← Фикх шафии

Фикх шафии · id 16934

بحر المذهب للروياني

عَبْد الواحِد الرُّوْياني

Полный текст (7 151 стр.). Показаны 4621–4660 · переход к 4626.

стр. 4621

وخفة لحمها من شأن الإفك أن أنزل الله تعالى فيه القرآن ما أنزل فلم تمنع ضؤولتها وخفة لحمها من دخول رسول الله ﷺ بها فلو كانت النضوة على حد إن وطئها الزوج أتلفها منع من وطئها ولا خيار له قي فسخ نكاحها بخلاف الرتقاء التي يستحق الزوج فيها خيار الفسخ لتعذر وطئها. والفرق بينهما: أن الرتقاء لا يقدر كل زوج على وطئها فصار المنع مختصًا بها فكان له الخيار والنضوة الخلق يمكن غير هذا الزوج إذا كان مثلها نضوًا أن يطأها فصار المنع منها فلم يكن له الخيار. والثانية: أن يكون ذلك بحادث من مرض يرجى زواله فلا يلزمها تسليم نفسها زتمهل حتى تصح من مرضها. والفرق بين أن يكون بحادث مرض وبين أن يكون خلقة وجهين: أحدهما: أن ما يرجى زواله فالاستمتاع مستحق فيه بعد الصحة فلم يلزمها تسليم نفسها قبل الصحة وما لا يرجى زواله فالاستمتاع فيه مستحق في الحال لأنها حال الصحة فلزمها تسليم نفسها. والثاني: أن العادة الجارية بتأخير زفاف المريضة إلى حال الصحة فلم يلزمها التسليم قبل الصحة والعادة جارية بتسليم النضوة الخلقة عاجلاً فلزمها التسليم في الحال اعتبارًا بالعادة فيهما. فعلى هذا إذا منعته من نفسها بالمرض فلا نفقة لها لفوات الاستمتاع بها ولو سلمت نفسها لزمته النفقة كما لو مرضت بعد التسليم وكان لها النفقة لأن المرض الحادث بعد التسليم لا يسقط النفقة وإن منع من الوطء كالحيض. مسألة: قَالَ الشَافِعِيُّ: "وَإن أفضَاهَا فَلَم تَلتَئِم فَعَليهِ دِيتُهَا وَلهَا المَهرُ كَامِلاً وَلَها مَنعُهُ أَن يُصِيبَهَا حَتَّى تَبرأَ البرءَ الذَّي إنِ عَادَ لَم يَنكأَهَا وَلَم يُزِد في جُرحِهَا والقَولُ في ذَلِكَ قَولُها". قال في الحاوي: وصورتها: في رجل وطأ زوجنه فأفضاها بشدة المبالغة في الإيلاج والإفضاء: وهو أن يتخرق الحاجز الذي بين مدخل الذكر ومخرج البول لأن مدخل الذكر في مخرج الحيض والمني فأما البول فخرجه من غيره وبينهما حاجز فإذا بالغ الواطئ في إيلاجه خرق الحاجز بين المخرجين فهذا هو الإفضاء. ووهم بعض أصحابنا فجعل الإفضاء خرق الحاجز بين السبيلين القبل والدبر حتى يصير السبيلان واحدًا وهذا وهم من قائله.

стр. 4622

فإذا أفضى زوجته بوطئه فعليه المهر بالوطء والدية بالإضاء سواء كان البول مستمسكًا أو مسترسلاً وكذلك لو وطأ أجنبية بشبهة أو استكرهها على نفسها فأفضاها كان عليه الدية ومهر المثل ولو طاوعته على الزنا كان دية الإفضاء دون المهر. وقال أبو حنيفة: إن أفضى زوجته فلا شيء عليه في الإفضاء وعليه المهر بالعقد وإن أفضى أجنبية بوطء شبهة فإن كان البول مسترسلاً فعليه الدية في الإفضاء ولا مهر في الوطء وإن كان البول مستمسكًا فعليه المهر بالوطء وثلث الدية بالإفضاء كالجائفة وإن أفضى أجنبية بوطء إكراه فعليه الدية دون المهر. وقال مالك: في الإفضاء حكومة. والكلام مع أبي حنيفة على أن إفضاء الزوجة هدر لا يضمن بأن السراية عن مستحق غير مضمونة كالقطع في السرقة إذا سرى إلى النفس لم يضمن لحدوثه عن مستحق كذلك الإفضاء سرى عن وطء مستحق فوجب أن لا يضمن. ودليلنا هو أنها جناية تفتك عن الوطء فوجب أن لا يسقط أرشها باستحقاق الوطء كما لو وطئها وقطع يدها وذلك أن المهر يجب بغير ما تجب به الدية لأن النهر عندهم بالخلوة وعندنا بتغيب الحشفة والإفضاء يكون بما زاد على ذلك من المبالغة في الإيلاج فصار الوطء الذي تجب به دية الإفضاء زائدًا على الوطء الذي يجب به المهر فوجب أن يكون لكل واحد منهما حكمه. وأما استدلالهم: بأنه حادث عن وطء مستحق فوطء الإفضاء غير مستحق لأن الوطء المستحق ما لم يفض إلى التلف فإذا أفضى إلى التلف صار غير مباح فضمن كذلك وطء الإفضاء غير مباح فضمن. فصل: وأما مالك فاستدل على أن في الإفضاء حكومة بأن الحاجز بين المخرجين كالحاجز في الأنف بين المنخرين وقد ثبت في الحاجز بين المنخرين إذا قطع حكومة كذلك في خرق الحاجز بين المخرجين حكومة. ودليلنا: هو أن الحاجز بين المخرجين أعظم منفعة من الشفرين لأن خرق الحاجز يفضي إلى استرسال البول وقطع الشفرين لا يقتضيه ثم ثبت أن في الشفرين الدية فكان في خرق الحاجز أولى أن تجب فيه الدية. فأما الحاجز بين المنخرين فمخالف للحاجز بين المخرجين لأن هذا عضو بكماله فجاز أن تكمل فيه الدية وذاك بعض عضو فلم تكمل فيه الدية.

стр. 4623

فصل: فإذا تقرر أن في الإفضاء الدية مع المهر فإنما يجب فيه الدية إذا لم يلتحم الحاجز على حاله منخرقًا فأما إن التحم وعاد إلى حاله حاجزًا بين المخرجين فلا دية فيه وفيه حكومة لأنه جانٍ عليه وليس بمستهلك له ولهذا قال الشافعي: ولو أفضاها فلم تلتئم فعليه ديتها فدل على أن التئامه يمنع وجوب ديتها وإذا كان كذلك فالدية إذا وجبت فيه فهي إن عمد ففي حالة وإن أخطأ فعلى عاقلته ثم هو ممنوع من وطئها حتى يندمل جرحها ويبرأ الفرج الذي لا يضرها جماعة فيمكن حينئذٍ جماعها فلو ادعى برأها واندمالها ليطأها وقالت: بل أنا على مرضي لم أبرأ منه ولم يندمل وأنكر ما قالت فالقول قولها مع يمينها ويمنع من وطئها لأمرين: أحدهما: أن مرضها متيقن وبرئها مظنون. والثاني: أنه مغيب يمكن صدقها فيه فجرى مجرى الحيض ثم لها النفقة وإن كان ممنوعًا منها كالمريضة, والله أعلم. مسألة: قَالَ الشَافِعِيُّ: "فَإن دَخَلَت عَلَيهِ فَلم يَمسَّهَا حَتَّى طَلَقَهَا فَلَهَا نِصفُ المَهرِ لِقَول الله تَعَالى: ﴿وإن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] فَإنِ احتَجَ مُحتَجٍ بِالأثَرُ عَن عُمَر ﵁ في إغلَاقُ البَابِ وَإرخَاءِ السَّترِ أَنَهُ يُوجِبُ المَهرَ فَمِن قَولِ عُمَرَ مَا ذَنبُهُنَ لو جَاءَ بِالعَجزِ مِن قِبَلُكم؟ فَأخبَرَ أنَّهُ يَجِبُ إذا حَلَّت بَينَهُ وبَينَ نَفسِهَا كَوُجُوبِ الثَّمَنِ بِالقَبضِ وَإن لم يُغلِق بَابًا ولم يرُخِ سِترًا". قال في الحاوي: وصورتها أن يطلق الرجل زوجته المسمى لها صدقًا معلومًا فلا يخلو حال طلاقه من ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون قبل الدخول بها وقبل الخلوة وليس لها من المهر إلا نصفه وملك الزوج نصفه لقوله تعالى: ﴿وإن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]. والثاني: أن يطلقها بعد الدخول يوطء تام تغيب به الحشفة فقد استقر لها جميع المهر الذي كانت مالكة له بالعقد لقوله تعالى: ﴿وكَيْفَ تَاخُذُونَهُ وقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٢١]. وهذا القسمان متفق عليهما. والثالث: أن يطلقها بعد الخلوة بها وقبل الإصابة لها فقد اختلف الفقهاء فيه على ثلاثة مذاهب:

стр. 4624

أحدها: وهو قول الشافعي في الجديد والمعمول عليه من مذهبه: أنه ليس لها من المهر إلا نصفه ولا تأثيرة للخلوة في كمال المهر ولا إيجاب عدة. وبه قال الصحابة: ابن عباس وابن مسعود. ومن التابعين: الشعبي وابن سيرين ومن الفقهاء: أبو ثور. والثاني: أن الخلوة كالدخول في كمال المهر ووجوب العدة وبه قال من الصحابة: عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن عمر ﵃. ومن التابعين: الزهري ومن الفقهاء الثوري وأبو حنيفة وبه قال الشافعي في القديم. إلا أن أبي حنيفة يعتبر الخلوة القاممة في الكمال المهر ووجوب العدة بأن لا يكونا محرمين ولا صائمين. والثالث: أن الخلوة يد لمدعي الإصابة منهما في كمال المهر أو وجوب العدة فإن لم يدعياها لم يكمل بالخلوة مهر ولا يجب بها عدة وهذا مذهب مالك وبه قال الشافعي في الإملاء. واستدل من نصر قول أبي حنيفة في أن الخلوة تقتضي كمال المهر ووجوب العدة بقوله تعالى: ﴿وإنْ أَرَدْتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وآتَيْتُمْ إحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلا تَاخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أتَاخُذُونَهُ بُهْتَانًا وإثْمًا مُّبِينًا (٢٠) وكَيْفَ تَاخُذُونَهُ وقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إلَى بَعْضٍ وأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: ٢٠ - ٢١] ولهم من الآية دليلان: أحدهما: عموم قوله: ﴿فَلا تَاخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠] إلا ما خصه دليل. والثاني: قوله: ﴿وقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٢١] قال الفراء: معناه وقد خلا بعضكم ببعض لأن الفضاء هو الموضع الواسع الخالي وقول الفراء فيما تعلق باللغة حجة. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "من كشف قناع امرأة فقد وجب لها هذا المهر كاملاً" وهذا نص. وروي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: "ماذا بهن إن جاء العجز من قبلكم". وروي عن زرارة بن أوفي أنه قال: قضى الخلفاء الراشدون المهديون أنه من أغلق بابًا وأرخى سترًا فقد دخل بها أو لم يدخل وقد قال النبي: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضو عليها بالنواجذ".

стр. 4625

ومن القياس: أن النكاح عقد على منفعة فوجب أن بكون التمكين من الن=منفعة بمنزلة استيفائها في استقرار بدلها كالإجازة ولأن التسليم المستحق بالعقد قد وجد من جهتها فوجب أن يستقر العوض لها أصله: إذا وطئها. ولأن المهر في مقابلة الإصابة كما أن النفقة في مقابلة الاستمتاع ثم ثبت أن التمكين من الاستمتاع في استقرار النفقة فوجب أن يكون التمكين من الإصابة بمنزلة الإصابة في استقرار المهر. والدليل على أن الخلوة لا تتعلق بها حكم في كمال المهر ولا وجوب عدة ولا بدء في دعوى قوله تعالى: ﴿وإن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] والمسيس عبارة عن الوطء الثلاثة معانٍ: أحدها: أنه المروي في التفسير عن ابن عباس وابن مسعود. والثاني: أن المسيس كتابة لما يستقبح صريحه وليست الخلوة مستقبحة التصريح فينكى عنها والوطء مستقبح فكني بالمسيس عنه. والثالث: أن المسيس لا يتعلق به عن المذهبين كمال المهر لأنه خلا بها من غير مسيس كمل عندهم المهر ولو وطئها من غير خلوة كمل عليه المهر ولو مسها من غير خلوة ولا وطء يكمل المهر فكان حمل المسيس على الوطء الذي يتعلق به. الحكم أولى من حمله على غيره وإذا كان كذلك فقد جعل الطلاق قبل المسيس الذي هو الوطء موجبًا لاستحقاق نصف المهر. ومن طريق القياس: أنه طلاق قبل الإصابة فوجب أن لا يكمل به المهر كالطلاق قبل الخلوة ولأنها خلوة خلت عن الإصابة فوجب أن لا يكمل بها المهر كالخلوة إذا كان أحدهما محرمًا أو صائمًا فرضًا ولأن ما يوجب الغسل لا يوجب كمال المهر كالقبلة من غير خلوة ولأن الخلوة لما لم يقم في حقها مقام الإصابة لم يقم في حقه مقام الإصابة كالنظر وبيان ذلك أنه لو خلا بها لم يسقط بها حق الإيلاء والعنة ولأن ما لا يثبت به حق التسليم في أحد جنبي العقد لم يثبت به حق التسليم في الجنبة الأخرى قياسًا على تسليم المبيع والمجر إذا كان دون قبضهما حائل ولأن للوطء أحكامًا تختص به من وجوب الحد والغسل وثبوت الإحصان والإحلال للزوج الأول وسقوط العنة وحكم الإيلاء وإفساد العبادة ووجوب الكفارة واستحقاق المهر في النكاح الفاسد وكماله في الصحيح ووجوب العدة فيهما. فلما انتفي عن الخلوة جميع هذه الأحكام سوى تكميل المهر والعدة انتفي عنها هذان اعتبارًا بسائر الأحكام. وتحريره قياسًا: أنه حكم من أحكام الوطء فوجب أن ينتفي عن الخلوة قياسًا على ما ذكرنا.

стр. 4626

فأما الجواب عن الآية فمن وجهين: أحدهما: أن الفراء قد خولف في تفسير الفضاء فقال الزجاج في "معانيه": أنه الغشيان وقال ابن قتيبة في "غريب القرآن" هو الجماع فكان قول الفراء محجوجًا بغيره. والثاني: أن الآية التي استدللنا بها مفسرة تقضي على هذا المجمل. وأما الجواب عن الخبر: فهو أن كشف القناع لا يتعلق به كمال المهر عندنا ولا عندهم فإن جعلوه كناية في الخلوة كان جعله كناية في الوطء أولى. وأما الجواب عن الأثر عن عمر ﵁ في قوله "ما ذنبهن إن جاء العجز من قبلكم" فهو أن يقتضي أن يكون لها المهر مع العجز سواء كانت خلوة أو لم تكن فيكون معناه استحقاق دفعه قبل الطلاق وكذلك الجواب عن حديث زرارة بن أوفي. وأما الجواب عن قياسهم على الإجازة فمنتقض ممن سلمت نفسها في صوم أو إحرام أو حيض. فإن قيل: الصوم والإحرام مانع فلم يتم التسليم. قبل الجب والعنة أبلغ في المنع ولا يمنع من التسليم الموجب لكمال المهر عندهم بالخلوة على أنه وطء في الصيام أو الإحرام لكمل المهر واستقر فجاز أن تكون الخلوة لو أوجبت كمال المهر في غير الإحرام موجبة لكمال الإحرام كالوطء. على أن صوم التطوع يصير عندهم واجبًا بالدخول فيه ولا يمنع الخلوة فيه من كمال المهر عندهم فكذلك غيره من صوم الفرض. على أن الإجازة مقدرة بالزمان فجاز أن تستقر الأجرة بالتمكين فيه لتقضيه وليس النكاح مقدرًا بالزمان فلم يستقر المهر فيه بالتمكين إلا بانقضاء زمانه بالموت أو بالوطء في حال الحياة لأنه مقصود بالعقد, وأما قياسهم على الوطء فالمعنى في الأصل استيفاء حقه بالوطء وليس كذلك الخلوة. وأما استدلالهم بالنفقة: فالجواب عنه أن النفقة مقابلة بالتمكين دزن الوطء ولذلك وجب لها النفقة مع التمكين في الصيام والإحرام وليس كذلك المهر لأنه في مقابلة الوطء لأنهم لا يكملون المهر بالخلوة في حال الإحرام والصيام. فصل: واستدل من نصر قول مالك: أن الخلوة يد لمدعي الإصبة من الزوجين بأن الحخلوة في دعوى الإصابة تجري مجرى اللوث في القسامة وذلك موجب لتصديق المدعي فكذلك الخلوة ولأن الإصابة مما يستره الناس ولا يفعلونه فتعذرت إقامة البينة عليها فجاز أن يعمل فيها على ظاهر الخلوة الدالة عليها في قبول قول مدعيها كما يقبل قول المولى في دعوى الإصابة والدليل عليه: قول النبي ﷺ : "البينة على المدعي واليمين على المدعى

стр. 4627

عليه" فكان على عمومه. ولأن اختلاف الزوجين في الإصابة لا يوجب ترجح من يدعيها بالخلوة كما لو خلا بها ليلة في بيتها. فأما استدلاله في ذلك باللوث فغير معتبر في ترجيح الدعوى في الأموال وإن كان معتبرًا في ترجيح الدعوى في الدماء. وأما قبول المولى في دعوى الإصابة فلأن الأصل فيه ثبوت النكاح فلم تصدق الزوجة في استحقاق فسخه والأصل هاهنا براءة الذمة وعدم العدة فلم يصدق مدعي استحقاقهما. مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَسَوَاءَ طَالَ مَقَامُهُ أو قَصُرَ لَا يَجِبُ المَهرُ والعِدَّةُ إلَّا بِالمَسيسِ. قَالَ المُزنِيُّ ﵀: قَد جَاءَ عَن ابنِ مَسعُودٍ وابنَ عَبَاسٍ مَعنَى مَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَهوَ ظَاهِرُ القُرآن". قال في الحاوي: وهذا إنما قال الشافعي ردًا على مالك فإنه زعم أن الخلوة إن كانت في بيت الزوج فالقول معها قول المدعي الإصابة. وإن كانت في بيت الزوجة فإن طالت حتى زالت الشمة بينهما فالقول قول مدعي الإصابة منهما. وإن قصرت ولم تزل الحشمة بينهما فالقول قول منكرها استدلالاً بأنه عرف الحكام بالمدينة. وهذا فاسد لأن الخلوة إن أوجبت كمال المهر استوي حكم طويلها وقصيرها إن تكون في بيته أو بيتها كالإصابة. وإن لم توجب كمال المهر كانت في جميع أحوالها كذلك وقد تكون الإصابة في قليل الخلوة ولا تكون في كبيرها وقد تكون الإصابة في خلوة بيتها ولا تكون في خلوة بيته. فلم يكن لهذا التفصيل معنى يوجبه ولا تعليل يقتضيه ولا أصل يرجع إليه وفعل حكام المدينة ليس بحجة إذا لم يقترن بدليل. فصل: فإذا تقرر ما وصفنا فلا يخلو حال الزوجين إذا خلوة من أربعة أحوال: إحداهن: أن يتفقا على الإصابة فيكمل المهر وتجب العدة وتستحق الرجعة إجماعًا على الأقاويل كلها. والثانية: أن يتفقا على عدم الإصابة.

стр. 4628

فعلى قول الشافعي في الجديد والإملاء لا يكمل المهر ولا تجب العدة ولا تستحق الرجعة. فعلى هذا: لو جاءت بولد لستة أشهر فصاعدًا من وقت العقد وقد اتفقا على أن الإصابة بينهما لحق به الولد لأنها فراس. وفي استكمال المهر على الجديد والإملاء وجهان: أحدهما: يستكمل المهر لأن حدوث الولد دليل على تقدم الإصابة. والثاني: أنه لا يستكمل المهر ولا يكون لها إلا نصفه لجواز أن يكون قد استدخلت فيه فعلقت منه غير إصابة. فأما على قوله في القديم ففيه وجهان لأصحابنا: أحدهما: أن المهر كامل والعدة واجبة والرجعة مستحقة اعتبارًا بحكم الخلوة. والثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة أنه لا يكمل المهر ولا تجب العدة ولا تستحق الرجعة اعتبارًا بعدم الإصابة. والثالثة: أن تدعي الزوجة الإصابة وينكرها الزوج فقد وجبت عليها العدة بإقرارها على الأقاويل كلها إلا على أحد وجهي قوله في القديم فإما استكمال المهر فعلى قوله في القديم قد استكملته بيمين وعلى قول في الإملاء لا تستكمله إلا بيمين لأنه يجعل الخلوة بدًا. وعلى قوله في الجديد: القول قول الزوج مع يمينه وليس لها من المهر إلا نصفه فإن أقامت الزوجة البينة على إقرار الزوج بالإصابة سمعت البينة بشاهد وامرأتين وشاهد يمين لأنها بينة لإثبات مال. والرابعة: أن يدعي الزوج الإصابة وتنكرها الزوجة فهذه الدعوى منه إنما هي لوجوب العدة واستحقاق الرجعة. فعلى قوله في القديم: القول قول الزوج بلا يمين. وعلى قوله في الإملاء: القول قوله مع يمينه ويحكم بوجوب العدة عليها وباستحقاق الرجعة له. وعلى قوله في الجديد: القول قول الزوجة مع يمينها ولا عدة عليها ولا رجعة له فأما المهر فقد استكمله على قوله في القديم. فأما في الجديد والإملاء فليس لها إلا نصفه لكن إن كان في المهر في يدها فليس للزوج استرجاع نصفه لأنه لا يدعيه وإن كان في يد الزوج فليس لها أن تطالبه إلا بنصفه لأنها تنكر استحقاق جميعه. فلو أقام الزوج البينة على إقرارها بالإصابة لتثبت له الرجعة والعدة سمعت بشاهدين عدلين ولم تسمع بشاهد وامرأتين لأنها على غير مال.

стр. 4629

فصل: وإذا خالع الرجل زوجته المدخول بها على طلقة واحدة بعوض ثم تزوجها في عدتها وطلقها في النكاح الثاني قبل دخوله بها كان لها نصف المهر المسمى في النكاح الثاني: وقال أبو حنيفة: لها فيه جميع المهر وإن لم يدخل بها استدلالًا بأمرين: أحدهما: أنه نكاح قد وجب عليها فيه العدة فوجب أن يكمل لها فيه جميع المهر كالمدخول بها. والثاني: أن حكم الوطء موجود فيه للحوق ولدها فوجب أن يثبت حكمه في كمال المهر. ودليلنا في قول الله تعالى: ﴿وإن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] وهذا نكاح لم يمسها فيه فوجب أن لا يستحق من المفروض لها إلا نصفه وأنها مطلقة من نكاح لم يصبها فيه فوجب أن ينتصف صداقها كما لو طلقها بعد انقضاء عدتها. فأما استدلاله بأنها تعتد منه فليس بصحيح لأنها تعتد من الأول دون الثاني لأنها تأتي بباقي العدة دون جميعها. وأما استدلاله بأن حكم الوطء يلحق ولدها به موجود فيه ففاسد لأن لحوقه بالنكاح الأول دون الثاني لأمرين: أحدهما: أنها لو وضعته لأقل من ستة أشهر من النكاح الثاني لحق به. والثاني: أنه إن لم يتزوجها بالعقد الثاني وجاءت بولد لأقل من أربع سنين من فراق النكاح الأولى لحق به. والله اعلم. باب المتعة قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: "جَعَلَ اللهُ المُتْعَةَ لِلْمُطَلَّقَاتِ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مُتْعَةٌ إِلَّا الَّتِي فُرِضَ لَهَا وَلَمْ يُدْخَلْ بِهَا فَحَسْبُهَا نِصْفُ المَهْرِ". قال في الحاوي: أما النفقة فما قدمناه من المال المستحق بالفرقة في النكاح مأخوذ من المتاع وهو كل ما استمتع به من المنافع ومنه قول الشاعر: وَكُلُّ عِمَارَةٍ مِنْ حَبِيبٍ لَهَا بِكَ لَوْ لَهَوْتَ بِهِ مَتَاعُ والكلام في هذه المسألة يشتمل على الطلاق الذي يستحق به المتعة والطلاق ينقسم ثلاثة أقسام: قسم يوجب المتعة.

стр. 4630

وقسم لا يوجبها. وقسم مختلف فيه. فأما القسم الذي يوجب المتعة فهو طلاق المفوضة التي لم يسلم لها صداق ولا فرض بها بعد العقد صداق إذا طلقت قبل الدخول فلا ينصف لها صداق وليس لها إلا متعة على ما قدمنا بيانها قول الله تعالى: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦] فجعل لها المتعة إذا لم يكن لها مهر ولم يدخل بها وهذه المتعة واجبة واستحبها مالك ولم يوجبها لقول الله تعالى: ﴿حَقًّا عَلَى المُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦] وقد مضى عليه من الكلام ما أقنع مع ظاهر ما تضمنته الآية من الأمر لها المتعة لخلا بضعها من بدل فصارت كالموهوبة التي خص بها رسول الله ﷺ دون غيره من أمته ولأنها قد ابتذلت بالعقد الذي لم تملك له بدلًا فاقتضى أن تكون المتعة فيه بدلًا لأنه لا تصير مبتذلة بغير بدل. وأما القسم الذي لا يوجب المتعة فهو الطلاق قبل الدخول لمن سمى لها مهر بالعقد أو فرض لها مهر قبل الطلاق وبعد العقد فلها نصف المهر المسمى أو المفروض ولا متعة لها لقول الله تعالى: ﴿وإن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] فلم يجعل لها إلا نصف المهر ولأنها قد ملكت نصف المهر بما ابتذلت به من العقد فلم يجعل بها غيره لئلا يجمع بين بدلين ولأن طلاقها قبل الدخول قد أسقط شعر مهرها فلا معنى لأن تستحق به متعة فوق مهرها. والقسم المختلف فيه هو الطلاق بعد الدخول لمن سمي لها مهرًا أو لم يسم فلها المهر المسمى أو مهر المثل إن لم يكن مسمى وفي وجوب المتعة قولان: أحدهما: وهو قوله في القديم وبه قال أبو حنيفة: لا متعة لها لأن الله تعالى أوجب المتعة بشرطين هما: عدم المهر وعدم الدخول فلم يجزأن يجب لفقدهما ولأنه نكاح لم يخل من عوض فلم يجب فيه متعة كالمطلقة قبل الدخول إذا كان لها مهر سمي ولأنه لما لم يجب لها متعة إذا استحقت نصف المهر فأولى أن لا يجب لها متعة إذا استحقت جميع المهر ولأن استحقاق المتعة لأن لا تصير مبتذلة بغير عوض وقد صارت إلى عوض فلم يجمع لها بين عوضين. والثاني: وهو قوله في الجديد: لها المتعة لقوله تعالى: ﴿ولِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٤١] فكان على عمومه إلا ما خصه الدليل في المطلقة قبل الدخول وليس لها مهر مسمى. فإن قيل: فهذه الآية مجملة فسرها قوله تعالى: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦]. قيل: حمل الآيتين على عموم وخصوص أولى من حملها على مجمل ومفسر لأن العموم يمكن استعماله بنفسه والمجمل لا يمكن استعماله بنفسه ولقوله تعالى في أزواج

стр. 4631

النبي ﷺ : ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً﴾ [الأحزاب: ٢٨] وفيه تقديم وتأخير وتقديره: فتعالين أسرحكن وأمتعكن وقد كن كلهن مدخولًا بهن فدل على وجوب المتعة للمدخول بها ولأنه إجماع الصحابة أن المتعة لكل مطلقة إلا التي طلقت قبل الدخول ولم يفرض لها مهر. وروي ذلك عن عمر وابن عمر وليس يعرف لهما في الصحابة مخالف ولأنه طلاق لم يسقط به شيء من المهر فجاز أن تجب لها المتعة كالمطلقة قبل الفرض وقبل الدخول. ولأن استكمال المهر في مقابلة الدخول بدليل استحقاقه بوطئ الشبهة فاقتضى أن يستحق في مقابلة العقد الذي ابتذلت به بدل وهو المتعة. ولأن النكاح الصحيح أغلظ من النكاح الفاسد في استحقاق العوض بدليل أنها في النكاح الصحيح تستحق بالطلاق فيه قبل الدخول من العوض ما لا يستحقه في النكاح الفاسد فوجب أن تستحق بالطلاق فيه بعد الدخول من المتعة مع مهر ما لا يستحقه في النكاح الفاسد. ولو سقطت المتعة وقد استويا في المهر لم يتغلظ في العوض فإذا تقرر توجيه القولين فعلى القديم منهما لا متعة إلا لمطلقة واحدة وهي المطلقة قبل الدخول وليس لها مهر مسمى. وعلى الجديد المتعة واجبة لكل مطلقة إلا لمطلقة واحدة وهي المطلقة قبل الدخول ولها مهر مسمى. مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "فَالمُتْعَةُ عَلىَ كُلِّ زَوْجٍ طَلَّقَ وَلِكُلِّ زَوْجَةٍ إِذَا كَانَ الفِرَاقُ مِنْ قِبَلِهِ أَوْ يَتِمُّ بِهِ مِثْلُ أَنْ يُطَلِّقَ أَوْ يُخَالِعَ أَوْ يَمْلِكَ أَوْ يُفَارِقَ وَإِذَا كَانَ الفِرَاقُ مِنْ قِبَلِهِ فَلَا مُتْعَةَ لَهَا وَلا مَهْرَ أَيْضًا لأَنَّها لَيْسَتْ بِمُطَلَّقَةٍ وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَتْ أَمَةً فَبَاعَهَا سِيِّدُهَا مِنْ زَوْجِهَا فَهُوَ أَفْسَدَ النِّكَاحَ بِبَيْعِهِ إِيَّاهَا مِنْهُ فَأَمَّا المُلَاعَنَةُ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْهُ وَمِنْهَا وَلأَنَّهُ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا فَهِيَ كَالمُطَلَّقَةِ وَأَمَّا امْرَأَةُ العِنِّينِ فَلَوْ شَاءَتْ أَقَامَتْ مَعْهُ وَلَهَا عِنْدِي مُتْعَةٌ وَاللهُ أَعْلَمُ. قَالَ المُزَنِيُّ ﵀: عِنْدِي غَلَظٌ عَلَيْهِ وَقِيَاسُ قَوْلِهِ لَا حَقَّ لَهَا لأَنَّ الفِرَاقَ مِنْ قِبَلِهَا دُونَهُ". قال في الحاوي: أعلم أن المتعة لا يختلف وجوبها باختلاف الأزواج والزوجات فهي على كل زوج من حر وعبد مسلم وكافر ولكل زوجة من حرة أو أمة مسلمة أو كافرة. وقال الأوزاعي: إذا كان الزوجان مملوكين أو أحدهما فلا متعة بينهما: وهذا فاسد لعموم قوله تعالى: ﴿ولِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٤١] ولأن المتعة وجبت لتكون المطلقة مفارقة للموهوبة فاقتضى أن يستوي فيها الأحرار والعبيد كما يستوي في حظر الموهوبة

стр. 4632

حال الأحرار والعبيد فإذا ثبت أنه يستوي فيها كل زوج مع كل زوجة انتقل الكلام إلى تفصيل الفرقة التي تستحق به المتعة والفرقة الواقعة بين الزوجين تنقسم إلى خمسة أقسام: أحدها: أن تكون بالموت. والثاني: أن تكون من الزوج. والثالث: أن تكون من الزوجة. والرابع: أن تكون منهما. والخامس: أن تكون من أجنبي غيرهما. فأما القسم الأول: وهو أن تكون الفرقة بالموت فلا متعة فيها سواء كانت بموت الزوج أو بموت الزوجة سواء توارثا أم لا؟ لأن الله تعالى أوجبهما للمطلقة لأن قطع عصمتها وهذا المعنى معدوم في الوفاة وهكذا لو وقعت الفرقة بميراث عن وفاة بأن تكون الزوجة أمة فيرثها الزوج أو يكون الزوج عبدًا فترثه الزوجة فقد وقعت الفرقة بينهما لأن أحد الزوجين لا يصح أن يملك صاحبه وإذا وقعت الفرقة بينهما بالتوارث فلا متعة لأنها عن الموت حدثت ولأنه إن كان الزوج هو الوارث لها فهي أمته والأمة لا تملك في ذمة سيدها مالًا فلم يجب لها عليه متعة وإن كانت الزوجة هي الوارثة له فقد صار عبدًا لها والسيد لا يثبت له في ذمة عبده مال فلم يجب لها عليه متعة. وأما القسم الثاني: وهو أن تكون الفرقة من الزوج دونها فخمس فرق: أحدها: الطلاق وهو موجب للمتعة على ما مضى. والثاني: باللعان لأنه وإن تم بهما فالفرقة واقعة بلعان الزوج وحده فهو كالطلاق في استحقاق المتعة به، ولأن الفرقة به أغلظ من الفرقة بالطلاق لتأييدها فكانت بوجوب المتعة أحق. والثالث: الردة وهو أن يرتد عن الإسلام فتقع الفرقة بردته فتكون كالفرقة بالطلاق في استحقاق المتعة لأنها لما وجبت بالطلاق المباح كان وجوبها بالردة المحرمة الأولى. والرابع: الإسلام هو أن يسلم الزوج دونها فتبين بإسلامه فلها المتعة كالطلاق لأنها لما وجبت عليه بفرقة كفره كان وجوبها بفرقة إسلامه أولى. والخامس: الفسخ بالعيوب فإن كان ذلك رفعًا للعقد لتقدمه عليه فلا متعة فيه لأنه لما أسقط المهر كان بإسقاطه المتعة أولى وإن كان ذلك قطعًا للعقد بحدوثه بعدة فهو وجوب المتعة كالطلاق لأنه لما لم يسقط به المهر لم تسقط به المتعة. وأما القسم الثالث أن تكون الفرقة من جهتها دونه فلا متعة فيها وإن تنوعت لأنه لما كان فسخها مسقطًا لصداقها فأولى أن يسقط متعتها وهذه الفرقة قد تكون من ستة أوجه: أحدها: بردتها. الثاني: بإسلامها.

стр. 4633

والثالث: بأن تجد فيه عيبًا فتفسخ نكاحه. والرابع: أن تعتق زوجها عبد فتختار فسخ نكاحه. والخامس: بأن يعسر الزوج بنفقتها فتختار فسخ نكاحه. والسادس: بأن تظهر فيه عنة فيؤجل لها ثم تختار فسخ نكاحه بها ألا أن المزني حكي عن الشافعي في هذا الموضع أنه قال: وأما امرأة العنين فلو شاءت أقامت معه ولها عندي متعة قال المزني: وهذا عندي غلط عليه وقياس قوله لا حق لها أن الفرقة من قبلها دونه. وهذا وهم من المزني في النقل واستدراك منه في الحكم لأن الشافعي قد قال في كتاب الأم وأما امرأة العنين فلو شاءت أقامت معه فليس لها عندي متعة فسها الكاتب في نقله فأسقط قوله: "فليس" ونقل ما بعده فقال: فلها عندي متعة وتعليل الشافعي يدل على السهو في النقل لأنه قال: فلو شاءت أقامت معه فقد بين أن الفرقة من جهتها والفرقة إذا كانت منها أسقطت متعتها. وأما القسم الرابع: وهو أن تكون الفرقة من جهتها فهو على ضربين: أحدهما: أن يغلب فيه جهة الزوج. والثاني: أن يغلب فيه جهة الزوجة. فأما ما يغلب فيه جهة الزوج فشيئان: أحدهما: الخلع لأنه تم بهما إلا أن المغلب فيه الزوج لأن الفرقة من جهته وقعت ولأنه قد يصل إلى الخلع عنها مع غيرها. والثاني: أن يملكها طلاق نفسها أو يجعل ذلك إلى مشيئتها فتطلق نفسها وتشاء طلاق نفسها فتقع الفرقة بهما إلا أن جهة الزوج أغلب للأمرين المتقدمين وهو أن الفرقة من جهته وقعت ولأنه قد كان يقدر أن يجعل طلاقها إلى غيرها أو أن تعلقه بمشيئة غيرها فيكون في حكم الطلاق إذا انفرد الزوج بإيقاعه في وجوب المتعة به على ما فصلنا. وأما ما يغلب فيه جهة الزوجة فهو أن تكون أمة فيبتاعها الزوج من سيدها فقد وقعت الفرقة من جهتها لأنها تمت ببيع السيد وابتياع الزوج والسيد من جهتها فظاهر نص هذا الموضع أنه لا متعة لها وقد نص عليه في القديم وقال في الإملاء: لها المتعة فاختلف أصحابنا فذهب أكثرهم إلى تخريج ذلك على قولين: أحدهما: وهو المنصوص عليه في القديم والمشار إليه في هذا الموضع أنه لا متعة لها لأن السيد في هذا الموضع بمنزلة الزوج في الخلع فاقتضى أن يغلب جهة السيد هاهنا في سقوط المتعة كما يغلب في الخلع جهة الزوج في وجوب المتعة ولأن السيد قد كان يصل إلى بيعها من غيره فصار اختياره للزوج اختيار للفرقة. والثاني: وهو المنصوص عليه في الإملاء لها المتعة لأن البائع والمشتري يتساويان في وقوع العقد بهما وقد اختص الزوج بمبائرة العقد دونها فاقتضى أن يترجح حاله في

стр. 4634

وجوب المتعة عليها وقال أبو إسحاق المروزي: ليس ذلك على اختلاف قولين وإنما هو على اختلاف حالين فنصه في القديم وفي هذا الموضع على أنه لا متعة لها محمول على أن المستدعى للبيع هو السيد فغلبت جهته في سقوط المتعة ونصه في الإملاء أن لها المتعة محمول على أن المستدعى للبيع هو الزوج فغلبت جهته في وجوب المتعة. وأما القسم الخامس: وهو أن تكون الفرقة من غيرهما وهو أن تكون زوجته صغيرة فترضعها أمه أو بنته فتحرم عليه فتكون هذه الفرقة كالطلاق لأنها تملك بها نصف مسمى فوجب أن تستحق المتعة عند عدم المسمى وترجع بالمتعة على التي حرمتها كما ترجع عليها بصداقها والله أعلم. فرع وإذا تزوج امرأة وأصدقها أن تعتق عبده سالمًا عنها صح الصداق وعليه عتقه عنها لأن المعاوضة على هذا العق جائزة فلو أعتقه ثم طلقها قبل الدخول رجع عليها بنصف قيمته ولو طلقها قبل الدخول وقبل عتقه عنها فقد اختلف أصحابنا في ذلك على وجهين: أحدهما: أنه يعتق عنها نصفه ويقوم عليها نصفه الباقي إن كانت موسرة لأن عتق نصفه كان باختيارها فلذلك وجب تقديم باقيه عليها. والثاني: أنه لا يعتق عنها شيء منه لما فيه من إدخال الضرر عليها في التقويم وإدخاله على العبد وعلى السيد في التبعيض وترجع الزوجة عليه ببدله وفيه قولان: أحدهما: قيمة نصف العبد. والثاني: نصف مهر مثلها ليرفع ذلك الضرر عن الجميع. فرع وإذا أصدق الذمي الذمية الخمر في يد الزوج خلًا بغير علاج وأسلم الزوجين فهذا على ضربين: أحدهما: أن يصير الخمر خلًا قبل إسلامهما فعليه أن يدفعه إليها بعد مصيره خلًا. والثاني: أن يصير خلًا بعد إسلامها فلا يلزمه دفعه خلًا إليها ويدفع إليها مهر مثلها. والفرق بينهما أنه قبل الإسلام يجوز دفعه خمرًا فلذلك وجب دفعه بعد مصيره خلًا لبقاء حكم الصداق عليه وبعد الإسلام لا يجوز دفعه خمرًا فلم يجب دفعه بعد مصيره خلًا لانتفاء حكم الصداق عنه فلو دفع الخمر إليها في الشرك ثم أسلما وطلقها الزوج قبل الدخول لم يرجع عليها بنصف الخمر لأن الخمر لا يستحقه ولا بقيمته لأننا لا نحكم له بقيمته ولا ببدله لأن ما لا قيمة له لا بدل له فلو كان الخمر قد صار خلًا قبل طلاقه ففي رجوع الزوج بنصفه وجهان:

стр. 4635

أحدهما: يرجع بنصف الخل لأن عين الصداق موجودة على صفة يجوز أن يملك معها. والثاني: أنه لا يجوز أن يرجع بنصفه لزيادته على حال ما أصدق ولا يرجع بقيمة الخمر لأنها لا تجوز فلا يرجع بشيء في هذا الطلاق ولا فرق هاهنا بين أن يصير خلًا قبل إسلامها أو بعده لاستقرار ملكها عليه بالقبض ولكن لو صار خلًا بعد الطلاق لم يرجع عليه بنصفه وجهًا واحدًا لكونه وقت طلاقها غير مستحق ولو صار قبل طلاقها فاستهلكه ثم طلقها قبل الدخول لم يرجع عليها بنصف قيمة الخل وجهًا واحدًا ولا يكون له عليها شيء لأن ما يرجع الزوج به من قيمة الصداق معتبر بأقل أحواله من وقت العقد إلى وقت القبض ولو كان في هذه الأحوال مما لا قيمة له. فرع وإذا زوج الرجل عبده بامرأة وجعل رقبته صداقها فإن كانت الزوجة حرة فالنكاح باطل لأن تصحيح النكاح يجعلها مالكة لزوجها وإذا ملكت المرأة زوجها بطل النكاح. فإذا قيل: فهلا صح النكاح وبطل الصداق. قيل: لأن هذا العقد أوجب أن يكون الزوج مالكًا لبضعها بالنكاح وأن تكون الزوجة مالكة لرقبته بالصداق وليس إثبات أحدهما بأولى من النكاح الآخر فبطلا جميعًا وإن كانت الزوجة أمة صح النكاح والصداق جميعًا لأنه يصير بهذا العقد ملكًا لسيد زوجته وليس يمتنع أن يكون الزوجان في ملك سيد واحد فلو أن العبد والمسألة بحالها طلق زوجته الأمة قبل الدخول ففيه وجهان: أحدهما: يرجع سيده المزوج له بنصفه. والثاني: لا يرجع بشيء وهذان الوجهان بناء على اختلاف أصحابنا فيمن أصدق عن عبده مالًا ثم طلق العبد قبل الدخول وقد باعه سيده فهل يكون نصف الصداق ملكًا لسيده الأول الذي بذله عنه أو لسيده الثاني الذي طلق وهو في ملكه على وجهين ذكرناهما في كتاب النكاح وبالله التوفيق. باب الوليمة والنثر قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: "الوَلِيمَةُ الَّتِي تُعْرَفُ وَلِيمَةُ العُرْسِ وَكُلُّ دَعْوَةٍ عَلَى إِمْلَاكٍ أَوْ نِفَاسٍ أَوْ خِتَانٍ أَوْ حَادِثِ سُرُورٍ فَدُعِيَ إِلَيْهَا رَجُلٌ فَاسْمُ الوَلِيمَةِ يَقَعُ عَلَيْهَا وَلَا أُرَخِّصُ فِي تَرْكِهَا وَمَنْ تَرَكها لَمْ يَبِنْ لِي أَنَّهُ عَاصٍ كَمَا يَبِينُ لِي فِي وَلِيمَةِ العُرْسِ لأَنِّي لَا أَعْلَمُ أَنْ النَّبِيَّ ﷺ تَرَكَ الوَلِيمَةَ عَلَى عُرْسٍ وَلَا أَعْلَمُهُ، أَوْلمَ عَلَى غَيْرِهِ وَأَوْلَمَ عَلَى صَفِيِّةَ ﵂ فِي سَفَرٍ بِسَويقٍ وَتَمْرٍ. وَقَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمنِ: "أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ".

стр. 4636

قال في الحاوي: وأما الوليمة فهي إصلاح الطعام واستدعاء الناس لأجله والولائم ست: وليمة العرس: وهي الوليمة على اجتماع الزوجين. ووليمة الخرس: وهي الوليمة على ولادة الولد. ووليمة الإعذار: وهي الوليمة على الختان. ووليمة الوكيرة: وهي الوليمة على بناء الدار قال الشاعر: كُلُّ الطَّعَامِ تَشْتَهِي رَبِيعَه الخُرْسُ وَالإِعْذَارُ وَالوَكِيرَه ووليمة النقيعة: وهي وليمة القادم من سفره وربما سموا الناقة التي تنحر للقادم نقيعة، قال الشاعر: إِنَّا لًَنَضْرِب بِالسُّيُوفِ رُؤُوسَهُمْ ضَرْبَ القُدَارِ نَقِيعَةَ القُدَّامِ ووليمة المأدبة: هي الوليمة لغير سبب. فإن خص بالوليمة جميع الناس سميت جفلى وإن خص بها بعض الناس سميت نقلى قال الشاعر: نَحْنُ فِي المَشْنَاةِ نَدْعُو الجَفْلَى لَا تَرَى الأدب فِينَا يَنْتَقِر فهذه الستة ينطلق اسم الولائم عليها، وإطلاق اسم الوليمة يختص بوليمة العرس ويتناول غيرها من الولائم بقرينه؛ لأن اسم الوليمة مشتق من الولم وهو الاجتماع، ولذلك سمي القيد الولم، لأنه يجمع الرجلين فتناولت وليمة العرس لاجتماع الزوجين فيها، ثم أطلقت على غيرها من الولائم تشبيهًا بها، فإذا أطلقت الوليمة تناولت وليمة العرس، فإن أريد غيرها قيل: وليمة الخرس أو وليمة الإعذار، وقد أفصح الشافعي بهذا ثم لا اختلاف بين الفقهاء أو وليمة غير العرس لا تجب. فأما وليمة العرس فقد علق الشافعي الكلام في وجوبها لأنه قال: "ومن تركها لم يبن لي أنه عاص كما يبين لي في وليمة العرس".

стр. 4637

فاختلف أصحابنا في وجوبها على وجهين ومنهم من خرجه على قولين: أحدهما: أنها واجبة لما روي أن النبي ﷺ رأى على عبد الرحمن بن عوف أثر الخلوق فقال له: "مهيم" أي ما الخبر- فقال: أعرست، فقال له: "أولمت" قال: لا قال: "أولم بشاة". وهذا أمر يدل على الوجوب ولأن النبي ﷺ ما أنكح قط إلا أولم في ضيق أو سعة وأولم على صفية في سفره بسويق وتمر، ولأن في الوليمة إعلان للنكاح فرقًا بينه وبين السفاح، وقد قال النبي ﷺ : "أعلنوا النكاح واضربوا عليه بالدف" ولأنه لما كانت إجابة الداعي إليها واجبة دل على أن فعل الوليمة واجب لأن وجو المسبب دليل على وجوب السبب ألا ترى أن وجوب قبول الإنذار دليل على وجوب الإنذار. والثاني: وهو الأصح أنها غير واجبة لقول النبي ﷺ : "ليس في المال حق سوى الزكاة" ولأنه طعام لحادث سرور فأشبه سائر الولائم، ولأن سبب هذه الوليمة عقد النكاح وهذا غير واجب ففرعه أولى أن يكون غير واجب. ولأنها وجبت لتقدرت كالزكاة والكفارات ولكان لها بدل عند الإعسار كما يعدل المكفر في إعساره إلى الصيام فدل على عدم تقديرها وبدلها على سقوط وجوبها. ولأنها لو وجبت لكان مأخوذًا بفعلها حيًا ومأخوذة من تركته ميتًا كسائر الحقوق، وكأن بعض أصحابنا يتوسط في وجوبها مذهبًا معلولًا ويقول: هي من فروض الكفايات إذا أظهرها الواحد في عشيرته أو قبيلته ظهورًا منتشرًا سقط فرضها عمن سواه وإلا خرجوا بتركها أجمعين وهذا فاسد من ثلاثة أوجه: أحدها: أن ما وجب من حقوق النكاح تعين كالولي والشاهدين. والثاني: أن ما تعلق بحقوق الأموال الخاصة عم وجوبه كالزكوات أو عم استحبابه كالصدقات. والثالث: أن فروض الكفاية مختص بما عم سنته كالجهاد أو ما تساوى فيه الناس كغسل الموتى وهذا خاص معين فلم يكن له في فروض الكفاية مدخل. فصل: فإذا تقرر ما وصفنا من وجوبها أو استحبابها انتقل الكلام إلى ما يلزم المدعو إليها من الإجابة فالظاهر من مذهب الشافعي أن الإجابة إليها واجبة قال بعض أصحابنا: إن الإجابة إليها مستحبة وليست بواجبة لأنها تقتضي أكل الطعام وتملك مال ولا يلزم أحد أن يتملك مالًا بغير اختياره ولأن الزكوات مع وجوبها على الأعيان لا يلزم المدفوعة إليه أن يتملكها فكان غيرها أولى.

стр. 4638

والدليل على ما ذهب إليه الشافعي من وجوب الإجابة ما روى نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "من دعي إلى وليمة فلم يجب فلقد عصى الله ورسوله ومن جاءها بغير دعوة دخل سارقًا وخرج مغيرًا". وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "أجيبوا الداع فإنه ملهوف". وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "لو أهدي إليَّ ذراع لقبلت ولو دعيت إلى كراع لأجبت". وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "شر الطعام الولائم يدعى إليه الأغنياء ويحرمه الفقراء والمساكين". ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله. ولأن في الإجابة تآلفًا وفي تركها ضررًا وتقاطعًا. فصل: فإذا ثبت أنها واجبة فسواء قيل إن فعلها واجب أو مستحب في وجوب الإجابة إليها لأن رد السلام واجب وإن كان ابتداء السلام غير واجب وهل يكون وجوبها من فروض الأعيان أو من فروض الكفاية على وجهين: أحدهما: أنها فرض على كل من دعي إليها أنه يجيب ما لم يكن معذورًا بالتأخير لما قدمناه من الدليل. والثاني: أنها فروض الكفاية فإن أجاب من دعي من تقع به الكفاية سقط وجوبها عن الباقين وإلا خرجوا أجمعين لأن المقصود من الوليمة ظهورها وانتشارها ليقع الفرق فيها بين النكاح والسفاح فإن وجد مقصودها بمن خص سقط وجوبها عمن تأخر. فصل: وإذا كانت الإجابة واجبة على ما وصفنا فلوجوبها شروط تعبير من الداعي والمدعو فأما الشروط المعتبرة في الداعي فستة شروط: أحدها: أن يكون بالغًا يصح منه الإذن والتصرف في ماله فإن كان غير بالغ لم تلزم إجابته ولم يجز أيضًا لبطلان إذنه ورد تصرفه. والثاني: أن يكون عاقلًا لأن المجنون لفقد تمييزه أسوأ حالًا من الصغير في فساد إذنه ورد تصرفه.

стр. 4639

والثالث: أن يكون رشيدا يجوز تصرفه في ماله فإن كان محجوراً عليه لم تلزم إجابته فلو أذن له وليه لم تلزم إجابته أيضًا لأن وليه مندوب لحفظ ماله لا لإتلافه. والرابع: أن يكون حوا لأن العبد لا يجوز تصرفه فلم تلزم إجابته لفساد إذنه فلو أذن له سيده صار كالحر في لزوم إجابته. والخامس: أن يكون مسلما تلزم موالاته في الدين فإن كان الداعي ذمياً لمسلم ففي لزوم إجابته وجهان: أحدهما: يجب لعموم قول النبي ﷺ : "أحيبوا الداعي فإنه ملهوف". والثاني: لا تلزم إجابته لأنه ربما كان مستخبث الطعام محرماً. ولأن نفس المسلم تعاف كل طعامه وأن مقصود الطعام التواصل به واختلاف الدين يمنع من تواصلهما فإن دعا مسلم ذميا لم تلزمه الإجابة وجهاً واحداً لأنه لا يلتزم أحكام شرعناً إلا عن تراض. والسادس: أن يصرح بالدعاء إما بقول أو مكاتبة أو مراسلة لأن العرف بجميع ذلك جار وصريح الدعاء أن يقول: أسألك الحضور أو يقول: أحب أن تحضر أو إن رأيت أن تجملني بالحضور فتلزمه إجابته بهذا القول كله. فأما إن قال إن شئت أن تحضر فافعل لم تلزمه إجابته قال الشافعي: "وما أحب أن يجيب". فإن كاتبه رفعة يسأله الحضور بأحد ما ذكرنا من الألفاظ لزمه الإجابة فإن نقصه في الخطاب لم يكن ذلك عذراً في التأخير وكذلك لو كان بينهما عداوة أو كان في الوليمة عدو لم يكن معذورا في التأخير وأن وأسله برسول وقع في نفسه وصدقه لزمته الإجابة سواء كان حراً أو عبداً فإن كان غير بالغ نظر فيه فإن كان مميزاً لزمته الإجابة بوروده في الرسالة وإن كان غير مميز لم يلزم لأنه لا يحصل ما يقول ولا العادة جاوية أن يكون مثله رسولاً فإن قال الداعي لرسوله: ادع من رأيت من غير أن يعين له على أحد لم يلزم من دعاه الرسول أن يجيب لأنه قد يرى أن يدعو من غيره أحب إلى صاحب الطعام. فصل: وأما الشروط التي في المدعو فخمسة شروط: أحدهما: البلوغ. والثاني: العقل ليكون بالبلوغ والعقل ممن يتوجه عليه حكم الالتزام. والثالث: الحرية لأن العبد ممنوع من التصرف بحق السيد فإن أذن له سيده لزمته الإجابة حينئذ وان كان مكاتباً نظر فإن لم يكن حضوره مضراً بكسبه لزمته الإجابة وان كان مضرا لم تلزمه الإجابة إن لم يأذن له السيد وفي لزومها بإذنه وجهان فأما المحجور عليه بالسفه فتلزمه الإجابة كالرشيد. والرابع: أن يكون مسلما فإن كان ذميا والداعي مسلم فقد ذكرنا أن الإجابة لا تلزمه

стр. 4640

وإن كانا ذميين ورضيا بحكمنا أخبرناهم بلزوم الإجابة في ديننا وهل يجبر عليه المدعو أم لا؟ على قولين. والخامس: أن لا يكون له عذر مانع من مرض أو تشاغل بمرض أو إقامة على حفظ مال أو خوف من عدو على نفس أو مال فإن كل هذه وما شاكلها أعذار تسقط لزوم الإجابة فإن إعتذر بشاة حر أو برد نظر فإن كان ذلك مانعاً من تصرف غيره كان عذراً في التأخير وإن لم يمتنع من تصرف غيره لم يكن عذراً. وإن إعتذر، بمطر يبل الثوب كان عذراً ولأنه عذر في التأخير عن فرض الجمعة وإن إعتذر بزحام الناس في الوليمة لم يكن ذلك عذراً في التأخير عن الإجابة وقيل: احضر فإن وجدت سعة وإلا عذرت في الرجوح. فصل: فإن كانت الوليمة ثلاثة أيام فدعي في الأيام الثلاثة لزمت الإجابة في اليوم الأول واستحبت في اليوم الثاني ولم تجب وكرهت في اليوم الثالث لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "الوليمة في اليوم الأول حق وفي اليوم الثاني معروف وفي اليوم الثالث رياء وسمعه". وإذا دعاه اثنان في يوم فإن قدر على الحضور إليهما لزمته إجابتهما وان لم يقدر على الجمع بينهما لزمته إجابة أسبقهما فإن استويا أجاب أقربهما جوارا فإن استويا في الجوار أجاب أقربهما وحما، فإن استويا في القرابة أقرع بينهما وأجاب من قرع منهما. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا دعاك اثنان فأجب أقربهما باباً فإن أقربهما باباً أقربهما جوارا فإن جاءا معا فأجب اسبقهما". مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَإِنْ كَانَ المَدْعُوُّ صَاِئماً أَجَابَ الدَّعْوَةَ وَبَرَّكَ وَانْصَرَفَ وَلَيْسَ بِحَتْم أَنْ يَاكُلَ وَأُحِبُّ لَوْ فَعَلَ وَقَدْ دُعِيَ ابْنْ عُمَرَ ﵄ فَجَلَسَ وَوَضَعَ الطَّعَامَ فَمَدُّ يَدَهُ وَقَالَ: "خُذُوا بِسْمِ اللهِ ثُمَّ قَبَضَ يَدَهُ وَقَالَ: إِنَّي صَائِمٌ". قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا كان المدعو صائما لزمه الحضور ولم يكن صومه عذرا في التأخير, لرواية عبد الله بن عمر عن نافح عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال:

стр. 4641

"إذا دعي (أحدكم) إلى وليمة فليجب فإن كان فطرا فليأكل وان كان صائما فليدع وليقل: إني صائم". ولأن المقصود بحضوره التجمل أو التكثر أو التواصل والصوم لا يمنع من ذلك فإذا حضر الصائم لم يخل صومه من أن يكون فرضًا أو تطوعا وان كان صومه فرضا أو تطوعا وإن كان صومه فرضاً لم يفطر ودعا للقوم بالبركة. وقال: إني صائم وكان بالخيار بين المقام أو الانصراف لما قدمناه من رواية ابن عمر وفعله وان كان صومه تطوعاً فالمستحب له أن يأكل ويفطر لما روي عن النبي ﷺ : "إذا دعي أحدكم إلى طعام وهو صائم فإن كان تطوعا فليفطر ولا فليصل" أي فليدع ولا يجب عليه الفطر لأنه في عبادة فلم تلزمه مفارقتها ولأن من الفقهاء من يحظر عليه الخروج من صوم التطوع ويوجب عليه القضاء. فصل: فأما المفطر إذا حضر ففي وجوب الأكل عليه ثلاثة أوجه: أحدهما: يجب عليه الأكل لأنه مقصود بالحضور ولرواية ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "إذا دعي أحدكم إلى وليمة فليجب فإن كان فطرا فليأكل وان كان صائما فليدع وليقل: إني صائم". والثاني: أنه لا يجب عليه الأكل وهو فيه مخير لرواية سفيان عن أبي الزبير عن جابر أن النبي ﷺ قال: "إذا دعي أحاكم إلى طعام فإن شاء طعم وان شاء ترك ولأن في الأكل تملك قال: فلم يلزمه كالهبة. والثالث: أن الأكل في الوليمة من فروض الكفايات فإن أكل غيره سقط عنه فرض الأكل وإلا خرج جميع الحاضرين لما في امتناع جميعهم من عدم مقصود وانكسار نفسه وإفساد طعامه. فصل: وينبغي لمن حضر الطعام أن يأكل إلى حد شبعه وله أن يقصر عن الشبع ويحرم عليه الزيادة على الشبع لما فيه من المضرة ومخالفة العادة فإن أكل أكثر من شبعه لم يضمن الزيادة وليس له أن يأخذ ما يأكل ليحمله إلى منزله ولا أن يعطيه لغيره ولا أن يبيعه لأن الأكل هو المأذون فيه دون غيره وليس كل من أبيح له الأكل جاز له البيع كالمضحي ولا يجوز إذا جلس على الطعام أن يطعم غيره منه فإن فعل وكان الذي أطعمه من المدعوين لم يضمن وان كان غير مدعو ضمن. وهكذا ليس له أن يستصحب إلى الطعام من لم يدعه صاحب الوليمة فإن أحضر معه

стр. 4642

أحداً فقد أساء والضمان على الآكل دون المحضر والعرب تسمي المدعو ضيفا والتابع ضيفين قال الشاعر: إِذَا جَاءَ ضَيْفٌ جَاءَ لِلضَّيْفِيْن فأوْدَي بمَا نُقْرِي الضُّيُوفِ الضَّيَافِنُ فصل: ويختار له إذا أكل أن يستعمل آداب أكله المسنونة. فمنها غسل يديه قبل الطعام وبعده ولو توضأ في الحالين كان أفضل. وروى أبو هاشم عن زاذان عن سلمان قال: قرأت في التوراة: الوضوء قبل الطعام بركة الطعام فذكرته للنبي ﷺ فقال: "الوضوء قبل الطعام وبعد الطعام بركة الطعام. ومنها التسمية على الطعام قبل مد يده والحمد لله بعد رفعها فقد فعل النبي ﷺ ذلك وأمر به. ومنها: أن يأكل مما يليه ولا يمد يده إلى ما بعد عنه ولا يأكل من ذروة الطعام فقد روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "البركة في ذروة الطعام فكلوا من حواليها" وإذا وضع استباح الحاضرون أكله وان لم يؤذن لهم قولا بالعرف وأن ما تقام من الدعاء إذن فيما تأخر من الطعام واختلف أصحابنا متى يستحق الحاضر ما يأكله حتى يصير أملك به من ربه، على ثلاثة أوجه: أحدهما: إذا أخذ اللقمة من الطعام بيده مار بها أحق وأملك لها لأن حصولها في اليد قبض فلا يجوز أن تسترجع منه. والثاني: أنه لا يصير أحق بها وأملك لها إلا إذا وضعها في فمه فأما وهي بيده فمالك الطعام أحق بها لأن الإذن في الأكل لا يكون ذلك إلا بعد الحصول في الفم. والثالث: أن لا يصير أحق بها وأملك إلا بعد مضغها وبلعها لأن الإذن يضمن استهلاكه بالأكل ولا يجلس بعد فراغه من الأكل إلا عن إذن لقول الله تعالى: ﴿فَإذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا﴾ [الأحزاب: (٥٣)]. وروى واصل بن السائب عن أبي سورة وعن عطاء بن أبي رباح قالا: قال رسول الله ﷺ : "ألا حبذا المتخللون من أمتي، قالوا: وما المتخللون؟ قال: المتخللون من الطعام والمتخللون بالماء في الوضوء". مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "فَإِنْ كَانَ فِيهَا المَعْصِيَةُ مِنَ المُسْكِر أَوْ الخَمْرِ أَوْ مَا أَشْبَهَهُ مِنَ

стр. 4643

المَعَاصِي الظَّاهِرَةِ نَهَاهُمْ فَإِنْ نَحَّوا ذلِكَ عَنْهُ وَإِلَّا أُحِبَّ لَهُ أَنْ يَجْلِسَ فَإِنْ عَلِمَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ لَمْ أُحِبَّ لَهُ أَنْ يُجِيبَ". قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا دعي إلى وليمة وفيها خمور أو ملاهي أو ما أشبه ذلك من المعاصي فلا يخلو أن يكون عالما به قبل حضوره أو غير عالم فإن علم به قبل حضوره فله حالتان: أحدهما: أن يقدر على إنكاره وإزالته فواجب عليه أن يحضر لأمرين: أحدهما: لإجابة الداعي. والثاني: لإزالة المنكر. والحالة الثانية: أن لا يقدر على إزالته ففرض الإجابة قد سقط وأولى أن لا يحضر وفي جواز حضوره وجهان: أحدهما: وهو الأظهر أنه لا يجوز لما في حضوره من مشاهدة المنكر والريبة الداخلة عليه وقد قال النبي ﷺ : "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك". والثاني: يجب له الحضور وان كره له لأنه ربما أحشمهم حضوره فكفوا واقصروا وقد حكي أن الحسن البصري ومحمد بن كعب القرظي دعيا إلى وليمة فسمعا منكراً فقام محمد لينصرف فجذبه الحسن وقال: اجلس ولا يمنعك معصيتهم من طاعتك. وإن لم يعلم بما في الوليمة من المعاصي فعليه الإجابة ولا يكون خوفه منها غدرًا في التأخير عنها لجواز أن لا يكون فإذا حضر وكانت بحيث لا يشاهدها ولا يسمعها أقام على حضوره ولم ينصرف وان سمعها ولم يشاهدها لم يتعمد السماع وأقام على الحضور لأن الإنسان لو سمع في منزله معاص من دار غيره لم يلزمه الانتقال عن منزله كذلك هذا وان شاهد ها جاز له الانصراف ولم يلزمه الحضور إن لم ترفع وفي جواز إقامته مع حضورها إذا صرف طرفه عنها مما ذكرنا من الوجهين. مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "فإن رأى صوراً ذات أَرْوَاح لم يدْخل إِن كَانَت مَنْصُوبَة وَإِن كَانَت تُوطأ فَلَا بَاس وَإِن كَانَ صور الشّجر فَلَا بَاس أحب أن يجيب أخاه وبلغنا أ، النبي ﷺ قال: لو أهدى إلى ذراع لقبلت ولو دعيت إلى كراع لأجبت" قال في الحاوي: وهذا صحيح وإذا كان في الوليمة صور فهي ضربان: أحدهما: أن يكون صور شجر ونبات وما ليس بذي روح فلا تحرم لأنها كالنقوش التي تراد للزينة سواء كانت على مسدل من بط ووسائل أو كانت على مصان من ستر أو جرار ولا يعتذر بها المدعو في التأخير.

стр. 4644

والثاني: أن تكون صور ذات أرواح من آدمي أو بهيمة، فهي محرمة وصانعها عاص لما روي عن النبي ﷺ لعن المصور وقال: يؤتى به يوم القيامة فيقال له: انفخ فيه الروح وليس بنافخ فيه أبدا". وقد حكي عن عكرمة في تأويل قول الله تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا والآخِرَةِ﴾ [الأحزاب: (٥٧)] أنهم أصحاب التصاوير وإذا عملها محرم على صانعها فالكلام في تحريم استعمالها وإباحته معتبر بحال الاستعمال فإن كانت مستعملة في منصوب مصان عن الاستبدال كالحيطان فهي محرمة يسقط معها فرض الإجابة لما روي عن علي بن أبي طالب رضوان الله تعالى أنه قال: منعت طعاما ودعوت رسول الله ﷺ فلما دخل البيت وجع فقلت: يا رسول الله ما رجعك؟ قال: "رأيت صورة وان الملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة أو كلب". وروى جابر أن النبي ﷺ لما دخل مكة عام الفتح أمر عمر أن يمحو كل صورة في الكعبة فلما محيت دخلها, ولأن الصور كانت السبب في عبادات الأصنام حكي أن آدم لما مات افترق أولاده فريقين: فريق تمسكوا بالدين والصلاح. وفريق مالوا إلى المعاصي والفساد ثم اعتزل أهل الصلاح فصعدوا جبلا وأخذوا معهم تابوت آدم ومكث أهل المعاصي والفساد في الأرض فكانوا يستغوون من نزل إليهم من أهل الجبل فاستولوا على تابوت آدم فصور لهم إبليس صورة آدم ليتخذوها بالا من التابوت فعظموها ثم حدث بعدهم من رأى تعظيمها فعبدها فصارت أصناما معبودة فلذلك حرم استعمال الصور فيما كان مصانا معظما وقال أبو سعيد الإصطخري: إنما كان التحريم على عها النبي ﷺ لقرب عهدهم بالأصنام ومشاهدتهم بعبادتها ليستقر في نفوسهم بطلان عبادتها وزوال تعظيمها وهذا المعنى قد زال في وقتنا لما استقر في النفوس من العدول عن تعظيمها فزال حكم تحريمها وحظر استعمالها وقد كان في الجاهلية من يعبد كل ما استحسن من حجر أو شجر فلو كان الحظر باقيا لكان استعمال كل ما استحسن حراماً وهذا الذي قاله خطأ لأن النص يدفعه وان ما جانس المحرمات تعلق به حكمهما ولو ساغ هذا في صور غير مجسمة لساغ في الصور المجسمة وما أحد يقول هذا ففسد به التعليل. فصل: فأما إن استعملت الصور في مكان مهان مستبذل كالبسط والمخال جاز ولم يسقط به فرض الإجابة. روي أن عائشة علقت سترا عليه صورة فلما دخل النبي ﷺ فرآه رجع وقال: يا عائشة اقطعيه وسادتين فقطعته مخدتين".

стр. 4645

ولأنها إذا كانت في مستبذل مهان زال تعظيمها من النفوس فلم تحرم قد أمر رسول الله ﷺ بإلقاء صنمين على الصفا والمروة فكانت تداس على باب المسجد وهو يقرها ولا يمنع من استبقائها لأنه عدل بتعظيمها إلى الاستهانة بها والإذلال بها. فصل: فأما الدستور المعلقة على الأبواب والجدران فضربان: أحدهما: أن تكون صور ذات أرواح فاستعمالها محرم سوا، استعملت لزينة أو منفعة وقال أبو حامد الإسفراييني: إن كانت مستعملة للزينة حرمت وان كانت مستعملة للمنفعة لتستر بابا أو تقي من حر أو برد جاز ولم يحرم لأن العدول بها عن الزينة إلى المنفعة يخرجها عن حكم الصيانة إلى البذلة وهذا ليس بصحيح لأن الانتفاع بالشيء لا يخرجه من أن يكون مصانا عظيما فحرم استعمالها في الحالين وسقط بها فوض الإجابة إلى الوليمة. والثاني: أن تكون الستور بغير صور ذات أرواح فهذا على ضرين: أحدهما: أن يستعمل لحاجة أو منفعة لأنها تستر باباً أو تقي من حر أو برد فلا بأس باستعمالها. والثاني: أن تكون زينة للجدران من غير حاجة إليها ولا منفعة بها فهي سرف مكروه. ووت عائشة رضي انه عنها أن النبي ﷺ قال: "إن انه لم يأمرنا فيما رزقنا أن نكسو الجدران والطين" لكن لا يسقط بهذه الستور فرض الإجابة للوليمة لأن حظرها للمسرف في الاستعمال لا للمعصية في المشاهدة. فصل: ولا فرق في تحريم صور ذوات الأزواج من صور الآدميين والبهائم ولا فرق بين ما كان مستحسنا منها أو مستحسنا أو ما كان منها عظيما أو مستصغرا إذا كانت صور حيوان مشاهد. فأما صورة حيوان لم يشاهد مثله محل صورة طائر له وجه إنسان أو صورة إنسان له جناح طير ففي تحريمه وجهان: أحدهما: يحرم بل يكون أشد تحريما لأنه قد أباع في خلق الله تعالى ولتول النبي ﷺ : "يؤمر بالنضح فيه وليس بنافخ فيه أبداً". والثاني: وهو قول أبي حامد المروزي: لا تحرم لأنه يكون بالتزاويق الكاذبة أشبه منه بالصور الحيوانية فعلى الوجه الأول يحرم عليه أن يصور وجه إنسان بلا بدن وعلى الوجه الثاني لا يحرم.

стр. 4646

مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: " فِي نَثْرِ الْجَوْزِ وَاللَّوْزِ وَالسُّكَّرِ فِي الْعُرْسِ: لَوْ تُرِكَ كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ لِأَنَّهُ يُؤْخَذُ بِخِلْسَةٍ وَنُهْبَةٍ، وَلَا يَبِينُ أَنَّهُ حَرَامٌ، إِلَّا أَنَّهُ قَدْ يَغْلِبُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَيَاخُذُ مِنْ غَيْرِهِ أَحَبَّ إِلَى صَاحِبِهِ". قال في الحاوي: أما نثر السكر واللوز في العرس أو غير ذلك من طيب أو دراهم فمباح إجماعاً اعتباراً بالعرف الجاري فيه لما روي أن النبي ﷺ حين زوج عليا بفاطمة ﵂ نثر عليهما لكن اختلف الفقهاء في استحبابه وكراهيته فمذهب أبي حنيفة إلى أنه مستحب وفعله أولى من تركه لما روي أن النبي ﷺ عن النثر فقال: هبة مباركة. وقال بعض أصحابنا هو مباح ليس بمستحب ولا مكروه وفعله وتركه سواء وقال سائر أصحابنا وهو الظاهر من مذهب الشافعي أنه مكروه وتركه أفضل من فعله لأمور: أحدها: أنه قد يوقع بين الناس تناهبا وتنافرا وما أدى إلى ذلك فهو مكروه. والثاني: أنه قد لا يتساوى الناس فيه وربما حاز بعضهم أكثره ولم يصل إلى آخرين شيء منه فتنافسوا. والثالث: أنه قد يلجأ الناس فيه إلى إسقاط المروءات إن أخذوا أو يتسلط محليهم السفهاء إن أمسكوا وقد كانت الصحابة ومن عاصر الرسول ﷺ أحفظ للمروءات وأبعد للتنازع والتنافي فلذلك كره النثار بعدهم وان لم يكره في زمانهم وعادة أهل المروءات في وقتنا أن يقتسموا ذلك بين من أرادوا أو يحملوا إلى منازلهم فيخرج عن حكم النثر إلى الهدايا. فصل: فإن تقرر ما وصفنا في النثر فمن أخذ منه شيئا وقع على الأرض فقد ملكه وكان مخيرا بين أكله أو حمله إلى منزله أو بيعه بخلاف طعام الوليمة الذي لا يملك إلا أكله في موضعه اعتبارا بالعرف في الحالين والقصد المفرق بين الأمرين فأما ما وقع من النثر في حجر بعض الحاضرين فإنه لا يملكه حتى يأخذه بيده لكنه يكون أولى به من غيره فإن أخذه غيره ملكه الأخذ وان أساء كما يقول في الصيد إذا دخل دار رجل كان أولى به من غيره فإن أخذه غيره ملكه أخذه فأما زوال ملك ربه عنه فغيه وجهان: أحدهما: أن يكون نثره بين الناس ويصير ذلك ملكاً لجماعتهم ولا يتعين ملكه لواحد منهم إلا بالأخذ. والثاني: أنه باق على ملك صاحبه حتى يلتقطه الناس فيملك كل واحد منهم ما

стр. 4647

التقطه فيزول عنه ملك صاحبه. فصل: فأما التقاط النثر فقد اختلف أصحابنا في كراهيته مع إجماعهم على جوازه فلهم فيه وجهان: أحدهما: أنه مكروه، قال الشافعي: لأنه قد يأخذ من غيره أحب إلى صاحبه فعلى هذا لا يلزمهم التقاط لأن فعل المكروه لا يلزم. والثاني: أنه ليس بمكروه إذا كان الملتقط مدعوا كما لا يكره أكل طعام الوليمة للمدعو وان جاز أن يأكل من غيره أحب إلى صاحبه فعلى هذا لا يجب الالتقاط على أعيان الحاضرين لأنه تملك محض يجري مجرى الهبة في وجوبه على الكافة وجهان: أحدهما: لا يجب تعليلا بالهبة فإن تركوه جميعا جاز. الثاني: أنه من فروض الكفاية لما في ترك جميعهم له من ظهور المقاطعة وانكسار نفس المالك فعلى إذا التقطه بعضهم سقط فرضه عن الباقين وكذلك ولو التقط بعض الحاضرين بعض المنثور وبقي بعض الحاضرين وبعض المنثور سقط عنهم فرض التقاطه وان كان جميعه باقيا خرجوا بتركه أجمعين ثم النثر مختص في العرف بالنكاح وان كان مستعملا في غيره كالوليمة في اختصامها بعرس النكاح وإن استعملت في غيره كما أن الأغلب فيه نثو اللوز والسكر وان نثر قوم غير ذلك. حكي أن أعرابيا تزوج فنثر على نفسه الزبيب لإعواز السكر وأنشأ يقول: وَلَمَّا رَأَيْتُ السُّكَّر العَامَ قَدْ غَلَا وَأَيْقَنْتُ أَنَّى لَا مَحَالَة نَاكِح صَبَبْتُ عَلَى رَاسِي الزَّبِيب لِصُحْبتَي وَقُلتُ كُلُوا أَكْل الحَلَاوَةِ صَالِح مختصر القسم ونشوز الرجل على المرأة قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ الله تَعَالَى: "قَالَ الله ﵎: ﴿ولَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. قَالَ الشَّافِعِيُّ:" وَجِمَاعُ الْمَعْرُوفِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ: كَفُّ الْمَكْرُوهِ، وَإِعْفَاءُ صَاحِبِ الْحَقِّ مِنَ الْمُؤْنَةِ فِي طَلَبِهِ، لَا بِإِظْهَارِ الْكَرَاهِيَةِ فِي تَادِيَتِهِ، فَأَيُّهُمَا مَطَلَ بِتَاخِيرِهِ، فَمَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ " قال في الحاوي: أعلم أن الله تعالى أوجب للزوجة على زوجها حقا حظر عليه النشوز عنه كما أوجب له عليها من ذلك حقا حظر عليها النشوز عنه قال الله تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾ [الأحزاب: (٥٠)] إشارة إلى ما أوجبه لها من كسوة ونفقة وقسم قال تعالى: ﴿وعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:١٩] فكان من عشرتها بالمعروف

стр. 4648

تأدية حقها والتعديل بينهما وبين غيرها في قسمها قال تعالى: ﴿ولَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ ولَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَة﴾ [النساء: (١٢٩)] وقال تعالى: ﴿ولَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ﴾ [البقرة: (٢٢٨)] فبين الله تعالى أن لهن حقا وأن عليهن حقا ولم يرد بقوله: ﴿ولَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: (٢٢٨)] في تجانس الحقين وتماثلهما وإنما أراد في وجوبهما ولزومهما فكان من حقها عليه وجوب السكنى والنفقة والكوة ثم فسر الشافعي قوله بالمعروف فقال: "وَجِمَاعُ الْمَعْرُوفِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ: كَفُّ الْمَكْرُوهِ، وَإِعْفَاءُ صَاحِبِ الْحَقِّ مِنَ الْمُؤْنَةِ فِي طَلَبِهِ" وهذا صحيح لأنه ليس نعل المكروه من المعروف المأمور به ين الزوجين ولا إلزام المؤنة ني اسيفاء الحق معروف. ثم قال: "لَا بِإِظْهَارِ الْكَرَاهِيَةِ فِي تَادِيَتِهِ" وهذا صحيح لأن تأدية الحق بالكراهية وعبوس الوجه وغليظ الكلام ليس من المعروف. ثم قال: "فَأَيُّهُمَا مَطَلَ بِتَاخِيرِهِ، فَمَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْم" وهذا صحيح لأن القادر على أداء الحق ظالم بتأخيره قال النبي ﷺ : "مطل الغني ظلم" ثم يدل على ما ذكرناه من طريق السنة ما روى موسى بن عقبة عن صدقة بن يسار عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "أيها الناس إذ النساء عندكم عوان أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله فلكم عليهن حق ولهن عليكم حق ومن حقكم عليهن أن لا يوطئن بكلمة الله فراشكم أحدا ولا يعميكم في معروف فإذا فعلن ذلك فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف" فكان القسم من جملة المعروف الذي لهن. وروي أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "من كان له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل". وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" فالرجل راعٍ لأهله وهو مسؤول عنهم.

стр. 4649

وروي عن النبي ﷺ أنه كان يقسم بين نسائه ويقول: "اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما لا أملك" يعني قلبه. وروي أن النبي ﷺ لما مرض طيف به على نسائه محمولاً فلما ثقل أشفقن عليه فحللنه من القسم ليقم عند عائشة ﵂ لميله إليها فتوفي عندها ﷺ فلذلك قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: توفي رسول الله ﷺ بين سحري ونحري وفي يومي ولم أظلم فيه أحداً فدل هذا على وجوب القسم وتغليظ حكمه. فصل: فإذا ثبت وجوب القسم فلوجوبه شرطان: أحدهما: أن يكون له زوجتان فأكثر ليصح وجوب التسوية بينهما بالقسم فإن كان له زوجة واحدة فلا قسم عليه وهو بالخيار بين أن يقيم معها فهو أولى به لأنه أحصن لها وأغض لطرفها وبين أن يعتزلها فلا مطالبة لها. والثاني: أن يريا المقام عند إحداهما فيلزمه بذلك أن يقيم عند الأخرى مثل ما أقام عندها تسوية بينهما فيلزمه حينئذٍ القسم بينهما فأما إن اعتزلهما سقط القسم بينهما لأنه قد سوى بينهما في الاعتزال كما سوى بينهما في القسم لهما فلم يجز الميل إلى إحداهما (٠) والله أعلم. مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: " تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ تِسْعِ نِسْوَةٍ، وَكَانَ يَقْسِمُ لِثَمَانٍ، وَهَبَتْ سَوْدَةَ يَوْمَهَا لِعَائِشَةَ ﵅. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وبهذا نقول". قال في الحاوي: اعلم أن القسم من حقوق الآدميين يجب بالمطالبة ويسقط بالعفو ولا يجوز المعارضة على تركه كالشفعة ويجوز هبته لما روي أن رسول الله ﷺ مات عن تسع زوجات وكان يقسم لثمان منهن لأن سودة بنت زمعة أراد طلاقها لعلو منها واستثقال القسم لها فلما علمت ذلك أتته فقالت: يا وسول الله قد أحببت أن أحشر في جملة نسائك فامسكني فقد وهبت يومي منك لعائشة. ﵂ تريد بذلك التقرب إليه لعلمها بشدة ميله إلى عائشة ﵂ فصار يقسم لعائشة ﵂ يومين ويوم سودة ويقسم لغيرها من نسائه يوماً يوماً. قال ابن عباس فنزل عليه في ذلك قوله تعالى: "فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ" [النساء: ١٢٨] فدل هذا الخبر على وجوب القسم ودل على جواز هبته.

стр. 4650

واختلف أصحابنا في وجوب القسم على رسول الله ﷺ مع إجماعهم على وجوب القسم على أمته على وجهين: أحدهما: كان واجباً عليه لهذا الخبر ولما رويناه أنه كان يقم بينهن ويقول اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما لا أملك يعني قلبه، وطيف به في مرضه على نسائه محمولاً حتى حللته من القسم فدل على وجوب القسم عليه وعلى جميع أمته. والثاني: أنه غير واجب عليه وان كان واجباً على أمته وهذا قول أبي سعيد الإصطخري لقول الله تعالي" ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأحزاب: ٥١] ولأن وجوب القسم عليه يقطعه عن التشاغل بتبليغ الرسالة وتوقع الوحي وبهذا المعنى فارق جميع أمته. فصل: فإذا استقر بما ذكرنا أن هبة القسم جائزة فإنما تجوز برضا الزوج لأن له حق الاستمتاع بها فلم يكن لها أن تنفرد بإسقاط حقه منها إلا برضاه فإذا رضي بهبتها صار مسقطاً لحقه في الاستمتاع بها فتعتبر حينئذٍ حال هبتها فإنها لا تخلو من ثلاثة أقسام: أحدها: أن تهب ذلك لامرأة بعينها من نسائه. والثاني: أن تهب ذلك لجميعهن. والثالث: أن تهب ذلك للزوج فإن وهبت قسمها لامرأة بعينها كما وهبت سودة يومها لعائشة ﵂ جاز ولم يعتبر فيه رضي الموهوب لها في تمكين الزوج من الاستمتاع بها كما لا يراعى ذلك في زمان نفسها فيصير لها يوم نفسها ويوم الواهبة وهل يجمع الزوج لها بين اليومين أو تكون على ما كان عليه من الافتراق على وجهين: أحدهما: يجمع لها بينهما ولا يفرقهما كما لا يفرق عليها يومها. والثاني: أن يكون اليومان على تفريقهما يختص بيوم نفسها فإذا جاء يوم الواهبة على ترتيبه جعله لها ولم يجمع بينهما إذا كان في الترتيب مفترقين لأنها قد أقيمت فيه مقام الواهبة فلم يعدل به عن زمانه كما لا يعدل به عن مقداره وهذا أشبه وأما إن وهبت يومها لجميع نسائه من غير أن تخص به واحدة منهن بعينها فيسقط حقها من القسم ولا يتعين به قسم غيرها ويكون في حال القسم بعد هبتها كحاله لو عدمت فيصير مؤثراً في إسقاط حقها ولا يؤثر في زيادة حق غيرها وإنما يختص تأثيره إذا كن مع الواهبة أربعاً إن كان يعود يوم كل واحدة بعد ثلاثة أيام فصار يعود بعد يومين وأما إن وهبت يومها لزوجها فله أن يجعل يومها لمن أراد من نسائه فإذا جعله لواحدة منهن بعينها اختصت باليومين دون غيرها وفي جمعه وتفرقته ما ذكرنا من الوجهين فلو أواد الزوج أن ينقل يوم الهبة في كل نوبة إلى أخرى جاز فيجعل يوم الهبة في هذه النوبة لعمرة وفي النوبة الأخرى لحفصة وفي النوبة الثالثة لهند فيكون ذلك محمولاً على خياره لأنها هبة فجاز أن يختص بها من شاء.

стр. 4651

فصل: فإذا رجعت الواهبة في هبتها وطالبت الزوج بالقسم لها سقط حقها فيما مضى لأنه مقبوض وقسم. لها في المستقبل لأنها رجعت في هبة لم تقص فلو رجعت في تضاعيف يومها وقد مضى بعضه كانت أحق بباقية من التي صار لها وعلى الزوج أن ينتقل فيه إليها فلو رجعت الواهبة في يومها ولم يعلم الزوج برجوعها حتى مضى عليه زمان ثم علم قَالَ الشَّافِعِيُّ: "م يقضيها ما فات قبل علمه واستحقت عليه القسم من وقت علمه" وهذا صحيح لأنه لم يقصد الممايلة لغيرها. مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "ويجبر على القسم". قال في الحاوي: قد ذكرنا أن وجوب القسم معتبر بشرطين: أحدهما: أن يكون له زوجتان فصاعداً. والثاني: أن يريد المقام عند بعضهن فإذا وجب القسم لهن أجبر عليه إن امتنع منه ظ ذا أراد أن يقسم وله زوجتان أقرع بينهما في التي يبدأ بالقسم لها فيزول عنه الميل. فقد روي عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان إذا أراد أن يسافر بواحدة من نسائه أقرع بينهن فأيتهن خرج سهمها سافر بها فلذلك أمرناه بالقرعة لتزول عنه التهمة بالممايلة. فإذا خرجت قرعة إحداهما بدأ بالقسم لها ثم قسم بعدها للثانية من غير قرعة ولا كن ثلاثا اقرع بعد الأولى بين الثانية والثالثة فإذا خرجت قرعة الثانية قسم بعدها للثالثة من غير قرعة ولو كن أربعا اقرع بعد الثانية بين الثالثة والرابعة فإذا خرجت قرعة الثالثة قسم بعدها للرابعة من غير قرعة فإذا استقر القسم لهن بالقرعة في النوبة الأولى سقطت القرعة فيما بعدها من النوب وترتبن في القسم في كن نوبة تأتي على مرتين بالقرعة في النوبة الأولى. فلو رتبهن في النوبة الأولى على خياره من غير قرعة لم يستقر حكم ذلك الترتيب فيما بعدها من النوب إلا بقرعة يستأنفها نزول التهمة بما في الممايلة ولو أراد أن يستأنف القرعة بينهن في كل نوبة جاز وان لم يجب لما فيه من انتفاء التهمة. مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "فَأَمَّا الْجِمَاعُ فَمَوْضِعُ تَلَذُّذٍ وَلَا يُجْبَرُ أَحَدٌ عَلَيْه قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا

стр. 4652

كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء:١٢٩] قال بعض أهل التفسير لن تستطيعوا أن تعدلوا بما في القلوب لأن الله تعالى يجاوزه " فَلَا تَمِيلُوا" [النساء:١٢٩] لا تتبعوا أهواءكم أفعالكم فإذا كان الفعل والقول مع الهواء فذلك كل الميل. وبلغنا أن النبي ﷺ كان يقسم فيقول: اللهم هذا قسمي فيما أملك وأنت أعلم فيما لا أملك" يعني والله أعلم فيما لا أملك: قلبه. قال: وبلغنا أنأ كان يطاف به محمولاً في مرضه على نسائه حتى حللنه". قال في الحاوي: وهذا صحيح يلزمه القسم لهن للتسوية بينهن ولا يلزمه جماعهن إذا استقر دخوله بهن وله أن يجامع من شاء منهن ولا يلزمه جماع غيرها لأن الجماع إنما هو من دواعي الشهوة وخلوص المحبة التي لا يقدر على تكلفها بالتصنع لها قال الله تعالى ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء:١٢٩] قَالَ الشَّافِعِيُّ: معناه: ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء بما في القلوب من المحبة فلا تميلوا كل الميل في أن تتبعوا أهواءكم وأفعالكم فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ [النساء:١٢٩] وهي التي ليست بزوجة ولا مفارقة قالت هذه الآية على أن عليه التسوية بينهن فيما يقدر عليه من أفعاله في القسم والإيواء وليس عليه التسوية بينهن فيما لا يقدر عليه من المحبة والشهوة فكذلك الجماع. وقال مالك: يؤخذ الزوج بجماع امرأته في كل مدة ليحصنها ويقطع شهوتها فإن أطال ترك جماعها وحاكمته إلى القافي فخ النكاح بينهما إن لم يجامع وأوجب عليه قوم أن يجامعها في كل أربح ليال مرة لأنه قد أبيح له نكاح أربع فصارت تستحق كل أربعة أيام يوماً وبهذا حكم كعب ب سور بحضرة عمر رضي الله تعالى عنه فاستحسن ذلك منه وولاه قضاء البصرة فكان أول قافي قضى بها. وكلا المذهبين عندنا غير صحيح لما ذكرناه ويجوز أن يكون كعب توسط فيما حكم به بين الزوجين عن صلح ومراضاة وكما لا يجبر على جماعها فكذلك لا يجبر على مضاجعتها ولا على تقبيلها ومحادثتها ولا على النوم معها في فراش واحد؛ لأن كله من دواعي الشهوة والمحبة التي لا يقدر على تكلفها، وإنما يختص زمان القسم بالاجتماع والألفة. مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُ"عِمَادُ الْقَسْمِ اللَّيْلُ؛ لِأَنَّهُ سَكَن فقال: ﴿أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ [الروم:٢١]. قال في الحاوي: وهذا كما قال على الزوج في زمان القسم أن يأوي إليها ليلاً وينصرف لنفسه نهاراً؛ لأن الليل زمان الدعة والإيواء والنهار زمان المعاش والتصرف قال

стр. 4653

الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (١٢)﴾ [النبأ: ١٠ - ١١] وفي اللباس تأويلان: أحدهما: الإيواء في المساكن وإلى سكنه فصار كاللابس لمسكنه ولزوجته. والثاني: أنه يتغطى بظلمة الليل كما يتغطى باللباس. وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ [الروم: (٢١)] والسكن يكون في الليل ولأن الليل زمان الدعة والإيواء فوجب أن يكون عمدة القسم ولأن السيد لو زوج أمته لزمه تمكين الزوج منها ليلاً وكان له استخدامها نهاراً فعلم أن الليل عماد القسم فلا يجوز له في الليل أن يخرج فيه من عند التي قسم لها إلا من ضرورة فأما النهار فله أن يتصرف فيه بما شاء ويدخل فيه إلى غيرها من نسائه من غير أن يتعرض فيه لوطئها. روى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قل يوم إلا كان رسول الله ﷺ يدخل على نسائه فيدنو من كل امرأة منهن فيقبل ويلمس من غير مسيس ولا مباشرة ثم يبيت عند التي هو يومها. فإن كان في الناس من ينصرف في معاشه ليلاً ويأوي إلى مسكنه نهاراً كالحراس وصناع البزر ومن جرى مجراهم فعماد هؤلاء في قسمهم النهار دون الليل لأنه زمان سكنهم والليل زمان معاشهم. مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُ:" إِنْ كَانَ عِنْدَ الرَّجُلِ حَرَائِرُ مُسْلِمَاتٌ وَذِمِّيَّاتٌ فَهُنَّ فِي الْقَسْمِ سَوَاءٌ ". قال في الحاوي: وهذا صحيح تستوي المسلمة والذمية في القسم لها لعموم قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩] ولأن حقوق الزوجية تستوي فيها المسلمة والذمية كالسكنى والنفقة ويترع بينهما في القسم ولا تقدم المسلمة بغير قرعة تعديلاً بينهما كما يعدل في قدر الزمان. مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: ﴿يُقْسَمُ لِلْحُرَّةِ لَيْلَتَانِ وَلِلْأَمَةِ لَيْلَةٌ إِذَا خَلى المَوْلَى بَيْنُه وَبَيْنَهَا فِي لَيْلَتِهَا وَيَوْمِهَا﴾. قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا كان تحته حرة وأمة زوجتان وذلك من أحد وجهين إما أن يكون الزوج عبداً فنكح أمة وحرة ويكون حراً تزوج الأمة عند عدم الطول

стр. 4654

ثم نكح بعدها حرة وذلك أن يقسم لهما ويكون قسم الأمة على النصف من قسم الحرة وذلك بأن يقسم للحرة ليلتين وللأمة ليلة أو للحرة أربع ليال وللأمة ليلتين. وقال مالك: عليه التسوية بينهما في القسم استدلالاً برواية أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "من كان له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل". ولأنهما يستويان في قسم الابتداء إذا نكحها حضها بسبع إن كانت بكراً وبثلاث إن كانت ثيباً وجب أن يستويا في قسم الانتهاء. ودليلنا رواية الحسن عن النبي ﷺ أنه قال: " لا تنكح أمة على حرة وللحرة الثلثان وللأمة الثلث ". فإن قيل: فهذا مرسل وليست المراسيل عندكم حجة. قيل: قد عضد هذا المرسل قول صحابي وهو ما روى المنهال عن زر بن حبيش عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنه قال: إذا تزوجت الحرة على الأمة قسم لها يومين وللأمة يوماً. وإذا عضد المرسل قول صحابي صار المرسل حجة. وعلى أنه ليس لعلي رضي الله تعالى عنه في هذا القول مخالف فكان إجماعاً، ولأن ما كان ذا عدد تبعضت الأمة فيه من الحرة كالحدود والعدة والطلاق. ولأن وجوب القسم لها في مقابلة وجوب الاستمتاع بها فلما تبعض الاستمتاع بها من الحرة لاستحقاق الاستمتاع بها في الليل ووجوب الاستمتاع بالحرة في الليل والنهار وجب أن يتبعض ما في مقابلته من القسم. فأما الخبر فلا دليل فيه لأن العمل بما أوجبه الشرع لا يكون ميلاً محظوراً وأما استدلالهم بقسم الابتداء فقد اختلف أصحابنا هل يستويان فيه أم لا؟ على وجهين: أحدهما: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة أنهما لا يتساويان فيه بل يتفاضلان كقسم الانتهاء فسقط الدليل. الثاني: وهو قول أبي إسحاق المروزي أنهما متساويان في قسم الابتداء وإن تفاضلا في قسم الانتهاء. والفرق بينهما أن قسم الابتداء مرفوع للأنسية فاستوى فيه الحرة والأمة وقسم الانتهاء موضوع للاستمتاع بالأمة ناقص عن الاستمتاع بالحرة. فصل: فإذا ثبت أن قسم الأمة على النصف من قسم الحرة فكذلك المدبرة والمكاتبة وأم الولد ومن فيها جزء من الرق وان قل فإن أعتقت الأمة في وقت قسمها كمل لها قسم حرة ولو أعتقت بعد زمان قسمها استأنف لها فيما يستقبله من النوب قسم حرة لكنه يقسم

стр. 4655

للحرة مثل ما كان للأمة من القسم كأنه كان يقم للأمة ليلة وللحرة ليلتين فاستكملت الأمة ليلتها وهي على الرق وأقام مع الحرة ليلة واحدة ثم أعتقت الأمة فليس له أن يزيد الحرة على تلك الليلة الواحدة لأن الأمة قد صارت مثلها فلم يجز أن يفصل بينهما قَالَ الشَّافِعِيُّ نصاً في القديم. وفيه عندي نظر لأن عتق الأمة يوجب تكميل حقها ولا يوجب نقصان حق غيرها فوجب أن تكون الحرة على حقها ويستقبل زيادة الأمة بعد عتقها فلو أعتقت الأمة ولم يعلم بعتقها حتى مضى لها نوب في القسم ثم علم لم يقض ما مضى وكمل قسمها في المستقبل بعد العلم بالعتق، والله أعلم مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: " وَلِلأَمَةِ أَنْ تُحَللَهُ مِنْ قَسْمِهَا دوُنَ المَوْلَى ". قال في الحاوي: وهذا صحيح لأن القسم حق لها دون سيدها لأنه إلف لها وسكن فإن حللت زوجها من القسم صح. وإن لم يرض اليد ولو حلله اليد منه لم يصح وخالف ذلك المهر الذي إن عفا عنه السيد صح وان عفت عنه الأمة لم يصح لأن المهر للسيل دونها والقسم لها دون السيد فصح عفوها عنه دون السيد. مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَا يُجَامِعُ الْمَرْأَةَ فِي غَيْرِ يَوْمِهَا وَلَا يَدْخُلُ بِاللَّيْلِ عَلَى الَّتِي لَا قَسْمَ لَهَا وَلَا بَاسَ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهَا بِالنَّهَارِ لِحَاجَةٍ وَيَعُودَهَا فِي مَرَضِهَا فِي لَيْلَةِ غَيْرِهَا فَإِنْ ثَقُلَ مَرَضُهَا فَلَا بَاسَ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَهَا حَتَّى تُشْفي أَوْ تَمُوتَ ثُمَّ يُوفِيَ مَنْ بَقِيَ مِنْ نِسَائِهِ مِثْلَ مَا أَقَامَ عِنْدَهَا ". قال في الحاوي: قد ذكرنا أن عماد القسم الليل دون النهار لكن النهار داخل في القسم تبعاً لليل والأولى أن يكون أول زمان القسم الليل لسعة اليوم الذي بعده لأن اليوم تبع لما تقدمه من الليل دون ما تأخر ولذلك كان أول الشهر دخول الليل فإن جعل أول زمان القسم النهار مع الليلة التي بعده جاز ويصير مقدماً للتابع على المتبوع فإن قسم لها يوماً وليلة فعليه أن يقسم عندها ليلاً لا يخرج فيه إلا من ضرورة ويجوز له الخروج نهاراً للتصوف في أشغاله فإذا أراد أن يدخل على غيرها من نسائه فإن كان في النهار جاز أن يدخل على من شاء من نسائه دخول غير مستوطن عندها ولا مقيم بل ليسأل عنها ويتعرف خبرها وينظر في مصالحها أو مصالح نفسه عندها ويجوز له في دخوله عليها أن يقبلها ويمسها من غير وطئ لما روينا عن حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: "قل يوم إلا كان رسول الله ﷺ يدخل على نسائه فيدنو من كل امرأة منهن فيقبل ويلمس من

стр. 4656

غير مسيس ولا مباشرة ثم يبيت عند التي هو يومها ولأن المقصود من القسم الليل دون النهار فإذا دخل النهار على واحدة لم يفوت على صاحبة القسم حقها منه وكان دخوله على غيرها من نسائه كدخوله على غير نسائه فأما وطؤه لغيرها من النهار فلا يجوز لأن الوطء مقصود القسم فلم يجز أن يفعله في زمان غيرها. وقد روى الحسن وقتادة أن النبي شر دخل على زوجته حفصة في يومها فوجدها قد خرجت لزيارة أبيها فاستدعى مارية فخلا بها فلما علمت حفصة عتبت على النبي ﷺ وقالت في بيتي وفي يومي يا رسول الله فأرضاها بتحريم مارية على نفسه وأمرها أن لا تحبر بذلك أحداً من نسائه فأخبرت به عائشة رضي الله تعالى عنها لمصافاة كانت بينهما فتظاهرتا عليه وفي ذلك أنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التحريم: (١)] فإن أطال المقام عند غيرها في نهار قسمها أو وطئ فيه غيرها لم يقض مدة مقامه وان شاء لأنه أحق بالنهار منها لأنه زمان التصرف دون الإيواء فلم يقضه. فأما الليل فليس له أن يخرج من عندها فيه إلا من ضرورة سواء أراد الخروج إلى زوجته أو غير زوجته لأنه مقصود القسم فلم يجز أن يفوته عليها فإن دعته ضرورة إلى الخروج من عندها ليلاً فخرج لم يأثم ونظر في مدة الخروج فإن كان يسيراً لا يقضي مثله كان عفواً وان كان كثيراً يقضي مثله كأن خروج نصف الليل أو ثلثه قضاها زمان خروجه ليوفيها حقها من القسم ثم ينظر في مدة الخروج الذي يلزمه قضاؤه فإن كان لضرورة عرضت له عند غير زوجة قضاها ذلك الزمان لا من زمان واحدة من نسائه وان كان قد خرج فيه إلى غيرها من نسائه لمرض خاف عليها منه فإن ماتت سقط قسمها وقضى صاحبة القسم ما فوته عليها من ليلتها وان لم تمت قضى صاحبة القسم من ليلة المريضة ما فوته عليها من ليلتها فأما ما نقله المزني عن الشافعي يعودها في مرضها ليلة غيرها فقد كان أبو حامد الإسفراييني ينسب المزني إلى الخطأ في هذا النقل ويقول: إن الشافعي إنما قال: يعودها في مرضها في نهار غيرها. وهذا الاعتراض فاسد ونقل المزني صحيح ويجوز له أن يعودها في مرضها في نهار غيرها وهذا الاعتراض فاسدا ونقل المزني صحيح ويجوز له أن يعودها في ليلة غيرها إن كان مرضها مخوفاً لأنه وبما تعجل موتها قبل النهار ففاته حضورها وهو المراد بما نقله المزني فأما إن كان مرضها مأموناً لم يكن له عيادتها في الليل حتى يصبح فيعودها نهاراً وإنما قضاء زمان الخروج وان كان فيه معذوراً لأن حقوق الآدميين لا تسقط بالإعذار فلو خرج في ليلتها إلى غيرها فوطئها ثم عاد إليها في الحال فقد اختلف أصحابنا فيه على ثلاثة أوجه: أحدها: لا يلزمه قضاؤه لقصوره عن زمان القضاء. والثاني: يلزمه قضاء ليلة بكمالها لأن مقصود القسم في الليل هو الوطئ فإن وطئ فيه غيرها فكأنه فوت عليها جميع الليلة فلذلك لزمه قضاء جميعها من ليلة الموطوءة. والثالث: أن عليه في ليلة الموطوءة أن يخرج من عندها إلى هذه فيطأها ثم يعود

стр. 4657

إلى تلك ليسوى بينهما في فعله وهذا في القضاء صحيح وفي الوطء فاسد لاستحقاق الزمان دون الوطء والله أعلم. مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَقْسِمَ لَيْلَتَيْنِ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثاً ثَلَاثاً كَانَ ذَلِكَ لَهُ وَأَكْرَهُ مُجَاوَزَةَ الثلَاثِ ". قال في الحاوي: وهذا صحيح الأولى بالزوج في القسم بين نسائه أن يقسم لكل واحدة منهن ليلة ليلة أتباعاً لرسول ﷺ في القسم بين نسائه ولأنه أقرب إلى استيفاء حقوقهن فإن جعل القسم ليلتين لكل واحدة جاز وكذلك لو جعله ثلاث ليال لأن أخر حل القلة وأول حد الكثرة ولا اعتراض لهن عليه في ذلك بل هو إلى خياره دونهن فأما إن أراد الزيادة على ثلاث بأن يقسم لكل واحدة أسبوعا أو شهراً فقد قَالَ الشَّافِعِيُّ في الإملاء يقسم مياومة ومشاهرة ومسانهة. وهذا إنما يجوز له مع رضاهن بذلك فإذ لم يرضين فليس له أن يجاوز بهن ثلاثاً ولأن ما زاد على الثلاث دخل في الكثرة التي لا يؤمن تفويت حقوقهن فيها بالموت فإن قسم لواحدة منهن شهراً فقد أساء وعليه أن يقم للباقيات شهراً شهراً فإذا استوفين الشهر فلهن أن يلزمنه تقليل القسم إلى ثلاث. فصل: فإن طلق واحدة من نسائه في مدة قسمها وقد بقيت منها بقية فإن كان الطلاق ثلاثاً سقط باقية سواء نكحها بعد زوج أم لا، وان كان الطلاق رجعياً فإن لم يراجعها حتى انقضت عدتها ثم نكحها لم يقضها بقية قسمها ولا ما مضى من نوب القسم بعد طلاقها وقبل نكاحها موان راجعها في العدة لم يلزمه أن يقضيها ما تجدد من نوب القسم بعد طلاقه وأما بقية النوبة التي كان الطلاق فيها فإنك تنظر فإن كانت آخر النساء قسماً في النوبة قضاها بقية أيامها في تلك النوبة لأنها قد استحقتها بالقسم لمن تقدمها موان كانت أول النساء قسماً في النوبة لم يقضيها بقية أيامها لأنه ابتداء قم لم يستحق استكماله وعليه أن يقسم لمن سواها مثله ألا ترى أنه لو أراد أن يقتصر بها على هذا القدر ليقسم للباقيات مثله جاز إذا جاز إذا كانت أوله ولم يجز إذا كانت آخره. مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَيَقْسِمُ لِلْمَرِيضَةِ وَالرَّتْقَاءِ وَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ وَلِلَّتِي آلَى أَوْ ظَاهَرَ مِنْهَا وَلَا يَقْرَبُهَا حَتَّى يُكَفِّرَ؛ لِأَنَّ فِي مَبِيتِهِ سُكْنَى وَإِلْفًا".

стр. 4658

قال في الحاوي: وهذا كما قال والقسم للإلف والسكنى ولا للجماع فلذلك لزمه أن يقسم لمن قدر على جماعها أو لم يقدر من المريضة والرتقاء والحائض والنفساء والتي آلى منها أو ظاهر. قَالَ الشَّافِعِيُّ في الأم: ويقسم للمحرمة فأما المجنونة فإن أمنها على نفسه قسم لها وإن لم يأمنها لم يقسم ويقم لذوات العيوب من الجذام والبرص فإن عافته نفسه فسخ. وإذا وجب عليه القسم لمن ذكرناه فله أن يستمتع بالمريضة فيما سوى الوطء إذا كان يضرها. وأما الرتقاء فيستمتع بما أمكن منها. وأما الحائض والنفساء فيستمع بها د ون الفرج. وأما التي آلي منها فله وطها ويكفر عن يمينه. وأما التي ظاهر منها فليس له وطئها. وفي إباحة التلذذ فيما سوى الوطء وجهان وأما المحرمة فلا يجوز له الاستمتاع بشيء منها وعلى المحبوب والعنين أن يقسم لنسائه وان لم يقدر على جماعهن لما ذكرنا من مقصود القسم وكذلك لو كان الزوج مريضاً لزمه القسم لهن كالصحيح ولو كان عبداً لزمه القسم كالحر. مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ " وَإِنْ أَحَب أَنْ يَلْزَمَ مَنْزِلاً يَاتِيَنهُ فِيهِ كَانَ ذَلِكَ لَهُ عَلَيْهِن فَأَيتُهُن امْتَنَعَتْ سَقَطَ حَقُهَا ". قال في الحاوي: اعلم أن للزوج الخيار في القسم بين أن يطوف محليهن في مساكنهن فيقيم عند كل واحدة منهن في زمان قسمها كما فعل رسول الله ﷺ مع نسائه وبين أن يقيم في منزل ويأمرهن بإتيانه فيه كل واحدة منهن إلى منزله فتقيم عناه مدة قسمها والأول أولاهما به اقتداء برسول ﷺ في قسمه ولأن ذلك أصون لهن وأجمل في عشرتهن فلو أمرهن بإتيانه فامتنعت واحدة منهن أن تأتيه فإن كان لمرض عذرت وكانت على حقها من القسم والنفقة وان كان بغير مرض ولا محذر صارت بامتناعها ناشزاً وسقط حقها من القسم والنفقة لأن عليها قصده وليس عليه قصدها ألا ترى أنه لو أراد أن يسافر بها لزمها أتباعه ولو أرادت أن تسافر به لم يلزمه أتباعها فإن كانت هذه المرأة من ذوات الأقدار والخفر واللاتي لم تجز عادتهن بالبروز صينت عن الخروج إليه ولم يلزمها أتباعه ووجب عليه أن يقسم لها في منزلها.

стр. 4659

فصل: وإذا حبس الزوج أمكن نساؤه أن يأوين معه في حبسه فهن على حقوقهن من القسم لأن حاله في الحبس كحاله في منزله ولو لم يمكنهن ذلك من معه في الحبس من الرجال أو لأنه ممنوع من الناس سقط القسم. مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: «وَكَذَلِكَ المُمْتَنِعَةُ بِالجُنُونِ». قال في الحاوي: قد ذكرنا بأن المجنونة إذا خاف على نفسه منها سقط قسمها فأما الذي لا يخاف على نفسه من جنونها فالقسم لها واجب لأن فيه إلفًا لها وسكنًا فإن امتنعت عليه بالجنون جرى عليها حكم النشوز وإن لم تأثم وسقط بذلك قسمها ونفقتها لأنها في مقابلة استمتاع قد فات عليه بامتناعها وإن عذرت لأن حقوق الآدميين تستوي في الوجوب مع العذر والاختيار ألا ترى أن المؤجر إذا امتنع من تسليم ما أجر لعذر أو غير عذر سقط حقه من الأجرة ثم إذا سقط قسمها بالامتناع قسم بين الباقيات من نسائه وكذلك لو نشزت عليه وهي عاقلة سقط حقها وكان القسم لمن سواها فلو أقلعت عن النشوز عاد قسمها معهن كالذي كان. مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: «وَإِنْ سَافَرَتْ بِإذْنِهِ فَلَا قَسَمٌ لَهَا وَلَا نَفَقَةٌ إِلَّا أَنْ يَكُونَ هُوَ أَشْخَصَهَا فَيَلْزَمُهُ كُلُّ ذَلِكَ لَهَا». قال في الحاوي: اعلم أنه لا يخلو حال سفرها من أحد أمرين: إما أن تكون مع الزوج أو منفردة عنه فإن سافرت مع الزوج كانت على حقها من النفقة والقسم ثم ينظر فإن سافر بها بالقرعة لم يقض باقي نسائه ما أقام معها وإن كان بغير قرعة قضاهن مدة سفرها معه وإن سافرت منفردة فعلى ضربين: أحدهما: بإذنه. والثاني: بغير إذنه. فإن سافرت بغير إذنه فلا قسم لها ولا نفقة وهي في سفرها آثمة وصارت أسوأ حالًا من المقيمة الناشزة وإن سافرت بإذنه فقد قال الشافعي ها هنا: لها القسم والنفقة. وقال في كتاب النفقات: لا نفقة لها ولا قسم. فاختلف أصحابنا في ذلك على طريقتين: أحدهما: وهي طريق أبي حامد الإسفراييني أن ذلك على اختلاف قولين: أحدهما: وهو المنصوص عليه في هذا الموضع لها القسم والنفقة لأنها لما خرجت بإذنه من المأثم خرجت من حكم النشوز.

стр. 4660

والقول الثاني: وهو المنصوص عليه في النفقات لا قسم لها ولا نفقة لأنهما في مقابلة الاستمتاع قد فات عليه وإن عذرت. والطريقة الثانية: وهي طريق أبي حامد المروزي أنه ليس على اختلاف قولين وإنما على اختلاف حالين فالذي قاله ها هنا في وجوب القسم لها محمول على أنها سافرت بإذنه فيما يخصه من أشغاله لأن له أن يستوفي حقه منها بالاستمتاع وغيره والذي قاله في كتاب النفقات أنه لا قسم لها إذا سافرت بإذنه فيما يخصها من أشغالها لأنه تصرف قد انصرف إليها دونه وإن عذرت ويكون تأثير إذنه في رفع المأثم لا في وجوب القسم. مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: «وَعَلَى وَلِيِّ المَجْنُون أَنْ يَطُوفَ بِهِ عَلَى نِساَئِهِ أَوْ أَنْ يَاتِيهِ بِهِنَّ وَإِنْ عَمَدَ أَنْ يَجُوزَ بِهِ أَثِمَ». قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا كان للمجنون أربع نسوة وذلك بأن يتزوجهن في حال صحته ثم يطرأ عليه الجنون لأنه لو كان وقت العقد مجنونًا لم يجز أن يزوج بأكثر من واحدة وإن احتاج إليها فالقسم لنسائه واجب وإن كان غير مكلف لأنه من حقوق الآدميين فأشبه النفقة وإذا كان كذلك فعلى وليه أن يستوفي منه حقوق نسائه من القسم لأن فيه سكنًا له ولهن ويفعل الولي أصح الأمرين من إفراده بمسكن يأمرهن بإتيانه فيه وبين أن يطيف عليهن في مساكنهن فإن كان الزوج قد رتبهن في القسم وقدر زمان كل واحدة منهن أجراه الولي على ما تقدم من قسمه في الترتيب والتقدير وإن لم يتقدم الزوج لهن استأنف الولي بالقرعة من يقدمها منهن وقدر لها من مدة القسم ما يراه أصح له ولهن ولا يزيد على ثلاث فإن عمد الولي أن يجوز في القسم أثم في حقه وحقوقهن ولا عوض لهن على ما فوت من قسمهن لأن المعارضة عليه لا تجوز فإن أفاق الزوج وقد جار به الولي نظر في جوره فإن كان يمنع الزوج من جميعهن فلا قضاء على الزوج بعد إفاقته لتساويهن في سقوط القسم ويستأنف الزوج لهن القسم وإن كان جور الولي به أن أقامه عند بعضهن ومنعه من باقيهن فعلى الزوج بعد إفاقته قضاء الباقيات بما فوته الولي عليهن من القسم. فصل: وإذا خفن على أنفسهن من جنون الزوج سقط بذلك حقه من القسم ولم تسقط حقوقهن فإن طلبن القسم من الخوف وجب على الولي أن يقسم لهن من الزوج إلا أن يرى من الأصلح له أن لا يقيم عند واحدة منهن فسقط قسمهن. مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: «فَإِنْ خَرَجَ مِنْ عِنْدِ وَاحِدَةٍ فِي اللَّيْلِ أَوْ أَخْرَجَهُ سُلْطَانٌ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ
следующие страницы →