← Фикх шафии

Фикх шафии · id 16934

بحر المذهب للروياني

عَبْد الواحِد الرُّوْياني

Полный текст (7 151 стр.). Показаны 5006–5045 · переход к 5011.

стр. 5006

كما لو حدت بالإقرار والبينة. ولو لاعنها الزوج ولم تلاعن هي ولم تعد بعد سقط إحصانها في حق الزوج دون غيره أيضًا لأنه وجب عليها الحد بلعانه، وإن لم تحد وذكر الداركي وجهًا آخر هاهنا أيضًا أنه يسقط إحصانها في حق الكل لأنه ثبت زناها بلعانه كما لو حدت وهذا بعيد. وقال أبو حنيفة: إن كان لها ولد نفاه باللعان سقط إحصانها في حق الكل وإن لم يكن لها ولد نفاه سقط إحصانها في حق الزوج خاصته. وقد قال: لو قدمت إياه ومعها ولد لا يعرف نسبه فقذفها قاذف لا حد عليه لأن نسب ولدها غير ثابت وهذا غلط؛ لما روي أن النبي قال في خبر هلال فمن رماها أو رمى ولدها فعليه الحد، ولو لاعنت ولاعن الزوج ثم قذفها ثانيًا بذلك الزنا لم يجب عليه الحد ويعزر لأن اللعان لحجة في حقه كالبينة، ولو أعاد القذف بعد إقامة البينة لا يلزمه الحد لكن ذكر جماعة أصحابنا. وذكر صاحب "الحاوي" و"الشامل" أنه يلزمه الحد [١٨٧/ أ] وجهًا واحدًا لأنه عارض لعانه لعانها ولم يثبت عليها الزنا ولا وجب الحد علها فلم يزل إحصانها وهذا أقيس عندي لوقذفها بعد التلاعن بزنا آخر فيه وجهان لأصحابنا؛ أحدهما: لا حد لقيام الحجة على زناها، وإن عارضها بلعانها، والثاني: يحد لزنه لم يقم الحجة على هذا الزنا، واللعان حجة خاصة فيما تقدم، ولم يقدم الحد عليها وهذا اختيار القفال. وذكر مرة أن في المسألة قولين؛ ونص في "القديم" أنه يحد، ولو قذف زوجته ولم يقم البينة ولم يلاعن، فحد لها ثم رماها بذلك الزنا، عزر ولا يحد أيضًا، ولو رماها بزنا آخر فيه وجهان؛ أحدهما: وهو اختيار ابن الحداد لا يحد لأنه حد لها فلا يحد. والثاني: يحد، وهما مبنيان على القولين الأجنبي يحد في قذف الأجنبي ثم قذفه ثانيًا بزنًا آخر، هل يحد أم لا؟ ومن العلماء من قال: يجب الحد ثانيًا إذا أعاد القذف بكل حال كما لو تكرر الزنا بعد إقامة الحد وهذا غلط لأن أبا بكرة كرر قذف المغيرة بعد إقامة عمر بن الخطاب ﵁ الحد عليه، ولم يحده عمر، ولأن حد القذف يراد بالتكذيب، وقد ذكرناه حين حددناه فلا حاجة إلى الحد ثانيًا. وأما إذا قذف زوجته بزنا؛ وكان قبل الزوجية ولم يقم عليه بينة، فإن لم يكن هناك ولد حد لها؛ ولا يكتفي لأنه لا ضرورة به إلى رميها بالزنا قبل الزوجية؛ وبه قال مالك وأحمد في رواية، وقال أبو حنيفة: له أن يلاعن لأن الزوجية كانت قائمة وقت القذف والاعتبار بحالة القذف وهذا غلط لما ذكرنا، وإن كان هناك ولد يريد نفيه فيه وجهان؛ أحدهما وهو اختيار أبي إسحاق: لا يلاعن لأنه لا حاجة به إلى إلحاق الزنا إلى ما قبل الزوجية، فإذا فعل ذلك لا يلاعن وبه قال مالك وأحمد في رواية والنسائي، وهو اختيار ابن أبي هريرة [١٨٧/ ب] وصاحب الإفصاح والقاضي الطبري؛ يلاعن لأنه به حاجة إلى قذفها لنفي الولد فأشبه إذا قذفها بالزنا في الزوجية وهذا أصح، ولو قذف

стр. 5007

الزانية بزنا آخر في ملكه يلاعن لنفي التعزير وبه قال أبو حنيفة لأنه لم يصدقه بهذا القذف فصدق نفسه. ثم اعلم أن الشافعي في جمع هذا الفصل بين مسألتين مختلفتي الحكم وأجاب بجواب واحد فقال: ولو كانت امرأته محدودة في زنا فقذفها بذلك الزنا أو بزنا كان في غير ملكه عزر ومعلوم أنه إذا قذفها بزنا قد حدث فيه فحكمه التعزير، وإذا قذفها بزنا كان في غير ملكه وليست محدودة فيه فحكمه الحد لا التعزير؛ فكيف أجاب في المسألتين جميعًا وجوب التعزير، وهذا مشكل وإزالة هذا الإشكال أن يقال: الشافعي كثير الجمع بين مسألتين، ثم يجيب عن إحديهما فكأنه أجاب بالتعزير في المسألة الأولى وهي: إذا كانت محدودة في ذلك الزنا؛ ولم يجب عن المسألة الثانية وهي إذا كانت غير محدودة، ولو أجاب عن الثانية لكان يجب بوجوب الحد. أو يقول: يحتمل أن يريد بقوله: بزنا كان في غير ملكه وهي محدودة في ذلك الزنا، والمسألة الأولى مصورة في زنا في ملكه؛ وهى محدودة فيه أيضًا، وإذا كانت المسألتان جميعًا مصورتين في الزنا الذي حدث فيه فجوابهما التعزير، وإن كانت في إحديهما زنت في ملكه، وفي الأخرى زنت في غير ملكه. مسألة: قال: "وإن أنكرَ أنْ يكونَ قذفهَا فجاءتْ بشاهدينِ لاعنْ وليسَ جحودهُ القذفَ إكذابًا لنفسَه". صورة المسألة: أن تدعي امرأة على زوجها أنه قذفها فجاءت بشاهدين فشهدا عليه بالقذف قال الشافعي: له أن يلاعن وليس جحوده القذف [١٨٨/ أ] إكذابًا لنفسه ولا خلاف على المذهب أنَّ له أن يلاعن ولكن اختلف أصحابنا في أن جحوده القذف إكذابًا منه لنفسه، أم لا فمنهم من قال: ليس بإكذاب وهو ظاهر ما قاله هاهنا؛ ووجهه أنه يقول: أنا ما قذفتها لأن القذف هو القول الكذب الزور، وإذا قلت: حقًا؛ والبينة إنما شهدت على أني قلت لها: يا زانية وأنا صادق في ذلك ولست بقاذف؛ فلا يكون فيه تكذيب لنفسه. ومن أصحابنا من قال: هذا تكذيب منه لنفسه لأنه نفي أن يكون قذف وقد قامت البينة عليه بالقذف وحكمنا عليه بالقذف. ألا ترى أنَّا نحده بالقذف إلا أنَّا مع كونه مكذبًا له أن يلاعن وثبت الزنا عليه، وإن كان قد جحد الكذب وصار مكذبًا فيه وهو اختيار أبي إسحاق. ومنهم من قال: هذا تكذيب منه لنفسه؛ ولكنه يلاعن لأنه يقول: ما قذفت ولكن هي زانية فيكون بهذا القول قاذفًا، ومتى قال لها: ألا إن هي زانية فقد أحدث قذفها فيلتعن لأجل هذا القذف الحادث ويحققه باللعان، ولو قال: كذبت فيما قلت هي ما زنت ولم أقذفها، لم يكن له اللعان وكذلك إذا ادعت عليه أن قال لها: يا زانية فقال: ما قلت ذلك، وأقامت البينة بذلك فقد كذب نفسه فعليه الحد ولا يلاعن لأنه تقدم منه إقرار بأنها ليست بزانية فليس له أن يرجع ذلك؛ وكيف يقول في لعانه: إني لمن الصادقين فيما رميتها به، ولم يوجد منه القذف على

стр. 5008

قوله، فالقائل الأول والثاني يقولان: يلاعن للقذف الأول، والقائل الثالث يقول: يلاعن للقذف المجدود. ومن قال بالأول قال: حصل قذفها في لفظ لعانه حيث يقول: إني لمن الصادقين فيما رميتها به فلا يحتاج إلى تجديد هذه اللفظة [١٨٨/ ب] متى أراد اللعان وقال ابن أبي ليلى: لا يلاعن لأنه جحد القذف وقاعدة اللعان القذف وقصد الشافعي بما ذكر من العلة هو. مسألة: قال: "ولو قذفَها ثم بلغَ لم يكنْ عليهِ حدٌ ولا لعانٌ". الصبي إذا قال لزوجته: يا زانية لم يكن قذفًا ولا حد عليه ولا تعزير أيضًا لأنه لا حكم لكلامه، فإن بلغ وأراد اللعان لم يكن له لأن اللعان إنما يكون على القذف وليس هذا بقذف، وقال القفال: ولكن يؤدب الصبي على ما قال: إن كان يعقل عقل مثله، فإن لم يؤدب حتى بلغ لم يؤدب بعده لأنه زال المعنى الذي ونبه. مسألة: قال: "ولو قذفَها فِي عدةِ يملكُ فيهَا رجعةَ فعليهِ اللعانُ". الرجعية في حكم الأزواج فيلاعنها زوجها ولا يؤخر إلى أن يراجع كما يؤخر أمر الظهار والإيلاء لأن الظهار تحريم وهي محرمة والإيلاء مضارة ولا تبين المضارة في حال التحريم واللعان يراد لأمور تتحصل الآن وفي تأخيره ضرر بما يموت فيبقى النسب غير منتفي في الحال فيلاعن. مسألة: قال: "ولو بانتْ فقذفَها بزنًا نسبهِ إلى أنه كانَ وهيَ زوجتُه حدَ ولا لعانَ". إذا أبان زوجته بالطلاق الثلاث أو الخلع أو الفسخ ثم قذفها بزنا كان بينها في حال الزوجة نظر، فإن لم يكن هناك ولد ينفيه لم يجز له أن يلاعن، وحد إن لم يأت بالبينة لأنه لا ضرر فيه إلى قذفها بعد البينونة، وقال عثمان البتي: له أن يلاعن، وبه قال الأوزاعي وأحمد؛ وقيل عن أحمد مثل قولنا وهو الصحيح. وإن كان هناك ولد يريد نفيه له أن يلاعن وقال أبو حنيفة: لا يلاعن لأنه قذفها في غير الزوجية فأشبه إذا لم يكن هناك ولد وهذا غلط لأنه لا حاجة به إلى قذفها [١٨٩/ أ] واللعان عند عدم الولد وبه حاجة إلى ذلك عند وجود الولد لئلا يلحقه نسب ولد ليس منه فافترقا، واعلم أن الشافعي ألزم نفسه سؤالاً فقال: فإن قيل: فلم لاعنت بينهما وهي بائن إذا ظهر بها حمل قيل: كما ألحقت الولد لأنها كانت زوجة فلاعنت أيضًا عند الاحتياج لأنها كانت زوجة، ثم قال الشافعي: نفي رسول الله ﷺ الولد وهي زوجة فزال الفراش كأن الولد بعدما يتبين أولى ينتفي، ومعناه أن اللعان إذا لاقى الفراش تعلق به قطع الفراش وقطع النسب ودرء الحد، فإذا انقطع الفراش بالطلاق كيف لا يقوى اللعان على دفع النسب ودرء الحد وهو بعض ما كان يقوي عليه قبل ذلك.

стр. 5009

فرع إذا لاعن منها عند وجود الولد ونفي نسب الولد؛ هل تحرم هي على التأبيد عليه؟ لا نص فيه؛ واختلف أصحابنا فيه على وجهين؛ أحدهما: تحرم على التأبيد وهو الأشبه، والأصح أن اللعان إذا صح تعلق به التحريم على التأبيد كما لو لاعن زوجته، ولأن كل نسب يوجب التحريم المؤبد إذا صادف الزوجية أوجب التحريم المؤبد، وإن صادف غير الزوجية كالرضاع، والثاني: لا تحرم على التأبيد لأن التأبيد تابع لوقوع الفرقة بهذا اللعان، ولأنه تحريم يختص به الأزواج، فإذا صادف البينونة لا حكم له في الطلاق. فرع آخر إذا قلنا بالوجه الثاني، هل يجرى عليه حكم الطلاق الثلاث حتى لا تحل إلا بعد زوج لأن أضعف أحواله أن يكون الطلاق، والثاني: تحل قبل زوج إذا لم يستكمل عدد الثلاث بالطلاق المقدم لأن هذا اللعان لم يؤثر في الفرقة فلم يؤثر في التحريم أصلاً، ولو أثر في التحريم لكان تأثيره في تحريم التأبيد أولى. [١٨٩/ ب] فرع آخر قال القفال: إذا لاعن فنفي الولد وحده فهل تلاعن المرأة؟ فيه وجهان؛ أحدهما: تلاعن كما في النكاح، والثاني: لا تلاعن؛ لأن نفي الولد ضد مقتضى لعانها فلا معنى للعانها فيه. قال: وهذان الوجهان مبنيان على أنها هل تذكر أمر الولد في لعانها أم لا، والوجه الثاني أظهر لأن الشافعي قال: لو نسي الحاكم نفي الولد في اللعان قال الزوج: إذا شئت نفيه فلاعن، فإذا أعاد لم تعد المرأة لعانها كذلك هاهنا لا يلاعن ولا يحد فإنه لم يلاعن لإثبات الزنا عليها وإسقاط الحد عن نفسه وإنما لاعن لنفي الولد وحده. فرع آخر لو كان بها حمل يريد نفيه في المسألة التي ذكرناها نقل المزني بأن له أن ينفيه باللعان فقال: إلا أن ينفي به ولدًا أو حلاً فيلتعن، وذكر المزني في "الجامع الكبير" هذه المسألة؛ وقد قال الشافعي: لا لعان بينهما إلا أن ينفي ولدًا أو حملاً فيلا عن للولد ويوقف للحمل، فإذا ولدت التعن فإن لم يلاعن حدَّ، ثم قال المزني: أولى بقوله أن يلتعن، وإن لم تلد إذا أن الحمل. واختلف أصحابنا فيه فقال أبو إسحاق: التلاعن على نفيه قولاً واحدًا كما نقل المزني لأن المقصود باللعان هاهنا النفي. ألا ترى أنه لو لم يكن هناك ولد لا يلاعن فلا يجوز ذلك، حتى يتيقن الولد الذي هو سبب صحة اللعان وحمل أبو إسحاق ما نقله المزني على ما قرره في "الجامع الكبير" وهو أنه يلاعن إذا وضعت، ويخالف هذا إذا كانت زوجته حاملاً له أن يلاعن وينفي الحمل قولاً واحدًا لأن المقصود هاهنا درء الحد عن نفسه، وينفي النسب تبعًا لأنه، وإن لم

стр. 5010

يكن ولد يلاعن أيضًا، ومن أصحابنا من قال: فيه قولان: أحدهما: ما ذكرنا وهو الأصح. والثاني: له أن يلاعن لنفيه كما في الزوجة يصح اللعان لنفي حملها كما يجوز لنفي ولدها المنفصل [١٩٠/ أ] وقيل: هذان القولان مبنيان على أن الحمل هل يعلم أم لا حتى يلزم الاتفاق عليها للحمل، وفيه قولان؛ وهذا ضعيف لأنه لا يشبه النفقة فإنه إذا اتفق فلم يكن حمل يمكن الرجوع عليها ولا يمكن الرجوع في حكم اللعان. فرع آخر لو قذف زوجته وهي حامل له أن يلاعن لنفي نسب الحمل على ما ذكرنا، وإن لم يكن صرح بقذف الزنا، وبه قال مالك: ولو اختار تأخيره إلى ما بعد الانفصال كان له. وقال أبو حنيفة منع الفرقة إذا لاعنت أيضًا وفرق الحاكم بينهما ثم تلحق نسب الولد ولا يقدر على نفسه بحال لأن اللعان لا يصح بعد زوال النكاح وهذا غلط؛ لأنه ولد يلحقه نسبه فله نفيه باللعان كالولد المنفصل ولأن هلال بن أمية لاعن على الحمل وقد قال النبي ﷺ : إذا جاءت به على نعت كذا وكذا أفلا أراه إلا وقد صدق عليها، وهذا نص صريح. فرع آخر لو استلحق الحمل لحقه، ولم يكن له نفيه بعده وقال أحمد: لا يصح استلحاقه ولا نفيه وهذا غلط؛ لأنه محكوم بوجوده لأنه يوقف له الميراث وتجب له النفقة فصح الإقرار به واحتج بأن إقراره به معلق بشرط إن كان بها حمل فلا يصح عليها لو علق الإقرار بدخول الدار قلنا: لا نقول إنه معلق بشرط ولكن نقول حكمه يظهر به في الحال. فرع آخر لو قذفها ثم أبانها له اللعان سواء أكان هناك ولد أو لا وقال أبو حنيفة: سقط اللعان بالإبانة وهذا غلط؛ لأنه ثبت حق اللعان بالقذف فلا يسقط بحادث الإبانة بعده. فرع آخر لو كان هناك ولد فلاعنها ووقعت الفرقة بينهما ثم قذفها بزنا آخر نسبه إلى حال الزوجية لا يلاعن لأنه لا نسبه هناك ينفيه وهل يلزمه الحد؟ فيه وجهان؛ [١٩٠/ ب] أحدهما: لا يحد ويعزر لأن اللعان أسقط إحصانها على ما ذكرنا. والثاني: يحد لأن حكم اللعان لا يتعدى إلى غير حال الزوجية. مسألة: قال: "ولو قالَ: أصابكَ رجلٌ في دبركِ حدَّ ولاعنَ". القذف في الدبر والقبل سواء لأن الدبر فرج ينبغي باليلاج فيه لذة كاملة، فكان

стр. 5011

القذف به موجبًا للحد كالقبل، ثم إن قذف به امرأته لاعن لأن به ضرورة إلى قذفها به، وإن قذف به أجنبية أو رجلاً أو غلامًا يحد إلا أن يأتي بأربعة شهداء، وقال أبو حنيفة: لا يصح القذف ولا يلاعن أصلاً ويعزر بناءً على أصله أنه لو تحقق ذلك لا يحد بل يعزر، وذكر المزنى هذه المسألة في "الجامع الكبير" وقال: لا أدري على ماذا أقسه كأنه أنكر هذا المذهب، فنقول له: قسه على القبل كما ذكرنا. وحكي صاحب "الحاوي" عن المزني" إذا قذف بالإتيان في الدبر يجب الحد ولا يجوز اللعان لأنه لا يختلط بمائه، ولا يقدح في نسبه. وعلى ما ذكرنا إذا لاعن في هذه المسألة سقط الحد عنه وثبت التحريم به وفي جواز نفي الولد به وجهان؛ أحدهما: لا يجوز لاستحالة العلوق منه، ويلحق الولد بالزوج إلى أن يقذف بما يكون منه الولد ويلاعن لنفيه وهو اختيار العمري. والثاني: يجوز لأنه يحتمل أن يسبق الإنزال فيستدخله الفرج فتعلق به. فرع لو قال: أنت سحاقة، أو أصابك رجل فيما دون الفرج، أو قبلك، أو عانقك، لا يلزمه الحد ولا لعان أيضًا وعزر للأذى لأن هذا الفعل لو تحقق لا يوجب الحد. فرع آخر لو قال: وطئك رجلان في حالة واحدة عزر ولم يحد لاستحالته، وهذا التعزير للأذى. فرع آخر لو قال: علوت علي رجل ودخل منه في ذلك منك؛ يلزمه الحد، وله اللعان لأنه لو تحقق عليها ذلك وجب الحد نص عليه في "الأم" [١٩١/ أ]. مسألة: قال: "ولو قالَ لها: يا زانيةُ بنتُ الزانيةِ وأمهَا حرةٌ مسلمةٌ". الفصل إذا قال لامرأة: يا زانية بنت الزانية فقد قذف كل واحدة منهما وعليه لكل واحدة منهما حد قولاً واحدًا ولا يتعلق حكم إحديهما بالأخرى لأنه أفراد كل واحدة منهما بالقذف بخلاف ما لو قذف اثنتين بكلمة واحدة يلزم حد واحد في أحد القولين لأنه جمعهما في القذف بكلمة واحدة، ولا فرق بين أن يقول: يا زانية بنت الزانية وبين أن يقول: زنيت وأمك زنت، ولو قال: أنت وأمك زانيتان قال القفال: فإن قلنا: في الأجنبيتين يلزم حدان فهاهنا أولى وإن قلنا: هناك يلزم حد واحد فهاهنا وجهان؛ لأن الموجب مختلف يلاعن في إحديهما ولا يلاعن في الأخرى والأصح أنه يجب حد

стр. 5012

واحد هاهنا أيضًا لأن الحجة مختلفة لا الموجب، فإذا تقرر هذا لا يجوز لامرأته أن تطلب حد أمها وإنما المطالبة إلى الأم أو وكيلها، فإن كانت الأم ميتة فهي تطلب حد أمها وإنما المطالبة إلى الأم أو وكيلها، فإن كانت الأم ميتة فهي تطلب حد أمها مع باقي الورثة على قولنا إنه يثبت حد القذف لجميع الورثة الرجال والنساء، ولو جاءت البنت تطلب حدها والأم غائبة كان له إسقاطه بالبينة أو اللعان، فإن عجز عنها حدّ لها، وإن جاءت الأم قبل البنت كان له إسقاط حدها بالبينة خاصة فإن لم يكن بينة حد لها ولو جاءتا معًا فالمنصوص أنه يقدم حد الأم وهو المذهب. ومن أصحابنا من قال: يقدم حد البنت وهو اختيار أبي إسحاق لأن الحد لها سبق حد الأم بقوله: يا زانية ثم قال: بنت الزانية وهو كما لو قتل رجلاً ثم رجلاً قدم القصاص الأول ولأنه إذا قذف أجنبيتين بكلمتين يبدأ الحد من قدم أولاً كذلك هاهنا والأول أصبح لمعنيين؛ أحدهما: أن حد الأم مجمع عليه [١٩١/ ب] وحد البنت مختلف فيه، فإن عند أبي حنيفة لا يجب الحد لها بل يجب اللعان فقط والثاني: أن حد الأم أقوى لأنه لا يمكن إسقاطه إلا بالبينة وحد البنت يسقط باللعان فإذا قلنا: تقدم الأم فحددناه لها ثم جاءت البنت وطالبته فلم يلاعن ولا يأتي ببينة يلزم الحد لها ولكن لا يقيم عليه الحد حتى يبرأ من الحد الأول لأنه لا يجوز الموالاة بين الحدين مخافة التلف ويحبس حتى يبرأ للحد الثاني. فإن قيل: أليس لو اجتمع عليه قطعان قطع في يمينه بسرقة، وقطع في يساره بجناية يوالي بين القطعين فما الفرق؟ قلنا: الفرق أن القصد من الحد الزجر فأمر بحد الظاهر منه البقاء دون التلف ونخاف التلف بين الموالاة بين الحدين ولا يمكن أن يقال في القطع أمر بقطع لا يؤدي إلى التلف لأن ظاهر القطع التلف فوالينا بين القطعين وفي هذا نظر؛ لأنه يلزم على هذا أن يقطع في شدة الحر والبرد ولا يقطع عند وجود ذلك وأيضاً الحد مقدر بالشرع فلا يراد عليه، ولهذا لو تكرر سببه لم يتكرر الحد، فلو والينا بين الحدين أضر به وأدى إلى خلاف موضوعه والقصاص يجوز أن يجب في الأطراف كلها لواحد ويستوفي له في حالة واحدة أن يجب لاثنين ويستوفي لهما في حالة واحدة، وإذا قدمنا البنت ولم تلاعن ولم تقم البينة نحده لها ثم يخاصم الأم ونحده لها بعد برئه من الحد الأول على ما ذكر القفال عن بعض أصحابنا أنهما إذا اجتمعا على المطالبة يقرع بينهما لأن الكلام فصل واحد. وقال أبو حنيفة: إن لاعن الابنة يحد للأم، وإن حد للأم أولاً بطل حق البنت لأنه يصير محدوداً في القذف فلا يصح لعانه. قال: وإن اجتمعا يقدم حد الأم أولاً ثم يلاعن [١٩٢/ أ] واعلم أن الشافعي ربما يستقصي شرائط مسألة في موضع ثم إذا استقبلته تلك المسألة يذكر بعض شرائطها اعتمادًا منه على ما قد استقصى وهاهنا فعل على هذه العادة فقالك "وأمها حرة مسلمة" فاقتصر من ذكر شرائط الإحصان على الحرية والإسلام ولم يذكر العقل والعفة.

стр. 5013

فرع آخر لو قذف عبد رجلين فوجب عليه حدان هل يوالي بين الحدين؟ يحتمل وجهين ذكرهما أبو إسحاق؛ أحدهما: يوالي لأن الذي يقام عليه الحد ثمانون جلدة وقد يجوز أن يوالي عن الحر ثمانون جلدة والثاني: لا يوالي لأنهما حدان في حقه، والأول أقرب عندي. فرع آخر لو ثبت على رجل حدان لله تعالى أحدهما بالإقرار، والآخر بالبينة قال القفال: قدم ما ثبت بالبينة فإنه ربما يرجع عن الإقرار، فهاهنا أيضاً ينبغي أن يقدم حد الأم لأنه ربما يسقط حد الابنة باللعان. مسألة: قال: "ومتى أبى اللعانُ فحددته إلاَّ سوطًا ثمَ قالَ: أنا ألتعنُ، قبلتُ رجوعَه ولا شيءَ لهُ فيمَا مضى". اللعان في هذا كالشهادة عندنا لا كاليمين فإذا حددناه إلا سوطاً ثم قال: أنا أعود إلى اللعان أعدناه كما لو قال: أنا أقيم البينة قبلناها وتركناه، وكذلك المرأة إذا وجب الحد عليها بلعان فحده إلا سوطاً فقالت: أنا أعود إلى اللعان قبلنا وعادت إلى اللعان، فيسقط بلعانها ما بقي من الحد ولا شيء عليه فيما مضى من الضرب لأنه كان ضربًا ليمين ويخالف هذا إذا نكل المدعى عليه عن اليمين وردت اليمين إلى المدعي فقال المدعى عليه: أنا أحلف؛ لا يرد عليه اليمين لأن اليمين صارت حجة للمدعي، فلم يجز أن يأتي بها المدعى عليه وليس كذلك اللعان لأنه لا يصير بنكوله حجة لغيره. قال القفال: لو أقيم عليه الحد في التمام؛ ثم قال: ألاعن؛ لأصدق نفسي لم يقبل منه وهذا صحيح. [١٩٢/ ب]. مسألة: قال: "فإنَ قالَ قائلٌ: كيفَ لاعنتَ بينهُ وبينَ منكوحةِ نكاحًا فاسدًا بولدٍ، والله تعالى يقول: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦]، وهذهِ لستْ بزوجة". الفصل نقل المزني سؤالاً قبل بيان المذهب؛ فنحن أولاً نبين المذهب وهو أنه: إذا قذف المنكوحة نكاحًا فاسدًا لم يكن له اللعان إلا أن يكون هناك ولد يريد نفيه فيكون حكمه حكم المطلقة البائن في جميع ما ذكرناه. وبه قال أحمد، وقال أبو حنيفة: لا يلاعن عنها بحال لأنها أجنبية منه وهذا غلط، وذكر الشافعي هاهنا وهو أنه لو جعل الوطئ في النكاح الفاسد كالوطئ في النكاح الصحيح في الأحكام من وجوب المهر والعدة ولحوق النسب فكذلك بالنفي باللعان، وقيل: هذا في النفي باللعان أولى لأن النسب أقوى في النكاح الصحيح، فإذا جاز نفي الأقوى فلأن يجوز نفي الأضعف أولى،

стр. 5014

وهكذا الخلاف في الموطوءة بالشبهة إذا قذفها، فإن كان هناك ولد لاعن وإلا فلا يلاعن، وعند أبي حنيفة لا يلاعن؛ وهذا غلط لأنه يحتاج إليه لنفي ولد ليس منه، واللعان للنفي عند الاحتياج. وذكر القفال عن بعض أصحابنا أنه لم يكن هناك ولد، وكان عالمًا بفساد النكاح لا يلاعن، وإن لم يكن عالمًا بفساد النكاح هل يلاعن؟ وجهان؛ وهذا غريب ضعيف. وقيل: جملة الأحكام المتعلقة باللعان أربعة؛ درء الحد عن نفسه، ونفي الولد، وقطع الفراش، وإلحاق الحد عليها. وهاهنا حكمان مقصودان بجوز إفراد كل واحد منهما باللعان وهما درء الحد عن نفسه إذا طالبه به، والثاني: نفي النسب وفيها حكمان تابعان لا يجوز إفرادهما باللعان؛ وهو قطع الفراش وإيجاب الحد عليها، والفرق أن به حاجة إلى نفي النسب، ودرء الحد عن نفسه باللعان، [١٩٣/ أ] فإن غيره لا يقوم مقامه في ذلك، ولا حاجة به إلى إيجاب الحد عليها ولا إلى قطع الفراش فإنه يمكنه ذلك بالطلاق وهذا هو المذهب الصحيح. فرع إذا لاعنها في النكاح الفاسد على ما ذكرنا؛ قال القاضي الطبري: لها أن تلاعن لدرء الحد عن نفسها وقد ذكرنا عن القفال خلاف هذا؛ وهو القياس، والمشهور ما ذكره عن القاضي. فرع آخر إذا قذفها ولاعن لإسقاط الحد عن نفسه ثم بان أن النكاح كان فاسدًا لا تحرم عليه المرأة باللعان؛ لأن اللعان لا يصح في النكاح الفاسد، فلا يتعلق به التحريم. فرع آخر قال أحمد بن حنبل: لا تعجبون من أبي عبد الله يقول للسيد أن يلاعن في أم ولده حكاه ابن أبي هريرة، فمن أصحابنا من قال: هذا قول في المسألة للشافعي. وإذا لاعن حرمت على التأبيد كالزوجة، والمشهور أنه لا يلاعن عنها لأنه يمكنه نفي نسب ولدها بدعوى الاستبراء واليمين عليه فلا حاجة إلى اللعان. قيل: أراد بأبي عبد الله؛ سفيان الثوري، وهذا غلط لأنه روي أنه قال من الشافعي، وقيل: أراد إذا كانت زوجته أمة فإن أحمد قال: لا يجوز نفي ولدها باللعان؛ وهذا غلط أيضًا. وقال صاحب "التقريب": إن صح أن أراد به الشافعي فالمراد باللعان اليمين إذا ادعى الاستبراء. فرع آخر إذا اشترى امرأته فجاءت بولد ولم يقر بوطئها لدون أربع سنين له النفي باللعان، وإن جاءت به لأكثر من أربع سنين من يوم الشراء فهو منفي بلا لعان، وإن أقرَّ بالوطئ، فإن جاءت به لأقل ممن ستة أشهر فله اللعان، وإن جاءت به لستة أشهر فصاعدًا لحفه إلا أن يدعي استبراءً بعد الوطئ، وتأتى به لستة أشهر فصاعدًا بعد الاستبراء فلا يلحقه [١٩٣/ ب].

стр. 5015

مسألة: قالَ: "وقالَ بعضُ الناسِ: لا يلاعنُ إلا حرَّانِ مسلمانِ". الفصل قصد به الرد على أبي حنيفة وقد ذكرنا هذا فيما تقدم، وذكر الشافعي أن أبا حنيفة ترك ظاهر الآية لمعنى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾ [النور: ٦]. ولم يفصل بين الحر والعبد، وذكر أنه قال: اللعان شهادة وليس كذلك بل هو يمين لأنه لا يجوز أن يشهد بنفسه ولكانت المرأة تأتي بثماني شهادات، لأنها على النصف من الرجل في الشهادة، وإنه يصح من الأعمى والفاسق، ولا تجوز شهادتهما، ثم ألزم نفسه سؤالاً فقال: فإن قيل: الفاسق والفاسقة قد يتوبان، قلنا: وكذلك العبد قد يعتق فتجوز شهادته ثم أكد هذا بأن العبد إذا أعتق تقبل شهادته في الحال، والفاسق إذا تاب لا تقبل شهادته في الحال، ثم الذمة أن الذمي من أهل الشهادة على الذمي والذمية، وتقبل شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض عنده فينبغي أن يجوز اللعان بين الذمي والذمية أيضًا. واعلم أن الفاسق إذا تاب لا تقبل شهادته إلا بعد مدة الاستبراء، وهذه المدة قدرها بعض أصحابنا بسنة وكلام الشافعي هاهنا يدل على أنها لا تتعذر، بل الرجوع بها إلى العرف والعادة لأنه قال: لو تابا لم يقبلا إلا بعد طول مدة يختبران فيها ولم يقدر. باب أين يكون اللعان ؟ مسألة: قال: "قالَ: وروي عن رسولِ الله ﷺ أنهُ لاعنَ بينَ الزوجينِ على المنبرِ". الفصل جملته أن اللعان لا يصح إلا بحضرة الحاكم لأنه يمين ولا يصح يمين المتداعيين إلا بحضرة الحاكم. وأيضًا اللعان الذي كان في الشرع إتيان هلال بن أمية [١٩٤/ أ] ولعان العجلاني وكلاهما كان بحضرة الرسول ﷺ فإذا تقرر هذا فاللعان يغلط أربعة أشياء؛ باللفظ، والمكان، والزمان، والجمع أما باللفظ وهو أن يأتي كل واحد منهما بأربع شهادات؛ بالله وحكمه اللعن أو الغضب على ما نطق به الكاتب وهذا شرط بلا خلاف. وأما المكان فهو أن يلاعن فهو أن لاعن في أشرق البقاع، فإن كان بمكة ففي المسجد الحرام بين البيت والمقام، وقيل بين الركن والمقام وكلاهما واحد، قال القفال: أحلف في الحجر وهذا لا بأس به ولكنه غير مشهور، وإن كان في المدينة قال الشافعي: هاهنا على المنبر، وقال في موضع آخر: عند منبر رسول الله ﷺ . واختلف أصحابنا فيه فقال أبو إسحاق: هذا على اختلاف حالين فالذي قال على

стр. 5016

المنبر أراد إذا كثر الناس ليراه الناس، والذي قال: عند المنبر إذا قل الناس، وقال ابن أبي هريرة، يلاعن عند المنبر لا على المنبر بكل حال لأن في صعودهما على المنبر إعظام لهما ولا يجوز ذلك؛ لأنهما فاسقان أو أحدهما والذي قال على المنبر معناه عند المنبر كما يقال: حلف على المصحف يعني بالمصحف وهذا لأن حروف الصفات يقوم بعضها مقام بعض، وأما ما رواه الشافعي بإسناده عن النبي ﷺ أنه لاعن بين زوجين على المنبر قيل: رسول الله ﷺ كان على المنبر قاعدًا والمتلاعنان بين يدي المنبر ويؤمر الحاكم لأن بهذا وقيل: معناه أمر الملاعن بأن يصعد المنبر والرسول ﷺ كان جالسًا عند المنبر فصعد العجلاني المنبر ولاعن ثم نزل وصعدت المرأة المنبر ولاعنت ويؤمر الحاكم الآن بهذا. قال القفال: وهذا أصح [١٩٤/ ب] لأنه رثي على عثمان ﵁ أن يحلف على المنبر فأبى أن يحلف وقال: أخاف أن يوافق قدر بلاء فيقال بيمينه. وإن كان في بيت المقدس ففي موضع الاختيار من مسجدها وجهان؛ أحدهما: عند الصخرة وهو المشهور لأنها أشرف بقاعه، وقال أبو حامد وجماعة: يكون على المنبر أو عنده لأنه أخص بالشهرة، وإن كان في سائر البلاد ففي جوامعها عند المنبر لأنها أشرف البقاع، ومن أصحابنا من قال: لا يختص بالمنبر في سائر البلاد لأنه لا مزية لبعض المسجد على بعض في سائر البلاد ويخالف المدينة لأن النبي ﷺ قال: "ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة" ذكره في "الشامل" ولم يذكره خلافًا وقد روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من حلف عند منبري هذا يمين إن وجبت له النار". وروى جابر ﵁ يتبوأ مقعده من النار فخص منبر لنفسه، وأما التغليظ بالزمان فهو أن يحلف بعد العصر، قال الله تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ [المائدة: ١٠٦]. وقيل في التفسير: أراد بالصلاة هاهنا صلاة العصر. وروى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم رجل حلف يمين على مال مسلم فأقطعه، ورجل حلف على يمين بعد صلاة العصر لقد أعطى بسلعته أكثر مما أعطي وهو كاذب، ورجل منع فضل ماء. فإن الله تعالى يقول: "اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم تعمله. قال القفال: ويؤكد يوم الجمعة إن لم يكن في تأخيره إلى يوم الجمعة ضرر فيحلف بعد صلاة العصر من يوم الجمعة لأن أبا هريرة ﵁ روى عن النبي ﷺ [١٩٥/ أ] أنه قال: "إن في الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم يصلي فيسأل الله شيئًا إلا

стр. 5017

أعطاه"، فقال كعب الأحبار: إنها الساعة بعد العصر فقال أبو هريرة: كيف تكون بعد العصر وقد قال: "لا يوافقها عبد مسلم يصلي"، ونهى النبي ﷺ عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس فقال كعب: أليس قال النبي ﷺ : "إن العبد في الصلاة ما انتظر الصلاة". وأما التغليظ بالجمع أن يجمع لها طائفة من الرجال العدول أقلهم أربعة ليثبت بشهادتهم وهذا لقوله تعالى: (وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ) [النور: ٢]، فلما كان الحد يستحب أن يكون بحضرة طائفة تستحب أن تكون بحضرتهم. وقيل في التفسير: أراد بالطائفة هاهنا أربعة، ولأن ابن عباس وابن عمر وسهل بن سعد الساعدي ﵃ حضروا اللعان عند رسول الله ﷺ على حداثة منهم والصبيان لا يحضرون المجالس إلا تابعين للرجال فدل أنه حضر جماعة من الرجال وتبعهم الصبيان ولأن اللعان مبني على التغليط المردع والزجر وفعله عند الجمع أبلغ في الردع، وأما التخصص بالأربعة فلأن شهود الزنا أربعة فلذلك هذا يخص بالأربعة. فإذا تقرر هذا فلا يختلف المذهب أن التغليظ في اللفظ بالتكرار واجب هاهنا على ما ورد في سائر الدعاوى توكيد الإيمان باللفظ فيؤمر أن يقول: والله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة ونحو ذلك وهو إذا كانت الدعوى في غير المال أو في المال الذي بلغ نصابًا ولا يكون هذا واجبًا قولاً واحدًا، وأما التغليظ بالزمان والجمع لا يجب قولاً واحدًا بل يستحب ذلك، وأما التغليظ بالمكان فيه قولان؛ أحدهما: أنه مستحب كالزمان والجمع [١٩٥/ ب] والثاني: أنه واجب حتى لو أخل به يعاد اللعان لأن النبي ﷺ غلظ بالمكان وعدد الإيمان فكما وجب أحدهما كذلك الآخر، وقال أبو حنيفة: لا يغلظ بالمكان والزمان والجمع وهذا غلط؛ لما ذكرنا. وقال القفال في التغليظ بالزمان: هل يجب أم لا؟ قولان أيضًا وهذا غير مشهور، وقيل في التغليظ بالجمع: بل يجب قولان أيضًا وليس بشيء وعلى ما ذكرنا لو امتنع الرجل أو المرأة من اللعان في الموضع المغلظ هل يجعل ناكلاً؟ قولان بناء على القولين في الوجوب. مسألة: قال: "ويبدأ الإمام فيقيمُ الرجلُ قائمًا والمرأة جالسةً". الفصل السنة أن يتلاعنا قائمًا وهو نوع تغليظ فيقوم الرجل والمرأة جالسة فتلاعن، وإن لاعن قاعدًا مع القدرة أساء ويجزيه، فإذا فرغ الرجل وأرادت المرأة اللعان قامت والتعنت والرجل جالس هكذا روي في قصة هلال وهذا لأن القصد به الردع والزجر، رجاله القيام أبلغ من الردع والزجر ولأنه عند القيام إلي سماع الناس أقرب فكان أولى.

стр. 5018

واعلم أنه يشترط فيه الترتيب فيلاعن الرجل أولاً ثم تلاعن المرأة فإن لاعنت قبل لعانه لم يعتد به وتؤمر أن تلاعن بعده، قال الشافعي: فإن حكم الحاكم بصحة لعانها قبل لعانه نقضت حكمه وهذا لأن الله تعالى بدأ بالرجل في اللعان. وقال أبو حنيفة ومالك: إن بدأت باللعان جاز ويعتد به وهذا غلط؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: ٨]، فجعل لعانها إدراء العذاب عنها. وقبل لعانه لم يجب عليها شيء بالإجماع ولأن اللعان يمين أو شهادة ويجوز تقديم واحد منهما على وقته. واختلف أصحابنا فيما ذكر الشافعي نقضت حكمه أنه لأي سبب (١٩٦/ أ] ينقض، فقال بعضهم: ينقص لمخالفة النص، وقال أبو حامد، لمخالفة قياس لا تحتمل غيره وهو ما ذكرنا. واختلف من قال: بالنص على وجهين، أحدهما: نص التنزيل الذي ذكرنا من التعليل في درء العذاب عنها بعد وجوبه عليها. والثاني: نص السنة في قوله ﷺ : حين ابتدأ في السعي بالصفا ثم بالمروة: "ابدؤوا بما بدأ الله به". وقال القفال: ومن جملة التأكيد في اللعان أن يأمر رجلاً ليضع يده على فم الزوج إذا أراد أن يذكر كلمة اللعنة، ويأمر امرأة أن تضع يدها على فم الزوجة إذا أرادت أن تذكر كلمة الغضب ويقول لكل واحد منهما: إنها موجبة أي تجب عليك اللعنة إن كنت كاذبًا ويجب عليك الغضب إن كنت كاذبة، وقد روي أنه ﷺ أمر بذلك في امرأة العجلاني فتعتعت وقالت شيئًا فسمعه من قرب منها فحكي أنها قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم ثم مضت على يمينها، قال القفال: وفي هذا دليل على أنها تحد إذا امتنعت لأنه لا فضيحة في أن تحبس لتلاعن ويستحب أن يعظهما في ابتداء الأمر إذا حضر لما روى ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ ذكرهما وقال: "إن عذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا" فقال هلال: والله لقد صدقت عليها وقالت: كذب ثم تلاعنا. مسألة: قال: "إلا أن تكونَ حائضًا فعلى بابِ المسجدِ". قد بينا أنه يغلظ اللعان بالمكان فإن كانت طاهرًا ودخلت المسجد ولاعنت معه، وإن كانت حائضًا لاعن الزوج في المسجد فإذا فرغ منه لاعنت المرأة على باب المسجد لأن ذلك اللعان أشرف من الحوانيت والمازل ويحضر لعانها على باب المسجد الحاكم أو خليفته مع الجماعة أقلهم أربعة على ما ذكرنا وهذا لأنه لا يجوز [١٩٦/ ب] للحائض دخول المسجد والمكث فيه لا بقدر الخصومة ولا غيرها. مسألة: قال: "أو كانت مشركة التعنت في الكنيسة وحيث تعظم".

стр. 5019

إذا كان الزوجان مشركين يلاعنان في الموضع الذي يعظمانه، فإن كانا يهوديين ففي الكنيسة، وإن كانا نصرانيين ففي البيعة، وإن كانا مجوسين ففي بيت النار وهذا لأنهم يعظمون هذه المواضع وليس فيها معصية فخلا الإمام أن يحلفهم فيها لينزجروا عن الكذب ولا نقول لهذه المواضع حرمة والمعنى في التغليظ بها ما ذكرنا ويخالف اليمين بالوثن والصم لأن ذلك معصية فلا يجوز التحليف به، وإن كانوا يعظمونه، فإن قيل: إذا حضر الحاكم معهما في هذه المواضع فقد شاركهما في المعصية بتعظيم هذه المواضع قيل: دخولها لا يكون معصية، وإنما المعصية في تعظيمها والحاكم لا يعظمها، وقال القفال: لا يؤكد يمين المجوسي ببيت النار لأنه لم يكن لها حرمة قبل الفسخ وإن كان الزوج مسلمًا والمرأة مشركة، فإن الرجل يلاعن في المسجد وتلاعن المرأة في البيعة والكنيسة. مسألة: قال: "وإن شاءت المشركة أن تحضره في المساجد كلها حضرته إلا أنها لا تدخل المسجد الحرام". قال أبو حامد: أراد الشافعي في الذمية تحت المسلم طلبت أن تلاعن زوجها في المسجد يجوز ذلك في جميع المساجد إلا المسجد الحرام وإنما كان لها ذلك إذا رضي الزوج به فإن لاعن الزوج في المسجد وطلبت أن تلاعن هي في الموضع الذي تعظمه كان عليها ذلك، وقال بعض أصحابنا: صورة المسألة في كافرين فأرادت المرأة أن تلاعنه في المسجد كان لها ذلك لأن التغليظ [١٩٧/ أ] عليه بالمكان الذي يعظمه حق لها، فإذا رضيت إسقاطه كان لها ولا وبد هاهنا من رضاه في لعانها في المسجد وهذا أقرب إلى المظاهر كلامه قال المزني: إذا جعل المشركة أن يحضره في المسجد وعسى بها مع شركها أن تكون حائضًا كانت المسلمة بذلك أولى وهذا مذهبه أن الحائض لا تمنع من المسجد كالمشركة والجواب، قال بعض أصحابنا: أن عرفنا حيضها وحياتها هل يجوز لها حضور المسجد؟ وجهان؛ أحدهما: لا يجوز. والثاني: يجوز لها ذلك. وهذا لا يصح لأن النص للشافعي فرق بينهما والمعنى ما ذكرنا في كتاب الصلاة أن المشركة لم تعتقد تعظيم المساجد حتى نطالبها بقضية الاعتقاد بخلاف المسألة فحيل بينها وبين المسجد ما دامت حائضًا. مسألة: قال: "وإن كانا مشركين لا دين لهما تحاكما إلينا لاعن بينهما في مجلس الحكم". إذا لم يكن لها دين من الزنادقة والدهر به وعبدة الأوثان وكانا عندنا بموادعة هدنة لا يعتقدان تعظيم المكان المخصوص لا يعتقدان صانعًا وربما يقولان بقدم الدهر فأي فائدة في يمينهما وكيف يتصور لعانهما ولا يمين لهما، قلنا: إنما يتصور ذلك لأنه ما

стр. 5020

من مشرك وإن خلا في شركه إلا وهو عند رجوعه إلى نفسه يعترف بخالق خلقه وإن كان معاندًا بلسانه. قال الله تعالى: في قصة إبراهيم ﵊ حيث كسر الأصنام ﴿فَرَجَعُوا إلى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمْ الظَّالِمُونَ (٦٤) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٤ - ٦٥]. وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧] [١٩٧/ أ] في آيات كثيرة، وأيضًا نأمرهم بذلك، وإن لم يعتقد تعظيمه لما يتعلق به من الأحكام في شريعتنا مثل نفي النسب والفرقة الحد وترجو أن تلحقهما سوء الكذب في اليمين الكاذبة. قال ﷺ : اليمين الغموس تدع الديار من أهلها بلاقع، واللعن إلى مثلها أقرب منه إلى المسلم الكاذب. وصورة يمينه في سائر الدعاوى أن يقول: بالله الذي خلقني ورزقني ذكره أبو حامد وهو حسن، وقول اليهودي: في لعانه أشهد بالله الذي أنزل التوراة على موسى. ويقول النصراني: أشهد بالله الذي أنزل الإنجيل على عيسى. وفي غير اللعان من الأيمان يقولان مثله. باب سنة اللعان ونفي الولد مسألة: قال: "أخبرنا مالك عن نافع عن ابن عمر أن رجلاً لاعن من امرأته في زمن النبي ﷺ وانتفي من وردها ففرق رسول الله بينهما وألحق الولد بالمرأة، قال سهل بن سعد وابن شهاب: فكانت سنة المتلاعنين". قال أصحابنا: يتعلق باللعان خمسة أحكام: درء الحد، ونفي الولد، والفرقة، والتحريم المؤيد، ووجوب الحد عليها. وكل ذلك يثبت بمجرد لعانه ولا يفتقر فيها إلى لعانه ولا إلى حكم الحاكم، فإن حكم به الحاكم كان تنفيذًا منه لا إيقاعًا للفرقة، وأما لعان المرأة لا يؤثر إلا في إسقاط الحد عن نفسها فقط، وحكي عن عثمان البتي أنه قال: لا يتعلق باللعان الفرقة أصلاً، وروي عنه أنه يؤمر بالطلاق بعد اللعان، واحتج بأن العجلاني طلق امرأته بعد اللعان فأنفذ رسول الله ﷺ طلاقه وهذا غلط؛ لقوله ﷺ [١٩٨/ أ] "المتلاعنان لا يجتمعان أبدًا" وأما ما ذكره لا يصح لأنه لما طلق قال له: "لا سبيل لك عليها" أي بما سبق من اللعان. وقال أبو حنيفة: تتعلق الفرقة ونفي الولد بلعانهما وحكم الحاكم وهو رواية عن أحمد، وعند أبي حنيفة أحكام اللعان إثبات نفي النسب وزوال الفراش والحد لا يجب حتى يسقط به، والتحريم على التأبيد لا يثبت أيضًا حتى لو أكذب نفسه وحد تحل له بعقد جديد وعند أبي حنيفة قبل حكم الحاكم الزوجية قائمة بينهما حتى لو طلقها نفذ طلاقه ولكن لا يجوز للحاكم أن يقرهما عليه بل يلزمه أن يفرق بينهما، وقال ربيعة ومالك، وداود، وزفر: تتعلق الفرقة بلعانها معًا ولا يحتاج إلى حكم الحاكم وهو الرواية الثانية عن أحمد، واحتجوا بما روي عن النبي ﷺ قال: المتلاعنان لا يجتمعان أبدًأ بشرط لعانهما، واحتج أبو حنيفة بما روي

стр. 5021

أن النبي فرق بين المتلاعنين، فأضاف التفريق إليه وهذا غلط؛ لأن قوله: يمنع الزوجين من البقاء على النكاح فالفرقة به لا تفتقر إلى حكم الحاكم كالطلاق. وأما الخبر الذي ذكره مالك يقول به: وليس فيه دليل على أنهما يجتمعان قبل لعانهما، وأما الخبر الذي ذكره أبو حنيفة قلنا: لفظ التفريق يستعمل لإيقاع الفرقة ويستعمل لإظهار الفرقة والمراد هاهنا الإظهار لا الإيقاع أي بين رسول الله ﷺ للمتلاعنين مفترقان بدليل أنه رؤى والحق الولد بالأم والمعلوم أن الولد يلحق بالأم من غير حاجة إلى حكم الحاكم في الإلحاق ومعناه إظهار ذلك الحكم. وفسر الشافعي هذا اللفظ فقال: معنى قولهما: [١٩٨/ ب] أي قول سهل وابن شهاب: كانت تلك سنة المتلاعنين فرقة بلا طلاق الزوج وتفريق النبي ﷺ غير فرقة الزوج إنما هو تفريق حكم. ثم اعلم أن الفرقة الواقعة به فسخ كالفسخ بالرضاع وبه قال أحمد، وقال أبو حنيفة: هي طلقة ثانية وهذا غلط؛ لأنها فرقة لا ترتفع بعقد النكاح بحال فكانت فسخًا كفرقة الرضاع، وحكي عن الأصم أنه قال: لا ينتفي النسب باللعان وهذا خطأ فاحش لما روينا من الأخبار، ثم اعلم أن الشافعي استغل بعد هذا بتأويل ثلاثة أحاديث؛ أحدها أنه قال: وإذا قال رسول الله ﷺ : يعلم أن أحدكما كاذب فهل ونكما تائب؟ فحكم على الصادق والكاذب حكمًا وحدًا وأخرجهما من الحد وقصد بهذا أنه ﷺ لم يستعمل غلبة الظن وقضى على الصادق والكاذب قضاء واحدًا وأخرجهما من الحد بلعانهما فدل على أنه لا يجوز للحاكم الأخذ بباطن المكذب وعليه إجراء الحكم بظاهره وأن تيقن أن أحد الخصمين كاذب في خصومته لا محالة، وهذا لأنه لما لم يتيقن الصادق من الكاذب استوي حكمهما كما لو صلى باجتهاده أربع صلوات إلى أربع جهات بالاجتهاد لا يلزمه إعادة واحدة منهما، لأنه لم يتعين الخطأ في واحدة منها. والثاني: أن النبي ﷺ قال: فإن جاءت به أديعج فلا أراه إلا قد صدق عليها فجاءت به على النعت المكروه. فقال النبي ﷺ : إن أمره أن يبين لولا ما حكم الله وأخبر أنه لم يستعمل دلالة صدقه عليها، وحكم بالظاهر بينه وبينها فمن بعده من الولاة أولى بأن لا يستعمل دلالة في مثل هذا المعنى، ولا يقضي إلا بالظاهر أبدًا لأنه ﷺ يعلم ما لا يعلم غيره، [١٩٩/ أ] وقصد بهذا أنه وجد إمارة دالة على كذبها ولم يعمل عليها، وأخبر أن الله تعالى أمر بإجراء الحكم فيها بظاهر الأيمان، وإن كان كذبهما بينا بالدلالة وقيل: قصد رسول الله ﷺ بذكر صفة الولد لزيادة الردع والزجر حتى تنزجر عن مثل صنيعها. وقيل: قصد به الرد على مالك فإنه يستعمل في بعض المسائل دلالة الصدق على غير ما ورد به الشرع، فقد قال في الخلوة: إذا طالت أو قصرت يختلف الحكم، فإن كانت الخلوة في داره فالقول قولها في وجود الإصابة طالت أو قصرت، وإن كانت الخلوة في دارها فالقول قوله في عدم الإصابة إذا قصرت المدة، والثالث:

стр. 5022

أنه قال: لما نزلت آية الملاعنة قال رسول الله ﷺ : "أيما امرأة دخلت على قوم من ليس منهم فليست من الله في شيء"، وقد ذكرنا هذا الخبر، قيل: "وروي أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم تأكل حرامهم، وينظر إلى عوراتهم فليست من الله في شيء"، وأراد بالحراب المواريث والنفقات، ورؤي في خبر المعراج أن النبي ﷺ قال: "رأيت نسوة معلقات بثديهن يعذبن، فسألت جبريل ﵊ عنهن فقال: هنَّ اللاتي ألحقن بأزواجهن من ليس منهم"، ثم قال ﷺ : "اشتد غضب الله على امرأة ألحقت بقوم من ليس منهم تنظر إلى عوراتهم، وتأكل حرامهم". وأما قوله في الخبر: وايما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب الله منه، لأن الرقة والرحمة عند النظر أكثر ما وعد للرجل والمرأة على حسب دينهما؛ والله أعلم [١٩٩/ ب]. باب كيف اللعان مسألة: قال: "ولما حكي سهل شهود المتلاعنين مع حداثته، وحكاهُ ابن عمرَ استدللنا على أنْ اللعانَ لا يكونُ إِلا بمحضر. من طائفةِ مِنْ المؤمنين". الفصل قصد الشافعي بهذا أنه يغلظ اللعان بجمع الناس، وقد ذكرنا ذلك، واحتج الشافعي رحمة الله عليه بأن ابن عمر وسهلاً ﵄ رويا خبر اللعان مع حداثة بينهما ولا يحضران في أمر يريد رسول الله ﷺ ولا يحضره الصغار إلا وقد حضره الكبار وقد بينا هذا. وهذا دليل على أن الصغار المميزين إذا حضروا مثل هذا المحضر لم يمنعوا لأن رسول الله ﷺ لم يمنعهما، والفائدة في حضورهم تعلمهم وتبليغهم، فإن كانت المرأة مخدرة لا تبرز في حوائجها بعث الحاكم مع خليفته إلى منزلها أربعة عدول لتلاعن بحضرتهم فإن لم يفعل، وبعث خليفته وحده جاز لما ذكرنا أن الجمع لا يجب، وأما حد السرقة قال صاحب الإفصاح: يحتمل فيه وجهين: أحدهما أنه يستحب في إقامته إحضار طائفة أيضًا للزجر والردع. والثاني: لا يستحب لأن القطع يظهر فلا يحتاج إلى حضور طائفة للعلم به بخلاف اللعان وإقامة الحد فإنهما لا يظهران، فندب إلى حضور الطائفة فيهما. ثم قال الشافعي: "وفي حكاية من حكي اللعان عن رسول الله ﷺ جملة بلا تفسير دليل على أن الله تعالى لما نصب اللعان حكاه في كتابه فإنما لاعن رسول الله ﷺ بين المتلاعنين بما حكاه الله تعالى في القرآن". وأراد به أنه لما أعرض الراوي عن كيفية اللعان عرفنا أنه ﷺ [٢٠٠/ أ] لاعن بينهما كما ورد به القرآن مفسرًا وهو بأربع شهادات وكلمة اللعن، ولو زاد رسول الله ﷺ في

стр. 5023

لفظ اللعان زيادة في القرى، لنقل ذلك وهذا كما أنه قال رسول الله للأعرابي ﷺ الذي أساء صلاته: توضأ كما أمرك الله لأن القرآن ورد بالوضوء مفسرًا، وجملته أن ما ذكره الله تعالى مجملاً لا بد للرسول ﷺ من بيانه، إما بفعله أو بقوله، وما فسره الله تعالى لا يحتاج الرسول ﷺ إلى بيانه، ولا يجب على الراوي نقله مفسرًا أيضًا. واللعان من هذه الجملة. فإن قيل: أليس ابن عباس وسهل ﵄؛ بيَّنا كيفية اللعان فكيف ذكر الشافعي هذا؟ قيل: إنما قال الشافعي ذلك من رواية ابن عمر ﵁ وحده، فإن قيل: قال الشافعي: يشهدها طائفة من المؤمنين أقلهم أربعة لأنه لا يجوز في شهادة الزنا أقل منهم أي: أقل من أربعة، وألا تنقص الطائفة عن أربعة لأجل أنه لا تقبل في شهادة الزنا أقل من أربعة، ولعل الزنا يثبت بالإقرار مرة كما يثبت بالشهادة قلنا: الوجه فيه أنه لما كان الزنا لا يثبت إلا بأربعة، وقد أمر الله تعالى طائفة بالحضور فالأولى لحضور هذا المحضر من يشهد على ذلك الزاني بالزنا لعلهم شهدوا ... فإذا شاهدوا فيه أليم العقاب رجعوا عن كذبهم فلا يكمل العذاب إذا رجعوا، ويقام عليهم حد القذف إذا كان المقذوف محصنًا فهاهنا كان أقل الشهود أولى من غيره بالحضور، وأقل عددهم أربعة جعلنا أقل الطائفة أربعة؛ ثم قسم فيه منزلة الإقرار على منزلة الشهادة فيما ذكرنا من الحد [٢٠٠/ ب]. مسألة: قال: "واللعانُ أن يقول: الإمامُ للزوجِ: قلْ: أشهدُ باللهِ إني لمنْ الصادقينَ فيمَا رميتُ بهِ زوجتي فلانَة بنتُ فلانِ منْ الزنَا". الفصل اللعان أن يقول الإمام للزوج: قل أشهد بالله إني من الصادقين فيما رميت به زوجتي فلانة بنت فلان، ولو ابتدأ لعانه قبل تلقين الإمام لا تحتسب له ولا يحتاج إلى ذكر السبب إن لم يكن ولد ينفيه وينبغي أن يكون بعد حضور الزوجين وكل واحد منهما؛ بحيث يسمع كلام صاحبه، والأولى أن يراه مع سماع كلامه لتقع الإشارة إليه، وإن لم ير أحدهما ولا يسمع كلامه ينبغي أن يجمع أربعة من الشهود من روايتهما، وسماع كلامهما، فإن تباعا وتلاعنا يجوز لأن لعان كل واحد منهما بعد موت صاحبه يجوز، والموت قاطع للاجتماع ولكن إن بعد كل واحد منهما عن صاحبه بغير عذر يكره، وإن كان بعذر بأن تكوون حائضًأ فتقف عند أقرب إلى الغير لا يكره ثم إن كانت المرأة غائبة عن المجلس لا بد أن يرفعها في النسب حتى لا تشاركها امرأة أخرى فيه، وإن كانت حاضرة فهل تكفي الإشارة إلى عينها؟ وجهان؛ أحدهما: لا يكفي لأن اللعان أمر بني على المبالغة والتأكيد وأكد بالجمع بين الإضارة وذكر النسب، ولأنه يجوز أن يحضر

стр. 5024

معها من يجوز أن تنصرف الإشارة إليه فيلزم التحقيق بذكر النسب مع الإشارة، وهذا ظاهر ما نص هاهنا. والثاني: يجوز الاقتصار على الإشارة مع ذكر الزوجية فيقول: إني لمن الصادقين فيما رميت به زوجتي هذه من الزنا وهو اختيار ابن سريج لأن الإشارة تغنى عن ذكر نسبها كما في الشهادات وسائر الأحكام، وقيل: فيه ثلاثة أوجه؛ أحدها: يحتاج إلى أربعة أشياء؛ [٢٠١/ أ] الإشارة وذكر الزوجية واسمها والنسب وهو اختيار القاضي أبي حامد وهذا بيان الوجه الأول الذي ذكرنا، والثاني يكفي شيئان: الإشارة مع ذكر الزوجية وهو الوجه الثاني الذي قاله أن سريج، والثالث يحتاج إلى الاسم أيضًا ولا يلزم ذكر النسب. وإن كان هناك نسب ولد يريد نفيه يقول في كل مرة: وإن هذا الولد ولد زنا ليس مني، ولو اقتصر وقال: إن هذا الولد من زنًا ولم يقل: وليس مني؛ هل يكفي بالانتفاء؟ قال القاضي أبو حامد: يكفي في الانتفاء لأن الولد الزنا لا يلحق به، وكان قوله: ليس مني تأكيدًا، وقال أبو حامد: لا ينتفي حتى يقول ما هو مني لأنه قد يعتقد أنه من زنا ويكون منه بأن تكون قد زنت قبل تزويجه بها وجاءت بولد لستة أشهر من وقت عقده فيكون لاحقًا به، وربما يعتقد أن الوطيء في النكاح بغير ولي زنا كما قال الصيرفي من أصحابنا: ويكون الولد من ثم إذا أتى ذلك أربع مرات وعظه الإمام أو الحاكم وقال له: اتقِ الله فإني أخاف إن لم تكن صدقت أن تبؤ لعنة الله؛ فإن رآه يريد أن يمضي أمر من يضع يده على فيه على ما تقدم بيانه فإن أبى تركه وقال: قل وعلي لعنة الله إن كنت من الكاذبين فيما رميت به فلانة من الزنا على ما بيناه، فإذا أتى به تم اللعان من جهته؛ ثم يأمر المرأة بالقيام وأن تقول: أشهد بالله أن زوجي فلان ابن فلان هذا لمن الكاذبين فيما رما نى به من الزنا، فإن كان غائبًا وقعت في نسبه حتى يتميز، وإن كان حاضرًا فعلى وجهين كما ذكرنا في المرأة؛ ولا يحتاج في لعانها إلى ذكر الولد لأنه لا مدخل لها في إثبات النسب وإنما تلاعن لدرء الحد عن نفسها. وكذا ذكر أصحابنا بالعراق، وقال القفال فيه وجه آخر؛ أنها تذكر الولد فتقول: [٢٠١/ ب] وهذا الولد ولد ليستوي اللعانان في المقابلة ويكرر ذكر أربع مرات ثم يعظهما الإمام ويذكرها ويقول لها: احذري أن تبوئي بغضب الله إن لم تكوني صادقة في إيمانك، فإن رآها تمضي أمر امرأة أن تضع يدها على فيها، فإن رآها تمضي قال لها: قول: وعلي غضب الله إن كان من الصادقين فيما رماني به من الزنا، فإذا قالت ذلك فقد فرغت ودرأت الحد عن نفسها. ولو تلاعنا ولم تنفِ الولد، فإن أحب أن تنفيه استأنف لعانًا خاصًا لنفي الولد ولا تلاعن بعد الزوجة نص عليه الشافعي هاهنا، وقال في موضع من "الأم" تعيد الزوجة لعانها بعد لعانه وليس هذا على الوجوب على الاختيار حتى لا ينفرد الزوج بلعانٍ لا تساويه الزوجة. فرع لا يتعرض لهما بعد التلاعن وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: يعزران بعد التلاعن،

стр. 5025

لتحقق الكذب واجتماعهما عليه وهذا غلط لأن الكذب لم يتصف في واحد منهما كما لو تحالف المتبايعان لا يعزر واحد. فرع آخر ألفاظ اللعان ثابتة بالكتاب نصًا والعظة ووضع اليد على الفم ثابت بالسنة المروية عن رسول الله ﷺ ، فلو أتت المرأة بدل الغضب بلفظ اللعنة ولم يعتد به، ولو أتى الرجل بدل اللعن بلفظ الغضب فيه وجهان أحدهما: لا يعتد به لأنه عدل عن المنصوص عليه فأشبه إبدال الغضب باللعن، والثاني: يعتد به لأن الغضب يتضمن معنى اللعن ويزيد عليه فإن اللعن هو الطرد والإبعاد وكل مغضوب عليه مطرود. فرع آخر لو جاء بكلمة اللعن قبل الخامسة أو جاء بكلمة الغضب قبل الخامسة بل يعتد بها وجهان: أحدهما: يعتد بها لأن القصد التغليظ والتأكيد فلا فرق [٢٠٢/ أ] بين أن تكون أولاً أو آخرًا، والثاني: لا يعتد بها وهو الصحيح لأنه خلاف النص ولأن كلمة اللعن والغضب إن كان من الكاذبين فيما يشهد، وينبغي أن يتأخر عن كلمة الشهادة وهذا اختيار القفال. فرع آخر لو أتى بأكثر ألفاظ اللعان لا تتعلق بها الأحكام وينبغي أن يستوفي جميع الألفاظ بالتمام، وإن حكم الحاكم في الأكثر بالكفاية لا يجوز وينقض حكمه، وقال أبو حنيفة: إذا أتى كل واحد منهما بثلاث ألفاظ من الخمسة لا يجوز للحاكم أن يحكم بالفرقة، فإن الحكم كان مخطئًا، ونفذ حكمه وهذا غلط لأن الله تعالى ذكر الألفاظ الخمسة، والرسول ﷺ لاعن بين الزوجين ولم ينقص عن الخمسة، ولأنه لو جاز الاقتصار على بعض الكلمات في اللعان وقد جعله الله تعالى بدلاً عن الشهود لجاز أن يقتصر في الزنا على ثلاثة من الشهود وأجمعنا على خلافه، وإذا قذف زوجته برجل سماه بعينه وأراد اللعان يحتاج إلى أن يذكر المرمي في لعانه كل مرة فيقول: إني لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا بفلان، ثم إذا سماه في لعانه هكذا سقط عنه حدها وحده جميعًا كما لو أقام البينة على زناها به. وقال أبو حنيفة: لا يذكر في لعانه ويلزمه الحد للأجنبي المرمي به ولا يسقط لعانه حال، وبه قال مالك وهذا غلط لأن هلال بن أمية قذف امرأته بشريك بن السحماء اليهودي ولم يعذره له، ولأن اللعان بينه في أحد طرفي القذف فكان بينه في الطرف الآخر كالبينة. فإن قيل: لو سقط حد المري به بلعانه لوجب الحد لعانه أيضًا كما قلت: يجب الحد عليها بلعانه قبل اللعان إنما يوجب حدًا يمكن إسقاطه بمثله، والمرأة لا تقدر على اللعان فجاز أن يجب الحد عليها بلعانه [٢٠٢/ ب] والمرمي به لا يقدر على إسقاطه باللعان فلا يجب الحد عليه باللعان ولم يذكره في لعانه عنها، روى المزني عن

стр. 5026

الشافعي أنه يحد للمرمي به إلا أن يعيد اللعان ويذكره فيه كما لو لم يذكر الولد في اللعان وأراد نفيه يحتاج إلى إعادة اللعان وهذا أصح لأنه وجب له الحد بالقذف فلا يسقط إذا لم يذكره في اللعان كالزوجة وقال في "الإملاء" و"أحكام القرآن": يسقط حده لأن ما كان تصديقًا فيها كان تصديقًا فيه، لأنه وطئ واحد وبه قال أحمد ولأن اللعان يثبت في حقه تعًا لسقوط حدها باللعان. فإذا قلنا: الأول وأعاد اللعان بذكر المرمي؛ لا تحتاج المرأة إلى أن يعيد لعانها لأنه لا يتعلق درء الحد عنه بلعانها، وإنما يتعلق بلعانه وحده، وإن كان المرمى به اثنان أو أكثر فهل يجب حد واحد أو لكل واحد منهم حد؟ مبني على القولين في الواحد إذا قذف جماعة، فإن قلنا: يحد لهم حدًا واحدًا فهاهنا أولى، وإن قلنا يحد لكل واحد منهم حدًا واحدًا لأنه ضرورة إلى ذكرهم، ولأن حقهم يسقط بحد واحد، فلذلك يسقط حد واحد، وقال أبو إسحاق: يكفي هاهنا حد واحد، ولا ينبني على قذف الجماعة للعلة التي ذكرناها. وإن لم يلاعن أصلاً لها وللمرمى به الحد وهل يكفي حد واحد؟ فيه طريقان؛ أحدهما فيه قولان كما لو قذف رجلين بكلمة واحدة والثاني يكفيه حد واحد هاهنا، والفرق هناك بزنانين ولعانين رجلين وهاهنا القذف بزنا واحد وفعل واحد فيكفي حد واحد، فإذا قلنا: لا يكفيه حد واحد هل يجوز له أن يحد للمرمي؟ به وجهان؛ أحدهما: يجوز لأنه [٢٠٣/ أ] قذف كان اللعان فيه مجوزًا في حق كل واحد منهما، والثاني: لا يجوز لأنه تابع لحد الزوجة في اللعان فلم يجز أن يفرد باللعان. فرع آخر لو طلبت المرأة حدها عند امتناعه من اللعان فحد ثم حضر المرمى به، فإن قلنا: الواجب حد واحد لا يجب له شيء، وإن قلنا: يجب حدان فقد استوفت المرأة حدها، وبقي حد المرمى به، فإما أن يلتغى في حده أو يحد له، وإن عفت هي عن حقها يصح عفوها، وسقط حدها وبقي حده، فإما أن يلتعن لإسقاطه أو يحد له، وإن اعترفت بالزنا فقد سقط عنه حدها وعليه حده ويلزمها حد الزنا باعترافها وحد القذف أيضًا للمرمي به، وإن أقام الزوج البينة بما ذكر لا شك أنهما يحدان. مسألة: قال: "وإنْ كانَ معهَا ولدٌ فنفاهُ أو بهَا حملٌ فانتفي منهُ قالَ: معَ كلِّ شهادةٍ اشهدُ باللهِ إنِي لمنْ الصادقينَ فيما رميتهَا بهِ من الزنَا وإنَّ هذَا الولدَ لولدُ زنَا ما هو منيّ وإنْ كانَ حملاَ قالَ: وإنْ هذَا الحملَ إنْ كانَ بهَا لحملٌ مِنْ زنَا مَا هو منّي". إذا أراد نفي الولد أو الحمل باللعان لا بد من أن يذكره في لعانه على ما ذكرنا مع كل شهادة بالله ومع كلمة اللعنة. فإن قيل: لم قال الشافعي، يقول: وإن هذا الحمل

стр. 5027

وإن كان بها حمل لحمل من زنا وهذا تعليق اللعان ولا يجوز ذلك. قيل: قوله إن كان بها حمل ليس في بعض نسخ المزني وإنما فيه وإن هذا الحمل لحمل من زنا أو يقول: إن صح هذا النقل فمثل هذا التعليق لا يضر اليمين شيئًا لأن الحمل لا يعلم قطعًا ويقينًا وإن قطع وجزم لعانه رجع قطعه وإطلاقه إلى مثل هذا التعليق وإن لم يصرح به وفي الحقيقة هو تحقيق للأمر لا تعليق. ثم قال: "فإن أخطأ الإمام [٢٠٣/ ب] فلم يدر نفي الولد أو الحمل في اللعان قال الزوج: إذا أردت نفيه أعدت اللعان". وقد ذكرنا هذا فيما سبق ويكفي في اللعان المعاد أن يقول في كلمة: إني لمن الصادقين في أن هذا الولد من زنا وليس مني ولا تعيد المرأة اللعان. مسألة: قال: "ولو قذفَها برجلِ فلمْ يلتعنْ بقذفهِ فإذَا أرادَ الرجلُ حدهُ أعادَ عليهِ اللعانُ وإلَّا حدَّ لهُ إِنْ لمْ يلتعنْ". وقال في كتاب "الطلاق من أحكام القرآن"، وفي "الإملاء" على مسائل مالك ولما حكم الله على الزوج به في المرأة بالقذف ولم يستثن أن يسمي من يرميها به أو لم يسمه ورمى العجلاني امرأته بابن عمه أو ابن عمها شريك ابن السحماء، وذكر للنبي ﷺ أنه رآه عليها، وقال: في الطلاق من أحكام القرآن فالتعن ولم يحضر رسول الله ﷺ المرمي بالمرأة فاستدللنا على أن الزوج إذا التعن لم يكن على الزوج الذي رماه بامرأته حد". قال الإمام الجويني: وهذه الرواية هي المسموعة ومعناها معنى الرواية الأولى، يقال: قفا فلان فلانًا وأقفاه إذا ابتعد بريبة يتحسسها عليه وقد ذكرنا أنه يعتبر ذكر المرمي به في لعانه إذا أراد إسقاط حده، وإن لم يذكر فيه قولان منصوصان على ما ذكر هاهنا، فإن قيل: هذا الذي ذكره في "المختصر" متناقض لأنه قال: في أحكام القرآن فالتعن ولم يحضر المرمى به ولو كان له حد لأخذه له رسول الله ﷺ وبعث إلى المرمى به فسأله وهذا يدل على أنه لم يبعث إليه. ثم قال: "وقال في "الإملاء" وسأل رسول الله ﷺ شريكًا فأنكر فلم يحلفه ولم يجده بالتعان غيره وهذا الحالف الأول، قلنا: هذا ليس بمتناقض لأنه لم يكن ثبت [٢٠٤/ أ] عنده في كتاب الطلاق من أحكام القرآن أن يسأله عن ذلك ثم ثبت عنده فرجع عنه في الإيلاء". وأيضًا نقول: لم يسأله لما قذفه وعند اللعان لأن حقه يسقط باللعان وسأله لما ولدت امرأة العجلاني بعد ذلك وراى في الولد شبهًا من شريك فلما أنكر لم يحلفه وقيل: لم يسأله عند القذف وسأله عند اللعان حتى أن طلب الحد ذكره الزوج في اللعان لأن الحق إذا ثبت له وهو لا يعلم فللإمام أن يسأله ويخبره بما ثبت له من الحق

стр. 5028

ولم يسأله بعد اللعان لأن حقه سقط به فلا تتجسس بعد ذلك. مسألة: قال: "وقالَ في اللعانِ: وليسَ للإمام إذَا رمى رجلٌ أن يبعثَ إليهِ فيسألهُ عنْ ذلكَ لأن اللهَ تعالى يقول: ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾. فإن شبه على أحدٍ بأن النبيَّ ﷺ بعثَ أنيسًا إلى امرأةٍ رجلٍ فقالَ: إنْ اعترفتْ فارجمها". الفصل مقصود الشافعي من هذا الفصل أن يبين الفرق بين حديث العسيف وبين حديث شريك بن السحماء، والموضع الذي يحتاج فيه إلى الفرق أن رسول الله ﷺ لم يبعث إلى شريك في المشهور من الرواية وبعث إلى المرأة في حديث العسيف أنيسًا وقال: واغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها. ووجه الفرق ما أشار إليه الشافعي وهو أن تلك المرأة صارت مقذوفة في مجلس رسول الله ﷺ به فأوجب لها حد إن لم يعترف بالزنا لأن والد العسيف قال: يا رسول الله إن ابني كان عسيفًا لهذا فزنا بامرأته فهذا قذف صريح وجب لها به حد وهي غير عالمة فكان على رسول الله ﷺ تعريفها لتطلب حدها، وإن لم يعترف الزنا لم يتمحض بعث أنيس إليها تجسسًا. فأما شريك ابن السحماء [٢٠٤/ ب] لو بعث إليه رسول الله ﷺ من يستخبره أو يستحضره كان ذلك محض التجسس لأنه يسأل ليقام عليه حد الزنا إن اعترف، ولا يسأل ليقام على قاذفه حد القذف إن جحد، وكيف جحد قافذه وقد التعن، وفي اللعان إذا سمي المرمى به يسقط حد قذفه، وإن لم يسمه يسقط أيضًا في أحد القولين وبه أجاب في "الإملاء" حيث ذكر هذا الفصل وهذا الفرق. ثم اعلم أن بعد هذا الفرق في سواد الكتاب نوعان من الإشكال وراء الفرق أحدهما: أن الشافعي أطلق لفظه فقال: وليس للإمام إذا رمي رجل بزنا أن يبعث إليه فيسأله؛ وهذا كيف يستقيم مع روايته أن امرأة رميت بالزنا فبعث إليها. وإزالة هذا الإشكال بأن يقال: إنما أراد الشافعي بهذا الإطلاق صورة مخصوصة وهي إذا رمى رجل رجلاً بامرأته وتلاعنا، أو أراد أن يلاعن؛ فليس للإمام في مثل هذا الموضع أن يبعث إلى المرمي، لأن المرمي لا يستحق حد القذف على الزوج الملاعن فالبعث إليه محض التجسس. وقد قال الله: (وَلا تَجَسَّسُوا). وإن كانت الصورة في غير الزوج الرامي فليبعث كما بعث رسول الله ﷺ أنيسًا ولم يرد الشافعي بمطلق لفظة هذه الصورة. والإشكال الثاني: في السواد أن الشافعي قد روى هاهنا أن رسول الله ﷺ سأل شريكًا فأنكر فلم يحلفه وهذا يرفع ما ادعى الشافعي أن مقذوف الزوج الملاعن لا سأل لأنه تجسس. وإزالة هذا الإشكال بأن نقل كأن الرواية قد اختلف في حديث شريك ففي رواية لم يستحضر، وفي رواية أنه استحضر. فقصد الشافعي الكلام على

стр. 5029

إحدى الروايتين [٢٠٥/ أ] أنه لم يستحضر ولم يبعث إليه ليسأله وفصل بالمعنى بين شريك وبين المرأة في حديث العسيف، فاستقام كلامه، وقوله فأما الرواية الثانية التي رويت أن رسول الله ﷺ سأل شريكًا فأنكر لا يمكن استعمالها إلا على القول الذي يقول: يجب الحد على الملاعن إذا سمى الزاني ولم يذكره في اللعان. ولعل العجلاني لم يذكره في اللعان فخرج من هذا الزوج إذا قذف زوجته برجل بعينه ثم لاعن ولم يسمعه في اللعان هل يبعث إليه ويستحضر؟ قولان مبنيان على أنه هل يستحق حدًا على الزوج ترك ذكره في اللعان؟ وفيه قولان؛ فإذا قلنا: لا يستحق حدًا لا يبعث إليه لأن البعث إليه محض التجسس. وإذا قلنا: يستحق الحد يبعث إليه لما وجب له من الحد لا للتجسس على ما ذكرنا في امرأة العسيف. وقيل: إذا تعين القاذف والمقذوف؛ لا يجوز للإمام أن يسأل المقذوف: هل زنا أم لا؟ ولكن هل يلزمه إعلام قاذفه لمطالبته بحده فيه ثلاثة أوجه؛ أحدها: يلزمه كما يلزمه إعلام ما ثبت عنده من أقواله وعلى هذا بعث أنيسًا إلى امرأة العسيف وهو الأظهر، والثاني: ليس عليه إعلامه لأن الحدود تدرأ بالشبهات وهذا اختيار أبي حامد. والثالث: وهو اختيار ابن سريج إذا تعدى قذف الغائب إلى قذف خصم حاضر فطالب الرجل قذف زوجته رجل سواه فلاعن بينهما لا يلزم الإمام إعلامه، وإن كان خلاف ذلك يلزم، وعلى هذا لو كان القذف من أجنبي لرجل وامرأة بزنا واحد فحضر أحدهما مطالبًا بالحد لم يلزم الإمام إعلام الآخر لأن الحاضر إذا استوفي الحد فهو في حقه وحق الغائب لأن الزنا واحد وإن لم يتصل بحاضر [٢٠٥/ ب] بطالب وجب على الإمام إعلامه ليستوفي حقه إن شاء. وقيل: أراد الشافعي لا يسأله ولا ينفذ أحدًا إذا كان الرامي معينًا كان رجلاً قال عند الحاكم: الناس يقولون إن فلانًا زانٍ فلا ينفذ إليه أحد يخبره بذلك، وإن كان معينًا أنفذ إليه، وعلى هذا لو قال في هذه القرية أو في هذه المسكن زانٍ لا يتفحص الإمام، ولو رمي بحجر فقال: من رماني بهذا فهو زانٍ وهو لا يدري من رماه لا يكون قاذفًا، فإذا ظهر الرامي لا يبعث إليه الإمام من يخبره بهذا لأن الحد لا يجب على القاذف بهذا ولا يصح؛ لأن شريكًا كان معينًا ولم يبعث إليه رسول الله ﷺ وإنما سأل شريكًا بعد ولادة المرأة على ما ذكرنا، قال القفال: وقد قيل: إنما بعث أنيسًا إلى امرأة العسيف لأن الزنا ثبت عليه بشهادة أبي الزاني، ورجل آخر على إقرارها بالزنا، فبعث إليها حتى إن رجعت عن إقرارها بالزنا فبعث إليها حتى إن رجعت عن إقرارها تركها، وإن لم ترجع حدها وهذا ضعيف. مسألة: قال: "وأيُّ الزوجينِ كانَ أعجميًا التعنْ بلسانِه بشهادةِ عدلينِ يعرفانِ بلسانهِ". إذا عرف الملاعنان بلسان العرب لم يجز أن يتلاعنا بغير العربية مع القدرة لأنها لغة

стр. 5030

رسول الله ﷺ ولغة القرآن. والنص في اللعان ورد بذلك. وإن لم يعرفا العربية تلاعنا بلسانهما لأن اللعان يمين، واليمين العجمية تجوز. وقال بعض أصحابنا: يجوز بالعجمية مع القدرة على العربية كما قلنا في عقد النكاح وهذا أقيس. ثم إن عرف الحاكم لسانهما حكم بعلمه، وإن لم يعرف قال الشافعي: يحكم بشهادة ترجمانين عدلين؛ واجب لو كانوا أربعة. فمن أصحابنا من قال: المسألة على قول واحد كما نص عليه، وإنما استحب أربعة لأن شهود / أ] الزنا أربعة، ومنهم من قال فيه قولان مبنيان على الإقرار بالزنا فإن قلنا: يثبت الإقرار بعدلين يكفي في الترجمة عدلان، وإن قلنا: لا بد هناك من أربعة فلا بد من الترجمة من أربعة، والأصح ما تقدم لأن اللعان لا يتضمن إقرارًا بالزنا بحال ولا يخلو إما أن يكون يمينًا أو شهادة، وأيهما كان يثبت بعدلين فلا معنى للبناء على الخلاف في الإقرار بالزنا، وقال أبو حنيفة: الترجمة خبر فيقبل فيها قول الواحد العدل إذا تلاعنا بالعجمة، وهذا غلط لأنه يثبت به حد الزنا عليها فلا بد من العدد فيه. مسألة: قال: "فإن كانَ أخرسَ يفهمُ الإشارةَ التعنْ بالإشارةِ ثم قال: ثم تقام المرأة فتقول: أشهد بالله أن زوجي فلانًا وتشير إليه". الفصل وقد ذكرنا ما قيل في لعان الأخرس، والفصل الآخر عطف على أول الباب فذكر الزوج وقال: يبدأ به وساق الكلام واعترض في سياق الكلام ما ذكر من الفروع إلى نظم أوله بعطف عليه فقال: ثم تقام المرأة، ثم ذكر أنه يقفها عند الخامسة ويعظها، واحتج على ذلك يخبر ابن عباس الذي تقدم ذكره، وقال في موضع آخر: ويتلو عليها قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ [آل عمران: ٧٧]، قال أصحابنا: وروي أن امرأة ادعى عليها قتل وأنكرت فكتب عمر ﵁؛ أن احبسوها بعد العصر واتلو عليها هذه الآية ففعل فاعترفت. وروي أن رجلاً ادعى على رجل حقًا عند شريك بن عبد الله القاضي فأتي بشيخ يشهد له فقال المدعى عليه لشريك: إن ذا الرجل لو سألت عنه لعدل ولا بأس بحاله ولكن الأنفة أخذته فشهد عليّ كاذبًا فأقبل شريك على الشيخ فقال: أيها الشيخ [٢٠٦/ ب] روي عن النبي ﷺ أنه قال: إن الطيور لتضرب أجنحتها من هول يوم القيامة وإن شاهد الزور لا يرفع قدمه حتى تجب له النار فارتعد الرجل وتغير لونه وقال: رجعت عن هذه الشهادة. باب ما يكون بعد التعان الزوجين من الفرقة مسألة: قال: "وإذا أكملَ الزوجُ الشهادةَ والالتعانَ فقدْ زالَ فراشُ امرأتهِ".

стр. 5031

الفصل إذا أكمل الزوج اللعان تعلقت الفرقة ونفي الولد بلعانه على ما ذكرنا ولا يجتمعان أبدًا سواء أكذب نفسه وحد أو لم يكذب نفسه ولا حد، وبه قال عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس ﵃، والنخعي، والحسن، وعطاء بن أبي رباح، والزهري، والحكم، ومالك، والثوري، والأوزاعي، وأبو يوسف، وإسحاق، ومحمد في رواية ﵏، وقال أبو حنيفة، ومحمد: إذا أكذب نفسه وحد زال تحريم العقد وحدت له بنكاح جديد، وقال سعيد بن جبير: إذا أكذب نفسه عادت زوجته كانت، وقال سعيد بن المسيب: إن كذب نفسه وهي في العدة حلت له وإلا فلا تحل له أبدًا، وقال الحسن: إذا أكذب نفسه لا يعود النسب كما لا يرتفع التحريم وهذا غلط؛ لما روى ابن عمر وابن عباس ﵃ أن النبي ﷺ قال: المتلاعنان لا يجتمعان أبدًا، وقال سهل بن سعد ﵁: مضت السنة أن يفرق بين المتلاعنين ثم لا يجتمعان أبدًأ، وقال علي وعبد الله بن مسعود [٢٠٧/ أ] ﵄ هكذا، وقال عمر ﵁: "يفرق بينهما ولا يجتمعان أبدًا"، وروي أنه سئل ابن عمر عن المتلاعنين إذا كذب نفسها هل ينكحها؟ فقال: لا سمعت رسول الله ﷺ يقول: المتلاعنان لا يجتمعان أبدًا، واحتج الشافعي فقال: قال رسول الله ﷺ للملاعن بعد اللعان لا سبيل لك عليها، ولم يقل حتى تكذب نفسك فلو كان الإكذاب غاية لهذه الحرمة لردها رسول الله ﷺ إلى هذه الغاية كما قال تعالى في المطلقة الثلاث ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]. ثم عاد الشافعي إلى كلامه الأول أن الفرقة تقع بلعان الزوج وحده فقال: ولما قال رسول الله ﷺ : الولد للفراش، وكانت فراشًا لم يجز أن ينفي الولد عن الفراش إلا بأن يزول الفراش ومقصوده بهذا الكلام الاحتجاج على أن قطع الفراش يحصل بلعان الزوج قبل لعانها وقبل قضاء القاضي بالطلاق. ووجه الاحتجاج أن رسول الله ﷺ قال: الولد للفراش ومعقول أن الزوج إذا لاعن انتفي عنه الولد قبل لعانها وصار ملحقًا بالأم كما ألحقه رسول الله ﷺ فلولا أن الفراش زائل قبل لعانها لما صار الولد منتفيًا عنه فإن ارتكب الخصم فقال: لا يصير الولد منتفيًا إلا بعد لعانها قيل له: إن نفي الولد عن الزوج بيمينه والتعانه لا بيمينها ولعانها لأن الاعتبار بقوله في الإلحاق لا بقولها، ألا ترى أنها في لعانها تلحق الولد به ونحن ننفيه عنه فيعتبر، نفي الزوج لا إلحاق المرأة وهذا إذا أكذب الزوج نفسه ألحق

стр. 5032

الولد به وما دام نقرا على اللعان [٢٠٧/ ب] فالولد منفي عنه، ولهذا لو قالت الأم: ليس هو منك إنما استعرته لم يكن قولها شيئًا وهو يستلحقه والولادة على فراشه فعرفنا أن نفي الولد بلعانه لا بلعانها والولد لا ينفي عنه إلا والفراش منقطع لأن رسول الله ﷺ قال: "الولد للفراش، وللعاهر الحجر" فخرج من هذا إن ما لم يكن للعانها تأثيره في النفي لم يعتبر فيه أصلاً إذا انتفي بلعانه وحده بالدليل انقطع الفراش بلعانه وحده أيضًا ثم اعلم إذا بانت باللعان إن كان قبل الدخول لا سكنى لها ولا نفقة ولا عدة لها نصف المهر، وإن كان بعد الدخول فإن كانت حائلاً لا نفقة لها في العدة فإن كانت حاملاً، فإن لم يكن نفي الحمل هل يلزمه النفقة لها؟ قولان، وإن كان نفي الحمل لا نفقة أصلاً والسكنى قولاً واحدًا حتى تنقضي العدة والمهر بتمامه لازم، وقد روى ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال للمتلاعنين: حسابكما على الله أحدكما كاذب لا سبيل لك عليها، قال: يا رسول الله مالي قال: لا مال لك إن كنت صدقت عليها فهو بما استحللت من فرجها وإن كنت كذبت عليها فذلك أبعد لك، وقال الحكم وحماد: إذا لاعن قبل الدخول بها لها الصداق كاملاً، وقال الزهري: إذا تلاعنا لا صداق لها وهذا غلط لما ذكرنا. مسألة: قالَ: "وقالَ بعضُ الناسِ، إذا التعنْ ثم قالتْ: صدفتْ إنِي زنيتُ فالولدُ لاحقُ ولاَ حدَّ عليهَا ولا لعانَ". الفصل إذا قذف زوجته فصدقته فيما ذكر لا يخلو إما أن تكون بعد فراغه من اللعان أو قبل ذلك فإن كان بعد فراغه منه تعلق باعترافها حكم واحد وهو أنها لا تلاعن على نفي الحد عنها ويكون الحد واحدًا عنها بلعانه واعترافها به فإن أكذبت نفسها فقالت: كذبت وما زنيت [٢٠٨/ أ] سقط ما وجب عليها باعترافها وكان لها الآن أن تلاعن على إسقاط الحد عن نفسها وإن صدقته قبل فراغه من اللعان فلا فصل بين أن يكون التصديق قبل شروعه في اللعان أو بعد شروعه فيه وقبل إكماله فقد وجب الحد عليها باعترافه وسقط عنه حد القذف، وأما اللعان فإن كان هناك ول نفاه ولاعن، وإن لم يكن ولد هل يلاعن لقطع الفراش؟ قد ذكرنا، وقال أبو حنيفة: إذا صدقته واعترفت بالزنا لا حد عليها بإقرارها مرة واحدة ولا لعان وبقي الولد ثابت النسب فيتعذر اللعان منه عند أبي حنيفة بتعذره من جهة المرأة ولا ينتفي النسب من دون اللعان، واحتج الشافعي عليه فقال: دخل عليه أنه لو قذف فاسق عفيفة مسلمة والتعن كاذبًا وبقي الولد وهي عند المسلمين اصدق منه كان الولد منفيًا عنه، وإن كانت فاسقة فصدقته وقالت: زنيت كان الولد ملحقًا به فجعل أبو حنيفة ولد العفيفة لا أب له وألزمها عادة وجعل

стр. 5033

ولد الفاسقة ولدًا له أب لا ينفي عنه بحال وهذا بحال. مسألة: قال: "وأيهما ماتَ قبلَ أن يكملَ الزوجُ اللعانَ ورثَ صاحبهُ". الفصل إذا مات أحد الزوجين بعد الشروع في اللعان لا يخلو إما أن يموت الزوج أو الزوجة. فإن مات الزوج فلا سبيل إلى إكمال اللعان لأن الورثة لا يقومون مقامه، وإن ماتت الزوجة نظر فإن جاء ورثتها تطالبه بالحد كان له أن يكمل اللعان لدرء الحد عن نفسه، وإن لم تطالبه بحدها، فإن كان هناك نسب يريد نفيه كان له أن يكمل اللعان، وإن لم يكن نسب لم يكن له إكماله، فإذا قلنا له: إكماله فأكمله لم ينقطع إرثه منها لأن النكاح زال بالموت لا باللعان فإن قيل أليس لو مات الولد ثم لاعن على نفيه [٢٠٨/ ب] بعد موته لا يؤثر قلنا: الفرق هناك بيننا باللعان إن لم يكن ابنًا له قط ولا يتبين إنها لم تكن زوجة له بل تنقطع الزوجية عقيب الفراغ من اللعان في الحال فافترقا، فإن قيل: فالزوج بعض الورثة فكيف تطالبه باقي الورثة؟ قلنا: لأن حد القذف لكل الورثة ولكل واحد منهم لما ذكرنا أنه لو عفي بعضهم كان للباقين الاستيفاء بخلاف القصاص، وإن ماتت المرأة ولا وارث لها هل يطالب الإمام بالحد، ويلاعن على ما ذكرنا فيما تقدم والأظهر أنه يسقط حكمه بموتها هاهنا ولو مات بعد فراغه من اللعان لا توارث خلافًا لمالك وأبي حنيفة بناءً على أصلهما حيث قالا لا ينقطع النكاح بلعانه وحده على ما ذكرنا من مذهبهم فيما تقدم. مسألة: قال: "فإن امتنعَ أن يكملَ اللعانَ حدَّ لهَا، فإنْ طلبَ الحدَّ الذِي قذفَها بهِ لمْ يحدْ". إذا شرع الزوج في اللعان ثم أكذب نفسه قبل إكماله حددناه لها حد القذف لأن الحد إنما يسقط بكمال اللعان، فإذا لم يكمل لا يسقط كما لو لم يكمل البينة ثم إذا حددناه لها ثم جاء المرمى به وطالبه بالحد هل يحد له؟ ذكرنا فيما تقدم والمنصوص هاهنا أنه لا يحد له وهو اختيار أبي إسحاق. فإن قيل: أليس لو عفت المرأة حددتموه لها حداً كاملاً فدل على أن عليه حدين، قلنا: هذا يدل على أن لكل واحد منهما حقًأ في الحد ولا يدل على انفراد كل واحد منهما بحد كامل ألا ترى أن رجلاً لو سرق من رجلين فأيهما جاء يطالبه قطعنا ييده لهما جميعًا وإن عفا أحدهما ولم يطالب وجاء الآخر وطالبه قطعنا يده له [٢٠٩/ أ] فإن قيل: إذا لاعنهما ولم ييسمه في لعانه أوجبتم إعادة اللعان له ولم يسقط حقه بسقوط حقها في أحد القولين فقولوا مثله هاهنا، قلنا: البينة إذا قامت أنه سرق من اثنين فلا بد من أن يسمى البينة كل واحد من المسروق منهما والقطع لهما واحد فلذلك هاهنا لا بد من تسميتها والحق لهما واحد.

стр. 5034

قال صاحب المنهاج: وعلى ما ذكرنا لو أقر رجل بالزنا وسمي المزني بها ثم رجع عن إقراره ليس عليه حد القذف لأن الإقرار إقرار واحد وقد أسقطنا حكمه في نفسه قياسًا على ما لو حد لها سقط حد المرمى به لأن الفعل واحد، قال: وقد قيل غير ذلك وعندي هذا سهو منه، والمنصوص أنه إذا رجع عن إقراره لا يسقط حد قذفها ثم قال الشافعي: والولد للفراش ولا ينفي إلا على ما نفي به رسول الله ﷺ وأراد به أن الولد يلحقه ولا ينفي عنه إلا باللعان ولا ينفي بالشبه والاستدلال وأراد لا ينتفي إلا بكمال اللعان خلافًا لأبي حنيفة حيث قال: أكثر اللعان يكفي إذا حكم به الحاكم وهذا التأويل أظهر، ولو قال: هو ولد زنا وما هو مني أو انتفيت منه أو أنا برئ منه لا يؤثر في نفيه وهذا لمراعاة الاحتياط في النسب. مسألة: قال: "ولو أكملَ اللعانَ وامتنعتْ من اللعانِ وهي مريضةٌ أوْ في بردٍ أو حرٍ وكانتْ ثيبًا رجمتْ". الفصل عبّر الشافعي عن المحصنة بالثييب وعن غير المحصنة بالبكر كما عبر رسول الله ﷺ حيث قال: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة والرجم، وجملته أنه لا يخلو إما [٢٠٩/ ب] أن تكون بكرًا أو ثيبًا، فإن كانت بكرًا يجب عليها عند الامتناع من اللعان بعد لعانه حد الإبكار وهو الجلد والتغريب فإن كانت صحيحة والهواء معتدل لا شدة حر ولا شدة برد يقام عليها الحد، وإن كان الهواء غير معتدل لا يقام حتى يعتدل الهواء لأن القصد منه الزجر والردع لا الإتلاف ولا يؤمن منه السراية والتلف، وإن كانت مريضة فإن كان مرضها يرجى زواله آخر إلى أن تبرأ، وإن كان لا يرجى زواله كالزمانة والسل أقيم عليها الحد عاجلاً بأطراف الثياب وأشكال لا نخل ولا فرق بين أن يكون ثبت عليها هذا الحد بالبينة أو بامتناعها من اللعان أو بالإقرار وإن كانت ثيبًا، قال أبو إسحاق: ترجم في جميع الأحوال لأن القصد إتلافها وهو ظاهر كلام الشافعي ومن أصحابنا من قال: هذا إذا ثبت الرجم بالبينة، فإن ثبت بإقرارها أو بامتناعها من اللعان أخر لشدة الحر والبرد لأن لها مخلصًا منه بالرجوع عن الإقرار والإقدام على اللعان فلا نأمن من أن نرجمها بعض الرجم ثم ترجع فنكون قد أعنا على تلفها وليس كذلك إذا قامت عليها البينة لأن لا مخلص لها منه وهذا لا يصح لأنه يحتمل رجوع الشهود عن الشهادة كما يحتمل رجوعها، وقال بعض أصحابنا: على عكس هذا، وهو أنه أن ثبت بالبينة لا يقام الحد إلا في هواء معتدل بخلاف الإقرار والفرق أن المقر هتك حرمة نفسه وأظهر الزنا الذي كان مندوبًا إلى ستره فغلط عليه وإقامة الحد في جميع الأوقات بخلاف ما لو أقيم عليه البينة وهذا ليس بشيء، وقال

стр. 5035

القفال: نص الشافعي بالإقرار أنه يؤخر وقاس بعض أصحابنا: عليه امتناعها من اللعان [١١٠/ أ] وفرق بعض أصحابنا بينهما وهو أنه يستحب له الرجوع عن الإقرار، وإن كانت صادقة في إقرارها فنحن وإن حملنا الأمر على الصدق فالتوهم باق وهاهنا وإن كانت محقة في امتناعها من اللعان فلا يندب ولا يباح لها أن تلاعن لأنها مبطلة في اللعان فلهذا لا يؤخر عن الحر والبرد وأسباب التلف وهذا كما أن رجوع الشهود عن الشهادة موهوم غير أن الظاهر أنهم صادقون ومع الصدق لا يرجعون فلا يؤخر هناك وهذا أيضًا ضعيف بخلاف ظاهر نص الشافعي وأما قطع الطرف في القصاص من أصحابنا من قال: نص الشافعي على أنه لا يقطع في شدة الحر والبرد ويؤخر القطع في السرقة بحيث أن تكون مثله، وقال الداركي: يقطع في الحال لأن قطع الطرف يقضي إلى التلف في الغالب فإذا أذن فيه مع الخوف من التلف استوفي الأحوال كلها في استيفائه. مسألة: قال: "وقالَ بعضُ لا يلاعنُ بحملِ لعله ربحِ". أراد به أبا حنيفة حيث قال: لا يجوز نفي تحمل بحال على ما ذكرنا من مذهبه ودليلنا على فساده، واحتج عليه الشافعي هاهنا فقال له: أرأيت لو أحاط العلم بأن ليس حمل أم يلاعن بالقذف قال: بلى، قيل: فلم لا تلاعن مكانه وهذا إلزام مختصر ومعناه أنه لو كانت حاملاً بحيث نعلم يقينًا أن لا حمل بها وقذفها جاز له ملاعنتها وقطع فراشها فإذا بان لها حمل فلم لا تلاعنها مكانه فإن قلت: لا يلاعنها حتى تصنع فهذا محال لأنه متى جاز له اللعان ولا حمل بها لأن القذف موجود وجب أن يجوز اللعان وبه حمل لأن القذف موجود، وإن قلت له أن يلاعنها في الحال ويقطع فراشها لكان له نفي الولد [٢١٠/ ب] لأن الولد للفراش والوقت الصالح لنفي الفراش صالح لنفي الولد. مسألة: قال: "وزعمَ يعني أبا حنيفَة لو جامعهَا وهوَ يعلمُ بحملهَا فلمَا وضعتْ تركهَا تسعًا وثلاثينَ ليلةٌ وهي في الدم معهُ في مقرِّ لهُ ثمَّ نفي الولد كان ذلكَ له". الفصل قد ذكرنا أنه يصح نفي الحمل باللعان خلافًا لأبي حنيفة فإن لم ينفه وتركه لم يلزمه لأن تركه محتمل أن يكون لأنه تحقق وجوده، وذكر الإمام الجوينى في "المنهاج" أنه لو أحاط عنه بالحمل فسكت ولم ينف ليس له النفي بعده خلافًا لأبي حنيفة لأن يكون سكوته دليل على رضاه به، وهذا محتمل إذا قال: اعلم أن بها حملاً وإذا أنفي الآن أو سكت، وإذا وضعت وعلم وأمكنه نفيه فلم ينف لزمه نسبه عندنا وليس له فيه بعدها لأنه على النور وفيه قول آخر للشافعي: أنه تمهل ثلاثة أيام وقال أبو حنيفة: له أن

стр. 5036

يؤخر النفي يومًا أو يومين استحبابًا، وروي عنه ثلاثة أيام كما قلنا في أحد القولين وقال أبو يوسف ومحمد: له نفيه في مدة النفاس إلى أربعين يومًا؛ لأن أيام دم إبقائه لحالة الولادة. وقال عطاء ومجاهد: له نفيه أبدًا ما لم يغربه وهذا كله غلط؛ لأنه خيار بالاحتجاج في مسألة الحمل واللعان عليه، فقال: قد ترك أبو حنيفة ما حكم به رسول الله ﷺ بين العجلاني وامرأته وهي حامل من اللعان فخالف السنة بمنع اللعان على الحمل ثم ألزمه فساد مذهبه في المسألة الأخرى فقال: ولو لم يكن كما قلنا سنة كان قد جعل السكات [٢١١/ أ] في معرفة الشيء في معنى الإقرار، فزعم في الشفعة إذا علم فسكت فهو إقرارٌ بالتسليم، وفي العبد يشتريه إذا استخدمه رضا بالعيب ولم يكلم فحيث شاء جعله رضا، ثم جاء إلى الأشبه بالرضا والإقرار وهو نسب هذا الولد فجعله رضا، ثم ذهب في ذلك إلى تقدير الأصل له، فجعل ممته إلى أربعين ليلة إقرارًا بنسبه وأباه في تسع وثلاثين ليلةً، فما الفرق بين الصمتين؟ ومقصود مناقضة قوله حيث جعل السكوت رضا في الشفعة والرد بالعيب ولم يجعله رضا فيما الأولى بالاحتياط فيه وهو النسب، ولم يقدر في الشفعة والرد بالعيب بثلاثة أيام وقدر هنا بأربعين يومًا، وهذه مناقضة ظاهرة. واعلم أن مذهب أبى حنيفة خلاف ما ظنه الشافعي على ما ذكرنا. وقيل: علم هو مذهب أبي حنيفة وهذه المناظرة مع أبي يوسف. مسألة: قال: "وزعم بأنهن استدل بأن الله لما أوجب على الزوج الشهادة ليخرج بها من الحد، فإذا لم يخرج من معنى القذف لزمه الحد قيل له، وكذلك كل من أحلفته ليخرج من شيء فلم يحلف حكمت عليه بذلك الشيء إما في مال أو غضب أو جرح عمد، قال: نعم، فقلت: فلم لم تقل ذلك في المرأة أنك تحلفا لتخرج من الحذ". الفصل اعلم أن الشافعي رجع إلى المناظرة في مسألة سبقت في هذا الباب، وهي أن الزوج إذا لاعن ونكلت عن اللعان فعليها حد ذكرها خلافًا لأبي حنيفة، واختلفوا في الزوج إذا نكل عن اللعان، فمنهم من قال: لا يلزمه الحد [٢١١/ ب] بل يحبس ليلاعن، وهذا هو المشهور من مذهبه. ومنهم من سلم أن الزوج يحدن والشافعي حكي له هذا المذهب، واستدل عليه بما ذكر ورجح أحد المذهبين لهم، فقال: وليس في التنزيل أن الزوج يدرأ باللعان حدًا كما في التنزيل أن المرأة تدرأ باللعان حدًا، ثم حددت الزوج إذا نكل فأولى أن تحدها إذا نكلت، واحتج على بطلان الحبس فقال: "لها أن تقول:

стр. 5037

إن كان الزوج صادقًا فحدوني، وإن كان كاذبًا فخلوني فما بالي والحبس، وليس حبسي في كتاب الله تعالى ولا سنة ولا إجماع ولا قياس على أحدها"، ثم زاد الشافعي إلزامًا فقال: "فإن قلت العذاب المذكور في القرآن هو الحبس لا الحد فهذا خطأ - لأنه يكون مجهول المقدار حينئذ - فكم ذاك الحبس مائة يوم أو حتى يموت، قد قال تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢]، أفتراه عنى الحد أو الحبس؟ قال: بل الحد وما الحبس بحد، والعذاب في الزنا الحدود، ولكن السجن قد يلزمه اسم عذاب، قلت: والسفر، والدهر، والتعليق، وكل ذلك يلزمه اسم عذاب". فإذا جاز لك أن تعذبها بالحبس تحكيمًا من جهتك وليس حبسها من الكتاب، فجوز لنفسك أن تقول بحكم آخر يعذب بالتغريب والدهن والتعليق؛ لأن كل ذلك يسمى عذابًا. ثم رجع الشافعي إلى أول هذا الباب فتكلم في تأييد الحرمة باللعان، واحتج بما روي عن عمر، وعلي، وعبد الله بن مسعود، ﵃ أنهم قالوا: "لا يجتمع المتلاعنان أبدًا" وهم رووا عنه وخالفوهم.

стр. 5038

كتاب الأيمان قال في الحاوي: أما اليمين فهي القسم، سمي يمينًا، لأنهم كانوا إذا تحالفوا ضرب كل واحد منهم يمينه على يمين صاحبه. والأصل في الأيمان قول الله تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٢٤]. أما العرضة في كلام العرب، ففيها وجهان: أحدهما: أنها القوة، والشدة. والثاني: أن يكثر ذكر الشيء حتى يصير عرضة له، ومنه قول الشاعر: فلا تجعلني عرضة للوائم وأما العرضة في الأيمان، ففيها تأويلان: أحدهما: أن يحلف بها في كل حق وباطل، فيبتذل اسمه، ويجعله عرضة. والثاني: أن يجعل يمينه علة يتعلل بها في بره، وفيها وجهان: أحدهما: أن يحلف: لا يفعل الخير، فيمتنع منه لأجل يمينه, والثاني: أن يحلف: ليفعلن الخير، فيفعله لبره في يمينه لا للرغبة في ثوابه. وفي قوله تعالى: ﴿أَنْ تَبَرُّوا﴾ [البقرة: ٢٢٤] تأويلان: أحدهما: أن تبروا في أيمانكم. والثاني: أن تتقوا الخبث ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾ [آل عمران: ١٢١] لأيمانكم ﴿عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٠٩] بافتقاركم. وقال تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٥]. واللغو في كلام العرب هو ما كان قبيحًا مذمومًا، وخطًا مذمومًا مهجورًا، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القصص: ٥٥]. وفي لغو الأيمان سبعة تأويلات، وقد أفرد الشافعي لذلك بابًا يذكر فيه، وفي ترك المؤاخذة به وجهان:

стр. 5039

أحدهما: لا يؤاخذ فيه بالكفارة. والثاني: لا يؤاخذ فيه بالإثم. وفي قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] تأويلان: أحدهما: ما قصدتم من الأيمان. والثاني: ما اعتمدتم من الكذب ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ﴾ [آل عمران: ٣١] لعباده فيما لغوا من أيمانهم ﴿حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٣] في ترك معاجلتهم بالعقوبة على معاصيهم. وقال تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩]. وعقدها هو لفظ باللسان، وقصد بالقلب، لأن ما لم يقصده من أيمانه هو لغو لا يؤاخذ له. وفي تشديد قوله: ﴿عَقَّدْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] تأويلان: أحدهما: تغليظ المأثم بتكرارها. والثاني: أن تكرارها في المحلوف عليه إذا كان واحدًا لم يلزم فيه إلا كفارة واحدة. ثم قال تعالى: (فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ) [المائدة: ٨٩]. فيه وجهان: أحدهما: أنها كفارة ما عقدوه من الأيمان، قاله الحسن، وقتادة. والثاني: أنها كفارة الحنث بعد عقد الأيمان، ولعله قوله ابن عباس، وسعيد بن جبير، والأصح عندي من إطلاق هذين الوجهين أن يعتبر حال اليمين في عقدها وحلها، فإنها لا تخلو من ثلاثة أحوال: أحدها: أن يكون عقدها طاعة، وحلها معصية. كقوله: والله لا صليت ولا صمت. فإذا حنث بالصلاة والصيام كانت الكفارة لتكفير مأثم اليمين دون الحنث. والثالثة: أن يكون عقدها مباحًا، وحلها مباحًا. كقوله: والله لا لبست هذا الثوب، ولا دخلت هذه الدار. فالكفارة تتعلق بهما، وهي بالحنث أحق، لاستقرار وجوبها به. وقال تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] وفيه ثلاثة تأويلات: أحدهما: أحفظوها أن يحلفوا. والثاني: أحفظوها أن تحنثوا.

стр. 5040

والثالث: (احفظوها) لتكفروا. والسنة ما رواه أبو أمامة الحارثي، وهو إياس بن ثعلبة، عن النبي ﷺ أنه قال: "من اقتطع بيمينه مال امرئ مسلم حرم الله عليه الجنة، وأوجب له النار". قيل: "وإن كان شيئًا يسيرًا، قال وإن كان سواكًا من أراك" وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليأت الذي هو خير، ويكفر عن يمينه". وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "اليمين حنث أو مندمة". وقد حلف رسول الله ﷺ عام الفتح، فقال: "والله لأغزون قريشًا، والله لأغزون قريشًا، والله لأغزون قريشًا". وروي أنه قال: "إن شاء الله". وروى أنه كان إذا أراد أن يحلف قال: "لا والذي نفس محمد بيده" وروي أنه كان يقول: "لا ومقلب القلوب". فإذا تقرر هذا، فعقد اليمين موضوعة لتحقيق المحلوف عليه إن كان ماضيًان أو لالتزامه إن كان مستقبلاً. مسألة: قال الشافعي ﵀: "من حلف بالله أو باسم من أسماء الله فحنث فعليه الكفارة". قال في الحاوي: اعلم أن الأيمان معقودة بمن عظمت حرمته، ولزمت طاعته وإطلاق هذا مختص بالله تعالى، فاقتضى أن يكون اليمين مختصة بالله جلت عظمته، وله أسماء وصفات. فأما أسماؤه فأخصها به قولنا: الله، لأن أحدًا لم يتسم به، وقد قيل: إنه اسمه

стр. 5041

الأعظم، وهذا أحد التأويلين في قوله تعالى: (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً) [مريم: ٦٥]. أي: من يتسمى باسمه الذي هو: الله؟ والثاني: فيه هل تعلم له شبيهًا؟ واختلفوا في هذا الاسم، هل هو علم لذاته، أو اسم مشتق من صفاته على قولين: أحدهما: أنه اسم علم لذاته غير مشتق من صفاته، لأن أسماء الصفات تكون تابعة لأسماء الذات، فلم يجد بدًا من اختصاصه باسم ذات يكون علمًا، لتكون أسماء الصفات تبعًا، وهذا قول الخليل والفضل. والثاني: أنه اسم مشتق من "أله" صار بناء اشتقاقه عند حذف همزة، وتفخيم لفظة: الله، فالحالف بهذا الاسم حالف بيمين منعقدة لا يرجع فيها إلى إرادة الحالف به، وسواء قيل: إنه اسم علم لذاته، أو مشتق من صفاته، لأنه لا ينطلق على غيره. وفي معنى الحلف بهذا الاسم أن تقول: والذي خلقني، أو والذي صورني، فتنعقد به يمينه، لأن الذي خلقه وصوره هو الله، فصار كقوله: والله، لا يكون هذه يمينًا باسم مكني، لأنه صريح لا يحتمل غيره. وهكذا لو قال: والذي أصلي له، أو أصوم له، أو أزكي له، أو أحج له، انعقدت يمينه كقوله: والله، لأن صلاته وصيامه وزكاته وحجه لله لا لغيره. فصل: فأما غير هذا الاسم العلم من أسمائه تعالى، فينقسم ثمانية أقسام: أحدهما: ما يجري في اختصاصه به مجرى العلم من أسمائه، وهو: الرحمن، فيكون المحالف به كالحالف بالله لأمرين: أحدهما: أنه ليس يتسمى به غيره من خلفه، ولئن طغى مسيلمة الكذاب، فتسمى: رحمان اليمامة، فهي تسمية إضافة لم يطلقها لنفسه، فصار كمن لم يتسم به. والثاني: أنه تعالى أضاف إلى هذا الاسم ما اختص به من قدرته، وتفرد به من خلقه، فقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، فأجراه مجرى العلم من أسمائه الذي هو الله. واختلف فيه أهل اللغة هل هو اسم علم أو صفة؟ على وجهين: أحدهما: أنه اسم عربي مشتق من صفته بالرحمة. واختلفوا في هذه الرحمة المشتق منها الرحمن هل هي رحمة تفرد بها، أو توجد في العباد مثلها على وجهين: أحدهما: أنها رحمة توجد في العباد مثلها، واختصاصه مثلها باشتقاق لفظ المبالغة

стр. 5042

في الرحمة، ومشاركته لخلقه في الرحيم، فلذلك كان الرحمن مختصًا به، والرحيم مشتركًا. والثاني: أنه مشتق من رحمة تفرد الله بها دون خلقه، وفي هذه الرحمة التي تفرد بها وجهان: أحدهما: أنها رحمته لأهل السماء والأرض، فيكون مشتقًا من رحمة هي صفة لذاته، لأنه مستحق لهذه الصفة قبل خلقهم. والثاني: أنها صفة للرحمة: فيكون مشتقًا من رحمة هي صفة لفعله، لأنه مستحق لهذه الصفة بعد خلق الرحمة. وعلى كلا الوجهين تكون اليمين بهذا الاسم منعقدة في أهل الملل وغيرهم، كانعقادها بالله سواء قيل اشتقاقه من صفة ذاته، أو صفة فعله، لأنها يمين بالاسم دون الصفة. فصل: والقسم الثاني: من أسمائه ما اختص باسم المعبود دون العبد، وهو الإله، أجمعوا على أنه اسم اشتقاق، واختلفوا فيما اشتق منه على وجهين: أحدهما: أنه مشتق من الوله، لأن العباد يألهون إليه أي: يدعون إليه في أمورهم. والثاني: أنه مشتق من الألوهية وهي العبادة من قوله: فلان يتأله أي: يتعبد. واختلف على هذين الوجهين هل اشتق اسم الإله من فعل الوله والعبادة أو من استحقاقها على وجهين: أحدهما: أنه اشتق من فعلها، فعلى هذا يكون مشتقًا من صفات أفعاله. والثاني: أنه مشتق من استحقاقها، فعلى هذا يكون مشتقًا من صفات ذاته، وعلى كلا الوجهين يكون الحالف بالإله منعقد اليمين في الظاهر والباطن إن كان من أهل الملل، لأن جميع أهل الملل ليس لهم إله غير الله، وإن كان من غير أهل الملل من عبدة الأصنام، انعقد به اليمين في الظاهر، وكان في الباطن موقوفًا على إرادته، لأنهم يجعلون هذا الاسم مشتركًا بين الله تعالى وبين أصنامهم التي يعبدونها. فصل: والقسم الثالث: من أسمائه ما اختص إطلاقه بالله تعالى، وكان في الإضافة مشتركًا، وهو الرب، اسم مأخوذ من صفة، اختلف فيها على أربعة أوجه. أحدها: أنه مأخوذ من المالك، كما يقال: رب الدار أي مالكها. والثاني: أنه مأخوذ من السيد، لأن السيد يسمى ربًا قال الله تعالى: ﴿أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً﴾ [يوسف: ٤١]. يعني سيده.

стр. 5043

والثالث: أنه الرب المدبر، ومنه قول الله تعالى: ﴿وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ﴾ [المائدة: ٤٤]. وهم العلماء سموا ربانيين، لقيامهم بتدبير الناس بعلمهم وقيل: ربة البيت، لأنها تدبره. والرابع: أن الرب مشتق من التربية، ومنه قول الله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمْ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]. فسمى ولد الزوجة ربيبة، لتربية الزوج لها، فعلى هذا إن قيل: إن صفة الله تعالى بأنه رب، لأنه مالك أو سيد، فذلك صفة من صفات ذاته. وإن قيل: لأنه مدبر لخلقه أو مربيهم، فذلك صفة من صفات فعله، وصفات ذاته قديمة، وصفات فعله محدثة، وهما في اشتقاق الاسم منه على السواء، لأنه يكون حالفًأ بالاسم دون الصفة، وإن كانت اليمين بالصفتين مختلفة، تنعقد بصفة الذات لقدمها، ولا تنعقد بصفة الفعل، لحدوثها. فإذا تقرر اشتقاقه انقسمت اليمين به أربعة أقسام: أحدها: ما يكون به حالفًا في الظاهر والباطن، وهو أن يصفه بما لا يستحقه إلا الله تعالى، وهو أن يقول: رب العالمين، أو رب السموات والأرضين، فهذا حالف به في الظاهر والباطن، لأنه وصفه بما اختص الله تعالى به دون غيره، فإن قال: أردت غير الله لم يقبل منه. والقسم الثاني: ما يكون به حالفًا في الظاهر، ويجوز أن يكون غير حالف به في الباطن، وهو أن يقول: والرب، فيدخل عليه الألف واللام، ولا يعرفه بصفة، فيكون حالفًا به في الظاهر، فإن قال: أردت به رب الدار، دين في الباطن، ولم يكن به حالفًا لاحتماله، وكان حالفًأ به في الظاهر لإطلاقه. والقسم الثالث: ما لا يكون به حالفًا في الظاهر، ويجوز أن يكون حالفًا به في الباطن، وهو أن يقول: ورب هذه الدار، فلا يكون حالفًا في الظاهر، لأنه في العرف إشارة إلى مالكها، فإن قال: أردت به خالقها، وهو الله تعالى، كان حالفًا. والقسم الرابع: ما اعتبر به عرف الحالف، وهو أن يقول: وربي، فإن كان من قوم يسمون السيد في عرفهم ربًا، لم يكن حالفًا في الظاهر إلا أن يريد به الله تعالى، فيصير به حالفًا، وإن كان من قوم لا يسمون الرب في عرفهم إلا الله تعالى كان حالفًا في الظاهر إلا أن يريد به الله تعالى، فلا يكون حالفًا في الباطن اعتبارًا بالعرف في الحالين، قال الله تعالى: (أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً) [يوسف: ٤١]. يعني سيده. وحكي عن إبراهيم: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: ٩٩]. يعني الله تعالى: فكان الرب في إبراهيم ويوسف مختلفًا في المراد به لاختلافهم في العرف. فصل: والقسم الرابع من أسمائه تعالى: ما كان إطلاقه مختصًا بالله تعالى في الظاهر،

стр. 5044

واختلف في جواز العدول به عن الباطن على وجهين، وهو ثلاثة أسماء: القدوس، والخالق، والبارئ. فأما القدوس: فهو اسم من أسماء الله تعالى مختص به في العرف، واختلف في معناه على أربعة أوجه: أحدها: أنه المبارك، قاله قتادة. والثاني: أنه الظاهر، قاله وهب بن منبه. والثالث: أنه المنزه من القبائح. والرابع: أنه اسم مشتق من تقديس الملائكة، فإذا حلف بالقدوس كان كالحالف بالله تعالى في الظاهر، فإن عدل به عن الباطن إلى غيره، ففيه وجهان: أحدهما: يجوز، ولا يصير به حالفًا في الظاهر والباطن، إذا قيل: إن معناه المبارك أو الطاهر. والثاني: لا يجوز، ويكون حالفًا، ويكون ظاهرًا في الظاهر والباطن إذا قيل: إنه مشتق من تقديس الملائكة، وإنه المنزه من جميع القبائح. وأما الخالق: فمن أسمائه، وفي معناه وجهان: أحدهما: أنه المحدث للأشياء على إرادته. والثاني: أنه المقدر لها بحكمته، فإذا حلف بالخالق كان حالفًا في الظاهر، فإن عدل به في الباطن إلى غيره من المخلوقين، ففيه وجهان: أحدهما: يجوز، ولا يصير به حالفًا في الباطن، إذا قيل: إن معناه المقدر للأشياء بحكمته. والثاني: لا يجوز، ويصير به حالفًا إذا قيل: إن معناه المحدث للأشياء على إرادته. وأما البارئ: فمن أسمائه تعالى، وفي معناه وجهان: أحدهما: أنه المنشئ للخلق. والثاني: أنه المميز للخلق، فإذا حلف بالبارئ كان حالفًا في الظاهر، فإن عدل به في الباطن إلى غيره، فعلى الوجهين: أحدهما: يجوز، ولا يصير به حالفًا إذا قيل: إن معناه المميز للخلق. والثاني: لا يجوز، ويصير به حالفًا إذا قيل: إن معناه المنشئ للخلق. فصل: والقسم الخامس من أسمائه: ما كان إطلاقه مختصًا بالله تعالى في الظاهر، وجاز أن يعدل به إلى غيره في الباطن وجهًا واحدًا. أحدهما: المهيمن.

стр. 5045

والثاني: القيوم. فأما المهيمن فهو من أسمائه في العرف، واختلف في معناه على أربعة أوجه: أحدها: أنه الشاهد: قاله قتادة. والثاني: أنه الأمين، قاله الضحاك. والثالث: أنه المصدق، قاله عبد الرحمن بن زيد. والرابع: أنه الحافظ. فإذا حلف بالمهيمن كان حالفًا بالله تعالى في الظاهر، فإن عدل به إلى غيره من الباطن جاز، ولم يكن حالفًا. روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: إني داع فهيمنوا، أي قولوا آمين حفظًا للدعاء، فسمى القائل أمين مهيمنًا، وقد قال الشاعر في أبي بكر ﵁: ألا إن خير الناس بعد نبيه مهيمنه التاليه في العرف والنكر يعنى: الحافظ للناس بعده. وأما القيوم: فمن أسمائه، واختلف في معناه على أربعة أوجه: أحدها: أنه القائم بتدبير خلقه. والثاني: أنه القائم بالوجود. والثالث: أنه القائم بالأمور. والرابع: أنه اسم مشتق من الاستقامة. فإذا حلف بالقيوم كان حالفًا بالله في الظاهر، فإن عدل به إلى غيره في الباطن جاز، ولم يكن حالفًا، لأن معانيه يجوز أن تكون مستعملة في غيره. فصل: والقسم السادس: من أسمائه ما كان إطلاقه مختصًا بغيره في الظاهر، وإن كان من أسمائه في الباطن، وهو: المؤمن، والعالم، والكريم، والسميع، والبصير. فهذه، وإن كانت من أسماء الله تعالى، فقد صارت في العرف مستعملة في غيره من المخلوقين. فإذا حلف بأحدها لم يكن حالفًا بالله تعالى في الظاهر، إلا أن يريد بها الله تعالى في الباطن، فيصير بها حالفًا، ولو كثر استعمالها في الله تعالى، وقل استعمالها في المخلوقين، صار حالفًا بها في الظاهر دون الباطن. فصل: والقسم السابع: من أسمائه ما كان إطلاقه في الظاهر مشتركًا بين الله تعالى وبين خلقه على سواء كالرحيم، والعظيم، والعزيز، والقادر، والناصر، والملك، فيرجع فيها
следующие страницы →