحدهما: قاله في اختلاف العراقيين وهو اختيار ابن سريج أن تقوم جميع الرقبة في الثلث، وإن اختصت الوصية بالمنفعة، كما تقوم رقبة الوقف في الثلث وإن ملك الموقوف عليه المنفعة. فعلي هذا: هل يصير الموصي له مالكًا الرقبة وإن منع من بيعها أم لا؟ على وجهين: أحدهما: لا يملكها لاختصاص الوصية بمنافعها. والثاني: يملكها، كما يملك أم ولده، وإن كان ممنوعًا من بيعها لتقويمها عليه في الثلث. وهذا قول أبي حامد المروزي. وهذا إذا قيل إن الرقبة هي المقومة. والوجه الثاني: أنه يقوم منافع العبد في الثلث دون رقته، لأن التقويم إنما يختص بما تضمنته الوصية ولا يجوز أن يتجاوز بالتقويم إلى غيره، ولأنه لو أوصي بالمنفعة إلى رجل، وبالرقبة لغيره، لم يقوم في حق صاحب المنفعة إلا المنفعة دون الرقبة. كذلك إذا استبقي الرقبة على ملك الورثة. واعتبار ذلك أن يقال: كم قيمة العبد بمنافعه فإذا قيل مائة دينار. قيل: وكم قيمته مسلوب المنافع فإذا قيل عشرون دينارًا على أن قيمة منافعه ثمنانون دينارًا، فتكون هي القدر المعتبر من الثلث فعلي هذا: هل يحتسب الباقي من قيمة الرقبة وهو عشرون دينارًا على الورثة أم لا؟ على وجهين أحدهما: يحتسب به عليهم، لأنه قد دخل في ملكهم. وهذا قول أبي إسحاق المروزي. والوجه الثاني: لا يحتسب به عليهم، لأنه ما زالت عنه المنفعة زال عنه التقويم، فإذا ثبت ما ذكرناه، وخرج القدر الذي اعتبرناه من الثلث صحت الوصية بجميع المنفعة، وكان للموصي له استخدامه أبدًا ما دام حيًا، وأخذ جميع أكسابه المألوفة. وهل يملك ما كان غير مألوف منها كاللقطة؟ على وجهين أصحهما يملكه وفي نفقته ثلاثة أوجه: أحدها: وهو قول أبي سعيد الاصطخري أنها على الموصي له بالمنفعة، لأن المنفعة تختص بالكسب. والثاني: وقول أبي علي بن أبي هريرة: أنها على الورثة لوجوبها بحق الملك. والوجه الثالث: حكاه أبو حامد الإسفراييني تجب في بيت المال، لأن كل واحد من مالكي الرقبة والمنفعة، ولم يكمل فيه استحقاق وجوبها عليه، فعدل بها إلى بيت المال، فإذا مات الموصي له، فهل تنتقل المنفعة إلى وارثه أم لا؟ على وجهين حكاهما أبو علي الطبري في إفصاحه. أحدهما: أن المنفعة تنتقل إلى ورثته لتقومها على الأبد في حقه. فعلي هذا: تكون المنفعة، مقدرة بحياة العبد. والوجه الثاني: قد انقطعت الوصية بموت الموصي له، لأنه وصي له في عينه بالخدمة، لا لغيره. فعلي هذا: تكون المنفعة مقدرة، بحياة الموصي له، ثم تعود بعد موته إلى ورثة الموصي.

стр. 3732

فصل: وإن لم يخرج ما قومت به المنافع كلها من الثلث وخرج بعضها منه كان للموصي له منها، قدر ما احتمله الثلث، مثل أن تكون قيمة المنافع على ما بيناه: ثمانون دينارًا، وقد احتمل الثلث منها أربعين دينارًا، استحق من منافعه النصف، لاحتمال الثلث للنصف، وإن احتمل الثلث منها عشرين دينارًا، استحق من منافعه الربع لاحتمال الثلث للربع. فعلي هذا: إذا كان هذا الذي احتمله الثلث نصف الخدمة ففيه وجهان: أحدهما: يستخدم الموصي له نصف العبد بأخذ النصف من كسبه ويستخدم الورثة النصف الآخر بأخذ النصف الآخر من كسبه. والوجه الثاني: أنه ينهانا عليه الورثة، والموصي له يومًا ويومًا أو أسبوعًا وأسبوعًا. فأما لنفقة: فإن قبل بوجوبها على مالك الرقبة كانت على الورثة. وإن قيل بوجوبها على مالك المنفعة، كانت بين الموصي له والورثة نصفين لاشتراكهما بالتسوية في منفعته، ولو تفاضلا فيها لفضل بينهما بقدرها. فأما زكاة الفطر: فلا تجب على الموصي له بالمنفعة بحال، سواء ملك جميعها أو بعظها وفي وجوبها على الورثة وجهان: أحدهما: تجب عليهم لتعلقها بالرقبة. والثاني: تسقط ولا تجب، لأن ملكهم لم يكمل، وصارت كزكاة المكاتب والله أعلم. فصل: وأما بيع هذه العبد الموصي بخدمته. فإن أراد الموصي له بخدمته له بالمنفعة بيعه: لم يجز، سواء ملك جميع المنفعة أو بعضها، وسواء قيل إنه مالك أو غير مالك وإن أراد ورثة الموصي بيعه، ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: يجوز لثبوت الملك. والثاني: لا يجوز لعدم المنفعة. والثالث: يجوز بيعه من الموصي له بالمنفعة، ولا يجوز من غيره، لأن الموصي له ينتفع به، دون غيره. فصل: وأما عتقه، فإن أعتقه الموصي له بالمنفعة، لم يجز لاختصاص حقه بالمنفعة، سواء قومت الرقبة في حقه أم لا؛ لأن تقويمها عليه في أحد الوجهين لاستحقاقه كل المنفعة لا غير وإن أعتقه ورثة الموصي ففي نفوذ عتقهم وجهان: أحدهما: ذكره أبو الحسن بن القطان: أنه لا ينفذ عتقهم. وهذا على الوجه الذي يجعل الرقبة دخلت في ملك الموصي له. والوجه الثاني: وهو الأصح. أن عتقهم نافذ وإن لم يملكوا الانتفاع والبيع كالمكاتب فعلي هذا تكون الوصية بالمنفعة على حالها للموصي له بها. وليس للمعتق أن يرجع ببدل منافعه على الورثة المعتقين بخلاف العبد إذا أجره سيده، ثم أعتقه في مدة إجارته، فإنه يرجع على سيده ببدل منافعه، بعد عتقه في أحد القولين، والفرق بينهما أن

стр. 3733

المعتق في الإجارة هو واحد، وفي الوصية اثنين. فصل: وإذا جني العبد الموصي بمنافعه جناية فعلي ضربين: أحدهما: أن تكون جناية عمد توجب القود، فإذا اقتص منه وكانت في النفس بطلت الوصية في باقيه. وإن كانت في طرف أو جرح بطن فيها، فإن كان باقي المنافع بعد القصاص، كالأنثى والذكر: كانت الوصية بحالها. وإن ذهب منافعه بعدها، كاليدين والرجلين بطلت الوصية بمنافعه لفواتها بالقصاص. والصرب الثاني: جناية خطأ توجب الأرش، فإذا وجب أرشها، فإن فداه مالك الرقبة، كان الموصي له على حقه من المنفعة، ولم يرجع عليه بالأرش، وإن فداه مالك المنفعة، كان الورثة على حقوقهم من ملك الرقبة، ولم يرجع عليهم بالأرش. وإن لم يفده واحد منهما، لم يجبر أحدهما عليهما، وبيع منه بقدر جنايته بخلاف أم الولد التي يؤخذ أرش جنايتها من سيدها، لأن سيدها هو المانع من بيعها، وليس كذلك مالك الرقبة، ولا مالك المنفعة. وإذا كان هذا كذلك نظر في الأرش، فإن كان بمثل قيمة العبد كله بيع في جنايته، وقد بطلت الوصية. وإن كان بمثل النصف من قيمته، بيع نصفه، ومالك مشتريه نصف رقبته ونصف منافعه، لأنه ملك بالابتياع نصفًا تامًا. فأما النصف الآخر فهو على ما كان عليها من حكم الوصية، فينظر فيه، فإن كان الموصي له مالكًا لكل منافعه، صار بعد البيع مالكًا لنصفها وصار المشتري والموصي له شريكين في منافعه، وإن كان الموصي له قد ملك نصف المنافع، لعجز الثلث عن جميعها صارت منافع النصف الباقي بين الموصي له وبين الورثة نصفين لخروج النصف المبيع من الحقين، فتنقسم المنافع بينهم على أربعة أسهم. فصل: وأما الجناية على العبد الموصي بمنافعه، فلها حالتان: حالة توجب القود، وحالة توجب الأرش، فإن وجب القود، فالخيار فيه للورثة، دون الموصي له بالمنفعة، وإن اقتص: كان له، وإن عفار عن القصاص إلى المال كان له، وإن عفا عن القصاص والمال، صح عفوه عن القصاص، وفي صحة عفوه عن المال وجهان على ما نذكره من مستحق المال. وإن كانت الجناية توجب الأرش: لم يخل حال العبد بعد الجناية من أحد أمرين: إما أن يكون باقي المنافع أو تالفها، فإن كانت منافعه لاختصاص الجناية بما لا يؤثر في منافعه، كجدع أنفه، وجب ذكره، فهو ملك للورثة دون الموصي له بالمنفعة، لأن المنفعة بكمالها، لم تؤثر الجناية فيها، وإنما أثرت في رقبته التي لا حق له فيها .. وإن كانت المنافع تالفة كحدوث الجناية على نفسه، ففي مستحق جنايته أربعة أوجه: أحدها: أنها لمالك المنفعة، لأنها من منافعه.

стр. 3734

والوجه الثاني: أنها للورثة، لأنها بدل من الرقبة. والوجه الثالث: أنها مقسطة بين مالك المنفعة ومالك الرقبة عن قدر القيمتين، كما ذكرنا من قبل في تقويم المنفعة. والوجه الرابع: أنه يشتري بقيمته عبد مثله يكون مكانه، وعلى حكمه فتكون رقبته للورثة، ومنافعه للموصي له، والله أعلم. فصل: إن كان الموصي بمنافعه أمة: جاز أن تزوج لاكتساب المهر ويملك الولد، وفي مستحق تزويجها ثلاثة أوجه: أحدها: مالك المنفعة؛ لأن المهر له. والثاني: مالك الرقبة، لأن الملك له. والثالث: ليس لواحد من مالك المنفعة والرقبة أن ينفرد بتزويجها، حتى يجتمعا عليه معًا، لأن لكل واحد منهما فيها حقًا، فإذا تزوجت كان مهرها لمالك المنفعة، ولأنه من كسبها المألوف، فإن جاءت بولد ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون للموصي له بمنافعها، لأنه من كسبها. والثاني: أنه للورثة، لأنه عبد معهود من كسبها، وأنه تابع لرقبتها. والثالث: لا أنه يكون في حكم الأم، رقبته للورثة، ومنافعه للموصي له، لأن حكم الولد حكم أمه. فإن أراد الموصي له بالمنفعة وطء الأمة، لم يجز، لأنه لا يملكها، وإن وطأها حد المستأجر في وطئها، لأن الإجارة تناولت الخدمة وليس الوطء خدمة والوصية تناولت المنفعة، والوطء منفعة، وإنما منع لأجل الرقبة، ثم لا مهر عليه، لأن مهرها لو وجب لصار إليه. فإن جاءت بولد كان حرًا لاحقًا لمكان الشبهة وفي قيمته ثلاثة أوجه: الأول: قيمته لمالك المنفعة. والثاني: قيمته للورثة، إذا قيل إن الولد يكون لهم. والثالث: أن يشتري بقيمة الولد من يكون كالأم ملكًا، للورثة رقبته، وللموصي له منفعته، ولا تكون أم ولد الموصي له، لأنه لا يملكها. فإن ملكها من ثاني حال، ففي كونها له أم ولد بذلك الولد قولان: فأما إن وطئها مالك الرقبة، وهو الوارث، فلا حد عليه، وإن كانت محرمة عليه، لمكان الشبهة في ملكه للرقبة، وعليه مهرها للموصي له بالمنفعة، ويكون ولده منها حرًا، يلحق به. وفي قيمته ثلاثة أوجه: أحدها: لا قيمة عليه، إذا قيل إنها له. والثاني: عليه قيمتها للموصي له، إذا قيل إنها له. والثالث: أن يشتري بالقيمة من يكون مكانه وفي حكم الأم.

стр. 3735

وهل تصير له أم ولد أم لا؟ على وجهين كما لو أعتقها. فصل: وإذا أوصي بخدمة عبده لرجل وبرقبته لآخر صحت الوصية لهما بما سمي لكل واحد منهما، وكان تقويم الرقبة في حقهما وتسقط القيمة في وصيتهما، بأن تجعل قيمة الرقبة مسلوبة المنافع، هو القدر الموصي به لصاحب الرقبة، وما زاد عليها إلى استكمال قيمته بمنافعه، هو القدر الموصي به لصاحب المنفعة، وهذا ما لم يختلف أصحابنا فيه. فصل: فأما إذا أوصي له بغلة داره: فكالوصية بخدمة عبده، إن كان مقدرة بمدة، قومت المنفعة في الثلث على ما ذكرنا من الوجهين: فإذا خرجت من الثلث، اختص بغلة تلك المدة على ما ذكرنا من الأوجه الثلاثة التي حكاها ابن سريج. وإن كانت مؤبدة ففيما تقوم به في الثلث وجهان. أحدهما: جميع الرقبة. والثاني: المنفعة، وذلك ما بين قيمتها كاملة المنفعة ومسلوبة المنفعة. فإن احتاجت الدار إلى نفقة من مرمة. لم يلزم ذلك واحدًا منها. إلا أن يتطوع به أحدهما. فإن انهدمت الدار: فقط سقط حق الموصي به بالغلة. فإن بناها الوارث جاز ولم يمنع ثم نظر. فإن بناها بغير تلك الآلة: فلا حق للموصي له بالمنفعة في تمليكها؛ لأنها غير تلك الدار. وإن بناها بتلك الآية ففي استحقاقه لغلتها وجهان: أحدهما: يستحقها الموصي له لمكان الآلة. والثاني: لا حق له فيهما وتكون الدار للوارث لمكان العمل وانقطاع الوصية بالهدم. ولو أراد الموصي له، بعد هدمها أن يبنيها، فإن كان بغير تلك الآلة لم تكن له، وإن كانت بتلك الآلة فعلي وجهين: إن قيل إنه يملك رقبتها: كان له بناؤها. وإن قيل لا يملكها فليس له. فصل: فأما إذا أوصي له بثمرة بستانه، فذلك ضربان: أحدهما: أن تكون الثمرة موجودة، فالوصية بها صحيحة وتعتبر قيمة الثمرة عند موت الموصي، لا حين الوصية، فإن خرجت من الثلث: فهي للموصي له. وإن خرج بعضها: كان له منها قدر ما احتمله الثلث وكان الورثة شركاء فيها بما لم يحتمله الثلث منها. والضرب الثاني: أن يوصي بثمرة لم تخلق أبدًا: فهذا على ضربين: أحدهما: أن يوصي بثمرته على الأبد: فالوصية جائزة وفيما يقوم في الثلث وجهان: أحدهما: جميع البستان. والثاني: أن يقوم كامل المنفعة، ثم يقوم مسلوب المنفعة، ثم يعتبر ما بين القيمتين

стр. 3736

من الثلث، فإن احتمله نفذت الوصية بجميع الثمرة أبدًا ما بقي البستان، وإن احتمل بعضه كان للموصي له قدر ما احتمله الثلث يشارك فيه الورثة مثل أن يحتمل النصف فيكون للموصي له النصف من ثمرة كل عام، وللورثة النصف الباقي وإذا احتمل الثلث جميع القيمة، وصارت الثمرة كلها للموصي له، فإن احتاجت إلى سقي، فلا يجب على الورثة السقي، بخلاف بائع الثمرة، حيث وجب عليه سقيها للمشتري إذا احتاجت إلى السقي، لأن البائع عليه تسليم ما تضمنه العقد كاملًا، والسقي من كماله وليس كذلك الوصية، لأن الثمرة تحدث على ملك الموصي، ولا يجب على الموصي له سقيها، لأنها بخلاف نفقة العبد، لأن نفقة العبد مستحقة لحرمة نفسه، بخلاف الثمرة. وكذلك لو احتاجت النخل إلى سقي: لم يلزم واحد منهما. وأيهما تطوع به لم يرجع به على صاحبه، فإن مات النخل، أو استقطع فأجذاعه للورثة دون الموصي له، وليس للموصي له أن يغرس مكانه ولا إن غرس مكانه نخيلًا، وكان للموصي فيه حق، لأن حقه في النخل الموصي له به دون غيره. والثاني: أن يوصي بثمر له مدة مقدرة. كأن أوصي له بثمرة عشر سنين، فمن أصحابنا من ذهب إلى بطلان الوصية مع التقدير بالمدة. بخلاف المنفعة، لأن تقويم المنفعة المقدرة ممكن وتقويم الثمار المقدرة بالمدة غير ممكن. وذهب سائر أصحابنا إلى جوازها كالمنفعة، وفيما يقوم في الثلث وجهان: أحدهما: أنه يقوم البستان كامل المنفعة، ويقوم مسلوب المنفعة، ثم يعتبر ما بين القيمتين في الثلث. والثاني: أن ينظر أوسط ما يثمره النخل غالبًا في كل عام، ثم يعتبر قيمة الغالب من قيمة الثمرة في أول عام، ولا اعتبرا بما حدث بعده من زيادة ونقص، فإن خرج جميعه من الثلث، فقد استحق جميع الثمرة في تلك المدة. وإن خرج نصفه. فله النصف من ثمرة كل عام، إلى انقضاء تلك المدة وليس له أن يستكمل هذه كل عام في نصف تلك المدة، لأنه قد تختلف ثمرة كل عام في المقادير والأثمان، فخالف منافع العبد والدار. ومثل الوصية بثمرة البستان: أن تكون له ماشية فيوصي لرجل برسلها ونسلها. وتجب نفقة الماشية، كوجوب نفقة العبد، والله أعلم. مسألة: قال الشافعي -رحمه الله تعالى-: «ولو كان أكثر من الثلث فأجاز الورثة في حياته لم يجز ذلك إلا أن يجيزوه بعد موته». قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا أوصي بأكثر من ثلثه، وسأل وارثه إجازة

стр. 3737

وصيته، فأجازها في حياته، لم يلزمه الإجازة وكان مخيرًا بعد الموت بين الإجازة والرد وبه قال أبو حنيفة، وأكثر الفقهاء. وقال الحسن البصري، وعطاء، الزهري، قد لزمتهم الإجازة، سواء أجازوا في الصحة، أو في المرض وقال مالك، والأوزاعي، وابن أبي ليلي: إن أجازوه في الصحة: لم يلزمهم وإن أجازوه في المرض: لزمهم استدلالًا، بأن التركة بين الموصي والورثة فإذا اجتمعوا فيها على عطية لم يكن عليهم فيها اعتراض، كالمفلس مع غرمائه، والمرتهن مع راهنه. وهذا فاسد من وجوه: أحدهما: أن الإجازة إنما تصح ممن يملك ما أجاز. وهو قبل الموت، لا يملكه فلم تصح منه إجازته. والثاني: أنه يملك الإجازة من يملك الرد. فلما لم يملك الرد في حال الحياة، لم يملك الإجازة. والثالث: أن الإجازة إنما تصح من وارث، وقد يجوز أن يصير هذا المجيز غير وارث فلم تصح منه الإجازة. والرابع: أن إجازته قبل الإرث، كعفوه عن الشفعة قبل البيع وعن العيب قبل الشراء، وذلك مما لا حكم له. وكذلك الإجازة قبل الموت وبذلك المعني فارق الغرماء مع المفلس، والمرتهن مع الراهن لاستحقاقهم لذلك في الحال. فصل: فإذا ثبت أن إجازة الورثة في حال الحياة غير لازمة، فالأولى لهم إمضاء ما أجازوه؛ لأن في ذلك صدقًا في قول، ووفاء بوعد، وبعدًا من عذر، وطاعة للميت، وبرًا للحي. وكذلك لو أجازوا وصيته لبعض ورثته في حياته. وسواء شهد عليهم بالإجازة أو لم يشهد. مسألة: قال الشافعي -رحمه الله تعالى-: «ولو قال أعطوه رأسًا من رقيقي أعطي ما شاء الوارث معيبًا كان أو غير معيب». قال في الحاوي: وهذا صحيح والكلام فيها يشتمل على فصلين: أحدهما: أن يوصي برأس من رقيقه. والثاني: أن يوصي برأس من ماله. فأما إذا أوصي برأس من رقيقه: فهذا على ثلاثة أقسام: أحدهما: أن يكون له عند الوصية رقيق يخلفهم من تركته. فالوصية جائزة فإن خلف رأسًا واحدًا: فهو للموصي له. وإن خلف جماعة فالخيار إلى الورثة، في دفع أيهم شاؤوا من صغير أو كبير، وصحيح أو مريض، ذكر أو أنثي، مسلم أو كافر، لأن كل واحد منهم ينطلق عليه اسم رأس من رقيق.

стр. 3738

فأما الخنثى المشكل: ففيه وجهان: أحدهما: وهو قول الربيع. أنه لا يجوز لخروجه عن العرف. ولكن لو قال أمة: لم يجز أن يعطي عبدًا ولا خنثى. ولو قال عبدًا: لو يجز أن يعطي أمة، ولا خنثي. ولو كان في كلامه ما يدل على مراده: حملت الوصية على ما يدل عليه مراده، كقوله: «أعطوه رأسًا يستمتع بها»، فلا يعطي إلا امرأة، لأنها هي المقصودة بالمنفعة. ولو قال: رأسًا يخدمه، لم يعط إلا صحيحًا؛ لأن الزمن لا خدمة فيه، وكذلك الصغير، ولو أراد الورثة أن يشتروا له رأسًا، لا من رقيقه لم يجز:، لأنه عين الوصية في رقيقه. والثاني: أن لا يكون له عند الوصية يرأس من رقيقه رقيق، ولا يملك بعد الوصية رقيقًا، فالوصية باطلة:، لأنه أحالها إلى رقيق معدوم. والثالث: أن لا يكون له عند الوصية برأس من رقيقه، ويملك بعد الوصية وقبل الموت رقيقًا، ففي صحة الوصية وجهان، كمن أوصي بثلث ماله ولا مال له: أحدهما: جائزة، والثاني: باطلة. فصل: وأما إن أوصي برأس من رقيق من ماله. فالوصية جائزة، سواء خلف رقيقًا أم لا، لأنه جعل وصيته بالرقيق في المال، والمال موجود. وإن لم يكن له رقيق، كان الورثة بالخيار في شراء ما شاؤوا من الرقيق. وإن كان له رقيق: فالورثة بالخيار بين أن يعطوه رأسًا منهم، وبين أن يشتروا له. فصل: ولو أوصي بعبده النوبي، ولم يكن له إلا عبدًا زنجي، لم يعط إلا النوبي، ولو كان له جماعة من العبيد النوب: أعطوه أي النوبي شاؤوا. ولو قال: أعطوه عبدي سالمًا الحبشي، فاجتمع الاسم والجنس في عبد فكان له عبد حبشي يسمي سالمًا: صحت فيه، ولو كان له عبدًا يسمي سالمًا، وليس بحبشي، وعبدًا حبشي وليس بسالم: فالوصية باطلة، لأن الصفتين اللتين علق بهما وصية من الاسم والجنس لم يجتمعا. فصل: فلو شهد شاهدان أنه أوصي لزيد بعبده سالم الحبشي وكان له عبدان حبشيان اسم كل واحد منهما سالم. فإن عينا الموصي به منهما: صحت شهادتهما في الوصية لمن عيناه، وإن لم يعين الشاهدان أحدهما، ففي شهادتهما قولان حكاهما ابن سريج: أحدهما: باطلة، للجهل بها والشهادة المجهولة مردودة، ويكون القول قول الوارث في إنكار الوصية وإثباتها. والثاني: أن الشهادة جائزة، لأنها تضمنت وصية لا يؤثر فيها الجهالة بها، ثم فيها وجهان حكاهما ابن سريج: أحدهما: أن العبدين موقوفين بين الموصي له والوارث حتى يصطلحوا على

стр. 3739

الموصى له منهما، لأنهما أشكلًا بالشهادة عليهم، لا باعترافهم فلم يرجع إلى بيانهم. والثاني: أنه يرجع إلى بيان الورثة في أي العبدين شاءوا، لأن وجوب الوصية بالشهادة، كوجوبها باعترافهم فوجب أن يرجع في الحالين إلى بيانهم. مسألة: قال الشافعي -رحمه الله تعالى-: «ولو هلكت إلا رأسًا كان له إذا حمله الثلث». قال في الحاوي: أما إذا أوصي برأس من ماله: فالوصية حائزة لا تبطل بموت رقيقة إذا كان ماله باقيًا. فأما إذا أوصي برأس من رقيقه فقد مضي الكلام إذا لم يمت منهم أحد. وأما إذا حدث فيهم موت فعلي ضربين: أحدهما: أن يهلك جميعهم. والثاني: بعضهم. فإن هلكوا جميعًا فعلي ضربين: أحدهما: أن يكون هلاكًا غير مضمون كالموت، فالوصية قد بطلت، إلا أنه إن كان قبل موت الموصي، فلا وصية، وإن كان بعده فقد هلك ذلك من مال الموصي له والورثة جميعًا. والثاني: أن يكون هلاكهم مضمونًا كالقتل الذي يوجب ضمان قيمتهم على قاتلهم، فهذا على ضربين: أحدهما: أن يكون قتلهم بعد موت الموصي: فالوصية صحيحة، لأن القيمة قائمة مقامهم، ثم للورثة أن يعطوه قيمة أيهم شاؤوا، كما كان لهم مع بقائهم أن يعطوا أيهم شاؤوا. والثاني: أن يكون قتلهم قبل موت الموصي ففي الوصية وجهان: أحدهما: جائزة، لأن القيمة بدل منهم. فصار كوجودم فعلي هذا يعطونه قيمة أيهم شاؤوا. والثاني: أنها باطلة، لأن انتقالهم إلى القيمة في القتل كانتقالهم إلى الثمن في البيع، فلما كان بيعهم في حياة الموصي موجبًا لبطلان الوصية كذلك قتلهم في حياة الموصي موجبًا لبطلان الوصية. ومن قال بالوجه الأول يفرق بين البيع والقتل بأن البيع كان باختيار الموصي، فكان رجوعًا. والقتل بغير اختياره، فلم يكن رجوعًا. فصل: وإن هلك بعضهم وبقي بعضهم كأنهم هلكوا جميعًا إلا واحدًا منهم، فهذا على ضربين:

стр. 3740

أحدهما: أن يهلك من هلك منهم بالموت دون القتل، فالوصية قد بقيت في العبيد الباقي، ولا خيار للورثة في العدول بها إلى غيره لتعيينها من رقيقه. والثاني: أن يكون هلاكهم بالقتل المضمون فهذا على ضربين: أحدهما: أن يكون قتلهم قبل موت الموصي، فالوصية بقيت في العبد الباقي، وليس للورثة أن يعدلوا بها إلى قيمة أحد المقتولين قبل موت الموصي. نص عليه الشافعي، لأن بقاء الجنس للموصي به، يمنع من الرجوع إلى غيره. والثاني: أن يكون قتلهم بعد موت الموصي ففيه وجهان: أحدهما: أن الوصية متعينة في العبد الباقي فليس للورثة أن يعدلوا بها إلى قيمة أحد المقتولين، كما ليس لهم ذلك إذا كان القتل قبل موت الموصي. والثاني: أن للورثة الخيار في أن يعطوه العبد الباقي، أو يعدلوا به إلى قيمة أحد المقتولين، كما لهم الخيار لو قتلوا جميعًا في أن يعطوه قيمة أيهم شاؤوا. فصل: فلو كان لرجل ثلاثة عبيد فأوصي لرجل بثلثهم، استحق من كل واحد الثلث، ولم يكن له أحدهم كاملًا، إلا أن تراضيه الورثة عليه سلمًا. فصل: ولو قال لورثته استخدموا عبدي سنة بعد موتي، ثم هو بعد السنة وصية لفلان جاز ولم تقوم خدمة السنة على الورثة في حقهم، لنهم قبل السنة استخدموا ملكهم، وليس كالموصي له بخدمة سنة، حيث قومت خدمة السنة في حقه؛ لأنه استخدم بالوصية غير ملكه. ولو قال: استخدموا عبدي سنة ثم أعتقوه عني، كان لهم استخدامه ثم عتقه، بعد الخدمة، ويقوم العبد في سنة الوصية في العتق، بعد خدمة السنة من موت الموصي، لأنه لا يجوز أن نعتبر قيمته في الحال التي لا يملك بالوصية ولا يحرر بالعتق. مسألة: قال الشافعي -رحمه الله تعالى-: «ولو أوصي له بشاةٍ من ماله قيل للورثة أعطوه أو اشتروها له صغيرة كانت أو كبيرة ضائنة أو ماعزة». قال في الحاوي: وهذا صحيح. إذا أوصي لرجل بشاة من ماله: فالوصية جائزة، ترك غنمًا، أو لم يترك، لأنه جعلها من ماله. ويعطيه الورثة ما شاؤوا من ضان أو معز، صغير أو كبير، سمين أو هزيل. ومن استحقاق الأنثى وجهان: أحدهما: وهو الظاهر من نص الشافعي: أنه يعطي إلا أنثي، لأن الهاء موضوعة للتأنيث. والثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة. أن الورثة بالخيار في إعطائه، ذكرًا أو أنثي، لأن الهاء من أصل الكلمة من اسم الجنس، فاستوي فيه الذكر والأنثى. ولكن لو قال شاة من غنمي، وكانت غنمه كلها

стр. 3741

إناثًا، لم يعط إلا أنثى. وكذلك لو كانت كلها ذكورًا: لم يعط إلا ذكرًا منها، ولو لم يخلف غنمًا كانت الوصية باطلة. وكذلك لو دل كلامه على المراد منها: حمل عليه مثل قوله: شاة ينتفع بدرها، ونسلها، لم يعط إلا من الضأن. ولا يجوز إذا أوصى بشاة من ماله أن يعطي غزالًا أو ظبيًا، وإن انطلق اسم الشاة عليهما مجازًا. ولكن لو قال: شاة من شياهي، ولم يكن في ماله إلا ظبي، ففيه وجهان: أحدهما: أن الوصية باطلة، لأن اسم الشاة يتناول الغنم، وليس في تركته، فبطلت. والثاني: أن تصح؛ لأنه لما أضاف ذلك إلى شياهه، وليس في ماله إلا ما ينطلق عليه مجاز الاسم، دون الحقيقة حمل عليه، وانصرفت وصيته إلى الظبي الموجود في تركته، حتى لا تبطل وصيته. مسألة: قال الشافعي -رحمه الله تعالى-: «ولو قال بعيرًا أو ثورًا لم يكن لهم أن يعطوه ناقة ولا بقرة. ولو قال عشر أينق أو عشر بقراتٍ لم يكن لهم أن يعطوه ذكرًا. ولو قال عشرة أجمال أو أثوار لم يكن لهم أن يعطوه أنثى، فإن قال عشرة من إبلي أعطوه ما شاؤوا». قال في الحاوي: أما إذا أوصى له بثور: لم يعط إلا ذكرًا، لأن الثور اسم للذكور، دون الإناث، ولو قال بقرة: لم يعط إلا أنثي؛ لأن الهاء موضوعة للتأنيث، وكان بعض أصحابنا يخرج في البقرة وجهًا آخر، أنه يجوز أن يعطي ذكرًا أو أنثي كالشاة؛ لن الهاء من أصل اسم الجنس ولا يجوز أن يعدل في الوصية بالثور والبقرة إلى الجواميس، بخلاف الشاة التي ينطلق عليها اسم الضأن والمعز، إلا أن يكون من كلامه ما يدل عليه أو يقول بقرة من بقري وليس له إلا الجواميس، وإن كان اسم البقر يتناولها مجازًا؛ لن إضافة الوصية إلى التركة، قد صرف الاسم عن حقيقته إلى مجازه، ولا يجوز أن يعدل به إلى بقر الوحش، فإن أضاف الوصية إلى بقرة، ولم يكن له إلا بقر الوحش، فعلى ما ذكرناه من الوجهين في الظبي. فصل: فأما إذا أوصى ببعير فمذهب الشافعي: أنه لا يعطي إلا ذكرًا، لأن اسم البعير بالذكور أخضر، وقال بعض أصحابنا: هو اسم للجنس فيعطي ما شاء الوارث من ذكر أو أنثي، فأما إذا أوصى له بجمل: لم يعط إلا ذكرًا لاختصاص هذا الاسم بالذكور، ولو أوصى بعشرة من إبله أعطاه الوارث ما شاء من ذكور وإناث، وسواء أثبت التاء في العدد، أو أسقطها. ومن أصحابنا من قال: إن أثبت التاء في العدد فقال: عشرة من إبلي. لم يعط إلا من الذكور، لأن عددها بإثبات التاء. وإن أسقط التاء في العدد: فقال

стр. 3742

عشر من إبلي لم يعط إلا من الإناث، لأن عددها بإسقاط التاء. ألا ترى أنه يقال: عشر نسوة، وعشرة رجال. وهذه الأوجه له، لأن اسم الإبل إذا كان يتناول الذكور والإناث تناولًا واحدًا، صار العدد فيها محمولًا على القدر، دون النوع وأما إذا قال: أعطوه مطية، أو راحلة. فذلك يتناول الذكور والإناث، فيعطيه الوارث منهما ما شاء والله أعلم. مسألة: قال الشافعي -رحمه الله تعالى-: «فإن قال أعطوه دابة من مالي فمن الخيل أو البغال أو الحمير ذكرًا كان أو أنثي صغيرًا أو كبيرًا أعجف أو سمينًا». قال في الحاوي: وهذا صحيح. أما اسم الدواب: فينطلق على كل ما دب على الأرض من حيوان اشتقاقًا من دبيبه عليها، قال الله تعالى: ﴿ومَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] غير أنه في العرف مختص ببعضها، فإن قال: أعطوه دابة من دوابي، قال الشافعي: يعطي من الخيل أو البغال، أو الحمير. واختلف أصحابنا: فكان أبو العباس بن سريج يحمل ذلك على عرف الناس بمصر، حيث قال ذلك فيهم، وذكره لهم اعتبارًا، لأن اسم الدواب في عرفهم منطلق على الأجناس الثلاثة من الخيل، والبغال، والحمير. فأما بالعراق والحجاز، فلا ينطلق إلا على الخيل ولا يتناول غيرها إلا مجازًا بعرف بقرينته، فإن كان هذا الموصي بمصر: خير ورثته بين الخيل والبغال والحمير، وإن كان بالعراق: لم يعطوه إلا من الخيل. وقال أبو إسحاق المروزي، وأبو علي بن أبي هريرة بل الجواب محمول على ظاهرة في كل البلاد، لأن اسم الدواب ينطلق على هذه الأجناس الثلاثة من الخيل، والبغال، والحمير. فإن شذ بعض البلاد بتخصيص بعضها بالاسم لم يعتبر به حكم العرف العام. فلو فرق ذلك بما يدل على التخصيص، حمل على قرينته، كقوله: أعطوه دابة يقاتل عليها، فلا يعطي إلا من الخيل عتيقًا، أو هجينًا، ذكرًا أو أنثي، ولا يعطي صغيرًا ولا قمحًا لا يطيق الركوب. ولو قال دابة يحمل عليها: أعطي من البغال، أو الحمير دون الخيل. ولو قال دابة ينتفع بنتاجها: أعطي من الخيل أو الحمير دون البغال، لأنها لا نتاج لها. ولو قال دابة ينتفع بدرها وظهرها: لم يعط إلا من الخيل، لأن لبنها من لبن غيرها من البغال والحمير: محظور. ولو قال: دابة من دوابي، ولم يكن في ماله إلا أحد الأجناس لم يعط غيره. ولو كان في ماله جنسان: أعطاه الوارث أحدهما، ولم يعطه الثالث الذي ليس من ماله، ولو قال دابة من مالي وكان في ماله أحد الأجناس. كان الوارث بالخيار، في إعطائه ذلك الجنس، أو العدل عنه إلى أحد الجنسين الآخرين شراء من غير ماله.

стр. 3743

مسألة: قال الشافعي -رحمه الله تعالى-: «ولو قال أعطوه كلبًا من كلابي أعطاه الوارث أيها شاء». قال في الحاوي: وهذا كما قال: الوصية بالكلب المنتفع به جائزة، لأنه لما جاز إحرازه من يد صاحبه، وحرم انتزاعه من يد صاحبه، جاز أن يكون وصية وميراثًا. فإذا أوصى بكلب، ولا كلاب له. فالوصية باطلة، لأنه لا يصح أن يشتري، ولا يلزم أن يستوهب. وإن كان له كلاب: فضربان، منتفع بها، وغير منتفع بها، فإن كانت كلاب كلها غير منتفع بها، فالوصية باطلة، لحظر اقتنائه وتحريم إمساكه، وإن كانت كلها منتفعًا بها، فكان له كلب حرث وماشية وكلب صيد نظر. فإن كان الموصي له صاحب حرث، وماشية، وصيد، فالوارث بالخيار في إعطائه أي كلب شاء، من حرث أو ماشية أو صيد. وإن كان الموصي له، ليس بصاحب حرث، ولا ماشية، ولا صيد، ففي الوصية وجهان: أحدهما: الوصية باطنة، اعتبارًا بالموصى له، وأنه غير منتفع به. والثاني: الوصية جائزة، اعتبارًا بالكلب، وأنه منتفع به، وأن الموصي له ربما أعطاه ما ينتفع به. وإن كان الموصي له ممن ينتفع بأحدها بأن كان صاحب حرث لا غير أو صاحب صيد لا غير، فالوصية جائزة وفيها وجهان. أحدهما: يلزم الوارث أن يعطيه الكلب الذي يختص بالانتفاع به، دون غيره اعتبارًا بالموصي له. والثاني: أن للوارث الخيار في إعطائه أي الكلاب شاء، اعتبارًا بالموصي به. فأما الوصية بالجرو الصغير المعد للتعليم، ففي جوازها وجهان، من اختلاف الوجهين في اقتنائه. أحدهما: اقتنائه غير جائز، والوصية به باطلة، لأنه غير منتفع به في الحال. والثاني: أن اقتنائه جائز، لأنه سينتفع به في ثاني حال، ولأن تعليمه منفعة في الحال. فصل: ولو كان لرجل ثلاث كلاب، ولم يترك شيئًا سواها، فأوصى بجميعها لرجل. فإن أجازها الورثة فله، وإلا ردت إلى ثلثها، ثم في كيفية رجوعها إلى الثلث وجهان: أحدهما: أنه يستحق من كل كلب ثلثه، فيحصل له ثلث الثلاثة، ولا يستحق واحدًا بكماله إلا (عن) مراضاته.

стр. 3744

والثاني: أنه قد استحق بالوصية أحدها، بخلاف الأموال مقومة لا تختلف أثمانها وليست كالكلاب التي تقوم، فاستوي حكم جميعها. فعلي هذا فيه وجهان: أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي: أنه يأخذ أحدها بالقرعة. والثاني: أن للورثة أن يعطوه أيها شاؤوا. فصل: فأما إن كان له كلب واحد، وليس له مال غيره، أوصي به لرجل فهو كمنت أوصى بجميع ماله. فإن أجازه الوارث، وإلا كان للموصي له ثلثه، وللورثة ثلثا، ويكون بينهما على المهايأة. وإن ملك مالًا فأوصى بهذا الكلب الذي ليس له كلب سواه، ففي الوصية وجهان: أحدهما: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة: أن الوصية جائزة، والكلب كله، للموصي له به، لأن قليل المال خير من الكلب الذي ليس بمال. والثاني: وهو قول أبي سعيد الاصطخري. إن للموصي له ثلث الكلب، إذا منع الورثة من جميعه، وإن كثر مال التركة، لأنه مما لا يمكن أن يشتري، فيساويه الورثة فيما صار إليهم من المال، فاختص الكلب بحكمه، وصار كأنه جميع التركة. فلو ترك ثلاث كلاب، ومالًا. أوصى بجميع كلابه الثلاثة، فعلي قول أبي علي بن أبي هريرة، الوصية بجميع الكلاب الثلاثة ممضاة، وإن قل مال التركة، وعلى قول أبي سعيد الاصطخري: تصح الوصية في أحدها، إذا منع الورثة من جميعها. فصل: والوصية بالميتة جائزة، لأن قد يدبغ جلدها، ويطعم بزاته لحمًا. وكذلك الوصية بالروث، والزبل؛ لأنه قد ينتفع به في نخله وزرعه. فأما الوصية بالخمر والخنزير، فباطلة؛ لأن الانتفاع بهما محرم. ولو أوصي بجرة فيها خمر. قال الشافعي ﵀ أريق الحمر ودفعت إليه الجرة؛ لأن الجرة مباحة، والخمر حرام. فأما الوصية بالحياة، والعقارب، وحشرات الأرض، والسباع والذباب: فباطلة، لأنه منفعة في جميعها. فأما الوصية بالفيل، فإن كان منتفعًا به: فجائز، لجواز أن يبيعه، ويقوم في التركة، ويعتبر من الثلث. وإن كان غير منتفع به: فالوصية باطلة فأما الفهد، والنمر، والشاهين، والصقر فالوصية بذلك كله جائزة، لأنها جوارح ينتفع بصيدها وتقوم في التركة لجواز بيعها، وتعتبر في الثلث. وأما الوصية بما تصيده كلابه فباطلة:، لأن الصيد، لمن صاده. مسألة: قال الشافعي -رحمه الله تعالى-: «أعطوه طبلًا من طبولي وله طبلان للحرب

стр. 3745

واللهو أعطاه أيهما شعاء فإن لم يصلح الذي للهو إلا للضرب لم يكن لهم أن يعطوه إلا الذي للحرب». قال في الحاوي: وأصل هذه المسائل أن الوصية بما لا منفعة فيه باطلة والوصية بما فيه على ثلاثة أضرب. منفعة مباحة، ومنفعة محظورة ومنفعة مشتركة بين الحظر والإباحة. فإن كانت المنفعة مباحة، جاز بيع ذلك، والوصية به. وإن كانت المنفعة محظورة: لم يجز بيعه ولا الوصية به. وإن كانت مشتركة: جاز بيعه والوصية به لأجل الإباحة، ونهي عن استعماله في الحظر. فإذا ثبت هذا: وأوصى له بطبل من طبوله، فإن لم يكن له إلا طبول الحرب، فالوصية به جائزة، لأن طبل الحرب مباح، ثم ينظر، فإن كان اسم الطبل ينطلق عليه بغير جلد، دفع إليه الطبل بغير الجلد. وإن كان لا ينطلق عليه الاسم إلا بالجلد: دفع إليه مع جلده. وإن كانت طبوله كلها طبول اللهو، فإن كانت لا تصلح إلا للهو فالوصية باطلة، لأن طبول اللهو محظورة. وإن كانت تصلح لغير اللهو في غير المنافع المباحة جازت الوصية بها. وإن كانت طبوله نوعين: طبول حرب، وطبول اللهو، فإن كانت طبول اللهو، لا تصلح لغير اللهو، لم يعط إلا طبل الحرب. وإن كانت طبول اللهو: تصلح لغيره من المباحات، كان الوارث بالخيار في إعطائه ما شاء من طبل لهو، أو حرب، لانطلاق الاسم عليها. إلا أن يدل كلامه على أحدهما، فيحمل عليه كقوله: أعطوه طبلًا للجهاد، أو الإرهاب، فلا يعطي إلا طبل الحرب. وإن قال طبلًا للفرح، والسرور: لم يعط إلا طبل اللهو. فأما الوصية بالدف العربي، فجائزة لورود الشرع بإباحة الضرب به في المناكح، والله أعلم. مسألة: قال الشافعي -رحمه الله تعالى-: «ولو قال أعطوه عودًا منعيداني وله عيدان يضرب بها وعيدان قسي وعصي فالعود الذي يواجه به المتكلم هو الذي يضرب به فإن صلح لغير الضرب جاز بلا وتر». قال في الحاوي: وهذا صحيح. إذا قال: أعطوه عودًا من عيداني، فمطلق هذا الاسم يتناول عيدان الضرب واللهو وعيدان القسي، والعصي فإن كان عود الضرب لا يصلح لغير الضرب واللهو، فالوصية به باطلة وإن كان لا يصلح لغير اللهو فالوصية به جائزة، ويعطي بغير وتر، لانطلاق الاسم عليه، وإن لم يكن عليه وتر ينظر. فإن كان لا يصلح لغير اللهو إلا بعد تفصيله وتخليعه، فصل وخلع، ثم دفع إليه. وإن كان يصلح لغير اللهو: لم يفصل: ودفع إليه غير مفصل. مسألة: قال الشافعي -رحمه الله تعالى-: «وهكذا المزامير».

стр. 3746

قال في الحاوي: يعني أنه إن كان لا يصلح إلا للهو: فالوصية باطلة. وإن كان يصلح لغير اللهو: فالوصية به جائزة. ثم الكلام في التفضيل على ما مضي. فأما الشبابة التي ينفخ فيها مع طبل الحرب، وفي الأسفار فالوصية بها جائزة. مسألة: قال الشافعي -رحمه الله تعالى-: «ولو قال عودًا من القسي لم يعط قوس ندافٍ ولا جلاهق وأعطي معمولة أي قوس نبل أو نشاب أو حسبان». قال في الحاوي: وهذا صحيح. إذا أوصى لرجل بقوس من القسي، فمطلق القوس يتناول قوس السهام العربية دون قوس النداف. والجلاهق الذي يرمي عنها البندق، فلا يعطي إلا قوس السهام العربية سواء أعطاه قوس نشاب وهي الفارسية، أو قوس نبل وهي العربية أو قوس حسان والخيار فيها إلى الوارث لاشتراك الاسم في جميعها، ولا يلزمه أن يدفع الوتر معه، لأنه يسمي قوسًا بغير وتر، وهكذا لو أوصي له بدابة: لم يعط سرجها، أو عبد: لم يعط كسوته. فأما إن قال: أعطوه قوسًا من قسي، وله قوس نداف، وقوس جلاهق: أعطي قوس الجلاهق التي يرمي عنها، لأنها أخص بالاسم. فإن لم يكن له إلا قوس ندف دفع إليه. ولو اقترن بكلامه ما يدل على مراده: عمل على ما دل عليه كلامه من القسي الثلاث، والله أعلم. مسألة: قال الشافعي -رحمه الله تعالى-: «وتجعل وصيته في الرقاب في المكاتبين ولا يبتدأ منه عنق». قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا أوصى بثلثه في الرقاب، صرف في المكاتبين، وبه قال أبو حنيفة. وقال مالك: يشتري به رقاب يعتقون. وأصل هذا اختلافهم في سهم الرقاب في الزكاة، هل ينصرف في العتق أو في المكاتبين. فمالك يقول: يصرف في العتق. والشافعي وأبو حنيفة: يصرفانه في المكاتبين، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿إنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠]. فأثبت ذلك لهم بلام الملك، والعبد لا يملك فيصرف إليه، والمكاتب يملك فوجب صرفه إليه، ولأنه مصروف في ذوي الحاجات، ولأن مال الزكاة مصروف لغير نفع عاجل يعود إلى ربه فلو صرف في العتق لعاد إليه الولاء. فصل: فإذا تقرر أن سهم الرقاب في الزكاة يصرف إلى المكاتبين. وجب أن يكون سهام الرقاب في الوصية مصروفًا في المكاتبين، لأن مطلق الأسماء المشتركة محمولة على عرف الشرع المعتبر فيه.

стр. 3747

مسألة: قال الشافعي -رحمه الله تعالى-: «ولا يجوز في أقل من ثلاث رقاب فإن نقص ضمن حصة من ترك». قال في الحاوي: وهذا صحيح؛ لأن الثلاثة أقل الجمع المطلق، فلم يجز أن يتصرف سهم الرقاب في أقل من ثلاث. وإن زاد على الثلاثة كان حسنًا ولو اقتصر على الثلاقة مع وجود الزيادة أجزأ. ولا يلزم أن يسوي بينهم في العطاء، وسواء كان مال الوصية من جنس كتابتهم، أو من غيره. والأولى أن يدفعه إلى سيد المكاتب بإذنه فإن دفعه إلى المكاتب دون سيده أجزأ. ولو أبرأه السيد بعد أخذه، وقبل استهلاكه، لم يسترجع منه في الوصية، واسترجع منه في الزكاة؛ لأن الوصايا يجوز دفعها إلى الأغنياء بخلاف الزكاة. فلو لم يجد من المكاتبين ثلاثة: دفع إلى من وجد منهم ولو واحدًا. ولو وجد ثلاثة: لم يجز أن يقتصر على أقل منهم. فإن دفعه إلى اثنين من وجود الثالث: ضمن حصته وفيها وجهان حكاهما أبو إسحاق المروزي: أحدهما: يضمن الثلث، وقد أشار إليه الشافعي في الأم، لأن التفضيل جائز مع الاجتهاد، فإذا عدل عن الاجتهاد، لزم التسوية. والثاني: يضمن قدر ما كان يؤديه اجتهاده إليه لو اجتهد، لأن القدر الذي تعدي فيه. مسألة: قال الشافعي -رحمه الله تعالى-: «فإن لم يبلغ ثلاث رقاب وبلغ أقل رقبتين يحدهما ثمنًا وفضل فضل جعل الرقبتين أكثر ثمنًا حتى يعتق رقبتين ولا يفضل شيئًا لا يبلغ قيمة رقبة». قال في الحاوي: وهذه مسألة أغفل المزني صورتها، ونقل جوابها، وقد ذكرها الشافعي نصًا في الأم. وصورتها في رجل قال: أعتقوا بثلثي رقابًا. أو قال حرروا بثلثي رقابًا. فهذا يشتري بثلثه رقاب يعتقون عنه ولا يصرف في المكاتبين، لأن ذكر العتق والتحرر صرفه عنهم. وأقل ما يشتري به ثلاث رقاب إذا أمكنوا. اعتبارًا بأقل الجمع فإن اتسع للزيادة على الثلاث: اشتري به ما بلغوا، ولا يقتصر على الثلاث مع إمكان الزيادة بخلاف صرف في المكاتبين حيث جاز الاختصار على الثلاثة مع إمكان الزيادة؛ لأنه يجوز أن يعطي الواحد من المكاتبين قليلًا أو كثيرًا، ولا يجوز في عتق الرقبة أن يزيد على ثمنها ولا

стр. 3748

يتقص منه. فإن لم يبلغ مال الوصية ثمن ثلاث رقاب صرفه في رقبتين: فإن فضل من الرقبتين، ليكون أكثرهما ثمنًا، فتكون أكثر ثوابًا. وإن كان يقدر بالفضلة على بعض ثالثة، ففيه وجهان، حكاهما أبو إسحاق المروزي: أحدهما: أنه يشتري بالفضلة بعض ثالثة، لأن ذلك أقرب إلى الثلاث الكاملة. والثاني: وهو الظاهر من كلام الشافعي أنها تزد في ثمن الرقبتين؛ لأن النبي ﷺ سئل عن أفضل الرقاب فقال: «أكثرها ثمنًا، وأنفسها عند أهلها». ولأن في تبعيض الرقبة في العتق، إدخال ضرر على الرقبة، وعلى مالك الرقبة فيها، فكان رفع الضرر أولى. وأما إن اتسع الثلث لأكثر من ثلاث رقاب، فاستكثار العدد من استرخاص الثمن أولى من إقلال العدد مع استكثار الثمن وجهًا واحدًا، لقوله ﷺ : «من أعتق رقبة، أعتق الله بكل عضو منها، عضوًا منه من النار، حتى الذكر بالذكر، والفرج بالفرج». مسألة: قال الشافعي -رحمه الله تعالى-: «ويحزيء صغيرها وكبيرها». قال في الحاوي: وهذا كما قال. إذا أوصى أن يصرف ثلث ماله في عتق الرقاب، جاز أن يعتق عنه الذكور والإناث في إعتاق الخناثى وجهان: وجاز أن يعتق عنه الصغار والكبار، لانطلاق الاسم على جميعهم. وفي جواز عتق من لا يجزيء في الكفارة من الكبار، والزمني وجهان: تخرجا من اختلاف القولين في نذر الهدى، هل يلزم فيه ما يجوز في الأضاحي؟ أحدهما: يلزم، فعلي هذا، لا يجزئه إلا عتق من هي سليمة من العيوب المضرة. والثاني: لا يلزم: ويجوز أن يهدي كل مال، فعلي هذا يجزئه عتق الكافرة، والمؤمنة. فصل: وإذا أوصى أن يعتق بثلث ماله رقاب، أو اشتري بثلث ماله رقابًا، وأعتقوا ثم ظهر عليه دين يستوعب التركة، نظر في الرقاب، فإن كانوا قد اشتروا بعين الثلث: بطل الشراء لاستحقاق الثمن في الدين، ورد العتق لعدم الملك، وإن كانوا قد اشتروا في ذمة الوارث، لا بعين المال من الثلث نفذ عتقهم على الوارث، لثبوت الشراء في ذمته، ولزومه صرف الثلث في الدين. فصل: وإذا أوصى بعتق عبد بألف درهم، فكان الثلث خمسمائة درهم، اشترى بها عبدًا وأعتق عنه.

стр. 3749

وقال أبو حنيفة: لا يجوز أن يعتق عنه بأقل من الألف، ويكون عجز الثلث عنها مبطلًا للوصية بالعتق، لأنه جعل الألف صفة في العتق مع العجز لعدم الصفة، وصار كقوله: أعتقوا عبدي الأسود، فإذا عدم الأسود، لم يجز أن يعتق غيره للوصية بالعتق، لأنه جعل الألف صفة في العتق فلم يصح العتق مع العجز لعدم الصفة وصار كقوله: أعتقوا عبدي الأسود، فإذا عدم الأسود، لم يجز أن يعتق غيره. وهذا فاسد، لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم». ولأنها وصية إذا عجز الثلث عنها، لم يسقط حكم ما احتمله منها، قياسًا على سائر الوصايا؛ ولأن العتق إذا ضاق الثلث عن احتمال جميعه، رد إلى ما احتمله الثلث من أجزائه، كالوصية بعتيق عبد بعينه، ولم يذكر للألف صفة، فتكون شرطًا، وإنما ذكرها قدرًا وجعلها في العتق حدًا. مسألة: قال الشافعي -رحمه الله تعالى-: «ولو أوصي أن يحج عنه ولم يكن حج حجة الإسلام فإن بلغ ثلثه حجة من بلده أحج عنه من بلده وإن لم يبلغ من حيث بلغ. قال المزني ﵀ والذي يشبه قوله أن يحج عنه من رأس ماله؛ لأنه فيقوله دين عليه». قال في الحاوي: وجملة ذلك أن للميت في الحج عنه حالتين: حالة يوصي به، وحالة لا يوصي به، فإن لم يوصي به، فلا يخلو حاله من أحد أمرين: إما أن يكون عليه حج واجب، أو لا حج عليه، فإن لم يكن عليه حج. لم يجز أن يتطوع عنه بالحج. وإن كان عليه حجة الإسلام، فمات قبل أن يوصي بها، فوجب أن يحج عنه من رأس ماله بأقل ما يوجد من ميقات بلده، وكذلك يخرج عنه من رأس ما وجب عليه من زكاة وكفارات وإن لم يوص بها. وقال أبو حنيفة: لا يصح لاحج عنه، ولا الزكاة، إلا بوصية منه، وهذا فاسد، لما ذكرناه في الحج، ولأن ما تعلق وجوبه بالمال، لزم أداؤه عنه، وإذا لزم أداؤه عنه، فمن رأس المال كالديون. ويخرج منه أجرة المثل من الميقات، لا من بلده، وإن كانت استطاعت من بلده شرطًا من وجوب، لأنه إذا كان حيًا، لزم أدواة بنفسه فصارت بضع المسافة معتبرة في استطاعته فإذا مات، لم يتعين في النائب عنه أن يكون من بلده، وإنما لزم أن يؤتي بالحج من ميقات بلده، فلذلك اعتبر أجرة المثل من ميقات بلده. فصل: وإن أوصى أن يحج عنه فلا يخلو حاله من أحد أمرين.

стр. 3750

إما أن يكون حج أو ليس عليه حج فإن كان عليه حج فلا يخلو حاله من ثلاثة أقسام: أحدها: أن يجعل الحج من رأس ماله فهذا على ضربين: أحدهما: أن يذكر قدر ما يحج به عنه. والثاني: أن لا يذكر فإن لم يذكر قدر ما يحج به عنه أخرج عنه من رأس ماله قدر أجرة المثل من ميقات بلده ولا يستفاد بوصيته إلا للإذكار والتأكيد وإن ذكر قدر ما يحج به عنه فله ثلاثة أحوال: أحدها: أن يكون قد أجرة المثل في الميقات فيخرج ذلك من رأس ماله. والثاني: أن يكون أقل من أجرة المثل من ميقات بلده ولا يستفاد بوصيته وإن وجد من يحج به وإلا تمم من أجرة المثل وكان جميعه من رأس المال. والثالث: أن يكون أكثر من أجرة المثل من الميقات فتكون الزيادة على أجرة المثل وصية في الثلث لا تجوز أن يدفع إلى وارث وإن تراجع عينه، لأنه لا وصية لوارث فهذا حكم القسم الأول إذا جعل الحج من رأس ماله. فصل: والقسم الثاني: أن يوصي بالحج من ثلثه. فهذا على ضربين: أحدهما: أن يجعل كل الثلث مصروفًا إلى الحجة الواجبة، فهذا يحج عنه بالثلث من بلده إن أمكن، ولا يجوز أن يدفع إلى وارث إن زاد على أجرة المثل، ويجوز أن يدفع إليه إن لم يزد، فإن عجز الثلث عن الحج من بلده: أحج به عنه من حيث أمكن من طريقه. فإن عجز إلا من ميقات البلد أحج به عنه من ميقات بلده. فإن عجز عن الحج من ميقات بلده وجب إتمام أجرة المثل ميقات بلده من رأس المال، فصار فيها دور، لأن ما يتمم به أجرة المثل من رأس ماله يقتضي نقصان ثلث المال مثاله: أن يكون ماله مائة درهم، وأجرة المثل أربعون درهمًا، فإن أردت أن تعرف قدر الثلث وقدر ما يتم به الثلث من رأس المال أسقطت من المال قدر أجرة المثل وذلك أربعون درهمًا يكون الباقي ستين درهمًا ثم زدت عليه مثل نصفه فيصير تسعين درهمًا، فهو المال الباقي بعدما أخذ تمام الثلث، فإذا أخذت ثلثه، كان ثلاثين درهمًا، وضممت إليه العشرة الباقية من المائة صارت أربعين درهمًا، هي قدر أجرة المثل، فمنها ثلاثون درهمًا هي ثلث المال، وعشرة دراهم من رأس المال وعرضه. والثاني: أن لا يجعل كل الثلث مصروفًا إلى الحج بل يقول أحجوا عني من ثلثي رجلًا فهذا على ضربين: أحدهما: أن يذكر قدرًا كأنه قال: أحجوا رجلًا بمائة درهم. فلا يزاد عليها إن وجد، ويستأجر من يحج بها من حيث أمكن من بلده، أو من ميقاته. وإن لم يوجد من يحج بها من ميقاته: وجب إتمامها من رأس المال، لا من ثلثه، لأنه القدر الذي جعله
следующие страницы →