Полный текст (7 151 стр.). Показаны 4236–4275 · переход к 4241.
стр. 4236
(وروى) سعيد بن المسيب عن النبي ﷺ أنه قال: لا يتزوج الرجل المرأة حتى يكون الولي غيره ولا يشتري الولي شيئًا من الغنيمة ولا الوصي شيئًا من الميراث "وهذا نص مرسل سعيد عند الشافعي حجة؛ لأنه عقد لم يملك فيه البدل إلا بإذن فلم يملك في القول كالوكيل في البيع لما ملك فيه البدل بإذن موكله لم يملك فيه القبول في شرائه لنفسه، وهي دلالة الشافعي، ولا يدخل في هذا القياس ابتياع الأب مال ابنه الصغير بنفس حيث صار فيه مالكًا للبدل والقبول؛ لأن الأب يملك البدل لنفسه لا بإذن غيره، فجاز أن يملك فيه القبول، وخالف الولي في النكاح كما خالف الوكيل في البيع؛ ولأن ذكر اعتبر في النكاح احتياطًا فلم يجز أن يكون زوجًا كالشاهد، ولأن الولي مندوب لطلب الحظ لها في التماس من هو ألفًا وأغنى فإذا صار زوجًا انصرف نظره إلى حظ نفسه دونها فعدم في عقده معنى الولاية فصار ممنوعًا منه ومن غيره، وليس الآن دليل على ما اختلفنا في من جواز أن يتزوجها بنفسه. وأما الجواب عن قوله ﵇: "لا نكاح إلا بولي "فهو أن هذا في حال تزويجه بها قد خرج أن يكون وليًا لها لما ذكرنا من انصرافه عما وضع له الولي من طلب الحظ لها إلى طلب الحظ لنفسه، فأما الجواب عن حديث سعيد فهو أن النبي ﷺ مخصوص بجواز النكاح بغير ولي عند كثير من أصحابنا، فلم يجز أن يعتبر به حال غيره. فأما على قول من اعتبر الولي في نكاحه فيقول لم يكن لصفية ولي غيره فصار في عقده عليها كالإمام إذا لم يجد لوليته وليًا سواه يزوجها منه فيكون على ما سنذكره.
وأما الجواب عن قياسهم أنه نكاح بولي فلا نسلم أنه يكون وليًا لها إذا تزوجها لما ذكرنا من زوال معنى الولاية عنه، ثم المعنى في الأصل أن الباذل غير العائل.
وأما الجواب عن استدلالهم بأنه كفء لها لمناسبته فلم يحتج إلى ولي يلتمس الكفاءة وهي ليست معتبرة بالنسب وحده وقد يجوز أن لا يكافئها فيما سوى النسب من مال وعفاف.
فرع:
فإذا ثبت ليس للولي أن يتزوجها بنفسه نظر، فإن كان في درجته من أوليائها أحد جاز له أن يتزوجها منه، وإن لم يكن لها إلا من هو أبعد منه لم تنتقل الولاية إلى البعيد، وزوجه الحاكم بها.
وقال قتادة وعبيد الله بن الحسن: تنتقل الولاية إلى من هو أبعد فيزوجها منه وهذا خطأ؛ لأن ولايته لم تبطل بهذا القصد فلم ينتقل عنه إلى الأبعد، وصار بخطبتها كالعاضل فيزوجها الحاكم، فلو كان هذا الولي هو الحاكم لم يجز له أن يتزوجها بولاية النسب وعدل إلى الإمام أو إلى غيره من الحاكم حتى يزوجه بها، فلو كان هذا الولي هو الإمام الأعظم ففيه لأصحابنا وجهان:
أحدهما: يجوز أن يتزوجها بنفسه لعموم ولايته وأن الحكام كلهم من قبله كما تزوج النبي ﷺ صفية بنفسه لهذا (المعنى).
стр. 4237
والثاني: أن يتزوجها من حكام الوقت لولايتهم. وإن كانت منه فهم بخلاف وكلائه. ولأنه نائب عن كافة المسلمين في تقليد الحكام ونائب عن نفسه في تقليد الوكلاء، ألا تراه لو مات بطلت ولاية وكلائه وأن تبطل ولاية حكامه. ولذلك تحاكم عمر وأبي بن كعب إلى زيد وحاكم عليّ يهود إلى شريح.
فرع:
ولو أراد الولي أن يزوج وليته بابنه، كولي هو عم فأراد أن يزوج بنت أخيه بابنه، فإن كانت صغيرة لم يجز؛ لأن الصغيرة لا يزوجها غير أبيها أو جدها، وإن كانت كبيرة فاجتمع البذل والقبول من جهته فلم يصح أن يتزوجها لنفسه لحصول البذل والقبول منه من جهته، وإن كان ابنه كبيرًا ففي جواز تزويجه بها وجهان:
أحدهما: يجوز لأنه وإن كان باذلاً فالقابل غيره وهو الابن فلم يجتمع البذل والقبول من جهة واحدة.
والثاني: لا يجوز أن يزوجه بها؛ لأنه يميل بالطبع إلى طلب الحظ لأبنه دونها، كما لم يجز أن يتزوجها بنفسه لهذا المعنى. فأما الجد إذا أراد أن يزوج بنت ابنه بابن ابن له آخر، فإن كانا كبيرين جاز لاعتدال السببين في ميله إليهما وطلب الحظ لهما، وإن كانا صغيرين فعلى وجهين مضيا:
أحدهما: يجوز لهذا المعنى.
والثاني: لا يجوز لاجتماع البذل والقبول من جهته.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيَُ: "وَيُزَوِّجُ الأَبُ أَوْ الجَدُّ لابْنَتِهِ الَّتِي يُؤيَسُ مِنْ عَمَلِهَا؛ لأَنَّ لَهَا فِيهِ عَفَافًا وَغِنَى وَرُبَّمَا كَانَ شِفَاءُ سَوَاءَ كَانَتْ بِكْرًا أَوْ نَبْيَا".
قال في الحاوي: وهذه المسألة قد مضت فيما قدمناه من التقسيم فإذا كانت مجنونة لم يخل حالها من أحد أمرين:
إما أن تكون بكرًا أو ثيبًا، فإن كانت بكرًا زوجها أبوها أو جدها صغيرة كانت أو كبيرة؛ لأن للأب إجبار البكر في حال العقل، فكان أولى أن يجبرها في حال الجنون، فإن لم يكن لها أب ولا جد نظر، فإن كانت صغيرة لم يكن لأحد أوليائها ولا الحاكم أن يزوجها حتى تبلغ، فإذا بلغت زوجها الحاكم دون عصبتها المناسبين لاختصاصه بفضل النظر في الولاية على مالها، فإن كانت ثيبًا نظر، فإن كانت كبيرة زوجها أبوها أو جدها، فإن لم يكن لها أب ولا جد زوجها الحاكم دون سائر العصبات وإن كانت صغيرة ثيبًا فليس لغير الأب والجد تزويجها حتى تبلغ. وهل للأب والجد تزويجها قبل
стр. 4238
البلوغ أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: لا يجوز حتى تبلغ لأنه لا حاجة بها إلى الزوج قبل البلوغ وهذا قول أبي علي بن أبي هريرة.
والثاني: أنه يجوز تزويجها قبل البلوغ بخلاف العاقلة التي يرجى صحة إذنها بالبلوغ ولا يجري صحة إذن المجنونة بعد البلوغ فافترقا فأما قوله فإن لها فيه عفافًا وغنى وربما كان شفاء، فهذا تعليل بجواز تزويج البالغ المجنونة. فأما العفاف فيريد به من الزنا. وأما الغني فتغنى باكتساب المهر والنفقة وأما الشفاء فربما كان من شدة المانخوليا وقوة الشبق فتبرأ إن جومعت، والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيَُ: "وَيُزَوِّجُ المَغْلُوبَ عَلَى عَقْلِهِ أَبُوهُ إِذَا كَانَتْ بِهِ إِلَى ذَلِكَ حَاجَةٌ، وابْنُهُ الصَّغِيرُ فَإِنْ كَانَ مَجْنُونًا أَوْ مَخْبُولاً كَانَ النّكَاحُ مَرْدُودًا لأًنَّهُ لاَ حَاجَةَ بِهِ إِلَيْهِ ".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: لا يخلو حال الابن إذا أراد الأب أن يزوجه من أحد حالين:
إما أن يكون عاقلًا أو مجنونًا، فإن كان عاقلاً لم يخل حاله من أن يكون بالغًا أو صغيرًا، فإن كان بالغًا فلا ولاية عليه للأب في نكاحه فإن زوجه بغير إذنه كان النكاح باطلاً، حتى يكون هو المتولي للعقد، أو الآذن فيه وإن كان صغيرًا جاز للأب تزويجه في صغره، فإن ابن عمر زوج ابنًا له وهو صغير، ولأنه محتاج إليه في الأغلب إذا بلغ فعجل الأب له بذلك ليألف صيانة الفرج، وربما رغب الناس فيه لكافلة الأب فإن زوجه واحدة لزمه نكاحها وليس له بعد البلوغ خيار، فإن أراد الفراق فبالطلاق، وإن أراد الأب تزويجه بأكثر من واحدة ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز لأن له في الواحدة غناء
والثاني: وقد حكي عن الشافعي نصًا أنه يزوجه تمام أربع؛ لأن معنى الواحدة موجود فيهن، وإن كان الابن مجنونًا فله حالتان:
صغير وكبير، فإن كان صغيرًا لم يكن للأب تزويجه لعدم حاجته باجتماع جنونه مع صغره. وإن كان للأب تزويج بنته الصغيرة المجنونة والفرق بينهما أن البنت قد تكتسب بالتزويج المهر والنفقة والابن ملتزمهما وإن كان الابن بالغًا فإن لم يكن به إلى التزويج حاجة لم يزوجه وإن كان محتاجًا وحاجته تكون من أحد وجهين:
إما أن يرى متوثبًا على النساء لكثرة شهوته وقوة شبقه. وإما أن يحتاج إلى خادم وخدمه الزوجة أرفق به لفضل حنوها وكثرة شفقتها فيجوز له حينئٍذ تزويجه بواحدة لا
стр. 4239
يزيده عليها؛ لأن له فيها غناء، فإن أفاق من جنونه كان النكاح على لزومه.
فأما المعنى عليه فلا يجوز للأب تزويجه؛ لأن الإغماء مرض يرجى سرعة زواله بخلاف الجنون فأما الذي يجن في زمان ويفيق في زمان فليس للأب تزويجه لاسيما إن كان زمان إقامته أكثر. لأنه قد يقدر على العقد في زمان الإفاقة.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَيْسَ لأَبِ المَغْلُوبِ عَلَى عَقُلِهِ أَنْ يُخَالِعَ عَنْهَ ".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، إذا زوج الأب ابنه المجنون أو تزوج الابن وهو عاقل ثم جن فليس للأب أن يخالع عنه؛ لأن الخلع لا يتم إلا بالطلاق، والطلاق لا يقع إلا من الأزواج.
روى ابن عباس أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني زوجت عبدي امرأة وأريد أن أطلقها منه، فقال: "ليس لك طلاقها، إنما الطلاق لمن أخذ بالساق؛ ولأن الطلاق إزالة ملك يقف على شهوات النفوس لا يراعى فيه الأصلح والأولى؛ لأنه قد يطلق العفيفة والجميلة ويملك الفاجرة القبيحة، فلم يجز أن يراعى فيه شهوة غير المالك؛ لأن تصرف الولي في حق غيره يعتبر فيه المصلحة دون الشهوة فلذلك لم يكن للولي أن يطلق على المولى عليه، وجاز أن يبيع ماله عليه اعتبارًا بالمصلحة فيه فافترقا. وإذا لم يكن للأب أن يطلق على ابنه الصغير أو المجنون فكذلك العبد لا يجوز أن يخالع عليه؛ لأنه معاونه على طلاق لا يصح منه، والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلاَ يَضْربَ لامْرَأَتِهِ أَجَلَ العَنّينِ لأَنَّهَا إِنْ كَانَتْ ثَيْبًا فَالقَوْلُ قَوْلُهُ أَوْ بِكْرًا لَمْ يُعْقَلْ أَنْ يَدْفَعَهَا عَنْ نَفْسِهِ بِالقَوْلِ أَنَّهَا تَمْتَنِعُ مِنْهُ ".
قال في الحاوي: وهذا كما قال إذا ادعت امرأة المجنونة عليه العنة لم تسمع دعواها عليه؛ لأنه لا حكم لقوله ولا على وليه؛ لأن ثبوته يوجب حقًا على غيره؛ ولأن صدقها الولي على عنته جاز أن يضرب لها أجل العنة؛ لأنه لو كان عاقلاً جاز أن ينكرها، وهكذا لو كان الزوج عاقلاً فيضرب لها أجل العنة، ثم حين قبل انقضاء المدة لم يجز إذا انقضت المدة وهو على جنونه أن يخير في فسخ نكاحه، لأنه لو كان عاقلاً لجاز أن يدعي وطئها إن كان ثيبًا، ومنها إن كانت بكرًا، فيكون القول قوله في الحالين:
стр. 4240
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلاَ يُخَالِعُ عَلَى المَعْتُوهَةِ وَلاَ يُبْرِئُ زَوْجََا مِنْ دِرْهٍَم مِنْ مَالِهَا ".
قال في الحاوي: وهذا صحيح لا يجوز للأب أن يخالع عن بنته المجنونة، من مالها لأمرين:
أحدهما: أنه مأمور بحفظ مالها وهذا استهلاك.
والثاني: أنه مندوب إلى طلب الزيادة في كسبها لا إلى إسقاطه، وهذا يسقط نفقتها ومهرها إن لم يدخل بها، فأما إن خالع الأب عنها من مال نفسه جاز خلعه؛ لأنه لو خالع عن أجنبيه عاقلة بمال نفسه وهي غير عالمة ولا مريدة صح خلعه فعن بنته المجنونة أولى.
فرع:
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلاَ يُبَرِّئُ زَوْجَهَا مِنْ دِرِهٍَم مِنْ مَالِهَا ".
وهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون من غير الصداق فلا يجوز للأب أن يبرئ منه.
والثاني: صداقًا.
فعلى ضربين:
أحدهما: أن يكون قد دخل لها فلا يجوز للأب أن يبرئ منه لأنه كسائر أموالها.
والثاني: أن لا يكون قد دخل بها فعلى ضربين:
أحدهما: أن يكون إلى الزوجين لم يطلق فلا يجوز للأب أن يبرئ منه.
والثاني: أن يكون قد طلقت ففي جواز إبراء الأب منه قولان مبنيان على اختلاف قوليه في الذي بيده عقدة النكاح.
أحدهما: وهو قوله في القديم- وبه قال مالك أنه الأب فعلى هذا يجوز للأب والجد دون غيرهما من الأولياء أن يبرأ من صداقها.
والقول الثاني: قاله في الجديد. وبه قال أبو حنيفة: أنه الزوج فعلى هذا لا يجوز للأب والجد أن يبرئا منه كما لا يجوز لغيرهما من الأولياء أن يبرئا شيء من صداقها كما لم يجز لا أن يبرأ من غير الصداق من سائر أموالها.
فأما الخلع على ظاهر قوله أنه لا يجوز وكان بعض أصحابنا يخرج من هذا القول وجهًا آخر أنه يجوز للأب أن يخالع عنها بصداقها لأنه لما جاز الإبراء منه على غير بدل كان جوازه على بدل أولى وهذا جمع فاسد والفرق بينهما من وجهين:
أحدهما: إن الإبراء مجوز بعد الطلاق وفي الخلع يكون مبرءًا منه قبل الطلاق.
стр. 4241
والثاني: أن في الإبراء ترغيبًا للأزواج فيها وفي الخلع تزهيدًا فيها فاختلف المعنى فيهما فافترقا، والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: "فَإِنْ هَرَبَتْ وَامْتَنَعَتْ فَلاَ نَفَقَةَ لَهَا ".
قال في الحاوي: وهذا صحيح. إذا هربت بالجنون من زوجها ومنعته من نفسها صارت ناشزًا وسقطت نفقتها؛ لأن النفقة عوض في مقابلة تمكين. فإذا لم يوجد التمكين الذي هو معوض بطل ما في مقابلته من النفقة التي عوض كالسلعة إذا بلغت في يد البائع بطل ما في مقابلتها من الثمن فإن قيل فالجنون عذر. وليست فيه عاصية فهلا كانت نفقتها مع تعذر الاستماع باقية كما لو مرضت أو صلت أو صامت؟ قيل: حقوق الأموال بين الآدميين تستوي في وجوبها سقوطها حكم المطيع والعاصي والمعزور وغير المعذور ألا نرى أن البائع لو تلفت السلعة في يده لجائحة سمائية فهو معذور مطيع وقد سقط ما في مقابلتها من الثمن كما لو استهلكها بنفس فصار عاصيًا غير معذور كما أن الزوجة لو سافرت في الحج سقطت نفقتها وإن كانت مطيعة كما لو هربت ناشزًا في معصية فكذلك حال المجنونة. فأما المريضة فهي غير ممتنعة منه وإنما المرض منعه منها كما يمنع الحيض. ولو منعته في المرض ما أمكن أن يستمتع به من المريضة في نظر وقبله ولمس وسقطت نفقتها فأما ما وجب من صلاة وصيام فالشرع قد استثنى زمانه من الاستمتاع كما أن زمان النوم مستثنى، والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: "وَلاَ إِيلاَءَ فِيهَا وَقِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ فِيهَا فِءْ أَوْ طَلِّقْ ".
قال في الحاوي: أما قوله: "لا إيلاء عليه "فلم يرد أنه لا يصح منه الإيلاء فيهما؛ لأن الإيلاء يمين يصح من الزوج في العاقلة فصخت منه في المجنونة، وإنما أراد به أن لا يطالب بحكم إيلائه فيهما وإن صح إيلاؤه منهما، وإذا مضى على الزوج مدة الإيلاء أربعة أشهر وهي على جنونها أو آلي منها وهي عاقلة فانقضت مدة الإيلاء وقد جنت، فالحكم فيهما سواء، وليس للولي مطالبة الزوج بفيئه ولا طلاق؛ لأن المطالبة حق لها يرجع فيه إلى شهرتها في العفو عنه أو المطالبة به، ولا يصح منها مع الجنون مطالبة ولا للولي فيه مدخل فيطالب، لكن يقال للزوج: ينبغي لك وإن لم يجب عليك المطالبة بحقها إن تنقي الله تعالى فيا فتفئ أو تطلق ليكون خارجًا من حق الإيلاء أن لو كانت مطالبته حتى لا
стр. 4242
تكون مرتهنًا بحق بقدر على الخروج منه قبل المطالبة به.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: "فَإِنْ قَذَفَهَا أَوْ انْتَفي مِنْ وَلَدهَا قِيلَ لَهُ إِنْ أَرَدْتَّ أَنْ تَتْقِيِ وَلَدَهَا فَالتَعِنْ فَإِذا التَعَنَ وَقَعَتِ الفُرْقَةُ وَنُفِيَ عَنْهُ الوَلَدُ فَإِنْ أَكّذَبَ نَفْسَهُ لَحِقَ بهِ الوَلَدُ وَلَمْ يُعزَّزْ".
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا قذف الرجل زوجته المجنونة بالزنا فلا حد عليه لقوله تعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] والمحصنة الكاملة بالعقل والعفاف؛ ولأن حد القذف يجب للحوق المعرة بالمقذوفة، والمجنونة لا يلحقها بالزنا عار؛ لأنها لا تفرق بين القبيح والحسن ولا بين المباح والمحذور، ولأن حد القذف على القاذف في مقابلة حد الزنا على المقذوف والمجنونة لو ثبت زناها لم تحد فلم يجب على قاذفها حدّ فإن لم يرد الزوج أن يلاعن فلا يقال وإن أراد اللعن لم يخل حال زوجت المجنونة من أحد أمرين:
إما أن تكون ذات ولد أو خلية من ولد. فإن كانت ذات ولد كان له أن يلاعن منها ليفي باللعان ولدها فإذا لاعن انتفي عنه الولد ووقعت الفرقة بينهما على التأييد وإن لم يكن لها ولد ففي جواز اللعان فيهما وجهان:
أحدهما: يلاعن ليستفيد بلعانه تحريم التأييد.
والثاني: وهو أصح أنه لا يجوز أن يلاعن؛ لأن معقود اللعان درأ الحد ونفي الولد الذي لا يقدر عليه بغير اللعان وقد عدم الولد وليس يجب عليه بقذفها حدّ فلم يجز أن يلاعن فلو عاد هذا الزوج بعد نفي الولد بلعانه فأكذب نفسه لحق به الولد ولم يزل التحريم المؤبد؛ لأن لحوق الولد حق عليه وزوال التحريم حق له ومن أقر بما عليه لزمه ومن أقر بمال لم يقبل منه. فأما تعزيره بعد رجوعه فقد قال الشافعي هاهنا: "لم يعزر "وقال في موضع آخر: "يعزر "وليس هذا على اختلاف قولين، وإنما التعزير على ضربين:
أحدهما: تعزير قذف.
والثاني: تعزير أدنى فأما تعزير القذف: فهو في قذف من لم تكمل حاله من المكلفين كالكفار والعبيد فلا يجب على المسلم الحر في قذفهم حد لكن يجب فيه التعزير بدلاً من الحدّ ويكون حقًا للمقذوف يرجع إلى خياره في استيفائه أو العفو عنه. وأما تعزير الأذى: فهو في قذف غير المكلفين من الصغار والمجانين فذا التعزير فيه لمكان الأذى يستوفيه الإمام إن رأى. ويكون الفرق بينه وبين تعزير القذف من وجهين:
أحدهما: وجوب هذا وإباحة ذاك.
والثاني: رد هذا إلى خيار المقذوف. ورد ذلك إلى الإمام، وإذا كان كذلك كان فول الشافعي هاهنا لم يعزر محمولاً على تعزير الأذى، والله أعلم.
стр. 4243
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: "وَلَيْسَ لِهُ أَنْ يُزَوِّجَ ابْنَتَهُ الصَّبِيَّةَ عَبْدًا وَلاَ غَيْر كُفٍُؤ وَلاَ مَجْنُونًا وَلاَ مَخْبُوٌلا وَلاَ مَجْذُومًا وَلاَ أَبْرَصَ وَلاَ مَحْبُوبًا ".
وهذا كما قال: على الأب إذا أراد أن يزوج بنته أن يطلب الحظ لها في اختيار الأزواج وإذا كان كذلك لم يكن له أن يزوج بنته الصغيرة عبدًا، ولا مدبرًا، ولا مكاتبًا ولا من فيه جزء من الرق وإن قل لنقصهم بالرق عن حال الأحرار ولا يزوجها مخبولاً والمخبول هو الزائل العقل كالمجنون إلا أن المجنون هو المجتد الذي لا يؤمن عداؤه والمخبول هو الساكن المأمون العدوى. ولا يزوجها مجذومًا، ولا أبرص؛ لأن النفس تعافهما وربما حدث منها عدوى إليها إلى الولد، فقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "فروا من المجذوم فراركم من الأسد ". ولا يزوجها خصيًا ولا مجبويًا لنقصهما بالخصي والجب عن كمال الاستمتاع.
فرع:
فأما تزويج بنته الكبيرة بأحد هؤلاء؛ فإن كانت ثيبًا فيجب استئذانها، فإن استأذنها فيم وأعلمها بهم جاز، وإن كانت بكرًا لا يلزمه استئذانها، فإن لم يستأذنها فيهم لم يجز، وإن استأذنها فيهم فعلى وجهين:
أحدهما: يجوز لأنه عن إذن كالثيب.
والثاني: لأن استئذانها يجب وأشبهت الصغيرة.
فرع:
فإن زوج بنته بمن فيه أحد هذه العيوب. وكانت هي من ذوات هذه العيوب فعلى ضربين:
أحدهما: أن يختلف عيبها أن يكون الزوج مجذومًا وهي برصاء، أو مجنونًا وهي رتقاء فلم يجز.
والثاني: أن يتماثل عيبها فيكونا مجنونين أو أبرصين. فعلى وجهين:
أحدهما: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة يجوز لتكافئهما.
والثاني: وهو الأصح أنه لا يجوز لأن الإنسان قد يعاف من غيره مالا يعاف من نفسه. وقد يؤمن المجنون على نفسه ولا يؤمن على غيره. فإذا تقرر ما وصفنا وزوج بنته بمن لا يجوز أن يزوجها به من أصحاب هذه العيوب فهذا على ضربين:
стр. 4244
أحدهما: أن يزوجها بهم علمًا بعيوبهم فالنكاح باطل؛ لأنه أقدم على عقد هو ممنوع منه.
والثاني: أن يكون غير عابم بعيوبهم ونقصهم ففي العقد قولان:
وأحدهما: باطل لما ذكرنا.
والثاني: أن يكون غير عالم بعيوبهم ونقصهم ففي العقد قولان:
أحدهما: باطل لما ذكرنا.
والثاني: جائز ويستحق فيه خيار الفسخ؛ لأن شرار الوكيل ما يراه معيبًا بعد العقد لا يوجب فساد العقد ولكن يوجب الفسخ، فعلى ذا يجب على الأب فسخ العقد في الحال أو يكون موقوفًا على خيارها إذا بلغت. فيه وجهان:
أحدهما: يجب عليه أن يفسخ ليستدرك بالفسخ ما كان ممنوعًا في وقت العقد.
والثاني: أن يكون الفسخ موقوفًا على خيارها إذا بلغت فيه؛ لأن لا في العقد حقًا فلم يكن للأب تفويقته عليها بفسخه.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: "وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُكْرِهَ أَمَتَهُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ هَؤلاَءِ بِنِكَاحٍ ".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، للسيد أن يجبر أمته على النكاح ليكتسب بذلك المهر والنفقة ولا يجبر السيد على نكاحها إذا طلبت؛ لأنها فراش له، وإن كان للسيد إجبارها فليس له أن يكرهها على نكاح مجنون، ولا مجذوم، ولا أبرص، ولا مجبوب؛ لأنها تملك في حق النكاح حق الاستمتاع بدليل أن لها المطالبة بحق الإيلاء والعنة دون السيد واستمتاعها بمن ذكرنا من ذوي النقص والعيوب لا يكمل لنفور النفس عنهم، فمنع السيد من تزويجها بهم. فأما العبد فله تزويجها به وكذلك بمن لا يكافئ الحرة في حال أو نسب لكمال استمتاعها بهم مع كونهم أكفأها فإنه خالف السيد وزوجها بمن ذكرنا من ذوي النقص والعيوب ففي النكاح قولان على ما مضى:
أحدهما: باطل.
والثاني: جائز ويستحق فيه الفسخ. وفيه وجهان:
أحدهما: على السيد أن يفسخ.
والثاني: أنه مردود إلى خيارها فأما إذا أراد السيد بيعها على مجنون ومجذوم وأبرص ومجبوب فله ذاك وليس لها الامتناع. والفرق بين النكاح والبيع: أن المقصود النكاح الاستمتاع فأثر فيه ما منع منه ولذلك لم يصح نكاح من لا يحل الاستمتاع بها من
стр. 4245
الأخوات والعمات. وليس المقصود في البيع إلا الملك دون الإستمتاع وكذلك جاز ملك من لا يحل من الخوات والعمات فجاز له بيعها على من لا يقدر على الإستمتاع بها كما يجوز ل بيعها على امرأة ولهذا المعنى قلنا في الأمة إن لها القسم في عقد النكاح على الزواج وليس لها في المال قسم على السيد.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: "وَلاَ يُزَوِّجَ أَحَدٌ أَحَداٌ مِمَّنْ به إِحْدَى هَذِه العِلَلِ وَلاَ مَنْ لاَ يُطَاقُ جِمَاعُهَا وَلاَ أَمَةٌ لأَنَّهُ مِمَّنْ لاَ يَخَافُ العَنَتَ ".
قال في الحاوي: وهذا كما قال، لما ذكر الشافعي منع الأب والسيد من تزويج بنته وأمته بما ذكرنا عيبه يمنع السيد أن يزوج ابنه وعبده بهم، فلا يجوز للأب أن يزوج ابنه الصغير بمجنونة ولا من به العيوب التي ذكرنا لتعذر استمتاعه بن وعدم الحظ له في نكاحهن وكذلك لا يزوجه بأمة يسترق ولده منها؛ لأنها لا تحل إلا لخوف العنت وهو مأمون في الصغير، فإن زوجه بواحدة من هؤلاء، ففي النكاح تولية على ما مضى:
أحدهما: باطل.
والثاني: جائز.
وفي الفسخ وجهان:
أحدهما: أن على الأب تعجيله.
والثاني: أنه موقوف على اختيار الابن إذا بلغ.
فصل:
فأما العبد فهل للسيد إجباره على النكاح أم لا؟ على قولين:
أحدهما: ليس له إجباره؛ لأنه من ملاذه وشهواته.
والثاني: له إجباره كما يجبر أمته. ولمن قال بالأول: أن يفرق بين العبد والأمة بأن له في تزويج الأمة اكتساب المهر والنفقة، وعليه في تزويج العبد التزام المهر والنفقة، فافترقا. وإذا جوز له إجبار عبده على النكاح لم يكن له أن يكرهه على نكاح من بها أحد هذه العيوب لنفور النفس عنهم وتعذر استمتاعه بهن، وله أن يزوجه بالأمة لأنها تكافئه، وأنه لا يعتبر في نكاحه بها عيب ليس منه، وهل للأب والسيد إذا كان في ابنه وعبده أحد هذه العيوب أن يزوجه بمن يساويه في العيوب على ما مضى من الوجهين.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: "وَيُنْكِحُ أَمَةَ المَرْأَةِ وَليُّهَا بِإِذْنِهَا ".
стр. 4246
قال في الحاوي: وهذا كما قال، إذا كان للمرأة أمة لم يكن لها تزويج أمتها بنفسها حتى يأذن لوليها في تزويجها؛ لأنه لما لم يكن لها تزويج نفسها فأولى أن لا يكون لها تزويج أمتها، وجوزه أبو حنيفة بناء على أصله في أن لها تزويج نفسها، فجاز لها أن تزوج أمتها، وقد مضى الكلام معه. وإذا كان كذلك لم يخل حالهما من أحد أمرين:
إما أن تكون بالغة، أو صغيرة فإن كانت أغنى هذه السيدة بالغة رشيدة لم يكن لأحد من أوليائها تزويج أمتها إلا بإذنها وسواء كانت السيدة بكرًا أو ثيبًا، سواء كان الولي أبًا أو عصبة ممن يجبرها على النكاح أم لا؛ لأن هذا تصرف في مالها وهي رشيدة لا يجوز التصرف في مالها بغير إذنها، فإذا أذنت لوليها الذي هو أحق الأولياء بنكاحها في تزويج أمتها جاز له تزويجها فإن لم يكن لها ولي مناسب زوجها الحاكم بإذنها ولا يراعى إذن الأمة مع إذن السيدة؛ لأن الأمة تخير على النكاح فلم يلزمه استئذانها فيه.
فصل:
فإن كانت السيدة صغيرة غير بالغة: لم يكن لأحد من أوليائها سواء الأب والجد تزويج أمتها، وفي جوازه للأب والجد وجهان:
أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي، وأبي سعيد الاصطخري يجوز لهما تزويجها كما يزوجان سيدتها مع ما فيه اكتساب المهر لها والنفقة.
والثاني: أنه لا يجوز لهما عبد فأذنت له في التزويج فإن كان العبد صغيرًا لم يجز؛ لأن الصغير لم يجز؛ لأن الصغير يمنع من مباشرة العقد وفي المتولي لتزويجه وجهان:
أحدهما: وليها في النكاح كالأمة.
والثاني: من تأذن له من الناس؛ لأن ولي النكاح يراعي في الزوجة دون الزوج وإن كان العبد بالغًا فالصحيح أن له أن يتزوج بإذنها وحدها كالسيد. وفيه وجه آخر لبعض أصحابنا أنه لا يجوز أن يتزوج حتى بإذن له وليها فيجوز له باجتماع الإذنين أن يتزوج لأن إذن المرأة في النكاح لا يتم إلا بولي، وهذا خطأ، لأن العبد ممنوع من النكاح بحق الملك فاستوى إذن الملك والمالكة كسائر الأموال.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: "وَأَمَةُ العَبْدِ المَاذُونِ لَهُ فِي التِّجَارَةِ مَمْنُوعَةٌ مِنَ السَّيِّدِ حَتَّى يَقْضِي دَيْناً إِنْ كَانَ عَلَيْهِ وَيُحْدِثَ لَهُ حَجْرًا ثُمَّ هِيَ أَمَتَهُ وَلَوْ أَرَادَ السَّيِّدُ أَنْ يُزَوِّجَهَا دُونَ العَبْد أَوْ العَبْدُ دُونَ السَّيِّدِ لَمْ يَكُنْ ذَبِكَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا ".
قال في الحاوي: اعلم أن ما في يد العبد المأذون له في التجارة كالمرهون على ما في ذمته من ديون معاملاته لضعف ذمته بالرق، فصار ما في يده مستحقًا في ديونه ولو
стр. 4247
اشترى أمه من مال التجارة لم يكن للعبد وطئها بحاٍل؛ لأن العبد لا يملكها فأما السيد إذا أراد وطئها فإن كان على دين من معاملاته، فالسيد ممنوع من وطئها لتعلق دينه بها، كما يمنع من وطء المرهونة لما يفضي إليه وطئها من الإحبال الذي ربما أدى إلى التلف، وكذلك يمنع من تزويجها لإفضائه غلى نقصان ثمنها، وسواء كان الدين الباقي من ثمنها أو من ثمن غيرها إلا أن يكون من قيمة متلف فتعلق برقبته ولا يتعلق بما في يده، فإنه قضى العبد جميع ديونه أو قضاها السيد عنه فهذا على ضربين:
أحدهما: أن العبد السيد أن يعيد الحجر عليه، ويمنعه من التجارة فيجوز للسيد حينئذٍ أن يطأ الأمة التي استراها العبد، وأن يزوجها إن شاء، وليس للعبد أن يزوجها بغير إذن السيد، وهل يجوز ل تزويجها بإذنه أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: لا يجوز؛ لأن الرق يمنع من ولاية النكاح.
والثاني: يجوز لأن الرق يمنع من استحقاق الولاية بنفسه، ولا يمنع من النيابة عن غيره كسائر العقود.
والضرب الثاني: أن لا يعيد الحجر عليه بعد قضاء دينه ففي تزويج ووطء السيد لها وتزويجه إياها وجهان:
أحدهما: وهو الأصح يجوز له لزوال ما تعلق بهم من حق.
والثاني: لا يجوز وهو قول أبي علي بن أبي هريرة؛ لأنه لا يؤمن أن يغتر الناس بالإذن المتقدم فيعاملونه على ما في يده حتى يتعلق الحجر ويظهر الرجوع.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: "وَلاَ ولاَيَةَ للْعَبَدِ بِحَاٍل وَلَو اجْتَمَعَا عَلَى تَزْويِجَهَا لَمْ يَجُزْ ".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، لا يملك العبد ولاية النكاح على أحد من مناسبين لنقصه بالرق. فإنه لا يملك ولاية نفسه فكان أولى أن لا يملك الولاية على غيره؛ وكذلك المدبر والمكاتب، ومن في جزء من الرق إن قل؛ لأن أحكام الرق عليهم جارية وتنتقل الولاية عنه إلى من هو أبعد منهم نسبًا من الأحرار، وهل يجوز أن يكون العبد من ذكرنا وكيلاً نائبًا في عقد النكاح أم لا؟ على ثلاثة أوجه:
أحدها: يجوز أن يكون وكيلاً نائبًا على الولي في البذل ومن الزوج في القبول. وهذا قول أبي الطيب بن سلمة.
والوجه الثاني: لا يجوز أن ينوب فيه عن الولي في البذل، ولا عن الزوج في القبول، وقد مضى تعليل هذين الوجهين.
стр. 4248
والوجه الثالث: أنه لا يجوز ان ينوب فيه عن الولي في البذل ويجوز أن ينوب فيه عن الزوج في القبول؛ لأن النيابة من قبل الزوجة ولاية ومن قبل الزوج وكالة، والعبد لا يجوز أن يكون وليًا، ويجوز أن يكون وكيلاً فأما قول الشافعي: "ولو اجتمعا على تزوجها لم يجز "فيعني أن السيد والعبد لو اجتمعا على تزويج الأمة التي اشتراها العبد قبل قضاء دينه لم يجز وليس لاجتماع العبد مع سيده قوة ستحق بها السيد تزويج الأمة ما لا يستحقه بانفراده.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: "فِي بَابِ الخيَارِ مِنْ النَّسَبِِ لَو انْتَسَبَ لَوِ انْتَسَبَ العَبْدُ لَهَا أَنَّهُ حُرُّ فَنَكَحَتْهُ وَقَدّ أَذِنَ لَهُ سَيِّدَهُ ثُمَّ عَلِمَتْ أَنَّهُ عَبْدٌ أّوْ انْتَسَبَ غِلَى نَسَبٍ وُجِدَ دُونَهُ وَهِيَ فَوْقَهُ فَفِيهَا قَولاَنِ: أحدهما: أَنَّ لَهَا الخِيَارَ لأَنَّهُ مَنْكُوحٌ بِعَيْنِهِ وّعُزِّرَ بَِشيء وُجِدَ دُونَهُ. وَالثَّانِي: أَنَّ النَّكَاحَ مَفْسُوحُ كَمَا لَوْ أَذِنَتْ في رَجُلِ بِعَيْنِهِ فَزُجَتْ غَيْرُُ. قَالً المُزَنِيٌّ ﵀: قَدْ قَطَعَ أَنَّهُ لَوْ وُجِدَ دُونَ مَا انْتَسَبَ إلَيْهِ وَهُوَ كَفُوٌ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلاَ يُوَلِّيها الخِيَارُ وَفِي ذَلِكَ إِبْطَالُ أَنْ يَكُونُ فِي مَعْنَى مَنْ أذِنَتْ لَهُ فِي رَجُلٍ بِعَيْنِه فَزُوَّجِتْ غَيْرَهُ فَقَدْ بَطُلَ الفَسْخُ فِي قِيَاسِ قَوْلِهِ وَثَبَتَ لَهَا الخيَارَ ".
قال في الحاوي: وصورتها في امرأة تزوجت رجلً على أنه حر فكان عبداً فإن نكح بغير إذن سيده فالنكاح باطل، وإن نكح سيدة نظر في الشرط، فإن لم يقترن بالعقد وتقدم عليه أو تأخر عنه فالنكاح جائز، وإن اقترن بالعقد ففي بطلان النكاح قولان: وهكذا لو تزوجت على أنه ذو نسب شريف كهاشمي، أو قرشي فكان غير ذي نسب أعجميًا أو نبطيًا، وكان الشرط متقاربًا للعقد ففي النكاح قولان، وهكذا لو تزوجه على أنه شاب فكان شيخًا، أو على أنه طويل فكان قصيرًا، أو على أنه جميل فكان قبيحًا، أو على أنه أبيض فكان أسود، أو على أنه غني فكان فقيرًا، ففي النكاح قولان.
وهكذا لو نكحها على شرط أدنى فكان أعلى، مثل أن يتزوجها على أنه عبد فكان حرًا، أو على قبطي فكان عربيًا، أو على أنه شيخ فكان شابًا، أو على أنه قصير فكان طويلاً، أو على أنه قبيح فكان جميلاً. أو على ضد ما ذكرنا، ففي النكاح قولان، وحكم الشرط إذا وجد زائدًا عليه كحكمه إذا وجد ناقصًا عنه سواء كان اختلافهما في الحرية أو النسب أو في الصفة أو في عقد النكاح في هذه الأحوال كلها على قولين:
أحدهما: أن النكاح باطل لأمرين:
أحدهما: أن الصفة في عقد النكاح تجري مجرى العين في عقود المعاوضات لجواز الاقتصار عليها إن لم يشاهد العين. وإنه لا يجوز في عقود المعاوضات (الاقتصار)
стр. 4249
على صفة العين حتى تشاهد تلك العين فاقتضى أن يكون خلاف الصفة في النكاح جار في إبطال النكاح مجرى خلاف العين في البيع في إبطال البيع.
والثاني: أن إذن المرأة في نكاحه على هذه الصفة فتكون بخلافها فجرى مجرى إذنها لوليها أن يزوجها من هو على هذه الصفة فيزوجها من هو على خلافها. ولو كان هكذا لكان النكاح باطلًا، فكذلك في مسألتنا.
والقول الثاني: وهو قول أبي حنيفة واختيار المزني - أن النكاح صحيح ووجهه شيئان:
أحدهما: أنها صفات لا يفتقر صحة النكاح إلى ذكرها فوجب أن لا يبطل النكاح بخلافها كالصداق إذا وصف فكان بخلاف صفته.
والثاني: أنه منكوح بعينه وعزر بشيء وجد دون قصار ذلك منه تدليسًا ينقص. وتدليس العيوب في العقود يوجب الخيار ولا يوجب الفسخ كالعيوب في البيع كذلك النكاح، والله أعلم.
فصل:
فإذا تقرر توجيه القولين، فإن قلنا بالأول، فإن النكاح باطل، فإن لم يكن الزوج قد دخل بها فرق بينهما ولا شيء عليه، وإن كان قد دخل بها فرق بينهما وعليه مهر مثلها لمكان الشبهة ولا حد عليه والولد لا حق به، وإن قلنا بالقول الثاني: إن النكاح جائز فكان قد شرطته حرًا فكان عبدًا فلها الخيار في فسخ نكاحه سواء كانت حرة أم أمة لنقصه في النكاح عن أحكام الحر، لأن استمتاعها به غير تام لخدمه سيده ونفقته نفقة معتبر لأجل رقه. فإن أقامت على نكاحه فلها المسمى. وإن نسخت ولم يدخل بها فلا مهر لها وإن دخل بها فعليه مهر المثل بالإصابة دون المسمى في العقد فهذا حكم غروره لها بالحرية. فأما إذا غرها بالنسبة فشرط لها أنه شريف النسب هاشمي، أو قرشي، فبان أنه أعجمي أو نبطي نظر في نسبهما، فإن كانت شريفة مثل النسب الذي شرطته فلها الخيار في فسخ نكاحه، ثم الكلام في المهر إن أقامت أو فسخت على ما مضى. وإن كان دون النسب الذي شرطته ومثل النسب الذي هي عليه أو دونه فهل لها الخيار في فسخ نكاحه أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: لها الخيار لمكان الشرط وأن لها عوضًا في كون ولدها إذا نسب شريفًا.
والثاني: لا خيار لها، لأن خيارها يثبت بدخول النقص عليها، وهذا كفء في النسب فلم يدخل عليها به نقص فلم يثبت لها فيه خيار.
فأما إذا غرها بما سوى ذلك من الشروط نظر، فإن بان أنه على شرط فلا خيار لها، لأن الخيار إنما يستحق بالنقصان دون الزيادة وإن بان أنه أنقص مما شرط ففي خيارها وجهان:
стр. 4250
أحدهما: لها الخيار لأجل الشرط.
والثاني: لا خيار، لأن النقصان لا يمنع من مقصود العقد. قال الشافعي: "قد ظلم نفسه من شرط هذا" فاختلف أصحابنا في تأويله فقال: "من أسقط خيارها" معناه أنها ظلمت نفسها باشتراط ما لم يثبت لها في خيار، وقد كانت تستغني بالمشاهدة عن اشتراطه، وقال: "من أثبت خيارها" أنه محمول على الشروط الناقصة. وأنها ظلمت نفسها بما شرطته من نقصان أحواله وأوصافه.
فصل:
فأما إذا نكحت نكاحًا مطلقًا من غير شرط لكن اعتقدت فيه كمال الأحوال فبان بخلافها في نقصان الأحوال فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون نقصان أحواله غير كفء لها كأنها حرة وهو عبد، أو هاشمية وهو نبطي، أو غنية وهو فقير، فلها الخيار، لأن نكاح غير الكفء لا يلزم إلا بالعلم والرضا.
والثاني: أن يكون مع نقصان أحواله كفؤًا لها فلا خيار لها في غير الرق، وهل الخيار في رقه إذا وحدته عبدًا أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: لا خيار لها، لأن كونه كفؤًا لها يمنع من دخول النقص والعار عليها.
والثاني: لها لأن نقص الرق مؤتمر في حقوق النكاح بما لسيده من منعه منها بخدمته وإخراجه في سفره، وأنه لا يلزم لها إلا نفقة معسر فاقتضى أن يثبت لها الخيار في فسخ نكاحه، والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي ﵁: "ولو كانت هي التي غرته بنسب فوجدها دونه ففيها قولان: أحدهما إن شاء فسخ بلا مهر ولا متعة وإن كان بعد الإصابة فلها مهر مثلها ولا نفقة لها في العدة وإن كانت حاملًا. والثاني: لا خيار له إن كانت حرة لأن بيده طلاقها ولا يلزمه من العار ما يلزمها. قال المزني ﵀: قد جعل له الخيار إذا غرته فوجدها أمة كما جعل لها الخيار إذا غرها فوجدته عبدًا فجعل معناهما في الخيار بالغرور واحدًا ولم يلتف إلى أن الطلاق إليه ولا إلى أن لا عار فيها عليه وكما جعل لها الخيار بالغرور في نقص النسب عنها وجعله لها في العبد فقياسه أن يجعل له الخيار بالغرور في نقص النسب عنه كما جعله له في الأمة".
قال في الحاوي: قد مضى غرور الزوج للمرأة، فأما غرور المرأة للزوج فهو أن يتزوجها على شرط فيكون بخلافه، فينقسم الشرط ثلاثة أقسام:
أحدهما: أن يكون في الحرية.
стр. 4251
والثاني: أن يكون في النسب.
والثالث: أن يكون في الصفة في الحرية فهو أن يتزوجها على أنها حرة فتكون أمة، فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون الزوج ممن لا يحل له نكاح الأمة بأن يكون وجد للطول أو غير خائف للعنت فالنكاح باطل، لأن نكاح الحر للأمة لا يجوز إلا بشرطين عدم الطول وخوف العنت.
والضرب الثاني: أن يكون الزوج ممن لا يجوز له نكاح الأمة لوجود الشرطين فيه من عدم الطول، وخوف العنت فلها حالتان:
أحدهما: أن تكون قد نكحته بغير إذن سيدها فالنكاح باطل.
والثانية: أن تنكحه بإذن سيدها، فللشرط حالتان:
إحداهما: أن يكون مقارنًا للعقد.
والثاني: غير مقارن، فإن لم يقارن العقد بل تقدمه أو تأخر عنه فلا تأثير له والنكاح جائز. وإن اقترن بالعقد فلا يخلو الغار من أن يكون هو السيد أو غيره، فإن كان الغار هو السيد فقال الزوج عن عقده: هي حرة قد عتقت بقوله هذا وصار الزوج بهذا الغرور عاقدًا على حرة فصح نكاحها، وهي في جميع أحكامها كالحرة وإن كان الغار غير السيد فهي حينئذ مسألة الكتاب في الغرور باستكمال ما فصلنا من الشروط الأربعة:
أحدهما: أن يكون الزوج ممن يجوز له نكاح الأمة.
والثاني: أن تكون قد نكحت بإذن سيدها.
والثالث: أن يكون الشرط مقارنًا بالعقد.
والرابع: أن يكون الغار غير السيد فتكون في النكاح حينئذ قولان:
أحدهما: باطل.
والثاني: جائز. وتوجيههما ما قدمناه من غرور الزوج للزوجة.
فصل:
فإذا قلنا ببطلان النكاح، فإن لم يدخل بها الزوج فرق بينهما ولا مهر عليه ولا عدة عليها. ولا يكون للعقد تأثير في لزوم شيء من الأحكام. وإن دخل الزوج بها فرق بينهما لفساد العقد. ولها حالتان:
أحداهما: أن يكون قد أحبلها.
والثاني: أن تكون حائلًا لم تحبل فإن لم يكن قد أحبلها تعلق بدخوله بها حكمان:
أحدهما: أن عليه للسيد مهر مثلها بالإصابة دون المسمى، لأن فساد العقد يمنع من استحقاق ما سمي فيه فصار مستهلكًا لشبهه فلزمه مهر المثل.
والثاني: وجوب العدة عليها، لأنها إصابة توجب لحوق النسب فأوجبت العدة ولا
стр. 4252
نفقة لها في زمان العدة لارتفاع العقد الذي تستحق به النفقة فإذا غرم الزوج بالإصابة مهر المثل فهل يرجع به على من غره أم لا؟ على قولين:
أحدهما: وهو قوله في القديم يرجع به على الغار، لأنه ألجأه إلى غرمه فصار كالشاهدة إذا أوجب بشهادته غرامًا ثم رجع عنها لزمه غرام ما أغرم.
والقول الثاني: لا يرجع به على الغار، لأنه في مقابلة استمتاعه الذي لا ينفك عن غرم إما المسمى إن صح العقد أو مهر المثل إن فسد. فإذا قلنا لا رجوع للزوج بالمهر على من غره تفرد بإلزامه للسيد. وإن قلنا: يرجع به على غره ولم يرجع به قبل غرمه لجواز أن يبرئه السيد منه. فإن أبرأه منه لم يرجع به كالضامن إذا أبرئ من الضمان لم يرجع على المضمون عنه بشيء وإن أغرمه السيد المهر رجع به للزوج حينئذ على من غره ومن يؤثر غروره اثنان: الأمة ووكيل السيد، لأن السيد لو غرّه لعتقت وإن غرّه أجنبي لم يكن لقوله في العقد تأثير فإن كانت الأمة هي الغارة كان الغرم في ذمتها إذا أعتقت وأسرت إذنه وإن كان الوكيل هو الغار أغرم في الحال إن كان موسرًا وأنظر به إلى وقت يساره إن كان معسرًا فأما إن كان قد أحبلها ففي وجوب النفقة لها مدة حملها قولان:
أحدهما: لها النفقة إذا قيل: إن نفقة الحامل لحملها لا لها.
والثاني: لا نفقة لها إذا قيل: إن نفقة الحامل لها لا لحملها. فإذا وضعت تعلق بمولدها ثلاثة أحكام:
أحدها: لحوقه بالزوج لشبهة العقد.
والثاني: كونه حرًا من حين علوقه. لأن اشتراط حريتها يتضمن حرية والدها، لأن الحرة لا تلد إلا حرًا.
والثالث: أن تغرم للسيد قيمة ولدها يوم وضعته، لأن ولد الأمة مملوكًا لسيدها وقد صار الزوج مستهلكًا لرقه بما يحدث من عتقه فلزمه غرام قيمته واعتبرناها يوم وضعه. فإن كان قد عتق وقت عتوقه، لأنه لا يقوم إلا بعد الوضع فإذا غرم الزوج قيمة الولد رجع بها على من غره قولًا واحدًا. وإن كان في رجوعه بالمهر قولان: والفرق بينهما: أن المهر بالأمة على أحد القولين. وليس كذلك قيمة الولد، لأنه لا يستحق إلا في ولد الأمة دون الحرة فصار الغرور هو الموجب لغرمه فلذلك رجع به على من غرّه قولًا واحدًا فصار وطئها وإحبالها موجبًا لخمسة أحكام:
أحدهما: مهر المثل.
والثاني: العدة.
والثالث: لحوق الولد.
والرابع: حريته.
والخامس: غرم قيمته. فهذا إذا قيل ببطلان النكاح.
стр. 4253
فصل:
فأما إذا قلنا بصحة النكاح على القول الثاني. فهل للزوج فيه خيار الفسخ أم لا؟ على قولين حكاهما المزني ولم يحك القولين في أصل النكاح بل اكتفي بما حكاه في غرور النكاح:
أحدهما: لا خيار له بالغرور وإن ثبت للزوجة بالغرور، لأنه ليقدر على طلاقها ولا يلحق من الغار ما يلحقها.
والثاني: له الخيار لأحد علتين.
إحداهما: أن ما أوجب للزوجة خيار الفسخ أوجبه للزوج لعيوب الجنون والجذام والبرص وإن كان الطلاق بيده فكذلك في الغرور.
والعلة الثانية: ما يدخل عليه من نقص استرقاق ولده ونقصان استمتاعه فإذا قلنا له الخيار في الفسخ فاختار الفسخ كان حكمه بعد الفسخ على ما ذكرنا وإذا قيل بفساد العقد في أنه لم يدخل بها فلا شيء عليه وإن دخل بها ولم يحبلها تعلق بدخوله حكمان: مهر المثل والعدة. وإن أحبلها تعلق بأحباله لها مع حكمي الدخول ثلاثة أحكام: لحوق الولد وحريته وغرم قيمته ويرجع بما غرمه من قيمته وفي رجوعه غرمه من المهر قولان. وإن أقام على النكاح ولم يختر الفسخ وقلنا: ليس له خيار فالحكم فيه ما سواء. ولها المهر المسمى في العقد. ويكون أولاده الذين علقت بهم قبل علمه برقها أحرارًا، وعليه قيمتهم ومن علقت بهم بعد علمه برقها مماليك للسيد إن لم يكن الزوج عربيًا وإن كان عربيًا فعلى قولين:
أحدهما: وهو قوله في القديم: يكونوا أحرارًا وعليه قيمتهم. ومن علقت بهم بعد علمه برقها مماليك للسيد، لأن لا يجري على عربي صغار الرق أعظم صغار.
والثاني: يكونون مماليكًا للسيد، لأن حكم الله تعالى في الجميع واحد وتميز من علقت به قبل العلم برقها معتبر بمدة الوضع فمن وضعته لأقل من ستة أشهر من وقت علمه فالعلوق به قبل العلم فيكون حرًا. ومن وضعته لستة أشهر فصاعدًا فالعلوق به في الظاهر بعد العلم اعتبارًا بأقل الحمل فيكون مملوكًا على ما ذكرنا فهذا حكم القسم الأول وهو غرور الزوج بالحرية.
فصل:
وأما القسم الثاني: وهو غرور الزوج بالنسب فهو أن يتزوجها على أنها هاشمية فتكون عربية. أو أنها عربية فتكون نبطية أو أعجمية. ففي النكاح قولان على ما مضي:
أحدهما: باطل.
والثاني: جائز فإن قيل ببطلان النكاح إن لم يدخل بها فرق بينهما ولا شيء عليه، ولا يكون للعقد تأثير. وإن كان قد دخل بها فعليه مهر المثل دون المسمى، وهل يرجع به
стр. 4254
على من غرّه أم لا؟ على قولين:
أحدهما: يرجع به لأنه في مقابلة استمتاعه.
والثاني: يرجع به على من غرّه وهو أحد ثلاثة: إما الولي، أو وكيله، أو الزوجة، فإن كان الولي أو وكيله هو الغار رجع عليه بعد الغرم لجميع المهر. وإن كانت الزوجة هي الغارة ففيه وجهان:
أحدهما: يرجع عليهما بجميعه أيضًا كما يرجع على الوالي والوكيل.
والثاني: أن يترك عليها منه يسيرًا وأقله ما يجوز أن يكون مهرًا. ويرجع عليها بباقية لئلا يصير مستبيحًا لبضعها بغير بذل. وإذا كان كذلك فإن كان قد رجع المهر إليهما رجع عليها بجميعه على الوجه الأول وترك عليهما منه قدر أقل المهور على الوجه الثاني. وإن كان مع دفع المهر إليها فلا معنى لأن يدفع المهر إليها ثم يسترجعه فلا يدفع إليها على الوجه الأول شيئًا ويدفع إليها على الوجه الثاني قدر أقل المهور. وسواء في إصابة هذه الغارة أن يكون قد أحبلها أو لم يحبلها في أن ولدها إذا ألحق به لم يلزمه غرم، لأنه لم يجر عليه رق.
فصل:
وإن قيل أن النكاح صحيح نظر في نسب الزوج فإن كان مثل نسبها الذي ظهر لها فلا خيار في الفسخ، لأنه لا عار عليه ولا معرة تلحقه وإن كان كالنسب الذي شرطه وأعلا من النسب الذي ظهر لها فخياره في فسخه معتبر بخياره في غروره بالرق به وبالحرية وتعليل استحقاقه فإن قيل: لا خيار له إذا كان مغرورًا بالحرية فأولى أن لا يكون له الخيار إذا كان مغرورًا بالنسب. وإن قيل: له الخيار إذا كان مغرورًا بالحرية فهل له الخيار إذا كان مغرورًا بالنسب معتبر باختلاف العلة إذا كان مغرورًا بالنسب معتبر باختلاف العلة إذا كان مغرورًا بالحرية فإن قيل: إن العلة في خياره إذا غر بالحرية أن يثبت له خيار الفسخ مثل ما ثبت للزوجة فله في غرور النسب خيار الفسخ كما كان للزوجة. وإن قيل: إن الغلة في الغرور بالحرية دخول النقص عليه في استرقاق ولده ونقصان استمتاعه فلا خيار له في الغرور بالنسب، لأنه لا يدخل عليه نقص في الاستمتاع ولا في الولد، لأن ولده يرجع إليه في نسبه لا إليهما، لأن ولد العربي من الأعجمية عربي. وولد العجمي من العربية عجمي. وفي كشف هذا التعليل ومحل الجواب عليه في استحقاق الخيار مقنع لما أورده المزني. فأما إذا غرّته بنسب فوجده أعلى منه نظر فإن شرطت أنها عربية فكانت هاشمية فالنكاح جائز ولا خيار، لأن الهاشمية عربية وإن ازدادت شرفًا فلم تكن الصفة المشروطة مخالفة، وإن شرطت أنها نبطية أو عجمية فكانت هاشمية أو عربية فالصفة مخالفة للشرط فيكون النكاح على قولين:
أحدهما: باطل.
والثاني: جائز فلا خيار له.
стр. 4255
فصل:
وأما القسم الثالث: وهو غرور الزوج بالصفة فهو أن يتزوجها على أنها بكر فتكون ثيبًا أو على أنها شابة فتكون عجوزًا أو على أنها جميلة فتكون قبيحة إلى ما جرى هذا المجرى من الصفات ففي النكاح قولان:
أحدهما: باطل، وإن لم يدخل بها فلا شيء عليه وإن دخل بها فعليه مهر مثلها وفي رجوعه به من غرّه قولان على ما معنى في غرور النسب من اعتبار حال من غرّه.
والثاني: أن النكاح صحيح فعلى هذا يكون خياره في غرورها معتبر بخيارها في غروره وفي خيارها لو غرها الزوج في هذه الصفات وجهان:
أحدهما: لا خيار لها فعلى هذا أولى أن يكون لها خيار.
والثاني: لها الخيار فعلى هذا يكون معتبرًا بخياره إذا كان مغرورًا بالحرية وفيه قولان:
أحدهما: لا خيار له فيه. فعلى أولى أن لا يكون له خيار إذا غرّ بهذه الصفات.
والثاني: له الخيار فعلى هذا يكون معتبرًا بعلة الخيار في هذا القول. فإن قيل: إنها في مقابلة خيار الزوجة فله الخيار في نقصان هذه الصفات كما كان للزوجة على هذا الوجه. وإن قيل: إنها تدخل النقص عليه في رق الولد ونقصان الاستمتاع فلا خيار له هاهنا لعدم النقص فيهما. فأما إذا تزوجها على شرط فكانت أعلى منه مثل أن يتزوجها على أنها ثيب فتكون بكرًا. أو على أنها عجوز فتكون شابة أو على أنها قصيرة فتكون طويلة. أو أنها قبيحة جميلة. وما شاء كل هذه الصفات ففي النكاح أيضًا قولان:
أحدهما: باطل.
والثاني: جائز ولا خيار له.
فصل:
فأما إذا تزوجها بغير شرط فظنها على صفة فكانت بخلافها فالنكاح صحيح فيما سوى الرق والكفر ولا خيار فيه للزوج فيها سوى عيوب الفسخ من الجنون والجذام والبرص والرتق والقرن والكفر وهو أن يتزوجها ويظن أنها حرة فتكون أمة ويظنها مسلمة فتكون كافرة فإن كان مما لا يحل له نكاح الأمة، لأنه واجد للطول أو غير خائف للعنت أو كانت ممن لا تحل لمسلم كالوثنية. فالنكاح باطل في الأمة الكافرة لتحريمها عليه وإن كان يحل ممن له نكاح الأمة لعدم الطول وخوف العنت ويحل له نكاح هذه الكافرة ولأنها كتابية فالنكاح جائز قولًا واحدًا. لأنه لم يشترط وصفًا فوجد خلافه. فأما الخيار فقد قال الشافعي في نكاح الأمة: إنه لا خيار في فسخه. وقال في نكاح الكتابية أن له الخيار في فسخه فاختلف أصحابنا على طريقتين:
أحدهما: نقل جواب كل واحد من المسألتين إلى الأخرى وتخريجهما على قولين
стр. 4256
أحدهما: لا خيار له في فسخ الأمة والكتابية على ما نص عليه، لأن الكتابية أحسن حالًا من الأمة التي يسترق ولدها.
والقول الثاني: أن له الخيار في فسخ النكاح الأمة والكتابية على ما نص عليه في الكتابية، لأن الأمة أغلظ حالًا باسترقاق ولدها.
والطريقة الثانية: لأصحابنا إن حملوا جواب كل واحدة من المسألتين على ظاهره فلم يجعلوا له في نكاح الأمة خيارًا وجعلوا له في نكاح الكتابية خيارًا وفرقوا بينهما بأن لأهل الذمة غيارًا يميزون به عن المسلمين فإذا خالفوا صار غرورًا فثبت الخيار في نكاحهم وليس للمملوكين خيار يتميزون به فلزمهم غرور يثبت به الخيار في مناكحهم، والله أعلم.
باب المرأة لا تلي عقدة النكاح
قال الشافعي ﵀: "قال بعض الناس زوجت عائشة ابنة عبد الرحمن بن أبي بكر وهو غائب بالشام فقال عبد الرحمن: أمثلي يفتات عليه بناته؟ قال: فهذا يدل على أنها زوجتها بغير أمره. قيل: فكيف يكون أن عبد الرحمن وكل عائشة بفضل نظرها إن حدث حدث أو رأت في مغيبة لابنته حظًا أن تزوجها احتياطًا ولم ير أنها تأمر بتزويجها إلا بعد مؤامرته ولكن تواطئ وتكتب إليه فلما فعلت قال: هذا وإن كنت قد فوضت إليك فقد كان ينبغي أن لا تفتاتي علي وقد يجوز أن يقول زوجي أي وكلي من يزوج فوكلت. قال: فليس لها هذا في الخبر، قيل: لا ولكن لا يشبه غيره لأنها روت أن النبي ﷺ جعل النكاح بغير ولي باطلًا أو كان يجوز لها أن تزوج بكرًا وأبوها غائب دون أخواتها أو السلطان. قال المزني ﵀: معنى تأويله فيما روت عائشة عندي غلط وذلك أنه لا يجوز عنده إنكاح المرأة ووكيلها مثلها فكيف يعقل بأن توكل وهي عنده لا يجوز إنكاحها ولو قال أنه أمر من ينفذ رأي عائشة فأمرته فأنكح خرج كلامه صحيحًا لأن التوكيل للأب حينئذ والطاعة لعائشة فيصح وجه الخبر على تأويله الذي يجوز عندي لا أن الوكيل وكيل لعائشة ﵂ ولكنه وكيل له فهذا تأويله".
قال في الحاوي: وقد مضى الكلام في أن النكاح لا يصح إلا بولي ذكر، وأن المرأة لا يجوز أن تعقد نكاح نفسها، فكذلك لا يجوز أن تلي نكاح غيرها لا بولاية ولا بوكالة، ولا يصح فيه بذلك ولا قبول.
وقال أبو حنيفة: يجوز أن يتولاه لنفسها ولغيرها نيابة ووكالة تكون فيه باذل أو قابله. فأما نكاح نفسها قد مضى الكلام معه فيه وأما نكاح غيرها نيابة. ووكالة فاستدل على جواز أن تتوكل فيه وتباشر غيره بما روي أن عائشة زوجت بنت أخيها عبد الرحمن بن أبي بكر وكان غائبًا بالشام بمنذر بن الزبير فلما قدم. قال: أمثلي يفتات عليه في بناته؟
стр. 4257
وأمضى النكاح. قال: ولأنه عقد معاوضة فجاز أن تتولاه المرأة كالبيع. ولأنه قد يستاح به البضع فصح أن تباشره المرأة قياسًا على شراء الأمة، ولأنه عقد على منفعته فجاز اشتراك الرجال والنساء فيه كالإجازة. ودليلنا رواية أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "لا تنكح المرأة المرأة ولا تنكح المرأة نفسها". وهذا نص.
وروى عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه أن عائشة كان إذا هوى فتى من بني أخيها فتاة من بنات أخيها أرسلت سرًا وقعدت من ورائه وتشهدت حتى إذا لم يبق إلا النكاح قالت: يا فلان انكح وليتك فلانة فإن النساء لا ينكحن، وهذا أمر منتشر في الصحابة لا يعرف فيه مخالف، ولأن تصرف المرأة في حق نفسها أقوى من تصرفها في حق غيرها، وقد دللنا على أنه لا ولاية لها في حق نفسها، فأولى أن لا يكون لها ولاية في حق غيرها، ولأن كل عقد لم يجز أن تعقده المرأة لنفسها لم يجز أن تعقده لغيرها كعقد الإمامة.
فأما الجواب عن حديث عائشة فهو أنه لا يمكن استعماله على ظاهره من أربعة أوجه:
أحدها: أنها لو زوجتها بولاية النسب لكان بالمنكوحة من هو أحق بالولاية منها من إخوة وأعمام، لأن عبد الرحمن قد كان له إخوة وأولادهم أحق بنكاحها من عائشة التي هي أخته وعمه المنكوحة.
والثاني: أنه لو زوجتها بوكالة أبيها عبد الرحمن لما أفتات عليه في بناته.
والثالث: أنها هي الراوية عن النبي ﷺ : "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل" وهي لا تخالف ما روته.
والرابع: أنها كانت إذا خطبت في المناكح قالت: "يا فلان انكح وليتك فإن النساء لا ينكحن" وإذا لم يكن حمله على ظاهره من هذه الوجوه الأربع وجب حمله على ما يمكن فيحمل على أحد ثلاثة أوجه:
أحدها: أن عبد الرحمن يجوز أن يكون قد وكل عن نفسه من يقوم بتزويج بنته وأمره أن يرجع إلى رأي عائشة في اختيار من يزوجها به فأشارت عليه عائشة بتزويج منذر بن الزبير. فإن قيل: فلما أنكر وقد وكل؟ قيل: لأن منذرًا قد كان خطب إليه فكرهه لعجب ذكره فيه، فأحبت عائشة مع ما عرفته من فضل منذ أنه يصل الرحم وتزوج بنت أخيها بابن أختها، لأن منذر بن الزبير أمه أسماء بنت أبي بكر.
والثاني: أنه لا يجوز أن تكون عائشة حين اختارت منذرًا سألت السلطان أن
стр. 4258
يزوجها، لأن عبد الرحمن بغيبته لا تزول ولايته وينوب السلطان عنه عندنا. وعند أبي حنيفة وينوب عنه من بعده من الأولياء وعند مالك فكرة عبد الرحمن أن لم يستأذن فيه ويطالع به ويكون إضافة العقد إلى عائشة. وإن لم تكن العاقدة لمكان اختيارها وسفارتها كما يضاف العقد إلى السفير بين الزوجين فيقال فلانة الدلالة قد زوجت فلانًا لفلانة وإن لم تكن قد باشرت العقد وتولته.
والثالث: أنه يجوز أن يكون عبد الرحمن وكل عائشة في أن توكل عنه من يزوج بنته فوكلت عائشة عن عبد الرحمن حين استقر رأيها على تزويج منذر من زوجها عنه فكان الوكيل المتولي للعقد وكيلًا لعبد الرحمن لا لعائشة كما توهم المزني فقال: إذا لم يكن لها أن تزوج فوكيلها بمثابتها لا يجوز له أن يزوج وهي لم توكل عن نفسها وإنما وكلت عن أخيها، وإنما يجوز أن تكون المرأة في توكيل من يزوج عن الموكل.
وأما الجواب عن الأقيسة الثلاث في البيع والإجازة وشراء الأمة، فهو أنها عقود لا تفتقر إلى ولاية فجاز أن تتولاها المرأة بخلاف النكاح، والله أعلم.
باب الكلام الذي ينعقد به النكاح والخطبة قبل العقد
قال: الشافعي ﵀: "أسمى الله ﵎ النكاح في كتابه باسمين: النكاح والتزويج ودلت السنة على أن الطلاق يقع بما يشبه الطلاق ولم نجد في كتاب ولا سنة إحلال نكاح إلا بنكاح أو تزويج والهبة لرسول الله ﷺ مجمع أن ينعقد له بها النكاح بأن تهب نفسها له بلا مهر. وفي هذا دلالة على أنه لا يجوز النكاح إلا باسم التزويج أو النكاح".
قال في الحاوي: وهذا كما قال، النكاح لا ينعقد إلا بصريح اللفظ دون كتابته، وصريحه لفظان: زوجتك وأنكحتك، فلا ينعقد النكاح إلا بهما سواء ذكر فيه مهرًا أو لم يذكر. وقال أبو حنيفة: ينعقد النكاح بالكتابة كانعقاده الصريح، فيجوز انعقاده بلفظ البيع والهبة والتمليك ولم يجزه بالإباحة. واختلف الرواة عنه في جوازه بلفظ الإجازة، وسواء ذكر المهر أو لم يذكره. وقال مالك: إن ذكر مع هذه الكتابات المهر صح، وإن لم يذكره لم يصح، فاستدلوا على انعقاد النكاح بالكتابة برواية معمر عن أبي حازم بن سهل بن سعد الساعدي: أن امرأة جاءت إلى النبي ﷺ فوهبت له نفسها فصمت، ثم عرضت نفسها عليه وهو صامت فقال رجل أحسبه قال: من الأنصار فقال: يا رسول الله إن لم يكن لك بها حاجة فزوجينها؟ فقال: "لك شيء"؟ قال: لا والله يا رسول الله، قال: "اذهب فالتمس شيئًا ولو خاتم من حديد". فذهب ثم رجع فقال: والله ما وجدت شيئًا إلا ثوبي هذا، أشقه بيني وبينها، فقال النبي ﷺ : "عليك ما في ثوبك فضل عنك، فهل تقرأ
стр. 4259
من القرآن شيئًا"؟ فقال: نعم. قال: ماذا: قال: سورة كذا وكذا قال: "أملكتاكها بما معك في القرآن" قال: فلقد رأيته يمضي وهي تتبعه فدل صريح هذا الحديث على أن انعقاد النكاح بلفظ التمليك وصار حكم الكناية في انعقاده كالصريح، ولأنه عقد يقصد به التمليك فجاز أن ينعقد بلفظ التمليك كالبيع، ولأنه عقد يستباح به البضع فجاز أن يستفاد بلفظ الهبة كتمليك الإماء، ولأن ما انعقد به نكاح النبي ﷺ انعقد به نكاح أمته كالنكاح، ولأن أحدى طرفي النكاح فجاز أن يستفاد بالصريح والكناية كالطلاق، ولأنه ينعقد بالعجمية، لأنها في معنى العربية فدل على أن المقصود ف العقد معنى اللفظ دون اللفظ والتمليك في معنى النكاح فصح به العقد كالنكاح، ودليلنا قوله تعالى: ﴿وامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إن وهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب:٥٠] فجعل الله تعالى النكاح بلفظ الهبة خالصة لرسوله دون أمته. فإن قيل: فالآية تدل على أن النبي ﷺ أراد يجعلها الله له خالصة من دون المؤمنين، وليس في الآية أمر من الله تعالى ولا إذن فيه فلم يكن في مجرد الطلب دليل على الإباحة.
قيل: قد اختلف الناس هل كان عند النبي ﷺ امرأة وهبت نفسها منه؟ فذهب جمهورهم إلى أنه قد كان عند امرأة وهبت نفسها له واختلفوا فيه على ثلاثة أقاويل:
أحدها: أنها أم شريك قاله عمرو بن الزبير.
والثاني: أنها خولة بنت حكيم قالته عائشة.
والثالث: أنها زينب بنت خزيمة أم المساكين، قاله الشعبي.
فعلى هذا لو لم يكن في الآية دليل على الإباحة إلى ما شاء له من التخصيص لكان فعله دليلًا عليه. وقال آخرون: لم يكن عند النبي ﷺ امرأة وهبت نفسها له، وهذا قول ابن عباس ومجاهد وتأويل من قرأ بالكسر "إن وهبت" محمول على المستقبل، ومن قال بالأول فهو بقراءة من قرأ بالفتح: "أن وهبت" على الماضي وتأويله على هذا أن يكون سياق الآية دليلًا على التخصيص، لأن قوله: ﴿وامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إن وهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٠] حكاية للحال قوله: ﴿إنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا﴾ إخبار عن حكم الله، ثم قال: ﴿خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ مواجهة من الله تعالى له بالحكمة من غير أن يكون من رسوله طلب، فلم يجز أن يكون محمولًا إلا على ابتداء الحكم وبيان التخصيص.
فإن قيل: إنما خص بسقوط المهر ليكون اختصاصه به مقيدًا ولم يخص أن يعقد بلفظ الهبة، لأن اختصاصه بل غير مفيد قيل: بل هو محمول على اختصاصه بالأمرين اعتبارًا بعموم الآية وليكون اختصاصه بحكم غيره بهذا اللفظ لتعدي حكمه إلى غيره فيبطل التخصيص، ويدل على ما ذكرنا من طريق السنة ما رواه أبو شيبة عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ في حجة الوداع: "إن النساء عوان عندكم
стр. 4260
لا يملكن من أمورهن شيئًا إنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكتاب الله. ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، ولكن عليهن أن لا يوطئهن فراشكم أحدًا وأن لا يأذن في بيوتكم لأحد تكرهونه فإن فعلن من ذلك شيئًا فقد حل لكن أن تضربوهن ضربًا غير مبرح. ألا هل بلغت قالوا: اللهم نعم قال: اللهم فاشهد". فموضع الدليل من هذا الحديث قوله: "واستحللتم فروجهن بكتاب الله". وليس في كتاب الله إلا لفظ النكاح والتزويج فدل على أنه لم يستحل الفروج إلا بهما، ويدل عليه من القياس: أنه عقد منفعة لم ينعقد بلفظ كالإجارة، ولأنه عقد معاوضة فلك ينعقد بلفظ الهبة كالبيع، ولأن لفظ الهبة موضوع لعقد لا يتم إلا بالقبض فلم ينعقد به النكاح كالرهن، ولأنه أحد طرفي العقد فلم يصح بلفظ الهبة كالطلاق، ولأن ما كان صريحًا في عقد لم يكن صريحًا في غيره كالإجارة والبيع، ولأن ما لم يكن صريحًا في النكاح لم ينعقد به النكاح كالإباحة والإحلال، ولأنه هبة المنافع إن لم يكن معها عوض فهي كالعارية، وإن كان معها عوض جرت مجرى الإجارة عندهم، والنكاح لا ينعقد بالعارية، والإجارة، فكذلك بما اقتضاهما من الهبة، ولأن الحقيقة في عقد لو صارت حقيقة في غيره لبطلت حقائق العقود، لأن لفظ الكتابة يقوم مقام التصريح بالنية وهي مما لا يعلمها الشهود ينافيان النكاح بدليل أن من تزوج أمة، ثم ابتاعها أو استوهبها بطل نكاحها وما نافي النكاح لم ينعقد به النكاح كالطلاق ولأنه لفظ يوضع لإسقاط ما في الذمم فلم ينعقد به كالإبراء. ولأنه لو انعقد النكاح بلفظ البيع لانعقد البيع بلفظ النكاح وفي امتناع هذا إجماعًا وامتناع ذلك حجاجًا. فأما الجواب عن قوله: "قد ملكتها بما معك من القرآن". فهو أن أبا بكر النيسابوري قال: وهم فيه معمر فإنه ما روي "قد ملكتها" إلا معمر عن أبي حازم.
وقد روى مالك، وسفيان عن عيينة، وحماد بن زيد، وعبد العزيز بن محمد الدراوردي، وفضيل بن سليمان، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، عن النبي ﷺ أنه قال: "زوجتكها بما معك من القرآن" وهذه الرواية أثبت لكثرة عدد الرواة، وأنهم خمسة علماء، ثم تستعمل الروايتين فتحمل رواية من روى: "قد زوجتكها" في حال العقد ومن روى: "قد ملكتها" على الإخبار بعقد عما ملكه بالعقد. وأما الجواب عن قياسهم على أحكام البيع بأنه عقد يقصد به التمليك فهو أن لأصحابنا في عقد البيع بلفظ التمليك وجهان:
أحدهما: لا يصح، لأن التمليك من أحكام البيع فلم ينعقد البيع، فعلى هذا يبطل الأصل.
والثاني: أن البيع ينعقد به، فعلى هذا يكون المعتبر في انعقاد البيع بلفظ التمليك وجود التمليك فيه على عمومه وقصوره في النكاح على العموم، لأنه يملك كل المبيع ولا
стр. 4261
يملك من المنكوحة إلا الاستمتاع. وهكذا الجواب عن قياسهم على شراء الإماء، وأما تعليلهم بنكاح النبي ﷺ فعنه جوابان:
أحدهما: أنه تعليل يدفع النص فكان مطروحًا.
والثاني: أنه لما خص سقوط المهر جاز أن يكون مخصوصًا باللفظ الذي يقتضي سقوط المهر، ثم المعنى في لفظ النكاح أنه صريح فيه، والبيع والهبة صريحان في غيره. وأما قياسهم على الطلاق في وقوعه بالصريح والكناية هو أن النكاح شهادة مشروطة لا تتحقق في الكناية، فلم ينعقد بالكتابة وليس في الطلاق شهادة مشروطة فوقع بالكناية. وأما استدلالهم بعقدة بالعجمية فشرح لمذهبنا فيه بيان للانفصال عنه، وفيه لأصحابنا ثلاثة أوجه:
أحدهما: حكاه أبو حامد الإسفراييني ولم يتابعه عليه أحد أنه لا ينعقد بالعجمية سواء كان عاقده يحسن العربية أو لا يحسنها، لأن لفظة بالعجمية صريح فخرج عن حكم الكناية بالعربية، لأن في كناية العربية احتمال وليس صريح العجمية احتمال. وخالف القرآن المعجز، لأن إعجازه ونظمه وهذا المعنى يزول عنه إذا عدل عن لفظه العربي إلى الكلام العجمي.
والثالث: وهو قول أبي سعيد الإصطرخي: أنه إن كان عاقده يحسن العربية لم ينعقد بالعجمية، وإن كان لا يحسن العربية انعقد بالعجمية، كأذكار الصلاة تجزئ بالعجمية لمن لا يحسن العربية ولا تجزئ لم يحسنها، فعلى هذا لا يجوز أن يجمع بين حال القدرة والعجز والعادل عن صريح النكاح إلى كنايته قادر، والعادل عنه إلى العجمية عاجز فاقد. فإن قيل بالوجه الأول: أنه لا ينعقد بالعجمية مع القدرة والعجز كان عاقده إذا لم يحسن العربية بالخيار بين أن يوكل عربيًا في عقده وبين أن يتعلم العربية فيعقده بنفسه. وإذا قيل بالوجه الثاني: أنه ينعقد بالعجمية مع القدرة والعجز كان عاقده إذا لم يحسن العربية فهو بالخيار إذا كان يحسن العربية بين أن يعقده العربية وهو أدلى، لأنه لسان الشريعة وبين أن يعقده بالفارسية وبأي اللسانين عقده فلا يصح حتى يكون شاهدًا عقده بعرفانه، فإن عقده بالعربية وشاهداه عجميان أو عقده فلا يصح حتى يكون شاهدًا عقده بعرفانه، فإن عقده بالعربية وشاهداه عجميان أو عقده بالعجمية وشاهداه عربيان لم يجز، لأنهما إذا لم يعرفا لسان العقد لم يشهدا عليه إلا بالاستخبار عنه فجرى بينهما مجرى الكناية. وإذا قيل بالقول الثالث: إنه ينعقد بالعجمية مع العجز ولا ينعقد بها مع القدرة فلا يخلو حال الولي الباذل والزوج القائل من ثلاثة أحوال:
إحداها: أن يكونا عربيين فلا ينعقد النكاح بينهما إلا العربية.
والثانية: أن يكونا عجميين فلا ينعقد النكاح بينهما إن باشراه بأنفسهما إلا بالعجمية.
стр. 4262
والثالثة: أن يكون أحدهما عربيًا والآخر أعجميًا فلا ينعقد النكاح بينهما بالعربية لأن العجمية لا يحسنها ولا بالعجمية لأن العربية لا يحسنها فكانا بالخيار بين أمرين أن يوكلا من يعرف أحد اللسانين، وبين أن يتعلم العجمي منهما العربية فيجتمعا على عقده بها ولا يجوز أن يتعلم العربي العربية ليجتمعا على عقده بها لأن من أحسن العربية لا يجوز له العقد بالعجمية ويجوز لمن يحسن العجمية أن يعقده بالعربية.
فإن قيل: فهلا اختص العربي فيه باللفظ العربي وتفرد العجمي باللفظ العجمي؟ قيل: لا يجوز، لأن كل واحد منهما لا يعرف لفظ صاحبه فيقابله عليه، والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي: "والفرج محرم قبل العقد فلا يحل أبدًا إلا بأن يقول الولي قد زوجتكها أو أنكحتكها ويقول الخاطب: قد قبلت تزويجها أو نكاحها أو يقول الخاطب زوجنيها ويقول الولي: قد زوجتكها فلا يحتاج في هذا إلى أن يقول الزوج: قد قبلت ولو قال قد ملكتك نكاحها أو نحو ذلك فقبل لم يكن نكاحًا وإذا كانت الهبة أو الصدفة تملاك بها الأبدان والحرة لا تملك فكيف تجوز الهبة في النكاح؟ فإن قيل: معناها زوجتك قيل: فقوله قد أحللتها لك أقرب إلى زوجتكها وهو لا يجيزه".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: أعلم أن عقد النكاح بعد حضور الولي والشاهدين لا يتميز إلا بثلاثة شروط:
أحدها: تعيين المنكوحة.
والثاني: تعيين اللفظ.
والثالث: صفة العقد.
فأما تعيين المنكوحة فيجب أن يكون بما تتميز به عن غيرها وذلك قد يكون بأحد ثلاثة أشياء: إما بالإشارة، وإما بالإسم، وأما بالصفة. فأما الإشارة فلا تكون إلا إلى حاضرة فنقول: زوجتك هذه المرأة فيصح النكاح عليها، وإن لم يذكر لها اسم ولها حالان:
موافق ومخالف، فإن كان موافقًا فقد أكد بالإشارة بها قرنه بها من موافقة الاسم. والنسب والصفة. وإن كان مخالفًا بأن سماها حفصة بنت زيد وهي عمرة بنت بكر أو وصفها بالطويلة، وهي قصيرة صح العقد بالإشارة إليها ولم يؤثر فيه مخالفة الاسم والنسب والصفة، لأن الإشارة أبلغ في التعيين من كل اسم وصفة وأما الاسم فقد يتعين به الغائبة إذا لم يشاركها فيه غيرها، وهو في الأغلب إذا انفرد عن نسب لا يقع به التمني، فإن قرن به النسب نظر فإن لم يشاركها فيه غيرها من النساء تميزت به وصح العقد عليها
стр. 4263
بما تميزت به من الاسم والنسب وإن لم ينو الزوج والولي الإشارة إلى المنكوحة وإن لم يتميز الاسم والنسب من غيرها من النساء لمشاركتها فيه لغيرها نظر فإن نوى الزوج والولي في نفوسهما فالإشارة للمنكوحة، صح العقد وعلى هذا أكثر عقود المناكح وإن لم ينو لم يصح العقد لاشتباه المنكوحة بغيرها وصار بمثابة قوله: قد زوجتك امرأة وأما الصفة فلا تكون بانفرادها مميزة للمنكوحة عن غيرها لاشتراك الناس في الصفات حتى يقترن بها مع ما يقع به التمييز من اسم أو نسب، أو نية مثل سودة بنت زيد بن خالد وله بنات فيهم المنكوحة. أما الاسم إذا لم يشتركن فيه فتقول حفصة أو عمرة. وأما بالصفة، إذا لم يشتركن فيقول الطويلة أو القصيرة أو يقول: السوداء أو البيضاء أو يقول: الصغيرة أو الكبيرة فتصير الصفة مميزة للمنكوحة ولولاها لاشتبهت وإذا كان كذلك فأراد أن يزوج بنته فإن لم يكن له إلا بنت جاز أن يقول: زوجتك بنتي ولا يذكر لها اسمًا ولا صفة، لأنها قد تعنت في العقد فصح فإن ذكر مع ذلك اسمًا ولا صفة، لأنها قد تعنت في العقد فصح فإن ذكر مع ذلك اسمًا أو صفة. فقال: بنتي حفصة أو قال: بنتي الطويلة فقد أكد إن وافق الاسم والصفة ولم يؤثر فيه إن خالف الاسم والصفة قوله: عمرة قد سماها حفصة وكانت قصيرة وقد وصفها طويلة، لأن الاسم قد ينتقل والقصيرة قد تكون طويلة بالإضافة إلى من هي أقصر منها وإن كان للأب المزوج عدة بنات لم يصح العقد بأن يقول: زوجتك بنتي حتى يميزها عن سائرهن إما بنية يتفق الأب والزوج بها على إرادة أحداهن بعينها. وإما باسم أو صفة فيقول: بنتي حفصة فيصفها بالاسم من غير أن يقول بنتي الصغيرة فتصير بالصفة متميزة فيصح العقد حينئذ عليها فإن جمع بين الاسم والصفة فذلك ضربان:
أحدهما: أن يكون متفقًا فيقول: قد زوجتك بنتي حفصة الصغيرة. والصغيرة هي حفصة. والكبيرة هي عمرة: فيسم المنكوحة باسمها ويصفها بصفتها فقد أكد الاسم بالصفة فكان أبلغ في التمييز.
والثاني: أن يكون مخالفًا فسمى الموصوفة بغير اسمها ووصف المسماة بغير صفتها، لأن حفصة هي الكبيرة وقد وصفها بالصغيرة وعمرة هي الصغيرة وقد وصفها بالكبيرة فيكون المعول على الصفة دون الاسم، لأن الصفة لازمة والاسم منتقل فيقع العقد على الصغيرة التي اسمها عمرة وإن سمي في العقد حفصة، فلو ميز المنكوحة من بناته بصفتهن فقال: زوجتك بنتي الصغيرة الطويلة فإن وافقت الصفتان فقد أكد إحدى الصفتين بالأخرى فكان أبلغ في التمييز وإن خالفت الصفات فالنكاح باطل، لأن كلتا الصفتين لازمتان وليس اعتبار أحدهما في تمييز المنكوحة بأولى من اعتبار الأخرى فصارت المنكوحة منهما مجهولة. فلذلك بطل النكاح، والله أعلم بالصواب.
فصل:
وأما الشرط الثاني: وهو تعيين اللفظ الذي ينعقد به النكاح فلفظتان لا ينعقد النكاح إلا بهما وهو النكاح والتزويج، لأن كتاب الله تعالى قد جاء بهما.
стр. 4264
وأما النكاح فيقوله سبحانه: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] وأما التزويج بقوله سبحانه: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧] لأن معناهما في اللغة متشابهان. أما التزويج فهو ضم شكل إلى شكل ومنه قولهم: أحد زوجي الخف وأحد زوجي الحمام إذا أريد واحد من اثنين متشاكلين. فإن أريد معًا قيل زوج الخف وزوج الحمام وأما النكاح فيه قولان:
أحدهما: إنه كالتزويج ضم شكل إلى شكل ومنه كقولهم: أنكحنا الغراء فسوق ترى أي جمعنا بين الحمار الوحش وإيتانه فسترى ما يولد منهما. قال عمر بن أبي ربيعة:
أيها المنكح الثريا سهيلًا عمرك الله كيف يلتقيان
هي شامية إذا ما استقلت وسهيل إذا استقل يمان
أي لما لم يكن أن يجتمعا لم يجز أن يتناكحا.
والثاني: إنه لزوم شيء، ومنه قول ابن الماجشون: استنكحه المدني أي لزمه فسمي النكاح نكاحًا للزوم أحد الزوجين لصاحبه وليس في معنى هاتين اللفظتين غيرهما فصار تعليلهما غير متعد للنص عليهما. وإذا كان كذلك فالولي والزوج مخيران في أن يعقداه بلفظ التزويج فيقول الولي: قد زوجتك ويقول الزوج: قبلت تزويجها أو يعقده أحدهما بلفظ النكاح والآخر بلفظ التزويج فيقول الولي: قد زوجتك ويقول الزوج: قد قبلت نكاحها فيكون العقد بأي هذه الألفاظ عقدًا صحيحًا.
فصل:
وأما الشرط الثالث: وهو صفة العقد وكيفيته فقد ينعقد على أحد وجهين أما بالبذل والقبول. وأما بالطلب والإيجاب ولهما فيه ثلاثة أقوال:
أحدهما: أن يعقد له بلفظ الماضي.
والثاني: بلفظ المستقبل.
والثالث: بلفظ الأمر.
فإن عقداه بلفظ الماضي فضربان:
أحدهما: أن يعقداه بالبذل والقبول.
والثاني: بالطلب والإيجاب. فأما عقده بالبذل والقبول فهو أن يبدأ الولي فيقول: قد زوجتك بنتي على صداق ألف درهم ويقول الزوج: قد قبلت نكاحها على هذا الصداق
стр. 4265
فيكون قد ابتدأ به الولي بذلًا وما أجابه الزوج قبولًا. وإذا كان هكذا فللزوج في قبوله ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يقول: قبلت نكاحها على هذا الصداق.
والثاني: أن يقول: قبلت ولا يذكر الصداق: والثالث: أن يقول: قبلت ولا يذكر النكاح ولا الصداق. فأما الحال الأولى: وهو أن يقول: قبلت نكاحها على هذا الصداق فقد انعقد النكاح على الصداق المسمى إذا كان قبول الزوج على الفور من بذل الولي. ولو قال الزوج: قبلت نكاحها على صداق خمسمائة. وقد بذلها الولي له بصداق ألف انعقد الصداق ولم تلزمه فيه أحد الصداقين وكان لها مهر المثل لأن الألف لم يقبلها الزوج والخمسمائة لم يرض بها المولى.
وقال أبو حنيفة: ينعقد على صداق خمسمائة، لأنها أقل فصارا مجتمعين عليها وإن تفرد الولي بالزيادة. وهذا خطأ لما ذكرنا.
وأما الحال الثانية: وهو أن يقول قبلت نكاحها ولا يذكر قبول الصداق فيصح النكاح بقبوله ولا يلزم المسمى، لأنه لم يذكره في القبول وليكون لها مهر المثل وقال أبو حنيفة: يلزم فيه الصداق المسمى بقبول النكاح والذي يتضمنه كالبيع إذا قال: بعتك عبدي بألف فقال المشتري: قبلت البيع لزمه ذلك الثمن وإن لم يصرح به في قبوله كذلك النكاح وهذا خطأ، لأن البيع لا ينعقد إلا بثمن فكان قبوله البيع قبولًا لما تضمنه من الثمن وإن لم يصرح به في قبوله وليس كذلك النكاح، لأنه قد يصح بغير الصداق فلم يكن قبوله النكاح قبولًا لما يتضمنه من الصداق حتى يصرح به في قبوله.
وأما الثالثة: وهو أن يقول: قبلت ويمسك فلا يذكر النكاح ولا الصداق في قبوله ففيه قولان وهو ظاهر كلامه هاهنا وقد نص عليه صريحًا في كتاب "الأم" ورواه البويطي وقاله جمهور أصحابنا أن النكاح باطل.
والثاني: قاله في كتاب "التعريض بالخطبة في كتب الأمالي" إن النكاح صحيح وبه قال أبو حنيفة استدلالًا بأمرين:
أحدهما: أن قول: قبلت إنما هو جواب للبذل الصريح وجواب الصريح يكون صريحًا كقوله تعالى: ﴿فَهَلْ وجَدتُّم مَّا وعَدَ رَبُّكُمْ حَقًا قَالُوا نَعَمْ﴾ [الأعراف: ٤٤] أي نعم وجدناه وكقوله: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] أي بلى أنت ربنا وكما لو أدعى رجل على رجل ألف درهم فسأله الحاكم عنها. وقال: أله عليك ألف. فقال نعم، وكان إقرار منه بالألف، وجرى مجرى قوله: نعم عليِّ ألف، فكذلك يجب أن يكون قوله في النكاح قد قبلت بعد تقدم البذل الصريح قبولًا صريحًا فجرى مجرى قوله: قبلت نكاحها.
والثاني: إن البذل والقبول معتبر في عقد النكاح كاعتباره في عقد البيع ثم ثبت أنه لو قال البائع: بعتك عبدي هذا بألف فقال المشتري: قبلت أن البيع قد انعقد وجرى ذلك مجرى قوله "قبلت" هذا البيع ويجب أن يكون النكاح بمثابه: قد زوجتكها فقال الزوج:
стр. 4266
قبلت أن ينعقد النكاح فجرى مجرى قوله: قبلت نكاحها فعلى هذا القول إذا جعلناه قبولًا صحيحًا يكون قبولًا للنكاح والصداق جميعًا، لأن القبول مطلق فرجع إلى ما تقدم من ذكر النكاح والصداق وخالف قوله: قبلت نكاحها حيث جعلناه راجعًا إلى قبول النكاح الذي سماه دون الصداق الذي أغفله، لأن مع التسمية تصير تخصيصًا ومع الإطلاق يكون عمومًا. وإذا قيل بالقول الأول إن النكاح باطل وهو أصح القولين فدليله ما قدمناه أن عقد النكاح لا يتم إلا بصريح اللفظ دون المعنى وقوله: قبلت فيه معنى التصريح وليس بصريح فينعقد به النكاح وجاز أن ينعقد به البيع لأنه يتم بالصريح وبمعنى الصريح بخلاف النكاح وليس إطلاق جواب الصريح يكون صريحًا في جميع الأحوال ألا ترى لو قالت امرأة لزوجها: طلقني ثلاثًا. فقال: نعم لم يكن ذلك صريحًا في جميع الأحوال ألا ترى لو قالت امرأة لزوجها: طلقني ثلاثًا. فقال: نعم لم يكن ذلك صريحًا في طلاقها وإن كان جوابًا ولو قال: نعم: أنت طالق لم تكن ثلاثًا وإن سألته ثلاثًا فلم يسلم الاستدلال بالبيع لما ذكرنا من الفرق بينهما ولا كان إطلاق الجواب كالصريح لما ذكرنا. فأما إذا قرن النكاح بينهما بواسط من حاكم أو خطيب فقال للولي: زوجته فلانة، فقال: نعم، فقال الزوج: قبلت نكاحها. فقال: نعم لم ينعقد النكاح قولًا واحدًا، لأن صريح اللفظ لم يؤخذ من واحد منهما.
وقال أبو حنيفة: ينعقد بناء على أصله واعتبارًا بالبيع في أن رجلًا لو قال للبائع: بعته عبدك هذا بألف. فقال: نعم، وقال المشتري: اشتريته بالألف، فقال: نعم إن البيع منعقد فكذلك النكاح. وهذا خطأ لما ذكرنا في أن معنى الصريح لا يقوم في النكاح مقام الصريح ويقوم في البيع مقام الصريح، لأن النكاح لما خالف البيع في تغليظه بالولي والشاهدين خالفه في تغليظه بصريح اللفظ دون معناه، ولأنه قوله: نعم إقرار وبضع المنكوحة لا يملك بالإقرار فهذا حكم عقد النكاح بالبذل والقبول.
فصل:
فأما عقده بالطلب والإيجاب فهو أن يبدأ الزوج فيقول للولي: زوجني بنتك على صداق ألف فيقول الأب: قد زوجتكما على هذا الصداق فيصح العقد ولا يحتاج الزوج إلى أن يعود فيقول: قد قبلت نكاحها ووافقه أبو حنيفة عليه. وكذلك في البيع إذا ابتدأ المشتري فقال: بعني عبدك بألف. فقال: قد بعتك هذا العبد بها صح البيع ولم يحتج المشتري أن يقول بعده قد قبلت. وخالفه أبو حنيفة في البيع فقال: لا يصح حتى يعود المشتري فيقول: قد قبلت بخلاف النكاح وهذا خطأ، لأن شروط النكاح أغلظ من شروط البيع. فكان ما يصح به النكاح أولى أن يصح به البيع فإذا صح ما ذكرنا من تمام العقد بالطلب والإيجاب كتمامه بالبذل والقبول كان البذل هو ما ابتدأ به الولي والقبول ما أجاب به الزوج فإن الطلب ما ابتدأ به الزوج والإيجاب ما أجاب به الولي فيكون النكاح منعقدًا من جهة الولي على أحد الوجهين:
إما بالبذل إن كان مبتدئًا أو بالإيجاب إن كان مجيبًا من جهة الزوج منعقد على أحد وجهين: إما بالطلب إن كان مبتدأ وبالقبول إن كان مجيبًا فصار طلب الزوج في الابتداء
стр. 4267
قبولًا في الانتهاء. وقبوله في الانتهاء طلب في الابتداء وصار بذل الولي في الابتداء إيجابًا في الانتهاء وإيجابه في الانتهاء بذلًا في الابتداء وإذا كان كذلك لم يخل إيجاب الولي بعد طلب الزوج من ثلاثة أحوال كما ذكرنا في قبول الزوج بعد بذل الولي:
إحداها: أن يقول: الولي قد زوجتكها على هذا الصداق الذي بذلته فينعقد النكاح على الصداق والذي سماه الزوج وهو ألف.
والثانية: أن يقول الولي قد زوجتكها ولا يقول على هذا الصداق فيصح العقد ولا يلزمه فيه ذلك المسمى من الصداق، لأن الولي ما صرح بالإجابة إليه. وعند أبي حنيفة يكون منعقد الصداق المبذول وإذا بطل المسمى عندنا كان لها مهر المثل فلو كان الأب قال: زوجتكها على صداق ألفين لم يلزم واحد من الصداقين. وكذلك عند أبي حنيفة ويكون لها مهر المثل. ولو كان الأب قال: قد زوجتكها على صداق خمسمائة لم يلزم واحد من الصداقين عندنا.
وقال أبو حنيفة يلزم أقلهما ويصير الأب مبرئًا من الزيادة والثانية: أن يقول الولي بعد طلب الزوج قد فعلت. أو يقول: قد أجبتك ولا يقول: قد زوجتكها. فلا ينعقد النكاح عندنا قولًا واحدًا بخلاف ما ذكرنا من القولين في قبول الزواج. والفرق بينهما: أن الولي هو المملك لبضع المنكوحة والزوج هو المتملك فكان اعتبار الصريح في لفظ المملك أقوى من اعتباره في لفظ المتملك. وعند أبي حنيفة يكون النكاح منعقد على أصله.
فرع:
فأما إذا ابتدأ الوالي فقال: زوجت بنتي على صداق ألف فقال الزوج: تزوجتها على هذا الصداق لم يصح العقد حتى يعود الولي فيقول: قد زوجتكها، لأن قوله في الابتداء زوجته بنتي ليس ببذل منه ولا إجابة. وإنما هو استخبار والنكاح لا ينعقد من جهة الولي إلا بالبذل إن كان مبتدئًا أو بالإيجاب إن كان مجيبًا وإذا كان كذلك صار ما ابتدأ به الولي من الاستخبار غير مؤثر في العقد. ويكون جواب الزوج طلبًا فلذلك ما افتقر إلى إيجاب الولي بأن يعود فيقول: قد زوجتك فيصير النكاح منعقد بالطلب والإيجاب وهكذا لو ابتدأ الزوج فقال للولي: زوجني بنتاك فقال: قد زوجتكها لم يصح العقد، لأن ما ابتدأ به الزوج استخبار، والعقد لا يتم من قبل الزوج إلا بالطلب إن كان مبتدئًا أو بالقبول إن كان مجيبًا وليس استخباره طلبًا ولا قبولًا فإن عاد عاد الزوج فقال: قد قبلت تزويجها صح العقد حينئذ بالبذل والقبول فهذا حكم العقد باللفظ الماضي في البذل والقبول وفي الطلب والإيجاب.
فرع:
وإما عقده باللفظ المستقبل فمثاله: أن بذل الولي أن يقول: أزوجك بنتي فيقول
стр. 4268
الزوج: أتزوجها فلا يصح العقد بقول الولي ولا بقول الزوج، لأن قول كل واحد منهما وعد بالعقد وليس بعقد ولو كان الزوج قال: قد تزوجتها صار قوله طلبًا وإن كان قول الولي وعدًا فإن عاد الولي فقال: قد زوجتكها صح العقد بالطلب والإيجاب. ولو بدأ الزوج فقال للولي: أتزوج بنتك فقال الولي: أزوجكها لم يصح العقد بقول واحد منهما، لأن قول كل واحد منهما وعد بالعقد وليس بعقد ولو كان الولي قال: قد زوجتكها صار قوله بذلًا فإن عاد الزوج. فقال: قد قبلت تزويجها صح العقد بالبذل والقبول. وهكذا إن دخل على اللفظ المستقبل حرف الاستفهام فقال الولي: أأزوجك بنتي؟ أو قال: أأتزوج بنتك؟ لم يصح العقد بواحد من اللفظين لأنه استفهام للوعد فكان أضعف من مجرد الوعد فإن تعقبه من أحدهما ما يكون بذلًا أو طلبًا روعي في مقابلة الطلب الإيجاب وفي مقابلة البذل القبول.
فرع:
وأما عقده بلفظ الأمر فمثاله: إن بدأ الولي أن يقول للزوج: تزوج بنتي فيقول الزوج: قد تزوجتها فلا يصح العقد حتى يعود الولي فيقول: قد زوجتكها ولو بدأ الزوج فقال للولي: زوجني بنتك فقال: قد زوجتكها صح العقد ولم يحتج الزوج أن يعيده فيه قولًا.
والفرق بين ما ابتدأ به الولي من لفظ الأمر أنه لا يصح به العقد، وبين ما ابتدأ به الزوج من لفظ الأمر أنه يصح به العقد أن المراعي من جهة الولي البذل أن ابتدأ والإيجاب إن أجاب وليس في أمره بذل ولا إيجاب فلم يصح به العقد. والمراعي من جهة الزوج والطلب إن ابتدأ والقبول إن أجاب. وأمره تضمن الطلب وإن لم يتضمن القبول فصح به العقد وتم بالطلب والإيجاب.
فصل:
فإذا صح ما ذكرنا من صفة العقد وكيفيته لتمامه وإبرامه شروط:
أحدهما: أن يكون قبول الزوج على الفور من بذل الولي فإن تراخي ما بينهما بسكوت وإن قيل لم يصح إلا أن يكون لبلع ريق أو انقطاع فيصبح العقد وإن تخللته هذه السكتة، لأنه لا يمكن الاحتراز منها.
والثاني: أن لا يكون بين الولي وقبول الزوج كلام ليس بذل ولا قبول، فإن تخلل بينهما كلام ليس منهما لم يصح العقد، لأن خروجهما إلى غيره من الكلام قطع لحكم ما تقدم. ولكن لو قال الولي: قد زوجتك بنتي فاقبل النكاح مني لم يكن هذا قطعًا لحكم بذله، لأنه حث منه على القبول. وهكذا لو قال: قد زوجتك بنتي فقل لي: قد قبلت نكاحها لم يكن قطعًا لحكم بذله، لأنه تفسير لقوله: "فاقبل النكاح مني" فأما إذا قال: قد زوجتك بنتي فأحسن إليها أو قال فاستوصى بها خيرًا كان هذا قطعًا لبذله، لأنها وصية لا
стр. 4269
تتعلق بالبذل ولا بالقبول ولكن لو قال: قد زوجتكها على أمر الله تعالى به من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان صح العقد ولم يكن ذلك قطعًا، لأنه وإن تضمن صفة الوصية فهو بيان لحكم البذل والقبول.
والثالث: أن يكون الولي عند قبول الزوج من أهل العقد، فإن قبل الزوج وقد مات الولي أو جن أو أغمي عليه لم يصح العقد لبطلان بذلك بخروجه من أهل العقد.
فإذا تكاملت شروط العقد على ما وصفنا فقد انعقد بإجزاء لا يثبت فيه لواحد من الزوجين خيار المجلس بالعقد ولا خيار الثلاث الشروط بخلاف البيع، لأن الخيار موضوع لاستدراك المعاينة في الأعواض وليس النكاح من عقود المعاوضات لجوازه مع الإخلال بذكر العوض من الصداق، فإن شرط فيه خيار الثلاث أبطله.
وقال أبو حنيفة: يبطل الخيار ولا يبطل النكاح. وهذا خطأ لأن الشروط المنافية للعقود تبطلها كالشروط في سائر العقود، والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي: "وأحب أن يقدم بين يدي خطبته وكل أمر طلبه سوى الخطبة حمد الله تعالى والثناء عليه والصلاة على رسوله ﵊ والوصية بتقوى الله ثم يخطب وأحب للولي أن يفعل مثل ذلك وأن يقول ما قال ابن عمر: أنكحتك على ما أمر الله به من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان".
قال في الحاوي: أعلم أن خطبة النكاح قيل الخطبة سنة مستحبة وليست بواجبة.
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام، وداود بن علي: خطبة النكاح واجبة استدلالًا برواية الأعرج عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه بحمد الله فهو أبتر". ولأن النبي ﷺ ما عقد لنفسه نكاحًا إلا بعد خطبة، فكان الخاطب في تزويجه خديجة عمة أبا طالب، وكان الخاطب بتزويجه بعائشة طلحة بن عبد الله، وزوج فاطمة بعلي فخطبا جميعًا. ولأنه عمل مقبول قد اتفق عليه أهل الأمصار في جميع الأمصار فكان إجماعًا لا يسوغ خلافًا، ولأن ما وقع به الفرق بين ما يستبشر به من الزنا ويعلن من النكاح كان واجبًا في النكاح كالولي والشهود.
والدليل على صحة ما ذهبنا إليه من استحبابها دون وجوبها هو قول جمهور الفقهاء قول الله تعالى: ﴿فَانكِحُوهُنَّ بِإذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ [النساء،٢٥]، فجعل الإذن شرطًا دون الخطبة، ولأن النبي ﷺ حين زوج الواهبة لنفسها من خاطبها قال: "قد زوجتكها بما معك من القرآن" فلم يخطب.
стр. 4270
(وروي) أن رجلًا من بني سليم خطب من رسول الله ﷺ أمامة بنت عبد المطلب فأنكحه ولم يخطب.
وروى أن الحسن بن علي رصي الله عنها زوج بعض بنات أخيه الحسن وهو يتعرق عظمًا أي لم يخطب تشاغلًا به.
وروى أن ابن عمر زوج بنته فما زاد على أن قال: قد زوجتكها على ما أمر الله تعالى به من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، ولأن الخطبة لو وجبت في النكاح لبطل بتركها. وفي إجماعهم على صحة النكاح تركها دليل على استحبابها دون وجوبها، ولأن النكاح عقد فلم تجب فيه الخطبة كسائر العقود. فأما الاستدلال بالخبر فلم يخرج مخرج الأمر فيلزم، وإنما أخبر أنه أبتر وليس في هذا القول دليل على الوجوب على أن للخبر سبب هو محمول عليه قد ذكرناه في أول الكتاب.
وأما استدلالهم بأن النبي ﷺ ما عقد نكاحًا إلا بعد خطبة فقد قيل: إنه نكح بعض نسائه بغير خطبة، وقد زوج الواهبة بغير خطبة، وليس ما استدلوا به من العمل المنقول إجماعًا لما روينا من خلافه، فلم يكن فيه دليل ولا في كونها فرقًا بين الزنا والنكاح دليل على وجوبها كالولائم.
فصل:
فإذا ثبت استحباب فهي مشتملة على أربعة فصول:
أحدها: حمد الله والثناء عليه.
والثاني: الصلاة على نبيه ﷺ .
والثالث: الوصية بتقوى الله وطاعته.
والرابع: قراءة آية، والأولى أن تكون مختصة بذكر النكاح كقوله تعالى: ﴿وأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنكُمْ﴾ [النور: ٣٢] وكقوله: ﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ المَاءِ بَشَرًا﴾ [الفرقان: ٥٤] الآية، فإن قرأ آية لا تتعلق بذكر النكاح جائز، لأن المقصود بها التبرك بكلام الله تعالى.
وقد رويت خطبة النبي ﷺ أنه كان يقول فيها: "الحمد لله نحمده ونستغفره ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، ومن يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله الله وأن محمدًا عبده ورسوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ ويَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١] الآية إلى آخرها.
وروى عن علي بن أبي طالب - رضوان الله تعالى عليه - أنه خطب فقال: المحمود
стр. 4271
لله (والمصطفى) رسول الله ﷺ . وخير ما افتتح به كتاب الله، قال الله تعالى: ﴿وأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنكُمْ﴾ الآية.
وروي من خطب بعض السلف الحمد لله شكرًا لأنعمه وأياديه، وأشهد أن لا إله إلا الله شهادة تبلغه وترضيه، وصلى الله على محمد صلاة تزلفه وتحظيه، واجتماعنا هذا مما قضاه الله وأذن فيه، والنكاح مما أمر الله به ورضيه، قال تعالى: ﴿وأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنكُمْ﴾ [النور: ٣٢]، فتكون الخطبة على ما وصفنا.
قال الشافعي: "وأحب أن يقول الولي مثل ما قال ابن عمر: قد أنكحتها على ما أمر الله تعالى به من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان".
فصل:
فإذا تقرر ما وصفنا من حال الخطبة نظر في الخاطب، فإن كان غير المتعاقدين وهو ما عليه الناس في زماننا كانت خطبته نيابة عنهما، وإن خطب أحد المتعاقدين فيختار أن يخطبا معًا، لأن كل واحد منهما مندوب إلى مثل ما ندب إليه الآخر، ولأن النبي ﷺ لما زوج عليًا خطبا جميعًا.
والأولى أن يبدأ الزوج بالخطبة ثم يعقبه الولي بخطبته ليكون الزوج طالباً ويكون الولي محبباً، فإن بدأ الولي بالخطبة ثم خطب الزوج بعده جاز فإن تقدمت خطبتهما قبل البذل والقبول أو قبل الطلب والإيجاب ثم عقده النكاح بعد الخطبتين بالبذل أو بالقبول أو بالطلب والإيجاب.
فقد قال أبو حامد الإسفراييني: إن العقد صحيح، لأن ما تخللهما من الخطبة الثانية مندوب إليه في العقد فلم يفسد به العقد وهذا خطأ والصحيح وهو الظاهر من قول أصحابنا كلهم أن العقد باطل لأمرين:
أحدهما: تطاول ما بين البذل والقبول.
والثاني: أن أذكار الخطبة ليست من البذل ولا من القبول وما قاله من أن الخطبة الثانية مندوب إليها في العقد فلم يفسد بها العقد فصحيح إذا كانت في محلها قبل العقد فأما في خلال العقد فلم يندب إليها فجاز أن يفسد بها العقد، والله أعلم.
باب ما يحل من الحرائر ويحرم ولا يتسرى العبد وغير ذلك
قال الشافعي: "انتهى الله تعالى بالحرائر إلى أربع تحريماً لئلا يجمع أحد غير النبي ﷺ بين أكثر من أربع".
قال في الحاوي: وهذا كما قال.
أكثر ما يحل للحر نكاح أربع لا يجوز له الزيادة عليهن وهو قول سائر الفقهاء
стр. 4272
وحكي عن القاسم بن إبراهيم ومن نسب إلى مقالته من القاسمية وطائفة من الزائدية أنه يحل له نكاح تسع استدلالاً بقوله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وثُلاثَ ورُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] بواب الجمع. والمثنى مبذل من اثنين والثلاثة مبدل ثلاث والرابع مبدل من أربع فصار مجموع الاثنين والثلاث والأربع تسعاً، لما روي أن النبي ﷺ مات عن تسع والله تعالى يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، ولأنه لما ساوى رسول الله ﷺ سائر أمته فيما تستبيحه من الإماء وجب أن يساويهم في حرائر النساء.
ودليلنا قوله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وثُلاثَ ورُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] وفيه دليلان:
أحدهما: أنه ما خرج هذا المخرج من الأعداد كان المراد بها أفرادها دون مجموعها لأمرين:
أحدهما: أنه لما كان المراد بقوله في صفة الملائمة: ﴿أُوْلِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وثُلاثَ ورُبَاعَ﴾ [فاطر: ١] أفراد هذه الأعداد وإن منهم من له جناح، وإن منهم من له جناحان ومنهم من له ثلاثة ومنهم من له أربعة وجب أن يكون في عدد النكاح كذلك.
والثاني: أن أهل اللغة أجمعوا فيمن قال: قد جاءني الناس مثنى وثلاث ورباح أن مفهوم كلامه أنهم جاؤوا على أفراد هذه الأعداد اثنين اثنين وثلاثة ثلاثة وأربعة ولم يرد بمجموعها تسعة فكذلك مفهوم الآية.
والدليل الثاني: من الآية أن "الواو" التي فيها ليست واو جمع وإنما هي واو تخيير بمعنى أو تقدير الكلام مثنى وثلاث أو رباع وإنما كان كذلك لأمرين:
أحدهما: أن ذكر التسعة بلفظهما أبلغ في الاختصار واقرب إلى الأفهام من ذكرها بهذا العدد المشكل الذي لا يفيد تفريقه.
والثاني: قوله بعد ذلك: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] ولو كان المراد تسعاً ولم يرد اثنين على الانفراد لقال: فإن خفتم ألا تعدلوا فثمان ليعدل على التسع إلى أقرب الأعداد إليهما لا لبعده منهما، لأنه قد لا يقدر على العدل في تسع ويقدر على العدل في ثمان. ولو كان على ما قالوه لكان من عجز عن العدل في تسع حرام عليه أن ينكح إلا واحدة ولما جاز له اثنتان ولا ثلاث ولا أربع، وهذا مدفوع بالإجماع ثم الدليل مع نص السنة أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم ومعه عشر نسوة فقال له النبي ﷺ : "أمسك أربعاً وفارق سائرهن" وأسلم نوفل بن معاوية وأسلم معه خمسة فقال له النبي ﷺ : "أمسك أربعاً وفارق واحدة". ولأنه ما جمع في الإسلام بعد رسول الله ﷺ أحد تقييداً بفعله بين أكثر من أربع من رغبتهم في الاستكثار وحرصهم على طلب
стр. 4273
الأولاد، وأنهم قد استكثرا من الإماء واقتصروا على أربع من النساء، فدل ذلك من إجماعهم على حظر ما عداه، فأما رسول الله ﷺ فقد خص في النكاح بما حرم على سائر أمته، لأنه قد أبيح له النساء من غير عدد محصور، وما أبيح للأمة إلا عدد محصور، وليس وإن مات عن تسع يجب أن يكون هي العدد المحصور، فقد جمع رسول الله ﷺ بين إحدى عشر، ومات من تسع وكان يقسم لثمان. وأما الإماء فلم يحضرنه بعدد ممكن على الإطلاق.
فصل:
فإذا ثبت أنه لا يحل للحر نكاح أكثر من أربع فنكح خمساً نظر عقد عليهن في عقد واحد بطل نكاح جميعهن، لأن المحرمة من الخمس غير متعينة فبطل نكاح الجميع وإن عقد عليهن متفردات بطل نكاح الخامسة الأخيرة، وصح نكاح من تقدمها فلو تزوج ثلاثاً في عقد واثنين في عقد صح نكاح الثلاث لتقدمهن. وبطل نكاح الاثنين لتأخرهما. فلو أشكل المتقدم من العقد بطل الخمس كلهن فلو نكح ثلاثاً في عقد اثنين في عقد وواحدة في عقد وأشكل المتقدمات منهن صح نكاح الواحدة لأنها تتنزل في أحوالها كلها على الصحة وبطل نكاح الثلاث والاثنين لتزولهن بين حالتي صحة وفساد وبيان تنزيلهم في الأحوال إنه إن كان قد تقدم نكاح الثلاث ثم الاثنين ثم الواحدة صح نكاح الثلاث والواحدة بطل نكاح الاثنين وإن قد تقدم نكاح الاثنين ثم الثلاث ثم الواحد صح نكاح الاثنين والواحدة وبطل نكاح الثلاث، وأن تقدم نكاح الواحدة ثم الثلاث ثم الاثنين صح نكاح الواحدة والثلاث وبطل نكاح الاثنين وصارت الواحدة ثانية في الأحوال كلها فصح نكاحها ولما ردد نكاح الثلاث والاثنين بين حالتي صحة وفساد بطل نكاحهن.
مسألة:
قال الشافعي: "والآية تدل على أنها على الأحرار بقوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] وملك اليمين لا يكون إلا للأحرار الذين يملكون المال والعبد لا يملك المال".
قال في الحاوي: وهذا صحيح لا يحل للعبد أن ينكح أكثر من اثنين على الشطر من استباحة الحر وبه قال من الصحابة: عمر، وعثمان، وعلي، وعبد الرحمن بن عوف، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر. ومن التابعين: الحسن البصري، وعطاء.
ومن الفقهاء: أبو حنيفة وأهل العراق وأحمد وإسحاق. وقال مالك: العبد كالحر في الجمع بين أربع.
وبه قال الزهري، وربيعة، والأوزاعي وأبو ثور وداود استدلالاً بعموم قوله تعالى:
стр. 4274
﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وثُلاثَ ورُبَاعَ﴾ [النساء: ٣]، ولأنه لما كان لعان الحرائر أربعاً مساواة بعدد من أبيح له من النساء، ثم كان لعان العبد أربعاً كالحر، وجب أن يستبيح أربعاً كالحر، ولأن نكاح العبد أوسع من نكاح الحر، لأنه قد ينكح الأمة على الحرة ويجمع بين أمتين بخلاف الحر فلم يجز وهو أوسع حكماً أن يضيق في العدد من حكم الحر ولأنه لما كان العبد مساوياً للحر في أعيان المحرمات وجب أن يساويه في أعداد المنكوحات.
ودليلنا قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُم مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ﴾ [الروم: ٢٨] فدل على أن العبد غير مساو للحر، ولأنه إجماع الصحابة من وجهين:
أحدهما: أن عمر قال: يطلق العبد تطليقتين وينكح اثنتين وتعتد الأمة حيضتين وصرح بمثله من الصحابة من ذكرنا. وليس فيهم مخالف.
والثاني: ما رواه الليث بن أبي سليم عن الحكم بن عيينة قال: أجمع أصحاب رسول الله ﷺ أن لا ينكح العبد أكثر من اثنتين. فثبت بهذين إجماع الصحابة على ما ذكرنا، ولأن ما نقص في عدله ومعناه شاطر العبد فيه الحر كالحدود، ولأنه لما نقص الأحرار فيما استباحوه من العدد عن رسول الله ﷺ لبعضهم عنه وجب أن ينقص العبد فيه عن الحر لنقصه عنه.
فأما استدلالهم بالآية فسياق الكلام من أوله إلى آخره متوجه إلى الأحرار دون العبيد، لأن قوله أوله: ﴿وإنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي اليَتَامَى﴾ [النساء: ٣] متوجه إلى الأحرار لأنهم يكونون على الأيتام وقوله: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] متوجه إلى الأحرار، لأن العبد لا يملك أن ينكح ما طاب لنفسه وقوله: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] متوجه إلى الأحرار، لأن العبد لا يملك.
وأما استدلالهم باللعان فهو غير موضوع على التفاضل ولا هو العلة في عدد المنكوحات وإن اتفقا، وإنما يجري مجرى اليمين عندنا والبينة عند غيرنا.
وأما استدلالهم بأن حكم العبد في النكاح أوسع فالجواب عنه: أنه أوسع حكماً فيما طريقه النقص وأضيق حكماً فيما طريقه الكمال، واستباحته للأمة نقص فاتسع حكمه فيه والعدد كمال فضامن حكمه فيه.
وأما استدلالهم بأنه لما ساواه في أعيان المحرمات مساواة في عدد المنكوحات فباطل بأن النبي ﷺ يساوى الأمة في أعيان المحرمات ولا يساويه في عدد المنكوحات فدل على أن التحريم متساوي العدد متفاضل. فإذا ثبت أن العبد لا ينكح أكثر من اثنين فحكمه إن أنكح ثلاثاً كحكم الحر إذا نكح خمساً على ما بيناه وكذلك المدبر والمكاتب ومن رق بعضه، والله أعلم.
стр. 4275
مسألة:
قال الشافعي: "فإذا فارق الأربع ثلاثاً تزوج مكانهن في عدتهن لأن الله تعالى أحل لمن لا امرأة له أربعاً وقال بعض الناس لا ينكح أربعاً حتى تنقضي عدة الأربع لأني لا أجيز أن يجتمع ماؤه في خمس أو في أختين. قلت: فأنت تزعم لو خلا بهن ولم يصبهن أن عليهن العدة فلم يجتمع فيهن ماؤه فأبيح له النكاح وقد فرق الله تعالى بين حكم الرجل والمرأة فجعل إليه الطلاق وعليها العدة فجعلته يعتد معها ثم ناقضت في العدة. قال: وأين؟ قلت: إذ جعلت عليه العدة كما جعلتها عليها أفيجتنب ما تجتنب المعتدة من الطيب والخروج من المنزل؟ قال: لا. قلت: فلا جعلته في العدة بمعناها ولا فرقت بما فرق الله تعالى به بينه وبينها وقد جعلهن الله منه أبعد من الأجنبيات لأنهن لا يحللن له إلا بعد نكاح زوج وطلاقه أو مؤته وعدة تكون بعده والأجنبيات يحللن من ساعته".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا كان له أربع زوجات فطلقهن وأراد أن يعقد على أربع سواهن أو على أخت واحدة منهن لم يخل طلاقه من أن يكون قبل الدخول أو بعده فإن كان قبل الدخول جاز له عقيب طلاقهن سواء كان طلاقه ثلاثاً أو دونها وإن كان قد دخل بهن لم يخل طلاقه من أن يكون بائناً أو رجعياً، فإن كان رجعياً واحداً أو اثنين بغير عوض لمن يكن له العقد على أحد حتى ينقص عددهن، لأنهن من الزوجات ما كن في عددهن لوقوع طلاقه وظهاره عليهن. وحصول التوارث بينه وبينهن فلو انقضت عدة واحدة منهن جاز العقد على أختها أو على خامسة غيرها ولو انقضت عدة اثنتين جاز له العقد على اثنتين ولو انقضت عدة ثلاث جاز له العقد على ثلاث ولو انقضت عدة الأربع جاز له العقد على الأربع وإن كان الطلاق بائناً أما أن يكون ثلاثاً أو دونهما بعوض فقد اختلف الفقهاء هل أن يتزوج في عددهن بأربع سواهن أو بأخت كل واحدة منهن فذهب الشافعي إلى جوازه.
وبه قال من الصحابة: زيد بن ثابت.
ومن التابعين: سعيد بن المسيب والزهري.
ومن الفقهاء: مالك.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز إلا بعد انقضاء عدتهن.
وبه قال من الصحابة علي وابن عباس.
ومن التابعين: سفيان الثوري استدلالاً بعموم قوله تعالى: ﴿وأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣] وهذا نص لما به يعقد في أختين، ولأنها معتدة في حقه في من طلاقه فلم يحل له العقد على أختها كالرجعية، واحترز بقوله: "من حقه"
следующие страницы →