Полный текст (7 151 стр.). Показаны 4411–4450 · переход к 4416.
стр. 4411
يحكم بها النبيون، وكذا كان حالها ثم غيرت حين بدل أهلها كما قال تعالى: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ [الأنعام: ٩١] ومع تغيرهم لها وتبديلهم فيها لا يتميز الحق من الباطل فوجب العدول عنها وأما إحضاره التوراة عند رجم اليهوديين، فلأنه حين حكم عليها بالرجم أخبر اليهود أن في التوراة فأنكروه فأمره بإحضارها لتكذيبهم، فلما حضرت ترك ابن صوريا وهو أحد أحبارهم يده على ذكر الرجم، فأمره رسول الله ﷺ برفع يد، فإذا آية الرجم تلوح فكان إحضارها رد لإنكارهم وإظهار لتكذيبهم، لا لأن يحكم بها عليهم لأنه قد حكم بالرجم قبل حضورها، والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "َإِنْ لَمْ يَكُنْ حُكْمٌ مَضَى لَمْ يُزَوِّجْهُمْ إِلَّا بِوَلِيٍّ وَشُهُودٍ مُسْلِمِينَ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهَا قَرِيبٌ زَوَّجَهَا الحَاكِمُ لأَنَّ تَزْوِيجَهُ حُكْمٌ عَلَيْهَا فَإِذَا تَحَاكَمُوا إِلَيْنَا بَعْدَ النِّكَاحِ فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَجُوزُ ابْتِداؤُهُ فِي الإِسْلَامِ أَجَزْنَاهُ؛ لأَنَّ عَقْدَهُ قَدْ مَضَى فِي الشِّرْكِ».
قال في الحاوي: قد مضى ما قررناه من وجوب الحكم بين أهل الذمة أو جوازه فإذا ترافع زوجان في عقد نكاح فهو كترافعهما في غيره من عقود البيع والإجازات، وإنما خص الشافعي ترافعهما في عقد النكاح لأنه في كتاب النكاح ولأن فروعه أكثر فإذا ترافعا فيه فعلى ضربين:
أحدهما: أن يترافعا في استدامة عقد قد مضى فليس للحاكم أن يكشف عن حال العقد ولا يعتبر فيه شروط الإسلام وينظر فإن كانت الزوجة ممن تجوز له عند التحاكم أن يستأنف العقد عليها جاز أن يقرهما على ما تقدم من عقدها. سواء كان بولي أو شهود أم لا إذا رأوا ما عقدوه نكاحًا في دينهم وإن كانت ممن لا يجوز أن يستأنف العقد عليها عند الترافع إلينا لكونها في ذوات المحارم والمحرمات أو بقية عدة من زوج آخر حكم بإبطال النكاح ويكون حالها عند الترافع إلى الحاكم كحالهما لو أسلما فما جاز إقرارها عليه من النكاح بعد إسلامها جاز إقرارهما عليه عند ترافعهما إلى حاكمنا وما لم يجز الإقرار عليه بعد الإسلام لم يجز الإقرار عليه عند الترافع إلى الحاكم.
فصل:
والضرب الثاني: أن يترافعا إلى حاكمنا في ابتداء عقد يسأنفه بينهما فعلى الحاكم أن يعقده بينهما على الشرو المعتبرة في الإسلام بولي وشهود لقول الله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] وإنما جاز أن يمضي في مناكحهم في الشرك وإن لم تكن على شروط الإسلام ولا يجوز أن يستأنفها في الإسلام إلا على شروطه لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] ولأن في اعتبار
стр. 4412
مناكحهم في الشرك على شروط الإسلام وردها إذا خالفته تنفيرًا لهم من الدخول في الإسلام وليس فيما استأنفوه لرضاهم به تنفيرًا لهم منه. فإذا تقرر ما وصفناه قوليها في النكاح أقرب عصبتها من الكفار ولأن ولي الكافرة كافر ويراعى أن يكون عدلًا في دينه فإن كان فاسقًا فيه كان كفسق الولي المسلم بعدل إلى غيره من الأولياء العدول فإن عدم أوليائها من العصبة والمعتقين زوجها الحاكم ولا يمنعه الإسلام من تزويجها وإن منع منها إسلام عصبتها لأن تزويجها حكم فيه عليها.
فأما الشهود في نكاحها فلا يصح إلا أن يكونوا مسلمين وجوز أبو حنيفة عقد نكاحها بشهود كفار كما جاز بولي كافر وهذا خطأ لقول النبي ﷺ : «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل» والفرق بين الولي والشهود أن الولي يراد لطلب الحظ لها للموالاة التي بينها والكافر المشارك لها في الكفر أقوى موالاة من المسلمين فكان الكافر أحق بولاية نكاحها من المسلم وليس كذلك الشهود لأنهم يرادون لإثبات الفراش وإلحاق النسب لا يثبت ذلك إلا بالمسلمين فكانوا أخص بالشهادة فيه من غيرهم وهذا حكم إذنها إذا كانت ثيبًا بالنطق وإن كان بكرًا بالصمت ولا يعقده إلا بصداق حلال وإن كانوا يرون في دينهم عقده بالمحرمات من الخمور والخنازير وهل يجوز أن يعقده كتابي على وثنية أو وثني على كتابية أولًا؟ على وجهين:
أحدهما: وهو قول أبي سعيد الإصطخري- لا يجوز لمسلم أن يعقد على وثنية ولا لوثني أن يعقد على مسلمة.
والثاني: وهو مذهب الشافعي يجوز لأن الكفر كله ملة واحدة.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: «وَكَذَلِكَ مَا قَبَضَتْ مِنْ مَهْرِ حَرَامٌ وَلَوْ قَبَضَتْ نِصْفَهُ فِي الشِّرْكِ حَرَامًا ثُمَّ أَسْلَمَا فَعَلَيْهِ مَهْرِ مِثْلِهَا».
قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا ترافع الزوجان في صداق نكاح عقد له في الشرك فهو على ضربين:
أحدهما: أن يكون حلالًا معلومًا فيحكم على الزوج، وكذلك لو أسلما عليه، ولا يلزم الزوج غيره فإن أقبضها في الشرك برئ منه وإن لم يقبضها أخذته بعد الإسلام أو عند الترافع إلى الحاكم بعد بقائها على الشرك.
والثاني: أن يكون حرامًا لا يجوز أن يكون صداقًا في الإسلام فهذا على ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يتقابضاه في الشرك قبل الترافع على الحاكم فقد برئ الزوج منه لأن ما
стр. 4413
فعلاه في الشرك عفو لا يتعقب بنقض كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٨] فجعل ما مضى عفوًا وقال النبي ﷺ : «الإسلام يجبّ ما كان قبله».
والثاني: أن يكون الصداق باقيًا لم يتقايضاه فلا يجوز أن يحكم بإقباضه سواء ترافعا وهما على الشرك أو قد أسلما ويحكم لها بمهر المثل دون القيمة لأن الخمر لا قيمة له وكذلك الخنزير وسائر المحرمات.
وقال أبو حنيفة: كان الصداق معينًا حكم لها به سواء أسلما لم لا وإن كان في الذمة فإن كانا على الشرك حكم لها بمثل الخمر وإن كانا قد أسلما حكم لها بقيمة الخمر بناء على أصله في غاصب الدار وفيها خمر إذا استهلكها وقد مضى الكلام معه.
والثالث: أن يتقابضا بعضه في الشرك ويبقى بعضه بعد الإسلام أو بعد الترافع إلى الحاكم فيبرأ الزوج من قدر ما أقبض في الشرك ويحكم لها من مهر المثل بقسط ما بقي منه وعند أبي حنيفة يحكم لها بقيمة ما بقي منه بناء على ما ذكرنا من أصله وما ذكرناه أولى لما قدمناه وإن كان كذلك لم يخل حال الصداق الحرام المقبوض بعضه من أحد أمرين:
إما أن يكون جنسًا أو أجناسًا فإن كان جنسًا واحدًا كأنه أصدقها عشرة أزقاق من خمر ثم ترافعا أو أسلما وقد أقبضها خمسة أزقاق وبقيت خمسة ففيها وجهان لأصحابنا:
أحدهما: أنه يراعى عدد الأزقاق دون كيلها فتكون الخمسة من العشرة نصفها وإن اختلف كيلها فيسقط عنه من المهر نصفه ويبقى عليه نصفه فيلزمه نصف مهر المثل وهذا قول أبي إسحاق المروزي.
والثاني: أنه يراعى كيلها دون عددها فينظر كيل الخمسة المقبوض من جملة كيل العشرة فإن كان ثلثها في الكيل ونصفها في العدد برئ من ثلث المهر ولزم ثلثا مهر المثل وهذا قول أبي علي بن أبي هريرة ولو كان قد أصدقها عشرة خنازير وأقبضها من العشرة ستة خنازير فعلى ما ذكرنا من الوجهين:
أحدهما: وهو قول أبي إسحاق- إنك تراعي العدد فتكون الستة من العشرة ثلاثة أخماسها، سواء اختلفت في الصغر أو الكبر، أو لم تختلف، فيبرأ من ثلاثة أخماس الصداق ويطالب بخمس مهر المثل.
والثاني: وهو قول أبي علي بن خيران أنك تراعيها في الصغر والكبر، وكان الكبير منها يعدل صغيرين، وقد قبضه في السنة كبيرين وأربعة صغارًا، فكانت الأربعة تعادل كبيرين فصارت الستة أربعة كبارًا، والأربعة من العشرة خمساها فيبرأ من خمس الصداق، وترجع عليه بثلاثة أخماس مهر المثل، وإن كان الصداق أجناسًا مختلفة كأنه أصدقها
стр. 4414
خمسة أزقاق خمرًا وعشرة خنازير وخمسة عشر كلبًا، ثم ترافعا أو أسلما وقد أقبضها خمسة أزقاق خمرًا وبقيت الخنازير كلها، والكلاب بأسرها فعنه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنك تعتبر عدد الجميع فيكون المقبوض خمسة من ثلاثين وهو سدسها فيسقط عند سدس الصداق ويؤخذ بخمسة أسداس مهر المثل.
والثاني: أنك تعتبر عدد أجناس وهي ثلاثة والمقبوض أحدها فتسقط عنه ثلث الصداق ويؤخذ بثلثي مهر المثل.
والثالث: وهو قول أبي العباس بن سريج أنك تعتبر قيمة الأجناس الثلاثة وتنظر قيمة المقبوض فتسقطه منه فيبرأ بقسطه من الصداق ويؤخذ بقسط الباقي من مهر المثل.
قال أبو العباس: وقد يجوز في الشرع أن يعتبر قيمة ما لا يحل بيعه ولا قيمة له كما يعتبر في حكومة ما لا يتقدر من جراح الحر قيمته لو كان عبدًا وإن لم يكن للحر ثمنًا ولا قيمة كذلك الخمور والخنازير والكلاب ولو كان المقبوض من الثلاثة جنسًا آخر غير الخمر كان على ما ذكرنا من الأوجه الثلاثة فاعتبر به، وبالله التوفيق.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: «وَالنَّصْرَانِيُّ فِي إِنْكَاحش ابْنَتِهِ وَابْنِهِ الصَّغِيرَيْنِ كَالمُسْلِمِ».
قال في الحاوي: وهذا صحيح، لأننا قد ذكرنا أن ولي الكافرة كافر فله أن يزوج بنته الصغيرة إذا كانت بكرًا، ولا يزوجها إن كانت ثيبًا كالمسلم، ويزوج بنته الكبرى بكرًا بغير إذن وثيًا بإذن وله أن يزوج ابنته الصغيرة وليس له تزويج الكبيرة، كما نقوله في الأب المسلم في بنته وابنه المسلمين، فأما ولاية الكافر على أموال الصغار من أولاده، فما لم يرفع إلينا أقروا عليها، فإذا رفع إلينا لم يجز أن يؤتمن على أموالهم وترد الولاية عليهم فيها إلى المسلمين، بخلاف الولاية في النكاح؛ لأن المقصود بولاية الأموال الأمانة وهي في المسلمين أقوى والمقصود بولاية النكاح الموالاة وهي في الكافر للكافر أقوى، والله أعلم.
باب إتيان الحائض ووطء اثنتين قبل الغسل
قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: «أَمَرَ اللَّهُ ﵎ بِاعْتِزَالِ الحُيَّضِ فَاسْتَدْلَلْنَا بِالسُّنَّةِ عَلَى مَا أَرَادَ فَقُلْنَا تَشَدُّ إِزَارُهَا عَلَى أَسْفَلِهَا وَيُبَاشِرُهَا فَوْقَ إِزَارَهَا حَتَّى يَطْهُرْنَ حَتَّى يَنْقَطِعَ الدَّمُ وَتَرَى الطُّهْر».
قال في الحاوي: أما وطء الحائض في الفرج فحرام بالنص والإجماع. قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] وفي هذا المحيض ثلاثة تأويلات:
أحدها: أنه أراد به دم الحيض.
стр. 4415
والثاني: زمان الحيض.
والثالث: مكان الحيض.
ثم قال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] أي ينقطع دمهن فإذا تطهرن فيه تأويلان:
أحدهما: فإذا انقطع دمهن، وهذا تأويل أبي حنيفة.
والثاني: فإذا تطهرن بالماء، وهذا تأويل الشافعي وأكثر الفقهاء والمفسرين. ﴿فَاتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢] فيه تأويلان:
أحدهما: في القبل الذي نهى عنه في حال الحيض، وهذا تأويل ابن عباس.
والثاني: من قبل طهرنّ لا من قبل حيضهنّ، وهذا تأويل عكرمة وقتادة. فصار تحريم وطء الحائض من القبل نصًا وإجماعًا؛ لأنه لم يعرف فيه خلاف أحد، فلو استحل رجل وطء حائض مع علمه بالنص والإجماع كان كافرًا، ولو فعله مع العلم بتحريمه كان فاسقًا.
فصل:
فأما الاستمتاع بما دون الفرج منها فيجوز أن يستمتع بما فوق الصرة ودون الركبة لقول النبي ﷺ : «يستمتع من الحائض بما فوق الإزار».
وأما الاستمتاع بما بين الصرة والركبة إذا عدل عن الفرجين ففيه وجهان:
أحدهما: أنه حرام وهو قول أبي حنيفة؛ لأن النبي ﷺ أباح الاستمتاع منها بما فوق الإزار، وما ين السرة والركبة هو مما تحت الإزار، وليس مما فوقه فدل على تحريمه.
والثاني: أنه مباح.
وبه قال مالك، ومن أصحابنا: أبو علي بن خيران، وأبو إسحاق المروزي؛ لأن تحريم وطء الحائض لأجل الأذى فوجب أن يكون مقصورًا على ما كان الأذى وهو الفرج دون غيره.
وروي أن عمر- ﵁ سئل عن ذلك فقال: إذا توقى الجحرين فلا بأس ويكون قوله ﷺ : «يستمتع من الحائض بما فوق الإزار» محمولًا على ما دون الفرج ويكون الإزار كناية عن الفرج لأنه محل الإزار كما قال الشاعر:
قَوْمٌ إِذَا حَارَبُوا شَدُّوا مآزِرَهُمْ دُونَ النِّسَاءِ وَلَوْ بَاتَتْ بِأَطْهَارِ
стр. 4416
أي شدوا فروجهم وخرج أبو الفياض من أصحابنا وجهًا ثالثًا: أنه إن كان قاهر لنفسه يأمن أن تغلبه الشهوة فيطأ في الفرج جاز له أن يستمتع بما دونه وإن لم يأمن نفسه أن تغلبه الشهوة فيطأ في الفرج حرام عليه أن يستمتع بما دونه إلا من رواء الإزار.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: «فإذَا تَطَهَّرْنَ يَعْنِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ الطَّهَارَةُ الَّتِي تَحِلُّ بِهَا الصَّلَاةُ الغُسْلَ أَوْ التَّيَمّمَ. وَقَالَ فِي تَحْرِيمَها لأَذَى المَحِيضِ كَالدَّلالَةِ عَلَى تَحْرِيمِ الدُّبُرِ لأَنَّ أَذَاهُ لَا يَنْقَطِعُ».
قال في الحاوي: أما ما دام الحيض باقيًا فوطئها في الفرج على تحريمها فإذا انقطع دم حيضها فمذهب الشافعي أن وطأها بعد انقطاع الدم على تحريمه حتى تغتسل أو تتيمم إن كانت عادمة للماء.
قال طاوس، ومجاهد: وطؤها حرام حتى تتوضأ فتحل.
وقال أبو حنيفة: قد حل وطئها إن لم تغتسل ولم تتوضأ وقد دللنا عليه في كتاب الحيض بما أغنى.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: «وَإِنْ وَطِئَ فِي الدَّمِ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ تَعَالَى وَلَا يَعُودُ».
قال في الحاوي: وهذا كما قال إذا وطئ الحائض في قبلها فقد أثم وعليه أن يستغفر الله تعالى ولا كفارة عليه وهو قول أبي حنيفة وأكثر الفقهاء. وقالا الحسن البصري: عليه ما على المظاهر.
وقال سعيد بن جبير: عليه عتق نسمة، وقال الأوزاعي: عليه أن يتصدق بدينار إن وطئ في الدم ونصف دينار إن وطئ قبل الغسل وبه قال ابن جرير الطبري استدلالًا برواية ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «إن وطئ في الدم فعليه دينار، وإن وطئ قبل الغسل فنصف دينار» وروي هذا الحديث للشافعي وكان إسناده ضعيفًا.
قال: إن صح قلت به فإن لم يصح فلا شيء عليه وإن صح فقد اختلف أصحابنا فيه مع الصحة هل يكون محمولًا على الإيجاب أو على الاستحباب على وجهين:
أحدهما: وهو قول كثير منهم- أن يكون محمولًا على الإيجاب أو على الاستحباب على وجهين:
أحدهما: اعتبارًا بظاهره وقد حكي الربيع عن الشافعي: أنه قال: ما ورد من سنة
стр. 4417
الرسول بخلاف مذهبي فاتركوا مذهبي فإن ذلك مذهبي وقد فعل أصحابنا مثل ذلك في التصويت في الصلاة الوسطى.
والثاني: وهو قول أبي العباس بن سريج- أنه يكون محمولًا على الاستحباب دون الوجوب لأن الزنا والوطء في الدبر أغلظ تحريمًا ولا كفارة فيه؛ فلأن لا يكون في وطء الحائض كفارة أولى، ولأن كفارة الوطء، إنما تجب بما تعلق به من إفساده عبادة كالحج والصيام وليس فيه كفارة إذا لم يتعلق به إفساد عبادة، وقد روي أن رجلًا قال لأبي بكر ﵁: رأيت في منامي كأنني أبول الدم فقال: لعلك تطأ امرأتك حائضًا، قال: نعم، قال: استغفر الله ولا تعد، ولم يلزمه كفارة، فأما المستحاضة فلا يحرم وطئها لأنها كالطاهرة فيما يحل ويحرم، ولأن دم الاستحاضة رقيق وهو دم عرق قليل الأذى وليس كدم الحيض في ثخنه ونتنه وأذاه، والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: «وَإِنْ كَانَ لَهُ إِمَاءٌ فَلَا بَاسَ أَنْ يَاتِيهُنَّ مَعًا قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ وَلَوْ تَوَضَّأَ كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ وَأُحِبُّ لَوْ غَسَلَ فَرْجَهُ قَبْلَ إِتْيَانِ الَّتِي بَعْدَهَا وَلَوْ كُنَّ حَرَائِرَ فَحَلَلْنَهُ فَكَذَلِكَ».
قال في الحاوي: فأما الإماء فلا قسم لهن على السيد، فإذا أراد وطئهن في يوم واحد جاز، ويستحب أن يغتسل بعد وطء كل واحدة منهن لما فيه من تعجيل فرض وتكرار وطاعة ونشاط نفس، فإن لم يغتسل توضأ عند وطء كل واحدة منهن، وأنكر أبو داود ما أمر به الشافعي من الوضوء؛ لأنه مع بقاء الجنابة غير مؤثر في الطهارة وما لا تأثير له كان فعله عبثًا، وهذا إنكار مستقبح وقول مسترذل واعتراض على السنة.
روى أبو سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: «إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ» وقال لعمر بن الخطاب: «وإذا جامعت ثم أردت المعاودة فتوضأ».
وقال عمر: يا رسول الله: أيرقد أحدنا وهو جنب قال: «نعم إذا توضأ» فأمر بالوضوء وإن لم يرفع حدثًا، فإن لم يتوضأ عند وطء كل واحدة فيستحب أن يغسل ذكره بعد وطئها؛ لأنه مأثور ومسنون، ولأن فيه نشاط النفس ونهوضًا للشهوة، فإن لم يغتسل ولا توضأ ولا غسل ذكره ووطء جميعهن واحدة بعد الأخرى حتى أتى جميعهن جاز، واغتسل لهن غسلًا واحدًا.
стр. 4418
وروى حميد عن أنس أن رسول الله ﷺ طاف على نسائه ذات ليلة بغسل واحد. وروى: وكن يومئذٍ تسعًا.
ولأن الغسل تداخل كالحدث ويكره أن ينتقل من وطء واحدة إلى وطء واحدة ويصبر حتى تسكن نفسه وتقوى شهوته فقد روي عن النبي ﷺ أنه نهى عن الفهر.
والفهر: هو إذا وطء المرأة انتقل منها إلى أخرى ويكره أن يطأ بحيث يرى أو يحبس به فقد روي عن النبي ﷺ أنه نهى عن الوجسِ. وهو: أن يطأ بحيث يسمع حسه.
فصل:
فأما الحرائر فالقسم بينهن واجب إذا طلبنه فإذا أراد أن يطأهن في يوم واحد لم يجز لأن لإحداهن فلم يجز أن يطأ غيرها في يومها إلا أن يحللنه فإذا أحللنه سقط قسمهن وجاز أن يطأهن في يوم واحد بغسل واحد كالإماء، والله أعلم.
باب إتيان النساء في أدبارهن
قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: «ذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فِي إِتْيَانِ النِّسَاءِ فِي أَدْبَارِهِنَّ إِلَى إِحْلَالَهِ وَآخَرُونَ إِلَى تَحْرِيمِهِ وَرُوِيَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مِنْ حَدِيثِ ثَابِتٍ أَنَّ اليَهُودَ كَانَتْ تَقُولُ مَنْ أَتَى امْرَأَتَهُ فِي قُبُلِها مِنْ دُبُرِهَا جَاءَ وَلَدُهُ أَحْوَلَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَاتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] وَرُوِيَ عَن النَّبِيِّ ﷺ أنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «فِي أَيِّ الخَرِبَتَيْنِ أَوْ فِي أَيِّ الخَرَزَتَيْنِ أَوْ فِي أَيِّ الخَصْفَتَيْنِ أَمِنْ دُبُرِهَا فِي قُبُلِهَا فَنَعَمْ أَمْ مِنْ دُبُرِهَا فَلَا إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحِي مِنَ الحَقِّ لَا يَاتُوا النِّسَاءَ فِي أَدْبَارِهِنَّ». قَالَ الشَّافِعِيُّ فَلَسْتُ أُرَخِّصُ فِيهِ بَلْ أَنْهَى عَنْهُ».
قال في الحاوي: أعلم أن مذهب الشافعي وما عليه الصحابة وجمهور التابعين والفقهاء أن وطء النساء في أدبارهن حرام.
وحكي عن نافع وابن أبي مليكة وزيد بن أسلم أنه مباح ورواه نافع عن ابن عمر واختلفت الرواية فيه عن مالك فروى عن أهل المغرب أنه أباحه في كتاب السيرة.
وقال أبو مصعب: سألته عنه فأباحه.
وقال ابن القاسم قال مالك: أدركت أحدًا افتدى به في ديني يشك في أنه حلال وأنكر أهل العراق ذلك عنه ورووا عنه تحريمه لما انتقل ابن عبد الحكم عن مذهب الشافعي إلى مذهب مالك حكي عن الشافعي أنه قال: ليس في إتيان النساء في أدبارهن حديث ثابت والقياس يقتضي جوازه يريد ابن عبد الحكم بذلك نصرة مالك فبلغ ذلك
стр. 4419
الربيع فقال: كذب والله الذي لا إله إلا هو لقد نص الشافعي على تحريمه في ستة كتب. واستدل من ذهب إلى إباحته بما رواه مالك عن نافع عن ابن عمر: أن رجلاً أتى امرأة في دبرها فوجد في ذلك وجدًا شديدًا، فأنزل الله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَاتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]. وقال تعالى: ﴿أَتَاتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ [الشعراء:١٦٥ - ١٦٦] فدل على أنه أباح من الأزواج مثل ما حظر من الذكران وقال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] فدل على أن جميعهن باس يستمتع به على عمومه ولأنه لو استثناه من عقد النكاح فسد ولو أوقع عليه الطلاق سرى إلى الباقي، فدل على أنه مقصود الاستمتاع ولأنه أحد الفرجين فجاز إتيانه كالقبل، ولأنه ما ساوى القبل في كمال المهر وتحريم المصاهرة ووجوب الحد ساواه في الإباحة.
ودليلنا: قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] فحرم الوطء في الحيض لأجل الأذى فكان الدبر أولى بالتحريم لأنه أعظم أذى ثم قال: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَاتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢] يعني في القبل فدل على تحريم إتيانها في الدبر.
وروى مسلم بن سلام عن علي بن طلق أن أعرابيًا سأل النبي ﷺ : "وإذا فسا أحدكم فليتوضأ" وخطب الناس فقال: "لا تأتوا النساء في أعجازهن فإن الله لا يستحي من الحق".
وروى سهل بن بي صالح عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: "استحيوا من الله فإن الله لا يستحي من الحق، ولا تأتوا النساء في حشوشهن".
وروى حجاج بن أرطأة عن عمرو بن شعيب عن عبد الله بن هرمي عن خزيمة بن ثابت قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "إن الله لا يستحي من الحق لا تأتوا النساء في أدبارهن".
قال: ملعون من أتى امرأة في دبرها.
وروى قتادة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ سئل: عن إتيان النساء في أدبارهن فقال: "إنها اللوطية الصغرى".
وروى يوسف بن ماهك عن أم حبيبة زوج النبي ﷺ قال: أنت امرأة النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 4420
فقالت إن زوجها يأتيها وهي مدبرة فقال ﷺ : "لا بأس إذا كان في حمام واحد".
وروى الشافعي عن جابر بن عبد الله أن اليهود كانت تقول: من أتى امرأة في قبلها من دبرها جاء ولده أحول فأنزل الله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَاتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]. وأن رجًلا سأل رسول الله ﷺ عن ذلك فقال النبي ﷺ : "في أي الحرزتين أو في الخرزتين أو في أي الحصفتين أمن دبرها في قبلها فنعم أم من دبرها في دبرها؟ فلا إن الله لا يستحي من الحق لا تأتوا النساء في أدبارهن" ولأن إجماع الصحابة روى ذلك عن على بن أبي طالب. وعبدالله بن عباس وابن مسعود وأبي الدرداء أما علي سئل عنه فقال: ﴿أَتَاتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٠] وأما ابن عباس فسأله رجل عنه فقال: هذا يسألني عن الكفر. وأما ابن مسعود وأبو الدرداء فغلظا فيه وحرماه وليس لمن ذكرنا من الصحابة وخالف فصار إجماعًا.
فإن قيل: فقد خالفهم ابن عمر قيل: قد روى عنه ابنه سالم خلافه وأنكر على نافع ما رواه عنه. وقال الحسن بن عثمان لنافع أنت رجل أعجمي إنما قال ابن عمر من دبرها في قبلها فصحفت وقلت: في دبرها فأهلكت النساء. ومن طريق القياس أنه إتيان فوجب أن يكون محرمًا كاللواط ولأنه أذى معتاد فوجب أن يحرم الإصابة فيه كالحيض ولا يدخل عليه وطء المستحاضة لأنه نادر.
فأما الاستدلال بقوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ فقد روى جابر أن سبب نزولها ما ذكرته اليهود: أن من أتى امرأة من دبرها في قبلها جاء ولده أحول.
وقال ابن عباس: وهم ابن عمر في ذلك إنما نزلت بمن وطء في الفرج من خلفها وحكي عن النبي ﷺ على أنه سبب نزولها أن ناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ جلسوا يومًا مع قوم من اليهود فجعل بعضهم يقول: إني لآتي امرأتي وهي مضطجعة ويقول الآخر إني لآتيها وهي قائمة ويقول الآخر إني لآتيها وهي على جنبها ويقول الآخر: إني لآتيها وهي باركة فقال اليهودي: ما أنتم إلا أمثال البهائم، فأنزل الله تعالى هذه الآية على أن قوله ﴿حَرْثٌ لَكُمْ﴾ والحرث هو من مزرع الأولاد في القبل دليل على أن الإباحة توجهت إليه دون الدبر الذي ليس بموضع حرث ولا من مزدرع لذلك وأما قوله تعالى: ﴿أَتَاتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ (١٦٦)﴾ [الشعراء: ١٦٥ - ١٦٦] فمعناه أتأتون المحظور من الذكران وتذرون المباح من فروج النساء وقوله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] فيه تأويلان:
стр. 4421
أحدهما: أن اللباس السكن مقوله ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ [الفرقان: ٤٧] أي سكنًا.
والثاني: أن بعضهم يستر بعضًا كاللباس وليس في ذلك على التأويلين دليل لهم.
وأما فساد العقد باستثنائه وسرائه الطلاق به فقد يفسد العقد باستثناء كل عضو ولا يصح الاستمتاع به من فؤادها وكبدها ويسيري من الطلاق إلى جميع بدنها ولا يدل على إباحة الاستمتاع به فكذلك الدبر.
وأما قياسهم على القبل فالمعنى فيه: أنه لا أذى فيه.
وأما استدلالهم بما يتعلق به من كمال المهر وتحريم المصاهرة فغير صحيح لأن ذلك يختص بمباح الوطء دون محظور لألا تراه يتعلق بالوطء في الحيض والإحرام والصيام وإن كان محظورًا فكذلك في هذا.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "فَأَمَّا التَّلَذَذِ بِغَيْرِ إِيلَاجٍ بَيْنَ الإِلْيَتَيْنِ فَلاَ بَاسَ".
قال في الحاوي: وهذا صحيح لعموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦)﴾ [المؤمنون:٥، ٦] ولقول النبي ﷺ : "أمن دبرها في قبلها فنعم إن الله لا يستحي من الحق" فدل على إباحة التلذذ بما بين الإليتين.
فصل:
فأما عزل المني عن الفرج عند الوطء فيه فإن كان في الإماء جاز من غير استئذانهن فيه لرواية أبي سعيد الخدري أنه قال: يا رسول الله إنا نصيب السبايا ونحب الأثمان أفنعزل عنهن؟ فقال النبي ﷺ : "إن الله تعالى إذا قضى خلق نسمة خلقها، فإن شئتم فاعزلوا" ولأن في العزل عنها استبقاء لرقها وامتناع من الإفضاء إلى عتقها فجاز كما يجوز أن يمتنع من تدبيرها وإن كانت حرة لم يكن له أن يعزل عنها إلا بإذنها.
والفرق بينهما أن الحق في ولد الحرة مشترك بينهما وفي ولد الأمة يختص السيد دونها.
فصل:
فأما الاستمناء باليد وهو استدعاء المني باليد محظور وقد حكي الشافعي عن بعض الفقهاء إباحته وأباحه قوم في السفر دون الحظر. وهو خطأ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦)﴾ [المؤمنون: ٥، ٦] فحظر ما سواء الزوجات وملك اليمين وجعل مبتغى ما عداه عاديًا متعديًا لقوله ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ
стр. 4422
الْعَادُونَ (٧)﴾ [المؤمنون: ٧] وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "لعن الله الناكح بيده" ولأن ذريعة إلى ترك النكاح وانقطاع النسل فاقتضى أن يكون محرمًا كاللواط.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَإِنْ أَصَابَهَا فِي الُّبُر لَمْ يُحْصِنْهًا".
قال في الحاوي: وهذا صحيح.
لأن الإحصاء كمال فلم يثبت إلا بوطء كامل وهو القبل ولأنه لما لم يتحصن بوطء الإماء وإن كان مباحًا اعتبارًا بأكمله في الحرائر كان بأن لا يتحصن بالوطء المحرم في الدبر أولى وجملة أحكام التي تتعلق بالوطء ثلاث أضرب:
أحدها: ما يختص بالوطء في القبل إلا يثبت بالوطء في الدبر.
والثاني: إحلالها دون الدبر وهي ثلاثة أحكم:
أحدهما: الإحصان للزوج المطلق ثلاثاً لا يكون إلا بالوطء من القبل دون الدبر لقوله ﷺ : "لا حتى تذوق عسيلته ويذوق عسيلتها" في القبل.
والرابع: وجوب العدة منه كوجوبها بالوطء في القبل.
والخامس: تحريم المصاهرة وثبت به كثبوته بالوطء في القبل.
والسادس: فساد العبادات من الحج والصيام والاعتكاف يتعلق به كتعلقها بالوطء في القبل.
والسابع: وجوب الكفارة بإفساد الحج والصيام يتعلق به لتعلقها بالوطء في القبل.
والضرب الثالث: ما اختلف أصحابنا فيه وهي ثلاثة أحكام:
أحدها: الفيئة في إيلاء فيها وجهان.
أحدهما: أن لا تكون إلا بالوطء في القبل دون الدبر لأنها من حقوق الزوجية فتعلقت بالوطء المستباح بالعقد وهو القبل.
والوجه الثاني: أنها تكون بالوطء في الدبر لأنه قد صار به حانثًا ولزمته الكفارة فصار به فائيًا.
والثاني: العدة من الوطء في الدبر فإن كان في عقد نكاح وجبت به العدة كوجوبها بالوطء في القبل لأن العدة في النكاح قد تجب بغير وطء فكان أولى أن تجب بالوطء في الدبر وإن كان بسببه ففي وجوب العدة فيه وجهان:
стр. 4423
أحدهما: تجب كوجوبها في النكاح.
والثاني: هو قول أبي علي بن خيران - لا تجب لأنها في الشبهة تكون استبراء محضًا حفظًا للنسب واستبراء للرحم وهذا المعنى مختص بالقبل دون الدبر.
والثالث: لحقوق النسب من الوطء في الدبر وإن كان غي عقد نكاح لحق وإن كان سبهة ففي لحوق النسب به وجهان وإن كان قيل بوجوب العدة منه كان النسب لاحقًا وإن قيل: لا تجب العدة فيه لم يلحق به النسب، والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَيَنْهَاهُ الإِمَامُ فَإِنْ عَادَ عَزَّرَهُ فإِنْ كَانَ فِي زِنًا حَدَّهُ وَإِنْ كَانَ غَاصِبًا أَغْرَمَهُ وَأَفْسَدَ حَجَّهُ".
قال في الحاوي: أما فاعل ذلك في زوجته أو أمته فإنه ينهى ويكف لإقدامه على حرام وارتكابه لمحظور ولا يعاجل في أول فعله بأكثر من النهي فينهى الزوج من الفعل وتنهى الزوجة من التمكين فإن عاودوا ذلك بعد النهي عذِّرا تأديبًا وزجرًا ولا أحد فيه لأجل الزوجية فأما فاعله زنى فعليه الحد وهو حد اللواط وفيه قولان:
أحداهما: كحد الزنا جلد مائة وتغريب عام وإن كان بكرًا أو الرجم إن كان ثيبًا.
والثاني: القتل بكرًا كان أو ثيبًا وأما المفعول بها فإن كانت مطاوعة فعليها حد اللواط على القولين. وإن كانت مكرهه فلا حدّ عليها ولها مهر مثلها فإن قيل: فليس في اللواط مهر فكيف وجب لهذه مهر والفعل معها كاللواط.
قيل: لأن النماء جنس يجب في التلذذ بهن مهر فوجب لهن المهر والذكران جنس يخالفون النساء فيه فلم يجب لهم مهر، والله أعلم.
باب الشغار وما دخل فيه
قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: "وإذا أنكح الرجل ابنته أو المرأة تلي أمرها الرجل على أن ينكحه ابنته أو المرأة تلي أمرها على أن صداق كل واحدة منهما بضع الأخرى ولم يسم بكل واحدة منهما صداقًا فهذا الشغار الذي نهى عنه رسول الله ﷺ وهو مفسوخ".
قال في الحاوي: وأما الشغار في اللغة فهو الخلو، ويقال بلد شاغر إذا خلا من سلطان، وأمر شاغر إذا خلا من مدبر.
أصله: مأخوذ من شغور الكلب، يقال: شغر الكلب إذا رفع إحدى رجليه للبول لخلو الأرض منها.
стр. 4424
(وحكى) الجاحظ أن شغور الكلب علامة بلوغه وأنه يبلغ بعد سنة أشهر من عمره واستشهد بقول الشاعر
حَتَّى تُوَفَا الستَّة الشُّهُورَا مِنْ عُمْرِهِ وَبَلَغَ الشَّغُورَا
وهذا قول أبي عمر وابن العلاء والأصمعي وأكثر أهل اللغة.
وقال ابن الأعرابي: سمي الشغار شغارًا لقبحه ومنه شغور الكلب لقبح منظره إذا بال مع رفع رجليه.
وقال ثعلب: الشغار الرفع ومنه شغور الكلب.
والأصل في الشغار ما رواه ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال: نهى رسول الله ﷺ عن الشغار.
وروى حميد عن الحسن عن عمران بن الحصين عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا جلب ولا جنب ولا شغار في الإسلام". والشغار ما وصفه الشافعي بقول الرجل: قد زوجتك بنتي أو وليتي على أن تزوجني بنتك أو وليتك على أن تضع كل واحد منهما صداق الأخرى أو يقول على أن صداق كل واحدة منهما بضع الأخرى فهذا هو الشغار المنهي عنه والدليل عليه حديثان:
أحدهما: ما رواه الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ نهى عن الشغار والشغار: أن يزوج الرجل ابنته الرجل على أن يزوجه الرجل الآخر ابنته ليس بينهما صداق.
والحديث الثاني: رواه معمر عن ثابت عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "لا شغار في الإسلام" والشغار أن يبذل الرجل أخته بأخته. وهذا التفسير من الراوي إما أن يكون سماعًا من رسول الله ﷺ فهو نص وإما أن يكون عن نفسه فهو لعلمه بمخرج الخطاب ومشاهدة الحال أعرف به من غيره.
فإذا تقرر أن نكاح الشغار ما وصفنا فعقد النكاح فيه باطل.
وبه قال مالك وأحمد وإسحاق إلا أن مالكًا جعل النهي فيه متوجهًا إلى الصداق وعنده أن فساد الصداق موجب لفساد النكاح وعندنا أن النهي متوجه إلى النكاح دون الصداق وأن فساد الصداق لا يوجب فساد النكاح فصار مالك موافقًا في الحكم مخالفًا في معنى النهي.
وقال أبو حنيفة: نكاح الشغار جائز والنهي فيه متوجه إلى الصداق دون النكاح
стр. 4425
وفساد الصداق لا يوجب فساد النكاح فصار مخالفًا لمالك في الحكم موافقًا له في معنى النهي.
وبه قال الزهري والثوري استدلاًلا بأن النهي متوجه إلى الصداق لأنه لو قال كل واحد منهما: قد زوجتك بنتي على أن تزوجني بنتك كان النكاح جائزًا وإنما أبطله إذا قال: على أن صداق كل واحدة منهما بضع الأخرى فدل على أن النهي توجه إلى الصداق وفساده لا يوجب فساد النكاح كما لو تزوجها على صداق من خمر أو خنزير ولأنه لو قال: قد زوجتك بنتي على أن صداقها طلاق امرأتك صح النكاح وإن جعل الصداق بضِع زوجته فكذلك في مسألتنا قالوا: ولأنكم جوزتم النكاح إذا سمي لهما أو لأحدهما صداقًا فكذلك وإن لم يسميه لأن ترك الصداق في العقد الصحيح لا يوجب فساده كما أن ذكره في العقد الفاسد لا يوجب صحته.
ودليلنا ما قدمناه من نهي النبي ﷺ والنهي عندنا يقتضي فساد المنهي عنه ما لم يصرف عن دليل.
فإن قالوا: قد فسد بالنهي ما توجه إليه وهو الصداق دون النكاح فعنه جوابان:
أحدهما: أن النهي إلى النكاح ما رواه نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ : "نهى عن نكاح الشغار".
والثاني: أنه يجمل على عموم الأمرين.
فإن قالوا: إنما سمي شغارًا لخلوه من صداق ونحن لا نخليه لأننا نوجب فيه صداق المثل فامتنع أن يكون شغارًا.
قيل: هذا فاسد لأنه ليس يمنع ما أوجبتموه من الصداق بعد العقد من أن يكون نكاح الشغار ووقت العقد قد توجه النهي إليه فاقتضى فساده.
ومن طريق القياس ما ذكره الشافعي في التقديم أنه عقد فيه مثنوية ومعناه: أنه ملك الزوج بضع بنته بالنكاح أو ارتجعه منه بأن جعله ملكًا لبنت الزوج بالصداق وهذا موجب لفساد النكاح كما لو قال: زوجتك بنتي على أن يكون بضعها ملكًا لفلان كن النكاح فاسدًا بإجماع كذلك هذا بالحجاج وتحريره: أنه جعل المقصود لغير المعقود له فوجب أن يبطل قياسًا على ما ذكرناه من قوله: زوجتك بنتي على أن يكون بضعها لفلان ولأن جعل المعقود عليه معقودًا به فوجب أن يكون باطًلا كما لو زوج بنته بعبد على أن تكون رقبته صداقها ولأن العين الواحدة إذا جعلت عوضًا ومعوضًا فإذا بطل أن تكون عوضًا بطل أن تكون معوضًا كالثمن والمثمن في البيع وهو أن يقول: قد بعتك عبدي بألف على أن يكون ثمنًا لبيع دارك علي.
فأما الجواب عن استدلالهم بأن الفساد في الصداق لأنه لو قال: قد زوجتك بنتي
стр. 4426
على أن تزوجني بنتك كان النكاح جائزًا فهو أن الفساد إنما كان الشغار للاشتراك في البضع وفي هذا الموضع لا يكون في البضع اشتراك فصح ألا تراه لو قال: زوجتك بنتي على أن تزوجني بنتك على ان بضع بنتي صداق لبنتك بطل نكاح بنته لأنه حصل في بعضها اشتراكًا ولم يبطل نكاح الأخرى لأنه لم يحصل في بعضها اشتراكًا.
وأما استدلاله بأن لو جعل صداق بنته طلاق زوجته صح فكذلك هاهنا فالجواب عنه أن فساد اختص بالمهر ولم يحصل في البضع تشريك فلذلك صح وليس كذلك في مسألتنا.
وأما استدلاله الآخر فسنذكر من اختلاف أصحابنا في حكمه ما يكون جوابًا، وبالله التوفيق.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ سَمَّى لَهُمَا أَوْ لأحدهما صَدَاقًا فَلَيْسَ بِالشِّغَارِ المَنْهِيِّ عَنْهُ وَالنِّكَاحُ ثَابِتٌ وَالمَهْرُ فَاسِدٌ وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَهْرُ مِثْلِهَا وَنِصْفُ مَهْرٍ إِنْ طُلِّقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ. فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ ثَبَتَ النِّكَاحُ بِلاَ مَهْرٍ قِيلَ: لأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَجَازَهُ فِي كِتَابِهِ فَأَجَزْنَاهُ وَالنِّسَاءُ مُحَرَّمَاتُ الفُرُوج إلَّا بِمَا أَحَلَّهُنَّ اللهُ بِهِ فَلَمَّا نَهَى ﵊ عَنْ نِكَاحِ الشِّغَارِ لَمْ أُحِلَّ مُحَرَّمًا بمُحَرَّم وَبِهَذَا قُلْنَا فِي نِكَاحَ المُتْعَةِ وَالمُحَرَّم قَالَ: وَقُلْتُ لِبَعْضِ النَّاسِ أَجَزْتُ نِكَاحَ الشِّغَارِ وَلَمْ يُخْتَلَفْ فِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَرَدَدْتُ نِكَاحَ المُتْعَةِ وَقَدْ اخْتُلِفَ فِيهَا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وّهّذَا تَحَكُّمٌ أَرَأَيْتَ إِنْ عُورِضْتَ فَقِيلَ لَكَ نَهَى النَّبِيِّ ﷺ أَنْ تُنْكَحَ المَرْأَةُ عَلَى خَالَتِهَا أَوْ عَلَى عَمَّتِهَا وَهَذَا اخْتِيَارٌ، فَأَجِزْهُ فَقَالَ: لاَ يَجُوزُ لأَنَّ عَقْدَهُ مَنْهِيٌ عَنْهُ. قَيلَ: وَكَذَلِكَ عَقْدُ الشِّغَارِ مُنْهِيٌ عَنْهُ، قَالَ المُزَنِيُّ لاَ عَنْ الصَّدَاقِ وَلَوْ كَانَ الشَّافِعِيُّ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عّنْ الشِّغَارِ نَهَى عَنْ النِّكَاحِ نَفْسِهِ لاَ عَنْ الصَّدَاقِ وَلَوْ كَانَ عَنْ الصَّدَاقِ لَكَانَ النِّكَاحُ ثَابِتًا وَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: اختلف أصحابنا في صورة هذا المسألة على وجهين:
أحدهما: صورتها أن تقول: قد زوجتك بنتي على أن تزوجني بنتك على أن صداق كل واحدة منهما بضع الأخرى ومائة درهم فيصح النكاح اعتبارًا بالاسم وأنه لا يسمى مع المهر مذكورًا شغارًا خاليًا ويكون لكل واحد منهما مهر مثلها لفساد الصداق.
والثاني: أن هذه المسألة شغار يفسد فيه النكاحان اعتبارًا بالمعنى وهو التشريك في البضع وهو أن صورة الشافعي رضي الله تعالى عنه التي لم يجعلها شغارًا أن يقول: قد زوجتك بنتي على صداق مائة على أن تزوجني بنتك على صداق مائة فالنكاحان
стр. 4427
جائزان لأنه لم يشرك في البضع ولا جعل المعقود عليه معقودًا به ويبطل الصداقان لأن فساد الشرط راجع إليه فسقط فيه ما قابله وهو مجهول فصار باقية مجهوًلا والصداق المجهول يبطل ولا يبطل به النكاح بخلاف البيع الذي يبطل ببطلان الثمن فلو قال: قد زوجتك بنتي بصداق ألف على أن تزوجني بنتك بصداق ألف على أن بضع كل واحدة منهما بضع الأخرى صح النكاحان على الوجه الأول ولم يكن شغارًا لما تضمنه من تسمية الصداق وبطل النكاحان على الوجه الثاني وكان شغارًا لما فيه من التشريك في البضع ولو قال: زوجتك بنتي على أن تزوجني بنتك صح النكاحان على الوجهين معًا وكان لكل واحدة منهما مهر مثلها لما ذكرنا من أن شرط يعود فساده إلى المهر المستحق ولو قال: زوجتك بنتي على أن تزوجني بنتك على أن بضع بنتي صداق لبنتك بطل نكاح بنته لأنه جعل بضعها مشتركًا وصح نكاحه على بنت صاحبه لأنه لم يجعل بضعها مشتركًا ولو قال: على أن صداق بنتي بضع بنتك صح نكاح بنته وبطل نكاحه لبنت صاحبه لأن الاشتراك في بضعها لا في بضع بنته فتأمله تجده مستمر التعليل، وبالله التوفيق.
فصل:
وإذا قال الرجل لرجل: إن جئتني بكذا أو كذا إلى أجل يسميه فقد زوجتك بنتي فجاءه به في أجله لم يصح النكاح وأجازه مالك مع الكراهة إذا أشهد على نفسه بذلك استدلاًلا بقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾ [الإسراء: ٣٤] وهذا خطأ لقول النبي ﷺ : "من أدخل في ديننا ما ليس منه فهو رد" ولأنه نكاح مسلم علق بمجيء صفة فوجب أن لا يصح كقوله: قد زوجتكما إذا جاء المطر، ولأن عقود المعاوضات لا تتعلق بمجيء الصفات كالبيوع فأما قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] فليس هذا عقد فيلزم الوفاء به، والله أعلم.
باب نكاح المتعة والمحلل
قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: "أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَاٍب عَنْ عَبْدِ اللهِ وَالحَسَنِ ابْنَي محَمَّدِ بْنِ عَليِّ عَنْ أَبِيهِمَا عَنْ عَلِيِّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نّهّى يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ نِكَححِ المُتْعَةِ وَأَكْلِ لُحُومِ الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ، قَالَ: وَإِنْ كِانِ حَدِيثُ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ عُمَرَ عَنْ الَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ ثَابِتًا فَهُوَ مُبَيِّنٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَحَلَّ نِكَاحَ ثُمَّ قَالَ: "هِيَ حَرَامٌ إِلَى يَوْم اَلقِيَامَةِ" قَالَ: وَفِي القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ المُتْعَةِ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ [الأحزاب:٤٩] فَلَمْ يُحَرِّمْهُنَّ اللهُ عَلَى الأَزْوَاجِ إِلاَّ بِالطَّلاقِ وقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:٢٢٩] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾ [النساء:٢٠] فَجَعَلَ إِلَى الأَزْوَاجِ فُرْقَةَ مَنْ عَقَدُوا عَلَيْهِ النِّكَاحَ مَعَ أَحْكَامِ مَا بَيْنَ الأَزْوَاجِ فَكَانَ بَيِّنًا، وَاللهِ أَعَلَمُ، أَنَّ نِكَاحَ المُتْعَةِ مَنْسَوخٌ
стр. 4428
بَالقُرآنِ وَالسُّنَّةِ لأَنَّهُ إِلَى مُدَّةٍ نَجِدُهُ يَنْفَسِخُ بِلاَ إِحْدَاثِ طَلاَقٍ فِيهِ وَلاَ فِيهِ أَحْكَامُ الأَزْوَاجِ".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: نكاح المتعة حرام وهو أن يقول للمرأة: أمتعيني نفسك شهرًا أو موسم الحاج أو ما أقمت في البلد أو يذكر ذلك بلفظ النكاح أو التزويج لها أو وليها بعد أن يقدره بمدة إما معلومة أو مجهولة فهو نكاح المتعة الحرام وهو قول العلماء من الصحابة والتابعين والفقهاء. وحكي عن ابن عباس وابن مليكة وابن جريج والإمامية. رأيهم فيه جوازًا استدلاًلا بقوله تعالى ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] فكان على عمومه في المتعة والمقدرة والنكاح المؤبد وقال تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: ٢٤] وهذا أبلغ في النص.
وروى سلمة بن الأكوع أنه منادى رسول الله ﷺ خرج يقول: "إن الله قد آذن لكم فاستمتعوا" وهذا نص.
وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال: "متعتان كانتا على عهد رسول الله ﷺ أنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما متعة النساء ومتعة الحج فأخبر بإباحتها على عهد رسول الله ﷺ وما ثبت إباحته بالشرع لم يكن له تحريمه بالاجتهاد وقالوا: ولأنه عقد منفعة فصح تقديره بمدة كالإجازة ولأنه قد ثبت إباحتها بالإجماع فلم ينتقل عنه إلى التحريم إلا بالإجماع.
ودليلنا: قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٢٩) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٣٠)﴾ [المعارج: ٢٩ - ٣٠] وليست هذه زوجته ولا ملك يمين فوجب أن يكون فيها ملومًا ثم قال: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)﴾ [المؤمنون: ٧] فوجب أن يكون عاديًا.
ويدل عليه من السنة مع الحديث الذي رواه الشافعي في صدر الباب ما رواه أبو ضمرة عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز عن الربيع بن سبرة عن أبيه قال: قدمت مكة مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع فقال: "استمتعوا من هؤلاء النساء" والاستمتاع يومئٍذ عندنا النكاح فكلم النساء من كلمهن فقلن لا ينكح الأنبياء ونبيكم أجل فذكرنا ذلك لرسول الله ﷺ فقال: اضربوا بينكم وبينهن أصًلا فخرجت أنا وابن عم لي عليه برد وعيّ برد، وبرده أجود من بردي وأما أشب منه فأتينا امرأة فأعجبها برده وأعجبها شبابي فقالت: برد كبرد فكان الأجل بيني وبينها عشرًا فبت عندها تلك الليلة ثم عدت فإذا رسول الله ﷺ بين المقام والركن يخطب الناس فقال: "يا أيها الناس قد كنت أذنت لكم في الاستمتاع من هؤلاء النساء وإن الله د حرم ذلك وهو حرام إلى يوم القيامة فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيلها ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئًا".
стр. 4429
وروى ابن أبي لهيعة عن موسى بن أيوب عن إياس بن عامر عن علي بن أبي طالب قال: نهى رسول الله ﷺ عن المتعة وقال: إنما كانت لمن لم يجد فلما أنزل النكاح والطلاق والعدة والميراث بين الزوج والمرأة نسخت.
وروى عمر بن الخطاب أن رسول الله ﷺ أباح المتعة ثلاثًا ثم حرمهما. وروى نافع عن ابن عمر قال: نهى رسول الله ﷺ يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية وعن متعة النساء وما كنا مسافحين.
وروى عكرمة بن عمار عن سعيد عن أبي هريرة قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك فنزلنا عند ثنية الوداع فرأى رسول الله ﷺ مصابيح ونساء يبكين فقال رسول الله ﷺ : "حرم المتعة, النكاح, والطلاق, والعدة والميراث".
وحكي أن يحيى بن أكثم دخل على المأمون فقال: يا أمير المؤمنين أحللن المتعة وقد حرمها رسول الله ﷺ . فقال المأمون: يا يحيى إن تحريم المتعة حديث رواه الربيع بن سبرة أعرابي يبول على عقبيه ولا أقول به. فقال يحيى بن أكثم: يا أمير المؤمنين هاهنا حديث آخر فقال: هاته يا يحيى فقال: حدثنا القنبعي فقال المأمون: لا بأس به عن من؟ فلما قال يحيى: عن مالك فقال المأمون: كان أبي يبجله هيا فقال يحيى: عن الزهري عن المأمون: كان ثقة في حديثه ولكن كان يعمل لبني أمية هيا فقال يحيى: عن عبد الله والحسن ابني محمد بن علي ابن الحنفية قال: ففكر المأمون ساعة ثم قال: كان أحدهما يقول بالوعيد والآخر بالإرجاء "هيا" قال يحيى: عن أبيهما محمد بن علي قال: هيا. قال يحيى عن علي بن أبي طالب قال: هيا قال يحيى: أن النبي ﷺ نهى عام خيبر عن المتعة وعن أكل لحوم الحمر الأهلية فقال المأمون: يا غلام اركب فناد أن المتعة حرام.
فإن قيل: فهذه الأحاديث مضطربة يخالف بعضها بعضًا, لأنه روى في بعضها أنه حرمها عام خيبر وروى في بعضها أنه حرمها عام الفتح بمكة. وروي في بعضها أنه حرمها في غزوة تبوك وروى في بعضها أنه حرمها في حجة الوداع وبين كل وقت ووقف زمان ممتد ففيه جوابان:
أحدهما: أنه تحريم في مواضع ليكون أظهر وأنشر حتى يعلمه من لم يكن قد علمه لأنه قد يحضر في بعض المواضع من لم يحضر معه في غيره فكان ذلك أبلغ في التحريم وأوكد.
والثاني: أنها كانت حلالًا فحرمت عام خيبر ثم أباحها بعد ذلك لمصلحة علمها ثم
стр. 4430
حرمها في حجة الوداع ولذلك قال فيها: "وهي حرام إلى يوم القيامة" تنبيهًا على أن ما كان من التحريم المتقدم موقف تعقبته إباحة وهذا تحريم مؤبد لا تتعقبه إباحة ولأنه إجماع الصحابة روي ذلك عن أبي بكر وعمر وعلي وابن مسعود وابن عمر وابن الزبير وأبي هريرة.
قال ابن عمر: لا أعلمه إلا السفاح نفسه.
وقال ابن الزبير: المتعة هي الزنا الصريح.
فإن قيل: فقد خالفهم ابن عباس ومع خلافه لا يكون الإجماع قيل: قد رجع ابن عباس عن إباحتها وأظهر تحريمها وناظره عبد الله بن الزبير عليها مناظرة مشهورة وقال له عروة بن الزبير: أهلكت نفسك قال: وما هو يا عروة قال: تفتي بإباحة المتعة وكان أبو بكر وعمر ينهيان عنها, فقال: عجيب منك أخبرك عن رسول الله ﷺ وتخبرني عن أبي بكر وعمر فقال له عروة: إنهما أعلم بالسنة منك فسكت.
وروى المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير: أن رجلًا أتى ابن عباس فقال: هل لك فيما صنعت نفسك في المتعة حتي صارت به الركاب وقال الشاعر:
أقول للشيخ لما طال مجلسه يا صاح هل لك في فتيا ابن عباس
يا صاح هل لك في بيضاء بهكنة تكون مثواك حتى يصدر الناس
فقال ابن عباس: ما إلى هذا ذهبت وقام يوم عرفة فقال: يا أيها الناس إنها والله لا تحل لكم إلا ما تحل لكم الميتة والدم ولحم الخنزير. يعني إذا اضطررتم إليها ثم رجع عنها فصار الإجماع برجوعه منعقدًا والخلاف به مرتفعًا وانعقاد الإجماع بعد ظهور الخلاف أوكد لأنه يدل على حجة قاطعة ودليل قاهر.
ومن القياس: أنه حل عقد جاز مطلقًا فبطل مؤقتًا كالبيع طردًا والإجارة عكسًا ولأنه للنكاح أحكامًا تتعلق بصحتها وتبقى عن فاسدها وهي الطلاق والطهار والعدة والميراث. فلما انتفت عن المتعة هذه الأحكام دل على فساده كسائر المناكح الفاسدة.
فأما الجواب على قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] فهو أن المتعة غير داخلة في النكاح لأن اسم النكاح ينطلق على ما اختص بالدوام لذلك قيل: قد استنكحه المدى لمن دام به فلم يدخل فيه المتعة المؤقتة ولو جاز أن يكون عامًا لخص بما ذكرنا.
وأما الجواب عن قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: ٢٤] فمن وجهين:
أحدهما: أن عليًا وابن مسعود رؤيا أنها نسخت بالطلاق والعدة والميراث.
стр. 4431
والثاني: أنها محمولة على الاستمتاع بهن في النكاح وقول ابن مسعود إلى أجل مسمى يعني به المهر دون العقد.
وأما حديث سلمة بن الأكوع فالإباحة فيه منسوخة بما رويناه من التحريم الوارد بعده.
وأما تفرد عمر بالنهي عنها فما تفرد به وقد وافقه عليه الصحابة وإنما كان إمامًا فاختص بالإعلان والتأديب ولم يكن بالذي يقدم على تحريم بغير دليل ولكانوا قد أقدموا عليه يمسكون عنه ألا تراه يقول على المنبر: لا تغالوا في صدقات النساء فلو كانت تكرمة لكان رسول الله ﷺ أولاكم بها فقالت امرأة: أعطانا الله ويمنعنا ابن الخطاب فقال عمر: وأين أعطاكن فقالت: بقوله: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَاخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠] فقال عمر: كل الناس أفقه من عمر حتى امرأة.
وروي أن عمر قال يومًا على المنبر: أيها الناس استمتعوا فقال سلمان: لا نسمع فقال عمر: ولم ذاك فقال سليمان: لأن الثياب لما قدمت من العراق وفرقتها علينا ثوبًا وأخذت ثوبين لنفسك فقال عمر: أما هذا فثوبي وأما الآخر فاستعرته من ابني ثم دعي ابنه عبد الله وقال: أين ثوبك؟ فقال: هو عليك, فقال سلمان: قل الآن ما شئت يا أمير المؤمنين فكيف يجوز مع اعتراضهم عليه في مثل هذه الأمور أن يمسكوا عنه في تحريم ما قد أحله رسول الله ﷺ فلا ينكرونه لولا اعترافهم بصحته وبقائهم على تحريمه فإن قيل: فقد روي عن جابر بن عبد الله وسلمة بن الأكوع أنهما قالا: سمعنا رسول الله ﷺ يحل المتعة وسمعنا عمر ينهى عنها فتبعنا عمر قيل معناه: تبعنا عمر فيما رواه من التحريم لأنه روى لهم أن رسول الله ﷺ أباح ثلاثًا ثم حرمها. فكيف يجوز لولا ما ذكرنا أن يضاف إلى جابر وأبي سلمة أنهما خالفا رسول الله ﷺ وتبعا عمر ولو تبعاه لما تبعه غيرهما من الصحابة.
وأما قياسهم على الإجازة فالمعنى فيهما: أنها لا تصح مؤبدة فصمت مؤقتة والنكاح لما صح مؤبدًا لم يصح مؤقتًا.
وأما الجواب عن استدلالهما بأنه قد ثبت إباحتها بالإجماع فلم يعدل إلى تحريمها إلا بالإجماع فمن وجهين:
أحدهما: أنه ما ثبت به إباحتها هو الذي ثبت به تحريمها فإنه كان دليلًا على الإباحة وجب أن يكون دليلًا في التحريم.
والثاني: أن الإباحة الثابتة بالإجماع هو إباحة مؤقتة تعقبها نسخ وهم يدعون إباحة مؤبدة لم يتعقبها نسخ فلم يكن فيما قالوه إجماع.
стр. 4432
فصل:
فإذا تقرر ما وصفنا من تحريم المتعة فلا حد فيها لمكان الشبهة ويعززان أدبًا إن علما بالتحريم ولها مهر مثلها بالإصابة دون المس وعليها العدة وإن جاءت بولد لحق بالوطء لأنها صارت بإصابة الشبهة فرشًا ويفرق بينهما بغير طلاق لأنه ليس بينهما نكاح يلزم ويثبت بهذا الإصابة تحريم المصاهرة والله أعلم.
مسألة:
"وَنِكَاحُ المُحَلِلَ باطِل".
قال في الحاوي: وصورتها في امرأة طلقها زوجها ثلاثًا حرمت عليه إلا بعد زوج فنكحت بعده زوجًا ليحلها للأول فيرجع إلى نكاحها فهذا على ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يشترطا في عقد النكاح أن يتزوجها على أنه إذا أحلها بإصابة للزوج الأول فلا نكاح بينهما فهذا نكاح باطل.
وقال أبو حنيفة: النكاح صحيح والشرط باطل.
والدليل على بطلانه ما رواه الحارث الأعور عن علي ورواه عكرمة عن ابن عباس ورواه أبو هريرة كلهم بروايته عن النبي ﷺ أنه قال: "لعن الله المحلل والمحلل له".
وروى عقبة بن عامر عن النبي ﷺ أنه قال: "ألا أخبركم بالتيس المستعار"؟ قالوا: بلى يا رسول الله قال: "هو المحلل والمحلل له".
ولأنه نكاح على شرط إلى مدة فكان أغلظ فساد من نكاح المتعة على وجهين:
أحدهما: جهالة مدته.
والثاني: أن الإصابة فيه مشروطة لغيره فكاد بالفساد أخص ولأنه نكاح شرط فيه انقطاعه قبل غايته فوجب أن يكون باطلًا.
أصله: إذا تزوجها شهرًا أو حتى يطأ أو يباشر.
والقسم الثاني: أن يتزوجها ويشترط في العقد أنه إذا أحلها للزوج الأول طقها ففي النكاح قولان:
أحدهما: وهو قوله في القديم "والإملاء" أن النكاح صحيح لأنه لو تزوجها على أن لا يطلقها كان النكاح جائزًا وله أن يطلقها كذلك إذا تزوجها على أن يطلقها وجب أن يصح النكاح ولا يلزمه أن يطلقها.
стр. 4433
والثاني: نص عليه في الجديد من "الأم" وهو الأصح - أن النكاح باطل لأنه باشتراط الطلاق مؤقت والنكاح ما تأبد ولم يتوقف وبهذا المعنى فرقنا بين أن يشترط فيه أن لا يطلقها فيصح لأنه مؤبد وإذا شرط أن يطلقها لم يصح لأنه مؤقت.
والقسم الثالث: أنه يشترط ذلك عليه قبل العقد ويتزوجها مطلقًا من غير شرط لكنه ينوي ويعتقده. فالنكاح صحيح لخلو عقده من شرط يفسده وهو مكروه لأنه نوى فيه ما لو أظهره أفسده ولا يفسد بالنية لأنه قد ينوي ما لا يفعل ويفعل ما لا ينوي وأبطله مالك وقال: هو نكاح محلل وحكى أبو إسحاق المروزي عن أبي حنيفه أنه استحبه لأنه قد تصير الأول بإحلالها له وكلا المذهبين خطأ بل هو صحيح بخلاف قول مالك ومكروه بخلاف استحباب أبي حنيفة لما رواه الشافعي عن سعيد بن سالم عن ابن جريج عن ابن سيرين: أن امرأة طلقها زوجها ثلاثًا وكان يقعد على باب المسجد أعرابي مسكين فجاءته امرأة فقالت له: هل لك في امرأة تنكحها فتبيت معها الليلة فإذا أصبحت فارقتها قال: نعم ومضى فتزوجها وبات معها ليلة فقالت له: سيقولون لك إذا أصبحت فارقها لا تفعل فإني مقيمة لك ما ترى واذهب إلى عمر فلما أصبح أتوه وأتوها فقالت لهم: كلموه, فأنتم أتيتم به, فقالوا له: فارقها فقال: لا أفعل امض إلى عمر فأخبره. فقال له: الزم زوجتك فإن رابوك بريبة فأتني وبعث عمر إلى المرأة التي مشت لذلك فنكل بها. وكان الأعرابي يغدو ويروح إلى عمر في حلة فيقول له عمر: الحمد لله الذي كساك يا ذا الرقعتين حلة تغدو فيها وتروح. فقد أمضى عمر النكاح: فبطل به قول مالك في فساده وكل عمر بالمرأة التي شت فيه فدل على كراهته وفساد ما حكي عن أبي حنيفة من استحبابه.
فصل:
فإذا تقرر ما ذكرنا من أقسام نكاح المحلل فإن قلنا بصحته تعلق به أحكام النكاح الصحيح من ثبوت الحصانة ووجوب النفقة وأن يكون مخيرًا فيه بين المقام أو الطلاق فإن طلق بعد الإصابة التامة فقد أحلها للزوج الأول فأما المهر فإن لم يتضمن العقد شرط يؤثر فيه فالمسمى هو المستحق, وإن تضمن شرطًا يؤثر فيه كان المستحق مهر المثل دون المسمى وإن قلنا بفساد العقد وإنه باطل فلا حدّ عليه فيه لأجل الشبهة لكن يعزز لإقدامه على منهي عنه ولا يثبت بالإصابة فيه حصانة ولا يستحق فيه نفقة ويجب فيه بالإصابة مهر المثل وهل يحلها للزوج إذا ذاقت عسيلته وذاق عسيلتها أم لا؟ على قولين:
أحدهما: وهو قوله في القديم: أنه يحلها للأول واختلف أصحابنا في تعليله فقال بعضهم: ذوق العسيلة في شبهة النكاح تجري عليه حكم الصحيح من النكاح.
وقال آخرون: اختصاصه باسم المحلل موجب لاختصاصه بحكم التعليل فعلى التعليل الأول تحل الإصابة في كل نكاح فاسد من شعار ومتعة وبغير ولي ولا شهود.
стр. 4434
وعلى التعليل الثاني: وهو الجديد الصحيح أنه لا يحلها للزوج الأول لا في نكاح المحلل ولا غيره في الأنكحة الفاسدة حتى يكون نكاحًا صحيحًا. لقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] وهذا ليس بزوج ولأن كل إصابة لم يتعلق بها إحصان لم يتعلق فيها إحلال الزوج كالإصابة بملك اليمين.
باب نكاح المحرم
قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: "أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٌ عَنْ نَبِيه بْنِ وَهْبٍ عَنْ أَبَان بْنِ عُثْمَانَ عَنْ عُثْمَانَ بِنْ عَفَّانَ ﵁ أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا يَنْكِحُ المُحْرِمُ وَلَا يُنْكَحُ" وَقَالَ بَعْضُ النَّاس: رَوَيْنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : نَكَحَ مَيْمُونَةَ ﵂ وَهُوَ مُحْرِمٌ. قُلْتُ: رِوَايَةُ عُثْمَانَ ثَابِتَةٌ وَيَزِيدُ بْنُ الأَصَمِّ ابْنُ أُخْتِهَا وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارِ عَتِيقُهَا أَوِ ابْنِ عَتِيقِهَا يَقُولَانِ نَكَحَهَا وَهُوَ حَلَالٌ وَثَالِثٌ وَهُوَ سَعِيدُ بْنُ المُسِيبِ وَيَنْفَرِدُ وَعَلَيْكَ حَدِيثُ عُثْمَانَ الثَّابِتُ وَقُلْتُ: أَلَيْسَ أَعْطَيتَنِي أَنَّهُ إِذَا اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَظَرْتُ فِيمَا فَعَلَ أَصْحَابُهُ مِنْ بَعْدِه فَأَخَذْتُ بِهِ وَتَرَكْتُ الَّذِي يُخَالِفَهُ؟ قَالَ: بَلَى قُلْتُ فَعُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ وَيَزِيدُ بْنُ ثَابِتٍ يَرُدَّانِ نِكَاحِ الُمْحرِمِ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَا يَنْكِحُ المُحْرِمُ وَلَا يُنْكَحُ وَلَا أَعْلَمُ لَهُمَا مٌخَالِفًا فَلِمَ لَا قُلْتَ بِهِ؟ قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَإِنْ كَانَ المُحْرِمِ حَاجًّا فَحَتَّى يَرْمِي وَيَحْلِقَ وَيَطُوفَ بِالبَيْتِ يَوْمَ النَّحْرِ أَوْ بَعْدَهُ وَإِنْ كَانَ مُعْتَمِرًا فَحَتَّى يَطُوفَ بِالبَيْتِ وَيَسْعَى وَيَحْلِقَ فَإِنْ نَكَحَ قَبْلَ ذَلِكَ فَمَفْسُوخٌ وَالرَّجْعَةُ وَالشَّهَادَةُ عَلَى النِّكَاحِ لَيْسَا بِنِكَاحٍ".
قال في الحاوي: وقد مضى في كتاب الحج أن نكاح المحرم لا يجوز ودللنا عليه وذكرنا من خالفنا فيه ونحن الآن نشير إليه متى عقد النكاح والزوج أو الزوجة أو الولي محرم فالنكاح باطل.
وقال مالك: صحيح ويفسخ يطلق.
وقال أبو حنيفة: نكاحه جائز ولا يلزم فسخه استدلالًا برواية عكرمة عن ابن عباس أن النبي ﷺ نكح ميمونة وهو محرم.
وبرواية ابن أبي مليكة عن عائشة أن النبي ﷺ تزوج وهو محرم. ولأنه عقد يستباح به البضع فلم يمنع الإحرام منه كالرجعة وشراء الإماء.
ودليلنا: رواية عثمان أن النبي ﷺ قال: "لا ينكح المحرم ولا ينكح" وروى
стр. 4435
أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: "لا يخطب المحرم ولا يتزوج".
وروى مطر عن الحسن أن عليًا رضي الله تعالى عنه قال: من تزوج وهو محرم نزعنا منه امرأته ولم يجز نكاحه.
وروى أبو غطفان عن أبيه أن عمر رضي الله تعالى عنه فرق بين محرمين تزوجا. وروى قدامة بن موسى عن شوذب مولى زيد بن ثابت أنه تزوج وهو محرم ففرق زيد بن ثابت بينهما. فلما روي عنهم التفرقة بين الزوجين ولا يسوغ ذلك في عقد يسوغ فيه الاجتهاد دل على أن النص فيه ثابت لا يجوز خلافه ولأنه معنى ثابت به تحريم المصاهرة فوجب أن يمنع منه الإحرام كالوطء.
فأما الجواب عن حديث ميمونة فقد روى ميمون بن مهران عن يزيد بن الأصم عن ميمونة أن رسول الله ﷺ تزوجها وهما حلالان.
وروى ربيعة عن سليمان بن يسار عن أبي رافع أن النبي ﷺ تزوج ميمونة حلالًا وبني بها حلالًا وكنت أنا الرسول بينهما. وأما حديث ابن أبي مليكة عن عائشة فضعيف لا أصل له عند أصحاب الحديث وإن صح فيجوز أن يكون فعل ذلك في أول الإسلام قبل تحريم نكاح المحرم على أن أبا الطيب بن سلمة جعل النبي ﷺ مخصوصًا بالنكاح في الإحرام.
وأما القياس على شراء الإماء فليس المقصود منه الاستمتاع لجواز شراء المعتدة وذات المحرم وكذلك المحرمة والمقصود من عقد النكاح الاستمتاع إذ لا يجوز أن ينكح معتدة ولا ذات محرم وكذلك المحرمة فأما الرجعة فتحل للمحرم لأنها سد ثم في العقد ورفع تحريم طرأ عليه وليست عقداً مبتدأ فجازت في الإحرام ألا ترى أن العبد يراجع بغير إذن سيده وإن لم يجز أن ينكح بغير إذنه اعتبارًا بهذا المعنى.
فصل:
فإذا تقرر ما وصفنا أن نكاح المحرمات باطل فمتى كان الزوج محرمًا فوكل حلالًا في العقد كان النكاح باطلًا لأنه نكاح المحرم ولو كان الزوج حلالًا فوكل محرمًا كان النكاح باطلًا لأنه نكاح عقده محرم وهكذا لو كان الولي محرمًا فوكل حلالًا أو كان حلالًا فوكل محرمًا كان النكاح باطلًا.
فأما الحاكم إذا كان محرمًا لم يجز له أن يزوج مسلمة وهل يجوز له أن يزوج كافرة أم لا على وجهين:
أحدهما: لا يجوز كالمسلمة.
стр. 4436
والثاني: لا يجوز لأنه لا يزوجها بولاية وإنما يزوجها لحكم يجري مجرى سائر أحكامه في إحرامه.
فأما إذا كان الإمام محرمًا لم يجز له أن يتزوج ولا يزوج وهل يجوز لخلفائه من القضاء المحللين أن يزوجوا أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: لا يجوز أن يزوجوا كوكلاء المحرم.
والثاني: يجوز أن يزوجوا لعموم ولاياتهم ونفوذ أحكامه فخالفوا الوكلاء فأما إن كان الخطيب في عقد النكاح جائز لأنه قد يجوز أن يعقد بغير خطبة ولو كان الشهود محرمين ففيه وجهان:
أحدهما: وهو قول أبي سعيد الإصطخري أن النكاح باطل لأن الشهود شرط في العقد كالولي.
والثاني: وهو مذهب الشافعي إن النكاح جائز لأن الشهود غير معنيين في النكاح فلم يعتبر فيهم شروط من معنيين في النكاح ألا ترى أن نكاح الكافرة إذا عقدناه لم يصح إلا بولي كافر وشهود مسلمين, والله اعلم.
العيب في المنكوحة
قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: "أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الُمُسَيِّبِ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بِنُ الخَطَّابِ ﵁: أَيُّمَا رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأةً وَبِهَا جُنُونٌ أَوْ جُذَامُ, أَوْ بَرَصٌ فَمَسَّهَا فَلَهَا صَدَاقَهَا وَذَلِكَ لِزَوْجِهَا غُرْمٌ عَلَى وَلِيِهَا. وَقَالَ أَبُو الشَّعْثَاءِ: أَرْبَعٌ لَا يَجُزْنَ فِي النِّكَاحِ إلَّا أَنْ تُسَمَّى: الْجُنُونُ, وَالجُذَامُ وَالبَرَصُ, وَالقَرَنُ".
قال في الحاوي: أعلم أن النكاح بالعيوب والعيوب التي يفسخ بها النكاح تستحق من الجهتين فيستحقها الزوج إذا وجدت بالزوجة وهي خمسة عيوب: الجنون والجذام والبرص والقرن والرتق وتستحقها الزوجة إذا وجدتها بالزوج وهي خمسة: الجنون والجذام والبرص والجب والعنة فيشتركان في الجنون والجذام والبرص وتختص الزوجة بالقرن والرتق ويختص الزوج بالجب والعنة ولا يفسخ نكاحها بغير هذه العيوب من عمى أو زمانة أو قبح أو غيره.
وبه قال من الصحابة عمر وابن عباس وعبد الله بن عمر.
ومن التابعين: أبو الشعثاء جابر بن زيد.
ومن الفقهاء: الأوزاعي ومالك وقال أبو حنيفة: ليس للزوج أن يفسخ النكاح بشيء من العيوب ولا للمرأة أن تفسخ إلا بالجب والعنة دون الجنون والجذام والبرص وبأن لا يفسخ النكاح بعيب.
стр. 4437
قال علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وقال أبو الحسن البصري وعطاء بن أبي رباح: للزوجة أن تفسخ بهذه العيوب في الزوج وليس للزوج أن يفسخ بها؛ لأن الطلاق بيده واستدل من نص قول أبي حنيفة بأن المعقود عليه في النكاح هو الاستباحة وليس في الاستباحة عيب وإنما العيب في المستبيحة فلم يشتبه خيار إسلامه المعقود عليه قال: ولأنه عيب في المنكوحه فلم يفسخ نكاحها قياسًا على ما سوى العيوب الخمسة قال: ولأن كل عقد لم يفسخ بنقصان الأجزاء لم يفسخ بتغير الصفات كالهبة طردًا والبيوع عكسًا. قال: ولأن عقد النكاح إن جرى مجرى عقود المعاوضات كالبيوع وجب أن يفسخ بكل عيب وإن جرى مجرى غيرها من عقود الهبات والصلات وجب أن لا يفسخ بعيب وفي إجماع على أن لا يفسخ لكل العيوب دليل على أنه لا يفسخ بشيء من العيوب.
ودليلنا: ما رواه عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ تزوج امرأة من بني بياضة فوجد بكشحها بياضًا فردها وقال: ولستم عليَّ. ووجه الدليل منه هو أنه لما نقل العيب والرد وجب أن يكون الرد لأجل العيب فإن قيل: فيحمل على أنه طلقها لأجل العيب كالتي قالت له حين تزوجها أعوذ بالله منك فقال: "لقد استعذتي بمعاذ حق بأهلك" فكان ذلك طلاقًا منه لأجل استعاذتها منه قيل لا يصح هذا التأويل من وجهين:
أحدهما: لأنه خالف الظاهر لأن نقل الحكم مع السبب يقتضي تعلقه به كتعلق الحكم بالعلة والطلاق لا يتعلق بالعيب كتعلق بالعلة وإن كان داعيًا إليه فلم يصح حمله عليه وخالف حال طلاقه للمستعيذة لأن الاستعاذة ليست عيباً يوجب الرد فعدل به إلى الطلاق.
والثاني: أن الرد صريح في الفسخ وكناية في الطلاق وحمل اللفظ على ما هو صريح فيه.
وروى أبو جعفر المنصور عن أبيه عن جده عن عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "اجتنبوا من النكاح أربعة: الجنون والجذام والبرص والقرن" فدل تخصيصه لهذه الأربعة من عيوب النكاح على اختصاصها بالفسخ.
ومن طريق القياس: هو أنه عيب يمنع غالب المقصود بالعقد فجاز أن يثبت به خيار الفسخ كالجب ولا يدخل عليه الصغر والمرض لأنهما ليسا بعيب ولأن العقد الذي يلزم من الجهتين إذا احتمل الفسخ وجب أن يجري الفسخ في جنس العقد ولأنه عيب مقصود بعقد النكاح فوجب أن يستحق الفسخ كالعيب في الصداق ولأن كل من ملك رد عوض ملك عليه رد المعوض كالثمن والمثمن في البيع.
стр. 4438
فأما الجواب عن الاستدلال بأن المعقود عليه هو الاستباحة وليس فيها عيب فهو أن هذا فاسد لأن المعقود عليه هو الاستمتاع المستباح وهذه عيوب فيه كما أن زمانة العبد المستأجر عيب في منافعه فاستحق بها الفسخ.
وأما قياسهم على ما سوى الخمسة من العيوب فالمعنى فيه أن تلك العيوب لا تمنع مقصود العقد ولا تنفر النفوس منها وليس كذلك هذه الخمسة لأنها إما مانعة من المقصود أو منفرة للنفوس فافترقا.
وأما قياسهم على الهبة بعلة أنها لا تفسخ بنقصان الأجزاء فهذا الوصف غير مسلم لأنه يستحق بالجب وهو نقصان جزء ثم المعنى في الهبة أن لا عوض فيها فيلحقه ضرر بالعيب والنكاح بخلافه وعلى أن فسخه بالعنت وهو يعتبر صفة تمنع من اطراد هذا التعليل.
فأما استدلالهم بأنه إما أن يفسخ بكل العيوب كالبيوع أو لا يفسخ بشيء منها كالهبات.
فالجواب عنه: أنه بالبيوع أخص لأنهما عقدا معاوضة غير أن جميع العيوب تؤثر في نقصان الثمن فاستحق بجميعها الفسخ وليس كل العيوب تؤثر في نقصان الاستمتاع فلم يستحق بجميعها الفسخ.
مسالة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "القَرَنُ المَانِعُ لِلْجَمَاعِ لأَنَّهَا فِي غَيْرِ مَعْنَى النِّسَاءِ".
قال في الحاوي: قد مضى الكلام في العيوب التي يفسخ بها عقد النكاح وأجناسها سبعة: اثنان يختص بهما الرجل وهما: الجب والعنة. واثنان تختص بهما النساء وهما: الرتق والقرن وثلاثة يشترك فيها الرجال والنساء وهي: الجنون والجذام والبرص.
فأما ما يختص به الرجال من العنة فله باب يأتي.
وأما الجبّ: فهو قطع الذكر فإن كان جميعه مقطوعًا فلها الخيار لأنه أدوم ضررًا من العنة التي يرجى زوالها. وإن كان بعض الذكر مقطوعًا نظر في باقيه فإن كان لا يقدر على إيلاجه إما لضعفه أو لضغره فلها الخيار وإن كان يقدر على إيلاجه ففي خيارها وجهان:
أحدهما: وهو الصحيح أنه لا خيار لها لأنه يجري مجرى صغر الذكر الذي لا خيار فيه.
والثاني: لها الخيار لأنه نقص لا تكمل به الإصابة.
وأما الخصاء وهي قطع الأنثيين مع بقاء الذكر ففي كونه عيبًا يوجب خيارها قولان:
стр. 4439
أحدهما: ليس بعيب ولا خيار لها فيه لقدرته على الإيلاج وأنه ربما كان أمتع إصابة.
والثاني: انه عيب ولها الخيار لأنه نقص يعدم معه النسل ولو كان خنثى له فرج زائدًا وكانت خنثى لها ذكر زائد ففي كونه عيبًا يوجب الخيار قولان:
أحدهما: ليس بعيب لأنها زيادة عضو فأشبه الأصبع الزائدة.
والثاني: أنه عيب لأنه نقص يعاف.
فأما ما تختص هـ المرأة من القرن والرتق.
فالقرن: هو عظم يعترض الرحم يمنع من الإصابة والرتق لحم يسد مدخل الذكر فلا تمكن معه الإصابة وله الخيار فيهما ولا يمكنها شق القرن ويمكنها شق الرتق إلا أنها لا تخير بشقه لأنه جناية عليها فإن شقته بعد فسخ الزوج لم يؤثر بعد وقوع الفسخ وإن شقته قبل فسخه ففي خيار الزوج وجهان:
أحدهما: له الخيار اعتبارًا بالابتداء.
والثاني: لا خيار له اعتبارًا بالانتهاء فأما الإفضاء وهو أن ينخرق الحاجز الذي بين مدخل الذكر ومخرج البول فتصير مغطاة فلا خيار فيه لإمكان الإصابة التامة معه فلو كانت عاقرًا لا تلد أو كان الزوج عقيمًا لا يولد له فلا خيار فيه لواحد منهما لأنه مظنون وربما زال بتنقل الأمنان.
فأما العفلاء ففي العفلة ثلاثة تأويلات:
أحدها: أن لحم مستدير ينبت في الرحم بعد ذهاب العذرة ولا ينبت مع البكارة وهذا قول أبى عمر الشيبانى.
والثاني: أنه ورم يكون في اللحمة التي قبل المرأة يضيق به فرجها حتى لا ينفذ فيه الذكر.
والثالث: أنه مبادئ الرتق وهو لحم يزيد في الفرج حتى يصير رتقًا فيسد به الفرج فلا ينفذ فيه الذكر، فإن كان العقل يكمل معه الاستمتاع التام، فلا خيار فيه وإن لم يكمل معه الاستمتاع لضيق الفرج أو انسداده حتى لا يمكن إيلاج الذكر ففيه الخيار.
فصل:
وأما العيوب التي يشترك فيها الرجل والمرأة وهي ثلاثة:
أحدها: الجنون وهو زوال العقل الذي يكون معه تأدية حق سواء خيف منه أم لا وهو ذربان: مطبق لا يتخلله إفاقة وغير مطبق يتخلله إفاقة فيجن تارة ويفيق تارة أخرى وكلاهما سواء وفيهما الخيار سواء قل زمان الجنون أو كثر لأن قليله يمنع من تأدية الحق في زمانه ولأن قليله كثير سواء كان ذلك بالزوج أو بالزوجة.
فأما الإغماء فهو زوال العقل فلا خيار فيه كالمرض وأنه عرض يرجى زواله وأنه قد
стр. 4440
يجوز حدوث مثله بالأنبياء الذي لا يحدث بهم جنون فإن زال المرض فلم يزل معه الإغماء صار حينئٍذ جنونًا يثبت فيه الخيار. وأما البله فهو غلبة السلامة فيكون الإبله سليم الصدر ضعيف العزم وقد قال النبي ﷺ : "أطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها بلهًا" يعنى الذين غلبت السلامة على صدورهم ومنه قول الشاعر:
وَلَقَدْ لَهَوْتُ بِطِفْلَةٍ ميّالَةِ بَلهَاءَ تُطْلِعُنِى عَلَى أَسْرَارِهَا
فلا خيار في البله لأن الاستمتاع كامل ولذلك لا خيار في الحمق وقلة الضبط كمال الاستمتاع معهما وإنما يؤثر فيما سواه من تدبير المنزل وتربية الولد ولذلك قال النبي ﷺ : "لا يسترضعوا الحمقى فإن صحبتها بلاء وولدها ضياع".
فصل:
والثاني من عيوبهما: الجذام وهو: عفن يكون في الأطراف والأنف يسرى فيهما حتى يسقط فتبطل وربما سرى إلى النسل وتعدى إلى الخليط والنفس تعافه وتنفر منه فلا يسمح بالمخالطة ولا تحبب إلى الاستمتاع وقد روى سعيد عن أبى هريرة أن النبي ﷺ
قال: "فروا من المجذوم فراركم من الأسد" وجاء رجل إلى النبي ﷺ ليبايعه فمد يدًا جذماء فلما نظر إليها النبي ﷺ قبض يده ولم يصافحه وقال: "اذهب فقد بايعناك" ففي الجذام الخيار قليلًا كان أو كثيرًا لأن قليله يصير كثيرًا وسواء كان في الزوج أو الزوجة.
فأما الزعر فهو من مبادئ الجذام وربما برئ ولم يصر جذامًا ويقع في الحاجبين فيناثر به الشعر وفي الأنف فيتغير به الجلد ولا خيار فيه لأنه ليس بجذام عادى ولا النفوس منه نافرة فلو اختلفا فيه فادعى الزوج أن بها جذامًا وقالت: بل هو زعر وقف عليه عدلان من علماء الطب فإن قالا: هو جذام ثبت فيه الخيار، وإن قالا: زعر فلا خيار فيه وإن أشكل فالقول قولها مع يمينها أنه زعر ولا خيار فيه لأن الأصل عدم الخيار إلا أن يثبت ما يوجبه.
فصل:
والثالث من عيوبهما: البرص: وهو حدوث بياض في الجلد يذهب معه دم الجلد وما تحته من اللحم وفيه عددي إلى النسل والمخالطين وتعافه النفوس وتنفر منه فلا يكمل مع الاستمتاع ولذلك رد النبي ﷺ نكاح امرأة وجد بكشحها بياضًا وفي قليله وكثيره الخيار لان قليله يصير كثيرًا وسواء كان بالزوج أو الزوجة.
стр. 4441
فأما البهق فتغير لون الجلد ولا يذهب بدمه، ويزول ولا تنفر فيه نفوس فلا خيار فيه فلو اختلفا فقال الزوج: هذا البياض برص ولي الخيار وقالت الزوجة: بل هو بهق فلا خيار، دقق فيه عدلان من علماء الطب وعمل على قولهما فيه فإن أشكل كان القول قولها مع يمينها أنه بهق ولا خيار فيه.
فإن قيل: فكيف جعل الشافعي في الجذام والبرص عدوى وهذا قول أصحاب الطبائع وقد كذبه الشرع ومنع منه وقال النبي ﷺ : "لا عدوى ولا طيرة" فقيل له: أما ترى النكتة من الجرب في شفر البعير فتعدوا إلى سائره إلى غيره فقال ﷺ : "فمن أعدى الأول" أي إذا كان الأول بغير عدوى كان ما بعده وفي غيره بغير عدوى.
قيل: إنما منع الشرع من أن الطبيعة هي التي تحدث العدوى كما يزعم الطب ولا يمنع أن الله تعالى قد جعل فيها العدوى كما جعل في النار الإحراق وفي الطعام الشبع وفي الماء الري وقد قال النبي ﷺ : "لا يوردن ممرض ذو عاهة على مصح" وامتنع من مبايعة الأجذام.
وروى عبد الله بن عباس أن عمر بن الخطاب توجه إلى الشام فلما انتهي إلى سرغ تلقاه أمراء الأجناد وأخبروه بحدوث الطاعون بالشام فتوقف عن المسير وشاور المهاجرين في المسير أو الرجوع فاختلفوا وشاور الأنصار فاختلفوا وكان عبد الرحمن بن عوف غائبًا عنهم فحضر فشاوره عمر فقال عبد الرحمن: إن عندي في هذا علمًا قال عمر: ما هو؟ قال عبد الرحمن: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا سمعتم به في واد فلا تقدموا عليه وإذا وقع وأنتم فيه فلا تخرجوا منه" فحمد عمر الله تعالى ورجع الناس معه.
وروى عن النبي ﷺ : أنه قال: "لبن الحمقى يعدي".
فأما قوله ﷺ : "فمن أعدى الأول" فالمقصود منه رد قولهم إنه لم يكن إلا من عدوى الأول ولولاه ما جربت وقال: "من أعدى الأول" أي إذا كان الأول من الله تعالى يعنى عدوى كان ما بعده منه.
فإن قيل: فلم أضاف الشافعي العدوى إلى الجذام والبرص ولم يضفه إلى الله تعالى.
قيل: على طريقة الاستعارة والتوسع في العبارة كما يقال: طالت النخلة وقصر الليل وأثمرت الشجرة وإن كان الله تعالى هو الفاعل لذلك.
فصل:
فإذا تقرر ما وصفنا من أحكام العيوب فوجد الزوج بالزوجة قليلًا من برص أو
стр. 4442
جذام عرض به فانتشر وزاد حتى صار كثيرًا لم يكن له خيار؛ لأن الراضي بقليله راضٍ بكثيرة ولأن قليله في الغالب يصير كثيرًا ولو ظهر بها برص في غير المكان الأول فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون الثاني أقبح منظرًا من الأول كأنه كان الأول في فخذها وحدث الثاني في وجهها، فله الخيار نص عليه في "الإملاء" لأن النفس من الثاني أشد نفورًا من الأول.
والثاني: أن يكون مثل الأول في القبح وكأنه كان الأول في يدها اليمنى والثاني في يدها اليسرى ففيه وجهان:
أحدهما: له الخيار لأنه إذا كان في غير مكان الأول كان عيبًا غير الأول.
والثاني: لا خيار لأنه من جنس الأول كالمتصل فلو رضي برصها فظهر بها جذام كان له الخيار بالجذام دون البرص ولأنه قد تأنف نفسه الجذام ولا تعاف البرص ولا كان بها جذام أو برص فلم يختر فسخ نكاحها حتى زال وبرئ فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يزول قبل علمه به فلا خيار يعدم ما يوجبه.
والثاني: أن يزول بعد علمه وقبل فسخه بعذر آخر عنه ففي خياره وجهان:
أحدهما: له الخيار اعتبارًا بالابتداء.
والثاني: لا خيار له اعتبارًا بالانتهاء.
فلو وجد الزوج بها عيبًا ووجد تب الزوج عيبًا فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يختلف العيبان فيكون عيب أحدهما جذامًا وعيب الآخر برصًا فلكل واحد الخيار بعيب صاحبه لأن المجذوم قد يعاف الأبرص والأبرص قد يعاف المجذوم.
والثاني: أن يتساوى العيبان فيكون بكل واحد منهما برص أو جذام ففي ثبوت الخيار وجهان:
أحدهما: أن لا خيار لتكافئهما وأنه ليس بنقص أحدهما عن حالة صاحبه.
والثاني: أن لكل واحد منهما الخيار لأنه قد يعاف من غيره ما لا يعافه من نفسه من بصاق ومخاط وأذى، والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشافعي:"فَإِنْ اخْتَارَ فِرَاقَهَا قَبْلَ المَسِيسِ فَلَا نِصْفَ مَهْرٍ وَلَا مُتْعَةٍ وَإنْ اخْتَارَ فِراقَهَا بَعْدَ المَسِيسِ فَصَدَاقْتُهُ أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ فَلَهُ ذَلِكَ وَلهَا مَهْرُ مُثْلِهَا بِالمَسِيسِ وَلَا نَفَقَةَ عَلَيْهِ في عِدَّتِهَا وَلَا سُكْنَىَ وَلَا يَرْجِعُ بِالمَهْرِ عَلَيٍهَا وَلَا عَلَى وَليّهَا لَأنّ النبي ﷺ قَالَ في التي نُكِحَتْ بِغَيْرَ إِذْنِ وَلِيّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِل فَإِنْ مَسّهَا فَلَهَا المَهْرُ بِمَا اسْتَحَلّ مِنْ فَرْجِهَا وَلَمْ
стр. 4443
يَرُدّهُ بِهِ عَلَيْهَا وَهي التي عَزَّتْهُ فَهُوَ في النِّكَاح الصّحِيح الذي لِلزَّوْج فِيهِ الخِيَارُ أَولي أَنْ يَكُونَ لِلمَرْأَةِ وَإِذَا كَانَ لَهَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَغْرَمَهُ وليُّهَا، وَقَضَى عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ ﵁ في التي نَكَحَتْ في عُدَّتِهَا أَنَّ لَهَا الَمهْرَ".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا فسخ النكاح بأحد العيوب من أحد الزوجين فلا يخلو أن يكون قبل الدخول أو بعده فإن كان قبل الدخول فلا مهر لها ولا متعة سواء كان الفسخ من قبلها أو من قبله لأنه إن كان منها سقط به مهرها كما لو ارتدت وإن كان من الزوج فهو لعيب فيها فصار مضافًا إليها ويكون هذا فائدة الفسخ التي تخالف حكم الطلاق أن يسقط عنه نصف المهر الذي كان يلزمه بالطلاق فعلى هذا لو طلقها الزوج قبل الدخول وهو لا يعلم بعيبها ثم علم كان عليه نصف المهر ولم تسقط عنه بظهوره على العيب لأن النكاح انقطع بالطلاق ولم يرفع بالفسخ نص عليه الشافعي في "الإملاء" ثم لا عدة عليها ولا نفقة لها ولا سكنى، لأنه لما لم يجب ذلك بالطلاق قبل الدخول فأولي أن لا يجب بالفسخ قبله.
فصل:
وإن كان الفسخ بعد الدخول وذلك بأن لا يعلم بعيبها حتى يصيبها فيكون له الفسخ بعد الإصابة كما كان لها قبلها فإن ادعت بالعيب قبل الإصابة وأنكرها وأمكن الأمران فالقول قوله مع يمينه لأن الأصل فيه عدم علمه وثبوت خياره فإذا فسخ النكاح بعد الإصابة فلها مهر مثلها بالإصابة وسواء كان الفسخ من جهتها أو من جهته لقوله ﷺ :"فلما المهر بما استحل من فرجها" فإن قيل: أفليس له وطء أمه قد اشتراها ثم ردها بعيب لم يلزمه بالوطء مهر فلا كانت المنكوحة إذا ردت بعيب لم يلزمه بوطئها مهر.
قيل: الفرق بينهما: أن الوطء في الملك غير مضمون بالمهر وفي النكاح مضمون بالمهر لأن المعقود عليه في البيع الرقبة وفي النكاح المنفعة ثم أوجبنا بالإصابة مهر المثل دون المسمى وإن كان الفسخ بعد الإصابة لأنه بعيب تقدم على النكاح فصارت أفعاله من أصله فسقط ما تضمنه من صداق مسمى.
فصل:
فإذا ثبت أن عليه مهر المثل دون المسمى فهل يرجع بعد غرمه على من غره أولًا؟ على قولين:
أحدهما: وبه قال في القديم: يرجع به لقول عمر رضي الله تعالى عنه وذلك لزوجها غرم على وليها ولأن الغار قد ألجأه إلى التزام المهر بهذه الإصابة ولولاه لما لزمه المهر إلا بإصابة مستدامة في نكاح ثابت فجرى مجرى الشاهدين إذا ألزماه بشهادتهما غرمًا ثم لزمهما غرم ما استهلك بشهادتهما.
والثاني: قاله في الجديد: لا يرجع على الغار لقول النبي ﷺ : "أيما امرأة نكحت
стр. 4444
بغير إذن فنكاحها باطل فإن مسها فلها المهر بما استحل من فرجها" ولم يجعل للزوج الرجوع به على غره في إذن الولي أو على من ادعى في نكاحها أنه ولي فدل على أن لا رجوع بالغرور ولأن غرم المهر بدل من استهلاكه للبضع واستمتاعه به فلم يجز أن يرجع بغرم ما أوجبه استهلاكه وإن كان مغرورًا كالمغرور في مبيع قد استهلكه ولأن لا يجمع بين تملك البدل والمبدل وقد يملك الاستمتاع الذي هو معوض مبدل ولم يجز أن يتملك المهر الذي هو عوض بدل فإذا قلنا: إنه لا رجوع على من غره فلا مسألة وإذا قلنا بالرجوع فلا يخول من غيره من أن يكون الزوجة أو وليها أو أجنبي فإن غره الولي أو أجنبي رجع الزوج عليه بعد غرمه من مهر المثل فلو كانت الزوجة قد أرأته منه لم يرجع به على الزوج على الغار ولو ردته عليه بعد قبضه ففي رجوعه وجهان:
أحدهما: لا يرجع كالابن.
والثاني: يرجع لأن ردها له ابتداء هبة منها وإن كانت هي التي غرته لم يغرم لها من المهر ما يرجع به عليها لأنه غير مقيد وفيه وجهان:
أحدهما: قد سقط جميع مهرها بالغرور كما يرجع بجميعه على غيرها لو غره.
والثاني: وهو منصوص الشافعي في القديم أنه يسقط مهر المثل إلا أقل ما يجوز أن يكون مهرًا فيلتزمه لها لئلا يصير مستبيحًا لبضعها بغير بذل.
فصل:
فأما العدة فواجبة عليها بالإصابة لأنه فراش يلحق بها ولدها وأما النفقة فلا نفقة لها في العدة إن كانت حائلًا لارتفاع العقد الموجب لها ولا سكنى لها وإن وجبت للمبتوتة وفي وجوب النفقة لها إن كانت حاملًا قولان بناء على اختلاف قوليه في نفقة الحامل هل وجبت لها أو لحملها؟ على قولين:
أحدهما: أنها وجبت لها بالزوجية فعلى هذا لا نفقة لهذه لارتفاع عقد الزوجية.
والثاني: أن النفقة وجبت لحملها فعلى هذا لها النفقة لأن حملها في اللحوق كحمل الزوجة.
مسألة:
قَالَ الشافعي: "وَمَا جَعَلْتِ لَهُ فِيه الْخِيَارَ في عُقِدَ النِّكَاحُ ثَمَّ حَدَثٍ بِهَا فَلَهُ الْخِيَارُ لِأَنَّ ذَلِكَ الْمُعَنّى قَائِمٌ فِيهَا، لَحِقَهُ في ذَلِكً وَحَقُّ الْوَلَدِ. قَالَ المزني ﵀: وَكَذَلِكَ مَا فَسَخَ عَقْدُ نِكَاحِ الْأمَةِ مِنَ الطُّولِ إِذَا حَدَثً بَعْدُ النِّكَاحُ فَسِخُهُ لِأَنَّه الْمُعَنّى الذي يَفْسَخُ بِهِ النِّكَاحُ. قَالَ الشافعي: وَكَذَلِكَ هي فِيه فَإِنَّ اِخْتَارَتْ فِرَاقَهُ قَبْلَ الْمَسِيسِ فَلَا مَهْرً وَلَا مُتْعَةً فَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ، حَتَّى أُصَابَهَا فَاِخْتَارَتْ فِرَاقَهُ فَلَهَا الْمَهْرُ مَعَ الْفِرَاقِ الذي يَكُونُ بِهِ مِثْلُ
стр. 4445
الرَّتْقُ بِهَا أَنْ يَكُونُ مجبوبًا فَأَخِيرُهَا مَكَانِهَا وَأَيُّهُمَا تَرْكَهُ أَوْ وُطِئَ بَعْدَ الْعِلْمِ فَلَا خِيَارٌ لَهُ. وَقَالَ في الْقَدِيمَ إِنَّ حَدَثً بِهِ فَلَهَا الْفَسْخُ وَلَيْسَ لَهُ. قَالَ المزني: أَولي بُقولُهُ إِنَّهُمَا سَواءً في الْحَديثَ كَمَا كَانَا فِيه سَواءٌ، قَبُّ الْحَديثِ. قَالٌ: وَالْجُذَامُ وَالْبرصُ فِيمَا زَعَمَ أهْلُ الْعِلْمِ بِالطِّبِّ يُعْدَي وَلَا تَكَادُ نَفْسُ أَحَدُّ تُطَيِّبُ أن يُجَامِعَ مِنْ هُوَ بِهِ وَلَا نَفْسُ اِمْرَأَةٌ بِذَلِكً مِنْه وَأَمَّا الْوَلَدُ فَقَلَّمَا يُسَلِّمُ فَإِنَّ سُلَّمَ أُدْرِكُ ذَلِكً نَسْلُهُ نَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى الْعَافِيَةَ. وَالْجُنُونُ وَالْخَبَلَ لَا يُكَوِّنْ مَعَهُمَا تأدية لَحِقَ زَوْجٌ وَلَا زَوْجَةٌ بِعَقْلٍ وَلَا اِمْتِناعٌ مِنْ مُحَرَّمٍ وَقَدْ يَكُونُ مِنْ مِثْلُه الْقَتْلَ".
قال في الحاوي: قد مضى الكلام في العيب إذا كان بأحد الوجهين قبل العفو فأما العيب الحادث بعد العقد فعلى ضربين:
أحدهما: أن يكون حادثًا بالزوج فللزوجة الخيار فيما حدث به من العيوب كما ثبت لها الخيار فيما تقدم منها ولا اعتبار النفقة وكما أن لها أن تفسخ برض الزوج إذا حدث عتقها بعد العقد كما كان لها أن تفسخ إذا تقدمت حريتها قبل العقد.
والثاني: أن يكون العيب حادثًا للزوجة بعد العقد ففي خيار الزوج قولان:
أحدهما: قاله في القديم: لا خيار لأمرين:
أحدهما: أنه لم يكن معزورًا به لحدوثه فإنه يقدر على دفع الغرور عن نفسه بطلاقه فخالف ما تقدم لأنه كان فيه مغرورًا وخالف الزوجة فيما حدث لأنها لا تقدر على الطلاق.
والثاني: أنه لما كان له الخيار في نكاح الأمة بعتقه المتقدم دون الحادث وكان لها الخيار في نكاح العبد بعتقها المتقدم والحادث كذلك العيوب يكون له الخيار بالمتقدم منها دون الحادث ويكون لها الخيار بالمتقدم منها والحادث.
والثاني: قاله في الجديد، واختاره المزني- له الخيار بالعيوب الحادثة والمتقدمة لأمرين:
أحدهما: ان ما يستحقه من الخيار في مقابلة ما تستحق عليه من الخيار لقوله تعالى: ﴿َلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨] فلما استحقت الزوجة عليه الخيار بالعيوب الحادثة استحق الخيار عليها بالعيوب الحادثة.
والثاني: أنه لما كان العقد فيه على منافعه استوى فيه ما تقدم من العيوب وما حدث كالإجارة فلما كان للزوج الخيار بما تقدم كان له الخيار بما حدث.
فصل:
فإذا تقرر ما ذكرنا من ثبوت الخيار بما حدث من العيوب ففسخ به النكاح فعلى ضربين:
أحدهما: أن يكون قبل الدخول فلا مهر فيه لارتفاع العقد وسواء كان الفسخ من
стр. 4446
قبل الزوج أو من قبل الزوجة لما ذكرنا وإن كان بعد الدخول فعلى ضربين:
أحدهما: أن يكون العيب حادثًا بعد الدخول فلها المهر المسمى لاستقراره بالدخول وحدوث ما أوجب الفسخ بعد استقراره.
والثاني: أن يكون حادثًا بعد العقد وقبل الدخول ولا يعلم به إلا بعد الدخول فلها مهر المثل دون المسمى لأنه لما ارتفع العقد بعيب تقد على الدخول صار الدخول في حكم الحادث بعد ارتفاع العقد فسقط به المسمى واستحق بما بعده مهر المثل.
فصل:
فإذا ثبت ما وصفنا فالخيار فيما تقدم من هذه العيوب. وحدث على الفور بعد العلم بها لأنها عيوب قد عرف الحظر في الفسخ بها من غير فكر ولا ارتياء فجرى مجرى العيوب في البيع التي يثبت فيها الخيار على الفور وخالف خيار الأمة إن أعتقت تحت عبد في أن خيارها في أحد القولين على التراخي لأنها تحتاج في معرفة الحظ لها إلى زمان فكر وارتياء وإذا كان هكذا فلا يجوز أن ينفرد بالفسخ حتى يأتي الحاكم فيحكم له بالفسخ لأنه مختلف فيه فلم يثبت إلا بحكم وخالف عتق الأمة تحت عبد في جواز تفردها بالفسخ لأنه معتق عليه فإن تصادق الزوجان على العيب فسخ الحاكم بينهما وإن تناكرا فادعاه الزوج وأنكرته الزوجة كلف المدعى بينة فإن أقامها وإلا أحلف المنكر ولا فسخ لأن الأصل السلامة من العيوب فلو تصادق الزوجان على العيب واتفقا على الفسخ عن تراضى ففي جوازه وجهان:
أحدهما: يجوز لأن الحكم عند التنازع.
والثاني: لا يجوز لأن ما اشتبه حكمه لم يتعين إلا بالحكم، والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشافعي: "وَلَوُلِيَهَا مَنْعَهَا مِنْ نِكَاحِ الْمَجْنُونِ كَمَا يَمْنَعَهَا مِنْ غَيْرَ كَفْءٍ. فَإِنَّ قَيَّلَ: فَهَلْ مِنْ حَكَمَ بَيْنَهُمَا فِيه الْخِيَارَ أَوْ الْفِرْقَةَ؟ قَيَّلَ: نَعَمْ الْمَولي يَمْتَنِعُ مِنَ الْجِمَاعِ بِيَمِينٍ لَوْ كَانَتْ عَلَى غَيْرَ مأثم كَانَتْ طَاعَةٌ اللَّهِ أَنَّ لَا يَحْنَثُ فَأَرْخُصُ لَهُ في الْحِنْثَ بِكَفَّارَةِ الْيَمِينِ فَإِنْ لَمْ يُفْعَلْ وَجَبٌ عَلَيه الطَّلاَقُ وَالْعِلْمَ مُحِيطً بِأَنَّ الضَّرَرَ بِمُبَاشِرَةِ الْأَجْذَمِ وَالْأبْرَصِ وَالْمَجْنُونِ وَالْمَخْبُولِ أَكْثَرُ فِيهَا بِتَرْكِ مُبَاشِرَةِ الْمَولي مَا لَمْ يَحْنَثْ".
قال في الحاوي: أما إذا أوصى الولي أن يزوجها بمن فيه أحد هذه العيوب فامتنعت فالقول قولها وليس للولي إجبارها عليه وإن كان أبًا لما فيه من تفويت حقها من الاستمتاع ولأنه لو زوجها به لكان لها الفسخ فكان أولي أن يكون لها الامتناع قبل العقد فأما إذا رضيت بمن فيه أحد هذه العيوب وامتنع الولي فالعيوب على ثلاثة أقسام:
стр. 4447
أحدهما: ما للولي أن يمنعها من نكاح من هي وذلك الجنون والخبل لما فيه من عار على الأولياء فكان لهم دفعه عنهم بالامتناع.
والثاني: ما ليس للولي منعها من نكاح من هي فيه وذلك العنت والجب والخصاء لأنه عارف فيه على الأولياء وإنما يختص بعدم الاستمتاع الذي هو حق لها دون الأولياء.
والثالث: ما اختلف فيه أصحابنا هو الجذام والبرص وفيه وجهان:
أحدهما: ليس للولي منعها من مجذوم ولا أبرص لاختصاصها بالاستمتاع وهذا قول أبى إسحاق المروزى.
والثاني: له منعها منهما لنفور النفوس منهما ولتعدى ذلك إلى نسلها فأما إن حدثت هذه العيوب في الزوج بعد العقد فالخيار لها دون الأولياء فإن رضيت وكره الأولياء كان رضاها أولي ولا اعتراض للأولياء لأن حقهم مختص بطلب الكفاءة في ابتداء العقد دون استدامته.
قَالَ الشافعي ﵀: "وَلَوْ تَزَوُّجَهَا عَلَى أَنَّهَا مُسْلِمَةٌ فَإِذَا هي كِتابِيَّةً كَانَ لَهُ فَسْخُ النِّكَاحِ بَلَا نِصْفُ مَهْرٍ وَلَوْ تَزَوُّجَهَا عَلَى أَنَّهَا كِتابِيَّةٌ فَإِذَا هي مُسْلِمَةً لَمْ يَكُنْ لَهُ فَسْخُ النِّكَاحِ لِأَنَّهَا خَيْرً مِنْ كِتابِيَّةٍ. قَالَ المزني ﵀: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مِنَ اِشْتَرَى أُمَّةٌ عَلَى أَنَّهَا نَصْرَانِيَّةٌ، فَأَصَابَهَا مُسْلِمَةً فَلَيْسَ لِلْمُشْتَرَى أَنْ يَرُدَّهَا وَإِذَا اِشْتَرَاهَا عَلَى أَنَّهَا مُسْلِمَةٌ فَوُجِدَهَا نَصْرَانِيَّةً فَلَهُ أَنْ يَرُدَّهَا".
قال في الحاوي: قد مضى الكلام في أن خلاف الصفة المشروطة في عقد النكاح هل تجرى مجرى خلاف العين أم لا؟ على قولين فإذا تزوجها على أنها مسلمة فوجدها نصرانية ففي النكاح قولان:
أحدهما: باطل.
والثاني: جائز نص عليه ها هنا وهل له الخيار في فسخ النكاح أم لا؟ على قولين:
أحدهما: لا خيار له.
والثاني: له الخيار نص علي ها هنا.
وهكذا لو تزوجها على أنها نصرانية فكانت مسلمة كان على قولين:
أحدهما: باطل.
والثاني: جائز ولا خيار له قولًا واحدًا لأن المسلمة أعلى حالًا من النصرانية. فأما المزنى فإنه استدل بذلك على أن من اشترى أمة على أنها مسلمة فكانت نصرانية أن له الهيار ولو اشتراها على أنها نصرانية فكانت مسلمة فليس له خيار كالنكاح فرد أصحابنا ذلك عليه وقالوا له: في البيع الخيار في الموضعين بخلاف النكاح لأن المقصود بالبيع
стр. 4448
فور الثمن. والثمن يتوفر بكثرة الطالب وطالب النصرانية أكثر من طالب المسلمة لأن النصرانية يشتريها المسلمون والنصارى والمسلمة لا يشتريها إلا المسلمون دون النصارى فإذا اشتراها على أنها نصرانية فكانت مسلمة كان له الخيار لأنه أقل طلبًا فصارت أقل ثمنًا ولو اشتراها على أنها مسلمة فكانت نصرانيه فله الخيار لنقصها بالدين وأن المسلمة أحسن منها عشرة وأكثر نظافة وطهارة وليس كذلك النكاح لأن المقصود منه العشرة وحسن الصحبة وكمال المتعة وهذا كله في المسلمة أوجد منه في النصرانية فافترق حكم البيع والنكاح بما ذكرناه.
فصل:
وإذا تزوجت مسلمة رجلًا على أنه مسلم فكان نصرانيًا فالنكاح باطل وكذلك لو تزوجت بغير شرط لأن المسلمة لا تحل لكافر ولو تزوجت مصرانية رجلًا على أنه مسلم فكان نصرانيًا ففي النكاح قولان على ما مضى:
أحدهما: باطل.
والثاني: جائز ولا الخيار قولًا واحدًا لنقصان دينه وأنها لا تملك فراقه إلى بالفسخ ولو تزوجته على أنه نصراني فكان مسلمًا ففي النكاح قولان:
أحدهما: باطل.
والثاني: جائز ولها الخيار وإن كان المسلم أفضل دينًا لأنها إلى من وافقها في الدين أرغب وهي ممن خالفها فيه أنفر.
فصل:
وإذا تزوج المسلم امرأة بغير شرط يظنها مسلمة فكانت نصرانية فالنكاح جائز لا خيار له ولو تزوجها يظنها حرة فكانت أمة بالنكاح جائز إذا كان ممن يحل له نكاح الإماء، وفي خياره وجهان:
أحدهما: وهو قول أبى إسحاق المروزي لا خيار له كالنصرانية.
والثاني: وهو قول أبى على بن أبى هريرة، له الخيار.
والفرق بينهما: أن ولي النصرانية متميز الهبة على ولي المسلمة وولي الأمة لا يتميز عن ولي الحرة، ولأن ولده من الأمة مرقوق ومن النصرانية مسلم، والله أعلم.
باب الأمة تغر من نفسها
قَالَ الشافعي رُحِمَهُ اللهَ تُعَالَى: "وَإِذَا وَكَّلَ تَزْوِيجُ أُمَّتِهِ فَذَكَرْتِ وَالْوَكِيلَ أَوْ
стр. 4449
أحدهما أَنَّهَا حُرَّةٌ فَتَزَوَّجَهَا ثُمَّ عَلِمَ فَلَهُ الخَيَارُ فَإِنْ اخْتَارَ فِرَاقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ فَلا نِصْفَ مَهْرِ وَلَا مُتْعَةً وَإِنْ أَصَابَهَا فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا كَانَ أَكْثَرَ مِمَّا سَمَّى أَوْ أَقَلَّ لأَنَّ فِرَاقَهَا نُسِخَ وَلَا يُرْجَعُ بِهِ فَإِنْ كَانَتْ وَلَدَتْ فَهُمْ أَحْرَارٌ وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُمْ يَوْمَ سَقَطُوا وَذَلِكَ أَوَّلُ مَا كَانَ حُكْمُهُمْ حُكْمُ أَنْفُسِهِمْ لِسَيِّدِ الأمَةِ".
قال في الحاوي: وهذه المسألة قد مضت وهو أن يتزوج امرأة على أنها حرة فتكون أمه فإن كان الزوج ممن لا ينكح الأمة فالنكاح باطل، وإن كان ممن ينكح الأمة إلا أنها منكوحة بغير إذن السيد فالنكاح باطل، وإن كانت منكوحة بإذن السيد فإن كان هو الذي شرط حريتها فقد عتقت والنكاح جائز وإن كان غيره هو الذي شرط حريتها إما هي أو وكيله أو هما فهي حينئذ مسألة الكتاب وفي النكاح قولان حرًا كان الزوج أو عبدًا.
أحدهما: باطل فإن لم يدخل بها فرق بينهما ولا شيء عليه وإن دخل بها فعليه مهر مثلها فإن أولدها كان ولده حرًا لأنه على شرط الحرية أو ولده سواء كان الزوج حرًا أو عبدًا فإن كان الزوج حرًا غرم مهر المثل وقيمة الولد وقت الولادة ورجع بقيمة الولد على من غره لأنه ألجأه إلى غرمه وهل يرجع بمهر مثلها عليه أم لا؟ على قولين، وإن كان الزوج عبدًا ففي ما قد لزمه من مهر المثل وقيمة الولد على ثلاثة أقاويل:
أحدها: في كسبه.
والثاني: في ذمته وإذا أيسر بعد عتقه.
والثالث: في رقبته يباع فيه إلا أن يفديه سيده وهذه الأقاويل الثلاثة من أصلين في كل أصل منهما قولان:
أحدهما: أن العبد إذا نكح بغير إذن سيده هل يكون المهر إن وطئها في ذمته أو في رقبته على قولين:
والثاني: أن العبد إذا أذن له سيده في النكاح فنكح نكاحًا فاسدًا هل يدخل في جملة إذن ويكون المهر والنفقة في كسبه أم لا؟ على قولين ثم لا رجوع للعبد قبل غرم المخر وقيمة الولد على الغار له فإذا غرمها رجع عليه بقيمة الولد في رجوعه بمهر المثل قولان فهذا إذا قيل: إن النكاح باطل.
والثاني: في الأصل أن النكاح جائز فعلى هذا إن كان الزوج حرًا فهل له الخيار في الفسخ أم لا؟ على قولين وإن كان عبدًا فقد اختلف أصحابنا فكان أبو علي بن أبي هريرة يقول: خياره على قولين كالحر لمكان شروطه وكان أبو إسحاق المروزي يقول: لا خيار له بخلاف الحر لمساواته لها في الرق فإذا قيل: لهما الخيار فاختار الفسخ فالحكم في المهر وقيمة الولد على ما مضى. وإذا قيل: بأن النكاح باطل وإن اختار المقام أو قيل: أنه ليس له خيار فالحكم في الحالين واحد وهو أن يختلف عليه المهر المسمى بالعقد وأولاده منها قبل علمه فهم أحرار لأنهم علقوا قبل علمه ومن وضعته بعد علمه بستة أشهر فصاعدًا فهم
стр. 4450
مماليك ولا يرجع بالمهر قولًا واحدًا لأنه المسمى بعقد صحيح ويرجع بقيمة من عتقه عليه من الأولاد لأنه التزامها بالغرور دون العقد فإن كان الزوج عبدًا كان المهر في كسبه قولًا واحدًا لأنه نكاح قد صح بإذن سيده ولا يكون قيمة الولد في كسبه؟ لأن إذن سيده بالنكاح لا يقتضيها وأين تكون؟ على قولين:
أحدهما: في رقبته.
والثاني: في ذمته إذا أعتق ويكون ما استحق من المهر في صحة النكاح وفساده ملكًا للسيد لأنه من كسب أمته ويكون من رق من الأولاد ملكًا للسيد وقيمة من عتق منهم للسيد.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَا يَرْجِع بِهَا عَلَى الَّذِي غَرَّهُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يُعَرِّفَهَا فَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ عَبْداً فَوَلَدُهُ احْرَارٌ لأَنَّهُ تَزَوَّجَ عَلَى أَنَّهُمْ أَحْرَارٌ، وَلَا مَهْرَ لَهَا عَلَيْهِ حَتَّى بِعِتْقٍ. قَال المُزَنِيُّ: وَقِيمَةُ الوَلَدِ فِي مَعْنَاهُ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنْ لا غُرْمَ عَلَى مَنْ شَهِدَ عَلَى رَجُلٍ بِقَتْلٍ خَطَأ أَوْ بِعِتْقٍ حَتَّى يَغْرَمَ لِلْمَشْهُودِ لَهُ. قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: وَإِنْ كَانَتْ هِيَ الغَارَّةَ رَجَعَ عَلَيْهَا بِهِ إِذَا أُعْتِقَتْ".
قال في الحاوي: فذكرنا أن الزوج يرجع بما غرمه من قيمته الولد قولَا واحدًا في رجوعه بما غرمه من مهر المثل دون المسمى قولان. ورجوعه بذلك إنما يكون على من غره بعد غرمه فأما قبله فلا رجوع له لأنه يغرم ما يرجع به. وقد يجوز أن يبرأ منه فلا يرجع به.
قال المزني: هذا يدل على أن من شهد على رجل يقتل خطأ ثم رجع الشهود لم يلزمهم غرم الدية إلا بعد أن يغرمها العاقلة فيرجع بها حينئذ على الشهود وهذا صحيح لأنه قبل الغرم قد يجوز أن يبرأ العاقلة فلا يستحق الرجوع فإذا غرم الزوج ذلك لم يصح أن ينسب الغرور إلى السيد لأنها تعتق عليه بقوله: هي حرة فلا يكون غارًا وإنما يصح أن يكون مغرورًا إما منها أو من وكيله في نكاحها أو منهما معًا فإن تفرد الوكيل بغرور الزوج رجع عليه بقيمة الولد ومهر المثل في الحال إذا كان موسرًا. وانظر إلى ميسرته إن كان معسرًا وإن تفردت الأمة بالغرور يرجع الزوج عليها بقيمة الولد وبجميع مهر المثل ولا يترك عليها شيئًا منه لأنه قد غرم جميعه للسيد فلم يصر بضعها مستهلكًا بغير مهر وكان ذلك في ذمتها لأنها أمة تؤديه إذا أيسرت بعد العتق.
فإن قيل: فهلا كان ذلك في رقبتها تباع فيه كالعبد إذا نكح بغير إذن سيده ولزمه المهر بإصابته كان في رقبته على أحد القولين.
следующие страницы →