Полный текст (7 151 стр.). Показаны 4201–4240 · переход к 4206.
стр. 4201
ولأن (ولي) الأختين المتناسبتين واحد وولاية الأخوين المتناسبتين واحد، فلما لم يملك الابن تزويج خالته لم يملك تزويج أمة ولما لم يملك أخوة لأبية تزويج أمة لم يملك هو تزويج أمة. ويتحرر من الاعتلال: قياسان:
أحدهما: أن من لم يملك تزويج امرأة لم يملك تزويج أختها المناسبة لها قياسا على ابن البنت طردا، وعلى ابن العم عكسًا.
والثاني: أنها امرأة لا تملك أخوة المناسب له تزويجها فلم يملك هو تزويجها كالخالة طردا وكالعمة عكسا، ولأن كل موضع الولاية بالنسب أن يكون على الولد فلم يجز أن يصير للولد قياسا على ولاية المال، ولأن ولايته على نكاحها لا يخلو أن يكون لإدلائه بها أو بأبية، فلم يجز أن يكون لإدلائه بأبية؛ لأن أباة أجنبي منها، ولم يجز أن تكون لإدلائه بها؛ لأنة لا ولاية لها على نفسها، فأولى أن يكون لها ولاية لمن أدلى بها. وإذا بطل الإدلاء بالسببين بطلت الولاية. فإن قيل: فغير منكر أن يكون لمن أدلى بها من ولاية النكاح ما ليس لها كالأب يزوج أمة بنته إدلاء بها وليس للبنت تزويجها. قيل: لم يزوجها الأب أداء بالبنت؛ لأن الإدلاء إنما يكون من الأسفل إلى الأعلى، ولا يكون من الأعلى بالأسفل، وإنما زوجها لأنة لما كان وليا على بنته، فأولى أن يكون وليا على بنته؛ لأن الولاية إذا أثبتت على الأقوى فأولى أن تثبت على الأضعف. فأما الجواب عن تزويج أم سلمه فمن ثلاثة أوجه:
أحدها: أب ابنها زوجها. لأنه كان مع النبوة مناسبًا لها، لأن عمر بن أبى سلمه بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم فكان من بني عمها يجتمعان في عبد الله بن عمر بن مخزوم.
قال أحمد بن حنبل: فكان أقرب عصباتها الحاضرين فزوجها بتعصيب النسب لا بالنبوة.
والجواب الثاني: أن قوله ﷺ "قم فزوج أمك" أي فجئني بمن يزوج أمك أمرين:
أحدهما: أن أم سلمه قالت: يا رسول الله مالي ولى حاضر، فأقرها على هذا القول، فدل على أنه لم يكن وليًا.
والثاني: أن كان غير بالغ، قيل: إن كان ابن ست سنين، وقيل: ابن سبع سنين، فدل بهذين الأمرين على أن أمرة بالتزويج إنما كان أمرا بإحضار من يتولى التزويج.
والجواب الثالث: أن النبي ﷺ مخصوص في مناكحة بأن يتزوج بغير ولي، فأمر ابنها بذلك استطابه لنفسه لا تصحيحا للعقد، على أن راوي هذا اللفظ إنما هو ثابت عن عمر بن أبى وثابت لم يلق عمر فكان منقطعًا. وأما أنس بن مالك فكان من عصبات أمة فزوجها بتعصيب النسب لا بالبنوة.
وأما الجواب عن قياسه بأن عصبة كالأب فهو أن الابن عصبة في الميراث ليس
стр. 4202
بعصبة في ولاية النكاح؛ لأن ولاية النكاح يستحقها من علا من العصبات، والميراث يستحقه من وسفل من العصبات، ثم المعنى في الأب لما كان أبوة وهو الجد وليا لها كان الأب وليا، ولما كان أبو الابن وهو الزوج غير ولى لها لم يكن الابن وليا.
وأما الجواب عن استدلالهم بأن تعصيب الابن أقوى من تعصب الأب، فهو أنه أقوى منه الميراث باستحقاق الولاية في النكاح لا في ولاية النكاح، ولا يجوز أن يعتبره قوة التعصب في الميراث؛ لأن الصغير والمجنون من الأنباء يسقط في الميراث تعصيب الآباء وإن خرج من ولاية النكاح عن حكم الأب. وأما الجواب عن استدلالهم بأنة أعظم حمية وأكثر أنفة في منعها من غير حمية وأكثر أنفة في منعها من غير الأكفاء، فهذا المعنى هو الذي أبطل ولايته به، وبه استدل الشافعي فقال: "لأنه يرى نكاحها عار" يعنى أنه يدفع عن تزويجها ويراه عارا فهو لا يطلب الحظ لها في نكاح كفئها، والولي مندوب لطلب الحظ فلذلك خرج الابن عن معنى الأولياء.
فصل
فإذا تقرر أن ليس للابن تزويج أمة بالبنوة فله تزويجها بأحد أربعة أسباب:
أحدها: أن يكون عصبة لها من النسب، بأن يكون ابن ابن عمها وليس لها من هو أقرب منه فيزوجها؛ لأن بنوته إن لم تزده ضعفًا، فعلى هذا لو كان لها ابنا ابن عم أحدهما ابنها، فعلى قياس قوله في القديم هما سواء كالأخ للأب والأم مع الأخ للأب، وعلى قياس قوله في الجديد ابنها أولى لفضل إدلائه بها.
والسبب الثاني: أن يكون موالٍ لها يزوجها بولاية الولاء، فلو كان لها ابنا مولى أحدهما ابنها فعلى قولين، كالأخوين أحدهما لأب وأم والآخر لأب:
أحدهما: وهو القديم أنهما سواء.
والثاني: وهو الجديد أن ابنها يفضل ادلائه بها أولى.
والثالث: أن يكون ابنها قاضيا وليس لها عصبة مناسب فيجوز لابنة أن يزوجها بولاية الحكم.
والرابع: أن يكون وكيلًا لوليها المناسب فيجوز له أن يزوجها نيابة عنه يزوجها المستناب من الأجانب.
فصل
فإذا أعتقت المرأة أمة لها وأرادت تزويجها وكان لها أب وابن فأبوها أولى بتزويج المعتق من ابنها فلو ماتت السيدة المعتقة وخلفت أباها وابنها فولاء أمتها التي أعتقها للابن دون الأب وفي أحقهما بنكاحها وجهان:
أحدهما: أن الأب أولى بولاية نكاحها من الابن كما كان أولى بذلك في حياة سيدها.
стр. 4203
والثاني: أن الابن بعد موت السيد أولى بنكاح المعتقة من الأب لأنة قد صار بعد الموت أملك بالولاء من الأب فصار أملك بولاية النكاح من الأب، والله أعلم.
مسالة:
قال الشافعي: "وَلَا وِلَايةَ بَعْدَ النَّسبِ إِلا لِلمُعتِقِ ثٌمَّ أَقْرَبِ النَّاسِ بِعَصَبةِ مُعتِقَها".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، قد ذكرنا أن أحق الناس بنكاح المرأة الحرة المناسبون لها من العصبات يترتبون بالقرب إليها على ما ذكرنا، فمتى وجد واحد منهم وإن بعد فهو أحق الناس بنكاحها، وإن عدموا جميعًا قام المولى المعتق في نكاحها مقام الأولياء المناسبين من عصبتها، لقول النبي ﷺ : "الولاء لحمة كلحمة النسب" ولقوله ﷺ : "أيما امرأة نكحت بغير إذن مواليها فنكاحها باطل"، ولأن المولى المعتق قد أفادها بالعتق ما أفادها الأب الحر من زوال الرق حتى صارت مالكة ووارثة وموروثة ومعقولًا عنها، فاقتضى أن تحل محل الأب والعصبات في ولاية نكاحها. فمتى وجد المولى المعتق بعد فقد العصبات كان أحق الناس بنكاحها، فإن عدم فعصبة المولى يترتبون في ولاية نكاحها على مثل ما يترتبون عليه في استحقاق ولائها وميراثها، فيكون ابن المولى ثم بنوه أحق بولائها وولاية نكاحها من الأب، ثم الأب بعد البنين وبنيهم ثم فيمن يستحق بعد الأب من أهل الدرجة الثانية ثلاث أقاويل:
أحدها: الأخوة ثم بنوهم وإن سفلوا، ثم الجلد.
والثاني: الجد ثم الأخوة ثم بنوهم وإن سفلوا.
والثالث: الأخوة ثم الجد ثم بنو الإخوة ثم فيمن يستحقها من الدرجة الثالثة ثلاثة أقاويل:
أحدها: الأعمام ثم بنوهم وإن سفلوا ثم أبو جد.
والثاني: أبو الجد ثم الأعمام ثم بنوهم وإن سفلوا.
والثالث: الأعمام ثم أبو الجد، ثم بنو الأعمام وإن سفلوا ثم يترتبون في الدرجة الرابعة وما بعدها على ما ذكرنا حتى جميع عصبات المولى، فإن عدموا فمولى المولى ثم عصبته على ما ذكرنا، فإن لم يبق من الموالى المعتقين وعصباتهم أحد وكانت المرأة العادمة للعصبات حرة لا ولاء عليها فالسلطان ولى من لا ولى له وهو الناظر في الأحكام فتكون له الولاية على الأرامل والأيتام.
стр. 4204
فرع
وإذا كان للمعتق ابنًا مولى استويا في ولاية نكاحها فأيهما زوجها جاز، ولو كان لها موليان معتقان ولم يجز أن ينفرد أحدهما بنكاحها حتى يجتمعا عليه، أو يأذن أحدهما بنكاحها من غير إذن الأخر كان النكاح باطلا.
وقال أبو حنيفة: أيهما انفرد بنكاحها من غير إذن صح، وأجراهما مجرى أخوي الحرة وابني مولى المعتقة، وهذا الجمع خطأ لظهور الفرق بينهما، وهو أن كلا من الأخوين وابني المولى ممن يستحق كل الولاية والولاء لانتقال الميت وابني المولى ممن يستحق كل الولاية والولاء لانتقال الميت منهما إلى الباقي ولى كل واحد من المعتقين ممن يستحق كل الولاية، والولاء؛ لأن من مات منهما انتقل حقه إلى الباقي فمنع هذا الفرق من صحة الجميع. فلو مات أحد المعتقين وترك اثنين فزوجها المعتق الباقي بأحد ابني المعتق الميت جاز ولو زوجها ابنا الميت دون المعتق الباقي لم يجز لما بينا من التعليل ولو أعتق رجلان عبدا أو أعتق العبد أمة ومات العبد لم يكن لأحد معتقيه تزويج الأمة حتى يجتمعا على نكاحها، لأن الذي يملكه كل واحد منهما نصف الولاء فإن تفرد أحدهما بنكاحها بطل وإن عضل أحد المعتقين الآمة أو غاب أو مات ولم يترك عصبة زوجها، الحاكم والمعتق الباقي لينوب الحاكم عمن مات أو عضل فإن تفرد الحاكم بتزويجها دون المعتق أو تفرد به المعتق دون الحاكم كان باطلًا؛ لأنه ليس لأحدهما إلا نصف الولاية.
مسألة:
قال الشافعي: "فإن استوت الولاة فزوجها بإذنها دون أسنهم وأفضلهم كفؤا جاز".
قال في الحاوي: إذا كان للمرأة جماعة أولياء يساوى الأخوال في التعيب والقرب، كالأخوة وبينهم، والأعمام وبينهم فإنهم في الولاية سواء؛ لأن كل واحد منهم لو انفرد بها لاستحقها، فإذا شارك غيرة لم يخرج منها، وقد قال النبي ﷺ : "فإن اشتجروا فالسلطان ولى من لا ولى له" فجعلهم عند الاشتجار سواء ولم يعدم منهم من التكافئ أحدا، وإذا كان كذلك لم يخل حالهم من أن يتشاجروا أو لا يتشاجروا، فإن لم يتشاجروا: فالأولى أن يتولى العقد منهم أفضلهم مشيا ودينا وعلما، أما المشي فلأنة أخبر بالأمور لكثرة تحربته، وأما الدين فإنه يسارع إلى ما ندب إليه من طلب الخط لوليته، وأما العلم فلأنه يعرف شروط العقد في صحته وفساده، فإذا تولاه من تولاه من تكاملت فيه هذه الأصاف كان أولى وأفضل وإن تولاه منهم خالفهم فكان أصغرهم سنا وأقلهم علما أو دينا لكن بالغا عدلا بالنكاح جاز لأنه لم يكن سواه لصح عقدة ولم يكن لما أخل
стр. 4205
به من زيادة الفضل تأثير فكذلك إذا كان مع غيره.
فرع:
فإن تشاجروا أو طلب كل واحد منهم أن يكون هو المتولي للعقد أن يتراجع منهم عند التشاجر بالسن والعلم أحد، وكانوا مع اختلافهم في ذلك سواء؛ لأن كل صفة لم تكن شرطا في الولاية مع الانفراد لم يترجح بها أحدهم عند الاجتماع، كالمخالطة والجوار طردا وكالعدالة عكسا. وإن كان كذلك وجب الأقرع بينهم ليتميز بالقرعة أحدهم؛ لأن ما اشتركت الجماعة في موجبه ولم يكن اشتراكهم في حكمة تميزا فيه بالقرعة، كما يقرع بين أولياء القصاص فيمن يتولاه منهم وبين أولياء الطفل فيمن يكلفه من بينهم فإذا قرع بينهم كان قرع منهم أولاهم بالعقد أو يتولاه أو أن يأذن لغيرة فيه. وهل يصير أولى به استحقاقا أو اختيارا؟ على وجهين:
أحدهما: أنه يصبر أولى به من طريق الاستحقاق لترجحة بالقرعة على من سواه. فعلى هذا إن أذن لغيرة فيه كان نائبا عنه، وإن تولاه غيرة من الجماعة بغير إذنه كان النكاح باطلا.
والثاني: أنه أولى به من طريق الاختيار ليكافئ الجماعة في الاستحقاق فعلى هذا إن أذن لغيره فيه كان تاركا لحقه والمتولي له قائم فيه بحق نفسه، وإن تولاه غيره من الجماعة بغير إذنه كالنكاح كان جائزا.
مسألة:
قال الشافعي: "وإن كان غير كفء لم يثبت إلا باجتماعهم قبل إنكاحه فيكون حقا لهم تركوه".
قال في الحاوي: وإذا رضيت المرأة لنفسها رجلًا ودعت أوليائها إلى تزويجها به لم يخل حال الرجل من أن يكون كفؤًا لها أو غير كفء فإن كان كف لزمهم تزويجها به فإن قالوا: نريد من هو أكفأ منه لم يكن لهم ذاك لأن طلب الزيادة على الكفاءة خروج عن الشرط المعتبر إلى ما لا يتناهى فسقط وكانوا على هذا القول عضلة يزوجها الحاكم دونها -وإن كان غير كفء كان لهم أن يمتنعوا من تزويجها لئلا يدخل عليهم عار فقمن فلو رحبوا به إلا واحد كان للواحد منعها منه لما يلحقه من عار. وجرى ذلك مجرى أولياء الميت المقذوف إذا أعفوا من القاذف إلا واحد كان الواحد أن يجده لما يلحق من معرة القذف فلو بادر أحد أوليائها بغير علم الباقين ورضاهم فزوجها بهذا الذي ليس كفء لها فظاهر ما قاله الشافعي ها هنا وفي كتاب "الأم" أن النكاح باطل لأنة قال: "لم يثبت إلا باجتماعهم قبل إنكاحه فيكون حقا لهم" وقال في كتاب "الإملاء": فإن زوجها من غير
стр. 4206
كفء كان لهم الرد" فظاهر هذا جواز النكاح، وللأولياء خيار الفسخ فاختلف أصحابنا في ذلك على مذهبين:
أحدهما: أن اختلاف الجواب في الموضعين على اختلاف قولين:
أحدهما: وهو ظاهر نص في الإملاء أن النكاح جائز وللأولياء خيار الفسخ، لأن عدم الكفاءة نقص يجرى مجرى العيوب في النكاح والبيع توجب خيار الفسخ من صحة العقد.
والقول الثاني: وهو ظاهر ما نص عليه في هذا الموضع. وكتاب "الأم" أن النكاح باطل؛ لأن عقد النكاح لا يقع موقوفًا على الإجازة فإن لم ينعقد لأن ما كان باطلًا ولأنه غير الكفؤ غير مأذون فيه في حق من له الإذن فكان العقد فيه باطلًا كم عقد على غيره بيعًا أو نكاحًا بغير فهذا أحد مذهبي أصحابنا. وهو قول أبى إسحاق المروزى وطائفة.
والثاني: أن اختلاف الجوابين على اختلاف حالين وليس على اختلاف قولين والذي يقتضيه نصفه في هذا الموضع من إطلاق النكاح هو إذا كان الولي العاق عالما بأن الزوج غير كفء قبل العقد، والذي يقتضيه نص في "الإملاء" من جواز النكاح وثبوت خيار الفسخ فيه لباقي الأولياء هو إذا لم يعلم الولي ذلك إلا بعد العقد. وهذا أصح المذهبين وأولى الطرفين لأن مع العلم مخالف ومع التدليس مغرور فجرى مجرى الوكيل وإذا اشترى لموكلة ما يعلم بعيبه لم يصح عقده. ولو اشترى ما لا يعلم بعيب صح عقده وثبت فيه الخيار.
فرع
وإذا كان الأقرب من أوليائها واحد فرضي ورضيت بغير كفاء فزوجها به وأنكره باقي الأولياء فلا اعتراض لهم والنكاح ماض؛ لأن الأقرب قد حجب الأباعد عن الولاية فلم يكن لهم اعتراض كما لم يكن لهم ولاية ولو كان الأقرب هو الممتع والأباعد الراضون فمنع الأقرب أولى من رضا الأباعد وإن كثروا؛ لأن حجبهم عن الولاية لا يعتبر فيهم منع ولا رضي.
قال الشافعي رحمة الله: "وليس نكاح غير الكفوء بمحرم فأرده بكل حال إنما هو تقصير عن المزوجة والولاة".
قال في الحاوي: وأما الكفاءة في النكاح فمعتبرة بين الزوجين في لحوق الزوجة والأولياء، لرواية عطاء عن عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تنكحوا النساء إلا الأكفاء ولا تزوجهن إلا الأولياء". وروى هشام بن عروة عن أبيه
стр. 4207
من عائشة أن النبي ﷺ قال: "تخيروا لنطفكم وانكحوا الكفاء وانكحوا إليهم". روى محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب عن أبيه عن جده، وأن النبي ﷺ قال: "ثلاثة لا تؤخرهم؛ الصلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدت كفؤًا"، ولأن في نكاح غير الكفء عار يدخل على الزوجة والأولياء، وعضاضة تدخل على الأولاد يتعدى إليهم نقصًا فكان لها وللأولياء دفعة عنهم وعنها.
فصل
فإذا ثبت اعتبار الكفاءة فهي المساواة مأخوذة من كفتى الميزان لتكافئهما وهى معتبرة بشرائط نذكرها.
أصلها ما رواه سعيد بن أبى شعبة بن أبى شعبة عن أبيه عن أبى هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "تنكح المرأة لأربع: لمالها وحسبها ودينها وجمالها، فاظفر بذات الدين تربت يداك".
يقال: ترب الرجل إذا افتقر وأترب إذا استغنى. وفي هذا القول من رسول الله ﷺ له ثلاثة تأويلات:
أحدها: أن تربت هاهنا بمعنى استغنت وإن كان في اللغة بمعنى افتقرت فتصير من أسماء الأضداد؛ لأن رسول الله ﷺ لا يجوز أن يدعو على من لم يخالف له أمرًا مع أن دعاءه مقرون بالإجابة.
والثاني: أن معناه تربت يداك إن لم تظفر بذات الدين؛ لأن من لم يظفر بذات الدين سلبت البركة فافتقرت يداه.
والثالث: أنها كلمة تخف على ألسنة العرب في خواتيم الكلام، ولا يريدون بها دعاء ولا دمًا، كقولهم: ما أشعره قاتله الله، وما أرماه شلت يداه. فإذا ثبت هذا فالشروط التي تعتبر بها الكفاءة سبعة وهى: الدين، والنسب، والحرية، والمكسب، والمال، والبشر، والسلامة من العيوب. وقال مالك: الكفاءة معتبرة بالدين وحدة. وقال ابن أبى ليلى: معتبرة بشرطين: الدين والنسب. وقال الثوري: هي معتبرة بثلاث شرائط ك الدين، والنسب، والمال، وهى إحدى الروايتين عن أبى حنيفة. وقال أبو يوسف: هي معتبرة بأربع شرائط: الدين، والنسب، والمال، والمكسب.
الراوية الثانية: عن أبى حنيفة ونحن ندل على كل شرط منها ونبين حكمه.
أما الشرط الأول: وهو الدين، فإن اختلافهما في الإسلام والكفر كان شرطاً معتبرًا
стр. 4208
بالإجماع لقولة تعالى:﴾ لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ ﴿[الحشر: ٢٠]، ولقولة ﷺ : "أنا بريء من كل مسلم مشرك". وإن كان اختلافهما في الصفات والفجور مع اتفاقهما في الإسلام فعند محمد بن الحسن أنة ليس بشرط معتبر وعند الجماعة: أنه شرط معتبر لقولة تعالى:﴾ الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ ﴿[النور: ٣] وقال تعالى:﴾ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ ﴿[السجدة] ١٨:.
وروى عن النبي ﷺ انه قال "لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كرة منها خلقا رضي منها خلق" فأما المسلمان إذا كان أبوا أحدهما مسلمين وأبوا الأخير كافرين فإنهما يكونا كفئين.
وقال أبو حنيفة: لا تكافؤ بينهما؛ لأنة لما لم يتكافيء الأنباء لم يتكافيء الأنباء وهذا خطأ؛ لأن فضل النسب يتعدى وفضل الدين لا يتعدى لأن النسب لا يحصل للأبناء إلا من الآباء فتعدى فضلة إلى الأبناء، والدين قد يحصل للأبناء بأنفسهم من غير الآباء فلم يتعد فضلة إلى الأبناء.
فصل
فأما الشرط الثاني: وهو "النسب" فمعتبر بقولة ﷺ : "تنكح المرأة لأربع: لمالها وحسبها" يعنى بالحسب والنسب.
وروى عنه ﷺ أنه قال: "وإياكم وخضراء الدمن". قيل: وما خضراء الدمن؟ قال: ذلك مثل المرأة الحسناء من أصل خبيث" وإذا كان كذلك فالناس يترتبون في أصل الأنساب ثلاث مراتب:
قريش ثم سائر العرب ثم العجم. فأما قريش فهي أشرف الأمم لما خصهم الله تعالى به من رسالة وفضلهم به من نبوته ولقولة ﷺ : "قدموا قريشا ولا تقدموها وتعلموا من قريش ولا تعلموها" فلا يكافئ قريشيًا أحد من الغرب والعجم.
واختلف أصحابنا هل تكون قريشا كلهم أكفاء في النكاح على وجهين:
أحدهما: وهو مذهب البصريين من أصحابنا وبه قال أبو حنيفة: أن جميع قريش
стр. 4209
أكفاء في النكاح؛ لأن النبي صلي الله عليه وسلم قال:" الأئمة من قريش" فلما كان جميع قريش في الإمامة أكفاء فأولي أن يكونوا في النكاح أكفاء.
والثاني: وهو مذهب البغدادين من أصحابنا- أن قريشاً يتفاضلون بقربهم من رسول الله صلي الله عليه وسلم، ولا يتكافئون لراوية عائشة عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال:" نزل علي جبريل فقال لي: قلبت مشارق الأرض ومغاربها فلم أر أفضل من محمد، وقلبت مشارق الأرض ومغاربها فلم أر أفضل من بني هاشم" ولأن قريشاً لما شرفت برسول الله صلي الله عليه وسلم أشرف من سائر قريش، ولأنهم لم ترتبوا في الديوان بالقرب حتى صاروا فيه علي عشر مراتب دل علي تمييزهم بذلك في الكفاءة وإذا كان كذلك فجميع بني هائم وبني المطلب أكفاء؛ لأن النبي صلي الله عليه وسلم جمع بينهم في سهم ذوى القربى وجمع عمر رضي الله تعالي عنه بينهم في الديوان ثم يليهم سائر بني ع بد مناف وبني زهرة ولا يفضل بني عبد شمس في كفاءة النكاح علي بني نوفل ولا بني عبد العزى علي بني عبد الدار ولا بني عبد مناف علي بني زهرة وإن فلعنا ذلك في وضع الديوان لأمرين:
أحدهما: أنه يشق اعتباره في كفاءة النكاح ولا تشق اعتباره في وضع الديوان.
والثاني: أن الكفاءة معتبرة في البطون الجامعة لا في الأفخاذ المتفرقة لأننا إن لم نعد إلي بني أب ابعد صارت المناكح مقصورة علي بني الأب الأقرب فضاقت. ثم جمعنا بين عبد مناف وبني زهرة في كفاءة وإن لم يكنا بطناً واحدة لراوية الاوزاعي أن النبي صلي الله عليه وسلم قال:" صريح قريش ابناً كالأب" يعني قصي، وبني زهرة، ولأن النبي صلي الله عليه وسلم يرجع إلي قصي بأبيه والي زهرة بأمه فتقاربا في الكفاءة بأبويه صلي الله عليه وسلم، ثم يلي عبد مناف وبني زهرة سائر قريش، فيكونوا جميعاً أكفاء، فلو كان فيهم بنو أب له سابقة في الإسلام فهل تكافئهم الباقون من قومهم كبني أبي بكر هل يكافئهم قومهم من بني تميم؟ وكبني عمر هل يكافئهم قومهم من بني عدي؟ يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكونوا أكفاءهم بجدتهم قد كانوا قبل الكثرة والقدرة علي إنكاح بني أبيهم أكفاء لعشائرهم، فكذلك بعد الكثرة والقدرة.
والثاني: لا يكونوا أكفاءهم لما قد تميزوا به من فضل الشرف والسابق، ولا يمتنع أن يكونوا قبل الكثرة أكفاء غير متميزين، وبعد الكثرة متميزين كما تميزت بنو هاشم بعد الكثرة وإن لم يتميزوا قبل الكثرة، ثم اختلف أصحابنا في موالي قريش هل يكونوا أكفاء في النكاح؟ علي وجهين من اختلاف الوجهين من موالي ذوي القربى يشاركونهم في سهمهم من الخمس؟ فهذا الكلام في قريش.
فأما سائر العرب سوى قريش فهم علي اختلاف أصحابنا في قريش، (فعلى) قياس
стр. 4210
قول البصريين أن جميعهم أكفاء من عدنان وقحطان؛ لأن في عدنان سابقة المهاجرين، وفي قحطان سابقة الأنصار، وعلي قياس قول البغداديين: إنهم يتفاضلون ولا يتكافئون فتفضل مضر في الكفاءة علي ربيعة ويفضل عدنان علي قحطان اعتباراً بالقرب من رسول الله صلي الله عليه وسلم، وقد سمع ﵇ رجلاً ينشد:
إني امرؤ حميري حين تسبني لا من ربيعه آبائي ولا مضر
فقال ﵊:" ذاك أهون لقدرك وأبعد لك من الله".
فلو تقدمت قبيلة من العرب علي غيرهم نظر فإن كان ذلك لمأثرة في الجاهلية، أو لكثرة عدد كانوا وغيرهم من العرب أكفاء، وإن كان لسابقة في الإسلام كان علي الوجهين المحتملين، وأما سائر العجم فعلي قياس قول البصريين إن جميعهم أكفاء للفرس منهم والنبط والترك والقبط، وعلي قياس قول البغداديين إنهم يتفاضلون في الكفاءة، فالفرس أفضل من النبط لقول النبي صلي الله عليه وسلم: ولو كان الدين معلق بالثريا لتناوله قوم من أبناء فارس" وبنو إسرائيل أفضل من القبط الذين سلفهم وكثرة الأنبياء فيهم، فعلي هذا لو كان لقوم من الفرس شرف علي غيرهم نظر، فإن كان لملك قبل الإسلام أو مأثرة تقدمت لم يتقدموا به في الكفاءة علي غيرهم، وإن كان لسابقة في الإسلام احتمل ما ذكرناه من الوجهين المحتملين.
فصل
وأما الشرط الثالث: وهو الحرية فلقوله تعالي: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْدًا مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ ومَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًا وجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٧٥] فمنع من المساواة بين الحر والعبد؛ ولأن النبي صلي الله عليه وسلم قال: "المؤمنون تتكافيء دماءهم ويسعي بذمتهم أدناهم" يعني عبيدهم فجعل العبيد أدني من الأحرار، ولأن الرق يمنع من الملك وكمال التصرف ويرفع الحجر للسيد فكان النقص به أعظم من نقص النسب. وإذا كان كذلك لم يكن العبد كفء الحرة، ولا الأمة كفء الحر، وكذلك لا يكون المدبر ولا المكاتب ولا المعتق نصفه ولا من جزء من الرق وإن قل كفء الحرة، ولا تكون المدبرة والمكاتبة ولا أم الولد ولا المعتقة نصفها ولا من فيها جزء من الرق وإن قل كفء الحر. واختلف أصحابنا هل يكون العبد الكفء لمن عتق نصفها ورق بعضها، أو تكون الأمة كفؤاً لمن عتق بعضه ورق بعضه أم لا؟ علي وجهين:
أحدهما: لا تكون كفؤاً؛ لأن لبعض الحرية فضلاً.
стр. 4211
والوجه الثاني: تكون كفؤ؛ لأن من لم تكمل حريته فأحكام الرق عليه أغلب؛ ولأنه لما لم يكن من عتق بعضه كفؤاً للحر تغليباً للرق صار كفء العبد، فعلي الوجه الأول لا يكون من ثلثه حر لمن نصفه حر حتى تساوى فيهما من حرية ورق. وعلي الوجه الثاني يكونان كفؤاً وإن تفاضل بقيمها من حرية ورق، فأما المولي فإن كان قد جرى عليه رق قبل العتق لم يكن كفء فالحرة الأصل، وإن لم يكن يجرى عليه رق لكونه ابن عتق من رق فهل يكون كفء الحرة الأصل علي وجهين بناء علي اختلاف الوجهين في موالي كل قبيلة، هل يكونوا أكفائها في النكاح؟ فإن قيل: يكونوا أكفائها صار المولي كفؤاً للحرة الأصل. وإن قيل: لا يكونوا أكفاء لم يصر المولي كفؤاً للحرة الأصل. وعلي هذين الوجهين إذا كان أحدهما مولي لعربي والآخر مولي لنبطي. فإن قيل: مولى القبيلة كفء لها في النكاح لم يكن مولي النبطي كفؤاً لمولي العربي. وإن قيل: لا يكون كفئاً لها مولى النبطي كفئاً لمولى العربي.
فصل:
فأما الشطر الرابع وهو الكسب فإن الناس يتفاضلون به قال الله تعالي: ﴿واللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ [النحل: ٧١] فيه تأويلان:
أحدهما: انه فضل بعضهم علي بعض في قدر الرزق فبعضهم موسع عليه. وبعضهم مضيق عليهم.
والثاني: أنه فضل بعضهم علي بعض في أسباب الرزق فبعضهم يصل إليه لعز ودعه وبعضهم يصل إليه بذل ومشقة وفي قوله تعالي: ﴿فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ [طه: ١٢٤] ثلاثة تأويلات:
أحدها: انه الرزق الضيق.
والثاني: انه الكسب الحرام.
والثالث: أنه إنفاق من لا يوقن بالخلف والمكاسب تكون في العرف المألوف من أربع جهات، بالزراعات، والتجارات، والصناعات، والحمايات، ولكل واحد منها رتب متفاضلة وكل واحد منها يفضل بعضها علي غيره بحسب اختلاف البلدان والأزمان، وإن في بعض البلدان التجارات وفي بعضها الزراعات أفضل، وفي بعض الأزمان حماة الأجناد أفضل وفي بعضها اقل، فلأجل ذلك لم يمكن أن يفضل بعضها في عموم البلدان والأزمان، وإنما يراعي فيها العرف والعادة. والأفضل منها في الجملة ما انحفظت به أربعة شروط؛ أن لا تكون مترذل الصناعة كالحائك، ولا مستخبث الكسب كالحجام، ولا ساقط المروءة كالحمال، ولا مبتذلاً كالأجير، فمن انحفظت عليه في مكاسبه هذه الشروط الأربعة لم يكافئه في النكاح من اخل بها، من حجام وكناس قيم وحائك، فالعرف في اعتبار هذه الشروط الأربعة هو المحكم.
стр. 4212
فصل:
وأما الشرط الخامس: وهو المال فلقوله صلي الله عليه وسلم" تنكح المرأة لأربع: لمالها" ولما روى عنه صلي الله عليه وسلم أنه قال: " إن أحساب أهل الدنيا هذا المال". وقد قيل في تأويل قوله تعالي: ﴿وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨] يعني المال، وإذا كان كذلك فإن كانوا من أهل الأمصار الذين يتفاخرون ويتكاثرون بالأموال دون الأنساب فالمال فيهم معتبر في شرط الكفاءة، وإن كانوا من البوادي وعشائر القرى يتفاخرون ويتكاثرون بالأنساب دون الأموال ففي اعتبار المال في شرط الكفاءة بينهم وجهان:
أحدهما: أنه شرط معتبر كأهل الأمصار لما فيه من القدرة علي أمور الدنيا.
والثاني: انه ليس بشرط معتبر؛ لأنه يزول فيفتقر الغني ويستغني الفقير، وقد روي عن النبي صلي الله عليه وسلم انه قال:" خير الناس مؤمن فقير يعطي جهده" يعني مقلاً ليس له إلا ما يزهد فيه لقلته. وروي عنه صلي الله عليه وسلم انه قال:"خير أمتي الذين لم يوسع عليهم حتى يبطروا ولم يقتر عليهم حتى يسألوا" ثم إذا جعل المال شرطاً في الكفاءة ليس التماثل في قدره معتبراً حتى لا يكافئ من ملك ألف دينار إلا من ملك مثلها، ولكن أن يكونا موصوفين بالغني فيصيرا كفئين، وإن كان أحدهما أكثر مالاً ولا يعتبر فيه أيضاً التماثل في أجناس المال، بل إذا كان مال أحدهما دنانير ومال الآخر عقاراً أو عروضاً كانا كفئين.
فصل:
وأما الشرط السادس: هو السن مما لم يختلفا في طرفيه فهو غير معتبر في الكفاءة فيكون الحديث كفؤاً للشاب، والشاب كفؤاً للكهل، والكهل كفؤاً للشيخ، ولكن إذا اختلفنا في طرفيه فكان أحدهما في أول سنة كالغلام والجارية، والأخرى في غاية سنة كالشيخ والعجوز، ففي اعتباره في الكفاءة وجهان:
أحدهما: أنه شرط معتبر فلا يكون الشيخ كفؤاً للطفلة ولا العجوز كفؤاً للطفل لما بينهما من التنافي والتباين وإن مع غايات السن تقل الرغبة ويعدم المقصود بالزوجية.
والثاني: غير معتبر لأنه قد يطول عمر الكبير ويقصر عمر الصغير وربما قدر الكبير من مقصود النكاح علي ما يعجز عنه الصغير ولأن مع نقص الكبير فضلاً لا يوجد في الصغير.
فصل:
فأما الشرط السابع: هو السلامة من العيوب، فهي العيوب التي رد بها عقد النكاح، وهي خمس تشترك للرجال والنساء منها في ثلاثة: وهي الجنون، الجذام،
стр. 4213
والبرص، ويختص الرجال منها اثنتين هما: الجب والخصاء. وفي مقابلتها من النساء القرن والرتق، وإنما اعتبرت هذه العيوب الخمسة في الكفاءة؛ لأنه لما أوجبت وجودها فسخ النكاح الذي لا يوجبه نقص النسب فأولي ان تكون معتبرة في الكفاءة كالنسب. فأما العيوب التي لا توجب وتنفره منها النفس كالعمى والطقع والزمانه وتشويه الصورة، ففي اعتبارها في الكفاءة وجهان:
أحدهما: يعتبر لعدم تأثيرها في عقود المناكح.
والثاني: يعتبر لنفور النفس منها ولحصول المعرة بها. وقد روي أن النبي صلي الله عليه وسلم قال لزيد بن الحارثة:" أتزوجت يازيد" قال: لا. قال: "تزوج فتستعف مع عفتك ولا تتزوج من النساء خمساً"قال: وما هن يا رسول الله: قال:"لا تتزوج شهبرة، ولا لهبرة، ولا لنهبرة، ولا هندرة، ولا لفوتا". قال يا رسول الله، لا أعرف مما قلت شيئاً، فقال:"أم الشهبرة: فالزرقاء الزية، وأما اللهبرة: فالطويلة المهزولة، وأما النهبرة: فالعجوز المديرة، وأما الهندرة: فالقصيرة الدميمة، وأما اللفوت: فذات الولد من غيرك" ولو لم يكن لهذه الأحوال ونظائرها أثراً في الكفاءة لما أمر بالتحرز منها.
فصل
فإذا تقرر ما وصفنا من شروط الكفاءة، ونكحت المرأة غير كفء لم يخل نكاحها من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون قد رضينه الزوجة وكرهه الأولياء، فالنكاح باطل علي ما قدمناه اعتباراً بحقوق الأولياء فيه.
والثاني: أن يكون قد رضيه الأولياء وكرهته الزوجة فالنكاح باطل اعتباراً لحقها فيه حتى لا يعرها من لا يكافئها.
والثالث: أن يكون قد رضينه الزوجة والأولياء فالنكاح جائز.
وقال مالك وعبد اله بن الماجشون: النكاح باطل.
وقال الثوري: يفسخ النكاح بينهما ولا يفرق. وحكي نحوه عن أحمد بن حنبل استدلالاً بما روي عن النبي صلي الله عليه وسلم انه قال: "لا تنكحوا النساء إلا الأكفاء ولا يزوجهن إلا الأولياء". فلما منع من إنكاح غير الكفء كما منع من نكاح غير الولي دل علي بطلانه لغير الكفء كما بطل بغير الولي. بوما روى عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالي عنه أنه قال:"لا يملك الإيضاح إلا الأكفاء". ودليلنا عموم قوله تعالي: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء:٣] ولأن النبي صلي الله عليه وسلم قد زوج بناته ولا كفء لهن من قريب ولا بعيد؛ لأنهن أصل الشرف. وقد زوج فاطمة بعلي، وزوج أم كلثوم ورقيه بعثمان، وزوج زينب بأبي
стр. 4214
العاص بن الربيع، وقد روي أن النبي صلي الله عليه وسلم قال لفاطمة بنت قيس المخزومية وهي بنت عمته وقد خطبها معاوية وأبو جهم: "انكحي أسامه بن زيد" وهي من صليبة قريش بنت عمته بأسامة بن زيد وهو مولاه، وزوج أباه زيد بن حارثه بزينب بنت جحش وهي بنت عمته أميمه بنت عبد المطلب. ثم نزل عليها بعده، وزوج المقداد بن الأسود الكندي بضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب، وقال صلي الله عليه وسلم:" إنما زوجت زيد بن حارثه بزينب بنت جحش والمقداد بن الأسود ضباعة بنت الزبير لتعلموا ان اشرف الشرف الإسلام، وقد زوج أبو بكر الصديق بنت الأشعث بن قيس فصار سلف رسول الله صلي الله عليه وسلم، وهم عمر بن الخطاب أن يزوج بنته سلمان الفارسي فكره ابن عبد الله ذلك، ولقي عمرو بن العاص فشكا إليه، فقال: سأكفيك، ولقي سلمان فقال: هنيئاً لك إن أمير المؤمنين قد عزم أن يزوجك كريمته ليتواضع بك، فقال: أني متواضع والله لا تزوجها. ولأن الكفاءة معتبرة في الرجل والمرأة فلما صح النكاح إذا تزوج الرجل بامرأة لا تكافئه صح النكاح إذا تزوجت المرأة برجل لا يكافئها. فأما الاستدلال بالخبر والأثر فمحمولاً به علي أحد الوجهين:
إما علي الاستحباب دون الإيجاب، أو يحمل علي نكاح الأب للبكر التي يجبرها، والله أعلم بالصواب.
مسألة:
قال الشافعي ﵀ تعالي: "وليس نقص المهر نقصاً في النسب والمهر لها دونهم في أولي به منهم"
قال في الحاوي: وهذا صحيح. إذا رضيت المرأة أن تنكح نفسها بأقل من مهر مثلها لم يكن للأولياء أن يعترضوا عليها فيه، ولا أن يمنعوها من النكاح لنقصه، فإذا منعوها صار المانع لها فاصلاً وزوجها الحاكم، وبه قال مالك وأبو يوسف، ومحمد، وقال أبو حنيفة: للأولياء الاعتراض عليها في نقص المهر ولا يصيروا عضلة يمنعها منه، وان نكحت فلم فسخ نكاحها إلا ان يكمل لها مهر مثلها استدلالا بقوله صلي الله عليه وسلم "أدوا العلائق" قيل: يا رسول الله وما العلائق؟ وقال: "ما ترضي به الاهلون" فلما كان قوله:" أدو العلائق" خطاباً للأزواج كان قوله" ما ترضي به الأهلون" إشارة إلي الأولياء، ولأن عقد النكاح يشتمل علي بدلين هما: البضع، والمهر. فلما كان للأولياء الاعتراض في بضعها أن تضعه في غير كفء كان لهم الاعتراض في مهرها أن ينكحها بأقل من مهر المثل، ويتحرر منه قياسان:
أحدهما: انه أحد بدلي عقد النكاح فجاز للأولياء الاعتراض فيه كالبضع.
والثاني: أن ما اعترض به الأولياء في نكاح الصغيرة اعترضوا به في نكاح الكبيرة
стр. 4215
كالكفاءة؛ ولأن بعض المهر عاراً علي الأهل بجهرهم بكثيرة وإخفائهم لقليلة، فصار دخول العار عليهم في نقصانه كدخوله عليهم في نكاح غير كفؤ، فكان لهم رفع هذا العار عنهم بالمنع منه، ولأن في نقصان مهرها ضررا لاحقاً بنساء أهلها غير اعتبار مهر أمثالهن بها، وقد قال رسول الله صلي الله عليه وسلم:" لا ضرر ولا ضرار".
ودليلنا رواية عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه، أن امرأة تزوجت علي نعلين، فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم:" أرضيت من نفسك ومالك بهاتين النعلين" قالت: نعم، فأجاز. ومن هذا الحديث دليلان:
أحدهما: أنه اعتبر رضاها به دون الأولياء.
والثاني: أنه لم يسأل هل ذلك مهر مثلها؛ فدل علي أن نفقات المهر رضا الأولياء غير معتبرين ولأن ما ملكت الإبراء منه ملكت تقديره كالأثمان. ولأن ما ثبت في الأثمان ثبت لها في المهور كالإبراء ولأن ثبوت الولاية عليها في بضع لا يوجب ثبوت الولاية عليها في بدل.
أصله: مهر أمثالها، ولأن لها منعتين: منفعة استخدام ومنفعة استمتاع، فلما لم يملك الأولياء الاعتراض عليها في الاستخدام إذا أجرت نفسها بأقل من أجره مثلها لم يملكوا الاعتراض في الاستمتاع إذا زوجت نفسها بأقل من مهر مثلها. وتحريره قياساً: أنه أحد المنفعتين فلم يملك أولياؤها مع جواز أمرها الاعتراض عليها في بدله كالإجارة ولن وجوب المهر قد يكون تارة عن اختيار ومراضاة، وذلك في العقود، وتارة عن غير اختيار، ومراضاة ذلك في إصابة الشبهة وما شاكلة، فلما ملكت فحقيقة إذا وجب بغير اختيارها فأولي أن تملك بحقيقة إذا وجب باختيارها؛ لأنه مع الاختيار اخف ومع عدمه أغلظ، ولأن يلحق الأولياء من العار إذا نكحت بأخس الأموال جنساً كالنوى وقشور الرمان أكثر ما يلحقهم إذا نكحت بأقل المهور قدراً، فلما لم يكن للأولياء الاعتراض عليها في خسة الجنس لم يكن لهم الاعتراض عليها في نقصان القدر، فأما الجواب عن قوله صلي الله عليه وسلم:"أدوا العلائق" فهو أنه أمر الأزواج بأداء العلائق وقوله: "إن العلائق ما تراضي به الاهلون" يعني أهلي العلائق، وأهلوها هم الزوجات دون الأولياء؛ فكان الخبر دليلاً علي أبي حنيفة لا له. وأما قياسه علي البشع، فالجواب عنه أن الأولياء إنما ملكوا الاعتراض فيه لما فيه من نقص النسب. ودخول العار علي الأهل والولد، وليس في تخفيف المهر عار كما لم يكن في إسقاطه عار، وهو دليل الشافعي.
وهو جواب عن استدلال وأما الاستدلال بدخول الضرر علي نساء العصبات فلو كان لهذا المعني بمستحق الاعتراض فيه لا تستحقه النساء اللاتي يدخل عليهن الضرر دون
стр. 4216
الأولياء ولاشتراك فيه القريب والبعيد ولا اعتراض عليهن في الجنس كالاعتراض القدر. وكانت ممنوعة من الزيادة فيه كما منعت من النقصان منه فلما فسد الاعتراض بهذه المعاني كان بالنقصان أفسد
مسالة:
قال الشافعي ﵀ تعالي: "ولا ولاية لأحد منهم وثم أولي منه"
قال في الحاوي: وهذا صحيح قد ذكرنا بأن اقرب العصبات أحق بالولاية من الأبعد علي ما مضي من الترتيب. وقال مالك. إذا كان الأبعد سيد العشيرة كان أحق من الأقرب، كالتي لها عم هو سيد عشيرته، ولها إخوة فالعم أحق بنكاحها من الإخوة استدلالا بأمرين:
أحدهما: ما روي عن عمر رضي الله تعالي عنه أنه قال": لا ينكح المرأة إلا بإذن وليها أو ذي الرأي من أهلها، أو السلطان" فحمل ذي الرأي مقدما.
والثاني: أنه بفضل رئاسته اقدر علي تخير الأكفاء، وللرغبة فيه تعدل إليه الزعماء وهذا خطأ. واستحقاق الولاية بالقرب أولي من استحقاقها بالرئاسة مع البعد لأمور: منها: أن الرئاسة الأبعد لما لم يستحق بها الولاية مع الأب فكذلك مع كل عصبة هو الأقرب؛ ولأنه لم يتقدم بالرئاسة في الولاية علي المال لم يتقدم بالرئاسة في الولاية علي النكاح؛ ولأن ما استحق بالتسليم يؤثر فيه الرياضة كالميراث. فأما الأثر عن عمر ﵁ فهو دليلنا؛ لأنه قدم المولي علي ذي الرأي من الأهل، وأما قدرته علي تخير الأكفاء وما يتوجبه إليه من تخير الأكفاء، فهذا المعني لا يزول إذا باشر عقدها من هو أقرب منه.
مسألة:
قال الشافعي ﵁ " فإن كان أولاهم بها مفقوداً أو غائباً بعيدة كانت أم قريبة زوجها السلطان بعد أن يرضي الخاطب ويحضر أقرب ولايتها وأهل الحزم من أهلها ويقول هل تنقمون شيئاً؟ فإن ذكروه نظر فيه".
قال في الحاوي: وهذا صحيح. إذا ثبت أن الولاية يستحقها الأقرب دون الأبعد، فكان الأقرب مفقوداً، أو غائباً لم ينتقل الولاية عنه إلي من هو أبعد. وقال أبو حنيفة: إن كان الأقرب مفقوداً انتقلت الولاية إلي من هو ابعد، وإن كان غائباً معروف المكان، وإن كانت غيبته منقطعة انتقلت الولاية إلي الأبعد.
стр. 4217
وإن كانت غير منقطعة لم تنتقل. وقال محمد بن الحسن: والغيبة المنقطعة من" الكوفة إلي" الرقة" وغير المنقطعة من " الكوفة" إلي"بغداد".
واستدل علي انتقالها بالغيبة إلي الأبعد، بأنه قد يتعذر منه تزويجها بالغيبة، كما لا يتعذر منه بالجنون والرق، فلما انتقلت بجنونه ورقه انتقلت عنه بغيبته، وهذا خطأ؛ لأنها ولاية لا تنتقل بغيبة منقطعة كالولاية علي المال، لأنها غيبة لا ينقطع بها ولاء المال فوجب أن لا تنتقل بغيبة منقطعة كالولاية علي المال، لأنها غيبة لا ينقطع بها ولاء المال فوجب أن لا تنتقل بها ولاية النكاح، كالغيبة التي ليست منقطعة، ولأن الغيبة لا تزيل ولايته؛ لأنه لو زوجها في غيبته صح، ولو وكل في تزويجها جاز، وإذا لم يزل عنه لم تنتقل إلي من هو أبعد منه كالحاضر. فأما استدلالهم بتعذر النكاح منه فليس تعذره مع بقاء الولاية يوجب انتقالها عنه كالعضل.
فرع:
فإذا صح أن الولاية لا تنتقل عنه بالعقد والغيبة إلي من هو أبع، لم يخل أن يكون معقوداً أو غائباً، فإن كان مفقوداً لا يعرف مكانه ولا يعلم خبره زوجها الحاكم النائب عن الغيب في حقوقهم، كما زوجها عن إذا عضل. وإن كان غائباً لم تخل المسافة غيبته أن تكون قريبة أو بعيدة، فإن كانت بعيدة وهو أن يكون علي أكثر من مسافة يوم وليلة، زوجها الحاكم عنه من غير استئذان فيه؛ لأن استأذنه مع بعد الغيبة شاق، ولأن طول الزمان في بعد المسافة ففوت علي الزوجة حقها من العق، وإن كانت غيبته قريبة وهو أن يكون أقل من مسافة يوم وليلة. وقد اختلف أصحابنا في جواز تزوج الحاكم لها بغير إذنه علي وجهين:
أحدهما: يزوجها الحاكم بغير إذنه للمعنيين المتقدمين، وهو ظاهر كلام الشافعي؛ لأنه قال:" بعيدة كانت غيبته أو قريبة".
والثاني: أنه لا يجوز للحاكم تزويجها إلا بإذنه؛ لأنه في حكم الحاضر إذ ليس له الترخص بأحكام السفر، وتأول قائل هذا الوجه من أصحابنا كلام الشافعي:" بعيدة كانت غيبته أو قريبة" علي قرب الزمان كقرب المكان، كأنه لم يفرق بين أن يكون قد سافر من زمن قريب أو من زمان بعيد، بين أن يكون سفره إلي مكان قريب أو مكان بعيد.
فرع:
إذا أراد الحاكم تزويجها بفقد الولي وغيبته علي ما وصفنا، فقد اختار الشافعي له إحضار أهلها ممن له ولاية كالعصبات أو لا ولاية له كالأخوال ليشاورهم في تزويجها، وليسألهم عن كفاءة زوجها استطابه لنفوسهم"، كما أمر رسول الله صلي الله عليه ولسم نعيماً أن يشاور ابنته إن لم يكن لها في الولاية حق. ولأنهم أعرف بحالها وحال الزوج لمكان اختصاصهم وكثرة فراغهم من الحاكم فإذا أحضرهم الحاكم للمشاورة في نكاحها كان
стр. 4218
معهم فيه بالخيار بين أمرين:
أن يقول لهم اختاروا زوجاً فإذا اختاروا نظر الحاكم في كفاءته فإن كان كفء زوجها عن إذنها وإن كان غير كفء لم يزوجها به وإن أذنت فيه ورضيه أهلها؛ لأن للغائب حقاً في طلب الأكفاء لها وبين أن يختار الحاكم لها كفء ثم يسأل الأولياء عنه بعد إذن الزوجة فيه فإن لم يقدحوا في كفاءته زوجها به سواء أرادوه أو لم يريدوه فإن قدحوا فيه. نظر الحاكم فيما ذكروه من القدح فإن كان مانعاً من الكفاءة لم يزوجها به والتمس لها غيره. وإن كان غير مانع من الكفاءة زوجها به وإن كرهوه؛ لأن المعتبر رضي المنكوحة دونهم وإنما يعتبر منهم اختيار الأكفاء ويستحب للحاكم إذا تعذر تزويجها بمن يقع عليه الاختيار أن يرد العقد إلي الحاضر من أوليائها ليكون عقده متفقاً علي صحته فإن لم يفعل وتفرد بالعقد من غير مشاورتهم جاز، والله اعلم.
مسألة:
قال الشافعي رحمة الله تعالي: "ولو عضلها الولي زوجها السلطان والعضل إن تدعو إلي مثلها فيمتنع"
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا دعت المرأة وليها إلي تزويجها فعليه إجابتها وهو حرج أن امتنع قصداً للإضرار لقوله تعالي: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] فإن عضلها لم يخل أن يكون في درجته من العصبات غيره أم لا، فإن كان في درجة غيره كأنه واحد من أخوتها، أو واحد من بني عمها عدلت عنه إلي من في درجته من أخواتها، أو بني عمتها، وليس للحاكم معهم مدخل إذا زوجها غير العاضل من تساووا به في النسب، وإن لم يكن في درجته من الأولياء أحد وكانوا ابعد منه تساو عدلت عن الفاضل إلي الحاكم ولم تعدل إلي البعيد في النسب؛ لأن عضله لا يزيل ولايته وعلي الحاكم أن يحضره ويسأله عن سبب عضله، فإن كان الزوج الذي دعت إليه غير كفء لم يكن عاضلاً؛ لأن له أن يمنعها من نكاح غير الكفء ولم يكن للحاكم أن يزوجها به. وقال لها: إن أرادت زوجاً فالتمس غيره من الأكفاء وإن كان الزوج الذي دعت إليه المرأة كفء وكان امتناع الولي لكراهته وبغضه لا لعدم كفائتة صار الولي حينئذٍ عاضلاً. قال الشافعي: "والعضل أن تدعو إلي مثلها فيمتنع" فحينئذ يأمره الحاكم بتزويجها ولا يتولاه الحاكم ما لم يتم الولي علي الامتناع، فإذا أجاب وزوج بعد الامتناع زالت يد الحاكم عن العقد. وإن أقام علي الامتناع الحاكم حينئذٍ عنه لقوله صلي الله عليه وسلم:" فإن اشتجروا أو قال: اختلفوا فالسلطان ولي من ولي له"؛ ولأن تزويجها حق علي وليها ومن وجب عليه حق فامتنع منه أخذه الحاكم به جبراً فقام مقامه في أدائه كقضاء الديون من ماله.
стр. 4219
مسألة:
قال الشافعي ﵀:"ووكيل الولي يقوم مقامه فإن زوجها غير كفؤ لم يجز"
قال في الحاوي: وهذا كما قال: الوكالة في التزويج جائزة.
وقال أبو ثور: لا يجوز استدلالاً بأن المولي لما لم يكن له أن يرضى بالولاية لم يكن له أن يوكل فيها؛ ولأن الولي نائب فلم يكن أن يوكل من ينوب عنه كالوكيل الذي يجوز أن يوكل غيره. وهذا خطأ لقوله صلي الله عليه وسلم" أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل" وإذن الولي إنما صح في الولاية لا للمنكوحة. ولأن النبي صلي الله عليه وسلم وكل عمرو بن الضمري في تزويج أم حبيبة بنت أبي سفيان بأرض الحبشة فأصدقها النجاشي عنه أربعمائة دينار، فجعل عبد الملك بن مروان ذلك حد الصداق للشريفات من قومه ووكل رسول الله صلي الله عليه وسلم أبا رافع في تزويج ميمونة بنت الحارث الهلالية بمكة سنة سبع فردت أمرها إلي العباس بن عبد المطلب فزوجها به وكان العباس زوج أختها أم الفضل. فإن قيل: فهذا يدل علي أن للمرأة أن تعقد علي نفسها؛ لأن ردت أمرها إلي العباس ولم يكن ولياً لها فعن هذا أربعة أجوبة:
أحدها: أن هذا قبل استقرار الشرع في عقود المناكح واشتراط الولي.
والثاني: يجوز أن يكون تزويجه لها بأن كان سفيراً في العقد ومشيراً.
والثالث: أنه يجوز أن يكون وليها رد ذلك إليه فزوجها.
والرابع: قال بعض أصحابنا ان النبي صلي الله عليه وسلم مخصوص أن ينكح بغير ولي.
ويدل علي جواز الوكالة أن النكاح عقد يقصد فيه المعارضة فصحت فيه الوكالة كالبيوع فأما الوصية به فإنها لم تصح لانقطاع ولا يته فصار موجباً في حق غيره وهو في الوكالة موكل مع بقاء حقه فصحت وكالته وإن لم تصح وصيته.
وأما الوكيل فلم يجز أن يوكل؛ لأنه مستناب بعقد الولي يجوز أن يوكل؛ لأنه مالك بالشرع فافترقا.
فرع:
فإذا تقرر جواز الوكالة في النكاح جاز أن يوكل الولي والزوج ولم يجز أن يوكل الزوجة؛ لأن لا حق للزوجة في مباشرة العقد فلم يصح منها التوكيل فيه. وإذا كان كذلك فحكم الوكالة فيه يتعلق بفصلين.
أحدها: في توكيل الولي
стр. 4220
والثاني: في توكيل الزوج. فأما توكيل الولي: فلا يجوز: أن يوكل فيه إلا من يصح أن يكون وليا فيه وهو أن يكون ذكراً بالغاً عاقلاً حراً مسلماً رشيداً، فإذا اجتمعت هذه الأوصاف الستة صح توكليه كما تصح ولا يته، وإن أخل بأحد هذه الأوصاف فوكل امرأة أو صغيراً أو مجنوناً أو عبداً أو كافراً أو سفيهاً لم يجز، وكانت الوكالة باطلة. فإن عقد بها كان العقد فاسداً، فإذا تكاملت في الوكيل هذه الشروط ليست لم يخل حال الولي الموكل له من أحد أمرين:
إما أن يكون ممن يجبر علي النكاح كالأب والجد مع البكر أو ممن لا يحبر عليه كسائر الأولياء مع الثيب أو كغير الأب والجد مع البكر والثيب فإن كان الولي ممن يجبر علي النكاح كالأب والجد مع البكر فإن له أن يوكل بإذنها وغير إذنها كما يجوز له تزويجها بإذن وغيره إذنها لكن هل يلزمه أن يعين لوكيله علي الزوج أو يرده إلي اختياره فيه قولان
أحدهما: يجوز أن يرده إلي اختياره، لأنه قد أقامه بالتوكيل مقام نفسه فلم يلزمه التعيين كالتوكيل في الأموال فعلي هذا يلزمه أن يختار لها كفاء والأولي به إذا أراد تزويجها بمن قد اختاره لها أن يستأذنها فيه وأذنها معه الصمت كإذنها مع الأب، فإن زوجها به من غير استئذانه صح النكاح كالأب إذا زوج بغير إذن. فو أن الولي علي هذا القول عين لوكيله علي الزوج سقط اختيار الوكيل ولم يكن له تزويجها بغير من عين له عليه كالوكيل في الشراء إذا عين علي ما يشتريه.
والثاني: أن علي الولي أن يعين لوكيله في عقد الوكالة علي الزوج الذي زوجها به ولا يرد ذلك إلي خياره؛ لأن معني الولي في لحوق عارها معقود في وكيله فلم يقم اختيار الوكيل مقام اختياره وفارق التوكيل في الأموال التي لا يراعي في اختيارها لحقوق العار. فعلي هذا متى زوجها الوكيل بكفء كان النكاح باطلاً لفساد الوكالة، فلو عين له أن يزوجها بأحد رجلين نظر.
فإن كان الولي قد اختارهما ورد العقد علي أحدهما إلي خيار وكيله جاز وإن يكن من الولي اختيار بل رد ذلك إلي اختيار وكيله وخياره ثم الاعتبار بأن لا يكون للولي خيار.
فرع:
وإذا كان الولي ممن لا يجبر علي النكاح فهل يلزم استئذانها في عقد النكاح أم لا؟ اختلف أصحابنا فيه علي وجهين ومنهم من خرجه علي قولين:
أحدهما: وهو اختيار أبي علي بن أبي هريرة أنه لا يصح توكيله إلا بإذنها؛ لأنه نائب عنها وأشبه الوكيل الذي لا يجوز له أن يوكل فيما هو وكل إلا عن إذن موكله فعلي هذا إن لم يستأذنها الولي في توكيله فزوجها الوكيل بأنها أو غير إذنها كان النكاح باطلاً لفساد الوكالة ولو استأذنها الولي فيه بعد عقد الوكالة لم تصح الوكالة حتى يستأذنها
стр. 4221
الولي بعد إذنها في توكيله. فإذا وكله بعد إذنها وكان وكيلاً لهما جميعاً فإن رجعت في توكليه. بطلت الوكالة. ولم يكن له أن يزوج.
والثاني: وهو اختيار أبي إسحاق المروزي الوكالة جائزة وإن لم يستأذنها الولي في عقدها؛ لأنه وكل في حق نفسه الذي ثبت به بالشرع لا بالاستنابة فأشبه الأب، وخالف الوكيل المستناب، فعلي هذا تصح الوكالة وإن لم يستأذن المرأة علي عقدها ويكون هو للولي وحده ولا يؤثر فيه منعها، لكن ليس للوكيل أن يزوجها إلا بإذنها، كما لم يكن ذلك لوليها الموكل، فإن زوجها بغير إذنها كان النكاح باطلاً سواء زوجها بكفء أو غير كفء، لو زوجها الوكيل بإذنها من غير كفء كان النكاح باطلاً سواء أجازه الولي أو لم يجيزه.
فرع:
وأما توكيل الزوج وإن كان في تزويج امرأة بعينها جاز أن يوكل كل من صح منه قبول النكاح في نفسه وهو من اجتمعت فيه ثلاثة شروط: أن يكون ذكراً بالغاً عاقلاً. وسواء كان حراً أو عبداً رشيداً أو سفيهاً؛ لأن البعد السفيه يجوز أن يقبلا عقد النكاح لأنفسهما فصح أن يقبلاه لغيرهما. فأما توكيل المرأة والصبي والمجنون فلا يصح؛ لأنه لم يصح منهم قبوله لأنفسهم لم يصح منهم قبولهم لغيرهم. فأما إن كان توكيل الزوج في تزويج امرأة غير معينة ليختار الوكيل فهل يلزم أن ينضم إلي الشروط الثلاثة في الوكيل أن يكون رشيداً غير مولي عليه بسفه أم لا؟ علي ثلاثة أوجه:
أحدهما: يلزم أن يكون رشيداً يقبل نكاح نفسه؛ فإن كان سفيهاً لم يجز لقصوره علي التصرف في نكاح نفسه.
والثاني: لا يلزم أن يكون رشيدا، لأنه يقبله عن إذن ويصح منه أن يقبل نكاح نفسه عن إذن وليه.
والثالث: إن عين لوكيله علي القبيلة وإن لم يعين علي المنكوحة جاز أن يكون وكيله فيه سفيهاً وإن لم يعين علي القبيلة ولا علي المنكوحة لم يجز أن يكون الوكيل فيه إلا رشيداً. وهذه الأوجه الثلاثة بناء علي اختلاف الأوجه في إذن وليه أن يعقد لنفسه من غير تعيين، والله أعلم بالصواب.
مسألة:
قال الشافعي:"وولي الكافرة كافر ولا يكون المسلم وليا لكافرة لقطع الله الولاية بينهما بالدين إلا علي أمته وإنما صار ذلك له لأن النكاح له، تزوج صلي الله عليه وسلم أم حبيبة وولي عقده نكاحها أبن سعيد بن العاص وهو مسلم وأبو سفيان حي وكان وكيل النبي صلي الله عليه وسلم
стр. 4222
عمرو ابن أمية الضمري. قال المزني: ليس هذا حجة في إنكاح الأمة ويشبه أن يكون أراد أن لا معني لكافر في مسلمه فكان ابن سعيد ووكليه صلي الله عليه وسلم مسلمين ولم يكن لأبيها مغني في ولايةٍ مسلمةٍ إذا كان كافراً".
قال في الحاوي: وأصل ذلك أن اتفاق الدين شرط في ثبوت الولاية علي المنكوحة، فلا يكون الكافر ولياً لمسلمة ولا المسلم ولياً لكافرة لقوله تعالي: ﴿ولَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى المُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [النساء:١٤١] وقوله أيضاً ﴿لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ﴾ [المائدة:٥١] فدللت هاتان الآيتان علي أن لا ولاية لكافر علي مسلمة. وقال تعالي: ﴿والْمُؤْمِنُونَ والْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] فدل علي أن لا ولاية لمسلم علي كافرة، ولأن النبي صلي الله عليه وسلم لما أراد ان يتزوج أم حبيبة بنت أبي سفيان وكان أبوها وإخوتها كفاراً، وهي مسلمة مهاجرة بأرض الحبشة تزوجها من أقرب عصابتها من المسلمين، وهو خالد بن سعيد بن العاص، فدل علي انتقال الولاية بالكفر عمن هو أقرب إلي من ساواها في الإسلام، وإن أبعد فلأن الله تعالي قد قطع الموالاة باختلاف الدين، فلم يثبت الولاية معه كما كان لم يثبت الميراث، وإنما الولاية شرعت لطلب الحظ لها ودفع العار عنها واختلاف الدين يصد عن هذا أو يمنح منه كما قال تعالي: ﴿لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إلاًّ ولا ذِمَّةً﴾ [التوبة: ١٠].
فصل:
فإذا تقرر هذا فلا يثبت للكافر ولاية علي مسلمة لا نسب ولا حكم ملك ولا يزوجها من عصابتها إلا مسلم قد جمع شرطين:
النسب، الدين. فأما الكافرة فالولاية عليها تنقسم ثلاثة أقسام ولاية بحكم، وولاية بملك.
فإما القسم الأول: وهو الولاية بالنسب فلا يثبت عليها إلا لمن إذا شاركها في النسب سواها في الدين، ويراعى أن يكون رشيداً في دينه، كما يراعي رشد المولي مجوسي ولا ولاية عليها للمسلم، ويكون النصراني واليهودي والمجوسي في الولاية عليها سواء كما يشاركون في ميراثها ولا يختصها بها النصراني منهم؛ لأن الكفر كله ملة واحدة، فلو كان في إخوتها مرتد عن الإسلام فلا ولاية له عليها كما لا ميراث له منها؛ ولأن المرتد مولى عليه فلم يجز أن يكون ولياً، فلو كانت المرأة مرتدة وكان لها أخ مسلم وأخ مرتدة وأخ نصراني فلا ولاية عليها لواحد منهم، كما لا يرثها واحد منهم. ولا يجوز أن يتزوج بمسلم ولا كافر ولا مرتد؛ لأن الردة مانعة من استباحة نكاحها.
وأما القسم الثاني: وهو الولاية بالحكم فيثبت للمسلم علي الكافرة؛ لأنها لا تستحق بالموالاة بالنسب فيتمنع اختلاف الدين منها، وإنما تستحق بالولاية التي ثبت علي الكافر كثبوتها علي المسلم، فإذا عدمت الكافرة منها شيئاً من عصبتها الكفار زوجها
стр. 4223
حاكم المسلمين بكفء من الكفار أو المسلمين، فإن دعت إلي زوج مسلم وجب علي الحاكم تزويجها به؛ لأنه إذا تقاضي إلي حاكم المسلمين مسلم وكافر لزمه الحكم بينهما، وإن دعت إلي زوج كافر فإن كان من أهل العهد كان حاكم المسلمين بالخيار بين أن يزوجها به أو الإعراض عنها، كما يكون بالخيار في الحكم بينهما إذا تقاضيا إليه، وإن كانا من أهل الذمة فهل يلزم الحاكم تزويجها أم لا؟ علي قولين:
من اختلاف قوليه في وجوب الحكم بينهما عند الترافع إليه، فإن زوجها لم يعقد نكاحها إلا شاهدين مسلمين ولا يجوز أن يعقده به أهل دينها؛ لأن الإسلام والعدالة شرط في الشهادة.
وأما القسم الثالث: وهو الولاية بالملك فقد اختلف أصحابنا في ثبوتها للسيد المسلم علي أمته الكافرة علي وجهين:
أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي وأبي سعيد الاصطخري: أنه يجوز للسيد المسلم تزويج أمته الكافرة وهو ظاهر كلام الشافعي؛ لأنه قال:" ولا يكون المسلم ولياً لكافرة إلا علي أمته".
ووجهة شيئان:
أحدهما: أنه ولاية لم تستحق بموالاة النسب فلم يؤثر فيها اختلاف الدين كالولاية بالحكم.
والثاني: أن السيد يتوصل إلي الكسب فلم يؤثر اختلاف الدين كما لم يؤثر الفسق.
والثالث: وهو قول أبي إبراهيم المزني. وأبي القاسم الداركي وطائفة أن إسلام السيد يمنعه من تزويج أمته الكافرة كما يمنعه من تزويج ابنته وحمل غير المزني قول الشافعي"إلا علي أمته" علي أحد وجهين:
إما حكاية عن مذهب غيره، وإما علي أمته في عقد الإجارة علي منافعها دون بضعها استدلالاً بأن في تزويجه لها تغليباً لولاية النكاح دون الكسب؛ لأن المرأة لا تزوج أمتها وأن ملكت عقد اكتسابها. فأما المزني: فإنه اعترض علي الشافعي ﵁ فيما نقله من استدلاله له بحديث أم حبيبه، وتوهم أنه استدل به في تزويج المسلم لأمته الكافرة وهذا خطأ في التوهم؛ لأن الشافعي إنما استدل به علي أن الكافر لا يزوج بنته المسلمة وهو دليل عليه، وبالله التوفيق.
مسألة:
قال الشافعي:" فإن كان الولي سفيها أو ضعيفا غير عالم بموضع الحظ أو سقيما مؤلماً أو به عله تخرجه من الولاية فهو كمن مات فإذا صلح صار وليا".
стр. 4224
قال في الحاوي: وهذا صحيح وذكر الشافعي ﵁ الأسباب المانعة من ولاية النكاح، فقال:" فإن كان الولي سفيها" وفيه تأويلان:
أحدهما: أنه المجنون؛ لأنه سفيه العقل.
والثاني: انه المفسد لماله ودينه؛ لأنه سفيه الرأي. فأما المجنون فلا ولاية له؛ لأنه لما أزل الجنون ولايته علي نفسه، فأولى أن يزيل ولايته علي غيره. فلو كان يجن في زمان ويفيق في زمان فلا ولاية له في زمان جنونه، فأما زمان إفاقته فعلي ضربين:
أحدهما: أن يكون فيه بليداً مغموراً فلا يصح فكره ولا يسلم تمييزه فلا ولاية له في زمان إفاقته كما لا ولاية له في زمان جنونه.
والثاني: أن يكون فيه سليم الفكر صحيح التمييز فهذا علي ضربين:
أحدهما: أن يكون زمان إفاقته من زمان جنونه فله الولاية في زمان الإفاقة.
والثاني: أن يكون زمان إفاقته من زمان جنونه ففي عود الولاية إليه في زمان الإفاقة وجهان:
أحدهما: يعود لعدم ما يمنع منها.
والثاني: لا يعود إليه اعتباراً بحكم الأغلب من زمانيه. فأما السفيه فله حالتان:
أحدهما: أن يكون محجوراً عليه بالسفه فعلي ضربين:
أحدهما: أن يكون قد حجر عليه لا يعرف موضع الحظ لنفسه فهذا لا ولاية له؛ لأن من لا يعرف حظ نفسه فأولى أن لا يعرف حظ غيره.
والثاني: أن يكون قد حجر عليه لتبذيره لما له مع معرفته لحظ نفسه، ففيه وجهان:
الأول: وهو قول جمهور أصحابنا لا ولاية له في النكاح؛ لأنه لما زالت ولايته عن نفسه فأولى أن تزول ولايته علي غيره.
والثاني: وهو قول أبي العباس بن سريج هو علي ولايته وله تزويج وليته لأن ما استحق به الحجر لحفظ المال غير مقصود في ولاية النكاح فلم يؤثر في إسقاطها فإن كان السفيه غير محجور عليه ففيه وجهان:
أحدهما: وهو قول أبي علي بن هريرة انه بالمحجور عليه ولا ولاية له لوجود معني الحجر فيه.
والثاني: أنه علي ولايته لأنه لما كان قبل الحجر باقي الولاية علي نفسه كان باقي الولاية علي غيره.
فرع:
ثم قال الشافعي ﵁: " أو ضعيفا" وفيه تأويلان:
أحدهما: انه الصغير الضعيف البدن.
والثاني: الضعيف الرأي إما لعته وبله وإما لكبر وهرم، فأما الصغير فلا ولاية له؛
стр. 4225
لأنه (مولى) عليه فلم يجز أن يكون واليا. وأما المعتوه ولأبله فلا ولايه له. لأنه لا يصح تمييزه فلم يعرف حظ نفسه وحظ غيره. وأما الشيخ الهرم الذي صار يهرمه خرقاً لا يعرف موضع الحظ فلا ولاية له لفقده تمييزه.
فرع:
ثم قال الشافعي ﵁ "أو سقيما".
وفيه روايتان:
أحدهما: مؤلما يعني ذا المرض المؤلم
والثانية: مواليا يعني ذا المرض المولي عليه لفقد تمييزه كالبرسام وإن كان مرضه مؤلماً نظر في ألمه. فإن كان يسيراً لا يمنعه من الكفر والنظر كان علي ولايته وإن كان ألمه عظيماً قد قطعه عن الكفر وصرفه عن الحظ والصلاح فلا ولاية له لفقد المقصود بها منه وإن كان مرضه مولياً عليه كإفاء المبرسم فلا يصح منه أن يزوج منه في حال إغمائه وفي بطلان ولايته وجهان:
أحدهما: قد بطلت لزوال عقله بالجنون فعلي هذا تنتقل الولاية إلي من بعده من الأولياء.
والثاني: لا تبطل، لأن إعفاء المريض استراحة النوم، وبهذا المعني فرقنا بينه وبين المرض المؤلم الذي ليس باستراحة في إبطال الولاية. فعلى هذا ينوب عنه الحاكم في التزويج ولا تنتقل إلي من بعده من الأولياء، والله اعلم.
فرع:
ثم قال الشافعي:" أو به علة تخرجه من الولاية".
وفيه تأويلان:
أحدهما: أنه أراد به الأمراض المانعة من الولاية فمنها ما آلم كقطع الأعضاء ومنها ما أثره في التمييز كالمعي. وفي إضافة العمى والخرس إليهما وجهان.
والثاني: أنه أراد الأسباب المانعة من الولاية كالكفر، والرق، والردة. فأما الفسق ففيه أربعة أوجه:
أحدها: وهو الأظهر انه مانع من ولاية النكاح بكل حال.
والوجه الثاني: وهو مذهب أبي حنيفة أنه لا يمنع منها بحالٍ.
والوجه الثالث: وهو قول أبي إسحاق المروزي أنه إن كان ممن يجبر كالأب بطلت ولا يته بالفسق، وإن كان ممن لا يجبر كالأخ لم تبطل ولا يته بالفسق.
والوجه الرابع: وهو قول بعض البصريين أنه إن كان الفسق موجباً للحجر بطلت به الولاية وإن كان غير موجب له لم تبطل به وقد تقدم توجيه هذه الأوجه فإما (الخنثى) فإن
стр. 4226
كان باقياً علي إشكاله فعلي ضربين:
أحدهما: أن يكون زواله بقوله، كإخباره عن نفسه بأن طبعه يميل إلي الرجال حتى زوج امرأة ولا ولاية له؛ لأن قوله: وإن "قيل علي نفسه" فهو غير مقبول علي غيره.
والثاني: أن يكون قد زال تعيناً لإمارة لا يرتاب بها فله الولاية لاعتبار حكمه بالرجال في جميع الأحوال. فأما الإحرام بحج أو عمرة فمانع من الولاية سواء كان صحيحاً أو فاسداً لاستوائهما في المضي فيهما، ولا تبطل به الولاية؛ لأنه يصير بإحرامه كالعاضل فيزوجها الحاكم عنه، ولا تنتقل الولاية عنه إلي ما بعده من الأولياء.
فرع:
إذ ثبت ما وصفنا من الأسباب المشكلة لولاية النكاح انتقلت الولاية بها إلي من هو ابعد بخلاف الغيبة التي لا توجب انتقال الولاية؛ لأن الغائب يصح منه التزويج ولا يصح من هؤلاء، فلو زالت الأسباب المبطلة للولاية بأن اسلم الكافر واعتق البعد وأفاق المجنون ورشد السفيه، عادوا إلي الولاية وانتقلت عمن هو ابعد منهم، فلو كان الأبعد قد زوج في جنون القريب وسفهه صح نكاحه. ولم يكن للأقرب بعد الإفاقة والرشد اعتراض عليه، ولو كان الأبعد قد زوج بعد إفاقة الأقرب ورشده كان نكاحه باطلا سواء علم بإفاقته أو لم يعلم. فإن قيل: وكيل الولي إذا زوج بعد رجوع الولي في الوكالة قبل علمه برجوعه كان في نكاحه قولان، فهلا كان نكاح إلا بعد مثله علي قولين؟ قيل: الفرق بينهما: أن الوكيل مستناب يضاف عقده إلي موكله فكان عقده امضي من عقد الأبعد الذي ليس بنائب عن الأقرب، فعلي هذا لو زوجها إلا بعد ثم اختلف هو والأقرب فقال الأبعد: زوجها قبل إفاقتك فالنكاح ماضٍ. وقال الأقرب: بل زوجتها بعد إفاقتي، فالنكاح باطل ولا اعتبار باختلافهما ولا رجوع فيسأل قول الزوجين؛ لأن العقد حق لهما فلم ينفذ فيه قول غيرهما.
مسألة:
قال الشافعي ﵀ تعالي:" ولو قالت قد أذنت في فلانٍ فأي ولاتي زوجني فهو جائز فأيهم زوجها جاز، وإن تشاحوا أقرع بينهم السلطان".
وهذا كما قال: إن كان للمرأة جماعة أولياء في درجة واحدة كالإخوة والأعمام، فينبغي لها ولهم أن يردوا عقد نكاحها إلي أسنهم وأعلمهم وأروعهم؛ لأن ذا السن قد جرب الأمور، وذا العلم اعرف بأحكام العقود، وذا الورع أسلم اختياراً وأكثر احتياطاً، فإن قيل: فهلا اشتركوا في عقد نكاحها ولم ينفرد به أحدهم كما لو اشتركوا في رق جارية اشتركوا في تزويجها لتساويهم كالشركاء في ملك إذا أرادوا بيعه أو إجارته اشتركوا في
стр. 4227
العقد عليه ولم ينفرد به أحدهم لتساويهم فيه؟ قيل: الفرق بينهما أن المعقود في الأملاك يتبعض، ولو أراد أحدهم أن ينفرد بالعقد عي قدر حصته جاز، فلذلك جاز إذا اجتمعوا أن يشتركوا في العقد علي الجميع، وليس كذلك عقد النكاح؛ لأن يتبغض ولا يجوز العقد علي بعض امرأة فلذلك إذا اجتمع الأولياء لم يشتركوا فيه ويفرد بالعقد أحدهم.
فصل:
فإذا تقرر هذا فللمرأة الخطوبة حالتان:
أحدهما: أن تأذن لأحدهم بعينه في العقد عليها.
والثاني: أن لا تعين فإن عينت، فقالت: قد أذنت لفلان من إخوتي أو من أعمامي أن يزوجني لفلان أو بمن يختاره لي من الأكفاء، فيكون المأذون له منهم أحق بعقد نكاحها من جماعتهم، فإن زوجها غير منهم كن نكاحها باطلاً سواء كانت قد عينت علي الزوج أو لم تعين؛ لأنها لم تأذن له فصار عاقداً بغير إذن فبطل عقده.
فرع
وإن لم تعين علي أحد الأولياء بل قالت: يزوجني أحدكم وأيكم يزوجني فهو بإذني ورضاي، فلا يخلو حالهم حينئذ من أحد أمرين:
إما أن يتنازعوا في تزويجها أولم يتنازعوا، فإن لم يتنازعوا في تزويجها وسلموه لأحدهم زوجها من سلموا إليه العقد منهم وسواء كان أفضلهم أو أنقصهم إذا لم يكن به سبب يمنعه من الولاية؛ لأنه لو تفرد لكان وليا، فكذلك إذا شارك، وإن تنازعوا فعلي ضربين:
أحدهما: أن يكون نزاعهم في تولي العقد مع اتفاقهم علي الزواج كأنهم اتفقوا علي أن يزوجوها بزيد بن عبد الله، لكن قال كل واحد منهم: أنا زوجها به فهؤلاء لا حق للسلطان معهم؛ لأنه ليس فيهم عاضل لكن يقرع بينهم، فأيهم قرع كان أولي بنكاحها من جماعتهم، فإن زوجها من لم تخرج له القرعة منهم نظر، فإن كان ذلك قبل القرعة كان نكاحه جائزاً لكونه ولياً، وإن كان بعد القرعة ففي صحة نكاحه وجهان:
أحدهما: يصح لكونه ولياً
والثاني: باطل، لأن القرعة قد ميزت حق الولاية لغيره.
والضرب الثاني: أن يكون نزاعهم في غير الزوج وقد تولى العقد فيقول أحدهم:
أنا أزوجها يزيد ولا أزوجها بعمرو. ويقول الآخر: بخلاف ذلك فيرجع إلي الزوجة فإن رضيت احد الزوجين دون الآخر كان من رضينه الزوجة أحق ومن دعي إلي تزويجها به أولي، فإن قالت: هما عندي سواء فزوجوني بأحدهما فلا قرعة هاهنا؛ لأنه يصير قراعاً بين الزوجين والقرعة لا تميز العقود عليه، وإنما يتعين بالرضي والاختيار، وإذا كان كذلك صار الأولياء عضلة؛ لأن كل واحد منهم، يمتنع من رضيه الآخر، فوجب أن
стр. 4228
يرجع في تزويجها إلي السلطان، كما لو صرحوا بالعضل حتى زوجها بمن يختاره لها من الزوجين المختلف فيهما، والله اعلم.
مسألة
قال الشافعي ﵀ تعالي:" ولو أذنت لكل واحد أن يزوجها لا في رجل بعينه فزوجها كل واحد رجلاً فقد قال صلي الله عليه وسلم وإذا أنكح الوليان فالأول أحق، فإن لم تثبت الشهود أيهما أو فالنكاح مفسوخ ولا شيء لها، وإن دخل بها أحدهما علي هذا كان لها مهر مثلها وهما يقران أنها لا تعلم مثل أن تكون غائبة عن النكاح ولو ادعيا عليها إنها تعلم أحلفت ما تعلم وإن أقرت لأحدهما لزمها".
قال في الحاوي: وصورتها: في امرأة لها وليان أذنت لكل واحد منها أن يزوجها برجل لا بعينه يختاره لها من أكفئاها، فزوجها كل واحد من الوليين برجل غير الذي زوجها به الآخر، فلا يخلو حال الزوجين من ثلاثة أقسام:
أحدهما: أن يكون معاً غير كفئين فنكاحهما باطل، فإن لم يدخل بها واحد منهما فلا شيء عليهما، فإن دخل بها أحدهما كان عليه مهر مثلها دون المسمي، ولا حدّ عليه وإن علم أنه غير كفء، لأن من الفقهاء من يوقف نكاحه علي الإجازة، فكان ذلك شبهة يدرأ بها الحد.
والقسم الثاني: أن يكون احد الزوجين كفئاً والآخر غير كفء، فنكاح غير الكفء باطل ونكاح الكفء حائز سواء تقدم نكاحه أو تأخر، فإن دخل بها غير كفء فعليه مهر المثل ثم ينظر فإن كان نكاحه قد تقدم فلا احد عليه سواء علم أو لم يعلم وعليها أن تقتدي من إصابته وإن كان نكاحه قد تأخر فإن علم بالحال فعليه الحد لارتفاع الشبهة ولا عدة عليها لأنها لو جاءت بولد لم يلحق به وإن لم يعلم به مثلاً حد عليه وعليها العدة وإن جاءت بولد لحق به وهي محرمة علي الكفء في زمان عدتها من غير الكفء.
والقسم الثالث: أن يكون الزوجان معاً كفئين فلا يخول حال نكاحهما من خمسة أقسام:
أحدها: أن يسبق أحدهما الآخر ويعلم أيهما هو السابق.
والثاني: أن يقع النكاحان معاً ولا يسبق أحدهما الآخر.
والثالث: أن يشك هل وقع النكاحان معاً أو سبق أحدهما الآخر.
والرابع: أن يشك أيهما هو السابق. والخامس: أن يسبق أحدهما الآخر ويدعي كل واحد من الزوجين أنه هو السابق.
стр. 4229
فصل:
فأما القسم الأول وهو: أن يسبق أحدهما الآخر ويعلم أيهما هو السابق بالنكاح لأسبق الزوجين عقدًا والنكاح الثاني المسبوق باطل سواء دخل هذا الثاني بها أو لم يدخل.
وبه قال من الصحابة: علي بن أبي طالب، ومن التابعين: شريح، والحسن البصري. ومن الفقهاء: أبو حنيفة، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق. وقال مالك: النكا للأول إلا أن يدخل بها الثاني وهو يعلم بنكاح الأول فيكون النكاح الثاني دون الأول، وبه من الصحابة: عمر بن الخطاب. ومن التابعين: عطاء. ومن الفقهاء: الزهري استدلالًا بما روي أن موسى بن طلحة بن عبيد الله زوج أخته بيزيد بن معاوية بالشام، وزوجها أخوها يعقوب بن طلحة بالحسن بن علي بالمدينة فدخل بها الحسن وهو الثاني من الزوجين ولم يعلم بما تقدم من نكاح يزيد، فقضى معاوية بنكاحها للحسن بعد أن أجمع معه فقهاء المدينة، فصار من سواهم محجوبًا بإجماعهم، ولأنه قد تساوى العقدان في أن يفرد كل واحد منهما ولي مأذون له ويرجع الثاني أيما تعلق عليه من أحكام النكاح بالدخول من وجوب المر والعدة ولحوق النسب، فصار أولى وأثبت من الأول، ولأن المتنازعين في الملك إذا انفرد أحدهما بتصرف وبه كان أولى كذلك الزوجات.
ودليلنا قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿والْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٤] يعني ذوات الأزواج فنص على تحريمها كالأم، فلم يجز أن تحل بالدخول كما لا يحل غيرا من المحرمات.
وروى قتادة عن الحسن عن سمرة أن النبي صلى الله علي وسلم قال: "أيما امرأة زوجها وليان فهي للأول منهما "ذكره أبو داود في سننه. وروى الشافعي بإسناده رفعه لعقبة بن عامر أن النبي ﷺ قال: "إذا نكح الوليان فالأول أحق".
وروى أبو موسى الأشعري: أن امرأة ذات وليين زوجها أحدهما بعبد الله بن الحسن الحنفي، وزوجها الآخر بعبيد الله بن الحسن الحنفي، فدخل بها عبيد الله وهو الثاني وتقاضيا إلى علي بن أبي طالب فقضى بالنكاح الأول منهما، وهو عبد الله، وأبطل نكاح عبيد الله مع دخوله. وقال: قال رسول الله ﷺ : إذا نكح الوليان فالأول أحق "ويدل عليه من طريق الاعتبار، أن كل نكاح لا يصح إذا عري عن الوطء لم يصح إذا اتصل بالوطء كالنكاح في العدة، ولإجماعنا أن رجلًا لو وكل وكيلين في أن يزوجه كل واحد منهما امرأة فزوجاه بأختين، أو وكل كل واحد منهما أن يزوجه بأربع نسوة فزوجه كل واحد منهما أربعًا، أن نكاح الأول منهما أصح من نكاح الثاني، وإن اقترن به دخول
стр. 4230
فكذلك وليا المرأة يحب أن يكون نكاح الأول منهما أصحّ وإن اقترن الثاني دخول.
وتحريره: أن بطلان نكاح الثاني إذا لم يقترن به دخول لا يوجب تصحيحه، فإذا اقترن به دخول لا يوجب تصحيحه كوكيلي الزوج في أختين أو أربع بعد أربع، ولأن الدخول في النكاح جار مجرى القبض في البيع، ثم ثبت أن الوكيلين في بيع عبد لو باعه كل واحد منهما أو قبضه الثاني أن البيع للأول وإن قبض الثاني كذلك الوليان في النكاح.
فأما الجواب على استدلالهم بنكاح الحسن ويزيد، فهو أنه يجوز أن يكون معاوية استنزل يزيد عن نكاحها، واستأنف عقد الحسن عليها. وأما استدلالهم بأن الثاني قد ترجع بما تطلق عليه من أحكام النكاح ففاسد؛ لأن المتعلق عليه أحكام الوطء بشبهة ولم يتعلق عليه أحكام النكاح، ثم هو باطل بالزوج إذا زوج وكيلا بأختين، فإن النكاح للأولى وإن دخل بالثانية.
وأما استدلالهم بأن المتنازعين تقدم صاحب اليد والتصرف منهما على صاحبه، فليس لليد في النكاح تأثير وكذلك في الأملاك إذا كانت معروفة والأسباب ثم هو فاسد بنكاح الأختين.
فصل:
وأما القسم الثاني: وهو أن يقع النكاح معًا ولا يسبق أحدهما الآخر فالنكاحان باطلان، لأنه لا يجوز أن تكون المرأة ذات زوجين وإن جاز أن يكون الرجل ذا زوجتين لأن اشتراك الزوجين في نكاح امرأة يفضي إلى اختلاط المياه وفساد الأنساب وليس هذا المعنى موجود في الزوج إذا جمع بين اثنتين وإذا لم يصح اجتماع النكاحين ولم يكن تصحيح أحدهما أولى من فساده، وجب أن يكونا باطلين فإذا بطل النكاح بما ذكرنا لم يخل حال الزوجين من ثلاثة أحوال: إحداها: أن لا يكون قد دخل واحد منهما في خلية ولا مهر على واحد منهما لفساد عقده وعدم إصابته ولأيهما شاء أن يستأنف العقد عليها.
والحالة الثانية: أن يكون قد دخل بها أحدهما ودون الآخر فمذهب مالك: أن النكاح يصحّ للداخل بها وما قد مضى من الدليل عليه في تلك المسألة كاف في هذه، ويكون نكاح الداخل بها باطلًا كغير الداخل؛ لأن الداخل بها عليه مهر مثلها بالإصابة، وعليها منه العدة وله أن يستأنف نكاحها في زمان عدتها منه وليس على غير الداخل بها مهر ولا له العقد عليها إلا بعد انقضاء العدة.
والحالة الثالثة: أن يدخل بها الزوجان معًا، فعلى كل واحد منهما مهر المثل بالإصابة، وعليها لكل واحد منهما العدة بدأ بعد أسبقهما إصابة ليس له استئناف نكاحها إلا بعد انقضاء العدتين؛ لأنه يتعقب عدتها منه عدة من غيره فحرمت عليه في العدتين معًا.
فأما الثاني منهما إصابة فليس له أن يتزوجها في عدة الأول، وله أن يتزوجها في عدة الثاني.
стр. 4231
فصل:
وأما القسم الثالث: وهو أن يشك هل وقع النكاحان معًا أو سبق أحدهما الآخر، فالنكاحان باطلان؛ لأن العقد إذا تردد بين حال صحة وفساد حمل على الفساد دون الصحة اعتبارًا بالأصل أن لا عقد حتى يعلم يقين صحته، وإذا كان كذلك فالحكم فيهما كما لو وقعا معًا، فيكون على ما مضى من وجود الدخول وعدمه.
فصل:
وأما القسم الرابع: وهو أن يسبق أحدهما الآخر ويشك أيهما هو السابق فهو على ضربين:
أحدهما: أن يصير الشك بعد تقدم اليقين فيكون النكاحان موقوفين على يرجى من زوال الشك يعود اليقين؛ لأن طروء الشك بعد تقدم اليقين يجوز أن يتعقبه يقين فعلى ذا تكون ذات زوج قد جهل عينه متمتع من الأزواج وليس لواحد منهما إصابتها إلا بعد اليقين بأنه الأسبق نكاحًا.
والضرب الثاني: أن يكون الشك مقارنًا للعقد لم يتقدمه يقين فلا يكون النكاح موقوفًا؛ لأنه ليس بتوقع زوال الشك يعود اليقين. وإذا امتنع وفق النكاحين كانا باطلين وهل يفتقر بطلانهما إلى فسح الحاكم أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: لا يفتقر إلى فسخ الحاكم ويكون الجهل على المتقدم فسخًا لأن الجهل بعين الأسبق هو المانع من تعيين الأصح فاقتضي أن يقع به الفسخ.
والوجه الثاني: أنه لا يقع الفسخ إلا بحكم الحاكم لأننا نعلم أن أحدهما زوج وإن لم يعلم أيهما الزوج فلم ينفسخ نكاحه إلا بحكم الحاكم الذي له مدخل في الفسخ المناكح فإن قيل: بوقوع الفسخ بالجهل دون الحكم على الوجه الأول كان فسخًا في الظاهر والباطن كما يمنع التوارث بين الغرقى في الظاهر والباطن على أشكال التقدم وإن قيل بوقوع الفسخ بحكم الحاكم على الوجه الثاني فهل يقع في الظاهر والباطن أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: أنه فسخ في الظاهر والزوجية بينهما وبين الأول منهما باقية في الباطن لأن حكم الحاكم لا يحيل الأمور عما هي عليه.
والثاني: وهو أصح أن الفسخ يقع ظاهرًا وباطنًا؛ لأن المرأة لما يحصل لها العوض عاد إليها المعوض كالبائع إذا أفلس المشتري بثمن سلعة عادت إليه بفسخ الحاكم ملكًا في الظاهر والباطن.
فصل:
وأما القسم الخامس: وهو أن يسبق أحدهما الآخر ويدعي كل واحد من الزوجين أنه هو السابق فإن كان لأحدهما بنية عمل عليها وحكم بها فإن كان الولي العاقد أحد
стр. 4232
الشاهدين لم (تقبل)؛ لأنه شهد على فعل نفسه ولو كان ولي العقد الآخر شاهدًا في هذا العقد قبل وإن لم يكن لكل واحد من الزوجين بينه فلا حالهما من أحد أمرين:
إما أن يدعيا علمهما بأسبقهما عقدًا. أو لا يدعياه لغيبتهما عن العقد وجهلهما بالأسبق تحالف الزوجان دون الوليين؛ لأنهما المتداعيان ولا يراعى تصديق الوليين فإن حلف الزوجان انفسخ بنفس التحالف أو بفسخ الحاكم بينهما على وجهين مضيا في البيوع، وإن نكل الزوجان عن اليمين فسخ الحاكم نكاحهما ولم ينفسخ إلا بحكمه وجهًا واحدًا، لأن نكول الناكل لا يمنع أن يكون محقًا في دعواه فلم يمنع بنكوله فسخ حتى يحكم به الحاكم، فإن حلف أحدهما ونكل الآخر قضى بالنكاح للحالف منهما دون الناكل، فإن دخل بها الناكل نظر حال دخوله، فإن كان بعد نكوله أو يمين صاحبه فو زاٍن يحد ولا يلق به الولد، ولا تجب عليها العدة.
أما المرأة فإن علمت بحال الناكل عند تمكينه من نفسها فهي زانية تحد ولا مهر لها، وإن لن تعلم فلا حدّ عليها ولها مهر مثلها، وإن كان الناكل قد دخل بها قبل نكوله ويمين صاحبه فلا حدّ عليه ولا عليها لبقاء شبهته في النكاح، وعليه مهر مثلها وعليها العدة. وإن جاءت بولد لحق به وهي محرمة على الحالف حتى تقضي عدة الناكل. ولا نفقة لها في زمان العدة على واحد منهما أما الحالف فلأنها محرمة عليه، وإن كانت زوجته لاعتدادها من غيره، وأما الناكل فلأنها ليست زوجته وإن كانت معتدة منه إلا أن تكون حاملًا، فهل يلزمه نفقتها أم لا؟ على قولين:
فرع:
فإن ادعت علمها في الابتداء وأنها تعرف أسبقهما نكاحًا فلها حالتان: حالة تعترف بالعلم وحالة لا تعترف به فإن لم تعترف قالت: لست أعلم أيهما أسبق بالعقد فالقول قولها مع يمينها وإنما لزما اليمين ولأنها لو أقرت بعد الإنكار كان قولها في نكاح من قدمته مقبولًا فإن حلفت أنها لا تعلم أيما أسبق بالعقد. فالنكاحان باطلان وهل يبطل بمجرد يمينها أو فسخ الحاكم على وجهين إن قيل قد بطل يمينها نكاح الزوجين وهي مقترنة أن أحدهما زوج وإن لم يتعين لها قيل: لأن يمينها يسقط عنها تمكين نفسها من كل واحد منهما وإذا منعها الشرع من واحد منهما بطل نكاحها وإن نكلت عن اليمين ردت اليمين على الزوجين. فإن حلفا بطل نكاحهما. وإن نكلا فسخ نكاحهما وإن خلف أحدهما ونكل الآخر قضى بنكاحها للحالف منهما دون الناكل وإن اعترفت. قالت: اعلم السابق بالعقد منهما وهو زيد دون عمر فالقول قولها وهي زوجة للمصدق لأنها مالكة بضعها فقبل قولها تصديق من ملكه عنهما كما يقبل قولها في سائر أملاكها وهل عليها اليمين أم لا؟ على قولين.
أحدهما: لا يمين عليها لأمرين.
أحدهما: أنها لو رجعت عنه لم تقبل.
стр. 4233
والثاني: أنه بينه كالشاهدين وهذا قوله في "الأم".
والقول الثاني: أن يمين عليها واجبة لأمرين:
أحدهما: أن المكذب مدع فلم يدفع مجرد الإنكار إلا مع اليمين.
والثاني: أنه قد يتعلق برجوعها أن لو صدقته عزم فلزمت اليمين وهذا قوله في "الإملاء "ومثل هذين القولين في الراهن إذا صدق أحد المرتهنين هل يحلف للمكذب أم لا على قولين ويشبه أن يكون اختلاف توليه في يمين الزوجة مبينًا على اختلاف قولي في تصديقها للمكذب ل يوجب عليها مهر المثل أم لا؟ فإن قيل يوجب التصديق عليها مهر المثل حلفت على التكذيب. وإن قيل لم يجب لم تخلف فإذا تقرر توجيه القولين وبناؤها فإن قيل: إنه لا يمين عليها أو عليها اليمين فلفت ثبت النكاح للمصدق وكان نكاح المكذب مردودًا وإن قيل: عليها اليمين فنكلت فلا يخلو حالها في النكول من أحد آمرين:
إما أن يكون الاعتراف بالثاني أو بغير اعتراف به فإن كان نكولها اعترافًا للثاني يتقدم نكاحه لم يرد اليمين على أحد وقد صارت مقرة للأول ثم عدلت عنه إلى إقرارا للثاني فثبت نكاحها للأول بإقرارها ولم يقبل رجوعها عنه إلى الثاني وجرى مجرى قولها في الابتداء بسبق هذا لأجل هذا فتكون زوجة للأول بإقرارها دون الثاني كمن بيده دار فقال: هي لزيد لا بل لعمرو وكانت لزيد المقر له أولًا دون عمرو وإذا كانت بما سبق من الإقرار زوجة للأول دون الثاني فهل يلزمها أن تغرم للثاني مهر مثلها أم لا؟ على قولين:
كمن قال: هذه الدار لزيد بل لعمرو وكانت لزيد. وهل يغرم قيمتها لعمرو أم لا؟ على قولين:
أحدهما: لا يلزمها غرم المهر لاعترافهما بما لزمها.
والقول الثاني: يلزمها غرم مهر مثلها للثاني، لأنها قد فوتت نفسها عليه بإقرارها للأول فعلى هذا لو مات الأول صارت بعد موته زوجه الثاني بإقرارها المتقدم كمن أقر بدار لزيد ثم أقر بها لعمرو كانت لزيد المقر له أولًا فلو عادت الدار إلى المقر بابتياع أو هبة أو ميراث صارت لعمر بالإقرار السابق المتقدم فكذلك هذه في مصيرها زوجة للثاني وعليها أن تعتد من الأول وإن كان لم يصيبها بأربعة أشهر وعشر وإن كان قد أصابها بأكثر الأجلين من أربعة أشهر وعشر عدة الوفاة أو ثلاثة أقراء عدة الوطء وهي محرمة على الثاني في زمان عدتها من الأول. وإن كانت زوجته وإن كان نكولها لغير اعتراف بل كانت تكذيب الثاني وتصديق الأول رد اليمين بعد نكولها على المكذب فإن نكل المكذب عنها استقر نكاح الأول وإن خلف فقد قابل تصديق الأول يمين الكذب فيكون يمين المدعي بعد نكول المدعى عليه وقد اختلف قول الشافعي في يمين المدعي بعد نكول المدعي عليه هل يقوم مقام البينة أم مقام الإقرار على قولين:
أحدهما: أنها تقوم مقام البينة فعلى هذا تكون زوجة الثانية ويزول عنها نكاح الأول
стр. 4234
كما لو أقام الثاني بينة بعد تصديقها للأول وهذا محكي عن أبي علي بن خيران من بعد.
والقول الثاني: أنها تقوم مقام الإقرار، فعلى هذا قد كان مع الأول إقرار منها وقد صار مع الثاني إقرار قد لزم عنها فصار إقرارين، وقد اختلف أصحابنا فيهما هل يكون حكمهما حكم إقرارين وقعا معًا؛ لأن يمين الثاني أوجبها نكولها عن اليمين المستحقة بالإقرار الأول فلم يتقدم حكم أحد الإقرارين على الآخر. وهذا قول أبي إسحاق المروزي فعلى هذا يبطل النكاحان معًا. كما لو أقرت لهما في حالة واحدة.
والثاني: أنهما في حكم إقرارين متراتبين وقع أحدهما بعد الآخر؛ لأن يمين الثاني، جعلته في حكم المقر له وهي متأخرة فصار الإقرار له متأخر عن الإقرار الأول وهذا قول جمهور أصحابنا فعلى هذا تكون زوجة للأول دون الثاني كما لو أقرت الثاني بعد أول وهل يرجع الثاني عليها بمهر مثلها أم لا؟ على ما مضى من القولين فإنه طلب الثاني في هذه الحال إحلاف الأول ففيه وجهان:
أحدهما: ليس ل إحلافه؛ لأن المدعى عليه غيره ولو مات لم تصر زوجة الثاني؛ لأنها منكرة وإن نزلت في بعض أحوالها منزلة المقرة.
والثاني: له إحلافها ولو نزل عنها فحكم بها للثاني لأجرينا عليها أحكام المقرة من غير تبغيض فهذا حكم المسألة وما انتهت إليها أقسامها وأحكامها.
فرع:
ويتفرع على هذه المسألة أن يوكل الرجل وكيلين في أن يزوجاه، فزوجاه بامرأتين في عقدين لزمه العقدان، وصح نكاحهما له بخلاف المرأة إذا زوجها وليان؛ لأن الرجل يجوز أن يكون ذا زوجتين ولا يجوز أن تكون المرأة ذات زوجين فلو قال أحد الوكيلين: زوجتك من زينب وزوجك صاحبي من هند وقال الآخر: أما زوجتك بزينب وزوجك صاحبي من هند فلا تأثير لهذا الاختلاف والنكاحان على الصحة، فلو زوجه الوكيلان بامرأة واحدة في عقدين صحّ نكاحه عليها. والأول منهما له الحكم والمهر دون الثاني فإن وقع العقدان في حال واحدة من وليين صحّ النكاح أيضًا فإن اختلف المهران لم يحكم بواحد منهما وكان لها مهر المثل. فلو ادعت الزوجة تقدم أكثر العقدين مهرًا وادعى الزوج تقدم أقلهما مهرًا ولا بينه لواحد منهما تحالفا وحكم لها بمهر المثل ولا تقبل شهادة الوكيلين.
فلو عقد الوكيل على امرأة غير الموكل عليها أو لم يعين ثم اختلفا فقال الوكيل: قبلت العقد عليها لنفسي وقال الموكل: بل قبلته لي فالقول قول الوكيل؛ لأن له أن يفعل ذلك.
فرع:
وإذا قال رجل لامرأة: أنت زوجتي فصدقته ثبت حكم نكاحهما بالتصادق عليه.
стр. 4235
وقال مالك: لا يثبت نكاحهما بالتصادق حتى يرى داخلًا عليها وخارجًا من عندها، إلا أن يكونا في سفر.
وحكي هذا عن الشافعي في القديم، ومذهبه في الجديد أصحّ؛ لأنه ليس ظهور الدخول والخروج شرطًا في صحة العقد فلم يكن شرطًا في صحة الاعتراف وإذا صحّ النكاح بهذا التصادق عليه فأيهما مات ورثه صاحبه ولكن لو قال الرجل: هذه زوجتي ولا يكن منها تصديق ولا تكذيب فإن مات ورثته وإن ماتت لم يرثها نص عليها الشافعي في "الأم "أنه اعترف لها بما يعترف له بمثله فورثته ولم يرثها وعلى هذا لو قالت المرأة: هذا زوجي ولم يكن منه تصديق ولا تكذيب ورثها إن ماتت ولم ترثه إن مات للمعنى الذي ذكرنا نص عليه الإملاء قال فيه: ولو تزوج رجل امرأة من وليها ثم مات عنها، فقال وارثه: زوجك وليك بغير إذنك فنكاحك باطل ولا ميراث لك، وقالت: بل زوجني بإذني فلي الميراث فالقول قولها مع يمينها؛ لأن إذنها لا يعلم إلا منها، والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ زَوَّجَهَا الوَليُّ بَأَمْرِهَا مِنْ نَفْسِهِ لَمُ يَجُزْ كَمَا لاَ يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِي مِنْ نَفْسِهِ ".
قال في الحاوي: إذا كان للمرأة ولي يحل له نكاحها كابن عم أو مولى معتق لم يجز أن يتزوجها بنفسه وولايته حتى يزوجه الحاكم بها.
وقال مالك وأبي حنيفة: يجوز أن يتزوجها من نفسه بعد إذنها ل. وقال أحمد بن حنبل: يأذن لأجنبي حتى يزوجه بها واستدل من أجازه بقول الله تعالى: ﴿ويَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ ومَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللاَّتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧] قالت عائشة: نزلت هذه الآية في شأن يتيمة في حجر وليها رغب في مالها وجمالها لم يقسط لها في صداقها مهرًا أن تنكحوا أو تقسطوا لهن في صداقهن فدل على أن للولي أن يتزوجها ولم يقسط في صداقها وبقول النبي ﷺ : "لا نكاح إلا بولي "وهذا نكاح في عقده ولي، ولأن النبي ﷺ أعتق صفية وتزوجها ولم يكن لها ولي سواه. ولأنه نكاح بولي فجاز ثبوته كما لو زوجها من غيره، ولأن الولي إنما يراد لأن لا تضع المرأة نفسها في غير كف ووليها كفاء.
ودليلنا ما روى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن النبي ﷺ قال: "كل نكاح لم يحضر أربعة فهو سفاح خاطب وولي وشاهدا عدل "فاعتبر في صحته حضور أربعة وجعل الخاطب منهم غير الولي فلم يجز أن يصح بثلاثة بكون الولي منهم خاطبًا، كما لو لم يجز أن يكون الشاهد منهم خاطبًا.
стр. 4236
(وروى) سعيد بن المسيب عن النبي ﷺ أنه قال: لا يتزوج الرجل المرأة حتى يكون الولي غيره ولا يشتري الولي شيئًا من الغنيمة ولا الوصي شيئًا من الميراث "وهذا نص مرسل سعيد عند الشافعي حجة؛ لأنه عقد لم يملك فيه البدل إلا بإذن فلم يملك في القول كالوكيل في البيع لما ملك فيه البدل بإذن موكله لم يملك فيه القبول في شرائه لنفسه، وهي دلالة الشافعي، ولا يدخل في هذا القياس ابتياع الأب مال ابنه الصغير بنفس حيث صار فيه مالكًا للبدل والقبول؛ لأن الأب يملك البدل لنفسه لا بإذن غيره، فجاز أن يملك فيه القبول، وخالف الولي في النكاح كما خالف الوكيل في البيع؛ ولأن ذكر اعتبر في النكاح احتياطًا فلم يجز أن يكون زوجًا كالشاهد، ولأن الولي مندوب لطلب الحظ لها في التماس من هو ألفًا وأغنى فإذا صار زوجًا انصرف نظره إلى حظ نفسه دونها فعدم في عقده معنى الولاية فصار ممنوعًا منه ومن غيره، وليس الآن دليل على ما اختلفنا في من جواز أن يتزوجها بنفسه. وأما الجواب عن قوله ﵇: "لا نكاح إلا بولي "فهو أن هذا في حال تزويجه بها قد خرج أن يكون وليًا لها لما ذكرنا من انصرافه عما وضع له الولي من طلب الحظ لها إلى طلب الحظ لنفسه، فأما الجواب عن حديث سعيد فهو أن النبي ﷺ مخصوص بجواز النكاح بغير ولي عند كثير من أصحابنا، فلم يجز أن يعتبر به حال غيره. فأما على قول من اعتبر الولي في نكاحه فيقول لم يكن لصفية ولي غيره فصار في عقده عليها كالإمام إذا لم يجد لوليته وليًا سواه يزوجها منه فيكون على ما سنذكره.
وأما الجواب عن قياسهم أنه نكاح بولي فلا نسلم أنه يكون وليًا لها إذا تزوجها لما ذكرنا من زوال معنى الولاية عنه، ثم المعنى في الأصل أن الباذل غير العائل.
وأما الجواب عن استدلالهم بأنه كفء لها لمناسبته فلم يحتج إلى ولي يلتمس الكفاءة وهي ليست معتبرة بالنسب وحده وقد يجوز أن لا يكافئها فيما سوى النسب من مال وعفاف.
فرع:
فإذا ثبت ليس للولي أن يتزوجها بنفسه نظر، فإن كان في درجته من أوليائها أحد جاز له أن يتزوجها منه، وإن لم يكن لها إلا من هو أبعد منه لم تنتقل الولاية إلى البعيد، وزوجه الحاكم بها.
وقال قتادة وعبيد الله بن الحسن: تنتقل الولاية إلى من هو أبعد فيزوجها منه وهذا خطأ؛ لأن ولايته لم تبطل بهذا القصد فلم ينتقل عنه إلى الأبعد، وصار بخطبتها كالعاضل فيزوجها الحاكم، فلو كان هذا الولي هو الحاكم لم يجز له أن يتزوجها بولاية النسب وعدل إلى الإمام أو إلى غيره من الحاكم حتى يزوجه بها، فلو كان هذا الولي هو الإمام الأعظم ففيه لأصحابنا وجهان:
أحدهما: يجوز أن يتزوجها بنفسه لعموم ولايته وأن الحكام كلهم من قبله كما تزوج النبي ﷺ صفية بنفسه لهذا (المعنى).
стр. 4237
والثاني: أن يتزوجها من حكام الوقت لولايتهم. وإن كانت منه فهم بخلاف وكلائه. ولأنه نائب عن كافة المسلمين في تقليد الحكام ونائب عن نفسه في تقليد الوكلاء، ألا تراه لو مات بطلت ولاية وكلائه وأن تبطل ولاية حكامه. ولذلك تحاكم عمر وأبي بن كعب إلى زيد وحاكم عليّ يهود إلى شريح.
فرع:
ولو أراد الولي أن يزوج وليته بابنه، كولي هو عم فأراد أن يزوج بنت أخيه بابنه، فإن كانت صغيرة لم يجز؛ لأن الصغيرة لا يزوجها غير أبيها أو جدها، وإن كانت كبيرة فاجتمع البذل والقبول من جهته فلم يصح أن يتزوجها لنفسه لحصول البذل والقبول منه من جهته، وإن كان ابنه كبيرًا ففي جواز تزويجه بها وجهان:
أحدهما: يجوز لأنه وإن كان باذلاً فالقابل غيره وهو الابن فلم يجتمع البذل والقبول من جهة واحدة.
والثاني: لا يجوز أن يزوجه بها؛ لأنه يميل بالطبع إلى طلب الحظ لأبنه دونها، كما لم يجز أن يتزوجها بنفسه لهذا المعنى. فأما الجد إذا أراد أن يزوج بنت ابنه بابن ابن له آخر، فإن كانا كبيرين جاز لاعتدال السببين في ميله إليهما وطلب الحظ لهما، وإن كانا صغيرين فعلى وجهين مضيا:
أحدهما: يجوز لهذا المعنى.
والثاني: لا يجوز لاجتماع البذل والقبول من جهته.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيَُ: "وَيُزَوِّجُ الأَبُ أَوْ الجَدُّ لابْنَتِهِ الَّتِي يُؤيَسُ مِنْ عَمَلِهَا؛ لأَنَّ لَهَا فِيهِ عَفَافًا وَغِنَى وَرُبَّمَا كَانَ شِفَاءُ سَوَاءَ كَانَتْ بِكْرًا أَوْ نَبْيَا".
قال في الحاوي: وهذه المسألة قد مضت فيما قدمناه من التقسيم فإذا كانت مجنونة لم يخل حالها من أحد أمرين:
إما أن تكون بكرًا أو ثيبًا، فإن كانت بكرًا زوجها أبوها أو جدها صغيرة كانت أو كبيرة؛ لأن للأب إجبار البكر في حال العقل، فكان أولى أن يجبرها في حال الجنون، فإن لم يكن لها أب ولا جد نظر، فإن كانت صغيرة لم يكن لأحد أوليائها ولا الحاكم أن يزوجها حتى تبلغ، فإذا بلغت زوجها الحاكم دون عصبتها المناسبين لاختصاصه بفضل النظر في الولاية على مالها، فإن كانت ثيبًا نظر، فإن كانت كبيرة زوجها أبوها أو جدها، فإن لم يكن لها أب ولا جد زوجها الحاكم دون سائر العصبات وإن كانت صغيرة ثيبًا فليس لغير الأب والجد تزويجها حتى تبلغ. وهل للأب والجد تزويجها قبل
стр. 4238
البلوغ أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: لا يجوز حتى تبلغ لأنه لا حاجة بها إلى الزوج قبل البلوغ وهذا قول أبي علي بن أبي هريرة.
والثاني: أنه يجوز تزويجها قبل البلوغ بخلاف العاقلة التي يرجى صحة إذنها بالبلوغ ولا يجري صحة إذن المجنونة بعد البلوغ فافترقا فأما قوله فإن لها فيه عفافًا وغنى وربما كان شفاء، فهذا تعليل بجواز تزويج البالغ المجنونة. فأما العفاف فيريد به من الزنا. وأما الغني فتغنى باكتساب المهر والنفقة وأما الشفاء فربما كان من شدة المانخوليا وقوة الشبق فتبرأ إن جومعت، والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيَُ: "وَيُزَوِّجُ المَغْلُوبَ عَلَى عَقْلِهِ أَبُوهُ إِذَا كَانَتْ بِهِ إِلَى ذَلِكَ حَاجَةٌ، وابْنُهُ الصَّغِيرُ فَإِنْ كَانَ مَجْنُونًا أَوْ مَخْبُولاً كَانَ النّكَاحُ مَرْدُودًا لأًنَّهُ لاَ حَاجَةَ بِهِ إِلَيْهِ ".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: لا يخلو حال الابن إذا أراد الأب أن يزوجه من أحد حالين:
إما أن يكون عاقلًا أو مجنونًا، فإن كان عاقلاً لم يخل حاله من أن يكون بالغًا أو صغيرًا، فإن كان بالغًا فلا ولاية عليه للأب في نكاحه فإن زوجه بغير إذنه كان النكاح باطلاً، حتى يكون هو المتولي للعقد، أو الآذن فيه وإن كان صغيرًا جاز للأب تزويجه في صغره، فإن ابن عمر زوج ابنًا له وهو صغير، ولأنه محتاج إليه في الأغلب إذا بلغ فعجل الأب له بذلك ليألف صيانة الفرج، وربما رغب الناس فيه لكافلة الأب فإن زوجه واحدة لزمه نكاحها وليس له بعد البلوغ خيار، فإن أراد الفراق فبالطلاق، وإن أراد الأب تزويجه بأكثر من واحدة ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز لأن له في الواحدة غناء
والثاني: وقد حكي عن الشافعي نصًا أنه يزوجه تمام أربع؛ لأن معنى الواحدة موجود فيهن، وإن كان الابن مجنونًا فله حالتان:
صغير وكبير، فإن كان صغيرًا لم يكن للأب تزويجه لعدم حاجته باجتماع جنونه مع صغره. وإن كان للأب تزويج بنته الصغيرة المجنونة والفرق بينهما أن البنت قد تكتسب بالتزويج المهر والنفقة والابن ملتزمهما وإن كان الابن بالغًا فإن لم يكن به إلى التزويج حاجة لم يزوجه وإن كان محتاجًا وحاجته تكون من أحد وجهين:
إما أن يرى متوثبًا على النساء لكثرة شهوته وقوة شبقه. وإما أن يحتاج إلى خادم وخدمه الزوجة أرفق به لفضل حنوها وكثرة شفقتها فيجوز له حينئٍذ تزويجه بواحدة لا
стр. 4239
يزيده عليها؛ لأن له فيها غناء، فإن أفاق من جنونه كان النكاح على لزومه.
فأما المعنى عليه فلا يجوز للأب تزويجه؛ لأن الإغماء مرض يرجى سرعة زواله بخلاف الجنون فأما الذي يجن في زمان ويفيق في زمان فليس للأب تزويجه لاسيما إن كان زمان إقامته أكثر. لأنه قد يقدر على العقد في زمان الإفاقة.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَيْسَ لأَبِ المَغْلُوبِ عَلَى عَقُلِهِ أَنْ يُخَالِعَ عَنْهَ ".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، إذا زوج الأب ابنه المجنون أو تزوج الابن وهو عاقل ثم جن فليس للأب أن يخالع عنه؛ لأن الخلع لا يتم إلا بالطلاق، والطلاق لا يقع إلا من الأزواج.
روى ابن عباس أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني زوجت عبدي امرأة وأريد أن أطلقها منه، فقال: "ليس لك طلاقها، إنما الطلاق لمن أخذ بالساق؛ ولأن الطلاق إزالة ملك يقف على شهوات النفوس لا يراعى فيه الأصلح والأولى؛ لأنه قد يطلق العفيفة والجميلة ويملك الفاجرة القبيحة، فلم يجز أن يراعى فيه شهوة غير المالك؛ لأن تصرف الولي في حق غيره يعتبر فيه المصلحة دون الشهوة فلذلك لم يكن للولي أن يطلق على المولى عليه، وجاز أن يبيع ماله عليه اعتبارًا بالمصلحة فيه فافترقا. وإذا لم يكن للأب أن يطلق على ابنه الصغير أو المجنون فكذلك العبد لا يجوز أن يخالع عليه؛ لأنه معاونه على طلاق لا يصح منه، والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلاَ يَضْربَ لامْرَأَتِهِ أَجَلَ العَنّينِ لأَنَّهَا إِنْ كَانَتْ ثَيْبًا فَالقَوْلُ قَوْلُهُ أَوْ بِكْرًا لَمْ يُعْقَلْ أَنْ يَدْفَعَهَا عَنْ نَفْسِهِ بِالقَوْلِ أَنَّهَا تَمْتَنِعُ مِنْهُ ".
قال في الحاوي: وهذا كما قال إذا ادعت امرأة المجنونة عليه العنة لم تسمع دعواها عليه؛ لأنه لا حكم لقوله ولا على وليه؛ لأن ثبوته يوجب حقًا على غيره؛ ولأن صدقها الولي على عنته جاز أن يضرب لها أجل العنة؛ لأنه لو كان عاقلاً جاز أن ينكرها، وهكذا لو كان الزوج عاقلاً فيضرب لها أجل العنة، ثم حين قبل انقضاء المدة لم يجز إذا انقضت المدة وهو على جنونه أن يخير في فسخ نكاحه، لأنه لو كان عاقلاً لجاز أن يدعي وطئها إن كان ثيبًا، ومنها إن كانت بكرًا، فيكون القول قوله في الحالين:
стр. 4240
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلاَ يُخَالِعُ عَلَى المَعْتُوهَةِ وَلاَ يُبْرِئُ زَوْجََا مِنْ دِرْهٍَم مِنْ مَالِهَا ".
قال في الحاوي: وهذا صحيح لا يجوز للأب أن يخالع عن بنته المجنونة، من مالها لأمرين:
أحدهما: أنه مأمور بحفظ مالها وهذا استهلاك.
والثاني: أنه مندوب إلى طلب الزيادة في كسبها لا إلى إسقاطه، وهذا يسقط نفقتها ومهرها إن لم يدخل بها، فأما إن خالع الأب عنها من مال نفسه جاز خلعه؛ لأنه لو خالع عن أجنبيه عاقلة بمال نفسه وهي غير عالمة ولا مريدة صح خلعه فعن بنته المجنونة أولى.
فرع:
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلاَ يُبَرِّئُ زَوْجَهَا مِنْ دِرِهٍَم مِنْ مَالِهَا ".
وهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون من غير الصداق فلا يجوز للأب أن يبرئ منه.
والثاني: صداقًا.
فعلى ضربين:
أحدهما: أن يكون قد دخل لها فلا يجوز للأب أن يبرئ منه لأنه كسائر أموالها.
والثاني: أن لا يكون قد دخل بها فعلى ضربين:
أحدهما: أن يكون إلى الزوجين لم يطلق فلا يجوز للأب أن يبرئ منه.
والثاني: أن يكون قد طلقت ففي جواز إبراء الأب منه قولان مبنيان على اختلاف قوليه في الذي بيده عقدة النكاح.
أحدهما: وهو قوله في القديم- وبه قال مالك أنه الأب فعلى هذا يجوز للأب والجد دون غيرهما من الأولياء أن يبرأ من صداقها.
والقول الثاني: قاله في الجديد. وبه قال أبو حنيفة: أنه الزوج فعلى هذا لا يجوز للأب والجد أن يبرئا منه كما لا يجوز لغيرهما من الأولياء أن يبرئا شيء من صداقها كما لم يجز لا أن يبرأ من غير الصداق من سائر أموالها.
فأما الخلع على ظاهر قوله أنه لا يجوز وكان بعض أصحابنا يخرج من هذا القول وجهًا آخر أنه يجوز للأب أن يخالع عنها بصداقها لأنه لما جاز الإبراء منه على غير بدل كان جوازه على بدل أولى وهذا جمع فاسد والفرق بينهما من وجهين:
أحدهما: إن الإبراء مجوز بعد الطلاق وفي الخلع يكون مبرءًا منه قبل الطلاق.
следующие страницы →