← Фикх шафии

Фикх шафии · id 16934

بحر المذهب للروياني

عَبْد الواحِد الرُّوْياني

Полный текст (7 151 стр.). Показаны 4446–4485 · переход к 4451.

стр. 4446

قبل الزوج أو من قبل الزوجة لما ذكرنا وإن كان بعد الدخول فعلى ضربين: أحدهما: أن يكون العيب حادثًا بعد الدخول فلها المهر المسمى لاستقراره بالدخول وحدوث ما أوجب الفسخ بعد استقراره. والثاني: أن يكون حادثًا بعد العقد وقبل الدخول ولا يعلم به إلا بعد الدخول فلها مهر المثل دون المسمى لأنه لما ارتفع العقد بعيب تقد على الدخول صار الدخول في حكم الحادث بعد ارتفاع العقد فسقط به المسمى واستحق بما بعده مهر المثل. فصل: فإذا ثبت ما وصفنا فالخيار فيما تقدم من هذه العيوب. وحدث على الفور بعد العلم بها لأنها عيوب قد عرف الحظر في الفسخ بها من غير فكر ولا ارتياء فجرى مجرى العيوب في البيع التي يثبت فيها الخيار على الفور وخالف خيار الأمة إن أعتقت تحت عبد في أن خيارها في أحد القولين على التراخي لأنها تحتاج في معرفة الحظ لها إلى زمان فكر وارتياء وإذا كان هكذا فلا يجوز أن ينفرد بالفسخ حتى يأتي الحاكم فيحكم له بالفسخ لأنه مختلف فيه فلم يثبت إلا بحكم وخالف عتق الأمة تحت عبد في جواز تفردها بالفسخ لأنه معتق عليه فإن تصادق الزوجان على العيب فسخ الحاكم بينهما وإن تناكرا فادعاه الزوج وأنكرته الزوجة كلف المدعى بينة فإن أقامها وإلا أحلف المنكر ولا فسخ لأن الأصل السلامة من العيوب فلو تصادق الزوجان على العيب واتفقا على الفسخ عن تراضى ففي جوازه وجهان: أحدهما: يجوز لأن الحكم عند التنازع. والثاني: لا يجوز لأن ما اشتبه حكمه لم يتعين إلا بالحكم، والله أعلم. مسألة: قَالَ الشافعي: "وَلَوُلِيَهَا مَنْعَهَا مِنْ نِكَاحِ الْمَجْنُونِ كَمَا يَمْنَعَهَا مِنْ غَيْرَ كَفْءٍ. فَإِنَّ قَيَّلَ: فَهَلْ مِنْ حَكَمَ بَيْنَهُمَا فِيه الْخِيَارَ أَوْ الْفِرْقَةَ؟ قَيَّلَ: نَعَمْ الْمَولي يَمْتَنِعُ مِنَ الْجِمَاعِ بِيَمِينٍ لَوْ كَانَتْ عَلَى غَيْرَ مأثم كَانَتْ طَاعَةٌ اللَّهِ أَنَّ لَا يَحْنَثُ فَأَرْخُصُ لَهُ في الْحِنْثَ بِكَفَّارَةِ الْيَمِينِ فَإِنْ لَمْ يُفْعَلْ وَجَبٌ عَلَيه الطَّلاَقُ وَالْعِلْمَ مُحِيطً بِأَنَّ الضَّرَرَ بِمُبَاشِرَةِ الْأَجْذَمِ وَالْأبْرَصِ وَالْمَجْنُونِ وَالْمَخْبُولِ أَكْثَرُ فِيهَا بِتَرْكِ مُبَاشِرَةِ الْمَولي مَا لَمْ يَحْنَثْ". قال في الحاوي: أما إذا أوصى الولي أن يزوجها بمن فيه أحد هذه العيوب فامتنعت فالقول قولها وليس للولي إجبارها عليه وإن كان أبًا لما فيه من تفويت حقها من الاستمتاع ولأنه لو زوجها به لكان لها الفسخ فكان أولي أن يكون لها الامتناع قبل العقد فأما إذا رضيت بمن فيه أحد هذه العيوب وامتنع الولي فالعيوب على ثلاثة أقسام:

стр. 4447

أحدهما: ما للولي أن يمنعها من نكاح من هي وذلك الجنون والخبل لما فيه من عار على الأولياء فكان لهم دفعه عنهم بالامتناع. والثاني: ما ليس للولي منعها من نكاح من هي فيه وذلك العنت والجب والخصاء لأنه عارف فيه على الأولياء وإنما يختص بعدم الاستمتاع الذي هو حق لها دون الأولياء. والثالث: ما اختلف فيه أصحابنا هو الجذام والبرص وفيه وجهان: أحدهما: ليس للولي منعها من مجذوم ولا أبرص لاختصاصها بالاستمتاع وهذا قول أبى إسحاق المروزى. والثاني: له منعها منهما لنفور النفوس منهما ولتعدى ذلك إلى نسلها فأما إن حدثت هذه العيوب في الزوج بعد العقد فالخيار لها دون الأولياء فإن رضيت وكره الأولياء كان رضاها أولي ولا اعتراض للأولياء لأن حقهم مختص بطلب الكفاءة في ابتداء العقد دون استدامته. قَالَ الشافعي ﵀: "وَلَوْ تَزَوُّجَهَا عَلَى أَنَّهَا مُسْلِمَةٌ فَإِذَا هي كِتابِيَّةً كَانَ لَهُ فَسْخُ النِّكَاحِ بَلَا نِصْفُ مَهْرٍ وَلَوْ تَزَوُّجَهَا عَلَى أَنَّهَا كِتابِيَّةٌ فَإِذَا هي مُسْلِمَةً لَمْ يَكُنْ لَهُ فَسْخُ النِّكَاحِ لِأَنَّهَا خَيْرً مِنْ كِتابِيَّةٍ. قَالَ المزني ﵀: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مِنَ اِشْتَرَى أُمَّةٌ عَلَى أَنَّهَا نَصْرَانِيَّةٌ، فَأَصَابَهَا مُسْلِمَةً فَلَيْسَ لِلْمُشْتَرَى أَنْ يَرُدَّهَا وَإِذَا اِشْتَرَاهَا عَلَى أَنَّهَا مُسْلِمَةٌ فَوُجِدَهَا نَصْرَانِيَّةً فَلَهُ أَنْ يَرُدَّهَا". قال في الحاوي: قد مضى الكلام في أن خلاف الصفة المشروطة في عقد النكاح هل تجرى مجرى خلاف العين أم لا؟ على قولين فإذا تزوجها على أنها مسلمة فوجدها نصرانية ففي النكاح قولان: أحدهما: باطل. والثاني: جائز نص عليه ها هنا وهل له الخيار في فسخ النكاح أم لا؟ على قولين: أحدهما: لا خيار له. والثاني: له الخيار نص علي ها هنا. وهكذا لو تزوجها على أنها نصرانية فكانت مسلمة كان على قولين: أحدهما: باطل. والثاني: جائز ولا خيار له قولًا واحدًا لأن المسلمة أعلى حالًا من النصرانية. فأما المزنى فإنه استدل بذلك على أن من اشترى أمة على أنها مسلمة فكانت نصرانية أن له الهيار ولو اشتراها على أنها نصرانية فكانت مسلمة فليس له خيار كالنكاح فرد أصحابنا ذلك عليه وقالوا له: في البيع الخيار في الموضعين بخلاف النكاح لأن المقصود بالبيع

стр. 4448

فور الثمن. والثمن يتوفر بكثرة الطالب وطالب النصرانية أكثر من طالب المسلمة لأن النصرانية يشتريها المسلمون والنصارى والمسلمة لا يشتريها إلا المسلمون دون النصارى فإذا اشتراها على أنها نصرانية فكانت مسلمة كان له الخيار لأنه أقل طلبًا فصارت أقل ثمنًا ولو اشتراها على أنها مسلمة فكانت نصرانيه فله الخيار لنقصها بالدين وأن المسلمة أحسن منها عشرة وأكثر نظافة وطهارة وليس كذلك النكاح لأن المقصود منه العشرة وحسن الصحبة وكمال المتعة وهذا كله في المسلمة أوجد منه في النصرانية فافترق حكم البيع والنكاح بما ذكرناه. فصل: وإذا تزوجت مسلمة رجلًا على أنه مسلم فكان نصرانيًا فالنكاح باطل وكذلك لو تزوجت بغير شرط لأن المسلمة لا تحل لكافر ولو تزوجت مصرانية رجلًا على أنه مسلم فكان نصرانيًا ففي النكاح قولان على ما مضى: أحدهما: باطل. والثاني: جائز ولا الخيار قولًا واحدًا لنقصان دينه وأنها لا تملك فراقه إلى بالفسخ ولو تزوجته على أنه نصراني فكان مسلمًا ففي النكاح قولان: أحدهما: باطل. والثاني: جائز ولها الخيار وإن كان المسلم أفضل دينًا لأنها إلى من وافقها في الدين أرغب وهي ممن خالفها فيه أنفر. فصل: وإذا تزوج المسلم امرأة بغير شرط يظنها مسلمة فكانت نصرانية فالنكاح جائز لا خيار له ولو تزوجها يظنها حرة فكانت أمة بالنكاح جائز إذا كان ممن يحل له نكاح الإماء، وفي خياره وجهان: أحدهما: وهو قول أبى إسحاق المروزي لا خيار له كالنصرانية. والثاني: وهو قول أبى على بن أبى هريرة، له الخيار. والفرق بينهما: أن ولي النصرانية متميز الهبة على ولي المسلمة وولي الأمة لا يتميز عن ولي الحرة، ولأن ولده من الأمة مرقوق ومن النصرانية مسلم، والله أعلم. باب الأمة تغر من نفسها قَالَ الشافعي رُحِمَهُ اللهَ تُعَالَى: "وَإِذَا وَكَّلَ تَزْوِيجُ أُمَّتِهِ فَذَكَرْتِ وَالْوَكِيلَ أَوْ

стр. 4449

أحدهما أَنَّهَا حُرَّةٌ فَتَزَوَّجَهَا ثُمَّ عَلِمَ فَلَهُ الخَيَارُ فَإِنْ اخْتَارَ فِرَاقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ فَلا نِصْفَ مَهْرِ وَلَا مُتْعَةً وَإِنْ أَصَابَهَا فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا كَانَ أَكْثَرَ مِمَّا سَمَّى أَوْ أَقَلَّ لأَنَّ فِرَاقَهَا نُسِخَ وَلَا يُرْجَعُ بِهِ فَإِنْ كَانَتْ وَلَدَتْ فَهُمْ أَحْرَارٌ وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُمْ يَوْمَ سَقَطُوا وَذَلِكَ أَوَّلُ مَا كَانَ حُكْمُهُمْ حُكْمُ أَنْفُسِهِمْ لِسَيِّدِ الأمَةِ". قال في الحاوي: وهذه المسألة قد مضت وهو أن يتزوج امرأة على أنها حرة فتكون أمه فإن كان الزوج ممن لا ينكح الأمة فالنكاح باطل، وإن كان ممن ينكح الأمة إلا أنها منكوحة بغير إذن السيد فالنكاح باطل، وإن كانت منكوحة بإذن السيد فإن كان هو الذي شرط حريتها فقد عتقت والنكاح جائز وإن كان غيره هو الذي شرط حريتها إما هي أو وكيله أو هما فهي حينئذ مسألة الكتاب وفي النكاح قولان حرًا كان الزوج أو عبدًا. أحدهما: باطل فإن لم يدخل بها فرق بينهما ولا شيء عليه وإن دخل بها فعليه مهر مثلها فإن أولدها كان ولده حرًا لأنه على شرط الحرية أو ولده سواء كان الزوج حرًا أو عبدًا فإن كان الزوج حرًا غرم مهر المثل وقيمة الولد وقت الولادة ورجع بقيمة الولد على من غره لأنه ألجأه إلى غرمه وهل يرجع بمهر مثلها عليه أم لا؟ على قولين، وإن كان الزوج عبدًا ففي ما قد لزمه من مهر المثل وقيمة الولد على ثلاثة أقاويل: أحدها: في كسبه. والثاني: في ذمته وإذا أيسر بعد عتقه. والثالث: في رقبته يباع فيه إلا أن يفديه سيده وهذه الأقاويل الثلاثة من أصلين في كل أصل منهما قولان: أحدهما: أن العبد إذا نكح بغير إذن سيده هل يكون المهر إن وطئها في ذمته أو في رقبته على قولين: والثاني: أن العبد إذا أذن له سيده في النكاح فنكح نكاحًا فاسدًا هل يدخل في جملة إذن ويكون المهر والنفقة في كسبه أم لا؟ على قولين ثم لا رجوع للعبد قبل غرم المخر وقيمة الولد على الغار له فإذا غرمها رجع عليه بقيمة الولد في رجوعه بمهر المثل قولان فهذا إذا قيل: إن النكاح باطل. والثاني: في الأصل أن النكاح جائز فعلى هذا إن كان الزوج حرًا فهل له الخيار في الفسخ أم لا؟ على قولين وإن كان عبدًا فقد اختلف أصحابنا فكان أبو علي بن أبي هريرة يقول: خياره على قولين كالحر لمكان شروطه وكان أبو إسحاق المروزي يقول: لا خيار له بخلاف الحر لمساواته لها في الرق فإذا قيل: لهما الخيار فاختار الفسخ فالحكم في المهر وقيمة الولد على ما مضى. وإذا قيل: بأن النكاح باطل وإن اختار المقام أو قيل: أنه ليس له خيار فالحكم في الحالين واحد وهو أن يختلف عليه المهر المسمى بالعقد وأولاده منها قبل علمه فهم أحرار لأنهم علقوا قبل علمه ومن وضعته بعد علمه بستة أشهر فصاعدًا فهم

стр. 4450

مماليك ولا يرجع بالمهر قولًا واحدًا لأنه المسمى بعقد صحيح ويرجع بقيمة من عتقه عليه من الأولاد لأنه التزامها بالغرور دون العقد فإن كان الزوج عبدًا كان المهر في كسبه قولًا واحدًا لأنه نكاح قد صح بإذن سيده ولا يكون قيمة الولد في كسبه؟ لأن إذن سيده بالنكاح لا يقتضيها وأين تكون؟ على قولين: أحدهما: في رقبته. والثاني: في ذمته إذا أعتق ويكون ما استحق من المهر في صحة النكاح وفساده ملكًا للسيد لأنه من كسب أمته ويكون من رق من الأولاد ملكًا للسيد وقيمة من عتق منهم للسيد. مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَا يَرْجِع بِهَا عَلَى الَّذِي غَرَّهُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يُعَرِّفَهَا فَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ عَبْداً فَوَلَدُهُ احْرَارٌ لأَنَّهُ تَزَوَّجَ عَلَى أَنَّهُمْ أَحْرَارٌ، وَلَا مَهْرَ لَهَا عَلَيْهِ حَتَّى بِعِتْقٍ. قَال المُزَنِيُّ: وَقِيمَةُ الوَلَدِ فِي مَعْنَاهُ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنْ لا غُرْمَ عَلَى مَنْ شَهِدَ عَلَى رَجُلٍ بِقَتْلٍ خَطَأ أَوْ بِعِتْقٍ حَتَّى يَغْرَمَ لِلْمَشْهُودِ لَهُ. قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: وَإِنْ كَانَتْ هِيَ الغَارَّةَ رَجَعَ عَلَيْهَا بِهِ إِذَا أُعْتِقَتْ". قال في الحاوي: فذكرنا أن الزوج يرجع بما غرمه من قيمته الولد قولَا واحدًا في رجوعه بما غرمه من مهر المثل دون المسمى قولان. ورجوعه بذلك إنما يكون على من غره بعد غرمه فأما قبله فلا رجوع له لأنه يغرم ما يرجع به. وقد يجوز أن يبرأ منه فلا يرجع به. قال المزني: هذا يدل على أن من شهد على رجل يقتل خطأ ثم رجع الشهود لم يلزمهم غرم الدية إلا بعد أن يغرمها العاقلة فيرجع بها حينئذ على الشهود وهذا صحيح لأنه قبل الغرم قد يجوز أن يبرأ العاقلة فلا يستحق الرجوع فإذا غرم الزوج ذلك لم يصح أن ينسب الغرور إلى السيد لأنها تعتق عليه بقوله: هي حرة فلا يكون غارًا وإنما يصح أن يكون مغرورًا إما منها أو من وكيله في نكاحها أو منهما معًا فإن تفرد الوكيل بغرور الزوج رجع عليه بقيمة الولد ومهر المثل في الحال إذا كان موسرًا. وانظر إلى ميسرته إن كان معسرًا وإن تفردت الأمة بالغرور يرجع الزوج عليها بقيمة الولد وبجميع مهر المثل ولا يترك عليها شيئًا منه لأنه قد غرم جميعه للسيد فلم يصر بضعها مستهلكًا بغير مهر وكان ذلك في ذمتها لأنها أمة تؤديه إذا أيسرت بعد العتق. فإن قيل: فهلا كان ذلك في رقبتها تباع فيه كالعبد إذا نكح بغير إذن سيده ولزمه المهر بإصابته كان في رقبته على أحد القولين.

стр. 4451

قيل: الفرق بينهما إن الرقبة لا يتعلق بها إلا جناية ووطء العبد جناية توجب الغرم فجاز أن يتعلق برقبته. وليس غرور الأمة جناية ولا الغرم بها يتعلق إنما تعلق بوطء الزوج فلم يجز أن يتعلق برقبتها وإن اشتراك الوكيل والأمة في الغرور كان غرم المهر وقيمة الأولاد بينهما نصفين لاستوائهما في الغرور ولكن ما وجب على الوكيل من نصف الغرم يؤخذ به معجلًا لأنه حر وما وجب على الأمة من نصف الغرم تؤخذ به إذا أيسرت بعد العتق. مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "إِلَّا أَنْ تَكُونَ مُكَاتِبَةً فَيَرْجِعَ عَلَيْهَا فِي كِتَابَتِهَا؛ لأَنَّهَا كَالجِنَايَةِ فَإِنْ عَجَزَتْ فَحَتَّى تُعْتَقَ فَإِنْ ضَرَبَهَا أَحَدٌ فَألْقَتْ جَنِيناً فَفِيهِ مَا فِي جَنِينِ الحُرَّةِ. وَقَالَ المُزَنِيُّ ﵀: قَدْ جَعَلَ الشَّافِعِيُّ جَنِينَ المُكَاتِبَةِ كَجَنِينِ الحُرَّةِ إذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنَّهَا حُرَّةٌ". قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا تزوجت على أنها حرة فكانت مكاتبة كان في نكاحها قولان كالأمة: أحدهما: باطل. والثاني: جائز. وهل له الخيار أم لا؟ على قولين والأمة. فإذا قيل بصحة النكاح وأن لا خيار فيه أو فيه الخيار فاختار المقام عليه فالمهر المسمى بالعقد واجب وهو للمكاتبة دون سيدها لأنه كسبها واكتساب المكاتبة لها بخلاف الأمة فأما أولادها الذين علقت بهم بعد علم الزوج بكتابتها ففيهم قولان: أحدهما: مماليك لسيدها. والثاني: تبع لها يعتقون بعتقها إن أدت ويرقون برقها إن عجزت. وإذا قيل ببطلان النكاح أو قيل بصحته وفيه فاختار الفسخ فالحكم في الحالين سواء وينظر فإن لم يدخل بها الزوج فلا مهر عليه وإن دخل بها فعليه مهر المثل دون المسمى يكون ذلك للمكاتبة دون سيدها وعليه قيمة أولادها وفيمن تكون له قيمتهم قولان: أحدهما: للسيد إذا قيل: إنهم عبيده لو رقوا. والثاني: للمكاتبة إذا قيل: إنهم تبع لها فيما يأخذه من قيمتهم وجهان: أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي- تستعين به في كتابتها. والثاني: وهو قول أبي علي بن خيران أن يكون موقوفًا كما يوقف الأولاد لو رقوا فإن عتقت بالأداء ملكت قيمتهم وإن رقت بالعجز كانت قيمتهم للسيد ويرجع الزوج بقيمة الأولاد على من غره فإن كان الوكيل هو الذي غره رجع عليه بعد غرمها سواء غرمها

стр. 4452

للمكاتبة أو لسيدها. وإن كانت المكاتبة هي التي غرته فإن قيل: يجب للسيد غرمها للسيد ثم رجع بها على المكاتبة في مال كتابتها فإن عجزت ورقت فبعد عتقها. وإن قيل: تجب قيمة الأولاد لها دون السيد سقطت عنه ولم يغرمها لأنه لو غرمها لرجع بها وأما المهر ففي رجوع الزوج به قولان هلى ما مضى. فإن قيل: لا يرجع به دفع جميعها إليها. وإن قيل: يرجع به نظر في الغار به فإن كان الوكيل غرم لها مهرها ورجع بجميعه على الوكيل وإن كانت هي الغارة سقط لأنه لها وهل يسقط جميعه أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما: يسقط جميعه لأنه يستحق الرجوع على غيرها بجميعه. والثاني: لا يسقط إلا أقل ما يجوز أن يكون مهرًا فيلزمه دفعه إليها ولا يرجع به عليها لأن لا يصير مستمتعًا ببعضها من غير بذل. فصل: فلو كانت بحالها حاملًا من هذا الزوج المغرور فضرب بطنها فألقت حملها جنينًا ميتًا فعلى الضارب في جنينها غرة عبد أو أمة لأنه حر في حقه ويكون ذلك للزوج لأنه أبوه ووارثه إلا أن يكون هو الضارب فلا يرثه لأنه صار قاتلًا ولا ترثه الأم لأنها مكاتبة ويكون على الزوج فيه عشر قيمة أمة كالذي يكون في جنين مملوك لأنه فيما يستحق على الأب من الغرم في حكم الجنين المملوك وفيما يستحقه الأب على الضارب من الدية في حكم الجنين الحر وفيمن يستحق ما غرمه الأب من عشر قيمة أمة قولان: أحدهما: يكون للسيد إذا قيل: إن الولد ملك له لو رق. والثاني: يكون للأم المكاتبة إذا قيل: إنه يكون تبعًا لها لو رق وهل تستعين به في مال كتابتها أو يكون موقوفًا بيدها على ما ذكرنا من الوجهين ثم يكون رجوع الزوج به على غرة مستحق على ما مضى، والله أعلم. باب الأمة تعتق وزوجها عبد قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: "أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ عَنْ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ بُرِيرَةَ أُعْتِقَتْ فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ: وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنْ لَيْسَ بَيْعُهَا طَلَاقَهَا إِذَا خَيَّرَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعْدَ بَيْعِهَا فِي زَوْجِهَا". قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا كانت الأمة ذات زوج فبيعت أو أعتقت كان النكاح بحاله ولم يكن ذلك طلاقًا لها. وبه قال عمر وعثمان وعلي وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وأكثر الصحابة وجمهور الفقهاء ابن عباس وابن مسعود وأبي بن كعب وأنس بن مالك

стр. 4453

إلى أن بيعها طلاق لها وكذلك عتقها ولا نعرف قائلًا به من التابعين إلا مجاهد استدلالًا بقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] إلى قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] فحرم من ذوات الأزواج إلا أن يملكه فيحلله للمالك وهذه قد ملكت بالابتياع فوجب أن تحل لمالكها ولأنه لما حلت ذات الزوج بالسبي لحدوث ملك السابي وجب أن تحل بالشراء لحدوث ملك المشتري. والدليل على ثبوت النكاح أن بريرة أعتقت تحت زوج فخيرها رسول الله ﷺ في نكاحه فلو كان نكاحها قد بطل بعتقها لأخبرها ولم يخيرها فيه ولأن عقد النكاح أثبت من عقد الإجارة لدوامه فلما لم يبطل عقد الإجارة بالعتق والبيع فأولى أن لا يبطل بهما عقد النكاح ولأنه لما كان بيع الزوج وعتقه لا يوجب بطلان نكاحه كذلك بيع الزوجة وعتقها لا يوجب بطلان نكاحها ولأن المشتري ملك عن البائع على الصفة التي كان البائع مالكها فلما كان النكاح مقرًا على ملك البائع كان مقرًا على ملك المشتري فأما الآية فواردة في السبايا. وأما الاستدلال بالسبايا فالفرق بينهما من وجهين: أحدهما: أن السبي لما أبطل الحرية التي هي أقوى كان بأن يبطل النكاح أولى وليس كذلك البيع والعتق. والثاني: أن السبي قد أحدث حجرًا فجاز أن يبطل به ما تقدم من نكاحها وليس كذلك البيع والعتق. فصل: فإذا ثبت أن النكاح بحاله فعلى المشتري إقرار الزوج على نكاحه وله الخيار في فسخ البيع إن لم يكن عالمًا بنكاحه لتفويت بضعها عليه. مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ عَبْداً. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ عَبْداً يُقَالُ لَهُ: مُغِيثٌ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إلَيْهِ يَطُوفُ خَلْفَهَا يَبْكِي وَدُمُوعُهُ تَسِيلُ عَلَى لِحْيَتِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْعَبَّاسِ ﵁: "يَا عَبَّاسُ أَلَا تَعْجَبُ مِنْ حُبِّ مُغِيث بُرَيْرَةَ وَمِنْ بُغْضِ بُرِيرَةَ مُغِيثاً؟ " فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ : "لَوْ رَاجَعْتِهِ فَإِنَّمَا هُوَ أَبُو وَلَدِكِ" فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله بَأَمْرِكَ؟ قَال: "إِنَّمَا أَنَا شَفِيعٌ" قَالَتْ: فَلَا حَاجَةَ لِي فِيهِ. وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ عَبْداً. قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: وَلَا يُشْبِهُ العَبْدُ الحُرَّ؛ لأَنَّ العَبْدَ لَا يَمْلِكَ نَفْسَهُ، وَلأَنَّ لِلسَّيِّد إِخْرَاجَهُ عَنْهَا وَمَنْعَهُ مِنْهَا وَلَا نَفَقَةَ عَلَيْهِ لِوَلَدِهَا وَلَا وِلَايَةَ وَلَا مِيرَاثَ بَيْنَهُمَا". قال في الحاوي: أما إذا أعتقت الأمة تحت زوج وكان عبدًا فلها الخيار في فسخ نكاحه لكماله ونقصه وأن النبي ﷺ قال لبريرة: "ملكت نفسك فاختاري".

стр. 4454

فأما إذا أعتقت الأمة وزوجها حر فقد اختلف الفقهاء في خيارها فذهب الشافعي إلى أنه لا خيار لها. وبه قال من الصحابة: ابن عمر وابن عمر وابن عباس وعائشة. ومن التابعين: سعيد بن المسيب والحسن البصري وسليمان بن يسار. ومن الفقهاء: ربيعة ومالك والأوزاعي وابن أبي ليلى وأحمد وإسحاق. وقال أبو حنيفة وصاحباه: لها الخيار. وبه قال النخعي والشعبي والثوري وطاوس استدلالًا برواية إبراهيم بن الأسود عن عائشة قالت: خير رسول الله ﷺ بريرة وكان زوجها حرًا وهذا نص قالوا: ولأن النبي ﷺ قال لبريرة: "قد ملكت بضعك فاختاري" فجعل على اختيارها أنها ملكت بضعها وهذه العلة موجودة إذا أعتقت تحت حر لوجودها إذا أعتقت تحت عبد فوجب أن يكون لها الخيار في الحالين. قال: ولأنها أعتقت تحت زوج فوجب أن يكون لها الخيار في الحالين. قال: ولأنها أعتقت تحت زوج فوجب أن يكون لها الخيار. أصله: إذا كان الزوج عبدًا ولأنه قد ملك عليها بضعها بعد العتق بمهر ملكه غيرها في الرق فوجب أن يكون لها فسخه فيصح ان تملك بالحرية ما كان ممنوعًا عليها في العبودية. ودليلناك ما رواه عروة بن الزبير والقاسم بن محمد وعمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة أن النبي ﷺ خَيَّر بريرة وكان زوجها عبدًا فوجه الدليل فيه أن الحكم إذا انتقل مع السبب تعلق الحكم بذلك السبب كما إذا نقل الحكم مع علة تعلقى الحكم بتلك العلة وقد نقل التخيير بعتقها تحت عبد فوجب أن يكون متعلقًا به. فإن قيل: فقد روى الأسود عن عائشة أنه كان حرًا، فتعارضت الروايتان في النقل وكانت رواية الحرية أثبت في الحكم، ألا ترى لو شهد شاهدان بحرية رجل وشهد آخران بعبوديته كان شهادة الحرية أولى من شهادة العبودية، وكذلك في النقلين المتعارضين. قيل: روايتنا أنه كان عبدًا أولى من روايتهم أنه كان حرًا من أربعة أوجه: أحدهما: أن راوي العبودية عن عائشة ثلاثة عروة والقاسم وعمرة وراوي الحرية عنها واحد وهو الأسود ورواية الثلاثة أولى من رواية الواحد لأنهم من السهو أبعد وإلى التواتر والاستفاضة أقرب وقد قال الله تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢] وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد".

стр. 4455

والثاني: أن من ذكرنا أخص بعائشة من الأسود، ولأن عروة بن الزبير هو ابن أختها أسماء بنت أبي بكر والقاسم بن محمد هو ابن أخيها محمد هو ابن أخيها محمد بن أبي بكر، وعمرة بنت عبد الرحمن بنت أخيها عبد الرحمن بن أبي بكر، فهم من أهلها يستمعون كلاهما مشاهدة من غير حجاب والأسود أجنبي لا يسمع كلاهما إلا من وراء حجاب فكانت روايتهم أولى من روايته. والثالث: أن نقل العبودية يفيد على الحكم ونقل الحرية لا يفيدها لأن أحدًا لا يجعل حرية الزوج علة في ثبوت الخيار والعبودية يجعله علة في ثبوت الخيار فكانت رواية العبودية أولى. والرابع: أن قد وافق عائشة في رواية العبودية صحابيان: ابن عمر وابن عباس وما رافقهما في رواية الحرية أحد أما ابن عمر فروى أنه كان عبدًا وأما ابن عباس فروى عنه خالد الحذاء عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان زوج بريرة عبدًا أسود يقال له مغيث كأني أراه يطوف خلفها بالمدينة ودموعه تسيل على لحيته، فقال رسول الله ﷺ لعمه العباس: ألا تعجب من شدة حب مغيث بريرة، ومن شدة بغض بريرة مغيث، قال: فقال لها رسول الله ﷺ : "لو راجعته فإنما هو أبو ولدك" فقالت: أتأمرني فقال: "إنما أنا شافع" قالت: فلا حاجة لي فيه". فأما ترجيحه بأن شهود الحرية أولى من شهود العبودية كذلك راوي الحرية أولى من راوي العبودية. فالجواب عنه أنه يقال: إن علم شهود الحرية بالعبودية فشهادتهم أولى لأنهم أزيد علمًا ممن علم العبودية زلم يعلم ما يجدد بعدها من الحرية وإن لم يعود شهود الحرية بالعبودية وكان مجهول فقد اختلف أصحابنا فيه على وجهين: أحدهما: أن الشهادتين قد تعارضتا فسقطتا. والثاني: أن شهادة العبودية أولى لأنها تخالف الظاهر من حكم الدار فكانت أزيد ممن شهد بالحرية التي هي الغالب من حكم الدار ألا ترى أن اللقيط يجري عليه حكم الحرية في الظاهر لأنه الغالب من حكم الدار في الظاهر لأنه الغالب من حكم الدار ولأن أهلها أحرارًا فلم يكن في هذا الاستشهاد ترجيح. فإن قالوا: تستعمل الروايتين فتحمل رواية من نقل العبودية على أنه كان عبدًا وقت العقد ورواية من نقل الحرية على أنه كان حرًا وقت العتق؛ لأن الحرية تطرأ على الرق ولا يطرأ الرق على الحرية، فكان ذلك أولى ممن استعمل إحدى الراويتين دون الأخرى.

стр. 4456

والجواب عن هذا الاستعمال من وجهين: أحدهما: أنه تأويل يبطل بخبرين: أحد الخبرين: أن أسامة روى عن القاسم عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال لبريرة: "إن شئت أن تستقري تحت هذا العبد وإن شئت فارقتيه" فيقال: إنه كان في وقت التخيير عبدًا. والخبر الثاني: ما رواه هشام بن عروة عن ابيه عن عائشة أنه كان عبدًا فخيرها رسول الله ﷺ فاختارت نفسها، ولو كان حرًا لم يخيرها. والثاني: أننا نقابل هذا الاستعمال بمثله من وجهين: أحدهما: أنه كان حرًا قبل السبي وعبدًا بعد السبي عند العقد والتخيير. والثاني: أنه كان عبدًا وقت العتق وحرًا وقت التخيير فتكون لها الخيار في أحد المذهبين ويدل على صحة ما ذهبنا إليه أيضًا ما رواه ابن موهب عن القاسم عن عائشة أنه كان غلام وجارية، فأرادت عتقهما فقال لها رسول الله ﷺ : "ابدأي بالغلام" فلم يأمر النبي ﷺ بتقديم عتق الزوج إلا لفائدة ولا فائدة إلا سقوط خيار الزوجة على أنه قد روى أنه قال لها: "ابدأي بالغلام لأن لا يكون للزوجة خيار فكان هذا نصًا صريحًا. ويدل عليه عن طريق القياس: أنها كافأت زوجها في الفضيلة فوجب أن لا يثبت لها بذلك خيار كما لو أسلمت تحت مسلم أو أفاقت من جنون تحت عاقل، ولأن ما لم يثبت به الخيار في ابتداء النكاح لم يثبت به الخيار في أثناء النكاح كالعمى طردًا وكالجب عكسًا ولأن ما لزم من عقود المعاوضات لم يثبت فيه من غير عيب خيار كالبيع. فأما الجواب عن استدلالهم بقوله: قد ملكت بضعك فاختاري فهو أن هذا اللفظ ما نقله غيرهم ولا وجد إلا في كتبهم ثم يكون معناه قد ملكت نفسك تحت العبد فاختاري فلم يكن لها أن تختار نفسها تحت الحر. وأما قياسهم على الزوج إذا كان عبدًا فالمعنى فيه نقصه بالرق عم كمالها بالحرية فذلك كان عيبًا يوجب الخيار وليس كذلك عتقها مع الحر. وأما استدلالهم بأنه قد ملك عليها بضعها. بمهر ملكه غيرها فلا تأثير لهذا المعنى واستحقاق الخيار لأنها لو كانت مكاتبة وقت العقد فملكت مهرها ثم أعتقت كان لها الخيار فبطل أن يكون استحقاقه لهذه العلة وبطل أن يكون العلة لأنها قد ملكت بالعتق ما ملك عليها في الرق لأنها لو أوجرت ثم عتقت لم يكن لها في فسخ الإجارة خيار فلم يصح التعليل بواحد من الأمرين فبطل الاستدلال. قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: "فَلِهَذَا، وَاللهُ أَعْلَمُ- كَانَ لَهَا الخِيَارُ إِذَا أُعْتِقَتْ

стр. 4457

مَا لَمْ يُصِبْهَا زَوْجَهَا بَعْدَ العِتْقِ وَلَا أَعْلَمُ فِي تَاقِيتَ الخِيَارِ شَيْئاً يُتَّبَعُ إِلَّا قَوْلَ حَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ مَا لَمْ يَمَسَّهَا". قال في الحاوي: وإذا ثبت أن لا خيار لها إذا أعتقت إلا أن يكون زوجها عبدًا فلها أن تختار الفسخ بحكم حاكم وغير حكمه بخلاف الفسخ بالعيوب لأن خيارها بالعتق غير متفق عليه فلم يفتقر إلى حاكم وخيارها بالعيب مختلف فيه فافتقر إلى حاكم وإذا كان كذلك فهل يكون خيارها على الفور أو التراخي فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه على الفور معتبرًا بالمكنة لأن خيار عيب ثبت لرفع ضرر فاقتضى أن يكون على الفور كالخيار بالعتق في البيوع. والثاني: أنه ممتد بعد العتق إلى ثلاثة أيام وهي آخر حدّ القليل وأول حد الكثير واعتبارًا بالخيار في المصراة ثلاثًا بأنه جعل الخيار خيار ثلاث. والثالث: أنه على التراخي ما لم يصرح بالرضي أو التمكين في نفسها لأن النبي ﷺ قال لبريرة: لما رأى مغيثًا باكيًا "لو راجعتيه فإنه أبو ولدك" ولعل ذلك كان بعد زمان من عتقها فلولا امتداد خيارها على التراخي لأبطله، وقد روى محمد بن خزيمة عن ابن إسحاق بإسناد رفعه أ، النبي ﷺ قال لبريرة: "لك الخيار ما لم يصبك". وهذا نص إن صح، ولأنه قول ابن عمر وحفصة وليس يعرف لهما فيه خلاف ولأن طلب الأحظ في هذا الخيار مثبته يحتاج إلى فكر وارتياء فتراخى زمانه ليعرف بامتداد أحظ الأمرين لها وخالف العيوب التي لا يشتبه منها. مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "فَإِنْ أَصَابَهَا فَادَّعَت الجَهَالَةَ فَفِيهَا قَوْلَان: أحدهما أَنْ لَا خَيَارَ لَهَا وَالآخَرُ لَهَا الخِيَارُ وَهَذَا أَحَبُّ إِلَيْنَا، وَقُلْتُ: أَنَا وَقَدْ قَطَعَ بِأَنَّ لَهَا الخِيَارَ فِي كِتَابَيْنِ وَلَا مَعْنَى فِيهَا لِقَوْلَيْنِ". قال في الحاوي: وصورتها: في أمة عتقت تحت عبد مكنته من نفسها ثم ادعت الجهالة وأرادت فسخ نكاحه فدعوى الجهالة على ضربين: أحدهما: أن تدعي الجهالة بالعتق وأنها لم تعلم به حتى مكنت من نفسها فهذا على ثلاثة أقسام: أحدهما: أن يعلم صدقها لبعدها عن البلد الذي فيه سيدها وقرب الزمان عن أن يصل إليها عتقها فقولها مقبول ولها الخيار لأن خيار العيوب لا يبطل بالتأخير إذا جهلت. والثاني: أن تعلم كذلك بها لأنها وجهت بالعتق أو بشرت به فعلمت أحكامها

стр. 4458

فقولها مردود ولا خيار لها بعد التمكين. والثالث: أن يحتمل الأمرين فالقول قولها مع يمينها لأن الأصل عدم علمها وثبوت الخيار لها فلم يصدق الزوج في إبطاله عليها ومن أصحابنا من خرج فيه وجهًا آخر أن القول فيه قول الزوج لأن الأصل فيه ثبوت النكاح فلا يقبل قولها في فسخه مع احتمال تخريجها من أحد القولين في الجهالة بالحكم. فصل: والضرب الثاني: أن تدعي الجهالة بالحكم مع علمها بالعتق فتقول: لم أعلم بأن لي الخيار إذا أعتقت مكنته من نفسي وإن كانت عالمة بالعتق فهو أيضًا على الأقسام الثلاثة: أحدهما: أن يعلم أن مثلها لا يعلم لأنها جلبية أعجمية فقولها مقبول ولها الخيار. والثاني: أن يعلم أن مثلها يعلم لأنها مخالطة للفقهاء مسائلة العلماء فقولها غير مقبول ولا خيار لها بعد التمكين. والثالث: أن يحتمل الأمران أن يعلم وأن لا يعلم فإن صدقها الزوج على أن لم تعلم فلها الخيار وإن أكذبها ففيه قولان: أحدهما: أن القول قولها مع يمينها اعتبارًا بثبوت الخيار لها وأنه حكم قد يخفي على العامة ولا يكاد يعرفه إلا الخاصة فلم يقبل الزوج في إبطاله. والثاني: أن القول قول الزوج مع يمينه ولا خيار لها اعتبارًا بلزوم النكاح فلم يقبل قولها في فسخه. فأما المزني فاختار الأول وهو أصح لكنه جعل نص الشافعي عليه في موضعين إبطالًا للثاني وليس بصحيح لأنه لما يبطل الثاني بذكر الأول لم يبطل بإعادة الأول، والله أعلم. مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "فَإِنْ اخْتَارَتْ فِراقَهُ وَلَمْ يَمَسَّهَا فَلَا صَدَاقَ لَهَا فَإِنْ أَقَامَتْ مَعَهُ فَالصَّدَاقُ لِلسَّيِّد لأَنَّهُ وَجَبَ بَالعَقْدِ". قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا خيّرت المعتقة تحت عبد فلها حالتان: إحداهما: أن تختار الفسخ فهذا على ضربين: أحدهما: أن يفسخ قبل الدخول فيسقط مهرها لأن الفسخ إذا جاء من قبلها قبل الدخول أسقط مهرها كالردة وكما لو قال لها وهي غير مدخول بها أنت طالق إن شئت

стр. 4459

فشاءت طلقتين لا مهر لها لوقوع الطلاق بمشيئتها. والثاني: أن يفسخ بعد الدخول فالمهر مستتر بالدخول ثم ينظر فإن كان الدخول قبل العتق وجب المهر المسمى لأن فسخ النكاح كان بحادث بعد الدخول وإن كان الدخول بعد العتق وهو أن لا تعلم بالعتق حتى يدخل بها فيكون لها مهر المثل دون المسمى لأنه فسخ بسبب قبل الدخول وإن كان موجودًا بعده فصار العقد مرفوعًا بسببه المتقدم فلذلك وجب بالعدة في الإصابة مهر المثل كما قلنا في العيب ثم يكون هذا المهر للسيد سواء كانت الإصابة قبل العتق أو بعده. فصل: والحالة الثانية: أن يختار المقام والنكاح ثابت والصداق على ضربين: أحدهما: أن يكون مسمى في العقد فهو للسيد دونهما. وقال مالك: يكون الصداق لها وهذا خطأ من وجهين: أحدهما: أن المهر مستحق بالعقد وإن صار مستقرًا بالدخول والعقد في ملك السيد فوجب أن يكون الصداق له كما لو عقدته في حريتها كان الصداق لها. والثاني: أنه قد يعقد على منافعها بالإجارة تارة وبالنكاح أخرى فلما لو أجرها ثم أعتقها كانت الأجرة له دونها كذلك إذا زوجها ثم أعتقها كان الصداق له دونها. والثاني: أن تكون مفوضة لم يسم لها في العقد صداقًا حتى أعتقت ففيه قولان مبنيان على اختلاف قولي الشافعي فيما فرض من صداق المفوضة هل يكون مستحقًا بالعقد أو بالفرض. فأحد القولين: أنه مستحق بالعقد وإن فرض بعده لأنه بدل من المسمى فيه فعلى هذا يكون للسيد استحقاقه في ملكه كالمسمى. والثاني: أنه مستحق بالفرض لخلو العقد منه فعلى هذا يكون للمعتقة لاستحقاقه بعد عتقها. مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ كَانَتْ فِي عِدَّةِ طَلْقَةٍ فَلَهَا الفَسْخُ". قال في الحاوي: وصورتها في عبد طلق زوجته الأمة واحدة بعد الدخول فله عليها الرجعة وقد بقيت معه على طلقة وصارت كزوجة الحر بعد الطلقتين لأن الحر يملك ثلاثًا والعبد طلقتين فإن أعتقت هذه الأمة المطلقة في عدتها فلها الفسخ؛ لأنها في عدة الطلاق الرجعي في حكم الزوجات لوقوع طلاقه عليها وصحة ظهارة وإبلائه منها فكان لها الفسخ، وإن كانت جارية في الفسخ؛ لأن الفسخ لا ينافي وليستعيد بالفسخ قصور

стр. 4460

إحدى العدتين وإذا كان كذلك فلها بعد عتقها ثلاثة أحوال: أحدها: أن يختار الفسخ. والثاني: أن يختار المقام. والثالث: أن تمسك فلا تختار الفسخ ولا المقام فإن اختارت الفسخ كان ذلك لها وهل للزوج أن يرجع بعد الفسخ أم لا؟ على وجهين: أحدهما: له الرجعة لأنه قد ملك الرجعة بطلاقة. والثاني: لا رجعة له لأن الرجعة تراد للاستباحة والفسخ قد منع منها فلم يكن للرجعة تأثير فعلي هذا إن قلنا: إنه لا رجعة له كان تأثير الفسخ إسقاط الرجعة لا وقوع الفرقة لأن الفرقة وقعت بالطلاق دون الفسخ وأول عدتها من يوم الطلاق في الرق وقد صارت في تضاعيفها حرة فتكون عدتها على ما مضى من القولين: أحدهما: عدة أمة اعتبارًا بالابتداء. والثاني: عدة حرة اعتبارًا بالانتهاء. وإن قيل: له الرجعة فعلى هذا لا يخلو من أحد أمرين. إما أن يراجع أو لا يراجع فإن لم يراجع وقعت الفرقة بالطلاق دون الفسخ وفي عدتها قولان على ما مضى وإن راجع وقعت الفرقة بالفسخ دون الطلاق وأول عدتها من وقت الفسخ وهي عدة حرة لأنها بدأت بها وهي حرة وإن اختارت المقام فلا تأثير لهذا الاختيار لأن جريانها في الفسخ يمنع من استقرار حكم الرضى. وقال أبو حنيفة: قد بطل خيارها بالرضى وليس لها بعد الرجعة أن تفسخ لأن أحكام الزوجية جارية عليها في حق نفسها إن رضيت وهذا خطأ؛ لأن الجارية في عدة الفرقة لا يلزمها حكم الرضى إذا أعتقت كما لو ارتد وقال: أنت بائن فإن أبا حنيفة يوافق فيهما أن الرضى غير مؤثر فعلى هذا الزوج أن يراجع لا يخلف فإن لم يراجع وقعت الفرقة بالطلاق وكان في عدتها قولان: وإن راجع عادت بالرجعة إلى الزوجية فتكون حينئذٍ بالخيار بين الفسخ والمقام لأن ذلك الرضى لما كان في غير محله سقط حكمه فإن اختارت المقام كان على الزوجية وإن اختارت الفسخ استأنفت عدة حرة من وقت الفسخ وإن لم يكن لها وقت العتق اختيار المقام ولا الفسخ فهو على ما ذكرنا من أن الزوج أن يراجع فإن لم يفعل حتى مضت العدة وقعت الفرقة وفي عدتها قولان وإن راجع كانت حينئذٍ بالخيار فإن فسخت استأنفت من وقت الفسخ عدة حرة. فصل: فأما إذا كان العبد قد طلقها اثنتين فقد استوفي ما ملكه من طلاقها فإن أعتقت في العدة لم يكن لها الفسخ لأنها مبتوتة بالطلاق فصارت بائنًا وهكذا لو خالعها على طلقة واحدة لم يكن لها الفسخ إذا أعتقت لأنها بالخلع مبتوتة وإن بقي لها من الطلاق واحدة.

стр. 4461

فصل: وإذا أعتقت الأمة تحت عبد فبادر الزوج فطلقها قبل الفسخ ففي وقوع طلاقها قولان: أحدهما: رواه الربيع -أن الطلاق لا يقع لأن استحقاقها للفسخ يمنع من تصرف الزوج فيها بغير الطلاق فمنعه من التصرف فيها بالطلاق. والثاني: نص عليه في الإملاء أن طلاقه واقع لأنها قبل الفسخ زوجة وإن استحقت الفسخ والطلاق وإن كان تصرفًا فهو موافق للفسخ وإنما يمنع من تصرف بضاده كالاستمتاع وهذا اختيار ابن سريج. وقال أبو حامد الإسفراييني: الطلاق موقوف فإن فسخت بان أنه لم يكن واقفًا وإن لم يفسخ بان أنه كان واقعًا كطلاق المرتدة، والله أعلم. مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَإِنْ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ ذّلِكَ فَهِيَ عَلَى وَاحِدَةٍ". قال في الحاوي: وصورتها في أمة أعتقت تحت عبد فإن فسخت نكاحه من غير أن يطلقها جاز بعد الفسخ أن يتزوجها سواء كانت في العدة أو بعدها؛ لأن العدة إذا كانت منه منعت من نكاح غيره ولم يمنع من نكاحه فإذا نكحها كانت معه على ما يملك من الطلاق الكامل وهو طلقتان لأن العبد لا يملك أكثر منهما وليس الفسخ طلاقًا وإن كان الزوج قد طلقها قبل فسخها طلقتين قد حرمت عليه إلا بعد زوج كما تحرم على الحر بما بعد ثلاث لاستيفائه ما ملك من الطلاق وإن كان الزوج قد طلقها واحدة، فله أن يستأنف نكاحها في العدة وبعدها سواء فسخت بعد طلاقه أو لم تفسخ وتكون معه على طلقة واحدة وهي الباقية له من الطلقتين فلو كان العبد قد أعتق قبل أن تستأنف نكاحها ففيما يملكه من طلاقها قولان بناء على اختلاف قولين إذا عتقت في تضاعيف عدتها. أحدهما: تكون معه على طلقة واحدة اعتبارًا بما هي من نكاحه الأول الذي كان فيه عبدًا. والثاني: تكون معه على اثنتين اعتبارًا بما يملكه في نكاحه الثاني الذي قد صار به حرًا. مسألة: قَالَ الشَافِعِيُّ: "وَعَلَى السُّلْطَانِ أَنْ لَا يُؤَجِّلَهَا أَكْثَرَ مِنْ مَقَامِهَا". قال في الحاوي: قد ذكرنا أن للمعتق تحت عبد أن تختار الفسخ في نكامه من غير حكم فإن ترافع الزوجان فيه على الحاكم أو السلطان. قال الشافعي: "فعلى السلطان أن

стр. 4462

لا يؤجلها أكثر من مقامها". فاختلف أصحابنا فيه على وجهين: أحدهما: أنه جواب منه على القول الذي يجعل خيارها فيه على الفور دون التراخي فلا يؤجلها أكثر من مقامها للتحاكم فيه لأنه المعتبر من مكنة الفوز. فأما على القول الذي يجعل خيارها إلى ثلاث أو على التراخي فليس له قطع خيارها ولا إبطال ما استحقه من مدته أم من تراخيه. والثاني: أنه جواب منه على الأقاويل كلها لأن الحاكم منصوب للفصل بين الخصوم فإذا قضاها للزوج إليه وقال الزوج: إما أن تمكنيني أو تفسخي لم يجز للحاكم أن يمهلها ويذرها معه مطلقة ليست بزوجة ولا مفارقة فيقول لها: أتت وإن كان خيارك ممتدًا على التراخي بالتحاكم ثلاث والقضاء يفصل فاختياري تعجيل الفسخ أو الرضى فإن فسخت في مجلسه وإلا سقط حقها منه، والله أعلم. مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "فَإنْ كَانَتْ صَبِيَّةً فَحَتَّى تّبْلُغَ". قال في الحاوي: وصورتها في أمة صغيرة أعتقت تحت عبد فقد وجب لها الخيار مع الصغر؛ لأن ما وجب في العقود من الحقوق استوى استحقاقه في الصغير والكبير كالشفعة لكن ليس لها قبل البلوغ أن تختار الفسخ بخلاف التخيير بين الأبوين والفرق بينهما من وجهين: أحدهما: أنه تخيير يستحق في الصغر فلم يجز أن يفوت بانتظار البلوغ فخالف خيار العتق. والثاني: أنه تخيير لا يلزم به حكم فجاز أن يكون ممن ليس لقوله حكم وإذا كان هكذا فليس لوليها من أب ولا معتق أن يختار عليها بخلاف الشفعة التي يكون للولي أخذها. والفرق بينهما: أن في هذا الخيار استهلاكًا ليس في الشفعة فجرى مجرى استحقاق القود الذي ليس للولي فيه خيار لما تضمنه من الاستهلاك. فصل: فإذا تقرر أن لا خيار لها ولا لوليها حتى تبلغ فإذا بلغت كان البلوغ أول زمان الخيار فيكون فيه حينئذٍ ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه على الفور في الحال. والثاني: أنه ممتد إلى ثلاثة أيام.

стр. 4463

والثالث: أنه على التراخي ما لم ترض أو تمكن فلو أراد الزوج أن يطأها ما بين عتقها وبلوغها فالصحيح أنه تمكن منه ولا يمنع من إصابتها لأن استحقاقها للفسخ مغير لحكم تقدمه من الإباحة وهذا الوجه مخرج القول الذي رواه الربيع أن طلاق الزوج قبل الفسخ وبعد استحقاقه لا يقع. مسألة: قَالَ الشًّافِعِيُّ: "لَا خَيَارَ لأَمَةٍ حَتَّى تكْمُلَ فِيهَا الحُرَّيَةُ". قال في الحاوي: وهذا صحيح؛ لأن أحكام الرق جارية عليها قبل استكمال الحرية فإذا أعتق بعضها ورق باقيها فإن قل فلا خيار لها، وكذلك لو دبرت أو كوتبت وفي مقابلة ذلك أن يعتق جميعها وقد أعتق من الزوج بعضه وإن كثر ورق باقية وإن قل فلها الخيار في فسخ نكاحه لأن أحكام الرق جارية عليه ما لم تكمل حريته. فصل: ويتفرع على هذا الأصل إذا زوجها سيدها بعبد على صداق مائة درهم ثم أعتقها في مرضه وقيمتها مائة درهم وخلف معها مائة درهم ولم يدخل الزوج بها فلا خيار لها بالعتق وإن كان زوجها عبدًا لأن اختيارها الفسخ مفضٍ إلى إبطال والعتق والفسخ لأنها إذا فسخت قبل الدخول بطل صداقها فصارت التركة مائتا درهم قيمتها نصفها فيعتق ثلثاها ويرق ثلثها وإذا رق ثلثها بطل خيارها لأن ما أدى ثبوته إلى إبطاله وإبطال غيره أبطل ثبوت غيره فكذلك بطل الخيار ومضى العتق ولهذا نظائر قد ذكرناها. مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وّلّوْ أَعْتَقَ قَبْلَ الخِيَارِ فَلَا خِيَارَ لَهَا". قال في الحاوي: وصورتها: في أمة أعتقت تحت عبد فلم تختر فسخ نكاحه حتى أعتق إما بأن لم تعلم بعتقها فيكون خيارها باقيًا على الأقاويل كلها وإما بأن علمت وقيل خيارها على التراخي دون الفور ففي بقاء خيارها قولان: أحدهما: أن خيارها ثابت اعتبارًا بوجوبه في الابتداء فلم يسقط مع زوال سببه إلا بالاستبقاء. والثاني: نص عليه في هذا الموضع أنه لا خيار لها لأن مقصود خيارها إزالة النقص الداخل عليها برقة وقد زال النقص بعتق فلم يبق لاستحقاق الخيار معنى يقتضيه فلو أعتق الزوجان في حالة واحدة فلا خيار لهما لاستوائهما في التكافئ بالرق والعتق ولو أعتق الزوج دونها ففي استحقاقه لفسخ نكاحها بعتقه ورقها وجهان:

стр. 4464

أحدهما: له الفسخ ليستحق عليها من الخيار مثل ما تستحقه عليه فيستويان فيه. والثاني: لا خيار له وإن كان لها الخيار لأن الزوج يقدر على إزالة الضرر بالطلاق وهي لا تقدر عليه إلا بالفسخ فافترقا فيه والله أعلم بالصواب. باب أجل العنين والخصي غير المجبوب والخنثى مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: "أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيَنْةَ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ ابْنِ المُسَيَّبِ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ أَجَّلَ العِنِّينَ سَنَةَّ وَقَالَ: وَلَا أَحْفَظَ عَمَّنْ لَقيتُهُ خِلَافًا فِي ذَلِكَ فَإِنْ جَامَعَ وَإِلَّا فًرِّقَ بَيْنَهُمَا". قال في الحاوي: وهذا كما قال: أما العنة فهي العجز عن الوطء وللين الذكر وعدم انتشاره فلا يقدر على إيلاجه فسمى من به العنة عنينًا وفي تسميته بذلك قولان: أحدهما: أنه سمي عنينًا للين ذكره يعني عن إرادة الوطء وانعطافه مأخوذ من عنان الفرس للينه. والثاني: أنه سمي عنينًا لأن ذكره يعن عن إرادة الوطء أن يعترض يمين الفرج ويساره فلا يلج مأخوذ من العنن وهو الاعتراض يقال عزلك الرجل إذا اعترضتك عن يمينك أو يسارك. والعنة عيب يثبت به للزوجة خيار الفسخ وهو إجماع الصحابة وقول جميع الفقهاء إلا شاذًا عن الحكم بن عيينة وداود: أنه ليس بعيب ولا خيار فيه استدلالًا بأن امرأة رفاعة لما تزوجت بعده بعبد الرحمن أتت النبي ﷺ فقالت: أن زوجي أبت طلاقي وقد تزوجني عبد الرحمن بن الزبير وإنما له مثل هدبة الثوب فقال له النبي ﷺ : "تريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك" فلم يجعل العنة فيه عيبًا ولا جعل لها خيارًا. وروى هانئ بن هانئ أن امرأة شكت إلى علي بن أبي طالب ﵁ أن زوجها لا ينتشر فقال: "ولا عند السحر؟ قالت: لا، قال: ما عند است هذا خير، ثم قال: اذهبي فجيئيني به، فلما جاءه رآه شيخًا ضعيفًا فقال لها: اصبري فلو شاء الله أن يبتليك بأكثر من هذا فعل" ولم يجعل لها خيارًا. ودليلنا قول الله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٢٩] فلما كان الوطء حقًا عليها وجب أن يكون حقًا لها عليه وقال تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:٢٢٩] وهي الفرقة ولأنه إجماع الصحابة حكي ذلك عن عمر وعلي وابن

стр. 4465

مسعود والمغيرة وابن عمر وجابر أنه يؤجل فإن أصاب وإلا فرق بينهما وليس يعرف لهم في الصحابة مخالف. فإن قيل: فقد تقدمت الرواية عن علي بخلاف هذا. قيل: تلك الرواية ليست ثابتة لأن هانئ بن هانئ ضعيف عند أصحاب الحديث ولأن تلك لم يكن زوجها عنينًا لأنه عجز بعد القدرة لضعف الكبر. وقيل: إنها كانت قد عنت عنده والعنين هو الذي لم يصبها قط وقد قال الشافعي في إثبات الإجماع: لا أحفظ عمن لقيته خلافًا ولأنه لما وجب لها بالجب خيار الفسخ لفقد الإصابة المقصورة فكذلك العنة ولأن العنين أسوأ حالًا من المولى لأن المولى تارك للإصابة مع القدرة والعنين تارك لها مع العجز فلما كان لها الفسخ في الإيلاء فلأن يكون لها في العنة أولى ولأنه لما وجب له الخيار في فسخ نكاحها بالرتق لتعذر الجماع عليه مع قدرته على فراقها بالطلاق كان أولى أنه يجب بها بعنة الزوج لأنها لا تقدر على فراقه بالطلاق. فأما الجواب عن حديث امرأة رفاعة فمن وجهين: أحدهما: أنها شكت ضعف جماعه ولم تشك عجزه عنه ألا تراه قال لها: "حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك" ولو كان عاجزًا لما ذاق واحد منهما عسيلة صاحبه على أنه قد روى هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة أن النبي ﷺ قال لها: "لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك" فقالت: يا رسول الله قد جاءني هبة، وفيه معنيان: أحدهما: أن الهبة مرة واحدة. قال ابن وهب. والثاني: أنها حقبة من الدهر قال أبو زيد وهذا نص في الجواب. والثالث: أنها ادعت ذلك على زوجها ولم يكن من الزوج اعتراف بدعواها بل أنكر عليها قولها فقال: كذبت يا رسول الله، فإني أعركها عرك الأديم العكاظي". فصل: فإذا ثبت أن العنة عيب يثبت به خيار الفسخ فهو معتبر بشرطين: أحدهما: أن لا يكون قد أصابها قط فإن أصابها مرة زال عنه حكم العنة لما سنذكره. والثاني: أن لا يقدر على إيلاج حشفة الذكر فإن على إيلاج الحشفة وإن استعان بيده زال عنه حكم العنة فإذا تكامل الشرطان وتصادم عليهما الزوجان لم يتعجل الفسخ بها وأجل الزوج لها سنة كاملة بالأهلة. وحكي عن مالك: أنه يؤجل نصف سنة. وحكي عن الحارث بن أبي ربيعة أنه يؤجل عشرة أشهر وحكي عن سعيد بن

стр. 4466

المسيب (أنها) إن كانت حديثة العهد معه أجل لها سنة، وإن كانت قديمة العهد معه أجل لها خمسة أشهر، وكل هذه الأقاويل فاسدة لا يرجع التقدير فيها إلى أصل من جهة، وتقدير أصله بالسنة أولى من وجهين: أحدهما: أنه مروي عن عمر، لأنه أجل العنين سنة. وعمر لا يفعل هذا إلا عن توقيف يكون نصًا أو عن اجتهاد شاور فيه الصحابة؛ لأن كان كثير المشورة في الأحكام فيكون مع عدم الخلاف فيه إجماعًا وإذا تردد بين حالين نص أو إجماع لم يجز بخلافه. والثاني: إن التأجيل إنما وضع ليعلم حاله هل هو من مرض طارئ فيرجى زواله أو من نقص في أصل الخلقة فلا يرجى زواله فكانت السنة الجامعة للفصول الأربعة الأولى أن تكون أجلًا معتبرًا لأن فصل الشتاء بارد رطب وفصل الصيف حار يابس وفصل الربيع حار رطب وفصل الخريف بارد يابس فإذا مر بالمرض ما يقابله من فصول السنة ظهر وكان سببًا لبرئه فإن كان من برد ففصل الحر يقابله فإن كان من حر ففصل البرد يقابله وإن كان من رطوبة ففصل اليبوسة يقابله وإن كان من يبوسة ففصل الرطوبة يقابله وإن كان مركبًا من نوعين فيما خالفه من النوعين هو المقابل له فإذا مضت عليه الفصول الأربعة وهو بحالة لم يكن مرضًا لما قيل عن علماء الطب أنه لا يسحر الداء في الجسم أكثر من سنة وعلم حينئذٍ أنه نقص لازم لأصل الخلقة فصار عيبًا يوجب بالخيار. فصل: فإذا تقرر ما وصفنا من حكم العنة وأجلها فقد اختلف أصحابنا بماذا يثبت العنة إن ادعتها الزوجة على ثلاثة أوجه: أحدها: وهو قول أبي إسحاق المروزي أنها لا تثبت إلا بإقراره أو بينة على إقراره فيكون الإقرار وحده معتبرًا في ثبوتها. والثاني: وهو قول أبي سعيد الإصطخري أنها تثبت بإقراره أو بنكوله لعدم إنكاره ولا يراعى فيه يمين الزوجة لأنها لا تعرف باطن حاله فتخلف. والثالث: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة وأكثر أصحابنا وحكاه أبو حامد الإسفراييني ولم يحك ما سواه أنها ثبتت بإقراره على الزوجة بعد نكوله وإنكاره لا يثبت إن لم يحلف بعد النكول ولا يمتنع أن يحلف على مغيب بالإمارات الدالة على حاله كما يحلف على كناياته القذف والطلاق وأنه أراد به القذف والطلاق إذا أنكر ونكل، والله أعلم. مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَإِنْ قُطِعَ مِنْ ذِكْرِهِ فَيبْقَى مِنْهُ مَا يَقَعُ مَوْقِعَ الجِمَاعِ".

стр. 4467

قال في الحاوي: أما إن كان مقطوع الذكر بأسره فهو المجبوب ولها الخيار في فرقتها من غير تأجيل لأن جماعه ما يؤس منه فلم يكن للتأجيل معنى ينتظره فإن رضيت لجبه ثم سألت أن يؤجل للعنة لم يجر لاستحالة الوطء مع الجب الذي يقع به الرضى وإن كان بعض ذكره مقطوعًا فعلى ثلاثة أضرب: أحدهما: أن يكون الباقي دون قدر الحشفة لا يقدر على إيلاجه فهذا كالمجبوب ولها الخيار في الحال من غير تأجيل. والثاني: أن يبقى منه قدر الحشفة ويقدر على إيلاجه فعنه قولان: أحدهما: أنه ليس بعيب في الحال لأنه يقدر على إيلاجه فجرى مجرى الذكر إلا أن يقترن به عنة فيؤجل لها أجل العنة. والقول الثاني: أنه عيب في الحال وإن يكن معه عنة لنقص الاستمتاع عن حال الذكر السليم فإن رضيت بقطعه وأرادت تأجيل العنة أجل. والثالث: ألا يعلم قدر باقية هل يكون قدر الحشفة إن انتشر فيقدر على إيلاجه أو يكون أقل فلا يقدر على إيلاجه فقد اختلف أصحابنا فيه على وجهين: أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي أنه يجري عليه أكثر الأمرين فالباقي منه قدر الحشفة استصحابًا بالحالة الأولى ولا يكون لها الخيار في أصح القولين عاجلًا إلا أن يؤجل لها أجل العنة كالضرب الثاني. والثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة أنه يجري عليه حكم أقل الأمرين وأن الباقي منه أقل من قدر الحشفة فيكون لها الخيار في الحال تغليبًا لحكم القطع دون العنة كالضرب الأول. فصل: وأما الخصي فهو الذي قطعت انثياه مع الوعاء وأما المسلول: فهو الذي أسلت انثتاه من الوعاء. وأما الموجور: فهو الذي رضت انثتاه في الوعاء وحكم جميعهم سواء وهل يكون عيبًا يتعجل به فسخ النكاح فيه قولان مضيا فإن جعل عيبًا يجعل به الفسخ من وقته فإن رضيت به الزوجة وأرادت تأجيله للعنة أجل لها بخلاف المجبوب لإمكان الوطء منه واستحالته من المجبوب. مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: أَوْ كَانَ خُنْثَى يَبُولُ مِنْ حَيْثُ الرِّجَالُ". قال في الحاوي: للخنثى حالتان: مشكل وغير مشكل فأما المشكل فيأتي وأما غير

стр. 4468

المشكل فهو أن يبول من ذكره دون فرجه فيكون رجلًا يصح أن يتزوج امرأة وهل يكون زيادة فرجه عيبًا فيه يوجب الفسخ وفي الخيار فيه قولان مضيا، فإن لم يجعل عيبًا أجل للعنة إن ظهرت به. وإن جعل كان لها أن تتعجل به الفسخ فإن رضيت به وظهرت عنته أجل لها لأن نقصه بالعنة غير نقصه بالخنوثة والله أعلم. مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "أَوْ كَانَ يُصِيبُ غَيْرَهَا وَلَا يُصيبُهَا". قال في الحاوي: أعلم أنه لا يخلو حال من له أربع زوجات من ثلاثة أقسام: إما أن تعدمن جميعهن وكان يطأهن كلهن انتفت عنه العنة عمومًا. وما لم تعدمن جميعهن وكان يطأهن كلهن ولا خيار وإن عدمن جميعهن فلا يطأ واحدة منهن فإذا سألوا تأجيله أجل لهم حولًا لأنها مدة يعتبر بها حاله فاستوى حكمها في حقوقهن كلهن فإذا مضت السنة كان لهبة الخيار فإن اجتمعن على الفسخ كان ذلك لهن وإن افترقن أجرى على كل واحدة حكم اختيارها وإن عزم بعضهن دون بعض فوطأ اثنتين ولم يطأ اثنين ثبتت عنته فمن امتنع من وطئها وإن سقطت عنته في جميعهن ولا خيار لمن لم يطأها منهن لأنه لا يجوز أن يكون عنينًا وغير عنين وهذا خطأ لأنه ليس يمنع أن يلحقه العنة من بعضهن لما في طبعه في الميل إليهن وقوة الشهوة لهن مختص كل واحدة منهن بحكمها معه. فصل: وإذا أخبرنا الزوج قبل النكاح أنه عنين فنكحت على ذلك ثم أرادت بعد العقد تأجيله للعنة وفسخ النكاح بها ففيه قولان: أحدهما: أنه في القديم ليس لها ذلك ولا خيار لها كما لو نكحته عالمة بعين ذلك من عيوبه. والثاني: قاله في الجديد: لها الخيار بخلاف سائر العيوب لأن العنة قد تكون في وقت دون وقت ومن امرأة دون امرأة وغيرها من العيوب تكون في الأوقات كلها ومن النساء كلهن. مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "فَسَأَلَتْ فُرْقَتَهُ أَجَّلْتُهُ سَنَةً مِنْ يَوْمِ تَرَافَعَا إِلَيْنَا. قَالَ: فَإِنْ أَصَابَهَا مَرَّةً وَاحِدَةً فَهِيَ امْرأَتُهُ". أعلم أن استحقاق الخيار بالعنة وتأجيل الزواج فيه لا يسار إلا بحكم حاكم لأن

стр. 4469

الخيار مستحق باجتهاد وتأجيل السنة عن اجتهاد وما أخر ثبوته من طريق الاجتهاد دون النص والإجماع لم يستقر إلا بحكم حاكم فإن علمت المرأة بعنة الزوج كان حقها في مرافعته إلى الحاكم على التراخي دون الفور, لأنه قبل التأجيل عيب مظنون وليس بمحقق فإن أجزت محاكمته سنة رافعته إلى الحاكم استأنف بها الحول من وقت الترافع إليه ولم يحتسب بما مضى منه وخالف مدة الإبلاء لأن تلك نص وهذه عن اجتهاد فلو أقر لها عند الحاكم بالعنة أجله لها ولم يعجل الفسخ بإقراره لأمرين: أحدهما: أن الفسخ يؤجل لسنة فلم يجز أن يعجل قبلها. والثاني: أنه ربما زالت العنة فلم يجز فسخ النكاح, والله أعلم. مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: "إِذَا تَزَوَّجَ رَجُلٌ امْرَأَةُ وَلَمْ يُصِبْهَا فِي نِكَاحِهِ". قال في الحاوي فهذا لضربين: أحدهما: أن يكون عنة. والثاني: بغير عنة فإن كان لعنة كان على ما مضى من تأجيله لها سنة إذا حاكمته فإن أصابتها في السنة أو بعدها أو قبل الفسخ مرة واحدة سقط حقها من الفسخ لارتفاع عنته بالإصابة فلو تركها بعد تلك الإصابة سنين كثيرة لا يمسها فلا مطالبة لها. وحكي عن أبي ثور أنه يؤجل لها ثانية إذا عادت العنة ثانية وهذا خطأ لأنها قد وصلت بإصابة المرأة الواحدة إلى مقصود النكاح من تكميل المهر وثبوت الحصانة ولا يبق إلا تلذذ الزوج بها وتلك شهوة لا يجبر عليها, والله أعلم. إذا ترك الزوج إصابتها لغير عنة فقد اختلف أصحابنا هل يجوز عليه إصابتها مرة أم لا؟ على وجهين: أحدهما: وهو قول أبي إسحاق: أنه قد يجوز أن يتزوج المجنون الذي لا يقدر على الوطء والقرناء التي لا يمكن وطئها ولو وجب الوطء لما جاز إلا نكاح من تمكنه الوطء لم يكن وطأها. والثاني: أنه مقصود النكاح من تكميل المهر والحصانة وطلب الولد لا يحصل إلا بالوطء فاقتضى أنه يجب فيه الوطء.

стр. 4470

فإذا قيل بالوجه الأول أنه يجب فلا خيار لها ولا تأجيل وإذا قيل بالوجه الثاني أنه يجب فإن كان معذورًا بمرض أو سفر أنذر بالوطء إلى وقت مكنته كما ينظر بالدين من إعساره إلى وقت يساره إن كان غير معذور أخذه الحاكم إذا رافعته الزوجة إليه بالوطء أو الطلاق كما يأخذه المولى بهما ولم يؤجله لأنه ليس بعنين ولا يطلق عليه الحاكم بخلاف المولى في أحد القولين بل يحبسه حتى يفعل أحد الأمرين من الوطء أو الطلاق فإذا وطئها مرة سقط لها مطالبته بالفرقة لقول الله تعال: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨] ودليلها قول الله تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة:٢٢٨] فمن درجة الرجل على المرأة أن يلزمها إجابته إذا دعاها إلى الفراش ولا يلزمه إجابتها ولأنه لما كان رفع العقد بالطلاق إليه دونها كان الوطء فيه حقًا له دونها ولأنه لما كان الوطء في ملك اليمين حقًا للمالك دون المملوكة كان الوطء في النكاح حقًا للناكح دون المنكوحة والله أعلم. مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: "وَلَا تَكُونُ إِصَابَتُهَا إِلَا بِأَنْ يٌغَيٌبَ الحَشَفَةَ أَوْ مَا بَقيَ مِنَ الذَّكَرِ فِي الفَرْجِ". قال في الحاوي: الإصابة التي تسقط بها حكم العنة هي تغييب الحفشة في القبل حتى يلتقي الختانان فيجب الغسل سواء أنزل أو لم ينزل لأنها الإصابة التي يكمل بها المهر المسمى في النكاح ويجب لها مهر المثل في الشبهة والحد في الزنا هذا إذا كان سليم الذكر باقي الحفشة ولا اعتبار بمغيب ما بعد الحفشة فأما إذا كان مقطوع الحفشة ففيما يعتبر بغيبة من بقية الذكر وجهان: أحدهما: يعتبر أن تغييب باقية قدر الحفشة ليكون بدلًا منها فسقط به حكم العنة كما سقط بها. والثاني: أنه يعتبر تغييب باقية كلها وهو ظاهر قوله هاهنا لأن الحفشة حد ليس في الباقي فصار جميع الباقي حدًا. فصل: فأما الوطء في الدبر فلا يسقط به حكم العنة لأنه محل محظور لا يستباح العقد فلم يسقط به حكم الوطء المستحق بالعقد ولو وطئها في الحيض والإحرام سقط به حكم العنة وإن كان محظورًا لأنه في المحل المستباح بالعقد. مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: "فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا خَبَّرّهَا السُّلْطَانُ فَإِنْ شَاءَتْ فِرَاقَّهُ

стр. 4471

فَسَخَ نِكَاحَهَا بِغَيْرِ طَلَاقٍ لَأنَّهُ إِلَيْهَا دُونَهُ". وقال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا مضت للعنين سنة من حين اجل فهي على حقها ما لم ترافعه إلى الحاكم وليس يلزم تعجيل محاكمته بعد السنة على الفور بخلاف الفسخ في العيوب لأن تمكينها للزوج في عنته إلى الحاكم لم يكن له ذلك لأنه حق عليه هو مأخوذ به وليس بحق له فيطالب فإذا رافعته إلى الحاكم بعد السنة تغير حينئذٍ زمان خيارها فيعرض الحاكم عليها الفسخ وليس لها أن تنفرد بفسخه عنده لأنه فسخ بحكم ويحكم إليه دونها لكن يكون الحاكم مخيرًا بين أن يتولاه بنفسه وبين أن يترك ذلك إليها لتتولاه بنفسها فيكون هو الحاكم به وهي المستوفية له فإذا وقعت الفرقة بينهما كانت الفرقة ترفع العقد من أصله ولم تكن طلاقًا فإن عاد فتزوجها كانت معه على ثلاث. وقال أبو مالك وأبو حنيفة: تكون الفرقة طلاقًا ولا تكون فسخًا وهذا خطأ لأنها فرقة من جهتها والطلاق لا يكون إلا من جهة الزوج فأشبهت الفرقة بالإسلام والفسخ بالجنون. فصل: فإذا تقرر أنه فسخ وليس بطلاق فلا مهر لها ولا عدة عليها. وقال أبو حنيفة ومالك: لها المهر وعليها العدة هذا عندنا ليس بصحيح لا يكمل المهر ويوجب العدة بالإصابة ولم يكن العنين الإصابة ولا يستحق نصف المسمى ولأن المتعة لم تكن مسمى لأنه فسخ من جهتها فأسقط مهرها ومتعتها والله أعلم. مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: "فَإِنْ أَقَامَتْ مَعَهْ فَهُوَ تَرْكٌ لِحَقِّهَا". قال في الحاوي: قد مضي الكلام في الفسخ لأنه لا يصح إلا بشرطين: أحدهما: انقضاء السنة. والثاني: حكم الحاكم. فأما الرضي فهو اختيار المقام فلا يتفتقر إلى حكم لأنه يقيم بعقد سابق, ولا يفتقر إلى حكم فلم يكن المقام عليه مفتقرًا إلى حكم وهل يفتقر الرضي في لزومه إلى انقضاء الأجل أم لا؟ هذا وجهان: أحدهما: يفتقر الرضي إلى انقضاء الأجل فإن رضيت قبل انقضائه لم يلزم لأن الرضي إنما يكون بعد استحقاق الفسخ وهي قبل انقضاء الأجل لم يستحق الفسخ فلم يلزمها بالرضي كالأمة إذا رضيت من زوجها قبل عتقها لم يلزمها الرضي بوجوده قبل استحقاق الفسخ.

стр. 4472

والثاني: أنه لا يفتقر إلى انقضاء لأجل ويصح الرضا قبله وبعده لأن الأجل مضروب لظهور العنة فكانت الرضى بها مبطلًا للأجل المضروب لها وإذا بطل الأجل لزم العقد. والرضى إن كان في غير مجلس الحاكم لأنه لا يكون إلا بصريح القول وكان أيضًا بأن يعرض الحاكم عليها الفسخ ولا تختار فيكون تركها للاختيار للفسخ رضا منها بالمقام والله أعلم. مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: "فَإِنْ فَارَقَهَا بَعْدَ ذَلِكَ ثُمَّ رَاجَعَهَا فِي العِدَّةِ ثُمَّ سَأَلَتَ أَنْ يُؤَجٌلَ لَمْ يَكُنْ ذَلِك لَهَا, قَالَ المُزَنِيُّ: وَكَيْفَ تَكُونِ عَلَيْهَا عِدَّةٌ وَلَمْ تَكُنْ إصَابَةٌ وَأَصْلُ قَوْلِهِ لَوِ اسْتَمْتَعَ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ وَقَالَتْ: لَمْ يُصِبْنِي وَطَلَّقَ فَلَهَا نِصْفُ المَهْرِ وَلاَ عِدَّةَ عَلَيْهَا". قال في الحاوي: وصورتها في عنين أجل لزوجته ثم رضيت بعد الأجل بعنته فطلقها ثم راجعها في العدة فسألت بعد رجعته أن يؤجل لها ثانية لم يجز لأن المرتجعة زوجة بالنكاح الأول وقد أجُل فيه مدة فرضيت فلم يجز أن يؤجل ثانية لأنه عنت إذا رضيت به في نكاح لزم كما يلزمها إذا رضيت بجبه وجنونه وهو بخلاف الإعسار بالنفقة إذا رضيت به في نكاح ثم عادت فيه تطلب الفسخ كان لها لأن الإعسار ليس يلزم وقد ينتقل منه إلى يسار كما ينتقل من يسار إلى إعسار وخالف العنة التي ظاهر حالها الدوام. فأما المزني فإن اعترض على الشافعي في هذه المسألة اعتراضًا موجهًا فقال: قد تجتمع الرجعة والعنة في نكاح واحد وهو إن وطئها يثبت الرجعة في نكاح واحد وسقطت العنة وإن لم يطأ ثبتت العنة وبطلب الرجعة والعنة فاختلف أصحابنا في الجواب فيه على ثلاث طرق: أحدها: وهو قول أبي حامد المروروزي: أن المسألة خطأ من الناقل لها عن الشافعي ﵀ فنقل ما ليس من قوله أو سها عن شرط زيادة جل من نقله فأوردها المزني كما وجدها في النقل لها عن الشافعي واعترض عليها هو بما هو صحيح متوجه. والثاني: أن الشافعي فرع هذه المسألة في الجديد على مذهبه في القديم أن الخلوة يكمل بها المهر ويجب بها العدة. فصحت معها الرجعة ولم يسقط بها حكم العنة وهذا الجواب غير سديد من وجهين: أحدهما: أن تفرعه في كل زمان إنما هو على موجب مذهبه فيه فلا يصح أن يفرع في الجديد على مذهب قد تركه وإن كان قائلًا به في الجديد.

стр. 4473

والثاني: أن أبا حامد المروروزي قال: وحدث الشافعي في القديم: أن الخلوة يكمل بها المهر ولا يجب بها العدة فبطل أن يصح معها الرجعة. والثالث: وهو جواب الأكثرين من أصحابنا أنه قد يمكن على مذهب الشافعي ﵁ في الجديد أن تجب العدة وتصح الرجعة ولا يسقط حكم العنة وذلك من وجوه: أحدها: أن يطأ في الدبر فيكمل به المهر ويجب به العدة وتصح فيه ولا يسقط حكم العنة. والثاني: أن يطأ في القبل فيغيب بعض الحشفة ويترك ماءه فيه فتجب به العدة ويكمل به المهر ولا يسقط حكم العنة لأنه إنما سقط بتغيب جميع الحشفة. والثالث: إن استدخل ماءه من غير وطء, فيجب به العدة ويستحق معه الرجعة ولا يسقط به العنة وفي هذا عندي نظر لكن قد قاله أصحابنا وفرعوا عليه فقالوا: لو أنزل قبل نكاحها واستدخله بعد نكاحها لم تعتد منه, لأنها في حال الإنزال لم تكن زوجة وإن صارت وقت الإدخال زوجة فإنما أوجبوه فيه العدة وألحقوا منه الولد إذا كانت في حالتي إنزاله واستدخاله زوجة. فصل: فأما إذا طلقها بعد لأجل والرضا طلاقًا أبانت منه ثم استأنف نكاحها بعقد جديد فسألت: أن تؤجل فيه العنة ففيه قولان: أحدهما: قاله في القديم لا يجوز أن يؤجل لها ثانية وإن كان في عقد ثانِ كما لا يجوز في نكاح واحد وهكذا لو أنها فسخت نكاحه الأول بالعنة من غير طلاق ثم تزوجته لم يؤجل لها في النكاح الثاني لأن علمها بعنته كعلمها بجذامه وبرصه وهي لا تجوز إذا نكحته بعد العلم به أن تفسخ فكذلك في العنة. والثاني: قاله في الجديد: أنه يؤجل لها في النكاح الثاني لأن لكل عقد حكم بنفسه وليست العنة من العيوب اللازمة وقد يجوز زوالها فجرى مجرى الإعسار بالنفقة التي يرجى زوالها ويعود استحقاق الفسخ بها ولكن لو أصابها في النكاح الأول فسقط بإصابته حكم العنة ثم طلقها فتزوجها ثم حدثت به العنة في النكاح أجل لها قولًا واحدًا لأن حكم عنته الأولى قد ارتفع بإصابته فصارت مستأنفة لنكاح من ليس بعنين فإذا ظهرت به العنة أجل, والله أعلم. مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ قَالَتْ لَمْ يُصِبْنِي وَقَالَ: قَدْ أَصَبُتُهَا فَالقَوْلُ قَوْلُهُ لأَنَّهَا تُرِيدُ

стр. 4474

فَسْخَ نِكَاحِهَا وَعَلَيْهِ اليَمِينٌ فَإِنْ تَكَلَ وَحَلَفَتْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا أُرِيهَا أُرْبَعًا مِنَ النِّسَاءِ عُدُولًا وَذَلكَ دَلِيلٌ عَلَى صِدْقِهَا فَإِنْ شَاءَ أَحْلَفَهَا ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فَإِنْ نَكَلَتْ وَحَلَفَ أَقَامَ مَعَهَا وَذَلِكَ أَنَّ العَذْرَةَ قَدْ تَعُودُ فِيمَا يَزْعُمُ أَهْلُ الخِبْرَةِ بِهَا إِذَا لَمْ يُبَالِغْ فِي الإِصَابَةِ". قال في الحاوي: وصورتها أن يختلف الزوجان في الإصابة بعد أجل العنة فتقول الزوجة: لم يصيبني فلي الفسخ ويقول الزوج: قد أصبتها فلا فسخ لها فلا يخلو حالها من أحد الأمرين: إما أن تكون بكرًا أو ثيبًا فإن كانت ثيبًا فالقول قول الزوج في الإصابة مع يمينه ولا خيار لها لأنه ثبوت النكاح يمنع من تصديق قولها في فسخه فإن حلف سقط خيارها وإن نكل ردت اليمين عليها فإن حلفت كان لها الخيار وفرق بينهما وإن نكلت فلا خيار لها والنكاح بحاله وهذا قول الفقهاء: وقال مالك والأوزاعي: يؤمر الزوج بمعاودة خلوتها ويقربهما وقت الجماع امرأة ثقة. وقال الأوزاعي: امرأتان فإذا خرج من خلوتهما نظر فرجها وإن كان ماء الرجل كان القول قوله وإن لم يكن كان القول قولها وهذا خطأ من وجهين: أحدهما: أن اختلافها في إصابة تقدمت فلم يدل عليها ما حدث بعدها. والثاني: أن وجود الماء وعدمه لا يدل على وجود الإصابة وعدمها لأنه قد ينزل ولا يولج وقد يولج ولا ينزل وحقها متعلق بالإيلاج دون الإنزال. وحكي أن امرأة ادعت عنه رجل عند سمرة بن جندب واختلف في الإصابة فكتب بها إلى معاوية يسأله عنها فكتب إليه معاوية. زوجة امرأة ذات جمال وحسن توصف بدين وستر وسبق إليها مهرها من بيت المال لتختبر حاله. ففعل سمرة ذلك. فقالت المرأة: لا خبر عنده قال سمرة: ما دنى قالت: بلى ولكن إذا دنى شره أي أنزل قبل الإيلاج وهذا مذهب لمعاوية وليس عليه دليل ولا له في الأصول نظير وقد يجوز أن يكون الرجل عنينًا في وقت وغير عنين في وقت. فإن قيل: فإذا بطل هذان المذهبان كان مذهبهم أبطل من وجهين: أحدهما: أنكم قبلتم به قول المدعي دون المنكر والشرع أراد بقبول المنكر. والثاني: أنه لو ادعى إصابة المطلقة ليرجعها وأنكرته كان القول قولها دونه فهلا كان في العنة كذلك لأن الأصل الإصابة. قيل: الجواب عن هذا أن ما ذكرناه من العلة في قبول قوله يدفع هذا الاعتراض وهو أن الأصل ثبوت النكاح وهي تدعي بإنكار الإصابة استحقاق فسخه فصارت هي مدعية وهو منكر فكان مصير هذا الأصل يوجب قبوله قوله دونهما على أن ما تعذر إقامة البينة فيه جاز أن يقبل فيه قول مدعيه إذا كان معه ظاهر بقتضيه كاللوث في دعوى القتل. فأما دعواه الإصابة في الرجعة فالفرق بينهما وبين دعوى الإصابة في العنة من وجهين:

стр. 4475

أحدهما: أن دعوى الإصابة في الرجعة تنفي ما أوجبه الطلاق من التحريم ودعوى الإصابة في العنة تثبت ما أوجبه النكاح في اللزوم فافترقا. والثاني: أنه ادعى الإصابة في العنة مع بقاء نكاحه فصار كالمدعي لما في يده ودعواه الإصابة في الرجعة بعد زوال نكاحه صار كالمدعي لما في يده غيرها فافترقا. فصل: وإن كان بكرًا إما أن يعترف بها بالبكارة وإما أن ينكرها ويشهد بها أربع نسوة عدول فيكون القول قولها في إنكار الإصابة لأن البكارة ظاهرة تدل على صدقها فزالت عن حكم الثيب التي لا ظاهر معها. فإن قيل: أفله أحلافها؟ قيل: إن لم يدع عود بكارتها فلا يمين عليها إن ادعى عود البكارة بعد زوال العذرة فإذا لم يبالغ الإصابة فتصير هذه الدعوى محتملة وإن خالفت الظاهر فيكون القول قولها مع يمينها فإن حلفت حكم لها بالفرقة وإن نكلت ردت اليمين عليه فإن حلف سقط حقها من الفرقة بالفرقة وإن نكلت ردت اليمين عليه فإن حلف سقط حقها من الفرقة بالفرقة وإن نكل عنها ففيه وجهان: أحدهما: يقبل قولها إذا نكل وإن لم يحلف ويحكم لها بالفرقة كما لو ادعى وطئها وهي ثيب ونكل عن اليمين عليها فنكلت حكم بقوله في سقوط العنة وإن لم يختلف. والثاني: وهو الأظهر أنه لا يقبل قولها بغير يمين مع نكول الزوجة. والفرق بينهما: أن الزوج يستصحب لزوم متقدم جاز أن يقبل قوله فيه والزوجة تستحل حدوث فسخ طارئ فلم يقبل قولها فيه, والله أعلم. مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلِلْمَرْأَةِ الخِيَارُ فِي المَجْبُوبِ وَغَيِرْ المَجْبُوبَ مِنْ سَاعَتِهَا؛ لَأنَّ المَجْبُوبِ لَا يُجَامِعُ أَبَداٌ وَالخَصِيَّ نَاقِصٌ عَنْ الرِّجَالِ وَإِنْ كَانَ لَهُ ذَكَرٌ إِلَّا أَنْ تَكُونَ عَلِمَتْ فَلَا خَيَارَ لَهَا". قال في الحاوي: قد ذكرنا أنه إذا كان الزوج مجبوب فلها الخيار وإن كان خصيًا فعلى قولين, فإذا كان كذلك فلها الخيار في المجبوب من ساعته ولا يؤجل لها لأنه مأيوس من جماعه فلم يكن للتأجيل تأثير وخالف المرجو جماعه والمؤثر تأجيله فلو رضيت بجبه ثم سألت أن يؤجل للعنة لم يجز لتقدم الرضي بعنته, وأما الخصي فإن قبل بأن الخصاء يوجب الخيار في أحد القولين فلها أن تتعجله من غير تأجيل كالمجبوب. وإن قيل: لا خيار لها في القول الثاني أو قيل: لها الخيار فاختارت المقام ثم سألت تأجيله للعنة أجل بخلاف المجبوب لأن الإصابة من الخصي ممكنة ومن المجبوب

стр. 4476

غير ممكنة فافترقا في تأجيل العنة. مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَإِنْ لَمْ يُجَامِعُهَا الصَّبِيُّ أُجِّلَ. قَالَ المُزَنِيُّ مَعْنَاهُ عِنْدِي صَبِيُّ قَدْ بَلَغَ أَنْ يُجَامِعَ مِثُلُهُ". قال في الحاوي: وهذه مسألة وهم المزني في نقلها فقال: ولو لم يجامعها أجل وهذا هم منه لأن الشافعي قال: ولو لم يجامعها الخصي أجل. وقد نقله الربيع في كتاب "الأم" على هذا الوجه فعدل بالمسألة عن الخصي إلى الصبي إما لتصحيف أو لسهو الكاتب. وإما زلة في التأويل فإنه قال معناه عندي: "صبي قد بلغ أن يجامع مثله". والصبي لا يصح عنته سواء راهن فأمكن أن يجامع أو كان غير مراهق لا يمكنه أن يجامع لأمرين: أحدهما: أن غير البالغ عاجز بالصغر دون العنة فلا يدل عجزه على عنته. والثاني: أنه لا يعرف عنته إلا بإقراره وإقراره غير مقبول ما لم يبلغ وانتفي عنه من هذين الوجهين أن يجري عليه حكم العنة وإذا كان كذلك بأن المراد هو الخصي وقد ذكرناه. مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "فَإِنْ كَانَ خُنْثَى يَبُولُ مِنْ حَيْثُ يَبُولِ الرَّجُلُ فَهُوَ رَجُلٌ يَتَزَوَّجُ امْرَأَةْ وَإِنْ كَانَتْ هِيَ تَبُولُ مِنْ حَيْثُ تَبُولُ المَرْأَةُ فَهِيَ امْرَأَةٌ تَتَزَوَّجُ رِجُلًا وَإِنْ كَانَ مُشْكِلًا لَمْ يُزَوَّجْ, وَقِيلَ لَهُ: أَنْتَ أَعْلَمُ بِنَفْسِكَ فَأَيَّهُمَا شِئْتَ أَنْكَحْنَاكَ عَلَيْهِ ثُمَّ لَا يَكُونُ لَكَ غَيْرُهُ أَبَدًا. قَالَ المُزَنِيُّ: فَبِأَيَّهِمَا تَزَوَّجَ وَهُوَ مُشْكِلٌ كَانَ لِصَاحِبِهِ الخِيَارُ لِنَقْصِهِ قِيَاسًا عَلَى قَوْلِهِ فِي الخَصِيِّ لَهُ الذِّكَرُ أَنَّ لَهَا فِيهِ الخِيَارُ لِنَقْصِهِ". وقال في الحاوي: أما الخنثى فهو الذي له ذكر رجل وفرج امرأة, فالذكر مختص بالرجل والفرج مختص بالمرأة وليس يخلو مشتبه الحال أن يكون رجلًا أو امرأة, قال الله تعالى: ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (٨)﴾ [النبأ:٨] يعني ذكورًا وإناثًا فإذا جمع الخنثى بين آلة الذكر والأنثى وجب أن يعتبر ما هو مختص بالعضوين وهو البول؛ لأن الذكر مخرج بول الرجل والفرج مخرج بول المرأة فإن كان يبول من ذكره وحده فهو رجل والفرج عضو زائد وإن كان يبول من فرجه فهي امرأة والذكر عضو زائد. وروى الكلبي عن صالح عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال في الذي له ماء الرجل وماء النساء: إنه يورث من حيث يبول. وقضى علي بن أبي طالب في العراق بمثل ذلك

стр. 4477

في خنثى رفع إليه. فإن كان يبول منهما جميعًا فعلى أربعة أقسام: أحدها: أن يسبق أحدهما وينقطعا معًا فالحكم للسابق لقوته والثاني: أن يخرجا معًا وينقطع أحدهما قبل الآخر فالحكم للمتأخر لقوته. والثالث: أن يسبق خروج أحدهما ويتأخر انقطاع الآخر فالحكم لأسبقهما خروجًا وانقطاعًا لأن البول يسبق إلى أقوى مخرجيه. والرابع: أن يخرجا معًا وينقطعا معًا ولا يسبق أحدهما الآخر فهو أربعة أقسام: أحدهما: أن يستويا في القدر والصفة. والثاني: أن يختلفا في القدر ويستويا في الصفة. والثالث: أن يختلفا في الصفا ويستويا في القدر. والرابع: أن يختلفا في القدر والصفة. فأما الأول: وهو أن يستويا في القدر والصفة فلا بيان فيه. وأما الثاني: وهو أن يختلفا في القدر دون الصفة فيكون أحدهما أكثر من الآخر ففيه قولان: أحدهما: أن يكون الحكم لأكثرهما وهو قول أبي حنيفة تغليبًا لقوته بالكثرة, وقد حكماه المزني في جامعه الكبير. والثاني: أنهما سواء وهو قول أبي يوسف؛ لأن اعتبار كثرته شاق وقد قال أبو يوسف ردًا على أبي حنيفة حيث اعتبر كثرته: أفيكال أذن. وأما الثالث: وهو أن يختلفا في التزريق والشرشرة فقد اختلف أصحابنا في اعتباره على وجهين: أحدهما: أن يعتبر فإن تزريق البول للرجل والشرشرة للنساء. وقد روي عن جابر أنه سئل عن خنثى فقال: أدنوه من الحائط فإن زرق فذكر, وإن شرشر فأنثى. والثاني: أن لا اعتبار به لأن هذا قد يكون من قوة المثانة وضعفها. وأما الرابع: فهو أن يختلفا في القدر والصفة فينظر فيهما فإن اجتمعا في أحد العضوين فكان التزريق مع الكثرة في الذكر أو كانت الشرشرة مع الكثرة في الفرج كان ذلك بيانًا يزول به الإشكال وإذا اختلفا كانت الشرشرة في الفرج والكثرة في الذكر أو بالعكس فلا بيان فيه لتكافؤ الإمارتين.

стр. 4478

فصل: فأما إذا لم يكن في المبال بيان إما عند تساوي أحوالهما وإما عند إسقاط فاختلف فيه من القدر والصفة فقد اختلف أصحابنا هل يعدل إلى اعتبار عدد الأضلاع أم لا؟ على وجهين: أحدهما: يعتبر عدد الأضلاع فإن أضلاع المرأة تتساوى من الجانب الأيمن والجانب الأيسر, وأضلاع الرجل تنقص من الجانب الأيسر ضلع لما حكي أن الله تعالى خلق حواء من ضلع آدم الأيسر فلذلك نقص من أضلاع الرجل اليسرى ضلع ومن أجل ذلك قيل للمرأة ضلع أعوج وقد قال الشاعر: هِيَ الضُلَعُ العَوْجَاءُ لَسْتُ تُقِيمُهَا أَلَا إَنَّ تَقْوِيمَ الضُّلُوعِ انْكِسَارُهَا أَيجْمَعُهُنَّ ضَعْفًا وَاقْتِدارًا عَلَى الهَوَى أَلَيْسَ عَجِيبٌ ضَعْفَهَا وَاقْتِدِارِهَا وتوجيه هذا الوجه في اعتبار الأضلاع الأثر المروي عن علي ﵁ أن أمر قنبرًا وبرقاء وهو مولياه أن يعدا أضلاع خنثى مشكل, فإن استوت أضلاعه من جانبيه فهي امرأة, إن نقصت اليسرى ضلع فهو رجل. والثاني: هو قول الأكثرين من أصحابنا أنه لا اعتبار بالأضلاع, لأن النبي ﷺ عدل عنها إلى الاعتبار بالميال وهو ألزم حالًا من المبال, وأقوى لو كان بها اعتبار لما جاز العدول عنها إلى المبال الذي هو أضعف منها وليس الأثر المروي فيه عن علي ثابتًا. وقد قال أصحاب التشريح من علماء الطب: إن أضلاع الرجل والمرأة متساوية من الجانبين أنها أربعة وعشرون ضلعًا من كل جانب منها اثنا عشر ضلعًا وقد أضيف إلى هذا الأثر مع ما يرفعه ويرده إلى المشاهدة خرافة مصنوعة تمنع منها العقول وهو أن رجلًا تزوج خنثى على صداق أمة وأنه وطأ الخنثى فأولدها ووطأ الخنثى الأمة فأولدها فصار خنثى أمً وأبًا فرفع إلى علي كرم الله وجهه فأمر بعد أضلاعه فوجدت مختلفة ففرق بينهما وهذا مدفوع ببداهة العقول. فصل: فأما مماثلة الرجال في طباعهم وكلامهم ومماثلة النساء في طباعهن وكلامهن فلا اعتبار به لأن في الرجال مؤنث وفي النساء مذكر وكذلك اللحية لا اعتبار بها لأن في الرجال من ليس له لحية وفي النساء من ربما هرج لها لحية على أنه قد قل من يبقى بعد البلوغ إشكال. فصل: فأما المني والحيض فإن اجتمع له إنزال المني ودم الحيض فهو على أربعة أقسام: أحدها: أن يخرجها من فرجه فتكون امرأة ويكون كل واحد منهما إمارة تدل على

стр. 4479

زوال إشكاله والثاني: أن يخرجا من ذكره فيزول إشكاله بالإنزال وحده ويكون رجلًا ولا يكون الدم حيضًا. والثالث: أن يكون الدم من ذكره وخروج المني من فرجه فتكون امرأة لأن إنزال المني من الفرج دليل وخروج الدم من الذكر ليس بدليل. والرابع: أن يكون خروج المني من ذكره وخروج الحيض من فرجه ففيه لأصحابنا ثلاثة أوجه: أحدها: يغلب حكم الحيض ويحكم بأنه امرأة لأن الحيض لا يكون إلا من النساء, والمني يكون من الرجال والنساء. والثاني: يغلب حكم المني ويحكم بأنه رجل لأن الدم ربما كان من مرض ولم يكن حيض. والثالث: أنه على إشكاله ليس في واحد منهما بيان لتقابلهما والله أعلم. فصل: فإذا تقرر ما وصفنا فلا يخلو حال الخنثى من أحد أمرين: إما أن يزول إشكاله أو لا يزول فإن زال إشكاله بما ذكرنا من أحد الأسباب المعتبرة فيه أجرى عليه حكم ما بان عليه فإن كان رجلًا أجرى عليه حكم الرجال في جميع أحواله من النكاح والولاية والشهادة والدية والميراث وزوج امرأة وهل لها الخيار لزيادة فرجه أم لا؟ على قولين ذكرناهما. وقال بعض أصحابنا مذهبًا ثالثًا أنه إن زال إشكال لأنه يبول من ذكره دون فرجه فلا خيار لها للقطع بأنه رجل وإن زال إشكاله لسبق بوله من ذكره ولكثرته منه فلها الخيار لأنه اجتهاد غير مقطوع به وأنه ربما نقضه بعض الحكام وأعاده إلى حال الإشكال. وإن بان امرأة أجري عليه أحكام النساء في النكاح والشهادة والولاية والدية والميراث وزوجت رجلًا وهل له الخيار لزيادة ذكرها أم لا؟ على قولين ذكرناهما: أحدهما: لا خيار له. والثاني: له الخيار. ومن أصحابنا من خرج مذهبًا ثالثًا أنه إن زال إشكالها لبولها من فرجها وحده فلا خيار له وإن زال لسبوقه منه أو كثرته فله الخيار كما ذكرناه في الرجل. فصل: وإذا كان على إشكاله لم يجز أن يزوج قبل سؤاله واختياره فإن تزوج رجلًا كان النكاح باطلًا لجواز أن يكون امرأة فإن بان رجلًا لم يصح لتقدم فساده, وإذا كان كذلك

стр. 4480

ولم يبق ما يعتبر من أحواله غير سؤاله عن طباعه الجاذبة له إلى أحد الجنسين سئل عنها للضرورة الداعية إليها كما تسأل المرأة عن حيضها فيرجع فيه إلى قولها فإن قال: أرى طبعي يحدثني إلى طبع النساء وينفر من طبع الرجال عمل على ما أخبر به من طبعه في أصل الخلقة لا على ما يظهر من تأنيث كلامه أو تذكيره لأن في الرجال وقد يكون مؤنثًا يتكلم بكلام النساء والمرأة قد تكون مذكرة تتكلم بكلام الرجال. قال: ولا يعمل على ما يشتهيه فإن الرجل قد يشتهي الرجل والمرأة قد تشتهي المرأة وإنما الطباع المذكورة في أصل الخلقة والقائمة في نفس الجبلة النافرة مما اعتادتها بغير تصنّع هي المعتبرة ويكون قوله هو المقبول إذ قد عدم الاستدلال بغير قوله كالمرأة التي تقبل قولها في حيضها وطهرها. وإذا كان كذلك قيل له: أخبرنا عن طبعك فإذا قال: يجذبني إلى طباع النساء قبل قوله بغير يمين لأنه ليس فيه حق لغيره فيحلف عليه لأنه لو رجع لم تقبل منه وحكم بأنه امرأة وزوج رجلًا فإن عاد بعد ذلك فقال: قد استمال طبعي إلى طباع الرجال لم يقبل منه وكان على الحكم بما تقدم من كونه امرأة وعقد النكاح على صحته وإذا علم الزوج بأنه خنثى فله الخيار هاهنا قولًا واحدًا لأن الإشكال لم يزل إلا بقوله الذي يجوز أن تكون فيه كما ذكرنا وكان أسوأ حالًا ممن زال إشكاله بأسباب غير كاذبة ولو كان قد قال هذا الخنثى حين سئل عما يجذبه طبعه إليه أرى طبعي يجذبني إلى طباع الرجال حكم بأنه رجل وقبل قوله في نكاحه وفيما أخبر به من جميع أحكامه وهل يقبل قوله فيما اتهم فيه من ولايته وميراثه أم لا؟ على قولين: أحدهما: لا يقبل منه لتهمته فيه وحكاه الربيع عنه. والثاني: وهو المشهور في أكثر كتبه أنه يقبل منه لأن أحكامه لا تتبعض فيجري عليه في بعضها أحكام الرجال وفي بعضها أحكام النساء وإذا جرى عليه حكم النساء في شيء أجرى عليه أحكام النساء في كل شيء وإذا جرى عليه حكم الرجال في شيء أجرى عليه حكم الرجال في كل شيء وإذا حكم بأنه رجل زوج امرأة ولم يقبل منه الرجوع إذا علمت المرأة بحاله فلها الخيار في فسخ نكاحه قولًا واحدًا, والله أعلم بالصواب. باب الإحصان الذي به يرجم من زنى قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: "فَإِذَا أَصَابَ الحُرُّ البَالِغُ أَوْ أُصِيبَتْ الحُرَّةُ البَالِغَةُ فَهُوَ إِحْصَانٌ فِي الشِّرْكِ وَغَيْرِهِ؛ لأَنَّ النَبِيَّ ﷺ رَجَمَ يَهُودِيَّيْنِ زَنَيَا فَلَوْ كَانَ المُشْرِكُ لَا يَكُونُ مُحْصَنًا لمَا قَالَ بَعْضُ النَّاسِ لمَّا رَجَمَ ﷺ غَيْرَ مُحْصَنٍ". قال في الحاوي: أما الإحصان في اللغة فهو المنع يقال: قد أحصنت المرأة فرجها إذا امتنعت من الفجور قال الله تعالى: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ [الأنبياء: ٩١] أي منعته ويقال: مدينة حصينة أي منيعة قال الله تعالى: ﴿فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ﴾ [الحشر: ١٤] أي ممنوعة.

стр. 4481

ويقال: امرأة حصان, إذا امتنعت من الفجور, وفرس حصان إذا امتنع به راكبه, ودرع حصن إذا امتنع بها لابسها, فسميت ذات الزوج محصنة؛ لأن زوجها قد حصنها ومنعها, وإذا كان هكذا فالحصانة في النكاح اسم جامع لشروط مانعة إذا تكاملت كان حد الزنا فيها الرجم دون الجلد لقول النبي ﷺ : "جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة والرجم". والشروط المعتبرة في الحصانة أربعة: أحدها: البلوغ الذي يصير به ممنوعًا مكلفًا. والثاني: العقل لأنه مانع من القبائح موجب لتكليف العبادات. والثالث: الحرية التي تمنع من البغاء والاسترقاق, وأن كمال الحد فعل يمنع منه نقص الرق. والرابع: الوطء في عقد نكاح صحيح لأنه يمنع من السفاح وقد قال الله تعالى: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء: ٢٤] أي متناكحين غير مسافحين. فأما الإسلام فليس بشرط في الحصانة. فإذا تكاملت هذه الشروط الأربعة في مسلم وكافر رجم إذا زنا. وقال مالك وأبو حنيفة: الإسلام شرط معتبر في الحصانة ولا يرجم الكافر إذا زنا استدلالًا بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا إحصان في الشرك". وروي عنه ﷺ أنه قال: "من أشرك بالله فليس بمحصن". وروي أن حذيفة بن اليمان تزوج يهودية فقال له النبي ﷺ : "إنها لا تحصنك", ولأن الإحصان منزلة كمال وتشريف يعتبر فيها نقص نقص الرق فكان بأن يعتبر فيها نقص الكفر أولى ولأنه لما كان الإسلام معتبرًا في حصانة القذف حتى لم يحد من قذف كافرًا وجب أن يعتبر في حصانة الحد حتى لا يرجم الكافر إذا زنا ودليلنا ما روى الشافعي عن مالك بن نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ رجم يهوديين زنيا والرجم لا يجب إلا على محصن فدل على أنهما محصنان. فإن قيل: فإنما رجمهما بالتوراة ولم يرجمهما بشريعته لأنه أحضر التوراة عند رجمهما فلما ظهرت فيها آية الرجم تلوح رجمهما حينئذٍ. قيل: لا يجوز أن يحكم بغير ما أنزل الله تعالى وقد قال تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا

стр. 4482

أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٩] وإنما أحضر التوراة لأنه أخبرهم بأن فيها آية الرجم فأنكروا فأحضرها لإكذابهم. فإن قيل: فيجوز أن يكون هذا قبل أن صار الإحصان شرطًا في الرجم فعنه جوابان: أحدهما: أنه ليس يعرف في الشرع وجوب الرجم قبل اعتبار الحصانة فلم يجز حمله عليه. والثاني: أنه قد روى عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ رجم يهوديين أحصنا, فأبطلت هذه الرواية هذا التأويل. ومن طريق القياس: أن كل من وجب عليه بالزنا حد كامل فوجب أن يكون بالوطء في النكاح محصنًا كالمسلم ولأن كل قتل وجب على المسلم بسبب وجب على الكافر إذا لم يقر على ذلك السبب كالقود. وقولنا: إذا لم يقر على ذلك السبب احترازًا من تارك الصلاة فإنه يقتل إذا كان مسلمًا لأنه لا يقر ولا يقتل إذا كان كافرًا لأنه يقر ولأن الرجم أحد حدّي الزنا فوجب أن يستوي فيه المسلم والكافر كالجلد ولأنه لما استوى في حد الزنا حكم العبد المسلم والكافر وجب أن يستوي فيه حد الحر المسلم والكافر. فأما الجواب عن الخبرين الأولين فمن وجهين: أحدهما: حمله على حصانة القذف دون الرجم. والثاني: لا حصانة تمنع من استباحة قتلهم وأموالهم لقوله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إلاه إلا الله, فإذا قالوا عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها" وإما الجواب عن حديث حذيفة فهو أن لا يجوز حمله على حصانة الزنا لأنه لا يصح من رسول الله ﷺ أن يقول لمن وثق بدينه من أصحابه وحذيفة قد كان موثوقًا بديته أنك متى زنيت تحت هذه اليهودية لم ترجم وإنما معنى قوله: "لا تحصنك" أي لا تتعفف بك عما تتعفف المسلمة. وأما اعتبارهم ذلك بحصانة القذف. فالفرق بينهما: أن حد الزنا حقّ الله تعالى فجاز أن يستوي فيه المسلم والكافر وحدّ القذف من حقوق الآدميين فجاز أن يفرق فيه المسلم والكافر كالدية. وأما استدلالهم بأنه لما اعتبر في سقوط الرجم نقص الرق اعتبر فيه نقص الكفر فالجواب عنه أنه لما كان نقص الرق معتبرًا في الحد الأصغر كان معتبرًا في الحد الأكبر

стр. 4483

ولما كان نقص الكفر غير معتبر في الحد الأصغر كان غير معتبر في الحد الأكبر وافترقا والله أعلم. فصل: فإذا تقرر أن الإسلام غير معتبر في شروط الحصانة فالكلام فيها مشتمل على ثلاثة فصول: أحدهما: في نكاح الحصانة. الثاني: في وطء الحصانة. والثالث: في زمان الحصانة. فأما نكاح الحصانة النكاح الصحيح الذي يجوز أن يقيم عليه الزوجان بولي وشاهدين فأما المتعة والمناكح الفاسدة فلا توجب الحصانة لأن الحصانة لاعتبار الحرية فيها أغلظ مشروطًا من إحلال المطلق للأول لأن الحرية لا يعتبر فيها ثم ثبت أن المناكح الفاسدة لا تحل فكان أولى لأن لا تحصن والأوجه لما قال أبو ثور: من أنها تحصن وكذلك التسري بملك اليمين لا يحصن كما لا تحل المطلقة للمطلق وأما وطء الحصانة فهو تغييب الحشفة في الفرج سواء كان معه إنزال أو لم يكن فإنه تلذذ بما دون الفرج أو وطء في السبل المكروه لم يتحصنا كما لا يسقط به حكم العنة لأنه وطء مقصود في الشرع فلم يتعلق إلا بالفرج كالإحلال للمطلق. فصل: وأما زمان الحصانة فهو الوقت الذي يكون فيه الوطء مثبتًا للحصانة ولا يخلو حالهما وقت الوطء من أربعة أقسام: أحدها: أن يكونا كاملين. والثاني: أن يكونا ناقصين. والثالث: أن يكون الزوج كاملًا والزوجة ناقصة. والرابع: أن يكون الزوج ناقصًا والزوجة كاملة. فأما القسم الأول: وهو أن يكون كاملين فكمالهما يكون بالبلوغ والعقل والحرية, فإذا كانت في وقت الوطء بالغين عاقلين حرين صارا جميعًا به محصنين سواء عقد النكاح بينهما في حال الكمال أو قبله وسواء بقي العقد بينهما أو ارتفع قد ثبت الحصانة بوطْ المرأة الواحدة فأيهما زنا رجم. أما القسم الثاني: وهو أن يكونا ناقصين ونقصانهما أن يكونا صغيرين أو مجنونين أو مملوكين فلا يكونا بالوطء ومحصنين ما كانا على الصغر والجنون والرق فإن بلغ الصغيران وأفاق المجنونان وعتق المملوكان فهل يصير بالوطء المتقدم أم لا على وجهين:

стр. 4484

أحدهما: أنهما قد صارا محصنين لأنه قد ثبت به أحكام الوطء وفي النكاح من كمال المهر ووجوب العدة وتحريم المصاهرة والإحلال للمطلق فكذلك الحصانة فإذا زنيا رجما لتقدم الشرائط على الزنا. والثاني: وهو مذهب الشافعي أنهما لا يصيرا به محصنين حتى يستأنفا الوطء بعد كمال البلوغ والعقل والحرية لأن هذا الوطء يوجب الكمال فوجب أن يراعى وجوده في أكمل الأحوال ولأنه لما لم يثبت الحصانة في وقت لم يثبتها بعد وقته وبهذا خالف ما سواها من الإحلال وتحريم المصاهرة وكمال المهر ووجوب العدة لثبوتها به في وقته وبعد وقته ثم هكذا لو كان نقص الزوجين مختلفين فكان أحدهما صغيرًا والآخر مجنونًا أو كان أحدهما مملوكًا والآخر صغيرًا أو مجنونًا فوطئا لم يصيرا في الحال محصنين وهل يصيران بعد الكمال محصنين أم لا على وجهين: وأما القسم الثالث: وهو أن يكون الزوج كاملًا والزوجة ناقصة فكمال الزوج أن يكون بالغًا عاقلًا حرًا ونقصان الزوجة أن تكون صغيرة أو مجنونة أو مملوكة أو تجمع نقص الصغر والجنون والرق فقد صار الزوج بذلك محصنًا إذا كانت الصغيرة التي وطئها ممن يجوز أن توطأ مثلها فإن كانت ممن لا يجوز أن توطأ مثلها لم يتحصن بوطئها فأما الزوجة فلا تكون محصنة بهذا الوطء في النقصان بالصغر والجنون والرق فإذا كملت بالبلوغ والعقل والحرية فهل تصير محصنة أم لا؟ على ما ذكرنا من الوجهين: وقال أبو حنيفة: إذا كان أحدهما: ناقصًا لم يحصنا معًا في الحال ولا في أي حال حتى يكون الكمال موجودًا فيهما حال الوطء وهذا خطأ؛ لأن موجب الحصانة أن يختلف بها حدّ الزنا فيجب الرجم على المحصن والجلد على غير المحصن ولو اختلف حالهما وقت الزنا فكان أحدهما محصنًا والآخر غير محصن رجم المحصن وجلد غير المحصن ولم يكن لاختلافهما تأثير في حصانة أحدهما دون الآخر كذلك اختلافهما في وقت الوطء في النكاح لا يمنع من أن يصير به أحدهما محصنًا دون الآخر. وأما القسم الرابع: وهو أن يكون ناقصًا والزوجة كاملة ونقصان الزوج أن يكون صغيرًا أو مجنونًا أو مملوكًا أو يجمع نقص الصغر والجنون والرق فيطأ زوجة كاملة بالبلوغ والعقل والحرية فقد صارت بوطئه محصنة إذا كان الصغر ممن يوطء مثله فإن كان مثله لا يطأ لم تتحصن بوطئه فأما الزوج فلا يكون به محصنًا في حال نقصه وهل يصير به محصنًا بعد كماله أم لا؟ على ما ذكرنا من الوجهين وعلى قول أبي حنيفة: لا يتحصن به واحد منهما والله أعلم بالصواب. فأما الخنثى: إذا جعلناه رجلًا يتحصن بوطء امرأة ولا يتحصن لو وطئه رجل ولو جعلنا امرأة تحصن بوطء رجل ولا يتحصن لو وطأ امرأة ولو كان على حال إشكاله لم يتحصن بوطء رجل. ولا بوطء امرأة ولا بوطء رجل وامرأة لأن نكاحه في حال إشكاله باطل بالحصانة لا تثبت بالوطء في نكاح باطل والله أعلم بالصواب.

стр. 4485

كتاب الصداق قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى: "ذَكَرَ اللَّهُ الصَّدَاقَ وَالأَجْرَ فِي كِتَابِهِ وَهُوَ المَهْرُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦] فَدَلَّ أَنَّ عُقْدَةَ النِّكَاحِ بِالكَلَامِ وَأَنَّ تَرْكَ الصَّدَاقِ لَا يُفْسِدُهَا". الدليل على وجوب الصداق قال في الحاوي: والأصل وجوب الصداق في النكاح: الكتاب والسنة والإجماع. فأما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤] وفيمن توجه إليه هذا الخطاب قولان: أحدهما: أنه متوجه إلى الأزواج وهو قول الأكثرين. والثاني: أنه متوجه إلى الأولياء لأنهم كانوا يتملكون في الجاهلية صداق المرأة فأمرهم الله تعالى بدفع صدقاتهن إليهن وهذا قول أبي صالح وفي نحلة ثلاث تأويلات: أحدها: يعني تدينًا من قولهم: فلان ينتحل كذا أي يتدين به. والثاني: يطيب نفس كما تطيب النفس بالنحل الموهوب. والثالث: أنه نحل من الله تعالى لهن بعد ان كان ملكًا لأوليائهن والنحل الهبة وقال الله تعالى فيما حكاه عن شعيب في تزويج موسى بابنته قال: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَاجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٧] ولم يقل على أن تأجرها فجعل الصداق ملكًا لنفسه دونها ثم قال: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ [النساء: ٤] يعني الزوجات إن طبن نفسًا عن شيء من صدقاتهن لأزواجهن في قول من جعله خطابًا للأزواج ولأولياهن في قول من جعله خطابًا للاولياء ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤] يعني لذيذًا نافعًا وقال تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَاخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠] أي قد ملكن الصداق وإن استبدلتم بهن غيرهن ﴿قِنْطَارًا فَلَا تَاخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء:٢٠] وإن كان الصداق قنطارًا وفي القنطار سبعة أقاويل: أحدها: أنه ألف ومائتا أوقية وهو قول معاذ بن جبل وأبي هريرة.
следующие страницы →