Полный текст (7 151 стр.). Показаны 4656–4695 · переход к 4661.
стр. 4656
غير مسيس ولا مباشرة ثم يبيت عند التي هو يومها ولأن المقصود من القسم الليل دون النهار فإذا دخل النهار على واحدة لم يفوت على صاحبة القسم حقها منه وكان دخوله على غيرها من نسائه كدخوله على غير نسائه فأما وطؤه لغيرها من النهار فلا يجوز لأن الوطء مقصود القسم فلم يجز أن يفعله في زمان غيرها.
وقد روى الحسن وقتادة أن النبي شر دخل على زوجته حفصة في يومها فوجدها قد خرجت لزيارة أبيها فاستدعى مارية فخلا بها فلما علمت حفصة عتبت على النبي ﷺ وقالت في بيتي وفي يومي يا رسول الله فأرضاها بتحريم مارية على نفسه وأمرها أن لا تحبر بذلك أحداً من نسائه فأخبرت به عائشة رضي الله تعالى عنها لمصافاة كانت بينهما فتظاهرتا عليه وفي ذلك أنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التحريم: (١)] فإن أطال المقام عند غيرها في نهار قسمها أو وطئ فيه غيرها لم يقض مدة مقامه وان شاء لأنه أحق بالنهار منها لأنه زمان التصرف دون الإيواء فلم يقضه.
فأما الليل فليس له أن يخرج من عندها فيه إلا من ضرورة سواء أراد الخروج إلى زوجته أو غير زوجته لأنه مقصود القسم فلم يجز أن يفوته عليها فإن دعته ضرورة إلى الخروج من عندها ليلاً فخرج لم يأثم ونظر في مدة الخروج فإن كان يسيراً لا يقضي مثله كان عفواً وان كان كثيراً يقضي مثله كأن خروج نصف الليل أو ثلثه قضاها زمان خروجه ليوفيها حقها من القسم ثم ينظر في مدة الخروج الذي يلزمه قضاؤه فإن كان لضرورة عرضت له عند غير زوجة قضاها ذلك الزمان لا من زمان واحدة من نسائه وان كان قد خرج فيه إلى غيرها من نسائه لمرض خاف عليها منه فإن ماتت سقط قسمها وقضى صاحبة القسم ما فوته عليها من ليلتها وان لم تمت قضى صاحبة القسم من ليلة المريضة ما فوته عليها من ليلتها فأما ما نقله المزني عن الشافعي يعودها في مرضها ليلة غيرها فقد كان أبو حامد الإسفراييني ينسب المزني إلى الخطأ في هذا النقل ويقول: إن الشافعي إنما قال: يعودها في مرضها في نهار غيرها. وهذا الاعتراض فاسد ونقل المزني صحيح ويجوز له أن يعودها في مرضها في نهار غيرها وهذا الاعتراض فاسدا ونقل المزني صحيح ويجوز له أن يعودها في ليلة غيرها إن كان مرضها مخوفاً لأنه وبما تعجل موتها قبل النهار ففاته حضورها وهو المراد بما نقله المزني فأما إن كان مرضها مأموناً لم يكن له عيادتها في الليل حتى يصبح فيعودها نهاراً وإنما قضاء زمان الخروج وان كان فيه معذوراً لأن حقوق الآدميين لا تسقط بالإعذار فلو خرج في ليلتها إلى غيرها فوطئها ثم عاد إليها في الحال فقد اختلف أصحابنا فيه على ثلاثة أوجه:
أحدها: لا يلزمه قضاؤه لقصوره عن زمان القضاء.
والثاني: يلزمه قضاء ليلة بكمالها لأن مقصود القسم في الليل هو الوطئ فإن وطئ فيه غيرها فكأنه فوت عليها جميع الليلة فلذلك لزمه قضاء جميعها من ليلة الموطوءة.
والثالث: أن عليه في ليلة الموطوءة أن يخرج من عندها إلى هذه فيطأها ثم يعود
стр. 4657
إلى تلك ليسوى بينهما في فعله وهذا في القضاء صحيح وفي الوطء فاسد لاستحقاق الزمان دون الوطء والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَقْسِمَ لَيْلَتَيْنِ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثاً ثَلَاثاً كَانَ ذَلِكَ لَهُ وَأَكْرَهُ مُجَاوَزَةَ الثلَاثِ ".
قال في الحاوي: وهذا صحيح الأولى بالزوج في القسم بين نسائه أن يقسم لكل واحدة منهن ليلة ليلة أتباعاً لرسول ﷺ في القسم بين نسائه ولأنه أقرب إلى استيفاء حقوقهن فإن جعل القسم ليلتين لكل واحدة جاز وكذلك لو جعله ثلاث ليال لأن أخر حل القلة وأول حد الكثرة ولا اعتراض لهن عليه في ذلك بل هو إلى خياره دونهن فأما إن أراد الزيادة على ثلاث بأن يقسم لكل واحدة أسبوعا أو شهراً فقد قَالَ الشَّافِعِيُّ في الإملاء يقسم مياومة ومشاهرة ومسانهة.
وهذا إنما يجوز له مع رضاهن بذلك فإذ لم يرضين فليس له أن يجاوز بهن ثلاثاً ولأن ما زاد على الثلاث دخل في الكثرة التي لا يؤمن تفويت حقوقهن فيها بالموت فإن قسم لواحدة منهن شهراً فقد أساء وعليه أن يقم للباقيات شهراً شهراً فإذا استوفين الشهر فلهن أن يلزمنه تقليل القسم إلى ثلاث.
فصل:
فإن طلق واحدة من نسائه في مدة قسمها وقد بقيت منها بقية فإن كان الطلاق ثلاثاً سقط باقية سواء نكحها بعد زوج أم لا، وان كان الطلاق رجعياً فإن لم يراجعها حتى انقضت عدتها ثم نكحها لم يقضها بقية قسمها ولا ما مضى من نوب القسم بعد طلاقها وقبل نكاحها موان راجعها في العدة لم يلزمه أن يقضيها ما تجدد من نوب القسم بعد طلاقه وأما بقية النوبة التي كان الطلاق فيها فإنك تنظر فإن كانت آخر النساء قسماً في النوبة قضاها بقية أيامها في تلك النوبة لأنها قد استحقتها بالقسم لمن تقدمها موان كانت أول النساء قسماً في النوبة لم يقضيها بقية أيامها لأنه ابتداء قم لم يستحق استكماله وعليه أن يقسم لمن سواها مثله ألا ترى أنه لو أراد أن يقتصر بها على هذا القدر ليقسم للباقيات مثله جاز إذا جاز إذا كانت أوله ولم يجز إذا كانت آخره.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَيَقْسِمُ لِلْمَرِيضَةِ وَالرَّتْقَاءِ وَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ وَلِلَّتِي آلَى أَوْ ظَاهَرَ مِنْهَا وَلَا يَقْرَبُهَا حَتَّى يُكَفِّرَ؛ لِأَنَّ فِي مَبِيتِهِ سُكْنَى وَإِلْفًا".
стр. 4658
قال في الحاوي: وهذا كما قال والقسم للإلف والسكنى ولا للجماع فلذلك لزمه أن يقسم لمن قدر على جماعها أو لم يقدر من المريضة والرتقاء والحائض والنفساء والتي آلى منها أو ظاهر.
قَالَ الشَّافِعِيُّ في الأم: ويقسم للمحرمة فأما المجنونة فإن أمنها على نفسه قسم لها وإن لم يأمنها لم يقسم ويقم لذوات العيوب من الجذام والبرص فإن عافته نفسه فسخ.
وإذا وجب عليه القسم لمن ذكرناه فله أن يستمتع بالمريضة فيما سوى الوطء إذا كان يضرها.
وأما الرتقاء فيستمتع بما أمكن منها.
وأما الحائض والنفساء فيستمع بها د ون الفرج. وأما التي آلي منها فله وطها ويكفر عن يمينه. وأما التي ظاهر منها فليس له وطئها.
وفي إباحة التلذذ فيما سوى الوطء وجهان وأما المحرمة فلا يجوز له الاستمتاع بشيء منها وعلى المحبوب والعنين أن يقسم لنسائه وان لم يقدر على جماعهن لما ذكرنا من مقصود القسم وكذلك لو كان الزوج مريضاً لزمه القسم لهن كالصحيح ولو كان عبداً لزمه القسم كالحر.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ " وَإِنْ أَحَب أَنْ يَلْزَمَ مَنْزِلاً يَاتِيَنهُ فِيهِ كَانَ ذَلِكَ لَهُ عَلَيْهِن فَأَيتُهُن امْتَنَعَتْ سَقَطَ حَقُهَا ".
قال في الحاوي: اعلم أن للزوج الخيار في القسم بين أن يطوف محليهن في مساكنهن فيقيم عند كل واحدة منهن في زمان قسمها كما فعل رسول الله ﷺ مع نسائه وبين أن يقيم في منزل ويأمرهن بإتيانه فيه كل واحدة منهن إلى منزله فتقيم عناه مدة قسمها والأول أولاهما به اقتداء برسول ﷺ في قسمه ولأن ذلك أصون لهن وأجمل في عشرتهن فلو أمرهن بإتيانه فامتنعت واحدة منهن أن تأتيه فإن كان لمرض عذرت وكانت على حقها من القسم والنفقة وان كان بغير مرض ولا محذر صارت بامتناعها ناشزاً وسقط حقها من القسم والنفقة لأن عليها قصده وليس عليه قصدها ألا ترى أنه لو أراد أن يسافر بها لزمها أتباعه ولو أرادت أن تسافر به لم يلزمه أتباعها فإن كانت هذه المرأة من ذوات الأقدار والخفر واللاتي لم تجز عادتهن بالبروز صينت عن الخروج إليه ولم يلزمها أتباعه ووجب عليه أن يقسم لها في منزلها.
стр. 4659
فصل:
وإذا حبس الزوج أمكن نساؤه أن يأوين معه في حبسه فهن على حقوقهن من القسم لأن حاله في الحبس كحاله في منزله ولو لم يمكنهن ذلك من معه في الحبس من الرجال أو لأنه ممنوع من الناس سقط القسم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: «وَكَذَلِكَ المُمْتَنِعَةُ بِالجُنُونِ».
قال في الحاوي: قد ذكرنا بأن المجنونة إذا خاف على نفسه منها سقط قسمها فأما الذي لا يخاف على نفسه من جنونها فالقسم لها واجب لأن فيه إلفًا لها وسكنًا فإن امتنعت عليه بالجنون جرى عليها حكم النشوز وإن لم تأثم وسقط بذلك قسمها ونفقتها لأنها في مقابلة استمتاع قد فات عليه بامتناعها وإن عذرت لأن حقوق الآدميين تستوي في الوجوب مع العذر والاختيار ألا ترى أن المؤجر إذا امتنع من تسليم ما أجر لعذر أو غير عذر سقط حقه من الأجرة ثم إذا سقط قسمها بالامتناع قسم بين الباقيات من نسائه وكذلك لو نشزت عليه وهي عاقلة سقط حقها وكان القسم لمن سواها فلو أقلعت عن النشوز عاد قسمها معهن كالذي كان.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: «وَإِنْ سَافَرَتْ بِإذْنِهِ فَلَا قَسَمٌ لَهَا وَلَا نَفَقَةٌ إِلَّا أَنْ يَكُونَ هُوَ أَشْخَصَهَا فَيَلْزَمُهُ كُلُّ ذَلِكَ لَهَا».
قال في الحاوي: اعلم أنه لا يخلو حال سفرها من أحد أمرين: إما أن تكون مع الزوج أو منفردة عنه فإن سافرت مع الزوج كانت على حقها من النفقة والقسم ثم ينظر فإن سافر بها بالقرعة لم يقض باقي نسائه ما أقام معها وإن كان بغير قرعة قضاهن مدة سفرها معه وإن سافرت منفردة فعلى ضربين:
أحدهما: بإذنه.
والثاني: بغير إذنه.
فإن سافرت بغير إذنه فلا قسم لها ولا نفقة وهي في سفرها آثمة وصارت أسوأ حالًا من المقيمة الناشزة وإن سافرت بإذنه فقد قال الشافعي ها هنا: لها القسم والنفقة. وقال في كتاب النفقات: لا نفقة لها ولا قسم. فاختلف أصحابنا في ذلك على طريقتين:
أحدهما: وهي طريق أبي حامد الإسفراييني أن ذلك على اختلاف قولين:
أحدهما: وهو المنصوص عليه في هذا الموضع لها القسم والنفقة لأنها لما خرجت بإذنه من المأثم خرجت من حكم النشوز.
стр. 4660
والقول الثاني: وهو المنصوص عليه في النفقات لا قسم لها ولا نفقة لأنهما في مقابلة الاستمتاع قد فات عليه وإن عذرت.
والطريقة الثانية: وهي طريق أبي حامد المروزي أنه ليس على اختلاف قولين وإنما على اختلاف حالين فالذي قاله ها هنا في وجوب القسم لها محمول على أنها سافرت بإذنه فيما يخصه من أشغاله لأن له أن يستوفي حقه منها بالاستمتاع وغيره والذي قاله في كتاب النفقات أنه لا قسم لها إذا سافرت بإذنه فيما يخصها من أشغالها لأنه تصرف قد انصرف إليها دونه وإن عذرت ويكون تأثير إذنه في رفع المأثم لا في وجوب القسم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: «وَعَلَى وَلِيِّ المَجْنُون أَنْ يَطُوفَ بِهِ عَلَى نِساَئِهِ أَوْ أَنْ يَاتِيهِ بِهِنَّ وَإِنْ عَمَدَ أَنْ يَجُوزَ بِهِ أَثِمَ».
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا كان للمجنون أربع نسوة وذلك بأن يتزوجهن في حال صحته ثم يطرأ عليه الجنون لأنه لو كان وقت العقد مجنونًا لم يجز أن يزوج بأكثر من واحدة وإن احتاج إليها فالقسم لنسائه واجب وإن كان غير مكلف لأنه من حقوق الآدميين فأشبه النفقة وإذا كان كذلك فعلى وليه أن يستوفي منه حقوق نسائه من القسم لأن فيه سكنًا له ولهن ويفعل الولي أصح الأمرين من إفراده بمسكن يأمرهن بإتيانه فيه وبين أن يطيف عليهن في مساكنهن فإن كان الزوج قد رتبهن في القسم وقدر زمان كل واحدة منهن أجراه الولي على ما تقدم من قسمه في الترتيب والتقدير وإن لم يتقدم الزوج لهن استأنف الولي بالقرعة من يقدمها منهن وقدر لها من مدة القسم ما يراه أصح له ولهن ولا يزيد على ثلاث فإن عمد الولي أن يجوز في القسم أثم في حقه وحقوقهن ولا عوض لهن على ما فوت من قسمهن لأن المعارضة عليه لا تجوز فإن أفاق الزوج وقد جار به الولي نظر في جوره فإن كان يمنع الزوج من جميعهن فلا قضاء على الزوج بعد إفاقته لتساويهن في سقوط القسم ويستأنف الزوج لهن القسم وإن كان جور الولي به أن أقامه عند بعضهن ومنعه من باقيهن فعلى الزوج بعد إفاقته قضاء الباقيات بما فوته الولي عليهن من القسم.
فصل:
وإذا خفن على أنفسهن من جنون الزوج سقط بذلك حقه من القسم ولم تسقط حقوقهن فإن طلبن القسم من الخوف وجب على الولي أن يقسم لهن من الزوج إلا أن يرى من الأصلح له أن لا يقيم عند واحدة منهن فسقط قسمهن.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: «فَإِنْ خَرَجَ مِنْ عِنْدِ وَاحِدَةٍ فِي اللَّيْلِ أَوْ أَخْرَجَهُ سُلْطَانٌ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ
стр. 4661
يُوفِّيَهَا مَا بَقِيَ مِنْ لَيْلَتِهَا».
قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا كان الزوج عند إحدى نسائه في زمان قسمها فخرج من عندها أو أخرجه السلطان. فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون ذلك نهارًا فلا قضاء لها عليه لأن النهار زمان التصرف وإنما يدخل في القسم تبعًا لليل وأنه لا حق فيه لغيرها من نسائه.
والثاني: أن يكون ذلك ليلًا فإن خرج لغير ضرورة أثم وقضى وإن خرج لضرورة لم يأثم وعليه القضاء إن لم يظلم بالخروج وإن كان مظلومًا بإخراجه لأن السلطان أكرهه على الخروج ظلمًا ففي وجوب القضاء وجهان:
أحدهما: عليه القضاء؛ لأن إكراه السلطان عذر والأعذار لا تسقط قضاء القسم.
والثاني: لا قضاء عليه ويكون السلطان قد استهلك عليهما حقهما في زمان الإكراه فلا يصير الزوج مختصًا بذلك دونها.
فصل:
فإذا أراد قضاء ما وجب من زمان خرجه في الليل نظر فإن كان قد خرج النصف الثاني من الليل لم يجز أن يقضيها في النصف الأول وإن كان قد خرج في النصف الأول لم يجز أن يقضيها في النصف الثاني وقضى كل واحد من النصفين في مثله فإذا أراد قضاء النصف الأول أقام عندها النصف الأول من الليل ثم خرج من عندها فأقام لا عند واحدة من نسائه حتى يستأنف لهن ليال كوامل وإذا أراد قضاء النصف الثاني أقام في النصف الأول لا عند واحدة من نسائه فإذا دخل النصف الثاني أقام فيه عند صاحبه القصاء ولا يأوي في تلك الليلة عند زوجة إلا نصف القضاء وحده حتى يتبعض الليل في قسمهن فذلك ممنوع منه لأنه لا يكمل به إلف ولا سكنى.
وأقل زمان القسم ليلة بكاملها ويكون اليوم تبعًا لها فلو أراد أن يقسم لإحدى نسائه ليلة بلا يوم والأخرى يومًا بلا ليلة لم يجز لأن ليل القسم مقصود ونهاره تبع. والله أعلم.
مسألة:
قَاَلَ الشَّافِعِيُّ: «وَلَيْسَ لِلإِمَاءِ قَسْمٌ وَلَا يُعْطَلْن».
قال في الحاوي: وهذا كما قال: لا قسم للإماء في بعضهن مع بعض ولا مع الحرائر لأن رسول الله ﷺ ما كان يقسم لمارية ولا لرياحانة مع نسائه ولأن القسم من أحكام الزوجية فاختص بالزوجات دون الإماء كالظهار والإيلاء ولأن مقصود القسم الاستمتاع ولا حق للإماء في الاستمتاع بدليل أنه لو كان السيد مجنونًا أو غنيًا لم يكن لهن خيار فلذلك لم يكن لهن قسم.
стр. 4662
قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَلَا يُعْطِلْن فيه تأويلان:
أحدهما: أنه لا يعطلن من القسم يعني في السراري.
والثاني: لا يعطلن من الجماع لأنه أحصن لهن وأغض لطرفهن وأبعد للريبة منهن فعلى هذا لو كان إماء سراري وزوجات فأقام عند الإماء واعتزل الحرائر أو أقام عند واحدة من إمائه واعتزل باقيهن وجميع الحرائر جاز ولا قضاء عليه للحرائر لأن القضاء إنما يجب في القسم المستحق وليس مقامه عند الأمة قسمًا مستحقًا فلم يقضه وجرى مجرى مقامه معتزلًا عن إمائه ونسائه.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَإِذَا ظَهَرَ الإِضْرَارُ مِنْهُ بِامْرَأَتِهِ أَسْكَنَّاهَا إِلَى جَنْبِ مَنْ نَثِقُ بِهِ.
قال في الحاوي: وأما إذا ظهر منه إضرار لم يشتبه فيه حاله كف عنه وأمر بإزالته لقول الله تعالى: ﴿وعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النِّسَاء: ١٩] فأما إذا أشبهت حاله فيه فإن ادعت إسقاط حقها من القسم والنفقة أو تعديه عليها بالضرب وسوء العشرة وهو منكر ذاك وغير معترف به فعلى الحاكم إذا شكت ذلك إليه أن يسكنها إلى جنب من يثق به من أمنائه ليراعي حالها ويأخذه بحقها ويكف أذاه عنها فإن الحاكم لتشاغله بعموم الخصوم لا يقدر على مراعاتها بنفسه.
فإن قيل: فليس للزوج أن يسكن زوجته حيث يشاء فلم يجب عليه ها هنا أن يسكنها حيث لا تشاء.
قيل: إنما جاز له ذلك مع زوال الاشتباه وارتفاع الضرر ولا يجوز له ذلك مع خوف الضرر وهكذا لو شكي الزوج منها الإضرار وأنها لا تؤدي حقه ولا تلزم منزله ولا تطيعه إلى الفراش وأنكرت ذلك أسكنها الحاكم إلى جنب من يراعيها من أمنائه ليستوفي منها حق الزوج كما استوفي لها حقها من الزوج.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُسْكِنَ امْرَأَتَيْنِ فِي بَيْتٍ إِلَّا أَنْ تَشَاآ.
قال في الحاوي: وهذا كما قال. قال: على الزوج أن يفرد لكل واحدة من نسائه مسكنًا لأن رسول الله ﷺ فعل ذلك في نسائه وكما لا يشتركن في النفقة فكذلك لا يشتركن في المسكن ولأن بين الضرائر تنافسًا وتباغضًا إن اجتمعن خرجن إلى الافتراء والقبح ولأنهن إذا اجتمعن شاهدت كل واحدة منهن خلوة الزوج بضرتها وذلك مكروه. وقد روي عن النبي ﷺ أنه نهى عن الوجس وهو أن يطأ بحيث يسمع حسه فلذلك لزمه أن يفرد لكل واحدة منهن مسكنًا فإن أسكنهن في دار واحدة وأفرد لكل واحدة منهن بيتًا منها وكانت
стр. 4663
إذا دخلت توارت عن ضرائرها جاز إذا كان مثلهن يسكن مثل ذلك ولم يكن لواحدة منهن أن تطالبه بإفراد مسكن وإن كان مثلهن مثل ذلك فأسكنهن في دار واحدة وأفرد كل واحدة منهن بحجرة منها تواريها جاز إذا كان مثلهن يسكن مثل ذلك.
وإن كان مثلهن لا يسكن مثل ذلك لجلالة قدرهن ويسار زوجهن أفرد كل واحدة منهن بدار فسيحة ذات بيوت ومنازل اعتبارًا بالعرف كما يعتبر العرف في كسوتهن ونفقاتهن فلو تراضى جميع نسائه بسكنى منزل واحد يجتمعن فيه جاز كما لو تراضين بالاشتراك في النفقة ولم يكن له أن يخلو بواحدة منهن حذاء ضرائرها فإن غاب أبصارهن جاز وإن علمن بخلوته ولو أراد أن يجمع بين واحدة منهن وبين أمه له سرية لم يجز لأن حفصة رضي الله تعالى عنها أنكرت من رسول الله ﷺ خلوته بمارية في بيتها فاعتذر إليها.
فإذا جمع بين إمائه في مسكن واحد جاز ولم يلزمه أن يفرد لكل واحدة منهن مسكنًا لأنه لا قسم لهن ولا يلزمه الخلوة بهن ولأن ما يجب لهن من النفقة والكسوة والسكنى مواساة بخلاف الزوجات المستحقات لذلك معارضة ألا تراه يملك فاضل نفقات إملائه ولا يملك فاضل نفقات نسائه.
فصل:
ولو كان له زوجتان في بلدين فأقام في بلد إحداهما فإن اعتزلها في بلدها ولم يقم معها في منزلها لم يلزمه المقام في بلد الأخرى لأنه ليس مقامه في بلد الزوجة قسمًا يقضي ولو كان قد أقام معها في منزلها لزمه أن يقضي الأخرى فيقيم ببلدها في منزلها مثل تلك المدة؛ لأن القسم لا يسقط باختلاف البلدان كما لا يسقط باختلاف المحال.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: «وَلَهُ مَنْعُهَا مِنْ شُهُودِ جَنَازَةِ أُمِّهَا وَأَبِيهَا وَوَلَدِها وَمَا أُحِبُّ ذَلِكَ لَهُ».
قال في الحاوي: وهذا صحيح وللزوج منع امرأته من الخروج من منزله؛ لأن دوام استحقاقه للاستمتاع به يمنعها من تفويت ذلك عليه بخروجها ولأن له تحصين مائة بالمنع من الخروج فلو مرض أبوها أو أمها كان له منعها من عيادتهما ولو ماتا كان له منعها من حضور جنازتهما للمعنى الذي ذكرناه وكمن استأجر أجيرًا ليعمل مقدارًا بمدة كان له منعه من الخروج لذلك وقد روى ثابت عن أنس أن رجلًا سافر عن زوجته ونهاها عن الخروج فمرض أبوها فاستأذنت رسول الله ﷺ في عيادته فقال: «اتق الله ولا تخالفي زوجك» ثم مات أبوها فاستأذنته في حضور جنازته فقال: «اتق الله ولا تخالفي زوجك» فأوحى الله تعالى نبيه ﷺ أن الله قد غفر لأبيها بطاعتها لزوجها ولأن في إتباع النساء للجنائز هتكة ينهين عنها.
وروي أن النبي ﷺ خرج مع جنازة إلى البقيع فرأى فاطمة فقال من أين؟ قالت:
стр. 4664
عدت مريضًا لبني فلان. قال: إني ظننتك مع الجنازة ولو كان ذلك ما كلمتك أبدًا.
قال الشافعي: إلا أنني لا أحب له أن يمنعها من عيادة أبيها ثقل ومن حضور مواراته إذا مات لما فيه من نفورها عنه وإغرائها بالعقوق.
فصل:
وله أن يمنعها من حضور المساجد لصلاة وغير صلاة. فإن قيل: فلم يمنعها وقد قال النبي ﷺ : «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله وليخرجن تافلات» فعن ذلك أربعة أجوبة:
أحدها: أنه أراد الخليات من الأزواج اللاتي يملكن تصرف أنفسهن.
والثاني: أنه محمول على المساجد الحج الذي ليس للزوج منعها من فرضه في أحد القولين.
والثالث: أنه مخصوص في زمانه لما وجب من تبليغ الرسالة إليهن ثم زال المعنى فزال التمكين.
والرابع: أنه منسوخ بما وكد من لزوم الحجاب.
وروي أنه ﷺ قال لنسائه حين حج بهن: «هذه ثم ظهور الحصر» وقالت عائشة: لو علم رسول الله ﷺ ما أحدث النساء بعده لمنعهن أشد المنع، والله أعلم.
باب الحال التي يختلف فيها حال النساء
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى في قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لأُمِّ سَلَمَةَ ﵂: «إِنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ عِنْدِكِ وَسَبَّعْتُ عِنْدَهُنَّ وَإِنْ شِئْتِ ثَلَّثْتُ عِنْدَكِ وَدُرْتُ» دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا تَزَوَّجَ البِكْرَ أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُقِيمَ عَنْدَهَا سَبْعًا وَالثَّيِّب ثَلَاثًا وَلَا يَحْتَسِبُ عَلَيْهِ بِهَا نِسَاؤُهُ اللَّاتِي عَنْدَهُ قَبْلَهَا. وَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ لِلْبِكْرِ سَبْعٌ وَلِلثَّيَّبِ ثَلَاثٌ».
قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا استجد الرجل نكاح امرأة وكان له زوجات يقسم بينهن وجب عليه أن يخص المستجدة إن كانت بكرًا بسبع ليال وإن كانت ثيبًا بثلاث ليال يقيم فيهن عندها لا يقضي باقي نسائه ولا تحسب به من قسمها فإذا انقضت شاركتهن حينئذٍ في القسم.
وقال أبو حنيفة: يقيم مع البكر سبعًا ومع الثيب ثلاثًا ويقضي نساءه مدة مقامه معها استدلالًا برواية أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل. قال: وهذا منه ميل إن لم يقض.
стр. 4665
وقال: لأن القسم حق من حقوق النكاح فوجب أن تساوي المستجدة فيه من تقدمها كالنفقة.
قال: ولأنه خص بعض نسائه بمدة فوجب أن يلزمه قضاء مثلها للبواقي قياسًا عليه إذا قام معها بعد مدة الزفاف.
ودليلنا: أن النبي ﷺ لما تزوج أم سلمة دخل بها قال: يا رسول الله أقم عندي سبعًا. فقال لها النبي ﷺ : «ما بك من هوان على أهلك إن شئت سبعت عندك وسبعت عندهن وإن شئت ثلثت عندك ودرت».
روى أيوب عن أبي قلابة عن أنس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «للبكر سبعة أيام وللثيب ثلاثة» ثم يعود إلى نسائه.
فدل على استحقاق هذه المدة من غير قضاء من وجهين:
أحدهما: فرقه فيه بين البكر والثيب.
والثاني: حصره بعدد وما يقضي لا يفترقان فيه ولا ينحصر جريان العادة فيما تختص به المستجدة عرفًا وشرعًا تجعله حكمًا مستحقًا ولأنه لما خصت المستجدة بوليمة العرس إكرامًا وإيناسًا ولم يكن ذلك ميلًا خصت بهذه المدة لهذا المعنى ولأن للمستجدة حشمة لا ترتفع إلا بمكاثرة الاجتماع ومطاولة الإيناس ولذلك وقع الفرق في أن خصت البكر بسبع والثيب بثلاث لأن الثيب لاختيار الرجال أسرع أنسة من البكر التي هي أكثر انقباضًا وأقل اختبارًا.
فأما الجواب عن الخبر فهو أن ذلك ليس بميل لأنه يفعله مع كل زوجة. وأما قياسًا على النفقة فعنه ثلاثة أجوبة:
أحدها: أنه قياس يرفع النصف فكان مطروحًا.
والثاني: أن التساوي في النفقة لا يوجب التساوي في القسم لأن الحرة والأمة يستويان في النفقة ويختلفان في القسم.
والثالث: أن النفقة لما لم تختلف بالحرية والرق لم تختلف في الابتداء والانتهاء ولما اختلف القسم بالحرية والرق اختلف في الابتداء والانتهاء. وأما قياسه على قسم الانتهاء فمنتقض بالتي سافر بها على أنه لما جاز قطع النوبة في قسم الابتداء ولم يجز في قسم الانتهاء دل على الفصل في الاستحقاق بين قسم الابتداء والانتهاء.
فصل:
فإذا ثبت أن البكر مخصوصة بسبع والثيب بثلاث فليس له النقصان منها إلا (برضى)
стр. 4666
المستجدة ولا له الزيادة عليها إلا برضي المتقدمات فإن أقام عند الثيب سبعًا كالبكر ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يقضي ما زاد على الثلاث ولا يقضي الثلاث لأنها مستحقة لها.
والثاني: ذكره أبو حامد الإسفراييني أنه تقضي السبع كلها لقوله ﷺ لأم سلمة: «إن شئت سبعت عندك وعندهن وإن شئت ثلثت عندك ودرت».
فصل:
وإذا استجد نكاح امرأتين لم يجمع بينهما في الدخول كما لا يجمع بين زوجتين في قسم ويبدأ بأسبقهما زفافًا إليه. فإن زف إليه في وقت واحد بدأ بأسبقهما نكاحًا فإن نكحهما في وقت واحد قرع بينهما وبدأ بالقارعة منهما فإن قدم إحداهما من غير قرعة كرهنا ذلك له وأجزأه ثم يدخل بالثانية ويوالي بين الزفافين وليس للمتقدمات من نسائه أن تمنعه من الموالاة بينهما فلو أقام عند هذه يومًا وعند هذه يومًا حتى وفاهما وهما بكران أربعة عشر يومًا فقد أساء وأجزأ لأن الموالاة مستحقة وإن سقطت بالتفرقة كقضاء الديون.
فصل:
وإذا كان له زوجتان وقسم لكل واحدة منهما ليلتين فأقام عند إحداهما بعض زمانها استجد نكاح ثالثة زفت إليه فإن كان ذلك بعد أن انقضت الليلة بكمالها كأنه أقام عند المتقدمة إحدى الليلتين بكمالها وبقيت لها الليلة الأخرى فاستجد نكاح الثالثة قدم قسم المستجدة وقطع قسم المتقدمة لمعنيين:
أحدهما: أن قسم المستجدة مستحق بالعقد وقسم المتقدمة مستحق بالفعل والمستحق بالعقد أوكد.
والثاني: أن قسم المستجدة لا يقضي وقسم المتقدمة يقضي وما لا يلزم قضاؤه أوكد فإذا وفي المستجدة قسمها وفي المتقدمة باقي قسمها وهي ليلة ثم استأنف القسم بين الثلاث وإن كان قد استجدها في تضاعيف الليلة الأولى من قسم المتقدمة ففيه وجهان:
أحدهما: يقطع الليلة عليها ويقسم للمستجدة لما ذكرنا مع المعنيين ثم يقضي للمتقدمة بقية ليلتها الأولى وجميع الليلة الثانية.
الثاني: يكمل تلك الليلة لأنه قد تعين استحقاق المتقدمة بها بالدخول فيها وإن في تبعيض الليلة عليها مباينة لها وانكسارًا لنفسها والفرق بين الليل والنهار أنه لما جاز في النهار أن يخرج من عندها جاز أن يقسم لمن استجد نكاحها ولم لم يجز في الليل أن يخرج من عندها لم يجز أن يقسم فيه لغيرها.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: «وَلَا أُحِبُّ أَنْ يَتَخَلَّفَ عِنْ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ وَلَا شُهُودِ جَنَازَةٍ وَلَا بَرٍّ
стр. 4667
كَانَ يَفْعَلُهُ وَلَا إِجَابَةِ دَعْوَةٍ».
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا كان مع المستجدة في قسم الابتداء لم يجز أن يخرج من عندها لئلا يقسم في المتقدمات في الانتهاء وجاز أن يخرج من عندها نهارًا في أشغاله ومتصرفاته لأن حكم القسمين سواء لكن العادة جارية بأن تكون ملازمته للمستجدة في نهار قسمتها أكثر من المتقدمة ليتعجل بذلك أنسها ويقوى به ميلها لكننا لا نحب له أن يتخلف بها عن حضور صلاة الجمعة وعيادة المرضى وتشييع الجنائز ولا عن بر كان يفعله وإن دعي إلى وليمة أجاب ويختار له في هذا القسم إن كان معتادًا الصيام والتطوع أن يفطر فيه لأنها أيام بعال وقد قال النبي ﷺ في أيام التشريق: «ألا إنها أيام أكل وشرب وبعال فلا تصوموا»، والله أعلم.
باب القسم للنساء إذا حضر سفر
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: «أَخْبَرَنَا عَمِّي مُحَمَّدُ بْنُ عَلَيِّ بْنِ شَافِعٍ أَحْسَبُهُ عَنْ الزُّهْرِي شّكَّ المُزَنِيُّ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا».
قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا كان للرجل أربع زوجات وأراد سفرًا فهو بالخيار بين ثلاثة أحوال:
أحدهما: أن يسافر بجميعهن فله ذاك إذا كان سفره مأمونًا؛ لأن رسول الله ﷺ سافر بجميع نسائه في حجة الوداع، ولأنه يستحق الاستمتاع بهن في السفر كما يستحق في الحضر، فإذا سافر بهن كن على قسمهن في السفر كما كن عليه في الحضر فإذا امتنعت واحدة منهن أن تسافر معه صارت ناشزًا وسقط قسمها ونفقتها؛ إلا أن تكون معذورة بمرض لعجزها عن السفر فلا تعصى، ولها النفقة ولا يلزمه قضاء قسمها؛ لأنه قد بذل ذلك لها فكان الامتناع من جهتها، وإن عذرت فيه بأن كان سفره في معصية وامتنعن من السفر لأجل المعصية لم يكن ذلك عذرًا لهن عن التأخير إذا أمن؛ لأنه ليس يدعوهن إلى معصية وإنما يدعوهن إلى استيفاء حق لا يسقط بالمعصية، فإن أقمن بذلك على امتناعهن نشزن وسقط قسمهن ونفقتهن.
فصل:
والثانية: أن يتركهن في أوطانهن ولا يريد السفر بواحدة منهن فله ذلك؛ لأنه لو اعتزلهن وهو مقيم جاز فإذا اعتزلهن بالسفر كان أولى بالجواز إذا قام بما يجب لهن من الكسوة والنفقة والسكنى فإذا خفن على أنفسهن إذا سافر عنهن لزمه أن يسكنهن في موضع يأمن فيه فإن وجد ذلك في وطنه وإلا نقلهن إلى غيره من المواطن المأمونة فإن أمرهن بعد سفره عنهن أن يخرجن إليه لزمهن الخروج إذا كان السفر مأمونًا ووجدن ذا محرم فإن
стр. 4668
امتنعن نشزن وسقطت نفقاتهن.
فصل:
والثالثة: أنه يريد السفر ببعضهن دون بعض فله ذلك لأن النبي ﷺ قد فعل ذاك في أكثر أسفاره ولأنه لما جاز أن يسافر بجميعهن فأولى أن يسافر ببعضهن. ولما جاز أن يترك جميعهن فأولى أن يترك بعضهن وإذا كان كذلك فليس له أن يتخذ بعضهن للسفر إلا بالقرعة التي تزول بها عنه التهمة لما روته عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها ولأنهن قد تساوين في استحقاق القسم فلم يجز أن يميزهن فيه من غير قرعة كابتداء القسم فإذا أقرع بينهن ليسافر بواحدة منهن فأيتهن قرعت سافر بها على ما سنذكر من صفة القرعة في بابها ولو راضاهن على السفر بواحدة منهن بغير قرعة جاز فإن امتنعن بعد الرضا من تسليم الخروج لتلك إلا بالقرعة كان ذلك لهن إذا لم يشرع في الخروج فإن شرع فيه وسافر حتى جاز له القصر لم يكن لهن ذلك واستقر حتى المتراضي سفرها وتعين ذلك لها ولو أراد الزوج بعض خروجها على المراضاة أن يردها بعد شروعه في السفر جاز لأن له أن يعتزلها في السفر فجاز له ردها من السفر وكذلك الخارجة معه بالقرعة ولو أقرع بينهن فقرعت واحدة منهن فقال الزوج لست أريدها فإن قال ذلك لأنه لا يريد السفر بواحدة منهن جاز وإن قاله مريدًا للسفر بغيرها لم يجز لأنه قسم قد تعين حقها بالقرعة.
فصل:
وإذا سافر بواحدة منهن عن قرعة أو تراضٍ لم يقض للمقيمات مدة سفره مع الخارجة سواء كان في السفر مخالطًا لها أو معتزلًا عنها، لأن عائشة ﵂ لما حكت قرعة رسول الله ﷺ لمن يسافر بها لم تحك بأنه قضى باقي نسائه مثل مدتها ولو فعل لحكته.
وروي أن النبي ﷺ أقرع بين نسائه لبعض أسفاره فخرجت القرعة لعائشة وحفصة رضي الله تعالى عنهما فسافر بهما ولم يقض للباقيات. ولأن المسافرة معه وإن حظيت به فقد عانت من لأواء السفر ومشاقه ما صار في مقابلته كما أن المقيمات وإن أوحشهن فراقه فقد حصل لهن من رفاهة المقام ما في مقابلته فلا يجمع لهن بين القسم والرفاهة التي حرمتها المسافرة.
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: «وَكَذَلِكَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ باثْنَتَيْن أَوْ أَكْثَرَ أَقْرَعَ».
قال في الحاوي: وهذا صحيح يجوز للزوج أن يسافر بواحدة من أربع وباثنين منهن وبثلاث ويخلف واحدة كما جاز له أن يسافر بواحدة ويخلف ثلاثًا لكنه يستعمل القرعة في إخراج الواحدة فإذا قرع اثنان منهن وسافر بهما قسم بينهما في سفره كما كان يقسم بينهما في حضره إلا أن يعتزلهما فيسقط القسم لهما ولا يقضي المقيمين مده سفره بالخارجتين وإن قسم لهما كما لا يقضي مدة سفره بالوحدة فلو سافر بواحدة منهن بالقرعة ثم أراد في
стр. 4669
سفره إخراج واحدة من المقيمات أقرع بينهن ولم يكن لهن أن ينفردن بالقرع لأن فيها حقًا للزوج فلا يبطل حقه من القرعة بانفرادهن بها وأقرع الحاكم بينهن وأخرج من قرعت منهن فإذا وصلت إليه استأنف القسم بينهما وبين المتقدمة معه ولم يقضها مدة سفرها إليه.
فلو تراضى المقيمات بإخراج واحدة منهن بغير قرعة لم يجز لحق الزوج في القرعة فلو حصل معه في السفر اثنتان بالقرعة فأراد رد إحداهنَّ لم يكن له ردها إلا بالقرعة. والله أعلم.
فصل:
وإذا كان له زوجتان فاستجد نكاح زوجتين فصرنا أربعًا وأراد أن يسافر بواحدة منهن وجب عليه أن يقرع بين الأربع فأيتهن قرعت سافر بها ولا يجوز أن تختص بإخراج إحدى الجديدتين وإن كان قسم العقد لها معجلاً فإن خرجت قرعة السفر على إحدى المتقدمين فسافر بها بالقرعة ثم الثانية بعدها، فإذا أوفاها حق العقد استأنف قسم المماثلة بين جماعتين ولو خرجت قرعة السفر على إحدى المستجدتين فسافر بها سقط حقها من قسم العقد؛ لأن مقصود التفرد بها للألفة والاستمتاع وقد حصل لها ذلك بالسفر معه من غير تقدير مدة.
فعلى هذا لو قدم قبل سبع وهي بكر لم يلزمه لها تمام السبع لأنه لو لزمه إتمام سبع إذا عاد قبلها لمنعت الزيادة إذا طال سفرها ثم إذا قدم فهل يسقط حق المستجدة المقيمة من قسم العقد أم لا على وجهين:
أحدهما: قد سقط حقها من ذلك ويقسم لها مع الجماعة قسم المماثلة لأن المنكوحة معها قد سقط حقها من قسم العقد بالسفر فلم يجز أن يخصها بقسم العقد لما فيه من التفضيل.
والثاني: وهو أصح لها عليه قسمه العقد فتقدمها به قبل قسم المماثلة لأنه حق لها توفاه وقد صار إلى المسافرة من قسم السفر ما يقوم مقام قسم العقد، والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: «وَإِنْ خَرَجَ بِوَاحِدَةٍ بِغَيْرِ قُرْعَةٍ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَقْسِمَ لِمَنْ بَقِيَ بِقَدْرِ وَاحِدَةٍ إِلَّا أَوْفي البَوَاقِي مِثْلَ مُقَامِهِ مَعَهَا مَغِيبِهِ مَعَ الَّتِي خَرَجَ بِهَا وَلَوْ أَرَادَ السَّفَرَ لِنَقْلِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَنْقِلَ».
قال في الحاوي: قد ذكرنا أنه إذا أراد السفر بواحدة منهن أن عليه أن يقرع بينهن فمن قرعت سافر بها لم يقض المقيمات مدة سفره معها فأما إن سافر بواحدة من غير قرعة فعليه أن يقضي المقيمات مدة غيبته معها وقال أبو حنيفة: لا يقضي استدلالاً بأن القسم
стр. 4670
يسقط عن المسافر ولو وجب عليه القضاء إذا لم يقرع لوجب عليه إذا أقرع كالحضر.
ودليلنا: أن النبي ﷺ أقرع بين نسائه فلو سقط القضاء في الحالين لم يكن للقرعة معنى ولنه افترق وجود القرعة وعدمها في الإباحة افتراقا في القضاء ولأنه خص إحدى نسائه بمدة يلحقه فيها التهمة فوجب به القضاء كالمقيمة وليس لما ادعاه من سقوط القسم عن المسافر ولأنه لو سافر باثنتين لزمه القسم لهما ولو سقط عنه بالسفر لم يلزمه فإذا ثبت وجوب القضاء عليه فوجوبه يكون بمخالطته للمسافرة وحلولها معه في سفره حيث يحل.
فأما إذا اعتزلها في سفره وأفردها بخيمة غير خيمته وفي مسكن إذا دخل بلدًا غير سكنه فلا قضاء عليه ولا يكون قربه منها في السفر قسمًا يقضي كما لا يكون قربها في الحضر قسمًا مؤدى فلو خالطها شهرًا قضى مخالطتها ولم يقض شهر اعتزالها فإن اختلفوا في المقام والاعتزال فالقول قول الزوج مع يمينه.
فصل:
ولو سافر بإحدى نسائه بالقرعة إلى بلد قريب ثم سافر منه إلى بلد هو أبعد منه أو على أن مدة سفره شهر فصار أكثر منه جاز ولا قضاء عليه لأنه سفر واحد قد أقرع فيه وليس ينحصر السفر بمدة ومسافة لأنه عوارض السفر.
فصل:
ولو تزوج على التي سافر بها زوجة أخرى في سفره خصها بقسم العقد لأن معها غيرها ثم استأنف لها قسم المماثلة بينها وبين المسافرة ولا يقضي الباقيات كان سفره بالواحدة بقرعة، ويقضيهن إن سافر بها بغير قرعة.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: «وَلَوْ خَرَجَ بِهَا مُسَافِرًا بِقُرْعَةٍ ثُمَّ أَزْمَعَ المُقَامَ لِنَقْلَةٍ احْتُسِبَ عَلَيْهَا مُقَامُهُ بَعْدَ الإِزْمَاعِ».
قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا سافر بواحدة منهن بالقرعة سفر حاجة ثم صار إلى بلد فنوى المقام فيه فهذا على ضربين:
أحدهما: أن ينوي المقام فيه مستوطنًا له فعليه أن يقضي الباقيات مدة مقامه معها بعد نيته إلا أن يعتزلها لأنه بالاستيطان قد خرج من حكم السفر.
والثاني: أن ينوي المقام مدة مقدرة يلزمه لها إتمام الصلاة ثم يعود من غير استيطان كأنه نوى مقام أربعة أيام فما زاد إلى مدة قدرها ثم يعود إلى وطنه ففي وجوب قضائه لتلك المدة وجهان:
أحدهما: لا يلزمه القضاء لأنه وإن كان مقيمًا فهو غير مستوطن.
стр. 4671
والثاني: يلزمه القضاء لأنه مقيم فأشبه المستوطن وهذان الوجهان من اختلاف أصحابنا هل ينعقد به الجمعة أم لا؟ فأحد الوجهين: أن الجمعة لا تنعقد به وإن وجبت عليه فعلى هذا لا يلزمه قضاء القسم لأنه بالمسافر أخص.
والثاني: أن الجمعة تنعقد به كما تجب عليه، فعلى هذا يلزمه قضاء القسم لأنه بالمقيم أخص فإذا قيل: لا قضاء عليه، فلا مقال. وإذا قيل: عليه القضاء فعليه أن يقضي مدة المقام وفي قضاء مدة المقام وفي قضاء مدة العود وجهان:
أحدهما: يقضيه إلحاقًا بما تقدمه.
والثاني: لا يقضيه لمعاناة السفر فيه كالسفر في التوجه، والله أعلم.
باب نشوز المرأة على الرجل
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: قَالَ الله ﵎ ﴿واللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤] قّالَ فِي ذَلكَ دَلاَلَةٌ عَلَى اخْتِلَافِ حَالِ المَرْأَةِ فِيمَا تُعَاتَب فِيهِ وَتُعَاقَب عَلَيْهِ فَإِذَا رَأَى مِنْهَا دَلَالَةً عَلَى الخَوْفِ مِنْ فِعْلٍ أَوْ قَوْلٍ وَعَظَهَا فَإِنْ أَبْدَتْ نُشُزًا هَجَرَهَا فَإِنْ أَقَامَتْ عَلَيْهِ ضَرَبَهَا وَقَدْ يُحْتَمَلُ ﴿تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤] إِذَا نَشَزْنَ فَخِفْتُمْ لَجَاجَتَهُنَّ فِي النُّشُوزِ يَكُونُ لَكُمْ جَمْعُ العِظَةِ وَالهَجْرِ وَالضَّربِ. وَقَالَ ﵇: «لَا تَضْرِبُوا إمَاءَ اللهِ» قَالَ: فَأَتَاهُ عُمَرُ ﵁ فَقَالَ: يَا رَسُلَ اللهِ ذَئِرَ النِّسَاءُ عَلَىِ أَزْوَاجِهِنَّ فَأَذَنَ فِي ضَرْبِهِنَّ فَأَطَاف بآلِ مُحَمدٍ نِسَاءٌ كَثِرٌ، كُلُّهُنَّ يَشْتَكِينَ أَزْوَجَهُنَّ فَقَالَ ﷺ : «لَقَدْ أَطَافَ بِآلِ مُحَمَّدٍ سَبْعُونَ امْرَأَة كُلُّهُنَّ يَشْتَكِينَ أَزْوَجَهُنَّ فَلَا تَجِدُونَ أُولَئِكَ خِيَارُكُمْ» وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﵇ قَبْلَ نُزُولُ الآيةِ بِضَرْبِهِنَّ ثُمَّ أَذِنَ فَجَعَلَ لَهُمُ الضَّرْبَ فَأَخْبَرَ أَنَّ الاخْتِيَارَ تَرْكُ الضَّرْبِ».
قال الحاوي: أما نشوز المرأة على زوجها فهو امتناعها عليه إذا دعاها إلى فراشه مأخوذ من الارتفاع ولذلك قيل للمكان المرتفع نشز فسميت الممتنعة على زوجها ناشزًا لارتفاعها عنه وامتناعها منه ولا يخلو حال النشوز بين الزوجين من أربعة أقسام:
أحدها: أن يكون النشوز من الزوج على الزوجة والأصل فيه قول الله تعالى: ﴿وإنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا والصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨].
وقد مضى الكلام فيما يلزمه بنشوزه عنه وما لا يلزمه فإن الذي يؤخذ به جبرًا في نشوزه النفقة والكسوة والسكنى والقسم الذي يندب إليه استحبابًا أن لا يهجر مباشرتها ولا يظهر كراهيتها ولا يسيء عشرتها.
والثاني: أن يكون النشوز من الزوجة على الزوج والأصل في بيان حكمه قول الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وبِمَا أَنفَقُوا مِنْ
стр. 4672
أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤] يعني أن الرجال أهل قيام على نسائهم في تأديبهن والأخذ على أيديهن فما يجب لله تعالى وللرجال عليهن وقوله: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٤] يعني بما فضل الله تعالى له الرجال على النساء من العقل والرأي وبما أنفقوا من أموالهم من المهور والقيام بالكفاية ثم قال: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٣٤] يعني فالصالحات المستقيمات الدين العاملات بالخير ويعني بالقانتات المطيعات لله تعالى ولأزواجهن وحافظات للغيب أي لأنفسهن عند غيبة أزواجهن ولما أوجبه من حقوقهم عليهن وفي قوله: ﴿بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٣٤] تأويلان:
أحدهما: يعني بحفظ الله تعالى لهن حتى صرن كذلك وهو قول عطاء.
والثاني: بما أوجبه الله تعالى على أزواجهن من مهورهن ونفقاتهن حتى صرن بها محفوظات وهو قول الزجاج.
وقد روى ابن المبارك عن سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :» خير النساء امرأة نظرت إليها سرتك وإذا أمرتها أطاعتك وإذا غبت عنها حفظتك في مالها ونفسها ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤] إلى آخر الآية.
ثم قال تعالى: ﴿واللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ واهْجُرُوهُنَّ فِي المَضَاجِعِ واضْرِبُوهُنَّ فَإنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً﴾ [النساء: ٣٤] فأباح الله تعالى معاقبتها على النشوز بثلاث أشياء بالعظة والضرب والهجر ثم قال: ﴿فَإنْ أَطَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٣٤] يعني في الإقلاع عن النشوز ﴿فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً﴾ [النساء: ٣٤] فيه تأويلان:
أحدهما: فلا تقابلوهن بالنشوز عنهن.
والثاني: أن لا تكلفها مع الطاعة أن تحبك.
وأما القسم الثالث: من النشوز فهو أن يشكل حال الزوجين فيه فلا يعلم أيهما هو الناشز على صاحبه فهو الذي ذكرنا فيه أن الحاكم يسكنها في جوار أمينه ليراعيهما ويعلم الناشز منهما فيستوفي منه حق صاحبه أو ينهيه إلى الحاكم حتى يستوفيه.
والقسم الرابع: أن يكون النشوز في كل واحد من الزوجين على الآخر فهو الذي أنزل الله تعالى فيه: ﴿وإنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ [النساء: ٣٥] وسيأتي في الباب الآتي.
فإذا تقررت هذه الجملة فهذا الباب مقصور على نشوز الزوجة ولا يخلو حالها من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يخاف نشوزها بأمارات دالة عليه من غير إظهار له مثل أن يكون عادتها أن تلبي دعوته وتسرع إجابته وتظهر كرامته فتعدل عن ذلك فلا تلبي له دعوة ولا تسرع له إجابة ولا تظهر له كرامة ولا تلقاه إلا محبة ولا تجيبه إلا متبرمة لكنها مطيعة له في
стр. 4673
الفراش فهذا من أسباب النشوز وإن لم يكن نشوزًا.
والثاني: أن يظهر منها ابتداء النشوز الصريح من غير إضرار عليه ولا مداومة له.
والثالث: أن تصر على النشوز الصريح وتداومه وإذا كان لها في النشوز ثلاثة أحوال فقد جعل الله تعالى عقوبتها عليه بثلاثة أحكام: وقد اختلف قول الشافعي في العقوبات الثلاث هل ترتب على الأحوال الثلاثة أم لا؟ على قولين:
أحدهما: وهو المنصوص عليه في الجديد أن العقوبات مترتبات على أحوالها الثلاث ويكون الترتيب مضمنًا في الآية ويكون معناها إن خاف نشوزها وعظها فإن أبدت النشوز هجرها فإن أقامت على النشوز ضربها ويكون هذا الإضمار في ترتيبها كالمضمر في قوله تعالى: ﴿إنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ﴾ [المَائدة: ٣٣] وإن معناها المضمر فيها: أن يقتلوا إن قتلوا أو يصلبوا إن قتلوا وأخذوا المال أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلال إن أخذوا المال ولم يقتلوا كذلك آية النشوز، لأن العقوبات المختلفة يجب أن تكون في ذنوب مختلفة ولا تكون كبائر العقوبات لصغائر الذنوب ولا صغائر العقوبات لكبائر الذنوب فأوجب اختلاف العقوبات أن تكون على اختلاف الذنوب.
والثاني: قاله في القديم وذكر احتماله في هذا الموضع أن العقوبات الثلاث مستحقة في حالين اختلف أصحابنا في كيفيتها على وجهين:
أحدهما: وهو قول البصريين أنه إذا خاف نشوزها وعظها وهجرها فإذا أبدت النشوز ضربها وكذلك إذا أقامت عليه.
والثاني: وهو قول البغداديين أنه إذا خاف نشوزها وعظها فإذا أبدت النشوز هجرها وضربها وكذلك إذا أقامت عليه ووجه هذا القول أن العقوبة هي الضرب وما تقدمه من العظة والهجر إنذار والعقوبة تكون بالإقدام على الذنوب لا بمداومته ألا ترى أن سائر الحدود تجب بالإقدام على الذنوب لا بمداومتها فكذلك ضرب النشوز مستحق على إبدائه دون ملازمته فصار تحريم المذهب في ذلك أن له عند خوف النشوز أن يعظها وهل له أن يهجرها أم لا؟ على وجهين وله عند إبداء النشوز أن يعظها ويهجرها وهل له أن يضربها أم لا؟ على قولين: وله عند مقامها على النشوز أن يعظها ويهجرها ويضربها.
فصل
فإذا تقرر ما وصفنا انتقل الكلام إلى صفة العظة والهجر والضرب أما العظة فهو أن يخوفها بالله تعالى وبنفسه فتخويفها بالله أن يقول لها: اتق الله وخافيه وأخشي سخطه واحذري عقابه فإن التخويف بالله تعالى من أبلغ الزواجر في ذوي الدين وتخويفها من نفسه أن يقول لها: إن الله تعالى قد أوجب لي عليك حقًا إن منعتيه أباحني ضربك وأسقط عني حقك فلا تضري نفسك بما أقابلك على نشوزك إن نشزت بالضرب المؤلم وقطع النفقة الدارة فإن تعجيل الوعيد أزجر لمن قلت مراقبته. وهذه العظة وإن كانت على خوف
стр. 4674
نشوز لم يتحقق فليس يضاره لأنه إن كانت الأمارات التي ظهرت منها لنشوز تبديه كفها عنه ومنعها منه وإن كان لغيره من هم طرأ عليها أو لفترة حدثت منها لسهو لحقها لم يضرها أن تعلم ما حكم الله تعالى به في النشوز وأما الهجر نوعان:
أحدهما: في الفعل.
والثاني: في الكلام.
فأما الهجر في الفعل فهو المراد بالآية وهو الإعراض عنها وأن لا يضاجعها في فراش أو يوليها ظهره فيه أو يعتزلها في بيت غيره. أما هجر الكلام فهو الامتناع من كلامها.
قال الشافعي: لا أرى به أساسًا فكأنه يرى أن الآية وإن لم يضمنه فهو من إحدى الزواجر إلا هجر الفعل يجوز أن يستدعيه الزوج بحسب ما يراه صلاحًا.
فأما هجر الكلام فلا يجوز أن يستديمه أكثر من ثلاثة ايام لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث والسابق أسبقهما إلى الجنة».
وأما الضرب فهو ضرب التأديب والاستصلاح وهو كضرب التعزير لا يجوز أن يبلغ به أدنى الحدود ويتوقى بالضرب أربعة أشياء: أن يقتل أو يزمن أو يدمي أو يشين.
قال الشافعي: «ولا يضربها ضربًا مبرحًا ولا مدميًا ولا مزمنًا ويقي الوجه» فالمبرح القاتل، والمدمي إنهار الدم، والمزمن تعطيل إحدى أعضائها وضرب الوجه يشينها ويقبح صورها.
وقد روى ابن المبارك عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: قلت: يا رسول الله نساؤنا ما تأتي منهن وما نذر قال: حرثك، فأت حرثك أن شئت غير أن تضرب الوجه ولا تقبح ولا تهجر إلا في البيت وأطعم إذا أطعمت واكس إذا اكتسيت كيف وقد أفضى بعضكم إلى بعض. وروى بشر عن عكرمة قال: قال رسول الله ﷺ : اضربوهن إذا عصينكم في المعروف ضربًا غير مبرح وإذا كان كذلك توقى شدة الضرب وتوقى ضرب الوجه وتوقى المواضع القاتلة من البدن كالفؤاد والخاصرة وتوقى أن توالي الضرب موضعًا فينهمر الدم فإن ضربها فماتت من الضرب نظر فإن كان مثله قاتلًا فهو قاتل عمد وعليه القود وإن كان مثله يقتل فهو خطأ شبه العمد فعليه الدية مغلظة يتحملها عند العاقلة وعليه الكفارة في الحالين وبان بإفضاء الضرب إلى القتل أنه كان غير مباح كما تقوله في التعزيز وضرب المعلم الصبيان.
فصل:
فأما ما ورد من السنة في إباحة الضرب وحظره فقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: «لا
стр. 4675
تضربوا إماء الله» فنهى عن ضربهن وهذا مخالف للآية في إباحة الضرب.
وروي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: «كنا معاشر قريش يغلب رجالنا نساءنا وكان الرجل منا بمكة معه هراوة إذا ترمرمت عليه امرأته هراها بها فقدمنا هذين الحيين: الأوس والخزرج فوجدنا رجالًا مغانم لنسائهم يغلب نساؤها رجالهم فاختلط نساؤنا بنسائهم فذئرن فقلت: يا رسول الله ذئر النساء على أزواجهن فأذن في ضربهن، فقال رسول الله ﷺ «فاضربوهن» قال: فضرب الناس نساءهم تلك الليلة قال: فأتى نساء كثير يشتكين الضرب فقال النبي ﷺ : لقد أطاف بآل محمد الليلة سبعون امرأة كلهن يشتكين أزواجهن ولا تجدون أولئك خياركم» وفي قول عمر ذئر النساء على أزواجهن تأويلان:
أحدهما: أنه البطر والأشرة.
والثاني: أنه البذاء والاستطابة. قال الشاعر:
ولمَّا أَتانِي عَنْ تَمِيمٍ أَنَّهُمْ ذَئِروا لِقَتْلَى عَامِرٍ وَتَغَضَّبوا
وهذا الخبر مخالف للخبر المتقدم وإن كان موافقًا للآية.
فإن قيل: فكيف يترتب هذان الخبران مع الآية وليس بصحيح على مذهب الشافعي أن يفسخ القرآن السنة فلأصحابنا في ذلك ثلاثة أوجه:
أحدها: أن ما جاءت به الآية والخبر من إباحة الضرب فوارد في النشوز وما ورد به الخبر الآخر من النهي عن الضرب ففي غير النشوز فأباح الضرب مع وجود سببه ونهى عنه مع ارتفاع سببه وهذا متفق لا يعارض بعضه بعضًا.
والثاني: أنه أباح الضرب جوازًا ونهى عنه اختيارًا فيكون الضرب وإن كان مباحًا بالإذن فيه فتركه أولى للنهي عنه ولا يكون ذلك متنافيًا ولا ناسخًا ومنسوخًا.
والثالث: أن خبر النهي عن الضرب منسوخ بخبر عمر الوارد بإباحته ثم جاءت الآية مبينة لسبب الإباحة فكانت السنة فكانت السنة ناسخة للسنة والكتاب مبينًا ولم ينسخ الكتاب السنة، والله أعلم.
باب الحكم في الشقاق بين الزوجين
قَال الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: «فَلَمَّا أَمَرَ اللهُ تَعَالَى فِيمَا خِفْنَا الشِّقَاقَ بَيْنَهْمَا
стр. 4676
بِالحَكَمَينِ دلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ حُكْمَهُمَا غَيْرُ الأّزْوَاج فَإِذَا اشْتَبَهَ حَالَاهُمَا فَلَمْ يَفْعَلِ الرَّجُلُ الصُّلْحَ وَلا الفُرْقَةَ وَلَا المَرْأَةُ تَادِيَةَ الحَقِّ وَلَا الفِدْيَةَ وَصَارَا مِنَ القَوْلِ وَالفِعْلِ إِلَى مَا لَا يَحِلُّ لَهُمَا وَلَا يَحْسُنُ وَتَمَادَيَا بَعَثَ الإِمَامُ حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا مَامُونَيْنِ بِرِضَا الرَّوْجَيْنِ وَتَوْكِيلِهِمَا إِيَّاهُمَا بِأَنْ يَجْمَعَا أَوْ يُفَرِّقَا إَذَا رَأَيَا ذَلِكَ. وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁: ابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا، ثُمَّ قَالَ لِلْحَكَمَيْنِ: هَلْ تَدْرِيَانِ مَا عَلَيْكُمَا؟ عَلَيْكُمَا أَنْ تَجْمَعَا إِنْ رَأَيْتُمَا أَنْ تَجْمَعَا وَأَنْ تُفَرِّقَا إِنْ رَأَيْتُمَا أَنْ تُفَرِّقَا. فَقَالَتِ المَرْأَةُ: رَضِيتُ بِكِتَابِ اللهِ بِمَا عَلَيَّ فِيهِ ولِي، فَقَالَ الرَّجُلُ أَمَّا الفُرْقَةُ فَلَا، فَقَالَ عَليٌّ: كَذَبْتَ وَاللهِ حَتَّى يُقِرَّ بِمِثْلِ الَّذِي أَقَرَّتْ بِهِ. فَدَلَّ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لِلْحَاكِمِ إِلَّا بِرِضَا الزَّوْجَيْنِ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لَبَعَثَ بِغَيْرِ رِضَاهِمَا».
قال في الحاوي: وهذا الباب يشتمل على الحكم في نشوز الزوجين وهو الشقاق وفي تسميته شقاقًا تأويلات:
أحدهما: لأن كل واحد منهما قد فعل ما شق على صاحبه.
والثاني: لأن كل واحد منهما قد صار في شق بالعداوة والمباينة.
والأصل في ذلك قول الله تعالى: ﴿وإنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إن يُرِيدَا إصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النّسَاء: ٣٥] فإذا شاق الزوجان وشقاقهما يكون من جهة الزوجة بنشوزها عنه وترك لزومها لحقه ويكون من جهة الزوج بعدوله عن إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان فهذا على ضربين:
أحدهما: أن لا يكونا قد خرجا في المشاقة إلى قبح من فعل كالضرب ولا إلى قبيح من قول كالنسب فإن الحاكم ينصب لهما أمينًا بأجرة بالإصلاح بينهما وأن يستطيب نفس كل واحد منهما لصاحبه من عفو أو هبة فإن سودة لما همّ رسول الله ﷺ بطلاقها استعطفته بأن وهبت يومها لعائشة ﵂ لعلمها بشدة ميله إليها فعطف لها وأمسكها فنزل فيه قول الله تعالى: ﴿وإنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا والصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النِّسَاء: ١٢٨].
والثاني: أن يكون الشقاق قد أخرجهما إلى قبيح الفعل فتضاربا وإلى قبيح القول فتشاتما، وهو معنى قول الشافعي وصارا من القول والفعل إلى ما لا يحل لهما ولا يحسن فهي الحال التي قال الله تعالى فيها: ﴿وإنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إن يُرِيدَا إصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النّسِاء: ٣٥] فيجب على الحاكم إذا ترافعا إليه فيها أن يختار من أهل الزوج حكمًا مرضيًا ومن أهلها حكمًا مرضيًا فإن جعل الحاكم إلى الحكمين الإصلاح بين الزوجين دون الفرقة جاز بل لو فعله الحاكم مبتدئًا قبل ترافع الزوجين إليه أو فعله الحكماء من قبل أنفسهما من غير إذن الحاكم لهما جاز قال الله تعالى ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النِّساء: ١١٤] وإن أراد الحاكم أن يرد إلى الحكمين الإصلاح إن رأياه أولى والفرقة إن رأياها أصلح أو الخلع إن رأياه أنجح فهل يصح ذلك من الحكمين بإذن
стр. 4677
الحاكم من غير توكيل الزوجين أم لا يصح إلا بتوكيلهما على قولين:
أحدهما: يصح ذلك من الحكمين بإذن الحاكم من غير توكيل الزوجين نص عليه الشافعي في كتاب الطلاق من أحكام القرآن وبه قال مالك ودليله قوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إن يُرِيدَا إصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النِّسَاء: ٣٥] فكان الدليل من ثلاثة أوجه:
أحدهما: أنه خطاب توجه إلى الحاكم فاقتضى أن يكون ما يضمنه من إنفاذ الحكمين من جهة الحاكم دون الزوجين.
والثاني: قوله: ﴿إن يُرِيدَا إصْلاحًا﴾ [النّسَاء: ٣٥] راجع إلى الحكمين فدل على أن الإدارة لهما دون الزوجين.
والثالث: أن إطلاق اسم الحكمين عليهما لنفوذ الحكم جبرًا منهما كالحاكم فلم يفتقر ذلك إلى توكيل الزوجين.
وروي أنه شجر بين عقيل بن أبي طالب وبين زوجته فاطمة بنت عتبة بن ربيعة خصومة تنافرا فيها وكان سببها أن فاطمة كانت ذات مال تدل بمالها على عقيل وتكثر إذكاره بمن قتل يوم بدر من أهلها فتقول له: ما فعل عتبة ما فعل الوليد وما فعل شيبة وعقيل يعرض عنها إلى أن دخل ذات يوم ضجرًا فقالت له: ما فعل عتبة والوليد وشيبة؟ فقال لها: إن دخلت النار فعلى يسارك فجمعت رحلها وبلغ ذلك عثمان فقرأ قوله تعالى: ﴿وإنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا﴾ [النِّسَاء: ٣٥] فاختار من أهل عقيل: عبد الله بن عباس ومن أهل فاطمة: معاوية بن أبي سفيان وقال: عليكما أن تجمعا إن رأيتما أو تفرقا إن رأيتما.
فقال عبد الله بن عباس والله لأحرص على الفرقة بينهما.
فقال معاوية: والله لا فرقت بين شيخين من قريش فمضيا إليهما وقد اصطلحا. فدل هذا القول منهما على أن الحكمين يملكان الفرقة إن رأياها وذلك بمشهد من عثمان رضي الله تعالى عنه وقد حضره من الصحابة من حضر فلم ينكره ولأن للحاكم مدخلًا في إيقاع الفرقة بين الزوجين بالعيون والعنة وفي الإيلاء فجاز أن يملك بها تفويض ذلك إلى الحكمين.
والثاني: أنه لا يصح من الحكمين إيقاع الفرقة والخلع إلا بتوكيل الزوجين ولا يملك الحاكم الإذن لهما فيه نص عليه الشافعي في كتاب الأم والإملاء وبه قال أبو حنيفة لقول الله تعالى: ﴿إن يُرِيدَا إصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النِّسَاء: ٣٥] فدل على أن المردود إلى الحكمين الإصلاح دون الفرقة.
ولما روى ابن عون عن ابن سيرين عن عبيد الله السلماني قال: جاء رجل وامرأة إلى علي ﵁ مع كل واحد منهما قيام من الناس يعني جمعًا فتلا الآية. وبعث إلى الحكمين وقال: رويدكما حتى أعلمكما ماذا عليكما إن رأيتما أن تجمعا جمعتكما وإن رأيتما
стр. 4678
أن تفرقا فرقتكما ثم أقبل على المرأة وقال: أقد رضيت بما حكما؟ قالت: نعم رضيت بكتاب الله عليَّ، ثم أقبل على الرجل فقال: قد رضيت بما حكما فقال: لا، ولكن أرضى أن تجمعا ولا أرضى أن تفرقا، فقال له علي: كذبت والله لا تبرح حتى ترضى بمثل الذي رضيت.
فموضع الدليل من هذا الخبر أنه لو ملك الحكمان ذلك بغير توكيل الزوجين لم يكن لرجوع علي عنه إلى رضي الزوج وجه ولكان بإذن الحكمين فيه وإن امتنع.
فإن قيل: فما معنى قوله كذبت والله حتى ترضى بمثل الذي رضيت وكيف يكون امتناعه من الرضى كذبًا فعنه جوابان:
أحدهما: يجوز أن يكون تقدم من الرضى ثم أنكره فصار كذبًا وزال بالإنكار ما تقدم من التوكيل.
والثاني: أن قوله كذبت بمعنى أخطأت وقد يعبر عن الخطأ بالكذب لأنه بخلاف الحق ومنه قول الشاعر:
كَذَبَتْكَ عَيْنُكَ أَمْ رَأَيْتَ بِوَاسِطٍ غَلَسَ الظَّلَامِ مِنَ الرَّبَابِ خَيَالَا
يعني أخطأتك عينك ويدل على ما ذكرنا أن الله تعالى لم يجعل الطلاق إلا إلى الأزواج فلم يجز أن يملكه غيرهم ولأن الحاكم لا يملك إيقاع الطلاق والخلع بين الزوجين إلا عن رضاهما فلأن لا يملكه الحكمان من قبله أولى.
فصل:
فإذا تقرر توجيه القولين كان الحكمان على القول الأول حاكمين وعلى القول الثاني وكيلين ولا بد من اعتبار شروط صحته تحكيمهما وهي تنقسم ثلاثة أقسام:
قسم يجب اعتباره فيهما.
وقسم يستحب اعتباره فيهما.
وقسم يختلف باختلاف القول فيهما.
فأما ما يجب اعتباره فيهما من الشروط فثلاثة:
أحدهما: أن يكونا رجلين فإن كانا أو أحدهما امرأة لم يجز.
والثاني: أن يكونا حرين فإن كانا أو أحدهما عبدًا لم يجز.
والثالث: أن يكون عدلين فإن كانا أو أحدهما غير عدل لم يجز.
стр. 4679
وإنما اعتبرنا هذه الشروط الثلاثة على القولين معًا لأنهما إن كانا حاكمين فلا بد من اعتبار هذه الشروط في الحاكم وإن كانا وكيلين فقد اقترن بوكلتهما ولاية اختيار الحاكم لهما ولا يصح فيمن رد الحكم إليه نظر إلا أن يكون بهذه الصفات ألا ترى أن الحاكم لو أراد أن يرد النظر في مال يتيم إلى عبد أو فاسق لم يجز وإن جاز أن يكون وكيلًا.
وأما ما يستحب اعتباره فهو أن يكون الحكمان من أهل الزوجين لقوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا﴾ [النِّساء: ٣٥] ولأن الأول أخص بطلب الحظ من الأجانب ولأن الأنس بالأهل والاستجابة لهم وشرح الحال معهم أكثر من الأجانب فلهذه الأمور اخترنا أن يكون الحكمان من أهل الزوجين فإن كانا أجنبيين جاز لأنه إن جرى التحكيم مجرى الحاكم فحكم الأجنبي نافذ وإن جرى مجرى الوكالة فوكالة الأجنبي جائزة ولأنه قد لا يكون لواحد من الزوجين أهل ولا أنه كانوا حضروا ولا إن حضروا كانوا عدولاً فدعت الضرورة إلى جواز تحكيم غير الأهل.
وأما ما يختلف باختلاف القول فيهما فهو أن يكونا فقيهين من أهل الاجتهاد في الأحكام.
فإن قلنا: إنهما يجريان مجرى الحاكمين فلا بد أن يكونا من أهل الاجتهاد فإن لم يكونا من أهله لم يجز؛ لأنه حكم فلم ينفذ إلا من مجتهد. وإن قلنا: إنهما يجريان مجرى الوكيلين جاز أن يكونا من أهل الاجتهاد؛ لأن وكالة العامة جائزة فإن عدل الحاكم عن أهلها إلى أجنبيين اختار لكل واحد منهما حكمًا يثق به ويأنس إليه ولا يجوز أن يحكم عليهما عدويين للتهمة اللاحقة بهما.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: «وَلَوْ فَوَّضَا مَعَ الخُلْعِ وَالفُرْقَةِ إِلَى الحَكَمَيْنِ الأَخْذَ لِكُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ كَانَ عَلى الحَكَمَيْنِ الاجْتِهَادُ فِيمَا يَرَيَانِهِ أَنَّهُ صَلَاحٌ لَهُمَا بَعْدَ مَعْرِفَةِ اخْتِلَافِهِمَا».
قال في الحاوي: والكلام في هذه المسألة يشتمل على فصلين:
أحدهما: على ما يتم به ولاية الحكمين.
والثاني: ما يجوز أن يفعله الحكمان وما لا يجوز لهما فعله.
فأما الأول فيما يتم به ولاية الحكمين فهو معتبر باختلاف القولين فيهما. فإن قلنا: إنهما حكمان تمت ولايتهما بتقليد الحاكم لهما ولا يعتبر فيهما إذن الزوجين ولا رضاهما لكان لا بد للحاكم أن يعين كل واحد من الحكمين أن يكون مختصًا بأحد الزوجين فإن لم يعينه لم يجز لأن كل واحد منهما ينوب عن أحد الزوجين في استيفاء حقه من الآخر والنظر في مصلحته، ثم يرد إليهما ما رأياه صلاحًا من إصلاح أو طلاق أو خلع، فإن
стр. 4680
أراد بعد تحكيمها أن يستبدل بهما غيرها، فإن كان لتغير حالهما أو لوجود من هو أولى منهما جاز، وإن لم يكن لتغير حال ولا لوجود من هو أولى لم يجز ولو اعتزل الحكمان جاز وما يستحب ذلك لهما إلا أن يكون لعجز منهما أو لاشتباه الأصلح عليهما، وليس لهما بعد عزل أو اعتزلا أن يحكما عليهما بشيء، فإن حكما لم ينفذ حكمهما وإن قلت إن الحكمين وكيلان لم يتم ولايتهما إلا بتوكيل الزوجين إلى إذن الحاكم، وإنما افتقرا مع توكيل الزوجين إلى إذن الحاكم لهما، لأن له مع الوكالة ولاية لا تصح إلا بالحاكم وإذا كان كذلك احتاج كل واحد من الزوجين أن ينفرد بتوكيل الحكم الذي ينوب عنه فيأذن الزوج لحكمه في الطلاق وعدده وفي الخلع ومقداره ولا يكتفي في الإذن بالطلاق عن الإذن في الخلع لأن الخلع يسقط الرجعة فلا يفعل ذلك إلا بإذن مستحقيها وتأذن الزوجة لحكمها أن يخالع عنها من مالها بما تقدره له أو تعينه ثم يأذن الحاكم للحكمين بعد توكيل الزوجين في فعل ما وكلا فيه وإمضائه فيكون التوكيل من الزوجين والولاية من الحاكم.
فصل:
وأما ما يستحق على الحكمين فعله فهو الاجتماع على فعل الأصلح للزوجين فإن كان الأصلح لهما الإصلاح بينهما فليس لهما أن يعدلا عن الإصلاح إلى طلاق أو خلع فإن طلقا أو خالعا لم يجز وكان مردودًا وإن كان الأصلح لهما الطلاق من غير خلع اتفقا عليه تفرد حكم الزوج بإيقاعه ولم يجز أن يخالعا وإن كان الأصلح لهما الخلع اجتمعا على عقد الخلع بعد اتفاقهما على عدد الطلاق وقدر العوض وتفرد حكم الزوجة بالبذل وحكم الزوج بالقبول وإيقاع الطلاق.
فلو أراد الحكمان فسخ النكاح بغير طلاق لم يجز لأنه غير مأذون فيه فإن أذن لهما الحاكم في الفسخ جاز إن قيل: إن التحكيم حكم لأن الحاكم بالفسخ أخص منه بالطلاق وإن قيل: إن التحكيم وكالة لم يجز؛ لأن الموكل لم يرد الفسخ إليهما فلو رد الزوجان إليهما لم يجز.
وإن قيل: إن التحكيم وكالة لأن الزوجين لا يملكان الفسخ إلا بالعيب.
فأما إن ظهر لأحد الزوجين على صاحبه مال لم يكن للحكمين أن يستوفياه إلا عن إذن مستحقه من الزوجين دون الحاكم لأنه رشيد لا يولى عليه فإن أخذه الحاكم لم يبرأ منه الدافع فإن جعل كل واحد من الزوجين إلى حكمه أن يستوفي ما وجب له من حق على صاحبه لم يحتج إلى إذن الحاكم فيه وجاز له استيفاؤه ولو جعل الحاكم ذلك إليه لم يجز على القولين معًا سواء قيل: إن الحاكم أو وكيل لأن الحاكم لا مدخل له في استيفاء حقوق أهل الرشد وإن كان له مدخل في إيقاع الفرق بينهم وهكذا لا يجوز للحكمين الإبراء من حق وجب لأحد الزوجين من نفقة أو دين لأن الإبراء لا يصح إلا من مالك أو بإذن مالك.
стр. 4681
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: «وَلَوْ غَابَ أَحَدُ الزُّوْجَيْنِ وَلَمْ يَفْسَخِ الوَكَالَة أَمْضَى الحَكَمَانِ رَايَهُمَا».
قال في الحاوي: وهذا كما قال. إذا استقرت ولاية الحكمين في شقاق الزوجين فعاف الزوجان أو أحدهما وأراد الحكمان تنفيذ ما إليهما فهو مبني على اختلاف القولين فيهما فإن قلنا: إن التحكيم وكالة جاز لهما مع غيبة الزوجين أن يفعلا ما رأياه صلاحًا لأن للوكيل أن يستوفي حق موكله ويوفي ما عليه من حق وإن كان غائبًا هذا إذا كان مفترقين في الغيبة فأما إذا كان في غيبتهما مجتمعين، لم يكن للحكمين إيقاع طلاق ولا خلع لجواز أن يصطلحا في الغيبة وإن قيل: إن التحكيم حكم لم يجز للحكمين أن يحكما مع غيبتهما سواء كانا فيهما مجتمعين أو مفترقين لأنه وإن جاز الحكم عندنا على الغائب فالحكم له لا يجوز حتى يحضر فإن رجع الزوجان عن التحكيم فإن كان مع اصطلاحهما بطلت ولاية الحكمين سواء قيل: إن التحكيم حكم أو وكالة لأن الشقاق قد زال وإن كان مع مقامها على الشقاق بطل التحكيم إن قيل: إنه وكالة ولم يبطل إن قيل: إنه حكم.
ولو رجع أحد الزوجين دون الأخر كان كرجوعهما معًا يبطل به التحكيم إن قيل إنه وكالة ولم يبطل به إن قيل: إنه حكم لأن التحكيم لا يصح إلا بحكمين.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: «وَأَيُّهُمَا غَلَبَ عَلَى عَقْلِهِ لَمْ يَمْضِ الحَكَمَانِ بَيْنَهُمَا شَيْئًا حَتَّى يَفِيقَ ثُمَّ يُحْدِثَ الوَكَالَةَ».
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا جن أحد الزوجين بعد تحكيم الحكمين أو أغمي عليه لم يجز للحكمين أن ينفذا حكم الشقاق بين الزوجين على القولين معًا، لأنه إن قيل: إن التحكيم وكالة فقد بطلت بجنون الموكل. وإن قيل: إنه وكالة حتى يستأنفها المفيق منهما دون الآخر ولا يحتاج إلى استئناف إذن من الحاكم ولم يبطل التحكيم إن قيل: إنه حكم وجاز للمحكمين بالإذن الأول إمضاء حكمهما على الزوجين ولم يؤثر الجنون في إبطال تحكيمهما وإنما أثر التوقف إلى إفاقتهما ليعلم حالهما بعد الإفاقة في مقامها على الشقاق أو إقلاعهما عنه.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: «وَعَلَى السُّلْطَانِ إِنْ لَمْ يَرْضَيَا حَكَمَيْنِ أَنْ يَاخُذَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ مَا يَلْزَمُ وَيُؤَدِّبَ أَيُّهُمَا رَأَى أَدَبَهُ إِن امْتَنَعَ بِقَدْرِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَقَالَ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ مِنْ أَحْكَام القُرْآنِ وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: نَجْبُرُهُمَا عَلَى الحَكَمَيْن كَانَ مَذْهَبًا. قَالَ المُزَنِيُّ ﵀ هَذَاّ ظَاهِرُ الآيَةِ وَالقِيَاسُ مَا عَلَيُّ ﵁ لأَنَّ اللهَ تَعَالَى جَعَلَ الطَّلَاقَ
стр. 4682
لِلأَزْوَاجِ فَلاَ يَكُونُ إِلَّا لَهُمْ».
قال في الحاوي: وصورتهم أن يمتنع الزوجان من الرضى بالحكمين مع مقامهما على الشقاق.
فإن قيل: إن التحكيم حكم لم يؤثر فيه امتناع الزوجين وأمضى الحاكم رأيه عن اختيار الحكمين.
وإن قيل: إنه وكالة لم يصح مع امتناع الزوجين ولا يجوز إجبارهما عليه لأن الوكالة لا تصح مع الإجبار وكذلك لو امتنع أحدهما كان كامتناعهما وإذا لم يصح التحكيم على هذا القول إلا عن رضى الزوجين فعلى الحاكم أن ينظر بينهما ويستوفي الحق لمن وجب له على من وجب عليه غير أنه لا يوقع بينهما طلاقًا ولا خلعًا؛ لأن الحاكم مندوب إلى استيفاء الحقوق وإنصاف المظلوم، فإن علم من أحدهم عدونًا على صاحبه منعه منه، فإن لم يمتنع أدبه عليه.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: «وَلوَ اسْتَكْرَهَهَا عَلَى شَيْءٍ أَخَذَهُ مِنْهَا عَلَى أَنْ طَلَّقّهّا وَأَقَامَتْ عَلَى ذَلِكَ بَيَّنَةً رَدَّ مَا أَخَذَهُ وَلَزِمَهُ مَا طَلَّقَ وَكَانَتْ لَهُ الرَّجْعَةُ».
قال في الحاوي: وهذه مسألة من الخلع وكثيرًا ما يختم المزني بمسألة من الكتاب الذي يليه.
وصورتها في رجل أكره زوجته على الخلع بضرب أو حبس أو أحد أنواع الإكراه حتى بذلت له مالًا على طلاقها فالخلع باطل؛ لأن عقود المعارضات لا تصح مع الإكراه، وعليه رد المال عليها وطلاقه واقع لأنه أوقعه باختياره، وله الرجعة إن كان الطلاق دون ثلاث؛ لأن البذل لم يحصل له، فإن ادعت عليه أنه خالعها مكرهًا فذكر أنه خالعها مختارة فالقول قولها مع يمينها؛ لأنها تنكر استحقاق البذل وهو يدعيه وطلاقه قد وقع بائنًا ولا رجعة له مقر بطلاق لا يستحق فيه الرجعة والفرق بين هذه المسألة والتي تقدمها في الرجعة أنه في المسألة الأولى مقر بفساد الخلع فثبت له الرجعة وفي هذه المسألة مقر بصحة الخلع فللم يثبت له الرجعة فلو ادعت عليه أنه خالعها مكرهًا لها فأنكرها الخلع كان القول قول يمينه ولا طلاق عليه لأن في هذه المسألة منكر للطلاق فلم يلزمه وفي التي تقدمها مقر بالطلاق فلزمه، وبالله التوفيق.
تم الجزء التاسع
ويليه إن شاء الله الجزء العاشر
وأوله: كتاب الطلاق
стр. 4683
بحر المذهب
في فروع المذهب الشافعي
تأليف
القاضي العلامة فخر الإسلام شيخ الشافية
الإمام أبي المحاسن عبد الواحد بن إسماعيل الروياني
المتوفي ٥٠٢ هـ
تحقيق
طارق فتحي السيد
الجزء العاشر
يحتوي على الكتب التالية:
الطلاق - الرجعة - الإيلاء - الظهار - اللعان - الأيمان
стр. 4684
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتاب الطلاق
باب إباحة الطلاق ووجهه وتفريعه من الجامع من كتاب أحكام القرآن ومن إباحة الطلاق ومن جماع عشرة النساء وغير ذلك
مسألة: قال الشافعي ﵀: "قال الله تعالى: ﴿إذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ وقد قرئت لقبل عدتهن (قال) والمعنى واحد".
قال في الحاوي: الأصل في إباحة الطلاق الكتاب والسنة وإجماع الأمة.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] وهذا وإن كان خطابًا للنبي ﷺ فهو عام الحكم فيه وفي جميع أمته.
فهو من الخاص الذي أريد به العموم.
فروى قتادة عن أنس قال طلق رسول الله ﷺ حفصة فأتت أهلها فأنزل الله تعالى: ﴿أَيُّهَا النَّبِيُّ إذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ فقيل له: "راجعها فإنها صوامة قوامة وهي من أزواجك في الجنة".
وقوله تعالى: ﴿لِعِدَّتِهِنّ﴾ أي في طهرهن إذا لم يجامعن فيه.
وروي أن النبي ﷺ كان يقرأ فطلقوهن لقبل عدتهن.
قال الشافعي والمعنى واحد وقال تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وفي قوله: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ تأويلان:
أحدهما: إنه بيان لعدد الطلاق وتقديره بالثلاث وأنه يملك الرجعة في الاثنتين ولا يملكها في الثالثة, وهو قول عروة وقتادة.
روى هشام بن عروة عن أبيه, كان الرجل يطلق ما شاء, ثم إن راجع امرأته قبل أن تنقضي عدتها كانت زوجته, فغضب رجل من الأنصال على امرأته فقال لها: لا أقربك ولا تخلصين مني, قالت له: كيف؟ قال أطلقك فإذا دنا أجلك راجعتك, قم أطلقك فإذا دنا أجلك راجعتك, قال: فشكت إلى رسول الله ﷺ فأنزل الله تعالى:
стр. 4685
﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ الآية فقدرة بالثلاث, ولذلك قال عروة نزل الطلاق موافقًا لطلاق الأعشى في تقديره بالثلاث حين يقول:
أجارتنا بيني فإنك طالقة وموموقة ما أنت فينا ووامقة
أجارتنا بيني فإنك طالقة كذلك أمور الناس تغدو وطارقة
وبيني فإن البين خير من العصا وإلا تزال فوق رأسك بارقة
والتأويل الثاني: أنه بيان لسنة الطلاق أن يوقع في كل قرء واحدة وأن لا يجمع بينهم في قرء واحد, وهو قول ابن مسعود وابن عباس ومجاهد وأبي حنيفة.
وفي قوله: ﴿فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] تأويلان:
أحدهما: إن الإمساك بالمعروف الرجعة بعد الثانية والتسريح بالإحسان الطلقة الثالثة.
روى سفيان عن إسماعيل بن سميع عن أبي رزين قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: الطلاق مرتان فأين الثالثة؟ قال: إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان.
وهو قول عطاء ومجاهد.
والتأويل الثاني: فإمساك بمعروف الرجعة بعد الثانية أو تسريح بإحسان هو الإمساك عن رجعتها حتى تنقضي عدتها.
وهذا قول السدي والضحاك.
وقال تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ وقال تعالى: ﴿لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنُّ﴾ [البقرة: ٢٣٦] الآية.
فأما السنة: فروى حميد بن عبد الرحمن عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ يقول: "أحدكم لامرأته قد طلقتك قد راجعتك ليس هذا طلاق المسلمين, تطلق المرأة قبل عدتها".
وروى محارب بن دثار عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "أبغض الحلال إلى الله الطلاق".
وروي أن النبي ﷺ قال: ثلاث جدهن جد وهزلهم جد: " النكاح والطلاق والعتاق".
стр. 4686
وروي أن النبي ﷺ طلق حفصة واحدة ثم راجعها.
وروى عنه ﷺ أنه تزوج العالية بنت ظبيان فمكثت عنده ما شاء الله ثم طلقها.
فإذا ثبت إباحة الطلاق بالكتاب والسنة وما تعقبها من إجماع الأمة فالطلاق في اللغة هو التخلية, مأخوذ من قولهم نعجة طالق إذا خليت مهملة بغير راع.
ومن قول النابغة:
تناذرها الراقون من سوء سمها تُطلق طورًا وطورًا تراجع
فصل
والطلاق لا يصح إلا من زوج ولا يقع إلا على زوجة, فيختص الزوج بالطلاق وإن اشتركا الزوجان في عقد النكاح, وهو أحد التأويلات في قوله تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨] إن الرجل يملك الطلاق ولا تملكه الزوجة, فإن قيل فلم اشترك الزوجان في النكاح وتفرد الزوج بالطلاق, قيل لأمرين:
أحدهما: أنه لما اشترك الزوجان في الاستمتاع جاز أن يشتركا في عقد النكاح, ولما اختص الزوج بالتزام المؤونة جاز أن يختص الزوج بإيقاع الفرقة.
والثاني: أن المرأة لم يجعل الطلاق إليها, لأن شهوتها تغلبها فلم تؤمن منها معاجلة الطلاق عند التنافر والرجل أغلب لشهوته منها, وأنه يؤمن منه معالجة الطلاق عند التنافر.
مسألة: قال الشافعي: "وطلق ابن عمر ﵄ امرأته وهي حائض في زمان النبي ﷺ قال عمر فسألت النبي ﷺ عن ذلك فقال: "مرة فليراجعها ثم ليمسكها حتى تظهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسكها بعد وإن شاء طلق فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء" (قال) وقد روى هذا الحديث سالم بن عبد الله ويونس بن جبير عن ابن عمر يخالفون نافعًا في شيء منه قالوا كلهم عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "مرة فليراجعها ثم ليمسكها حتى تحيض ثم تظهر ثم إن شاء أمسك وإن شاء طلق" ولم يقولوا ثم تحيض ثم تظهر (قال): " وفي ذلك دليل على أن الطلاق يقع على الحائض لأن النبي ﷺ لم يأمر بالمراجعة إلا من لزمه الطلاق".
قال في الحاوي: الطلاق ينقسم ثلاثة أقسام: طلاق سنة, وطلاق بدعة, وطلاق لا سنة فيه ولا بدعة.
стр. 4687
فأما طلاق السنة فهو: طلاق المدخول بها في طهر لم تجامع فيه.
وأما طلاق البدعة فطلاق اثنتين الحائض والطاهر التي قد جومعت في طهرها أما الحائض فكان طلاقها بدعة؛ لأنها طلقت في زمان لا يحتسب به من عدتها وأما المجامعة في طهرها, فلإشكال أمرها هل علقت منه فلا يعتبر بالطهر وتعتد بوضع الحمل, أو لم تعلق منه فتعتد بالطهر.
وأما التي لا سنة في طلاقها ولا بدعة فخمس: الصغيرة والمويسة والحامل وغير المدخول بها والمختلعة.
أما الصغيرة والمويسة فلا عتدادهما بالشهور التي لا تختلف بحيض ولا طهر.
وأما الحامل فلا عتدادها بوضع الحمل الذي لا يؤثر فيه حيض ولا طهر.
وأما المختلعة فلأن خوفهما من أن لا يقيما حدود الله يقتضي تعجيل الطلاق من غير اعتبار سنة ولا بدعة.
وإذا انقسم الطلاق على هذه الأقسام الثلاثة فقسمان منهما يجمع على وقوع الطلاق فيهما:
أحدهما: طلاق السنة, مجمع على وقوعه.
والثاني: ما لا سنة فيه ولا بدعة مجمع على وقوعه.
والثالث: مختلف فيه وهو طلاق البدعة في حيض أو في طهر مجامع فيه, فهو محظور محرم بوفاق, واختلف في وقوعه مع تحريمه, فمذهبنا أنه واقع وإن كان محرمًا وهو قول الصحابة والتابعين وجمهور الفقهاء.
وحكي عن ابن عليه والسبعة وبعض أهل الظاهر أنه غير واقع استدلالًا بقول الله تعالى: ﴿إذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنّ﴾ [الطلاق: ١] فاقتضى ذلك الفرق بين المأمور به والمنهي عنه في الوقوع كما اقتضى الفرق بينهما في التحريم.
وبما روى ابن جريح عن أبي الزبير: قال: سأل عبد الرحمن بن أيمن بن عبد الله بن عمر وأبو الزبير يسمع عن رجل طلق زوجته وهي حائض فقال ابن عمر طلقت زوجتي وهي حائض فسأل عمر النبي ﷺ عن ذلك فردها علي ولم يره شيئًا, وهذا نص في أنه لا يقع ولو وقع لرآه شيئًا.
ولأن النكاح قد يحرم في وقت وهو في العدة والإحرام كما يحرم الطلاق في وقت وهو الحيض والطهر المجامع فيه.
стр. 4688
ثم كان عقد النكاح في وقت تحريمه باطلًا, وجب أن يكون الطلاق بمثابة إذا وقع في وقت تحريمه.
ولأنه لو كل وكيلًا في طلاق زوجته في الطهر وطلقها في الحيض لم تطلق؛ لأجل مخالفته وإيقاع الطلاق في غير وقته مخالفة الله تعالى في وقت الطلاق أولى أن لا تقع بها طلاق, وهذا خطأ.
ودليلنا ما رواه الشافعي عن مالك عن نافع ابن عمر, أنه طلق امرأته وهي حائض في عهد رسول الله ﷺ فسأل عمر بن الخطاب رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: مره فليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك بعد وإن شاء طلق قبل أن يمس, فتلك العدة التي أمر الله تعالى أن يطلق لها النساء.
فموضع الدليل منه أنه أمره بالرجعة موجب لوقوع الطلاق, لأن الرجعة لا تكون إلا بعد الطلاق.
فإن قيل: أمره بالرجعة إنما هو أمر بردها إليه, قلنا: هذا تأويل فاسد من وجوه:
أحدهما: أن الرجعة بعد ذكر الطلاق تنصرف إلى رجعة الطلاق.
والثاني: أنه ما ذكر إخراجها فيؤمر بردها, وإنما ذكر الطلاق وكان منصرفًا إلى رجعتها.
والثالث: أن المسلمين جعلوا طلاق ابن عمر هذا أصلًا في طلاق الرجعة وحكم العدة ووقوع الطلاق في الحيض ولم يتأولوا هذا التأويل فبطل بالإجماع.
وروى الحسن عن عبد الله بن عمر قال: طلقت امرأتي وهي حائض طلقة وأردت أن أتبعها طلقتين فسألت النبي ﷺ عن ذلك فقال: راجعها, قلت أرأيت لو طلقتها ثلاثًا قال: كنت قد أبنت زوجتك وعصيت ربك.
وهذا نص في وقوع الطلاق في الحيض لا يتوجه عليه ذلك التأويل المعلول ومن القياس أنه طلاق مكلف صادف ملكًا فوجب أن ينعقد كالطاهر.
ولأن رفع الطلاق تخفيف وقوعه تغليظ, لأن طلاق المجنون لا يقع تخفيفًا وطلاق السكران يقع تغليظًا؛ لأن المجنون ليس بعاص والسكران عاص.
فكان المطلق في الحيض أولى بوقوع تغليظًا من رفعه عنه تخفيفًا, ولأن النهي إذا كان لمعنى ولا يعود إلى المنهي عنه لم يكن النهي موجبًا لفساد ما نهى عنه, كالنهي عن البيع عند نداء الجمعة لا يوجب فساد البيع.
كذلك النهي عن الطلاق في الحيض, إنما هو لأجل تطويل العدة لا لأجل الحيض, فلم يمنع النهي عنه من وقوع الطلاق فيه.
فأما استدلاله بالآية فنصها يوجب وقوع الطلاق في العدة, ودليلها يقتضي أن لا يقع
стр. 4689
في العدة, لكن إذا عارض دليل الخطاب بعد صرفه عن موجبه, وقد عارضه من حديث ابن عمر ما يوجب صرفه عن موجبه.
وأما استدلالهم بقول ابن عمر فردها علي ولم يره شيئًا فضعيف لتفرد أبي الزبير به ومخالفة جميع الرواة فيه مع أن قوله لم يره شيئًا يحتمل أنه لم يره إثمًا, ولم يره شيئًا لا يقدر على استدراكه, لأنه قد بين أنه يستدرك بالرجعة.
وأما استدلالهم بالنكاح, فالفرق بين النكاح حيث بطل بعقده في حال التحريم وبين الطلاق حيث أمره بإيقاعه في حال التحريم, أن الطلاق أوسع حكمًا وأقوى نفوذًا من النكاح لوقوع الطلاق مباشرة وسراية, ومعجلًا ومؤجلًا.
وعلى غرر لا يصح النكاح على مثله, فجاز أن يقع في وقت تحريمه وإن لم يصح عقد النكاح في وقت تحريمه.
وأما استدلالهم بالوكيل فالجواب عنه أن الوكيل إذا خالف الإذن زالت وكالته وليس يرجع بعد زوالها إلى ملك فرد تصرفه.
والزوج إذا خالف رجع بعد المخالفة إلى ملك فجاز تصرفه.
مسألة: قال الشافعي: "وأحب أن يطلق واحدة لتكون له الرجعة للمدخول بها وخاطبًا لغير المدخول بها ولا يحرم عليه أن يطلقها ثلاثًا لأن الله تعالى أباح الطلاق فليس بمحظور وعلم النبي ﷺ ابن عمر موضع الطلاق فلو كان في عدده محظور ومباح لعلمه إياه ﷺ إن شاء الله, وطلق العجلاني بين يدي رسول الله ﷺ ثلاثًا فلم ينكره عليه وسأل النبي ﷺ ركانة لما طلق امرأته البتة ما أردت؟ ولم ينهه أن يزيد أكثر من واحدة".
قال في الحاوي: وهذا كما قال لا يملك من عدد الطلاق أكثر من ثلاث, لما قدمناه من قول الله تعالى: ﴿الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩].
فإذا أراد أن يطلق ثلاثًا فالأولى والمستحب أن يفرقها في ثلاثة أطهار, فيطلق في كل طهر واحدة, ولا يجمعهن في طهر ليخرج بذلك من الخلاف وليأمن به ما يخافه من ندمه فإن طلقها ثلاثًا في وقت واحد وقعت الثلاث ولم تكن محرمة ولا بدعة والسنة والبدعة في زمان الطلاق لا في عدده.
وبه قال من الصحابة الحسن بن علي وعبد الرحمن بن عوف.
ومن التابعين ابن سيرين ومن الفقهاء أحمد بن حنبل.
وحكي عن السبعة وعن داود بن علي وطائفة من أهل الظاهر أن طلاق الثلاث لا يقع, فاختلف القائلون بهذا هل يكون واحدة أم لا؟ فقال المغربي: تكون واحدة وقال آخرون: لا يقع منهن شيء.
وقال أبو حنيفة: طلاق الثلاث واقع لكنه حرام مبتدع.
стр. 4690
وبه قال من الصحابة عمر بن الخطاب وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن مسعود, ومن الفقهاء مالك والعراقيون.
واستدل من منع وقوع الطلاق الثلاث بأن الله تعالى فرق طلاق الثلاث بقوله: ﴿الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ فلم يجز أن يجمع ما أمر بتفريقه؛ لأنه ارتكاب ما نهى عنه, وما حرم من الطلاق لا يقع كالمراجعة.
وبما رواه عبد الله بن عباس قال: كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله ﷺ وأيام أبي بكر, وصدر من أيام عمر واحدة: فقال عمر: قد استعجلتم في أمر كان لكم فيه أناة, وجعله ثلاثًا.
فلا يجوز لعمر أن يخالف شرعًا ثبت على عهد رسول الله ﷺ وقد ارتفع النسخ بموته.
وبما رووه عن معاوية بن عمار عن أبي الزبير عن ابن عمر أنه طلق امرأته ثلاثًا في الحيض فاستفتى رسول الله ﷺ فأمره أن يراجعها, فإذا طهرت فليستقبل بها العدة إن شاء طلق وإن شاء أمسك, وهذا نص.
فصل
واستدل أبو حنيفة على أن طلاق الثلاث محرم وإن كان واقعًا بقول الله تعالى: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ [الطلاق: ١].
فتضمنت هذه الآية تفريق الطلاق في الأطهار من الوجهين:
أحدهما: قوله تعالى: ﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ وإحصاؤها إنما يكون انتظارًا لوقوع الطلاق فيها.
والثاني: قوله تعالى فيها ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ يريد به الرجعة والرجعة لا تكون في الثلاث, وإنما تكون فيما دون الثلاث.
وبقوله تعالى: ﴿الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] فدل على أنه لا يجوز فيه أن يكون مرة.
وبما روي عن عبد الله بن عمر أنه قال: طلقت امرأتي وهي حائض فقال النبي ﷺ هكذا أمرك ربك إنما السنة أن تستقبل بها الطهر ثم تطلقها في كل قرء طلقة.
وبما رواه الحسن عن ابن عمر أنه قال: طلقت امرأتي وهي حائض طلقة وأردت أن أتبعها طلقتين فسألت النبي ﷺ عن ذلك فقال: راجعها فقلت أرأيت لو طلقتها ثلاثًا فقال: كنت قد أبنت زوجتك وعصيت ربك, فلولا أن جمع الثلاث محرم ما كان به عاصيًا.
وبما رواه إبراهيم عن عبد الله بن عبادة الصامت عن أبيه عن جده أنه قال طلق بعض آبائي ألفًا, فانطلق بنوه إلى رسول الله ﷺ فقالوا إن أبانا طلق أمنا ألفًا
стр. 4691
فهل له من مخرج؟ فقال: إن أباكم لم يتق الله فيما فعل؛ فيجعل له من أمره مخرجًا بانت منه بثلاث على غير السنة وتسعمائة وسبعة وتسعون إثم في عنقه.
قال: ولأنه إجماع الصحابة, روي أن عمر بن الخطاب كان إذا برجل طلق امرأته ثلاثًا أوجع ظهره.
وأن رجلًا أتى عبد الله بن عباس فقال: إن عمي طلق امرأته ثلاثًا فقال ابن عباس إن عمك عصي الله فأندمه, وأطاع الشيطان فلم يجعل له مخرجًا وأن عليًا وابن عباس أنكراه فكان إجماعًا, لعدم المخالف فيه.
ولأنه عدد يتعلق به البينونة فوجب أن يتكرر كاللعان.
ودليلنا على الفريقين قول الله تعالى: ﴿لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنُّ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنُّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦].
فكان رفع الجناح عنه من غير تمييز لعدد يوجب التسوية بين الأعداد.
وروى سهل بن سعد الساعدي, أن النبي ﷺ لما لا عن بين عويمر العجلاني وامرأته قال: كذبت عليها إن أمسكتها, هي طالق ثلاثًا.
فلو كان الجمع بين الطلاق والثلاث محرمًا لأبانه ﷺ وأنكره, لأنه لا يقر على منكر.
وروي أن ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته ألبته, فأخبر رسول الله ﷺ بذلك فقال: "ما أردت بالبتة قال واحدة فأحلفه أنه ما أراد أكثر منها" فدل على وقوع الثلاث لو أرادها من غير تحريم.
وروى سلمة بن أبي سلمة عن أبيه أن حفص بن عمرو بن المغيرة طلق فاطمة بنت قيس ثلاثًا بكلمة واحدة, فلم ينكره رسول الله ﷺ .
وأن عبد الرحمن بن عوف طلق تماضر بنت الأصبغ الكلبية ثلاثًا في مرضه فلم ينكره الصحابة عليه, وتماضر هي أم أبي سلمة بن عبد الرحمن, فدل ذلك من رسول الله ﷺ ومن الصحابة بعده على إباحة بين الثلاث, وروي عن الحسن بن علي أن امرأته عائشة الخثعمية قالت له بعد قتل أبيه: لتهنك الخلافة يا أمير المؤمنين فقال لها: أو يقتل أمير المؤمنين وتشتمين اذهبي فأنت طالق ثلاثًا, فلم ينكر ذاك أحد من الصحابة فدل على إباحته عندهم.
стр. 4692
وروي عن علي ﵁ أنه سئل عمن طلق امرأته مائة طلقة فقال: ثلاثة لها وأقسم الباقي على نسائها.
ومن القياس أنه طلاق وقع في طعم لم يجامعها فيه فوجب أن يكون مباحًا كالطلقة الأولى, ولأن كل طلاق جاز تفريقه جاز جمعه, أصله طلاق الزوجات يجوز أن يجمعهن في الطلاق وأن يفرقهن.
ولأن كل طلاق جاز تفريقه في الأطهار جاز إيقاعه في طهر, أصله إذا طلق في طهر ثم راجع فيه ثم طلقها فيه ثم راجع وثم طلقها فيه ثم راجع.
ولأن الثلاث لفظ يقطع الرجعة فجاز إيقاعه في طهر لا جماع فيه كالواحدة بعد اثنتين أو كالخلع.
فأما الجواب عن قوله تعالى: ﴿الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ﴾ فمن وجهين:
أحدهما: أن المقصود به عدد الطلاق, وأنه ثلاث وأنه يملك الرجعة بعد اثنتين ولا يملكها بعد الثالثة حتى تنكح زوجًا غيره ولم يرد به تفريق الطلاق أو جمعه.
والثاني: أن قوله: ﴿الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ﴾ يقتضي في وقت واحد لا في وقتين كما قال تعالى: ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣١] يعني أجرين في وقت واحد, لا في وقتين.
وهم يحرمون وقوع الطلقتين في وقت كما يحرمون وقوع الثلاث.
وأما الجواب عن الاستدلال بحديث ابن عمر, فهو أنه لم يطلق إلا واحدة في الحيض وقول النبي ﷺ لو طلقتها ثلاثًا كنت قد أبنت امرأتك وعصيت ربك, يعني بإيقاعهن في الحيض لا بالجمع بينهن.
وأما أمره له في الخبر الثاني أن يطلق في كل طهر واحدة فعلى طريق الاستحباب والندب.
وأما الجواب عن حديثه البراء بن عازب فمن وجهين:
أحدهما: أن الدارقطني رواه وذكر أنه ضعيف مجهول الراوي.
والثاني: أن قوله: طلقها على غير السنة؛ لأنه طلقها ألفًا وهو لا يملك إلا ثلاثًا.
وأما الجواب عن استدلالهم بالإجماع فهو غير منعقد بمن ذكرنا خلافه من الصحابة وقد اختلفت الرواية عن ابن عباس, روى سعيد بن جبير أن رجلًا أتى ابن عباس فقال: إني طلقت امرأتي ألفًا فقال: أما ثلاث فتحرم عليك امرأتك, وبقيتهن وزرًا اتخذت آيات الله هزوًا.
وأما الجواب عن قياسهن عن اللعان فمن ثلاثة أوجه:
أحدهما: أن الفرقة لا تقع على قولهم باللعان حتى يوقها الحاكم فلم يجز أن يكون أصلًا لما يوقع الفرقة.
والثاني: أن عدد اللعان لا يصح مجموعة فوجب تفريقه, والطلاق يصح مجموعة فلم يجب تفريقه.
стр. 4693
والثالث: أنه لما جاز عدد اللعان في وقت واحد اقتضى أن يجوز عدد الطلاق في وقت واحد.
وأما استدلال من أنكر وقوع الثلاث بحديث ابن عباس عن عمر: فهو ضعيف لا يعرفه أصحاب الحديث, ولو سلمناه لاحتمل قوله كان الطلاق على عهد رسول الله ﷺ وأيام أبي بكر وصدر من خلافة عمر واحدة فقال عمر: قد استعجلتم في أمر كان لكم فيه أناء وجعله ثلاثًا.
فمن قال لامرأته أنت طالق أنت طالق أنت طالق فإنه إن أراد بالثانية والثالثة طلقت واحدة وإن أراد الاستئناف طلقت ثلاثًا.
وإن لم يكن له إرادة فعلى قولين:
أحدهما: قاله في الإملاء تطلق واحدة.
والثاني: قاله في "الأم" تطلق ثلاثًا.
فعلم عمر أنهم كانوا يريدون به التأكيد فتكون واحدة, ثم صاروا يريدون به التأكيد فجعلها ثلاثًا, وإنما حملناه على هذا الاحتمال مع بعده؛ لأن عمر لا يجوز أن يخالف رسول الله ﷺ في شيء عمله من دينه, ولو خالفه لما أقرته الصحابة على خلافة.
ألا تراه يقول: لا تغالوا في صدقات النساء فلو كانت مكرمة لكان أولاكم بها رسول الله ﷺ , فقامت إليه امرأة فقالت: يعطينا الله وتمنعنا يا ابن الخطاب قال الله تعالى: ﴿وآتَيْتُمْ إحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلا تَاخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠] فقال عمر: كل الناس أفقه من عمر حتى امرأة ليفعل الرجل بماله ما شاء, وهم أن يخالف بين ديات الأصابع حتى ذكر له عن النبي ﷺ أنه قال: في اليدين الدية وفي أحدهما نصف الدية وفي كل أصبع مما هنالك عشر من الإبل, فرجع عما هم به وسوى بين دياتها.
وأما استدلالهم بما رووه عن ابن عمر أنه طلق امرأته ثلاثًا, فأمره النبي ﷺ بمراجعتها فلا يعرفه أهل الحديث, وإنما الخبر أنه قال أرأيت لو طلقتها ثلاثًا فقال كنت قد أبنت امرأتك وعصيت ربك.
ولو صح لكان محمولًا على أنه طلقها ثلاثًا في ثلاثة أوقات, فأمره بالرجعة في إحداهن بل قد روي أنه طلقها واحدة على عهد رسول الله ﷺ ثم طلقها ثانية على عهد أبي بكر, ثم طلقها ثالثة في زمن عمر, فضبط الرواة طلاقه على ما ذكرنا, فاقتضى أن يكون رواية من أطلق محموله على هذا البيان والله أعلم بالصواب.
مسألة: قال الشافعي ﵀: " ولو طلقتها طاهرًا بعد جماع أحببت أن يرجعها ثم يمهل ليطلق كما أمر وإن كانت في طهر بعد جماع فإنها تعتد به".
قال في الحاوي: فقد ذكرنا أن طلاق البدعة طلاقان:
أحدهما: الطلاق في الحيض.
стр. 4694
والثاني: الطلاق في طهر قد جومعت عليه.
أما طلاق الحيض فلتحريمه علة واحدة, وهو أن بقية حيضها غير محتسب به من عدتها عند من جعل الأقراء الأطهار, وعند من جعلها الحيض, فصارت بالطلاق فيه غير زوجة ولا معتدة, وأما المطلقة في الطهر المجامع فيه فلتحريمه علتان:
أحدهما: أنها ربما علقت من وطئه فصارت له أم ولد فلحقه ندم من طلاق أم ولده.
والثانية: أنها تصير مرتابة في عدتها هل علقت من وطئة فتكون عدتها بوضع الحمل؟ أو لم تعلق فتكون بالإقراء؟ لكنها تعتد ببقية طهرها قرءًا فإذا طلق إحدى هاتين إما في حال الحيض أو في طهر جامعها فيه فقد طلقها طلاقًا بدعيًا محرمًا, واستحببنا له أن يراجعها؛ لأمر رسول الله ﷺ ابن عمر حين طلق في الحيض أن يراجع, واستدراكًا لمواقعة المحظور بالإقلاع عنه ولا تجب عليه الرجعة.
وأوجبها مالك في طلاق الحائض استدلالًا بهذين.
والدليل على أن الرجعة غير واجبة وإن استحبت قول الله تعالى: ﴿فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسَانٍ﴾ فخيره بين الرجعة والترك وقال تعالى: ﴿بُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إنْ أَرَادُوا إصْلاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨] فدلت على أن الرجعة غير واجبة من وجهين:
أحدهما: أنه جعلها حقًا للأزواج لا عليهم.
والثاني: أنه قرنها بإرادة الإصلاح.
ولأن الرجعة إما أن تراد لاستدامة العقد أو إعادته, فإن أريدت لإعادته لم تجب, لأن ابتداء النكاح لا يجب, فإن أريدت لاستدامته لم تجب؛ لأن له رفعة بالطلاق ولأن تحريم الطلاق في الحيض كتحريمه في طهر مجامع فيه, ثم لم تجب الرجعة في طهر الجماع كذلك في الحيض.
فأما حديث ابن عمر وقول النبي ﷺ مره فليراجعها حتى تُطهر ثم تحيض ثم تُطهر ثم فإن شاء طلق بعد وإن شاء أمسك.
فعنه جوابان:
أحدهما: أنه لم يأمره بنفسه وجعل عمر هو الآمر له بقوله: مره فليراجعها دل على أن الأمر معدول به عن الوجوب إلى الاستحباب, لأنه عدل به عمن تجب أوامره إلى من لا تجب أوامره.
والثاني أن قوله: ثم إن شاء طلق وإن شاء أمسك ارجع المشيئة إلى جمع المذكور من الرجعة والطلاق, وما رد إلى مشيئة فاعله لم يجب.
وأما استدلاله بأن فيه استدراكًا لمواقعة المحظور, فالمحظور هو وقوع الطلاق والطلاق الواقع لا يستدرك بالرجعة وإنما يقطع تحريمه.
فصل
فإن ثبت أن الرجعة مستحبة غير واجبة فهي في المدخول بها إذا طلقت أقل من
стр. 4695
ثلاث, لأن غير المدخول بها لا رجعة لها والثلاث لا رجعة معها فتكون الرجعة مع هذين الشرطين.
ثم الزمان الذي يستحق فيه الرجعة مقدر, وإن كان الشافعي قد أطلقه, فإن طلقت في الحيض كان الأمر بارتجاعها ما كان حيضها باقيًا, فإن طهرت من تلك الحيضة التي طلقت فيها سقط استحباب الرجعة وكانت إلى خياره, لأنها قد صارت في طهر لا يحرم عليه طلاقها فيه فلم يؤمر بارتجاعها فيه.
وإن طلقت في طهر قد جومعت فيه كان مأمورًا بارتجاعها في بقية طهرها وفي الحيضة التي بعد طهرها, فإن راجعها في هذا الحال فقد أتى بما أمر به وندب إليه, وإن لم يراجعها حتى دخلت في الطهر الثاني الذي لا يحرم عليه طلاقها فيه سقط ما كان مندوبًا إليه من الرجعة وكانت إلى خيارة.
فصل
فأما حديث ابن عمر فقد رواه نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: مُره فليراجعها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم فإن شاء طلق بعد وإن شاء أمسك فتلك العدة التي أمر الله تعالى أن يطلق لها النساء.
ورواه سالم ويونس بن جبير عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: مُره فليراجعها حتى تحيض ثم إن شاء طلقها بعد وإن شاء أمسك فتلك العدة التي أمر الله تعالى أن يطلق لها الله النساء, فخالف نافع لسالم وليونس في زيادة الطهر؛ لأن رواية سالم حتى تحيض ثم إن شاء طلق فأذن له أن يطلق في الطهر الأول بعد الحيضة التي طلق فيها وهذا صحيح.
وفي رواية نافع, حتى تُطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء طلق, فأذن له أن يطلق في الطهر الثاني دون الأول, والطلاق في الطهر الأول كالطلاق في الطهر الثاني فاختلف أصحابنا في أي الروايتين أثبت وأصح.
فقال بعضهم: الأصح رواية سالم ويونس, فأما نافع فوهم في زيادة الطهر الثاني؛ لأن حكم الطلاق في الطهر الأول كحكم الطلاق في الطهر الثاني.
وقال آخرون من أصحابنا: إن رواية نافع أصح وأثبت, وإنما حذف سالم ويونس ذكر الطهر الثاني اختصارًا.
فإن قيل: فإذا كانت رواية نافع أصح فلم أذن له أن يطلق في الطهر الثاني ولم يأذن له أن يطلق في الطهر الأول وهما في الحكم سواء.
قيل: قد أجاب أصحابنا عن هذه بأربعة أجوبة:
الأول: أنه لما كان طلاق ابن عمر في الحيض موجبًا لتطويل العدة عليها قابله رسول الله ﷺ على طريق العقوبة له بتطويل الرجعة إلى الطهر الثاني وإن جازت في الطهر الأول.
следующие страницы →