Полный текст (7 151 стр.). Показаны 3991–4030 · переход к 3996.
стр. 3991
إن جئت بمال آخر وإلا عجزت لأنه إنما كاتبه على شيء يسلم له أو يمكنه التصرف فيه ولا يحمك بهذه البينة لمن أقام له البينة أنه مغصوب منه لأن ذلك لا يدعيه، وإن لم يكن معه بينة يحلف المكاتب، فإن لم يحلف ردت اليمين على السيد فيحلف [٦٨/ أ] ويحكم بأنه مغصوب أو حرام، ولا يجبر على أخذه، وإذا حلف المكاتب يقال لسيده: هذا مال محكوم له به فإما أن تقبضه منه أوتبرئه، فإن أبرأه سقط اليمين عنه وعتق، وإن لم يفعل يقبضه الحاكم وعتق المكاتب، ولو أخذه هو عتق المكاتب ثم ينظر فإن قال السيد: هو حرام، ولم يعين صاحبه يقال له: أمسكه في يدك إلى أن يتبين صاحبه ويمنع من التصرف فيه، وإن قال: هو مغصوب من فلان يلزمه تسليمه إليه، قال: القفال وشهادة السيد أنه مغصوب لفلان لا يقبل بعدما عرض عليه وأن تقبل شهادته ابتداء على مكاتبة بأنه غصب من فلان كذا، فإن قيل: أليس قال الشافعي في كتاب «التفليس» لو اختلف البائع والمفلس، فقال البائع: اخترت عين مالي قبل الإبار والثمرة لي، فقال المفلس: بل بعد الإبار فالثمرة للغرماء فصدق بعض الغرماء البائع في دعواه كان القول قول المفلس ويأخذ الثمرة من لم يصدق البائع دون من صدق، فما الفرق بين الموضعين؟، قلنا: قال أبو إسحاق: إنما أراد الشافعي إذا اختار المفلس ذلك لأن له أن يعين قضاء الدين من أي المال شاء، فأما إذا أراد أن يعطي من كذبه أجبر عليه، وقيل: فيهما قولان، والصحيح الفرق وهو أن ههنا إذا لم يجبر السيد على أخذه كان له مطالبته بمال آخر ثم يمكنه أن يقول في كل مال نحمله إليه مثل ذلك حتى يؤدي إلى عجزه ورقه، فأجبرناه عليه وليس [٦٨/ ب] كذلك الغرماء، فإنهم إذا لم يجبروا على أخذ ما صدقوا البائع عليه لم يكن لهم مطالبة أخرى بمال آخر فلا يؤدي إلى الإضرار بأخذ فافترقا.
فرع
قال في «الأم»: ولا يجبر السيد إلا على أحد ما كاتبه عليه فغن كاتبه على دنانير لم يجبر على أخذ الدراهم وكذلك إن كاتبه على دراهم لم يجبر على أخذ الدنانير بدلها وإن كاتب على سلعة لم يجبر على أخذ قيمتها.
فرع آخر
قال: وإن جاءه بأجود من ذهبه أو ورقه أو سلعته كان عليه أخذه، بعد أن يجمع ذلك صفة واحدة ويؤيده جودة ولو أعطاه مكان عجوة من التمر صبحًا نيئًا لم يكن عليه أخذه وإن كان خيرًا من العجوة، فإن كاتبه على دنانير حدد جياد من ضرب سنة كذا فأدى إليه من ضرب غير تلك السنة كان عليه أخذه وإن كان الذي كاتبه عليها ينفق في بلد ولا ينفق بالذي أعطاه بذلك البلد لم يجبر على أخذه وإن كان خيرًا.
стр. 3992
فرع آخر
لو كان السيد غائبًا فجاء بالنجم إلى الحاكم يوم المحل يقبله منه ليعتق، ولا يقبل قبل المحل إلا أن يعرف أنه لا ضرر من السيد في أخذه نص عليه، ولو كان على حر دين لرجل غائب، فأتى به الحاكم، فهل يقبله على الغائب؟ فيه وجهان، أحدهما: يقبله، والثاني: لا يقبله لأنه ليس للمؤدى فيه غرض إلا سقوط الدين عنه، والنظر للغائب ترك المال في ذمة الملي وربما يتلف في يد الحاكم أمانة بلا ضمان، ويفارق مال الكتابة لأنه يتعلق به العتق بخلاف ذلك.
مسألة: قال: «وليس له أن يتزوج [٦٩/ أ] إلا بإذن سيده».
اعلم أنه إذا تزوج المكاتب فإن كان من غير إذن سيده لا يجوز، فإن تزوج كان باطلاً كالعبد، وقد روي أن النبي ﷺ قال: «أيما عبد نكح بغير إذن سيده فنكاحه باطل» والمكاتب عبد.
ولأن في يده إتلاف ما في يده بالمهر والنفقة، ولا يجوز للمكاتب وإن أذن له السيد جاز قولاً واحدًا لا يختلف أصحابنا فيه لأن المكاتب أحسن حالا من العبد ولو أنه أذن للعبد في النكاح جاز، فالمكاتب أولى ولأن المكاتب حاجة إلى النكاح ليحصن فرجه ويحصل له الاستمتاع الذي جبل عليه الآدمي فلو منعناه بإذنه أضررنا به وبهذا يخالف العتق والهبة لا يجوزان من المكاتب مع الأذن في أحد القولين لأنه لا حاجة بالمكاتب إليهما، وأيضًا، فالهبة والعتق استهلاك مال عاجل والنكاح قد يفضي إلى الاستهلاك وقد لا يفضي، ومن أصحابنا من قال في نكاحه بإذن السيد قولان كما في تبرعاته لأنه إخراج مال لا بإزاء مال ذكره القفال، وهذا غير صحيح لما ذكرنا من الفرق، وقال ابن أبي ليلى أن شرط السيد على مكاتبه أن لا يتزوج إلا بأمره وجب أن يستأمره وإن لم يشترط جاز أن يتزوج بغير أمره وهذا غلط لما ذكرنا.
فرع
قال في «الأم»: وإن تزوج بإذن سيده لزمته نفقة زوجته وإن كان له ولد صغير أو كبير زمن محتاج لم تلزمه نفقته وأولاده من المنكوحة حكمهم حكم أمهم، فإن كانت أمهم حرة فهم أحرار، [٦٩/ ب] وإن كانت مملوكة فهم مماليك لسيد أمهم وإن كانت مكاتبة لغير سيده، فليس للأب سبيل عليهم وكانوا مرقوقين على حكم أمهم، أو أرقاء لسيدها على أحد القولين، وإن كانت مكاتبة لسيده كانت معه في الكتابة، أو لم يكن فسواء فالأولاد مرقوقون على حكم أمهم أو أرقاء على ما ذكرنا.
مسألة: قال: «ولا يشتري بحال».
للمكاتب أن يشتري الإماء للفائدة والربح، ولكن لا يجوز أن يطأ أمةً بغير إذن سيده
стр. 3993
لأنه ربما يحبلها فتموت في الأداء فيكون فيه تغرير بالمال، وإن أذن له السيد في الوطئ، فإن قلنا: العبد إذا ملك يملك فملكه، وأذن له في الوطء يحل له الوطء وإن قلنا: لا يملك لا يحل له الوطء وهو الصحيح، وقال ابن أبي هريرة يحتمل أن يجوز له ذلك قولاً واحدًا لأن إذن السيد للمكاتب لا يكمل ملكه. وقال القفال: هل يحل الوطء بالإذن؟ قولان كما في الهبة بإذن السيد، وإن قلنا: إنه يملك بالتمليك، وهذا لا يصح على ما ذكرنا في النكاح، وإذا قلنا: لا يحل الوطء على قوله الجديد فخالف ووطء لم يجب الحد للشبهة فإن ولجت منه، قال الشافعي: فإن كان لستة أشهر بعد العتق صارت أم ولد له قولا واحدً، قال أبو إسحاق بجواز أن تكون علقت منه بعد العتق، وإن ولدت لأقل من ستة أشهر من حين العتق، قال الشافعي: لا تصير أم ولد له لأنها علقت به في ملك ناقص هذا هو المشهور من قول الشافعي. وقال أبو إسحاق: على القول الذي نقول إذا وطئها بشبهة فأحبلها [٧٠/ أ] ثم ملكها تصير أم ولدٍ له، فكذلك ههنا تصير أم ولد ونص على هذا في كتاب العدة، ذكر القاضي أبو حامد، أغني هذا النص، وهذا الذي ذكره أبو إسحاق فيه نظر لأن في تلك، المسألة علقت بحر وههنا علقت بممولك والنص الذي حكاه أبو حامد غير مشهور، وقيل في المسألة وجهان، لأن هذا الولد حرمه الحرية وإن كان مملوكًا لأنه لا يجوز بيعه، وقال القفال إن ولدت لستة أشهر، وكان وطئها بعد العتق صارت أم ولد، وإن لم يكن وطئنا واستبرائها، ثم جاءت بولد لستة أشهر لا تصير أم ولد له ولا يلحقه الولد، وإن لم يستبرئها وجاءت من يوم العتق لستة أشهر، فهو كما لو كان لأقل من ستة أشهر لأن العلوق كان قبل عتقه، ومن أصحابنا من قال: تصير أم ولد له ههنا كما لو أقر بوطئها بعد العتق ولا يستند علوق الولد إلى حالة الرق.
قال: ومتى حكمنا بالعلوق قبل العتق هل تصير الجالية أم ولد؟ فيه قولان، أحدهما: تصير أم ولده فلا يبيعها، وإذا عتق استقر أمر الاستيلاد فيها وإن رق رق لأنها ملكه وثبت لولده منها حكم نفسه كالحر يستولد، والثاني: لا تصير أم ولده في الحال لتعلق حق السيد بها، فإذا قلنا: بهذا فلو عتق هل تصير أم ولده فيه قولان كمن استولد جارية غيره فولد حر ثم ملكها إذ لا تكون جارية المكاتب بأبعد من أن تصير أم ولده من جارية الأجنبي، والصحيح الطريقة الأولى، وأما الولد فثابت النسب ولا مهر عليه لأن [٧٠/ ب] الوطء صادف ملكه وإن كان ناقصًا ولا يعتق عليه الولد، ولكنه يتكاتب عليه ومعنى التكاتب أنه لا يبيعه ولا يتصرف فيه بما يؤدي إلى إزالة الملك، وهكذا لو وهب له ولده ولا يثبت للولد من أحكام الكتابة شيء إلا هذا الحكم الواحد الذي ذكرنا.
مسألة: قال: «ويجبر السيد على أن يضع من كتابته شيئًا».
الإيتاء في الكتابة واجب عندنا وهو أن يحط السيد من مكاتبه شيئًا من مال الكتابة
стр. 3994
أورد عليه منه، وقال أبو حنيفة ومالك والثوري هو مستحب غير واجب ودليلنا قوله تعالى: ﴿وآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: ٣٣]، الآية. فأمر بالإيتاء وظاهره الوجوب، وروي عن علي ﵁ موقوفًا ومرفوعًا عن النبي ﷺ أنه قال في هذه الآية «ينزل للمكاتب ويحط به ربع الكتابة»، وروينا عن ابن عمر ﵄ أنه كاتب عبدًا لخمسة وثلاثين ألفا ووضع عنه خمسة آلاف. قال الشافعي أحسبه قال: من آخر نجومه، وروي عن ابن عباس أن عمر ﵃ كاتب عبدًا فجاءه بنجمه، فقال: اذهب فاستعن به في كتابتك، فقال: لو تركت حتى يكون آخر نجم، قال: إني أخاف أن لا أدرك ذلك ثم قرأ قوله تعالى: ﴿وآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: ٣٣]، وروي عن ابن عمر أنه قال في هذه الآية، يقول الله تعالى: «ضعوا عنهم من مكاتبتهم»، وروي عن فضالة، قال: كاتبني عمر ﵁ فاستقرض من حفصة مائتي درهم فأعانني بها، فذكرت ذلك لعكرمة، فقال: هو قوله تعالى: ﴿وآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ [٧١/ أ] الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: ٣٣]، فإذا ثبت هذا، فالكلام في الإيتاء في ثلاثة فصول في وقته وجنسه وقدره، فأما وقته فله وقتان وقت جواز ووقت وجوب، فأما وقت الجواز فهو بعد عقد الكتابة إلى وقت الأداء، وبعد الأداء والعتق لأن القصد منه منفعة العبد، وهذا يحصل في جميع هذه الأوقات.
وأما وقت الوجوب فقد اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: وقته بعد العتق كوقت المتعة في النكاح بعد الطلاق. والمذهب وهو اختيار أبي إسحاق وجماعة أن وقته قبل العتق لأن الله تعالى فرض للمكاتب سهمًا من الصدقات، وليس للسيد دفع صدقته إلى مكاتبه فوجب عليه بإزائه الإيتاء قبل العتق أيضا، ويفارق المتعة في الطلاق لأن الغرب بها أن لا يخلو العقد من عوض، وذلك يحصل بالإيجاب بعد الطلاق، والغرب بالإيتاء المعونة حتى يحصل له العتق ولا يحتاج إليها بعد العتق ومن أصحابنا من قال: تجب بالعقد ويتضيق وجوبه عند آخر نجومه، قال أبو إسحاق: وإنما يتعين عليه إذا بقي عليه من مال الكتابة قد ما يلزمه أن يدفعه إليه، وقيل: ذلك لا يتعين عليه ومنهم من قال: يجب إذا استأدى منه شيئا بعد العقد وجوبًا موسعًا ويتضيق عند آخر نجومه لأن الله تعالى قال: ﴿وآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: ٣٣]، فلا بد من أن يحصل من جهة المكاتب إيتاء شيء حتى يتناوله الأمر بذلك. وحكى القفال عن بعض أصحابنا [٧١/ ب] أنه قال: إذا حط أو أتاه مالا قبل آخر النجوم لا يجوز بل أن يحصل العتق بحطه أو يؤتيه بعد العتق ليحصل فيه كمال التمليك.
стр. 3995
وأما جنسه فاليسد بالخيار بين أن يحط بعض ما عليه وبين أن يدفع إليه من عنده، فأما الدفع من عنده ثابت بنص الكتاب والحط ثابت بالنسبة بدليل ما ذكرنا من الأخبار والحط أولى من الإيتاء لأنه ربما يصرفه في مال الكتابة، وربما لا يصرفه وإذا حط تحقق نفعه به فكان الحط أولى، وقال الشافعي ﵁ في «الأم»: ويجبر سيد العبد على أن يضع عنه مما عقد عليه الكتابة شيئا ومهما وضع منه لم يجبر على أكثر منه وهذا يدل على أن الحط هو الواجب، وقال بعض أصحابنا الأصل هو الإيتاء أم الحط فيه وجهان، أحدهما: الأصل هو إيتاء، ومعناه إذا أدى جميع النجوم يؤتيه السيد مالا يتعيش به أيامًا ليهيئ أمر نفسه والحط يقوم مقام الإيتاء، والثاني: الحط هو الأصل، والإيتاء يقوم مقامه لأنه لا معنى للأخذ منه والرد عليه، وهذا خلاف النص الذي ذكرنا، فإذا تقرر هذا فالحط لا يتصور إلا من مال الكتابة وفي الإيتاء مسائل، أحدها: أن يدفع إليه من نفس المال الذي أعطاه فيجوز ذلك، والثانية: أن يعطيه من غير الجنس الذي كاتبه عليه لا يجوز بلا خلاف لأن الله تعالى أمر أن يعطى من مال الله يعني مما كوتب عليه، وليس هذا منه نص على هذا في «الأم»، وقال: إلا أن يشاء العبد أن يأخذه، والثالثة: أن يعطيه من غير المال الذي أعطاه، إلا أنه من جنسه، فالمذهب أن ذلك لا يجوز [٧٢/ أ].
ومن أصحابنا من قال: يجوز لأنه ليس بآكد من الزكاة لو عدل عن العين إلى جنسه جاز، فهذا أولى وهذا غلط لظاهر الآية، وهي قوله تعالى: ﴿وآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ ﴿النور: ٣٣]، وهذا غير ذلك هذا ذكره بعض أصحابنا، وقال القاضي الطبري: المشهور أنه يجوز ذلك. ومن أصحابنا من غلط، فقال: لا يجوز لأنه الشافعي قال: ويعطيه مما أخذه. والجواب عنه أن الشافعي أراد من جنسه لا من عينه، وهذا أصح عندي ومعنى قوله: لا يجوز، أي لا يجبر على قبوله فإن وصى المكاتب فلا شك في جوازه.
وأما قدر الإيتاء فليس بمحدود بل للسيد أن يدفع إليه ما شاء مما يقع عليه اسم المال وإن كان حبة نص عليه في «الأم». وقال أبو إسحاق: يعتبر بمال الكاتهابة فيضع على حسب قلته وكثرته، فإن تراضى العبد والسيد على شيء منه، وإلا رفع إلى الحاكم حتى يجتهد فيه فيضع عنه ما يؤدي إليه اجتهاده كما نقول في المتعة على الموسع قدره على المقتر قدره، وهذا له وجه، ولكن خلاف نص الشافعي ﵁. والمستحب أن يضع ربع الكتابة للخبر الذي ذكرنا، ومن أصحابنا من قال: الثلث وليس بشيء.
فرع
لو أدى جميع مال الكتابة وامتنع السيد من الإيتاء، فللمكاتب أن يطالبه به متى شاء
стр. 3996
فإن مات قبل (أن) يعطيه أو يضع عنه، قال في «الأم»: يجبر ورثته على ذلك ولا يسقط الدين بموته، بل يتعلق ذلك بتركته كدين الحر سواء.
مسألة: قال في «الأم»: فإن كان ورثته [٧٢/ ب] صغارًا وضع الحاكم عنه أول ما يقع عليه اسم الشيء وما زاد سيد المكاتب أو ورثته إذا كانت أمورهم جائزة فهم متطوعون به، وإن كان هناك وصى الورثة فعل الوصي ذلك، ويجبر الحاكم أن يعطيه أقل الأشياء، فإن كان على الميت دين أو وصية جعل للمكاتب أدنى الأشياء يحاصصهم فإن مات السيد فأعطى وارثه المكاتب أكثر مما يقع عليه اسم الشيء كان لمن بقي من الورثة رده، وكذلك لأهل الدين والوصية، وهكذا سيده إذا أفلس كان للغرماء رد الفضل، والشيء كل ماله ثمن وإن قل وكان أقل من درهم فإن كاتب على دنانير فأعطاه حبة ذهب أو أقل ما له ثمن جاز، وهذا كله نص على أنه غير مقدر.
مسألة: قال: «فإن مات السيد بعد قبض جميع الكتابة حاص بالذي له أهل الدين والوصايا».
قال المزني: يلزمه أن يقدمه على الوصايا على أصل قوله، وهذا كما قال: قال أصحابنا: معنى قول الشافعي أن الذي للمكاتب مقدم على الميراث ولم يرد به أنه يساوي الوصية ولو جاز أن يحمل على ذلك لوجب أن يكون الدين مساويًا للوصايا لأن الشافعي سوى ها هنا بين الجميع وقيل: أراد الشافعي بقوله: حاص أهل الوصايا أي ساواهم في وجوب حقه لا في التقديم والتأخير، وقال القاضي الطبري هذا اللفظ نقله المزني على المعنى وليس هو من كلام الشافعي، وإنما قال الشافعي في «الأم»، فإن كان على الميت دين أو وصية يجعل للمكاتب أدنى الأشياء يخاصمهم به، [٧٣/ أ] وإنما أراد به يحاص أهل الدين فنقل المزني هذا الكلام على المعنى، وجعله صريحًا فيه ليعترض عليه، وقيل: غلط الكاتب وإنما هو حاص أهل الدين دون الوصايا وفي هذا نظر، وقال أبو إسحاق من أصحابنا من قال: إنما أجراه الشافعي مجرى الوصايا لأنه ليس بشيء محدود، فيضرب به مع الغرماء وإنما يمكنه أن يضرب به مع الغرماء إذا كان له حد معلوم. قال أبو إسحاق: والأول أشبه بمذهبه ومن أصحابنا من علل لهذا الوجه بأن هذا الدين ضعيف لأنه غير مقدر، فسوي بينه وبين الوصايا لضعفه، وهذا ليس بشيء لأنه لو كان كذلك لما جاز أن يسوي بينه وبين الديون الواجبة، ومن أصحابنا من قال: أراد بأهل الوصايا أهل الديون الذين تثبت ديونهم بالإقرار في حال المرض. ومن أصحابنا من قال: أراد إذا كان السيد أوصى عند موته بأن يدفع إلى مكاتبة أكثر من القدر الذي يستحقه فيكون، القدر الذي يستحقه من الإيتاء دينارًا واجبًا يحاص به أهل الديون وما زاد على ذلك يحاص به أهل الوصايا.
أو أراد أن القاضي فرض له شيئًا باجتهاده ورضي به الوارث، فهو زيادة على ما
стр. 3997
يلزمه ورضي به أهل الوصايا دون أهل الديون فبالأقل يحاص أهل الديون وبالزيادة يحاص أهل الوصايا وهذا ضعيف، وقيل: أراد ديونًا موصى بقضائها فيحاصها وسائر الديون بالقدر الذي قدر الحاكم له. قال القفال: وهذا كله إذا كان قد استهلك السيد ما قبض، [٧٣/ ب] فإن كان العين باقيًا أو بعضه باقيًا، فما قدره الحاكم يؤخذ من تلك العين من غير مزاحمة.
مسألة: قال: «وليس لولي أن يكاتب عبده».
كل من يلي مال الطفل أو المجنون من أب أو جد أو وصي أو حاكم أو قيم من جهة الحاكم لا يكاتب عبده، وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد: يجوز، وزاد أحمد، فقال: يجوز عتقه على المال أيضًا، وهذا لا يصح لما قال الشافعي: إنه لا نظر له فيه، وأراد أن الكتابة عتق العبد بكسبه وكسبه ليسده لو لم يكاتبه فلا يكون لليتيم فيه حظ ولا نظر، فإن قيل قد يكاتبه على أكثر من ثمنه أضعافًا ويدفع إليه من صدقات المسلمين ولو تركه وكسبه لم يره إلا شيء يسير، قلنا: قد يكسب ويتلف ثم يعود إلى الرق فلا يحصل في يد السيد إلا رقبته بعد تلف كسبه مدة كتابته فإذا تقرر هذا فإن كاتب واحد منهم، فالكتابة فاسدة فإن أدى العبد المال لم يعتق لأن المعاوضة باطلة والعتق بالصفة إنما يقع، فمن يملك إيقاعه والولي لا يقدر على إعتاق عبد الطفل بصفة ثم المال الذي أدى منه حلال لسيده، وإن أعطى من سهم الرقاب رجع الوالي عليه فأخذه ممن صار إليه، لأنه ليس من الرقاب.
فرع
قال الشافعي ﵁: ولو كان العبد بين محجور عليه بائع أو صبي وبين رجل يلي نفسه لم تجز كتابته أذن فيها المحجور عليه ووليه أو لم يأذن فإن أدى عتق نصيب غير المحجور عليه وتراجع هو والعبد [٧٤/ أي بنصف قيمة العبد وعتق كله عليه إن كان موسرًا وضمن المحجور عليه نصف قيمته مملوكًا، ولا يرجع على المحجور عليه بشيء أخذه منه لأنه أخذه من عبده، وأراد به ما أخذه في حال كتابته.
فرع آخر
قال في «الأم»: لو كاتب الصبي عبده لم تجز كتابته سواء أذن أبوه في ذلك القاضي أو نائبه وكذلك لو أعتقه على مال يأخذه منه لأن الصبي ممن لا يجوز عتقه وعند أبي حنيفة تجوز كتابته بإذن السيد.
فرع آخر
قال: ولو كاتب محجور عليه عبده لم يجز ولو أدى إليه لم يعتق سواء أدى إليه قبل أن يطلق الحجر عنه أو بعدما أطلق. وهكذا لو قال له إن دخلت الدار فأنت حر، ثم
стр. 3998
أطلق عنه الحجر، ثم دخل الدار لم يعتق يحدد يمينًا أو عتقًا بعد إطلاق الحجر.
فرع آخر
قال: لو ادعى عبد على سيده أنه كاتبه، فقال: كاتبتك، وأن محجور، وقال العبد: كاتبتني وأنت غير محجور عليك، ثم حجر عليك، فالقول قول العبد، وعلى السيد البينة. قال القاضي أبو حامد وإن كان السيد في حجر أطلق عنه، أو كان به جنون، فالقول قوله مع يمينه، وما ادعى من الكتابة باطل.
فرع آخر
قال في «الأم»: ولو كاتب السيد عبده، وهو غير محجور عليه ثم حجر على السيد كانت الكتابة ثابتة ويستأدي وليه الكتابة، فإذا أدى العبد فهو حر، ولو دفع إلى المحجور عليه لا يعتق لأنه قبضه لا يصح ذكره أصحابنا وإن أطلق عنه الحجر بعد ذلك لا يعتق أيضًا. وقال بعض أصحابنا بخراسان [٧٤/ ب] إذا دفع إليه وقلنا: لا يعتق ثم أطلق الحجر عنه من بعد هل يعتق بالإيتاء السابق قد قيل: قولان، وقيل: قولا واحدًا لا يعتق لأن الحجر عليه لا لغيره.
مسألة: قال: ولو اختلف السيد والمكاتب تحالفا وترادا.
هكذا نقل المزني وقال في «الأم» إذا تصادق السيد والعبد على أن كاتبه كتابة صحيحة واختلفا في الكتابة، فقال السيد: كاتبتك على ألفين، وقال العبد: على ألف تحالفا كما يتحالف المتبايعان ويترادان فمن أصحابنا من قال: لفظ التراد غلط من الكاتب في هذه المسألة لأن العتق لا يرد إذا وقع وهذا يتبين من كلام الشافعي في «الأم» لأنه ذكر التراد فيما شبه الكتابة به من اختلاف المتبايعين لا في الكتابة ومن أصحابنا من قال: المراد به فسخ الكتابة وهو صحيح وجملته أنه إذا اختلفا في مقدار الكتابة أو في مقدار النجوم، أو في مقدار الأجل، أو في جنس مال الكتابة فإنهما يتحالفان، وبه قال أبو يوسف ومحمد. وقال أبو حنيفة: القول قول المكاتب وعن أحمد ثلاث روايات: إحداها كقولنا، والثانية: كقول أبي حنيفة، والثالثة: القول قول السيد، ودليلنا أنهما اختلفا في عوض العقد القائم بينهما، وليس مع أحدهما بينة فيتحالفان كما في المتبايعين إذا اختلفا في الثمن.
فإن قيل: القياس أن لا تحالف، ولكن أثبتناه في البيع للخبر، قيل: القياس هو التحالف لأن كل واحد منهما مدعي ومدعى عليه ولأن في الإجارة يثبت التحالف، [٧٥/ أ] ولم يرد فيها الخبر، فلم يصح ما قاله، فإذا تقرر هذا وتحالفا انفسخ عقد الكتابة فإن كان قبل العتق عاد العبد رقيقا كما كان وهذا إذا قلنا: ينفسخ البيع
стр. 3999
بالتحالف من غير حكم الحاكم فأما إذا قلنا: في التحالف لا ينفسخ البيع ما لم يفسخ الحاكم بعد التحالف لا يعود العبد رقيقًا ههنا بنفس التحالف بل إذا تراضيا على شيء بعد التحالف أقرا عليه وعتق العبد بأدائه، وإن لم يتراضيا فسخها الحاكم ثم يعود العبد رقيقًا، وإن كان بعد الأداء ووقوع العتق لم يرد العتق ولكنهما يتراجعان بالقيمة لأن العقد ينفسخ ويسقط المسمى فيكون بمنزلة الأداء في الكتابة الفاسدة فيثبت التراجع، فإن قيل: كيف يتصور اختلافهما بعد عتقه، قيل: ذكر الشافعي في الإملاء وحرملة صورة ذلك، فقال: قال الشافعي: لو أن رجلا جاء إلى الحاكم ومعه عبد له، فقال: كاتبت عبدي هذا كتابة صحيحة على ألفي درهم وقبضها منه فعتق، وقال العبد: صدق في كل ما قال إلا في الألفين فإنه ما كاتبني إلا على ألف درهم وأعطيته ألفين على أن يكون لي عنده ألف، وليس لواحد منهما بينة تحالفا كما يتحالف المتبايعان الحران، وكان للسيد على العبد من الألفين قدر قيمته، فإن كانت قيمته أكثر من ألفين رجع السيد بالفضل عليه فإن أقاما جميعًا البينة، فقال بينة العبد كاتبه في شهر رمضان من سنة كذا على ألف، وقال: بينة السيد كاتبه في شوال من تلك السنة على ألفين، [٧٥/ ب] واتفقا على أن الكتابة كانت واحدة، قال الشافعي: كان هذا كذابا من كل واحدة من البينتين للأخرى ويتحالفا وهو مملوك بحاله وإن لم يتفقا على أن الكتابة كانت واحدة. قال الشافعي: البينة المتأخرة أولى لأنهما قد يكونان صادقين فتكون كتابته في شهر رمضان ثم انقضت الكتابة وأحدث له كتابة أخرى، قال الشافعي: إلا أن تكون البينة الأولى أنه أدى وعتق، فتكون البينتان متعارضتين لأنه لا يمكن أن يكون مكاتبًا بعد العتق.
فرع
قال في «الأم»: ولو شهدت بينة المكاتب أنه كاتبه على ألف وأداها السيد ألفا وشهدت بينة سيده أنه كاتبه على ألفين فأدى ألفا ولم يوقت البينتان لم يعتق المكاتب وتخالفا وتراد الكتابة من قبل أن كل واحدة من البينتين تكذب الأخرى فليست إحداهما بأولى أن تقبل من الأخرى، فجعل الشافعي البينتين المطلقتين في التعارض مثل البينتين المؤرختين.
وقول الشافعي: تحالفا وترادا دليل على صحة لفظ التراد في المسألة الأولى، وإن المراد به فسخ العقد.
فرع آخر
قال في «الأم»: ولو شهدا معًا بهذه الشهادة واجتمعا على أن السيد عجله العتق، وقالت: بينة السيد جعل الألف دينًا عليه وأخر ذلك أنفذت له العتق لاجتماعهما عليه،
стр. 4000
وأحلفت كل واحد منهما لصاحبه ثم جعلت على المكاتب قيمته ليسده كانتأكثر من ألفين أو أقل من ألف.
ولو تصادقا على أن الكتابة بألف في كل سنة منها كذا فمرت سنون، فقال السيد: لم يؤد إلى شيئًا، وقال العبد: [٧٦/ أ] أديت إليه جميع النجوم كان القول قول السيد مع يمينه، وعلى المكاتب البينة فإن لم يقم بينه وحلف السيد، قيل للمكاتب: إن أديت جميع ما مضى من نجومك الآن وإلا فلسيدك تعجيزك.
فرع آخر
قال: ولو قال السيد: قد عجزته وفسخت كتابته وأنكر المكاتب أن يكون فسخ كتابته كان القول قول المكاتب مع يمينه، ولا يصدق السيد على تعجيزه إلا ببينة تقوم على حلول نجم أو نحوم على المكاتب، فيقول: ليس عندي أداء ويشهد السيد أنه فسح كتابته، فيكون كتابة مفسوخة سواء كان هذا عند حاكم أو غير حاكم.
فرع آخر
قال: ولو ادعى على سيده أنه كاتبه وأقام بينة بكتابته ولم تقل البينة إلى وقت كذا لم تجز الشهادة وكذلك لو قال: كاتبه على مائة دينار، ولم يثبت في كم يؤديها وكذلك لو قال: مائة دينار منجمة في ثلاث سنين، ولم تقل في كل سنة ثلثها، أو أقل أو أكثر لا تجوز الشهادة حتى يؤقتا المال، والسنين وما يؤدى في كل سنة، فإذا انقضت البينة من هذا شيئا سقطت وحلف السيد وكان مملوكًا وإن نكل حلف العبد وكان مكاتبًا على ما حلف عليه.
فرع آخر
قال: ولو أقام بينة على أنه كاتبه وأدى إليه فعتق، أو أقام بينة على أن سيده أقر أنه كاتبه على أنه إذا أدى فهو حر، وأنه أدى إليه وجحد السيد وادعى أن الكتابة كانت فاسدة أعتقته عليه وأحلفت العبد على صحة الكتابة، فإن حلف برئ وإلا حلف السيد وترادا القيمة.
مسألة: قال: «ولو مات العبد المكاتب وكان له ولد من امرأة معتقة».
الفضل
صورة المسألة [٧٦/ ب] أن يكاتب عبدًا فتزوج بحرة معتقة فأتت بولد يكون الولد حرا وولاءه إلى الأم لأنه عتق بعتقها، فإن أدى الأب مال الكتابة عتق وجر ولاء ولده عن موالي الأم إلى موالي نفسه.
ولو قال السيد في حال حياة المكاتب قد أدى إلى كتابته عتق بقوله وانجر الولاء إليه، وإن لم يكن صادقًا لأنه يجعل هذا الكلام نمه ابتداءً إعتاق وإبراء.
стр. 4001
وإن مات العبد فقامت البينة أن السيد أقر بقبض النجوم في حياته فكذلك الحكم، وإن لم تقم البينة ولكنه يقر بعد موته بأنه كان قد أدى المال وعتق ويدعي ذلك لجر الولاء. وقال موالي الأم مات قبل الأداء، فالولاء لنا، فالقول قول موالي الأم لأن الأصل بقاء الولاء لهم، فلا ينتقل عنهم إلا بيقين ويحلف مولى الأم على العلم أنه لا يعلم ذلك. قال في «الأم»: ودفع مال المكاتب إلى ورثته الأحرار بإقرار سيده أنه مات حرًا وهذه الصورة مسألة الكتاب.
فرع
لو أقر السيد في مرضه أنه قبض ما على مكاتبه حالا كان على المكاتب أو مؤجلاً صدق، وليس هذا بوصية وإنما هو أقر ببراءة دين كان عليه، فهو كما يصدق على إقراره لحر ببراءة دين له عليه.
مسألة: قال: «ولو قال: استوفيت ما على مكاتبي أقرع بينهما».
صورة المسألة: أن يكون مكاتبان فأقر أنه استوفى ما له على أحدهما وكانت كتابتهما سواءً أو أقر أنه أبرأ أحدهما ما عليه، وإنما أشكل عليه عينه، قال الشافعي: يقرع بينهما ولا خلاف أنه لا يقرع ما دام السيد حيًا بل يرجع إليه، [٧٧/ أ] فيقال له: تذكر، وأخبر به، فإن الظاهر من حال الإنسان أنه إذا نسي شيئًا تذكره وأخبر عنه، فغن تذكر وأخبر به يعتق الذي أخبر به، فإن ادعى الآخر أنه هو الذي عتق، فالقول قول السيد فيحلف له وتسقط دعواه، فإن نكل عن اليمين حلف العبد وعتق أيضًا وإن لم يتذكر حلف لهما إذا تداعياه.
ثم الحكم فيهما بعد اليمين اختلف أصحابنا فيه على وجهين، أحدهما: أن يكون كل واحد منهما على كتابته، ولا يعتق واحد منهما إلا بأداء جميع المال وحكي عن الشافعي هذا الوجه لأن كل واحد منهما لم يستقر له الأداء، والثاني: أن الدعوى ترد على المكاتبين حتى يتحالفا على الأداء، فإن حلفا أو نكلا كانا على الكتابة لا يعتقان إلا بالأداء وإن حلف أحدهما ونكل الآخر قضى بالأداء للحالف منهما دون الناكل وعتق، وكان الناكل على كتابته، وإن مات السيد قبل البيان، ففيه قولان، أحدهما: يقرع بينهما لأن الحرية قد تعينت في أحدهما لا بعينه فوجب تمييز ذلك بالقرعة، ولأن معنى ذلك أن أحدهما حر والآخر مملوك فهو كما لو قال أحدكما: حر، ولم يبين ومات وأراد واحدًا بعينه لأن العتق قد تعين في الذي أدى الكتابة والسيد المخبر عنه، والثاني: لا يقرع بينهما لأن أحدهما قد عتق، فلو أقرعنا أدى إلى نقل الحرية من شخص إلى شخص ولا سبيل إلى ذلك.
وإذا قلنا: بهذا رجعنا إلى الورثة، فإن ذكروا أنهم يعرفون ذلك حكمنا بحرية المعين
стр. 4002
بإقرارهم فإن ادعى الآخر ذلك يحلفون له، فإن نكلوا عن اليمين حلف العبد [٧٧/ ب] أن الأول بالإقرار، والثاني: يرد اليمين وإن ذكروا أنهم لا يعرفون ذلك حلفوا لكل واحد منهما ويستوفون المال منهما جميعًا كرجل له دين على رجلين أقر أن أحدهما برئ مما عليه ولم يعينه ومات فالورثة يحلفون لكل واحد منهما ويستوفون الدينين معًا كذلك ههنا.
ومن أصحابنا من قال: بيان الورثة مقدم على الإقراع في العتق المعين وهذا عتق معين، فإن قال الوارث: لا أعلم يقرع حينئذ على ما ذكره الشافعي ذكرها القاضي الطبري وهذا أصح عندي، وقال صاحب «الشامل»: عندي أنه إذا حلف الوارث لهما أنه لا يعلم عين المؤدي منهما، وقلنا: لا يقرع فقالا: نؤدي على أحدنا إن كانت الكتابتان سواء، وإن اختلف المالان، فقالا: نؤدي الأكثر منهما ليعتق. كان لهما ذلك لأنه إذا أدى ذلك فقد ثبت أداء جميع ما عليهما بحكم الإقرار السابق، وهذا حسن عندي.
فإن قيل: أليس لو قال: استوفيت ديني من أحد الغريمين ولم يبين، ومات لا يقرع بينهما فما الفرق؟ قيل: الفرق أن ههنا في ضمن الاستيفاء عتقًا والإقراء لحق العتق لا لتبيين الاستيفاء، وهناك استيفاء محض، فلا تشرع القرعة ونظيره لو قال: استوفيت بعض نجوم، أحدهما ولم يبين لا يقرع لأن العتق لا يحصل به، بل الأمر موقوف.
فإن قيل: هلا اعتبرتم ظاهر اللفظ وهو الاستيفاء حتى لا يقرع: لأنه إخبار وليس بإنشاء، وفي ذلك المخبر عنه استيفاء، وعتق والعتق مغلب [٧٨/ أ].
وإذا أقرعنا، فخرجت القرعة لأحدهما عتق، وقد حصلت البراءة تبعًا للعتق وبقي الآخر مكاتبًا. وإن ادعى أحدهما على الورثة فأنكر له حصل بإنكاره الإقرار للآخر.
ثم رجع الشافعي ﵁ إلى مسألة الخلاف، فقال: والمكاتب عبد ما بقي عليه درهم، قال: وكيف يموت عبدًا ثم يصير حرًا بالأداء بعد الموت؟، وإذا كان لا يعتق في حياة السيد إلا بعد الأداء فكيف يصح عتقه إذا مات قبل الأداء؟ وهذا ذكره دليلا على أبي حنيفة ﵀.
مسألة: قال: «ولو أدى كتابته فعتق وكان عرضًا فأصاب السيد به عيبًا فرده».
الفصل
جملة هذا أن الكتابة على العرض جائزة كما تجوز على النقود لأنه تثبت في الذمة سلمًا، فإذا كاتب على عرضين موصوفين إل أجلين معلومين، فأداهما على صفتها، فإنه يعتق في الظاهر لأنه أدى المال الذي وقعت الكتابة عليه، فإن أصاب السيد
стр. 4003
بالعرض عيبًا فله رده، وإمساكه لأنه ملكه بمعاوضة ولا فرق عندنا بين العيب اليسير والكثير. وقال أبو حنيفة لا يرد بالعيب اليسير، فإن اختار الإمساك سقط حكم الرد واستقر ملكه على المأخوذ واستقر العتق، وإن اختار الرد فرده وعجز ارتفع العقد، وارتفع العتق الواقع له كالمشتري إذا رد المبيع بالعيب ويفارق هذا إذا قال لامرأته: إن أعطيتني ثوبًا فأنت طالق وأعطته ثوبًا فإنها تطلق فلو وجد به عيبًا، فرده لم يرتفع الطلاق لأن المغلب هناك حكم الصفة وههنا المغلب حكم المعاوضة، [٧٨/ ب] فإذا رده ارتفع حكمه كالبيع، وقال أحمد: لا يرتفع العتق الواقع به إذا رد لأن المال فيها غير مقصود كما في الخلع وهذا غلط لما ذكرنا، فإن قيل: إذا اختار الإمساك ينبغي أن لا يعتق لأنه لم يعطه جميع ما وقع عليه العقد كما لو كاتبه على عشرة فأعطاه خمسة أو تسعة لا يعتق، قلنا: إذا أمسك المعيب فقد رضي بإسقاط حقه منه فجرى مجرى ما لو أبرأه مما بقي من مال الكتابة، ولأن سلامة الصفة اقتضاها العقد والقدر منصوص عليه فتعلق العتق به لأن حكم الصفة أخف وكفى في سقوط حقه منها إمساكه، وقال أبو إسحاق: العتق قد وقع بقبضة معيبًا لأن كونه معيبًا لا يمنع كونه ملكًا للقابض إلى يفسخ ذلك، وإذا كان ملكه وجب أن يعتق المكاتب لأنه لا يجوز أن يجتمع في ملكه البدل والمبدل، ويقال للسيد إن رضيت به فالعتق نافذ من يوم قبضت، وإن لم ترض به فرده بالعيب فإذا رده عاد مكاتبًا، وقيل له: إن أعطيته سليمًا من العيب فليس له تعجيزك، فإذا عجزت عن ذلك، فليس عليه الصبر وله تعجيزك ورد الكتابة.
قال المسارجسي: وبعض أصحابنا إذا وجد العيب تبينا أن العتق لم يقع فإن أمضاه ورضي به عتق من وقت الرضا وإن رد لم يقع العتق. وقول الشافعي ورد العتق ليس على ظاهره لأن العتق لا يرد بعد وقوعه، وإنما لم يقع العتق لأنه إذا وجد به عيبًا تبينا أنه لم يأت بالعوض الذي وصفه كالمسلم إليه إذا أتى بالمسلم فيه بغير فته، فإن المعقود عليه [٧٩/ أ] لم يسلمه والذي يدل عليه أن الشافعي شبهه بدفع دنانير نقص، ولا شك أن العتق لا يقع بدفع دنانيرنا فضة. قال: وقد قال الشافعي في كتاب الخلع: إذا خالع بعبد بعينه فوجد به عيبًا رده، وكان له عليها مهر مثلها، وإنما أوقع الطلاق لأن العقد وقع على عوض موصوف، فإن كان به عيب لم يسلم ما وقع العقد عليه، قال: والدليل على أن العتق إذا وقع لا يرفع أن الشافعي، قال: ولو قال: أنا عبد فلان، فأنكره وقال: ليس لي عتق، فإنه أقر بعده لغيره لم يقبل منه ولا يرفع عتق واقع.
ولأن الشافعي قال: إذا اختلفا في مقدار مال الكتابة بعد قبضه تحالفا ويرجع إلى قيمته، ولا يرفع العتق فصح أن العتق لم يصح في هذه المسألة، وهذا إذا كانت السلعة قائمة، فأما إذا كانت فائتة، قال أبو إسحاق: عاد إلى الكتابة من يوم المعيب لأنه بالتلف وجب للسيد أرشه فكأنه من ذلك اليوم قد بقي من الكتابة مقدار أرش العيب، فيكون مكاتبًا من ذلك الوقت، فيقال له: إن أعطيته نقصان العيب من وقتك وإلا فلسيدك تعجيزك، ولم يقل: يرد العتق، فلو كان العتق باقيًا مع تلف السلعة كبقائه إذا
стр. 4004
كانت باقية لاحتاج أن يرد العتق أولا ثم يعجز، وقال القفال: لو رضي بالعيب بعدما علم به، وفاتت السلعة ففي وقت العتق وجهان، أحدهما: من يوم الدفع، والثاني: من يوم الرضا، قال وإذا أراد الأرش فإن كان العيب ينقص عشر قيمة العوض فعلى العبد أني غرم عشر قيمة [٧٩/ ب] نفسه كما لو أسلم ثوبًا في حنطة، فأخذ الحنطة وأتلفها ثم وجد بها عيبًا ينقص عشر قيمتها فعلى البائع أن يرد عشر الثوب وههنا لا يمكن أن يرد عشر نفسه للفوت بالعتق فيرد عشر قيمة نفسه ومن أصحابنا من قال: يلزمه عشر قيمة العوض، وهذا غلط وهكذا الحكم لو كانت السلعة باقية ولكن حدث فيها عيب آخر، فلم يرض به لا يقع العتق حتى يدفع الأرش.
وإن وجد ما أخذ مستحقًا بان أنه لم يعتق بلا إشكال.
فرع
قال الشافعي ﵁ لو قبضه، وقال له: أنت حر ثم بان استحقاقه، فاختلفا، فقال السيد: أردت أنه حر على حكم الكتابة بقبض ما قبضت. وقال المكاتب: بل أردت إنشاء الحرية، فالقول قول السيد مع يمينه ثم هو على كتابته إلى أن يؤدي وعلى هذا لو قيل له: طلقت امرأتك، فقال: نعم، طلقتها، ثم اختلفا، قالت المرأة: أردت إنشاء الطلاق أو إقرارًا بطلاق آخر وقال الزوج: أنا قلت ذلك على ظن أن اللفظ الذي كان جرى بيننا وقع به الطلاق، وقد أفتى العلماء بأن ذلك اللفظ ليس بطلاق، فالقول قوله، ذكره القفال، وهو غريب ولو بان استحقاق العرض، ثم قال: أنت حر يعتق الآن بلا إشكال.
مسألة: قال: «ولو ادعى أنه دفع مال الكتابة انظر يومًا».
اعلم أنه إذا اختلف السيد والمكاتب، فقال: أديت المال وأنكر السيد، فإن لم يكن معه بينة، فالقول قول السيد لأن الأصل بقاء الحق في ذمته، وإن كان معه بينة تشهد له فإن كانت حاضرة أقامها، [٨٠/ أ] قال: فإن جاء بشاهد حلف معه وبرئ. وهذا نص على أنه يقبل فيه شاهد ويمين ولا فرق بين النجم الأول، والثاني: وقد ذكرنا وجهًا آخر أنه لا يقبل في النجم الثاني، وهو خلاف النص وإطلاق الوجهين خطأ وإن ادعى أن له بينة غائبة لا يؤجل أكثر من ثلاثة أيام لأنها آخر حد القلة وأول حد الكثرة، فإن أحضر شاهدًا واستنظر بالثاني، ينظر ثلاثة أيام أخرى، ولو أحضر شاهدين انظر لإثبات عدا لتهما ثلاثًا.
مسألة: قال: «ولو عجز أو مات وعليه ديون بدئ بها على السيد».
الفصل
قد ذكرنا فيما تقدم أنه إذا مات سقط دين السيد وبقيت ديون الناس، فيقضي مما في
стр. 4005
يديه، فإن بقي شيء لا يلزم سيده قضاءه، وإن لم يمت ولكنه أفلس يبدأ بديون الناس على نجومه. وقال بعض أصحابنا بخراسان: لو كان لسيده عليه دين من معاملة لا من نجوم الكتابة فهو كأحدهم في ذلك، وإنما تقدم الديون على نجوم الكتابة فقط، وإن كان فيهم مجني عليه، ففيه وجها، أحدهما: يشاركهم، والثاني: يصرف ما في يده إلى الغرماء ويعجز ثم تباع رقبته للمجني عليه لأنه يمكن استيفاء حقه من رقبته ولا يمكن استيفاء حق الغرماء من رقبته فكانوا أحق بما في يده، وهذا أصح وهو اختيار القفال وغيره. قال القفال: فإن مات رقيقًا، وهناك ديون جناية ومعاملة، ففيه وجان أحدهما: يقدم دين المعاملة كما في حال الحياة، والثاني: هما سواء [٨٠/ ب] لأن دين المعاملة كان في المال والأرش كان في الرقبة فلما مات انتقل إلى المال وعندي أن أرش الجناية سقط بموته لفوات محله، وهو الرقبة وليس له تعليق بالمدة.
فرع
قال في «الحاوي»: إذا عجز وكانت الجناية أقل من ثمنه بيع منه بقدرها، وكان الباقي منه على رق سيده، فإن أراد السيد أن يستبقي الباقي على الكتابة جاز له لأنه لم يبتدأ بها في بعضه فيمنع منها، وإنما بطلت الكتابة في بعضه فجاز أن يصح الباقي منها، فإذا أدى كتابة باقية عتق، وفي تقويم باقيه على السيد إن كان موسرًا وجهان، أحدهما: لا يقوم عليه لتقديم سبب العتق قبل التبعيض، والثاني: يقوم الباقي ويسري العتق في جميعه لأن اختياره للإنكار كابتداء العتق.
فرع آخر
قال: لو بيع بعضه في جنايته قبل أن يحل عليه مال الكتابة لزم السيد أن يقيم على الكتابة في باقية لأنها إذا لزمت في جميعه لزمت في بعضه ولا يقوم عليه باقيه إن عتق بالأداء وجهًا واحدًا لأن عتقه لم يقف على خياره بعد التبعيض.
فرع آخر
لو استسخر السيد مكاتبه فحبسه عن العمل واستخدمه، فهو مضموم عليه، فيؤخذ من السيد ثم هل يستأنف له ما فات من زمان الأجلظ قولان أحدهما: لا يستأنف لأنه قد أخذ أجر المتلف، والثاني: يستأنف إذ لا سبيل إلى تعجيزه، وقد أبطل عليه مدته، فإذا قلنا: لا يستأنف فإن وقت أجرة المثل بمال الكتابة عتق، وإن كان فيه فضل بقي له الفضل، [٨١/ أ] وإن نقص فبذلك النقصان يعجزه السيد إن كان قد حل النجم.
باب كتابة بعض عبد، والشريكين في العبد يُكاتبانه
مسألة: قال: «ولا يجوز أن يكاتب بعض عبد».
стр. 4006
الفصل
إذا كاتب بعض العبد لا يخلو أن يكون باقيه حرًا أو مملوكًا له، أو مملوكًا للغير فإن كان باقيه حرًا صحت الكتابة لأنه يتوفر عليه جميع مقاصد الكتابة ويعطى من سهم الرقاب، وإن كان الباقي مملوكًا له نص على أنه لا يجوز لأنه يملك به كمال الكسب والتصرف فإن له منعه من السفر والغيبة ولا يجوز له أن يأخذ سهم الرقاب لأن السيد يأخذ نصفه لحق الملك وذلك لا يجوز، فصار كما لو كاتب عبدًا بشرط أن لا يسافر ولا يأخذ من الصدقة لا يجوز، وقال بعض أصحابنا: فيه قول مخرج أنه يجوز لأن الشافعي، قال في العبد المشترك: إذا كاتبه أحدهما بإذن شريكه فيه قولان، لأنه شريكه، وهو قد رضي، ومن قال بالأول فرق بأنه أمكنه هناك أن يكاتب كله ليكون العقد مصونًا عما ذكر وأحد الشريكين لا يمكنه أن يكاتب أكثر من نصيبه، فإذا قلنا: لا يجوز فأدى ما سمى عتق بالصفة والنصف الثاني يعتق بالسراية، ويتراجعان بنصف القيمة، وهو أن يؤدي العبد إلى سيده نصف قيمته ويسترد ما أعطاه وإنما قومنا عليه الباقي لأن نصفه عتق بسبب كان منه، ولا يجب على العبد قيمة نصف الذي سوى العتق إليه كما لو قال: [٨١/ ب] إن دخلت الدار فنصفك حر، فدخل عتق نصفه وسري إلى باقيه، ولا يقوم على العبد النصف الباقي، وقال ابن سُريج هذا إذا أدى ما سمي بعد أداء حق سيده من كسبه، فإن أدى قبل أداء حق سيده منه، ففيه وجها، أحدهما: لا يعتق كما في الكتابة الصحيحة لاستحقاقه لبعضه بحكم الملك فلم يكمل به الأداء، والثاني: يعتق لأن في الفاسد يغلب حكم العتق بالصفة، وقد وجدت الصفة وإن لم يملك كما لو قال: إن أعطيتني هذا الثوب فأنت حر فأعطاه وكان مغصوبًا عتق.
ومن أصحابنا من قال فيا يرجع به السيد على مكاتبه وجهان، أحدهما: ما ذكرنا، والثاني: يرجع بجميع قيمته لوقوع عتقه عن كتابة فاسدة ذكره في «الحاوي» وإذا قلنا: بالقول المخرج فإن هايأه السيد فكان يكسب يومًا ويخدم يومًا للسيد فأدى النجوم من نصيبه عتق النصف بالكتابة والنصف بالسراية، وإن لم يكن مهيأة بل اكتسب لنفسه كل يوم ووفر على السيد ضعف نجومه عتق أيضًا كما ذكرنا نصفه بالكتابة ونصفه بالسراية وإن لم يدفع إلا مقدار النجوم، فهل يعتق أم لا؟ فيه وجهان على ما ذكرنا.
وهو مخير يجوز أن يهايئه ويجوز أن لا يهايئه بلا خلاف.
وإن كان الباقي مملوكًا لغيره فإن كاتبه بغير إذن شريكه لا يجوز وبه قال مالك وأبو حنيفة وجماعة، وقال الحكم وعبيد الله العنبري وابن أبي ليلى والحسن بن صالح بن حي وأحمد: يجوز وهذا لا يصح لأنه إذا كان باقيه مملوكصا فالسيد لا يكنه من الاكتساب والسفر لا يدفع إليه شيء [٨٢/ أ] من الصدقات، فلا يحصل له الأداء الذي هو المقصود لحصول العتق، وحكم الكتابة أن يكون عقدًا لا يكون المكاتب فيه ممنوعًا
стр. 4007
من جميع وجود الاكتساب، وإن قلنا: لا يمكنه أخذ الصدقات لأن ذلك يؤدي إلى مقاسمة الشريك فتصير نصف الزكاة إلى سيده الذي لم يكاتبه فإذا ثبت أنه لا يجوز فقد اشتملت على معاوضة وصفة وبطلت المعاوضة فتجردت الصفة وللسيد إبطالها فإن أبطالها صار كأنه لم يكاتبه، وإن لم يبطلها حتى أدى مال الكتابة عتق وثبت بينه بين السيد التراجع على ما ذكرنا وسرى العتق إلى نصيب شريكه إن كان موسرًا ويلزمه قيمته، وإن جمع الكسب وأداه إلى السيد الذي كاتبه، فهل يعتق به وجهان على ما ذكرنا، والظاهر أنه لا يعتق لأنه يقتضي إعطاء ما يملكه وينتفع به وذلك لا يحصل بمال شريكه، وقال بعض أصحابنا بخراسان نقل الربيع: أنه لا يعتق ونص في كتاب ابن أبي ليلى: أنه يعتق فحصل قولان، قال: ولذا لو قال لعبده: إن أعطيتني عبدًا، فأنت حر فأعطاه عبدًا مستحقًا فهل يعتق؟ قولان، وهذا غريب، فإن قلنا: لا يعتق، فالسيد الذي لم يكاتبه يرجع على شريكه بنصف الكسب الذي أخذه من العبد فإن الكسب مشترك بينهما.
ثم إن كان مع العبد ما يؤدي إلى شريكه تمام ما عليه من كسبه وثبت بين المكاتب وبين سيده التراجع على ما ذكرنا في القسم قبله ويسري العتق إلى باقي العبد إن كان موسرًا، ويقوم عليه نصيب شريكه ولا يلزم العبد شيء، لأنه [٨٢/ ب] لم يدخل في عقد الكتابة على ضمانه.
وإن كانت الكتابة بإذن شريكه فحصل، تصح الكتابة فيه قولان نقلها المزني، أحدهما يصح، وبه قال أبو حنيفة ومالك لأنه منع من ذلك لحق شريكه، فإذا رضي به بإسقاط حقه وإدخال الضرر على نفسه يصح ونص على هذا في الإملاء على مسائل محمد بن الحسن.
وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: إذنه في ذلك يقتضي أن يؤدي العبد مال الكتابة من جميع كسبه ولا يرجع الإذن بشيء منه وطلب أبو يوسف ومحمد يصير جميعه مكاتبًا لأن التدبير والكتابة يسريان وهذا لا يصح لأنه عقد معاوضة فلا يسري كالبيع، والثاني: نص عليه في «الأم»: أنه لا تصح الكتابة وهو اختيار المزني لما ذكرنا من العلة لأنه لا يكون ممكنًا من جميع وجوه التكسب والتصرف، فإذا قلنا: إنها باطلة فالحكم كما لو كاتبه بغير إذن شريكه سواء، وإذا قلنا: تصح الكتابة فنصف العبد يكون مكاتبًا ونصفه يكون مملوكًا للشريك، ويكون الكسب بينهما والنفقة عليهما، ثم ينظر فإن دفع إلى الشريك الذي لم يكاتب نصف الكسب وجميع النصف الآخر ودفعه إلى السيد الذي كاتبه عتق ولا تراجع لأنه عتق بكتابة صحيحة ولكنه يسري إلى الباقي إن كان موسرًا على ما ذكرنا، وإن جمع الكسب كله وأداه إلى المكاتب فهل يعتق من أصحابنا من قال: فيه وجهان، أو قولان كما ذكرنا في المسألة قبلها، وهذا خطأ بل لا
стр. 4008
يعتق قولاً واحدًا والفرق أن الكتابة ها هنا صحيحة والمغلب فيها حكم المعاوضة وفي المعاوضة إذا دفع شيئًا غير مملوك كان بمنزلة ما لم يدفع [٨٢/ أي كما في البيع وفي المسألة قبلها الكتابة فاسدة والمغلب حكم الصفة وقد وجدت الصفة فعتق، وقد ذكرنا أن كسبه مشترك بين المكاتب وبين الشريك، فإن لم يكن مهيأة لا يجوز أن يأخذ من سهم الصدقات وإن كان بينهما مهايأة يجوز أن يأخذ من سهم الصدقات للرقاب في أيام نفسه خاصة ذكره في «الحاوي». وقال الصيمري: إذا جوز كتابته هل يأخذ من الزكاة قولان، وهل تجب المهايأة إذا طلب أحدهما قال في «الحاوي»: فيه وجهان، أحدهما: تجب كالقسمة وأصل هذا أن النبي ﷺ قسم بين نسائه وهذا مهايأة قد أوجبها لنفسه وعليها، والثاني: لا تلزم لأنها لا تفضي إلى تأخير حق معجل وتعجيل حق مؤخر بخلاف القسمة، وفي قسم الزوجات لا يمكن الجمع بينهن فلا بد من إفراد كل واحدة بحقها فلزمت المهايأة، واحتج المزني على ما اختاره، فقال: زعم الشافعي أنه لو كانت كتابتهما فيه سواءً فعجزه أحدهما وانظره الآخر فسخت الكتابة بعد ثبوتها حتى يجتمعا على الإقامة عليها فالابتداء بذلك أولى.
ثم قال: ولا يخلو إما أن تكون كتابته جائزة كبيعه إياه فلا معنى لإذن شريكه أو لا يجوز فلم نجوزه بإذن من لا يملكه، وهذا اعتراض على القولين وجوابه عن الفصل الأول أن يقال للمزني: هذا جواب على القول الذي لا يجيز الكتابة، فأما على القول الذي يجيز الكتابة فلا تفسخ الكتابة في نصيب من أنظره، وقال القفال: من أصحابنا من سلم هذه المسألة أنه لا يجوز، لأنه بغير إذن الشريك، وإنما تراضيا في الابتداء ليكاتباه معًا، [٨٣/ ب] فإذا اختلفا في التعجيز والإنكار حصل استبقاء الكتابة في النصف بغير إذن الشريك حتى لو قال للذي عجزه: رضيت بأن ينظره صاحبي جاز قولا واحدًا.
وأما الفصل الثاني: إذا باع نصيبه ترك منزلته فلا يحتاج إلى إذن الشريك في بيعه كما لا يحتاج إلى إذنه في استبقاء ملكه، وأما إذا أراد أن يكاتبه، فالكتابة ضرر على شريكه من وجوه شتى بخلاف إعتاق نصفه إذ لا يجد المكاتب بدا من التغلب للتحمل فإذا أذن فقد رضي بالتزام الضرر فجاز، فإذا تقرر هذا ذكر الشافعي في هذا الفصل أن المكاتب لا يمنع من السفر والاكتساب، والمزني نقل هذا من «الأم»، وحكى المزني في «الجامع الكبير» عن الشافعي أنه قال في «الإملاء»، وليس للمكاتب أن يسافر بغير إذن سيده، واختلف أصحابنا في المسألة على طريقين فمنهم من قال: المسألة على اختلاف حالين، فالموضع الذي قال له أن يسافر إذا كان سفرًا قصيرًا لا تقصر فيه الصلاة، فيكون ذلك بمنزلة الحضر، والموضع الذي قال: لا يسافر إذا كان السفر طويلاً لأن فيه تغريرًا، ومن أصحابنا من قال: فيه قولان، أحدهما: لا يجوز له أن
стр. 4009
يسافر إلا بإذن السيد وبه قال مالك: لأنه ممنوع من إتلاف ما في يجده فليس له أن يغيب المال عن سيده لأنه لا يؤمن أن يتلفه من حيث لا يقف عليه سيده ولا يمكنه منعه منه ولأن للمرتهن منع الراهن من السفر بالمرهون فالسيد أولى لأن حق السيد فيما في يد [٨٤/ أ] المكاتب أكثر، فإنه قد يعجز أن يموت فيأخذ السيد جيمعه، والثاني: يجوز ذلك ولا يمنعه منه السيد وبه قال أبو حنيفة وأحمد حتى قال أبو حنيفة: لو شرط عليه سيده في الكتابة أن لا يسافر سقط الشرط وكان له أن يسافر ووجه هذا أن المكاتب في يد نفسه، وإنما للسيد عليه دين والدين لا يمنع السفر كالدين على الحر إذا كان مؤجلا، وقال المزني: هذا أقيس على أصله لأنه إذا كان على كتابته فهو مالك لنفسه ولتصرف إلى أن يعجز فليس له أن يمنعه منه لا سيما وفي السفر منفعة تؤدي إلى حريته، قلت: وقد روي عن النبي ﷺ إن شاء الله أنه قال: مكتوب في التوراة. قال الله تعالى: «أحدث سفرًا أحدث لك رزقًا».
مسألة: قال: «ولا يجوز أن يكاتباه معًا حتى يكونا فيه سواء».
قال أصحابنا لم يرد بهذا أنه لا يجوز أن يكاتباه معًا حتى يكونا في قدر الملك سواءً بل يجوز أن يكاتباه معًا قولا واحدًا سواءًا تساويا في الملك أو تفاضلا لأن كل عقدٍ صح مع التساوي صح في الملك مع التفاضل كالبيع، وإنما أراد به، لا يجوز أن يكاتباه حتى يكونا في اعتبار مال الكتابة بقدر الملك سواء، فلا يجوز أن يكون العبد بينهما نصفين ويكون مال الكتابة بينهما ثلثًا وثلثين، ولا يجوز أن يكون العبد بينهما أثلاثًا، ويكون مال الكتابة بينهما نصفين، وإن رضيا لا يجد بدًا من أن يدفع حق احدهما إلى الثاني لأنه ربما يدفع إلى أحد السيدين مائتين، [٨٤/ ب] وإلى آخر مائة ثم يفسخان الكتابة فيحتاج أن يرجع السيد الذي حصل معه مائة على الآخر بخمسين فيكون قد انتفع شريكه بهذه الخمسين مدة بقائها بغير حق ولا سبيل إلى ذلك، ويفارق هذا إذا باعاه من نفسه أحدهما بأكثر من الآخر جاز لأن ذلك لا يتعلق بالكسب والكتابة تتعلق بالكسب وكذلك إذا أجراه بأجرتين مختلفتين لما ذكرنا من الفرق، وهو أنه لا يفضي إلى أن ينتفع أحدهما بملك شريكه، وههنا يؤدي إلى ذلك واختلف أصحابنا في هذه المسألة هل هي أصل بنفسها أم مبنية على غيرها؟ فمنهم من قال: هي مبنية على أصل، وهو أن أحد الشريكين إذا كاتب بإذن شريكه هل يصح؟ فيه قولان، فإذا قلنا: يصح لم يجز ذلك، وعلى هذا يدل كلام الشافعي، فإنه ذكر هذه المسألة في «الأم»، وذكر أنه لا يجوز ثم قال: ولو أجزت هذا أجزت أن ينفرد بكتابة بحصته فثبت أنا إذا جوزنا ذلك جازت هذه الكتابة، وهذا لأن العقد يتعدد بتعدد العاقد فصار كما لو أفرد كل واحد منهما كتابة نصيبه وهذا اختيار القفال، ومن أصحابنا من قال: هذه المسألة أصل بنفسها ولا تجوز هذه الكتابة بحال مع التفاضل لأن المعنى الذي ذكرنا
стр. 4010
موجود على القولين جميعًا وهذا اختيار القاضي الطبري وأجري على القياس وتلك الطريقة أشبه بكلام الشافعي، ومن أصحابنا من قال قوله حتى يكونا فيه سواءً أراد به: تساويهما في ملكه، فإن تفاضلا وكان لأخدهما ثلثه وللآخر ثلثاه [٨٥/ أي لم يصح لقوة أحدهما فيصير التساوي بينهما معدومًا، ولهذا قيل: فيه سواء، يعني في العبد، ولو أراد الكتابة لقال: حتى يكونا فيها سواءً، وعلى هذا يجوز على مالٍ يتفاضلان فيه، ,به قال أبو حنيفة ذكره في «الحاوي»، ومن أصحابنا من قال: إذا كاتباه معًا فيه طريقان، أحدهما: هل يجوز ذلك فيه قولان، لأن العقد إذا اجتمع في أحد طرفيه عاقدان جرى عليه حكم العقدين فصار كأن كل واحد انفرد به، وفيه قولان، والطريقة الثانية: أنه يجوز قولاً واحدًا وهذا التخريج خطأ لأنه يكمل تصرفه إذا اجتمعا ويجوز أخذه من الصدقات بخلاف ما لو كاتبه أحدهما، فقولاً واحدًا يجوز
وإذا قلنا: لا يجوز حتى يتساويان في النجم على قدر الملك لا يجوز أن يشترط أحدهما أن يحل نجمه قبل نجم صاحبه أو يحل لأحدهما في النجم الأول أكثر مما يحل للآخر أن يختلفا في جنس المال بل يجب أن يتساويا في جميع ذلك للمعنى الذي ذكرنا.
مسألة: قال: «ولو كاتبناه جميعًا بما يجوز، فقال: قد دفعت إليكما مكاتبتي».
الفصل
في هذا الفصل مسائل إحداها: أن يدعي أنه دفع إلى كل واحدٍ منهما من المال حقه وأنه عتق فلا يخلو حال الشريكين من ثلاثة أحوال، إما أن يصدقاه أو يكذباه أو يصدقه أحدهما ويكبه الآخر فإن صدقاه عتق لأنهما أقرا ببراءة دمته، وإن كذباه قالقول قولهما لأن الأصل أن لا قبض فيحلفان ويكون المال لهما عليه، وإن صدقه أحدهما يعتق نصيبه بإقراره [٨٥/ ب] بقبض المال، وأما المكذب فالقول قوله مع يمينه لأن الأصل عدم القبض فيحلف ويكون حقه باقيًا على المكاتب ولا تقبل شهادة شريكه عليه، وإن كان عدلا لأنه يدفع بذلك ضررًا عن نفسه فإنه إذا لم يثبت أن شريكه قبض شيئًا من المال استحق أن يرجع عليه ويأخذ منه نصف ما دفعه إليه فهو بشهادته يسقط عن نفسه حق الرجوع فلم تقبل شهادته، فإذا ثبت هذا فإن نصف العبد قد عتق وهو نصيب المصدق ونصفه باق على الكتابة وهو نصيب المكذب، والمكذب بالخيار إن شاء طلب المكاتب بالخمسمائة التي كاتبه عليها بكمالها وإن شاء رجع على شريكه بمائتين وخمسين، وعلى المكاتب مائتان وخمسون لأن الكسب الذي حصل مع الشريك مستحق لهما، فلا يجوز لأحد الشريكين أن يأخذ شيئًا منه دون صاحبه، فإذا أخذه يصير ضامنًا لنصيب صاحبه منه، وإنما يعتق نصيبه بإقراره بأنه لا حق له عليه فيكون
стр. 4011
ذلك بمنزلة الإبراء، فإن اختار الرجوع على المكاتب ومطالبته بالخمسمائة، وأخذها منه، وإن اختار مطالبة كل واحد منهما بما يلزمه ففعل عتق لأنه أدى جميع المال ولا يستحق المكاتب أن يرجع على الشريك المصدق بشيء ولا الشريك يستحق الرجوع على المكاتب بشيء فإنه يقول: أديت ما علي من مال الكتابة والشريك ظالم فيما يرجع علي به، فإنه قد استوفى حقه، ومن أقر أنه مفهوم لا يستحق الرجوع على غيره بما ظلم به وهكذا الشريك المصدق لا يستحق الرجوع على المكاتب بشيء، فإنه يقول [٨٦/ أ] شريكي: قد استوفى حقه من المكاتب، وهو ظالم فيما يرجع به علي، وإن اختار السيد أ، يرجع على المكاتب بخمسمائة فطالبه بها فعجز فله أن يسترقه لأنه قد عجز عن أداء ما عليه، فإذا استرقه حصل نصفه حرًا، ونصفه مملوكًا وكسبه في المستقبل بينه وبين السيد نصفين. وأما الكسب الذي وجده في يده فنصفه يكون لسيده الذي استرقه ونصفه يترك عليه لأن نصفه قد عتق بعقد الكتابة، فكان كسب ذلك النصف له كما لو عتق جميعه.
قال الشافعي ﵁، ولا يقوم باقي العبد على الشريك المصدق، والتعليل الصحيح فيه أن التقويم إنما يراد لحرية العبد وتكميل أحكامه والعبد يقول: أنا عتقت فلا أحتاج إلى التقويم، وإنما غصبني الشريك المنكر على نصفي فسقط التقويم في حقه لأن المغصوب لا يقوم على أحد، قال القاضي الطبري وهذا لا يختلف فيه قول الشافعي ولم يحك أبو إسحاق ولا صاحب «الإفصاح» غير هذا القول، وذكر المزني هذه المسألة في «لجامع الكبير» عن الشافعي هكذا، ثم قال: وهذه المسألة الثانية، وإن ادعى أنه دفع جميع مال الكتابة إلى أحدهما فقال المدعى عليه، بل دفعه إلينا جميعًا رجع عليه شريكه بنصف ما أقر بقبضه وعتق نصيبه وقوم عليه نصيب شريكه إن كان موسرًا، قال أبو إسحاق: وإذا وجب تقويمه فهو على قولين أحدهما تبطل الكتابة في نصيبه ويقوم على شريكه في الحال كما لو أعتق نصيبه، والثاني: يكون نصيبه [٨٦/ ب] على كتابته فإن عجز حينئذ قوم على شريكه، والفرق بين هذه المسألة، والمسألة التي قبلها أن العبد في هذه المسألة لا يدعي حرية جميعه لأنه لا يعتق بدفع جميع مال الكتابة إلى أحدهما، فلهذا قومنا على المقر نصيب شريكه، وفي هذه المسألة التي قبلها ادعى دفع نصيب كل واحد منهما إليه وحرية جميعه فلم يجب تقويمه وهو يزعم أنه حر وقال القاضي الطبري من أصحابنا من قال يقوم نصيبه على شريكه وهذا له وجه ولكنه خلاف النص، وقال في «الحاوي» نص الشافعي أنه لا يقوم وعلل بأن العبد يبرئه من ذلك، وفي هذا التعليل نظر لأنه في تكميل العتق م حقوق الله تعالى ما لا يعتبر فيه الإبراء، ولا فرق بين المسألتين عندي على وجه يصح الفرق، وقال بعض أصحابنا ينقل جواب إحدى المسألتين إلى الأخرى، وهل يقوم فيهما على الشريك؟، فيه قولان،
стр. 4012
وقال بعض أصحابنا بخراسان قولا واحدًا يقوم فيهما لأنه حصل عتق نصيب الواحد، إما بإقراره أو باتفاق الكل، وله الولاء فيقوم عليه نصيب الشريك وهذا والذي قبله ليس بشيء، والفرق ظاهر، وفي هذه المسألة الثانية القول قول المدعى عليه: أنه لم يقبض الخمسمائة الأخرى لأن الأصل أنه ما قبض وإذا حلف برئت ذمته من دعوى المكاتب عليه، ولا تقبل شهادة الشريك على الشريك الآخر لما ذكرنا والقول قول الشريك المنكر أنه ما قبض حقه، ولا يمين عليه لأنه لم يدع واحد منهما عليه أنه أقبضه وهو بعد إنكاره مخير بين أن يرجع على المكاتب بجميع حقه وبين أن يرجع على المقر بنصفه وعلى المكاتب بنصفه على ما ذكرنا في المسألة قبلها، ولا يرجع أحدهما على صاحبه بشيء لما ذكرنا من العلة.
والمسألة الثالثة: أن يكاتب رجلان [٨٧/ أ] عبدًا لهما على ألف كل على واحد منهما على خمسمائة ثم إن المكاتب ادعى أنه أدى الألف إلى أحد السيدين على أن يأخذ منهما خمسمائة، ويدفع إلى شريكه خمسمائة وصدقه السيد، وقال قبضت منك الألف وأخذت منها خمسمائة، ودفعت إلى شريكي خمسمائة، وأنكر الشريك ذلك، وقال ما دفع إلي شيئًا فنصيب المقر يعتق بإقراره بقبض نصيبه ولا تقبل شهادته على شريكه بأنه دفع إليه حقه لأنه يدفع بذلك ضررًا عن نفسه ويكون القول قول المنكر مع يمينه، فإذا حلف يكون نصيبه مكاتبًا ونصيب شريكه قد عتق، وللسيد أن يطالب بخمس مائة على الكمال من شاء منهما فله أن يطالب المكاتب لأنه كاتبه عليها، ولم يثبت أنه دفع إليه وله أن يطالب الشريك لأنه أقر بقبضها ولم يثبت أنه دفعها إلى الشريك، فإن رجع على المكاتب، وأخذ منه خمس مائة كان للمكاتب أن يرجع على السيد، فيأخذ منه الخمس مائة التي دفعها إليه سواء صدقه في أنه دفعها إلى شريكه أو كذبه لأنه إن كذبه فهو يقول: ما دفعت، ما قبضت وإن صدقه، فهو يقول: أنت منوط كأنه كان من سبيلك أن تدفع دفعًا يبرئني وهو بالشهادة، وإن رجع على شريكه، فأخذ منه خمسمائة لم يكن للشريك أن يرجع على المكاتب لأنه يقول: هو ظالم فيما يرجع به، فلا يستحق الرجوع بما ظلم به فإذا حصل للشريك الخمس مائة، إما من [٨٧/ ب] المكاتب، أو من شريكه عتق العبد كله، وإن تعذر ذلك فإن اختار الرجوع على المكاتب فعجز عن الأداء، وهذا بعيد فإنه إذا رجع على المكاتب فيمكن للمكاتب مطالبة شريكه وأخذ خمس مائة منه فلا يتعذر عليه الأداء، اللهم إلا أن لا يختار الرجوع على شريكه الذي هو سيده ويختار التعجيز، فلا يجبر على الرجوع عليه ومطالبته لأن ذلك بمنزلة الاكتساب، فلا يجبر عليه المكاتب، فإذا تعذر حصول المال من المكاتب فالسيد يعجزه ويسترقه فإذا فعل ذلك عاد نصفه رقيقًا ويقوم على الشريك المقر بالقبض لأنه عتق بسبب كان منه وهو الكتابة، فإذا قوم لزمه نصف قيمته ويرجع عليه الشريك المكذب بخمس مائة لأنه لما استقر العبد استحق نصفه ونصف كسبه، وهو الخمس مائة التي هي كسبه للنصف الذي استرقه فاستحق أخذها فيصير المقر بعد
стр. 4013
التعجيز غارمًا لكتابة الحصة، وهي خمس مائة ولقيمتها ولو دفع ذلك قبل التعجيز لم يلزم إلا مال الكتابة وحدها دون القيمة وإن حصل الأداء من جهة المكاتب وعتق باقيه يرجع على سيده المقر بالقبض الخمس مائة التي قبضها منه لأنه عتق بكتابة صحيحة، وقال القاضي الطبري: هذا التقويم على المقر إذا لم يصدق سيده في دفع خمس مائة إلى شريكه وإن كان قد صدقه لم يقوم لأنه يعترف بأنه حر وإن أحكامه قد كملت.
مسألة: قال: «ولو أذن أحدهما لشريكه أن يقبض نصيبه فقبضه ثم عجز».
الفصل
جملة هذا أن الرجلين إذا كاتبا عبدًا لهما على ألف درهم فلا يجوز للمكاتب [٨٨/ أ] أن يفضل أحدهما على الآخر فيما يدفعه، ولا أن يقدم أحدهما على صاحبه، بل يدفع إليهما شيئًا واحدًا على السواء في وقتٍ واحدٍ، فإن أذن أحدهما للمكاتب أن يدفع ما حصل له من الكسب إلى شريكه ويقدمه عليه فهل يصح هذا الإذن؟، ويصح قبض الشريك لما يأخذه فقولان منصوصان، أحدهما: لا يصح لأن السيد لا يملك ما في يد المكاتب حتى يقبضه فإذنه فيما لا يملكه لا حكم له ونعني به أنه لا يملكه ملكًا كاملاً فإنه مال مكاتبه وعتقه معلق به، وهذا قول أبي حنيفة واختاره المزني، فقال: هذا أشبه بقوله: أداء المكاتب عبد ما بقي عليه درهم وما في يده موقوف ما بقي عليه درهم، فليس معناه فيما أذن له بقبضه إلا بمعنى استغنى بوزن النصف حتى استوفى فليس يستحق بالسبق ما ليس له كأنه وزن لأحدهما قبل الآخر وصورة هذه المسألة التي استشهد بها المزني: أن يأتي المكاتب بالمال ليعطيهما حقهما فيقول أحدهما لصاحبه اسبقني بوزن نصيبك فسبقه ووزن لأحدهما نصيبه بإذن شريكه لم يعتق نصيبه حتى يزن للآخر مثله قولاً واحدًا حتى لو تلف الباقي قبل أن يسلمه إلى الشريك الآخر كان له أن يرجع على القابض بنصف ما قبضه.
والقول الثاني: يصح ويحكى ذلك عن قول أبي حنيفة وعلى هذا يعتق نصيبه بقبض قسطه ووجه هذا أنا إنما منعناه من الانفراد ببعضه لحق شريكه، فإذا رضي بتقدمه عليه جاز ومن قال بهذا أجاب عما ذكر المزني بأن في هذه المسألة التي استشهد بها لم يرض بحقيقة السبق لكن إذا أراد أن يوفيهما حقهما منفردين لم يمكنه إلا هذا فهما في الحقيقة قابضان معًا، وههنا قد تطاول [٨٨/ ب] زمان السبق، وخرج عن عادة إيفائهما معًا، فوجب أ، يتم حكم القبض المتقدم بعتق ذلك النصف، وقال القفال: من أصحابنا من بني القولين على جواز كتابة أحد الشريكين بإذن صاحبه لأن في كل واحد من الموضعين يؤدي الأمر إلى كتابة يكون في أحد النصفين، ومنهم من قال: بل ينبني هذا على أن تبرعات المكاتب هل تجوز بإذن السيد لأن هذا التعجيل والتخصيص تبرع
стр. 4014
لأحدهما، فإذا قلنا: لا يصح التعجيل فلشريك الرجوع بمثل ما يعجله شريكه، فإن كان مع المكاتب مثله فدفعه إليه استقر التعجيل الأول وعتق كله وإن لم يكن بيده غير ما عجله كان للإذن الرجوع على المتعجل بنصف ما في يده، فإذا رجع لم يعتق شيء منه، وإن قلنا: يصح التعجيل، وهو الأصح عتق نصيبه. قال أبو إسحاق: فإن كان معه وفاء بنصيب الآخر أداه وعتق عليهما، فإن لم يكن معه وفاء به فلا يختلف المذهب أنه يقوم على شريكه، وقال في «الحاوي»: هل يقوم على شريكه فيه قولان، أحدهما: يقوم في الحال، والكتابة تنفسخ في نصيب شريكه في الحال، ويقوم عليه أختار الشريك تعجيزه، أو لم يختر لأنه إذا تعلق العتق بسببين روعي أعجلهما، والقول الثاني: قاله في «الإملاء» على كتاب مالك لا تنفسخ الكتابة في الحال فإن أدى المكاتب حصة الشريك الآخر عتق وكان الولاء بينهما، وإن عجز قوم نصيبه على الشريك القابض نصيبه إن كان موسرًا وإن كان معسرًا فقد عتق نصفه ورق نصفه. قال المزني: قد قال: لو أعتقه أحدهما قوم عليه الباقي إن كان موسرصا وعتق كله ولم يؤخذ التقويم إلى حالة العجز وإلا كان الباقي مكاتبًا، ولذلك لو أبرأه، [٨٩/ أي فهو كإعتقاه إياه، قال المزني: هذا أشبه بقوله: يعني أ، تعجيل التقويم في الحال أولى بأصله لهذه المسألة، قلنا: هذا على أحد القولين، فأما على القول الآخر، فلا يقوم في الحال حتى يعجز في المسألة التي أوردها المزني أيضًا، على ما تقدم بيانه فإذا قلنا: تقوم في الحال، فإنجميع ما في يد العبد يكون للشريك لأن التقويم يفسخ الكتابة، والشريك قداستوفى نصيبه، فيكون ما بقي له وهذا إذا كان هذا الذي بقي مثل ما يعجله، فإن كان أكثر من المعجل كانت الزيادة بين الشريك الآذن بحق رقه وبين المكاتب بحق عتقه، وإذا قلنا: يقوم إذا عجز فإن كل ما يكسبه إلى أن عتق نصفه، فهو لسيده الذي لم يقبض نصيبه وما كسب بعده إلى أن قوم يكون بينه وبين السيد الذي لم يقبض نصيبه نصفين لأنه كسبه بنصفه الحر ونصفه المكاتب، وقال في الكتاب في أثناء الفصول فإن مات بعد العجز فما في يديه بينهما نصفان يرث أحدهما بقدر الحرية وهذا على أحد القولين والآخر بقدر العبودية وتسميته الآخر وارثًا عبارة مجاز وقد ذكرنا هذا في كتاب الفرائض. وهذا إذا استعجل ما عتق نصيبه به فأما إذا استعجل نصيبه من النجم الأول بإذن الشريك ففيه القولان في صحة الإذن وإذا قبض هل يخلص له أم يشاركه فيه صاحبه؟ كما ذكرنا فإن قلنا: صح الإذن أدى العبد مثل ذلك إلى الآخر، فإن لم يبق عنده مال، وعجز فلا شك أن عليه أن يناصف صاحبه ما قبض لأنه كسب عبدهما، فلا يخلص له بأن يقول له شريكه: أذنت لك في أخذه بل يناصفه ويأخذ [٨٩/ ب] مثل ما أخذ، ثم الباقي بينهما واختار بن سُريج أنه لا يأخذه مثل ما أخذ لأنه يقول: لما أذنت لي في الأخذ رضيت بوقوع حقك في ذمته ثم لما عاد رقيقًا سقط دينك عن ذمته بالتعجيز.
стр. 4015
مسألة: قال: «ولو مات سيد المكاتب فأبرأه بعض الورثة من حصته عتق نصيبه».
قد ذكرنا هذه المسألة، وقال: ههنا ولاؤه للذي كاتبه يعني الميت لأن العقد له، ولا أقوم عليه، والولاء لغيره، وهذا أحد القولين اللذين ذكرناهما فيما تقدم، ثم قال: وأعتقه عليه بسبب رقه فيه لأنه لم يكن فيه رق فعجز لمن يكن له. وهذا اللفظ لإيجازه مشكل، وهو جواب سؤال لا يصح إلا بذكر السؤال كأنه يقول: إن قال قائل: إذا لم يقوم على هذا الوارث الذي قد أعتق نصيبه بالإبراء، فلم أعتقت بقوله ذلك النصيب؟ وإذا نفذ العتق فيه بقوله: وجب التقويم عليه، قلنا: إنما يعتق عليه ذلك النصيب بسبب رقه فيه، لأنه لو لم يكن فيه رق لم يكن له إذا عجز ومعلوم أنه إذا عجز كان ذلك النصف له، فإذا لم يعجز فالولاء لمن كاتبه، وإذا كان الولاء لغير هذا الوارث المعتق أو المبرئ لم يجز التقويم عليه. وحكى المزني في موضع آخر هذين القولين في أصل التقويم على هذا الوارث، وقال في موضع فيها قولان، أحدهما: لا يقوم عليه، والثاني: يقوم عليه إذا عجز وكان له ولاؤه كله لأن الكتابة الأولى بطلت، وأعتق هذا ملكه. وقال الإمام أبو محمد الجويني: ههنا نكتة وذلك أنه إذا أعتق أحد الوارثين نصيبه من المكاتب [٩٠/ أ] الموروث. وقلنا: بالتقويم وانتظرنا العجز فعجز النصف الثاني فقومناه، قد ذكرنا أن الكتابة انتقضت في النصف المقوم بالعجز ف أما النصف الأول الذي أعتقه الوارث فهل يحكم الآن بإبطال الكتابة؟ فيه اختلاف أصحابنا فيه فمنهم من لم يبطل الكتابة فيه، وعليه الأكثرون، ومنهم من أبطل الكتابة فيه وعلل، فقال: العقد عقد واحد فإذا انفسخ بعضه في الانتهاء انفسخ جميعه وكنت استضعفت هذا الوجه حتى دل النص عليه في هذا الموضع حيث حكى المزني القولين في أصل التقويم، وقال في القول الثاني لأن الكتابة الأولى بطلت وأعتق هذا ملكه فوجدناه قولاً منصوصًا، وقال القاضي الطبري معناه ولاء هذا النصف له لا الكتابة إنما بطلت فيه دون نصيب المبرئ، قال المزني: الول أشبه بمعناه يعني أن لا يقوم عليه، واحتج بأنه زعم أنه إذا أبرأه من قدر حقه من مالك الكتابة عتق نصيبه، بمعنى عقد الأب فلم يجز أن يزيل ما ثبت يعني إذا ثبت أن العقد حصل على عقد الأب لم يجز أن يقوم عليه هذا الوارث ثم قال المزني: وإذا زعم أنه إن عجز فقد بطلت الكتابة الأولى فينبغي أن يبطل عتق النصيب بالإبراء من قدر النصيب لأن الأب لم يعتقه إلا بأداء الجميع فكأن الأب أبرأ من بعض مال الكتابة، فلا عتق بإبرائه من بعض مال الكتابة، قلنا: قال أصحابنا لم يرد الشافعي بقوله: بطلت الكتابة في الجميع وإنما أراد في النصيب الذي يقوم على الابن فلم يجب رد العتق، وقال الجويني: ﵀ اعترض المزني بهذا [٩٠/ ب] على القول الذي استضعفناه ووجدناه نصًا، فقال: إذا حكمنا في الانتهاء بإبطال جميع الكتابة وجب أن يبطل عتق النصف الأول الذي أعتقناه بلفظ الإبراء
стр. 4016
ويكون كالسيد لو أبرأه من بعض مال الكتابة.
والجواب: أو الوارث يومئذ كان كالسيد إذا أبرأه عن جميع مال الكتابة لأن الوارث أبرأ عن جميع حصته فلهذا حكم بعتق ذلك النصف، فإذا حكمنا اليوم بإبطال الكتابة فكيف يلزمنا حصته فلهذا حكم بعتق ذلك النصف، فإذا حكمنا اليوم بإبطال الكتابة فكيف يلزمنا أن نعترض على ذلك العتق؟ قال: ويحتمل أن يكون جميع كلام المزني من قوله: الأول أشبه بمعناه إلى آخر الباب اعتراضًا واحدًا على هذا القول الذي نصرناه وأجبنا عنه المزني ﵀، والله أعلم.
باب ولد المكاتبة
مسألة: قال: «وولد المكاتبة موقوف».
الفصل
جملة هذا أنه إذا كاتب أمة فأتت بولد لا يخلو إما أن تأتي به من السيد، أو من غيره فإن أتت به من السيد انعقد حرًا وتصير له أم ولد لأن له فيها ملكًا، وإن كان ضعيفًا، وتكون الكتابة باقية فيها، لأنها عتق بصفة، فلا ينافيها الاستيلاد كما لو قال: إن دخلت الدار فأنت حرة ثم استولدها تكون أم ولده ومعتقته بصفة، فإن أدى مال الكتابة عتقت وبطل حكم الاستيلاد وإن عجزت بطلت الكتابة ويكون الاستيلاد باقيًا فيها فتعتق بموت السيد وإن مات السيد قبل الأداء عتقت بموته وبطلت الكتابة وإن أتت بولد من غير السيد، إما من زوج، أو من زنا يكون مملوكًا لأن الأم مملوكة، [٩١/ أ]. ولا يصير مكاتبًا لأن الكتابة عقد معاوضة يفتقر إلى إيجاب وقبول ورضى فلا يلزم حكمه إلا لمن عقد معه ويفارق ولد المدبرة يتبعها في التدبير في أحد القولين لأن التدبير يحصل بقبول السيد وحده ومن الفرق أن المكاتبة متى عجزت أو ماتت بطلت الكتابة وكان ولدها رقيقًا، وإذا مات المدبر قبل موت سيده يبطل تدبيره ولم يبطل في ولده ثبت أن الولد دخل في التدبير، ولم يدخل في الكتابة، فإن قيل: ولد المبيعة يدخل في حكم المبيع، وإن كان المبيع يفتقر إلى الإيجاب والقبول، قلنا: لا يدخل في البيع وإنما يتبع في الملك لأن المبيعة صارت ملكًا للمشتري وههنا الملك للمكاتب فلو تبع تبع في العقد دون الملك، وقال أبو حنيفة يسري إلى الولد لأنها سبب ثابت للعتق فسرى إلى الولد كالاستيلاد، وهذا خطأ لما ذكرناه.
فإذا ثبت أنه لا يدخل في الكتابة فما حكمه؟ فيه قولان، أحدهما: أنه مملوك للسيد لأنه عقد يلحقه الفسخ فلا يثبت حكمه في الولد كالرهن، والثني: أنه موقوف على حكم الأم، فإن رقت رق الولد، وإن عتقت عتق الولد، قال الشافعي ﵁. وهذا القول أحب إلي، وقال أبو إسحاق: إذا اختار الشافعي هذا القول وجب أن يكون القول الآخر ساقطًا ووجه هذا القول أن الولد يتبع الأم في سبب الحرية كما يتبعها في
стр. 4017
الحرية كولد أم الولد، ولأن الولد من كسبها فيقف على عتقها كمالها، فإذا قلنا: الولد يكون مملوكًا للسيد فله أن يتصرف فيه كيف شاء، ولو قيل: كانت قيمته له، وإذا قلنا: إنه موقوف فالكلام على هذا القول [٩١/ ب] في خمسة أحكام، أحدها: في الجناية عليه، والثاني: في نفقته، والثالث: في كسبه، والرابع: في عتقه، والخامس: في وطئها إذا كانت ثيبًا.
فأما في الجناية عليه، فضربان جناية على نفسه وجناية على طرفه فإن كانت الجناية على نفسه وكانت خطأ يوجب المال فعليه قيمته لأنه مملوك، فيضمن بالقيمة ولمن تكون القيمة فيه قولان، أحدهما: أنها للسيد وهو اختيار الشافعي ﵁ لأنه تابع لأمه، والأم لو قتلت كانت قيمتها للسيد فكذلك قيمة الولد للسيد وعلل أبو إسحاق فقال: لأن الولد لم يجز عليه العتق، ولا هو ملك الأم، وإنما هو ملك لسيده، وإنما وقف على الحرية والرق، فإذا قتل فقيمته للسيد.
وأيضًا لو أعتق السيد الولد عتق فلو كان كسبًا لأمه تستعين به في كتابتها لما جاز أن يعتقه السيد لأنه يتلف على الأم بعتقه كسبه، قال أبو إسحاق: ويخالف هذا ولد المكاتب الذي أوصى له به فقبله أو وطئ جاريته في حال كتابته فولدت منه، فإنه يملك ولده ويصير موقوفًا من أجل ملكه إياه، ولو كان يجري عليه رق على الدوام لكان يستديم لملكه كسائر عبيده ولكن لا يستقر له ملكه على ولده فيعتق عليه إذا كان حرًا ويصير موقوفًا على حريته إذا كان مكاتبًا، فإذا كان كذلك يكون السيد ممنوعًا من ولده، ولا ينفذ فيه عتقه فلما نفذ دل على ما قلنا، والقول الثاني: أن قيمته للمكاتبة تستعين بها في مال الكتابة لأن القصد من الكتابة طلب حصتها، وهذا [٩٢/ أ] من حصتها ولأن السيد لا يملك التصرف فيه مع كونه قنًا فلا يستحق قيمته، وإذا لم يستحقها السيد كانت لأمه لأنه لا فائدة في إيقاف القيمة بخلاف الولد لأنه يوقف ليعتق، وإذا كانت الجناية عليه عمدصا فإن جعلنا قيمته في الخطأ للسيد، فالقود في العمد مردود إلى خيار السيد، فإن اقتص أو عفا فلا اعتراض للأم عليه وإن جعلنا قيمته للأم، فإن اقتضت كان لها ولم يكن للسيد معها وإن عفت إلى المال كان لها وإن عفت عنهما، ففي صحة عفوها قولان، فإن قلنا: موجب العمد القصاص وحده يجوز ذلك أذن السيد أو لا لأنه لا حق للسيد في القصاص والمال لا يجب إلا باختيار الأم وليس للسيد أن يجبرها على تملكه، وإن قلنا: موجب العمد أحد الأمرين. أما القصاص أو المال لا يجوز ذلك لأن فيه إتلاف المال، وهل يجوز بإذن السيد قولان كالهبة.
وإذا كانت الجناية على الطرف فإن كانت خطأ توجب المال ففيه ثلاثة أقوال، أحدها: الأرش للسيد لأنه ملكه، والثاني: الأرش للأم لأن الولد تابع لها، والثالث: أنه موقوف على الولد، فإن عتق بعتق الأم كان الأرش له وإن رق برقها كان للسيد وإن كانت عمدًا، فإن قلنا: الأرش للسيد كان القود في طرفه مستحقًا للسيد وإن جعلناه للأم كان القود في طرفه مستحقًا للسيد، وإن جعلناه موقوفًا على عتق الولد ورقه، فلا
стр. 4018
حق للأم في القود، وهو موقوف بين الولد والسيد فإن اجتمعا عليه جاز أن يستوفياه وإن تفرد به أحدهما، لم يجز لأنه إن تفرد به الولد جاز أن يكون للسيد [٩٢/ ب] أن يرق، وأن تفرد به السيد جاز أن يكون للولد إن عتق فلذلك منع أحدهما من التفرد حتى يجتمعا، أو يستقر أمر الولد على عتق فيكون القود له أو على رق فيكون لسيده، وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا قلنا: ولد المكاتبة يتبعها في الحرية فحق الملك للسيد في الولد أو للمكاتبة قولان، وفائدة هذا أنه لو جنى على طرف الولد فالأرش لمن يكون؟ فإن قلنا: للسيد حق الملك فيه، فالأرش موقوف، فإن عتق الولد فذلك له وإ÷ن رق برق الأم كان للسيد، وإن قلنا: حق الملك للمكاتب فالأرش للمكاتبة تستعين بها في كتابتها وإن قتل، فإن قلنا: حق الملك للسيد فأولى أن تكون القيمة له، وإن قلنا: حق الملك للأم، ففيه وجهان أحدهما: للأم، والثاني: للسيد أيضًا لأن حكمه إ÷ذا مات مات رقيقًا وما تقدم أصح على ما فسره في «الأم».
وأما الكلام في كسبه فلن يكون فيه طريقان، أحدهما: فيه ثلاثة أقوال أحدها: للسيد، والثاني: للأم، والثالث: موقوف، والطريق الثاني فيه قولان: أحدهما: للأم، والثاني: موقوف وفيه قول ثالث مخرج أنه للسيد، وهو مخرج من كون القيمة للسيد وهذا ليس بشيء، والقولان منصوصان. وقال أبو إسحاق ما دام الولد حيًا لا تأخذ الأم كسبه وما في يده ويكون موقوفًا لا يختلف فيه قول الشافعي ﵁ وزعم بعض أصحابنا: أنه في حياته قولان، أحدهما: وهم، والثاني: موقوف ولا نص فيه للشافعي نعلمه، قال الشافعي: والأول: أشبههما يعني أنه موقوف، [٩٣/ أ] وإذا مات يكون للسيد، وقال المزني، بل الآخر أشبههما إذا كانوا يعتقون بعتقها، فهي أولى بها ومما يدل على ذلك قوله، ولو وطئ ابنه مكاتبته أو أمته كان عليه مهر مثلها وهذا يقتضي ما وصفت من معنى ولدها، قال أبو إسحاق: هذا ليس بإلزام صحيح لأن في حياة الولد لا يختلف قوله في الكسب أنه موقوف ولا تأخذ الأم، وإنما اختلف قوله بعد موت الولد، وقال غيره من أصحابنا: فيه قولان، وإن كان حيًا على ما ذكرنا ولا فرق بين المهر والكسب، فسقط السؤال هذا في مهر ابنتها، فأما في مهر أمتها يكون لها لا يختلف القول فيه، وقيل: يقال للمزني: كيف يقال القول الآخر أشبههما، وعلة القول الأول أظهر، وهي قوله لأن المكاتبة لا تملك ولدها.
وأما إيجاب مهر المثل في وطء ابنة المكاتبة وأمتها فللحيلولة ورجاء العتق، ألا ترى أنها إذا لم تعتق كان ذلك المهر للسيد، فإذا قلنا: الكسب للمكاتبة، فإنها تأخذه يومًا بيوم وتستعين به في مال الكتابة، وإذا قلنا للسيد يومًا بيوم ويتصرف فيه، وإذا قلنا: إنه موقوف فإنه يجمع ثم ينظر فإن عجزت الأم واسترق الولد دفع الكسب إلى السيد، وإن عتقت وعتق الولد دفع الكسب إلى الولد، وإن أشرفت المكاتبة على العجز، فإن لم يكن في كسب الولد وفاء لأداء مال الكتابة لا يدفع إليها لأنها لا تستفيد به وإن كان فيه وفاء بمال الكتابة فهل يدفع إليها لتستعين به في مال الكتابة وتعتق، فيه
стр. 4019
قولان: أحدهما: لا يدفع إليها لأنها غير [٩٣/ ب] مستحقة له على هذا القول، وكان موقوفصا بين الولد والسيد فلم يكن كلام فيه حق، والثاني: يدفع إليها لأنه وقف طلبًا لحظ الولد إن عتق فإذا أخذته الأم فعتق بعتقها كان أحظ للولد من أن يأخذ السيد فيرق، ولو مات هذا الولد وكسبه موقوف، ففيه قولان بناءً على قيمته لو قتل أحدهما لها والثاني: لسيده، وأما الكلام في نفقته فإن كان مكتسبًا ففي كسبه وإن لم يكن مكتسبًا، فإن قلنا: كسبه للأم فالنفقة عليها، وإن قلنا: كسبه للسيد فنفقته عليه وإن قلنا: موقوف، ففيه وجهان: أحدهما على سيده لنه على ملكه، والثاني: في بيت المال من سهم المصالح لأنه محتاج، وليس له من ينفق عليه لأن السيد لا يملكه والأم لا تستفيد بالإنفاق عليه.
وأما الكلام في عتقه فإن قلنا: كسبه له أو هو موقوف، والمكاتبة إذا أشرفت على العجز لم يدفع إليها ينفذ عتقه لنه تعجيل الحرية من غير أن يكون على المكاتبة فيه ضرر، وإن قلنا: كسبه للمكاتبة أو قلنا: موقوف ولكن أشرفت المكاتبة على العجز دفع إليها لم ينفذ عتقه لأن في هذا إضرارًا بالمكاتبة وتعطيلاً للكسب عليها.
وقال أبو إسحاق: يعتق الولد قولا واحدًا. وذكره الشافعي في «الأم»، ومن أصحابنا من قال: لا ينفذ عتقه فيه. إذا قلنا: ما في يد الولد للأم، وليس بصحيح وهذه الطريقة أصح، وقال في «الحاوي»: إن قلنا: كسبه للأم لا ينفذ عتقه، وإن قلنا: كسبه للسيد نفذ عتقه فيه، وإن قلنا: موقوف، ففيه وجهان مخرجان من القولين في عجز الأم هل تتمم كتابتها بكسبه، [٩٤/ أ] فإنا قلنا: تتمم لم ينفذ عتقه، وإن قلنا: لا تتمم، نفذ فيه عتقه وهكذا لو كاتبه السيد، فهو مبني على نفوذ عتقه فإن قلنا: يصح عتق بأسبق الأمرين من أدائه وأداء أمه لأنه إذا عتق بانفراد كل واحد منهما وجب أن يتحرر عتقه إذا اجتمعا بوجود أسبقهما فإن سبق أداؤه عتق عن كتابته، وإذا سبق أداء الأم عتق بأداء الأم تبعًا وبطلت كتابته بعتقه.
وأما الكلام في وطئها إذا كانت ثيبًا، فإن قلنا: إنها مملوكة له؛ حل له وطئها، وإن قلنا: إنها موقوفة على الأم لحل ذلك لأنه لا يملكها ملكًا تامًا فإن وطئ فلا حد لأن له فيها شبهة الملك وفي المهر ثلاثة أقوال بناءً على الكسب أحدها: لا مهر إذا قلنا: الكسب للسيد، والثاني: يلزم المهر للأم، إذا قلنا: الكسب لها، والثالث: أنه موقوف كالكسب، فإن قلنا: بالوقف ففي كيفية وقفه وجهان: أحدهما: يوقف بعد قبضه من السيد، والثاني: يوقف في ذمة السيد وعلى حال يحرم الوطئ، فإن أحبلها انعقد الولد حرًا لشبهة الملك وتصير الجارية أم ولده لأنها علقت بحر في ملك وإن كان ضعيفًا، ولا يلزمه قيمتها لأن القيمة إنما تجب لمن يملكها، والمكاتبة لا تملك ابنتها ولا يلزمه قيمة الولد أيضًا لأنها وضعته، وهي أم ولد له، هكذا قال جميع أصحابنا المتقدمين،
стр. 4020
وقال بعض المتأخرين من أصحابنا: هل يلزم قيمتها؟ ينبغي أن يكون فيه قولان كما إذا قلت ففي قيمتها قولان: أحدهما أنه له، والثاني: أنها لأمها تستعين به على كتابتها [٩٤/ ب].
فرع
كيف الحكم في ولد ولدها؟، قال الشافعي ﵁: ولد البنات كالبنات وولد البنين كالأمهات وأراد به أن ولد الابن يكون حكمها حكم أمه دون ابنه لأن ولد البنت تبع لها في الرق وولد الابن تبع لأمه في الحرية والرق فصار ولد البنات كالبنات وولد البنين كالأمهات. وقال أبو يوسف ومحمد: ولد البنت يكون داخلاً في كتابة جدته، كأمه وهذا نحو ما ذكره الشافعي، وقال أبو حنيفة: يدخل في كتابة أمه دون جدته واحتج بأن الحقوق التي تسري إنما تسري مع الاتصال، فأما الولد المنفصل فلا يسري إليه وهذا الولد اتصل بأمه دون جدته، وهذه لا يصح لأن الولد من كسب أمه والأمههنا تابعة للمكاتبة فكذلك ولدها كسائر كسبها، ونحن نقول بالسراية على ما ذكرنا فيما تقدم فلا يلزمنا ما ذكروا.
مسألة: قال: «وهو ممنوع من وطء مكاتبته».
العم أنه إذا كاتب أمته فليس له أن يطأها لأن الوطء إنما يستباح في زوجته أو ملك تام وليس ههنا واحد منهما، فغن وطئها فلا حد وبه قال جماعة العلماء. وحكي عن الحسن البصري أنه قال: يجب عليه الحد لأنه عقد عليها عقد معاوضة كما لو باعها وهذا لا يصح لأن له فيها ملكًا وإن كان ضعيفًا بدليل أنه لو أعتقها نفذ عتقه، ولو زوج ابنته من مكاتبه ثم مات وورثته البنت انفسخ نكاحها، لأنها ملكت جزءًا من زوجها فصار ذلك شبهة في سقوط الحد ولو شرط [٩٤/ أ] في عقد الكتابة عليها أن يطأها كان الشرط والعقد باطلين وحكي عن مالك أنه قال: يصح العقد ويبطل الشرط، وقال أحمد: يصح العقد والشرط لأنه شرط عليه منفعتها فوجب أن يصح كما لو شرط الاستخدام، ودليلنا أنه لا يملك وطئها مع الإطلاق للعقد فلا يملكه بالشرط كما لو زوجها واشترط لنفسه الوطء، ويفارق الاستخدام لأنه يجوز أن يملك بما لا يمك به الوطء من الإعارة والإباحة، والدليل على بطلان قول مالك أن الشرط الفاسد يوجب فساد العقد كما لو شرط في الكتابة عوضًا فاسدًا، فإذا ثبت هذا فإن كانا عالمين بتحريم الوطء عزرًا وإن كانا جاهلين لم يعزرا، وإن كان أحدهما جاهلاً والآخر عالمًا لما عزر العالم دون الجاهل.
وأما المهر، فنقل المزني عن الشافعي أنه قال: إن أكرهها فلها مهر مثلها، قال أبو إسحاق: ظاهر هذا أنه إذا وطئها طائعة لا مهر لها ولا نعلم أن الشافعي قال ذلك بل
стр. 4021
نص أن لها مهر مثلها طائعة وطئها أو كارهة لأنه لا حد في هذا الوطئ فهو كما لو وطئ طائعة بنكاح فاسد فلها المهر، لأنه لا حد عليها وهذا هو الصحيح، وإنما يختلف الإكراه وغيره في المواضع الذي لو لم يكرهها لكان عليها الحد، ومن أصحابنا من قال: إذا أكرهها، ولم يتعرض لذكره إذا طاوعته وأوجب في «الأم» في الحالتين فلم يكن بينهما اختلاف، ومن أصحابنا من قال: ما حكاه المزني إن عرف للشافعي [٩٥/ ب] فله وجه وذلك أنها إذا طاوعت فقد أباحت نفسها من غير عوض فلا مهر وهي مفارقة للمنكوحة نكاحًا فاسدًا لأنه المنكوحة لا تمكن إلا على أن لها المهر وليس بين المكاتبة والسيد عقد يوجب المهر لا صحيح ولا فاسد فإذا أباحت نفسها بلا عوض مع علمها به لم يجب لها العوض، قال أبو إسحاق: قد قيل: هكذا ولكنا لا نعرف للشافعي. قال: ذلك في شيء من كتبه. وقال في «الحاوي» قد قيل: فيه قولان بناء على الراهن إذا أذن للمرتهن في الوطء فوطئ هل يلزم المهر قولان. وقال القفال: أخل المزني بالنقل حيث خص بالمهر حالة الإكراه لأن في حالة الطوع يجب أيضًا، وإنما قال الشافعي: حالة الطوع حتى يكون حالة الإكراه أولى وهذا غريب، وذكر صاحب «المنهاج»: أن الصحيح أنه لا مهر لها إذا كانت طائعة وهكذا في الأمة إذا طاوعت على الزنا، وهذا سهو منه في هذا الموضع لما بينا. وحكي عن مالك أنه قال: لا مهر لها أصلا لأن بضعها ملكه ولهذا لا يجوز له أن تتزوج إلا بإذنه، وهذا لا يصح لأن منافع المكاتبة لها، ولهذا لو وطئها أجنبي بشبهة أو بالإكراه فالمهر لها وإنما يفتقر نكاحها إلى إذنه لأن النكاح لازم إلى الأبد فربما عجزن نفسها وتعود إليه ناقصة بالتزويج، فإذا ثبت وجود المهر، لها قال في «الأم»: فإن أصابها مرة أو مرارًا لم يكن لها إلا صداق واحد حتى تجبر فتختار الصداق، أو العجز فإن اختارت فعاد فأصابها السيد، فلها صداق آخر، قال أصحابنا: [٩٦/ أ] هذا عبارة عن قبض الصداق، وفإذا قبضت ثم وطئها وجب صداق آخر. وهذا كما لو نكح امرأة نكاحًا فاسدًا، فأصابها رة أو مرارًا يجب صداق واحدًا، فإذا فرق بينهما وقضى بالصداق ثم نكحها نكاحًا آخر فلها مهر آخر إذا وطئها ثم هذا المهر يجب عليه من غالب نقد البلد ثم ينظر فإن لم يكن عليها نجم من مال الكتابة فإنها تأخذ وتتصرف فيه حتى يحل النجم. ثم قوله: وإن كان حل عليها نجم، فإن كان الذي حل عليها من غير جنس الآخر فهل يصير قصاصًا؟ فيه أربعة أقوال ذكرناها، فإن حبلت المكاتبة فقد ذكرنا أنها تصير أم ولد له والولد حر لا يلزمه قيمته وهي تعتق بحكم الكتابة ويكون كسبها له، ومتى تعتق بالاستيلاد يكون كسبها قبل العتق للسيد، وههنا الكتابة باقية، فإن أدت مال الكتابة قبل موت سيدها عتقت، وكان ما في يدها من الكسب لها، فإن عجزت نفسها
стр. 4022
قبل موت السيد وفسخ الكتابة كان ما في يدها له، فإن مات عتقت بموته بحكم الاستيلاد وحدها.
فرع
لو أتت هذه المكاتبة بعد الاستيلاد بولد من زوج أو زنا فهذا ولد أم ولد وولد مكاتبة فيتبعها في الاستيلاد قولا واحدا، وهل يتبعها في الكتابة قولان، فإذا قلنا: لا يتبعها فليس له إلا سبب واحد وهو الاستيلاد فيعتق بموت السيد، وإذا قلنا: يتبعها فقد اجتمع لها سببان أيهما سبق عتق به، والحكم فيه كالحكم في الأم على ما ذكرنا.
فرع آخر
لو اشترى المكاتبة أمة للتجارة لا يحل للسيد وطئها، فإن وطئها قد ذكرنا أنه لا حد ويلزم المهر ههنا للمكاتبة بلا خلاف، [٩٦/ ب] فإن حبلت انعقد الولد حرًا لشبهة الملك وتصير أم ولده لأنها عتقت بحر في ملك، ويلزمه قيمتها لأنها مملوكة للمكاتبة وقد أتلفها عليه بالإحبال، ويفارق للثبت على ما ذكرنا لأنها ليست بمملوكة له بل هي موقوفة معها أو مملوكة للسيد. وأما الولد فلا تجب قيمته لأنه قد ملك الأم بالتقويم، فإذا أتت بولد بعدما صارت أم ولده لم يلزمه قيمته. وأما إذا أحبل المكاتبة يلزمه قيمة ولدها إذا قلنا: ولدها موقوف لأنها مكاتبة كما كانت وقد أتلف ولدها عليها فلزمته قيمته لها ويدفع إليها أو تستعين بها أو يجعلها قصاصًا، وإذا قلنا: قيمته لو قتل تكون لسيدها فلا قيمة عليه.
مسألة: قال: «ولو اختلفا في ولدها».
الفصل
إنما تتصور هذه المسألة على القول الذي يقول: ولد المكاتبة موقوف على كتابتها وصورتها أن يقول: المكاتبة ولدته بعد المكاتبة. وقال السيد: ولدته قبل الكتابة فهو ملكي فقد ذكرنا من قبل أن القول قول السيد لأنه اختلاف في التحقيق في قوت الكتابة، فإنها تقول عقدت معي الكتابة ثم أتيت بالولد، وهو يقول: لا بل أثبت به ثم عقدت معك الكتابة، والأصل أن لا عقد ولهذا نقول: لو اختلفا في أصل العقد، فالقول قوله أيضًا، وإذا قلنا: ولدها للسيد لا يتصور الاختلاف، فإنها سواء أتت به قبل الكتابة أو بعدها، فهو للسيد فإن نكل السيد عن اليمين ترد عليها اليمين، فإن نكلت ففي ردها على الولد بعد البلوغ، وجهان.
مسألة: قال: «ولو اختلفا في [٩٧/ أ] ولد المكاتب من أمته، فالقول قول المكاتب».
في صورة هذه المسألة مضمون محذوف، ولا يمكن حمل اختلافهما على ظاهره
стр. 4023
لأنه ولد المكاتب من حرة حر لا يصح فيه الاختلاف، والمسألة مصورة فيمن كاتب عبده ثم زوجه أمته، فالتزويج صحيح ثم اشترى المكاتب من السيد زوجته فينفسخ النكاح عندنا خلافًا لأبي حنيفة ﵀ وصارت مملوكة له فأتت بولد فاختلف هو والسيد، فقال السيد: أتت به من قبل أن بعتكها، فهو مملوك لي، وقال: بل أتت به بعدما ابتعتها فهو لي يعتق بعتقي وأمكن ما قالاه، فالقول قول المكاتب لأنهما اختلفا في ملك الولد ويد المكاتب ثابتة على الولد فصار بيده أقوى من السيد.
فرع
قال بعض أصحابنا بخراسان: ذكر الشافعي ﵁: أنها لو أتت بولدين، أحدهما قبل الكتابة، والآخر بعدها، فهما للسيد لأنهما حمل واحد وهكذا لو أتت بأحدهما في يوم ملك الأم بأقل من ستة أشهر والآخر بأكثر فهما للسيد، وكذا أفتى الشيخ أبو زيد وليس بصحيح لأن الحمل يتبع الأم في البيع، وإذا وضعت ولدًا وفي بطنها ولد آخر فبيعت فالولد الثاني مبيع معها، وقد نص الشافعي كما قال الشيخ أبو زيد، فنقول: مراد الشافعي ﵁ أنه يحكم بأن الولدين حصلا في ملك السيد ثم معقول أن الذي في البطن يصير مبيعًا يتبع الأم أو نقول صورة المسألة: [٩٧/ ب] أنها أتت بالولد الثاني مع البيع لا بعده فيكونان للسيد.
باب المكاتبة بين اثنين يطأها أحدهما أو كلاهما
مسألة: قال: «إذا وطئها أحدهما فلم تحبل فلها مهر مثلها».
اعلم أنه إذا كانت أمة بين رجلين فكاتباها لا يحل لأحدهما وطئها لأنه قبل الكتابة كان يملك بضعها ملكًا تامًا، ولم يكن يحل الوطئ فبعد الكتابة أولى أن يحل وطئها فإنها توجب تحريمًا لو كان الوطئ حلالاً من قبل، فإن وطئ أحدهما فلا حد لشبهة الملك ثم ينظر فإن كانا عالمين عزرا وإن كانا جاهلين لم يعزرا، وإن كان أحدهما جاهلاً لم يعزر الجاهل ويجب المهر لأنه وطئ شبهة ويكون للمكاتبة لأنه كسبها ثم ينظر فإن لم يكن قد حل عليها نجم من مال الكتابة، فإن كان المهر من جنس مال الكتابة، فإن كان معها بقدر ما يدفع إلى السيد الذي لم يطأها مثل المهر فعلت ذلك وسلمت، وللسيد الذي وطئ عليها قدر المهر فإن المهر يكون بين السيدين لأن الكسب بينهما والمهر من جملة الكسب، فيرجع الذي لم يطأ على الذي وطئ فيأخذ منه نصف المهر فيحصل المهر بينهما نصفين ثم ينظر، فإن فضل باقي مال الكتابة فأدتها إليهما عتقت وإن لم يكن معها شيء فللسيدين أن يعجزاها ويسترقاها، فإن فعلا عادت مملوكة لهما وكسبها بينهما والمهر من جملة الكسب، فإن كانت قبضت المهر من الواطئ فقد برئت ذمته منه، [٩٨/ أ] فإن كان باقيًا بحاله اقتسماه بينهما، وإن كان قد
стр. 4024
أتلف فقد تلف من ملكهما معًا، وإن لم تكن قبضت المهر فإن ذلك يكون كسبًا ليسدها ثم ينظر فإن كان في يدها شيء يدفع للسيد الذي لم يطأها بإزاء المهر ويحصل المهر لمن هو عليه فعل ذلك، وإن لم يكن معها شيء آخر، فإنهما يقتسمان المهر بينهما نصفين ويسقط ما بقي من حقهما، وإذا اقتسما نصفين دفع الواطئ إلى صاحبه نصف المهر وسقط نصفه عن ذمته، فإن أتت هذه المكاتبة بولد نظر فإن كان السيد قد استبرأها بعد الوطئ وأتت بولد بعد الاستبراء لستة أشهر فصاعدًا لم يلحق بالسيد بل يحكم بأنه ولد مكاتبته من شبهة أو نكاح أو زنًا فيه قولان على ما ذكرنا، وإن لم يكن استبرأها أو كان قد استبرأها إلا أنها أتت بالولد لأقل من ستة أشهر من حين الاستبراء فإنه يلحق بالوطئ، فإنه واطئ بشبهة وينعقد الولد حرًا ويصير نصف الجارية أم ولده لأنها علقت بحر في ملك، وإن كان ضعيفًا وجميعها يكون مكاتبًا لهما ثم ينظر في الواطئ فإن كان معسرًا فلا يسري إلى نصيب شريكه وإن كان موسرًا فيسري لأنه كالعتق، وهل يقوم عليه في الحال، أو فيما بعد، فعلى ما ذكرنا من القولين أحدهما: يقوم في الحال تغليبًا للإيلاد على الكتابة للزوم حكمه والثاني: يتوقف تقويمه على العجز تغليبًا لحكم الكتابة على الإيلاد لتقدمه، وقال أبو علي بن أبي هريرة: يقوم عند العجز ههنا قولاً واحدًا وإنما القولان في عتق أحد الشريكين، [٩٨/ ب] والفرق أن السراية هناك إذا كانت في الحال استفادة العتق في الحال فلا ضرر على المعتقة، وههنا يضر التقويم والسراية لا تنفسخ فيما قومناه، وثبت لها حكم الاستيلاد فيقف عتقها على الموت، وإذا كانت مكاتبة يعتق بالأداء في الحال، وقال أبو إسحاق: الطريقة الأولى أصح، وما قاله أبو علي خطأ لأن الإحبال أقوى من العتق، والعتق إذا أوجب التقويم في الحال فالإحبال أولى، والذي قاله من الضرر لا يصح لأنا إذا قومنا في الحال تنفسخ الكتابة في نصيب الشريك وتبقى في نصيب المحبل، فإذا أدت إلى مولاها المحبل نصيبه من المال عتقت وسرى العتق إلى الباقي فالتقويم أحظُ لها، وقال بعض أصحابنا بخراسان: كلام الشافعي ههناه يدل على أنه لا يقوم في الحال في الإحبال وإنما يقوم يوم العجز قولاً واحدًا، وذلك أنه أجاب ههنا في الإعتاق بأنه يقوم في الحال، فقال: إذا مات الواطئ وعتق نصفها قوم النصف الثاني في الحال، ولم يقل إذا عجزت، وكذلك إذا أعتق أحدهما نصيبه وأجاب في الإحبال بأنه لا يقوم فيه الحال، فقال: فاختارت العجز أو مات الواطئ، فإن للذي لم يطأها نصف المهر، ونصف قيمتها على الواطئ فدل ذلك على أن قوله لم يختلف في الإحبال أن التقويم فيه يوم العجز لما تقدم من العلة وقد بينا خلاف هذا.
فإن قلنا: يقوم في الحال تنفسخ الكتابة في نصيب شريكه بالتقويم وتصير أم ولد الواطئ ويكون النصف الآخر مكاتبًا وهي أم ولد له ثم ينظر فإن أدت مال الكتابة عتق نصفها وسرى العتق [٩٩/ أ] إلى باقيها ويبطل حكم الإحبال والعتق بها، وإن قلنا: لا يقوم في الحال ينظر فإن أدت مال الكتابة إليهما عتقت ويكون الولاء بينهما ويبطل حكم
стр. 4025
الإحبال، وإن عجزت نفسها استرقاها وبطلت الكتابة فتقوم حينئذ على الشريك الوطئ ويصير جميعها أم ولد يعتق بموته فهذا الحكم في الأم، وأما الولد فقد حكمنا بحريته فهل يجب على الواطئ شيء من قيمته لشريكه؟. الحكم في ذلك أن كل موضع أتت به وجميعها أم ولد للواطئ لا يلزمه شيء من قيمة الولد لأنها وضعته في ملكه وكل موضع أتت به ونصفها مكاتب لغيره يلزمه نصف قيمته لشريكه لأنه كان من سبيله أن يكون نصيبه من الولد مملوكًا له فلما صار حرًا باعتقاده وفعله صار متلفًا لذلك النصف عليه فيلزمه قيمته.
وإن مات السيد قبل أن يعجز أو يؤدي فقد عتق نصفها بموته وانفسخت الكتابة فيه، فعلى هذا إن أدت إلى الشريك نصفه عتقت وإن لم تؤد قوم على الميت في تركته لأنه قد وجب بسبب كان منه في حال حياته.
وكل موضع حكمنا بأنها أم ولده والكتابة باقية فمات السيد سبق عتق الاستيلاد على الكتابة فعتقت بموته واستتبع الاكتساب بخلاف العتق بالصفة والعتق بمجرد الإيلاد هذا كله إذا اختارت المقام على الكتابة، فاما إذا اختارت العجز في الحال فالحكم فيها كالحكم في الجارية بين الشريكين إذا أحبلها أحدهما، وحكمه أنه إن كان موسرًا عليه نصف مهرها ويقوم عليه نصيب شريكه، وهل يسري الإحبال في الحال أو بأداء القيمة؟، فعلى ما ذكرنا [٩٩/ ب] فيما تقدم وفي نصف قيمة الولد قولان بناء على القولين في إحباله، فإن قلنا: يسري في الحال فليس عليه نصف قيمة الولد، وإن كان معسرًا فقيمة نصف المهر في ذمته ولا يقوم عليه نصيب شريكه وفي الولد وجهان. قال ابن أبي هريرة: الولد حر كله ويكون عليه نصف قيمته لشريكه لأنه وطئ شبهة كما لو وطئ أمة غيره بشبهة. وقال أبو إسحاق يكون الولد نصفه حرًا ونصفه مملوكًا لشريكه لأن الولد تابع للأم في الحرية، فهو بمنزلة ما لو ولدت جارية نصفها حر ونصفها مملوك من زوج أو زنا كان الولد نصفه حرًا ونصفه مملوكًا، وقيل: إن ابن أبي هريرة علل الوجه الأول أنه يستحيل أن ينعقد الولد ابتداءًا بعضه رقيقًا وبعضه حرًا، فألزم عليه إذا كانت الجارية نصفها حرًا ونصفها مملوكًا فلم يسلم هذه المسألة، وقال: الخلاف واحد.
ويمكن أن يقال: علة ابن أبي هريرة أن الحرية الصادرة عن الملك لا تتبعض، وهذا العتق ليس بسراية ولهذا لا قف عتق الباقي على أداء القيمة قولا واحدًا، فإذا قلنا: لا يقوم، ففيه وجهان: أحدهما: يكون موقوفًا للشريك، والثني: يكون تبعًا لأمه يعتق إن عتقت، وإذا قلنا: تقويم الأم موقوف وعجزت عن أداء مال الكتابة. فلها وللمحبل حالتان: إحداهما: أن يتفقا على الإنظار بالكتابة في حقه فيجوز ذلك لهما إذا تراضيا به، لأنه لا يتعلق بالكتابة حق لغيرهما بخلاف الشريك غير المحبل، والثانية: أن لا يتفقا على الإنظار بل يختلفان فيه فالكتابة تنفسخ بينهما لأن المكاتبة لا يلزمها المقام على العقد، [١٠٠/ أ] والسيد يلزمه الإنظار بالمال.
стр. 4026
مسألة: قال: «فإن وطأها فعلى كل واحد منهما مهر مثلها».
جملة هذا أن السيدين إذا كاتبا جارية ثم وطئها كل واحد منهما فإن لم تحبل فلا حد على واحد منهما وغرر العالم منهما والمكاتبة أيضًا إن كانت عالمة وعلى كل واحد منهما كمال مهر مثلها ثم ينظر فإن عجزت نفسها، وفسخت الكتابة فقد سقط عن كل واحد منهما نصف ما عليه من المهر ولزمه النصف الآخر لشريكه فإن كانا سواءً تقاصا وإن كان أحدهما أكثر من الآخر. قال الشافعي بأن يطأ أحدهما وهي بكر ويطأ الآخر ثيبًا أو تكون في وطئ أحدهما صحيحة وفي وطء الآخر بغية، ونحو ذلك فإن التقاص يحصل في المقدار الذي اتفقا فيه ولصاحب الفضل أن يطالبه وإن كانت قد قبضت المهرين فقد برئت ذمة السيدين منهما ثم ينظر فإن كانا باقيين اقتسماهما وإن كانا تالفين فقد تلفا من ملكيهما وضمانهما، قال في «الأم»: فإن وطئها أحدهما وهي بكر وجب عليه أرش البكارة لأن ذلك لا يدخل في المهر فسقط عنه النصف ويجب النصف لشريكه، وإذا وجدت الجارية مفضاة، فقال كل واحد منهما: أنت أفضيتها حلف كل واحد منهما لصاحبه ويسقط حكم الإفضاء وهكذا إذا اختلفا في الوطئ فكل واحد منهما يقول لصاحبه: أنت وطئت حلف كل واحد منهما لصاحبه ويسقط المهر هذا كله إذا لم تحبل الجارية فإن حبلت الجارية، فالحكم في الحد والمهر على ما مضى. وأما الولد فينظر فإن ادعى كل واحد من الشريكين أنه استبرأها بعدما وطئها وأتت بالولد بعد الاستبراء [١٠٠/ ب] لستة أشهر فصاعدًا لا يلحق بواحدٍ منهما ويحكم أنه أتت به من زنا وقد ذكرنا فيه قولين: كيف يكون حكمه وإن لم يدع أحدهما: الاستبراء لا يخلو حال الولد من أربعة أحوال. إما أن لا يمكن أن يكون من واحد منهما أو أمكن أن يكون من الأول دون الثاني أو من الثاني دون الأول أو أمكن أن يكون من كل واحد منهما فإن لم يمكن أن يكون من كل واحد منهما بأن تأتي به لأكثر من أربع سنين من وقت الوطئ الأول ولأقل من ستة أشهر من وقت الوطئ الثاني، فإنه ينتفي عنهما ويصير كالولد الذي يؤتى به من زنا فيه قولان على ما ذكرنا وإن أمكن أن يكون من الأول دون الثاني بأن تأتي به لأكثر من ستة أشهر من وقت وطئ الثاني يلحق بالأول لأنه يمكن أن يكون منه وينتفي عن الثاني لأن لا يمكن أن يكون منه، ثم لا يخلو، إما أن يكون الأول موسرًا أو معسرًا فإن كان موسرًا فالولد يلحقه ويكون حرًا لشبهة الملك ويصير نصيبه من الجارية أم ولده لأنها علقت بحر في ملكه ويستحق عليه تقويم نصيب شريكه كما يستحق ذلك بالعتق وهل يقوم في الحال أم عند التعجيز؟ فعلى ما ذكرنا من القولين فإن قلنا: يقوم في الحال فقوم فإن الكتابة تنفسخ في نصيب الشريك الذي لم يحبل لأن التقويم ينفسخ بالكتابة ويعود نصيبه إلى ملكه ثم يقوم على شريكه وتبقى الكتابة في النصف الذي لشريكه فيكون نصف الجارية مكاتبًا للشريك المحبل وجميعها أم ولد له.
стр. 4027
وإن اختار السيد المحبل أن ينظرهما بما عليهما، فإن نصيب شريكه يقوم عليه، [١٠١/ أ] وتنفسخ الكتابة وتبقى الكتابة في نصيبه، فيكون جميعها أم ولد له ونصفها مكاتب له، والحكم فيها إذا أدت وعتقت بالأداء، ولم تؤد فعتقت بالموت على ما ذكرنا في المسألة قبلها.
فإذا ثبت هذا الكلام بعده فيما يستحقه المحبل على لم يحبل وما يستحق الذي لم يحبل عليه، فأما الذي لم يحبل فيستحق على شريكه ثلاثة أشياء: المهر وقيمة نصيبه من الجارية وقيمة نصيبه من الولد، فأما المهر فإنه يستحق عليه نصفه لأنها لم قومت افنسخت الكتابة في نصفها، وعاد إلى ملكه وكان كسب هذا النصف له من المهر من جملة الكسب هكذا ذكر أبو حامد، وقال القاضي الطبري: هكذا ذكر الشافعي أنه يلزمه نصف مهر مثلها ولكنه أراد إذا عجزت نفسها، فأما إذا أقامت على الكتابة فإن نصيب الأول صار أم ولد له وهل يقوم في الحال أم إذا عجزت؟ فيه قولان: أحدهما، يقوم في الحال فتنفسخ بالتقويم الكتابة في نصيب شريكه لأن الأول يملك نصيب شريكه إذا قوم عليه وإذا انفسخت الكتابة في نصيب شريكه يكون جميعها أم ولد للأول، ونصفها مكاتب له ونصفها غير مكاتب ويلزمها جميع مهر مثلها، فيكون نصفه للجارية لأنه مكاتب للأول ونصفه للشريك لأنه وطئها، ونصفها مكاتب له، ثم فسخت الكتابة فيه فصار إليه ما كان في يدها، أو استحقته قبضته، أو لم تكن قبضته، وقيل: أراد الشافعي بقوله: ونصف مهرها ذكر النصف الذي لزمه بسبب الملك نفسه.
فإن قيل: [١٠١/ ب] المكاتب لا يملك، فكيف ملك ها هنا قلنا: يملك حكمًا كما بالإرث.
وأما قيمة نصيبه من الجارية، فيستحقه عليه لأنه أتلفه بالإحبال، وأما قيمة نصف الولد، قال الشافعي: وفي نصف قيمة ولدها قولان: أحدهما، يغرمه، والثاني، لا يغرمه وهذان القولان مبنيان على أصل، وهو أن وقت نقل ملك النصف إليه بالتسرية متى يكون، وفيه قولان: أحدهما، أنه ينتقل إليه عقيب العلوق من غير فصل فعلى هذا يغرم نصف قيمة الولد لأن العلوق حصل في ملك الغير والثاني أن العلوق حصل في ملكه، وقال أصحابنا بالعراق: وهو مبني على أصل، وهو أن كل موضع وضعت الولد، وهو ملكه لا يلزمه شيء من قيمته وكل موضع وضعت قبل أن يصير جميعها أم ولد وهو إذا قلنا: إنها لا تقوم في الحال، وإنما تقوم بعد العجز فوضعته قبل العجز، وقلنا: الإحبال إنما يسري بعد دفع القيمة، فوضعت قبل دفع القيمة يلزمه نصف قيمته لأنها وضعته ونصفها مملوك لغيره وكان من سبيله أن يكون مملوكًا له، فصار حرًا بفعله واعتقاده. قال المزني: القياس على مذهبه أن ليس عليه نصف قيمة الولد لأنها بالحبل صارت أم ولد، قال أصحابنا: هذه العلة لا بيان فيها حتى يقال: لأنها بالحبل صارت أم ولده، وانتقل الملك قبل الحبل.
وأما ما يستحق المحبل على الذي لم يحبل، قال في المختصر
«المختصر»: «وفي الواطئ
стр. 4028
الآخر قولان: أحدهما، يغرم نصف مهرها لأنها لا تكون أم ولد للمحبل إلا بعد أداء نصف القيمة والآخر، يغرم جميع مهر مثلها»، وهذان القولان [١٠٢/ أ] مبنيان على القولين في وقت التسوية، فإن قلنا: بتأخير السراية إلى وقت الأداء فليس على الثاني بالوطئ إلا نصف المهر لأن الجارية مشتركة بعد، وإذا قلنا: بتعجيل السراية فعليه جميع المهر لأنه وطئها، والملك خالص للأول ولا شك أنه لا يلزمه غير المهر شيء آخر، واختار المزني إيجاب جميع مهر المثل، وقال: لأنه وطئ أم ولد لصاحبه، وهذا التعليل دعوى لأن من قال بالقول الثاني: جعلها أم ولد لصاحبه بعد أداء القيمة، وقال أبو إسحاق: الصحيح ما اختار المزني أنها تصير أم ولد له في الحال دون أداء القيمة وهو الذي اختاره الشافعي، فعلى هذا يلزم على الثاني جميع مهر المثل ولا يجب على الأول نصف قيمة الولد كما ذكرنا عن المزني، فإذا قلنا: عليه جميع المهر وعلى الأول جميع المهر، وقد عجزت انتقل نصف المهر والواجب على الأول إلا الثاني فيصير النصف بالنصف قصاصًا إن استويا، ويبقى للأول على الثاني نصف مهر مثلها، وإذا قلنا: عليه نصف المهر وقد عجزت فللأول على الثاني نصف المهر، وللثاني على الأول نصف المهر أيضًا، فيتقاصان إن استويا، ولا يبقى شيء إذا كان المحبل موسرًا، فإن نصيب الأول يصير أم ولده ولا يقوم نصيب شريكه عليه، فيكون نصيب أم ولده وجميعها مكاتبة بينه وبين شريكه، ثم ينظر فإن اختارت المقام على الكتابة وأدى مال الكتابة، وعتقت استحقت على كل واحد منهما كمال مهرها، وإن عجزت كان نصفها مملوكًا للواطئ الثاني ونصفها أم ولد للواطئ الأول، [١٠٢/ ب] ويكون لكل واحد منهما على صاحبه نصف مهر مثلها فيقاصان على ما ذكرنا.
وأما الولد فهل ينعقد كله حرًا أو نصفه حرًا، ونصفه مملوكًا فعلى ما ذكرنا من الاختلاف بين ابن أبي هريرة وبين أبي إسحاق. وقال القاضي الطبري: ما قاله ابن أبي هريرة أصح لما احتج به أنه وطئ شبهة، ولو وطئ جارية غيره بشبة كان الولد حرًا، ويلزمه قيمته في ذمته إذا كان معسرصا إلى أن يوسر فكذلك ههنا، وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قولان، وهذا غريب.
والحالة الثالثة: إذا أمكن أن يكون الولد من الثاني دون الأول بأن تأتي به لأكثر من أربع سنين من وقت وطئ الأول ولأكثر من ستة أشهر، وأقل من أربع سنين من وقت وطئ الثاني، فهذا الفصل لم ينقله المزني إلى «المختصر» وحكمه: أنه ينتفي الولد عن الأول ويلحق بالثاني، ويصير الثاني في هذا القسم كالأول في القسم الأول والأول ها هنا كالثاني هناك إلا في أشهر، فلا يخلو حال الثاني، إما أن يكون موسرًا أو معسرًا، فإن كان موسرًا، فالولد حر ونصيبه من الجارية أم ولده، ويسري إلى نصيب شريكه ويقوم في حقه ومتى يقوم فعلى ما ذكرنا من القولين، فإذا قلنا: يقوم في الحال، أو بعد العجز، فعجزت وقومت، فبالتقويم تنفسخ الكتابة في نصيب شريكه ويعود رقيقًا ويكون كسبه للشريك، والنصف الآخر يبقى على الكتابة والحكم فيه، إذا أدت أو
стр. 4029
عجزت، (فاسترقت) على ما ذكرنا من القسم قبله.
وأما الذي يجب على الثاني والذي يجب على الأول، [١٠٣/ أ] فإن الثاني يجب عليه نصف المهر وقيمة نصف الجارية، وأما قيمة نصف الولد، فإنها إن وضعته قبل أن صار جميعها أم ولد يلزمه ذلك وإلا فلا يلزم، وأما الأول فلا يجب عليه قيمة الجارية ولا قيمة الولد، وإنما يجب عليه نصف المهر فقط لا يزيد ولا ينقص وهذا هو الذي يخالف القسم قبله، فإن هناك يجب على الثاني الذي لم يحبل كمال المهر في حالة، ونصفه في حالة أخرى وها هنا يجب على الأول الذي قلم يحبل نصف المهر بكل حال، والفرق أن وطئ الجارية في الأول صادف الجارية بعدما صارت أم ولد للأول، فيلزمه كمال المهر ووطئ الأول ههنا لم يصادف، وهي أم ولد للثاني، فإن وطئه سبق وطئ الثاني بل صادفها ونصفها مكاتب له والكتابة تنفسخ في ذلك النصف، فيعود كسبه إليه، فلا يلزمه أكثر من نصف المهر وإن كان الثاني معسرا، فإن نصيبه يصير أم ولده ولا يسري ذلك إلى نصيب الشريك ويلزمه نصف مهر المثل والحكم فيها إذا ردت، أو عجزت على ما ذكرنا وهل ينعقد كله حرًا، أو نصفه حرًا فعلى ما ذكرنا من الاختلاف.
والحالة الرابعة: أن يكون من كل واحد منهما بأن تأتي به لأكثر من ستة أشهر ولأقل من أربع سنين من وقت وطئ كل واحد منهما، فادعياه، أو ادعاه أحدهما ولم يدعيا، ولا أحدهما الاستبراء يعرض على القافة فإن ألحقته بالأول كان الحكم على ما ذكرنا إذا لم يمكن أن يكون من الأول، وإن ألحقته بالثاني كان الحكم على ما ذكرنا إذا لم يمكن [١٠٣/ ب] إلا من الثاني، فإن لم يكن قافه، أو كان فأشكل عليهم، أو ألحقته بهما أو أنفته عنهما ترك حتى يبلغ فينسب إلى أحدهما، وهذا لأن الأنساب تتعاطف، قال رسول الله ﷺ : «إن الرحم إذا تماست تعاطفت» وتتعلق بزمان الوقف، ثلاثة أحكام أحدها في كتاب «الأم»، وذلك معتبر بحال الواطئين، فإن كانا موسرين كانت كتابتهما على قولين: أحدهما: باقية بحالها في جميعها ويملك جميع كسبها، ويؤخذ كل واحد منهما بجميع مهرها، إذا أدت عتقت، وإن عجزت كانت أم ولد لأحدهما يوقف على البيان ولا تعتق إلا بآخرهما موتًا، وإن ماتا قبل البيان، والثاني: أن الكتابة قد بطلت في نصفها وبقيت في النصف الآخر، وبقي نصف كسبها موقوفًا على من تصير له أم ولد، والنصف الآخر لها تستعين به في كتابتها، فإن أدت تحرر عتق جميعها نصفها بالكتابة ونصفها بالسراية، وإن عجزت كانت أم ولد لأحدهما لا بعينه فيوقف أمرها فيه، وفي الفاضل من كسبها بعد العجز، وفي النصف الموقوف من الكسب على ما يتجدد من البيان فيما بعد وإن كانا معسرين، فنصفها يكون في حكم م الولد والكتابة في جميعها باقية والأداء يكون إليهما، فإن عتقت به، بطل حكم الإيلاد، وإن عجزت كان نصفها أم ولد ونصفها موقوفًا ويوقف على البيان، وإن كان أحدهما موسرًا والآخر معسرًا، فلا يقوم على الموسر لجواز أن يكون الولد من المعسر
стр. 4030
فتكون الكتابة بحالها كما لو كانا معسرين لأنها على الصحة، فلا تفسخ بالجواز.
والحكم الثاني: في الولد، وهو يعتبر [١٠٤/ أ] بحالها في اليسار والإعسار، ولا يخلو من الأحوال الثلاثة أن يكونا موسرين، فيكون جميع الولد حرًا وإن كانا معسرين فنصفها يكون في حكم أم الولد والكتابة في جميعها باقية، والأداء يكون إليهما، وإن كانا معسرين فنصفه حر، وفي نصفه الباقي وجهان: أحدهما، يكون حرًا، والثاني، يكون مملوكًا، فإن اجتمع الواطئان على بيع نصفه الرقيق جاز ووقف ثمنه على مستحقه منهما وإن تفرد أحدهما ببيع نصفه لم يجز لجواز أن يكون أبًا وإن كان أحدهما موسرًا، والآخر معسرًا، فنصفه حر، وفي الباقي وجهان: أحدهما، يكون حرًا، والثاني يوقف فإن ألحق بالموسر كان حرًا وإن لحق بالمعسر كان مملوكًا، ولو اجتمعا على بيعه لم يجز لتردده بين الرق والحرية.
والحكم الثالث: في النفقة، وهما نفقتان، نفقة الولد ونفقة الأم، فأما نفقة الولد فتعتبر بأحواله الثلاث، فإن حكم بحريته كله يؤخذان جميعًا بنفقته، فإذا لحق بأحدهما رجع الآخر عليه بما أنفق وإن حكم بحرية نصفه ورق نصفه يؤخذان بها ولا رجوع لأحدهما على صاحبه إذا لحق به لأن الآخر يصير مالكًا لرقه، وإن حكم بحرية نصفه ووقوف نصفه يؤخذان بنفقته، فإذا لحق بالموسر وبان باقيه حرًا رد على صاحبه ما أنفق وإن لحق بالمعسر وبان باقيه مملوكًا، فلا تراجع بينهما.
وأما نفقتها تعتبر بحالها وهي تنقسم ثلاثة أقسام: أحدها: أن يتحرر عتق جميعها بالأداء فنقتها ساقطة عنهما، فلا يؤخذ واحد منهما بها، والثاني: أن يكون جميعها صار أم ولد لعجزها ويسار الواطئين فنقتها واجبة [١٠٤/ ب] ويوقف جميعها بها، فإذا بان أنها أم ولد لأحدهما بعينه رجع الآخر عليه بما أنفق، والثالث: أن يكون نصفها أم ولد ونصفها مملوكًا لعجزها، وإعسار الواطئين فنفقتها واجبة عليها ومستقرة بينهما ولا رجوع لواحد منهما على صاحبه بعد البيان لأنه إذا صار نصفها أم ولد لأحدهما فقد صار نصفها الباقي موقوفًا للآخر فاستويا في التزامه.
وقول الشافعي ههنا: فإذا لحق بأحدهما، أو انتسب إلى أحدهما، وهو معسر فنصفها لشريكه بحاله والصداقان ساقطان عنهما يعني: إذا كانا متساويين في الحال، والحال حال عجزها يدل على أحد الأقوال في التقاص.
مسألة: قال: «ولو جاءت من كل واحد منهما بولد يدعيه ولم يدعه صاحبه».
الفصل
جملة هذا أن المكاتبة إذا كانت بين اثنين، فوطئها كل واحد منهما فأتت بولدين وكل واحد منهما لا يدعي الاستبراء، ولا يدعي أنه شارك صاحبه في الوطئ في طهر
следующие страницы →