← Фикх шафии

Фикх шафии · id 16934

بحر المذهب للروياني

عَبْد الواحِد الرُّوْياني

Полный текст (7 151 стр.). Показаны 4026–4065 · переход к 4031.

стр. 4026

مسألة: قال: «فإن وطأها فعلى كل واحد منهما مهر مثلها». جملة هذا أن السيدين إذا كاتبا جارية ثم وطئها كل واحد منهما فإن لم تحبل فلا حد على واحد منهما وغرر العالم منهما والمكاتبة أيضًا إن كانت عالمة وعلى كل واحد منهما كمال مهر مثلها ثم ينظر فإن عجزت نفسها، وفسخت الكتابة فقد سقط عن كل واحد منهما نصف ما عليه من المهر ولزمه النصف الآخر لشريكه فإن كانا سواءً تقاصا وإن كان أحدهما أكثر من الآخر. قال الشافعي بأن يطأ أحدهما وهي بكر ويطأ الآخر ثيبًا أو تكون في وطئ أحدهما صحيحة وفي وطء الآخر بغية، ونحو ذلك فإن التقاص يحصل في المقدار الذي اتفقا فيه ولصاحب الفضل أن يطالبه وإن كانت قد قبضت المهرين فقد برئت ذمة السيدين منهما ثم ينظر فإن كانا باقيين اقتسماهما وإن كانا تالفين فقد تلفا من ملكيهما وضمانهما، قال في «الأم»: فإن وطئها أحدهما وهي بكر وجب عليه أرش البكارة لأن ذلك لا يدخل في المهر فسقط عنه النصف ويجب النصف لشريكه، وإذا وجدت الجارية مفضاة، فقال كل واحد منهما: أنت أفضيتها حلف كل واحد منهما لصاحبه ويسقط حكم الإفضاء وهكذا إذا اختلفا في الوطئ فكل واحد منهما يقول لصاحبه: أنت وطئت حلف كل واحد منهما لصاحبه ويسقط المهر هذا كله إذا لم تحبل الجارية فإن حبلت الجارية، فالحكم في الحد والمهر على ما مضى. وأما الولد فينظر فإن ادعى كل واحد من الشريكين أنه استبرأها بعدما وطئها وأتت بالولد بعد الاستبراء [١٠٠/ ب] لستة أشهر فصاعدًا لا يلحق بواحدٍ منهما ويحكم أنه أتت به من زنا وقد ذكرنا فيه قولين: كيف يكون حكمه وإن لم يدع أحدهما: الاستبراء لا يخلو حال الولد من أربعة أحوال. إما أن لا يمكن أن يكون من واحد منهما أو أمكن أن يكون من الأول دون الثاني أو من الثاني دون الأول أو أمكن أن يكون من كل واحد منهما فإن لم يمكن أن يكون من كل واحد منهما بأن تأتي به لأكثر من أربع سنين من وقت الوطئ الأول ولأقل من ستة أشهر من وقت الوطئ الثاني، فإنه ينتفي عنهما ويصير كالولد الذي يؤتى به من زنا فيه قولان على ما ذكرنا وإن أمكن أن يكون من الأول دون الثاني بأن تأتي به لأكثر من ستة أشهر من وقت وطئ الثاني يلحق بالأول لأنه يمكن أن يكون منه وينتفي عن الثاني لأن لا يمكن أن يكون منه، ثم لا يخلو، إما أن يكون الأول موسرًا أو معسرًا فإن كان موسرًا فالولد يلحقه ويكون حرًا لشبهة الملك ويصير نصيبه من الجارية أم ولده لأنها علقت بحر في ملكه ويستحق عليه تقويم نصيب شريكه كما يستحق ذلك بالعتق وهل يقوم في الحال أم عند التعجيز؟ فعلى ما ذكرنا من القولين فإن قلنا: يقوم في الحال فقوم فإن الكتابة تنفسخ في نصيب الشريك الذي لم يحبل لأن التقويم ينفسخ بالكتابة ويعود نصيبه إلى ملكه ثم يقوم على شريكه وتبقى الكتابة في النصف الذي لشريكه فيكون نصف الجارية مكاتبًا للشريك المحبل وجميعها أم ولد له.

стр. 4027

وإن اختار السيد المحبل أن ينظرهما بما عليهما، فإن نصيب شريكه يقوم عليه، [١٠١/ أ] وتنفسخ الكتابة وتبقى الكتابة في نصيبه، فيكون جميعها أم ولد له ونصفها مكاتب له، والحكم فيها إذا أدت وعتقت بالأداء، ولم تؤد فعتقت بالموت على ما ذكرنا في المسألة قبلها. فإذا ثبت هذا الكلام بعده فيما يستحقه المحبل على لم يحبل وما يستحق الذي لم يحبل عليه، فأما الذي لم يحبل فيستحق على شريكه ثلاثة أشياء: المهر وقيمة نصيبه من الجارية وقيمة نصيبه من الولد، فأما المهر فإنه يستحق عليه نصفه لأنها لم قومت افنسخت الكتابة في نصفها، وعاد إلى ملكه وكان كسب هذا النصف له من المهر من جملة الكسب هكذا ذكر أبو حامد، وقال القاضي الطبري: هكذا ذكر الشافعي أنه يلزمه نصف مهر مثلها ولكنه أراد إذا عجزت نفسها، فأما إذا أقامت على الكتابة فإن نصيب الأول صار أم ولد له وهل يقوم في الحال أم إذا عجزت؟ فيه قولان: أحدهما، يقوم في الحال فتنفسخ بالتقويم الكتابة في نصيب شريكه لأن الأول يملك نصيب شريكه إذا قوم عليه وإذا انفسخت الكتابة في نصيب شريكه يكون جميعها أم ولد للأول، ونصفها مكاتب له ونصفها غير مكاتب ويلزمها جميع مهر مثلها، فيكون نصفه للجارية لأنه مكاتب للأول ونصفه للشريك لأنه وطئها، ونصفها مكاتب له، ثم فسخت الكتابة فيه فصار إليه ما كان في يدها، أو استحقته قبضته، أو لم تكن قبضته، وقيل: أراد الشافعي بقوله: ونصف مهرها ذكر النصف الذي لزمه بسبب الملك نفسه. فإن قيل: [١٠١/ ب] المكاتب لا يملك، فكيف ملك ها هنا قلنا: يملك حكمًا كما بالإرث. وأما قيمة نصيبه من الجارية، فيستحقه عليه لأنه أتلفه بالإحبال، وأما قيمة نصف الولد، قال الشافعي: وفي نصف قيمة ولدها قولان: أحدهما، يغرمه، والثاني، لا يغرمه وهذان القولان مبنيان على أصل، وهو أن وقت نقل ملك النصف إليه بالتسرية متى يكون، وفيه قولان: أحدهما، أنه ينتقل إليه عقيب العلوق من غير فصل فعلى هذا يغرم نصف قيمة الولد لأن العلوق حصل في ملك الغير والثاني أن العلوق حصل في ملكه، وقال أصحابنا بالعراق: وهو مبني على أصل، وهو أن كل موضع وضعت الولد، وهو ملكه لا يلزمه شيء من قيمته وكل موضع وضعت قبل أن يصير جميعها أم ولد وهو إذا قلنا: إنها لا تقوم في الحال، وإنما تقوم بعد العجز فوضعته قبل العجز، وقلنا: الإحبال إنما يسري بعد دفع القيمة، فوضعت قبل دفع القيمة يلزمه نصف قيمته لأنها وضعته ونصفها مملوك لغيره وكان من سبيله أن يكون مملوكًا له، فصار حرًا بفعله واعتقاده. قال المزني: القياس على مذهبه أن ليس عليه نصف قيمة الولد لأنها بالحبل صارت أم ولد، قال أصحابنا: هذه العلة لا بيان فيها حتى يقال: لأنها بالحبل صارت أم ولده، وانتقل الملك قبل الحبل. وأما ما يستحق المحبل على الذي لم يحبل، قال في المختصر «المختصر»: «وفي الواطئ

стр. 4028

الآخر قولان: أحدهما، يغرم نصف مهرها لأنها لا تكون أم ولد للمحبل إلا بعد أداء نصف القيمة والآخر، يغرم جميع مهر مثلها»، وهذان القولان [١٠٢/ أ] مبنيان على القولين في وقت التسوية، فإن قلنا: بتأخير السراية إلى وقت الأداء فليس على الثاني بالوطئ إلا نصف المهر لأن الجارية مشتركة بعد، وإذا قلنا: بتعجيل السراية فعليه جميع المهر لأنه وطئها، والملك خالص للأول ولا شك أنه لا يلزمه غير المهر شيء آخر، واختار المزني إيجاب جميع مهر المثل، وقال: لأنه وطئ أم ولد لصاحبه، وهذا التعليل دعوى لأن من قال بالقول الثاني: جعلها أم ولد لصاحبه بعد أداء القيمة، وقال أبو إسحاق: الصحيح ما اختار المزني أنها تصير أم ولد له في الحال دون أداء القيمة وهو الذي اختاره الشافعي، فعلى هذا يلزم على الثاني جميع مهر المثل ولا يجب على الأول نصف قيمة الولد كما ذكرنا عن المزني، فإذا قلنا: عليه جميع المهر وعلى الأول جميع المهر، وقد عجزت انتقل نصف المهر والواجب على الأول إلا الثاني فيصير النصف بالنصف قصاصًا إن استويا، ويبقى للأول على الثاني نصف مهر مثلها، وإذا قلنا: عليه نصف المهر وقد عجزت فللأول على الثاني نصف المهر، وللثاني على الأول نصف المهر أيضًا، فيتقاصان إن استويا، ولا يبقى شيء إذا كان المحبل موسرًا، فإن نصيب الأول يصير أم ولده ولا يقوم نصيب شريكه عليه، فيكون نصيب أم ولده وجميعها مكاتبة بينه وبين شريكه، ثم ينظر فإن اختارت المقام على الكتابة وأدى مال الكتابة، وعتقت استحقت على كل واحد منهما كمال مهرها، وإن عجزت كان نصفها مملوكًا للواطئ الثاني ونصفها أم ولد للواطئ الأول، [١٠٢/ ب] ويكون لكل واحد منهما على صاحبه نصف مهر مثلها فيقاصان على ما ذكرنا. وأما الولد فهل ينعقد كله حرًا أو نصفه حرًا، ونصفه مملوكًا فعلى ما ذكرنا من الاختلاف بين ابن أبي هريرة وبين أبي إسحاق. وقال القاضي الطبري: ما قاله ابن أبي هريرة أصح لما احتج به أنه وطئ شبهة، ولو وطئ جارية غيره بشبة كان الولد حرًا، ويلزمه قيمته في ذمته إذا كان معسرصا إلى أن يوسر فكذلك ههنا، وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قولان، وهذا غريب. والحالة الثالثة: إذا أمكن أن يكون الولد من الثاني دون الأول بأن تأتي به لأكثر من أربع سنين من وقت وطئ الأول ولأكثر من ستة أشهر، وأقل من أربع سنين من وقت وطئ الثاني، فهذا الفصل لم ينقله المزني إلى «المختصر» وحكمه: أنه ينتفي الولد عن الأول ويلحق بالثاني، ويصير الثاني في هذا القسم كالأول في القسم الأول والأول ها هنا كالثاني هناك إلا في أشهر، فلا يخلو حال الثاني، إما أن يكون موسرًا أو معسرًا، فإن كان موسرًا، فالولد حر ونصيبه من الجارية أم ولده، ويسري إلى نصيب شريكه ويقوم في حقه ومتى يقوم فعلى ما ذكرنا من القولين، فإذا قلنا: يقوم في الحال، أو بعد العجز، فعجزت وقومت، فبالتقويم تنفسخ الكتابة في نصيب شريكه ويعود رقيقًا ويكون كسبه للشريك، والنصف الآخر يبقى على الكتابة والحكم فيه، إذا أدت أو

стр. 4029

عجزت، (فاسترقت) على ما ذكرنا من القسم قبله. وأما الذي يجب على الثاني والذي يجب على الأول، [١٠٣/ أ] فإن الثاني يجب عليه نصف المهر وقيمة نصف الجارية، وأما قيمة نصف الولد، فإنها إن وضعته قبل أن صار جميعها أم ولد يلزمه ذلك وإلا فلا يلزم، وأما الأول فلا يجب عليه قيمة الجارية ولا قيمة الولد، وإنما يجب عليه نصف المهر فقط لا يزيد ولا ينقص وهذا هو الذي يخالف القسم قبله، فإن هناك يجب على الثاني الذي لم يحبل كمال المهر في حالة، ونصفه في حالة أخرى وها هنا يجب على الأول الذي قلم يحبل نصف المهر بكل حال، والفرق أن وطئ الجارية في الأول صادف الجارية بعدما صارت أم ولد للأول، فيلزمه كمال المهر ووطئ الأول ههنا لم يصادف، وهي أم ولد للثاني، فإن وطئه سبق وطئ الثاني بل صادفها ونصفها مكاتب له والكتابة تنفسخ في ذلك النصف، فيعود كسبه إليه، فلا يلزمه أكثر من نصف المهر وإن كان الثاني معسرا، فإن نصيبه يصير أم ولده ولا يسري ذلك إلى نصيب الشريك ويلزمه نصف مهر المثل والحكم فيها إذا ردت، أو عجزت على ما ذكرنا وهل ينعقد كله حرًا، أو نصفه حرًا فعلى ما ذكرنا من الاختلاف. والحالة الرابعة: أن يكون من كل واحد منهما بأن تأتي به لأكثر من ستة أشهر ولأقل من أربع سنين من وقت وطئ كل واحد منهما، فادعياه، أو ادعاه أحدهما ولم يدعيا، ولا أحدهما الاستبراء يعرض على القافة فإن ألحقته بالأول كان الحكم على ما ذكرنا إذا لم يمكن أن يكون من الأول، وإن ألحقته بالثاني كان الحكم على ما ذكرنا إذا لم يمكن [١٠٣/ ب] إلا من الثاني، فإن لم يكن قافه، أو كان فأشكل عليهم، أو ألحقته بهما أو أنفته عنهما ترك حتى يبلغ فينسب إلى أحدهما، وهذا لأن الأنساب تتعاطف، قال رسول الله ﷺ : «إن الرحم إذا تماست تعاطفت» وتتعلق بزمان الوقف، ثلاثة أحكام أحدها في كتاب «الأم»، وذلك معتبر بحال الواطئين، فإن كانا موسرين كانت كتابتهما على قولين: أحدهما: باقية بحالها في جميعها ويملك جميع كسبها، ويؤخذ كل واحد منهما بجميع مهرها، إذا أدت عتقت، وإن عجزت كانت أم ولد لأحدهما يوقف على البيان ولا تعتق إلا بآخرهما موتًا، وإن ماتا قبل البيان، والثاني: أن الكتابة قد بطلت في نصفها وبقيت في النصف الآخر، وبقي نصف كسبها موقوفًا على من تصير له أم ولد، والنصف الآخر لها تستعين به في كتابتها، فإن أدت تحرر عتق جميعها نصفها بالكتابة ونصفها بالسراية، وإن عجزت كانت أم ولد لأحدهما لا بعينه فيوقف أمرها فيه، وفي الفاضل من كسبها بعد العجز، وفي النصف الموقوف من الكسب على ما يتجدد من البيان فيما بعد وإن كانا معسرين، فنصفها يكون في حكم م الولد والكتابة في جميعها باقية والأداء يكون إليهما، فإن عتقت به، بطل حكم الإيلاد، وإن عجزت كان نصفها أم ولد ونصفها موقوفًا ويوقف على البيان، وإن كان أحدهما موسرًا والآخر معسرًا، فلا يقوم على الموسر لجواز أن يكون الولد من المعسر

стр. 4030

فتكون الكتابة بحالها كما لو كانا معسرين لأنها على الصحة، فلا تفسخ بالجواز. والحكم الثاني: في الولد، وهو يعتبر [١٠٤/ أ] بحالها في اليسار والإعسار، ولا يخلو من الأحوال الثلاثة أن يكونا موسرين، فيكون جميع الولد حرًا وإن كانا معسرين فنصفها يكون في حكم أم الولد والكتابة في جميعها باقية، والأداء يكون إليهما، وإن كانا معسرين فنصفه حر، وفي نصفه الباقي وجهان: أحدهما، يكون حرًا، والثاني، يكون مملوكًا، فإن اجتمع الواطئان على بيع نصفه الرقيق جاز ووقف ثمنه على مستحقه منهما وإن تفرد أحدهما ببيع نصفه لم يجز لجواز أن يكون أبًا وإن كان أحدهما موسرًا، والآخر معسرًا، فنصفه حر، وفي الباقي وجهان: أحدهما، يكون حرًا، والثاني يوقف فإن ألحق بالموسر كان حرًا وإن لحق بالمعسر كان مملوكًا، ولو اجتمعا على بيعه لم يجز لتردده بين الرق والحرية. والحكم الثالث: في النفقة، وهما نفقتان، نفقة الولد ونفقة الأم، فأما نفقة الولد فتعتبر بأحواله الثلاث، فإن حكم بحريته كله يؤخذان جميعًا بنفقته، فإذا لحق بأحدهما رجع الآخر عليه بما أنفق وإن حكم بحرية نصفه ورق نصفه يؤخذان بها ولا رجوع لأحدهما على صاحبه إذا لحق به لأن الآخر يصير مالكًا لرقه، وإن حكم بحرية نصفه ووقوف نصفه يؤخذان بنفقته، فإذا لحق بالموسر وبان باقيه حرًا رد على صاحبه ما أنفق وإن لحق بالمعسر وبان باقيه مملوكًا، فلا تراجع بينهما. وأما نفقتها تعتبر بحالها وهي تنقسم ثلاثة أقسام: أحدها: أن يتحرر عتق جميعها بالأداء فنقتها ساقطة عنهما، فلا يؤخذ واحد منهما بها، والثاني: أن يكون جميعها صار أم ولد لعجزها ويسار الواطئين فنقتها واجبة [١٠٤/ ب] ويوقف جميعها بها، فإذا بان أنها أم ولد لأحدهما بعينه رجع الآخر عليه بما أنفق، والثالث: أن يكون نصفها أم ولد ونصفها مملوكًا لعجزها، وإعسار الواطئين فنفقتها واجبة عليها ومستقرة بينهما ولا رجوع لواحد منهما على صاحبه بعد البيان لأنه إذا صار نصفها أم ولد لأحدهما فقد صار نصفها الباقي موقوفًا للآخر فاستويا في التزامه. وقول الشافعي ههنا: فإذا لحق بأحدهما، أو انتسب إلى أحدهما، وهو معسر فنصفها لشريكه بحاله والصداقان ساقطان عنهما يعني: إذا كانا متساويين في الحال، والحال حال عجزها يدل على أحد الأقوال في التقاص. مسألة: قال: «ولو جاءت من كل واحد منهما بولد يدعيه ولم يدعه صاحبه». الفصل جملة هذا أن المكاتبة إذا كانت بين اثنين، فوطئها كل واحد منهما فأتت بولدين وكل واحد منهما لا يدعي الاستبراء، ولا يدعي أنه شارك صاحبه في الوطئ في طهر

стр. 4031

واحد، وكان كل واحد منهما يعرف ولده بعينه، والشافعي فرض المسألة فيه إذا عجزت المكاتبة نفسها، فاسترقها السيدان، فالحكم فيها وفي الأمة القن إذا كانت بين شريكين فوطئاها، وأتت من كل واحد منهما بولد حكم واحد ففيه مسألتان إحداهما: أن يكون قد عرف الذي وطئها أولا والذي وطئها ثانيًا، والثانية: أن لا يعرف الأول منهما من الثاني بل كل واحد منهما يدعي أنه لأول وأن الآخر الثاني، فإن تعين الأول منهما من الثاني وادعى كل واحد منهما ولدًا غير الولد الذي يدعيه صاحبه فلا يخلو حالها من أربعة أحوال، [١٠٥/ أ] إما أن يكونا موسرين أو كان الأول موسرًا، والثاني، معسرًا، أو كانا معسرين أو كان الأول معسرًا، والثاني، موسرًا، فإن كانا موسرين فالكلام في الحد والتعزير على ما مضى، وأما المهر وكون الجارية أم ولد ووجوب قيمتها وقيمة الولد، فإن الأول لما وطئ وجب عليه نصف المهر لأن نصفها مملوك له ونصفها لغيره ويصير نصيبه منها أم ولده ويقوم عليه نصيب شريكه بالسراية ومتى يسري فيه ثلاثة أقوال: كالعتق سواء، وينعقد الولد حرًا، وهل تجب قيمته ينظر فطإن وضعته بعدما دفع قيمة نصيب شريكه لم تلزمه قيمته لأنا إن قلنا: يسري بالإحبال فقد صار جميعها أم ولد له بنفس الإحبال، وإن قلنا: يسري بالإحبال ودفع القيمة، أو قلنا: هو مراعي، فقد دفع القيمة وصارت أم ولده فلم يلزمه قيمة الولد الذي نصفه في ملكه، وإن وضعت قبل دفع القيمة، فإن قلنا: يسري الإحبال بنفسه أو هو مراعي ودفع القيمة لا يلزمه، وإن قلنا: بالآخر فقد وضعته ونصفها أم ولد له ونصفها مملوك لغيره، فيلزمه نصف قيمة الولد لشريكه فهذا الحكم فيما يجب على الأول، وأما الثاني، فلا يلزمه قيمة شيء من الجارية لأنه لا يتصور أن يكون شيء منها أم ولده على ما بينته، وإنما يلزم في حقه المهر وقيمة الولد فأما المهر فإنه ينظر فإن وطئها، بعدما صار جميعها وأم ولد له فعليه كمال مهر المثل للأول لأنه وطئ أم ولد غيره، وإن وطئها قبل أن صار جميعها أم ولد له فعليه نصف المهر لأنه وطئها ونصفها أم ولد للأول ونصفها مملوك له، وأما الولد فينعقد حرًا [١٠٥/ ب] لشبهة الملك ثم ينظر فإن وضعته وقد صار جميعها أم ولد للأول فعليه كمال قيمته، وإن وضعته قبل أن صار جميعها أم ولده فعليه نصف قيمته، ولا يصير نصيبه من الجارية أم ولد له في الحال سواء أحبلها بعد ما صار جميعها أم ولد للثاني، أو قبله لأنه وإن لم تصر باقية أم ولد للأول، فقد استحق أن تصير أم ولد له وتقوم في حقه فلو جعلناها أم ولد للثاني لأبطلنا حق الأول من التقويم في حقه وسراية الإحبال، ولا سبيل إلى ذلك، وقال القفال في نفوذ الاستيلاد من الثاني في نصيبه على القول الذي نقول: لا يصير جميعها أم ولد للأول في الحال وجهان كما قلنا: إذا أعتق الثاني نصيبه بعدما أعتق الأول نصيبه، وهو موسر، وقلنا: السراية يوم أداء القيمة هل ينفذ وجهان. فإذا استقر ما يجب لكل واحد منهما على صاحبه فإنهما يتقاصان ما يتساويان فيه على اختلاف الأحول في المقاصة ثم يرجع صاحب الفضل على صاحبه بما بقي له.

стр. 4032

وإن كان الأول موسرًا والثاني: معسرا، فالأول لما وطئ لزمه نصف مهر المثل ويصير نصيبه أم ولده، ويري إلى نصيبه شريكه ويقوم عليه، ومتى يسيري فعلى الأقوال الثلاثة، وينعقد الولد حرًا وهل يلزمه قيمته؟ ينظر، فإن كانت وضعته بعد دفع القيمة لم يلزمه، وإن كان قبل دفع القيمة، فإن قلنا: الإحبال يسري بنفسه، أو قلنا: يراعي - ودفع القيمة لم يلزمه، وإن قلنا: يسري بعد دفع القيمة لزمه نصف لقيمته، فيكون حكم الموسر ههنا بحكمه في القسم الأول سواءً [١٠٦/ أ]. وأما الثاني، ألمعسر إذا وطئ فإن وطئ بعدما صارت الجارية أم ولد له يلزمه كمال المهر وإن وطئ قبل أن يصير جميعها أم ولد له يلزمه نصف المهر على ما ذكرنا، وهل يصير نصيبه أم ولد، فعلى ما ذكرنا، وأما الولد إن وطئها بعد ما صارت أم ولد الأول، قال أبو إسحاق: ينعقد مملوكًا لأن وطئه صادف أمة لا ملك له فيها ولا يلزمه قيمة الولد، وإن وطئها قبل أ، صارت أم ولد الأول، فقد وطئها ونصفها مملوك له ونصفها أم ولد الأول فيه وجهان على قول أبي إسحاق ويكون نصفه حرًا ونصفه مملوكًا وعلى قول ابن أبي هريرة ينعقد حرًا ويجب على هذا الشريك نصف قيمته في ذمته، فيكون الحكم في هذا القسم كالحكم فيه إن كانا موسرين إلا في هذا الولد في حق الثاني. وإن كانا معسرين فالأول لما وطئ يلزمه نصف مهر المثل، صار نصيبه منها أم ولده ولا يسري إلى الباقي، وفي الولد وجهان، فيستوي في هذه المسألة حكم الأول، والثاني: في جميع الأحكام وتصير الجارية أم ولدهما. وإن كان الأول معسرًا، والثاني: موسرًا فالأول لما وطئ يلزمه نصف المهر ويصير نصيبه من الجارية أم ولده، فلا يسري، وفي الولد وجهان، وأما الثاني لما وطئ لزمه نصف المهر لأن نصفها له ونصفها أم ولد لشريكه ويصير نصيبه أم ولده ولا يسري إلى نصيب شريكه لأنه قد صار أم ولد للأول، ولا يمكن أن يصير أم ولد للثاني، وينعقد ولده حرًا ويجب عليه نصف قيمته [١٠٦/ ب] لشريكه فيكون الحكم في هذا القسم كالحكم فيه، إذا كانا معسرين إلا في الولد على ما بيناه، والكلام في المقاصة بينهما على ما مضى قال المزني لما فرغ من ذكر هذه المسألة: قد مضى قوله في هذه المسألة بما قلت لأنها لو لم تكن للأول أم ولد إلا بعد أداء نصف القيمة لما كان على المحبل الثاني جميع مهرها ولا قيمة ولده منها. قلنا: جواب الشافعي ههنا صدر على قول تعجيل السراية وعليه فرع حكم المهر والقيمة، ولا يحتج بفرع قول على إبطال قول يرد ذلك الفرع. والمسألة الثانية: وهي إذا لم يعلم الأول منهما بل كل واحد منهما يدعي أنه هو الأول والمسألة مفروضة فيما فرضنا المسألة قبلها، وهو إذا كان كل واحد منهما لا يدعي الاستبراء ولا يدعي مشاركة صاحبه في الوطئ في طهر واحد، فلا يخلو حالهما من ثلاثة أحوال: إما أن يكونا موسرين أو معسرين أو أحدهما، موسرًا والآخر،

стр. 4033

معسرًا، فإن كانا موسرين، وكل واحد منهما يقول: أنا الذي وطئت أولا فعلى نصف المهر، وقد صار نصيبي أم ولد وسرى ذلك إلى نصيب شريكي فصارت الجارية كلها أم ولد لي وعلي قيمة نصيب شريكي، والولد حر وعلي نصف قيمته إن كان وضعته قبل دفع القيمة وقلنا: الإحبال لا يسري إلا بعد دفع القيمة، ولا شيء علي إذا وضعته بعد دفع القيمة وأنت أيها الشريك، وطئت بعدي فعليك نصف المهر في حالة وكمال المهر في حالة أخرى على ما بيناه في المسألة قبلها ولا يجب عليك شيء من قيمة الجارية وعليك [١٠٧/ أ] كمال قيمة الولد في حالة، ونصف قيمته في حالة أخرى، فإذا ثبت هذا فإن كل واحد منهما يقر لصاحبه بنصف قيمة الجارية وصاحبه لا يدعي ذلك فسقط إقرارهما فيه، ويبقى الاختلاف بينهما في المهر وقيمة الولد، فإن قلنا: يجب على الأول نصف المهر وعلى الثاني النصف لا يفيد الاختلاف، وإن قلنا: يجب على الأول نصف المهر وعلى الثاني كمال المهر وهي إذا وطئها بعدما صارت أم ولد الأول فههنا يفيد الاختلاف، فإن كل واحد منهما يدعي على صاحبه نصف المهر، فيحلف كل واحد منهما للآخر على نفي ما يدعيه عليه ويسقط التداعي. وأما قيمة الولد فإنه إن كان للأول يجب عليه نصف قيمة الولد، وعلى الثاني نصف قيمة الولد، فلا يفيد الاختلاف شيئا بل يتقاصان، وإن كان الثاني يجب عليه كمال قيمة الولد والأول لا يجب عليه شيء أو يجب عليه نصف القيمة فالاختلاف بينهما يفيد فيحلف كل واحد منهما على نفي ما يدعيه صاحبه عليه ويسقط التداعي، فإذا تقرر هذا، فنقول: قال الشافعي ﵁ في زمان الإشكال: وقفتها وأخذتهما بنفقتها فإذا مات واحد منهما عتق نصيبه وأخذ الآخر بنفقته نصيب نفسه، فإذا مات عتقت وولاؤها موقوف. وقال القاضي الطبري: هكذا ذكر الشافعي في «الأم»، قال عامة أصحابنا: إنما قال الشافعي يعتق نصيب من مات منهما لأن الظاهر أنه ولدها وأنها كانت ملكًا له وشككنا في إحبال شريكه [١٠٧/ ب] قد انتشر إلى نصيبه أم لا فأعتقنا نصيبه بالظاهر لأن العتق مبني على الغلبة والسراية، وإذا مات الآخر عتق الباقي ويكون ولاءها موقوفًا لأنا لم نتيقن أن الولاء لأحدهما. وبه قال ابن أبي هريرة وصاحب «الإفصاح»، وقال أبو حامد وأكثر أصحابنا: إذا مات أحدهما لا يعتق منها شيء لأنه يحتمل أن تكون أم ولد للحي خاصة فلا نوقع العتق بالشك. وهكذا قال صاحب «الحاوي»، فإن اتا عتقت الآن لأنها أم ولد لأحدهما وإن لم يتعين، قال صاحب «المنهاج»: هذا مشكل لأنا لا تعلم المستولد الأول منهما ونعلم أن أحدهما إذا سبق بالاستيلاد وهو موسر فعتق جميعها معلق بموته، ولا يتعلق بموت أحدهما وإزالة هذا الإشكال بأن يقال: لا يستقيم هذا الجواب إلا على أحد القولين وأحد الوجهين، أما أحد القولين، فالقول الذين يقوم بتأخير السراية إلى وقت الأداء، والأداء لم يحصل لأن الطالب لم يتميز من المطلوب،

стр. 4034

وأما أحد الوجهين هو الوجه الذي يقول: إذا أعتق الموسر نصيبه وأخرنا السراية إلى الأداء، فأعتق الثاني نصيبه قبل قبض القيمة نفذ عتقه وكذلك في الاستيلاد ينفذ استيلاده فعلى هذا القول وعلى هذا الوجه إذا مات أحدهما عتق نصيبه يقينًا لأن الميت إذا كان أولهما استيلادًا فنصيب أم ولده باستيلاده، وإن كان الثاني فنصيبه أم ولده يتراخى قبض القيمة. وإن كانا معسرين فلا يفيد اختلافهما شيئيًا لأن كل واحد منهما يقول: علي نصف المهر، وقد صار [١٠٨/ أ] نصيبي أم ولد، ولم يسر ذلك إلى نصيب شريكي وفي ولدي وجهان فيتقاصان بنصف المهر ويتقاصان بنصف قيمة الولد إذا أوجبنا ذلك، وتكون الجارية أم ولد لهما معًا، فإن مات أحدهما عتق نصيبه منها ويثبت الولاء عليه لعصبته، ونقل الربيع: أن الولاء موقوف إذا كانا معسرين أيضًا ونص في «الأم» عليه، فقال: وولاءها موقوف بكل حال، وإن كانا معسرين أو أحدهما معسر، والآخر موسر، قال أبو إسحاق: هذا سهو منه في النقل، والصحيح ما رواه المزني وهو أنه قيد، فقال: وولاءها موقوف بكل حال إذا كانا موسرين فدل على أنهما إذا كانا معسرين لا يتوقف الولاء بل يكون الولاء بينهما، ويشبه أن يكون الذي في «الأم» شيئًا جرى به القلم، وهكذا قال الماسرجسي والقفال، وهذا لأن الولاء في اليسار مشكل متوقف، وفي الإعسار غير مشكل فلم يجز أن يوقف، وقال ابن أبي هريرة وصاحب «الإفصاح»: أراد به إذا كانا معسرين وقت التنازع والحكم لا في وقت الإحبال، وفي ذلك الوقت كانا موسرين. وإن كان أحدهما موسرًا، والآخر معسرًا، فالموسر يقول: أنا وطئت أولا فعلي نصف المهر وقد صار نصيبي أم ولدي وسري إلى نصيب شريكي، وعلي قيمته وولدي حر وعلي نصف قيمته في حال ولا شيء علي في حالة أخرى، وأنت أيها المعسر وطئت بعد ذلك، فعليك كمال المهر في حالة ونصفه وفي حالة أخرى، وولدك أن يكون مملوكًا أو نصفه حر أو جميعه حر، وعليك نصف قيمة الجارية لم يصر شيء منها أم ولد لك والمعسر يقول: أنا وطئت [١٠٨/ ب] أولا فعلي نصف المهر وقد صار نصيبي من الجارية أم ولد ولم يسر ذلك إلى نصيب شريكي وفي ولدي وجهان، وأنت وطئت بعد ذلك، فعليك نصف المهر وصار نصيبك من الجارية أم ولد وولدك حر وعليك نصف وعليك نصف قيمته. فأما الاختلاف في المهر وقيمة الولد فإنهما يتحالفان عليه ويسقط ما يدعيه كل واحد منهما على صاحبه منه. وأما الجارية فقد أقر أن نصفها أم ولد للموسر ونصفها الباقي يدعي هو والمعسر، فيكون موقوفا بينهما، فإذا مات الموسر عتق عليه نصفها وثبت الولاء في هذا النصف لعصبته، والنصف الآخر يوقف فإذا مات المعسر عتق، ويكون ولاء نصيبه موقوفًا بين ورثة السيدين على ما ينكشف فيما بعد.

стр. 4035

ونقل المزني: أن جميع ولاءها موقوف إذا كانا موسرين أو أحدهما، وهذا الجواب راجع إلى الموسرين، وقيل: لم يقل المزني جميع الولاء بل قال: وولاءها موقوف إذا كانا موسرين، أو أحدهما، وأراد نصف الولاء إذا كان أحدهما موسرًا. وقال القفال: هذا إذا قلنا بنفس العلوق تصير أم ولد للموسر، فأما إذا قلنا: يأخذ القيمة، وقلنا: ينفذ استيلاد الشريك في نصيبه، فههنا لم يكن أخذ القيمة فتكون الجارية أم ولد لهما بينهما نصفين وإذا عتقت، فالولاء بينهما نصفين ولا حاجة إلى الوقف. فرع إذا كاتب اثنان عبدهما فجنى العبد عليهما موضحة لزمه لكل واحد الأقل من أرش الجناية أو القيمة، أو الأرش بالغًا ما بلغ، فلم يؤد إليهما حتى عجز [١٠٩/ أ] سقط من حصة كل واحد منهما نصفها، فلو قال قبل عجزه: لا أؤدي إلى كل واحد إلا النصف خوفًا من عجزي، قيل: ليس لك ذلك قبله. باب تعجيل الكتابة مسألة: قال: «ويجبر على قبول النجم إذا عجله». الفصل اعلم أنه إذا كاتب على مال ثم إن المكاتب عجل للسيد المال قبل محله ينظر، فإن كان من الأشياء التي تتلف ولا تبقى على الدوام كالطعام الرطب ونحو ذلك لم يجبر على قبوله لأن له غرضًا في أن يحصل له هذا المال حين يحل الأجل، وإن كان مما يبقى إلا أنه يلزمه في حفظه مؤنة ككراء البيت مثل القطن ونحوه، لا يجبر عليه وكذلك إذا كان حيوانًا يلزمه كراء الموضع الذي يحفظ فيه، فلا يجبر عليه. وقول الشافعي: فليس عليه قبوله إلا في موضعه، يعني في موضعه من الزمان وموضعه من المكان، وإن لم يكن في حفظه مؤنة نظر، فإن كان هناك خوف فلا يخلو، إما أن يكون الخوف حال العقد موجودًا، أو لم يكن، فإن كان موجودًا حال العقد، فهل يجبر على قبوله، فيه وجهان: أحدهما، وهو الأصح لا يجبر لأنه خاف عليه في حال القبض قبل حلوله فأشبه إذا كان البلد آمنا حال العقد، ولأن اعتبار حالة الحلول أولى من اعتبار حالة العقد لأنه وقت الاستحقاق، ولا يعلم بقاء خوفه في تلك الحالة فلا يلزمه التسليم، في حالة الخوف، والثاني: يجبر على قبوله لتماثل الزمانين في الخوف نصًا كما لو عقد والبلد خراب وأقبضه المال، والبلد خراب يجبر على قبوله بلا خلاف. وقيل: هذا ظاهر مذهب الشافعي رر، وهو اختيار ابن أبي هريرة، [١٠٩/ ب] وإن كان هذا الخوف معهودًا لا يرجى زواله يلزمه قبوله وجهًا واحدًا ذكره في «الحاوي»، وإن

стр. 4036

لم يكن في البلد خوف وفتنة يجبر عليه، فإن أخذه، وإلا أخذه الحاكم عنه، وحكم بعتق العبد، واحتج في ذلك بعمر بن الخطاب ﵁ وفسره في «الأم»، فقال: روي أن مكاتبًا لأنس ﵁ جاء عمر بن الخطاب ﵁، فقال: إني أتيت بمكاتبتي إلى أنس بن مالك، فأبى أن يقبلها، فقال: إن أنسًا يريد الميراث ثم أمر أنسًا أن يقبلها أحسبه، قال: فأبى فأراد أن يأخذها ويضعها في بيت المال، فقبلها أنس، وعتق هكذا ذكر القاضي الطبري، وروى ابن سيرين عن أبيه، قال: كاتبني أنس بن مالك على عشرين ألف درهم، فكنت فيمن فتح تستر فاشتريت رثة، فربحت فيها، فأتيت أنس بن مالك بكتابته، فأبى أن يقبلها مني إلا نجومًا فأتيت عمر بن الخطاب ﵁ فذكرت ذلك له، فقال: أراد أنس الميراث وكتب إلى أنس أن أقبلها من الرجل فقبلها، وروى بعض أصحابنا أن عمر أخذ ذلك، وقال لأنس: قد أعتقته، فإن شئت أخذتها، وإن شئت وضعتها في بيت المال، وروي أنه قال لعمر: إنه يريد أن أموت فيأخذ مالي وولدي، فقال له عمر: تأخذه، أو أضعه في بيت المال، فأخذه أنس وعتق سيرين. ومعنى قول عمر أضعه في بيت المال، أي أحفظه عليك، ولم يرد أنه يصير مالا للمسلمين أنفقه عليهم وكانت صورة الحال أنه لم يكن في تعجيله ضرر عليه، وفي هذا دليل على أن المكاتب إذا مات مات رقيقًا، وإن حلف وفاء لأن سيرين قال: يريد أن أموت فيأخذ أموالي وأولادي، ولم ينكر عليه عمر ﵁، [١١٠/ أ] وروى سعيد المقبري عن أبيه: أن امرأة استرقته من سوق ذي المجاز وقدمت مكة فكاتبته على أربعين ألفًا، فأدى عامة المال، ثم أتى بباقيه، فقالت: لا، والله حتى تأتي سنة بعد سنة وشهرًا بعد شهر فخرج بالمال إلى عمر ﵁ فأخبره بذلك، فقال: ضعه في بيت المال وراسلها أنه قد أخذ المال وعتق أبو سعيد، فإن اخترت أخذته شهرًا بشهر وسنة بسنة، فافعلي فأرسلت وأخذت المال. وروي معنى هذا عن عثمان ﵁، فإن قيل: إذا حصل القبض قبل حلول الأجل يجب أن لا يعتق لأن الصفة لم تحصل فإن السيد، قال: إذا أديت إلي في وقت كذا، فإذا قدمه عليه لم توجد الصفة فلا يعتق. قلنا: المغلب في الكتابة الصحيحة حكم المعاوضة دون العتق بالصفة، فإذا كان كذلك وقبضه برئ المكاتب منه، فإن برئ مما عليه عتق كما لو أبرأه مولاه من غير قبض ويفارق هذا إذا قال: إن أديت إلي ألفا في رمضان، فأنت حر، ثم أعطاه في شعبان لا يعتق لأن المغلب هناك حكم الصفة.

стр. 4037

فرع قال في «الأم»: وهكذا لو كاتبه ببلد ولقيه ببلد غيره، فقال: لا أقبض منك في هذا البلد أجبر على القبول حيث كان إلا أن يكون في طريق فيه نهب فلا يجبر على أخذها منه، ثم قال: هذا في الدراهم، والدنانير فأما في الحديد والنحاس والرصاص مما في حمله مؤنه فلا يلزمه أن يقبله ببلده غيره لأن للحمولة مؤنة بخلاف الدنانير والدراهم، فإنه لا مؤنة لحملها، وقال لا فرق في هذا بين أن يأتي به في محله أو معجلا، فإن كان السيد في ذلك البلد لزمه قبوله، وإن لم يكن في ذلك البلد روعيت مسافة البلدين فإن كان بينهما قريب [١٠/ ب] لا يقصر في مثله الصلاة لزمه قبوله، وإن كان بعيدًا فيه وجهان: أحدهما: لا يلزمه لما عليه من الضرر في إبعاد ماله عن بلده، والثاني: يلزمه قبوله لأن أجزاؤهما متماثلة واستيطان كل واحد منهما ممكن. فرع آخر قال في «الأم»: ولا يكلف المكاتب أن يعطيه ذلك بغير البلد الذي كاتبه فيه فنص على أن المكاتب لا يجبر على دفع ما عليه في غير البلد الذي كاتبه فيه، وهو صحيح. فرع آخر قال: وإذا حل على المكاتب شيء فتأخر سنة أو أكثر ولم يعجزه سيده، ثم قال سيده: لا أقبضه لأنه في غير وقته أجبر على قبضه إلا أن يبرأه منه لأنه حال. فرع آخر قال: فإذا تدارك على مكاتبه نجمان أو أكثر ولم يعجزه السيد، ثم قال: أنا أعجزه، لم يكن له ذلك ويقال للمكاتب: أد جميع ما عليك قديمًا وحديثًا فإن فعل، فهو على الكتابة، وإن عجز عن شيء من ذلك، فهو عاجز. فرع آخر قال: فإن كان في طريق خربة وهي للتلصص أو بلد فيه يهب لم يلزمه قبوله إلا أن يكون في ذلك الموضع كاتبه فيلزمه قبوله لأن موضع العقد موضع التسليم إذا لم يذكر للتسليم موضعًا وهذا عند الحلول، فأما إذا أتى به في حال الخوف قبل الحلول فقد ذكرنا. فرع آخر ولو عجل له بعض الكتابة على أن يبرئه. الفضل إذا كاتب عبدًا على ألف درهم فجاء بخمسمائة قبل الأجل، وقال: خذ هذه على أن

стр. 4038

تبرئني من الباقي لم يصح ذلك فإنه مضارع لربا الجاهلية، وذلك أن من كان له الدين إلى أجل إذا حل دينه يقول تقضي أو تربي، فإن قضى أدى وإن قال: أربي، زاد في الدين وفسح له في الأجل، وهذا المعنى موجود ههنا لأنه يسقط الحق في مقابلة نقصان الأجل [١١١/ أ] كما كانوا يزيدون في الدين في مقابلة الزيادة في الأجل وهذا لأن الأجال لا يجري عليها المعاوضات، فإذا ثبت هذا لم يصح القبض يسترجع المكاتب ما دفع إليه ويؤديه إذا حل الأجل ويرجع السيد إلى ما أسقط من المال. فرع آخر قال الشافعي ﵁: «فإن أحب أن يصح هذا فليرض المكاتب بالعجز، ويرض سيده بشيء يأخذه قبل أن يعتقه، فيجوز» فإن قال قائل: فإذا فعل هكذا ارتفعت الكتابة، وإذا ارتفعت فالسيد بالخيار إن شاء أعتقه وإن شاء لم يعتقه، قلنا: كذلك الأمر وما علينا من ذلك، وإنما أراد الشافعي: حالة تراضيهما ليحصل العتق بقبض صحيح، ويكون كالعتق على مال معلوم لما عجز عن مثل ذلك في الكتابة وبه قال صاحب «الإفصاح» وغيره الاحتياط للعبد أن يقول السيد: إذا عجزت نفسك وأديت خمسمائة، فأنت حر، فإذا عجز نفسه وأعطى ذلك فهو حر، ولا يمكن السيد الرجوع عنه وهذا أحوط مما ذكره الشافعي، وقيل: مراد الشافعي ما ذكر صاحب «الإفصاح»، وقال أبو حنيفة: يصح هذا الشرط والبراءة وعتق العبد إذا فعل السيد ما قال العبد وهذا لأن مال الكتابة غير مستقر فلا يكون دينًا صحيحًا، ولا يكون هذا معاوضة عن الأجل، فيحمل على أنه أخذ بعضه وأسقط بعضه وخالفه أبو يوسف وزفر، وهذا غلط لأن هذا ربا لأنه بيع ألف بخمسمائة على ما ذكرنا ولا شك أن هذا عوض في العقد وعدم الاستقرار لا يدل على أنه ليس بدين صحيح كالثمن قبل تسليم المبيع، فإذا تقرر هذا وفعل العبد ذلك وعتق يثبت بين السيد وبينه التراجع، فيحتسب له ما دفع من قيمته ويتراجعان الفضل لأنه جعل بدل العتق [١١١/ ب] الخمسمائة، والتعجيز، فلا يجوز أن يكون التعجيز بدلا عن العتق فكأنه أوقع العتق على بدل فاسد، فيسقط المسمى ويثبت التراجع بينهما. واعلم أن المزني قال: قال الشافعي في هذا الموضع: إن وضع وتعجل لا يجوز، وقال في موضع آخر: إن وضع وتعجل جاز فأجازه في الدين، قال المزني: يجوز أحب إلي، قال أصحابنا: ليس ذلك على قولين، وإنما هو على اختلاف حالين فالموضع الذي قال: يجوز في الدين على ما حكاه المزني هو أن يتعجل ويضع ولا يجعله شرطًا، فإذا كان كذلك فهو جائز، والذي قال: لا يجوز إذا جعله شرطًا وهذا كما قال في كتاب الصلح: إذا كان له على آخر ألف درهم فأعطاه خمسمائة على أن

стр. 4039

يبرئه من الباقي لم يجز، وإن أخذ خمسمائة، وأبرأه من الباقي من غير شرط جاز وبرئ، وقيل: أشار المزني إلى قولين، وهو غلط منه وهذا لا يصح لأن المزني لم يعتقد إلا ما ذكرنا من غير إشكال. فرع آخر لو قال لمكاتبه إن أعطيتني دينارًا، فأنت حر، فأعطاه دينارًا أعتق بدفعه ويغلب حكم الكتابة به فصار العتق فيها على عوض فاسد فيلزم المكاتب فيها قيمته ويرجع بما أداه من قبل مع الدينار الذي عتق به من العبد ويتقاصان مع اتفاق الجنسين ويتراجعان الفضل إن كان فيه وهذا لا يصح لأنه لا تصح المعاوضة على المكاتب. باب بيع المكاتب وشرائه مسألة: قال: «وبيع المكاتب وشراؤه في الشفعة له وعليه فيما بينه وبين سيده والأجنبي سواء». جملة هذا أن المكاتب يصح بيعه وشراؤه من سيده وغيره لأن المقصود من الكتابة حصول العتق، [١١٢/ أ] وإنما يحصل العتق بالأداء والتصرف فوجب أن يمكن من ذلك ليحصل له المال فيؤديه به ويعتق فإن شقص في شركته جاز له أخذه بالشفعة لأنه قد يكون له حظ في ذلك فوجب تمكينه من ذلك وله أن يأخذه من سيده بالشفعة ويأخذ السيد منه بالشفعة لأن السيد ممنوع من التصرف في المال الذي في يده كما هو ممنوع من التصرف في مال الأجنبي، وقال أبو إسحاق في علته: لأن المكاتب مالك لما في يده دون سيده غير أنه ممنوع من إتلاف ما في يده خوفًا من عجزه، وإلا فلا ملك للسيد في ذلك ما دام مكاتبًا وقد يمنع الإنسان أن يتلف ملكه أو يفسده فلا يكون ذلك دليلاً على أن لا ملك له فكذلك المكاتب وإن كان ملكه ناقصًا، فهو المالك والمتصرف ولو كان السيد هو المالك لتصرف هو فيه، وقام بتنميته دون المكاتب فلما كان التصرف إلى المكاتب علم أنه هو المالك ولكن لم يكمل ملكه فلم يكمل تصرفه، وعلى هذا لو كاتبت امرأة عبدها فوطئها بشبهة استحقت عليه مهر المثل، وإن كانا عالمين حدا فإنه لا شبهة بينها وبين عبدها فكيف بينها وبين مكاتبها، وقد قال الشافعي في «القديم»: يملك المكاتب ما في يده. مسألة: قال: إلا أن المكاتب ممنوع من استهلاك ماله، وأن يبيع بما لا يتغابن الناس بمثله. جملة هذا أن المكاتب لا يهب ماله ولا يبيعه بالمحاباة ولا يقرض بغير إذن السيد؟ لأنه ممنوع من هذه الأشياء قبل عقد الكتابة وإنما استفاد بالكتابة التصرف الذي فيه خطه ويتوصل به إلى تحصيل المقصود من العتق وهذه الأمور إتلاف للمال لا حظ له

стр. 4040

فيها فيمنع منها كما منع منها قبل عقد الكتابة، [١١٢/ ب] وإنما استفاد بالكتابة التصرف ولا فرق في الهبة بين أن يكون على مكافأة أو غير مكافأة لأنه لاحظ له في ذلك، لأن أكثر ما يجب من المكافأة على قول من يجبر ذلك قيمة الشيء الموهوب ويحتاج إلى تسليمه أو لا يطالبه بذلك، فلا حظ له فيها، وقوله: إنه ممنوع من استهلاك طلبه أراد بما ذكر من المحاباة أو الهبة، ولم يرد به الإتلاف المحض لأن سائر الناس ممنوعون من ذلك أيضًا، وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: للمكاتب والمأذون أن يبيعها ما عز وهان من الثمن كالوكيل المطلق بالبيع وكلامنا ههنا أظهر لأن هناك لفظًا عامًا وهو قوله «بيع» ولم يوجد ذلك هاهنا كالولي في مال الصبي، فإن فعل شيئا مما ذكرنا بإذن سيده نص في «الأم» ونقله المزني: أنه يجوز، وقال الربيع: فيه قول آخر لا يجوز، ونص في الخلع على المكاتبة إذا اختلعت بإذن السيد على مال بذلته لم يجز، والخلع قريب من الهبة، فإنه إخراج المال بغير عوض، واختلف أصحابنا في المسألة على طريقين: أحدهما: أنه ينقل جواب كل واحد من المسألتين ويخرج كلاهما على قولين: أحدهما، ولا يجوز، وبه قال أبو حنيفة، لأن هذا المال غير مملوك لسيد المكاتب، وملك المكاتب عليه ناقص، فإذا وهبه أحدهما وأجازه الآخر لم يجز كما لو زوج الأخ أخته الصغيرة بإذنها لم يجز لأن ولايته عليها ناقصة، ولهذا لو أذن له السيد في وطئ جاريته، لم يجز له وطئها، والثاني، وهو الأصح يجوز لأن المال لم يخرج من بينهما كالشريكين، في المال إذا وهب أحدهما بأن صاحبه جاز، ومن أصحابنا من حمل المسألتين على ظاهرهما، وهي الطريقة الثانية، فقال: [١١٣/ أ] الهبة تجوز بإذن السيد والخلع لا يجوز، والفرق أن بالهبة يحصل الثواب، إما من جهة الله تعالى أو من جهة الآدمي بالمكافأة، ولا يحصل لها بالخلع في مقابلة المال الذي يخرجه من يدها عوض بحال، فلا يصح ولهذا يندب إلى الهبة دون الخلع. وهذا ليس بشيء والاعتماد على الطريقة الأولى. فرع لو وهب المكاتب لسيده شيئا فقبله فهما كإذنه فيها فيكون على قولين ونص في «الأم»: أنه يجوز، فإذا قلنا: يصح، فإن قلنا: تجب المكافأة في الهبة المطلقة يجب على السيد أن يكافئه فيدفعه إلى مكاتبه أو يحتسب بها من مال كتابته، وإن قلنا: لا تجب المكافأة وروعي حال المكاتب، فإن أدى مال كتابته من غيره استقر ملك السيد على الهبة، وإن عجز وكان في الهبة وفاءً بما عليه ففي رجوع المكاتب بها ليؤديها في كتابته فيعتق به وجهان: أحدهما: لا يرجع كالهبة للأجنبي، والثاني: يرجع لأن مال الكتابة مستحق للسيد في كتابته فبأي وجه صار إليه استحق به العتق، ولو وهب لولد سيده، فإن كان صغيرًا فالسيد قابلها، فيصير قبوله لها كإذنه فيها، فيكون على قولين،

стр. 4041

ولا يرجع بها المكاتب إن عجز ذكره في «الحاوي». فرع آخر قد ذكرنا أن نكاح المكاتب يجوز بإذن السيد وكذلك نكاح المكاتبة، وقال القفال: لا يصح نكاحها بحال، وإن زوجها سيدها بإذنها قولاً واحدًا لأن ملك السيد فيها ناقص، وهي في نفسها ناقصة. وقال بعض أصحابنا بخراسان: [١١٣/ ب] المشهور أنه لا يجوز وفيه وجه آخر أنه يجوز وكأنهما مبنيان على تبرعات المكاتب، وهذا غير صحيح عند أصحابنا بالعراق. قال القفال: ولا يجوز أيضًا تزويج أمة المكاتب وإن كان بإذن المكاتب، ولا يجوز للسيد أن يتزوج بأمة مكاتبه ولو تزوج بأمة ثم كاتب عبدًا، ثم اشترى المكاتب تلك الأمة لم يبطل النكاح، وكذلك لا تتزوج المرأة بعبد مكاتبها ولو تزوجت بعبد فاشتراه مكاتبها أو مكاتبتها لم تبطل كما لو اشترى لابنه زوجة ابنه لا يبطل، وقد ذكرنا فيما مضى وجهًا آخر أنه يبطل النكاح كما لا يجوز ابتداء النكاح وهو الأقيس. مسألة: قال: «ولا يكفر في شيء من الكفارات إلا بالصوم». قد ذكرنا هذا فيما تقدم لأن له عنية عن التكفير ب المال بأن يكفر بالصوم فلا يجوز له إتلاف المال بغير إذن سيده فيما لا حاجة له فيه، فإن أذن له السيد في التكفير بالمال، فإن كان بالإطعام، أو الكسوة، وقد ذكرنا قولين بناءً على أن العبد يملك بالتمليك أم لا، وقيل: إنهما مبنيان على القولين في تبرعاته بإذن سيده، ولو أذن له في التفكير بالإعتاق لا يجوز. مسألة: قال: «وإن باع ولم يتفرقا حتى مات المكاتب وجب البيع». ظاهر هذا أن خيار المجلس ينقطع بالموت، وقد ذكرنا ما فيه من الطرق في كتاب البيع، واختار ابن أبي هريرة أنه يقوم السيد مقامه. وقوله: وجب البيع أراد لا يبطل البيع بموته، ويقوم السيد مقامه فيه، [١١٤/ أ] قال: وهذا أصح التأويلات، وقال القاضي الطبري: هذا مخالف لكلام الشافعي في «الأم»، وذلك أنه قال: لو باع المكاتب، أو اشترى شراء جائزًا على أن المكاتب بالخيار ثلاثًا، أو أقل فلم تمض أيام الخيار حتى مات المكاتب قام السيد في الخيار مقام المكاتب في رد البيع وإمضائه، ولو باع أو اشترى شراءًا جائزًا بلا شرط خيار، فلم يفترقا عن مقامهما الذي تبايعا فيه حتى مات المكاتب وجب البيع لأنه لم يختر الرد حتى مات، فالبيع جائز بالعقد الأول ففرق الشافعي بين خيار الشرط وخيار المجلس، فلم يصح ما قال هذا القائل، والظاهر منه قول آخر وأن المسألة على قولين، وأما خيار الشرط، فالفرق بينه وبين خيار المجلس أنه يختص بالعاقد ولا يتعداه وخيار الشرط لا يختص بالعاقد فإنه

стр. 4042

يجوز شرطه لغير العاقد فجاز أن يقوم السيد فيه مقام المكاتب. مسألة: قال: «ولا يبيع بدين». اعلم أنه لا يجوز للمكاتب أن يبيع شيئًا بثمن مؤجل لأنه فيه تغريرًا بالمال إذا يخرج السلعة من يده ويستبدل مكانها ما لا يمكنه التصرف فيه، وقال في «الأم»: ولا يبيع بدين، وإن كثر فضله فيه بحال، وإن رهن عبده وأخذ حميلا لأن الرهن يهلك والغريم والحميل يفلس فلا يجوز فإن كان بإذن سيده، قال في «الأم»: يجوز وفيه قول آخر على ما ذكرنا في التبرعات، وقال بعض أصحابنا: يجوز أن يبيع ما يساوي مائة بمائة وعشرين، ويقبض المائة وتبقى العشرون إلى مدة وللمكاتب أن يشتري بالدين لأنه ليس فيه تغرير عليه، ,إنما التغرير على البائع، وهذا إذا لم يطلب منه الرهن به، [١١٤/ ب] وبيع منه ما يساوي بيع مثل الأجل لأنه لا يكون غبنًا. وإن بيع منه مؤجلاً، فأولى وأجوز وهكذا له أن يستسلم في ذمته لأن له فيه خطأ إلا أنه لا يجوز أن يدفع بذلك رهنًا لأن الرهن أمانة في يده فربما يتلف ولا يضمن ذلك، ويبقى الدين في ذمته على حالته وله أن يستسلف يعني يستقر بين من ليس له أن يرهن في القرض، ولا يجوز أن يقرض ماله، ولا أن يسلف في طعام لأن ذلك دين قد يتلف، وقال في «الأم»: ليس له أن يضارب أحدًا، وإن كان أمينًا لأنه يخرج من يده إلى غيره مالاً ربما لا يصل إليه بأن يموت الرجل أو يجحد أو يفلس. قال أصحابنا: وله أن يأخذ المال من غيره قراضًا. قال الشافعي: وله أن يبيع بخيار الثلاث إذا قبض الثمن لأن البيع مضمون على قابضه، إما بالثمن أو بالقيمة، وهذه إشارة إلى قولي الملك إن قلنا: إن الملك للمشتري فمضمون بالثمن، وإن قلنا: للبائع فمضمون بالقيمة. وقال القفال: لو اشترى أو باع شيئًا لم يسلم ما في يده حتى يتسلم العوض إلا أن يسلم المسلم العوض في الحال أو المجلس فذلك القدر لا يمكن الاحتراز عنه، وعلى هذا قال بعض أصحابنا بخراسان: يصح منه السلم الحال فيتسلم العوض في الحال، وهذا بعيد. مسألة: قال: «ولا يهب لثواب». وقد ذكرنا ذلك ووجهه أن الهبة في الأصل عقد تبرع، ومذاهب العلماء مختلفة في الثواب ومقداره إذا لم يكن مسمى أحدهما ما يليق به، وهو الأظهر، ولا فائدة فيه ويتأخر ذلك عن الهبة كما ذكرنا. والوجه الثاني: أنه يكفي ما يقع عليه الاسم وهذا إضرار به، وفي أصل الهبة بشرط

стр. 4043

الثواب قول آخر [١١٥/ أ] إنه باطل ولهذا لا يجوز لولي اليتيم أن يهب بشرط الثواب، وقال بعض أصحابنا: نص الشافعي ﵁ أنه تجوز تبرعاته بغذن السيد ونص أنه لا تجوز هبته بشرط الثواب أصلا، وهذا لأنه إن كان الثواب مجهولاً ربما يرى بعض القضاة أنه يكفي في الثواب ما يقع عليه الاسم، وبه قال أبو حنيفة، وإن كان الثواب معلومًا، فهو يسلم قبل قبض الثواب، وهذا غير صحيح بل كلاهما على قولين إذا وجد إذن السيد. مسألة: قال: «وإقراره في البيع جائز». إنما جاز إقراره لأنه من أهل ابتدائه فكان من أهل الإقرار به كالحر. قال أصحابنا: وإنما يجوز ذلك ما دام مكاتبًا، فإذا خرج من الكتابة لا يقبل إقراره كما لا يقبل قول الحاكم إذا عزل فيما حكم به، وليس هذا كإقراره الجناية لا يقبل لحق السيد إذا تعلق بالمال لأن السيد لم يسلط عليه بعقد الكتابة، وإن أقر السيد عليه بالجناية لا يقبل أيضًا لأنه لا سبيل له على ماله غير أنه إن أعجزه يومًا أخذ بإقراره ليقضي دين الجناية من ماله، أو من رقبته. فرع لو أقر المكاتب بالشراء بعد العجز فإن كان برئ من الثمن بدفع أو إبراء يقبل بخلاف ما لو أقر بالبيع لا يقبل لأن فيه إزالة الملك، وفي الشراء إثبات الملك، وإن كان الثمن باقيًا فإن كان بقدر قيمة السلعة ن فذ وإن كان أكثر فإن كان لمغابنة فيه عند الشراء نفذ والشراء مردود، وإن كان بسبب حادث من نقص سعر أو حدوث عيب ينفذ الإقرار يلزم الشراء لأن زيادة الثمن إذا عجز عنها تعلقت بذمته. وكذلك إقراره بالدين مقبول لأنه بالكتابة سلطه على ما أفضى إليه، فإن عجز ما [١١٥/ ب] بيده عن أدائه كان في ذمته يؤديه بعد عتقه. مسألة: قال: «ولو كانت له على مولاه دنانير ولمولاه عليه دنانير فجعلا ذلك قصاصا جاز». اعلم أنه إذا حل للسيد على مكاتبه نجم من مال الكتابة وكان له على سيده من جهة المعاملة دين لم يخل من أن يكون أحد الدينين من جنس الآخر، أو من غير جنسه، فإن كان من جنسه ففيه أقوال. والمنصوص في التصرف أنهما لا يتقاصان، وإن تراضيا به، وإن كانا من جنسين مختلفين لا يسقط أحدهما بالآخر قولاً واحدًا لأن الجنسين لا يتقاصان، ولهذا لا يجوز أن يحيل بغير جنس ما عليه من الدين. ولأنه كما يكون دينًا بدين فلم يجز. فإذا ثبت هذا فلا يخلو من ثلاثة أحوال، إما أنا يكونا جميعًا نقدين كالدراهم

стр. 4044

والدنانير، أو يكونا عرضين، أو أحدهما نقدًا، والآخر عرضًا، فإن كانا نقدين لا يحتاج إلى قبض الحقين معًا، بل يقبض أحدهما من صاحبه ثم يرده عما له في ذمته لأن دفع العرض عن الدراهم والدنانير التي في ذمته يجوز. وإن كان عرضين لا يجوز حتى يقبض كل واحد منهما ماله على صاحبه، فإن أخذ أحدهما من صاحبه ما عليه لم يجز أن يرده عليه بالجنس الذي له عليه لأنه بيع العرض قبل القبض إلا أنه يكون ذلك من جهة العرض، فيجوز، وهذا ليس بقرض لأنه لا يجوز ذلك من المكاتب فيشبه ذلك المسلم فيه. وإن كان أحدهما نقدًا، والآخر عرضًا فإن أحضر الذي عليه العرض وسلمه إلى صاحبه، فقبضه جاز له أن يرده عليه بماله في ذمته من النقد، وإن أحضر الذي عليه النقد [١١٦/ أ] وسلمه إلى صاحبه لم يجز له أن يرد عليه بالعرض الذي له في ذمته إلا أن يكون العرض عليه من جهة القرض على ما ذكرنا. فرع قال في «الأم»: ولو كانت لمكاتبه على رجل مائة دينار فحلت عليه لسيده مائة دينار فإن أراد أن يبيعه المائة التي عليه بالمائة التي على الرجل لم يجز، ولكن إن أحاله على الرج فحضر الرجل ورضي السيد أن يحال عليه بالمائة جاز، وليس هذا بيعًا وإنما هذه حوالة، فأجاز الشافعي الحوالة بما في ذمة الغير ومنع من بيعه. وعلى هذا إذا كان له في ذمة رجل طعام، أو ثياب من جهة القرض فباعه من غير من هو عليه لم يجز، وكذلك إذا اشترى من إنسان سلعة بدين له في ذمة غير البائع لم يجز، وقال في «الإفصاح» في آخر كتاب الحوال: ذهب بعض أصحابنا إلى جواز ذلك وهذا خلاف النص، ولأنه لا يقدر على تسليم ما في ذمة غيره. فرع آخر قال في «الأم»: ولو خلت على مكاتب نجومه فسأل السيد أن يعتقه ويؤخره بما عليه فأعتقه كان العتق جائزًا، واتبعه بما عليه دينًا وكذلك لو كانت النجوم إلى آجال فسأله أن يعتقه وتكون النجوم ثابتة، فأعتقه جاز ويكون دينه عليه في الكتابة بحاله. مسألة: قال: «وإن أعتق عبده، أو كاتبه بإذنه». الفصل جملته أنه إذا كاتب عبدًا ثم اشترى المكاتب عبدًا وأعتقه بغير إذن السيد لا يجوز بلا خلاف، لأنه إتلاف للمال، وهكذا إن كاتبه بغير إذنه لا يجوز لأنه يجري مجرى الإعتاق بدليل [١١٦/ ب] أنها في حق المريض من الثلث كالإعتاق. وقال أبو حنيفة: تجوز كتابته، وهذا لا يصح لما ذكرنا، وأما إذا أعتق، أو كاتب بإذن سيده، هل يصح

стр. 4045

فيه قولان: أحدهما: لا يصح لأن العتق إنما يصح من مالك تام الملك، وليس له ذلك لأنه يقتضي الولاء وهو مملوك لا يثبت الولاء له لأنه يجوز أن يعتق فيثبت عليه الولاء ومن كان ممن يثبت عليه الولاء لا يجوز أن تثبت له الولاء، والثاني: يجوز لأن إيقاع الحرية تمليك العبد نفسه فملكه بإذن السيد كالهبة، وهذان القولان من فروع التبرعات. وقال القفال: إن قلنا: تبرعاته لا تجوز إلا بإذن سيده فهو أولى أن لا يجوز، وإن قلنا: ذلك يجوز فههنا قولان. وحكى المزني عن «الإملاء» على مسائل مالك أنه قال: إذا كاتب المكاتب عبده لا يجوز، وإذا أدى المال لم يعتق كما لو أعتقه لم يعتق، ثم اختار هذا القول، وهذا التشبيه مشكل لأنه يوهم فرقًا بين الكتابة والعتق، وليس كذلك لأن القولين في إعتاقه كالقولين في كتابته فيحتمل أن يكون مراده بقوله: كما لو أعتقه لم يعتق إذا كان بغير إذن سيده ولا يبعد أن يقيس الكتابة في حال إذن السيد على الكتابة في حالة عدم الإذن أو على الإذن في حالة عدم الأخذ يعني: نقصان ملكه في الحالين، وقيل قصد الشافعي أن يبين أن الكتابة تبرع كالإعتاق، فلا يصح من المكاتب دون إذن سيده كيلا يظن ظان أن الكتابة كالبيع فتصح دون إذن السيد، وقيل: هذا لأن للشافعي قولين في كتابة المكاتب عبده، وفي إعتاقه بإذن السيد قولان ولكن نضه في «الإملاء» يدل [١١٧/ أ] على وجوب الترتيب وكيفية الترتيب ما ذكر القفال، والفرق أن بالكتابة يستفيد عوضًا وفي زيادة ماله منفعة سيده ولا يستفيد بالإعتاق عوضًا، فافترقا، وقال أبو إسحاق: القياس ما اختار المزني لولا ما فيه من الشفعة، فإذا قلنا: لا يصح، فالعتق لا ينفذ والكتابة باطلة والعبد باق على ملكه فإن أدى المال إليه لم يعتق لأنه إنما العتق في الكتابة الفاسدة بأداء المال إذا كان السيد ممن يملك العتق المباشر وههنا لا يملك ذلك، وإذا قلنا: يصح العتق والكتابة تصح أيضًا، فأدى المال وعتق وهو بعد لم يعتق، فلمن يكون الولاء قولان: أحدهما: أنه موقوف، فإن عجز المكاتب كان للسيد، وإن أدى وعتق كان له لأن حكم المكاتب في نفسه وماله موقوف ولأن المكاتب باشر العتق فيستحيل أن يكون الولاء للسيد الذي لم يباشره فيوقف عليه، ثم صور الشافعي ﵁ فائدة الوقف فقال: «فإن مات عبد المكاتب المعتق بعدما يعتق وقف من ميراثه في قول من يقف الميراث كما وصفت، فإن عتق المكاتب الأول فهو له، وإن مات أو عجز فلسيد المكاتب إذا كان حيًا يوم يموت، وإن كان ميتًا فلورثته من الرجال ميراثه»، وإنما قال من الرجال لأن النساء لا يرثن بالولاء إلا في مباشرة العتاق. وقال أبو حامد على هذا القول: في هذه المسألة قولان: أحدهما، ما ذكرنا، والثاني: ميراثه لسيده لأن الولاء يجوز أن يتوقف فيثبت لشخص ثم ينجر الولاء إلى غيره والميراث لا يجوز لأن يتوقف قط، [١١٧/ ب] ولأن السيد وارث في الحال، فلم ينتظر في المكاتب أن يصير وارثًا كالحر إذا مات وخلف

стр. 4046

أبًا مملوكًا وجدًا حرًا كان ميراثه لجده ولا يوقف على عتق أبيه، وقال أصحابنا: هذا القول بعيد لأنه يؤدي إلى توريث السيد من هذا المعتق بلا نسب ولا ولاء، وهذا لا يجوز، وذكر القفال وجهًا آخر أنه يصرف ماله إلى بيت المال، وهذا الوجه الأول أبعد، والقول الثاني: الولاء لسيد المكاتب وبه قال أبو حنيفة، لأن العتق إذا كان معينًا لم يجز أن يكون الولاء موقوفًا كما لا يجوز أن يكون النسب موقوفًا مع تعين الواطئ، وإذا لم يثبت في الحال بطل النسب وكذلك الولاء والمكاتب في الحال من أهل الولاء والسيد من أهله فثبت له. قال القفال: وعلى هذا يجب أن يجري عن كفارة السيد إذا نوى وأعتقه المكاتب بإذنه، ومن قال بالأول أجاب عن هذا بأن النسب قد يقف على بيان القافة أو على الانتساب إذا لم يكن قافة، فكذلك الولاء يجوز أن يوقف ولأن الفرق بين النسب والولاء ظاهر لأن الولاء ينتقل بالجر من مولى الأم إلى مولى الأب بخلاف النسب، ولو أدى المكاتب الثاني المال بعدما عتق المكاتب الأول، فالولاء للمكاتب الأول إذا جوزنا تلك الكتابة لأنه يوم العتق من أهل الولاء. فرع إذا قلنا: الولاء للسيد فلا فرق بين أن يعجز المكاتب بعد ذلك لو أدى المال وعتق فقد استقر الولاء على السيد فلا ينتقل هكذا قال أصحابنا. وقال في «الحاوي»: حكى ابن أبي هريرة أنه إذا عتق المكاتب [١٨/ أ] بعده بالأداء هل يجر ولاء معتقه، وينتقل عن سيده إليه؟. اختلف أصحابنا فيه على وجهين: أحدهما: ما ذكرنا كما لا يجوز أن ينتقل النسب، والثاني: يجره لأنه باشر العتق، وإذا جاز أن ينتقل ههنا، وقد باشر العتق وهناك لم يباشره. فرع آخر إذا أعتق المكاتب عبده عن سيده أو عن غير سيده بإذن سيده ففيه قولان. قال أبو حامد: الصحيح ههنا أنه يعتق والصحيح في عتق المكاتب عن نفسه بإذن سيده أنه لا يعتق لأنه ليس من أهل الولاء. مسألة: قال: «وبيع نجومه مفسوخ». الفصل جملة هذا: أنه إذا كاتب عبدًا على مال ثم إن السيد باع ذلك المال الذي له في ذمة المكاتب نص الشافعي ههنا، وفي «الأم» وعامة كتبه: أنه لا يجوز، وبه قال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه وأحمد، وقال مالك: يصح ذلك لأن السيد يملكها في ذمة المكاتب فصار كسائر أمواله وهذا غلط لأن النبي ﷺ «نهى عن بيع ما لم يقبض» وهذا عوض غير مقبوض، فهو بمنزلة المسلم فيه، ولأنه ليس بلازم ومتى شاء المكاتب

стр. 4047

أسقط ذلك عن نفسه، وقال أبو إسحاق: أومأ الشافعي في «القديم» إلى جوازه أيضًا ولكنه فاسد لا وجه له، وقيل: قال في «القديم» في بيع المكاتب، هل يجوز قولان، فإذا قلنا: يجوز، يجوز بيع رقبته أيضًا، وهذا البناء لا يصح لأن الغرر في المال الذي في الذمة أكثر منه في الرقبة فلا يصح بناء إحدى المسألتين على الأخرى [١١٨/ ب]. وقيل: قال في بيع الديون وهبتها قولان أخرجهما ابن سريج، فههنا كذلك وهذا خطأ أيضًا لأن ذلك في الدين المستقر اللازم. والصحيح أن المسألة على قول واحد أن البيع باطل. فرع إذا قلنا: إن البيع باطل فالمشتري لا يملك مطالبة المكاتب بشيء ولا يجوز للمكاتب أن يدفع إليه أيضًا، فإن جمع مالا ودفعه إلى المشتري، فهل يعتق؟، قال الشافعي ههنا، فإن أدى المال إلى المشتري بأمر سيده عتق كما يؤدي إلى وكيله فيعتق، وقال في «الأم»: لا يعتق لأن أصل البيع باطل، وليس هذا كرجل وكله سيد المكاتب لأنه يأخذه لنفسه دون السيد بدليل أنه يضمن واختلف أصحابنا في هذا، فقال ابن سريج، ينبغي أن يخرج على قولين: أحدهما: لا يعتق وإن أدى إلى المشتري بإذن السيد لأنه أذن له أن يقبضه لنفسه لا للسيد، والذي على المكاتب أن يدفع إلى السيد أو إلى من يقبضه له بإذنه، وهذا لا يصح، والثاني: يعتق صرح البائع بالإذن، أو لم يصرح لأنه قبضه بإذنه وتسليطه كالوكيل، فإذا قلنا: يعتق فقد برئت ذمته من مال الكتابة، لأنه ما عتق إلا بعد براءة ذمته من المال وتبقى المنازعة بين السيد وبين المشتري في المال الذي قبضه من المكاتب وفي الثمن الذي دفعه المكاتب إليه فإن كان المال الذي قبضه المشتري، والثمن الذي دفعه المشتري باقيين يرجع المشتري بما دفع واسترجع منه ما أخذ وإن كانا تالفين حصل التقاص بينهما فيما تساويا فيه [١١٩/أ] ورجع أحدههما على صاحبه بالفضل الذي بقي له، وإذا قلنا: لا يعتق فإن ذمته لا تبرأ من مال الكتابة فيستحق السيد مطالبته بمال الكتابة، ويستحق هو مطالبة المشتري بما دفعه إليه ويستحق المشتري مطالبة السيد بالثمن الذي دفعه إليه. وقال أبو إسحاق: المسألة على اختلاف حالين، فالذين قال يعتق: أراد إذا باع المال منه وأمر المكاتب بدفعه إليه، فيكون قد قبضه بأمرة ويعتق، والذي قال لا يعتق: أراد به إذا باعه مطلقًا، ولم يأمر المكاتب بالدفع إليه، فلا يعتق لأنه لم يوجد من السيد صريح الإذن بالدفع، وإنما البيع تضمن ذلك، فإذا بطل البيع بطل ما تضمنه. قال: وهذا هو الظاهر لأن الشافعي في «الأم» لم يشترط إذن السيد في دفعه إلى المشتري وشرط فيما نقل المزني الإذن قال: فإن أدى إلى المشتري بأمر سيده. قال أبو إسحاق قلت لابن

стр. 4048

سريج هذا، فقال: ما تبين لي أن يكون بينهما فرق لأنه لا فرق بين أن يأذن في الدفع أو يلزمه بعقد سيده الدفع، ومن لفظ بالعقد فقد أذن في دفعه، فقلت: هذا يمكن أن يقال لأنه إذا لم ينص على الدفع فالدفع لا يلزمه وإنما دفعه متأولا، وقد كان يمكنه أن يحترز منه بأن لا يسلمه إليه إلا بإذن ينص له السيد عليه، أو يحكم به عليه حاكم، فلا يعتق ويدل على هذا أنه لو أعتقه لم ينفذ عتقه ولم يجعل بمنزلة العتق بإذن السيد وإن كان العقد يتضمن تصرفه بالعتق وغيره، واختار القاضي الطبري طريقة أبي إسحاق. مسألة: قال: «وليس للمكاتب أن يشتري من يعتق عليه». الفصل جملة هذا: أن المكاتب إذا اشترى [١١٩/ ب] من يعتق عليه بحكم القرابة كالآباء والأمهات وغيرهم، فإن كان بغير إذن سيده لا يصح الشراء قولا واحدًا. وقال أبو حنيفة وأحد: يصح الشراء، وقال أبو حنيفة: القياس أن له أن يتصرف بعد الشراء ولكني أمنعه من ذلك استحسانًا، وهذا لا يصح لأنه استهلاك وإتلاف إذ يخرج من يده ويجوز له التصرف فيه وأداء نجومه منه ويأخذ عوض ذلك مالا يمكنه التصرف فيه، وذلك ضرب من إتلاف المال، وإن كان بإذن سيده. قال عامة أصحابنا: فيه قولان كالتبرعات بإذن سيده، وقال أبو إسحاق: يصح ذلك قولا واحدًا، والفرق بينه وبين التبرعات في أحد القولين، إن التبرعات لا تحصل له عوض بوجه فهي إتلاف محض فلا يصح العوض، وهو أن هذا العبد يصير ملكه ويكتسب فيستعين بكسبه وربما يخفي عليه، فيأخذ هو أرش الجناية ويؤدي ذلك ويعتق هو معه فتحصل له المنفعة بذلك، فجاز والطريقة الأولى أصح لأن هذا العوض غير مقصود ولا متحقق، ولو كان كما قال أبو إسحاق لجاز أن يشتريه بغير إذن السيد وليس هذا بأكثر من الهبة بشرط الثواب وقد نص الشافعي أنه لا يجوز ذلك على القول الذي يقول لا يجوز هبته بإذن السيد. وحكي أن أبا إسحاق، قال: وينبغي أن يكون على قول له شراؤه بالإذن لأنهما لو اجتمعا على إتلاف المال جاز فجعله أبو إسحاق بمنزلة الإتلاف فيكون مع الإذن كالهبة فلا فرق على هذا بين ما قال أبو إسحاق وبين ما قال غيره. فرع إذا قلنا: يصح الشراء لم يكن له بيعه وكان موقوفًا على كتابته، فيقف عليه بحكم الملك دون النسب، ولأنه [١٢٠/ أ] لا يجوز أن يملك ثمن والد، وحكي عن ابن أبي هريرة أنه قال: يجوز بيعه لأنه يملكه وللسيد فيه حق، وهذا يلزم إذا استولد أمته، فإن [ابنه ملكه ولا يجوز له بيعه].

стр. 4049

فرع آخر قال الشافعي ﵁: «وله أن يقبلهم إن أوصى لهم به ويكسبون على أنفسهم». وجملته: أنه إذا أوصى له بهم فأراد أن يقبل الوصية ينظر فإنه كان ممن يجب عليه نفقته بأن يكون زمنًا، أو شيخًا ضعيفًا كبيرًا، أو طفلًا صغيرًا لم يجز له قبول ذلك لأنه يستضر بوجوب النفقة عليه ولا ينتفع بشيء ولا فرق بين أن يزن ما في يده من ثمنه، وبين أن ينفق عليه منه، وإن كان جلدًا مكتسبًا يقوم كسبه بنفقته فله أن يقبل ذلك بل هو مندوب إلى ذلك لأنه لا يستضر به بل فيه تكسب، لأنه ينتفع بفضل كسبه، وقد قال الشافعي: «يأخذ فضل كسبهم وما أفادوا» يعني: كل مال استفادوه فكالكسب، وإنما يأخذ ذلك لأنه بمله وليس بحر، فإن قيل: يجوز أن يزمن أو يمرض، ولا يكون له كسب، فيكون ضررًا على المكاتب، قلنا: الاعتبار بالحال دون ما يجوز أن يحدث في الثاني من الزمانة والعجز، وقال الصيمري: إذا أوصى له بابنه الزمن ولا كسب له، له أن يقبل في أصح الوجهين لأنه يجوز أن يحدث له اكتساب بغير عمل، وربما يصح فيعمل، وهذا ضعيف لأنه خلاف الظاهر في الحال، وهذا غريب. فرع آخر لو قبله وكان له كسب فزمن أو مرض لزمه أن ينفق عليه مما في يده لأنه عبده وملكه، فإن قيل: أليس لا يلزمه أن ينفق على أقاربه؟، قلنا: الفرق أن نف قة الأقارب مواساة بخلاف هذا [١٢٠/ ب]. فرع آخر لو جنى واحد منهم في يده، قال الشافعي: «وإن جنوا لم يكن له أن يفديهم وبيع منهم بقدر جناياتهم» وهذا لنأن المفاداة بمنزلة الشراء لأنه إخراج مال في مقابلتهم فكما لا يجوز ذلك لا يجوز هذا، فإن كان بإذن سيده يكون قولان أيضًا كما في الشراء وهكذا الحكم إذا وهب له واحد من هؤلاء، فقبل ذلك. مسألة: قال: «ولا يجوز بيع رقبة المكاتب». اختلف قول الشافعي ﵁ في بيع رقبة المكاتب، فقال في القديم: يجوز ولا أعرف لمن منع منه وجها، وبه قال عطاء والنخعي وأحمد، وقال في «الجديد»: لا يجوز بيعه، وهو الصحيح، وبه قال مالك والثوري وأبو حنيفة وأصحابه. وقال الزهري وربيعة: إن باع رقبته بإذنه صح البيع وإن باع من غير إذنه لم يصح، وروى الطحاوي هذا عن ابن أبي عمران عن أبي يوسف، واحتج عطاء بخبر بريرة، ولأنه بمنزلة العبد

стр. 4050

القن في عامة أحكامه، فكذلك في جواز البيع وهذا خطأ لأن الكتابة عقد يمنع رجوع أرش الجناية عليه إليه فيمنع البيع، وإذا قلنا: يصح يكون مكاتبًا كما كان فإن أدى المال إلى المشتري عتق والولاء للمشتري بخلاف وارث المكاتب إذا قبض النجوم، وصار حرًا يكون الولاء للمورث، لأن الوارث يقوم مقامه وينبني ملكه على ملكه بخلاف المشتري، وإن عجز كان رقيقًا للمشتري، وقال أبو ثور: يجوز بيعه وولاؤه إذا عتق للبائع، وهذا غلط لما ذكرناه ومن أصحابنا من أنكر هذا القول، وذكر أن المسألة على قول واحد إنه لا يجوز وذلك القول مرجوع عنه، وذلك لأنه قد باعه [١٢١/ أ] بالعقد الذي عقد عليه ومنع من المكاتب ومن كسبه، وقد ملك المكاتب ذلك إلى أن يعجز فيعود في الرق، فإذا باع رقبته باع ما لا يملكه، فلا يجوز ذلك ولو كان هو مالكًا لرقبته لكانت منافعه له ولكان له وطئها إذا كانت أمة. قال الشافعي: «فإن قيل: بيعت بريرة» وقصتها قد ذكرنا، ثم أجاب الشافعي، فقال: «لعلها عجزت وهي المساومة بنفسها عائشة ﵂ والمخبرة بالعجز والراضية بالبيع» وشرح أبو إسحاق هذا، فقال: عائشة ﵂ إنما اشترت بريرة بعد العجز لأن عقد الكتابة يلزم السيد ولا يلزم المكاتب وله أن يفسخه، أي وقت شاء، فلما كانت بريرة هي التي سفرت بينها وبين مواليها، وهي المساومة والمطالبة من عائشة أن تشتريها فقد علم أن ذلك رضى منها بفسخ الكتابة، وأنها عجزت نفسها ورغبت في عتق معجل يعينها على التصرف والتكسب للحرية فكان هذا أحظى لها وأعود عليها، ومن أصحابنا من قال: إنها عجزت عن أداء نجمها وشكت إلى عائشة ذلك، فباعها مواليها، فكان لهم تعجيزها وفسخ كتابتها فكان بيعهم فسخًا للكتابة، كما إذا باع البائع المبيع في مدة الخيار كان فسخًا للبيع الأول. فإذا تقرر هذا فعلى هذا لو باعه قبل العجز، فأعتقه المشتري، قال في «الأم»: كان عتقه باطلا، ولو دفعه النجوم إلى المشتري هل يعتق، فيه قولان على ما ذكرنا في بيع النجوم، ولو باعه قبل أن يرضى بالعجز ثم رضي، قال في «الأم»: كان البيع مفسوخًا حتى يحدث له بيعًا بعد رضاه بالعجز ولو باعه وماله من رجل نزع مال الكتابة من يد المشتري وكان على كتابته، فإن مات المشتري [١٢١/ ب] رجع به المكاتب على لسيده في ماله إن لم يكن حلت عليه الكتابة، فإن كانت حلت عليه أو بعضها كان قصاصًا وإن لم يمت ضمن المكاتب أيهما شاء إن شاء الذي استهلك ماله، وإن شاء سيده. وقال في «الأم»: ولو باعه ولا مال للمكاتب، أو له مال قليل، فأقام في يد المشتري سنين وحل عليه نجمان من نجومه ورد البيع فسأل المكاتب أن ينظر سنين يسعى في نجميه اللذين حلا عليه، ففيها قولان: أحدهما: لا يكون له ذلك كما لو

стр. 4051

حبسه سلطان، أو ظالم، أو مرض أو سبي وكان له أن يحسب على سيده قيمة إجارة السنين من نجومه، فإن أدى عنه كتابته وإلا رجع عليه السيد بما بقي، فإن أداه، وإلا فهو عاجز، وإن كانت في إجارته السنين فضل عن كتابته عتق ورجع بالفضل وأخذه وهكذا لو كاتبه السيد ثم عدا عليه، فحبسه سنة، أو أكثر والثاني: ينظره بقدر حبس السيد له إن حبسه بنفسه أو حبسه بالبيع، قال أصحابنا: ووجه هذا أنه دخل معه في العقد على أن يمكنه من التصرف في المدة التي شركها، فإذا حبسه في بعضها لم يف له بالشرط فلزمه بحبسه مثل ما حبسه، والأول أصح. ثم قال المزني: فإن قيل: فما معنى قول النبي ﷺ لعائشة: «اشترطي لهم الولاء»، وهذا السؤال لكشف إشكال في الخبر لا لتوجيه القول الجديد والرفع عنه، قال المزني: قلت للشافعي جوابان عن هذا السؤال أحدهما يبطل بالشرط، ويجوز العقد وجعله خاصًا. قال أبو إسحاق: تفسير هذا أن النبي ﷺ أذن لعائشة ﵂ في ذلك لأنه تقدم إليهم بأن الولاء للمعتق، فلم ينتهوا [١٢٢/ أ] عن شرط الولاء لأنفسهم فأمر عائشة بالشراء، وشرط الولاء للبائع ثم أبطل الشرط، وقال: ما بال أقوام، وقال الشافعي: رجال يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله فكان شراء عائشة صحيحًا، والشرط فاسدًا، وكان إذن النبي ﷺ في ذلك للبائع في الإنكار عليهم وردعهم عما كانوا عليه، وهذا كما أنهم كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من الكبائر، فلما أذن لهم فيها بقوله تعالى: ﴿وأَتِمُّوا الحَجَّ والْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، توقفوا فأذن النبي ﷺ في الإحرام بالحج، ثم فسخ عليهم إحرامهم بالحج وأمرهم أن يجعلوه عمرة ليكون تغليطًا عليهم في إثبات أوامره، وقيل: هذا هو القول المنصوص في البيع بشرط العتق، أو بشرط الولاء للبائع أن البيع جائز لا على القياس ولكن بالسنة، وهذا معنى قول المزني يجعله خاصًا. وقيل: لما نهى عن بيع الولاء وهبته ظنوا أن نهيه توجه إلى إفراه بالبيع وأنه إذا كان مشروطًا في بيع جائز صح فأحب أن يفسخه عليه بعد شرطه ليكون الفسخ، أوكد والنهي أغلط كما قلنا في باب جواز العمرة في أشهر الحج. وقيل: إنهم كانوا في الجاهلية يتبايعون الولاء ويرونه مالا فغلط الأمر فيه مع نهينه عن بيعه بأن أبطله عليهم بعد بيعه ولذلك غضب وصعد المنبر فخطب، وقال: «ما بال أقوام يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله» الخبر إلى آخره. وقيل: أذن فيه في وقت جوازه ثم نسخ فأظهر نسخه بفسخه كما أمر رسول الله ﷺ سهلة بنت سهيل أن ترضع سالمًا وكان كبيرًا ثم نسخ رضاع الكبير، وقال: الرضاعة من المجاعة. ثم قال المزني: [١٢٢/ ب] وقال في موضع آخر، وهذا من أشد ما يغلط فيه وإنما جاء به هشام بن عروة وحده وغيره خالفه وضعفه، وهذا أولى به لأنه لا يجوز في صفة النبي ﷺ في مكانته من الله تعالى ينكر على أناسٍ شرطًا باطلًا، ويأمر أهله بإجابتهم إلى شرط باطل وهو على أهله في الله أشد وعليهم أغلط يريد بهذا أن النبي ﷺ ما أذن

стр. 4052

لعائشة في اشتراط الولاء للبائع وانفرد بتلك الرواية هشام، وليست بصحيحة لما ذكره من الدليل. وقيل: هذه زيادة تفرد بها هشام، وقد روى نافع عن ابن عمر عن عائشة ﵂ هذا الخبر فلم يروها، وكذلك الزهري لم يروها وهو أحفظ من هشام، وكذكل عمرة والقاسم بن محمد والأسود بن يزيد وأبو هريرة كلهم رووا عن عائشة، ولم يذكروا أنه أمرها باشتراط الولاء لهم ولعل هشامًا أو عروة حين سمع أن النبي ﷺ قال لها: «ما يمنعك ذلك» رأى أنه أمرها أن تشترط لهم الولاء، فلم يقف من حفظه على ما وقف عليه ابن عمر وجماعة. فإن قيل: الزيادة أولى في الإخبار قيل: ترك الزيادة في هذا الموضع أولى من الأخذ بها لثلاثة أمور، أحدها: إنكار الرواة لها على ما ذكرنا، والثاني: منع الشرع منها، والثالث: صفة النبي ﷺ على ما ذكرنا فلا يجوز أن يأذن في المحظور والغرور، وقال بعض أصحابنا: هكذا قال الشافعي، ولكن الخبر في «الصحيحين» من طرق شتى سوى طريق هشام، وهذا الشرط مذكور فيه، والأصح الجواب الأول، [١٢٣/ أ] وهو تجويز البيع بالسنة، ثم اشتغل المزني بالتأويل، فقال: ويحتمل لو صح الحديث أن يكون أراد: اشترطي عليهم أن لك إذا اشترطت، وأعتقت الولاء أي لا تغريهم واللغة تحتمل ذلك قال الله تعالى: ﴿ولَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ [غافر: ٥٢] أي عليهم اللعنة، وقال تعالى: ﴿إنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وإنْ أَسَاتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧]، يعني فعليها. وقال تعالى: ﴿ولا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ [الحجرات: ٢]، أي عليه، فقامت لهم مقام عليهم فتفهم رحمك الله. وأنكر أبو إسحاق هذا التأويل على المزني على عادته في الرد على المزني إذا وجد السبيل إليه، وقال الماسرجسي: سمعت أبا إسحاق ينكر ذلك، ويقول: هذا يجوز عند الضرورة، ولو جوزنا إبدال حرف بحرف لغير الحاجة والضرورة بطل التفاهم بالخطاب، وذهبت فائدة الكلام، وقال: لا يجوز أن يقصد منع عائشة من شرطها الولاء للبائع بلفظ لا يبني عنه إلا بقرينة الحال ودلالة وفي موضع لا يشكل ولا يلتبس ولأن خروجه مغضبًا، وقوله في خطبته: «ما بال أقوام يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله». يدل على أن الشرط كان لهم فأبطله عليهم، فلا يصح ما ذكره المزني. وقال ابن أبي هريرة: قوله اشترطي لهم الولاء خارج مخرج الوعيد والتهديد، كقوله تعالى: ﴿فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]، وهذا بعيد، وقال صاحب «الإفصاح»: أراد اشترطي لهم العتق، فعبر عن العتق بالولاء لحدوثه عنه، واستحقاقه به، وهذا أيضًا عدول عن الحقيقة إلى المجاز، وقال أبو حامد: اشتراط الولاء تقدم العقد لأنه كان وقت المساومة، وإنما يلزم الشرط [١٢٣/ ب] إذا اقترن بالعقد فلذلك بطل، فأعلن النبي ﷺ إبطال حكمه، وهذا ضعيف لأن رسول الله ﷺ أبطل الشرط لفساده، ولم يبطله لأنه كان في غير محله، ولو أراد ذلك لأزال اللبس ولأبان الحكم المقصود.

стр. 4053

فرع لو كانت الكتابة فباعها للسيد، فإن كان للسيد علمًا بفسادها صح البيع وفي ذلك فسخ الكتابة الفاسدة، فلا يعتق بعد ذلك بالدفع وإن لم يعلم أو ظن أن الكتابة صحيحة، فإذا هي فاسدة ففي صحة البيع قولان مخرجان كما قال الشافعي: إذا أوصى برقبته لرجل ظنًا أن الكتابة صحيحة وأن الوصية فاسدة هل تصح الوصية، قولان سواءً كان عالمًا بفسادها أو جاهلًا، ومن أصحابنا من قال: لا يصح البيع قولًا واحدًا بخلاف الوصية لأنها تقبل الغرر والجهالة والوقف على الشرائط بخلاف البيع. باب كتابة النصراني مسألة: قال: «ويجوز كتابة النصراني». الفصل اعلم أنه إذا كاتب النصراني مملوكه جاز كما تجوز كتابة المسلم، وقال بعض الفقهاء: لا تجوز كتابته لأن الله تعالى ندب المسلمين إليها بقوله تعالى: ﴿والَّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ﴾ [النور: ٣٣]، الآية. ودليلنا حكم المعاملات والإعتاق يعم الكل، أو نقول: الكتابة تشتمل على المعاوضة والإعتاق بالصفة وكلاهما يجوز منه، وأما قولهم: ندب المسلمين إليها، قلنا: إنما خص المسلمين بالخطاب إكرامًا لهم لا تخصيصًا بالحكم. ثم جوز كتابته [١٢٤/ أ] على الوجه الذي يجوز كتابة المسلم، فإذا كاتب عبده ثم ترافعا إلى حاكم المسلمين نظر بينهما وحكم بحكم الإسلام، فإذا كانت الكتابة مما تجوز بين المسلمين أمضاها وإن كانت مما لا يجوز ردها لأن الحاكم لا يحكم إلا بما يسوغ في دينه. ثم ذكر الشافعي ﵁ فيما كانت الكتابة فاسدة ثلاث مسائل: إحداها: أن يتعاقدا فاسدًا ويقبض السيد العوض ثم أسلما وترافعا، فالحاكم يقرهما على ذلك لا على معنى أنه يحكم بصحته ولكن على معنى أنه لا يتعرض لهما كما نقول: إذا تزوجها على مهر فاسد وتقابضا العوض ثم أسلما. والثانية: أن يسلما ثم تقابضا في حال الإسلام فالحكم يبطل ذلك، لأن قبض الفاسد لا يصح في حال الإسلام إلا أن العتق وقع بوجود الصفة ويثبت بين السيد وبين المكاتب التراجع، فإن كان مما دفعه إلى السيد لم يحتسب له بشيء وحسب عليه قيمة رقبته، وإن كان له قيمة احتسب عليه بقيمته وعلى العبد بقيمة رقبته، ويتراجعان الفضل. والثالثة: أن يسلما ثم يتراجها قبل التقابض أو بعد قبض البعض وبقاء البعض يحكم بفسخ الكتابة وإبطالها لأنه ما لم يقبض جميع مال الكتابة فالعتق لا يقع وحكم العقد

стр. 4054

لم يتنجز، فحكم ببطلانه وارتفاعه إذا كان مما لا يصح مثله في الإسلام، فإن لم يحكم بفسخ الكتابة فأدى ذلك عتق بالصفة وثبت التراجع، وما أدى في حال الشرك من الحرام فحكمه حكم ما لم يرد شيئًا، فيكون التراجع بجميع القيمة نص عليه فيه «المختصر» لأن العتق وقع في حال الإسلام، فلم ينظر إلى ما أدى في حكم الكفر ويفارق هذا إذا تزوج في حال الشرك [١٢٤/ ب] ثم أسلم وقد أسلم إليها بعض الصداق الفاسد في الشرك احتسب عليها بقدر ذلك لما ذكرنا من الفرق في كتاب النكاح، وهو أن الاعتبار في العتق بآخر النجوم لأن العتق يتعلق به دون ما قبله، وفي النكاح لا يعتبر آخره. وقال أبو حنيفة: إذا كاتبه على خمر ثم أسلما لا يبطل ويؤدي إليه قيمة الخمر ويعتق كما قال في النكاح، وهذا لا يصح لأنه إذا عقدها ابتداءً بخمر كانت فاسدة بخلاف ما لو تزوجها على خمر لا يفسد النكاح. وقال القفال: هذا إذا أسلما، أو أسلم السيد لأن ذلك لا يبطل الكتابة، فأما إذا أسلم العبد دون السيد، فإن قلنا: إذا اشترى الكافر عبدًا مسلمًا فأجبرناه على بيعه فكاتبه يسقط الاعتراض عنه، ولا يباع عليه فههنا أولى أن لا يباع، وإن قلنا: هناك لا يسقط الاعتراض ويباع عليه، فههنا وجهان، والأصح أنه لا يباع لأنه حين عقد الكتابة لم يكن توجه عليه المنع منها في بيع وغيره، وفي إبطال الكتابة إبطال للحق الذي ثبت له الموصل إلى العتق، والثاني: يباع عليه كالمسألة الأولى وهما على القولين في أن أحد الشريكين في المكاتب إذا أعتق نصيبه متى يقوم عليه في الحال، أو بعد التعجيز، فإذا قلنا: لا يباع عليه، ههنا فإذا عجز والسيد كافر يباع عليه لا محالة. فرع إذا عقد الكتابة في الشرك بحرام وحلال ثم أسلما وتقابضا الحرام في الشرك، وبقي الحلال في الإسلام ففي الكتابة وجهان: أحدهما: يحكم بصحتها لأن الحرام بقبضه في الشرك صار عفوًا، والباقي من الحلال في الإسلام يجوز أن يكون عوضًا، فعلى هذا يؤدي المكاتب الحلال، ويعتق به، ولا تراجع فيه، والثاني: [١٢٥/ أ] يحكم بفسادها لأن الحلال بعض العوض في عقد قد فسد وللسيد إبطالها، فإن لم يبطل عتق فيها بالأداء ورجع السيد بقيمته ورجع المكاتب بما أداه، وكان قصاصًا إن تجانس ذكره في «الحاوي». مسألة: قال: «ولو أن نصرانيًا اشترى عبدًا مسلمًا فكاتبه ففيها قولان». الفصل قد ذكرنا في شراء الكافر عبدًا مسلمًا هل يصح الشراء؟ فيه قولان، فإذا قلنا: لا تصح فكاتبه، فالكتابة باطلة بلا خلاف، وإذا قلنا: يصح، وهو الذي نص عليه ههنا

стр. 4055

فكاتب هل تصح الكتابة؟ فيه قولان: أحدهما: تصح الكتابة، وبه قال أبو حنيفة، ويزول بها الاعتراض، وهو اختيار المزني لأن القصد بالبيع عليه إزالة سلطانه عنه وبالكتابة زالت السلطنة ويستفيد العتق بأداء النجوم، والثاني: لا يصح ولا يزول بها الاعتراض لأنه وإن كان ممنوعًا من استخدامه والتصرف فيه فإنه مسلط عليه في منعه من السفر وهبة ما في يديه .. والتصرف فيه على الإطلاق وفي ذلك عليه ذل وصغار، ولأنه أمر بإخراجه عن ملكه تامًا وليست الكتابة بإخراج تام، ويفارق هذا إذا كاتب الكافر عنده الكافر ثم أسلم لا يباع عليه على المذهب الصحيح المنصوص لأن هناك لم يستحق إزالة ملكه عنه في الأول على ما ذكرنا. قال المزني: تصح الكتابة لأنه ممنوع من النصراني بكتابته وعسى أن يؤدي، فيعتق يريد به أن للعبد حظًا في ذلك لأنه يؤدي إلى حريته فكان أولى من مطالبته بالبيع وسومح بما عليه من الذل لما يؤدي إليه العتق به. قال: «وفي تثبيته الكتابة إذا أسلم العبد ومولاه نصراني [١٢٥/ ب] على ما قلت دليل، وبالله التوفيق». يعني المسألة التي ذكرها في الباب قبله، والجواب أنا لا نسلم ذلك على ما ذكر القفال، وإن سلمنا فالفرق ظاهر على ما ذكرنا، فإذا قلنا: الكتابة صحيحة يقر عليها ثم ينظر فإن أدى مال الكتابة عتق، وإن عجز نفسه استرقه السيد، وأزيل ملكه عنه، وإذا قلنا: الكتابة فاسدة يباع عليه، فإن بادر العبد قبل أن يبيع عليه فأدى المال عتق عليه لوجود الصفة ويثبت التراجع بينه وبين سيده لأنه عتق بكتابة فاسدة، فيثبت بينهما التراجع. مسألة: قال في «الأم»: ولو أن نصرانيصا كاتب أمة له كتابة صحيحة ثم أسلمت واختارت المضي على الكتابة فوطئها السيد فلها مهر مثلها، فإن حملت فالولد حر مسلم لا سبيل عليه لأنه في ملكه، فإن مات النصراني وهي على الكتابة عتقت بموته، وبطل عنها ما بقي من الكتابة عليها ولها ما لها ليس لورثة النصراني منه شيء لأن النصراني كان ممنوعًا من مالها بالكتابة، ثم صارت حرة بموته، فصارت الورثة ممنوعين منه بحريتها، فإن ولدت وعجزت أخذت بنفقتها وحيل بينه وبين إصابتها، فإذا مات فهي حرة ويعمل ما يطيق وله ما اكتسب وأرش ما جنى عليها، فإنها لم تلد ولم يمت النصراني حتى اختارت العجز، قال الشافعي ﵁: أجبر على بيعها ما لم تلد، قال القاضي أبو حامد: قد قيل: هذا على القول الذي لا يتحقق الحمل ولا يجوز بيعها إذا كانت حاملًا بولدٍ حر مسلمٍ حتى تضع [١٢٦/ أ]. باب كتابة الحربي مسألة: قال: «وإذا كاتب الحربي عبده في دار الحرب ثم جاء مستأمنين».

стр. 4056

الفصل جملة هذا أن الحربي ملكه ثابت على ماله وتصرفه كتصرف المسلم في ماله، وإذا كاتب عبده صحت كتابته كما يصح بيعه ويصح عتقه المنجز والمعلق بصفة، وقال مالك: لا ملك له، وقال أبو حنيفة: لا ملك له صحيحًا وكتابته لا تصح، وكذلك إعتاقه، ودليلنا قوله تعالى: ﴿وأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ ودِيَارَهُمْ وأَمْوَالَهُمْ﴾ [الأحزاب: ٢٧]، فأضاف ذلك إليهم وحقيقة ذلك يفيد الملك. فإذا تقرر هذا وكاتبه في دار الحرب، ثم دخلا دار الإسلام مستأمنين، أو دخلا دار الإسلام بأمان ثم كاتبه، فإنهما ما لم يترافعا إلى الحاكم ويتخاصما إليه الا يتعرض لهما بل نقرهما على ما فعلاه، فإن ترافعا إليه يحكم بينهما بحكم الإسلام، فإن كانت صحيحة في الإسلام أعلمهم صحتها، وأقرهم عليها، وإن كانت فاسدة أعلهم فسادها، وأنه لا يجوز الإقرار عليها فإن قهر العبد سيده على نفسه في دار الحرب، ثم دخل دار الإسلام بأمان ومعه السيد ف قد ملك نفسه وانفسخت الكتابة فيه وملك السيد بقهره إياه ويقر على ذلك لأن دار الحرب دار قهر وغلبة ولذلك لو قال سيده: لا أرضى بالكتابة وقهره على نفسه واستعبده وحمله إلى دار الإسلام كان عبده وبطلت الكتابة، ولو دخلا دار الإسلام ثم قهر سيده على نفسه أو قهره السيد لا حكم لهذا القهر لأن دار الإسلام ليست بدار قهر [١٢٦/ ب] وغلبة، بل هي دار حق وإنصاف. مسألة: قال: «ولو كان السيد مسلمًا فالكتابة ثابتة». أراد بهذا أن المسلم لو كاتب عبده الكافر في دار الحرب فكتابته ثابتة ككتابته في دار الإسلام فلو قهره على نفسه، ثم حمله إلى دار الإسلام لم تبطل الكتابة بالقهر لأن كتابته له أمان لأن الكتابة عقد يمنع السيد عن نفسه وماله فكان بمنزلة الأمان فلم يجز له استرقاقه وقهره، ويخالف الحربي لأن أمانه للكافر لا يصح، وقد فسره الشافعي ﵁ في «الأم» ونقله المزني مختصرًا. فإن أدى المال عتق وثبت للمسلم عليه الولاء، ثم يقال له: إلى الآن كنت تابعًا لسيدك وقد صرت حرًا وصار لك حكم نفسك، فإن شئت فاعقد لنفسك عقد الذمة وإن شئت فالحق بدار الحرب، فتكون حربيًا لنا. فإن لحق بدار الحرب وظهر المسلمون على الدار لم يجز استرقاقه لولاء المسلم عليه، ويفارق هذا إذا كان للمسلم ابن حربي حيث يجوز استرقاقه لأنه ليس في ذلك إبطال نسبه، وفي هذا إبطال الولاء، وقد قال الشافعي ههنا: «فإن سبي لم يكن رقيقًا» يعني إن سبي مكاتب المسلم بعد الأداء لأنه علل فقال: «لأن له أمانًا من مسلم بإعتاقه إياه» وهذا أيضًا اختصره المزني وشرحه في «الأم» هكذا، ثم قال: ولو كان

стр. 4057

أعتقه كافرًا بكتابة، أو غير كتابة فسباه المسلمون كان رقيقًا لأن لا أمان له من مسلم نفسه يسترق إذا قدر عليه، ففرق الشافعي بين أن يعتق المسلم فلا يسترق [١٢٧/ أ] وبين أن يعتق الكافر فيسترق، وعلل في المسلم بأنه في أمان منه وفي الكافر أنه ليس بأمان من مسلم وسيده يسترق لو قدر عليه، وعلل أبو إسحاق وابن أبي هريرة وصاحب «الإفصاح» بأن لسيده عليه حق الولاء، فلا يجوز إسقاطه بالاسترقاق، وقال ابن أبي هريرة: هذا مراد الشافعي من قوله، لأن له أمانًا من مسلم بإعتاقه إياه. وقال القاضي الطبري: هذا وإن كان تعليلاً صحيحًا، فليس بمراد الشافعي، وإنما قصد الشافعي به أن نفس الكتابة والعتق عقد أمان له، لأنه يمنع نفسه بكل واحد منهما من نفسه وما له يدل على ذلك أن المسلم إذا كاتب عبده في دار الحرب، ثم قهره على نفسه وحمله إلى دار الإسلام. قال الشافعي: لا تبطل الكتابة لأنه في أمان منه فدل أن المراد بالأمان ما ذكرنا، وأما الظاهر فما لقاله الشافعي في الكافر أنه الكافر الحربي لأنه قال: ويسترق الذي أعتقه إن قدر عليه، فأما إن كان مكاتبًا لذمي فلحق بدار الحرب قدر ذكرنا وجهين في جواز استرقاقه فظاهر تعليل الشافعي يقتضي أن يجوز لأنه ليس بأمان مسلم. وأما إذا حارب مكاتب المسلم ومعتق المسلم يجوز قتاله وإن منعنا من استرقاقه لا يختلف المذهب فيه. مسألة: قال: «ولو كاتب المستأمن عندنا عبده فأراد إخراجه». الفصل جملة هذا: أن الكافر الحربي إذا كاتب عبده ثم دخلا دار الإسلام بأمان، أو دخلا دار الإسلام بأمان، ثم كاتبه فقد انقطع سلطانه عنه، فإن أراد العبد [١٢٧/ ب] الرجوع إلى دار الحرب لم يكن للسيد منعه منه لأن تصرفه قد انقطع عنه، وإنما بقي له في ذمته دين، وإذا أراد السيد الرجوع إلى دار الحرب ينظر في العبد، فإن أراد الرجوع معه لم يمنع لأن للمستأمن أن يرجع إلى دار الحرب، وإذا رجعا فالكتابة باقية بحالها. وقال أبو حنيفة: إذا رجعا بطلت الكتابة وعتق العبد وهو خطأ لأنه عقد معاوضة فلا يبطل بمثل هذا، ولو امتنع المكاتب من الرجوع مع السيد إلى دار الحرب وجاء إلى الحاحكم وقال: إنه يقهرني على الحمل معه، ولست آمن أن يغلبني على نفسي، ويبطل كتابتي فالحاكم يمنعه منه ويقول له: إن شئت أقمت حتى تقبض نجومه وإن شئت خرجت ووكلت من يقبضها لك، فإن اختار المقام نظر في النجوم، فإن كانت تحل في أقل من سنة فليس عليه الجزية، وإن لم تحل إلا في سنة، فإنه يمنع من المقام في دار الإسلام سنة إلا بجزية، فإذا خرج ورجع إلى دار الحرب فقد انتقض الأمان في نفسه وفي سائر

стр. 4058

ماله سوى المكاتب، وما يؤخذ منه، فإن الأمان فيها باق ويجوز أن ينتقص الأمان، فإن أدى المكاتب المال إلى وكيله عتق وبعث الوكيل المال إلى الحربي، وإن عجز المكاتب نفسه رق وعاد ملكًا للحربي كما كان ورد إلى سيده فإن مات سيده قبل أن يرد قال ههنا: يرد إلى ورثته لأنه مال له أمان فوارثه بمثابته، وقال في كتاب السير: يكون مغنومًا ومعناه يكون فيئًا لأنه مال حربي، واختار المزني القول الأول لما ذكرنا من الوجه، فإذا قلنا بالقول الثاني يؤدي مال كتابته إلى بيت المال، فإذا عتق بالأداء يكون ولاؤه [١٢٨/أ] لكافة المسلمين، وإن رق كان فيئا لأن الأمان بطل على ما ذكرنا. وقال ابن أبي هريرة: إذا نقض السيد الأمان، وخرج إلينا محاربًا هل نغنم مكاتبه فيه قولان أيضًا: أحدهما: يغنم كما قلنا في الموت، والثاني: لا ينغم ويكون الأمان مستبقى في حقه لأنه يجوز أن يكون للحربي أمان على ماله دون نفسه. مسألة: قال: «فإ، خرج ف سبي فمن عليه، أو فودي به». الفصل عطف الشافعي ﵁ بهذه المسألة عليه إذا مات، وهي إذا خرج السيد إلى دار الحرب وبقي مكاتبه عندنا على ما بيناه فسبى السيد فالإمام فيه بالخيار بين أربعة أشياء أن يمن عليه، أو يقاد به، أو يقتله، أو يسترقه، فإن قتله، فهو كما لو مات، وقد ذكرنا حكمه، وإن أطلقه، أو فاداه بمال أو برجال، فالملك على حالته لأن له أمانًا فيه، فإن كل مال تركه في دار الإسلام ولم يحمله مع نفسه فإن له فيه أمانًا وما يحمله مع نفسه ينتقص الأمان فيه كما ينتقص في نفسه، فإن قيل: أليس قد صار بالسبي رقيقًا وزال ملكه، فلم رددتموه إليه؟، قلنا: نصف الشافعي ههنا على أنه لا يكون رقيقًا لأنه مال فمن عليه به أو فودي، فلم يكن رقيقًا، وإنما يصير رقيقًا باسترقاق الإمام إياه، وإن استرقه الإمام زال ملكه عنه بالاسترقاق ولا ينتقل ماله إلى سيده الذي استرقه لأن السيد إنما يملك إكساب عبده بعد استرقاقه، وذلك مال قد كسبه قبل الاسترقاق، فلم يملك سيده، ولا يكون أيضًا لوارث هذا الأسير المسترق لأنه مملوك حي، ولا يورث مملوك حي، فنقول: كتابته بحالها لا تبطل ولا يجوز أن يؤديها إلى وكيل السيد لأن الاسترقاق أبطل وكالته، ويكون الحاكم هو القابض [١٢٨/ب] وحكم الاسترقاق مبني على حكم موته، فإن قلنا: لو مات لا يغنم ماله فههنا أولى أن لا يغنم ويترك حتى يعتق فيسلم إليه أو يموت رقيقًا، فيكون حينئذ مغنومًا ولا موروثًا لأن ورثته لا يرثونه إذا مات عبدًا، وإن قلنا: إذا مات يغنم ماله، فههنا قولان: أحدهما: يغنم ويكون فيئًا لأهل الفيء لأن رقه ينافي ملكه كموته ينافي ملكه، والثاني: لا يغنم لأنه يجوز أن يعتق، فيعود مالكًا بخلاف ما لو مات لاستحالة حياته بعد موته وهذا اختيار أبي إسحاق، والأول اختيار

стр. 4059

المزني، وقال صاحب «المنهاج»: اختيار المزني أن يغنم، وهذا الاختيار ليس لنفسه وإنما هو للشافعي ﵁. فأما اختياره لنفسه في المسألة السابقة هو القول الثاني فكذلك ينبغي في هذه المسألة أن يكون ذلك اختياره ولفظه ههنا أنه قال: هذا أشبه بقوله عندي لأن الذي حكم به قبل هذه المسألة يعني مسألة موت الحربي في بلاد الحرب قبل أن يسترق، فإن الشافعي في تلك المسألة حكم بهذا القول، وهو أن يكون مغنومًا، وذكر العلة لهذا القول، فقال: «لأنه لما أبطل أن يملك يعني بالاسترقاق بطل عن ماله ملكه» ومن قال بالقول الآخر أجابه بأن حالة الملك مأمولة منه بخلاف الميت على ما ذكرناه. فإذا قلنا: يكون ماله ومكاتبيه مغنومًا كان ما يؤديه المكاتب فيئًا لبيت المال، فإن عتق بالأداء كان ولاؤه لكافة المسلمين وقد قال الشافعي: فإذا استرق فعتق مكاتبه بالأداء، ومات الحربي رقيقًا لم يكن لرقيق ولاء ولا لأحد بسببه ومعناه وليس لورثة الحربي ولاء على هذا المكاتب بسبب الحربي والحربي ليس من أهل الولاء [١٢٩/أ] على عبده. أو معناه: لا ولاء لأحد من المسلمين بعينه لأن ولاءه لجماعتهم، وإن عجز كان مملوكًا لبيت المال لكافة المسلمين وسواء على هذا القول أن يموت السيد على رقه أو يعتق قبل موته، فإن جعلناه مغنومًا لا يرد إليه، ومن أصحابنا من قال: لا ولاء لأهل الفيء عليه ولكن يبطل ولا يكون لأحد عليه ولاء، وهذا ظاهر ما قاله الشافعي ﵁ ههنا، وهذا لأن الولاء لا يورث، وإنما يخلفه الأقرب فالأقرب من عصباته وأهل الفيء ليسوا بعصبات لهذا الكافر فلم يخلفوه في ولاء مكاتبيه، ولأنه لا ولاء له لأنه لا يجوز أن يكون لأحد بسببه ولاء لأنه خليفته إذا استحقه عنه وهذا اختيار القاضي الطبري، وإن قلنا: لا يغنم كان ماله موقوفًا على ما يكون من عتقه أو موته، فله، حالتان: إحداهما، أن يعتق قبل موته، والثانية أن يموت قبل رقه فإن عتق قبل موته عاد ماله الموقوف إلى ملكه، وإن كان المكاتب باقيًا على كتابته أداها إليه، وكان ولاؤه إن عتق له، وإن كان قد أداها إلى الحكام أخذ من الحاكم ما قبضه من مكاتبه وكان له ولاء مكاتبه. وإن مات على رقه كان ماله مغنومًا لا يرد على سيده ولا على وارثه ويعتبر حال مكاتبه، فإن عجز ورق كان مغنومًا وإن أدى وعتق، فإن كان قبل استرقاق سيده ففي ولاءه وجهان: أحدهما، لبيت المال كسائر أمواله، والثاني: يزول الولاء ويرتفع ويصير المكاتب بعد العتق ممن لا ولاية عليه، وهذا معنى قول الشافعي، ولا ولاء لأحد بسببه. وإن كان عتق المكاتب بعد استرقاق سيده وقبل موته فالولاء ثابت، وفي مستحقه

стр. 4060

قولان: أحدهما، لبيت المال، [١٢٩/ب] والثاني، لسيد السيد وهما مبنيان على القولين في مكاتب المكاتب إذا عتق الثاني قبل عتق الأول كان في ولاء، الثاني، قولان: أحدهما، للسيد، ,الثاني، موقوف على المكاتب الأول. وإن كان عتق المكاتب بعد موت سيده يكون ولاءه ثابت لبيت المال قولا واحدًا، وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا قلنا في الموت لا يغنم ماله فههنا إذا استرق ومات رقيقًا فيه أقوال: أحدها، يكون مغنومًا، وهو الأصح، والثاني، مخرج أنه للسيد الذي مات هو في ملكه، والثالث، مخرج أيضًا أنه لورثته الحربيين فكأنه كان موقوفًا بينه وبين ورثته فتبين بموته أنه ورث ذلك يوم استرق وأصل القولين المخرجين ما قال الشافعي في ذمي جرح فلحق بدار الحرب، فاسترق قبل البرء فمات رقيقًا فيه قولان: أحدهما على الجاني الأكثر من أرش جراحته حرًا، أو ديته حرًا وللسيد منه قدر قيمته، والباقي لورثته ذكره القفال، وفي هذا نظر عندي. مسألة: قال: «ولو أغار المشركون على مكاتب للمسلمين استنقذه المسلمون». الفصل إذا كاتب المسلم عبدًا ثم ظهر المشركون على الدار فأسروا المكاتب وحملوه إلى دار الحرب لا يملكون لحق المسلم، فإذا انفلت المكاتب منهم أو ظهر المسلمون على الدار فأخذوه فهو على كتابته وهكذا إذا دخل الكافر دار الإسلام بأمان فكاتب عبدًا ثم ظهر المشركون على الدار فقهروا المكاتب على نفسه، وأحرزوه بدار الحرب ثم انفلت منهم، أو غلبهم المسلمون عليه يكون على كتابته لأنه كان له أمان كما لو أغاروا على نصراني فاستعبدوه، ثم [١٣٠/أ] استنقذه المسلمون كان حرًا وكذلك لو أغاروا على حربي في دار الإسلام، وقد دخل بأمان فسبوه ثم استنقذه المسلمون كان له أمانة، قال الشافعي: فإن أراد أن يصبر حتى يتخلص العبد فيؤدي إليه كتابته فعل، وإن أراد أن يعجزه إذا حل عليه نجم وعلم أنه لا مال للمكاتب يؤدي عنه عجزه لأن حقه لا يبطل في تعجزيه بأن أخذه المشركون وأٍروه، فإن عجزه ثم تخلص من أيدي المشركين وثبت أنه كان له مال في وقت تعجيزه غير أنهم لم يقفوا على موضعه، أو لم يمكنه إيصاله إلى سيده بطل التعجيز وأدى إليه، وعتق وإن لم يصح ذلك فالتعجيز صحيح وهو عبده ومن أصحابنا من قال: في هذه المدة التي هو في يد القهر هل تحتسب من أجله قولان: أحدهما، تحتسب، والثاني: لا تحتسب كما لو حبسه السيد، وهذا كالمبيع إذا تلف قبل القبض سقط الثمن سواء كان بتفريط من جهة البائع أو لا والصحيح الأول. والفرق أنه إذا حبسه السيد فقد تعذرت المنافع بتفريط من جهة السيد بخلاف ما لو حبسه الكفار، فافترقا ويمكن أن يجاب عن هذا الفرق بأن التسليم والتمكين مستحق

стр. 4061

على السيد فإذا تعذر لم يفترق الحكم بين أن يكون من جهته أو من جهة غيره، فإذا قلنا: لا تحتسب عليه مدة الحبس، فحلت النجوم فليس للسيد الفسخ لأن الحلول على الحقيقة لم يوجد والمدة ما انقضت في الحكم، وإذا قلنا: يحتسب، وله أن يفسخ عند العجز وهو المنصوص فهل لبه أن يفسخ بنفسه، أو يرفعه إلى الحاكم وجهان: أحدهما: يفسخه بنفسه كما لو كان المكاتب حاضرًا وعجز عن الأداء، والثاني: يرفعه إلى الحاكم [١٣٠/ب] ليتكشف من حال المكاتب فإن وجد له ملاً يفي بما عليه أداه، وعتق وإلا فسخ حينئذ، ويخالف حالة الحضور فإنه يعترف بالعجز فيغني عن كشف حاله. فرع قال أبو إسحق: لو كان الحربي كاتبه عندنا ثم سباه وأخرجه من بلادنا كان على كتابته، فإذا قدرنا على سيده وعليه فأخذناهما جميعًا استرق السيد وبقي العبد على كتابته وفي نجومه التي قد حلت وهو في يد سيده مغلوب على كسبه وعلى نفسه قولان على ما ذكرنا إذا حبسه السيد مدة، قال أبو إسحاق، فإذا قلنا: لا يحتسب على المكاتب بتلك المدة يحتمل أن لا يحتسب على السيد بقيمة خدمته ولا بما أخذه من كسبه، ويحتمل أن يحتسب به عليه، وإن استؤنف الأجل به. فرع آخر قال في «الأم»: ولو كان العبد لحق بدار الحرب فلم يحدث له السيد قهرًا يسترقه به حتى خرج إلينا بأمان فهو على الكتابة، ولو لحق بدار الحرب وأدى المكاتب بها، ولم يحدث له السيد قهرًا، وخرجا إلينا كان حرًا. مسألة: قال: «ولو كاتبه في بلاد الحرب ثم خرج المكاتب إلينا مسلمًا كان حرًا». أراد إذا كاتب الحربي عبده في دار الحرب ثم خرج المكاتب إلينا مسلمًا مراغمًا سيده من جهة القهر حكمناً لأن الدار دار القهر، فإذا قهر سيده على نفسه ملكها ومن ملك نفسه عتق ثم يقال له: أنت بالخيار بين أن تقيم وتعقد لنفسك ذمة أو تلحق بدار الحرب فتصير حربًا لنا، [١٣١/أ] وإن دخل دار الإسلام بإذن سيده، إما لتجارة أو لحاجه فهو على الكتابة لأنه في يد السيد. باب كتابة المرتد مسألة: قال: «ولو كاتب المرتد عبده قبل أن يقف الحاكم ماله كان جائزًا». جملة هذا: أن المسلم إذا ارتد ثم كاتب عبده، هل تصح كتابته أم لا نص ههنا أنه

стр. 4062

يصح كتابته ونص في المرتد إذا دبر عبده على ثلاثة أقوال، واختلف أصحابنا في هذا على طريقين فمنهم من قال: فيها ثلاثة أقوال، ومنهم من قال: في الكتابة قولان: أحدهما، أنها باطلة، والثاني، أنها صحيحة ولا يجيء القول الثالث فيها لأن العقد لا يقف عند الشافعي ﵁، ولأنه لا يجوز عقد الكتابة على غرر، ألا ترى أنه لا يجوز تعليقه بالمشيئة ولا بمدة مجهولة، فلم يجز أن يكون موقوفًا بخلاف التدبير وهذا اختيار القاضي أبي حامد، وقال: أظهر قوليه، وأولاهما جواز تصرفه كهو قبل ردته، وقال أبو إسحاق: الصحيح، الطريقة الأولى لأنه إنما لا يجوز أن يقف العقد من ملك الغير، فأما في ملك الإنسان يجوز أن يكون موقوفًا بمعنى حادث فيه كما تقول في المريض إذا وهب أكثر من ثلث ماله وسلمه إلى الموهوب له فالهبة موقوفة، فإن صح من مرضه كانت نافذة وإن مات من مرضه رد منها ما زاد على الثلث، فإذا جاز توقف تصرف المريض على ما يظهر من اتصاله بالموت، أو انفصاله عنه بالبرء فكذلك تصرف المرتد [١٣١/ب] يجب أن يكون موقوفًا إلى اتصاله بقتله، أو انفصاله عنه بالتوبة ولا فرق بينهما، وهذا اختيار أبي حامد، ولأن في الكتابة معنى العتق بالصفة كالتدبير سواء فهما سواء في جواز الوقف، ومن قال: بالأول فرق بين المريض وبين المرتد بأن المرتد غلط عليه بما أتى به من الكفر والمريض الجشع له فيها ولا يقدر على إزالته فسومح له في جعل تصرفه موقوفًا، فأما إذا وقف الحاكم ماله على توبته أو قتله على الرده، فكاتب عبده لم تجز الكتابة قولا واحدًا لما أحاط به من الحجر فإذا تقرر هذا، فإن أدى هذا المكاتب المال نظر، فإن أدى قبل أن يحجر عليه، فإن قلنا: الكتابة صحيحة، وهو اختيار المزني ف قد عتق بالأداء ويكون الولاء والمال لسيده لأنه ملكه على هذا القول ثابت على ماله، وإن قلنا: إنها باطلة، فإن أدى لم يعتق لأنه محكوم بزوال ملكه عن ماله ولو أعتق عبده ابتداء لم ينفذ، وإن قلنا: إنها موقوفة نظر، فإن أسلم السيد تبينا أن الكتابة قد صحت ويصح الأداء ويقع العتق، ويكون الولاء للسيد وإن قتل أو مات على الردة تبينا أنها باطلة وأن الأداء لم يصح فيكون العبد فيئًا للملمين، وكذلك ما في يده من المال، وإن أدى بعدما حجر الإمام على المرتد في ماله، فإن قلنا: الكتابة باطلة فليس بلينهما عقد والعبد باق على الرق، فأداؤه كلا أداء، وإن قلنا: إنها صحيحة أو موقوفة فلا يجوز أن يدفع المال إلى السيد لأنه محجور عليه لا يصح منه القبض، فإذا دفع إليه لا يعتق وللحاكم مطالبته بالمال، ثم إن كان ما دفعه باقيًا بحاله أخذه [١٣٢/أ] ودفعه إلى الإمام وعتق، وإن كان تالفًا فقد هلك من ضمانه، وإن كان له شيء آخر يدفعه إلى الحاكم، وإلا كان له تعجيزه، فإن أسلم السيد، قال الشافعي: كان عليه أن يحتسب له بما دفع ويعتق عليه العبد، لأنا لم نصحح قبضه لحق المسلمين، فإذا أزال حقهم وصار الحق له صح قبضه ووقع العتق،

стр. 4063

ويخالف المحجور عليه للتبذير إذا قبض دينًا له لا يبرأ الدافع، وإن أطلق عند الحجر لأنه لا حجر عليه نظرًا له بخلاف المرتد نص عليه، وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا كاتب بعد الحجر فإن قلنا: الملك باق، هل تصح كتابته؟ فيه قولان: أحدهما، باطل، والثاني، موقوف كالقولين في المحجور عليه بالفلس، وهذا ضعيف، وقال أيضًا: إذا أسلم السيد بعدما قبض المال بعد الحجر فيه قولان: أحدهما: صح ذلك الأداء على ما ذكرنا حتى إذا كان الحاكم أخذه مرة أخرى رد عليه، وإن عجزه ألغى تعجيزه، والثاني: أنه باطل لا موقوف ولا ملغى التعجيز فيه، وبناؤه على ما ذكرنا من تصرفات المحجور بالفلس، وهذا ضعيف أيضًا. فرع قال أبو إسحاق: وينبغي للحاكم أن يمنع المرتد من ماله نظرًا للمسلمين لئلا يتلفه في الأيام التي يتأنى به فإنه قد حصر السبب الذي يستحق المسلمون ماله، والظاهر من حاله أنه لا يقصر في إتلافه عليهم ما أمكنه. مسألة: قال: «ولو ارتد العبد ثم كاتبه جاز». الفصل إذا كان للمسلم عبد فارتد العبد ثم كاتبه السيد صحت الكتابة لأنها تشتمل على معاوضة وصفة، وتصح المعاوضة على المرتد ويصح عتقه بالصفة [١٣٢/ب] ولأن ردته لا تزيل ملك سيده عنه ويجوز بيعه أيضًا بعد الردة، فإن أدى الكتابة إلى السيد قبل الحجز عتق، وصار حرًا مرتدًا يستتاب فإن تاب وإلا قتل وإن عجز نفسه استرقه السيد، فإن تاب وإلا قتل ويكون ماله لسيده وإن قتل على الردة قبل أن يؤدي وقبل أن يعجز انفسخت الكتابة بقتله، ويكون ما في يده من المال للسيد لأنه قد عاد إلى ملكه بانفساخ الكتابة ولو تبرع بالأداء عن المكاتب المرتد صح وعتق، وإن اكتسب وأدى عتق أيضًا لأنه يملك كسبه فني حالة الردة، وإن صار محجورًا بالبيع والشراء على قول، ويملك بالهبة والوصية أيضًا. فرع قال في «الأم»: ولا أجيز كتابة السيد المرتد ولا العبد المرتد عن الإسلام إلا على ما أجيز كتابة العبد المسلم بخلاف النصراني ومن لم يسلم قط فيتركان على ما يستحلان في دينهما ما لم يتحاكما إلينا. فرع آخر قال: ولو لحق السيد بدار الحرب بعد أن ارتد يتأدى الحاكم كتابة مكاتبه فمتى

стр. 4064

عجز يرده الحاكم إلى الرق، وإن عتق فولاؤه للذي كاتبه وإن كان مرتدًا، وإذا عجز الحاكم المكاتب فجاء سيده تائبًا فالتعجيز ماض على المكاتب إلا أن يشاء السيد والعبد أن يجددا الكتابة. باب جناية المكاتب على سيده مسألة: قال: «وإذا جنى المكاتب على سيده عمدًا». الفصل اعلم أنه إذا جنى المكاتب على سيده نظر، ف إن كان على طرفه ف الخصم فيه السيد فإن كان عمدًا فله القصاص، وإن كان خطأ فله الدية لأن السيد مع مكاتبه [١٣٣/أ] وبكم يفديه ف على ما ذكرنا من القولين، وقال أبو إسحاق: إن كان ما في يد المكاتب لا يفي بالأرض والنجم ف قولا واحدًا لا يفدي نفسه إلا بأقل الأمرين، وإن كان ما في يده يفي بهما، ففيه قولان: أحدهما: هذا. والثاني: يفدي بجميع الأرش على ما ذكرنا، والصحيح الطريقة الأولى، وهي النص لأن الزيادة إضرار بالسيد في الجملة فلا تجوز إلا بإذن السيد قولا واحدًا. فرع آخر قال في «الأم»: لو أن مكاتبًا بين رجلين جنى على أحدهما جناية ضمن الأقل من أرش الجناية وقيمته فإذا أدى فهو على الكتابة وإن عجز عن أدائها مع الكتابة فللمجني عليه تعجيزه، فإذا عجزه بطل عنه نصف الجناية لأنه يملك نصفه وكان لشريكه أن يفديها بالأقل من نصف أرش الجناية، أو نصف قيمته، فإن لم يفعل بيع نصفه في أرش الجناية. قال: ولو جنى عليهما معًا كان لكل واحد منهما عليه في الجناية ما للآخر، فإن عجز المكاتب، أو عجزاه، أو أحدهما، فهو عاجز وسقط نصف أرش جنايته كل واحد منهما، ويصور إذا جنى كل واحد منهما موضحة وقد ذكرنا فيما تقدم حكمه. ولو جنى على أحدهما موضحة، وعلى الآخر مأمومة كان نصف أرش الموضحة للمجني عليه فيما يملكه شريكه، ونصف أرش المأمومة للمجني عليه وعلى هذا الباب. فرع آخر إذا جنى المكاتب على أجنبي خطأ فطلب مستحق الجناية الحجر عليه فقد ذكرنا أنه إن كان الأرش أكثر من قيمته أجيب إلى الحجر عليه لأنه لا يصل إلى الزيادة عليها إلا مما في يده، وإن كان الأرش بقدر قيمته يحتمل وجهين: أحدهما: يجاب أيضًا لأن أرش الجناية يتعلق بما في يده فصار كسائر الديون، والثاني: لا يجاب إليه [١٣٣/ب] لثبوت الأرش في رقبته وأنه يرجع عند إعساره إلى أخذ الأرش منها ذكره في «الحاوي».

стр. 4065

باب جناية المكاتب ورقيقه مسألة: قال: «وإذا جنى عبد المكاتب فعلى سيده الأقل من قيمة عبده الجاني يوم جنى». الفصل اعلم أنه إذا اشترى المكاتب عبدًا للتجارة فجنى هذا العبد على أجنبي إما حر، أو عبد ف إ، كانت الجناية عمدًا فعليه القصاص، فإن عفى عنه فالدية وإن كانت خطأ فعليه الأرش، فإن أراد السيد أن يفديه كان له ذلك لأنه سيده وبكم يفديه ينبني على القولين في الحر في العبد القن، فإن قلنا: يفديه بأقل الأمرين كان للمكاتب أن يفديه بذاك لأنها لا تزيد على ثمن المثل، وإن قلنا: يفديه بأرش الجناية بالغًا ما بلغ أو يسلمه للبيع نظر في الأرش، فإن كان أقل من قيمته فله أن يفديه به، وإن كان أكثر لم يكن له أن يفديه لأنه لا يملك ابتياع هذا العبد أكثر من ثمن مثله وتعتبر قيمة العبد يوم جنايته لا بيوم الفداء لأن تقويم جنايته زمان تعلق الأرش برقبته، وقال القفال: هكذا نص الشافعي وهو مشكل عندي ويجب أن تعتبر قيمته يوم الفداء لأن استدامة ملكه إنما يقع ذلك اليوم ولعل مراد الشافعي إذا تقدم هناك منع من البيع، ثم قال الشافعي: «فإن قوي على أدائها مع الكتابة، فهو مكاتب» يريد به أنه لا يجوز تعجيزه لأن العجز له يظهر بعد وإن أذن له سيده أن يفديه بأكثر من قيمته هل يجوز ذلك؟ فيه قولان كالقولين في هبته بإذن سيده. فإن قيل: أليس لو ملك المكاتب أباه فجنى الأب [١٣٤/أ] قلتم: لا يجوز له أن يفديه أصلاً فما الفرق؟ قلنا: الفرق أنه لا يمكن التصرف في أبيه بالبيع، فلم يجز أن يعاوض عنه بخلاف عبده الأجنبي ولهذا لا يجوز له أن يشتري أباه وله أن يشتري من لا يعتق عليه. مسألة: قال: «وله تعجيل الكتابة قبل الجناية، وقبل الدين الحال». الفصل إذا كاتب عبدًا فاجتمعت عليه حقوق كثيرة مختلفة من دين اقترضه وثمن مبيع ابتاعهه وأرش جناية، فلا يخلو إما أن يكون قد حجر عليه أو لم يكن حجر عليه، فإن لم يكن حجر عليه فلا يخلو إما أن يكون كلها حالا أو بعضها حالا وبعضها مؤجلا، فإن كان كلها حالا فله أن يقدم ما شاء منها وإن كان بعضها حالا وبعضها مؤجلا كأرش الجناية لا يكون إلا حالا ومال الكتابة قد يكون حالا، وقد يكون مؤجلا، وكذلك ثمن المبيع، فإن بدأ فقضى الدين الحال جاز ويبقى عليه المؤجل، وإن أراد تعجيل المؤجل نظر،
следующие страницы →