← Фикх шафии

Фикх шафии · id 16934

بحر المذهب للروياني

عَبْد الواحِد الرُّوْياني

Полный текст (7 151 стр.). Показаны 4971–5010 · переход к 4976.

стр. 4971

لأنها غير مخوفة، وإن كانت مأمومة الرأس أو جائفة لم يجز؛ لأنهما قبل الاندمال مخوفان. فرع آخر الأعرج إذا كان خفيف العرج لا يضر العمل بنقصان مشية يجوز، وإن كان عرجًا شديدًا لا يجوز. وقيل: يعتبر في الرقبة التي تجزئ عن الكفارة خمس شرائط؛ أحدها: الإسلام. والثاني: السلامة من العيوب. والثالث: كمال العقل. والرابع أن لا يكون معتاطًا فيها. والخامس: النية، وهذا حسن، وتفصيله ما ذكرنا [١٥٩/ ب]. باب من له الكفارة بالصيام مسألة: [قال]: "من كانَ لهُ مسكنٌ وخادمٌ لا يملكُ غيرهُ وَلَا مَا يشتريَ بهِ مملوكًا كانَ لهُ أَنْ يصومُ". الفصل إذا وجبت عليه كفارة وله خادم لا يملك غيره، وبه حاجة إلى خدمته إما لضعفه أو لمروته فإنه ممكن لا يخدم نفسه؛ لا يجب عليه إعتاقه وقد يجوز له أن يصوم وبه قال أحمد. وقال مالك وأبو حنيفة والأوزاعي: لا يجوز أن يصوم ويجب عليه إعتاقه، ووافقنا أبو حنيفة أنه لو كان معه ثمن الرقبة وهو يحتاج إليه لا يلزمه شراء الرقبة، وعند مالك والأوزاعي يلزمه شراءها وهذا غلط لأن حاجته تستغرقه فصار كالعادم كما لو وجد الماء وهو يحتاج إليه للعطش؛ يجوز له الانتقال إلى التيمم، ولا يلزمه التوضؤ به. فرع آخر له رقبة تخدمه ولكنه غير محتاج إليها، لم تجر عادة مثله الخدمة؛ فيه وجهان: أحدهما: وهو الأصح لا تضاف تلك إلى كفايته وتكون فاضلة عن يلزمه التكفير بها وبه قال أكثر أصحابنا، والثاني: أنها من كفايته لكونها من كفاية غيره، وإن من يخدم نفسه فلعدم القدرة على من يخدمه، وكان الداركي يحكي عن أبي إسحاق أنه قال: يحتمل أنه يقال: لا يلزمه إعتاقها لأن على الإنسان مشقة في خدمة نفسه ولهذا لا يلزمه أن يبيع مسكنه، وإن كان مثله يبيت في المدرسة أو المسجد لأن عليه في البيتوتة في المسجد مشقة عظيمة؛ فسومح فيه كذلك هاهنا. فرع آخر لو كان الخادم ثمينًا يمكنه بيعه وشراء من يخدمه ببعض ثمنه وسوى رقبة الكفارة بالفاضل عنه لزمه ذلك ولا يجزيه الصوم، وهذا لأنه لا ضرر عليه فيه. وكذلك لو كانت له ثياب فاخرة تزيد على ملابس مثله [١٦٠/ أ] يمكنه أن يبيعها ويشتري بثمنها ما يكفيه من لباسه ورقبة يعتقها عن الكفارة، وكذلك لو كان له مسكن واسع كثير الثمن.

стр. 4972

يمكنه أن يبيعه ويشتري مسكنًا آخر يقدر حاجته ويفضل ما يشتري به رقبة يمكنه إعتاقها يلزمه ذلك. فرع آخر لو أمكن بيع المسكن في محلته وشري مسكن آخر في محلة أخرى ببعض وشري فيه للكفارة بالفاضل عنه، ظاهر ما قال أصحابنا أنه يلزمه ذلك. وقال القفال: فيه وجهات؛ أحدهما: هذا، والثاني: لا يكلف ذلك لأنه يشق عليه الجلاء عن وطنه. فرع آخر لو كانت معه بضاعة لا تكفيه قال ابن أبي هريرة: تكون كفارته كفارة المعسر فيجوز له الصوم ولهذا جاز له أخذ الزكاة معها. ومن أصحابنا من قال: كفارته كفارة الموسر ولا يجزيه الصوم لأن حاجته إلى البضاعة أخف من حاجته إلى المسكن والخادم والأول أصح. فرع آخر إذا كان غائبًا عن بلده لا يقدر على العتق وهو في بلده موسر واحد المعتق، فإن كان في كفارة القتل أو الفطر لم يجز له الانتقال إلى البلد، بل يكون في ذمته إلى أن يصل إلى ماله، وإن كان في كفارة الظهار فيه وجهان، أحدهما: لا يجوز له الانتقال إلى الصوم لوجود الأصل في ماله، ولا يخاف بتأخيره فوات عباده وهو أصر بنفسه حيث ظاهر، والثاني: يجوز الانتقال إلى الصوم لأن الضرر يلحقه ولحق امرأته بالصبر في ذلك لأن لا يجوز له وطأها حتى يكفر. فرع آخر لو وجد ثمن الرقبة ولا يجد رقبة يشتريها؛ قال بعض أصحابنا بخراسان: يلزمه الصبر إلى أن يجد الرقبة، ولا ينتقل على الصوم بخلاف المحصر، إذا وجد الثمن ولم يجد الهدي يصوم ولا يلزمه الصبر لأن عليه ضررًا [١٦٠/ ب] في ذلك والإحضار سبب هو معذور فيه، وعلى قياس ما تقدم يحتمل وجهًا آخر أنه لا يلزمه الصبر للضرر. فرع آخر لو وجد رقبة باع منه نسيئة ولد مال ببلد آخر، قال بعض أصحابنا: يجب الشراء، وعندي أنه لا يجب ذلك لأنه إنما يملك ماله قبل توفر ثمنها منه فيلحقه الضرر. فرع آخر لو وهب منه رقبة، أو عرض عليه إعتاقها عنه لا يلزمه قبولها لأن ذلك منه عظيم. فرع آخر قال بعض أصحابنا: من المادة من كفايته ولا يلزمه الإعتاق حتى يفصل منها ما يمكنه أن يشتري به رقبة وهي من إحدى جهات ثلاث؛ إما من استغلال عقار، أو ربح

стр. 4973

تجارة، أو كسب صناعة. فأما استغلال العقار فقد يكون تارة أرضًا تزرع، وتارة شجرة تستثمر، وتارة أبنية تؤجر، ومثله أن يكون ماشية تحتلب فإن ملك منها ما يكون غلته وفق كفايته من غير زيادة كانت هذه الأصول من جملة كفايته فيجزيه الصوم ولا يلزمه العتق، وإن كانت تزيد على كفاييته يلزمه صرف الزيادة إلى العتق، فإن نقصت عن قيمة رقبة يجزيه الصوم، وأما ربح التجارة إن كان يملك من رأس المال ما يكون ربحه وفق كفايته كان رأس المال من جملة الكفاية، ويكفر بالصوم، وإن زاد تلزمه الرقبة من الزيادة، وأما كسب الصناعة فإن كان وفق الكفاية يجوز الصوم، وإن كان لكثر ينظر فإن كان لا يجتمع قيمة الرقبة إلا في زمان طويل ينسب فيه إلى تأخير التكفير عن وقته لم يلزمه جمعها للعتق، وله أن يكفر بالصوم، وإن كان يبلغ قيمة الرقبة في ثلاثة أيام فما قاربها، ففي وجوب جمعها للتكفير بالعتق وجهان أحدهما يلزمه جمعها والتكفير بالعتق لأن قادر عليه، والثاني وهو الأشبه لا يلزمه [١٦١/ أ] ذلك ويجوز أن يكفر بالصوم لأنه في وقت وجوب العتق غير قادر فعلى هذا إن لم يدخل في الصوم حتى جمع فاضل الكسب فبلغ قيمة الرقبة فيه قولان بناءً على أن الاعتبار بوقت الوجوب أو بوقت الأداء. مسألة: قال: "فإنْ أفطرَ مِنْ عذرٍ أو غيرهِ، أو صامَ فيهَا تطوعًا". الفصل إذا أراد أن يصوم شهرين عن الظهار أو الجماع في رمضان أو القتل يلزمه أن يتابع بين أيامها ولا يفطر ولا يصوم من غيرها فإن أفطر لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون بعذر، أو بغير عذر، فإن كان بغير عذر لزمه الاستئناف، وإن كان لعذر؛ فالعذر على ثلاثة أضرب: حيض، ومرض، وسفر. فأما الحيض فلا يقطع التتابع قولًا واحدًا لأنه ينافي الصوم من غير أن يكون لها فيه صنع بوجه، ولا يمكن الاحتراز منع في شهرين، وأما المرض ففيه قولان؛ أحدهما قاله في "القديم" أنه مثل الحيض لا يقطع التتابع، وبه قال أحمد ومال، واختاره المزني، وروي ذلك عن ابن عباس، ووجه هذا أنه أفطر بسبب لا يتعلق باختياره فأشبه إذا أفطرت بالحيض ولهذا سوي بين حكم المرض والحيض في الفطر في صوم رمضان، والثاني: قاله في "الجديد" وهو قول أبي حنيفة أنه يقطع التتابع لأن المريض يفطر بفعله واختياره بخلاف الحائض. وأما السفر فإن قلنا المرض يقطع التتابع فالسفر أولى لأن الفطر وسبب الفطر كانا باختياره. وإن قلنا: المرض لا يقطعه ففي السفر قولان؛ أحدهما: لا يقطع لأن الله تعالى سوى بينه وبين المرض في إباحة الفطر في رمضان وجعلهما عذرين فيه كذلك هاهنا، والثاني: يقطع لأن السفر كان باختياره بخلاف المرض. وقال القاضي الطبري: الصحيح أنه

стр. 4974

يقطع التتابع قولًا واحدً ولا أعرف فيه القول الآخر للشافعي، وإنما نص في "القديم" على المرض وحده. [١٦١/ ب] فرع لو أفطرت بالنفاس هل يبطل التتابع أم لا؟ فقال جماعة أصحابنا: هو كالمرض، ومن أصحابنا من قال: فيه وجهان؛ أحدهما هذا، والثاني: يبطل التتابع لأنه ليس بغالب ويقدر على صوم شهرين لا نفاس فيهما. فرع آخر لو أفطر بالجنون أو الإغماء قال جماعة أصحابنا هو كالمريض، ومن أصحابنا من قال: إن قلنا: بالمرض لا ينقطع التتابع فهذا أولى، وإن قلنا بأنه ينقطع به التتابع فيه قولان؛ أحدهما: يقطعه لإمكان خلوه في الأغلب من هذا والثاني: لا يقطعه لأنه ينافي الصوم كالحيض خلاف المرض. فرع آخر الحامل والمرض إذا خافتا على أنفسهما فأفطرتا فهو كالفطر بالمرض، وإن كان الخوف على الولد فأفطرتا له فإن قلنا في المرض يبطل التتابع فهاهنا أولى، وإن قلنا المرض لا يقطع التتابع فيه وجهان؛ أحدهما: لا يبطل، والثاني: يبطل لأن العذر في غيرهما والفطر باختيارهما، ولهذا يلزمهما الفدية دون المريض، ومن أصحابنا من قال: يبطل في حق المرضع دون الحامل كما لا يلزم الفدية في أحد الأقوال على المرضع دون الحامل. فرع آخر لو أكره على الفطر في أثناء الشهرين، فإن كان أوجر الطعام في حلقه لم يفطر قولًا واحدًا، وإن أكره حتى أكل بنفسه هل يفطر؟ قولان؛ فإذا قلنا يفطر هل يبطل تتابعه قولا؛ أحدهما: يبطل تتابعه ولا ينافي الصوم، والثاني: يبطل لأنه معذور فيه كالمرض، وقيل قول واحد؛ يطل. وهو اختيار الداركي، والطريقة الأولى اختارها صاحب "الحاوي". فرع آخر إذا أوجبنا التتابع في صوم كفارة اليمين في أحد القولين، وكانت لها إبانة معلومة للحيض فابتدأت الصوم في وقته يتخلله الحيض يبطل التتابع، وإن لم يكن لها معلومة قال أصحابنا: يحتمل وجهين، وظاهر [١٦٢/ أ] المذهب أنه يبطل التتابع لإمكان الاحتراز من تخللها.

стр. 4975

فرع آخر إذا تخللها رمضان أو يوم العيد يستأنف ويبطل التتابع قولًا واحدًا لأنه إن كان عالمًا فهو متعد، وإن كان جاهلًا فهو مفرط لأنه يمكنه الاحتراز منه عن غير مشقة. واعلم أنه لا يتصور أن يتخلل الشهرين عند الفطر لأن زمان شهر رمضان يسبقه في قطع التتابع ويتخللها يوم النحر، ولا يتصور تخلل أيام التشريق أيضًا لأن يوم النحر يسبقها وانقطاع التتابع به لا بما بعده، وقال أحمد: لا ينقطع التتابع به لأن فطره مستحق كما في زمان الحيق، وهذا غلط لما ذكرنا، ويفارق الحيض لأنه لا يمكن الاحتراز منها، ولو ابتدأ بصوم شهرين من يوم الفطر لا يصح صومه فيه ويصح صيامه بقية الشهر وصوم ذي القعدة يجب له ولا فرق في شهر ذي القعدة بأن يكون ناقصًا أو كاملًا، وأما شوال فلم يصح جميعه لأنه لا يصح الصوم في يوم الفطر فإن كان شوال تامًا صام أو يوم من يوم ذي الحجة ويكفيه، وإن كان ناقصًا صام من أول ذي الحجة يومين ليكمل ثلاثين يومًا وإن ابتدأ بصيام التشريق فهو مبني على ما قال أصحابنا، وهو أن في أيام التشريق هل يجوز صوم المتمنع قولان؛ فقيل: خص المتمتع به لرخصة رسول الله ﷺ ، وقيل: على هذا القول يجوز أن يصوم فيها كل صوم له سبب، فإن قلنا بهذا كان ابتداء الصوم في الكفارة من أولها، وإن قلنا لا يصح صومها وهو المذهب الذي كان ابتداء الكفارة من الرابع عشر من ذي الحجة ويكون صوم المحرم معتبرًا بالهلال تامًا كان أو ناقصًا ويكمل تمام الثلاثين من شهر صفر وأما قول الشافعي: أو من الأيام التي نهى رسول الله ﷺ عن صيامها أراد هذه الأيام الخمسة ولم يرد به [١٦٢/ ب] يوم الشك، فإذا ختم به الشهرين ولم يتبين أنه كان من رمضان أجزأه. فرع آخر إذا قلنا: يشترط التتابع في صوم كفارة اليمين في قول: فمرض أو سافر في أثناء الصوم فأفطر فإن قلنا ينقطع التتابع به في صوم الشهرين فهاهنا أولى وإن قلنا: لا ينقطع التتابع به هناك، فهاهنا وجهان؛ وقيل: هذا الاختلاف لا يتصور في كفارة اليمين لأن في "الجديد": لا يشترط التتابع فيه وفي "القديم": يشترط التتابع والمرض في قوله القديم: لا يبطل التتابع فلا يتصور ذلك لا على قوله الجديد ولا على قوله القديم. فرع آخر إذا أفطر على أن الشمس غربت فأخطأ أو على أن الفجر لم يطلع وكان قد طلع ينقطع التتابع لأنه مفرط فيه، وكان يمكنه التوقف حتى يتبين الحال. وذكر والدي وجهًا آخر: أنه لا ينقطع لأنه معذور. فرع آخر قال القفال: قال الشافعي: لو غير النية في غير أيام التشريق إلى صوم القطوع بطل التتابع قال: وهذا دليل على صحة أحد وجهي أصحابنا، فمن نوى بالخروج من الصوم

стр. 4976

بطل صومه لأنه أبطل تتابعه بنفس تغير النية والكلام في تغير النية إلى الفطر؛ وإلى التطوع هاهنا واحد، ويمكن أن يتناول كلام الشافعي فيقال: أراد غير النية في انعقاد اليوم فبطل قبل انعقاد الصوم أو غير في الليل بصوم الغد. فرع آخر إذا شرع في صوم شهرين متتابعين فصام يومًا بل يلزمه الشروع في اليوم الثاني حتمًا. أو له تركه ليستأنف في اليوم الثالث، قال والدي ﵀: يلزمه الشروع في صوم اليوم الثاني لأن صوم الشهرين كصوم يوم واحد لأن فساد بعضهما يؤدي إلى الباقي، ولو شرع في صوم للفرض لم يترك الصوم في أثناء اليوم فلذلك هاهنا. [١٦٣/ أ]. مسألة: قال: "إذا صامَ بالأهِلَّةِ صامَ شهرينِ". الفصل إذا ابتدأ التكفير بالصوم من أول الشهر يصوم شهرين ما بين الهلالين تامًا كان أو ناقصًا، وإن كان تسعة أو ثمانية وخمسين وقد ذكرنا هذا فيما تقدم، وإن مضي بعض الهلال سقط فيه اعتبار الهلال ويعتبر بالعدد ثلاثين يومًأ. مسألة: قال: "ولا يجزيهِ حتى يقدَّم نيةَ الصومُ قبلَ الدخولِ فيهِ". كل صوم واجب لا بد فيه من النية في الليل وصوم الكفارة من جميلة الواجبات، هل يشترط فيه التتابع فيه؟ اختلف أصحابنا فيه على ثلاثة أوجه؛ أحدها: لا بد أن يأتي بها كل ليلة لأن التتابع فيه واجب كوجوب الصوم، فيلزمه نية التتابع كل ليلة كما يلزمه فيه نية الصوم كل ليلة ولأنها كنية الجمع تجب في أول الصلاتين، والثاني: تكفيه نية التتابع مرة واحدة ليتميز التتابع من غيره، والتميز يحصل بمرة واحدة، والثالث: وهو الأصح لا يفتقر إلى نية التتابع بحال لأن الواجب نية العبادة لا شرائطها، ويفارق الجمع من الصلاتين لأنه رخصة فافتقر إلى نية الترخص، قال أصحابنا: وفائدة الخلاف أنه لو صام رمضان عن الكفارة وشوال هل يجزى صوم شوال غير يوم العيد حتى يكمله؟ فإن قلنا: نية التتابع لا تشترط يجوز، وإن قلنا: إنها تشترط لا يجوز. مسألة: قال: "ولو نوى صومَ يومٍ فأغميَ عليهِ فيهِ ثم أفاقَ قبلَ الليلِ أوْ بعدهُ، ولمْ يطعمْ؛ أجزأهُ إذا دخلَ فيه بعدَ الفجرِ وهوَ يعقلُ". هذه المسألة نصت في كتاب الصوم والصحيح أن المسألة على قول واحد أنه متى كان في بعض منامه مفيقًا حتى ينظم فعل الصوم إلى النية جاز صومه، وإن لم يكن مفيقًأ في جزء من النهار لا يجوز. واعلم أن الشافعي قيد الإفاقة المشروطة بأول النهار

стр. 4977

فقال: إذا دخل فيه بعد الفجر [١٦٣/ ب] وهو يعقل فظن بعض أصحابنا أن الإفاقة يجب وجودها حين يدخل في الصوم، وإنما أراد الشافعي اشتراط الإفاقة في شيء من النهار وأوله وأخره سواء، واختار الزني أنه يصح صومه وإن استغرق الإغماء جميع النهار كاليوم، وهذا لا يصح لأن النائم يقضي ما فات من الصلوات بخلاف المغمي عليه. ثم قال الشافعي: ولو أغمي عليه فيه وفي يوم بعده ولم يطعم استأنف، ولا شك أنه لا يصح صومه في اليوم الثاني لعدم النية، وينقطع التتابع في قوله الجديد كما نص هاهنا، وقد ذكرنا ما قيل فيه. مسألة: قال: "ولو صامَ شهرَ رمضانَ في شهرينِ أعادَ شهرَ رمضانَ واستأنفَ شهرينِ". المكفر إذا صام شهرين فيهما شهر رمضان؛ فإن صام شعبان، ثم رمضان بنية الكفارة لم يجزه أحدهما، أما رمضان فلانه مستحق الغير، فلا يجوز صومه عن غيره ولا يجوز عن رمضان أيضًا لأنه لم يعين له النية، وأما شعبان لا يجوز لأنه ينقطع التتابع بدخول رمضان، فعليه أن يقضي صوم شهر رمضان، ويصوم شهرين متتابعين بعده، وإن صام أولًا رمضان ثم ما بعده لا يجوز صوم رمضان لما ذكرنا. ولا يجوز صوم أول يوم من شوال، وأما ما بعده فقد ذكرنا حكمه. وحكي عن الأوزاعي، وأبي عبيدة بن حربويه أنهما قالا: يجزيه صوم شهر رمضان عنهما جميعًا، وهذا غلط فاحش له لو كان عليه قضاء رمضان، فصام ينوي إذا الحاضر في قضاء الفائت لا يجوز بالإجماع، فكيف يجوز هذا؟ مسألة: قال: "وأقلُ ما يلزمُ منَ قالَ إنْ الجماعَ بينَ ظهرانيِ الصومِ يفسدُ الصومِ؛ لقولهِ تعالى: ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣] أي: يزعمُ أن الكفارةَ بالصومِ والعتقِ لا يجزيانِ بعدَ أن يتماسَا قالَ: "والذِي صامَ شهرًا قبلَ التماسِ [١٦٤/ أ] وشهرًا بعدهُ أطاعَ اللَّهَ في شهرِ وعصاهُ بالجماعِ قبلَ شهرِ بصومه". الفصل وقصد به الرد على أبي حنيفة حيث قال ينقطع التتابع بالوطئ في ليالي الصوم. واحتج عليه بهذا الفصل وهو أنه إذا صام شهرًا قبل المسيس وشهرًا عده كما يقول؛ يكون أولى من قول من يقول يستأنف ويصوم شهرين بعد المسيس لأن هاهنا كلا الشهرين بعد العصيان وعلى ما ذكرنا أحد الشهرين بعد العصيان وعلى ما ذكرنا أحد الشهرين قبل العصيان والآخر بعده. مسألة: قال: "وإنما حكمهُ في الكفاراتِ حينَ يكفرُّ كمَا حكمهُ في الصلاةِ حينَ يصليَ".

стр. 4978

اختلف قول الشافعي -رحمة الله عليه. في الكفارة هل تعتبر لحال الوجوب أو لحال الأداء؟ فنص هاهنا أنه يعتبر لحال الأداء وبه قال مالك وأبو حنيفة، ووجهه أن الكفارة معنى له بدل من غير جنسه فكان الاعتبار فيها حال الأداء كالطهار، ولأن الصلاة تعتبر بحال الأداء في القيام والقعود عند القدرة والعجز كذلك الكفارة. وقال في "كتاب الأيمان": الاعتبار فيها لحال الوجوب وبه قال أحمد؛ لأنها عقوبة للتكفير والتطهير فيعتبر لحال الوجوب كالحد وهذا لا يصح لأنه لا تجوز الزيادة في الحد، وهاهنا لو أخرج العتق مع جواز الصوم يجوز فجاز أن يزيد تغير الحال بخلاف الحد وفيه قول ثالث فخرج الاعتبار فيها بأغلط الأحوال لأنه حق يجب في الذمة بوجود مال فاعتبر فيه أغلط الأحوال كالح وهذا لا يصح أيضًا لأنه يعتبر في الحج حال الأداء لأنه أوجب عليه وهو صحيح، ثم ومن يجوز له الاستنابة والأول أصح، وهو اختيار المزني. فإن قلنا: الاعتبار بحالة الأداء، فإن كان في حال التكفير معسرًا لم يلزمه العتق وفرصة الصوم، وإن كان في حال الوجوب موسرًا إلا أنه يختار العتق ويحمله فيكون أفضل [١٦٤/ ب] وإن كان عند التكفير موسرًا يلزمه العتق، وإن كان وقت الوجوب قويًا قدرًا على الصوم ولو لم ويسر بالعتق فكفارته الصيام. وإن قلنا: الاعتبار بحالة الوجوب؛ فإن كان وقت الوجوب موسرًا ثم أعسر ففرضه العتق قال الشافعي: وأحب أن يصوم حتى إن مات قبل أن يحد الرقبة يكون قد أتى بشيء، فإن صام ثم وجد الرقبة يلزمها إعتاقها، وإن كان وقت الوجوب معسرًا يجوز له الصوم، وإن كان موسرًا عند الأداء، فإن أعتق المذهب أنه يجوز وقيل: فيه وجه آخر أنه لا يجوز لأنه لا يخرج عن الصوم بالمال كما لا يخرج عن المال بالصوم. وإن قلنا: الاعتبار بأغلط الأحوال ففي أي حال كان موسرًا لم يجز إلا العتق. وأما قول الشافعي: كما حكمه في الصلاة حين يصلي: أو أذنه في القعود والقيام وستر العورة واستقبال القبلة، والطهارة بالماء والتراب، والقدرة على القراءة والعجز عنها كما يعتبر بحال أداء الصلاة كذلك هاهنا. فإن قيل: أليس العبد إذا وجبت عليه كفارة الظهار ثم عتق قبل أن يؤدي وأيس لم تجب عليه الكفارة بالعتق اعتبارًا بحال الوجوب دون حال الأداء؟ قلنا: الفرق أن حالة الوجوب لم تكن ممن تجب عليه العتق ولا يجزيه فلم يلزمه بتغير الحال كخلاف مسألتنا. فرع إذا كان معسرًا في حال الوجوب وقلنا: الاعتبار لحال الوجوب فآخر الأداء شهرًا ثم شرع في الصوم فصام شهرًا ثم مات وهو واحد للرقبة هل يلزم الإطعام لصوم شهر أو يلزم الإعتاق أو إطعام ستين مسكينًا أما الإعتاق لا يلزم لأنه لم يكن واجبًا في حال الحياة وأما الإطعام [١٦٥/ أ] فواجب وما هو فيه وجهان؛ أحدهما: يلزمه الإطعام لصوم شهر لأنه لما دخل في الصوم تعين فوجب الإطعام لما لم يقضه إذا كان متمكنًا

стр. 4979

من الجميع في حال الحياة، والثاني: يلزم إطعام ستين مسكينًا لأن صومه شهرين لعبادة واحدة فلا يجوز أن يؤدي بعضه ويطعم عن بعضه، كما لا يجوز في اليوم الواحد فإذا بطل هذا وقد تعذر اليوم وجب الانتقال إلى ما جعل بدلًا عنه في بعض الأحوال وهو إطعام ستين مسكينًأ دون الرقبة، وإن قلنا: الاعتبار بحال الأداء أو بأغلظ الأحوال وجب إعتاق الرقبة لأن الرقبة في مال الورثة موجودة عند أداء الكفارة من الوارث، هكذا ذكره والدي رحمه الله تعالى. وعندي أنه بشروعه في الصوم ينتقل الحكم إليه ولا يعتبر ما بعده من القدرة على العتق أو الإطعام كما في حال حياته لا يعتبر ذلك. مسألة: قال: "ولو دخلَ في الصومِ ثمَّ أيسرَ كانَ لهُ أن يمضيَ على الصيامِ". إذا كان معسرًا عند وجوب الكفارة فشرع في الصوم ثم أيسر لا يلزمه الانتقال إلى العتق قولًا واحدًا ويستحب له ذلك وبه قال مالك، وأحمد، وقال أبو حنيفة والمزني: يلزمه الانتقال إليه وهذا غلط لأنه قدر على المبدل بعد شروعه في صوم البدل فلا يلزمه العود إليه كما لو وجد الهدي في صوم السبعة، وأعلم أن الكلام في هذا بعد التسليم أن الاعتبار في الكفارة بوقت الأداء، فإن قلنا: يعتبر بوقت الوجوب قبل وجد الرقبة وقبل الشروعه في الصوم لا يلزمه الإعتاق أيضًا إذا كان عند الوجوب معسرًا فلا يعيد الكلام هاهنا، واحتج المزني لمذهبه الذي مذهب أبي حنيفة [١٦٥/ ب] فقال: لو كان فرضه الصوم ما جاز له اختيار أبطال الفرض والرقبة فرض وحدها لا غيرها كما أن الوضوء بالماء فرض وحده لا غيره ولا خيار في ذلك بين أمرين. وقصده بهذا الكلام تقسيم كأنه قال: إما أن يكون فرضه الصوم أو العتق فإن كان الصوم فرضه فكيف لحرية العتق؟ وإن كان العتق فرضه فكيف لحرية الصيام، والكفارة مرتبة والجواب أن يقال: لا يستبعد مثل هذا التخيير في العبادة المرتبة، ألا ترى أن المسافر إذا كان معه من الماء ما يحتاج إليه فشرب ويمكنه صرفها إلى الوضوء بنوع من التحامل على التنفس من غير خوف التلف كان مخيرًا؛ إن شاء توضأ، وإن شاء تيمم. واحتج أيضًا بالمعتادة بالشهور، إذا رأت الحيض بطلب الشهور، وقد أجبنا عنه في كتاب الطهارة. واحتج أيضًا بقول الشافعي في الأمة تعتق وقد دخلت في العدة إنها لا تكون في عدتها حرة وتعتد عدة أمة. وفي المسافر يدخل في الصلاة ثم يقيم لا يكون في بعض صلاته مقيمًا، ويقصر. قلنا: الأمة إذا أعتقت فانتقلت إلى عدة الحرة لم يبطل عليها ما مضى من عدتها ولكنها تبني عليه، وكذلك المسافر إذا نوى المقام، وهذا الصائم لو كلفناه العود إلى الإعتاق أبطلنا عليه ما مضى من الصيام في حكم الإجزاء عن الكفارة فافترقا. مسألة: قال: "ولو قالَ لعبدِ: أنتَ حرّ الساعةَ عنْ ظهاري إنْ تظهَّرُتَهُ".

стр. 4980

الفصل إذا قال لعبده: أنت حر الساعة عن ظهاري إن تظهرت كان حرًا الساعة، ولا تتعلق بالشرط لأنه نجز في الحال فلا يملك تعليقه بالشرط الذي يتأخر. وهكذا قال: أنت حر الساعة [١٦٦/ أ] إن دخلت الدار عتق في الحال. قال الشافعي: ولم يجزه عن ظهاره إن تظهر لأنه لم يكن ظهار ولا سبب منه يريد أنه قدم على السببين جميعًا، وحق المال لا يجوز تقدمه على جميع أسباب الوجوب. ولو قال له: أنت حر عن ظهاري إن تظهرت، ولم يقل الساعة لم يعتق في الحال، وتعلق بالشرط فإن تظهر منها وقع العتق ولا يجزيه عن ظهاره لأن التحرير سابق الظهار وذلك يمنع جوازه عن الظهار على ما ذكرنا في كتاب "الإيلاء". ومن أصحابنا من قال: فيه وجهان؛ أحدهما: هذا، والثاني: يجزيه عن الظهار لأنه لو أوقعه بنية الكفارة وعتق بعد وجود الظهار. فرع آخر لو ظاهر منها ثم طلقها عقيبه ثم أعتق عن الظهار ثم راجعها كانت الرجعة عودًا وكان التحرير بعد الظهار وقبل العود فهل يجزيه عن الظهار؟ المذهب أنه يجوز لأنه وجد أحد سببي الكفارة وقدمها على أحد السببين كما تجوز كفارة اليمين بالمال بعد اليمين الحنث، وقال بعض أصحابنا: فيه وجهان؛ أحدهما: ما ذكرنا، والثاني لا يجوز ذلك لأنه استباحة محظور فلا يجوز فيه تقديم الكفارة، كما لو كان الحنث في اليمين معصية لا يجوز تقديم الكفارة في اليمين وهذا لا يصح، لأن التكفير هاهنا يستبيح الوطئ المحظور وفي اليمين إذا كفر لا يستبيح حنث المعصية فافترقا. فرع آخر قال ابن الحداد: لو قال: إذا دخلت الدار فأنت عليَّ كظهر أمي، ثم أعتق عبدًا عن ظهاره قبل دخول الدار أجزأه العتق لأن لفظ الظهار وإيقاعه قد وجد منه وهو السبب في الظهار، فقد حصلت الكفارة بعد وجود سببها، وقال سائر أصحابنا لا يجوز لأنه ليس بمظاهر فلم يوجد أحد سببي الكفارة فلا يصح [١٦٦/ ب] التكفير ولا اعتبار بما ذكره من لفظ الظهار وإنما الاعتبار بكونه مظاهرًأ ولم تحصل. وقال صاحب "المنهاج": لفظ الشافعي دليل على الوجه الأول لأنه قال: ولم يجزه أن تظهر لأنه لم يكن ظهار ولا سبب منه ممن هو منه أنه لو كان منه سبب يجوز وتعلق ظهارها بدخول الدار سبب من أسباب الظهار وهذا ضعيف لما ذكرنا. فرع آخر لو ظاهر وأعتق عقبيه عن الظهار بأن قال: أنت عليَّ كظهر أمي، وعبدي هذا حر عن ظهاري فيه وجهان؛ لأن حروف العتق وهو قوله غلامي هذا حر، أقل من حروف قوله: أنت طالق فيكون العتق بين الظهار والعود والصحيح جوازه على ما ذكرنا.

стр. 4981

فرع آخر إذا صام عن كفارته ثم بان أن موروثًا له مات؛ وورث منه رقبة ولم يعلم؛ اعتد بصومه ولم يلزمه العتق، ولو نسى الرقبة في ملكه فصام لا يجوز صومه للفرق بين الجاهل والناسي، هكذا ذكره بعض أصحابنا، ويحتمل أن يقال: لا يجوز فيهما. باب الكفارة بالإطعام مسألة: قال: فيمَن تظاهرَ ولمْ يجدْ رقبةً ولمْ يستطعَ حينَ يريدُ على الكفارةِ صومَ شهرينِ بمرضِ أو علةٍ ما كانتْ، أجزأهُ أن يطعمَ". الفصل إذا لم يجد الرقبة ولم يستطع الصوم لمرض أو علة أجزأه أن يطعم، قال أصحابنا: عدم الاستطاعة هاهنا أن يلحقه من الصوم مشقة غليظة أو زيادة في مرضه، وقال الداركي: سئل أبو إسحاق عن من كان به شبق مفرط لا يقدر على الصوم، هل يجوز له أن يطعم ويترك الصوم؟ فقال: نعم؛ لأن المشقة تلحقه بذلك، ولأن الأعرابي لما قال للنبي ﷺ وهل أتيت إلا من الصوم [١٦٧/ أ] أي: لا أصبر عن النساء حيث قال له صم شهرين متتابعين عن الكفارة جوز له الإطعام فدل على ذلك. مسألة: قال: "ولا يجزيهِ أقلَّ منْ ستينَ مسكينًا". يلزمه أن يطعم ستين مسكينًا كل مسكين مدًا، فإن صرف مدين إلى مسكين واحد؛ لا يجوز بحال، وبه قال أحمد، وقال أبو حنيفة: إن صرفه إليه في يوم واحد لم يجز، وإن صرفه إليه في يومين جاز، وعلى هذا لو صرف طعام ستين مسكينًا إلى مسكين واحد في ستين يومًا جاز، وربما يقولون: لو صرف كلها إلى مسكين واحد في يوم واحد في ستين مرة يجوز، وهذا غلط لقوله تعالى: ﴿فَإطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤]. فنص على العدد والصفة وهي المسكنة. ثم لا يجوز الإخلال بالصفة فلا يجوز الإخلال بالعدد ولأن تقديره فعليه أن يطعم ستين مسكينًا وهذا يمنع الاقتصار على دون الستين ولأنه مسكين استوفي حقه من هذه الكفارة فلا يجوز أن يدفع إليه ثانيًا منها كما في اليوم الأول. وأما قوله: كل مسكين مدًا من طعام بلده الذي يقتات به قصد به الرد على أبي حنيفة فإنه عندما يلزم في جميع الكفارات صرف مد إلى كل مسكين بمد الرسول ﷺ وهو رطل وثلاث، وهذا على التقريب لأنه لا اعتبار فيه الوزن بل بالاعتبار به بالكيل، ولا يختلف ذلك باختلاف الأقوات برًا كان أو شعيرًا، أو زبيبًا، أو تمرًا، أو ذرة، وغير ذلك. ولا يختلف باختلاف الكفارات إلا في فدية الأذى، يلزمه لكل مسكين مدين، وبه قال الأوزاعي. وروي ذلك عن ابن عمر وابن عباس، وزيد بن ثابت، وأبي

стр. 4982

هريرة ﵁ -وعنده البر نصف صاع ومن غيره صاع. وقال مالك: لكل مسكين مد، ولكنه بمد هشام وهو مدان بمد النبي ﷺ ، وقيل إنه دون المدين [١٦٧/ ب] وإنه مد وثلث بمد الرسول ﷺ . وروي عن مالك نحو قولنا في جميع الكفارات إلا في كفارة الظهار فإنها بمد هشام؛ وهو ابن عبد الملك بن مروان وهذا بعيد. وقال أحمد: هو من البر مدٌّ، ومن التمر والشعير مدين. واحتج بما روى يزيد المدني قال: جاءت امرأة من بني بياضة بنصف وسق من شعير؛ فقال النبي ﷺ للمظاهر: "أطعم هذا ستين مسكينًا". وفي الزبيب روايتان؛ واحتج بخبر سلمة بن صخر أن النبي ﷺ أعطاه وسقًا للتفريق على ستين مسكينًا، والوسق ستون صاعًا وهذا غلط لما ذكرنا من خبر الأعرابي المجامع في رمضان. وأما ما ذكروه من الخبر فمحمول على الجواز والاستحباب. وروى سليمان بن يسار عن سلمة بن صخر أن النبي ﷺ قال له: "اذهب إلى صاحب صدقة بني زريق فليدفع إليك وسقًا من تمر فأطعم ستين مسكينًا، وكل بقيته أنت وعيالك" فدل علي أنه يعطي من الوسق ستين مسكينًا ثم يأكل بقية الوسق وهو على مذهبنا أورده الشيخ الحافظ أحمد البيهقي. فإن قيل: فالفرق بين فدية الأذى وبين سائر الكفارات حيث قلتم: لا يجوز أقل من مدين لكل مسكين، قلنا: السنة فرقت بينهما وقد قال ﷺ لكعب بن عجرة: احلق رأسك وأطعم ستة مساكين ثلاثة آصع من تمر وأبو حنيفة خالف السنة في جميع الكفارات فإنه قال في فدية الأذى: لا يجوز ثلاثة أصع من تمر بل يجب ستة أصع وهذا الخبر الذي ذكرنا صحيح أورده أبو داود وخبر الأعرابي المجامع لا شك في صحته وفيه خمسة عشرة صاعًا من تمر لستين مسكينًا، فإذا تقرر هذا فالواجب غالب قوت بلده كما قلنا [١٦٨/ أ] في زكاة الفطر، فإن أخرج أعلى منه كان أفضل، وإن أخرج أدون منه فالمذهب أنه لا يجوز، وإن أخرج قوتًا لا يلزم فيه الزكاة فإن كان غير لاقط لا يجوز، وإن كان لاقطًا نص هاهنا يجوز، وفيه قولان. وقد شرحنا في زكاة الفطر. مسألة: قال: "ولا يجزيهِ أَنْ يعطيهُمْ جملةً ستينَ مدًا أَوْ أكثرَ لأَنْ أخذهمْ الطعامَ يختلفْ". اختلف أصحابنا في تأويل هذه المسألة. فقال ابن سلمى وابن خيزران: تأويلها أن يحضر ستين مسكينًا وأحضر ستين مدًا من تمر واطعمهم ذلك. وقال: خذو هذا وكلوا فقد أعطيتكم ذلك فلا يجوز؛ لأنه ما ملكهم ولأن أكلهم يزيد وينقص، فأما إذا قال: هذه ستون مدًا لكل واحد منكم مد فملكتهم كلها يجوز؛ لأنه قد ملكهم وسوى بينهم وإنما بقيت القسمة وليس في ذلك مؤنة كبيرة وبه قال أحمد، وقال الأصطخري: لا

стр. 4983

يجوز؛ لأن عليه تسليم حقهم إليهم من غير مؤنة ألا ترى أنه لا يجوز أن يدفع الحب إليهم إلى مصفي، والتمر إلا جافًا منقى وهاهنا قد بقيت مؤنة القسمة فلا يجوز. والأول أصح، فإذا ثبت جوازه ينظر فيما حصل مع كل واحد فإن كان قدر مد فقد استوفي كل واحد حقه، وإن كان أقل تمم له تمام المد، وإن كان أكثر لم يسترجع الفضل لأن الظاهر أنه تطوع به وهذا إذا لم يقل لكل واحد منكم مد فإن قال ذلك له إن يسترجع الزيادة. وقال القفال: صورة المسألة أنه أحضر ستين فقيرًا وأباح لهم ستين مدًا ليأخذوا نهية ولا يجوز إلا واحد منهم لأنهم إن أخذوا بالسوية فذاك، وإن تفاوتوا فقد حصل الواحد منهم فصاعدًا أكثر من مد فإن يتقن أن عشرةً منهم مثلًا أخذوا أكثر من مد فعليه أن يتمم للباقين مدًا قال: ولو ملكهم مشاعًا فقال: هذا لكم يجوز؛ لأنه ملكهم ثم يقتسمونه كما شاء [١٦٨/ ب] ولا يضر أن يدع بعضهم بعض حقه إلى صاحبه وكذلك لو وكل المساكين رجلًا يقبض الكل جاز ثم هم أعلم. وقال أبو حنيفة: لو غداهم أو عشاهم أجزأه لقوله تعالى: "فإطعام ستين مسكينًا" وهذا قد أطعمهم وهذا غلط؛ لأنه حق مال يصرف إلى المساكين شرعًا فيحب تمليكه كالزكاة، وأما الأية أراد به التمليك بالإجماع فدل أنه المراد بالآية. مسألة: قال: "ولا يجزيهِ أن يعطيهمْ دقيقًا ولا سويقًا". الفصل لا يجوز عند الشافعي في الإطعام إلا الحب نفسه كما قلنا في زكاة الفطر. وقال الأنماطي: يجزيه الدقيق وهو مذهب أحمد وهو اختيار ابن أبي هريرة، وعن أحمد في الخبز روايتان، وقال الأنماطي وابن أبي هريرة: يجوز الخبر لأنه مهيأ للاقتيات وبه نفتي. فأعطى إلى كل مسكين رطلين بالبغدادي، ومن نصر المذهب الاقتيات أحد منافعه وقد عدم أكثر منافع الجب، وقال أبو حنيفة: يجزئه الدقيق لا على طريق القيمة، ويجزئه الخبز وغيره على طريق القيمة. مسألة: قال: "وسواءُ الصغيرُ منهمْ والكبيرُ". قوله منهم يعني من المساكين، وجملته أنه يجوز صرف الطعام إلى الصغير لأن الله تعالى قال: ﴿فَإطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾. ولم يفرق، ولأنه أحد ما يكفر به فجاز وضعه في الصغير كالعتق. ثم اعلم أن الصغير ليس من أهل القبض، فلا يدفع إليه بل يدفع إلى وليه، فإن دفعه إليه لم يجز، وإن كان الصغير رضيعًا قال أبو إسحق مرة لا يجوز حكاه الداركي لأن طعامه اللبن دون الحب، ثم رجع عنه وقال: يجوز؛ وهو الصحيح لأن الاعتبار ليس الأكل وإنما الاعتبار بالانتفاع، وهذا تصرف في منافعه. ألا ترى أن

стр. 4984

المريض المبرسم [١٦٩/ أ] يجوز أن يعطى من التمر وإن كان لا يأكله. مسألة: قال: "ولا تجزيهِ أن تعطيهِ مَنْ تلزمهُ نفقتهُ". قد ذكرنا أنه لا يعطي من سهم الفقراء والمساكين من تلزمه نفقته والكفارة بجملتها كسهم الفقراء والمساكين في الزكاة فلا يجوز صرفها إلى ولده ووالده والزوجة ولا إلى العبد لأنه لا يملك إلا أن يكون السيد فقيرًا فيعطيه بإذن سيده فيكون قد أعطى السيد ولا يعطي المكاتب بحال كيفما كان السيد لأن كسبه لا يكون للسيد، وهذا لأنه إذا كان له كسب ومال فهو غني، وإن لم يكن فإنه يمكنه أن يعجر نفسه فيلزم السيد نفقته، فإذا كان كذلك لم يجز أن يصرف إليه، وأما الزكاة يصرف سهمًا منها إلى المكاتب لأن في أهل سهمان الزكاة الأغنياء بخلاف الكفارة فإنها للفقراء ولا حق فيها للأغنياء فهي بمنزلة سهم الفقراء من الصدقات لا يجوز صرف شيء منه إلى المكاتب لغنائه بماله أو سيده. وقال أبو حنيفة: يجوز صرف الإطعام إلى المكاتب كالزكاة وهذا غلط لما ذكرنا. ولو كان والده فقيرًا عبر زمن فالصحيح أنه لا يجب نفقته فيجوز دفع الكفارة والزكاة إليه. مسألة: قال: "ولا أحدًا على غيرِ دينِ الإسلام". لا يجوز دفع الكفارة إلى الكافر خلافًا لأبي حنيفة كما قال في زكاة الفطر: ووافقنا أنه لا يجوز دفعها إلى المرتد. مسألة: قال: "وقالَ في "القديم": لو علمَ بعدُ أَنْ أعطاهُ أنهُ غنيٌّ أجزأه ثم رجع إلى أَنَه لا يجزيهِ". ظاهر المذهب أنه إذا علم غناه بعد أن أعطاه لا يجوز وهو اختيار المزني؛ لأنه أعطى من لم يفرضه الله تعالى له بل حرمه عليه وقد ذكرنا هذا في كتاب الزكاة بالشرح ولو بان كافرًا [١٦٩/ ب] أو عبدًا قيل قول واحدًا لا يجوز؛ لأنه يعرف يقينًا والغنى يعرف اجتهادًا وقال القفال: الصحيح أن الكل على قولين وقد تقدم شرح الكلام فيه أيضًا. مسألة: قال: "ويكفرُ بالطعامِ قبلَ المسيسِ". لا يجوز المسيس قبل الإطعام كما لا يجوز قبل العتق والصوم وقوله: لأنها في معنى الكفارة قبلها أي .... في معنى العتق والصوم المذكور قبل الإطعام، وبه قال أبو حنيفة وكافة العلماء، وقال مالك: يجوز أن يطأها قبل التكفير حكاه بعض أصحابنا، وأومى إليه أحمد وبه قاال داوود واحتج بأن الله تعالى لم يقل في الإطعام قبل أن يتماسا وهذا غلط؛ لأن الله تعالى ذكر بعض الأحكام وبعضها نفسها فلما قيد العتق بقوله: ﴿مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا﴾. نبهنا به على الإطعام فإن قيل: فلم كرر هذا التقيد في

стр. 4985

الصيام قلنا: التنبيه لا يحصل في بالشيء إلا على ما يماثله ويشاكله والإطعام نظير الإعتاق لأن الكل واحد يحصل في زمان قصير فأما الصوم فلا يحصل إلا في شهرين ولا يقع التنبيه عليه بالعتق كما يقع على الإطعام فإذا ثبت هذا يجوز أن يكفر بالإطعام متواليًا ومتفرقًا لظاهر الآية، فإن فرق ثم قدر على الصوم في أثنائه لم يلزمه العود إلى الصوم كما ذكرنا في الصوم إذا قدر في أثنائه على العتق نص عليه في "الأم". فرع إذا وطئ في خلال الإطعام لم يلزمه الاستئنافن وبه قال أبو حنيفة. وقال مالك: يلزمه الاستئناف لأنه وطئ في أثناء الكفارة فيلزمه الاستئناف، كما لو طئ في خلال الصيام وهذا غلط لأن وجود الوطئ لا يبطل ما فعله من الإطعام ويبطل الصوم حتى لو كان في الليل لا يبطل عندنا. مسألة: قال: "ولو أعطى مسكينًا مدًا عنْ ظهارهِ، ومَدًا عن يمينهِ [١٧٠/ أ] أجزأهُ". إذا وجبت عليه كفارتان فدفع مدين إلى مسكين واحد؛ مدًا عن هذا ومدًا عن هذا أجزأه لأنه قد وجد العدد والطعام المقدور في كل واحدة من الكفارتين، وإن أعطي من كفارة واحدة لم يجز، وعليه أن يعيد أحد المدين، وهل يرجع به عليه نظر، وإن كان مطلقًا لم يرجع، وإن شرط من كفارة واحدة يرجع. فرع لو دفع ستين مدًا إلى مائة وعشرين مسكينًا إلى كل مسكين نصف مد يجزيه ذلك النصف المد، وعليه أن يتمم ذلك مدًا، مدًا لستين مسكينًا منهم أيهم اختار، ولا يسترجع الباقي لأنه قد وقع موقعه بدليل أنه لو أراد الأمام لهم أجزأه، فلم يجز له الاسترجاع هكذا ذكر أصحابنا. وقال بعض أصحابنا: إذا شرط عليهم أنها كفارته؛ له أن يسترجع من الباقين الذين لم يتمم لهم، وهذا لأن الإجزاء تعلق بمن يغنيه منهم، فإذا عين ستين منهم لم يتعلق الإجزاء بالباقين ذكره في "الشامل" وهو الصحيح عندي. واعلم أن فيما نقله المزني إشكالًا وذلك أنه قال: لأنهما كفارتان مختلفتان؛ يعني كفارة الظهار، وكفارة اليمين. وهذا يوهم أنه لو أعطاه مدين عن يمينين لا يجوز، وبالإجماع يجوز، وإزالة هذا الإشكال أن يقال معنى قوله كفارتان مختلفتان؛ أنهما يسلم كفارة واحدة، ولم يرد أن يشترط تبايين صفة الكفارتين. مسألة: قال: "ولا يجوزُ أَنْ يكفرَ إلَا كفارةً كاملةً مِنْ أيِّ الكفاراتِ كفّرَ". معناه أنه لا يجوز أن ينقض الكفارة فيصوم ثلاثين يومًا ويطعم ثلاثين مسكينًا لأن الله تعالى رتب هذه الكفارة، وفي هذا إثبات التجير، وفي اليمين لا يجوز أن يطعم

стр. 4986

خمسة، ويكسو خمسةً لأن الله تعالى أثبت التحير على وجهٍ وهذا إثبات تجير زائد، وهكذا لا يجوز [١٧٠/ ب] أن يعتق نصف عبد ويصوم شهرًا، ووافقنا أبو حنيفة في كل هذا إلا في كفارة اليمين فإنه قال: يجوز كسوة خمسة وإطعام خمسة. فرع لو بعض في جزاء الصيد فأدى ثلث شاه، وأطعم قدر ثلث شاه وصام بالباقي منها هل يجوز؟ قال القفال: فيه وجهان؛ أحدهما: لا يجوز، والثاني: يجوز لأنه قد يجب الثلث منه ابتداءً دون الكل خلاف الكفارة، وهذا أقيس عندي وأشبه بالمذهب. فرع آخر لو دفع الكفارة بالإطعام إلى الأمام فتلف في يد الإمام قبل تفريقها على المساكين، هل يسقط الفرض قال والدي ﵀: عندي أنه لا يسقط الفرض بخلاف الزكاة الواجبة لأنها إلى الأمام دون الكفارة، ويحتمل سقوط الفرض، وإن لم يكن إلى الأمام كزكاة الأموال الباطنة وهو الأظهر عندي. مسألة: قال: "وكلُّ الكفاراتِ مدٌّ بمدِ النبيِّ ﷺ ". الفصل قصد به الرد على أبي حنيفة وقد ذكرنا مذهبه أن اعتبر الصاع الحجاجي ومدّه ونحن اعتبرنا صاع الرسول ﷺ ومده. واحتج الشافعي عليه هاهنا فقال: سنة نبيه ﷺ يدل على أنه بمده فكيف يكون بمدين لم يوفِ عهده أو مدًا أحدث من بعد ثم قال: وإنما قلت: مدًا لكل مسكين لحديث النبي ﷺ في المكفر في رمضان، وقصد به الرد على أبي حنيفة، وقد ذكرنا مذهبه، وفي خبر الأعرابي: المجامع في رمضان أنه أعطاه عرمًا فيه تمر قال سفيان بن عيينة وهو ستون مدًا وكان قد أعلمه أن عليه إطعام ستين مسكينًا فيكون لكل واحد مد. فإن قيل: أليس أمر رسول الله ﷺ يفرق من طعام لستة مساكين في فدية الأذى فيحصل لكل مسكين مدان، قيل: قال الشافعي: الكفارة بالكفارة أشبه في القياس [١٧١/ أ] وهذا منه قياس مختلف فيه على مختلف فيه. أما الفرع فالظهار، وأما الأصل فكفارة الجماع في رمضان، ولكنه وجد في كفارة الجماع نصًا ورد في المقدار فقاس فرعًا لا أصل فيه على أصل منصوص عليه، وإن كان في ذلك الأصل خلاف ثم رجع الشافعي إلى مسألة الصاع فقال: وقال بعض الناس: يعني أبا حنيفة المد رطلان بالحجاجي وقد احتججنا فيه مع أن الأثار على ما قلنا، وأمر الناس بدار الهجرة وما ينبغي لأحد أن يكون أعلم بها من أهل المدينة ثم ذكر مذهبه أنه قال: لو أعطى الكل إلى مسكين واحد أجزأه.

стр. 4987

واحتج الشافعي عليه فقال: لئن أجزأه في كل يوم وهو واحد يجزه في مقام واحد وبعضهم لا يسلم هذا الأصل وهو غير مشهور. واحتج أيضًا بأن الله تعالى شرط في الشهادة العدد والعدالة، ولا يجوز الإقلال بالعدد هناك حتى لو شهد اليوم ثم أعاد شهادته غدًا لا تكون شهادة عدلين فكذلك هاهنا؛ وجب أن لا يجوز الإقلال بالعدد ثم ذكر مذهبه أنه قال: لا يجوز أن يصرف الإطعام إلى الحربي ويجوز إلى الذمي، واحتج عليه بالحربي وقال: فإن أجزأه غير المسلمين، وقد أوصى الله تعالى الأسير فلم يجزء أسير المسلمين الحربي، وأراد بأسير المسلمين أسير كافر يكون في يد المسملمة والمستأمنون إليهم وهذا ما ارتكبه المتأخرون منهم. وقالوا: يجوز دفع الكفارة إلى المستأمن والأسير وفي هذا إشارة إلى الترجح وهو أنه إذا لم يجز صرفها إلى الأسير مع وصية الله تعالى بالإحسان إليه فلأن لا تجوز صرفه إلى الذمي أولى. ثم ذكر مذهبه في النقدية والمعيشة واحتج عليه بأنه يخلف ذلك بالصبيان والمرضي والأقرباء، ثم ذكر مذهبه أنه جوز فيه الطعام، واحتج عليه بأنه لو تصدق بقيمة الرقبة طعامًا لا يقوم مقام العتق ثم قال: فإن أجازه فقد أجاز الإطعام [١٧١/ ب] مع القدرة على العتق وهم لا يمنعون هذا الإلزام ويعتدون بأن القصد من العتق تكميل الشخص لا تمليك المال ولا يوجد ذلك في قيمة الرقبة، وإن كانت طعامًا فلهذا لا يجوز. وهاهنا المقصود سد الحلة ويحصل ذلك بالقيمة ثم ألزمهم على أصلهم إحالة الصوم مع الطاقة إلى الصدقة لأن التبديل والتقويم إذا جاز في البعض يجب أن يجوز في الجميع فلما لم يجز ذلك بالإجماع كذلك هاهنا.

стр. 4988

كتاب اللعان مسألة: قال: "قال الله تعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ ولَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاءُ إلاَّ أَنفُسُهُمْ﴾ [النور:٦]. ثم قالَ: فكانَ بينًا في كتاب الله تعالى أنهُ أخرجَ الزوجُ من قذف المرأةِ باللعانِ، كما أخرجَ قاذفُ المحصنةِ غيرُ الزوجةِ بأربعةِ شهود". الفصل اللعان في اللغة مأخوذ من اللعن وهو الإبعاد والطرد فقال: لعن الله فلانًا أي أبعده وطرده والتعن الرجل إذا لعن نفسه ولاعن إذا لاعن زوجته، ورجل لعنته بفتح العين إذا كان يلعن الناس ولعنه بسكون العين إذا لعنه الناس واللعان والملاعنة لا تكون من اثنين، وإنما سمي هذا الحكم لعانًا لأنه لا ينفك عند العمل به من طرد وإبعاد لأن أحدهما كاذب، وإن لم يتعين منهما والكاذب يستحق البعد من الله تعالى وقد قال ﷺ : "اتقوا الملاعن" أي اتقوا الطرفات والعقود عليها للمحدث سميت ملاعن للعن المارة من قعد عليها واحدث فيها، وقيل: سمي فيه لعانًا لما فيه من لعن الزوج نفسه في الكلمة الخامسة. والأصل في اللعان الكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب. فقوله تعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور:٦] إلى أخر الآيتين. [١٧٢/ أ] فذكر الله تعالى اللعان ووصفه بأحسن بيان وأتم فائدة. وأما السنة فما روى سهل بن سعد الساعدي ﵁ أن عويمر بن أشقر العجلاني جاء إلى عاصم بن عدي الأنصاري فقال له: يا عاصم أرأيت رجلًا مع امرأته رجلًا أيقتله فتقبلونه أم كيف يفعل سل لي يا عاصم رسول الله ﷺ عن ذلك فسأل عاصم رسول الله ﷺ فكره رسول الله ﷺ المسائل وعابها حتى كبر على عاصم ما سمع من رسول الله ﷺ فلما رجع عاصم إلى أهله جاءه عويمر فقال يا عاصم ماذا قال لك رسول الله ﷺ ؟ فقال عاصم: لم تأتِ بخبر قدر كره رسول الله ﷺ المسألة التي سألته عنها فقال عويمر: والله لا أنتهي حتى أسأله عنها فأقبل عويمر حتى أتى رسول الله ﷺ وهو وسط الناس فقال: يا رسول الله أرأيت رجلًا وجد مع امرأته رجلًا أيقتله فتقبلونه أم كيف يصنع؟ فقال النبي ﷺ : قد انزل فيك وفي صاحبتك فاذهب فأت بها قال سهل: فتلاعنا وأنا مع الناس عند رسول الله ﷺ فلما فرغا قال عويمر: كذبت عليها يا رسول الله أن أمسكتها فهي طالق ثلاثًا فطلقها عويمر

стр. 4989

ثلاثًا قبل أن يأمره رسول الله ﷺ . قال ابن شهاب: فكانت تلك سنة المتلاعنين وقوله كره رسول الله ﷺ المسائل وعابها يريد المسألة عما لا حاجة بالسائل إليه دون ما به إليه به حاجة ولكن عاصم يسأل لغيره لا لنفسه فأظهر رسول الله ﷺ الكراهة وفي ذلك إيثار لستر العورات، وأيضًا روي عكرمة عن ابن عباس ﵄ [١٧٢/ ب] إن هلال بن أمية قذف امرأته شريك بن سحماء فقال له النبي ﷺ : البينة أو حد في ظهرك فقال: يا رسول الله إذا رأى أحدنا رجلًا على امرأته يلتمس البينة فجعل النبي ﷺ يقول البينة وإلا حد في ظهرك فقال هلال: والذي بعثك بالحق أني لصادق وليقولن الله في أمري ما يبرأ ظهري من الحد فنزلت ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ ولَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاءُ إلاَّ أَنفُسُهُمْ﴾ فقرأ حتى بلغ ﴿مِنَ الصَّادِقِينَ﴾. فانصرف النبي ﷺ فأرسل إليهما فجاء فقام هلال بن أمية فشهد والنبي ﷺ يقول: إن الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما من تائب ثم قامت المرأة فشهدت فلما كان عند الخامسة ﴿أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٩] قالوا: إنها موجبة فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها سترجع ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم فقال النبي ﷺ : أبصروها فإن جاءت به أكحل العينين سابع الإلتين خدلج الساقين فهو لشريك بن سحماء، فجاءت به كذلك فقال النبي ﷺ : لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن وروي ولولا الإيمان لكان لي ولها شأن وروي أن ابن أبي عباس ﵄ قال فيه: ففرق رسول الله ﷺ بينهما وقضى أن لا يدعي الأب ولا يرمي ولدها ومن رماها أو رمى ولدها فعليه الحد وقضي أن لا بيت لها عليه ولا قوت من أجل أنهما يفترقان من غير طلاق ولا متوفي عنها. وقال عكرمة: فكان هذا الولد بعد ذلك أميرًا على مصر وهو لا يدعي لأب وروي فيه أن النبي ﷺ قال: قفوه عند الخامسة فإنها موجبة فحلف ثم ذكر لعانها وقفها عند الخامسة وروى أبو الزناد [١٧٣/ أ] عن القاسم بن محمد عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ لا عن بين العجلاني وامرأته وكانت حاملًا وكان الذي رميت به ابن السحماء وكذلك رواه الواقدي وغيرهما. روي أن هلال قذف امرأته بشريك بن سحماء قال الإمام البيهقي: ما رواه أبو الزناد والواقدي احفظ والله اعلم. وقال أبو حامد: نقل المزني رمي العجلاني امرأته بشريك وهو غلط من الناقل أو من المزني بل هلال بن أمية قذف بشريك دون العجلاني وحكاه الشافعي هكذا في أحكام القرآن وهكذا رواه البخاري في "الصحيح" ولم يسم والعجلاني والمزني به وروي في خبر هلال أن جاءت به أصيهب أريضح أثتيج حمش الساقين سابغ الإليتين

стр. 4990

(فهو) لهلال، وإن جات به أورق جعدًا جماليًا خدلج الساقين سابغ الإليتين فهو الذي رميت به. وروى سهل بن سعد فإن جاءت به أدعج العينين عظيم الإليتين فلا أراه إلا قد صدق وقد جاز به أحيمر كأنه وجزه فلا أراه إلا كاذبًا. وفي هذه الأخبار التي ذكرناها فوائد منها؛ أن الزوج إذا قذف امرأته برجل بعينه ثم تلاعنا سقط عنه حق المزني به لأن النبي ﷺ قال لهلال: البينة أوحد في ظهرك فلما تلاعنا لم يعرض لهلال بالحد، ولم يرد أن شريكًا عفا عنه ومنها أنه إذا قذف زوجته ولم يأت بالبينة ولم يلاعن يلزمه الحد لأنه قال: البينة والحد في ظهرك ومنها أن اللعان لا يتم إلا باستيفاء عدد الخمس خلافًا لأبي حنيفة لأنه قال: عند الخامسة إنها موجبة ومنها أن البينتين إذا تعارضتا سقطتا لأنه قال: الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل من تائب؟ ومنها أن الإمام يحكم بالظاهر، وإن كانت شبهة تعترض وأمور تدل على خلافة ألا ترى أنه لو قال: لولا مضي من كتاب الله لكان لي ولها شأن [١٧٣/ ب] ومنها أن اللعان فسخ لا طلاق خلافًا لأبي حنيفة ومنها أن لا سكني لها ولا نفقة في عدتها ومنها أنه من رمي الملاعنة أو ولدها يلزمه الحد خلافًا لأبي حنيفة إذا كان هناك ولد نفاه. ومنهه أنه لا يجوز الاستدلال بالشبه وهو في القيافه ولم يعمل به هاهنا لتقديم النص وهو اللعان على الاستدلال ومنها أن مع جواز الاستدلال به لا يحكم به إذا كان هناك ما هو أقوى منه في الدلالة على صد موجبه ومنها أن المتحلية بالنعوت المغيبة إذا أريد بها التعريف لم تكن غيبة يأثم به قائلها ومنها أن إيقاع الطلقات الثلاث مباح لأن عويمر طلقها ثلاثًا ولم ينكر عليه رسول الله ﷺ . والأصيهب تصغير الأصهب وهو الذي تعلوه صهبة وهي كالشقرة. والأريضح تصغير الأرضح وهو الخفيف الإليتين أبدلت السين منه صادًا، وقد يكون أيضًا تصغير الأرضع أبدلت عينه حاءً قال الأصمعي: الأرضع الأرسح، والأثيبح تصغير الأثبج، وهو الناتئ الثبج والثبيج ما بين الكاهل وبسط الظهر، وقيل: هو الذي في ظهره كتلة، وقيل: لحمة نائتة بين الكتفين والحمش الدقيق الساقين. والأورق الذي لونه بين السواد والغبرة، وقال ابن الأعرابي: الأورق من كل شيء الذي يضرب لونه إل السواد؛ إلا الإنسان فإن الأورق الأسمر من بني آدم. وقوله: جعدًا من جعودة الشعر، والجمالي العظيم الخلق شبه خلقه بخلق الجمل قال: ناقة جمالية إذا شبه بالفحل من الإبل في عظم الخلق، وقيل: الجمالي بفتح الجيم وهو من الجمال، والأول أشهر وسابغ الإليتين بأنهما، والخدلج العظيم الساقين غليظهما، وأما الأديعج قال الأزهري: شدة سود العين واللون [١٧٤/ أ] والوحرة دويبة وجمعها وحر، ومنه قيل: فلان وحر الصدر إذا دبت العداوة في قلبه كدبيب الوحر، وقيل الوحرة من حشرات الأرض تشبه الحرباء حمراء كالعصابة. وقيل الوحرة الوزغة. وروي في الخبر: إن جاءت به أسحم، أدعج، والأسحم الأسمر. وأما الإجماع فلا خلاف بين المسلمين فيه فإذا تقرر هذا ذهب أكثر أصحابنا إلى أن

стр. 4991

قصة العجلاني أسبق. ومن أصحابنا من قال: قصة هلال أسبق وهو الأظهر في الإخبار، وما روي في قصة العجلاني أن الله تعالى قد أنزل فيك وفي صاحبك يعني فأنزل في قصة هلال لأن ذلك حكم في جميع الناس، ثم اعلم أن الرجل الأجنبي إذا قذف أجنبيًا أو أجنبية فقد فسق بالقذف، ووجب الحد عليه وله أن يسقط ذلك عن نفسه بالبينة بأن يجرح شهوده. وإن كان المقذوف امرأة يمكن أن تقيم البينة على عذرتها، فإذا فعلت ذلك سقط الحد عنها. فإن قذف امرأته فقد فسق ووجب عليه الحد، وله أن يسقط ذلك عن نفسه بأحد طريقين. إما بالبينة أو باللعان فأيهما اختار كان له، وليس من شرط صحة اللعان عجزه عن إقامة البينة، فإذا فعله وجب الحد عليها وكان لها أن تسقطه بإقامة البينة على جرح الشهود أو عذرتها إن كان الزوج أقام عليها البينة، وإن كان الزوج لاعن كان لها أن تلاعن وتدرأ الحد عن نفسها. والفرق بين الأجنبي إذا قذف لم يكن له الخروج من قذفه إلا بالبينة، وبين الزوج إذا قذف زوجته له الخروج بالبينة أو اللعان جميعًا، وإن الأجنبي لا يحتاج إلى القذف واللعان فإنه لا ضرر عله في زنا الأجنبي وهو مندوب إلى الستر عليه، [١٧٤/ ب] فإذا أظهر ذلك وقذف غلط عليه ولم يحصل له الخروج إلا بالبينة، وأما الزوج فعليه ضرر في زنا زوجته لما يلحقه من النسب الفاسد والمعرة فهو محتاج إلى قذفها وإظهار زناها، فإذا فعل ذلك خفف عليه بأن جعل له الخروج بالبينة أو اللعان، فإذا تقرر هذا رجعنا إلى ما قال الشافعي ومقصده بيان أن الواجب بقذف الزوجة الحد ولكن المخلص منه اللعان كما أن الواجب بقذف الأجنبية الحد والمخلص منه بالشهود، وإذا نكل الزوج عن اللعان يلزمه حد القذف، وإذا لاعن ونكلت عن اللعان يلزمها حد الزنا وهذا لأن الله تعالى في أول سورة: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤] يعني غير الزوجات، ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة، ثم عطف عليه حكم الأزواج فقال: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ ولَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاءُ إلاَّ أَنفُسُهُمْ﴾ [النور: ٦]، فأخرج الزوج باللعان عما أخرج عنه الأجنبي الشهودن وبه قال مالك، وقال أبو حنيفة: إذا قذف زوجته يجب عليه اللعان دون الحد، فإن لاعن وإلا حبس حتى يلاعن، فإن لاعن وجب على المرأة اللعان دون الحد، فإن لاعنت وإلا حبست حتى تلاعن. وقال أحمد: إذا لم يلاعن الزوج حد، وإذا لاعن؛ لا يجب الحد على المرأة وهل تحبس المرأة؟ روايتان؛ واحتج بأن لعان الزوج لعان أحد الزوجين فلا يجب به الحد على الآخر أصله لعان الزوجة؛ وهذا غلط لأن الله تعالى قال: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ﴾. ولم يفرق بين الزوج وغيره، وإنما حض الأزواج بعد ذلك أن أقام لعانه مقام الشهادة على ما ذكرنا ثم قال: ويدرأ عنها العذاب، أي الحد أن تشهد أربع شهادات فدل على أنه وجب الحد عليها بلعانه [١٧٥/ أ] وإنما تسقطه بلعانها للضرورة. وأما ما ذكره لا يصح لأن لعانها على سبيل المعارضة وقد تقدم لعان الزوج فلا يوجب الحد على الزوجة بخلاف لعانه.

стр. 4992

فرع لو لاعن الزوج ولاعنت هل يرتفع فسقه؟ قال في "الحاوي": يحتمل وجهين؛ أحدهما: يرتفع لأن اللعان كالبينة في حقه لسقوط حده، والثاني: لا يرتفع لأن لعانها معارض للعانه ومانع من وجوب حدها به. مسألة: قال: "وفي ذلكَ دلالةٌ على أنْ ليسَ للزوجِ أَنْ يلتعنَ حتى تطلبَ المقذوفةُ حدَها". الفصل جملته أنه إذا قذف زوجته ولم يكن له بينة تشهد بالزنا فله أن يلتعن عن الطلب بلا خلاف وفيه نزلت الآية. وإن كان له بينة تشهد بالزنا فله اللعان أيضًا وبه قال كافة العلماء، وقال بعض التابعين: لا يجوز أن يلاعن مع وجود البينة، وهذا غلط؛ لأن اللعان يفيد ما لا تفيد البينة من رفع الفراش ونفي النسب وهو محتاج إلى هذا. فإذا تقرر هذا فإن طالبت بالحد وهي حرة محصنة، أو طالبت بالتعزير وهي أمة أو كتابية فله أن يلاعن لإسقاطه. وإن لم تطالب هي وهناك بنسب الولد له أن يلاعن لنفيه، وإن لم يكن ينسب فالمذهب أنه لا يلاعن حتى تطالبه. وقال أبو إسحاق: له أن يلاعن لتبرئة ذمته وهذا غلط؛ لأن اللعان يراد لإسقاط الحد المطلوب، أو لنفي النسب، وليس هاهنا واحد منهما. والفراش يمكنه رفعه بالطلاق فلا حاجة إلى اللعان لأجله. فصل عندنا حد القذف الآدمي يورث عنه ويدخل فيه العفو، وبه قال أحمد. وقال أبو حنيفة: هو حق الله تعالى لا يورث ولا يدخله العفو. ووافقنا أنه لا بد من المطالبة باستيفائه، وإن الحاكم يحكم فيه بعلمه بخلاف حد الله تعالى. وقال مالك: [١٧٥/ ب] هو مشترك بين حق الله تعالى وحق الآدمي، فإن سمعه الإمام وشاهدان؛ يجب حد القذف من غير مطالبة. وإن سمعه الإمام وحده لم يجب إلا بالمطالبة ويجوز العفو عنه قبل الترافع إلى الإمام ولا يجوز بعد المرافعة. وروي عن أبي يوسف أنه مشترك لا يجب إلا بالمطالبة ويسقط العفو وهذا غلط لأنه عقوبة لا تستوفي إلا بالمطالبة بها فكانت عقوبة الآدمي كالقصاص، فإن قيل: أليس لو قال: اقذفني فقذفه لا يقسط حد القذف، ولو قال: اقتلني فقتله يسقط القصاص؛ قلنا: المذهب أنه يسقط حد القذف أيضًا ولا نص فيه. وقال بعض أصحابنا بخراسان: لا يسقط والفرق بينهما أن القتل يستباح بسبب فيحتمل أن يكون الأمر بقتل نفسه لإباحة الدم بالزنا ونحوه فلم يجب به القصاص على المأمور، وأما القذف لا يستباح بحال وأنه إن كان زانيًا لا يباح قذفه فلا يتأثر الأمر به.

стр. 4993

مسألة: قال: "ولمَا لَمْ يخصَ اللهُ تعالى أحدًا من الأزواجِ دونَ غيرهِ ولمْ يدلَ على ذلكَ سنةٌ ولا إجماعٌ كانَ على كلِّ زوجٍ يصحُ طلاقهُ". يصحُ اللعانُ مِنَ كل زوجين مكلفين سواء كانا مسلمين أو كافرين أو الزوج مسلمًا والمرأة كافرة أو الزوج كافرًا والمرأة مسلمة أو محدودين في القذف أو غير محدودين أو حرين أو رقيقين أو أحدهما رقيقًا والأخر حرًا. وبه قال سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، والحسن، وربيعة، ومالك، والليث، والنوري، وأحمد، وإسحق، وقال أبو حنيفة: لا يصح اللعان إلا بين زوجين هما من أهل الشهادة ولا يجوز بين الكافرين ولا بين الكافرة والمسلم، ولا بين العبدين، ولا بين العبد والحرة، ولا بين المحدودين في القذف أو أحدهما وبه قال الزهري، وحماد، والأوزاعي وروي هذا عن أحمد أيضًا [١٧٦/ أ] واحتجوا بأن اللعان شهادة لأن الله تعالى استثناه من الشهادة بقوله سبحانه: ﴿ولَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاءُ إلاَّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾ [النور: ٦]، وأنه يفتقر إلى لفظ الشهادة فلا يصح إلا ممن هو من أهل الشهادة وأيضًا روي عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: أربع من النساء لا ملاعنة بينهم النصرانية تحت المسلم واليهودية تحت المسلم والمملوكة التي تحت الحر والحرة تحت المملوك وروي "لا لعان بين أهل الإسلام وأهل الكفر ولا لعان بين العبد وامرأته"، ولا لعان بين المحدود في القذف وامرأته وهذا غلط؛ لعموم الآية ولأن من صح طلاقه صح لعانه كالحر المسلم ويؤكده أن اللعان خص بالأزواج للضرورة والضرورة قائمة في حق جميعهم، وأما ما ذكروه لا يصح لأن اللعان يمين لا شهادة أو المغلب فيه اليمين لأنه يشترط فيه ذكر اسم الله تعالى ويستوفي فيه الذكر والأنثى ويصح من الفاسق المعلن بفسقه والأعمى واليمين سمي شهادة قال الله تعالى: ﴿قَالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ١]، أي: نحلف، وأما الافتقار إلى لفظ الشهادة اختلف أصحابنا فيه على وجهين؛ أحدهما: لا يفتقر إليه. ولو قال: احلف بالله أو اقسم جاز. والثاني: أنه يفتقر إليه ولا يمنع هذا كونه يمينًا لأن اليمين تغلط بلفظ الشهادة كما تغلط بسائر الألفاظ، وأما الخبر لا أصل له. قال الشافعي والساجي: لم يذكره أحد من أهل الحديث، وقال الإمام أحمد البيهقي: مداده على عطاء الخراساني، وعثمان الوقاصي، وعمر بن هارون، ويحي بن أبي أنيسة وكلهم ضعفاء. واعلم أن الشافعي علل هاهنا فقال: كل زوج جاز طلاقه ولزمه الفرض جاز لعانه، ولم يرد تركيب الغلة منهما جميعًا بل أراد التنبيه على أن كل [١٧٦/ ب] وصف من هذين الوصفين علة مستقلة بنفسها، ألا ترى أنه قال في جانب الزوجة وكذلك كل زوجة يلزمها الفرض ثم قال: ويختلف الحدود لمن وقعت له يعني المقذوفة وعليه يعني القاذف وأراد به أنه تختلف الحدود في

стр. 4994

جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب الله منه وفضحه على رؤوس الأولين والآخرين. وحاله لا يجوز له قذفها ولا نفي ولدها وهي أن تأتي بولد يشك فيه أو لا يشك فيه ولكنه شبيهًا بمن يتهمها به أو تأتي بولد لا يشبه الأبوين مثل أن تأتي بولد أسود وهما أبيضان، أو تأتي بولد أبيض وهما أسودان ولم يعرف لها زنًا [١٧٧/ ب] ولا فجورًا فيها وجهان؛ أحدهما: لا يجوز له القذف واللعان وهو اختيار القاضي الطبري لأنه لا يجوز أن يكون في أبائه وأمهاته هذه الصورة فأشبه لأن العرق ينزع والدليل على هذا ما روى أبو هريرة ﵁ أن إعرابيًا جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله؛ إن امرأتي ولدت غلامًا أسود فقال له النبي ﷺ : هل لك من إبل؟ قال: نعم، قال: ما ألوانها؟ قال: حمر، قال: هل فيها من أورق؟ قال: نعم إن فيها أورقًا قال: فأنى ترى ذلك قال: لعل عرقًا نزعه فقال النبي ﷺ : فلعل هذا نزعه عرق. والثاني: لا يجوز له القذف واللعان لأن الظاهر أنه ليس منه، والشبه يحكم به في الإنسان في الشريعة فجاز له نفيه لأجله وهذا أقرب في المذهب، ولهذا قال ﷺ في خبر هلال أن جاءت به على نعت كذا فهو لشريك بن سحماء. ولو قال: بلغني أنها زنت، أو أخبرت بذلك ولم يقطع بأنها زانية، لم يكن قذفًا حتى يقطع، ذكره أبو إسحاق وقال في "الحاوي": الحامل خمسة؛ أحدها يجب أن يلتعن فيها بغير قذف، وهو أن تأتي بولد ولم يدخل بها يجب أن يلاعن لينفي ولدًا يعلم قطعًا أنه ليس منه يكون محرمًا لبناته، ولا يجوز أن يقذف لأنه يجوز أن يكون من زوج قبله أو أكرهت على نفسها، والثاني: يجب عليه ملاعنتها ولكن بعد القذف؛ بأن يكون أصابها واستبرأها ووجد معها رجلًا يزني بها ثم أتت تخمل لا يجوز أن يلاعن إلا أن يقذف فيصير القذف لوجوب اللعان الذي لا يصح إلا به واجبًا عليه. ولولا الحمل ما وجب عليه. والثالث: يكون مخيرًا بين أن يلاعنها أو يمسك وهو أن يطأها ولا يستبرئها، ويرى رجلًا يزني بها فيكون مخيرًا بين اللعان بعد القذف وبين الإمساك فأما نفي الولد [١٧٨/ أ]، فإن غلب على ظنه أنه ليس منه جاز نفيه، وإن غلب على ظنه أنه منه لم يجز نفيه، وإن لم يغلب على ظنه أحد المرين جاز أن يغلب في نفيه حكم الشبه لأجل ما شاهد من الزنا. والرابع: لا يجوز له قذفها ولا نفي ولدها وهو أن يكون على إصابتها ولا يراها

стр. 4995

تزني ولا يخبر عنها الزنا، ولا يرى في ولدها شبهًا منكرًا، والخامس: أن تأتي ولد أسود من بين أبيضين ولا يراها تزني، ولا يخبر بزناها فيه وجهان؛ على ما ذكرنا. واختار ما اختار القاضي الطبري. فرع لو كانت امرأته تولد وكان يعزل عنها إذا وطئها لم يجز له نفيه لما روى عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال: يا رسول الله إنا نصيب السبايا ونحب الأثمان انعزل عنهن، فقال: إن الله تعالى إذا قضى بسن خلقها ولأنه قد يسبق من الماء ما لا يحس به، وإن أت بولد وكان يجامعها دون الفرج فيه وجهان؛ أحدهما: لا يجوز له النفي لأنه قد يسبق الماء فيعلق به. والثاني: له أن ينفيه هو الأصح، لأن الولد من أحكام الوطئ فلا يتعلق بدونه كسائر الأحكام. فرع آخر لو أتت بولد وكان يطأها من الدبر فيه وجهان: أحدهما لا يجوز له نفيه، لأن قد يسبق الماء إلى الفرج فتعلق به، والثاني: له نفيه لأنه موضع لا ينبغي منه الولد. مسألة: قال: "ولو جاءتْ بحملِ وزوجها صبي دون العشر لم يلزمه". ظاهر هذا النص أن المرأة إذا أتت بولد وزوجها صبي دونَ عشرِ سنينَ؛ لا يلزمَه الولدُ". قال الشافعي: لأن العلم يحيط أنه لا يولد لمثله، يريد به أن العادة جارية بأن مثله لا يكون منه نزول الماء فإذا كان كذلك كان منفيًا عنه بلا لعان، وإن كان له عشر سنين فأكثر يلحق به حتى يبلغ فينفيه باللعان [١٧٨/ أ] لأنه يمكن أن يولد منه والنسب يلحق الإمكان، وإن كان بخلاف الظاهر. ألا ترى أنه لو تزوج فأتت امرأته بولد لوقت يمكن أن يكون منه ألحقناه به، وإن كان الظاهر أن عدتها قد انقضت وأن الولد من غيره. وحكي أن عمرو بن العاص ولد له ابنه عبد الله وهو ابن عشر سنين، وحكي أن لعبد الله بن عمرو كان له نافلة وهو ابن اثنين وعشرين سنة، وعند أبي حنيفة أقل للزمان الذي يحتلم فيه الغلمان اثنا عشرة سنة، وعندنا عشر سنين. فإن قيل: إذا ألحقتم به النسب وجب أن يحكموا ببلوغه لأن إلحاق الولد به يقتضي الإنزال، والإنزال بلوغ، قيل: نحن نلحق النسب بالإمكان ولا نجعله بالغًا الإمكان فلهذا ألحقناه ومنعنا من نفيه حتى يقر بالاحتلام أو يستكمل خمسة عشرة سنة، وإن أدعى بلوغًا بالاحتلام واتهم الحاكم بأنه كاذب؛ يريد أن يحلف قبل بلوغه حتى لا يأثم باليمين الكاذبة بعدما بلغ فإنه يحتاط من بابه بالتأخير ولا نحلفه أنه بالغ إذ لا معنى لتحليف من يظن أنه صبي، فإن يمين الصبي لا حكم له، وعلى هذا إن مات قبل أن

стр. 4996

ينفيه؛ استقر نسبه ولا يجوز للورثة نفيه وورثه حقه من الميراث. وقول الشافعي: فإن مات فهو ولده فقبل الموت وهو ولده إذ عليه نفقته غير أنه على معنى الموقف حتى يبلغ ولاعن نفيناه عنه، ولا نقول هو ولده على الإطلاق. وقال أبو حامد وجماعة: يحتلم الغلام لتسع؛ كما تحيض المرأة لتسع. ويحمل كلام الشافعي على أنها حد للحوق الولد تقريبًا، حتى لو جاءت امرأة الغلام بولد لتسع سنين وستة أشهر بعد التسع هي مدة أقل الحمل؛ يلحق به الولد، وهذا لأن المرأة والرجل لا يختلفان فيما به البلوغ كما لا يختلفان في البلوغ بالسن. وقال جماعة من أصحابنا: أقل زمان الاحتلام [١٧٩/ أ] عشر سنين، وإن كان أقل زمان الحيض تسعًا لأن أقلها معتبر بالوجود ولم يوجد الاحتلام لأقل من عشر سنين، ووجد الحيض لتسع سنين. وهذا لأن دم الحيض يرخيه الرحم بعد اجتماعه لضعف الجسد عن إمساكه، ومني الاحتلام يخرج لقوة الجسد على دفعه فصار بينًا سنة لزيادة القوة بها، وعلى هذا لو ولدت امرأته لأكثر من عشر سنين وأقل من ستة أشهر؛ لم يلحق به وهذا وإن لم يصرح به الشافعي فهو معلوم من أصل مذهبه فلذلك أطلقه. وهكذا ذكره القفال عن بعض أصحابنا. وذكر بعض أصحابنا نصًا عن الشافعي أنه قال: إذا أتت به لعشر سنين؛ يلحق به ويحكم ببلوغه قبل ذلك بتسعة أشهر من وقت ما علقت به المرأة، ذكره الماحملي من أصحابنا، وهذا غلط لما ذكرنا من الفرق بين الحكم بالبلوغ، وإلحاق النسب. وذكر بعض أصحابنا أنه لا يعتبر ستة أشهر بعد العشر فإذا أتت بولد وهو ابن عشر من غير زيادة؛ يلحق به، ويقدر نزول الماء قبل ذلك بمدة الإمكان، وهذا ظاهر النص وبه قال أكثر علماء خراسان. فإن قيل: هلا سمعتم لعانه في الحال لأنه إن لم يكن بالغًا فالولد منفي عنه، وإن كان بالغًا فقد انتفي عنه باللعان كما قلتم: أنه لا يحلف الصبي على دعواه البلوغ لأنه إن كان بالغًا لا حاجة بنا إلى يمينه، وإن لم يكن بالغًا لا يصح يمينه فسقطت؛ قيل: لا يجوز أن يبدي باليمين مع الشك في صحتها، فلهذا لا نحلفه ولا نأمره باللعان عند الشك في الصحة. مسألة: قال: "ولو كانَ بالغًا مجبوبًا كانَ لهُ إلَّا أَنْ ينفيهُ بلعانِ لأنْ العلمَ لا يحيطُ أنهُ لا يحملُ لهُ". هكذا نقل المزني؛ وقال في "الأم": إذا كان بالعًا مجبوبًا كان له نفيه باللعان لا العلم يحيط أنه لا يولد لمثله. واختلف أصحابنا [١٧٩/ ب] فيه فقال أبو إسحاق: وهو اختيار أبي حامد: ما نقله المزني أراد إذا كان مجبوب الذكر دون الخصيتين، أو الخصيتين دون الذكر لأنه يحتمل إذا بقى أحدهما أن ينزل، وهذا لأن إيلاج الذكر يجتذب المني من الظهر، وإن لم يكن له الأنثيين. وإذا لم يكن له ذكر فساحق فرج

стр. 4997

المرأة يجتذب الفرج الماء إذا نزل كما تحبل البكر هكذا. ولا يقبل فيه قول الأطباء أنه ترق مادته فلا يكون منه الولد. والذي قاله في "الأم" أراد به إذا كان ممسوحًا أيضًا على ما نقله المزني؛ لأنه يمكن مع ذلك نزول الماء وتبقى بقية ولا يقبل قول أهل الظن في ذلك أنه لا يولد له؛ وهذا اختيار مشايخ خراسان، وجماعة من أهل العراق. ولا يصح ما نقل عن "الأم". وعندي ما تقدم أصح للعادة الجارية في ذلك، وقال القاضي أبو حامد في أصل الذكر: إذا قطع ثقبتين إحديهما مخرج البول، والأخرى مخرج المني فإن كان مخرج المني انسد والتحم لم يلحق به الولد لاستحالة إنزاله، وإن كان مخرج المني باقيًا كبقاء مخرج البول يلحق به الولد لجواز إنزاله؛ والنصان على هاتين الحالتين. ومن أصحابنا من قال: ما نقله المزني هو المجنون تصحف من الناقل فيلحق به الولد لأنه كالعاقل في النسب، فلا يقال: لأن العلم لا يحيط أنه لا يحمل له أو يحمل له؛ وإنما يقال ذلك في المجبوب، ولأنه قال: إلا أن ينفيه بلعان، ولا يصح لعان المجنون. مسألة: قال: "ولو قالَ: قذفتكِ وعقليَ ذاهبٌ، فهو قاذفٌ إلَّا أَنْ يعلمُ أَنْ ذلكَ يصيبهُ فيصدقُ". صورة هذه المسألة: أنها ادعت أنه قذفها، وأقامت البينة فقال في جوابه: كان هذا مني وعقلي ذاهب، ولم يقل: قذفتها وعقلي ذاهب، فلا يخلو من أحد أمرين؛ [١٨٠/ أ] إما أن يعترف له حال جنون أو لا يعترف، فإن لم يعترف له ذلك فالقول قول المقذوفة لأن الظاهر من أمر الناس الصحة والسلامة وثبات العقل وإن عرف أنه قذفها في حال إفاقته يلزمه الحد، وإن أشكل فالقول قوله لأنه إذا أمكن أن يكون واحد منهما وتساوي الحالان في الاحتمال كان المرجع آلي قوله لأن الأصل براءة الذمة والحد يسقط بالشبهة وهذا هو المنصوص في كتبه وهو الأصح. ومن أصحابنا من قال: فيه قول مخرج لا يقبل قوله في ذلك والقول قولها لأن الأصل الصحة والسلامة ووجوب الحد وهذا التجريح مما قال الشافعي: إذا كان قدّ ملفوفًا بنصفين ثم اختلف هو ووليه في حياته فيه قولان؛ أحدهما: القول قول القادّ لأن الأصل براءة الذمة. والثاني: القول قول الولي لأن الأصل الحياة وقيل في المسألة قولان: على الإطلاق وهو غير صحيح، فإن قيل: إذا قطع لسان كبير أو يده وادعى الشلل فيه قلتم: القول قوله الجاني قولًا واحدًا ولم نعتبر الصحة والسلامة في الأصل، قيل في القذف: الصحة والسلامة في الحال موجودة وفي العضو لا تعرف السلامة ويحتمل أنه كان سليمًا ويحتمل أنه كان أشل فكان القول قول الجاني لأن الأصل براءة الذمة.

стр. 4998

فرع لو قال: قذفته وأنا صبي وقال المقذوف: بل بالغ، قال أصحابنا: يجب أن يكون على قولين لأن الصبي معلوم فهو بمنزلة من علم أنه كان يصيبه الجنون. فرع آخر لو ادعى أنه قذفها في النوم لا يقبل قوله إلا بينة عادلة قولًا واحدًا. والفرق أن القذف من النائم بعيد والمجنون يقذف ويسب هو الغالب من حاله. [١٨٠/ ب]. مسألة: قال: "ويلاعنُ الأخرسُ إذا كانَ يعقلُ بالإشارةِ"ز الأخرس على ضربين؛ أحدهما: أن لا تكون له إشارة معقولة ولا كناية مفهومة فلا يصح قذفه ولا لعانه ولا عقوده. والثاني: أن يكون له إشارة معقولة أو كناية مفهومة فإشارته تقوم مقام عبارته فيصح قذفه ولعانه كما تصح عقوده بها وبه قال أحمد، وقال أبو حنيفة: لا يصح قذفه إلا بالصريح وإشارته كفاية ولا يصح لعانه لأنه كالشهادة ولا تصح شهادته وزاد على هذا وقال: لو كانت المرأة خرساء لا يصح لعان الناطق منها، ولو خرست بعد قذفه قبل اللعان لا يلاعن هو لأن الحكم لا يتم إلا بلعانها، فإذا تعذر لعانها سقط لعانه وهذا غلط لظاهر الآية، ولأن إقراره بالزنا والقصاص يصح فيصح قذفع ولعانه كالناطق. وأما قوله: إن إشارته كفاية لا نسلم لأنه يعلم الصريح منه بالإشارة كصريح الطلاق والعتق. ثم إذا لاعن الأخرس سقط عنه الحد ووجب الحد على امرأته، فإن كانت خرساء لاعنت أيضًا إذا كانت تعقل الإشارة. فإن كانت لا تعقل؛ لا تحد حتى ينطلق لسانها أو تتعلم الإشارة، وأما شهادته؛ قال بعض أصحابنا: تقبل شهادته وهو اختيار ابن سريج. وقال الجمهور وهو ظاهر المذهب: لا تقبل شهادته لأنه يقوم غيره مقامه فيها فلا حاجة آلي تجويزها منه. واللعان لا يجوز إلا من الزوج وبه ضرورة آلي نفي الولد كالناطق واللعان وضع للضرورة فافترقا. فرع لو نطق عد خرسه سئل عن إشارته بالقذف واللعان في خرسه، وفي هذا السؤال وجهان محتملان أحدهما أنه استظهار لا واج لنفوذ الحكم بإشارته على ظاهر الصحة، والثاني أنه واجب لأن في الإشارة احتمالًا يلزم الكشف عن حقيقته. [١٨١/ أ] ز فرع آخر إذا سئل فاعترف بالقذف واللعان استقر على ما كان، وإن أنكر القذف واللعان فهو كالناطق إذا رجع يقبل ما عليه دون ماله فلا يقبل في الفرقة وإباحة المرأة ونفي القذف ويقبل في وجوب الحد ولحوق النسب أنه لم يلاعن فيهما، فإن قال: أنا ألاعن الآن لهما يقبل، وينتفي الولد ويسقط الحد.

стр. 4999

فرع آخر لو أقر بالقذف وأنكر اللعان فقد جرى عليه حكم القذف وإن كان مقرًا به. وأما اللعان فقد جرى عليه أحكامه ولكنه إذا أنكر وقال: ما لا عنت يعرض عليه اللعان، فإن أجاب كان لعانًا ثانيًا بعد أول يتأكد به إحكام اللعان الأول، وإن لم يجب إليه صار كالمنكر للقذف واللعان، فيعود عليه من أحكامه ما له من الحد، ولحوق الولد تغليظًا بعد التخفيف ولا يعود ما عليه من الفرقة، وتحريم التأبيد لأنه تخفيف. وأما قول الشافعي: قال بعض الناس: لا يلاعن الأخرس، أراد أبا حنيفة ثم ألزمه الطلاق والبيع، وقال: ناقض في هذا؛ ووجه المناقضة ظاهر، وذلك أنه ألحقه بالناطق في الطلاق والبيع، ولم يلحقه بالناطق في القذف واللعان. مسألة: قال: "وأصمتتْ أمامهُ بنتُ أبي العاصِ فقيلَ لها: لفلانِ كذَا أو لفلانِ كذَا فأشارتْ أي نعمْ فرفعَ ذلك فرأيتْ أنها وصيةٌ". إذا أصاب الرجل سكتة أو ثقل لسانه لعارض مرض، نقل المزني أن إشارته تقول مقام عبارته. وقال في "الأم": تربصنا به حتى يفيق أو يطول ذلك به فيشير إشارة تعقل أو تكتب كتابه يعقل فيصير كالأخرس واختلف أصحابنا في هذا فمنهم من قال: يرى رجلين طبيعيين من المسلمين، فإن قالا: إن ذلك يزول انتظر به، وإن قالا: لا يزول ذلك، لاعن بالإشارة كالأخرس. [١٨١/ ب] وهو كما قلنا في العضوية إن كانت تزول لم يجز له الاستنابة في الحج، وإن كانت لا تزول جاز له الاستنابة، وأراد الشافعي بقوله: أو يطول، إنه لا يوحي زواله. وممن أصحابنا من قال: كلام الشافعي على ظاهره، وإن كان يطولن وإن قيل: يرجي زواله يلاعن أيضًا وهذا أصح، واختاره القاضي الطبري. ومن أصحابنا من قال: يلاعن في الحال للعجز عند المطالبة والاعتبار الحال لأنه ربما يموت قبل السلامة فيبطل حقه، والدليل عليه خبر أمامة بنت أبي العاص حفيدة رسول الله ﷺ . وقوله: أصمتت أي: أصابتها سكتة اعتقل منها لسانها وذلك الداء يقال له: السكتات والصمتات فنفذت الصحابة إشارتها، وقوله في "الأم": أو يطول أراد ليتعود الإشارة فتأتي بها وجه الدليل أنه إذا قامت الإشارة مقام العبادة في الوصية فكذلك في اللعان والقذف. مسألة: قال: "ولو كانتْ مغلوبًا على عقلها فالتعن وقعتْ الفرقةُ ونفيَ الولدُ". إذا قذف زوجته وهي عاقلة ثم جنت أو قذفها بعدما جنت بقذف مضاف آلي حال إفاقتها كان عليه الحد عنها، وإن قذفها بقذف في حال جنونها كان عليه التعزير، فإن أفاقت وطالبت بالحد أو التعزير كان له إسقاطه باللعان، وإن لم تقف هل له أن يلاعن

стр. 5000

من غير مطالبة ينظر فإن كان هناك نسب نفي حملًا كان أو ولدًا كان له اللعان، وإن لم يكن هناك نسب بل له أن يلاعن لإسقاط الحد من غير مطالبة الحد المذهب أنه ليس له ذلك لأنه لا يخلو إما أن يلاعن لدرء الحد عن نفسه فليس هاهنا مطالب، أو يلاعن لقطع الفراش فيمكنه دفعه بالطلاق [١٨٢/ أ] أو لاعن لا يجاب الحد عليها، ولا يمكن ذلك فلا وجه له. وقد ذكرنا عن أبي إسحاق أنه قال: يلاعن، وإن لم يطالب لأن الشافعي قال: ونفي الولد أن انتفي منه فدل على أنه يصح لعانه من دون انتفاء النسب، فقيل لأبي إسحاق في الدرس هذا ما قاله الشافعي في أول الباب، وفي ذلك دلالة على أن ليس للزوج أن يلتعن حتى تطلب المقذوفة حدها فقال: إنما قال الشافعي: ليس عليه، ولم يقل ليس له. واللعان إنما يجب عليه إذا طالبه بالحد، فأما قبل المطالبة فله ذلك ليسقط عن نفسه ما قد لزمه. وقال جماعة من أصحابنا: ما ذكره أبو إسحق ظاهر المذهب، وذكر هذا القائل أنه يجوز أن يلاعن لقطع الفراش المجرد. والشافعي أجاز هاهنا لقطع الفراش، وهذا لأن اللعان عند القذف حق الزوج احتاج إليه أو استغنى عنه. ومن قال بالأول أجاب عما قال أبو إسحاق بأن قواله: ونفي الولد انتفي منه؛ أراد به أنه إن لم يعقل عن ذكره في اللعان نفي عنه، وإن نسى ذكر أو أعقله لم ينف عنه حتى يستأنف اللعان ويذكره. فإذا تقرر هذا ولاعن الزوج انتفي الولد، وقت الفرقة، وانتفي النسب وسقط عنه الحد، ولكن لا يجب عليها الحد في الحال لأنها غير مكلفة فلا يقدر على دفعه عن نفسها، فإذا أقامت أقيم عليها الحد إلا أن تلتعن، ولو كان قذف مجنونة فأفاقت بعد لعانه؛ لا لعان عليها لأنها لا تخشى حدًا يقام عليها. مسألة: قال: "ولو طلبهُ وليهَا، أو كانتْ أمةٌ فطلبهُ سيدهَا لمْ يكنْ لواحدِ منهمَا". أراد به: إذا قذف امرأته وهي عاقلة فجنت، أو قذفها وهي مجنونة بزنا نسبه آلي صحالة الصحة وجب عليه الحد، [١٨٢/ ب] ولكن لا تطالب به حتى تعتق المرأة فتطالبه به فإن طالبه وليها؛ لم يكن له لأن ذلك لها يتعلق باختيارها، فليس للولي أن يفتأ به عليها. كما نقول في المطالبة بفرقة الإيلاء. وإن قذفها وهي مجنونة بزنا إضافة آلي حال الجنون؛ لم يلزمه الحد، ويلزمه التعزير حق لها كالحد، فليس للولي طلبه حتى يفيق. وإن أراد الزوج أن يلاعن لإسقاطه؛ قد ذكرنا الخلاف فيه وهذا لأنه لا فرق بين الحد والتعزير، وإن كانت امرأته أمة مجنونة لم يجب عليه الحد بقذفها، ويجب التعزيز، وليس للسيد طلبه حتى تفيق فتطالبه به لأنه حق لها دونه تجب بهتك عرضها وعرضها لها بخلاف القصاص يتعلق بالبدن، وبدنها له وقد بينه الشافعي فقال: بعده أو بحد للحرة البالغة ويعزر لغيرها، وذكر في "المهذب" أنه لو جني على عبد رجل يوجب

стр. 5001

القصاص ثبت القصاص للعبد وله المطالبة به والعفو عنه كما قلنا في حد القذف ومن نظر والفرق ظاهر وذكر في التلخيص ليس للعبد الاختيار فيما جني عليه دون سيده. مسألة: قال: "فإن ماتت قبل أن يعفو عنه فطلبه وليه كان عليه أن يلتعن أو يحد للحرة البالغة ويعزز لغيرها". قد بينا أن حد القذف موروث خلافاً لأبى حنيفة ووافقنا أنه لو قذفها بعد موتها كان لورثتها المطالبة وعلل بأن هذا الحد يثبت للورثة ابتداء لأن العار يلحقهم وهذا لا يصح لأنه قد قذف الميت دون الورثة ويعتبر فيه إحصان للميت دون الورثة. فرع اختلف أصحابنا فيمن يرثه على ثلاثة أوجه؛ أحدها: يرثه جميع الورثة من أهل الانتساب والأسباب بالزوجية والولاء [١٨٣/ أ] لأنه حق موروث لأدمى فيرثه جميع الورثة كسائر الحقوق. والثاني: يرثه عصباته دون النساء لأنه موضوع لدفع العار لولاية النكاح وهو اختيار القفال. والثالث: يرثه جميع ورثته المناسبين ولا يرثه الزوج أو الزوجة لأن الزوجية تنقطع بالموت فلا يلحقه العار وهذا الوجه لم يذكره كثير من أصحابنا بالعراق، وليس للشافعى أصل يدل عليه. فرع آخر قال القفال: إذا قذف الزوجة بعد موتها؛ هل يثبت للزوج المطالبة بحد القذف بحق الإرث، فإن قلنا: إذا ماتت الزوجة بعد القذف لم تثبت المطالبة فهاهنا أولى، وإن قلنا: تثبت المطالة فهاهنا وجهان؛ والفرق أن قبل الموت كانت الزوجة قائمة عند القذف، وهاهنا ارتفعت الزوجية عند القذف فلا ثبت له الحق ابتداءً، وهذا حسن. وهكذا الحكم في قذف الزوجة هل للزوجة المطالبة بحد القذف أم لا؟ فرع آخر إذا لم يكن للمقذوفة وارث؛ قال الداركى: قام الإمام مقام الوارث في طلبه، وعلى هذا لو كان القاذف زوجاً يلاعن لإسقاطه، وقال القفال: يسقط موتها ولا يطالبه الإمام ولا يلاعن له؛ والأصح الأول لأن الإمام نائب المسلمين وهم يورثونه. فرع آخر إذا جعلناه ميراثًا بينهم فإنه يجرى مجرى الولاية في النكاح، فيكون لجماعتهم ولكل واحد منهم كله، فإذا ترك بعضهم حقه فللباقين الاستيفاء كاملاً لأن حد القذف إنما شرع لدفع معرة الميت وكل واحد منهم يقوم مقام صاحبه فيه ولا يندفع العار إلا بتمام الحد، وقيل: جملته أن الحقوق على أربعة أضرب حق يثبت لجماعة الورثة، ولكل واحد منهم بتمامه وكماله وهو ما ذكرناه، [١٨٣/ ب] وحق يثبت لجماعة الورثة على

стр. 5002

الاشتراك ولكل واحد منهم حصته سواء ترك شركاءهم حقوقهم أو لم يتركوا وهو حق المال، وحق يرثه جماعة على الاشتراك، ولا يملك أحدهم على الانفراد شيئًا منه وهو القصاص إذا عفي أحدهم يسقط الكل، وحق يثبت لهم على الاشتراك، وإذا عفي بعضهم توفر الحق على الباقين وهو حق الشفعة، ونحو ذلك الغنمة أيضًا. ومن أصحابنا من قال في حد القذف: له أوجه؛ أحدها: ما ذكرنا، والثاني: يسقط بعفو أحدهم كالقصاص، والثالث: أنه كما قال: يسقط بالحصة عند عدم أحدهم وهذا يحكى عن أبى الحسن القطان، وهذا والذي قبله ضعيف غير مشهور. فرع آخر لو قال: عفوت عن بعض الحد هل يسقط؟ وجهان؛ فإذا قلنا: يصح عفوه؛ هل يصح في ذلك القدر، أو يسرى آلي جميعه وجهان. فرع آخر لو قذف أمة ثم ماتت اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: يسقط التعزير بموتها لأن أقاربها ليسوا ورثة ولا يلحق العار بسيدها وهذا اختيار القفال. وأراد الشافعى بالولي الوارث، وقال الشافعي: فطلبه وليها كان عليه أن يلتعن، ولم يقل: فطلبه وليها أو سيدها، فلما صور ابتداءً المسألة في الحرة والأمة، واقتصر انتهائها على الحرة، عرفنا أنه فصل بعد الموت من ولي الحرة وسيد الأمة، ومن أصحابنا من قال: لا يسقط لأنه حد وجب بالقذف، فل يسقط بموت المستحق كحد الحرة، فإذا قلنا بهذا فالسيد يطالبه لأنه أولى به من غيره، لا على وجه الإرث ولكن لحق الملك وهذا ظاهر كلام الشافعي هاهنا لأنه قال: فإن ماتت قبل أن يعفو عنه فطلبه وليها كان عليه أن يلتعن أو يحد للحرة البالغة [١٨٤/ أ] ويعزر لغيرها يعنى لأمة وأما ذكر القائل الأول: لا يصح لأن لفظ الولي صالح للسيد ولعل لفظ الشافعي لم يقل أو سيدها لهذا المعنى أو لأنه ذكرهما في الابتداء فاستغنى عن التطويل في الانتهاء ألا ترى كيف جمع في آخر كلامه بين الحرة والأمة فقال: أو يحد للحرة البالغة ويعزر لغيرها وهذا أقيس، وقال ابن أبى هريرة: من أصحابنا من قال: يكون ذلك لقراباتها المناسبين لأنه يثبت لمعنى يرجع آلي النسب فكانوا أحق به من الولي وإن كانوا لا يرثونه وحكاه القاضي الطبري أيضًا قال: هذا القائل ويفارق القصاص لأنه يثبت على وجه البدل عن البدن وبدنها له والحد لهتك العرض وليس للسيد العرض. مسألة: قال: "ولَو التعنَ وأبتْ اللعانَ فعلى الحرةِ البالغةِ الحدُ". الفصل إذا امتنع الرجل من اللعان قد ذكرنا أنه يجد حد القذف، وإن امتنعت بعد لعانه من اللعان يلزمها حد الزنا ونبين كيفية الحد في كتاب "الحدود" إن شاء الله وقد ذكرنا

стр. 5003

مذهب (أبي) حنيفة، وحكي الشافعي أنه إذا امتنع من اللعان حد والمرأة إذا امتنعت حبست وليس هذا بمذهب أبى حنيفة فلعله مذهب بعض أهل العراق، فإذا تقرر هذا لو كانت له أربع نسوة حرة مسلمة وحرة كتابية وأمة مسلمة وصبية فقذفهن فالكلام في ثلاثة فصول فيما يجب عليه بقذفهن وفي اللعان وفيما يجب عليهن باللعان، أما ما يجب عليه بقذفهن فعليه الحد بقذف الحرة المسلمة البالغة العاقلة العفيفة وعليه بقذف الذمية والأمة. التعزير يكون تعزير قذف، وأما الصبية فعلى ضربين صبية بجامع مثلها [١٨٤/ ب] وصبي لا يجامع مثلها، فإن كانت ممن يجامع مثلها كالمراهقة ونحوها فعليه التعزير بقذفها ويكون تعزير قذف وإن كانت ممكن لا بجامع مثلها كالمراهقة ونحوها فعليه التعزير بقذفها، ويكون تعزير قذف وإن كانت ممن لا يجامع مثلها كالمراهقة ونحوها فعليه التعزير بقذفها، ويكون تعزير قذف وإن كانت ممن لا يجامع مثلها للصغير فعليه التعزيز ولكنه تعزيز سب وشتم لا تعزير قذف، وأما اللعان فله أن يلاعن في حق الكل إلا في الصغيرة في الموضع الذي يجب التعزير للسب فلا يلاعن لأجله وأما ما يجب بلعانه فتى لاعن فإن كانت حرة مسلمة بالغة عاقلة فكأنه أقام البينة عليها بالزنا فرجم عند الإحصان ويجلد ويغرب عامًا عند البكارة وإن كانت حرة كتابية فكذلك أيضًا وإن كانت أمة فعليها نصف الحد خمسون جلدة وهل تغرب قولان إذا قلنا: تغرب بل تكون نصف سنة أو سنة قولان، وإن كانت صبية فلا شيء عليها لأن القلم مرفوع عنها واعلم أن كل من وجب عليه بلعانه حد أو تعزير لها إسقاطه بلعانها فإن لم يلاعن استوفي ذلك منها. وقد قال الشافعي هاهنا: ولا لعان على الصبية لأنه لا حد عليها. قال القفال: أراد به أنه إذا لاعن هو عن الصبية فهي لا تلاعن ولا يتصور لعانه وهي صبية إذا جوزناه لمجرد رفع الفراش، كما قال أبو إسحق: لأن الولد لا يتصور للصغيرة ويمكن أن يقال: هذا ابتداء كلام ولا يدل على أنه أراد بعد لعانه عنها. فرع: إذا قلنا: يعزر في قذف الصغيرة للسب هل يعزر قبل بلوغها وجهان؛ أحدهما: لا يعزر حتى تبلغ. والثاني: يعزر قبل بلوغها لأنه تعزير أدب فلا نقفه على بلوغها. فرع آخر إذا قلنا بالوجه الثاني فيه وجهان؛ أحدهما: أنه موقوف الاستيفاء على مطالبة الولي لقيامه بحقوقها. والثاني: أنه موكول آلي الإمام في استيفائه لقيامه بالمصالح. فرع آخر إذا كانت [١٨٥/ أ] الصغيرة ممن يجامع مثلها تقف تعزير القذف على بلوغها لتكون هي المطالبة، وهل له أن يلاعن منها قبل بلوغها لإسقاطه على ما ذكرنا من الوجهين. فرع آخر إذا قلنا تغرب الأمة ففي نفقتها مدة تغريبها وجهان؛ أحدها: في بيت المال كمنع السيد منها. والثاني: على سيدنا لأنه لا يملك استخدامها بعد تغريبها.

стр. 5004

فرع آخر إذا بلغت الصغيرة هل لها أن تلاعن بعد لعانه؟ وجهان؛ أحدهما: لا تلاعن لأنه لم يجب عليها بلعانه حد. والثاني: لها ذلك لسفي بلعانها المعرة عن نفسها. مسألة: قال: "ولا أجبرُ الذميةِ على اللعانِ إلَّا أنْ ترغبَ فِي حكمنَا". الفصل قد بينا في كتاب "النكاح" أنه هل يلزم على الحاكم أن يحكم بين الذميين إذا جاءا أو أحدهما وأجاب هاهنا على القول الذي يقول: إن الحاكم بالخيار في الحكم بينهم ولا يلزمه أن يحكم بينهم لأنه قال: فإن لم يفعل حددناها أن يثبت على الرضا بحكمنا، وأما إذا تحاكم مسلم وذمية يلزمه الحكم بينهما قولاً واحدًا ولا يعتبر رضا الذمية، ولكنه إذا قذفها ولا عن فأبت عن اللعان تركت على هذا القول ولا تجبر عليه لأنه ليس في لعانها إلا درء الحد عن نفسها وهو حق الله تعالى فلا يلزمها ذلك إلا أن ترضي. قال القفال: وعلى القول الذي يقول: يلزم الحاكم الحكم بينهما في مسألة القذف واللعان بالحكم هكذا وهو أنها لا تجبر على اللعان لأن القولين في حق الآدمي وفي حق الله تعالى يحتاج إلى الرضي قولاً واحدًا. قال أصحابنا: وفيما ذكر الشافعي هاهنا دليل على أن الرجل المسلم إذا لاعن وقال: لا أطلب لعان زوجتي وهي مسلمة فالحاكم يطالبها باللعان، فإن لم تفعل حدها لأنه حق الله تعالى فلا يسقط بعدم مطالبة الزوج. وقال المزني: لا يعتبر رضاها [١٨٥/ ب] بعد لعانه فإن لم يلاعن حدت لأنها لما رضيت في الأول لزمها حكمنا ولا يعتبر المقام على الرضا واختار أيضًا أن لعن الذمية يجبرون على أحكامنا على أحد. واحتج بأن رسول الله ﷺ رجم يهوديين زنيا ولو قدروا على أن يدفعا ذلك بترك الرضا لفعلا قلنا: أجمعنا على أنهما قدرا على إسقاط الرجم لأنه ثبت عليهما الزنا باعترافهما وعرف أن يرجع في حقوق الله تعالى إلى متى شاء وأيضًا فلا يكون مما فائدة في أن لا يرضيا بحكم الإسلام. ثم قال: "وقال في الإملاء: إن أَبتْ أن تُلاعِنَ حددناها" وهذا أحد قوله إنهم يجبرون على أحكامنا فلا يعني بذلك الاحتجاج به، واعلم أن المزني قال في أول كلامه: أولى به أن يحدها لأنها رضيت وقوله لأنها رضيت لغو من الكلام من هذا القول الذي اختاره ولا فائدة فيه؛ لأنا إذا قلنا بهذا القول فتلكأت عن اللعان أقمنا عليها الحد رضيت في الابتداء أو لم ترض وظاهر كلام المزني يوهم كون الرضا في الابتداء شرطا على قوله الذي اختاره.

стр. 5005

مسألة: قال: "لو كانتْ امرأتهُ محدودةً في زنَا فقذفهَا بذلكَ الزنَا، أو بزنَا كانَ فِي غيرِ ملكهِ عزرَ أَنْ طلبتْ ذلكَ ولَم تلتعنْ". إذا ثبت الزنا عليها بالبينة سقط إحصانها، فإذا قذفها قاذف لم يحد سوى قذفها بالزنا الذي قامت بالبينة أو بغيره وسواء كان زوجًا أو أجنبيًا لأن هذا القذف لا يدخل المعرة عليها بقيام البينة به ولأنه قد ثبت صدقه في قذفه فلا يحد ولكنه يعزر للأذى والسب وهل للزوج أن يلاعن لأجله؟ نقل المزني أنه لا يلاعن، وقال في "الأم": عزر أن طلبت ذلك [١٨٦/ أ] إن لم تلتعن ونقله الربيع، واختلف أصحابنا في هذا، فمنهم من قال: وهو اختيار أبي إسحاق الصحيح ما نقله المزني وغلط الربيع في نقله لأنها إذا كانت محدودة في الزنا فقذفها بذلك الزنا فقد تبين صدقه فاستغنى عن تصديق نفسه باللعان، واللعان لا يراد إلا لتصديق قوله والتعزير، وإن وجب به فهو للأذى ولا مدخل للعان فيه. قال أبو إسحاق: ولذلك لو قذف امرأة فحد لها ثم عاد فقذفها بذلك الزنا لم تعد عليه اللعان ثانيًا، وعزر للأذى لأن اللعان إنما يدخل في قذف لم يعلم حقيقته وهذا اختيار ابن أبي هريرة أيضًا ويفارق هذا شروع اللعان في قذف الذمية والأمة لإسقاط التعزير لأنه يفيد التصديق هناك، فإن قيل: أليس يفتقر هذا التعزير إلى مطالبتها كقذف الذمية يفتقر في تعزيره إلى مطالبتها، فلو كان هذا التعزير للأذى لما افتقر إلى المطالبة كما لو قال: الناس كلهم زناه قلنا: تعزير السب والأذى على ضربين. أحدهما: لا يفتقر إلى المطالبة كما ذكرتم لأنه لم يتعين مستحقه. والثاني: يفتقر إلى المطالبة وهو إذا تعين مستحقه وهاهنا هذا التعزير حقها بعينها فيفتقر إلى مطالبتها لهذا المعنى، ومن أصحابنا من قال: الصحيح ما نقله الربيع أن له أن يلاعن لأنه قذف في زنا حصل في ملكه فله التخلص منه باللعان. وتأويل ما نقله المزني أنه قال: عزر أن طلبت ذلك ولم يلتعن أي عزر إذا حصل طلبها وامتناعه من اللعان ولا يجعل قوله ولم تلتعن كلامًا مفردًا أو جوابه هذا راجع إليه إذا قذفها بزنا كان قبل الزوجية فلا تلاعن له [١٨٦/ ب] لأن القذف بذلك الزنا لا يوجب اللعان فتكرار القذف به لا يوجبه، وإذا ثبت عليها الزنا في النكاح بالبينة وأقيم عليها الحد كان له اللعان في أصل الزنا فكذلك له اللعان إذا كرر القذف والأول أقيس وأصح، وأما إذا ثبت الزنا عليها بلعانه وامتنعت من اللعان فحدت كأن قذفها الزوج بعد ذلك فلا حد عليه ويعزر للأذى وليس له إسقاط هذا التعزير باللعان. وإن قذفها أجنبي فيه وجهان؛ أحدهما: يحد وهو اختيار ابن سريج لأن إحصانها لم يرتفع في حق الأجنبي لأن اللعان حجة خاصة في حق الزوج فلا يبطل إحصانها إلا في حقه. والثاني: لا يحد وهو اختيار أبي إسحق لأنها محدودة في الزنا فلم يحد قاذفها

стр. 5006

كما لو حدت بالإقرار والبينة. ولو لاعنها الزوج ولم تلاعن هي ولم تعد بعد سقط إحصانها في حق الزوج دون غيره أيضًا لأنه وجب عليها الحد بلعانه، وإن لم تحد وذكر الداركي وجهًا آخر هاهنا أيضًا أنه يسقط إحصانها في حق الكل لأنه ثبت زناها بلعانه كما لو حدت وهذا بعيد. وقال أبو حنيفة: إن كان لها ولد نفاه باللعان سقط إحصانها في حق الكل وإن لم يكن لها ولد نفاه سقط إحصانها في حق الزوج خاصته. وقد قال: لو قدمت إياه ومعها ولد لا يعرف نسبه فقذفها قاذف لا حد عليه لأن نسب ولدها غير ثابت وهذا غلط؛ لما روي أن النبي قال في خبر هلال فمن رماها أو رمى ولدها فعليه الحد، ولو لاعنت ولاعن الزوج ثم قذفها ثانيًا بذلك الزنا لم يجب عليه الحد ويعزر لأن اللعان لحجة في حقه كالبينة، ولو أعاد القذف بعد إقامة البينة لا يلزمه الحد لكن ذكر جماعة أصحابنا. وذكر صاحب "الحاوي" و"الشامل" أنه يلزمه الحد [١٨٧/ أ] وجهًا واحدًا لأنه عارض لعانه لعانها ولم يثبت عليها الزنا ولا وجب الحد علها فلم يزل إحصانها وهذا أقيس عندي لوقذفها بعد التلاعن بزنا آخر فيه وجهان لأصحابنا؛ أحدهما: لا حد لقيام الحجة على زناها، وإن عارضها بلعانها، والثاني: يحد لزنه لم يقم الحجة على هذا الزنا، واللعان حجة خاصة فيما تقدم، ولم يقدم الحد عليها وهذا اختيار القفال. وذكر مرة أن في المسألة قولين؛ ونص في "القديم" أنه يحد، ولو قذف زوجته ولم يقم البينة ولم يلاعن، فحد لها ثم رماها بذلك الزنا، عزر ولا يحد أيضًا، ولو رماها بزنا آخر فيه وجهان؛ أحدهما: وهو اختيار ابن الحداد لا يحد لأنه حد لها فلا يحد. والثاني: يحد، وهما مبنيان على القولين الأجنبي يحد في قذف الأجنبي ثم قذفه ثانيًا بزنًا آخر، هل يحد أم لا؟ ومن العلماء من قال: يجب الحد ثانيًا إذا أعاد القذف بكل حال كما لو تكرر الزنا بعد إقامة الحد وهذا غلط لأن أبا بكرة كرر قذف المغيرة بعد إقامة عمر بن الخطاب ﵁ الحد عليه، ولم يحده عمر، ولأن حد القذف يراد بالتكذيب، وقد ذكرناه حين حددناه فلا حاجة إلى الحد ثانيًا. وأما إذا قذف زوجته بزنا؛ وكان قبل الزوجية ولم يقم عليه بينة، فإن لم يكن هناك ولد حد لها؛ ولا يكتفي لأنه لا ضرورة به إلى رميها بالزنا قبل الزوجية؛ وبه قال مالك وأحمد في رواية، وقال أبو حنيفة: له أن يلاعن لأن الزوجية كانت قائمة وقت القذف والاعتبار بحالة القذف وهذا غلط لما ذكرنا، وإن كان هناك ولد يريد نفيه فيه وجهان؛ أحدهما وهو اختيار أبي إسحاق: لا يلاعن لأنه لا حاجة به إلى إلحاق الزنا إلى ما قبل الزوجية، فإذا فعل ذلك لا يلاعن وبه قال مالك وأحمد في رواية والنسائي، وهو اختيار ابن أبي هريرة [١٨٧/ ب] وصاحب الإفصاح والقاضي الطبري؛ يلاعن لأنه به حاجة إلى قذفها لنفي الولد فأشبه إذا قذفها بالزنا في الزوجية وهذا أصح، ولو قذف

стр. 5007

الزانية بزنا آخر في ملكه يلاعن لنفي التعزير وبه قال أبو حنيفة لأنه لم يصدقه بهذا القذف فصدق نفسه. ثم اعلم أن الشافعي في جمع هذا الفصل بين مسألتين مختلفتي الحكم وأجاب بجواب واحد فقال: ولو كانت امرأته محدودة في زنا فقذفها بذلك الزنا أو بزنا كان في غير ملكه عزر ومعلوم أنه إذا قذفها بزنا قد حدث فيه فحكمه التعزير، وإذا قذفها بزنا كان في غير ملكه وليست محدودة فيه فحكمه الحد لا التعزير؛ فكيف أجاب في المسألتين جميعًا وجوب التعزير، وهذا مشكل وإزالة هذا الإشكال أن يقال: الشافعي كثير الجمع بين مسألتين، ثم يجيب عن إحديهما فكأنه أجاب بالتعزير في المسألة الأولى وهي: إذا كانت محدودة في ذلك الزنا؛ ولم يجب عن المسألة الثانية وهي إذا كانت غير محدودة، ولو أجاب عن الثانية لكان يجب بوجوب الحد. أو يقول: يحتمل أن يريد بقوله: بزنا كان في غير ملكه وهي محدودة في ذلك الزنا، والمسألة الأولى مصورة في زنا في ملكه؛ وهى محدودة فيه أيضًا، وإذا كانت المسألتان جميعًا مصورتين في الزنا الذي حدث فيه فجوابهما التعزير، وإن كانت في إحديهما زنت في ملكه، وفي الأخرى زنت في غير ملكه. مسألة: قال: "وإن أنكرَ أنْ يكونَ قذفهَا فجاءتْ بشاهدينِ لاعنْ وليسَ جحودهُ القذفَ إكذابًا لنفسَه". صورة المسألة: أن تدعي امرأة على زوجها أنه قذفها فجاءت بشاهدين فشهدا عليه بالقذف قال الشافعي: له أن يلاعن وليس جحوده القذف [١٨٨/ أ] إكذابًا لنفسه ولا خلاف على المذهب أنَّ له أن يلاعن ولكن اختلف أصحابنا في أن جحوده القذف إكذابًا منه لنفسه، أم لا فمنهم من قال: ليس بإكذاب وهو ظاهر ما قاله هاهنا؛ ووجهه أنه يقول: أنا ما قذفتها لأن القذف هو القول الكذب الزور، وإذا قلت: حقًا؛ والبينة إنما شهدت على أني قلت لها: يا زانية وأنا صادق في ذلك ولست بقاذف؛ فلا يكون فيه تكذيب لنفسه. ومن أصحابنا من قال: هذا تكذيب منه لنفسه لأنه نفي أن يكون قذف وقد قامت البينة عليه بالقذف وحكمنا عليه بالقذف. ألا ترى أنَّا نحده بالقذف إلا أنَّا مع كونه مكذبًا له أن يلاعن وثبت الزنا عليه، وإن كان قد جحد الكذب وصار مكذبًا فيه وهو اختيار أبي إسحاق. ومنهم من قال: هذا تكذيب منه لنفسه؛ ولكنه يلاعن لأنه يقول: ما قذفت ولكن هي زانية فيكون بهذا القول قاذفًا، ومتى قال لها: ألا إن هي زانية فقد أحدث قذفها فيلتعن لأجل هذا القذف الحادث ويحققه باللعان، ولو قال: كذبت فيما قلت هي ما زنت ولم أقذفها، لم يكن له اللعان وكذلك إذا ادعت عليه أن قال لها: يا زانية فقال: ما قلت ذلك، وأقامت البينة بذلك فقد كذب نفسه فعليه الحد ولا يلاعن لأنه تقدم منه إقرار بأنها ليست بزانية فليس له أن يرجع ذلك؛ وكيف يقول في لعانه: إني لمن الصادقين فيما رميتها به، ولم يوجد منه القذف على

стр. 5008

قوله، فالقائل الأول والثاني يقولان: يلاعن للقذف الأول، والقائل الثالث يقول: يلاعن للقذف المجدود. ومن قال بالأول قال: حصل قذفها في لفظ لعانه حيث يقول: إني لمن الصادقين فيما رميتها به فلا يحتاج إلى تجديد هذه اللفظة [١٨٨/ ب] متى أراد اللعان وقال ابن أبي ليلى: لا يلاعن لأنه جحد القذف وقاعدة اللعان القذف وقصد الشافعي بما ذكر من العلة هو. مسألة: قال: "ولو قذفَها ثم بلغَ لم يكنْ عليهِ حدٌ ولا لعانٌ". الصبي إذا قال لزوجته: يا زانية لم يكن قذفًا ولا حد عليه ولا تعزير أيضًا لأنه لا حكم لكلامه، فإن بلغ وأراد اللعان لم يكن له لأن اللعان إنما يكون على القذف وليس هذا بقذف، وقال القفال: ولكن يؤدب الصبي على ما قال: إن كان يعقل عقل مثله، فإن لم يؤدب حتى بلغ لم يؤدب بعده لأنه زال المعنى الذي ونبه. مسألة: قال: "ولو قذفَها فِي عدةِ يملكُ فيهَا رجعةَ فعليهِ اللعانُ". الرجعية في حكم الأزواج فيلاعنها زوجها ولا يؤخر إلى أن يراجع كما يؤخر أمر الظهار والإيلاء لأن الظهار تحريم وهي محرمة والإيلاء مضارة ولا تبين المضارة في حال التحريم واللعان يراد لأمور تتحصل الآن وفي تأخيره ضرر بما يموت فيبقى النسب غير منتفي في الحال فيلاعن. مسألة: قال: "ولو بانتْ فقذفَها بزنًا نسبهِ إلى أنه كانَ وهيَ زوجتُه حدَ ولا لعانَ". إذا أبان زوجته بالطلاق الثلاث أو الخلع أو الفسخ ثم قذفها بزنا كان بينها في حال الزوجة نظر، فإن لم يكن هناك ولد ينفيه لم يجز له أن يلاعن، وحد إن لم يأت بالبينة لأنه لا ضرر فيه إلى قذفها بعد البينونة، وقال عثمان البتي: له أن يلاعن، وبه قال الأوزاعي وأحمد؛ وقيل عن أحمد مثل قولنا وهو الصحيح. وإن كان هناك ولد يريد نفيه له أن يلاعن وقال أبو حنيفة: لا يلاعن لأنه قذفها في غير الزوجية فأشبه إذا لم يكن هناك ولد وهذا غلط لأنه لا حاجة به إلى قذفها [١٨٩/ أ] واللعان عند عدم الولد وبه حاجة إلى ذلك عند وجود الولد لئلا يلحقه نسب ولد ليس منه فافترقا، واعلم أن الشافعي ألزم نفسه سؤالاً فقال: فإن قيل: فلم لاعنت بينهما وهي بائن إذا ظهر بها حمل قيل: كما ألحقت الولد لأنها كانت زوجة فلاعنت أيضًا عند الاحتياج لأنها كانت زوجة، ثم قال الشافعي: نفي رسول الله ﷺ الولد وهي زوجة فزال الفراش كأن الولد بعدما يتبين أولى ينتفي، ومعناه أن اللعان إذا لاقى الفراش تعلق به قطع الفراش وقطع النسب ودرء الحد، فإذا انقطع الفراش بالطلاق كيف لا يقوى اللعان على دفع النسب ودرء الحد وهو بعض ما كان يقوي عليه قبل ذلك.

стр. 5009

فرع إذا لاعن منها عند وجود الولد ونفي نسب الولد؛ هل تحرم هي على التأبيد عليه؟ لا نص فيه؛ واختلف أصحابنا فيه على وجهين؛ أحدهما: تحرم على التأبيد وهو الأشبه، والأصح أن اللعان إذا صح تعلق به التحريم على التأبيد كما لو لاعن زوجته، ولأن كل نسب يوجب التحريم المؤبد إذا صادف الزوجية أوجب التحريم المؤبد، وإن صادف غير الزوجية كالرضاع، والثاني: لا تحرم على التأبيد لأن التأبيد تابع لوقوع الفرقة بهذا اللعان، ولأنه تحريم يختص به الأزواج، فإذا صادف البينونة لا حكم له في الطلاق. فرع آخر إذا قلنا بالوجه الثاني، هل يجرى عليه حكم الطلاق الثلاث حتى لا تحل إلا بعد زوج لأن أضعف أحواله أن يكون الطلاق، والثاني: تحل قبل زوج إذا لم يستكمل عدد الثلاث بالطلاق المقدم لأن هذا اللعان لم يؤثر في الفرقة فلم يؤثر في التحريم أصلاً، ولو أثر في التحريم لكان تأثيره في تحريم التأبيد أولى. [١٨٩/ ب] فرع آخر قال القفال: إذا لاعن فنفي الولد وحده فهل تلاعن المرأة؟ فيه وجهان؛ أحدهما: تلاعن كما في النكاح، والثاني: لا تلاعن؛ لأن نفي الولد ضد مقتضى لعانها فلا معنى للعانها فيه. قال: وهذان الوجهان مبنيان على أنها هل تذكر أمر الولد في لعانها أم لا، والوجه الثاني أظهر لأن الشافعي قال: لو نسي الحاكم نفي الولد في اللعان قال الزوج: إذا شئت نفيه فلاعن، فإذا أعاد لم تعد المرأة لعانها كذلك هاهنا لا يلاعن ولا يحد فإنه لم يلاعن لإثبات الزنا عليها وإسقاط الحد عن نفسه وإنما لاعن لنفي الولد وحده. فرع آخر لو كان بها حمل يريد نفيه في المسألة التي ذكرناها نقل المزني بأن له أن ينفيه باللعان فقال: إلا أن ينفي به ولدًا أو حلاً فيلتعن، وذكر المزني في "الجامع الكبير" هذه المسألة؛ وقد قال الشافعي: لا لعان بينهما إلا أن ينفي ولدًا أو حملاً فيلا عن للولد ويوقف للحمل، فإذا ولدت التعن فإن لم يلاعن حدَّ، ثم قال المزني: أولى بقوله أن يلتعن، وإن لم تلد إذا أن الحمل. واختلف أصحابنا فيه فقال أبو إسحاق: التلاعن على نفيه قولاً واحدًا كما نقل المزني لأن المقصود باللعان هاهنا النفي. ألا ترى أنه لو لم يكن هناك ولد لا يلاعن فلا يجوز ذلك، حتى يتيقن الولد الذي هو سبب صحة اللعان وحمل أبو إسحاق ما نقله المزني على ما قرره في "الجامع الكبير" وهو أنه يلاعن إذا وضعت، ويخالف هذا إذا كانت زوجته حاملاً له أن يلاعن وينفي الحمل قولاً واحدًا لأن المقصود هاهنا درء الحد عن نفسه، وينفي النسب تبعًا لأنه، وإن لم

стр. 5010

يكن ولد يلاعن أيضًا، ومن أصحابنا من قال: فيه قولان: أحدهما: ما ذكرنا وهو الأصح. والثاني: له أن يلاعن لنفيه كما في الزوجة يصح اللعان لنفي حملها كما يجوز لنفي ولدها المنفصل [١٩٠/ أ] وقيل: هذان القولان مبنيان على أن الحمل هل يعلم أم لا حتى يلزم الاتفاق عليها للحمل، وفيه قولان؛ وهذا ضعيف لأنه لا يشبه النفقة فإنه إذا اتفق فلم يكن حمل يمكن الرجوع عليها ولا يمكن الرجوع في حكم اللعان. فرع آخر لو قذف زوجته وهي حامل له أن يلاعن لنفي نسب الحمل على ما ذكرنا، وإن لم يكن صرح بقذف الزنا، وبه قال مالك: ولو اختار تأخيره إلى ما بعد الانفصال كان له. وقال أبو حنيفة منع الفرقة إذا لاعنت أيضًا وفرق الحاكم بينهما ثم تلحق نسب الولد ولا يقدر على نفسه بحال لأن اللعان لا يصح بعد زوال النكاح وهذا غلط؛ لأنه ولد يلحقه نسبه فله نفيه باللعان كالولد المنفصل ولأن هلال بن أمية لاعن على الحمل وقد قال النبي ﷺ : إذا جاءت به على نعت كذا وكذا أفلا أراه إلا وقد صدق عليها، وهذا نص صريح. فرع آخر لو استلحق الحمل لحقه، ولم يكن له نفيه بعده وقال أحمد: لا يصح استلحاقه ولا نفيه وهذا غلط؛ لأنه محكوم بوجوده لأنه يوقف له الميراث وتجب له النفقة فصح الإقرار به واحتج بأن إقراره به معلق بشرط إن كان بها حمل فلا يصح عليها لو علق الإقرار بدخول الدار قلنا: لا نقول إنه معلق بشرط ولكن نقول حكمه يظهر به في الحال. فرع آخر لو قذفها ثم أبانها له اللعان سواء أكان هناك ولد أو لا وقال أبو حنيفة: سقط اللعان بالإبانة وهذا غلط؛ لأنه ثبت حق اللعان بالقذف فلا يسقط بحادث الإبانة بعده. فرع آخر لو كان هناك ولد فلاعنها ووقعت الفرقة بينهما ثم قذفها بزنا آخر نسبه إلى حال الزوجية لا يلاعن لأنه لا نسبه هناك ينفيه وهل يلزمه الحد؟ فيه وجهان؛ [١٩٠/ ب] أحدهما: لا يحد ويعزر لأن اللعان أسقط إحصانها على ما ذكرنا. والثاني: يحد لأن حكم اللعان لا يتعدى إلى غير حال الزوجية. مسألة: قال: "ولو قالَ: أصابكَ رجلٌ في دبركِ حدَّ ولاعنَ". القذف في الدبر والقبل سواء لأن الدبر فرج ينبغي باليلاج فيه لذة كاملة، فكان
следующие страницы →